العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-08-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

وأسألُك القصدَ في الفقرِ والغنَى

د. محمود نديم نحاس

هناك قصة ظريفة تكررت كثيرا في مواقع الإنترنت، وتناقلتها رسائل البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. والقصة رواها شاب عربي ذهب إلى ألمانيا للدراسة ظاناً أنه سيجد فيها رغد العيش والحياة الفاخرة، نظراً لمكانتها الصناعية في أوروبا، لكنه فوجئ بغير ذلك، حيث يعيش الناس في حياة محسوبة بدقة. ويتحدث الشاب عن الحفل الذي أقامه زملاؤه للترحيب به، وكان ذلك في أحد المطاعم. ويروي كيف أنه فوجئ بكميات الطعام القليلة التي وجدها على طاولات الألمان في المطعم، لاسيما طاولة زوجين شابين، مما جعله يتساءل في نفسه إن كانت تلك الوجبة البسيطة تتصف بالرومانسية، وكيف ستصف الزوجة الشابة زوجها أو خطيبها بالبخل في ذلك البلد الصناعي، في حين حفلت طاولة الشباب العرب الذين أقاموا الحفل بما لذ وطاب من الطعام الذي لم يستطيعوا أن يتناولوه كله رغم جوعهم، فتركوا ما يقرب من ثلثه على الطاولة!

ويكمل صاحبنا بأنه كان في المطعم بعض السيدات الألمانيات المسنّات اللواتي أبدين استياءهن من وجود كمية متبقية من الطعام على طاولة الشباب العرب! وعندما قال أحد الشباب: لقد دفعنا ثمن الطعام كاملا، فلماذا تتدخلن فيما لا يعنيكن؟ قامت إحداهن بعمل اتصال هاتفي، جاء على إثره رجل بزي رسمي قدّم نفسه على أنه "ضابط في مؤسسة التأمينات الاجتماعية" وحرر للشباب مخالفة بقيمة 50 يورو! وهو يقول بلهجة حازمة (اطلبوا كمية الطعام التي يمكنكم استهلاكها! المال لكم، لكن الموارد للمجتمع الإنساني! وهناك العديد من البشر على هذه الكرة الأرضية الذين يواجهون نقص الموارد. وليس لديكم أدنى سبب لهدر تلك الموارد). ولم يجدوا بداً من دفع الغرامة مع الاعتذار. ويعلق صاحب القصة بأن وجوه الشباب قد احمرت خجلا، لكنهم أخذوا درساً عملياً لن ينسوه أبداً لاسيما وأن الذي دفع الغرامة قد صوّر تذكرة المخالفة وأعطى كل واحد منهم نسخة عنها كهدية تذكارية كيلا ينسوا أن الموارد للمجتمع.

عندما يقرأ أحدنا القصة ثم يشاهد الأخبار ويرى إخوانا لنا في بلاد كثيرة لا يجدون ما يأكلون، لاسيما إخواننا الكرام في بلاد الشام، الذين يعانون اليوم من حر الصيف كما عانوا قبله من برد الشتاء، نجد أنه لزاماً علينا أن نراجع حساباتنا فيما مضى من شهر رمضان المبارك، ومن دروسه الكثيرة التي تعلمناها حول الحكمة من الصيام، فنقتصد في الطعام، لاسيما في أيام العيد القادمة، فلا نجعلها تعويضاً عما فاتنا في الشهر الكريم، بل نفكر في كيفية توصيل الطعام إلى إخواننا اللاجئين والمشردين، متذكرين القاعدة التي أقرها ذلك الشرطي الألماني: المال لك والموارد للجميع. فهذه هي تذكرة الوقت الذي نحن فيه، لاسيما ونحن نقرأ قول الحق تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)، وندعو بما جاء في أحد أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم (وأسألُك القصدَ في الفقرِ والغنَى)، والقصد هو التوسط، أي من غير إسراف ولا تقتير، ومنه جاءت كلمة الاقتصاد، وهو العلم الذي يبحث في الإنتاج والثّرْوات وطُرْق اسْتِهلاكها.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

من يوقف هاتين الدولتين المارقتين عند حدهما

محمد فاروق الإمام

أحار بالكيفية التي أنعت فيها "كيري" وزير خارجية أمريكا وهو يعلن في واشنطن عقب زيارة له إلى منطقة الشرق الأوسط بكل صفاقة وبلا حياء، بعيداً عن القيم والأخلاق الإنسانية أو ارتباطه بمفرداتها، ودون حس بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق واشنطن بصفتها القوة الأكبر في العالم، وامتلاكها لحق النقض الفيتو في مجلس الأمن: أن " أي عملية لحل الأزمة في غزة بطريقة دائمة ومهمة، ينبغي أن تؤدي الى نزع سلاح حماس وكل المجموعات الارهابية"، متبنياً مطالب الدولة العبرية وشروطها لوقف اعتداءاتها على غزة وتنكيلها بالشعب الفلسطينيعبر السلاح الأمريكي الذي تقدمه واشنطن لهذا الكيان المغتصب منذ أكثر من خمس وستين سنة هدية بالمجان، خمس وستون عاماً من الاغتصاب والاحتلال والحصار والتضييق وكتم الأنفاس، ومنع الدواء والماء والغذاءوالحليب عن الأطفال والعجزة والمرضى والجرحى ومواراة الشهداء التراب، دون أن يرف لها جبن أو يرتعش لها جنان، وأمريكا بموقفها هذا تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أنها دولة ترعى الإرهاب والاحتلال بامتياز، وحالها كحال صنوهاومناكفتها روسيا التي لا تقل عنها تجيراً واستكباراً، وهي الدولة الثانية الأعظم في العالم، وصاحبة حق النقض الفيتو في مجلس الأمن، التي تحمي النظام الإرهابي القاتل في دمشق وتذود عنه وتنافح من أجل بقائه، وتقدم له أعتى ما وصلت إليه ترسانة أسلحتها الفتاكة القاتلة والمدمرة من أسلحة وذخائر،والتي أتت حتى اليوم وبعد ثلاث سنوات من عمر الثورة السورية، على قتل ما يزيد على 300 ألف سوري، وتغييب ضعفهم في السجون والمعتقلات والاختفاء، وتهجير أكثر من ستة ملايين خارج سورية في الدول المجاورة والعالم، وفرض النزوح على أكثر من 12 مليون سوري هائمين على وجوههم داخل الأراضي السورية بحثاً عن الأمن والأمان المفقودين منذ وطئت قدما آل الأسد سدة الحكم في دمشق عام 1970.

هاتان الدولتان المارقتان المتحكمتان في العالم وفي مصائر الشعوب وهي تتقاطع مصالحهما في قهر الناس وظلم العباد، لابد من وقفة شجاعة لدول العالم قاطبة تجاه ما يفعلانه بشعوب الأرض المستضعفة، وأن على دول العالم أن تتوحد إرادتها في مواجهة هاتين الدولتين المارقتين ووقفهما عند حدهما، وإيجاد صيغة جديدة بديلة عن مجلس الأمن الحالي الذي تعبث به هاتين الدولتين المارقتين، صيغة جديدة عادلة تنصف الأمم والشعوب المستضعفة وإقامة ميزان الحق والعدل في الأرض، فقد بلغ السيل الزبى وآن على العالم أن يتحرك سريعاً لوقف شلالات الدماء المهراقة  في كل أصقاع الدنيا وضحيتها الدول الضعيفة والشعوب المقهورة.

أخيراً أتساءل بحرقة وألم: هل سيتحرك العالم حقيقة لوقف هاتين الدولتين المارقتين أمريكا وروسيا عند حدهما، وهل سينصف النظام العالمي الجديد الذي ننشد الدول الضعيفة وينصف الشعوب المستضعفة منمحتليها وحكامها وجلاديها ومصاصي دماء أهلها وناسها؟!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

العيد في الشام هموم وأحزان

د. محمود نديم نحاس

في العام الماضي وفي مثل هذه الأيام كتبت مقالة بعنوان "عيد الشام هذا العام"، وإذ أعود للكتابة عن الموضوع نفسه أجد أن الأمر ازداد سوءاً، بزيادة عدد المهجرين والمشردين. فأي عيد هذا الذي مر على شعب، ربعه مشرد، وربعه لاجئ في الدول المجاورة، وعُشره بين قتيل وجريح ومعتقل ومفقود، والباقون يتوقعون أن تنزل فوقهم البراميل المتفجرة، فكأنهم ينتظر الموت في أي لحظة! وأي بسمة سيستطيع العيد أن يرسمها على الوجوه أو الشفاه والحزن مسيطر على الناس، والدموع تملأ المآقي؟

أرسل لي صديق قصيدة لشاعر نظمها في معتقله، وقرأها في زنزانته يوم أحد الأعياد من وراء القضبان، فأبكت كل من كان عنده غلمان، بل وربما أبكت الجدران، ولربما أسالت دموع السجّان، فخفف عن المعتقلين العدوان، وتنازل يوماً عن أعمال الشيطان، وانحاز إلى المساكين ضد الطغيان، وعامل المساجين معاملة الإنسان، ورفض أن يكون من الأعوان، في جلد المواطنين وتخريب الأوطان، ولربما أعلن العصيان، وهو يرى الشباب يموتون في الريعان، ليس فيهم مجرم ولا مُدان، سوى أنهم رفضوا لفرعون الإذعان، وأرادوا هدم الأوثان.

وقبل قليل جاءتني رسالة تقول: من لم يمت بالقذائف والنيران مات غرقاً على شواطئ اليونان. وذلك في إشارة إلى حوادث غرق مراكب تهريب المشردين إلى أوروبا وهم يبحثون عن ملاذ آمن، بل وعن جوازات سفر لأولادهم.

لابد أن أولادك قد لبسوا ثياب العيد، وراح كل واحد منهم يتباهى بالجديد، وينهل من الحلوى التي كان ينتظرها خلال شهر الصيام... ألا فتذكر أولاداً كانوا في نعماء، فإذا بهم اليوم مشردين في أنحاء الأرض، في البراري داخل وطنهم، أو في المخيمات خارجه، لم يستطيعوا أن يحتفلوا بالعيد، فليس هناك أب يأخذهم إلى صلاة العيد، أو يأتيهم باللباس والحذاء الجديد، فالأب إما مغيّب في السجون من غير ذنب جناه، أو قضى إلى ربه من طلقة قناص أثيم، أو قُطعت رجله تحت قصف الظالمين. والأم المسكينة جمعت أولادها ولاذت بالفرار خوفاً على نفسها وعليهم، فتعرضت في منفاها لما لم يكن متوقعاً، إذ وجدت نفسها المعيل الوحيد، وحولها الأفواه جائعة والبطون خاوية.

وإضافة لحال هؤلاء هناك مناطق محاصرة، لا يدخل إليها رغيف خبز واحد، يعيش أهلها على ما يستطيعون استنباته في أرضهم، وقد عز الطعام، وندر المال، وهم يودعون كل يوم من يموت جوعاً.

الكل يزفر ويئن من الألم الدفين، والأسى يملأ بالدموع العيون، والجميع يشكون إلى الله الجبار أن ينتقم من الطغاة الآثمين. فالعيد ليس لهم، وإنما عيدهم يوم يزول الظلم ويعودون إلى ديارهم آمنين، ويكفيهم شرف أنهم صامدون على الحق المبين، لم يساوموا على الدين، ولم يستكينوا للظالمين، ينتظرون الفرج من رب العالمين. فيا ربّ أعطهم النصر المبين، وأطعم منهم الجائعين، وآمن منهم الخائفين، وآمنّا جميعا يوم الفزع الأكبر، فذلك الفوز العظيم.

ولقد أجاد الشاعر حينما وصف عيد الشام بقوله:

أبكي على الشام لا عيدٌ يمر بها *** ولا سرور يُناغي أعين العين

ولا اغتماضٌ لطرف الموت يمنحهم *** حيناً يُلملم أحزان المساكين

من لم يمت بسيوف الغدر قرّحه *** جوعٌ ودنّسه جَور الشياطين

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المجرمون والقتلة عندما يتسترون بالقدس

بدرالدين حسن قربي

ليس سرّاً أن الإيرانيين بعمومهم يسبّون الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ويلعنونه، ويحتفون بقاتله أبي لؤلؤة المجوسي باعتباره بطلاً وشهيداً، بل ويلقبونه بابا شجاع الدين، وقد شيدوا له ضريحاً بمثابة نصب تذكاري وضريح رمزي جعلوا منه مزاراً في مدينة قاشان في محافظة أصفهان وهو عندهم من المكرّمين، علماً أن أحد معالم هذه الشخصية التاريخية العظيمة أنه فاتح القدس الشريف سلْماً، الذي تجشم عناء السفر الطويل إليها والشاقّ كأحد شروط تسليم مفاتيحها إليه شخصياً وتجنيبها الحرب، وتوقيع ماعُرف بالعهدة العمرية لأهلها، وهو أمر بكل المقاييس يُحتسب له حتى عند الشانئين والأعداء قبل الأنصار والمحبين.  ومثله أيضاً، صلاح الدين الأيوبي محرر القدس وقاهر الفرنجة من بعد احتلالهم لها قرابة قرن من الزمان، فكرههم له عجيب وحقدهم عليه أعجب.

وإنما رغم عظيم ضغينتهم على فاتح القدس أولاً ومحرّرَها ثانياً، فإن هذا لم يمنعهم عقب الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 ومجيء الخميني، أن يتاجروا بفلسطين والقدس ويتستروا بها كما يفعل غيرهم، فكان لهم اقتراحهم الذي مضوا عليه سنوياً، بأن يكون يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً دولياُ لمدينة القدس، يتمّ فيه الحشد لإقامة المظاهرات المناهضة للصهيونية في الدول العربية والإسلامية وفي أماكن التجمعات الإسلامية والعربية في مختلف أنحاء العالم.  وهي ظاهرة حرصت عليها الجمهورية الإيرانية في خطابها حرص العروبيين القوميين على ظاهرتهم الصوتية بل وأشد، ولكن بلَبوسٍ إسلامي وصل بها مع النظام السوري إلى تشكيل ماعرف بجبهةٍ ميّزت نفسها بمقاومةٍ لكنّها مغمّسةٌ ومغموسة بالقمع والاستبداد، وممانعةٍ ولكن يعجّ فيها النهب والفساد، اخترعت واسّست لما يمكن تسميته بالتفسير المقاوم والممانع للتاريخ.

قيام ثورة الحرية والكرامة السورية وانفجار بركان السوريين في وجه القمع والاستبداد والنهب والفساد كشف الغطاء عن النظام السوري، وأكد وحشيته وتوحشه وإجرامه في حق شعبه مما لامثيل له في أنظمةٍ قمعية سبقت، وعهودٍ من التاريخ مضت. كما كشف الدعم اللامحدود له من حليفه وأتباعه الحاقدين على فاتح القدس ومحرّرها، فيما يرتكبه من مذابح ومجازر غايةً في فظاعات التوحش، تؤكد انعدام الضمير والأخلاق والإنسانية لدى دولة دينية استبدادية، قامت على احتجاجات شعبية واجهها الشاه بالقوة، ولكن بالتأكيد لايملك أيٌّ من ملاليها أو آياتها صورةً واحدة لطفل قد قتل أو امرأةٍ اغتصبت أو بيتٍ جرى تدميره.

فإذا اعتبرنا مجزرة دير ياسين التي ارتكبها الصهاينة بحق أهلنا في فلسطين وحدةً قياسية معياريةً للقتل، فإن ماارتكبه النظام الأسدي المقاوم بحق شعبه يعدل إحصائياً حتى تاريخه ألفي مجزرة ولا فخر، تميّزت بحرق الأحياء وذبحهم، ونهب البيوت وتدميرها، واغتصاب النساء وقتل الأطفال، والضرب بالصواريخ والدبابات والطائرات العمودية والمقاتلة القاذفة، وجعلت من دفن السوري جثّة مكتملةً أمراً بالغاً في الترف.

وعليه، فليس غريباً أن تبرأ قدس المحبة والسلام والأقصى المبارك بأذانٍ إلى الناس على لسان شيخه المقاوم الحرّ الممانع رائد صلاح، وبراءةٍ من نظام العار الجزّار إلى حليفه ونصيره النظام المقترِح ليومها العالمي،الحاقدِ على فاتحها الفاروق راية الحرية والأحرار:

كلُّ يومٍ هو يومٌ للقدس، ولا نعترف بأيام يحتفل بها هؤلاء القتلة المجرمون.  تجتمعون على قتل إخواننا في سوريا وتنافقون بحبكم للقدس..! والله إن القدس بريئة من هذه الاشكال، والله إن القدس بريئة من هذه الاشكال.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

موقفنا : حول مسارعة الولايات المتحدة التدخل في العراق .. وسقطت تحليلات المحللين ومراهنات المراهنين ولم يبق إلا قراءة الصادقين

زهير سالم

نعم تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وليس أوباما ، لأن الولايات المتحدة الدولة الديمقراطية العظيمة أكبر من أن تختصر في رئيس مهما كان شأن هذا الرئيس . هذا الاختصار ممكن في دول مقزمة مهشمة شعوبا ومؤسسات كدول عالمنا الرازح تحت ثقل مستعمريه ومستبديه ونخبه الرخوة العفنة من رجال دنيا ورجال دين .

تدخلت الولايات المتحدة في العراق وسقطت كل التحليلات التي كان يثيرها في وجوهنا المتفيهقون والثرثارون من المحللين والصحفيين الذين ما فتئوا يتفنون في سوق الأسباب الكاذبة لتخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن مسئوليتها الإنسانية والدولية عما جرى ويجري على أطفال سورية ونسائها بمن فيهم أولئك الذين حصدهم غاز السارين في غوطة دمشق .

أذكركم ببعض ما قالوا على مدى ثلاث سنين راعفة بالقتل والاغتصاب والتهجير والاعتقال والتعذيب ؛ فقبل عام من التجديد الانتخابي لأوباما قالوا: عليكم أن تنتظروا نتائج الانتخابات . وبعد الانتخابات تفتقت العبقرية السياسية للمحللين العرب والأمريكيين عن حقيقة أن أمريكا أسقطت ( الشرق الأوسط ) من حساباتها ، وأن عينيها الجميلتين معلقتان في هذا العصر بالشرق الأقصى حيث تنهض الاقتصادات العظيمة . وقالوا فيما قالوا : إن أوباما الذي دشن عهده بحصوله على جائزة نوبل للسلام لا يريد أن يختمه بالحرب . وأبدعوا فأضافوا إن أوباما قد عاهد ناخبيه أنه سيعود بالجنود الأمريكيين إلى البيت ولن يخلف أوباما وعده . وأضافوا وهم يتلمظون إن الأزمة الاقتصادية التي تطحن أمريكا والغرب لا تسمح لأوباما بمغامرة أخرى . وزادونا من الشعر بيتا فقالوا إن المواطن الأمريكي غير مهتم بما يجري في سورية وعلى سكانها وأن الحاكم في دولة ديمقراطية لا يمكن أن يخرج عن إرادة ناخبيه . وأضافوا إن أمريكا تطوي أحلامها الامبراطورية وتتنحى بإرادتها عن موقع الصدارة العالمية ؛ كل هذا وكثير غيره قاله صحفيون محترمون ، ودارسون وباحثون وأساتذة جامعات يشار إليهم بالبنان ، ثم تأتي الاستجابة الأمريكية لما يجري في العراق وفي غضون أقل من ثلاثة شهور لتسخف كل ما قيل بل وكل من قال . ولتسقط التحليلات المتنطعة الواجفة . التي لم يؤت أصحابها من جهل أبدا ، فأولئك العالمون جميعا كانوا يعلمون ؛ ولكنهم كانوا يؤثرون الإدهان والنفاق والملق للأمريكي القوي الغني وإن على حساب دماء الأبرياء من السوريين ...

