العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10 /07/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نداء السوريين هيهات منّا الذلّة .. بدرالدين حسن قربي

في كلام سابق، اعتبر المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي الثورتين المصرية والتونسية بمثابة استمرار للثورة الإيرانية التي أسقطت الشاه في عام 1979. وفي كلام لاحق يوم الخميس في نهاية حزيران/ يونيو الفارط، أضاف لهما اليمن وليبيا واعتبرها ثورات بمثابة صحوة إسلامية معادية لأمريكا والصهيونية، إلا الثورة السورية فقد اعتبرها بمثابة انحراف بل نسخة مزيفة عنها، لأنها حسب زعمه صناعة أمريكية هدفها إيجاد خلل في جبهة الممانعة.

للتاريخ نكتب أن كلام السيد خامنئي في جوهره ليس بعيداً عن كلام حليفه في لبنان السيد حسن نصرالله في نظرته إلى الثورة السورية بل ويبدو أن أحدهما صدى للآخر. وهو كلام هدفه إخراج الثورة السورية خص نص من سياقات الثورات العربية الأخرى لأغراض تخص تحالفاتهم واستراتيجياتهم، ولكنه غير قادر على إقناع أحد.فماأخرج أهل مصر وتونس وليبيا واليمن على أنظمتهم هو نفسه ماأخرج السوريين.فكل الثورات العربية كانت ثورات واضحة تجاه رئيس مستبد بمثابة شاه على رأس حزب حاكم محتكر للسلطة فاسد، يستند إلى قواعد ديكتاتورية قامعة مصادِرِة للحريات وإلى عائلة وقرابات ونافذين من شفيطة نهّابين وبلاعين مسنودين، وكلها كانت ثورات تطالب بحريتها السليبة وكرامتها المستباحة. وهو نفس الحال السورية الذي فجّر بركانَ ثورة الشام وغضبها بعد طول صبر وانتظار على أرصفة الإصلاح الموعود عشرات السنين مابين الوالد وماولد.

إن مصيبة السوريين المشهود لهم بالمقاومة والممانعة والوطنية مع نظامهم ليست هي اليوم كما في السابق على مقاومة النظام وممانعته، ولا على تحالفاته وعلاقاته، بل هي تحديداً على حريتهم وكرامتهم في وجه قهره وديكتاتوريته وبطشه، وفساده ونهبه وظلمه، ولولا ذلك لما تحرك أحد. أمّا رؤية بعض الثائرين والمتظاهرين ينالون من حلفائه، فهو أمر لا يكاد يرى لولا مشاعر الإحباط والألمالتي لم يستطع هذا القليل تجاوزها، بسبب توجيه التهم لهم من قبل هؤلاء الحلفاء فضلاً عن تضامنهم مع قاتلهم ومضطهدهم وسفّاك دمائهم بل والدفع به في هذا الطريق، فهم بدل أن يعظوه وينصحوه ويعقّلوه ويرشّدوه، أرسل إليه بعضهم مستشاري الأمن والقمع وخبراء التعذيب والقهر، وبعضهم أرسل إليه شبيحة وقناصين لمواجهة طالبي الحرية والكرامة بقمعهم وإذلالهم وهم متظاهرون مسالمون شعارهم الشعب السوري مابينذل، وهتافهم الموت ولا المذلة.

فكيف يكون انحرافاً في ثورة الأحرار والحرائر السوريين إذا أرادوا لمقاومتهم أن تكون بلا قمع ولا استبداد، وكيف يكونتزييفاً إذا أرادوا لممانعتهم أن تكون خلواً من النهب والفساد، وكيف تكون خيانةً وتآمراً إذا أرادوا لحياتهم أن تكون حرة كريمة ترفض الاستعباد،وعنوانها هيهات منّا الذلّة...!؟وما مشكلتهم أن يثوروا على مستبديهم ومستذليهم وسارقي لقمة عيشهم، وقد انتظروهم على أرصفة الإصلاح الموعود عقوداً وسنين،حتى سمعوا بشار الأسد نفسه يقول لمحاوره في مقابلته مع الوول ستريت جورنال المنشورة في 31 كانون الثاني 2011 : إن لم ترَ الحاجة إلى التغيير قبل الذي حصل في مصر وتونس، فقد أصبح متأخراً أن تقوم بأي تغيير، وعندما سأله عن الإصلاح في سورية أجابه: بأنه سيشرع في إصلاحات سياسية واقتصادية، وإنما لكي نكون واقعيين علينا ان ننتظر الجيل القادم لتحقيق هذا الإصلاح.

يقرأ علينا السيد خامنئي وحسن نصرالله وغيرهم المرة تلو المرة، أن ثورة الامام الحسين وعنوانها هيهات منّا الذلّة، إنما كانت على قيم الاستبداد والظلم والفساد التي ورث رفضها عن جده عليه السلام، وورّثها لمن بعده من الأتباع والأئمة الفضلاء الكرام فنصدّقهم. ويسمع السورييون كلام السيد في إيران ويتردد الصدى لدى السيد في لبنان، فتعجبهم القراءة وبلاغتها ويدهشهم نهج الكلام. وإنما يوم ثاروا سلْماً وسلاماً على فظائع قهر، وفواحش جور، وكبائر نهب، وقالوا لا لاستحواذ النظام على السلطة والثروة، أعلن عليهم شاههم الحرب بالدبابات والطائرات، واستبيحت دماؤهم وأعراضهم والممتلكات، وقال عنهم نصرالله بأنهم يقدمون خدمات جليلة لأمريكا وإسرائيل بثورتهم، وقال عنها خامنئي: إنها صناعة أمريكية.ومن ثمّ فقد كان السورييون في أشد حالات تعجبّهم واستعجابهم.

ليست مبالغة أن السيد خامنئي ومن قبله نصراللهومن معهم وضعوا أنفسهم في حال لايحسدون عليها البتة لتناقضها جملة وتفصيلاً مع ماينادون به ويرفعونه من مبادئ وقيم، اعتقدها الحسين عليه السلام، واستشهد عليها، وبين تأييدهم ودعمهم لنظام فاشي مستبد فاسد في مواجهة ثورة شعبية مطالبة بالحرية والكرامة نداؤها هيهات منّا الذلة.

http://www.youtube.com/watch?v=BpV69V2gYVw&feature=youtu.be

http://www.youtube.com/watch?v=nM_7rlDvcpM&sns=em

http://www.youtube.com/watch?v=q27vi1Ueaf0

http://www.youtube.com/watch?v=LP3tg-zPkgY&NR=1

--------*************---------

لا تزال الولايات المتحدة تتمسك بالأسد الصغير .. محمد فاروق الإمام

لا يزال الأسد الابن يحظى بتأييد الولايات المتحدة رغم ما اتخذته من عقوبات بحقه لا ترقى إلى مستوى كسر العظم ولا حتى إلى لي الذراع، فالاتهامات المتبادلة بين دمشق وواشنطن والتي تأخذ طابع التشدد في بعض الأحيان ما هي إلا بالونات هوائية لا تلبث أن تختفي في الأفق عند أول هبة ريح، لأن كل الحقائق على الأرض تثبت أن واشنطن لا تريد أن ترى حاكماً لدمشق إلا متماهياً مع أجندتها وفي مقدمتها المحافظة على أمن إسرائيل وصمت الجبهة السورية الإسرائيلية، كحالها منذ أن توسطت في عقد اتفاقية فك الاشتباك بين سورية وإسرائيل عند الكيلو 54 عام 1974، والتي تضمنت في بعض بنودها السرية محافظة النظام السوري على استقرار الجبهة السورية الإسرائيلية والتخلي عن مرتفعات الجولان، لقاء التزام أمريكا ببقاء النظام في دمشق ممسكاً بالسلطة فيها، وإشراكه في تنفيذ أجندتها في المنطقة بما يتماهى مع مصالحها وأمن إسرائيل، وهذا ما شهدناه على مدى ثلاثين سنة من حكم الأسد الأب الذي دخل لبنان بضوء أخضر من واشنطن وتل أبيب، بعد أن عجز الصهاينة من إخراج منظمة التحرير من لبنان وإبعاد الفصائل الفلسطينية من جنوبه، رغم شنهم حربين مدمرتين على لبنان ولم يفلحا في ذلك، فلم يجدوا بداً من اللجوء إلى الأسد الأب لفعل ذلك، حيث تمكن هذا الأسد من إخراج منظمة التحرير من لبنان وتشتيت الفصائل الفلسطينية وشرذمتها وتفكيك كياناتها وإبعادها عن جنوب لبنان، ومشاركته في العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 حيث دفع بعشرات الآلاف من جنود الجيش السوري ليقاتلوا الإخوة العراقيين فيما عرف بعاصفة الصحراء تحت الراية الأمريكية، وتابع الأسد الصغير بعد موت أبيه الطريق نفسه حيث كان أميناً على ما التزم أبوه به تجاه أمن إسرائيل وخدمة الأجندة الأمريكية في المنطقة، حيث قدم للولايات المتحدة التي غزت العراق عام 2003 الدعم المخابراتي واللوجستي لقواتها الغازية، وجعل من السجون السورية محطة لإجراء التحقيقات مع من تتهمهم الولايات المتحدة بما يسمى الإرهاب، لانتزاع الاعترافات منهم بأساليب المخابرات السورية الوحشية القذرة، ولم تنس الولايات المتحدة هذه الخدمات فقد، قدمت الشكر المصحوب بالامتنان إلى النظام السوري بقولها: (لقد قللت دمشق في دعمها للقوات الأمريكية الغازية للعراق كثيراً من الخسائر البشرية التي كان من الممكن أن تدفعها واشنطن في تلك الحرب، وأن واشنطن لن تنسى ذلك الدعم).

واليوم وبعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على انطلاقة الثورة السورية والقمع الوحشي الذي يمارسه النظام بحق المتظاهرين السلميين والذي أتى على استشهاد أكثر من 2000 مواطن بينهم أكثر من مئة طفل وعشرات النساء ومئات الشيوخ وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والمهجرين، ومحاصرة العشرات من المدن والبلدات والقرى في طول البلاد وعرضها، ومنع الماء والغذاء والكهرباء والاتصالات عنها، والذي ترافق بتدمير كثير من المنازل ودور العبادة والمؤسسات، والاعتداء على المال العام ونهب الأسواق وتحطيم السيارات والمحال التجارية.

أقول بعد مضي كل هذه الأشهر بكل عذاباتها ومراراتها وأنهار دمائها فإن الإدارة الأمريكية لم ترق في تصريحاتها إلى مطالبة بشار الأسد بالرحيل كما فعلت مع ابن علي وحسني مبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح، وأن أقصى درجات ما تقوله بعد كل هذه الأنهار من الدماء (إن النظام السوري يقترب من فقدان شرعيته)، بل وتذهب أبعد من ذلك بإصرارها على أنه من الممكن والمستحسن أن يكون التحول الديمقراطي في سورية على يد بشار الأسد وأن على المعارضة السورية أن تمد له يدها وتطمئن لوعوده وأن ترحب بما أصدره من مراسيم إصلاحية.

فقد كشفت صحيفة الغارديان البريطانية أمس الجمعة 1 تموز عن خارطة طريق من شأنها أن تترك بشار الأسد في السلطة، وأن واشنطن تضغط على المعارضة السورية لإجراء حوار معه. وقالت الصحيفة إن مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية يشجعون سراً مناقشة (مسودة وثيقة) غير منشورة جرى تعميمها بمؤتمر المعارضة الذي انعقد بدمشق الاثنين الماضي، يشرف من خلالها الرئيس بشار الأسد على ما تعتبره الوثيقة (الانتقال الآمن والسلمي إلى الديمقراطية المدنية)، والتي تدعو إلى (تشديد السيطرة على قوات الأمن وتفكيك عصابات الشبيحة المتهمة بارتكاب فظائع بحق المتظاهرين، ومنح الحق بتنظيم المظاهرات السلمية، والحريات الإعلامية، وتعيين جمعية وطنية انتقالية).

وتحدثت الوثيقة بحسب ما جاء في الصحيفة عن مطالبة النظام ب(اعتذار واضح وصريح، ومحاسبة المؤسسات والأفراد الذين فشلوا باستيعاب الاحتجاجات المشروعة، وتعويض أسر الضحايا، وإخضاع حزب البعث الحاكم لقانون جديد للأحزاب السياسية على الرغم من منحه حق ترشيح 30 عضواً من أصل 100 عضو في الجمعية الوطنية الانتقالية المقترحة، على أن يتم تعيين الأعضاء السبعين الآخرين من قبل رئيس الجمهورية بالتشاور مع مرشحي المعارضة)، وكشفت الوثيقة أنه تم التوقيع على خارطة الطريق من قبل المعارضين (لؤي حسين ومعن عبد السلام)، نيابة عن مجموعة تسمي نفسها (لجنة العمل الوطني)، واللذان قابلا نائب الرئيس فاروق الشرع قبل الخطاب الأخير للرئيس الأسد وترأسا اجتماع المعارضة السورية بدمشق الاثنين الماضي.

وإذا ما صدقت الجريدة فيما نشرته فإن واشنطن كعهدنا بها، لا تزال متمسكة ببشار الأسد وتعمل على تجميل صورته وتأكيدها على أن الإصلاح في سورية يمكن أن يتم برعايته وتحت إشرافه، وأن كل ما تصدره واشنطن من تصريحات لبعض مسؤوليها، وما تتخذه من عقوبات، ما هي إلا ذراً في الرماد إرضاءً لبعض الأصوات في الكونجرس الأمريكي وضغوط المنظمات الإنسانية والمدنية عليها، المطالبة بالتحرك الجدي لوقف حمامات الدم في سورية، وتناغماً مع مواقف بعض حلفائها في الغرب، الذين أعلنوا صراحة أن بشار الأسد فقد شرعيته وأن عليه الرحيل.

ختاماً أقول لواشنطن وكل من يعتقد اعتقادها في الداخل السوري وخارجه، أن عليهم قراءة الأحداث في سورية قراءة جيدة، وأن عليهم أن يتفهموا الدوافع التي حدت بالجماهير السورية لتلبس أكفانها وتضع أرواحها على أكفها، وهي تخرج في تظاهرات سلمية متحدية بصدورها العارية رصاص شبيحة النظام ورجال أمنه بإصرار وعناد لم يسبقهم إليه أحد، وأن عليهم أن يتفهموا أن هدف هذه الجماهير ليس فقط رحيل بشار الأسد بل الهدف رحيل هذا النظام السادي الظلامي الجاهل واستئصاله من جذوره.. هذا النظام الذي غيّب سورية والشعب السوري عن الحياة العصرية والحضارة والمدنية التي يشهدها العالم اليوم لنحو نصف قرن، وأن الجماهير السورية ستظل تندفع في ثورتها حتى النهاية، موطّنة النفس على دفع الثمن مهما ارتفعت فاتورته، فلا شيء أعز من الحرية والكرامة والعدالة، التي صادرها هذا النظام كل هذه السنين السوداوية العجاف، وهي مصرة على انتزاعها والفوز بها، مستلهمة قول الشاعر التونسي العظيم أبا القاسم الشابي:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أن ينكسر

--------*************---------

القضية السورية قضية شعب ووطن وتاريخ لا يملك احد حق التصرف بها .. المحامي محمد أحمد بكور

 ان الازمة السورية المخيمة على البلاد بكل معطياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية.... هي قضية شعب وجغرافيا تاريخا وحاضرا ومستقبلا، مع نظام شمولي استولى على السلطة عن طريق انقلاب عسكري منذ اكثر من اربعة عقود، وكرّس استبداده بسلطة أمنية واستمر هذا النهج من الاب المورث الى الوريث الابن، لقد ألحق هذا النهج بالبلاد الخراب والدمار وكلف الشعب الكثير من الويلات والتضحيات.

وبرغم ان النظام يترنح ويحتضر منذ اوائل التسعينات وسقوط المعسكر الاشتراكي، ولم تتمكن من اسعافه الحقن الدولية والاقليمية وجرعات الادعاء بالممانعة ولم يفلح كل هذا بأنقاذه من حالة العجز والموت السريري.

