العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-05-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كفاكم جلداً للمعارضة السورية التعيسة!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 3/5/2014

تعددت الأسباب التي يسوقها البعض لتبرير عدم وصول الثورة السورية إلى أهدافها رغم تضحياتها غير المسبوقة في العصر الحديث. ولعل أكثر الأسباب إثارة للضحك أن قوى المعارضة السورية فشلت في إدارة الثورة وقيادتها، وأنها مسؤولة بالدرجة الأولى عن تعثر مسار الثورة. وهو بلا شك، تبرير سخيف.

لا نقول هذا الكلام دفاعاً عن قوى المعارضة السورية، فبإمكانك أن تقول فيها أكثر مما قاله مالك في الخمر، من حيث تعاستها وتشرذمها وأمراضها السلطوية التي لا تقل بشاعة عن أمراض النظام. قل ما تشاء عن تفاهة المعارضة السورية وتفككها وصراعاتها البغيضة وعدم ارتقائها إلى تضحيات الثورة وبطولاتها، لكن لا تقولوا إنها المسؤولة عن عدم تحقيق الثورة أهدافها حتى الآن. ولا تحملوها وزراً أكبر منها، لأن القائد الحقيقي للمسألة السورية ليس المعارضة، بل القوى الدولية التي تحاول أن تغطي تقاعسها، وتلاعبها، وحتى تآمرها على الثورة السورية، بالحديث عن ضعف المعارضة.

لو كان هناك رغبة دولية، أو أمريكية تحديداً لتغيير النظام السوري، ومساعدة قوى المعارضة الحالية لتحل محله، لحصل ذلك خلال أيام قلائل. لكن المسألة أن المعارضة أصبحت شماعة تعلق عليها القوى الدولية المتلاعبة بالوضع السوري عدم جديتها في مساعدة السوريين في بناء نظام جديد.

لن نذهب بكم بعيداً، سنأخذكم فقط إلى عام 2003 قبيل الغزو الأمريكي للعراق، فعندما قررت واشنطن تغيير نظام الرئيس صدام حسين فعلاً، صنعت معارضة خلال أيام فقط. هل تذكرون مؤتمر لندن الشهير للمعارضة العراقية الذي نظمته أمريكا؟ لقد كان ذلك المؤتمر المسمار الأخير في نعش نظام الرئيس الراحل صدام حسن. كيف؟ عندما تنوي أمريكا على شيء لن يقف أمام استراتيجيتها أحد، لا روسيا، ولا مجلس أمن ولا من يحزنون. في ذلك العام وقبل وقت قصير من الغزو العسكري للعراق، استدعت أمريكا كل المعارضين العراقيين الذين كانوا يتسكعون في العواصم الغربية والعربية والإقليمية، ويعيش بعضهم على المعونات الحكومية، أو بيع المسابح كنوري المالكي، ويمضون معظم وقتهم في تدخين الشيشة، ولعب طاولة الزهر في شارع ‘أدجوير الشهير’ وغيره من الشوارع الأوروبية والأمريكية الشهيرة، استدعتهم أمريكا على عجل إلى المؤتمر ‘التاريخي’ الذي وضع أسس العراق الجديد بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا العراق الجديد، لكن المهم في الأمر أن الإرادة الأمريكية عندما تنوي، تستطيع أن تصنع من القرد غزالاً، ومن الكسيح بطلاً في ألعاب القوى، وبسرعة البرق.

ولعل أكثر ما كان يميز المعارضة العراقية آنذاك أنها كانت مضرباً للمثل في تشرذمها، وتناحرها، وتمزقها، وتعدد مرجعياتها السياسية والعقائدية، ومموليها والمتلاعبين بها. فهذا علماني ملحد، وذاك ليبرالجي (لا يعرف من الليبرالية سوى اسمها) وآخر كردي، وغيره من جماعة الولي الفقيه الإيرانية، وهذا قومي، وغيره تركماني أو آشوري، وذاك ‘ثرثري’ لا يشتري كل العقائد والأيديولوجيات بفلس صدئ. لا نقلل هنا أبداً من قيمة توجهات قوى المعارضة العراقية السياسية أو الفكرية أو الأيديولوجية أو العقدية. لا أبداً، فهذا التنوع صحي في الحالة الديمقراطية الحقيقية، لكن ما نريد قوله تحديداً إن قوى المعارضة كانت رمزاً للضعف، والتشرذم، والفرقة، والخلاف، والاختلاف، وعدم التنظيم، وحتى الفقر الاجتماعي. هل كان ذلك سبباً في إعاقة تصنيع معارضة عراقية قادرة على التوجه إلى بغداد فوراً واستلام مقاليد الحكم برعاية أمريكية؟ بالطبع لا.

صحيح أن كواليس مؤتمر لندن الشهير كانت عاصفة بالخلافات بين الأعضاء بسبب تنوعهم واختلافاتهم الفكرية والأيديولوجية والعقدية. فكيف تجمع مناصري ولاية الفقية كحزب الدعوة مع علماني ملحد؟ لا شك أنها مهمة صعبة أن يتوافق هؤلاء المختلفون جذرياً على العمل معاً لقيادة عراق ‘جديد’. وهذا شيء طبيعي، لكنه عسير، ويمكن أن يقضي على أي توافق أو اتفاق. لكن أمريكا كانت بالمرصاد لقتل أي خلاف بين أحزاب المعارضة العراقية في مهده خلال المؤتمر. وعندما وجدت أن الصراع يحتدم بين المجتمعين، تدخلت شخصية أمريكية، وقالت للمعارضين حرفياً:’ إما أن تتفقوا فوراً، أو نرسل كل واحد منكم في صندوق كهدية لصدام حسين’، طبعاً كتهديد مبطن، بأن الاتفاق أمر حتمي، ويجب أن تستعدوا لاستلام السلطة في العراق، وإلا فأمريكا تعرف كيف تعالجكم.

وانتهى المؤتمر، وكان النظام العراقي الجديد الذي سيحل محل نظام صدام حسين قيد التشكيل. ورأينا كيف أصبح المتسكعون في العواصم العربية والإقليمية والغربية مسؤولين، ووزراء، ورؤساء وزراء في السلطة الجديدة، بسرعة عجيبة. ورأينا لاحقاً كيف أصبح البائع رئيساً للوزراء، لأن هناك تصميماً أمريكياً وإيرانياً لتنصيبه. ليس المهم إذاً مشكلة في نوعية المعارضة، طالما أن هناك إرادة دولية، وأمريكية تحديداً لتسليمها مقاليد الحكم في هذا البلد أو ذاك.

وما ينطبق على المعارضات، ينطبق على الأنظمة، فليس هناك مشكلة أن يقوم نظام بذبح مئات الألوف من شعبه، وتهجير نصف السكان، وتدمير معظم مدن البلد، وإعادة البلاد إلى العصر الحجري، وليست هناك مشكلة في أن يترشح للانتخابات، ويفوز، كما هو الحال في سوريا والعراق الآن، طالما أن هناك ضوءاً أخضر أمريكياً وروسياً وإيرانياً لذلك. لهذا رجاءً: كفاكم إلقاءً للتهم على قوى المعارضة السورية في عدم تحقيق أهداف الثورة حتى الآن.

الثورة السورية لم تحبطها لا قوى المعارضة، ولا الشعب السوري، ولا حتى النظام، بل الإرادات الدولية والإقليمية والعربية التي أغرقت سوريا بكل أنواع الفصائل الدخيلة كي تحرف الثورة عن مسارها، وتحولها إلى قضية إرهاب وجماعات متطرفة عمداً بالتواطؤ مع النظام، لأن نجاحها يشكل خطراً وجودياً على الأقربين والأبعدين، ناهيك عن أن موقع سوريا الاستراتيجي في العالم لا يمكن تركه لنظام وطني جديد يضعه في خدمة سوريا والسوريين. لا أبداً، هذا ممنوع منعاً باتاً، فالمصالح الاستراتيجية الدولية في سوريا أكبر وأهم وأخطر من أن يتركوها في يد شعب ثائر، ونظام وطني حر ومستقل جديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن «الممانعين الجدد» في الثورة السورية

بيسان الشيخ

الحياة

السبت 3/5/2014

ربما بات جائزاً اليوم الحديث عن مظاهر «ممانعة» جديدة أفرزتها الثورة السورية على غفلة منها، تتمثل في خطابية مؤدلجة وإقصائية الى حد بعيد، من دون أن تستند فعلياً إلى أرضية فكرية متماسكة أو «ايديولوجيا» محددة، إلا ذلك الشعور العميق بصوابية القضية وأحقيّتها.

والاستعانة بتعبير «الممانعة» في هذا السياق لا تأتي الا بصفتها مدخلاً لتعريف الشيء بنقيضه، سيما أن نقاط التقاطع بين «الممانعين التقليدين» الذين يفسرون الكون ويلخصونه انطلاقاً من القضية الفلسطينية، و«ممانعي الثورة» في سورية باتت أكثر من أن يتم تجاهلها.

ومن ذلك مثلاً لا حصراً، جعل الموقف من الثورة مدخلاً لأي نقاش سياسي أو ثقافي أو فكري، وميزاناً أخلاقياً بالدرجة الأولى لتقييم الأعمال والأفراد، بحيث يصبح التمايز ضمن الصف الواحد اقرب الى الكفر. يكفي مثلاً ان تطرح في لبنان أزمة اللجوء وتعبّر ولو جزئياً عن مخاوف من عبء انساني واقتصادي تشكله على بلد متهالك أصلاً، لتُتهم بصعود «نزعة لبنانية» في المتكلّم، كي لا يقال عنصرية. وإذا تجرأت وأفصحت عن حيرة ما تجاه فشل الثورة في انتاج وجوه شابة وديناميكية لم تطاولها لوثة الفساد «الإغاثي» بعد، لتكون موضع ثقة محلياً ودولياً، وضعتَ مباشرة في خانة المدافعين عن «تخاذل الغرب» وتخليه عن ثورة يتيمة. هذا ولم نصل بعد الى الحديث عن ضرورة صوغ خطاب سياسي يتمتع بالحد الأدنى من التماسك وعرض متكامل للائحة المطالب المحقة يكون موضع قبول (لتعذر الإجماع) بين مختلف الأطراف المعارضة. أما ذكر «البراغماتية» والتفاوض كآليات سياسية «سلمية» لتحقيق الأهداف والحد من الأضرار، فكفيل بحذفك من قوائم الشرف الثورية.

إنها استعادة صريحة لأدبيات الممانعة في استسهال التخوين وكيل التهم ورفض أية دعوة إلى تجديد الخطاب وآليات العمل بما يستجيب تطلعات السوريين ويتلاءم مع تدرج الثورة نفسها من سلمية الى عسكرية، خصوصاً في ظل انقطاع «السياسيين» عن الواقع وانصراف من بقي من الناشطين الى العمل الإغاثي الإسعافي.

وهو، الى ذلك، تكرار مطابق لما جرى مع الفلسطينيين وانتفاضاتهم وما تمخض عنها لاحقاً من تصلب يجعل من يؤيد القضية مضطراً للإذعان إلى قادتها والقبول بمساراتها (وإن انحرفت) تحت وطأة الاتهام بالتخلي عنها... فإما أن يكون معها أو ضدها. وتحت هذا الشعار العريض ارتكب ما ارتكب في العالم العربي كله، من دون أن تعود فلسطين لأهلها. ولسبب محيّر فإن هذا تحديداً ما يستعاد اليوم في القضية السورية التي لا تقل صوابية وأحقية عن سابقتها، فتراها تخطو على خطاها على رغم وجود أدلة مسبقة بعدم جدوى ذلك.

والحال أن واحدة من المعضلات تكمن في من يرغب في أن يستعيض بدمشق بوصلة عن القدس، ويجعل القضايا حصرية وأحادية بما لا يترك مجالاً لتنويعها وإعادة البحث فيها مع ما ينتج من ذلك من مواقف متشنجة تقمع أي صوت مغاير.

ثمة بين السوريين واللبنانيين المؤيدين للثورة، استنساب للذات بالأحقية والصواب والتفوّق الأخلاقي (self- righteousness) يجعل من الصعب البحث عن ارضيات مشتركة ضمن الفريق الواحد، فكيف بمد جسور مع أطياف أخرى من المجتمع السوري، ثائراً كان أم غير ثائر.