وكل أولئك كانوا يعرفون أن تربية ثعابين الإرهاب وأفاعيه كانت طريقة بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين وقبلا الأمريكيين للتهرب من استحقاق مساعدة السوريين لنيل حقهم في الحرية والكرامة الإنسانية . ذلك ؛ أن الولايات المتحدة وليس أوباما كانت ترى في الثورة على بشار الأسد ثورة على رئيس كرسته ( كنسيا ) وزيرة خارجية الولايات المتحدة مادلين أولبرايت ، وهذا الذي لا يمكن للولايات المتحدة أن تقبل به أو تعطيه حتى فرصة تجريبية للنجاح .

لقد تدخلت الولايات المتحدة في العراق لتدعم نظاما طائفيا فاسدا مستبدا سرق خلال عشر سنوات من حكم العراق ما لم تسرقه كل عهود الاستبداد التي خلت ، وقتل من خيرة أبنائه ما لم يقتل من قبل ، ومارس أشكالا من حروب الإبادة والتطهير أو التهجير المذهبي . ليبقى الفرق الأساسي فيما ارتكبه المالكي أو بشار الأسد وما يرتكبه هؤلاء المتخلفون الذين تقاتلهم الولايات المتحدة اليوم أن المالكي وبشار الأسد كانا وما زالا يقتلان الإنسان حامل الهوية التي تكره الولايات المتحدة العنصرية و الخارجة منذ عقود فقط من نظام التمييز العنصري .

تتدخل الولايات المتحدة في العراق لتجهض ثورة أبنائه ضد الظلم والفساد والاستبداد والطائفية كخطوة على طريق إعطاء بشار الأسد فرصته لإبادة من تبقى من عشرين مليون سوري لا يدينون لفساده واستبداده بالولاء

لم ولن تهتز عاطفة إنسانية في قلب صاحب قرار أمريكي يتابع مقتل ربع مليون سوري منهم عشرون ألف طفل . فهذه في المنظور الأمريكي ليست حرب إبادة كما يراها كيري وإنما حرب الإبادة هي ما يجري في جبل سنجار – مع رفضنا واستنكارنا لأي عدوان على أي إنسان - جبل سنجار الذي لا يتجاوز عدد سكانه سكان حي قهوة الشعار أو طريق الباب في حلب الذي حرثته براميل ( بوتين – أوباما – بشار ) عشرات المرات ..

خرج السوريون منذ اليوم الأول يرفعون الشعارات والقيم الكونية فقُتلوا ، احتموا بالسلمية ونادوا بها والتحفوها ، وقالوا إننا في القرن الحادي والعشرين ، وقد أقرؤونا أن هناك قانونا دوليا يحمينا فقُتلوا ، شجبوا الطائفية وتبرؤوا منها ونادوا واحد واحد واحد الشعب السوري واحد فما أغنى ذلك عنهم عند العالم ( المتحضر ) شيئا وقتلوا ، استنجدوا استغاثوا استعطفوا فكان جوابهم عند الأمريكي وجلسائه في مجلس الأمن المزيد والمزيد من القتل ...

يقرأ السوريون اليوم الصغار والكبار المثقفون والمتعلمون والأميون الرجال والنساء والأطفال بل والنطف التي لم تخلق بعد في جينيات الآباء والأمهات على طريقتهم مسارعة الولايات المتحدة لدعم المشروع الصفوي الإيراني الطائفي المذهبي في العراق وتخلفها عن القيام ببعض المسئولية الإنسانية تجاههم ، ولو بإلقاء بعض الزاد على المناطق المحررة كما ألقتها على سكان جبل سنجار ..

ولن يصدق السوريون بعد اليوم أي كذاب يقول نحن نتدخل ، أو هم يتدخلون ، ضد من يسمونهم ( الإرهابيين ) لأن هؤلاء الإرهابيين قتلوا أيضا في حلب وفي الرقة وفي دير الزور وما زالوا يقتلون..

التدخل الأمريكي في العراق هو تدخل أمريكي سافر ليس لإنقاذ النظام الطائفي هناك فقط ، بل لإنقاذ بشار الأسد ولرفع معنويات حسن نصر الله التي حطمها ثوار سورية في القلمون ، وهو محاولة جادة من الإدارة الأمريكية لتنفيذ بنود الصفقة ( الإيرانية – الأمريكية ) في إلحاق الشرق العربي كمنطقة نفوذ أولى للولي الفقيه لسلطانه ومذهبه وثقافته . الولي الفقيه الذي عودنا أن يسخر من عقولنا بالهتاف الدائم : الموت لأمريكا .والذي قبل أن يلعب دوره في منطقتنا كبير خدم أمريكا .

لندن : 13 / شوال / 1435

9 / 8 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ضيوف تركيا من السوريين في لقاء مع السيد والي كيليس

محمد فاروق الإمام / كيليس

يوم الجمعة 25/7/2014 تم لقاء وفد من الضيوف السوريين المقيمين في مدينة كيليس في قاعة الاجتماعات في مركز الولاية بدعوة كريمة من محافظ الولاية.

المدعوون:مجموعة من الشخصيات تمثل الفعاليات التربوية والثقافية والاجتماعية والطبية والاغاثية والمرأة في مدينة كلس ومخيماتها.

الحضورالرسمي التركي:السيد والي كيليس – الضابط المسؤول عن الجندرما (الجيش)  بكيليس – رئيس بلدية كيليس  - رئيس الأمنيات – مدير آفاد.

الهدف:تشكيل لجان للتقارب بين الشعب التركي المضيف والشعب السوري الضيف والعمل من أجل تخفيف المشاكل الناتجة عن لجوء السوريين لكيليس.

تحدث في البداية السيد الوالي مرحبا بالحضور وأكد أنه التقى سابقا بالوفد التركي المقرر لقاؤه مع الوفد السوري لنفس الهدف، مؤكداً ان الأزمة السورية قد تمتد ما بين 5-10 سنوات مع تمنياته بأن تنتهي غدا,وهذا يدفعنا للعمل بجهد كبير للاندماج والتعايش.

وأن عدد النازحين يقارب الخمسين ألفاً في المدينة، وهو رقم يساوي عدد السكان الأصليين لمدينة كيليس وحوالي أربعين الفاً في المخيمات .

ثم لخص بالتشارك مع مدير الأمنيات الاشكالات التي طرأت نتيجة لجوء السوريين لكيليس من خلال عرض فيلم وثائقي، ثم أورد المحافظ ملاحظات الشعب التركي على سلوك الأخوة السوريين وهي:

بعد استقرا ر المواطن السوري في كيليس وخلاصه من براميل الموت وبعد قليل من الراحة يبدأ بالبطر واختلاق الاعذار والتذمر .

وقال إن من أهم شكايات المواطن التركي من الاخوة السوريين :

1.مخالفة الاشارات المرورية, بينما نظيره التركي يحترمها جدا،وبحسب الإحصائيات الرسمية فإن المخالفات التي ترتكبها السيارات السورية هيبنسبة 84% قد سجل بحقها مخالفات مرورية، وأكد على وجوب تسجيل السيارات السورية لدى الامنيات للضرورات الامنية والتأمينية .

2. السهر لوقت متأخر من الليل .بينما جاره التركي ينام مبكرا ,ليستيقظ مبكرا إلى عمله.

3. لعب الأطفال في ساحات الأحياء إلى ساعات متأخرة من الليل وصخبهم وارتفاع أصواتهم مما يسببإزعاجاً كبيراً للأتراك الذين يخلدون إلى النوم في الساعات الأولى من الليل. أيضاً ضجيج وصخب السوريين أثناء سهرهم .

4. جلوس الشباب السوريين بالشوارع باللباس الداخلي(الشيال وبنطال قصير)يعتبره الاتراك معيبا جداً.

5. ارتداء الكلابيات والسير بها في الشوارع وهذا ما لن يعتده المجتمع التركي  وسوء استخدام الكلابة ورفها بطريقة تظهر عورة الرجل.

6. ظاهرة تواجد الشباب بلحى طويلة مع ارتداء الكلابيات القصيرة في الشوارع والأسواق والساحات العامة وهذا يذكرنا بداعش وهذا يخيف الأتراك.

7. التسول(الشحادة) عند الاشارات المرورية وأمام المساجد.

8. السهر في شوارع وساحات المدينة إلى ساعات متأخرة من الليل.

9. بيع الدخان من قبل الأطفال وإعاقة مرور السيارات والمارة.

10. فتج محلات بأسماء تركية للتهرب من الضريبة بينما التركي يدفع للدولة كامل مستحقاتها, وهذا يسبب عدم تكافؤ الفرص ومنافسة غير شريفة وحنق عند المواطن التركي.

11. انتشار الباعة المتجولين بالشوارع مما يسبب في إعاقة حركة المرور,ومنظر لا يحبذه الأتراك.

12. عدم حفظ النعمة (وخاصة الخبز)من قبل السوريين، حيث يلقي السوريون الخبز في أكياس عند حاويات القمامة، في الوقت الذي يقوم فيه التركي بالتقاط قطعة من الخبز إذا ما وجدها ملقاة على الأرض ويقبلها ثم يضعها في مكان مرتفع لتكون طعاماً للطيور أو بعض الحيوانات.

13. الإسراف في استخدام المياه, حيث أن مدينة كلس تعاني من نقص شديد من المخزون المائي نتيجة زيادة الاستهلاك، وانخفاض معدل الامطار، والجفاف العام الذي يضرب تركيا في هذه الأيام.

14. ازدياد جرائم السرقات في المدينة  بمعدلات كبيرة بعد استضافتها للسوريين.

15. انتشار العلاقات الغير شرعية بين السوريين (الدعارة).

16. انتشار ظاهرة بيوت العمال حيت يتجمع في بيت واحد عدد كبير من العمال في بيوت لا يوجد فيها أي وسائل للنظافة ، وهذا يسبب ضجيجا للجيران وخروجهم للشوارع بمناظر مؤذية ومعيبة وروائح كريهة .

17. سكن بعض السوريين في بيوت غير صالحة نهائيا لعدم توفر مقومات البيت (مطبخ –حمام – تواليت )ويظهر أصحابها بالشوارع بروائح كريهة ومنظر مؤذية للمارة تسبب نفورا من الاخوة الاتراك، وهؤلاء نسميهم في تركيا (قرباط).

18. عدم اقبال السوريين على تعلم اللغة التركية مما يسبب سوء الفهم بينهم وبين الاتراك الذي يؤدي في كثير من الحالات إلى الشجار.

19. الحدائق العامةمن أهم المرافق في المدينة, وجدت ليرتادها المواطنون ويمتعوا النظر بجمالها ويتفيؤوا ظلال أشجارها، جعلها السوريون مكاناً لمعاكسة الفتيات ومطاعم ومكباً للنفايات والنوم فيها. 

20. عدم تقديم الهوية أو (بطاقة آفاد ) للبوليس,بينما التركي يقدمها للبوليس بكل أدب واحترام

21. الكتابة باللغة العربية على واجهات المحلات مما يعطي انطباعا للمواطن التركي بأن بلده قد احتلها الضيوف السوريون, ومن الأفضل وجود الاعلانات باللغتين العربية والتركية.

22.الضغط الكبير على البنية التحتية لأنها أصلا مصممه لأهل كيليس ولم يحسب حساب هذا العدد الهائل من البشر.

23. الخروج والدخول الى سوريا بطريقة مخالفة (عن طريق التيل )وبأعداد كبيرة يعطي شعورا عند الاتراك بأنه يمكن العيش في سوريا وأن الأزمة أخف مما هي بالحقيقة ويسبب اشكالات مع  الجندرما(الجيش) التركي، الذي لديه الأوامر بإطلاق النار على كل من يحاول العبور إلى تركيا عن غير الطرق المسموح بها.

24. قيام سكان المخيمات بتظاهرات احتجاجية مع أن مخيمات كيليس تعتبر الأفضل في تركيا وبمقارنة بسيطة بينها وبين مخيمات الداخل السوري ستكتشف الفرق.

 وقد تمنى المحافظ من سكان المخيمات الظهور بمظهر لائق عند نزولهم للمدينة من أجل التسوق.

ونبه بأن الصحافة المعارضة تصطاد الاخطاء وتقلب الحقائق لاستخدامها لأجندات سياسية خاصة,

وختم السيد الوالي حديثه قائلاً:

إن الشعب والحكومة التركية قدمت أقصى ما عندها للشعب السوري,بينما الشعب السوري لم يقدم الشكر والاحترام كما يجب.

وأضاف: بما أنكم ضيوف فإنه عليكم أن تحترموا القوانين التركية والعادات والأعراف التركية,وذلك من أجل السوريين أنفسهم, خوفا من ازدياد الفجوة ونظاهر الأتراك في شوارع المدينة وقد حدث ذلك أكثر من مرة مطالبين بخروج السوريين من تركيا، وقد حدث في هذه المظاهرات أعمال تخريب بحق الممتلكات السورية التي صادفها المتظاهرون من محلات تجارية وسيارات ولم نتمنى نحن وقوع ذلك.

وختم قائلاً: نحن أشقاء استضفناكم في بلدكم الثاني تركيا لأننا نحبكم ونتعاطف مع أمانيكم وتطلعاتكم وعلينا تقديم كل وسائل الضيافة الكريمة والمحترمة لكم، ومن هنا كان عليكم مساعدة الاخوة الاتراك والتعاون من أجل الوصول لحياة مشتركة تسود فيها تعاليم الاسلام السمح  بين الشعبين الشقيقين.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

عن النظام السوري و«داعش»

لؤي حسين

الحياة

الخميس 31/7/2014

كعادتها، تحيل «المعارضة» السورية جميع إخفاقاتها إلى وحشية النظام وتآمره ورذالته، من دون أن تبحث عن الأسباب الموضوعية أو الذاتية التي يمكنها العمل لتلافيها أو تذليلها. كذلك اعتادت أن تنسب كل ظاهرة أو حركة أو فاعلية خارجة عنها أو لا تكون تحت سيطرتها إلى النظام، وكأنه كلي القدرة. ومن ضمن نظرتها هذه للأمور كان موقفها من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). بل للأهمية التي اكتسبها داعش، ميدانياً على الأقل، غالت بموقفها التحليلي منه لدرجة أنها تقدّمت، خلال محادثات وفدها في «جنيف2» في شباط (فبراير) الماضي، بوثيقة بعنوان «الشراكة بين النظام وداعش» أكدت فيها وجود «انصهار وشراكة» بينهما. واستمرت، عبر تصريحات قياداتها ومقالات بعض كتابها طيلة الأشهر اللاحقة، التأكيد على أن داعش صنيعة النظام، مبرهنة على ذلك بعدم مهاجمة النظام مقرات «داعش» وعدم قصف مواقعه، وأن «داعش» بالمقابل لا يهاجم قوات النظام. بل إن النظام يحمي قوات داعش من خلال قصفه مقاتلي «الجيش الحر».

ادعاءات المعارضة هذه مشوبة بمغالطة كبيرة. إذ أنها تتناسى وتتجاهل أن النظام قلما هاجم المجموعات المسلحة على اختلاف تشكيلاتها، لهذا كان ضحاياه من المدنيين يفوق بأضعاف مضاعفة ضحاياه من المسلحين. وأنه لم يحاول، في بدايات اتساع النزاع المسلح، استعادة المعابر الحدودية التي استولت عليها مجموعات مسلحة صغيرة، حين لم يكن عديد المسلحين المعارضين له يتجاوز بضعة آلاف في جميع المناطق السورية. وأن قوات النظام لم تهاجم أو تقصف حواجز «الجيش الحر» ولا حواجز «جبهة النصرة» التي كانت منتشرة على الطرقات العامة قبل أن يلحظ مراقبو المعارضة أنه لا يقصف حواجز «داعش». وأن يبرود، المدينة القريبة جداً من دمشق، مثلاً، والتي جعل النظام استعادة سيطرته عليها قبل بضعة أشهر عنواناً لانتصاره المزعوم، كان قد انسحب منها، في 2012، أمام بضع عشرات من مقاتلي الجيش الحر، ليعود ويستعيدها بسهولة عام 2014 بعدما أصبح عدد المقاتلين فيها يتجاوز المئات.

كانت مساعي النظام، المكشوفة والمعروفة منذ البداية، هي جعل صورة الصراع في البلاد هي بينه وبين مجموعات إرهابية مسلحة. لهذا كان فعلاً في حاجة ماسة الى إنهاء جميع مظاهر النضال السلمي والعمل على تحفيز العمل المسلح. وقد قال لي أحد أهم الشخصيات القيادية في النظام، في ذاك الحين عندما كنت ألتقي بهم في محاولة لحل الأزمة، إنه قال للرئيس الأسد «اطمئن، بعد أن تسلحَتْ فقد انتهَتْ». أي أنهم كانوا على دراية تامة بهذه المعادلة البسيطة.

سعى النظام، ومنذ خريف 2011، أن يكسب التعاطف الأميركي والغربي في مواجهة الانتفاضة السورية، التي أنكر سلميتها عبر خلق الأكاذيب عن جذرها العنفي. وما لبثت أن خدمته الظروف جيداً بعد نشوء مجموعات متطرفة مدعومة بعناصر جهادية أجنبية، فراهن على أنها إن كبرت واتسعت سيشعر الغرب بخطرها على بلدانه وعلى الدول الحليفة له في المنطقة. لهذا وجدناه في العام الماضي يحاول أن يُظهر أن جميع مواجهاته كانت مع جبهة النصرة، صاحبة الصيت قبل «داعش»، والمدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية، مدّعياً، ضمن هذا السياق، أن جميع من يقاتله مجموعات إرهابية بما في ذلك «الجيش الحر».

بناء على توجه النظام هذا يمكننا فهم عدم مهاجمته «داعش». فقد اعتبر «داعش» تنظيماً يتوافق مع جميع معايير الإرهاب التي يضعها الغرب، وبالتالي، إن اتسعت رقعة سيطرة «داعش» واشتدت سطوته، يمكنه المراهنة أن توكل له واشنطن مواجهة «داعش» والإرهاب عموماً. لكن السياسة الأميركية، التي لم تُظهر أنها أكثر ذكاء وحكمة من سياسات النظام، اعتمدت على ما سمته «المعارضة المعتدلة» في مواجهة «داعش» منذ مطلع هذا العام، حين أعلن «الجيش الحر» الحرب على هذا التنظيم. وما زالت واشنطن تعتمد هذه السياسة من خلال العمل على تشكيل وتدريب وتمويل مجموعات مسلحة من غير «المزارعين وأطباء الأسنان»، الذين لا يرى الرئيس الأميركي، باراك اوباما، أن في مقدورهم «أن يتغلبوا على نظام الأسد والمجموعات الجهادية».

وفي المقابل، فعدم مهاجمة داعش لقوات النظام، قبل الآن، بشكل ملحوظ أو مؤثر، لا يشكل دليلاً على علاقة رضا بينهما. فكل الأمر أن «داعش»، الذي انبثق وترعرع في المناطق التي هي خارج سيطرة النظام، وضمن بيئة المجموعات المسلحة المتطرفة، لا يميز بين النظام ومعارضيه، إذ بالنسبة إليه كل من يحمل سلاحاً خارج لوائه يجب محاربته وإخضاعه.

لن يكون، بعد الآن، في مقدور النظام مواجهة «داعش»، بخاصة في المناطق الشرقية والشمالية. ولا أعتقد أننا سنرى المعارك الحقيقية بينهما إلا على تخوم مدينة حمص، حيث سيكون في مقدور النظام حشد قوات يمكنها، بالتعاون مع مقاتلي «حزب الله» اللبناني، الدخول في معركة مفتوحة مع «داعش»، الذي سيطمح آنذاك للوصول إلى دمشق.