 وما يثير الاستغراب والاستهجان ان بعضا من المحسوبين على المعارضة يحاول مد حبل النجاة له، بطرحه مقولات فاسدة كالعمل تحت سقف النظام وليس سقف مطالب الشعب، والنيل من المعارضين المنفيين! فلو كان هذا الطرح في اطار حرية الرأي والرأي الاخر لقبلناه انطلاقا من ايماننا بحرية التعبير، أما انه ينطلق من مصادرة حق المعارضة بالخارج عن طريق ممارسة نوع من الارهاب السياسي ومصادرة حق من هو بالخارج تحت ذريعة وجوده بالداخل او دخوله السجن بأسلوب اقصائي خدمة للنظام فهذا يحتاج لتعليق وتوضيح. ( قد يكون هذا الكلام فاجئ البعض الا انه لم يفاجئنا لاننا كننا نرصد ونتابع التصريحات ونقول لمن حولنا انتظروا قنابل موقوتة مستقبلا وهؤلاء احتياطي للنظام).

 ان القول بالعمل تحت سقف النظام جهل بطبيعته العصية على الاصلاح، او استغباء للاخرين وهذه اعلى درجات الغباء، او هو انحراف عن بوصلة العمل الوطني ايً كان المنطلق، او ضعفا او انتهازية او لوهن في العقل، او لاضطراب نفسي نتيجة نزعة الاستعجال للحصول على بعض الفتات فأختل توازنه ومثل هذا لا يملك اهلية وطنية لتمثيل المعارضة ويحتاج الى مصّح...

 أذ لا يحق لأي كان وتحت اي غطاء التنازل او المساومة او التصرف بقضية تمس حقوق الشعب كما لا يحق لاحد مصادرة حق الاخرين او يسبغ على نفسه هالة لا يستحقها ويستخدمها للتلاعب بقضية مقدسة.

 أن من يهمه التغيير يدعوا الى توحيد المعارضة تنظيماً و منهجاً لا الانتقاص من جزء مهم منها وهذا الجزء لم يصادر حق احد بل يعتبر نفسه داعما سياسيا واعلاميا لحركة الانتفاضة بالداخل ويشد من ازره لتسريع عملية التغيير.

الوجود بالداخل :

 فهل من حق اي فرد او مجموعة النيابة عن الشعب تحت غطاء وجوده بالداخل ويتهجم على الملايين في الخارج مميزا نفسه عن مناضلين سبقوه بالمعارضة بأكثر من عقدين وأضطرتهم الظروف القاهرة للابتعاد عن الوطن وهم ليسوا من كوكب المريخ او زهرة او زحل .... و انما امتداد للمجتمع السوري، لقد سبق لنا ان ناقشنا هذا الموضوع منذ اكثر من ست سنوات بمقال تحت عنوان المعارضة بين اشكالية الداخل والخارج، وقلنا لايجوز نزع صفة الوطنية عن أي معارض واينما كان.

 ان المعارضين الحقيقيين في الخارج ليسوا من هواة السياحة او من المهتمين بالاثار او رواد اصطياف بل كانوا رواد السجون في تدمر والمزة والقلعة، وبلدنا كلها مصايف والحمد لله ومضى على وجود بعض منهم اكثر من اربعين عاما ولا يخفى الالام النفسية والمعنوية وتعرض كثير منهم للاخطار، لقد دفعوا ثمن مواقفهم هم واهلهم دما ومعاناة مادية ومعنوية قال تعالى (( ولو كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم ما فعله الا قليل )). لقد قُرن قتل النفس على صعوبته بالخروج من الوطن .

 وهذا لا ينفي وجود استثناءات، كان الاجدر بمن التحق متأخرا بركب المعارضة ان يسأل عن اسباب وجودهم في الخارج قبل ان يتساءل اين كانوا! وجوابا على سؤاله نرشده العودة الى سجلات محكمة امن الدولة العليا والى الاوامر بالملاحقات الصادرة بموجب حالة الطوارئ او القانون 49، وما تعرض له اهلهم وذويهم من عذابات ومضايقات وصلت لمحاربتهم بلقمة العيش وهذا ما اعترف به رئيسهم في خطابه في 20 – 6- 2011 وان هذا الاستعراض الموجز ليس منّة على الوطن وهو نقطة في بحر الواجبات الوطنية ولكن للتوضيح فقط .

السجن :

 اما الحديث عن السجن نقول كفاكم هذيانا ان السجون السورية يدخلها كل عام اكثر من الداخلين الى الجامعات وهذا لا يخوّل لأحد المساومة على قضايا الوطن و لا تساوي قطرة دم تراق على ارض سورية. ونجد انفسنا مضطرين لذكر بعض الحقائق لقد سجننا مع المئات من المناضلين مرات قبل ان يصبح هؤلاء معارضون وتلاحقنا وحُكمنا واضطررنا للهرب خارج الحدود ودخل ابناؤنا السجن كرهائن من اجلنا ولم نبدل تبديلا.

 ويوجد في الداخل من امضى اكثر من مانديلا في السجن و اخرون اقل بقليل ومنهم من قضى نحبه داخل السجون ولم تصدر عنهم اي اشارة تصادر حق الاخرين، لهذا لا يحق لأي كان وتحت أي غطاء الادعاء بأنه يحق له ما لا يحق لغيره ويساوم على القضية.

 أن القول بالعمل تحت سقف النظام يعطي تصرفاته الشرعية التي فقدها، وكان الاولى ان يقال العمل تحت سقف الوطن ومطالب الشعب وتحقيق اهدافه بالتغيير بأقامة دولة مدنية تسودها الحرية والتعددية والمساواة.

أيها السادة نأمل ان لا يزاود احد علينا فأننا اسمى واعلى من كل المتسلقينا. والقضية السورية اكبر من فرد او احزاب او تجمعات انها قضية شعب ووطن وتاريخ ومن يؤدي واجبه لا يريد جزاءا ولا شكورا.

 نطالب الجميع بأعادة النظر والمراجعة ويرتقوا بخطابهم وعملهم الى مستوى القضية كل من موقعه وقدر ما تسمح ظروفه وان يكون العمل تحت سقف المطالب الوطنية للانتفاضة، ولا نساوم على دماء الشهداء والآم المعتقلين والمشردين ودموع الثكالى والارامل واليتامى ويجب التحلي بالوعي والادراك ان البلاد في أزمة خطيرة جدا ويسعى النظام لتحويل الانتفاضة السلمية الى صراع مسلح معه وما زجه الجيش او جزء منه وممارسته القمع المتنقل من مدينة لأخرى ومن قرية لقضاء من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال الا لخلق حالة من العداء والنظر اليه كجيش احتلال، و ان لكل فعل ردة فعل.

--------*************---------

المعارضات السورية ومؤتمراتها والخطوط الحمر .. محمد فاروق الإمام

بداية أنا لست ضد أي نوع من المؤتمرات السورية المعارضة سواء في الداخل أو الخارج، ولست ممن أنزع إلى وصف بعض المشاركين بالعمالة أو الخيانة أو محاولة التسلق على جثامين الشهداء أو خطف الثورة من أصحابها الحقيقيين، الذين نزلوا إلى الشارع يتصدون لقمع النظام الوحشي بصدورهم العارية وأيديهم الخالية من كل شيء إلا من أغصان الزيتون والورود، لقناعتي أن النظام السوري الذي حكم لنحو نصف قرن قد فرض على سورية التصحر الفكري ومنع أي تحرك سياسي أو اجتماعي أو إنساني خارج قبة حزب البعث وشعاراته التي جعلت منه المادة الثامنة من الدستور القائد والموجه للمجتمع والدولة لنحو أربعين سنة، أطفأ خلالها سرج عقول السوريين وعمل على محو ذاكرتهم، ولابد من التلاقح الفكري وصقل الأفكار المتبادلة والتعارف وتعلم الحوار وتقبل الرأي والرأي الآخر.

ولست ممن يمنح صكوك الوطنية والخيانة لهذا الناشط أو ذاك مهما اختلفت معه في الرؤى والتوجهات والاعتقاد، أو الدين والمذهب والعرق، طالما كل هؤلاء يحملون الهوية الوطنية السورية التي هي من حق الجميع كالهواء والماء والغذاء، ومن حق الجميع أن يعبروا عن وجهة نظرهم بأسلوب حضاري شفاف فلكل منا ما يؤخذ منه ويرد عليه.

ولكن هذا لا يمنع من وضع الخطوط الحمر أمام بعض من هؤلاء المحاورين أو المندسين إذا جاز التعبير في مثل هذه المؤتمرات:

1-صهيوني معادي للقضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الأولى التي هي جزء من ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وأحلامنا، فالمعادي للقضية الفلسطينية هو معادي للثورة السورية وللشعب السوري.

2-مندس يحمل شهادة حسن سلوك من أعداء الأمة ويسعى لتنفيذ أجندة خارجية معادية، ويدعو إلى التدخل الأجنبي العسكري.

3-مجرم تلوثت يداه بدم أبناء الوطن، أو كان جزء فاعل من هذا النظام، قبل أن يعلن توبته، ويقدم اعتذاراً علنياً ويرد المال العام الذي نهبه، وانتظار قرار العدالة بعد تحقق قيام قضاء عادل في سورية ليعطي حكمه فيه.

4-أحد أبواق النظام أو من هو جزء منه مهما كانت صفته الاعتبارية أو الوظيفية.

 

وغير هؤلاء لا خطوط حمر أمام أي مشارك في هذه المؤتمرات سواء ما يعقد منها داخل الوطن أو خارجه، فالكل بحاجة إلى أن يلتقي مع الآخر بدون شروط مسبقة أو فرض أجندة بعيداً عن منطلقات الثورة وهدفها المعلن وهو إسقاط النظام وقيام الدولة المدنية المنشودة التي يتساوى فيها كل أبناء الوطن بغض النظر عن العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو المعتقد الفكري من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فسماء الوطن وأرضها تتسع للجميع.

فانا مع انعقاد مؤتمر أنطاليا ومؤتمر بروكسل ومؤتمر سمير أميس وما يحضر له من مؤتمرات في الداخل والخارج طالما أنها تلتزم بأجندة الثورة وأهدافها ولا تدعي التحدث باسمها أو السعي للالتفاف عليها أو خطفها، وهدفها دعم الثورة والشد من أزرها وتقويتها وتثبيت مواقفها ودفع عجلتها وكسب التأييد لها عربياً ودولياً بكل الوسائل والسبل المتاحة والتي يمكن الوصول إليها لتفكيك النظام وإضعافه، وإسقاط أوراق التوت عن عوراته ونزع أقنعة الزيف والخداع عن وجهه، ومحاصرته سياسياً واقتصادياً وإنسانياً.

--------*************---------

اليوم يوم الرحيل .. هل سيصغي الأسد لمطالب الشعب ؟!! .. ربحان رمضان

حوالي 1500 شهيد ، وآلاف الجرحى..

أخبار الاعلام تقول أن عدد اللاجئين الذين فروا من الحرب العدوانية من جانب قوات الأمن والقوات القمع إلى الجارة الشمالية "تركيا" للنجاة بأرواحهم يزيد عن العشرة آلاف مواطن سوري .

وأن حصيلة حرب القوات الأمنية والعسكرية التي يقودها الفريق أول بشار الأسد العدوانية ضد شعبه المطالب بالحرية ، والديمقراطية ..

لقد رد النظام على المطالب الشعبية بالقتل وسفك الدماء دفع السوريين إلى الاتفاق على مطلب واحد هو .. إسقاط النظام .

الكثير من المهتمين بالشأن " الثوري– السوري " يقولون أنخطاب الرئيس بشار الاسد " الذي انتظرناه طويلا " أخفق في اقناع الناس المنتشرين في شوارع المدن والقرى بتلبية مطالبهم المشروعة سيما وأن الدبابات كانت في طريقها إلى القتال الدامي أثناء فترة خطاباته الأول والثاني والثالث .

منذ بداية الثورة قبل اربعة شهور، والرئيس بشار الأسد يتحدث عن تشكيل لجان، لتعديل الدستور،، و لمكافحة الفساد وغيرها ، لكن دون أن نرى نتائج تلك اللجان حتى الآن .

أما أنا فأقول : لا أدري كيف من الممكن لرئيس دولة ، وقائد جيشها وقواتها المسلحة أن يقول مالايمكنه فعله ...!!

فقضية مكافحة الفساد مثلها مثل قضية إطلاق حرية الصحافة والحريات الديمقراطية ، وقضية إطلاق سراح بقية المعتقلات والمعتقلين السياسيين المتبقون في السجون والمعتقلات ، لا تحتاج الى لجان ولا غيرها ، منهم الآنسة طل الملوحي التي كان يجب على النظام أن يعيد محاكمتها علنيا في محكمة عادلة ، بل ضرورة تقديم الاعتذار من جانب وزارة الخارجية السورية وبشرى كنفاني لأهلها وللشعب السوري عن الكذب والافتراء اللذان تعرضت لهما هذه الصبية الملوحي، هذه القضية لم تكن تحتاج إلا لتوقيع من الدكتور بشار الأسد قائد الجيش والقوات المسلحة ، سيما وأن رموز الفساد معروفة لديه ومعالجتها تحتاج لوقت أقصر بكثير من الوقت الذي يحتاجه قرار يقضي باطلاق النار على المواطنين العزل .

بعد الخطاب دعى نشطاء سوريون إلى الحوار ممن لم يقتنعوا بعد بأن الذي يريد ابقاء الأسد على دفة الحكم هم الأمريكان بالذات ، ويلهث النظام لإرضائم ، بل والخضوع لهم كما خضع الأسد الأب لهم سابقا ، والتحضير لعقد مؤتمر وطني يجمع كل الأطياف .

وفي هذا الصدد يحق لي ، ويحق للآخرين أن نتسائل : أي حوار والدبابات تدك القرى والمدن ؟ وأي معارضة ستجلس على طاولة الحوار ؟

وهل يعتقد السادة الذين فتحوا باب الحوار في مؤتمر فندق سمير ميس أن السلطة التي تدوس كرامة المواطن ، وتوجه النار إلى صدور أبناء شعبها هي شرعية ؟

وبالمناسبة ، فإن صفة الشرعية لا تضفيها علاقات مشوشة مع أميركا ولا غيرها ، وبالمناسبة أيضا أقول لمن يصف المعارضة الوطنية بأنها عميلة للأمريكان أن الأمر ملتبس عليهم لأن النظام هو وحده المتعامل مع الأمريكان .

ليس اللحظة ، أبدا ، وإنما منذ أن دخل جيش حافظ إلأسد إلى لبنان بحجة الدفاع عن اللبنانيين وذلك تحت المظلة الأمريكية .

ومنذ ان استضاف الأسد الأب زعيم الامبريالية في ذلك الوقت الوقت ، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نيكسون في العاصمة السورية دمشق * .

لا ، لم تعد السلطة تحظى بشرعية ، لا شرعية أصلية ولا مكتسبة ، ولم يبقى للنظام إلا أن يتنحى ، ويترك المجال للشعب ، وقواه الوطنية أن تنتخب سلطتها الشرعية .

--------------

* يومها ، وكنت أتابع قضية الرفيقان يوسف ديبو وعادل اليزيدي اللذان اعتقلا على خلفية بيان نشرناه معا ً في دمشق وفي محافظة الحسكة وكان المناضل الأستاذ جريس الهامس قد تطوع كمحامي دفاع عنهما .

قال لي أن القوى الوطنية السورية المتحالفة في إطار اتحاد القوى الديمقراطية مزمعة على نشر بيان يستنكر زيارة زعيم الامبريالية إلى سوريا .

سألني إذا كان من الممكن التعاون معهم في نشره بمدينة دمشق ، ولما شاورت الرفاق نشرته (ولوحدي) في كل المنطقة الشمالية من مدينة دمشق أي أحياء برزة ، والقابون ، وحي الأكراد ، والصالحية والمهاجرين ، يرجى الإطلاع على المرفق الذي كتب المناضل الهامس لي في حاشيته إهداءه .