ولعل من الهوّات التي بدأت تتعمق تدريجياً تلك التي نشأت بين شرائح اللاجئين المختلفة، والفوارق الهائلة بين من يقيم في خيمة على الحدود ومن يتمتع بمستوى معيشي مقبول نسبياً في بيروت أو غيرها. تضاف الى ذلك غربة حقيقية ومرارة متراكمة بين سوريي الخارج وسوريي الداخل، لا سيما منهم هؤلاء الذين لا يزالون قادرين على الانتقال عبر الحدود. فراحت أخيراً تطفو على السطح لغة اتهامية متبادلة بين من «صمد» ومن «هرب»، أو على الضفة الأخرى بين من «هادن» السلطة، ومن «جابهها» فدفع الثمن نفياً مؤبداً... أليس ذلك هو التراشق نفسه الدائر بين فلسطينيي الـ 48 وفلسطينيي الشتات منذ النكبة وحتى يومنا هذا؟

من المؤلم جداً ان تكون السياسة فن الممكن عندما يوضع على المحك مصير شعب صاحب قضية محقة انسانياً وإخلاقياً وسياسياً، لكن المؤلم أيضاً والمميت لأية قضية هو ألا يعلو صوت فوقها... أوليست ذروة الممانعة تحديد البوصلة ورسم طريق وحيدة لبلوغ وجهتها؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجلس الإسلامي السوري (2)

د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 4/5/2014

يتساءل المرء عما سيكون عليه موقف عالم الشريعة فيما إذا سُئل اليوم سؤال واحد فقط عن بعض القضايا المعقّدة المتعلقة بالثورة السورية، من موقف أمريكا وروسيا تجاه الثورة إلى ما أحدثتهُ من تغييرات في التركيبة الاجتماعية والديمغرافية والثقافية للمجتمع السوري. ومن تأثير الاقتصاد العالمي في مصير الثورة ومآلها إلى الشكل الإداري والقانوني والسياسي لسوريا المستقبل؟

كم من المتخصصين يجب على هذا العالِم أن يسأل؟ وفي كم حقلٍ معرفي ينبغي عليه أن يبحث، إذا أراد أن يُجيب بطريقةٍ منهجية؟

سيحتاج على الأقل إلى متخصصين في العلاقات الدولية وفي الاقتصاد وفي علوم السياسة لمعرفة الدور الخطير للاقتصاد وللمنظمات العالمية والشركات العابرة للقارات في رسم صورة الاقتصاد العالمي، وللعلاقة المعقّدة بين السياسة والاقتصاد محلياً وإقليمياً ودولياً. وسيحتاج إلى خبراء في التاريخ والسياسة الداخلية الأمريكية وعلاقتها بالسياسة الخارجية لمعرفة درجة وطبيعة تداخل الآليات التي تُساهم في صناعة القرار عند الإدارة الأمريكية، ولمعرفة أدوار القوى المختلفة في صناعة ذلك القرار. كما أن مثل هذا العالِم سيكون في حاجة إلى إسهام خبراء في الحقل الدبلوماسي حيث تكون المعارك الدبلوماسية أحياناً أكثر شراسةً من الحروب الفعلية، إضافةً إلى متخصصين في الصراعات المسلحة والثورات وحروب الاحتلال والتحرير. دون أن نغفل علماء الاجتماع والنفس واللغويات والجغرافيا والاتصال البشري وغيرهم.

وبعد أن يستمع عالمُنا المُحترم إلى جميع وجهات النظر من أولئك الخبراء والمتخصصين، أو مجموعةٍ منهم في قضيةٍ من القضايا، فإن عليه أن يكون قادراً على المقارنة والترجيح بين المصالح العامة للشعوب والمصالح الخاصة لبعض المجموعات البشرية المتنوعة فيها. وكذلك على المقارنة والترجيح بين المصالح الآنية العاجلة والمصالح الإستراتيجية الآجلة. وأهمُّ من هذا وذاك، الترجيح بين المفاسد والمصالح التي ستترتب على فتواه بشكلٍ محسوبٍ بدقة. وبعد أن يُحيط علماً بكل هذا فسيصبح بإمكانه الإجابة على سؤالٍ (واحد) من الأسئلة الكبرى التي تتعلق بمثل هذه المسائل.

هنا يأتي السؤال: كيف يستطيع بعض علماء الشريعة إذاً إطلاق فتاوى تدخل فيها مجموعةٌ من القضايا المذكورة أعلاه أو جميعها؟ هل هم مستعدون لتحمل المسؤولية الخطيرة والتَّبعات الجسيمة التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الفتاوى؟ وكم مرةً سمعنا عالماً يُسألُ حول مسألةٍ من تلك المسائل الكبرى فيكون جوابهُ: (لا أدري)؟ أو يكون جوابه أن الإفتاء في هذا السؤال يتطلب معرفة اختصاصات ليست متوفرة لديه؟ أو على الأقل، كم مرةً سمعنا عالماً يستمهلُ السائل إلى اللقاء المُقبل ليُراجع بعض الخبراء والمختصين ثم يجيبه بعد ذلك؟!

لا يمثل هذا الطرح أي هجوم على العلم الشرعي وأهله، بل إن بعض أهل العلم الذين لا يزالون على منهجية علماء الإسلام المجددين المجتهدين، وهم عادةً أكثرُ صمتاً وأقلﱡ ضجيجاً، يعرفون أن الهدف من مثل هذا العرض هو الدفاع عن قيمة العلم الأصيلة، وأن الغاية هي أن يستعيد العلم الشرعي دوره في ترشيد الحياة المعاصرة بشكلٍ علميٍ ومنهجي، هو أدعى لتحقيق مقاصد الشريعة، بدلاً من استعمال الفتوى في كل مسألةٍ ونازلة من النوازل، بغض النظر عن بضاعة العالِم. وذلك في توظيفٍ خاطئ للحسﱢ الديني بين العرب والمسلمين بشكلٍ عام، وعند السوريين تحديداً، ولمقام علماء الشريعة عند كثيرٍ منهم، ولطفرة وسائل الإعلام والمعلوماتية التي فتحت أمامهم الكثير من الأبواب والنوافذ.

وفي غياب المنهجية العلمية الشاملة في التعامل مع مسألة الفتوى والإفتاء فإن الأمر سيكون مدعاةً في البداية للفوضى والتضارب في الآراء، ولمزيدٍ من تشتيت السوريين، في حين كان القصدُ توحيدهم. ثم إنه قد يُصبح في النهاية سبباً في زُهد الناس وإعراضهم بشكلٍ نهائي عن أمرٍ كان حرياً به أن يكون جزءاً من الحلّ، ولكنه أصبح تدريجياً جزءاً من المشكلة في هذا الواقع المعقَّد.

ثمة عنصرٌ آخر في الموضوع لابد من الإشارة إليه. إذ المفروض أن أكثر ما يميزُ الإسلام وجود الصلة المباشرة بين الإنسان وربِّه، وقدرة الأول على تلقي تعاليم إلههِ وفهمها دون وسيطٍ يتمثل في طبقة كهنوت أو رجال دين أو غير ذلك من طرق الوساطة وأشكالها.

إن احترام التخصص مطلوب كقاعدة، ونحن لا نقول إن جميع الناس سيكونون علماء دين. لكننا نعملُ جميعاً على بناء ثقافة سوريا المستقبل وعلى هدم السلبي في ثقافة ما قبل الثورة. والمحظورُ هنا هو أن تَحدُث بشكلٍ تراكمي على مدى الزمان عمليةُ استقالةٍ نفسيةٍ وفكرية كاملة من قِبل الناس فيما يختص بفهم الإسلام، وأن يُوكلَ هذا الأمر كلياً إلى شريحةٍ معينة يصبح هذا الأمر، شيئاً فشيئاً منوطاً، بها حَصراً.. إلى درجةٍ يمكن أن تقتل الحيوية الذهنية والحراك الفكري الذي ينبغي أن يكون مدخل فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، أو تدفع في المستقبل إلى زُهدٍ كامل وإعراضٍ نهائي عن الدين وتعاليمه، فيما إذا ما تحول إلى مؤسسةٍ تسيطر عليها حفنة من رجال الدين.

لن ندخل هنا في دلالات قول الإمام الغزالي في (المستصفى): "إن القادر على تحصيل العلم ينبغي أن يطلب الحق بنفسه، فكيف يبني الأمر على عمايةٍ كالعميان وهو بصير"، أو رأي أبو شامة الشافعي حين قال: "فالتوصل إلى الاجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة إذا رُزق الإنسان الحفظ ومعرفة اللسان أسهل من قبل ذلك".. ولكن من الضرورة بمكان تحقيق معنى الوسطية فيما يتعلق بجهد كل إنسان وقدرته على فهم دينه، وتشجيع الناس على تجنب عقلية الاستسهال والاستقالة في كل ماله علاقة بالدين.

ما هو الحل إذاً؟ وهل يحمل هذا الكلام دعوةً إلى ترك الأمور على ما هي عليه في انتظار حلٍ سحري؟ ليس الأمر كذلك على وجه اليقين، فهذه دعوةٌ إلى فتح الملف والتفكير فيه بجديةٍ يستحقها الموضوع. وإذا كان لابد من التفكير بمثل هذا الشكل المؤسسي، وهو مطلوبٌ فعلاً، فالموضوع يحتاج مزيداً من الجهد والتفكير، وفي أكثر من مجال.

فالمجلس الإسلامي السوري مثلاً يصف نفسه بأنه (إسلاميٌ سوري). ما المانعُ إذاً من إشراك دوائر أوسع، من أهل القدرة والإخلاص للثورة وقيمها، من غير المسلمين، تحت عنوان الانتماء السوري؟ وما المانع من الاستعانة بشرائح من أهل الخبرة والدراية والاختصاص في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولو لم يكونوا من أهل العلم الشرعي؟

أفلا يكون هذا أدعى لامتلاك درجةٍ أعلى من فقه الواقع، ولامتلاك أدوات التعامل معه فيما يحقق مصالح الثورة السورية وأهدافها؟ بل ويأخذ بعين الاعتبار المصير المشترك الذي يعلم الجميع أنهم على طريقه سائرون.. هذه أسئلةٌ تحتاج من أصحاب العلاقة إلى إجابات.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طريق الرئاسة في نظام الأسد

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 4/5/2014

تفتح حملة تجديد رئاسة بشار الأسد في سوريا ملف الطريق إلى منصب الرئاسة في نظام الأسد، وقد سار عليه النظام منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، وعمل على تقويته باستمرار بما يضمن له النجاح في كل مرة في تجديد اغتصاب السلطة، وصولا إلى تحويلها إلى سلطة وراثية بعد موته عام 2000، حيث بدا من الطبيعي أن يتولى بشار الأسد رئاسة الجمهورية وسط إجراءات شكلانية ومتوافق عليها داخل النظام، بل إن أكثر مفاصل النظام كانت متحمسة لهذا الإجراء، وكثيرا من السوريين لم يكونوا ممانعين له على قاعدة الخروج بأقل الخسائر في عملية انتقال السلطة.

والطريق إلى الرئاسة في نظام الأسد كان يبدأ من إحكام القبضة على الجيش والأمن، وهذا ما فعله حافظ الأسد في الصراع مع رفاقه في نظام «البعث» (1966 - 1970) عبر سيطرته على وزارة الدفاع التي كان يتولاها، والتي مدّ من خلال وجوده فيها أذرعته الأخطبوطية إلى الأجهزة الأمنية، التي كانت تتبع جهات أخرى خارج وزارته، وفي طريقه اشترى مجموعة رفاق من المرتبكين والمنبوذين وذوي الغايات الخاصة والهامشيين، ليكونوا إطارا سياسيا لسلطته المقبلة، فشكل منهم «القيادة القطرية المؤقتة» التي كانت من الناحية الشكلية غطاء انقلاب الأسد على رفاقه في قيادة «البعث».

وخلال فترة انتقالية مدتها أشهر، تولى فيها رئاسة الوزراء مع وزارة الدفاع، أعاد حافظ الأسد ترتيب السلطة مجددا وفق احتياجات سيطرته المطلقة على الدولة والمجتمع، فأصدر دستورا مؤقتا يعطيه صلاحيات كاملة، ثم عين مجلسا للشعب، وانتخب قيادة قطرية وقومية لحزب البعث، وأعاد ترتيب ولاء المنظمات الشعبية، ورتب علاقات السلطة مع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية بتوزيع رشاوى لضمان ولائها له، تمهيدا لانتخابه في رئاسة الجمهورية في مارس (آذار) من عام 1971، مولدا نظاما رئاسيا يكون فيه المسؤول الأول والأخير دون أن يستطيع أحد محاسبته أو مساءلته، وهو ما كرسه عمليا في الدستور الدائم عام 1973، وبذلك أرسى أسس تجديد منصب الرئاسة على أساس الاستفتاء على منصب هو المرشح الوحيد فيه.

ووفق تلك الصيغة جدد الأسد لنفسه في رئاسة النظام لأربع رئاسات تالية ومتوالية، كان في كل واحدة منها يخرج بأغلبية أصوات السوريين في واحد من ثلاثة مسارات، أولها أصوات المؤيدين، ثم أصوات اللامبالين، ثم الأصوات التي تقوم أجهزة الحزب والمخابرات بإضافتها تحت السيطرة الكاملة للسلطة ووسط جو من الإرهاب والتخويف، مما يرفع نسب المستفتين إلى نحو مائة في المائة وسط حالة عامة من الديماغوجية المقنعة بالشعارات الفارغة.

وبدا من الطبيعي أن يرث بشار الابن - كما ورث أشياء أخرى - طريقة الوصول إلى الرئاسة، لكنه احتاج إلى خطوات، لم يكن قد أتمها عندما مات أبوه، لتجعله يركب سكة الرئاسة، ولعل الأبرز فيها كان أمرين لم يستغرقا الكثير من الوقت ولا الجهد، أولهما ترفيعه إلى رتبة فريق ليكون بإمكانه تولي منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، والثاني إجراء تعديل دستوري يبدل سن الرئيس إلى ما هي عليه سن بشار الأسد، وتم الأمران من دون معوقات تذكر، بسبب السيطرة التي كان الأسد الأب قد فرضها على النظام، وتركها ضمنا في يد وريثه المرتقب. وهكذا جاء بشار الأسد إلى منصب رئاسة الجمهورية لأول مرة في عام 2000، عبر استفتاء عام يماثل الاستفتاءات السابقة التي كان والده اعتاد عليها في الوصول إلى الرئاسة.