كذلك ليس في مقدور النظام، في المدى المنظور، تغيير سياسته المعتمَدة منذ أكثر من ثلاث سنوات. بل سيكون من المستحيل عليه تجاوز خطاب القسم للرئيس الأسد، الذي ألقاه قبل أيام، والاعتراف بوجود أزمة وطنية عميقة لا يخفف من حدتها إلا قبول النظام مشاركة قوى وشخصيات معارضة عاقلة ووازنة في حكومة وحدة وطنية انتقالية تتمتع بكامل الصلاحيات السياسية والأمنية والعسكرية. وذلك بعد أن أظهر الأسد بوضوح اكتفاء سورية التي يراها بالموالين له ولسلطته، واستغناءه بالمطلق عن جميع معارضيه ومخالفيه، معتبراً أن سلطته تحقق الانتصارات التي تمكّنه من أن يَعد باستعادة مدينة الرقة.

وبهذا تكون المحصلة أن «داعش» والنظام يتشابهان إلى حد كبير. فكلاهما، مع اختلاف نسبي بسيط، لا يقبل في مناطق سيطرته المختلفين عنه، وعلى السكان إما الخضوع لقوانينه التي تثبت سلطته، أو سيكونون في دائرة الكفر حيث يباح عقابهم، أو فليرحلوا الى خارج هذه المناطق. وهذا يعني قسمة البلاد بشكل حاد بين مبايعين لدولة الخلافة الإسلامية (داعشيين) وموالين للنظام (أسديين).

وستمضي سورية في هذا المآل ما لم ينهض قلة من الرجال السوريين، قبل مضي الوقت، رجال من صناع تاريخ ودولة، يكون في مقدورهم أن يقودوا السوريين إلى بر وطن كريم وآمن لهم جميعاً.

* رئيس تيّار بناء الدولة السوريّة

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

إعلام الثورة السورية.. الإخفاق والتمنيات

ريما فليحان

العربي الجديد

الخميس 31/7/2014

لم تكن الثورة السوريه يوماً إلا نتاج سنوات طويله من القهر، وارتكاساً طبيعياً لقمع الحريات في وطنٍ، تصبح فيه الكلمة وحدها ثورة، إن استطاعت أن تفلت من بين براثن الخوف، لتنجلي في رأي، أو تصريح في زمن الصمت.

انهيار تلك الجدران العازلة للصوت، وموت الخوف عبر انبلاج الثورة، جعل السوريين يبدأون رحلة جديدة لتعلم الكلام، وهذا يعني أن هذا الكلام، إن كانت وظيفته في مرحلة الثورة، إيصال رسالة الثورة وأفكارها ومبادئها يجب أن يكون حراً سليماً خالياً من العلل، ولكن، هل هذا ما حصل؟

على الرغم من أن نشطاء كثيرين تحولوا صحفيين وإعلاميين، وتمكنوا من نقل الصوت والصورة من عمق الألم، إلا أن تلك العملية كان يجب أن تكون ضمن سياق ناضج، يجيد التخاطب مع الجمهور. ولا يمكن أن يكون هذا الجمهور، بأي حال، جمهور الثورة فقط، بل يجب أن يتسع ليشمل كل شرائح الشعب السوري، بما فيها الصامت والموالي للنظام، كما يجب أن يمتد ليجيد خطاب الرأي العام العالمي، بلغة يفهمها وتؤثر فيه، وليس وفق رغبات وأجندات فريق معارض دون آخر، أو وفق ارتكاسات غريزية، لاواعية، لا تمتلك حتماً القدرات، ولا فن التسويق الاجتماعي لقضية محقة، هي تطلعات الشعب السوري للحرية، وآماله بالتغيير.  حيث حملت تلك التجارب تحديات جادة، تتمثل في القدرة على جذب كل الطيف السوري نحو الثورة، بحيث توضح أهدافها وآفاقها بلغةٍ، تخاطب الجمهور المستهدف بوعي، حيث تمسك بمفاتيح الخطاب الصحيحة للمجتمع المحلي والدولي. ولكن، هذا لم ينجح إلا على مستوى محدود للأسف، لعدة عوامل، منها اتباع إعلام المعارضة أجندات حزبية ضيقة، وإبعاد الكوادر الإعلامية المتخصصة عن إدارة العملية الإعلامية، ووضع الإعلام ضمن خانة المحاصصة السياسية "ضمن لعبة من يدير الإعلام ومن يدير الإغاثة إلخ..."

تعتبر تلك الأجندات مسؤولة، أولاً وأخيراً، عن تغليب الخطاب الفئوي على الخطاب الوطني الجامع الذي كان ممكناً أن يمتلك قلوب السوريين، لو تعالت تلك القوى على فئويتها وشراهتها لإيجاد شارع موالٍ لها، وتلوين الثورة بلون واحد، ما أدى، ضمن عوامل أخرى تشبه تلك الأسباب، إلى إضعاف الحاضنة الشعبية، وتشويه صورة الثورة، وتحويلها من ثورة شعبيةٍ إلى نزاع طائفي، بحيث تم تقزيم تضحيات السوريين الحالمين بالحرية وبالخلاص من النظام الديكتاتوري إلى نزاع مذهبي، فتح الباب واسعاً أمام إعلام النظام وتابعيه، ليلعب

"انبثقت من الثورة، أو لحقتها محطات تلفزيونية محلية، حملت لواءها، وتفاوت أداؤها بين التشبه بإعلام النظام من حيث "التشبيح" والحدة واعتماد سياسة ترويج الإشاعات، والإساءة لشخصيات معارضة بذاتها، لأسباب غير معروفة"  بأدواته القذرة من أجل الإكمال على ما تبقى من صورة ناصعة عبر تشويه الثورة ورموزها وسياقها التاريخي، حيث يكتمل المشهد، أخيراً، بدخول قوى التطرف والقاعدة، لتشويه أحلامنا، وتقزيم طموحاتنا مرة أخرى..

لم يكن إعلام الثورة وحده المسؤول عن تلك النتيجة، فوسائل إعلام عربية كبرى ساهمت، بقصد أو من دون قصد، بتلوين الثورة باللون الديني مرة، وبإذاعة الأخبار الكاذبة التي لم تكن تلبث لتذاع ليتضح كذبها، وتشجيع المهاترات التلفزيونية لشخصيات معارضة موتورة، عبر تكريسها على الشاشات، بحيث تظهر المعارضة بذلك المظهر القميء، والذي لا يفلح إلا بكيل الاتهامات كل للآخر.

تحضرني، الآن، شخصيات خرجت على وسائل الإعلام تلك لتعلن أنباء كاذبة مراراً، من دون أن يكون ذلك سبباً رادعاً لتلك المحطات، لإيقاف ظهورها الإعلامي. بالعكس، فقد تم تكريسها، بقصد أو بدون قصد، وجوهاً تمثل الثورة، وبالتالي تشويه صورتها.

بالإضافة إلى إهمال التيار المدني والحراك السلمي، بقصد أو من دون قصد، منذ بدأت العسكرة، والتركيز على نقل صورة المعارك، وإهمال حراك الأقليات، وتجنب التركيز عليه، إلا ما ندر.

على صعيد آخر، انبثقت من الثورة، أو لحقتها محطات تلفزيونية محلية، حملت لواءها، وتفاوت أداؤها بين التشبه بإعلام النظام من حيث "التشبيح" والحدة واعتماد سياسة ترويج الإشاعات، والإساءة لشخصيات معارضة بذاتها، لأسباب غير معروفة! أو اعتماد خطاب إقصائي موتور، كنا قد انتقدناه لدى وسائل إعلام النظام، وأتباعها في بداية الثورة، وما بين محطات أخرى، اعتمدت الخطاب الفئوي ذاته، أو البعيد عن المهنية، والتابع للممول وتوجهاته.

 ما يزيد عن ثلاث سنوات مرت من عمر الثورة السورية، ولم نتمكن من الخروج بمظهر إعلامي ناضج، يحمل خطاباً وطنياً، ويسوق أخلاق الثورة الأولى ومبادئها، ويبتعد عن الخطاب الطائفي والأدلجة السياسية المقيتة. وذلك على الرغم من أن لدى ثورتنا كوادر إعلامية وفنية متخصصة، تبحث عن فرصة للمساهمة بصوتها وعقلها وقدراتها، إلا أن المحسوبيات، وعدم الاكتراث، أصبحتا سمتين تهددان الإعلام الحالي والمستقبلي، وتنذران، ضمن اللامهنية المحيطة بالعمل الثوري الإعلامي، بولادة عشوائيات إعلاميه لن تسبب إلا إمعانا في التشظي والتدمير الذاتي، ولن تساهم إلا بتفكك أكبر في المجتمع السوري، من أصغر خلاياه إلى أكبرها.

وتأتي الدراما لتكمل المشهد، حيث فشلت المعارضة في إنتاج أعمال تحمل وجع السوريين وهواجسهم، إلا ما ندر، ولم تلق أيٌّ من الكوادر الفنية الكبيرة التي اصطفت إلى جانب الثورة الفرصة لإنتاج مثل تلك الأعمال، ومنهم كتاب ومخرجون وفنانون وفنانات، تم تهميشهم وإقصاؤهم. وباستثناء أعمالٍ قيمة، فإن المحطات الخليجية تزخر بأعمال سورية تافهة وسطحية، تحمل بين ثناياها، وبأسلوب سطحي، أفكار النظام وأجنداته، مثل "باب الحارة"، والذي حمل، هذا العام، إضافة إلى تخلف أفكاره وضعفه الدرامي، منذ جزئه الأول، عبارات ومشاهد مسمومة، تحاول إبراز أفكار النظام في جانب الخير، وتضع الجانب الآخر بصفة العمالة، بالإيحاء بأنها تمثل المعارضة، في مفارقات مضحكة وسخيفة، وضمن عرض مزور للتاريخ السوري.

ولكي نكون منصفين، يجب أن نقول إن هناك وسائل إعلام مقروءة ومسموعة، انبثقت عن الثورة، أثبتت محاولة جادة في إيجاد واقع إعلامي مغاير، يحمل فكراً ثورياً وطنياً، ورغبة حقيقية، في تجربة ناضجةٍ لإعلام يسعى إلى أن يكون جيداً، ضمن حرب إعلامية، يضع النظام كل مقدراته لدعم وجهة نظره وتوجهه فيها، بينما تفشل المعارضة في إيجاد واقع إعلامي، ينصف تضحيات الشعب السوري، وترسم حلمه المحق في دولة ديموقراطية مدنية، خالية من كل أشكال الديكتاتورية والتمييز.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

كيف نرد على "داعش"؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 31/7/2014

أدت جرائم "داعش" إلى انتشار فكرة تقول إن الرد عليها لا يكون بغير ممارسة عنف ضدها، يفوق ما تمارسه هي من عنف، ليحدث أثرا رادعا لها، وإن تضمن أفعالاً جرمية تبز في فظاعتها ما ترتكبه هي منها.

لمواجهة "داعش"، تمسي حاجتنا، إذن، إلى قدر من العنف يفوق عنفها. هذا ما يعتقده سوريون كثر، يرون فيها شراً مطلقاً، لا تفيد معه سياسة، أو ينفع إقناع. ومع أن ظاهرة الإرهاب ليست جديدة على بلادنا والعالم العربي، فإننا لم نضع بعد برنامجاً حقيقياً ومدروسا للتربية بأبعادها الوطنية والإنسانية، يحصن المواطن العادي من غوايات التعصب والمذهبية، ويغرس في الأسرة مفاهيم وقيماً تحترم الإنسان، كائناً لا بد أن يكون حراً ومسؤولاً عن سلوكه وخياراته، ويزود المجتمع بمراكز تأهيل، تنقله من الانغلاق والتذرر إلى الانفتاح والاندماج، وتجعله مجتمعا تفاعلياً/ تواصلياً متكامل المكونات والأجزاء، يحترم التنوع والتعدد، ويدعمه بما يغنيه من أدوات ووسائل ومقومات، ويلزم الدولة بقوانين تنمي وظيفتها، كممثل لكل واحد من مواطنيها، ولكل فئة من فئاتهم، فتصير لهم جميعهم من دون استثناء أو استبعاد، ويبني الرأي العام على الاستنارة والحوار والتسامح، ليكون تواصلياً تعمه المعرفة بالعالم ووقائعه، ويربي الإنسان على حمل مشروع تحرره الذاتي الذي لا يستطيع إيكاله إلى غيره، لأنه لن يتحقق قطعاً في غيابه.

لن يردع العنف "الإرهاب" وتنظيماته، لأسباب منها أنه هو الذي لعب الدور الرئيس في إنجابه، وإيهام مظلومين كثيرين بأنه أداة ملائمة للدفاع عن أنفسهم. وستردعه، وتجفف منابعه، بالتأكيد، ثورة ينال الإنسان بها حريته، تعيد إنتاج حياته الخاصة والعامة، في حاضنة فكرية وسياسية/ اجتماعية، تحترم قدراته وتنميها، تكسر القيود المفروضة على عقله، وتعزز حقه في التمتع بتواصل إنساني طليق وأخلاقي، يفتح المجتمع بعضه على بعض، ويكسر ما بين مكوناته من جدران، بقوة التسامح والقبول بالآخر واحترامه كإنسان هو رأس مال أي تقدم أو عمران، وحامل تاريخ هو منطلقه ومآله، ومركز كون لا يكون له تاريخ بدونه.

 لن يستطيع أحد مواجهة "داعش"، أو ردعها بالمنظومة الفكرية المغلقة والمذهبية، التي أنتجت العنف، وأدت، من حيث ازدرت بحياة المواطن وحقوقه، إلى ظهورها ونموها السريع. ومثلما لا يستطيع أحد إسقاط نظام استبدادي بواسطة فكر استبدادي، كذلك لا يستطيع أحد اسقاط تنظيم مذهبي، بواسطة مجتمع تنخره الطائفية، وتهيمن المذهبية على عقول بناته وأبنائه. ومن يراقب مجريات عام مضى على ظهور "داعش" وأخواتها يجد أنها ابنة واقع أفادت من موجوداته، وأنها لم تخلق شيئاً من عدم، وأنها دفعت الأحداث في الاتجاه نفسه الذي خططت له هي والسلطة، قبل أن تبدأ بحصد ثمارها.

لن تردع "داعش" أو أخواتها المنظومة "الفكرية" المغلقة والمذهبية التي تغذيها. ولن يوقف نموها، أو يكبحه، غير ثورة تتم على مستوى الفكر والواقع، تكون إنسانية وتنويرية، أداتها الإنسان الحر بصفته مواطن دولةٍ، ينعم في ظلها بالعدالة والمساواة. هذه الثورة لا تتنافى مع تلك القراءات المدافعة عن الجوهري في الدين، المعادية للمذهبية والتعصب، التي من المهم أن نفيد منها في ظروفنا الراهنة، لأنسنة صراعنا ضد المذهبية والتعصب، وتنظيماتهما الإرهابية، وفي سبيل حرية الإنسان كمؤمن وكفرد في المجتمع!

ترى، أليس في استطاعتنا أن نبدأ اليوم بإقامة كيان تنويري/ سياسي جامع، يلم شتاتنا في كل مكان وموقع من أوطاننا، يسهم في تجفيف منابع "داعش" الأيديولوجية والمذهبية، وفي حماية وجودنا وحريتنا؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

في استعادة معنى الثورة السورية

د. وائل مرزا

الشرق القطرية

السبت 2/8/2014

ثمة ارتباط عميق بين أفعال البشر ومواقفهم، وبين نظام المعاني التي تدلُّ عليها تلك المواقف والأفعال. ينطبق هذا على الأفراد، لكن قيمته الكبرى تظهر حين يتعلق الأمر بالجماعات البشرية.

ومن المؤكد أن الثورة السورية كانت ولاتزال حالةً نموذجية في هذا المجال.

فقد جاء اشتعالُها تعبيراً عن نظامٍ من المعاني الإنسانية النبيلة، على المستوى المحلي، عاشه السوريون لشهور طويلة.

لكن ما لم يكن في حسبان السوريين أن نظامهم الجديد هذا يحمل في طياته خطراً حقيقياً على نظامٍ دولي وإقليمي تحكمه شبكةٌ معقدة من المصالح الأنانية التي تتمحور حول السيطرة والنفوذ والقوة والهيمنة على مختلف المستويات. وهي شبكةٌ تضم أفراداً ومؤسسات ودولاً وتنظيمات، قد يبدو أحياناً أنها مُختلفةٌ ومتصارعة، لكن وجودها، وتحقيقَ مصالحها، كان مضموناً دائماً بمنظومة توازنات مرنة، تُفسح المجال لإظهار الاختلاف والصراع أمام أعين الشعوب وعامة الناس من ناحية، لكنها تسمح، من ناحية ثانية، لمختلف الأطراف بالحفاظ على وجودها ومصالحها تحت سطح (الأخبار) وبعيداً عن عالم الإعلام.

كان الأمر أشبه بمعادلةٍ دقيقة هدَّدَت حساباتها الثورة السورية، وتحديداً بنظام المعاني الذي لم تُظهر الثورة فقط إمكانية وجوده، بل إمكانية اقتباسه وتعميمه، وهنا يكمن الخطرُ الأكبر..

لهذا تحديداً كان ضرورياً أن يتم (اغتيال) نظام المعاني المذكور، وأن يحصل هذا بشكلٍ ساحق، وبأسرع وقت ممكن، وباستعمال كل الوسائل والأساليب، ذلك أن المسألة أصبحت مسألة وجود بالنسبة للآخرين، ولم تعد حتى مسألة حفاظٍ على المصالح.

وفي غضون أشهر من بداية الثورة، استعاد النظام بعض أنفاسه، وأدرك تلك الحقيقة التي كان الآخرون يحاولون إفهامهُ إياها منذ البداية، فبدأت العملية الكبرى والأساسية لوأد الثورة السورية من خلال قلب نظام المعاني الذي خَلَقتهُ رأساً على عقب.

ومع صمود الشعب السوري، وقلةٍ من أنصار ثورته الحقيقيين، بات واضحاً أن العمل في الداخل السوري لم يعد يكفي لنجاح عملية الاغتيال المذكورة، فصار مطلوباً توسيعُ نطاقها من خلال تعميم الفوضى وخلط الأوراق في المنطقة بأسرها.

يعلم هؤلاء أن الثورة لا يمكن أن تموت رغم كل الصعوبات والأخطاء إلا في حالة واحدة: حين يغيب المعنى الحقيقي لها في قلوب أهلها وعقولهم. فإذا مات المعنى هناك ماتت الثورة، ولو بقيت بعض مظاهرها، وإذا بقي المعنى بقيت الثورة واستمرت رغم كل شيء.

من هنا تأتي الضرورة القصوى والأساسية لاستعادة معنى الثورة السورية بين السوريين، لأنها مفرق الطريق.

هل يحصل هذا؟ نعم. لكن مَن يقوم به ليس أبداً تلك الجهات التي يجب أن تقوم بتلك المهمة، بل إن الهيئات الرسمية التي يُفترض بها أن تفعل ذلك تساهم، ولو عن غير قصد، في قتل نظام معاني الثورة السورية بممارساتها. أما (المثقفون) فقد تجد فيهم من يحاول، وهؤلاء قلائل جداً، ثم إن خطابهم (النخبوي) لا يصل إلى جمهور الثورة الواسع.

تبقى النماذجُ التي أوجَدَها للمفارقة، نظام معاني الثورة السورية نفسهُ، ممن يمارسون هذا الدور بلغةٍ هي أقرب لمشاعر الناس وكلامهم. ثمة نماذج عديدة على ذلك، ولا يمكن ادعاء الكمال في نشاطها وخطابها، لكنها أقرب مثالٍ حقيقي لمن يؤدي هذه المهمة الحساسة.