--------*************---------

هذه هي خُطَّة بشار للبقاء! .. جواد البشيتي

2011-07-03

العرب اليوم

شاءت الأقدار أنْ تكون الثورات العربية على غير هوى روسيا, وأنْ يكون لموسكو من المصالح (الإستراتيجية) ما يجعلها في خندق واحد مع أنظمة حكم عربية دكتاتورية شمولية ضدَّ شعوبها.

وزير خارجية روسيا لافروف حذَّر المعارضة السورية (أو قواها المتطرفة في عدائها لنظام حكم بشار) من مغبَّة عدم التجاوب مع ما أبداه نظام الحكم السوري (بالأفعال والأقوال) من رغبة "حقيقية" في "الإصلاح (السياسي والديمقراطي..)", فخاطبها قائلاً: لقد جنح بشار للحوار, وللإصلاح عبر الحوار, فاجنحوا له, وإلاَّ ثَبُت وتأكَّد أنَّ لكم مآرب أخرى, أي أنَّكم لا تبتغون إصلاحاً وإنَّما إسقاطاً لنظام الحكم (وهذا إنَّما هو الإثم بعينه!).

هذا هو الكلام الروسي الذي تستحسنه ولا تمجه أسماع نظام الحكم السوري; وقد يَنْسَخ ويَجُبُّ ما قبله, فدمشق ساءها أنْ يقول مسؤول روسي (أصغر وأقل مكانةً وشأناً) لوفدٍ من المعارضة السورية زار موسكو إذ دعته إلى زيارتها إنَّ لروسيا صديقا واحدا فحسب في سورية هو "الشعب السوري", وإنْ امتنع عن إجابة سؤال "من ذا الذي يمثِّل هذا الشعب?".

ولو كان لروسيا أنْ تفهم معنى "الشعب" في سورية, بمنأى عن, وضدَّ, تعريف بشار الأسد له, لقالت إنَّ هذا "الشعب" هو ما رآه العالم بأسره معاينةً في مدينة حماة التي خرجت عن بكرة أبيها لتنادي بإسقاط نظام الحكم البعثي الأسدي; فإنَّ أهل حماة أدرى بشعاب سورية; ولقد عرف نظام الحكم السوري كيف يجعلهم يؤمنون إيماناً لا يتزعزع بأنَّ "ارْحَلْ" هي وحدها الإصلاح الحقيقي, غايةً وطريقاً.

"الحوار", أي دعوة نظام الحكم المعارضة, أو المعارضة "الأصيلة", بحسب تصنيفه لقوى المعارضة, إلى "الحوار", أو إلى "الإصلاح" من طريق "الحوار", وعلى ما يفهمه كل من له مصلحة في فهم الأمور بما يوافق المصالح الحقيقية للشعب, إنَّما هو "جزء" من "الخطَّة" التي وضعها نظام الحكم السوري في صراعه من أجل البقاء; وهذه "الخطَّة" تتألَّف من ثلاثة أجزاء.

نظام الحكم السوري كان يخشى خشيةً حقيقيةً أنْ يمتدَّ "الربيع الشبابي الشعبي الثوري الديمقراطي العربي" إلى سورية; فسعى بما يملك من وسائل وقوى لتزييف الحقائق, وفي مقدَّمها الإعلام, إلى إظهار نفسه على أنَّه "الاستثناء" لا "القاعدة" لجهة العواقب النهائية لهذا "الربيع"; فهو سيبقى; لأنَّه ليس من جنس الذاهبين الذين لو كانوا من جنسه لَمَا ذهبوا, ولبَقوا في الحكم خالدين فيه أبداً!

إغراق الثورة, أو الحراك الشعبي, في بحرٍ من الدماء, كان هو الجزء الأوَّل من خطته; وقد ضمَّن هذا الجزء "إصلاحاً" من نوع "سين" و"سوف"; فإذا فشلت خطته, في جزئها الأوَّل, واضطَّر, من ثمَّ, إلى أنْ يتنازل (تنازُلاً لا يُفْقِده السلطة الفعلية) للشارع (الذي صَمَد, وتأسَّد على الحكم الأسدي, متخطِّياً نقطة اللاعودة) نجح, على ما يتوهَّم, في إظهار تنازله هذا على أنَّه أقرب إلى الوفاء بوعوده (في "الإصلاح") منه إلى التنازل تحت ضغط الشارع.

بعد "الإرهاب الخالص", أو ما يسمَّى "الحل الأمني (الصرف)", وإذا ما أخفق في إعادة الشعب, أو الشارع, إلى "بيت الطاعة", يأتي "الجزء الثاني" من الخطَّة نفسها, وهو "المزاوجة بين العصا والجزرة", أي بين "الإرهاب والحوار".

وفي سياق هذا الجزء الذي بدأ ولم ينتهِ بعد, جاءت موافقة نظام الحكم السوري على عقد اجتماع لبعضٍ من قوى المعارضة "الأصيلة" في دمشق, وعلى اتِّخاذ هذا الاجتماع منطلقاً لحوارٍ بينه وبين هذه المعارضة (وأشباهها).

ويتوقَّع نظام حكم بشار, أو يعلِّل نفسه بوهم, أنْ يأتي "الجزء الثاني" بما يجعله الجزء الأخير, فتنتهي اللعبة بنهاية هذا "الحوار"; وهذه "النهاية" هي "حلٌّ إصلاحي", يتنازل فيه نظام حكم بشار للشعب, عبر هذا المحاوِر من المعارضة, بما ينهي الدافع إلى استمرار الثورة, ويَحْفَظ له, في الوقت نفسه, أسباب البقاء. في هذا "الحلُّ الإصلاحي (الوهمي)" يُعْطي الشعب ما "يحقُّ" له أخذه, ويأخُذ من الشعب ما "يحقُّ" له الحصول عليه, ف¯ "يَنْعُم" الشعب ب¯ "إصلاح" ليس بذي أهمية, ولا يتناسب مع تضحياته, وتبقى له (أي لبشار وعائلته وشركائه في الحكم) مقاليد السلطة الفعلية الحقيقة.

في الجزء الأوَّل, كانت الغاية, أي غاية نظام الحكم السوري, هي البقاء من طريق "الإرهاب الخالص", أو "الحل الأمني الصرف"; وفي الجزء الثاني, أي الحالي, أصبحت الغاية هي البقاء من طريق المزاوجة بين "الحل الأمني" و"الحل الحواريِّ", أي الحل من طريق الحوار بين نظام الحكم وبعض قوى المعارضة (الداخلية) التي لديها من المخاوف والدوافع والمصالح ما يجعلها قابلة للتجاوب مع "حلٍّ" يقوم على "التصالح مع نظام الحكم إذا ما أصلح نفسه بنفسه (أو من خلال التعاون مع بعض خصومه)".

أمَّا إذا انتهى "الجزء الثاني" إلى ما انتهى إليه "الجزء الأوَّل"; وهذا ما سيحدث حتماً, فعندئذٍ لن يبقى لدى نظام حكم بشار إلاَّ "الخيار" الذي فيه من معاني "الاضطِّرار" أكثر كثيراً ممَّا فيه من معاني "الخيار"; وهذا هو "الخيار الشمشوني", أي خيار "عليَّ وعلى أعدائي".

وفي هذا "الجزء الثالث (والأخير)", يتفلَّت نظام حكم بشار من كل قيد وعقال, ويخوض معركته الأخيرة, مضحيِّاً بكل شيء, وبأيِّ شيء, في سبيل البقاء, ولو لم يُبْقِ سعيه إلى البقاء على شيء من سورية, الدولة, والوطن, والشعب; مقيماً الدليل النهائي على أنَّ أي نظام حكم عربي يريد البقاء في الحرب, وبالحرب, لا يمكن أن يكون قابلاً للإصلاح, وعلى أنَّ الطريق التي منها جاءوا إلى الحكم هي عينها الطريق التي منها يغادرونه; فهل لمُغْتَصِب السلطة اغتصاباً أنْ يتخلَّى عنها ب¯ "الحوار" مع ضحاياه, أو من خلال إبداء هؤلاء الرغبة في مجادلته بالتي هي أحسن?!

"الثورة" إنَّما هي "التغيير من تحت"; و"الإصلاح" إنَّما هو "التغيير من فوق"; وهذا "الإصلاح" لن يغدو طريقاً إلى التغيير في سورية, أو إلى تغيير يتَّسِع لمصالح ومطالب وحقوق الشعب, إلاَّ إذا رأيْنا الرئيس بشار يقود (بنفسه) ثورةً في داخل "قصره", يَضْرِب بيدٍ من حديد أركان حكمه من المعادين للشعب ومصالحه ومطالبه وحقوقه, مادَّاً, في الوقت نفسه, يداً ناعمةً إلى شعبه, محاوِراً إيِّاه, ومتحالفاً معه, توصُّلاً إلى إعادة السلطة إلى الشعب بصفة كونه صاحب الحقِّ في امتلاكها كاملةً; لكن هذا القول لن يصبح قولاً للسياسة في عالمها الواقعي الحقيقي إلاَّ أثبت الرئيس بشار أمرين في منتهى الأهمية, أوِّلهما أنَّ له هو مصلحة فعلية (ورغبة من ثمَّ) في هذا التغيير; وثانيهما أنَّه قادِرٌ على تنحية كل عقبة في داخل نظام حكمه عن هذه الطريق; فهل أقول "هلاَّ يفعلها" أم "هلاَّ فعلها"?

لن أقول إلاَّ الصحيح من القول, وهو "هلاَّ فعلها".

--------*************---------

سوريا: إنهاك القمع وعلم الجراثيم .. عبدالله بن بجاد العتيبي

الإتحاد الاماراتية

أصبح واضحاً أنّ الاحتجاجات السورية في تصاعد من جمعة لأخرى، بل من يوم ليومٍ، فقد انتقلت الاحتجاجات من يوم الجمعة لبقية الأيام، فكان الخميس الماضي هو خميس "بركان حلب" على سبيل المثال، بالمقابل يمكن رصد مؤشراتٍ تدلّ على إنهاكٍ ما بدأ يعتري الجيش والأجهزة الأمنية السورية مع استحضار أنها واحدة من أقوى الأجهزة الأمنية في المنطقة، وأنّها كانت منذ بدء الاحتجاجات عصب قوّة النظام.

هذا الإنهاك يمكن استنتاجه منطقياً بحساب سهل، فالشعب السوري حسب الإحصاءات الرسمية تجاوز الاثنين وعشرين مليوناً، والجيش السوري حسب ويكبيديا تعداده 320000، ولم أعثر على تعدادٍ للأجهزة الأمنية، ومع افتراض أنها توازي الجيش أو ضعفيه فإن العدد الإجمالي لا يتجاوز المليون، والمنطق يقول إنّ إصرار عشرين مليوناً أو نصفهم أو ربعهم على التظاهر يجعل قدرة المليون عسكري وأمني ضئيلةً في مواجهتهم، قد تنشط هذه الأجهزة العسكرية والأمنية لشهر أو شهرين، ولكنّهم سيصابون بالإنهاك في النهاية، خاصة أنّهم أصحاب وظيفةٍ يؤدونها بلا شغفٍ وليسوا كمقابليهم أصحاب أهداف وأمنيات عريضة.

بعيداً عن المنطق وعلى أرض الواقع، فإن ما جرى في مدينة حماة في الجمعة الماضية "جمعة إرحل" مؤشر على هذا الإنهاك، فقد انسحب الجيش والأجهزة الأمنية من المدينة، فخرج نصف مليون متظاهر حسب بعض وسائل الإعلام، كما خرجت جميع المحافظات السورية في تظاهراتٍ متفرقةٍ، يهمّنا هنا أن نسجل أنّ المظاهرات تكبر ولا تصغر، تنتشر ولا تتقلص، تنشط ولا تنهك.

مؤشر آخر هو انضباط الجيش السوري في بدء الاحتجاجات، ولكنّه في الأسابيع الأخيرة بدأ يشهد انشقاقاتٍ فرديةٍ وجماعيةٍ لم تصل بعد لتشكيل تهديدٍ حقيقي للنظام، ولكنّها هي الأخرى تتزايد، مؤشر آخر هو أنّ المظاهرات بدأت تصل لحلب ودمشق، فخرج عشرات الآلاف بحسب وسائل الإعلام في حلب، وخرجت احتجاجات في أكثر من مكانٍ في دمشق، مظاهرتان في الميدان، وفي حي القدم وفي البرزة وغيرها، ما يعني أن الاحتجاجات قد وصلت للعاصمتين الرئيسيتين في سوريا، السياسية والاقتصادية.

في الجانب الآخر، نجد أن الاحتجاجات أو جماعات التنسيق للاحتجاجات قد استطاعت أن تتجاوز كل قوّة وعنف وبطش الأجهزة الأمنية وكل قمع وتسلّط الجيش بأساليبها الخاصة، فأصبح حراكها أوسع من قدرة الجيش على الاحتمال، وانتشارها أقوى من قدرة الأجهزة الأمنية على المتابعة، والملاحظ أنّ هذه الاحتجاجات تسير بأبطأ من قدرتها الحقيقية على التأثير، ولكن ربما كانت هذه استراتيجية تتبعها.

هذه التنسيقيات لم تبادر بعد للاتجاه للمقرات الحكومية حيث الاتصالات والتنسيق وإدارة الدولة، ربما لأنها تريد الحفاظ على شرعيتها السلمية، وربما لأنها لم تزل عاجزةً عن هذا الفعل، وربما وهو الأقرب أنّها تريد النجاح في إخراج أعدادٍ أكبر إلى الشوارع لتقارع النظام، خاصةً أنّ حاجز الخوف قد انكسر منذ مدّةٍ، وهو ما تريد أن توسّعه وتنشره على أوسع نطاقٍ.

فشل النظام السوري في التعامل مع الأزمة الداخلية واضح، فهو حاول نقل بؤرة الاهتمام عن المدن الرئيسية بعملياته في جسر الشغور والمهجّرين بالآلاف إلى تركيا فلم ينجح، وحاول جمع المعارضة في دمشق لينزع المشروعية من احتجاجات الشارع ومن معارضة الخارج فلم ينجح، وحاول إلهاء الناس بخطاباتٍ سياسية طويلة بلا قيمة فلم ينجح، وبالطبع فأهم محاولاته هي القمع والدموية، وهي أكثر فشلاً من غيرها كما أبانت الأحداث.

إقليمياً، يبدو حلف الممانعة مع إيران و"حزب الله" آخذ في الضعف والتفكّك، فإيران تعتقد أنّ سقوط النظام في سوريا يعتبر قاصمة ظهرٍ بالنسبة لها، ولهذا تدفع باتجاه مساعدته بشتى الطرق، ولكنّ واقع إيران وواقع سوريا على الأرض يقول إن إيران لا تستطيع حمل سوريا بكل مشاكلها على ظهرها المهدود أصلاً باحتجاجات الداخل الإيراني ومشاكل الدولة الإيرانية.

"حزب الله" الذي كان يساوم عليه النظام السوري صدر بحق بعض عناصره في هذه الظروف التي يعجز النظام عن معالجتها قرار اتهامي من المحكمة الدولية، تمّ تسليمه للبنان واضطربت الحكومة الحالية في التعامل معه.

صدر القرار الاتهامي للمحكمة الدولية في اغتيال الحريري في توقيتٍ مهمٍ ربما كان مسيساً كما يطرح نصر الله وربما لا، ولكنّه في النهاية صدر، وعلى إيران وسوريا ونصر الله التعامل معه في ظل الظروف الكبيرة المحيطة بهم، كانت ردة فعل نصر الله في خطابه المتلفز متوقعةً، فهي جاءت مبنيةً على أنّ خير وسيلةٍ للدفاع هي الهجوم، فأقام ما يمكن تسميته محاكمة المحكمة الدولية، ولكن يبقى السؤال الكبير ما الذي يستطيع الحزب فعله تجاه هذه المحكمة الدولية بكل احترامها القانوني الدولي والموقف الدولي الداعم لها بكل قوةٍ؟ الجواب لا شيء سوى التركيز على الداخل اللبناني والتهديد المبطّن خلف عبارات الحكمة والتعقل.