وإذا كان بشار الأسد جدد لنفسه رئاسة الجمهورية في عام 2007، وفق تلك الصيغة شبه التقليدية، فإنه عاجز عن تكرار ذلك في الظروف الراهنة، التي تشهد فيها سوريا ثورة عارمة، تقابل بعنف وإرهاب غير مسبوقين من نظام الأسد كلفا السوريين وسوريا فاتورة بشرية ومادية من الصعب تقدير نتائجها القريبة والبعيدة، وهذا ما يجعل النظام ورئيسه يسعيان إلى خطوات وترتيبات، تجعل من الممكن تمرير «الاستحقاق الرئاسي» وانتخاب الأسد رئيسا لفترة جديدة.

إن بين الخطوات والترتيبات الجديدة تغييرا شكليا، بين خطواته نقل عملية التجديد من استفتاء إلى انتخابات بإشراك مرشحين آخرين من المؤكد أنهم لا وزن ولا حظ لهم في الفوز، في ظل نظام محكوم بالقبضة الأمنية العسكرية، كما أن بين الإجراءات استبعاد ملايين السوريين الذين غادروا أو لجأوا إلى بلدان أخرى هربا من القتل والإرهاب، كما أن الواقع يستبعد مشاركة ملايين آخرين في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام من المشاركة في الانتخابات، مما يعني أن أكثر من نصف سكان سوريا، لن يشاركوا في الانتخابات.

غير أن الأهم مما سبق في موضوع الانتخابات الرئاسية هو أن النظام ورأس النظام فقدا الشرعية السياسية والأخلاقية نتيجة سياسات القتل والتدمير والتهجير التي ارتكبت ضد الشعب، وبالتالي فإن مؤسسات النظام من القيادة القطرية إلى مجلس الشعب والحكومة، لا تملك شرعية تجعلها في مكانة الموافقة على مرشحين وتنظيم انتخابات رئاسية، كما أن بشار الأسد مسؤول مباشر عن تلك السياسات، ينبغي أن يحال إلى المحاكمة، لا أن تتم الموافقة على ترشيحه لانتخابات رئاسة الجمهورية.

إن الانفصال عن الواقع، والإصرار على المضي في طريق الدم والدمار، وحدهما، يجعلان من انتخابات الرئاسة في سوريا، ومن ترشيح بشار لهذا المنصب مهزلة، يجري فيها استعادة طريق انتهى في الوصول إلى الرئاسة في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : خمسة وعشرون يوما فقط تفصل تسليم حمص عن الانتخابات المزعومة فأين الإرادة الوطنية

زهير سالم

7 / 5 / 2014

في حال الغياب الكلي لقيادات المعارضة السورية عن الساحة السورية ، يمضي المشهد الثوري أشبه بحطام مركب تطفو أخشابه المبعثرة على سطح الماء ،فتتقاذفها الريح والأمواج ..

بعد الهدن المتتالية التي عقدتها تباعا بلدات ريف دمشق بدأ من المعضمية و ببيلا وبقية البلدات... . وبعد الانتصارات الحقيقية التي حققتها كتائب ( الاثنا عشر ) من قوات حسن نصر الله في منطقة القلمون ، وتكاد تستكمل بالسيطرة الوشيكة على الزبداني سوار الحدود مع لبنان ؛ جاء الاستسلام أو التسليم الأخير لمدينة حمص ليستكمل بذلك بشار الأسد وداعموه السيطرة على سورية الرسمية من عاصمتها الفعلية إلى عاصمتها الاحتياطية التي كاد أن يهرب إليها البعثيون بعد هزيمة الخامس من حزيران يوم ظنوا أن إسرائيل لن تترك لهم دمشق .

ولكي يكون كلامنا في سياقه واضحا فإن من واجبنا أن نوضح أننا لا نقصد بما نطرح هنا إلقاء اللوم على الأسر المحاصرة من نساء وأطفال هدهم الجوع وأضناهم المرض ، كما لا نقصد التثريب على المقاتلين الأبطال الذين صبروا وصابروا وثبتوا حتى لم يبق في قوس صبرهم منزع . وإنما نقصد أولئك الخليين من المتكئين على أرائك القرار الوطني في كل دوائرهم القادة الذين قرروا خوض الحرب حتى آخر قطرة من دماء الأبرياء من أبناء شعبنا وهم في غفلتهم ساهون أو في بيدائهم سادرون أو حول مجد ذواتهم فكهون .

من حقنا كمواطنين سوريين نعيش الجرح والقرح بكل أبعاده أن نتساءل لماذا لم نسمع من الممسكين بقرارات المعارضة موقفا أو نحس لهم ركزا إزاء ما جرى في غوطة دمشق ، أو في منطقة القلمون ، ولماذا لم نر لهم مبادرة سباقة لماحة أمام قرار تسليم حمص في توقيته وأسلوبه ؟! هل كانوا في حقيقة الأمر عاجزين عن فعل أي شيء ؟ أو أنهم لا يريدون فعل أي شيء ؟ هل علينا من ضير وطني إذا قلنا بأننا بدأنا نشعر أن الدوائر الممسكة بقرار المعارضة السورية في هيئاتها ودوائرها المختلفة أصبحت جزء من المخطط الدولي ، تتحرك بإشارة من إصبعه لا بباعث وطني شرعي أو مدني!! نتساءل لأننا لا نصدق ولن نصدق أن القوى والهيئات والأحزاب والجماعات السورية مجتمعة أو منفردة في هذا الحال من العجز وانعدام القدرة على فعل أي شيء . لقد باتت تريبنا المائدة الأمريكية ، كما باتت تثير شكوكنا المؤامرة المحبوكة على شعبنا وثورتنا ونحن نرى عراها تنقض عرورة عروة والممسكون بقرارنا الوطني سادرون لا مبالون ..

هل حقا لم يكن بإمكان ثوار حمص وأهالي حمص أن يصمدوا على ما هم فيه من تعب ونصب ولأواء خمسة وعشرين يوما آخرين ، بعد أن صمدوا وثبتوا عامين كاملين ؟! هل حقا أن قيادات المعارضة السورية بكل هيئاتها لم تكن قادرة على دعم صمود أهل حمص لمدة خمسة وعشرين يوما أم أنها المؤامرة الدولية التي تسعى إلى تمرير ( الكوميديا التراجيديا ) الانتخابية في أحسن ظروفها ، المؤامرة التي بدأنا نرى قيادات المعارضة السياسية جزء منها ، كلٌ يسعى إلى حجز مقعده في مركب الحل الأمريكي الإيراني القادم ، ولا يهم أحد منهم أي مركب يكون ؟!

هل فكر الصامتون على تسليم حمص ، والمتواطئون على خذلان أهلها، بمعنى أن تعود حمص إلى بيت الطاعة الأسدي قبل خمسة وعشرين يوما فقط من موعد الانتخابات ...؟!

ثم أليس من حق الشعب السوري أن يتساءل وماذا بعد ؟!

ماذا بعد أن سمح لبشار الأسد إعادة السيطرة على قلب سورية ، ليعد العدة للانقضاض على جناحيها ؛ في الشمال والجنوب ؟!

أسئلة لا يطرحها على أنفسهم المتواطئون على هذه الثورة أو المستأثرون بقرارها من العاجزين . يقول أحد أبناء بلدة من بلدات الغوطة لقد حررنا مدينتنا وجلسنا تحت الحصار والخوف والجوع ننتظر الذين لا يريدون أن يثوروا فإلى متى ننتظر ..؟! ويتجاوب معه مواطن ثائر من إدلب إلى كم سننتظرهؤلاء الذين ينتظرون ساعة النصر ليتقدموا ويستحوزوا على ما يظنونه المكسب . الموت والجوع في إدلب وجبلها والسلاح والطعام والوفرة في مدن يزعم أهلها أنهم يوفرونها ملاذا آمنا للثائرين ..!!

أما السياسيون فيقولون : لاشيء يتم في سياق هذه الثورة بقرار مركزي ، لا الإقدام ولا الإحجام ، لا إعلان الحرب وفتح الجبهة ولا عقد الصلح وتوقيع الهدنة ..

تسليم حمص في التوقيت الذي تم فيه ووسط التواطؤ الذي خيم عليه لا يمثل الخسارة الاستراتيجية والسياسية والديمغرافية فقط وإنما الأخطر فيه تداعياته على عقول وقلوب الذين ما زالوا في المدن والبلدات الأخرى صامدين يصاولون تقتل أبناؤهم وتدمر ديارهم يرفعون رؤوسهم وقد رأوا أنفسهم وسط الميدان وحيدين : يتساءلون ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

د. مصطفى يوسف اللداوي

يوم الشهيد في سوريا

بات من المؤكد أن الشعب السوري سينسى يوم السادس من مايو آيار من كل عام، ولن يعود ليحتفل به كل سنة، أو يخلد ذكراه، فقد أنسته السنوات الثلاث السود التي مضت، مرارة الإعدامات التي تمت بحق سوريين ولبنانيين وفلسطينيين في ساحة المرجة بدمشق، منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، على أيدي السلطات العثمانية الحاكمة، بتهمة التآمر ضد الآستانة، والعمل على قيام سلطة عربية مستقلة وموحدة، ومحاولة التخلص من التبعية العثمانية، وتشكيل شخصية قومية عربية مستقلة، تملك قرارها، وتقرر مصيرها، وتحدد سياستها، وتهتم بشؤونها، وتعمل على النهوض بأوضاعها.

أُعدمَ أبناءُ سوريا الطبيعية في مثل هذا اليوم لأنهم طالبوا بحريتهم، وثاروا على واقعهم، ورفضوا الخضوع المطلق للحاكمية العثمانية، التي أهملت شؤونهم، واستغلت ظروفهم، وسخرت طاقاتهم، واستخدمتهم جنوداً في معاركها، وأدواتٍ في سياساتها، وجعلت منهم عبيداً لا رأي لهم، وخدماً لا إرادة لديهم، وقايضت بهم لمصالحها، وباعت بعضهم تحقيقاً لمآربها، في معركةٍ لم تكن متوازنة، وحربٍ لم تكن عادلة، هان فيها الدم العربي وأريق، ورخصت الأرواح وأزهقت، وعلق الرجال بلا عددٍ على أعواد المشانق، في كل الساحات والميادين التي حملت من بعدهم اسم "ساحة الشهداء".

اليوم سوريا كلها تعلق على أعواد المشانق، فتقتل عن بكرة أبيها، وتعدم حتى آخر رجلٍ فيها، وتزهق أرواحها حتى آخر طفلٍ وامرأةٍ من سكانها، في سرمديةٍ دمويةٍ مهولة، وحربٍ طاحنةٍ لا تتوقف رحاها، ولا يخفت أوارها، ولا تنطفئ نارها، بل تتقد مشاعلها، وتشتعل مواقدها، وتمضي كمحدلةٍ ثقيلة، لا تهدأ عجلاتها، ولا تتعب أطرافها، التي تتسابق في القتل، وتتسارع في تسجيل أعلى معدلات الموت، على عدادات الشعب المسكين، الذي بات يتلقى الموت من كل مكان، وتحصده آلة القتل حيث يكون، فتنال منه صامداً في بلدته، أو لاجئاً بعيداً عن مسكنه، أو هارباً من موتٍ يلاحقه فيدركه، فيموت مخنوقاً أو مصعوقاً، بقصفٍ أو بتفحير، وبإطلاق نارٍ أو سحقاً تحت البنايات المهدمة، أو نتيجة الغارات المحمومة، والقذائف العمياء المسمومة، وشهب الموت الحارقة، التي لا تميز بين طفلٍ وشاب، أو رجلٍ وامرأة، أو مقاتلٍ ومسالم، أو هارب ومحاصر، أو صامدٍ ولاجئ.

لن يكون بعد اليوم في سوريا يومٌ للشهيد، ولا ذكرى للشهداء، فقد باتت كل الأيام لهم، وكل التواريخ تخصهم، ففي كل يومٍ يقتل أضعاف الذين أعدموا قبل قرنٍ من الزمان وخلدت أسماؤهم، أما شهداء اليوم فإنهم يقتلون لكنهم منسيون ومجهولون، فلن يحفظ التاريخ أسماءهم لكثرتهم، ولن تدون أسماءهم في الكتب لبساطتهم، فهم العامة والبسطاء، والفقراء والمعدمون، والطيبون والصادقون، الذين أعطوا لسوريا وجهها العربي المشرق، الطيب بأصله، والكريم بخلقه، والمضياف بطبعه، وهم الذين زينوا أرض سوريا بالخضرة اليانعة، وبالأشجار الوارفة، والثمار الطيبة، حتى غدت كلها غوطةً خضراء، ومياهاً صافيةً رقراقةً، تجري أنهاراً، وتتفجر عيوناً، تروي العطاش برودةً، وترضي النفوس نقاءاً وعذوبة.