في السطور التالية، ونستميح العذر في نقلها كما هي وبالعامية، يُعبِّر أحد هؤلاء، زياد الصوفي، عن كل ما تحدثنا عنه أصدق تعبير:

"حالة من اليأس تجتاح صفوف السوريين المؤيدين للثورة نتيجة الإحساس المتزايد يومياً بفقدان قدرتهم على التغيير.. هالشي ما اجا نتيجة لقوّة الأسد أو قدرتو على إسقاط الثورة، ولكن هالشعور اجا كنتيجة طبيعية لإحساسنا بعدم امتلاكنا أي أداة من أدوات التغيير اللازمة لإسقاط الأسد..

يا جماعة..

ما بحياتها كانت الثورة لاسترداد أراضٍ محتلة، أو تحرير أراضٍ وبسط السيطرة عليها.. ما خرج الشعب السوري للشوارع ونادى في بداية الثورة "الشعب يريد استرداد دمشق"، طلبنا وشعارنا كان واضحا وبسيطا "حرية وبس"..

شعار الحرية خوّف الجميع، من أقرب جار إلى أبعد صديق.. حاربنا نفوسنا لتطلع كلمة الحرية من صدورنا، وواجهنا كل صنوف الحقد لاستجرار أنفاس الكرامة من قلوبنا..

اللي كان معتقد انو تمن الحرية للشعب السوري رح يكون رخيص، فهاد إما إنسان رومانسي أو إنسان ما بيفهم بالسياسة، أو الاثنين معاً..

خمسين سنة والنظام عم يحبك كل المؤامرات لمواجهة مطلب الحرية.. خمسين سنة والمجتمع الدولي عم يمرر أخطاء النظام الواحد بعد الآخر بحجة دعم الاستقرار في منطقة تعج بالمتناقضات.

منشان حرية سوريا، شفنا المجازر والبراميل والكيماوي، وحضرنا تلاتة فيتو واجتماعين دوليين في جنيف وشهدنا على وجود حالش وداعش..

منشان حرية سوريا. شفنا العراق عم يتفكك، والعسكر كيف رجعوا يحكموا مصر، واليمن كيف صار اتنين، ولبنان أربعة ومن دون رئيس..

منشان حرية سوريا.، وانقلاب بعد التاني في ليبيا،

منشان حرية سوريا. شهدنا ولادة الخلافة بالأنابيب، تقهقُر الأمريكان قدّام مفترق الإنسانية، وانهيار مؤسسة مجلس الأمن، وتخبّط مؤسسات الأمم المتحدة..

منشان حرية سوريا. خسرنا مليون شهيد، ومتلهون معتقل ومفقود، واتشرد عشرة ملايين عن بيوتهون..

منشان حرية سوريا. انهار مفهوم العروبة، وانمحت مرتكزات القومية العربية، وتعرّت المؤسسات الدينية ورجالها..

منشان حرية سوريا. اكتشفنا انو في سوريين مو سوريين، وعرب مو عرب، ومسلمين ما بيتبعوا رحمة الإسلام، ومسيحيين بعيدين عن سلام المسيح..

منشان حرية سوريا.. انهارت مفاهيم المقاومة، وهرّت ورقة توت الممانعة، وانتست القضية المركزية..

يا ابن بلدي..

لا تيأس.. فحريتك الغالية عم تحاربها كل قوى العالم، لأنهون ببساطة بيعرفوا شو يعني يكون السوري حر.. بيجوز تقلّي صارو تلات سنين ونص ولسّا النظام ما سقط، بس رح جاوبك فوراً ومن دون تردد، صارو تلات سنين ونص والعالم ما قدر يكسر إرادتنا.. حرية وبس".

انتهى النقل، ويبقى مطلوباً من السوريين الذين يُعجَبون بهذا الكلام بالآلاف.. ألا يقف (فِعلُهم) عند هذا الإعجاب..

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«عيدية» أحمد معاذ الخطيب: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً!

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 1/8/2014

في ختام مبادرة حوار جديدة، شاء هذه المرّة أن يطلق عليها صفة «عيدية» إلى الشعب السوري، بمناسبة الفطر وانقضاء شهر رمضان؛ توجه أحمد معاذ الخطيب الحسني، الرئيس الأسبق لـ»الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، بمناشدة إلى النظام السوري كي «يرسل أحد ذو صلاحية»، والخطأ اللغوي من الشيخ، الذي كان يتحدّث بمزيج من الفصحى والعامية. وهذا الـ»أحد»، إذا جاء، فسيلاقي «مجموعة من خيرة القيادات السورية، مستعدة أن تتفاوض مع النظام من أجل وطن حر وكريم»؛ وهي «لا تبحث عن منصب ولا موقع»، وغايتها «أن نتناقش في هذا الموضوع، قبل أن تقتلنا المشاريع الإقليمية والدولية»…

قبل هذه الخاتمة، كان نصّ «العيدية» قد اتخذ صفة المبادرة بالفعل، حتى إذا عفّ الشيخ عن تسميتها هكذا؛ قائمة على خمسة مطالب، تحمل نبرة المناشدة العاطفية، يتساوى النظام مع الشعب السوري (بعد أن اخرج الخطيب «المعارضة المرتهنة» من المعادلة) في تحمّل مسؤولية الاضطلاع بها: 1) الحيلولة دون تقسيم سوريا؛ 2) استقلال القرار السياسي السوري (إزاء ثلاثة مشاريع هدّامة: إيران، وبعض دول الخليج، و»القاعدة»)؛ 3) تنحّي النظام والمعارضة (لصالح «كثيرين من أبناء البلد يمكن أن يحملوها)؛ 4) وقف القتل والدماء والخراب؛ 5) حلّ سياسي تفاوضي يُلزم النظام والمعارضة، ويتضمن العدالة الانتقالية.

لافت، بادىء ذي بدء، أنّ تشخيص الخطيب لـ»معارضة مرتهنة» ليس صائباً وسليماً وصادقاً، فحسب؛ بل هو هو متأخر كثيراً، أيضاً، بالنسبة إلى رجل كان على رأس ذلك الارتهان قبل أشهر معدودات فقط، وتلمّسه وعايشه وعاينه، ساعة بساعة، ومؤتمراً بعد آخر، وعاصمة أثر أخرى… لكنه لم يشر إليه على النحو النقدي الصريح الذي ينتهجه اليوم، بل لعله غاص فيه حتى أخمص القدمين، وارتهن له ومعه، وتستر عليه أيضاً. هذا تفصيل أخلاقي، وسلوكي، يجرّد نقد الخطيب الراهن من حدود دنيا في المصداقية، تسري أوّلاً على زاعم مدوّنة وطنية وتصالحية، طوباوية وفروسية، لكنها في الآن ذاته ترتكز على مرجعية دينية تنهى عن الغشّ والخداع والتقلّب، وتفرض على الرائد ألاّ يكذب أهله.

مدهش، ثانياً، أن يكون الخطيب، خلال رئاسته للائتلاف، قد صال وجال وأقام في غالبية العواصم الخليجية التي يصنّفها اليوم (دون أن يسمّي، كعادته أبداً!) ضمن المشروع الإقليمي التخريبي الثاني؛ ولا يكتفي الآن بالغمز من أجنداتها في سوريا (وهذه كلمة حقّ، بالطبع، حتى إذا أُريد منها الباطل)، بل يساويها بالمشروع الإيراني، القائم على «أحلام إمبراطورية»، لا نفهم من الشيخ طبيعتها: فارسية، أم شيعية، أم أيّ مزيج منهما ينتهي إلى التوسع الإقليمي والسيطرة على شعوب المنطقة. هنا، أيضاً، يبدو الخطيب وكأنه ليس ذاك المعارض الهمام الذي منحته تلك العواصم الخليجية (راغباً سعيداً، وليس كارهاً متمنعاً) مقام الصدارة في القمم والمؤتمرات والاجتماعات، كي تدجّنه صحبة رفاقه ورفيقاته في «القيادة»؛ أو كأنه طمس ذلك الماضي من ذاكرته الشخصية، ظاناً أنّ المنصتين إلى «العيدية» قد اقتفوا أثره في الطمس وتفريغ الذاكرة!

مثير للشفقة، ثالثاً، أن يواصل الشيخ إنتاج، وإعادة إنتاج، وطرح مبادرات لا تبلغ أسماع أيّ «ذي صلاحية» في نظام بشار الأسد، ولا حتى في صفوف «المعارضة المرتهنة»؛ حتى كأنّ الخطيب استهوى الوقوف على أطلال حوارات وهمية واستيهامية، وامتهن إطلاق الصرخات التي لم تعد قادرة حتى على ترجيع الصدى. ففي 23 أيار (مايو) 2013 طرح الشيخ مبادرة (لم تكن، البتة، «عيدية»!)، شعارها الآية القرآنية: «ومَنْ أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً»؛ بدأت، بدورها، من نبرة بكائية رثائية تقول: «منعاً لاضمحلال سوريا شعباً وأرضاً واقتصاداً وتفكيكِها إنسانياً واجتماعياً نتقدم بهذه المبادرة حقاً لبلدنا وأهلنا علينا، واستجابةً عمليةً لحلّ سياسي يضمن انتقالاً سلمياً للسلطة». أحلام تلك الساعة ذهبت بالمبادِر إلى درجة إعطاء «رئيس الجمهورية الحالي» مهلة لا تتجاوز 20 يوماً، كي يعلن «قبوله لانتقال سلمي للسلطة، وتسليم صلاحياته كاملة إلى نائبه السيد فاروق الشرع أو رئيس الوزراء الحالي السيد وائل الحلقي». البنود الأخرى تضمنت حلّ مجلس الشعب، وتسليم «رئيس الجمهورية» كامل صلاحياته خلال شهر بعد قبول الانتقال السلمي، وتكليف الحكومة (بصفتها المؤقتة وخلال 100 يوم) بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ومغادرة «الرئيس الحالي» البلاد ومعه 500 ممّن يختارهم مع عائلاتهم وأطفالهم، دون تقديم ضمانات قانونية للمغادرين، والتزام جميع الاطراف بوقف استخدام الأسلحة الثقيلة…

لقد أسمع الشيخ لو نادى حيّاً، لأنّ لائحة ردود الأسد على تلك المبادرة تنوّعت، ميدانياً، بين قصف الغوطة بالأسلحة الكيماوية، ومسرحية مؤتمر جنيف، ومهزلة الانتخابات الرئاسية، وإلقاء فاروق الشرع إلى سلّة المهملات؛ وفي غضون ذلك، وسواه: سفك دماء الآلاف من السوريين، وإلقاء مئات بعد مئات من براميل الموت، والإيغال أكثر فأكثر في الشحن الطائفي… في المقابل، لا أحد من أهل النظام، حتى إذا كان مستوى مسؤوليته لا يتجاوز الدرجة العاشرة، اكترث بالتعليق على مبادرة الخطيب، أو السخرية منها والتهكم عليها في الأقلّ.

فاجع، رابعاً، أن يجهل الشيخ طبائع النظام بعد كلّ ما جرى ويجري، وهرمية الحلقة الأعلى، الأضيق، في معمار السلطة؛ حيث يتربع الأسد نفسه (في شخصيته الأمنية والعنفية الأقصى اعتمالاً، واكتمالاً، منذ توريثه صيف 2000). مَن هو الشخص «ذو الصلاحية»، الذي سيبادر إلى ملاقاة «عيدية» الخطيب؟ العميد ماهر الأسد (الشقيق، والقائد الفعلي للفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والمنفِّذ الثاني للحلّ الأمني، بعد شقيقه الكبير)؟ أم يفكّر الشيخ الخطيب في أمثال العميد ذو الهمة شاليش (ابن عمّة الأسد، ورئيس حرسه الشخصي، والمشرف الفعلي على جهاز أمن الرئاسة، وصاحب الصلاحيات الأمنية والعسكرية والمالية الواسعة التي تتجاوز بكثير رتبته العسكرية أو موقعه الوظيفي)؟ أو اللواء علي مملوك، أحد كبار مهندسي الفاشية القصوى في البلد؟ أو اللواء جميل حسن، مدير إدارة المخابرات الجوية، صاحب المزاج الدموي الشهير؟

هل يعقل أنه يقصد الدكتورة نجاح العطار، نائبة الأسد؟ أو أيّا من الإمعات، أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث؟ أم هو رامي مخلوف، صيرفي النظام وتمساح الفساد؟ أم الفئة العليا من التجار ورجال الأعمال، شركاء وخدم النظام، أمثال الأخرس والغريواتي والشهابي وحمشو…؟ ومن جانب آخر، مَنْ هي تلك الـ»مجموعة من خيرة القيادات السورية» التي ستجلس على الطرف المقابل من طاولة الحوار مع النظام؟ أهم بشر لهم وجوه وأسماء، أم أشباح هائمون في السديم؟

مهين، خامساً، وفي خلاصة القول، أن يتوجه الخطيب إلى الأسد ـ قاتل الأطفال، وفق تصنيفات جنائية وقانوية دولية، ورأس نظام لم يتوقف عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم بحقّ الإنسانية منذ آذار/ مارس 2011 ـ بهذه النبرة الاستعطافية؛ المضحكة من باب المرارة، قبل أن تكون مبكية من باب المأساة. أهذا، الأسد، هو الذي يُسأل: «هل ترى الأطفال الصغار تتقطع أيديهم وأرجلهم؟»؛ أو: «لماذا التضييق على الناس؟»؛ أو: «لماذا الحصار؟»؛ أو: «لماذا تقصف المدنيين بالليل والنهار؟»؛ أو: «لماذا تمنع الناس من جوازات السفر؟»… أين يعيش الشيخ، في نهاية المطاف: على هذه البسيطة، التي لم يشهد تاريخها، بأسره، همجية تعادل ما يرتكبه الأسد وبهائمه؛ أم هو منزوٍ في كوكب استيهاماته، يجترّ المبادرات الخرساء، ويطلق الصرخات البكماء؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لا تحدثني عن الدين والأخلاق بل حدثني عن القانون!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 2/8/2014

ليس هناك شعوب ومجتمعات تتحدث عن الأخلاق وتتشدق بها أكثر من الشعوب العربية والإسلامية. فهي تنظر إلى كل شيء بمنظار أخلاقي ديني، على اعتبار أن الدين ليس منفصلاً عن الحياة في العالمين العربي والإسلامي، بل هو الحياة بحد ذاتها. لا عجب إذاً أن يكثر في بلادنا الدعاة والخطباء والمفتون والواعظون والمرشدون الأخلاقيون. على العكس من ذلك لا وجود للدين في الحياة العامة في البلاد الغربية. وربما انقرض الواعظون منذ زمن بعيد. وقد لا تجدهم إذا بحثت عنهم إلا في الروايات الأدبية المكتوبة في القرون الماضية. لا دور للكنائس إلا ما ندر في الحياة الغربية، ولا يرتادها الناس إلا بأعداد قليلة جداً. هل سمعتم يوماً عن فتاوى دينية تحلل هذا وتحرم ذاك في البلاد المتقدمة؟ بالطبع لا.

أما لو نظرت في جنبات البلاد العربية والإسلامية، فلأخذت الانطباع أن الناس فيها تمارس أعلى درجات الأخلاق والسلوك الراقي. كيف لا وهي تحكّم الأخلاق والدين في كل تصرفاتها. ولو استمعت إلى بعض البرامج الدينية في بعض الإذاعات والتلفزيونات العربية لاعتقدت أن الشعوب لا يمكن أن تقترف أي خطيئة حتى لو كانت تذوق نقطة من الخمر. ولطالما سمعنا البعض يسأل هذا المفتي أو ذاك عن تناول دواء فيه بعض الكحول. هل هذا حلال أو حرام؟ ولا بد أن تتعجب عندما تسمع شخصاً يسأل إذا كان من الحلال أو الحرام أن تعمل نادلاً في مطعم وتقوم أحياناً بمجرد تقديم لحم الخنزير للزبائن، أو تقوم بغسل صحون فيها بقايا من لحم الخنزير. من يستمع لمثل هذه الأسئلة يأخذ انطباعاً أن الأخلاق والالتزام بالقيم والمثل والخصال الحميدة في أعلى درجاته في البلاد العربية والإسلامية. لكن الحقيقة على الأرض أنه كلما كثر الحديث عن الأخلاق والمواعظ والقيم في بلادنا وجدنا أنه مجرد اجترار لفظي على عينك يا تاجر، وقد ينعدم في كثير من الأحيان في واقع الأمر.

على الرغم من وجود كم هائل من الوعظ والإرشاد والخطباء والقرآن والفقه ومئات المساجد وألوف الوعاظ في بلادنا، ألا أننا في واقع الأمر نعاني من أزمة أخلاق وحسن سلوك. لماذا؟ لأن الإنسان مهما ارتقى أخلاقياً يبقى عرضة للانحراف طالما أن ليس هناك قوانين صارمة تردعه وتلجم تصرفاته. ففي الغرب يكاد يختفى الحديث عن الأخلاق في الكنائس والمدارس والأوساط الاجتماعية، لكن مع ذلك تجد أن الناس هناك رغم عدم تدينهم يسيرون على السراط المستقيم في تعاملاتهم التجارية والاجتماعية، فلا وجود للغش أو التلاعب أو الاحتيال إلا ما ندر. فلا يمكن للبائع ان يبيعك حليباً منتهي الصلاحية أو طعاماً فاسداً رغم أنه لم يسمع في حياته أبداً بالمقولة الشريفة: «من غشنا فليس منا»، ورغم أن الخوري في الكنيسة لم يأت أبداً في خطبة الآحاد على أخلاق البيع والشراء. أما عندنا فيمكن أن تجد شخصاً تصل لحيته إلى حضنه، مع ذلك فهو مستعد أن يغش أفراد عائلته، فما بالك بالآخرين. لماذا؟ لأن الأخلاق لا تردع، بل هي مجرد كلام أو وصايا غير ملزمة. وعندما قال الإمام محمد عبده إنه وجد في الغرب إسلاماً بلا مسلمين، فقد قصد بذلك أن القوانين الإسلامية تطبق في الغرب بحذافيرها، بينما تبقى في بلادنا مجرد مواعظ للاستهلاك الديني.

الفرق بين المجتمعات العربية الإسلامية والمجتمعات الغربية (الكافرة) بأن الأولى لا تعمل بالقانون، بينما تحتكم الثانية في كل تعاملاتها إلى القوانين الملزمة، لهذا كل شيء هناك يسير بدقة ساعة رولكس، ليس لأن الناس هناك فضلاء، بل لأنهم محكومون بالنظام والقانون.

وكل من يخالف القانون يتعرض للعقوبة المادية أو الجنائية. لا أحد يقطع إشارة المرور لأنه يعرف أنه سيدفع الثمن غالياً. ولا أحد يتلاعب بالمواد الغذائية، لأن محله التجاري سيغلق وسيدفع غرامات باهظة، ولا يمكن الصفح عنه لأن قريبه يشتغل في البلدية. لا أحد يمكن أن يستهلك الكهرباء أو الماء بشكل غير قانوني، بل عليه أن يدفع عن كل قطرة ماء يستهلكها، وأن يدفع الضرائب المستحقة على كل ما يجني من مال. والمسألة إذاً ليست أخلاقية، بل قانونية بالدرجة الأولى.

ولطالما وجدنا العرب والمسلمين يصبحون مسلمين حقيقيين عندما يعيشون في مجتمعات غربية يحكمها القانون، ثم يعودون إلى طبائعهم العربية عندما يعودون إلى بلدانهم «الأخلاقية» المزعومة بين قوسين طبعاً.