دولياً، أصبح النظام السوري يخسر كل يومٍ حليفاً من تركيا إلى روسيا ولم يبق له إلا الصين، وليس لدى النظام السوري ما يقدّمه للصين لتخالف العالم كلّه لأجله، ولكنّ الصين تنتظر ما يقدّمه العالم لها من حوافز للتخلي عن النظام هناك.

إنّ صراع المصالح الكبير الذي يدور اليوم صراع حقيقي ومؤثر على مستقبل المنطقة والعالم، فهو صراع لا يحدث إلا نادراً في الحقب التاريخية بهذا الرتم السريع وهذا التشعّب الكبير، تركّزت تجلياته الكبرى في الشرق الأوسط، ولكنّ أبعاده الكاملة تلفّ العالم أجمع.

روسيا مثلاً تخسر أصدقاءها في المنطقة، وتأتي دائماً كردة فعلٍ لا كفعلٍ، بمعنى أنّها ترفض ابتداءً وتعارض، ولكنّها لا تلبث أن تتخلّى عن الأنظمة التي تقول إنها تدعمها، موقفها من ليبيا مثال واضح، وتصريحات بعض مسؤوليها مؤخراً تجاه سوريا، وأنها تعتبر أن الأنظمة تذهب وتجيء والباقي هو الشعب، وهو ما تتعامل معه. يؤكد أنّها لا تمانع في التخلّي عن أي نظامٍ إن رأت مصالحها لا تلتقي مع مستقبله، وتاريخ روسيا مفيد هنا، فعلاقتها بالعراق تخلت عنها في أزمة الخليج الثانية لصالح تحالف دولي ولأموالٍ قبضتها، وتلك قصة معروفة.

أخيراً، يقول الباحث الأميركي "كرين برينتن" في كتابه الجميل "تشريح الثورة" ص39 مستعيراً من علم الجراثيم حسب قوله "سنعدّ الثورات نوعاً من الحمّى .. وفي المجتمع أثناء الجيل الذي سبق اندلاع الثورة .. توجد علاماتٍ على الاضطراب المقبل .. ثم يحين الوقت عندما تكشف الأعراض التامة عن نفسها وعندما نستطيع القول إنّ حمّى الثورة قد بدأت. وتتصاعد هذه الحمّى ليس على نحو منتظم، بل بالتقدم والتراجع، إلى أزمة مصحوبة بالغثيان وحكم الثوريين الأكثر عنفاً" ثم يقول: "ولتطوير الاستعارة فإنّ الحمّى تحرق الجراثيم الشريرة".

ربما كان هذا النقل مفيداً لرئيس يعرف علم الجراثيم وينبز شعبه بها، وربما كان مفيداً له أكثر أن يستمع للحكمة الصينية القديمة التي تقول: "دبّر الأمر قبل أن تحرّك الجيوش".

--------*************---------

سورية: "لم يُقتل فينا إلاّ الخوف" .. د. خالد الحروب *

الايام الفلسطينية

4-7-2011

كلما أوغل النظام السوري في قتل شعبه؛ اكتشف أنه لا يقتل إلا شيئاً واحداً: الخوف. ذلك ما قالته إحدى أروع لافتات الثورة السورية، إذ حملت التعبير العبقري والمرعب للنظام وجلاديه: "لم يُقتل فينا إلاّ الخوف". يستحق من صاغ هذا الشعار أحد أوسمة الإبداع الذي أنتجته الثورات العربية. تتناثر اليوم تحت أقدام أحرار المدن السورية أكثر من أربعة عقود من صناعة وتصنيع الخوف ودسّه في الطعام والشراب، ودب الرعب في قلوب الناس. يتهاوى هرم الترهيب والتجسّس الذي أراد ترويض الأفراد وقمع إرادتهم وروحهم. يقتل النظام ألوف الناس ويعتقل ألوفاً آخرين ويهجر غيرهم، لكن شعلة الحرية تزداد بريقاً وإغواءً أمام روح الشام التي انطلقت كما كانت دوماً، وما عاد لها أن تهدأ. كلما استنفر النظام وسائله التقليدية في القمع والتنكيل زادت تلك الروح من تحديها له وتعاظمت تحرراً. سورية الثائرة الآن تقدم دليلاً إضافياً على المعجزات التي تجترحها الشعوب ضد الطغاة: تعيد توكيد الدرس الإنساني البليغ بأن الحرية والكرامة هما جواهر الوجود البشري وأن الناس وإن تسكت حيناً فإنها تنتفض في كل الأحايين.

ثورة سورية هي أيقونة ثورات العرب، أصعبها طريقاً، وأكثرها تحديات، وأشدها جسارةً وكسراً لكل قيود الخوف. ليس هذا تقليلاً من نقاء وروعة كل ثورة من الثورات العربية، فكل منها أبدع عبقريته الخاصة به ووفق ظروف البلد الخاصة من تونس إلى مصر إلى ليبيا والبحرين. بيد أن مستوى البطش الدموي الذي نشهده يومياً على يد نظام الأسد يتحدى كل صنوف البطش والقمع التي تعرضت لها الثورات الأخرى. البطش هذا، وعلى حساب كل شيء آخر، هو كل ما استطاعت استيلاده دولة المخابرات على مدار أربعة عقود. في تلك السنين الطويلة أريد استزراع الخوف والرعب في قلب كل فرد من أفراد الشعب، ليس فقط داخل سورية بل وخارجها، أيضاً، حيث امتد إخطبوط التجسس والأمن والملاحقة. حوصرت أماني الناس وتطلعاتهم وتم التجسس على حركاتهم، وأفكارهم، وعلاقاتهم، وكل شيء فيهم حتى أحلامهم. انتزعت الثقة من المجتمع الذي اخترقته أجهزة الأمن والتخابر، فلم يعد أحد يأمن حتى لشقيقه. هؤلاء الذين كانوا يتجرؤون على الاقتراب من الخطوط الحمر ويقتربون من المطالبة بالحرية والكرامة كانت تبتلعهم السجون على الفور. يقضون فيها زهرات شبابهم ولا أحد من أهاليهم يعرف مآلهم ولا حتى يجرؤ على السؤال عن مصيرهم. قوائم المفقودين الأمنيين في سورية ربما هي الأطول في العالم، وكثير من أولئك ما كان لهم حتى أدنى اهتمام بالسياسة، بل قادهم حظهم السيئ إلى السجن لسبب تافه قد يكون رفض تقديم رشوة لضابط أمن أو مماحكة لفظية عادية مع رجل مخابرات لم يفصح عن هويته وأراد ممارسة تفاهاته بهذا الشكل أو ذاك. تسمم هواء سورية ومدنها بالتجسس على الناس وتحولت البلد إلى مزرعة خاصة بالعائلة الحاكمة ومن صاهرهم واقترب منهم. في كل مجال من مجالات الحياة والتنمية صارت سورية مخيفة وقاتمة، أفرغها النظام القائم من بهائها وطاقتها واندفاعة شعبها وبريق مدنها وأسمائها التي تسحر وجدان العرب وتاريخهم. تحولت سورية إلى سجن كبير يتراكم فيه عفن القمع وتوحش الاستبداد، ويأس الكثيرين من التغيير. ماتت أجيال وولدت أجيال وهي لا تعرف في أفق البلد والمجتمع إلا شعارات تمجيد الحزب الواحد والرئيس الواحد. وعندما غاب الرئيس الواحد أوغل النظام في احتقار الشعب جملة واحدة، إذ تغيّر الدستور في لحظات وأعيدت هندسته لتسمح بتوريث البلد، كإقطاعية أو شركة خاصة، إلى الابن الذي لم يُعد أصلاً للحكم. كأن سورية الغنية بكل شيء، بتاريخها، بجغرافيتها، بعراقتها، بفكرها، بأسبقيتها حواضر البشر وجوداً، بأعلامها، بتجارها، بكل ما هو معطاء وثري فيها، كأنها تحولت إلى عاقر لا يمكنها توليد أحد سوى ابن الرئيس.

بالتوازي مع مسلسل إهانات الشعب واحتقاره كان مصدر الاعتياش الوحيد الذي يستمد منه النظام أسباب بقائه هو خرافة المقاومة والممانعة ومواجهة إسرائيل. خدعت هذه كثيرين على وجه التأكيد ووظفها النظام بدهاء لا يمكن إنكاره. لكن جاء الوقت الذي جف فيه ذلك المصدر وما عاد يمنح مسوغات البقاء كما السابق. جاء الوقت الذي يعلن فيه أحد أهم بطانات النظام والمنتفعين منه أن استقرار سورية (الأسد) يعني استقرار إسرائيل. قال للعالم بالفم الملآن وبكل صلافة وغرور واحتقار لجمهور الممانعين والمقاومين الذي أرادوا أن يصدقوا أكاذيب النظام عليكم أن تحموا نظام الابن كما حميتم نظام الأب إن أردتم أمناً واستقراراً لإسرائيل.

جاء الوقت الذي التقى فيه جفاف مصدر الأكاذيب مع بلوغ مسلسل الاحتقار والإهانات مداه الأقصى. في تلك النقطة بالضبط كانت روح الكواكبي الثائرة بالانتظار. كانت قد قضت عقوداً وهي تتألم وتموت في اليوم ألف مرة. ثائر حلب وروحها المنطلقة الذي مات شاباً في أوائل الأربعينيات وفي ذروة عطائه كانت روحه تطوف على مدن الشام تحزن قليلاً لكن لا تتحسر بل تتوعد. في لحظة نهاية أشياء وبداية أخرى تسقط جدران الخزان الذي أقلق غسان كنفاني ومات حانقاً عليه، كيف لا يخلعه من يُسجن بداخله ولو دقاً بقبضاتهم. اليوم مدن الشام طولاً وعرضاً كما هي مدن عديدة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج تصدح فيها قبضات عشاق الحرية دقاً على جدران سجونهم التي تنهار واحداً إثر الآخر. عرائس الحرية والكرامة تتمايل اختيالاً في أفق قريب تناغي الشهداء العظماء الذي سقطوا ويسقطون كل يوم. أقسموا لعرائسهم أن تاريخاً جديداً بدأ يكتب في المنطقة بمداد الانتفاض على الطغاة. في ظل لافتة عبقرية أحفاد الكواكبي يردد هؤلاء الشجعان: "لم يُقتل فينا إلا الخوف."

--------*************---------

معركة حماة الثانية والأخيرة .. خالص جلبي

في كتاب القوة لروبرت غرين (The 48 Lawes of Power) عند القاعدة 15 يصيغ هذا القانون في (لعبة شطرنج القوة) على الشكل التالي: (اسحق عدوك سحقا كليا):

 "هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود"

لقد عرف كل القادة العظام أن العدو المرهوب يجب سحقه بصورة كاملة، وكانوا يتعلمون ذلك أحيانا بالطريقة الصعبة والتجربة المريرة؛ فإذا تركت جمرة واحدة مشتعلة مهما كان احتراقها داكنا خافتا؛ فإن نارا ستندلع منها في آخر الأمر؛ فالتوقف في وسط الطريق يؤدي إلى خسارة ما هو أكثر مما لو كانت الإبادة كلية، فالعدو سوف يتعافى وسيبحث عن الانتقام فاسحقه...)

اسحقه... واسحقه سحقا كاملا ليس بالجسد وتفتيت العظام وذرها في الريح والرغام، بل اسحقه روحيا فلا يبق له أثر.

في تدمر في الثمانينات قتل عشرات الآلاف شر قتلة، ويقسم لي من كان في المهجع ستة أنه عاصر يوما لا ينساه من حضور ثلاث مشانق طيارة، فكانوا يخرجون الشاب بتبان قد أغلقوا فمه بلاصق فيضعون الحبل حول عنقه ثم ينترونه فيطير في الهواء ويلعبط ويتشنج ويترجرج ماطا رجليه مع خروج الروح مثل موت الضفادع بالضربة الساحقة؛ فيأتي العتل الزنيم ضاحكا فيتعلق بالجثة كي تنخلع الرقبة تماما، فيأتي طبيب الإجرام ليقول قد سلم الأمانة! فيرمونهم فوق بعض في سيارة مفتوحة تحتشد فيها جثث خيرة شباب سوريا ليقبروا جماعيا.

يقول النزيل أقسم بالذي فطرني أنه استمرت المشانق تعمل بكل الطاقة حتى غروب ذلك اليوم، أما عدد من شنق فلا أعلم ولكنها كانت وجبة مفعمة بأرواح المئات الغاصة بالأنات..

ونسمع هذه الأيام عن فظاعات من هذا القبيل لمشانق في سجن صحنايا بدون محاكمات، ففي تدمر كان هناك قضاة مجرمون من أمثال بهجت سلمان! أما في صحنايا فزبانية جهنم.

كانت غلطة حافظ الأسد في شتاء عام 1982 كبيرا حين مسح نصف مدينة حماة وابق النصف!

وهذا الغلطة سوف يحاول ابن حافظ الأسد إصلاحها متأخرا؛ فالآن ليس مسح نصف المدينة براجم

ات الصواريخ بل كامل المدينة، فهذا ما كان يجب أن يفعله الأسد الأب فأخطأ ولا يترك هذه المهمة بكل أوزارها على الأسد الشبل!

ولسوف يقوم الابن بعدم تكرار هذه الخطيئة والخطأ.

هذه المرة سوف يحاول الابن إصلاح خطأ الأب ومعه روح القدس من قم ولبنان بمسح مدينة حماة من خارطة الوجود، معتمدا تنزيل النص المقدس لوزير الخارجية المعلم:

لنعتبر أن حماة غير موجودة على الخارطة.ئ

فهذه هي مفردات قاموس حزب البعث!

ولكن هل هذا ممكن مع التكنولوجيا الحديثة؟

الجواب في مقولة فيرنر هايزنبرج الفيلسوف والفيزيائي الألماني حين ذكر لصديقه انريكو فيرمي وهو يتوقع هزيمة هتلر قبل اندلاع الحرب ولكن كيف؟ قال هايزنبيرج: ولكن متى كانت الحرب عقلانية..

إن منظر المذبوح القاشوش في حماة يقول أن الغرائز الوحشية البدائية هي التي انطلقت وتتحدث..

نحن نجن في سوريا ونفقد عقولنا وما أخشاه أن تعم حفلة الجنون لكل الأطراف..

إن 300 ألفا قتلوا في البوسنة مع وجود التقنيات الحديثة فما المانع من تكرارها على يد صرب سوريا.

لقد مسحت نصف مدينة النواعير في شتاء عام 1982م ولم تخرج صورة واحدة للسطح مذكرة بهيروشيما سورية، حيث لم تخرج أيضا سوى ثلاث صور من هيروشيما. أما حماة فلا صورة وهي غلطة المعارضة بقدر إتقان عمل الأسد الأب بالذبح في الظلمات.

ويقول المسيري عن غلطة بني صهيون أنها ارتكبت هذا اللون من الخطأ القاتل فلم تنظف فلسطين من كل وجود عربي فتبقي على النقاء العرقي من بني صهيون فوق أرض فلسطين، واليوم عدد عرب 1948 يزيد عن مليون!

كان على بني صهيون والأسد الأب أن يفعلوا ما فعل هانيبال في معركة كاناي مع روما فلا يرجع سوى واحد بالخبر بعد ذبح ثمانين ألف مثل لحم السلامي!

بصمات الأسد الخالدات على مدينة أبي الفداء

ثم أخطأ هانيبال في عدم مسح روما ولم تكن غلطته بل غلطة الطبقة الأوليجاركية في قرطاج التي لم تمد هانيبال بمزيد من الجند! فاستفادت روما من الدرس فمسحت مدينة قرطاج فهلك بالسيف والنار 450 ألفا من الأنام، وساقت روما بعدها خمسين ألفا ممن تبقى من العبيد إلى أسواق روما للبيع والتسلي والخدمة.

لقد مسحت روما قرطاج وحرثتها بالمحراث!

كان على الأسد الأب أن يفعل هذا مع حماة فيحرثها بالمحراث ويقول قولة المعلم لنعتبر أن حماة غير موجودة على الخريطة!