بعد هذه السنوات العجاف، المقيتة السوداء، التي مرت على سوريا وشعبها، فلم تزدها إلا سوءاً، ولم تغير من واقعها إلا سلباً، حتى غدا أهلها جميعاً كحبوب الرحى، لا تفلت منها بذرة، ولا تنجو منها حبة، بل تطحنها كلها، والتي تفلت منها مرة، تعود إلى ذات الرحى فتهرسها من جديد، الأمر الذي جعل مصير أهلها واحد، وهو الموت وإن تأخر، والقتل وإن تعدد، في الوقت الذي لا تبدو في الأفق فرصة لحل، ولا بادرة لأمل، فلا نجاة من دوامة الموت ولو بالموت نفسه، ولا سانحة في السماء تحمل فرجاً، أو تسوق حلاً، اللهم إلا البقاء في ذات المرجل، الذي يغلي بماءٍ وقوده الناس والحجارة، تدفع بهم الأمم، وتغذيه الحكومات، وتمارسه القيادات، بينما الشعب يصطلى ناراً، ويكتوي ألماً، ويموت بصمت، ويدفن بليل، أو يترك للضواري والهوام، إذ قتل من يدفن، وهرب من يكفن، ولم يبق من الشعب في أرضه إلا القليل ينتظر، حتفه أو الفرج، وموته أو الأمل.

في يوم شهيد سوريا الطبيعية ألا يرتفع الصوت عالياً كفى موتاً، كفى تدميراً وخراباً، فقد استنزف الشعب، واحترقت الأرض، ويبست الأشجار، وماتت النباتات والزروع، وجف حليب الضروع، والدموع في المآقي والعيون، ولم تبقَ رصاصةً إلا وأطلقت، ولا قذيفة إلا وقذفت، ولا قنبلة إلا وألقيت، حتى تاهت المعالم، واختلطت البيوت والمنازل، وغارت معالم سوريا التي كانت، وتبدلت طباعها التي سادت، وقد وهن من شعبها العظم، وناء بكلكله الضعف، وانحنى من شدة ما أصابه الظهرُ، وما زال يئن ويرزح، وينزف ويتوجع.

أما آن لهذا البلد أن يستريح من عناء ما كابد ولاقى، وأن يركن إلى نفسه من هول ما واجه وتلقى، فقد اشتاق السوريون إلى بيوتهم، وسكن الحنين قلوبهم إلى منازلهم ومرابعهم التي كانوا فيها، وهالهم ما رأوا من العالم المحيط بهم، ومن الدول الكبرى المتحكمة في شأنهم، فهل إلى إنقاذهم من سبيل، ونجاتهم من أمل، وإلى نهاية قتالهم من قرارٍ شجاع، ومسؤولية وطنية وتاريخية.

الحل لا يكون في المزيد من القتل، ولا تكون النجاة في مضاعفة عدد الموتى، وارتفاع أعداد المهجرين والهاربين، بل لا مناص من خاتمةٍ عجلى، ونهايةٍ شافية، التي لن تكون إلا دواءً مراً، أو كياً مؤلماً، ولكنها تبقى الحل، خاتمةً للأحزان، ونهايةً للموت المكرر، إذ لا حرب تدوم، ولا قتال يبقى، بل السلام أقوى، وهو الذي نتوارثه ويبقى، مهما طال ليل الحرب، واستعر أوار القتال، والتهب جحيم المواجهة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خبر غير عاجل !!

د. محمود نديم نحاس

عوّدتْنا القنوات الفضائية على كتابة عبارة خبر عاجل باللون الأحمر عندما يصلها خبر في أي لحظة من اليوم، وتجد أنه لا يحتمل التأخير، فتبثه قبل نشرة الأخبار التالية، نظراً لأهميته.

الخبر العاجل ربما يستدعي تصرفاً عاجلا للتقليل من أثر ما حدث أو لمنع تكراره. فعندما تقع جريمة قتلٍ مثلاً فإن الشرطة تنشر معلومات عن المجرم من خلال بعض الشهود، وتطلب من الفنان أن يرسم صورة للمجرم من خلال وصف الشهود، وتخصص خطاً ساخناً لتلقي المكالمات من المواطنين الذين يخبرون بدورهم عمن يعتقدون أن المعلومات تنطبق عليه. كما قد تكلّف غرفة عمليات خاصة لهذا الموضوع من أجل الوصول إلى المجرم والقبض عليه.

وربما لهذه الأسباب جعلتُ مقالتي عن خبر بل أخبار غير عاجلة، لأن هذه الأخبار لم تحرّك ساكناً، ولم يتم التفاعل معها على أنها أخبار عاجلة. ومن أمثلة هذه الأخبار: قصف جوي لمدرسة جيل الحرية في ريف محافظة إدلب السورية ومقتل طفلة وعشرات الجرحى، قصف المعهد الشرعي في جوبر واستشهاد 17 طالب علم وإصابة 86 بجروح، قصف مدرسة عين جالوت في مدينة حلب واستشهاد 30 طفلا، مقتل عشرين شخصاً من أسرة واحدة ببرميل متفجر سقط فوق منزلهم في حي باب الحديد في حلب، المروحيات تلقي ببرميل متفجر على مدينة مورك بريف حماه، الأطفال في المناطق المحاصرة يأكلون حشائش الأرض، غرق مركب يحمل لاجئين سوريين فرّوا من بلدهم، موت أطفال من الجوع في مخيم اليرموك، ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل خارج التعليم في سوريا، تقرير لمنظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة يقول بأن 9.3 مليون سوري بحاجة لإغاثة عاجلة... الخ.

هذه الأخبار لا تستدعي تخصيص غرفة عمليات خاصة، ولا تخصيص خط ساخن للإبلاغ عن مرتكبيها، ولا داعي لنشر معلومات عمن يقودها... فكل هذه المعلومات معروفة، والفاعل معروف، وعنوانه معروف، والوصول إليه ممكن... لكن... أترك الجواب للقارئ الكريم.

ويتساءل بعضهم: ما الذي أغرى الناس بالثورة؟ ولمن لم يسمع عن سبب انطلاقها، فإن قوات الأمن قتلت تحت التعذيب عدداً من أطفال مدينة درعا، ولما احتج الأهالي أجابهم المسؤول الأمني بجواب قبيح نال من كرامتهم وأعراضهم! إذ طلب منهم أن يرسلوا نساءهم إلى ضباطه ليحملوا منهم ويعوضوهم عما فقدوه من أطفالهم! فأي إسفاف في الأخلاق تربّى عليه هذا، هو ومن وضعه في منصبه؟! ومن ذا الذي يتحمل أن يسمع مثل هذا الكلام ثم لا يثور ويفضّل باطن الأرض على ظاهرها؟

اللهم إنا نسألك فَرَجاً قريباً من عندك، فقد خابت الآمال إلا فيك، وانقطع الرجاء إلا منك، وانسدّت الطرق إلا إليك، وأُغلقت الأبواب إلا بابك. اللهم إنك أخبرتنا في كتابك الكريم عن نبيك أيوب عليه السلام (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وأنك قلت وقولك الحق (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ) وها نحن ندعوك ربنا بأن أهلنا في سوريا قد مسّهم الضر وأنت أرحم الراحمين، فاكشف ما بهم من ضرٍّ يا رب العالمين.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معادلة الميدان السورية ومجلس التعاون الخليجي!

محمد صادق الحسيني

القدس العربي

الاثنين 5/5/2014

ليلة الاول من حزيران/ يونيو القادم على الثاني منه سينام امير الكويت في طهران ضيفا على الرئيس الايراني ويلتقي كبار المسؤولين والقيادة الايرانية العليا ما سيعني ليس فقط تسوية للخلاف التاريخي بين البلدين حول الجرف القاري المشترك كما ترغب الكويت من الزيارة ، بل بداية النهاية للهدف الاساسي الذي من اجله شكل مجلس التعاون الخليجي كما يقرأ متابعون مهتمون بما يجري على مستوى العلاقات الخليجية الايرانية والعلاقات الثنائية بين دول المجلس.

نقول هذا ليس اعتباطا ولا من فراغ بل ان كل الوقائع المتسارعة في المنطقة وعلى خلفية تحولات الميدان السوري تشي بانقلاب موازين القوى لغير صالح الذين حاربوا ايران طوال ثلاثة عقود من الزمان وشكلوا مجلس التعاون الخليجي على قاعدة مواجهة الخطر الايراني.

فزيارة الامير صباح الاحمد الصباح هي الاولى له للجمهورية الاسلامية منذ توليه الامارة بعد وفاة الامير جابرالصباح الذي زار ايران في اطار حضور مؤتمر القمة الاسلامي في العام 1997م رغم انتظار الايرانيين لها على نحو عقدين من الزمان وهذا الحدث بحد ذاته له دلالات مهمة جدا.

فالمتابعون الجيدون للعلاقات الثنائية الكويتية الايرانية لاتزال كلمات وزير الخارجية الاسبق علي اكبر ولايتي وزير رفسنجاني ترن في اذنهم … وهو امر مضى عليه اكثر من ستة عشر عاما على الاقل وهو يقول لسفراء الكويت المتتاليين: كلما نقول لكم اين اصبحت زيارة الامير ترسلون لنا وزيرا، وتوقيت الزيارة نفسه يشي بامور اكثر اهمية لا يعرفها الا الراسخون في متابعة تحولات الموقف الخليجي من امور عديدة هامة في المنطقة ليس الموقف من ايران الجمهورية الاسلامية النووية سوى الابرز من بين قضايا لا تقل اهمية …

نبدأ بالموقف من ايران:

يقول ديبلوماسي كويتي عريق بان الخليجيين عموما والكويتيين بشكل اخص يتحدثون دوما عن خطرين ايرانيين الاول التشييع والثاني الايران فوبيا اي الخوف من النفوذ الايراني ….!

الاول برأيه صناعة خليجية بامتياز غير موفقة قامت على وهم صنعوه هم ثم صدقوه والثاني مستورد من اسرائيل لاهداف باتت معروفة للرأي العام الخليجي وسقطت مع تطورات الاوضاع المتسارعة على اكثر من صعيد …

زيارة امير الكويت الى طهران ستعني فيما تعني:

اولا: سحب هذين الخطرين الموهومين من التداول في المحادثات والنقاشات على مستوى الكويت – ايران وكذلك وضع مسافة معلنة واضحة مع اي طرف خليجي لا يزال يكابر في مثل هذا الوهم المصطنع.

ثانيا: وهو الذي لا يقل اهمية عن الاول اعلان كويتي صريح بان الحرب العراقية التي فرضت على ايران في ثمانينات القرن الماضي وبدعم خليجي وكويتي صريح وفاضح والتي كان من تداعياتها الاهم تأسيس مجلس التعاون الخليجي تنتهي اليوم رسميا مع وصول امير الكويت الحالي الى طهران.!

واما على مستوى المسألة السورية :

يضيف الديبلوماسي الكويتي نفسه قائلا: ان كل ما اتخذ من قرارات ضد سوريا تحديدا وكل ما يتعلق بمحور المقاومة ثانيا انما صدر من عاصمة خليجية كبرى لم يكن اغلب اعضاء مجلس التعاون راضين عنها فضلا عن ان يكونوا متماهين معها والزيارة المرتقبة ستضع حدا لهذه الازدواجية ….

وعليه ايضا فان تحولا هاما سيظهر في الافق وبشكل متسارع حول العلاقة مع سوريا واطراف محور المقاومة ليس فقط من جانب الدولة الكويتية بل وكذلك من جانب غالبية مجلس التعاون الخليجي..

واما على مستوى الوضع الخليجي نفسه:

فان المطلعين على كثير من خبايا وخفايا الخلافات الحادة والجوهرية بين اغلبية اعضاء المجلس الخليجي وبين تلك الدولة الخليجية الكبرى ستكون محل نقاش جدي وعميق في هذه الزيارة التاريخية …

ويعتقدون ان الزيارة ستكشف للايرانيين ما يلي :

اولا: ان ما حاولته الكويت من رأب صدع داخلي بين اعضاء المجلس وتلك الدولة الخليجية الكبرى والذي كان اخره اعادة مصالحة ‘بوس خشوم’ بين قطر وتلك الدولة وحليفاتها قد وصل الى نهاياته ولم يعد ناجعا.

ثانيا: ان العلاقة البينية التي تنام على مؤامرة اسقاط نظام خليجي على يد نظام خليجي آخر من خلال محاولة انقلاب مفضوحة وفاشلة، ثم تستيقظ على دعوة لوحدة خليجية كاملة تريد محو الخصوصيات لم يعد بامكانها الاستمرار لا بالطريقة ولا بالاسس التي قام عليها المجلس.

وعليه فان دعوات ضم الاردن والمغرب، او تشكيل مجلس تعاون امني موسع لمواجهة اخطار موهومة قديمة او مستحدثة لا يعدو عن كونه اجترار فشل الماضي وحرب طواحين هواء احترفها البعض مكابرة وهروب الى الامام.

بالمختصر المفيد .. ما جرى في العالم العربي من تحولات خطيرة منذ العام 2010 م ولاسيما بعد اندلاع الحرب الكونية على سوريا انما يصل اليوم الى واحدة من اهم محطاته الا وهي اسدال الستار على مجلس التعاون الخليجي..

اخيرا وليس آخرا لاحظوا ان الزيارة الاميرية الى طهران قد تم توقيتها مع الاستحقاق الرئاسي السوري ما يؤكد مرة اخرى واخيرة هذه المرة بان كثيرين قرروا التنصل منها وان معادلات الردع الميدانية لمحور المقاومة على الارض السورية قد بدأت تأتي اكلها واول الغيث انحلال مجلس التعاون الخليجي..