الأخلاق والدين لا يمكن أن يصنع مجتمعات فاضلة، القانون هو الذي يصنع المجتمعات المستقيمة، بدليل ان العرب يتعرضون يومياً لوابل من المواعظ والإرشادات الدينية والاخلاقية في وسائل الإعلام والمساجد، مع ذلك فمجتمعاتهم فاسدة ومنحرفة حتى النخاع، بينما الغربيون لا يسمعون أي مواعظ أخلاقية أو دينية، مع ذلك لديهم مجتمعات صالحة وعادلة، لأنهم محكومون بالقانون لا بالأخلاق والمواعظ والفتاوى. وما ينطبق على الشعوب ينسحب على الحكام، فالحاكم الغربي ليس أكثر أخلاقاً من الحاكم العربي، فهو لا يسرق، ولا يستغل منصبه السياسي، ليس لأنه صاحب أخلاق وضمير، بل لأن القانون يمسح به الأرض فيما لو حاد عن التعليمات الملزمة. ولطالما فقد بعض المسؤولين الغربيين مناصبهم بسبب اختلاس بسيط لا يصل إلى بضعة دولارات، بينما مازال الكثير من حكامنا لا يميزون بين المال العام والخاص.

مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية ليست بحاجة لمواعظ اخلاقية ودينية وفتاوى شرعية، بل بحاجة فقط لحكم وسوط النظام والقانون، وعندها ستستقيم كحرف الألف. ويقول الماركسيون في هذا السياق: «القانون أقوى من الأفيون»، على اعتبار أن الدين، برأيهم، يخدر الشعوب، بينما القانون يردعها، ويضعها على الطريق الصحيح. أما الإسلاميون فيستشهدون بالحديث الشريف:» إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».

٭ كاتب واعلامي سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

موقفنا : حول ما يجري في عرسال .. بعد أن محا حزب الله الحدود اللبنانية – السورية .. لا .... للإدانة العبثية الوظيفية

زهير سالم*

كالمطر تتساقط علينا الإدانات لما يجري في عرسال اللبنانية . من يظنون أنفسهم معارضين سوريين ( جناح أعدقاء الشعب السوري ) سارعوا إلى تسجيل حضورهم في سجل الإدانات الشرفي . وأكدوا أن معركتهم هي فقط مع بشار الأسد ، ونسوا أن حزب الله ، كما بشار الأسد ، يفرض هو الآخر معركته على الشعب السوري بعد أن محا الحدود – اللبنانية – السورية ، وداس على كل شيء ينتمي إلى القانون الطبيعي الإنساني أو القانون السياسي الدولي .

والعديد من القوى اللبنانية التي فقدت بوصلة انتمائها ، كما فقدت قدراتها التمييزية ، واستشرافها لصيروة الصراع الذي تفرضه إيران وحزب الله على المنطقة ؛ سارعوا هم أيضا لإدانة ما يجري في عرسال والتبري منه ، وتناسوا كل الأسباب والعوامل التي تجعله ناتجا طبيعيا للسياسات الدولية والإقليمية واللبنانية الشاذة والمنحرفة والطائفية المنحازة ..

ليست عرسال وحدها بل طرابلس وبيروت والضاحية الجنوبية وصيدا هي ساحات حرب كما كرسها حزب الله اللبناني ، وصمتت الحكومة اللبنانية ، والدول الإقليمية والمجتمع الدولي عنها ؛ وعلى الجميع أن يعترفوا باستحقاقات الحرب التي صمتوا عنها والتي ودفع الشعب السوري وحده حتى الآن ثمنها دما وأسرا وتشريدا ..

كيف لعاقل أن يستنكر امتداد الحريق إلى موضع أقدام الأشرار الذين يصبون الزيت على ناره ، إلا أن يكون الاستنكار بعض الصيغ الاستهلاكية المبتذلة التي يأباها الجادون القاصدون ؟!

وهل تعدو الإدانة الدولية لامتداد العمليات العسكرية من القلمون إلى الطرف الآخر من خطوط المستر سايكس والمسيو بيكو ، أن تكون أكثر من إدانة لفظية عبثية ، لسقط العتب ، وإخلاء المسئولية ؟! فلو كان في المجتمع الدولي قوى حقيقية تحترم القانون الدولي لبادرت إلى منع حزب الله وقواته المعتدية من عبور الحدود إلى الأراضي السورية ..

أما الإدانة الرسمية اللبنانية لما يحدث في عرسال ، وموقف الحكومة اللبنانية العملي منه ، فهو في مدلوله العملي إعلان حرب ضمنية على الشعب السوري ، المنتشر ، بفعل تهجير القوى اللبنانية المعتدية ، على طرفي الحدود .

إن الصمت الدولي والصمت اللبناني الرسمي على استهتار بعض القوى اللبنانية – كائنا ما كانت هذه القوى – بالحدود ( اللبنانية – السورية ) سيشكل سابقة سياسية تمنح الحق المقابل لأي قوى يمكن أن تفكر أو تتصرف مستقبليا كما يفكر وتتصرف اليوم هذه القوى اللبنانية . وعلى المجتمع الدولي أن يصمت حينها بالطريقة نفسها التي يصمت بها اليوم ..

إن قرار قيادة الجيش اللبناني الانحياز السافر إلى قوات حزب الله ، والقتال إلى جانبها ، بعدما بدأت تتلقى الخسائر في القلمون ؛ يسقط عمليا دعوى الحكومة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية اعتماد ( سياسة النأي بالنفس ) . فما يجري في عرسال هو امتداد مباشر لما يجري في القلمون . حيث تتفنن قوات حزب الله في قتل المدنيين وانتهاك السوريين تحت غطاء من بسمة صفراء من حكومة لبنان وجيشها . ..

لقد انتظر الإنسان السوري واللبناني طويلا من الجيش اللبناني أن يبادر إلى حماية حدود لبنان من أن تمحوها قوات حزب الله !! وأن يدخل معاركه مع هذه القوى المعتدية والمهددة لأمن لبنان بالدرجة الأولى كما يدخلها اليوم مع القوى التي تدافع عن وجودها وعن أمنها وعن هويتها وعن مستقبل أجيالها ...

إن استعراض الجيش اللبناني عضلاته على سكان عرسال وعلى اللاجئين السوريين بعد صمت طويل على القوى التي استهترت بكل ما هو إنساني ودولي وقومي ولبناني لهو موقف مشين وأحق بالإدانة والاستنكار والرفض . إن الجبن والخوف والتخاذل هو التفسير الأقرب لهذا الموقف المدان والمستنكر .

كنا نود أن تتحرك التعزيزات العسكرية اللبنانية لحماية الحدود اللبنانية بجدية من انتهاك قوات حزب الله لهذه الحدود وهي تعبر أرسالا للاشتراك في تدمير سورية وقتل السوريين واغتصاب أعراضهم ..

أما وقد قررت الحكومة اللبنانية وجيشها المستحوذ عليه طائفيا أن تخوض الحرب ضد الهوية السائدة في سورية وفي لبنان متحالفا في ذلك مع حزب الشيطان فسيبقى هذا قرارها وعليها أن تتحمل مسئوليته وتداعياته التاريخية بكل أبعادها المستقبلية ..

ندين ونستنكر صمت المجتمع السوري عن جريمة إبادة المسلمين في سورية ولبنان التي ترتكبها قوات طائفية أسدية وقوات لبنانية لا تخفى ملامحها البشعة و مستخدمة كل أنواع الأسلحة الفتاكة ..

ندين ونستنكر صمت الحكومة اللبنانية على قيام حزب الله باختراق الحدود اللبنانية – السورية ونعتبر الحدث سابقة تاريخية سيكون لها تداعياتها واستحقاقاتها ..

ندين ونستنكر صمت الجيش اللبناني على الجريمة الإنسانية والعسكرية والسياسية والإنسانية التي ارتكبتها وترتكبها قوات حزب الله اللبنانية ضد لبنان وضد سورية وشعبها على حد سواء ..

ندين ونستنكر تحالف الشر بين الجيش اللبناني وقوات حزب الله ودخول الجيش اللبناني المعركة ضد هوية المنطقة على خلفية طائفية واضحة وتخاذله عن واجبه الحقيقي في حماية حدود لبنان وأمنه وأمن كل ناسه على السواء ...

نقول للذين يشعلون الحقائق : بإمكانكم أن تشعلوا الحريق ولكنكم لن تستطيعوا أبدا السيطرة على دائرته ..

نقول للذين يشعلون الحروب : بإمكانكم أن تفتتحوا المعارك ولكن ليس بإمكانكم أبدا أن تصنعوا خاتمتها أو أن تفرضوا نهايتها .

8 / شوال / 1435

4 / 8/ 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تفكك الدولة السلطانية والتحرر السوري

ياسين الحاج صالح

القدس العربي

السبت 2/8/2014

خرجت سوريا من السلطنة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتشكلت كدولة وطنية من فوق على يد المستعمرين الفرنسيين. أثناء الاحتلال الفرنسي لم يُتح للدولة الناشئة مواجهة ميراثها الديني أو إعادة هيكلة موقع الدين في الحياة العامة بما يكفل المساواة بين سكان متنوعي المنابت الدينية والمذهبية. كانت السلطنة تقوم على الإسلام السني الذي تشكلت على أرضيته معظم الامبراطوريات والسلطنات في المجال الإسلامي باستثناء الامبراطورية الفاطمية وإيران الصفوية. وهذا لا يصلح أساسا لدولة وطنية حديثة، لأنه يهمش مجموعات من السكان ليست إسلامية سنية، ويربط الجميع بمعتقداتهم الموروثة، لا بنظام للحقوق والالتزامات قائم على المساواة.

على كل حال، وعت النخب السورية البلد الذي كانت تصارع من أجله أو تسهم في إدارته كبلد عربي أكثر مما هو إسلامي. وعمل مسلمون ومسيحيون معا في مواجهة سلطات الانتداب لتجريدها من سلاح حماية المسيحيين الذي كانت تتوسله للتفريق بين المحكومين. لكن شروط الاحتلال الأجنبي ذاتها كانت أقل مؤاتاة لإعادة النظر في العلاقة الموروثة بين الدين والدولة. كانت سياسة «الوحدة الوطنية» في مواجهة المحتلين تتوافق، بالأحرى، مع تجنب إثارة مشكلات اجتماعية ودينية.

والملف الذي لم يفتح قبل الاستقلال لن يفتح بعده. منهج ترحيل المشكلات إلى مستقبل غير محدد بذريعة أن الوقت غير مناسب كان، ولا يزال، ساريا في الأوساط السياسية والثقافية السورية. الهيمنة السنية الموروثة من السلطنة في مجالات التعليم الديني والأحوال الشخصية، استمرت في الدولة الحديثة، وانضاف لها حضور تفضيلي في وسائل الإعلام العامة. فكان أن حصلنا على عامّين وسيادتين، عام الدين وعام الدولة، وسيادة الدين وسيادة الدولة. سيادة الدين، والمقصود الإسلام السني، جزئية وتتمثل في ولاية عامة على غير المسيحيين في مجال التعليم الديني، وولاية عامة جزئية أيضا في مجال قوانين الأحوال الشخصية لغير المسيحيين والدروز، وهذا دون خيار في تعلم الدين أو عدم تعلمه، ودون خيار أيضا للزواج المدني وأحوال شخصية مدنية.

ولا يبدو أن في هذا الشرط ما يسوء النظام الأسدي الذي صار يسمي الاستفتاء الدوري على رئاسة حافظ الأسد «تجديد البيعة» منذ أوساط الثمانينات (بعد مذبحة حماة)، ويعلن أبدية حكمه، ويصفه بـ«الأب القائد»، ويتوقع الطاعة التامة من الرعايا، مع احتفاظه باحتكار العنف والولاية العامة على السوريين جميعا، أو بالسيادة العليا. يناسبه، بالأحرى، ضرب من تقاسمٍ للسيادة لا ينال من عموم ولايته واستئثاره بوسائل العنف، ويرفع عن كاهله أعباء تشريعية وتعليمية ليس مؤهلا للنهوض بها. هذا فوق كون الولاية الدينية دون العامة لأجهزة سنية تناسبه لابتزاز قطاعات من محكوميه من المجموعات الدينية والمذهبية الأصغر من جهة، ولامتصاص ضغوط السنيين الأكثر تشددا من جهة ثانية. بعبارة أخرى، يجد النظام أنسب له تقديم امتياز سيادي لأجهزة دينية سهلة الاستتباع، على تشارك سياسي فعلي مع أي قطاعات نشطة من محكوميه. هذا بالطبع عكس سلوك الدولة الوطنية التي هي المقر الحصري للسيادة، بما فيها التشريع العام، فيما تكون السياسة أرضا مشاعا للمجتمع كله.

ليست هذه المقدمات هي ماقادت على نحو خطي إلى التفجر الاجتماعي والديني الراهن في سوريا، لكن هذا التفجر غير منقطع الصلة بوجود مشكلة بنيوية غير معالجة: تشكل سلطاني محدث للعلاقة بين الدين والدولة، يشارك بموجبه الدين في التشريع والتعليم الملزمين، لكنه مندرج ضمن هياكل حكم سلطاني جديد. هذا يقوم على سلطة شخصية مطلقة وراثية، تطييف ركائز الحكم الأساسية أو «الدولة الباطنة» وتمكين تفضيلي لها من الموارد العامة، وحصص للجماعات الدينية والذهبية في «الدولة الظاهرة».

لم نمر بانقطاع مؤسس مثلما جرى في تركيا على يد أتاتورك. عبر انقطاع سياسي (إلغاء الخلافة) وقانوني (قوانين مدنية) ورمزي (اعتماد الحرف اللاتيني في الأبجدية التركية) طوى مصطفى كمال صفحة السلطانية، وأتاح سجل تراكم جديد في تركيا.

لكن يبدو أن المشكلات التي لم نواجهها في الماضي تواجهنا اليوم، وستبقى في مواجهتنا إن لم ننجح في تأسيس جديد، لا نراه ممكنا دون قطيعة أو انفصال عن تنظيمات قديمة مورثة.

جذر المشكلة اليوم يتمثل في اندراج الثنائية القانونية والسيادية في الحكم السلطاني الذي حول سوريا إلى مملكة وراثية، ينال المتغلب البيعة والطاعة فيها من الرعايا بالقوة، وبمباركة الأجهزة الدينية. هذا التطور لم يحصل فقط لأنه يناسب طاغية تورط في مذابح طائفية تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، ويريد الاحتفاظ بالحكم في سلالته، ولكن لأن ثنائية الدين والدولة لا تفسح مجالا لغير هذا المشروع الأسدي، أو مشروع مجموعات إسلامية، تريد سلطانية جديدة، في زمن وأوضاع مغايرة.

أو قد تطوى سوريا كدولة ـ أمة ممكنة، لمصلحة كيانات أخرى، على ما يشير واقع الحال. نحصل على مملكة أسدية وراثية، أشد عدوانية وعنصرية حيال رعاياها من اي وقت سبق، وعلى مملكة أو خلافة سلفية سنية، لا تقل عن الأسدية وحشية وعنصرية، وربما إمارات هنا وهناك، تتحارب مع المملكة والخلافة، وفيما بينها، لكنها تتشارك جميعا في الانحطاط والبؤس.

في مواجهة هذا الواقع لم يفقد الدفاع عن الكيان السوري الموحد فرصته وأفضليته. لدينا كيان عمره سلفا نحو قرن، يشكل إطارا للترقي السياسي والأخلاقي والمادي لا يقارن بالمملكة والخلافة والإمارات. أيا تكن أوجه هشاشتها، سوريا عنوان لقضية تقدمية، خلافا للقضايا الأخرى، القضية السلالة الأسدية، وقضية الخلافة، وقضية الإمارات.

ولعله يتعين علينا التفكير في معالجة المسألة السورية على نحو شامل ومتكامل، فلا نستطيع التخلص من المملكة الطائفة الأسدية دون التخلص من خلافة داعش الطائفية، وإمارات الطوائف الأخرى، وبالعكس صحيح أيضا. ليست داعش حلا للمشكلة الأسدية، وليست الإمارات السلفية حلا لمشكلة داعش، وليست الأسدية حلا لأي مشكلة وطنية سورية. هذا النظام هو منبع مشكلاتنا الوطنية ومنبع العنف في البر السوري وما حوله.

ومن أجل معالجة جذرية وشاملة لمشكلاتنا، وإعادة بناء الدولة الوطنية في سوريا، ربما يمكن التفكير في حركة تحرر تحرر وطني جديدة، تعمل على تحرر البلد من الاحتلال الأجنبي الحالي، الإيراني والداعشي، وطي صفحة السلطانية، هياكل وثقافة.

سوريا بحاجة ملحة اليوم إلى مشروع تحرري. ونرى أن التخلص من المملكة والخلافة والإمارات، وتوحيد البلد، والجمهورية القائمة على المواطنة، هي الأسس الأولى لهذا المشروع.

كاتب سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الائتلاف الوطني من الجربا إلى البحرة

الشرق الاوسط

فايز سارة

الاحد 3/8/2014

تتوالى منذ أسابيع هجمة على قيادات في الائتلاف الوطني السوري، وتركز الهجمة على اتهامات بالفساد وباستخدام المال السياسي، وإقامة المطابخ السرية، التي تصنع سياسة الائتلاف. وتضيف إلى ما سبق تخطئة المسار السياسي للائتلاف في العام المنصرم من عمره، وهي الفترة التي تولى فيها رئاسة الائتلاف عضو الكتلة الديمقراطية أحمد الجربا، فيما شارك عدد من كوادر الكتلة ومقربون منهم مسؤوليات قيادية فيه، وهو وضع يقارب الوضع الحالي للائتلاف، حيث يتولى رئاسته هادي البحرة العضو في الكتلة الديمقراطية، يشاركه عدد من كوادر الكتلة ومقربون منهم في مسؤوليات قيادية بالائتلاف.

والحق أنه في الحالتين فإن وصول الجربا وكذلك البحرة وفريقهما إلى قيادة الائتلاف جرى بالوسائل الديمقراطية المعروفة وعبر صندوق الانتخاب، وفازوا على منافسين آخرين كانوا مرشحين لتولي المسؤوليات ذاتها وسط رقابة ومعايير قانونية، مستندة إلى وثائق الائتلاف، التي لم يكن بين من وضعوها أحمد الجربا وهادي البحرة وأغلبية فريقيهما، مما يعني أن التشكيك في وصولهما إلى مواقعهما لا يتجاوز الكيدية السياسية، إن لم نقل الكيدية الشخصية، أو الاثنتين معا. وهذا ما يمكن تلمسه بصورة عملية ومؤكدة لدى مراجعة محتويات الهجمات في وسائل الإعلام.

وقول أصحاب الهجمات بوجود الفساد والمال السياسي لا يتجاوز هو الآخر فكرة الكيدية السياسية والشخصية، لأن القائلين بتلك الاتهامات لم يقدموا أي إثباتات حول مزاعمهم، بل إنهم لن يستطيعوا أن يقدموا مثل تلك الإثباتات لعدم وجودها أصلا، خاصة في ظل وجود منافسين ومعارضين أقوياء لهم داخل الائتلاف، ووسط إصرار فريقي الجربا والبحرة على مشاركة الآخرين في أنشطة الائتلاف وتحركاته في المستويات الداخلية والخارجية.

أما في موضوع المطبخ السري المزعوم في الائتلاف فإن تعريف المطبخ السري يجعلنا في حالة من الالتباس، هل هو قيادة الائتلاف التي كان بعض ممن يشنون الهجمات بين كوادرها الرئيسة؟ أم هو في حلقة أضيق تتألف من الرئاسة وحلقة من المستشارين والخبراء الملتفين حولها؟ وفي كل الأحوال، ليس من الشائع في أي مؤسسة أو هيئة أن يجري طرح وتداول موضوعات تحظى بأهمية استراتيجية بصورة علنية وعلى نطاق واسع خاصة إذا كان وضع المؤسسة أو الهيئة كحال الائتلاف الذي يواجه بيئة دولية وإقليمية مركبة ومعقدة، ونظاما دمويا له تحالفات لا تقل خطرا عنه على السوريين وعلى الائتلاف.