ولكنه أخطأ !!

واليوم تتعافى حماة ويخرج نصف مليون يتحدون نظام الأسد الصغير الذي يكشر عن أنيابه ويبرز مخالبه.

درس قرطاجنة وروما أتقنه جنكيزخان مع باميان في إيران فقتل كل متحرك ولو كان اهتزاز نبات وزحف حشرة ونفس رضيع.

وفعل مثل ذلك تيمورلنك مع حلب وترك أصفهان منارات من الجماجم.

يذكر بيتر شو لاتور الكاتب الألماني أنه كان في حماة في مجزرة 1982م وقد ارتفعت صورة هائلة للوحش الكبير فوق أكوام الجثث في ذلك الشتاء القبيح قال لقد عرفت لماذا حرم الإسلام الصور؟

حماة بين فبراير 1982م وجولاي 2011م ماذا يمكن أن يحصل مع المعركة الثانية فيها؟

إنني أتوقع مجزرة جديدة يتكرر فيها ما حصل في درعا على أبشع وأفظع ربما سيقتل ألفا أو أكثر من الحمويين الذين أصبحوا في وجه العاصفة بجنب نهرهم العاصي، ولكن هل ستكون نتيجة المعركة الثانية مع الأسد الصغير مثل معركتهم السابقة مع الأسد المفترس الكبير؟

أذكر جيدا ثورة إيران في وجه الشاه، وهو درس عجيب من انقلاب الأدوار فبعد أن كانت ثورة تحولت إلى حرس وملالي يستقبلون شاوسسكو ويدعمون صديقه الأسد، وهذا يحكي قصة انقلاب الأدوار في التاريخ من تحول الضحية إلى طاغية والعكس بالعكس.

كان ذلك في إيران في 8 أوجست 1979 م وقد بلغت الثورة ذروتها فخرج الشاه بالحوامات يحصد المظاهرة المليونية من عل، وسقط يومها حوالي 4500 شخصا منهم 600 امرأة من القتلى، ولم تعد مشافي طهران تتسع للجثث فضلا عن عشرات الآلاف من المجروحين..

هذا ما سيحصل في حماة وستكون ذروة الثورة السورية، تماما مثل مخطط انتفاض القلب، يصل إلى الذروة وبعدها الانخفاض، أو مخاض الحامل بعد موجة من التقلصات تزداد شدة واقترابا إيذانا بالوليد الجديد، هذا ما سيحصل مع مواجهة حماة الثانية حين يقتل الرقم الكبير بيد المفلح بدون فلاح الرأس الأمني الجهنمي للعملية، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم، وتكون بشارة بأفول نجم الدولة الأسدية في بلاد الشام.

من المهم جدا للثورة في سوريا أن تتحمل قربان الدم فتُقَِبل منها ولم يتقبل من الآخر الذي قال لأقتلنك..

قال الحموي لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين..

هل سيحصل في 8 جولاي 2011 في يوم جمعة نصرة حماة ما حصل في 8 أوجست من عام 1979م في طهران فتكون الذروة مؤشرا لنهاية الحمى البعثية في الجسم السوري المنهك بالطاعون الحزبي والجذام الطائفي وإيدز الحكم العائلي..

أنا متفاءل

وأرجو أن يتراجع النظام

ويتعلم من درس التاريخ

وتنجو حماة من المذبحة القادمة

ولكن التاريخ يقول لنا دوما إنه جسر من الآلام فوق نهر من الدموع..

--------*************---------

العالم يستمتع بالدماء السورية!!! .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

كعادتها لا تزال روسيا ترفض استصدار أي قرار من مجلس الأمن يدين إجرام النظام السوري ومجازره البشعة ضد شعبه الأعزل، والحكاية بالنسبة لروسيا ولغيرها من الدول الكبرى ليست حكاية مبادئ وقيم وحقوق إنسان لا.. لا.. الحكاية كلها متاجرة بآلام الشعوب العربية والإسلامية في سوق مجلس الأمن للحصول على أكبر نسبة من المصالح، وهذه هي روسيا التي وقفت نفس الموقف من القذافي ونظامه في البداية، وعندما احترق واقترب من السقوط خلعته كما يخلع المرء حذاءه من قدميه، ونفس الموقف مرشح للتكرار مع بشار الأسد، ونفس المسرحية المملة ستتكرر مع إعادة توزيع الأدوار، وما يعنينا في ذلك هو عدم الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الإنسان في العالم العربي، وعدم اكتراثهم بالدماء العربية التي تراق في سوريا وغيرها إلا بالقدر الذي يحقق لهم مصالحهم.

ورغم البروباجاندا والتصريحات الدعائية التي يروجها بعض المسئولين الغربيين والناطقين الرسميين لبعض الحكومات الغربية إلا أن واقعهم ولسان حال كل منهم يقول: مصالحي أولا!!! ونحن نقول لهم: على رسلكم يا قوم، هدئوا من روعكم، أيها العالم الحر... أيها الجنتلمانات المتحضرين... أيها الساسة الحكماء... أيها العلماء العظماء... أيها المفكرون النوابغ... أيها السيدات والسادة في الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وكافة المنظمات الإقليمية والدولية... رويدكم... رويدكم... على رسلكم لا تتعجلوا في إدانة جرائم النظام السوري ضد شعبه الأعزل... ولا داعي لاتخاذ موقف حاسم فوراً من هذا النظام لوقف حمامات الدماء السورية النازفة... لا تقلقوا أبدا، وأريحوا ضمائركم... لا داعي للعجلة والتسرع؛ فما زال في الأمر سعة...!! اهدؤوا من فضلكم... اهدؤوا!!

إن أمامكم متسع كبير من الوقت، وبإمكانكم الذهاب إلى المصايف والاستمتاع بالفنادق الراقية والشواطئ الجميلة، وبإمكانكم كذلك التمتع بالسهرات الرائعة في ليالي الصيف القصيرة، وننصحكم باغتنام كل دقيقة فيها واعتصار اللذة منها حتى آخر قطرة، فهذه الليالي الحلوة سريعة الانتهاء فاغتنموها قبل أن يباغتكم حر النهار الطويل وصخبه المضجر، وتضطروا أن تخلدوا إلى نوم عميق هانئ في غرفكم المكيفة فوق أسرتكم الوثيرة!!

أيها الجنتلمانات المتحضرين... استمتعوا بعُطَلِكم... انطلقوا وعيشوا حياتكم بكل حرية... لا تدعوا أي فرصة أمامكم يمكنكم أن تعبُّوا فيها من الشهوات والملذات عباًّ فمن يدري؟!! ومعظم الفرص لا تعوض؛ فلا تدعوا أي شيء ينغص عيشكم أو يكدر صفو حياتكم لا سمح الله... وأي شيء قد يثقل ضمائركم أو يشغل بالكم فلا تدعوه يعيقكم ويمنعكم من المتع والرحلات...!!

أما بخصوص الشعب السوري الثائر في الشوارع منذ نحو أربعة أشهر فلا عليكم، لا تقلقوا بشأنه، فلم يقتل النظام من السوريين بعد سوى ما يزيد قليلا عن ألفي إنسان فقط!! ولم يعتقل سوى نحو عشرين ألفا أو ما يزيد قليلا عن ذلك، ولم يفر من اللاجئين السوريين إلا ما يزيد قليلا عن عشرة آلاف مواطن، ولم يتعب هؤلاء اللاجئون كثيرا بعد، ولم يذهبوا بعيدا فما هي إلا كيلومترات قليلة ثم يصبحون في تركيا، فهي في الحقيقة على مرمى حجر منهم، ولن يعانوا كثيرا في سبيل الوصول إليها، كما أن السير إليها وإن كان هربا من جحيم نيران الجيش السوري (الذي يقاوم هناك أو يتدرب على المقاومة الكبرى استعدادا لساعة الصفر التي اقتربت كثيرا...!!) إلا أنه في الواقع نوع من الرياضة المفيدة للشعب السوري ليتخفف من الوزن الزائد والعدد الزائد أيضا، ولو سقط بعض كبار السن والعجائز قتلى أثناء ذلك فعلينا ألا ننزعج كثيرا أو نضخم من الأحداث فإنما هو قضاء الله وقدره، ولا ننسى أن كبار السن يعانون دائما من مشاكل كثيرة، وربما يكون دفعهم للهرب والفرار حتى الموت هو التصرف الصائب والسليم رحمة بهم، وقد يكون فرار عشرة آلاف سوري من الرجال والنساء والأطفال إلى تركيا أمرا محمودا؛ فهؤلاء الناس سيمنحون لقب لاجئ سوري في تركيا، وعلى أية حال فتركيا أكثر رخاء وتقدما من سوريا، ولعل هؤلاء اللاجئين السوريين يجدون الخير لدى جارتهم العزيزة تركيا أكثر مما هو متاح لهم في بلدهم سوريا، من يدري؟!! وعموما فتركيا أفضل لهم وأرحم بهم من شبيحة نظام البعث السوري وأجهزته القمعية التي لا يعرف العالم لها مثيلا!!

أيها الجنتلمانات المتحضرين إن تعداد الشعب السوري ثلاثة وعشرون مليونا، ويبدو أن النظام السوري وسدنته وشبيحته والمنتفعين منه على أتم استعداد لإبادة نصف هذا العدد والقضاء عليه؛ لأجل الحفاظ على مصالحهم الخاصة من المال والسلطة والنفوذ، وما دام الأمر كذلك فلا يزال أمامكم سعة في الوقت، فبشار وزبانيته لا يمتلكون الآلات الكافية لذبح كل هذه الملايين في وقت قصير!!

وبالنسبة لمدينة حماة التي لها وضع خاص وتمثل حساسية خاصة في تاريخ سوريا المعاصر فلن يجرؤ النظام السوري على القيام بمذبحة واسعة النطاق بين أبنائها البالغ عددهم نحو ثمانمئة ألف نسمة، وأغلب الظن أن بشار الأسد سيضحي بعدة آلاف فقط ليرتدع بقية الناس في هذه المدينة الرمز وفي غيرها من المدن السورية الأخرى، وهذا يعني وجود فرصة ضئيلة أمام كاميرات التلفزة العالمية لتغطية هذه المذبحة الصغيرة المرتقبة، وبالتالي فلن يتمكن الناس حول العالم من رؤية مشاهد مؤثرة بشكل كبير، الأمر الذي سيقلل من الانتقادات الموجهة للمنظومة الدولية، وسيقلل من أهمية اتهام الساسة والمسئولين في جميع أنحاء العالم بالتواطؤ مع النظام السوري بصمتهم على جرائمه، وعلى العموم فالنظام السوري ضليع في ارتكاب المجازر، وآلته الإعلامية خبيرة ومتخصصة في التدليس الإعلامي وقلب الحق باطلا والباطل حقا، ولن يسمح ذلك النظام بانتشار أخبار المجازر التي يرتكبها في حماة أو غيرها، وسوف ينفذ جرائمه ببطء مع استعمال أبشع وسائل الضغط والترهيب والترويع، واتخاذ كافة سبل التعتيم والتضليل الإعلامي للإفلات بجريمته!!

أيها السادة... أيها الجنتلمانات المتحضرين... لا تقلقوا فالمشكلة ليست فيكم، ومن حقكم مشاهدة مناظر الدم السوري المسفوح فهذا عملكم، فدوركم أن تشاهدوا وتراقبوا وترصدوا وتتابعوا وتحللوا ولا غرابة في ذلك فهذا هو موقفكم المعلن والمعروف والذي لا غرابة فيه، لكن المحير فعلا هو موقف الشعوب العربية والإسلامية مما يجري لأخوتهم في سوريا!! فإذا كانت طبقة الساسة والمسئولين في معظم دول العالم غير معنية بالسوريين ولا بالدماء السورية الزكية التي تنزف منذ أرعة أشهر، وغير قلقة بالشكل الكافي على مصير الشعب السوري الذي يواجه وحده بصدوره العارية جبروت نظام الأسد البعثي الذي لم يعرف العالم مثيلا لوحشيته في قمع مناهضيه حتى في عهد أبشع الطغاة الذين عرفهم العالم كهتلر وستالين!!

والسؤال الأهم هو: ما بال الشعوب العربية والإسلامية لم تحرك ساكنا ولم تقدم دعمها بشكل واضح وقوي لثورة الشعب السوري؟! بل حتى غالبية هذه الشعوب لم ترفع عقيرتها لتنطق بمجرد عبارات الشجب والإدانة، وكأن ما يجري من مجازر على الأرض السورية وفي كل مدنها وقراها كأنه يحدث في كوكب آخر، أو كأنه فيلم تاريخي يتحدث عن زمن ولى وانتهى، كأن الدماء السورية الزكية التي تهراق كل يوم مجرد خدع سينمائية أو لقطات من فيلم رعب!!

فعلا لا يجد الكثيرون تفسيرا علميا ونفسيا مقنعا لحالة الصمت الشعبي في الشارعين العربي والإسلامي تجاه ما يحدث لإخوانهم في سوريا، وعلى الرغم من كونها حالة فاضحة إلا أن هذا الموقف المخزي لا يخلو من دلالة إنسانية وسياسية مهمة، فإذا كان العالم بمؤسساته الدولية ونظامه السياسي يكتفي بالفرجة على الدماء السورية التي تسيل في الشوارع كل يوم ويستمتع بمشاهدة اللقطات الإخبارية المصورة خلسة والمنشورة عبر الإنترنت، فإن التخاذل العربي والإسلامي على المستوى الشعبي يقدم أقوى الأدلة على أن معظم أسباب وعوامل حالة الهوان التي نئن تحت وطأتها إنما هي عوامل وأسباب ذاتية تنشأ بداخلنا نحن وتنخر فينا من الأعماق، وأخشى ما نخشاه أن يأتي اليوم الذي يستولي علينا فيه الرعب من الشبيحة والبلطجية فننتظرهم حتى يُحضروا أسلحتهم ويأتوا إلينا لضربنا واعتقالنا أو لذبحنا وإراقة دمائنا ليظل العالم يستمتع بها كما يشاء!!

--------*************---------

الديمقراطية التي يدعو إليها بشار الأسد.. (ماجد صالحة نموذج) .. محمد فاروق الإمام

بعد أقل من أسبوع على عقد اللقاء التشاوري، الذي ضم نحو مئتي شخصية مثقفة معارضة مستقلة، في فندق سمير أميس بدمشق أطلق عليه (مؤتمر المبادرة الوطنية)، وصدر عنه بيان يدعو للانتقال بالبلاد من نظام الاستبداد إلى نظام ديمقراطي مدني وإلى تراجع الحل الأمني وتقدم الحل السياسي.

أقول بعد أقل من أسبوع من عقد ذلك المؤتمر تنادت مجموعة من أنصار النظام إلى عقد مؤتمر في ذات الفندق أطلقوا عليه تسمية (المبادرة الوطنية من أجل مستقبل سورية)، تنافس فيه الحضور في مدح السيد الرئيس بشار الأسد رجل المرحلة الإصلاحي الذي تقدم على مطالب المتظاهرين بإصداره العديد من المراسيم الإصلاحية التي ستنقل سورية إلى مقدمة الدول الديمقراطية بل ستكون النموذج الذي ستتعلم منه الدول والشعوب حقيقة الديمقراطية وواقعيتها ومثاليتها، كما بشر بذلك وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمره الصحفي الشهر الماضي.

في هذه الأجواء الطنانة والرنانة تقدم المدعو زهير الغنوم إلى حسين العماش(أحد الداعين إلى المؤتمر) قائلاً له إنه تم فصله من (المبادرة الوطنية) وبدأت بينهما مشادة كلامية، وعندها تدخل السيد ماجد صالحة، أحد المدعويين إلى المؤتمر، قائلا إنه لا يحق لأحد أن يقصي أحدا من الحوار، مطالباً من الجميع الاستماع إلى مطالب الشارع الذي يدعو إلى إسقاط النظام، وما أن تلفظ بكلمة "إسقاط" حتى هجم عليه عدد من الحاضرين وتم ضربه وإخراجه إلى خارج الفندق.