‘ كاتب من ايران

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حمص الطروادية: بين الساروت والغليون

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 5/5/2014

في السادس من أيار /مايو 2011، كانت مدينة حمص تتصدّر سجلّ الشرف في أعداد شهداء الإنتفاضة السورية (قرابة 1500 شهيد)، بعد أقلّ من شهرين على انطلاق أولى تظاهرات الإحتجاج السلمية. ويومذاك، كان الحماصنة في طليعة المتظاهرين الذين بدّلوا شعارات الإنتفاضة الأبكر، فانتقلوا إلى الشعار الحاسم المطالب بإسقاط النظام؛ كما كانوا بين أوائل أبناء المحافظات في تغيير اسم أهمّ معالم المدينة، ساحة الساعة، إلى ‘ساحة الحرّية’. وهنا، في حمص، شهدت الإنتفاضة أوسع اصطفاف ضدّ النظام من جانب الطبقة الوسطى، وبعض التجار الكبار، وشرائح من المنضوين في ‘الأغلبية الصامتة’ عموماً.

ذلك جعل كتائب الفرقة الرابعة ـ بمؤازرة واسعة من مختلف الأجهزة الأمنية، وقطعان الشبيحة، فضلاً عن أزلام النظام وأعوانه داخل المدينة ـ تنفّذ سلسلة من العمليات العسكرية والأمنية ضدّ حمص، تظلّ بين الأشرس والأشدّ وحشية وهمجية. ولقد استُخدمت صنوف الأسلحة كافة، بما في ذلك الحوّامات والطيران الحربي؛ وفُرض حصار على أحياء حمص وجوارها، من الرستن إلى تلبيسة إلى تل كلخ، ظلّ مفتوحاً حتى اليوم، حين يتعالى حديث النظام عن ‘دخول’ قوّاته إلى قلب المدينة القديم. وكان طبيعياً أن يقترن هذا كلّه بحملة من طراز آخر، قوامها افتعال بؤر احتكاك طائفي بين أبناء المدينة، شاركت في تنفيذ سيناريوهاتها أجهزة النظام ذاتها، قبل أن تتولى تضخيمها إلى ما يشبه السردية المتكاملة: حمص، ‘قلعة الثورة السورية’ كما في التسمية اللائقة بها تماماً، صارت حاضنة أولى لاحتمالات حرب طائفية!

لم يكن ذلك التكتيك، الخبيث والمبتذل في آن، مفاجئاً إذْ يصدر عن النظام؛ ولكن كان المفاجىء، والمحزن تماماً، أن يقع في أحابيل تلك السردية بعض مناصري الإنتفاضة أنفسهم، ممّن اكتفوا بالحملقة في التفصيل الصغير العابر، فزاغ بصرهم عن المشهد الكبير الأهمّ. لافت، أيضاً، أنّ بعض أبناء حمص أنفسهم، وعلى رأسهم برهان غليون، رئيس المجلس الوطني السوري آنذاك، جرفتهم الموجة إياها، فأصدر الأخير بياناً، بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن مجلسه؛ طغت اللغة الإنشائية على كلّ فقراته، ما عدا تلك التي تُلقي باللائمة على الحماصنة، وتجزم بأنّ ‘دفاعات’ بعضهم قد ضعفت في ‘مواجهة مخاطر الإنقسام والتصادم الطائفي’، بحيث: ‘أصبحنا نشهد منذ أسابيع عمليات خطف واغتيال وتصفية حسابات بين أبناء الشعب الواحد، بل بين أبناء الثورة أنفسهم’!

ولأنّ النصّ قوبل بردود فعل رافضة، ومستنكرة، فقد سارع المجلس إلى إصدار بيان ثانٍ حول حمص، أراد فيه أن يكحّل بيان رئيسه، فألحق به العمى عملياً؛ إذْ ليس المطلوب تنزيه المدينة عن كلّ فعل طائفي، كما اعتبر البيان؛ ولا تأثيمها على نحو تهويلي يعيد إنتاج سردية النظام، بحسب بيان غليون. تلك كانت مسألة سياسية بامتياز، قبل أن تكون ظاهرة فوات اجتماعي، ولم يكن من الحكمة أن يتخبط المجلس الوطني بين أقصى التنزيه وأقصى التهويل. لا أحد كان، ويظلّ، يدفع إلى التجييش الطائفي مثل النظام، من قمّة مؤسسته الحاكمة الأضيق وحتى أوسع قواعده الموالية؛ ولهذا، لا حرب ناجعة ضدّ الميول الطائفية أكثر من تلك التي تُشنّ ضدّ النظام، أوّلاً وثانياً وعاشراً.

وفي السادس من أيار، ذاك، كانت حمص عاصمة الانتفاضة السورية، ‘العدية’ كما يصفها أهلها، والقلعة الحصينة التي صمدت طيلة أشهر ضدّ غزاة النظام؛ وهكذا تبقى اليوم أيضاً، وربما حتى ساعة سقوط النظام. وكان من المهين لأبنائها، ولسجلّها العريق الذي يغطّي معظم التاريخ السوري القديم والوسيط والحديث والمعاصر، أن تُختزل إلى صورة مصغّرة، تصنعها حوادث طائفية متفرقة، وأن تُطمس صورتها الأخرى الأبهى: أنها طروادية في مقاومة الحصار، بل هي طروادة سورية الراهنة. وبعض وقائعها الطروادية سجّلها شريط طلال ديركي البديع ‘العودة إلى حمص’، الذي عرّف العالم على تقاليد فريدة في الصمود الإنساني والأخلاقي والسياسي والعسكري؛ في مدينة فريدة، وعبر نموذج بطولي فريد (عبد الباسط الساروت، دينامو التظاهرات الأنشط، أحد ألدّ خصوم النظام، ومخلّد الأهزوجة الجميلة: ‘جنّة جنّة جنّة! جنّة يا وطنّا’…)، استحقّ مكانته المشروعة في حوليات المقاومة، الأنبل والأرفع، على مدار التاريخ.

وبين نموذج الساروت ونمط الغليون (ومَنْ جاء بعد الأخير لم يكن أفضل، للإنصاف، بل أشبه به أو أردأ أو أسوأ، في المجلس كما في الائتلاف!)، تعاقبت على حمص وقائع ملحمية شتى، متشابكة ومعقدة، متكاملة أو متنابذة، تمزج بين الآلام والآمال تارة، أو بين العرس والجنازة طوراً. لكن واحدة من خصالها الكبرى لم تكفّ يوماً عن التنامي والتصاعد والرسوخ: أنها طروادية بامتياز، على غرار الأمثولة العالية التي تغنى بها أمثال هوميروس، فرجيل، شوسر، شكسبير، راسين، غوته، و. ب. ييتس، هيلدا دوليتل، أوسيب ماندلشتام ومحمود درويش؛ والتي حفظها التاريخ لصالح حقّ المقاوم في الانتصار، وإجبار القاهر على الانكسار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأكثرية والأقلية والفهم المغلوط

حسين العودات

البيان

الاثنين 5/5/2014 

لا يوجد في المجتمع السياسي الحديث والدولة الحديثة، إلا أكثرية سياسية واحدة، تتنافس معها أقلية أو أقليات أخرى سياسية بدورها، وما عدا هاتين المجموعتين السياسيتين ليس من الحكمة تدخل أي إثنية دينية أو مذهبية أو عرقية في شؤون الحكم والسياسة منفردة ومن موقع طائفي، فقضية الأكثرية والأقلية هي في الأصل قضية سياسية بامتياز.

وقد تضم الأكثرية أو الأقلية عدة أطراف، أو تتشكل من تحالف عدة تيارات، وفي الحالات جميعها فإن أفراد الأقلية والأكثرية هم من المواطنين الذين تظللهم مرجعية مواطنة واحدة، مهما اختلفت انتماءاتهم المذهبية والقومية أو الدينية.

كما أن الأقلية السياسية والأكثرية السياسية، لا علاقة لها لا بالمذهبية ولا بالقومية ولا بالمنطقة الجغرافية، ولا بأي انتماء آخر غير الانتماء الوطني. لأن أفراد الأكثرية والأقلية يتمتعون بحقوق المواطنة، وعلى رأسها المساواة والمشاركة، وكل منهم يسهم في تقرير مصير المجتمع ومستقبله. أما ما نراه وما نسمعه في هذه الأيام حول الأكثرية والأقلية، التي تعني أكثرية أو أقلية دينية أو مذهبية أو قومية أو غيرها تتدخل منفردة في الشأن السياسي، فإنما هو نهج طائفي صريح، وقد تؤدي تناقضات هذه الأقليات إلى صراعات، وصولاً إلى مذابح طائفية تدمر المجتمع تدميراً كاملاً.

نلاحظ في السنوات الأخيرة، أن المفاهيم السياسية العربية والمفاهيم الثقافية أيضاً، أعطت مضامين جديدة للأقلية والأكثرية في جانبين رئيسيين: أولهما، الاعتقاد بأن الطائفية تعني المذهبية، وواقع الحال أنها ليست كذلك، وإنما تعني تعصب الأقلية، سواء كانت مذهبية أم غير مذهبية، لمصالحها الذاتية، وعدم اهتمامها بمصالح الآخرين.

وثانيهما، تنامي الصراعات الطائفية بين الأديان والمذاهب، وغياب تشكل الأكثرية والأقلية السياسيتين اللتين تجعلان من المجتمع مجتمعاً صحياً، ولذلك تشوه المجتمع في بعض البلدان العربية، وصار كل مواطن عربي يفتش عن دينه ومذهبه وإقليمه الجغرافي، ليجد انتماء جديداً على حساب انتمائه الوطني. وهذا التطور الشاذ والمنحرف، يعود لضعف الدولة وتراجع دورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتخليها عن بعض صلاحياتها لبعض الطوائف.

ذلك أن الدولة العربية الحالية تراجعت وضعفت لحساب قوة وتقدم السلطة والحكومة، التي تحولت إلى سلطة وحكومة تديرهما أقلية حاكمة وأجهزة أمنية تعمل لبقاء هيمنتها لزمن غير محدد، وترفض تداول السلطة، وقد تتساهل السلطة والحكومة مع الخلافات الطائفية، لأن تجزئة المجتمع إلى أقليات غير سياسية متصارعة هي غالباً، وعلى المدى القصير، لصالح السلطة الحاكمة التي لا تتمتع بشعبية.

إن السياسة الطائفية المعمول بها في بعض البلدان العربية، أدت إلى هشاشة المجتمع، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وتشويه مفهوم المواطنة، وزيادة إضعاف الدولة. وبسبب اقتصار الطائفية على المذهبية فقط، تحول الصراع إلى صراع مذاهب، وبالتالي، تم حشر الدين في السياسة، بل حشر المذاهب فيها، وتكليف رجال الدين بالاجتهاد السياسي، الذي نادراً ما يتقنونه.

ومن المعروف أن الدين لم يتوحد مع الدولة في التاريخ العربي الإسلامي، إلا أيام الخلفاء الراشدين، ونظراً لتغير الظروف، فمن المتعذر الآن القبول باجتهادات الفقهاء في المجالات السياسية، حيث أخذ بعضهم يبرر لنفسه التدخل في شؤون الدولة، وليّ عنق الفقه والتاريخ، وصولاً إلى تبريرات غير موضوعية، ولا تستوعب الظروف القائمة.

لقد شهدت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حروباً طائفية وصراعات أدت إلى كوارث حقيقية، حيث شهدت المجتمعات الأوروبية صراعات دامية بين المذاهب المسيحية المختلفة، راح ضحيتها مئات الآلاف من مواطنيها، وكانت الكنيسة تغذي هذه الصراعات لتبقي على امتيازاتها، وخاصة حقوقها في الإشراف السياسي على الدول، وجمع الضرائب، والهيمنة على حياة الناس. ولعل هذا هو الذي جعل اصطلاح الطائفية يُطلق على الصراعات الإثنية فقط، ثم انتهت هذه الحروب بعقد اتفاقية بين الدول الأوروبية منتصف القرن السابع عشر، أقرت الاعتراف المتبادل بجميع المذاهب، وسيادة مرجعية المواطنة ومفهومها على المجتمع كله، ونبذ الطائفية.

وبدأ منذ ذلك الوقت، نهوض الدولة الحديثة بمفاهيمها الحديثة، كما انطلقت النهضة الأوروبية الحقيقية الممثلة بالثورة الصناعية، وتحديث الدولة، وإقرار العقد الاجتماعي. وبالتالي، فبقدر ما خسرت أوروبا من ضحايا بشرية وتدمير اقتصادي واجتماعي بسبب الطائفية، بقدر ما ربحت من الحداثة، وانطلق التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وانطفأت جذوة الصراعات المذهبية (والطائفية) في أوروبا، وأصبحت المواطنة هي المرجعية، وتحولت الأكثرية والأقلية إلى أكثرية سياسية وأقلية سياسية، ولا شيء غير ذلك.

الخشية أن تتحول الصراعات الطائفية في البلدان العربية إلى حروب طوائف بشكل صريح، وألا يأخذ العرب العبر من الصراعات، كما أخذتها شعوب أوروبا، فيخسرون مجتمعاتهم ودولهم، كما خسروا الأندلس بعد حروب الطوائف الأندلسية، ويكتفون بالبكاء، كما بكى أبو عبد الله الصغير ملكه المضاع، على أحد تلال غرناطة عندما غادرها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«داعش» تعود!

مشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاثنين 5/5/2014

ليس مفهوما على الإطلاق سلوك «الجيش الحر» تجاه المنظمة الأمنية/ الأصولية التي تسمي نفسها «الدولة الإسلامية في العراق والشام». فقد أعلن قبل بضعة أشهر أكثر من ناطق باسم «الجيش الحر»، أنه قرر خوض معركة مستمرة وموحدة ضد «داعش» في جميع مناطق سوريا، وأن هذه المعركة ستتواصل إلى أن يتم إخراج التنظيم الإجرامي وعميل النظام من جميع الأراضي السورية، بعد القضاء على مراكزه وتشكيلاته وقواه، ومعاقبته على ما ارتكب من جرائم ضد ضباط وعناصر «الجيش الحر» والشعب، وأبداه من تعاون مع جيش الأسد، وارتكبه من أعمال قتل وتعذيب واغتيال لمناضلين عجزت مخابرات السلطة عن اعتقالهم، فتكفلت «داعش» بالمهمة، وفتكت بهم وقطعت بعضهم إربا، واعتقلت أسرهم وعذبتهم، بينما افتعلت معارك مع المسلمين، الذين كفرتهم، والمسيحيين الذين أغلقت كنائسهم وحولتها إلى مكبات قمامة، واختطفت رهبانهم - كالأب باولو - وقتلت كثيرين منهم أو هجرتهم، خدمة للأسد الذي حاول اجتذابهم إلى صفه، وحين وجد أن معظمهم ليسوا في صفه، حرك «داعش»، التي نجحت في إقناعهم بأن الثورة ليست حراك حرية، بل هي حركة تكفير وتطرف يقضي على من يختلفون معه في الرأي والدين، فلا ملاذ لهم ولا حماية بغير موقف انتحاري يضعهم في صف النظام، الذي أفلح في تطويعهم عبر «داعش».

واليوم، وعلى الرغم مما تبين من ارتباط «داعش» بالنظام، وما توفر من أدلة ووثائق وشهادات ضباط وجنود حول علاقاتها بمخابراته، تتذرع قطاعات واسعة من المسيحيين والعلويين بالخوف من «الثورة» كي تناهضها أو تتخذ موقفا باردا منها، وحجتها أن «داعش» تقاتل إلى جانب الثورة وهي جزء منها، وأنها تريد الشر بهم وتتطلع إلى القضاء عليهم.

لكن معركة «الجيش الحر» ضد «داعش» ما لبثت أن توقفت في مناطق عديدة، ثم وقع تطور خطير تجلى في عودتها إلى بعضها دون رد فعل منه، مع أنها كانت تقاتله في مناطق مجاورة، وتستمر في تنفيذ خطط تستهدف إفراغ المناطق التي حررها من الثورة ومنه، وتسعى للإمساك بطرق إمداده وتموينه، وتقطع أوصاله وتمنعه من القتال كتجمعات كبيرة وموحدة، وتتخلى عن مواقع حساسة تسلمها إلى جيش النظام قبل هجومه على «الجيش الحر»، وتمد النظام بكل ما لديها من معلومات عن تحركات المقاومة، وتنتزع الموارد والثروات الوطنية من وحداته وتسلم قسما منها إلى السلطة الأسدية مقابل مبالغ تمول بواسطتها حربها، التي ليست غير الوجه الآخر لحرب الأسد ضد الشعب، فلا عجب أن تتطابق أهدافهما، وأن ترميا إلى تدمير «الجيش الحر» وإرغامه على الاستسلام، بعد تفكيك وحداته أو إخضاعها لأمراء حرب باعوا ذممهم لـ«داعش»، يروعون ويقتلون المواطنين عقابا لهم على ثورتهم ضد الأسد وزبانيته.

واليوم، وبينما كان «الجيش الحر» يشن هجوما كبيرا على محاور متعددة لفك الحصار عن حمص، تدخلت «داعش» وقطعت ما استطاعت قطعه من طرق إمداده، وهاجمته من الخلف، وقدمت رشى لبعض مقاتليه مقابل تخليهم عن مواقعهم والتحاقهم بها، واحتلت قرى أجبرت سكانها على إخلائها أو هجرتهم منها. وفي النهاية، نجحت في تعطيل الهجوم وإراحة قوات النظام، المنهمكة في دفاع يائس عن مواقعها على محاور ثلاثة، والتي كانت على حافة الانهيار.

قامت «داعش» بكل ما كان عليها القيام به لإحباط عملية فك حصار حمص، وها هي تدخل في الأسبوع الماضي إلى منطقة كسب والساحل وتقيم مقرين لها فيهما، لا شك في أنها ستستخدمهما لطعن الوحدات المقاتلة هناك في الظهر، ولإثارة فتنة طائفية ستضر بالثورة وبفرص انتصار «الجيش الحر» وستخدم النظام، المحرج بسبب عجز قواته عن إحراز أي تقدم في الساحل، ولأن استعادة المناطق التي خسرها ضرورية لإقناع العلويين بقدرته على حمايتهم، وبأنه يخوض معاركه لحماية وجودهم المهدد بالإبادة على يد تنظيمات تكفرهم. بما أن مجريات المعارك كذبت ادعاءات النظام هذه، فإن دخول «داعش» إلى الساحل يصير ضروريا لارتكاب مجازر تقنع أبناءه بما فشل الأسد في دفعهم إليه: القتال حتى آخر رجل دفاعا عنه وعن نظامه، والقبول بتقسيم سوريا.

ثمة آلية جلية لسير التعاون بين النظام و«داعش»، فعندما يحقق انتصارات، تنتشر هي وتوطد أقدامها في أماكن لم يسبق لها أن كانت فيها. وحين تحل به الهزائم، كما يحدث منذ بعض الوقت، تسارع إلى شن عمليات عسكرية مكثفة في أماكن وجهات كثيرة لتخفيف الضغط عنه ومساعدته على الصمود في وجه من يقاتلونه. لذلك، يعتبر السماح بعودتها إلى المناطق التي تم طردها منها ضربا من انتحار وطني وعسكري، لما تحمله من مخاطر على وجود وطننا وشعبنا، وبالنظر إلى أن استكمال طردها من بلادنا مسألة تتخطى السياسة، تحتم مواجهتها تضافر قوانا وتوحيد قدراتنا والعمل ضدها بروح المبادرة والإقدام. بغير هذا، سيضيع ما تبقى من ثورتنا، وسنكون ضحايا تهاوننا وضعفنا في لحظة مفصلية نحتاج فيها إلى أقصى قدر من الحزم والحسم، كي لا تطعننا «داعش» في ظهورنا، بينما ينهمر رصاص النظام كالمطر على صدورنا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : منحة أمريكية شرفية للائتلاف السوري .. وما زال الموقف الأمريكي العملي متمترسا في الدفاع عن نظام بشار

زهير سالم

7 / 5 / 2014

من قواعد العمل الدبلوماسي أن يعقد الإنسان الأصبع على أي إيجابي ينجز إن اتفاقا أو وعدا أو عطاء . وهذا يفسر أن يخرج علينا ممثلو الائتلاف مستبشرين بالعطية الشرفية الأمريكية الأخيرة وكأنها نصر وإنجاز .

تذكرنا العطية الشرفية الأمريكية للائتلاف السوري بعهد منح الألقاب أو بيعها . العادة التي درج عليها الساسة في الغرب والشرق على السواء . تتذكر فولتير وبرجوازيه النبيل مسيو جوردان ، كما تتذكر بشوات مصر والدولة العثمانية .

 ( بعثة دبلوماسية ) هو اللقب الذي حظي به مكتب الائتلاف في واشنطن . وهو لقب جدير بأن يبيّض وجه السيد الجربا وداعميه الإقليميين أمام النفر من أمثالنا الذين كان من شأنهم أن يعلقوا على زيارة السيد الجربا إلى واشنطن بالعبارة التقليدية ( تي ..تي .. مثل ما رحت ..جيتي ) .

بعثة دبلوماسية لقب شرفي سيزيد من هيلمان البعثة السورية في دخولها وخروجها وحلها وترحالها دون أن يعني ذلك أن تحتل هذه البعثة مقر السفارة السورية ، أو أن تُمضي مصالح ومعاملات المواطنين السوريين حتى في تسجيل وفياتهم أو توثيق ولاداتهم أو عقود زواجهم أو شهاداتهم العلمية أو ، وهذا أهم ، تجديد جوازات سفرهم ..

( لقب شرفي ) خلبي لا يعني فيما يعني أن يسمح المجتمع الدولي على منابره الأممية لمتحدث باسم الائتلاف أن يعبر عن رأيه كما يفعل ممثل ( النظام ) الذي يزعمون أنه أصبح فاقد الشرعية أو الصلاحية منذ سنين .

وفي الوقت الذي تعلن فيه روسية الدولة المعادية للثورة السورية وللشعب السوري عزمها على تسليم بشار الأسد ست و ثلاثين طائرة مقاتلة خفيفة قادرة على الهبوط على مدرجات غير معبدة ، منها تسع طائرات ستسلم حتى نهاية هذا العام دعما لقدراته على طريق قتل السوريين وكسر إرادتهم ، ما يزال الصديق الأمريكي المفترض للشعب السوري والثورة السورية ورغم زيارة السيد الجربا الودودة الشكورة متمرسا عند عبارة ( المساعدات غير الفتاكة ) . بمعنى أنها مساعدات لا تعين السوريين على حماية أنفسهم والدفاع عن إنسانهم وعمرانهم ..

وعلى المستوى الآخر ، وبينما يمضي بشار الأسد وداعموه في مشروع التجديد لنفسه ، وسط الدماء والأشلاء والدمار ، غير مبالين بأي معارض سياسي في الداخل أو في الخارج ؛ ما تزال السياسة الأمريكية تطرح بطريقة لا مبالية بل صماء بكماء عمياء مشروع الحل السياسي وتتمسك به ...

الحل السياسي الذي يعني نوعا من الشراكة ، دون أن يسأل المتحضرون الدوليون أنفسهم الشراكة مع من ؟ ، وبين من ومن ؟!

ولتبسيط الموقف في مراد الأمريكيين وشركائهم الدوليين بالحل السياسي يمكن أن نقول إن الأمريكيين لا يزالون يتمترسون في موقعهم الأول مدافعين عن نظام بشار الأسد ويتمسكون به ، ويرفضون تجاوزه . يرفضون أن يذهب السوريون إلى حل ديمقراطي وطني يعبر عن إرادتهم السياسية الجامعة .

لا ندري كيف يمكن لعاقل أن يقترح أي نوع من الشراكة مع مثل هذا النظام ، هل الشراكة المستقبلية ستكون مع شخوصه المنغمسين في الجريمة والدم ؟! أو مع مخرجاته على مدى نصف قرن التي لم تكن إلا المزيد من الاستبداد والكراهية والفساد ؟!

وحين يقول القائمون على القرار الدولي لن نسمح لأي طرف بالانتصار فهم كمن يقول لن نسمح للخير أن ينتصر على الشر ، ولا للحب أن ينتصر على الكراهية ، ولا للكراهية أن تنتصر على الاستبداد .

نقول هذا بينما كل المعطيات على الأرض تؤكد أن كل المواقف والسياسات تسير في الطريق العكسي طريق تمكين الشر من الخير والكراهية من الحب ، والاستبداد من الديمقراطية .

 

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مقاومة بالتذكر: جانب من سيرة دعوة «المصالحة الوطنية» في سوريّة

ياسين الحاج صالح

الحياة

الاربعاء 7/5/2014

قد لا يعرف كثيرون من الجيل الشاب أن فكرة «المصالحة الوطنية» طُرحت في سورية أيام «ربيع دمشق». في أيار (مايو) 2001، نشرت افتتاحية في نشرة «الموقف الديموقراطي»، التي تصدر عن «التجمع الوطني الديموقراطي»، تدعو إلى كشف الحقائق وإعادة الحقوق إلى أصحابها والمصالحة الوطنية. لكن الفكرة لقيت أقوى تعبير لها في محاضرة ألقاها رياض الترك في «منتدى الأتاسي للحوار الديموقراطي» في 5 آب (أغسطس) 2001. تكلم الترك على وجوب «الاستقرار على مبدأ المصالحة الوطنية طريقاً للخروج من حالة التخندق والتلطّي والنيات السيئة. هذه المصالحةُ مطلوبةٌ ما بين الشعب وأهل النظام، وما بين السلطة والمعارضة بأشكالها، وهي تحتاج إلى الثقة التي لا يمكن بناؤها إلاّ بخطى ملموسةٍ تتعزّزُ من خلالها ميولُ التسويةِ وتتراجع ميولُ العداء والخوفِ والثأر». كان الرجل قد قضى 17 عاماً و7 شهور في زنزانة منفردة في أحد الأجهزة الأمنية في دمشق في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وهو ما يجعل كلامه عن المصالحة الوطنية تعبيراً رفيعاً عن تحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية (نص المحاضرة متاح هنا:  http://www.oocities.org/riadtourk/atasi1.htm ).