وإذا كان الائتلاف الوطني وقيادته خلال العام الماضي لم يزعم أبدا أنه قام بكل ما ينبغي، وما يفترض أن يقوم به من أجل قضية الشعب السوري وثورته، فمما لا شك فيه أنه سعى لتحقيق تقدم في جملة من الموضوعات الدبلوماسية والسياسية، وكل هذه الخطوات جاءت مختلفة عن محصلة المرحلة التأسيسية، التي سبقت مجيء فريق الكتلة الديمقراطية برئاسة الجربا إلى قيادة الائتلاف.

لقد مضى الائتلاف في العام الماضي لتشكيل الحكومة السورية المؤقتة، وأنجزها، وعملت الحكومة ولو بإنجازات محدودة، كما يؤكد فريق الكتلة الديمقراطية الذي شارك في إقالة الحكومة مؤخرا نتيجة تقصيرها، وجرى ضم ممثلين عن المجلس الوطني الكردي في إطار توسعة التمثيل السياسي للسوريين في الائتلاف، وذهب الائتلاف إلى «جنيف 2» في إطار المعركة السياسية مع نظام بشار الأسد حتى لا يترك للأخير فرصة الاستفراد بالرأي العام وبالمجتمع الدولي وإقناعهما بأنه «المتعاون مع المجتمع الدولي» و«القابل للحلول السياسية»، وأن المعارضة وعلى رأسها الائتلاف في واد آخر، وأنهم مجرد «قتلة ومتطرفين» و«راغبين في الاستيلاء على السلطة الشرعية».

وزاد الائتلاف على عمله السابق نشاطا دبلوماسيا ملحوظا، فيه عشرات من اللقاءات والزيارات لعواصم عربية وأجنبية، بينها الأكثر صلة وعلاقة بالقضية السورية من أجل تعزيز مكانتها، وتقوية مركز الائتلاف الوطني في المعادلة السياسية بعد أن كاد الائتلاف يصبح خارج المعادلة قبيل مجيء الجربا وفريقه إلى رئاسة الائتلاف، حيث لم تتم دعوته إلى اجتماع الدوحة في صيف عام 2013 كما هو معروف.

صحيح أن ما تقدم لا يمثل طموحات ما ينبغي أن يكون عليه حال الائتلاف، وهو يواجه نظاما أوقع العالم في الحيرة والعجز بفعل ما ارتكبه من جرائم، وما خلفه من مشاكل وتحديات.. فكيف يكون حال الائتلاف بقدراته المحدودة ووسط بيئة إقليمية وعالمية مرتبكة وعاجزة عن اتخاذ مواقف جادة ومسؤولة؟

لقد بنى الائتلاف في عامه الماضي ما يعتقد أنه أساس لاستراتيجية وخطط هدفها العودة إلى سوريا، وهي عودة سياسية وعسكرية وبشرية واقتصادية، تقوم على فكرة انتقال الائتلاف والحكومة والأجهزة التابعة لها إلى منطقة آمنة من الأراضي السورية خلال الأشهر القليلة المقبلة، والخشية أن هدف الهجمات على الائتلاف وقيادته السابقة والحالية هو تقويض هذه الخطة، التي يفترض أن يشارك فيها كل الائتلاف وطاقات سورية من خارج الائتلاف. لقد صار عهد الجربا وفريقه جزءا من تاريخ الائتلاف، يمكن أن نحكم عليها بالوقائع، أما مرحلة البحرة وفريقه فهي مرحلة ماثلة، سوف نحكم على نتائجها في وقت لاحق. وفي كل الأحوال علينا أن نخرج من زمن المكائد السياسية والشخصية، ومن لديه وثائق وأسانيد حقيقية فعليه أن يقدمها للتحقق منها، وإذا ثبتت مصداقيتها فإن كل من ارتكب مخالفات أو أخطاء ينبغي أن يتعرض للمساءلة، وهذه قضية لا مساومة فيها، ولا ينبغي المساومة فيها.

 

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

هل الأمم المتحدة محايدة حيال غزة؟

ديفيد بوكس

الشرق الاوسط

الاحد 3/8/2014

أصبح قصف المدرسة التي تديرها الأمم المتحدة في غزة يوم الأربعاء الماضي بقذائف هاون، والذي أسفر عن مقتل 20 شخصا على الأقل من سكان غزة - من بينهم أطفال - وجرح عشرات آخرين، هو المرة السادسة التي تتضرر فيها منشآت تابعة للأمم المتحدة خلال هذا الصراع. وقد قدم مسؤولو الأمم المتحدة هذه الحوادث على أنها هجمات على المجتمع الدولي ككل. وقال بيير كراهينبول، وهو مسؤول كبير للاجئين بالأمم المتحدة، إن ذلك «مصدر عار عالمي، وهذه إهانة لنا جميعا». وأضاف «اليوم أهين العالم».

وبينما لم يعترف المسؤولون الإسرائيليون بأنهم يتعمدون استهداف الأمم المتحدة، يروّج العديد من الإسرائيليين لفكرة أن الأمم المتحدة هي فاعل حميد ونزيه في غزة، وتكرس عملها فقط لضمان رفاه اللاجئين في الإقليم. وتتبادل الحكومة الإسرائيلية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الاتهامات، حيث ينتقد مسؤولو الأمم المتحدة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه إسرائيل على الأراضي، في حين يتهم مسؤولون إسرائيليون «الأونروا» بشكل مستمر بترديد حجج حماس إلى حد القول بأنها متواطئة في بعض أنشطتها.

إن نضال الأمم المتحدة في غزة هو نسخة معقدة من المعضلات تواجهها المنظمة العالمية في بؤر الصراعات المشتعلة حول العالم، فكيف لها أن تحافظ على حياديتها عندما تصبح تضطلع بصراعات مريرة تكاد لا تجد فيها أرضية مشتركة؟

ولتلك المشكلة في غزة خلفية تاريخية؛ فخلال اجتياح غزة في عامي 2008 و2009، أفادت «الأونروا» بأن الغارات الإسرائيلية دمرت العشرات من منشآتها، وفي غارة واحدة تسببت قذيفة إسرائيلية في اشتعال النار في مستودع تابع للأمم المتحدة، ودفعت إسرائيل تعويضات في النهاية. ومن جانبها، اتهمت إسرائيل الأمم المتحدة بتصرف سيئ، يتضمن نقل صواريخ حماس في سيارة إسعاف تابعة للأمم المتحدة - وهي تهمة تراجع عنها في وقت لاحق المسؤولون الإسرائيليون. ويكمن النقد الإسرائيلي الأوسع نطاقا في أن «الأونروا» ترعى المظالم الفلسطينية، وأذعنت لعسكرة الإقليم من قبل متطرفين مثل حماس.

يحتد الجدل الدائر حول الأمم المتحدة في غزة بشكل خاص، لكنه لا يقتصر عليها. ففي بعض مناطق النزاع، كان ينظر للأمم المتحدة على أنها وكيل لجانب واحد أو بوصفها تجسيدا لسياسة دولية يرفضها بعض المتقاتلين. وفي هذه الحالات، تصبح المنظمة هدفا مغريا للمتطرفين الباحثين عن إحداث ضجة والهيمنة على عناوين الصحف. يذكر أن اثنين من عمال الإغاثة بالأمم المتحدة قتلوا في الصومال في أواخر عام 2011. وفي وقت سابق من ذلك العام فجر مسلحو «بوكو حرام» قنبلة خارج مبنى الأمم المتحدة في أبوجا بنيجيريا، مما أسفر عن مقتل 21 شخصا. وأكثر تلك العمليات مأساوية هو قصف جماعة عراقية لمجمع سكني تابع للأمم المتحدة في بغداد في أغسطس (آب) 2003، وهو الهجوم الذي أودى بحياة كبيري المسؤولين هناك سيرجيو فييرا دي ميلو، وأكثر من عشرة آخرين.

وإذ تسعى الأمم المتحدة من أجل الحفاظ على صورة النزاهة والحياد في عملياتها الإنسانية، يمكن أن تكون تلك الخصائص أكثر مراوغة عند ارتداء أفرادها خوذات والتقاط البنادق. فمنذ أواخر الأربعينات سيّرت أجيال من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة دوريات في مناطق الصراع في محاولة منها لإخماد أعمال العنف.

وأحيانا يتمكنون من كسب ثقة الأطراف الرئيسة. ولكن يمكن للقوات المسلحة تسليحا خفيفا أيضا أن تصبح هدفا سهلا، مثلما حدث ونصب مسلحون كمينا لقافلة تابعة لقوات حفظ السلام في السودان الصيف الماضي، مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص. وفي عام 1993 قتل أحد أمراء الحرب الصوماليين أربعة وعشرين من أفراد قوات حفظ السلام الباكستانيين، مما أثار سلسلة من الأحداث التي أدت إلى معركة «سقوط الصقر الأسود» وانهيار عملية الإغاثة متعددة الجنسيات في ذلك البلد.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«ن»... وأحلامنا التي فقدناها

مرح البقاعي

الحياة

الاحد 3/8/2014

«ونحن نغادر مدينتنا الموصل مطرودين، للمرة الأولى في التاريخ، وقد أذلّنا حاملو راية «الإسلام الجديد»، لا بد لنا من أن نقدّم شكرنا لأهلنا فيها، أهلنا الذين كنّا نعتقد بأنهم سيحموننا كما كانوا يفعلون، وسيقفون بوجه عتاة مجرمي القرن الحادي والعشرين ويقولون لهم إن هؤلاء هم الأصلاء وهم الذين أسسوا هذه المدينة. كنا نطمئن النفس بأن لنا جاراً عزيزاً، وابن محلة شهماً، وإخواناً تبرز أخلاقهم يوم الشدة، لكننا خُذلنا ونحن نغادر، خُذلنا ونحن نسحب أجسادنا سحباً نحو المجهول، خُذلنا ونحن نترك كل تاريخنا وقبور آبائنا وأجدادنا ورموزنا وآثارنا وكل شيء عزيز علينا. وداعاً نقولها، لمحلات الساعة والجولاق والدندان وباب لكش وباب الجديد وباب الطوب، وداعاً لجامع النبي يونس والنبي شيت وجيمع الكبيغ، وداعاً للسرجخانه وسوق العتمي والقناطر وجسر العتيق وعبدو خوب، وداعاً لقصر المطران وكنيسة مسكنته وعين كبريت، وداعا لشارع الفاروق وشارع نينوى والدواسة، وداعاً لعبدالباسط أبو السندويج، وطرشي الشفاء وشارع النجفي، وداعاً أخوالي ابراهيم وميخائيل حداد اللذين امتدت لي الصحافة منهما... وداعاً، هكذا أخرجنا عتاة «داعش» القتلة من بيوتنا ومحلاتنا وعوجاتنا ومن مدينتنا مطرودين».

هذه صرخة انكسار مجتزأة من رسالة مطوّلة وصلت إلى الصديق سمير الصميدعي، أول سفير للعراق في واشنطن إثر سقوط نظام صدام حسين، شاركني إياها وأذن لي بنشرها. الرسالة موقّعة باسم ماجد عزيزة (الموصلي) قبل ساعات من مغادرته الموصل بعدما رفض دفع الجزية لجحافل قوى الظلام «داعش» بعدما كتبوا بالحبر الأحمر على جدران بيته الموصلي العريق حرف «ن»!

إنه التهجير القسريّ من الموصل، واحد من أبشع المشاهد العنفية للتمييز الديني في القرن الحادي والعشرين. وقد اقتصرت ردود الفعل الرسمية في العالم الغربي المسيحي على قبول اللجوء الإنساني لمسيحيي الموصل على الفور، وكأن تفريغ المنطقة من مسيحييها وأقلياتها الدينية جزء من مشروع مضمر يأتي مستتبِعاً للمشروع الداعشي في استقطاب متطرفي العالم لاستيعابهم في بقعة جغرافية واحدة، الأمر الذي سيساعد على تفريخ بؤر جهنمية متنقّلة تتصارع فيها قوى التطرّف، السنّي والشيعي، في اقتتال جاهلي لن يضع أوزاره حتى يفنى الطرفان وتفنى معهما بذور «الإرهاب الدولي» على حساب انهيار مشروع الدولة الوطنية الحديثة والديموقراطية في المنطقة.

لا أريد أن أتحدّث هنا عن العنف المرتبط بهذه القوى الظلامية وحسب، فهو يمارس على رؤوس الأشهاد وفي الساحات العامة، ودونما رادع ولا رقيب، من ذبح وسلخ وصلب ورجم، بل سأحاول استشراف أهداف هذه المجموعة البعيدة المدى التي ترسم مسارها الدموي. وفي غمرة البحث عن البذور الشيطانية الأولى لتنظيم «داعش»، ومشاربها، وأرضها الجهنمية التي نبتت فيها، أجد نفسي أدوّر في رأسي، وبحالة نادرة تبتعد عن طبيعتي في تحليل الوقائع، نظرية «المؤامرة» والاحتمالات العالية لارتباطها بتشكيل هذه المجموعة. فتجاهل ضرورة المسارعة في القضاء على هذا التنظيم الخبيث في مهده قبل استشرائه إلى جانب التغاضي الغامض الذي يتناقض مع مســـؤولية الدول الأجنبية المتابعة للحالة العسكرية بل الداعمة لهويات مختلفة من فصائلها المحليّة قبل أن يرتبط بدول الجوار والدول الإقليمية، إنما يرفع مستوى الشكوك، التي قد تقارب اليقين، بارتباط هذه المجموعة بخطط استخبارية دولية بعيدة المدى، فيما تنتفي أية قيمة ترتبط بالإسلام وتطبيق تعاليمه يحاول «داعش» أن يصبغها على مشروعه مع إيغاله في ممارساته الجاهلية.

هكذا يساهم «داعش» في عملية التفتيت المجتمعي في سورية والعراق، وهو التفتيت الأبلغ أثراً من التقسيم السياسي أو الجغرافي، محيلاً المنطقة بالتدريج إلى مستنقع للعنف تطفو على سطحه كانتونات متناحرة من أهل السنّة والشيعة لا يربطها سوى خيط الدم والانتقام المفتوح على المجهول، وهذا بينما تتعاظم دولتان إقليميتان هما الأقوى والأكثر تماسكاً: إيران واسرائيل.

ويمضي «داعش» إمعاناً في سياسة تفتيت النسيج المجتمعي مستهدفاً أقلية أخرى هي المرأة. وتنتمي المرأة في الشارع العربي إلى دائرة الأقليات ليس بالمرجعية العددية، فهي تشكل ما يقارب 60 في المئة من مجتمعها، بل بسبب تعرّضها المزمن للاضطهاد الجندري، اجتماعياً ودينياً، مما يسهّل ويشرعن استهدافها من جحافل الظلام التي تتقدّم في الخريطة السياسية للعراق وسورية بقوة الترهيب.

فإثر صلاة العشاء ليوم الخميس 17 تموز (يوليو)، وفي سوق شعبي لمدينة الطبقة بالجزيرة السوريّة، جُرّت امرأة عمرها 26 عاماً إلى حتفها بعد مثولها أمام محكمة «داعش» واتهامها بالزنى ورجمت بالحجارة حتى الموت. وفي اليوم التالي إثر صلاة العشاء أيضاً، الجمعة 18 تموز، وصلت سيارة محمّلة بالحجارة إلى ساحة قرب المعلب البلدي في مدينة الرقة حيث تجمّع عناصر «داعش»، وكان معظمهم من الأجانب، حول امرأة مقيّدة وساجدة على الأرض وانهالوا عليها رجماً، واستمروا في رجمها حتى بعدما زفرت النفس الأخير.

ليست هاتان الجريمتان المنكرتان سوى نقل حرفي عن أول سابقة رجم امرأة في العصر الحديث، بسبب شبهة بالزنى، حدثت في إيران في 1986 أثناء حكم الخميني، وذلك حين رجمت ثريا علناً، من زوجها وأولادها وكل عابر سبيل، بعدما وضعت في حفرة وطمر نصفها السفلي بالرمل وقيّدت يداها إلى ظهرها!

هذه الجريمة المشهودة إنما تؤكّد أن ملالي قم هم أول من شرّع وروّج ومارس هذا العنف قبل أن ينتشر عقائدياً في مجموعات التطرف المسلّحة الداعية «ظاهراً» إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية بحد السيف أو بترهيب التهجير.

قال لي سمير الصميدعي، وهو الذي اعتزل السياسة بطلب منه وجّهه إلى حكومة المالكي لما رآه استحالة في تحقيق أي تغيير ديموقراطي عادل في العراق، بعد أن انتهينا من قراءة رسالة صديقه الموصلي: أعظم ما فقدناه يا مرح هو أحلامنا!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سلميّو سورية... مع أطيب التمنيات

عمر قدور

الحياة

الاحد 3/8/2014

تصلح المبادرة التي أطلقها الشيخ معاذ الخطيب، الرئيس الأسبق لائتلاف المعارضة السورية، كنموذج للأطروحات السلمية في سورية، وهي أفكار عادت إلى البروز مؤخراً على خلفيتين، أولاهما الخسائر التي منيت بها الكتائب التي تقاتل النظام في العديد من المواقع الحيوية، ثم تمدد داعش وما يبدو أنه استقرار لسيطرتها في شرق وشمال شرقي البلاد. خطر داعش تحديداً، يدفع به العديد من السلميين إلى الواجهة، باعتباره خطراً على الجميع، ما يستدعي التضحية منهم وتنحية الصراع الأصل، والاستعداد المتبادل لتقديم تنازلات على قاعدة عدم وجود منتصر ومهزوم.

النظام، كما تابعنا قبل أيام في خطاب القسم لرئيسه، لا يرى الواقع من هذا الجانب. فخساراته أمام داعش لا تُحتسب بالمقارنة مع انتصاراته على كتائب المعارضة. والنظام لا يرى في داعش الخطورة التي تمثّلها المعارضة على وجوده، لأن تمدد داعش في العراق وسورية سينتهي عند حدود يقررها الواقع الديموغرافي، ويقررها أيضاً المدى المقبول دولياً للطفرة الداعشية الحالية. فضلاً عن أن وجود داعش على المدى المتوسط محل شك كبير، إذ لا تظهر خلافات إقليمية ودولية على ضرورة محاربته، بقدر ما تبرز الخلافات حول المسؤولية عن قوته، وتالياً عن القوى المؤهلة لمحاربته وإعادة «الاستقرار» إلى المنطقة. النظام يسوّق نفسه بصفته الجهة الأقدر مع حلفائه على محاربة داعش، دعاة السلمية لا وزن لهم في هذه الحرب حتى بالمقارنة مع كتائب المعارضة الضعيفة.

تستند مبادرة الشيخ الخطيب إلى واقع عدم رضا غالبية السوريين عن النظام والمعارضة، لكنها تهمل واقعاً أهم هو عدم فاعلية المتذمرين على الصعيد السياسي والاجتماعي، بل لا يُستبعد وجود مشاركة لنسبة لا بأس بها منهم في الحرب بين الطرفين على رغم تحفظاتهم عليها. ثمة فصام بين الرغبات والأفعال خبره السوريون طويلاً في عهد النظام، وثمة فصام مشابه بين الأقوال والأفعال، وإذا كان التذمر من أداء المعارضة يملك فرصة الفعل فالتململ في أوساط المؤيدين لا يطاول جوهر النظام، وقد يذهب جزء منه إلى لومه على عدم وفائه بوعد القضاء على الثورة سريعاً، لا إلى لومه على الطريقة الوحشية التي اعتمدها ولا يزال. لا وجود حتى الآن لتيار ملموس في الأوساط المؤيدة، يدعو إلى حل سياسي وإلى وقف القتل، مع ترجيح وجود فئة صامتة غير راضية عن جرائم التدمير والنهب وقصف المدنيين تحديداً.