وقد نشر صالحة فيما بعد بيانا صوتيا أوضح فيه ما جرى له قائلا: "دعيت إلى المؤتمر من أحد منظمي المؤتمر ممثلا لنفسي وقلت إنما أتينا هنا لننقل مطالب الشعب الذي هو مصدر الحرية والشرعية ولابد لنا أن نستمع لهذا الشعب الذي ينادي بإسقاط النظام".

وتابع: "وما انتهيت من هذه الكلمة حتى فوجئت بزهير الغنوم ينهال علي ضربا ومع بعض الحضور يضربونني ويهينونني.. أهكذا الحوار الذي يدعون إليه ضرب وإهانات".

وأضاف: "تم إخراجي من المؤتمر بمعية بعض الشرفاء وهمس لي بعض الحضور بضرورة مغادرتي المؤتمر حفاظا على حياتي، وهنا أحمّل النظام والأجهزة الأمنية أي ضرر يصيبني أو يصيب عائلتي".

وأوضح صالحة أنه شهد الكثير من الممارسات الجائرة والظالمة من النظام في منطقة سكناه في بلدة حرستا وبلدة دوما المجاورة، مردفا: "مرة تلو مرة يثبت النظام أنه غير معني بالحوار وأن تلك المؤتمرات التي يدعو لها هي محاولات ترقيع وتبييض لوجهه ومحاولة لإعادة الشرعية التي أسقطها الشعب عنه".

واختتم حديثه بدعوة الشعب السوري إلى الوحدة والبعد عن الطائفية، معلنا استقالته من منصبه كخطيب لصلاة الجمعة في سجن عدرا المركزي "احتجاجا" على ممارسات النظام.

هذه الواقعة التي تعرض لها المعارض والناشط السياسي ماجد صالحة، تضاف إلى رصيد هذا النظام الذي يستحق عن جدارة أن يحتل رأسه بشار الأسد مساحة واسعة في كتاب جينز للأعمال الخارقة التي ما سبقه إليها أحد في أساليب وممارسة القمع المبتكرة ضد شعبه، والتي لا تخطر على بال بشر منذ فعلة قابيل وانتهاء بقمع شاوشسكو مروراً بنيرون وهولاكو وستالين وهتلر وموسوليني، هذه هي الديمقراطية التي يسوّق لها أبواق النظام السوري ويبشرون الشعب السوري بالتقلب في أحضان نعيمها، وهذه هي الديمقراطية التي ينتظرها الشعب السوري من هذا النظام بعد كل هذه التضحيات والعذابات والمعاناة.

بشار الأسد يتوهم بأنه يستطيع الضحك أو الالتفاف على ثورة الشعب الذي قال كلمته (الشعب يريد إسقاط النظام) بحفنة من المراسيم الهلامية التي يهدف من ورائها إلى إرضاء الغرب وأمريكا وبعض أصدقائه الخائفين على مصيره، متوهماً أن رضا هؤلاء قد يحول دون سقوطه ورحيله، مغمضاً عينه ومغلقاً أذنيه عن الحقائق التي تهز الأرض من تحته، فالشعب الثائر منذ أكثر من ثلاثة أشهر والذي قدم خلالها ما يزيد على 2000 شهيد وأضعاف ذلك من الجرحى والمفقودين والمهجرين، وهو على استعداد أن يقدم المزيد حتى ينتزع من هذا النظام حريته ويفوز بكرامته ويركل هذا النظام إلى مزبلة التاريخ ليكون مثلاً وحديث خرافة ترويه الجدات للأحفاد.

--------*************---------

شعوب جوار سوريا: ماذا تنتظرون؟! .. احمد النعيمي*

ما انفك الشعب السوري ماثلاً في كل محنة تتعرض لها الشعوب الإسلامية ومشاركاً إخوته محنهم، ومضحيا بنفسه وماله في سبيل نصرتهم، فوصلت جحافل الشباب السوري إلى بغداد لنصرة إخوتهم الذين كانوا يتعرضون للغزو الأمريكي، وهم من حمل رايات قتال الغزاة في اللحظة التي أصابت العراقيين المفاجأة وتركوا أسلحتهم ولبسوا ملابسهم المدنية، وأصابهم الذهول، وهم من استقبل مئات الألوف من الشعب العراقي واللبناني وفتحوا أبوابهم وصدورهم لهم، وشاركوهم في السراء والضراء وقاسموهم الخبز والماء.

وعندما أصاب أهل سوريا ما أصابهم على يد المجرم بشار وأذنابه، فقد اثبتوا أنهم بالفعل من أشجع الشعوب وأقواها، ليس بوقوفهم إلى جانب إخوتهم فقط وإنما بوقوفهم أمام أجرم نظام عرفته البشرية على وجه العالم بكل صلابة وقوة ورباطة جأش، بالرغم من قتل أطفالهم وشبابهم وشيوخهم ونسائهم والتمثيل بهم، وسجنهم وتعذيبهم وتشرديهم، فأعلنوا عن إصرارهم بالتخلص من هذا النظام، وان سكت العالم عما يجري من إجرام في سوريا، وسط تصريحات وقحة بان امن سوريا من امن المنطقة، وأخرى بأنهم لن يجدوا خيرا من هذا النظام الذي عمل طيلة سنوات حكمه على تحقيق الأمن للمنطقة وخصوصا امن الصهاينة، وإن شاركت دول الصمود والمقاومة للحكومة البشارونية بالسلاح والجنود، وذلك كما فضحت عنه السفن والطائرات التي تم إلقاء القبض عليها في مصر وتركيا وهي محملة بالسلاح إلى سوريا، وعشرات الاعترافات والفيديوهات التي تؤكد وجود الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في سوريا والذين يعملون على قمع المتظاهرين السوريين، وبكل وحشية وإجرام.

ووسط هذا التجاهل والصمت؛ كانت تجري بين دول الصمود والمقاومة مغازلات تمثلت في زيارات مكوكية لكل من سوريا وإيران إلى العراق، بدءا من زيارة وزير الخارجية السوري المعلم ومن ثم تلاه وفد سوري زار العراق نهاية الشهر الماضي، أعلن أمامه المالكي بأن استقرار المنطقة مرتبط بأمن سوريا، وزيارة وزير الخارجية الايراني بالوكالة "علي اكبر صالحي" ووفد من وزارة المخابرات الإيرانية للعراق وعقدها مؤتمرا في وزارة الدفاع العراقية، وحضور الطالباني لمؤتمر مكافحة الإرهاب الذي عقد في إيران الشهر الماضي وإعلانه من هناك بأنه تم إغلاق مخيم اشرف الإيراني المعارض لنظام الآيات في إيران، ورافقها إعلان عن زيارة مرتقبة لنائب نجاد "رحيمي" إلى العراق ليتم إنهاء ملف اشرف بشكل نهائي، وتصريحات صهيونية تدعو الدول الغربية لعدم الضغط على سوريا، وتطمينات أمريكية بأنها لن تستخدم القوة ضد نظام بشار، مما يؤكد أن دول المقاومة والصمود المزعومة أعطيت الخط الأحمر من قبل الدول الغربية لوأد الثورات العربية، وخصوصاً ثورة سوريا المباركة والتي تكاد تطيح بأكبر نظام سيكون في سقوطه زعزعة لأمن الصهاينة.

وإن كان الشعب السوري يثمن للبنانيين موقفهم ومساندتهم له وسقوط عدد من الضحايا في بيروت، ويثمن كذلك موقف علمائهم الذين أكدوا وقوفهم إلى جانب إخوتهم في سوريا، لكنه يقول لهم بأن هذا ليس كافياً بل يجب عليهم وهم الذين يسعون للتحرر، بأن يضغطوا بشكل اكبر وأكثر جدية، لتخفيف الضغط عن إخوتهم في سوريا، ولمنع حزب الله أن يرسل جنوده لقتل الشعب السوري، وهذا ما يجب أن يقوم به إخوتنا في الأحواز والبلوش وأكراد إيران وبقية الأحرار والذين يسعون للتخلص من قبضة الآيات الشيطانية في إيران، وهو ما يجب أن يقوم به الشعب العراقي البطل من تكثيف الضغط على حكومة المالكي العميل والتي تتآمر مع دول المقاومة المزعومة ودولة الاحتلال على ثورة الشعب العراقي والسوري.

يجب أن تتحرك اليوم شعوب دول الجوار السوري لكي تمسح العار الذي ألحقته بها دول الصمود والممانعة الكاذبة، ولتتحرر من قبضتهم، فهم لن يجدوا فرصة أعظم من هذه الفرصة، وهذا ما يجب أن تقوم به كل الشعوب المسلمة، لان تحرك الشعوب المسلمة سيعمل على تخفيف الإجرام الواقع على الشعب السوري، وسيعمل على تفتيت التحالف المصبوب على أهل سوريا ويعجل بسقوط هذا النظام بأقل الخسائر، فهل من مجيب أيتها الشعوب الساعية لنيل الحرية، وإذا لم تستغلي تلك الفرصة فلن تجدي فرصة أعظم منها أبداً؟!

*كاتب سوري

--------*************---------

هل سنسمع قريباً وليد المعلم يقول: (لننسى أن هناك أمريكا على خارطة العالم)!! .. محمد فاروق الإمام

شُغل النظام السوري بزيارة السفير الأمريكي لمدينة حماة يوم جمعة "لا للحوار" ووقع رموزه في "حيص بيص" حول الرد الأمثل على هذه الزيارة غير المرحب بها بالنسبة للنظام وقد كشفت هذه الزيارة بما لا يجعل مجالاً للشك أن كل دعاوي النظام بوجود عصابات ومخربين ومندسين يقومون بعمليات التخريب والقتل هي تمثيلية ممجوجة وفبركة هابطة من صنع النظام بعد أن أكد السفير الأمريكي روبرت فورد أنه لم يشاهد في التجمع الذي ضم أكثر من نصف مليون حموي أي مظاهر مسلحة وأن الاحتجاجات كانت سلمية مائة بالمائة، واكتفت وزارة الخارجية بإصدار بيان نشرته وكالة سانا السورية للأنباء حول هذه الزيارة قالت فيه إن "وجود السفير الأمريكي في مدينة حماه دون الحصول على الإذن المسبق من وزارة الخارجية وفق التعليمات المعممة مراراً على جميع السفارات دليل واضح على تورط الولايات المتحدة في الأحداث الجارية في سورية ومحاولتها التحريض على تصعيد الأوضاع التي تخل بأمن واستقرار البلاد".

 في حين كانت السيدة بثينة شعبان مستشارة الرئيس أكثر عصبية عندما اتهمت السفير الأمريكي بتقويض محاولات الحكومة السورية لنزع فتيل الاحتجاجات المناوئة للسلطة التي بدأت قبل أربعة أشهر، وقالت "إنه متورط بإقامة صلات مع المسلحين".

وقالت شعبان في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الجمعة "إن الزيارة غير المرخصة التي قام بها فورد إلى حماه تزامنت مع اجتماع لأئمة مساجد وقادة المجتمع المدني".

 أضافت "إنها (الزيارة) تنتهك الأعراف الدبلوماسية". وقالت شعبان إن "فورد لا بد وأن تكون له صلات بالمجموعات المسلحة التي تحول دون استئناف الحياة الطبيعية في سورية".

ولاحقاً أصدرت وزارة الداخلية االسورية بياناً حول زيارة السفير الأمريكي لحماة مكررة نفس الاتهامات التي ساقتها مستشارة الرئيس، فقد جاء في البيان "إن السفير الأمريكي التقى في حماة ببعض هؤلاء المخربين وحضهم على التظاهر والعنف ورفض الحوار كما التقى بعض الأشخاص تحت غطاء زيارته بعض المشافي في الإطار ذاته".

واعتبرت الوزارة ذلك "تحريضا على استمرار العنف وعدم الاستقرار ومحاولة لتخريب الحوار الوطني الجاري بين القوى الوطنية الشريفة وتعميقا للشقاق والفتنة بين أبناء الشعب السوري الواحد الذي يرفض رفضاً قاطعاً مثل هذا التحريض الأجنبي ويستنكره بشدة".

وأضافت الداخلية "أنها تراقب عن كثب أعمال الشغب والعنف التي تقوم بها بعض المجموعات التخريبية في مدينة حماة وتعمل على معالجتها وقد استغربت وصول السفير الأميركي إلى مدينة حماة بشكل يتعارض مع الأعراف الدبلوماسية رغم وجود الحواجز التي يسيطر عليها المخربون وقطع الطرقات ومنع المواطنين من الوصول إلى أعمالهم ووظائفهم"، موحية الداخلية في بيانها وكأن السفير هبط على حماة في مظلة من الفضاء الخارجي وليس عبر حواجزها العسكرية والأمنية المعززة بالجند المدججين بالسلاح والدبابات المصوبة مدافعها إلى قلب المدينة التي أقامتها حول حماة من جهاتها الأربعة.

وكان نفر من وجهاء حماة وبعض المتظاهرين قد قالوا "إن السفير الأمريكي وقف مع المصلين في ساحة العاصي وسط حماة خلال صلاة الجمعة والتقى عدداً من أعضاء تنسيقية المظاهرات هناك، وأنه بات ليلته مساء الخميس في فندق أفاميا ثم غادر بعد انتهاء المظاهرة الحاشدة التي شهدتها حماة وخرج فيها عشرات الآلاف من دون حوادث أمنية تُذكر بعد أن كانت قوات الأمن قد انسحبت من وسط المدينة مساء الأربعاء".

حدثان مهمان يمكن أن يقرأهما المراقب لما يجري في سورية الآن، أولهما التوسع الاحتجاجي الجماهيري عمودياً وأفقياً والذي يكاد يغطي مساحة سورية من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها رغم القمع الوحشي الذي تُجابه به من قبل أجهزة الأمن والشبيحة وبعض الوحدات العسكرية المكلفة بحماية النظام وبعض فرق الموت المستقدمة من خارج الحدود السورية، وقد ثبت إخفاق كل هذه الأجهزة والوحدات من توهين زخم هذه الاحتجاجات أو إضعافها أو المراهنة على مللها وتعبها، وبالعكس فإننا نشاهد أن هناك حالة من الإرباك والتململ داخل هذه الأجهزة والوحدات حيث نسمع في كل يوم عن انشقاقات لضباط وضباط صف وجنود هذه الوحدات.

الحدث الثاني هو التبدل الأمريكي المفاجئ لموقفها الذي كان خلال الشهور الأربعة الماضية مهادناً للنظام ومشجعاً له لاتخاذ خطوات إصلاحية يمكن أن تحول دون سقوطه الذي لا يرغب فيه، ولم يسمع من النظام إلا وعود وتشكيل لجان وسين وسوف طيلة هذه الأشهر المنصرمة ولم يتحقق من كل هذه الوعود أي شيء على الأرض، ودماء تسفك وضحايا تسقط وحصار للمدن واستباحتها وتهجير للمواطنين الآمنين، مما دعا الإدارة الأمريكية، أمام الضغوط الشعبية والمنظمات الإنسانية، إلى الاتجاه إلى الجماهير السورية التي اقتنع أنها العنصر الأقوى والفاعل في الساحة السورية، وأن النظام تتنازعه سكرات الموت وبات يقاتل في الربع الأخير من عمره، وتمثل هذا التبدل بلقاء السفير الأمريكي روبرت فورد لمجموعات من المعارضين السوريين وبعض القائمين على التنسيقيات التي تقود الاحتجاجات في سورية، وكأنه يقول لرموز النظام السوري "لقد مججتكم وضاق صبري بكم وهاأنذا أتوجه إلى الفريق الآخر لأحاوره لأتعرف على البديل الذي علي أن أستمع له والذي علي التعامل معه بعد رحيلكم".

ونتساءل كما يتساءل المراقبون بعد هذا التبدل المفاجئ للإدارة الأمريكية نحو النظام السوري: هل سيظهر علينا السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري في مؤتمر صحفي جديد يعلن فيه (لننسى أن هناك أمريكا على خارطة العالم)!!.