ليس فقط لم تلق دعوة المصالحة الوطنية أي استجابة عملية، بل كان الرد المتواتر للمتكلمين الأسديين الصغار حينها: وهل نحن في حالة حرب حتى نتصالح؟ هذا الرد المُزايد كان يستثمر بالضبط في الخوف العام الذي تسببت به حرب النظام السابقة كي يُسكِت أي محكوم يدعو إلى طي صفحة هذه الحرب بالذات. يُرفض مجرد النطق بعبارة المصالحة لأنها تتضمن في طياتها العداوة والخصومة، وتذكّر بوقائع المذابح والاعتقال والتعذيب والقتل، والنهب والاستيلاء على موارد المقتولين وأملاكهم، فضلاً عن تحقيرهم والافتراء عليهم. أي لأنها تحيل إلى التاريخ الإجرامي للنظام. لدى النظام سردية مغايرة، عنوانها «الوحدة الوطنية»، وهي تعني أننا كنا وما زلنا وسنبقى على ولاء ثابت لا يتزعزع لـ «سيد الوطن» الذي فاز في آخر استفتاء لـ «تجديد البيعة» له بنسبة 97,61 في المئة من أصوات المحكومين المُحبّين له ولأبيه. نحن موحّدون فعلاً، فما معنى الكلام على المصالحة؟ ستبدو هذه الدعوة، وليس غيرها، الباعث على الخصومة والشقاق!

مع هذا المنطق تواطأ طيف غير ضئيل من معارضين لم يأخذوا المواقف الملائمة للنظام دوماً، والمضعفة لحركة المعارضة دوماً، إلا لأن تكوينهم الاجتماعي والفكري يضعهم في عالم من الحساسية والقيم مشترك مع النظام. كانت دعوة المصالحة في عين هذا الطيف تثير في النفس تداعيات آثمة عن صراعات طائفية، الأمر الذي اتجه التفضيل الدائم ليس إلى التكتم عليه فقط، وإنما إلى التشبيح على من قد ينتهكون هذا التابو ويحاولون تسمية بعض الأشياء بأسمائها، واتهامهم هم بالطائفية. النظام يتهم دعاة المصالحة ممن كانوا قبل قليل في سجونه بأنهم هم دعاة الشقاق والعداوة، وهؤلاء يتهمون منتهكي المحرّم السياسي الخاص بالطائفية بأنهم هم الطائفيون! أليس هذا تكويناً مشتركاً؟

ماتت سيرة المصالحة الوطنية بعد «ربيع دمشق». رياض الترك اعتقل بعد أقل من شهر من محاضرته لأنه وصف حافظ الأسد بالديكتاتور، وهو وصف غير دقيق في الواقع، فقد كان الرجل طاغية وقاتلاً عاماً. واعتقل آخرون، ومات «ربيع دمشق» نفسه قبل أن يكتمل عام على بدايته.

من المهم تذكر هذه الوقائع للقول إن كفاحنا التحرري لم يبدأ قبل 3 سنوات، وإن السوريين واجهوا النظام بالسياسة والرأي في جولات سابقة، وإنه ثابر على مواجهتهم بالسجن والتعذيب والقتل، والكذب. من المهم أن يعرف جيل جديد أن جيلاً سابقاً قاوم الطغيان في وقت مبكر نسبياً، ربما بأدوات مختلفة عن اليوم (أحزاب سياسية أساساً)، لكن بنهج سِلمي أيضاً. في بلدنا، التذكر فعل مقاومة وتحرر، والنسيان خيانة.

غير أن سيرة المصالحة الوطنية انبعثت فجأة من أوساط النظام في العام الماضي. بل تشكلت لها وزارة خاصة، وزارة المصالحة الوطنية. خلال عام ونصف العام من تاريخ الدعوة الجديدة صعّد النظام حربه، وانتقل من قصف المدن والبلدات بالطيران الحربي إلى قصفها بصواريخ سكود إلى البراميل المتفجرة إلى السلاح الكيماوي. واستناداً إلى سوابق النظام وبنيته، ليس في قتل محكوميه المتمردين والكلام على المصالحة الوطنية أي تناقض. أو لنقل إن العالم الذي تجتمع فيه المصالحة والقتل العام هو نفسه العالم الذي تكون فيه الجمهورية مملكة سلالية، وحالة الاستثناء قانوناً دائماً، ورمز الهزيمة «بطل الأمة»، والنظام الطائفي كفيل الوحدة الوطنية، وانتهاك التابو الطائفي هو الطائفية، والدعوة السابقة الى المصالحة إثارة للشقاق. العالم الذي لا يكف عن محاولة حل تناقضه المؤسس بعنف لا يُحد، ولا يجد سبيلاً أمامه للإفلات من المحاسبة عن مذبحة سابقة بغير مذبحة جديدة. ليس كلام المصالحة الوطنية اليوم، بالتالي، غير استمرار للمذبحة المتواصلة بوسائل مختلفة، وغير استمرار في شروط مغايرة لرفض المصالحة نفسها في مطلع القرن. في صيغتها الأولى كانت دعوة المصالحة فعلاً وطنياً تحررياً، اليوم هي مشاركة في الجريمة المستمرة.

ومن المناسب جداً أن يكون وزير المصالحة الوطنية، علي حيدر، من الحزب القومي السوري، الذي تُظهر معلومات أتيحت أخيراً أنه شريك لتنظيمات فاشية ونازية أوروبية، مع ستالينيين وكاثوليك، في تجييش الدعم للنظام الأسدي في أوروبا (مقالة بعنوان: هتلر وستالين وموسوليني وتطرف كاثوليكي تحت راية الأسد، متاحة هنا

http://en.qantara.de/content/the-syrian-conflict-a-red-brown-alliance-for-syria

من الصفحة نفسها يمكن قراءة المادة بالانكليزية والألمانية).

لم يخطئ من قال إن فكرة المصالحة الوطنية تحيل بصورة خفية إلى الطائفية والصراع الطائفي. فكرة المصالحة الوطنية تستبطن أن هناك عداوة وطنية عميقة، تجد مراسيها في الطوائف والاستقطاب الطائفي، وأنه يمكن تجاوز الأمر أو فتح الباب على تجاوزه بالعدالة والحقيقة والإنصاف. وقتها كان وراءنا بضع عشرات الألوف من الضحايا، ومثلهم من المهجرين، وألوف من المعتقلين السابقين. ولو بذل جهد من أجل إبقاء الموضوع حياً في النقاش العام على الأقل، أو مورست بضعة «تمارين على الحوار»، على ما اقترح رياض الترك في محاضرته نفسها، لكان ذلك بداية لتراكم معنوي وسياسي، ولربما كان من شأنه تغيير البيئة السياسية والنفسية في البلد في اتجاهات أقل عدائية.

عكس ذلك هو الذي فضّلته طغمة النظام، الإمعان في الطائفية والاستمرار في حكم البلد بالوسائل الإجرامية ذاتها التي أدت إلى انفجار سابق. فكيف يمكن ألا تؤدي إلى انفجار لاحق أشد هولاً؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وجود الأسد يتعارض مع وجود الشعب

مشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 7/5/2014

لا يقتصر تجاهل الواقع وانعدام الإحساس به على زعماء النظم الاستبدادية، بل يمتد ليشمل أتباعهم الذين يرددون كلماتهم كالعبيد، ويرون فيهم كائنات يستحيل أن تستمر الحياة من دونهم، أو أن تتسع لأي شيء لا يصدر عنهم. ومع أن كل مواطن من مواطني النظم المستبدة يعيش حالة فصام وينقسم إلى شخصين متناقضين متناحرين: أحدهما خاص ومنطو على ذاته وسري، يكره النظام ويعيش على أمل الخلاص منه، وثانيهما عام وعلني، يتملقه ويهز ذيله من دون توقف أمامه، فإن أكثر ضحاياه فصاما هم المقربون من صاحب الأمر والنهي فيه، الذي تكون خامته البشرية في أسوأ حالاتها، وعندما يقلده أتباعه فإنهم يفقدون أي صلة مع إنسانيتهم، ويتحولون إلى خرق بالية تتلاعب بها يد سيدهم الطاغية، الذي مكانه الطبيعي السجن، لكنه صعد إلى سدة القيادة، حيث لم يجد ما يفعله غير تحويل بلاده إلى معسكر اعتقال، يراقب فيه حركات وسكنات كل شخص، بما في ذلك أتباعه الذين يحرسون المعسكر، لكن خوفه من السلاح الذي بأيديهم يجعله عديم الثقة بهم، حريصا على إخضاعهم لرقابة صارمة يمليها عليه شكه في كل شخص وخوفه من كل شيء، ويقينه بأن معاونيه وخدمه ليسوا غير رهط من الأفاقين المجرمين، الذين لا ذمة لهم، ويمكن أن ينقضوا عليه إن هو أغمض عينيه، فهم ليسوا أقل خطرا عليه من المساجين المتكدسين في غياهب السجن.

بدورهم، لا يجد أتباع الطاغية وسيلة لخطب وده وتهدئته غير تملقه والتماهي معه، وليس عندهم من هدف غير أن يثبتوا له كم هم سعداء بما يخضعون له من إذلال، وبما يرتعون فيه من ذل، وكم هم نسخ مكررة عنه، وكم يعز عليهم إيجاد حريتهم في عبوديتهم له، وكرامتهم في التقرب إليه، ودورهم في أن لا يكون لهم أي دور غير الرضوخ لإرادته وتنفيذ تعليماته والتغني بعبقريته، وصدقهم في تكرار ما يجري على لسانه من أقاويل وتخرصات... إلخ.

هذا ما أفسر به تصريحات أتباع الطاغية الأسد، الذين يستمتعون بإطلاق إعلانات تتحدى وتستفز عقول ومشاعر السوريات والسوريين، كقول فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية الأسدي: إن إعادة انتخاب بشار ضرورة يفرضها دوره كضامن لوجود سوريا، ولأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية بصورة خاصة.

أما أن الأسد ضامن وجود سوريا، فهذا كلام لا يشك في صحته مجنون. ألم يثبت حرصه على هذا الوجود بكل ما في حوزته من سلاح ومرتزقة؟ أليس تدمير القرى والبلدات والمدن وهدم سوريا حجرا حجرا خير ضمانة لوجودها؟ كنا نتحدث عن انفصال الأسد وأتباعه عن الواقع، فماذا نقول أمام تصريح على هذا القدر من العبثية؟ ماذا يمكن حقا أن يقال عن مثل هذا التصريح غير المسؤول حد القول بأن من يقضي على بلاده هو ضامن وجودها؟ لو قال المقداد: إن الأسد ضامن وجود إسرائيل، لذلك يقضي على وجود وطنه، لصدقه جميع خلق الله في سوريا وخارجها. ولو قال: إنه ضامن وجود نظام إيران، لذلك يستقدم قوات منها لمقاتلة سوريا والولوغ في دماء شعبها، وتهديد وحدة وسلامة أراضيها، لكان قوله عين الصواب، ولوجد صدى إيجابيا في نفوس جميع سامعيه. أما أن يزعم أن إعادة انتخاب الأسد ضرورية، لأنه ضامن وجود سوريا، فهذا مما لا يقبل التصديق، ويثبت أنه ليس منفصلا عن واقع الوطن والشعب فقط، بل يعيش كذلك في واقع سلطوي يمليه ضغط كابوسي يجعل الكذب على الذات وسيلة توازنها الخاص، وعلى الآخرين خداعا للنفس قبل أن يكون خداعا لهم، خاصة إن كانوا قد ثاروا ضد وجود الأسد في الرئاسة، لأنه يهدد وجود سوريا، وكان بقاؤه حيا يتعارض مع حياتهم كشعب أفقده نظامه وجوده الطبيعي وبيئته التاريخية، وحوله إلى كم من بشر تم انتزاعهم من وطنهم ورميهم في مهاجر لا يجدون فيها أبسط مقومات الوجود، بما في ذلك لقمة العيش، ناهيك عن الحق في الحياة والكرامة والأمان. هذه الإنجازات ترجع إلى شخص اسمه بشار الأسد، قضى في سنوات قليلة على ما بناه شعب سوريا في آلاف السنين، لن تعني رئاسته الجديدة غير القضاء على البقية الباقية من وجود سوريا وطنا وشعبا ودولة.

كنا نقول في الماضي: إن وجود النظام يتنافى مع وجود الشعب. أما اليوم فلا مفر من القول: إن وجود الأسد يتعارض مع وجود الشعب، الذي لن يضمنه غير زوال الأسد من الوجود!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تطور لا متكافئ للأوضاع السورية

ياسين الحاج صالح

القدس العربي

8/5/2014

الوجه الآخر لتمزق سوريا إلى جزر يتعذرالتحرك والتواصل بينها هو انفتاح بعض هذه الجزر على دول مجاورة على نحو غير مألوف في علاقات الدول.