يقرّ دعاة السلمية بأن النظام هو الذي واجه الثورة بالقتل حين كانت التحركات الشعبية سلمية في المطلق، بعضهم يرى في عسكرة الثورة نجاحاً مطلقاً للنظام إذ استطاع جرّ الثورة إلى ملعبه المفضّل، لكن هؤلاء أنفسهم يركّزون على اعتقال الناشطين «السلميين» ومقتل الآلاف منهم تحت التعذيب، بل يذهب البعض منهم إلى القول بأن النظام يستهدف السلميين أكثر من استهدافه المسلحين بسبب خشيته منهم! علاوة على ذلك، لا يملك دعاة السلمية تصوراً واضحاً أو خطة عمل واقعيين تجبر النظام على التنحي. الخيار السلمي امتُحن في البداية وأثبت فشله، والخيار العسكري أيضاً امتُحن وفشل؛ الفارق في الكلفة بينهما يبقى قيد التخمين لأن استخدام النظام للأسلحة الثقيلة كان قد بدأ فعلاً في مناطق لم تشهد بعد وجوداً للجيش الحر. وإذا قلنا بعدم وجود خطة واقعية لدى السلميين فالأمر ذاته ينطبق على العسكر الذين لم يمتلكوا باكراً تكتيكاً بديلاً عن تكتيك السيطرة والتمترس في الأرض، ما أوجد للنظام ذريعة إضافية لاستهداف المدنيين، خاصة مع اللامبالاة الدولية التي اتضحت منذ البداية إزاء مقتلهم.

التصورات السلمية تنطلق أيضاً من اتفاق شعبي مفترض على ثوابت وطنية، ومن القدرة على استعادة استقلالية القرار السوري. وكما شهدنا، لم تُثبت الأربعون شهراً الأخيرة اتفاقاً عاماً على ثوابت وطنية، وإلا كان الصراع قد اتخذ منحى آخر غير دموي بالتأكيد، فضلاً عن أن حجم الانقسام الداخلي، عندما لم يكن الخارج قد حضر بكثافة، هو ما مهد الطريق أمام الأخير ليطغى أحياناً على التناقض الداخلي. يُضاف إلى ذلك وجود وهم شائع عن استقلالية القرار السوري في ما مضى من عمر النظام، مع عدم ملاحظة سعي النظام المتكرر في ما سبق إلى تحالفات ومشاريع وحدوية طارئة، وصولاً إلى التحاقه التام بالمشروع الإيراني، الأمر الذي يكشف الهشاشة الجيوسياسية للنظام، وربما للكيان السوري في منطقة قلّ أن تخلو من التجاذبات القوية والعميقة.

المبالغة في تقدير الذات والإمكانيات لا تتوقف عند وهم استعادة الاستقلال المزعوم للقرار السوري، بل تتعداها إلى وهم قدرة التوجه السلمي على إيجاد حلول وفرضها ضمن واقع يكتسب صفة الاستعجال. هذا يفترق طبعاً عن التصور المعهود عن الحراك السلمي المستدام والمطلوب بشدة في فترة التحول الديموقراطي، وهو مطلوب بشدة أيضاً في زمن الحرب للتقليل من تداعياتها الكارثية، إلا أن وجود تيار سلمي يفرض شروطه على المتحاربين مسألة أخرى، والزعم بتوفره سيكون جرأة كبرى حالياً. الحل السياسي، في أحسن حالاته، سيُبنى على قاعدة تقاسم السلطة والنفوذ داخلياً وخارجياً، أي أنه سيرتسم بناء على موازين الصراع الخارجي والداخلي معاً.

مشكلة سلميي سورية، إذا استثنينا الأهداف السياسية غير المعلنة لبعضهم، أو بالأحرى إذا استثنينا السلمية الكيدية، أنهم ينطلقون من مبادئ جذابة تبدو غير قابلة للنقض، لكنها ككل البديهيات متعالية على الواقع، ومتعالية تالياً على السياسة، بينما الواقع السوري بأمس الحاجة إليها. وضع الأهداف النبيلة في موقع البديهيات يجعل السياسة أقرب إلى التمنيات الطيبة، ويتغافل عن أن القوى التي منعت النصر عن الطور السلمي للثورة قد زادت وأصبحت أشرس، فمنعت أيضاً الحسم العسكري. ثمة فشل سوري كبير، لا ينفع معه القول بوجود حل وحيد ومتاح، كأن الآخرين لا يعرفون الوصفة السحرية، أو لا يمتلكون النوايا الطيبة اللازمة له. ومن المرجح وقوع قادة العسكرة ضحية التضليل، عندما انتظروا دعماً كافياً لإسقاط النظام، وهذا لا يختلف جوهرياً عن الذين يضللون أنفسهم بقدرتهم على إسقاطه بالطرق السلمية، أو بقدرتهم على توحيد «الشعب السوري» خلف قيادتهم «الحكيمة».

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مَن يحمي مسيحيي الشرق؟

د. شملان يوسف العيسى

الاتحاد

الاحد 3/8/2014

قامت فرنسا باتخاذ خطوة حضارية متقدمة بعرضها استقبال مسيحيي العراق، حيث أعلن وزيرا الداخلية والخارجية الفرنسيان، برنار كازنوف ولوران فابيوس، عن استعدادهما لتسهيل استقبال مسيحيي العراق المعرضين للاضطهاد من مسلحي تنظيم «داعش». وتأتي هذه الخطوة الفرنسية بعد أن صمتت الدول والشعوب العربية على ما يحدث للمسيحيين في العراق ومصر وغيرهما من الدول. وإلى ذلك فقد تحرك الرأي العام الفرنسي، وعلى رأسه السياسيون والحقوقيون ومنظمات المجتمع المدني، لمطالبة السلطات الفرنسية بحماية مسيحيي الشرق.

والسؤال هو: لماذا لم تتحرك الدول العربية لإنقاذ المسيحيين العرب وجميع الأقليات في الوطن العربي من بطش جماعات الإسلام السياسي، رغم حقيقة أن المسيحيين العرب هم السكان الأصليون في بعض البلدان قبل الفتوحات الإسلامية، وقد عاشوا كجزء من الشعب الواحد تحت لواء الدول القومية والعلمانية لفترة طويلة.. قبل وصول جحافل الإسلام السياسي التكفيرية؟

ولا يتسع المجال هنا لشرح الدور الكبير الذي لعبه المسيحيون العرب طوال التاريخ الإسلامي، ودورهم المهم في النهضة والثورة العربية ضد الهيمنة التركية في الفترة العثمانية، حيث ناضل المثقفون والتنويريون العرب من المسيحيين والمسلمين لرفع راية العروبة، ورفضوا الوصاية والاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي.

علينا كعرب الإقرار والاعتراف بأن التفرقة ضد إخوتنا من الأقليات، سواء كانوا مسيحيين أو شيعة أو قوميات وأديان ومذاهب أخرى، هي السبب الرئيسي لحالة عدم الاستقرار والحروب الأهلية التي تسود أكثر من دولة عربية. فالسودان كان دولة موحدة وتمزقت، والآن نشهد تمزق العراق وسوريا ولبنان بسبب زج الدين في السياسة وإهمال القضية الوطنية التي تجمع فئات المجتمع تحت لواء الدولة المدنية وليس الدين أو المذهب.

إنه لأمر مزعج ما حدث في العراق بعد جرائم «داعش» بتهجير وإجبار المسيحيين على دخول الإسلام أو دفع الجزية أو المغادرة وترك بيوتهم وممتلكاتهم! مَن يصدّق أن مثل هذه التصرفات الإجرامية تحدث في القرن الحادي والعشرين؟ لم يعد كافياً ترديد الكلام السابق بأن الإسلام دين الوسطية والاعتدال والتسامح وحب الخير للجميع وأنه بريء من كل هذه الجرائم، وأن ما يقوم به بعض الأفراد لا يمثل الإسلام الحقيقي، فهذا الكلام يردده مشايخ الدين ورؤساء الأحزاب الدينية من «إخوان» وسلف ونقرأه في المدارس وتصدح به وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية وتردده منابر المساجد.. لكن كل أساليب التوجيه الديني والوعظ لم تمنع عمليات الإرهاب والعنف التي تمارَس ضد إخوتنا من المسيحيين العرب.

يخطئ من يظن بأن ممارسات «داعش» ظاهرة فردية؛ فعملية العزل والإقصاء وعدم المساواة موجودة في معظم الدول العربية؛ ففي بعضها يمنع تشييد الكنائس لممارسة الطقوس الدينية.. بينما تسمح جميع الدول المتحضرة في الغرب ببناء المساجد. وبعض الدول العربية أصدر برلمانها المنتخب من الشعب قانوناً عنصرياً يمنع التوسع في تجنيس المسيحيين! وفي بلد عربي آخر متعدد الخلفيات تم حرق 60 كنيسة في يوم واحد، وفي العراق تحديداً يتم تخريب الكنائس وهدم المقابر لا لشيء إلا لأنها لغير المسلمين!

وأخيراً نتساءل: لماذا التزمت الجامعة العربية ودولها الصمت تجاه ما يحدث من قتل وتشريد وتهجير للأقليات المسيحية؟ لا يمكن وقف ما يحدث من قتل وتشريد واضطهاد للأقليات إلا بوجود أنظمة ديمقراطية مدنية تؤمن بدولة القانون التي أساسها المواطنة وليس الدين أو المذهب.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ماذا عن أهم الحقائق وراء بقاء الأسد؟

د. خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 4/8/2014

يبدو أن بعض الخبراء والكتاب والصحفيين الأجانب الذين تناولوا موضوع بقاء نظام الأسد، أو نجاح الأسد في البقاء على رأس السلطة حتى الآن لم يسبروا غور الأحداث التي عصفت بسوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة وذلك إما لأن بحثهم في مجريات المشهد إنما يعتمد حصراً على المدارسة لا على الممارسة ولذلك تكون تحليلاتهم أقرب إلى السطحية دون تعمق، أو لأنهم يتناغمون مع مواقف دولهم من القضية السورية وهم في ذلك مجاملون من جانب أو عارفون حقائق الأمور مثل دولهم، ولكنهم لا يصرحون بحقائق هذه الأمور التي تدعمها وثائق وقرائن منشورة أصلاً، ولكن يبدو أن معظم هؤلاء المعلقين لم يصلوا إلى لب المعضلة عن سوريا، ولذا يبدو أن المحلل السوري المنصف هو أصدق قيلاً منهم وأعرف بالذي يجري وما الأسباب والتداعيات وما الحل المطلوب لتطويق هذه المعضلة العجيبة الفريدة والتي اعتبرت من المطلعين مأساة القرن الحاضر دون ريب في ذلك، وأهل مكة أدرى بشعابها. وتوضيحاً موجزاً للموضوع فإن بعض الباحثين كان يرى أن مسألة سقوط الأسد لا تتعدى الأشهر، ولكنهم غيروا رأيهم بعد ذلك وقالوا: إن الأسد يحرز انتصارات ويصمد، ثم يتحدثون عن أسباب صموده، ويرى "سيستيان سونس" الخبير في الشؤون السورية في المعهد الألماني للدراسات الشرقية أن مقاتلي المعارضة دحروا في عدد من المناطق الإستراتيجية، كالقلمون مثلا، ويعزو أندريه بانك الخبير في الشؤون السورية من معهد "جيجاء الألماني لدراسات الشرق الأوسط" هذا التقدم لنجاح الأسد في وقف عمليات الانشقاق في صفوف الجيش السوري، فالعقوبات ضد من يفعل ذلك تصل إلى حد الإعدام، ثم يذكر "بانك" سبب الدعم المالي الإيراني لتغطية رواتب الجيش السوري، ولكن يضيف أن قوة الأسد إنما هي مستمدة من ضعف المعارضة التي لم تتحد والبعض منها يقاتل بعضهم البعض، كما يحدث بين الجيش الحر وداعش وبين جبهة النصرة وداعش، ثم يقول "بانك": إنه على الصعيد الدولي قد تحسن موقف الأسد بعد الاتفاق على تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية وبهذا أصبح شريكاً في المفاوضات مع المجتمع الدولي ولكن يستطيع أن يقاوم بأسلحته التقليدية. ومن جهة أخرى فقد كان الكاتب الصحفي الأمريكي "توني كارون" كتب مقالاً نشرته مجلة "التايم" الأمريكية في 30 أغسطس عام 2012 تطرق فيه إلى صمود الأسد أمام أمواج المعارضة العاتية من مختلف أطيافها ولكن رأى أن ثمة خمسة أسباب وراء بقاء نظام الأسد، أولها: كبر حجم القوات الأسدية في خضم الصراع الطائفي وأنه كلما تعاظم هجوم السنة تفاقمت شراسة النظام والمؤيدين له من الأقلية العلوية وبعض المسيحيين والدروز والأكراد.

ثانيها: تصدير النظام للأزمة السورية، حيث يصعد الضغط على جيرانه في لبنان بأنصاره العلويين هناك، بهدف إشعال حرب أهلية كالتي كانت عام 1992، ومن ناحية أخرى أوقع تركيا التي تناهض التمرد الكردي في مشكلة، حيث تدفق أكثر من مليون لاجئ سوري إليها.

ثالثها: انقسام المعارضة وافتقارها إلى إستراتيجية واحدة، وحتى التماسك بين العسكريين أصبح محدوداً، وأصبح قسم من المدنيين لا يؤيدونها!

رابعها: تعزيز المنافسات الإقليمية والدولية الإستراتيجية لحالة الجمود، فلا تفاهم دوليا حول القضية السورية، فموقف أمريكا لدى الكاتب يختلف عن موقف روسيا والصين اللتين لا تريدان الإطاحة بأي حكم خارج عن مدار أمريكا الإستراتيجي، ثم إنهما تريدان إشراك إيران في أي حل سلمي، في حين أن أمريكا تعارض ذلك.

خامسها: تشابك خيوط نهاية الصراع، أي حتى لو سقط الأسد فكيف ستتم المرحلة بعده، فهذه مهمة ليست سهلة، والمعنى أن الأسد يعمل على ألا تقع.

هذا وللأمانة فقد ذكر بعضهم أن مما أدى إلى صمود الأسد مقاتلة بعض المؤيدين من غير العلويين كحزب الله اللبناني الشيعي وميليشيات أبي الفضل العباس العراقية الشيعية، وكذلك بعض حرس الثورة الإيرانية وبمعونة خبراء إيرانيين.

وإن هذا هو أهم ما كتبه هؤلاء في تحليلهم لبقاء الأسد وبالتالي انتخابه لمرحلة ثالثة بغض النظر عن تقويم الانتخابات وهل هو رئيس لسوريا أم لمن انتخبوه فقط؟!

ولكننا نؤكد ومعنا الأدلة النظرية والواقعية، أن مربط الفرس في إبقائه في السلطة إنما هي إسرائيل بالدرجة الأولى، حيث يجب ألا ننسى سيل التصريحات التي أدلى بها نتنياهو ومسؤولو الأمن القومي وغيرهم أن في بقائه مصلحة إسرائيلية وإن الواقع ليدل تماماً على ذلك، حيث منعت إسرائيل حلفاءها من مهاجمة النظام السوري وذهب وزير دفاعها مرتين إلى أوباما ليثنيه عن تزويد المعارضة المعتدلة بأسلحة نوعية وما ذلك إلا لأن اليهود يعتبرون أن الجولان أرض توراتية وأنه يجب أن تبقى هادئة وهو ما فعله حافظ الأسد بعد اتفاق فض الاشتباك وما فعله حافظ الأسد بعد اتفاق فض الاشتباك وما فعله بشار حتى الآن حماية لأمن إسرائيل المتفق عليه معها ومع أمريكا التي باركت لبشار وأن السلطة انتقلت انتقالاً سلساً من الأب إلى الابن، كما قال بيل كلينتون ووزيرة خارجيته أولبرايت وهذا السبب المهم في وجود إسرائيل الحافظة لعروش الحكام العرب الموالين وهو ما لم يتطرق إليه أحد ممن ذكرناهم من الباحثين وغيرهم كثير. ثم لم يذكر أمثال هؤلاء حقيقة الدور الأمريكي وأن أمريكا لا تريد إسقاط الأسد، مع أن أوباما صرح منذ بداية الثورة أنه فقد شرعيته، لأن سفيره في دمشق، روبرت فورد، صرح أننا نريد إضعاف النظام لا إسقاطه، وظهرت خزعبلاته، حيث ذهب إلى مدينة حماة ليبارك الثورة وقدم له الثوار غصن الزيتون وعندما افتعل المعلم وزير الخارجية السوري أنه غاضب من روبرت وظهرت الحقيقة غير ذلك، كما أنهم لم يتعرضوا لحقيقة الدور الإيراني، خصوصا بعد الترتيبات الأخيرة حول الملف النووي وتصريح الرئيس روحاني أننا لن نتنازل عن شيء من التخصيب إلا مقابل أن تعطى إيران نفوذا في الشرق الأوسط وهو يقصد تمتين الهلال الشيعي والأهم فيه سوريا، كما صرح خامنئي والآيات الدينية. كما لم يتطرق الباحثون إلى حقيقة حزب الله وأنه لبناني شكلاً، إيراني حقيقةً، وهو الدور نفسه لإيران في سوريا، كما أنهم لم يتطرقوا لحقيقة موقف عراق المالكي الذي صرح أن النصيرية قسم من الشيعة وأننا سندافع عن الأسد ولن يسقطوا نظامه ولماذا يسقط وكل ذلك بعد أن جاءته الأوامر من الولي الفقيه. وحتى روسيا يجب ألا ننسى تصريحاتها على لسان وزير خارجيتها لافروف: إنهم يخشون من ذهاب العلويين وقدوم السنة إلى الحكم في سوريا، ظناً منهم أن مصالحهم سيقضى عليها هناك، ثم إنهم الذين يتحدثون من الباحثين عن صنف المعارضة وعدم اتحادها لا يراعون أبداً أن هذه المعارضة لم تلتق ببعضها إلا بعد أكثر من أربعين سنة من ظلم الاستبداد وإن كان هذا لا يبرر ولكن ليس هذا هو السبب أيضاً، لأن ثمة معارضة في إسرائيل ومعظم البلاد المتقدمة ولم تتوحد، لكن يتخذونها ذريعة لكيلا يقدم المجتمع الدولي حلاً بدعم حقيقي للثورة، لأنهم في الحقيقة ضد الثورة وأي حكم ديمقراطي في بلادنا، فالديمقراطية لا يقيمونها إلا لبلادهم، أما عندنا فتفوت فيها مصالحهم، والنقيضان لا يجتمعان، ثم لا ننسى الفيتو الذي استخدمته روسيا والصين دوماً حتى لإدانة النظام السوري. زد على ذلك مما لم يتطرق له الباحثون دعم بعض الدول العربية للانظام القاتل بحجة القومية والممانعة وهم يعرفون أنه بريء منها وأين هذه الممانعة وحرب غزة ما زالت قائمة ولم يحركوا ساكناً تجاهها. والحقيقة أن المجتمع الدولي لو أراد إسقاط الأسد ولم يعمل على إنتاجه من جديد، لأنه الوحيد الحافظ لمصالحهم، لأسقطوا اللانظام ببرهة وجيزة ولذلك كانوا يحذرون الشعب السوري ويقولون باتت أيامه معدودة، ذراً للرماد في العيون، وما شاهدناه من نسف الأسد لمؤتمر جنيف وعمله على الإلهاء وإشغال المعارضة يدل على أنه يعمل بتوجيهات المجتمع الدولي وليس ضده للأهداف نفسها. زد على ذلك وجود داعش وكيف اتفق النظام معها أنه لا يضربها ولا تضربه وحقاً لم يسقط برميل متفجر واحد على الرقة لأكثر من أربعة أشهر وهكذا بقي الجيش الحر يقاتل داعش من جهة واللانظام من جهة أخرى، فماذا سيكون هذا الجيش الحر مع منعه من أي سلاح نوعي ضد الطائرات أو الدبابات وسكوت المجتمع الدولي عن دعم الأسد من روسيا وإيران والصين وآخرين، لماذا؟ لأنهم لا يريدون إلا إخماد الثورة وأن يبقى الأسد رغم أنهار الدماء، فهي لا تهمهم ولكن مع كل ذلك وجدنا أن الثوار أصبحوا يعتمدون على أنفسهم ويصنعون الأسلحة ويحاربون بإمكاناتهم ولم يستسلموا، بل أحرزوا انتصارات جديرة يشهد لها العالم ولهذا قال الباحث الألماني سونس إن قول الأسد إنه سينتصر ليس إلا مجرد بروباجندا، فهو بعيد كل البعد عن الانتصار العسكري وهو رأي بانك أيضاً الذي قال إن سيطرة النظام على جميع سوريا أمر غير واقعي.