--------*************---------

حظورات وضرورات في الحراك السياسي في قضية سورية.. نبيل شبيب

مداد القلم

حراك مواكب للثورة.. هي المنطلق وهو وسيلة لرؤية مستقبلية بعد إسقاط النظام

لا يمكن أن يستغني حراك الثورة الشعبية في سورية عن حراك سياسي، ولا يمكن لحراك سياسي أن يقوم مقامها، ولا أن يمنع استمرارها وتصعيدها إلى أن تحقق الهدف الجوهري الحاسم: إسقاط النظام الاستبدادي الفاسد جملة وتفصيلاً.

ولكن علام اندلعت الثورة؟.. لإسقاط النظام فقط؟..

لا أحد يزعم ذلك، فالشعب يريد نظاماً آخر، يمثل سيادة إرادته هو على صنع القرار، بدءاً بالدستور، انتهاء بتنظيم حركة السير، أي جميع ما تعنيه كلمة "نظام الحكم" في دولة معتبرة.

بين صناعة الثورة وصناعة المستقبل

إن الثورة الشعبية البطولية في سورية -كالثورات في الأقطار العربية الأخرى- هي في وقت واحد:

1- ثورة القضاء على الاستبداد والفساد في مرحلة أوشكت أن تنقضي رغم النظام القمعي بجميع إفرازاته..

2- وثورة بناء المستقبل في الوطن السوري الواحد المشترك في مرحلة تالية، هي الحاسمة للقول في نهاية المطاف: نجحت الثورة في تحقيق أهدافها.

ولا بدّ من التمييز بين هذا وذاك، فالقضاء على الاستبداد الفاسد لا يمكن أن يتحقق إلا بالقوة الشعبية الثائرة، ومن خلال فعالياتها المتصاعدة، وعبر إرادة الشعب وتضحياته وصموده ووعيه، وعلى وقع خطى قياداته الميدانية الفاعلة، دون أن يكون عليها تأثير توجيهي أو وصاية أو صناعة قرار، من جانب أي طرف آخر، داخل الحدود أو خارجها، وجلّ ما يمكن -بل يجب- تقديمه هو النصيحة والدعم، فيما لا يمكن أن يصل أصلاً إلى مستوى التوجيه أو القيادة أو صناعة القرار، حتى لو حاول ذلك الناصحون والداعمون.

أما صناعة المستقبل بعد سقوط النظام الاستبدادي الفاسد، فهي عملية أخرى، بالغة الأهمية وطويلة الأمد، تفرض الثورةُ الشعبيةُ نفسها -وليس أي طرف آخر- هدفها البعيد.. وبالتالي فهي التي تحدّد "الوجهة المحتمة" نحو تحقيقه.

الواقع الآني في سورية بهذا الصدد ما بين احتمالين:

1- الاحتمال الأول مرفوض.. وهو تأخير البدء بهذه العملية إلى ما بعد سقوط النظام الاستبدادي الفاسد.. فهنا يكمن خطر نشوء مرحلة انتقالية فوضوية تعرّض إنجاز الثورة الأوّل: إسقاط النظام، لمخاطر عديدة أبرز عناوينها (1) الثورة المضادة و(2) احتواء النتائج سلباً و(3) التدخل الخارجي و(4) انحراف يفضي إلى وضع استبدادي آخر.

2- الاحتمال الثاني مفروض.. وهو العمل الآن من أجل وضع حجر الأساس لنظام عادل مستقر قويم، وهذا ما ينبغي أن يشمل (1) مواصفات الإطار العام وهو الإطار الوطني الشامل و(2) قواعد التعامل بين جميع القوى التي تمثل كافة الأطياف الشعبية و(3) الضمانات الضرورية لآليات الانتقال من وضع استبدادي فاسد منهار إلى وضع مستقبلي منشود.

لا يتحقق الاحتمال الثاني دون ما يمكن تسميته بالحراك السياسي، وذلك بمشاركة:

1- القوة الشعبية التي تصنع الثورة الآن.

2- الشخصيات السورية التي تحظى من خلال تاريخها ومواقفها بقدر كبير من الثقة الشعبية وبالتالي ثقة الحراك الذي يصنع الثورة.

3- الجهات التي تمثل أطياف الشعب في سورية على أرض الواقع، مع توافر شرطين:

(1)- عدم الانزلاق إلى مساومة "حوارية أو غير حوارية" مع أي طرف من أطراف النظام الاستبدادي الفاسد أو أي قوة خارجية تريد له البقاء، جزئياً أو كلياً.

(2)- عدم الخروج عن الإطار العام الذي صنعته مشروعية الثورة: إسقاط النظام أولاً، وتشييد نظام عادل مستقر قويم ثانياً، لا تتحقق له هذه الشروط إلا من خلال الضمانات الدستورية والآليات التنفيذية ليقوم على أساس إرادة الشعب وسيادته على صناعة القرار في مختلف الميادين.

بين قيادات الثورة الشعبية والحراك السياسي

لا بدّ من تثبيت محظورات في الحراك السياسي، أهمها وأوضحها مما لا ينبغي أن يكون موضع جدال:

1- إن من يتحرك في صيغة مؤتمر أو مبادرة أو اقتراح أو تصريح، من داخل سورية أو خارجها، ويتناقض قولا أو فعلا، مع مسار الثورة وأهدافها، لا يمكن تسويغ ذلك بجهل أو خطأ، فما تريده الثورة الشعبية واضح للعيان وضوح الشمس في رابعة النهار، والخطأ في قضايا الوطن والشعب المصيرية خطأ جسيم تترتب عليه عواقب مباشرة، وبالتالي فهو خطأ ينزع عمّن يرتكبه أهلية التحرّك "الآن" باسم الوطن والشعب، ويفرض عليه التراجع أولا وعدم المتابعة مع قابلية أن يقع في أخطاء أخرى، ولا ينتقص ذلك من دوره المستقبلي في سورية ما بعد الثورة.

2- يوجد الكثير في ساحة الحراك السياسي الآن، وفيه -على ضوء ما سبق- ما لا يحتاج من البداية إلى اعتباره جزءاً مكملاً لحراك الثورة الشعبي، وهذا ما يشمل جميع من بدأ بالإعلان المباشر عن "حوار" أو انزلق إلى ذلك، أو أظهر استعدادا له، وجميع من أعلن أو انزلق إلى الإعلان الذي يتضمّن استعداداً للقبول بحلول وسطية تبقي على النظام الاستبدادي الفاسد أو بعضه، أو للاستقواء بتدخل عسكري من جانب قوى خارجية معادية.. ولا حاجة هنا إلى ذكر أمثلة، فالشعب في سورية وقيادات ثورته الميدانية أوعى من قابلية تمرير شيء من ذلك.

ولا بدّ من تثبيت معالم للعلاقة بين حراك الثورة الشعبي والحراك السياسي:

1- من أراد الوصول إلى صورة أوضح عن الموقف الميداني للثورة الشعبية، يمكن أن يحصل عليه من خلال المواقف الرسمية لاتحاد التنسيقيات واللجان التنسيقية في الداخل، مع عدم الوقوف عند كل كلمة تقال ولا تصدر عن جهة معتبرة، أو لا تكون لها صبغة موقف رسمي معبر عنها.

2- ومن أراد الوصول إلى مواقف شخصيات حقوقية ومعارضة، وجهات تعمل في ميدان حقوق الإنسان أو المعارضة السياسية، فلا بدّ من التمييز بين تلك المواقف، والرجوع في تقويمها إلى معايير يفرضها مسار الثورة الشعبية في الداخل، ولا يمكن الأخذ باتجاه مضادّ، أي تحديد مسار الثورة على ضوء تلك المواقف.

3- إن الثقة بمواقف هذه الشخصيات المعتبرة والجهات الناشطة، مرتبطة بعدد من العوامل في وقت واحد:

(1)- ماضيها خلال العقود والسنوات الماضية.. مع مراعاة ربط ما صدر عن كل منها بموقعه الجغرافي في الداخل أو الخارج، وموقعه الموضوعي من حيث الانتماء إلى حزب أو اتجاه أو جماعة، ومع مراعاة عنصر البيئة الزمنية التي صدر الموقف المعني فيها، فلحظة توريث السلطة وما رافقها من وعود تعميمية مخادعة مثلا، تختلف قطعا عن لحظة الثورة الشعبية الآن والقمع الدموي الهمجي إزاءها.

(2)- ماضيها وحاضرها من حيث نوعية علاقاتها مع جهات أجنبية، والفارق هنا كبير بين من يطالب أي جهة خارجية (دون أن يقدم وعدا سياسيا أو غير سياسي) بإدانة الجرائم التي تُرتكب بحق سورية وشعبها، ومن يطالب بتحكيم جهة أجنبية أياً كانت في قضية الوطن السوري فيما يتجاوز الجوانب الإنسانية، ومن يطالب بتدخل عسكري أجنبي، ناهيك عن المساومة على قضايا مصيرية، مثل قضية فلسطين أو السيادة الوطنية.

(3)- السياسات والأطروحات والممارسات ذات العلاقة بالحاضنة الوطنية المشتركة، فكل إقصاء مرفوض، في هذه المرحلة أو في المستقبل، سيّان عمّن يصدر، وتجاه من يصدر، من فئات الشعب السوري وأطيافه، من حيث الانتماء الديني والطائفي والقومي والعرقي ومن حيث تبنّي المرجعيات والتصورات والمناهج المتباينة.. فكلمة "كلنا شركاء في سورية" لا يستثنى منها إلا من يستثني نفسه بإقصاء غيره، أو عبر ارتباط بجهة أجنبية.

أمام هذه المعطيات أو المعايير الأساسية، لا بدّ من ظهور صلة الوصل البالغة الأهمية بين الحراك الشعبي والحراك السياسي، وهذا ما يستدعي مواقف واضحة تصدر عن العاملين في الثورة ميدانيا، وفي مقدمتهم اتحاد التنسيقيات واللجان التنسيقية وكذلك التنسيقيات القائمة بذاتها بغض النظر عن الأسباب، وهؤلاء -وليس ما يمكن وصفه بتنسيقيات افتراضية تدعم الحراك الميداني دون أن تكون طرفاً مباشراً فيه- هؤلاء مطالَبون رغم تقدير ظروفهم العسيرة لأقصى الحدود، بثلاثة أمور:

1- الامتناع عن اتخاذ موقف سريع وتبنّيه رسميا إزاء كل صيغة من الصيغ المختلفة للحراك السياسي، قبل التأكد من القائمين على كل منها على حدة، وممّا يتبنونه بصورة مباشرة، وليس عبر ما قد يُنشر عنهم وعنه وقد يفتقر إلى الصواب أو الدقة أو يُنتزع بعضه من سياقه فيعطي الانطباع بنقيض المقصود منه.

2- مراعاة ظروف أصحاب تلك المبادرات، لا سيما المشتركة بين عناصر من داخل الحدود وأخرى من خارجها، ففي الداخل لا تخفى صعوبة تلك الظروف على أكثر من صعيد، وفي الخارج لا يخفى أن "التحرر من قيود الداخل" يفتح الأبواب أمام من يتحرّك دون سند شعبي أو سياسي حقيقي من ورائه.

3- لا يُحكم على طرف من الأطراف بسبب انتمائه أو اتجاهه، فالأصل هو تعدّد الاتجاهات، وبقاؤها متعددة في مستقبل سورية، وجوهر الثورة الشعبية هو تقويض فرض الرؤية الأحادية استبداداً وفساداً وقمعاً، إنّما تحكم الإرادةُ الشعبية في مستقبل سورية ما بين جهة وأخرى في التعددية القائمة على أرضية "الحاضنة الوطنية الجامعة" وتحت سقف "المصلحة العليا المشتركة".

رؤية ذاتية لساحة الحراك السياسي

لا تسمح حساسية المرحلة في مسار الثورة الشعبية في سورية بتغليب أساليب المجاملات أو التلميح دون التصريح بصدد ما تشهده ساحة الحراك السياسي في الوقت الحاضر، لا سيّما بعد أن بدأت "حملة مضادّة" تعتمد أوّل ما تعتمد على مقولة إن المعارضة السورية متفرّقة في الداخل، والخارج، وتعدّدت أطروحاتها في صيغ مبادرات ومؤتمرات متعددة، وكلّ يدّعي تمثيل الثورة الشعبية بشكل أو بآخر، حتى وهو ينفي عن نفسه ذلك ويقول: "نحن نتواصل مع العاملين في الميدان".. جنباً إلى جنب مع تثبيت "تصوّر مسبق" يفترض أن العاملين في الميدان سيتبنونه تلقائياً أو بأي أسلوب من الأساليب!..

هذه مقولة لا تنطلق دوما من الحرص على وحدة المعارضة -وهي مستحيلة وليست مفروضة بالضرورة- إنّما لا تنفي الرفض القاطع لإضعاف المعارضة عبر ممارسات الإقصاء من أي جهة، ولا تنفي ضرورات التنسيق على حساب "الذات"، وليس على حساب الوطن والشعب والثورة، أي على حساب القضية الكبرى المشتركة.

لهذا ومن خلال ما سبق مع اختصار الحديث عبر تجنّب التعرّض التفصيلي لجميع ما انعقد من مؤتمرات وطُرح من مبادرات، يطرح كاتب هذه السطور رؤية ذاتية لِما يعتقد بأنّه حراك سياسي يجمع الحدّ الأقصى من الشروط الواجب توافرها للارتباط الوثيق المتكامل مع حراك الثورة الشعبي.

المقصود هنا هو ما تبلور بعد هفوات أولية لم تبلغ درجة الأخطاء الفاحشة، وقد حمل في هذه الأثناء عنوان مؤتمر الإنقاذ الوطني، أو وثيقة إعلان مبادئ وطنية لرؤية مستقبل سورية، وهو ما أصبح هيثم المالح المعروف تاريخياً وفي الوقت الحاضر -مع نخبة معروفة تشاركه في هذا المسار- بمثابة الضمان لهذه المبادرة:

1- ألاّ تتناقض مع الإرادة الشعبية، أو الحراك الشعبي في الثورة.. (هذا ما يؤكده مثلاً رفض الحوار مع النظام وقول المالح إنّ مسار هذا المؤتمر ومسار النظام خطّان متوازيان لا يلتقيان).

2- وألاّ تتناقض مع الحاضنة الوطنية الجامعة لأطياف الشعب في سورية.. (هذا ما يتمثل في البدء مباشرة بمشاركة من أمكن مشاركته على اختلاف التوجهات السياسية العامة، ممّن يُعتبرون رموزاً لعناصر الطيف الوطني السوري المتعدد، وذلك بدلاً من طرح تصوّر ذاتي بين أصحاب توجهات متقاربة، ثمّ دعوة الآخرين إلى الانضمام عبر تبنّيه!).

3- وألاّ تتناقض مع المصلحة العليا المشتركة القائمة على محور سيادة الشعب على صناعة قراره بنفسه.. (وهذا أشبه بالعمود الفقري لصناعة مستقبل الوطن السوري، المرتبط ببعده الجغرافي العربي والإسلامي، والمستقل إقليمياً ودولياً عن أي نوع من العلاقات المتناقضة مع السيادة الوطنية والمصلحة العليا).

لقد طرحت هذه المبادرة مساراً وطنياً بين حدين اثنين:

أولهما: التلاقي على أرضية الحراك الشعبي باعتباره مستقلاً يصنع الثورة، مع الحرص على التعدّدية في الحراك السياسي بصورة متطابقة مع التعددية في الحراك الشعبي..

وثانيهما: الوقوف عند حدود وضع تصوّر مستقبلي، يكتفي بتثبيت الخطوط العامة لمرحلة انتقالية، ما بين ثورة شعبية تولّت إسقاط النظام الاستبدادي الفاسد، وبين تأمين الإطار العام من الشروط الأساسية والقواعد المشتركة للتعامل على طريق بناء مستقبل سورية، خالياً من الاستبداد، والفساد، ومن ألوان الإقصاء بمختلف أشكاله وميادينه.