مئات الحواجز التي ينصبها النظام في شوارع دمشق اليوم هي تفعيل لبرنامج مستبطن سبق أن مورس في حلب وحماه وغيرهما من المدن، وبين المدن، أثناء صراع مطلع الثمانينات: برنامج تقطيع الأوصال ومراقبة التحركات البشرية والتحكم بها، وهو مقتبس من إسرائيل على الأرجح. هذا البرنامج مطبق اليوم على نطاق واسع في البلد ككل. التواصل متعذر بين مناطق درعا الخارجة عن سيطرة النظام والغوطة الشرقية قرب دمشق، وبين هذه وبين مناطق في القلمون كانت ولا يزال بعضها خارج سيطرة النظام. والتحرك بين الأخيرة وبين مناطق مماثلة شرق حمص وحماه بالغ الصعوبة بالقدر نفسه. في مناطق الشمال الأمر أقل عسرا، لكن كان لداعش تأثير حاجز مماثل لتأثير سياسة تقطيع الأوصال الأسدية، الإسرائيلية قبله، والاستعمارية عموما. وهذ سياسة تصدر عن افتراض أساسي: إن المجتمع المحكوم هو مجتمع أعداء، ينبغي العمل على تفريقهم بكل السبل.

وبفعل العزل الفعال لا نستطيع قول شيء مفيد عن الأوضاع في درعا استنادا إلى أوضاع الغوطة الشرقية، أو عن أوضاع ‘حلب الشرقية’ استنادا إلى أوضاع حمص المحاصرة، أوعن أحوال دير الزور بناء على ما نعرفه من أحوال الرقة تحت سلطة داعش، أو عن المناطق الذي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بالمقارنة مع أوضاع مناطق حماه مثلا.

هناك تطور غير متكافئ على المستوى الجغرافي، يشكل استمرارا مغايرا لنزعة تجزؤ محلي أقدم، ثبّتتها الدولة البعثية تحت غطاء من المركزية الشديدة التي تربط كل منطقة عموديا مع المركز، هذا فوق ما رعته في العهد الأسدي من جفاء بين الجماعات الدينية والمذهبية والإثنية.

في الوقت نفسه هناك رواق ممهد طويل، مفتوح بين إيران ولبنان مروا بالعراق وسوريا، ما يعني امحاء قسم من الحدود الشرقية للبلد وقسم من حدوده الغربية، بينما ترتفع أسوار حدودية عالية داخل سوريا.

ايضا تنمحي أكثر الحدود الشمالية لصالح مجموعات عسكرية غير موحدة، يفترض أنها محاربة للنظام.

لكن شرط التطور غير المتكافئ أكثر حضورا بعد على المستوى البنيوي. هنا ثمة حركية للمستوى السياسي من طرف مقاومة النظام لا علاقة لها بحركية المستوى العسكري، مع انقسام في مكونات كل من المستويين. هذا يعرفه الجميع، وبسببه لا ينال ‘ائتلاف قوى الثورة والمعارضة في سوريا’ دعما دوليا كان يتوقعه، وتفضل قوى إقلمية ودولية التواصل من وراء ظهره مع مجموعات مسلحة على الأرض. هناك أيضا انقطاع بنيوي بين المستويين العسكري والسياسي من جهة والمستوى الاقتصادي من جهة ثانية، فلا تسيطر المجموعات المسلحة ولا التشكيلات السياسية السورية على مواردها، ولا هي في موقع قوة كاف بحيث تُحيِّد مفعول تلقّيها الدعم الخارجي، أو تحُدّ منه. ولا يتفلت المستوى الديني من إطار التقييد الرسمي السابق فقط، بل هو يتفجر اليوم في اتجاهات مختلفة، يجمع بينها ميل إلى التشدد يبلغ حد الشر المحض، لكن تسير معه مقاومات للتدين، لا يبعد أن تشكل موجة خروج من الدين في وقت غير بعيد.

هذا فوق ما يبدو من أن الاعتقادات الموروثة المختلفة تبدو المواطن الذي تقرّ فيها العداوات الأعمق، وتستمد منها التسويغات الأكثر جذرية للحرب.

وتسير وقائع الشتات السوري في مدارات خاصة بدورها، مشكلة عالما بأكمله من الوقائع القصوى التي لا يتحكم بها أحد.

وغير شرط اللاتكافؤ العام هذا، هناك بلقنة زمانية تضاف إلى البلقنة الجغرافية والبنيوية. هناك اليوم تقطع كبير في أزمنة من يعيشون في الشتات أو المهجرين من منازلهم ولو في داخل البلد، وطبعا المعتقلين جميعا، والمجموع ربما يتجاوز 10 ملايين، أكثر من 40 من السوريين. وليس بالأمر التلقائي أن يزامن اللاجئون أزمنة بلدان الاستقبال، تحول دون ذلك حواجز قانونية ولغوية واقتصادية متنوعة، وهم في الوقت نفسه ينفلتون من زمنية ‘وطنية’، تحولت إلى حطام على كل حال. ومع تفلت الواقع من التحكم العام والخاص، لم يعد أكثر المقيمين في البلد قادرين على توقع الغد والتخطيط لحياتهم واستباق ما قد يحدث غدا. هذا الانقطاع بين الواقع والمتوقع مصدر للعناء والمشقة، يدفع من يستطيعون سبيلا إلى الخروج من البلد، نحو واقع قد يمكن تقدير تحولاته والتحسّب لها. ثم إنه بينما يحارب النظام لترميم الحاضر المؤبد الذي كان يسد دروب المستقبل أمام السوريين، تعرض مجموعات إسلامية إرادة استيراد ماض ميت وفرضه بالقوة على حاضر الأحياء الذين تتحكم بهم. ومقابل الأبديين والماضويين، هناك مشهد مشتت لتطعات التحول والسير نحو المستقبل.

هذا فوق تباعد سيكولوجي متعدد التسويات بدوره بين سوريين مختلفين، لا يرتد إلى البعد الطائفي وحده. على مستوى الطيف السياسي النشط من الخصومات والعداوات ما يصمد للمقارنة مع الضغائن الأهلية، ومثل ذلك على مستوى الثقافة أيضا.

وفوق ذلك كله، فإن الديناميات المسببة لهذا التطور اللامتكافئ متعدد المستويات، جغرافيا وبنيويا وزمنيا وسيكولوجيا، مستمرة في التأثير، وما يلوح أمامنا هو المزيد من التفلت والتباعد واللاتكافؤ. هذه حال من الهيولى وانعدام الشكل لا يذكر بغير حال سوريا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وهي تخرج من أحشاء الامبراطورية العثمانية.

وما يطرحه هذا الشرط على السوريين لا يقل عن إعادة اختراع بلدهم، وأنفسهم. لكن ما من بداية ممكنة لاختراع سوريا الجديدة دون التخلص من شكلها القديم ‘سورية الأسد’. الجماعة قالوا صراحة: الأسد أو لا أحد! أي هذا الشكل المميت أو لا شكل على الإطلاق. وقد أظهروا عزما ثابتا على تطبيق هذا البرنامج العدمي.

‘سوريا الأسد’ لا يمكن أن تكون سوريا السوريين أكثر مما يمكن للجمهورية أن تكون مملكة وراثية، وللابن الوارث أن يكون ‘الرئيس المنتخب’، وللنظام الواحد أن يكون بدستورين اثنين، وللعنزة أن تطير، وللدائرة أن تتربع. المسألة منطقية، وليس هناك ‘حلول سياسية’ لما هو ممتنع منطقيا.

بالتخلص من الشكل الأسدي، نتخلص من المضخة الأقوى للتطور غير المتكافئ وانعدام الشكل. وهوما يفتح الباب لتعطيل مضخات الخراب الأخرى.

‘ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الصراع السني ـ الشيعي: الفقراء هم الضحايا و القتلة أيضاً

مازن كم الماز

القدس العربي

الخميس 8/5/2014

منذ وقت مبكر جدا من تاريخ الدولة، ثم الدول، العربية الإسلامية القروسطية أخذ الصراع على السلطة شكل الصراع المذهبي أو الطائفي .. عادة ما جرى التعبير عن معارضة السلطة القائمة عبر فرق مهرطقة أو معارضة لمذهب الدولة الرسمي .. شكل الخوارج والشيعية الزيدية وبعض القدريين المعارضة الفعلية لسلطة بني أمية قبل أن تتمكن الحركة العباسية من أن تحل مكان سلالة بني أمية عبر انقلاب دموي، لتتدرج السلطة الجديدة فيما بعد نحو تبني تفسير جامد شكلاني للنص ( أصبح ما يسمى بمذهب أهل السنة والجماعة ) بعد تقارب مؤقت عابر مع المعتزلة .. مع صعود الحركة الإسماعيلية عاد الصراع على السلطة ليدور على المحور السني – الشيعي، وسيتجدد ذلك مرة أخرى في القرنين الرابع والخامس عشر مع اشتداد الصراع بين السلاطين العثمانيين والصفويين .. قد يمكن فهم رد فعل المقهورين السنة في سوريا والشيعة في العراق (أيام حكم صدام) حيث قد تبدو لهم الطائفية المضادة لطائفية السلطة التي تقهرهم وكأنها عنوان المقاومة الحقيقي لنظام يغطي قهره لرعاياه بشعارات ‘علمانوية – قومجية’ الخ، تماما كما يمكن فهم ميل الأوكرانيين اليوم إلى الشوفينية القومية، وحتى النازية، التي تبدو وكأنها النقيض الفعلي ‘للأممية’ المزعومة للنظام الستاليني الذي قهرهم لعقود والذي يمثل بوتين استمراره المنطقي، لكن لا يمكن أبدا فهم موقف النخب من الطائفية، مثل موقف أسلافها من الصعود القومي بالأمس، إلا من موقع سلطوي يحرص على استلاب الجماهير وخداعها .. النظام السوري مثلا في محاولته لاستثمار الورقة الطائفية قسم الامتيازات بين غالبية العلويين ( الفقراء ) وبين النخبة السنية الثرية بحيث حصلت الأخيرة على حصة ‘الأسد’ من الثروة الوطنية طبعا بعد رأس النظام وكبار جنرالاته .. بينما حرص نظام آل الأسد على إبقاء الكتلة الرئيسية من العلويين البسطاء كعمالة فقيرة رخيصة ومتاحة ليوظفها في أجهزة أمنه وقطعان شبيحته مقابل رواتب وامتيازات تافهة ليموتوا اليوم بالآلاف دفاعا عنه وسط ازدراءه واحتقاره لهم، بالمقابل منح النظام كبار تجار وصناعيي حلب ودمشق، السنة في معظمهم، حرية واسعة نسبيا في تجميع ثروات طائلة من خلال نهب الفقراء من كل الطوائف ونهب البلد طبعا بعد دفع ما عليهم من خوات لصالح أكثر شبيحة النظام مجونا وعربدة، رامي مخلوف وأزلامه .. الطائفة كيان وهمي، لا وجود له في الحقيقة، ولا معنى له، وإذا استثنينا السفسطة اللغوية والهذر ‘التاريخي’ لرجال الدين الطائفيين عن أشخاص وأحداث لا علاقة لها بحاضرنا ومستقبلنا من قريب أو بعيد وحتى مشكوك بحقيقتها التاريخية، على الأقل كما تذكر في الرواية الرسمية السائدة للتاريخ، يستحيل حتى تقديم تعريف ذا معنى للطائفة، وينكشف هذا بكل وضوح عندما نجد النخب تدرج تحت مصطلح الطائفة بشرا كفقراء باب التبانة مثلا إلى جانب مليارديرات بيروت وطرابلس ناهيك عن ملوك وأمراء الخليج، أوفقراء مدينة الصدر والضاحية وعش الورور والسومرية إلى جانب كبار موظفي وجنرالات نظام طهران والمنطقة الخضراء ببغداد وآل الأسد بدمشق .. خلافا لكل المزاعم، لا يدور الصراع السني الشيعي اليوم في سبيل حرية فقراء سنة أو شيعة ..

الصراع السني الشيعي هو اختزال للصراع على الهيمنة على الشرق وثرواته الطائلة، تحديدا بين نظام ملالي طهران من جهة ومشايخ وأمراء الخليج على الضفة الأخرى .. لا علاقة للمقدس أو الجنة أبدا بهذا الصراع، ولا الفقراء ولا حريتهم .. يتركز هذا الصراع تحديدا حول النفط، على الثروة .. إذا كان ملالي طهران او شيوخ الخليج وموظفوهم من ‘رجال دين’ من الذين يأججون مقتلة الفقراء المسماة بالصراع السني الشيعي، إذا كان هؤلاء السادة ومرتزقتهم يرغبون بالجنة فعلا، يمكنهم عندها بكل بساطة التنازل عن النفط وثروات ‘الدنيا’ لفقراء بلادهم وأن يتوقفوا عن نهبهم وقمعهم وأن يذهبوا ليقاتلوا بعضهم البعض في سبيل طائفتهم ومقدسهم .. إنها أسوأ مجزرة في تاريخ البشرية منذ عقود، إنه هولوكست الفقراء، وأسوأ ما فيه هو أن الفقراء هم القتلة والضحايا في نفس الوقت .. لكن مع ذلك لا يجب على الفقراء أن يلوموا إلا أنفسهم، لا طريق آخر، لا بديل عن هذه المقتلة إلا ان يكتشف الفقراء من كل الطوائف إخوتهم الحقيقيين على الطرف الآخر من الخندق، لا في قصور سادتهم ‘من ذات الطائفة’، عندها فقط سيستعر الصراع الحقيقي بين المقهورين ومن يضطهدهم وينهبهم حتى قيام شرق يعيش فيه كل البشر من كل الطوائف والقوميات والأجناس أحرارا ومتساوين، حتى إلغاء القهر والاستبداد نهائيا من الشرق، الأرض كلها.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com