أقول: فهل عرفنا الحقائق بعد ذلك، وأنها في إطار المشروع العقدي الأيديولوجي الإيراني الشيعي، وأن إسرائيل صانعته لهم وأمريكا ألعوبتها معهم، خصوصا بعد متابعة الملف النووي، فأين الواعون؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

حرب غزة كما يراها السوريون...

أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 5/8/2014

على غير العادة تباينت مواقف السوريين وردود أفعالهم من الحرب الدائرة في غزة. فالمألوف حصول ما يشبه الإجماع على رفض أي عدوان صهيوني ضد الشعب الفلسطيني ومناهضته، ليس فقط لحساسية حضور المسألة الوطنية في وجدان الشعب السوري، إنما أيضاً بسبب روابط تاريخية بين الشعبين بلورت حالة مزمنة من تعاطف السوريين مع معاناة الفلسطينيين ومظالمهم، تجلت تاريخياً بروح متحفزة وباستعداد استثنائي لتلبية أي استغاثة يطلقونها. لكن اليوم ثمة مياهاً كثيرة جرت، وهناك متغيرات سياسية ونفسية عميقة طاولت السوريين بعد ثلاثة أعوام ونيف من تفاقم الصراع الدمويي في البلاد.

بداية، وفرت حرب غزة فرصة ثمينة استثمرها الإعلام الرسمي لإحياء الشعارات الوطنية والترويج لفكرته عن وجود مؤامرة خارجية تهدف ضرب محور الممانعة، بدأت ضد سورية وتستمر في غزة، لتتواتر الاتهامات والإدانات بحق الثورات العربية، وأنها هي أساس الداء والبلاء اللذان عمّا المنطقة وأوصلاها إلى حالة من الضعف مكّنت نتانياهو من الاستفراد بأهل غزة والتنكيل بهم، وكأن العرب والفلسطينيين كانوا أفضل حالاً قبل ذلك، وكأن إسرائيل لم تشن حروباً شرسة في فترات سابقة ضد غزة وللأسباب ذاتها، كل ذلك من أجل تشويه الدوافع الحقيقية للثورات ورفض الاعتراف بالأسباب السياسية والاجتماعية للأزمات العربية، والأهم صرف الأنظار عن تصاعد العنف والتدمير في البلاد، وعن معاناة تشتد وتتعاظم لدى غالبية السوريين في الداخل أو في الشتات. في المقابل أربكت حرب غزة الجسم السوري المعارض، وزادت من تشتته ومن ضعف مواقفه وخياراته، فمن جهة شكلت طوق نجاة لبعض أطراف المعارضة التي لا يزال الهم الوطني يحتل الأولوية لديها، أو لنقل حافزاً يشجعها على إزالة ما تبقى من إحراجات لتبرير إعادة النظر باصطفافاتها وبمواقفها من أطراف الصراع، والحجة تنامي الأخطار الصهيونية، فكيف إن أضيف إليها ما يشكله تنظيم «داعش» من تهديد للكيان السوري!

وإذ ينسحب هذا الأمر على بعض القوى التي تنتمي إلى معارضة الداخل، فهو يشمل أصواتاً قيادية في الخارج بدأت تطلق التصريحات لطي صفحة الماضي وتبني الحلول الوسط، من دون أن نغفل نظرياً عن احتمال تقدم موقف جديد لـ «الإخوان المسلمين» أسوة بقرار تجميد معارضتهم للنظام السوري إبان العدوان على غزة عام 2008.

ومن جهة أخرى ثمة معارضون تملأهم الريبة والشكوك من حرب غزة، إما لأنهم يخشون دورها الموضوعي في منح السلطة فرصة لإطلاق يدها في الفتك والتنكيل مطمئنة إلى انشغال العالم هناك، وإما لأنهم يتحسبون من أن تفتح هذه الحرب، إن طال زمنها واشتد أوارها، بوابة على متغيرات تعيد للنظام ولأطراف محور الممانعة بعضاً من دور إقليمي ينحسر، أو تفضي إلى خلط الأوراق وخلق تحول في التفاعلات السياسية الجارية في الدوائر الغربية والعربية تحبذ التعاطي مع النظام السوري لضمان استقرار المنطقة. وهناك بين هؤلاء المعارضين من دفع موقفه إلى آخر الشوط معتبراً حرب غزة في توقيتها وزخمها حرباً مفتعلة بتحريض إيراني، وكردٍّ من طهران على الجديد الحاصل في العراق وسورية بعد التقدم الكبير الذي أحرزه تنظيم «داعش» في مواجهة ركائزها ونفوذها.

كان للمشترك الديني دور كبير، هذه المرة، في قراءة تعاطف قطاع من السوريين مع أحداث غزة، بعضهم لأنه يعتبرها حلقة من سلسلة واحدة، تشمل العراق وسورية، غرضها النيل من الكتلة السنّية في المنطقة، مشيراً بالبنان إلى ما يبدو اتحاداً أو تواطؤاً بين القوى العالمية والإقليمية على ضرب الوجود الاجتماعي والسياسي للإسلام السنّي وتفكيك وجوده المشرقي، واضعاً المعارك الضارية ضد الجماعات الأصولية المتشددة في هذا الإطار. وبعضهم لأنه يراهن على صمود غزة في إرجاع بعض التألق لتيارات الإسلام السياسي بعد المثال المصري وما خلفه من ضرر على سمعتها وشعبيتها، نتيجة سعيها للاستئثار بكل شيء بعد وصولها إلى السلطة وانكشاف هشاشة التزامها بمصالح الناس وبالديموقراطية والدولة المدنية.

ويبقى أن هناك سوريين لا تعنيهم كثيراً حرب غزة، ربما لأنهم غارقون حتى النخاع في عذاباتهم ويكتوون بشروط حياة ظالمة لا تطاق، وربما لأنهم يشعرون بأن ما يعانونه ويكابدونه أشد وطأة مما يعانيه الفلسطينيون، وربما من باب الاعتراض على حرب سرقت الأضواء المسلطة على محنتهم. ولكن كل ذلك لم يحجب إمارات الحزن لدى غالبيتهم حين التطرق إلى أحداث غزة، وذاك القلق الإنساني من احتمال تطور غير محمود للحرب هناك، مشفوعاً برغبة صادقة بأن لا تذهب الأمور نحو إغراق غزة في دوامة عنف أعمى مديد كالذي يعيشونه يومياً.

استياء السوريين من المجتمع الدولي كبير بسبب سلبيته من مأساة المنطقة ومن هذا التمادي غير المسبوق في الفتك والتنكيل، وبسبب استهتاره المخزي بالأرواح التي تزهق وبالمجتمعات التي تدمر وبأحلام الأطفال البسيطة التي تهتك. ولا تقلل هذا الاستياء الصرخات الكثيرة المنددة بالعدوان الإسرائيلي، أو ما يدبج من عبارات وبمختلف اللغات لإدانة عنف الأنظمة والجماعات الارهابية، فهي إدانات لا تتجاوز برودة الكلمات، أحياناً تساق من باب رفع العتب، وأحياناً لامتصاص الضغط الأخلاقي الناجم عن مشاهد مروعة لا يحتملها عقل ولا ضمير، وأحياناً كي لا يذكر التاريخ أن الإنسانية لاذت بالصمت بينما آلات الموت والدمار تعمل بأقصى طاقتها.

والحال، إن الاستمرار في وأد حلم الشعوب العربية بالحرية والكرامة والاستهتار بحقوق الفلسطينيين، ربطاً بتقاعس المجتمع الدولي وتلكؤه في التعاطي مع صور العنف المفرط في غير بلد عربي ومع عنجهية الكيان الصهيوني ووحشيته، عوامل تغذي لغة الحروب ومنطق الغلبة والمكاسرة، وتغلق الأبواب أمام وسائل الحوار وقواعد الحياة الديموقراطية في إدارة الصراع، والتي من دونها لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا ومرحلة الصَّوملة !

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 5/8/2014

تطالعنا الأخبار المرعبة عن النِّسب التي بلغتها سوريا على صعيد شامل، فنجد أنفسنا أمام حالة من الدمار والتفكك قارنها بعض الكتّاب والإعلاميين بما أصبح معرفاً تحت مصطلح «الصّوملة»، وهو ذلك الذي يُعبَّر به عن الأحوال التي وصلت أقصاها من التدمير والتفكيك والإجرام والإفقار. إنها ثلاث سنين تمرّ– مع دخول السنة الرابعة ومع انتظار نهايتها. ولم تتغير وتائر الموت بمعظم أو بكل أنواع السلاح، خصوصاً منها القنابل العنقودية والبراميل المتفجرة، إلا إذا زيدت أنواع أخرى عليها. ويبقى الناتج متمثلاً بالقتل والجوع والبحث عن أماكن آمنة، سواء كانت في الداخل السوري (وهي آخذة في التعاظم)، أو كانت في بلدان الجوار أو أبعد من الجوار، إضافة إلى كل مظاهر الإفقار والإذلال والرعب والأسى. تلك الوضعية الشاملة التي تلف سوريا من أقصاها إلى أقصاها، تحولت إلى "تسونامي" من الطراز الأكثر بؤساً وعاراً ووحشية. لقد تجاوز هذا "التسونامي" كل المقاييس التي شهدها التاريخ. ولعلنا نشير إلى أحد الأشكال التي تسوق ما يحدث في سوريا، وهو كون الحروب، في توجهاتها الخصوصية، تظهر بمثابتها تدخلاً أو غزواً من الخارج إلخ، يهدف إلى تدمير كل ما هو قائم. وفي هذه الحالة، تبرز أفكار حول مجازر يتمثل أحد أشكالها في إمطار البلد المعني بكل وسائل القتل. وفي هذه الحال، يتركز الاستهداف باتجاه الأطفال والنساء والمعمّرين والأماكن التي يرون أنها أماكن حماية؛ إضافة إلى الأماكن التي تمثل رموزاً تعليمية وثقافية وصحية، مع كل ما يدخل في الإرث التاريخي والتراثي للبلد المعني، وهو هنا سوريا التي قدمت لحضارة العالم وتاريخه مايجعل منها مرجعية للبشر جميعاً.

ما يحدث في سوريا لا يفصح عن طرفي هذه الحرب الحالية القائمة تحت عنوان «غُزاة ومغْزوين»، وإنما يظهر هذان الأخيران بوصفهما منتمييْن إلى بلد واحد. فهذا البلد الواحد أصبح، كما أعلنت أخبار فظيعة عن سوريا: إن أكثر من مئة وخمسة وأربعين ألفاً من النساء السوريات، أصبحن يعشن وحيدات تعانين من العزلة والإملاق والتهديد الدائم باستباحتهن، إضافة إلى الجوع والخوف والوحدة. ويأتي في الخبر أن هذه النسوة يخفن من الخروج إلى الشوارع. وقد بعْن خواتم زواجهن، كي يسدّوا الرمق. ويتابع الخبر ومصدره منظمة (الإسكوا)، بأن سوريا دخلت في «مرحلة الصّوملة»، وبأن دخل النساء المذكورات قد هبط بحيث أصبح مستوى الفقر إلى نسبة خمسين بالمائة.

ما يحدث في سوريا يمثل أشنع الأخطاء. وبالأصل، لم يكن دخول سوريا في الأفق الذي أريد له ومايزال يُراد، أن يكون مغلقاً وحين بُدء باستخدام السلاح الناري القاتل بعد انقضاء ستة أشهر على التظاهر السلمي، كان ذلك قد شكّل في التاريخ السوري أبشع وأخطر حدث؛ ناهيك عن أن ذلك اخترق النموذج السوري في مايتسم به من الانفتاح والتسامح والعقلانية العميقة. وبالأصل، لم تكن مطالب الشعب السوري إلا أمراً مفهوماً وقابلاً للاستجابة. فلقد ظهرت مطالب محقة وقابلة للحل؛ ناهيك عن أن أوساطاً كثيفة في السلطة كانت مهيأة للاستجابة الفعلية إلى ذلك. وإذا كنا الآن في معرض التحدث عن ذلك، فلعلنا نشير إلى المثال التالي: جموع من الناس يبقون أربعين عاماً ونيف في بيوتهم، التي بقيت أو أٌبقيت مغلقة، ويرجعون إليها بعد ذلك: ألا يستحق الأمر أن يقوم هؤلاء بتهوية بيوتهم وتنظيفها وتهيئتها لسكن نظيف مريح آمن ؟ وظهرت إرهاصات لذلك المطلب الشرعي القانوني، خصوصاً بالتزامن مع اقتحام الغزاة الأميركيين للعراق. فبعد هذا الحدث الإجرامي الفاحش، أعلن "كولن باول" في اليوم الثاني من هذا الإجرام، موجهاً كلامه إلى سوريا: على دمشق أن تتقن الدرس البغدادي! وقد كان ذلك الموقف استفزازياً إلى درجة قصوى. وكي تتم الصورة، أذكر أني كتبت رداً على ذلك الموقف، بأن كتبت مقالة كان عنوانها التالي ومخاطباً فيه الجميع من الشعب السوري: سارعوا أنتم الآن، وافتحوا الدائرة قبل أن يفتحها الأغيار!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

نظام الاستبداد والعقلية الاستبدادية

لؤي صافي

الحياة

الخميس 7/8/2014

يتهم بشار الأسد خصومه السياسيين بالخيانة في خطاباته المتكررة، وتنظيم «داعش» ومن لف لفه يسم القوى الثورية الخارجة عن سلطانه بالكفر، وكلاهما يستبيح الخصوم والمعارضين، وكلاهما يسعى إلى فرض رؤيته الأحادية على الآخرين. لكن المشكلة لا تقف عند أعداء الثورة السورية بل تنخر في الجسد المنتفض على الظلم والاستبداد. فقد أظهرت تجربة السنوات الثلاث ونيف الماضية من عمر الثورة جهوداً مهمة للتخلص من نظام الاستبداد، ولكنها لم تشهد قدراً كافياً من العمل للتخلص من عقلية الاستبداد التي ولّدت النظام كما ولّدت التطرف والتشدد، والتي انتشرت خلال العقود الأخيرة على مستوى السلوك والثقافة العامة داخل المجتمعات العربية التي خضعت لأنظمة مستبدة.

مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بخطاب التخوين والتهديد تجاه قوى ثورية وسياسية معارضة لم تتماه في رؤيتها ومواقفها مع تلك التي تبناها معارضون آخرون أطلقوا أحكام التخوين والعمالة ضد رفاق الدرب الثوري الذين لم يتفقوا معهم. العديد من الكتائب المقاتلة أصدر بيانات بعد اتخاذ «الائتلاف الوطني» السوري قرار المشاركة في مفاوضات جنيف، ونهجت في خطابها نهج التخوين والتهديد وهدر الدماء. أصوات مشابهة صدرت مؤخراً نحو مبادرة أحمد معاذ الخطيب، واتهمته بالتآمر على الثورة وخيانتها فقط لأنه دعا إلى إنهاء حالة الاقتتال والدخول في حل سياسي لا تتوافر شروطه الموضوعية.

السنوات الثلاث الماضية قدمت لنا جملة من المواقف «الاستبدادية» من شخصيات وأفراد محسوبين على الثورة، ويعملون داخل صفوفها، تظهر بين الفينة والأخرى من خلال أقوالهم ومواقفهم تجاه مخالفيهم. فالاستبداد عقلية وطريقة في التفكير والعمل قبل أن يكون نظام حكم. الاستبداد السلطوي كظاهرة من ظواهر الاجتماع السياسي يتولد في مجتمع تغلب على أفراده الشخصية الاستبدادية، وهي شخصية أنانية وثوقية عدوانية في سلوكها وردود أفعالها، سواء امتلكت السلطة أو القوة أم لم تمتلك.

العقلية الاستبدادية تتميز، أولا، باستغراقها في ذاتها ومشاعرها وهمومها ورؤيتها الذاتية، فهي غير قادرة على التعاطف مع غيرها، وتفهم مواقف مغايرة لموافقها التفصيلية، واستشعار أن اختلاف الظروف والخبرات يمكن أن يولد خيارات متعددة، وأن هذه الخيارات يجب أن تحترم طالما بقيت ضمن الإطار العام الذي تحدده الأهداف المشتركة. وبالتالي فهي لا تحترم الاختلاف والتعدد وتصر دائماً على أن تفرض رؤاها ومواقفها على الآخرين حتى عندما تختلف خبراتهم واهتماماتهم.

وتتميز العقلية الاستبدادية ثانياً بموقف وثوقي أحادي، يساوي بين القناعات الذاتية أو المواقف الشخصية والحقيقة المطلقة من جهة، وبين قناعات الآخرين والباطل الكامل من جهة أخرى. فالحق هو ما ارتآه صاحب العقلية المستبدة والباطل ما ارتآه من يخالفه. وبالتالي فصاحب العقلية الاستبدادية يلجأ إلى تكفير (في الحالة الدينية) وتخوين (في الحالة الوطنية) من يخالفه الرأي والاجتهاد والفهم والاعتقاد.

وأخيراً، وبناء على ما تقدم، فإن العقلية الاستبدادية تتميز بالعدوانية، لأنها تسارع إلى الهجوم واستباحة المخالف في الرأي والموقف، فتلجأ إلى شيطنته وكيل الشتائم والأوصاف التحقيرية على مستوى الخطاب، وصولاً إلى الاعتداء الجسدي والعملي عند القدرة للتخلص من المخالفين والمعارضين. وفي هذه المرحلة الأخيرة يتجسد الاستبداد على مستوى الأنظمة الاستبدادية، والشخصيات والحركات التسلطية، التي تعاني منها شعوب الربيع العربي.

طبعاً هذه ليست دعوة إلى الامتناع عن النقد والاختلاف. الاختلاف في الرأي أمر طبيعي لأن المجتمع الإنساني الحر متنوع بطبيعته، والنقد ضروري لتصحيح الأخطاء وإثراء الرأي. ما ندعو إليه هو التأكيد على أن الثورة التي تسعى إلى التحرر من حالة الاستبداد يجب أن لا تقتصر في جهدها التغييري على تغيير رموز الاستبداد وحسب، بل أن تبذل غاية وسعها لتغيير العقلية والممارسات التي يمثلونها والتي حملتهم إلى تدمير البلاد وتهجير العباد، وهي عقلية الاستبداد وممارسات التسلط.

* كاتب وناشط سياسي سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com