ذا بعض ما يستدعي تأييد مبادرة مؤتمر الإنقاذ الوطني، من جانب كل من يحرص على استقلالية ثورة شعب سورية وانتصارها، ويحرص على بناء مستقبل سورية وضماناته، ويحرص على أرضية الحاضنة الوطنية الجامعة واستقرارها، ويحرص على منارة المصلحة العليا المشتركة وفعاليتها.

--------*************---------

مجازر سوريا.. مَن يجرؤ على الصمت ؟! .. محمد أبو رمان

الاسلام اليوم 5/7/2011

أشعر بالغضب الشديد، المرارة والاكتئاب، كيف يمكن أن نهنأَ بحياتنا مع أبنائنا وأهلنا، ونمارس أعمالنا باعتياد، ونحن نشاهد يوميًّا جرائم بشعة ضدّ الأشقاء السوريين، تضرب نموذجًا في القبح والبشاعة، وتتجاوز الاحتلال الإسرائيلي الذي يسيطر على الأرض، بينما هؤلاء الحكام يتحكَّمون في الأرض والعرض والإنسان!

لم تزدني زيارتي إلى "بيت الشهيد" السوري في عمان، رياض الشايب، إلا ألمًا! فهذا الشاب ابن الثمانية والعشرين عامًا، كانت جريمته وجريرة أهله أنَّه شارك في مسيرة يوم الجمعة، فجاءه زبانية الليل، لكن هذه المرَّة بمهمَّة أخرى غير الاعتقال، إنّها القتل العنيف، مع ساعات الفجر الأولى، فقُتل على سريره برصاصات عدة، وأمام ناظرَيْ والديه العجوزين، وأشقائه الذين تَمَّ اصطحابهم مع زوج شقيقته إلى "معسكرات الاعتقال"، ولا يعلم إلاّ الله، ومن معهم وأحضرهم، ومن خبر هذا الإجرام، ما يذوقونه اليوم من ويلات العذاب والتنكيل مع آلاف المعتقلين الآخرين!

اليوم ندفع ثمنًا باهظًا لنيل حقِّنا في الحرية الآدميَّة، لكنَّنا لا نملك إلا أن ندفعه، نحن الشعوب العربيَّة، وإلا فلا أمل لنا بأي مستقبل يجعلنا نعود إلى مرتبة "البشر" ونخرج من هذه "المزارع"، التي تتعامل مع بني "الإنسان" وكأنهم "جرذان" أو "جراثيم"، وقد أتقن كلا الزعيمين (الليبي والسوري) التعبير عن رؤيتهما الدقيقة لشعوبهما.

تحرُّرُنا من الخوف والرعب الذي سكن قلوبنا قرونًا طويلة هو المدخل لعصر الحرية، وهو الشرط الرئيس لآدميتنا وإنسانيتنا، بغير ذلك فإننا لا نحكم على أنفسنا، بل على مستقبلنا وأبنائنا بحياة أكثر سوادًا وأشدَّ سوءًا مما وصلنا إليه!

هذه اللحظة التاريخيَّة الفريدة بمثابة الفرصة الاستثنائية للانعتاق من هذا الواقع، هي لحظة نثور فيها أولًا على ثقافتنا، التي سوَّغت لنا قبول الظلم والطغيان والذلَّة والإذلال والحياة المُهينة، فقط لأنّنا امتلأنا بالأوهام عن هؤلاء الحكام، وتلك الأنظمة، وما هي إلا نسيج خوفنا وثقافتنا، وصنيع علماء ومثقفي السوء الذين جبروا دنياهم بكسر آخرتهم، وأرضوا شهواتهم ببيع ضمائرهم.

ليس مهمًّا إن كان الدستور أولًا أم الانتخابات في مصر، أو السجال الإسلامي- العلماني، أو قصة الممانعة الزائفة والديمقراطيَّة، ولا شكل نظام الحكم، ولا النظام الانتخابي، فهنالك معركة "الإنسان"، الحرية هي الوجود، ولا يجوز أن نخسر هذه اللحظة التي نُنهي فيها استعبادنا وإذلالنا بعد اليوم.

نعم، واقعنا مرير، والشعوب العربيَّة ما تزال تُحكم بما قَبل "العقد الاجتماعي" لكن ما يحدث في سورية اليوم تحديدًا هو عارٌ يكلّل جبيننا جميعًا، هو مسحة خزي على المتآمرين والصامتين والمطبِّلين والمزوِّرين، هو فضيحة لمثقفي وسياسيي وحزبيي وكتّاب السوء، وهو خيانة حقيقية للضمائر والعقول.

اتفقوا أو اختلفوا ما شئتم حول سياسة هذا النظام وتوصيفه، لكن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو القبول بما يحدث مع أطفال الشام ونسائها وشيوخها وشبابها!

من أراد أن يدافع عن هذه "الجرائم الهمجيَّة"، فليطلبْ أولًا بالوقاحة نفسها التي يتبجَّح بها ضدّ "هؤلاء الأبرياء" أن يذهب إلى المعتقلات والسجون ليتأكد أنّهم يتعاملون فيها مع "بشر"، وليس "جراثيم"، أن يطلب بأن يسمع من أهالي المحافظات والقرى والمدن التي تَمَّت استباحتها حقيقة ما حدث، بعدها فليسمعنا رأيه العظيم!

في أحاديث السياسيين عبارة "من يجرؤ على الكلام" أما اليوم فالسؤال هو "من يجرؤ على الصمت؟!".

--------*************---------

سورية: "لم يُقتل فينا إلاّ الخوف" .. د. خالد الحروب *

الايام الفلسطينية

4-7-2011

كلما أوغل النظام السوري في قتل شعبه؛ اكتشف أنه لا يقتل إلا شيئاً واحداً: الخوف. ذلك ما قالته إحدى أروع لافتات الثورة السورية، إذ حملت التعبير العبقري والمرعب للنظام وجلاديه: "لم يُقتل فينا إلاّ الخوف". يستحق من صاغ هذا الشعار أحد أوسمة الإبداع الذي أنتجته الثورات العربية. تتناثر اليوم تحت أقدام أحرار المدن السورية أكثر من أربعة عقود من صناعة وتصنيع الخوف ودسّه في الطعام والشراب، ودب الرعب في قلوب الناس. يتهاوى هرم الترهيب والتجسّس الذي أراد ترويض الأفراد وقمع إرادتهم وروحهم. يقتل النظام ألوف الناس ويعتقل ألوفاً آخرين ويهجر غيرهم، لكن شعلة الحرية تزداد بريقاً وإغواءً أمام روح الشام التي انطلقت كما كانت دوماً، وما عاد لها أن تهدأ. كلما استنفر النظام وسائله التقليدية في القمع والتنكيل زادت تلك الروح من تحديها له وتعاظمت تحرراً. سورية الثائرة الآن تقدم دليلاً إضافياً على المعجزات التي تجترحها الشعوب ضد الطغاة: تعيد توكيد الدرس الإنساني البليغ بأن الحرية والكرامة هما جواهر الوجود البشري وأن الناس وإن تسكت حيناً فإنها تنتفض في كل الأحايين.

 

ثورة سورية هي أيقونة ثورات العرب، أصعبها طريقاً، وأكثرها تحديات، وأشدها جسارةً وكسراً لكل قيود الخوف. ليس هذا تقليلاً من نقاء وروعة كل ثورة من الثورات العربية، فكل منها أبدع عبقريته الخاصة به ووفق ظروف البلد الخاصة من تونس إلى مصر إلى ليبيا والبحرين. بيد أن مستوى البطش الدموي الذي نشهده يومياً على يد نظام الأسد يتحدى كل صنوف البطش والقمع التي تعرضت لها الثورات الأخرى. البطش هذا، وعلى حساب كل شيء آخر، هو كل ما استطاعت استيلاده دولة المخابرات على مدار أربعة عقود. في تلك السنين الطويلة أريد استزراع الخوف والرعب في قلب كل فرد من أفراد الشعب، ليس فقط داخل سورية بل وخارجها، أيضاً، حيث امتد إخطبوط التجسس والأمن والملاحقة. حوصرت أماني الناس وتطلعاتهم وتم التجسس على حركاتهم، وأفكارهم، وعلاقاتهم، وكل شيء فيهم حتى أحلامهم. انتزعت الثقة من المجتمع الذي اخترقته أجهزة الأمن والتخابر، فلم يعد أحد يأمن حتى لشقيقه. هؤلاء الذين كانوا يتجرؤون على الاقتراب من الخطوط الحمر ويقتربون من المطالبة بالحرية والكرامة كانت تبتلعهم السجون على الفور. يقضون فيها زهرات شبابهم ولا أحد من أهاليهم يعرف مآلهم ولا حتى يجرؤ على السؤال عن مصيرهم. قوائم المفقودين الأمنيين في سورية ربما هي الأطول في العالم، وكثير من أولئك ما كان لهم حتى أدنى اهتمام بالسياسة، بل قادهم حظهم السيئ إلى السجن لسبب تافه قد يكون رفض تقديم رشوة لضابط أمن أو مماحكة لفظية عادية مع رجل مخابرات لم يفصح عن هويته وأراد ممارسة تفاهاته بهذا الشكل أو ذاك. تسمم هواء سورية ومدنها بالتجسس على الناس وتحولت البلد إلى مزرعة خاصة بالعائلة الحاكمة ومن صاهرهم واقترب منهم. في كل مجال من مجالات الحياة والتنمية صارت سورية مخيفة وقاتمة، أفرغها النظام القائم من بهائها وطاقتها واندفاعة شعبها وبريق مدنها وأسمائها التي تسحر وجدان العرب وتاريخهم. تحولت سورية إلى سجن كبير يتراكم فيه عفن القمع وتوحش الاستبداد، ويأس الكثيرين من التغيير. ماتت أجيال وولدت أجيال وهي لا تعرف في أفق البلد والمجتمع إلا شعارات تمجيد الحزب الواحد والرئيس الواحد. وعندما غاب الرئيس الواحد أوغل النظام في احتقار الشعب جملة واحدة، إذ تغيّر الدستور في لحظات وأعيدت هندسته لتسمح بتوريث البلد، كإقطاعية أو شركة خاصة، إلى الابن الذي لم يُعد أصلاً للحكم. كأن سورية الغنية بكل شيء، بتاريخها، بجغرافيتها، بعراقتها، بفكرها، بأسبقيتها حواضر البشر وجوداً، بأعلامها، بتجارها، بكل ما هو معطاء وثري فيها، كأنها تحولت إلى عاقر لا يمكنها توليد أحد سوى ابن الرئيس.

 

بالتوازي مع مسلسل إهانات الشعب واحتقاره كان مصدر الاعتياش الوحيد الذي يستمد منه النظام أسباب بقائه هو خرافة المقاومة والممانعة ومواجهة إسرائيل. خدعت هذه كثيرين على وجه التأكيد ووظفها النظام بدهاء لا يمكن إنكاره. لكن جاء الوقت الذي جف فيه ذلك المصدر وما عاد يمنح مسوغات البقاء كما السابق. جاء الوقت الذي يعلن فيه أحد أهم بطانات النظام والمنتفعين منه أن استقرار سورية (الأسد) يعني استقرار إسرائيل. قال للعالم بالفم الملآن وبكل صلافة وغرور واحتقار لجمهور الممانعين والمقاومين الذي أرادوا أن يصدقوا أكاذيب النظام عليكم أن تحموا نظام الابن كما حميتم نظام الأب إن أردتم أمناً واستقراراً لإسرائيل.

 

جاء الوقت الذي التقى فيه جفاف مصدر الأكاذيب مع بلوغ مسلسل الاحتقار والإهانات مداه الأقصى. في تلك النقطة بالضبط كانت روح الكواكبي الثائرة بالانتظار. كانت قد قضت عقوداً وهي تتألم وتموت في اليوم ألف مرة. ثائر حلب وروحها المنطلقة الذي مات شاباً في أوائل الأربعينيات وفي ذروة عطائه كانت روحه تطوف على مدن الشام تحزن قليلاً لكن لا تتحسر بل تتوعد. في لحظة نهاية أشياء وبداية أخرى تسقط جدران الخزان الذي أقلق غسان كنفاني ومات حانقاً عليه، كيف لا يخلعه من يُسجن بداخله ولو دقاً بقبضاتهم. اليوم مدن الشام طولاً وعرضاً كما هي مدن عديدة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج تصدح فيها قبضات عشاق الحرية دقاً على جدران سجونهم التي تنهار واحداً إثر الآخر. عرائس الحرية والكرامة تتمايل اختيالاً في أفق قريب تناغي الشهداء العظماء الذي سقطوا ويسقطون كل يوم. أقسموا لعرائسهم أن تاريخاً جديداً بدأ يكتب في المنطقة بمداد الانتفاض على الطغاة. في ظل لافتة عبقرية أحفاد الكواكبي يردد هؤلاء الشجعان: "لم يُقتل فينا إلا الخوف."

khaled.hroub@yahoo.com

* كامبردج  بريطانيا

=================

سوريا: إنهاك القمع وعلم الجراثيم .. عبدالله بن بجاد العتيبي

تاريخ النشر: الإثنين 04 يوليو 2011

الاتحاد

أصبح واضحاً أنّ الاحتجاجات السورية في تصاعد من جمعة لأخرى، بل من يوم ليومٍ، فقد انتقلت الاحتجاجات من يوم الجمعة لبقية الأيام، فكان الخميس الماضي هو خميس "بركان حلب" على سبيل المثال، بالمقابل يمكن رصد مؤشراتٍ تدلّ على إنهاكٍ ما بدأ يعتري الجيش والأجهزة الأمنية السورية مع استحضار أنها واحدة من أقوى الأجهزة الأمنية في المنطقة، وأنّها كانت منذ بدء الاحتجاجات عصب قوّة النظام.

 

هذا الإنهاك يمكن استنتاجه منطقياً بحساب سهل، فالشعب السوري حسب الإحصاءات الرسمية تجاوز الاثنين وعشرين مليوناً، والجيش السوري حسب ويكبيديا تعداده 320000، ولم أعثر على تعدادٍ للأجهزة الأمنية، ومع افتراض أنها توازي الجيش أو ضعفيه فإن العدد الإجمالي لا يتجاوز المليون، والمنطق يقول إنّ إصرار عشرين مليوناً أو نصفهم أو ربعهم على التظاهر يجعل قدرة المليون عسكري وأمني ضئيلةً في مواجهتهم، قد تنشط هذه الأجهزة العسكرية والأمنية لشهر أو شهرين، ولكنّهم سيصابون بالإنهاك في النهاية، خاصة أنّهم أصحاب وظيفةٍ يؤدونها بلا شغفٍ وليسوا كمقابليهم أصحاب أهداف وأمنيات عريضة.

 

بعيداً عن المنطق وعلى أرض الواقع، فإن ما جرى في مدينة حماة في الجمعة الماضية "جمعة إرحل" مؤشر على هذا الإنهاك، فقد انسحب الجيش والأجهزة الأمنية من المدينة، فخرج نصف مليون متظاهر حسب بعض وسائل الإعلام، كما خرجت جميع المحافظات السورية في تظاهراتٍ متفرقةٍ، يهمّنا هنا أن نسجل أنّ المظاهرات تكبر ولا تصغر، تنتشر ولا تتقلص، تنشط ولا تنهك.

 

مؤشر آخر هو انضباط الجيش السوري في بدء الاحتجاجات، ولكنّه في الأسابيع الأخيرة بدأ يشهد انشقاقاتٍ فرديةٍ وجماعيةٍ لم تصل بعد لتشكيل تهديدٍ حقيقي للنظام، ولكنّها هي الأخرى تتزايد، مؤشر آخر هو أنّ المظاهرات بدأت تصل لحلب ودمشق، فخرج عشرات الآلاف بحسب وسائل الإعلام في حلب، وخرجت احتجاجات في أكثر من مكانٍ في دمشق، مظاهرتان في الميدان، وفي حي القدم وفي البرزة وغيرها، ما يعني أن الاحتجاجات قد وصلت للعاصمتين الرئيسيتين في سوريا، السياسية والاقتصادية.

 

في الجانب الآخر، نجد أن الاحتجاجات أو جماعات التنسيق للاحتجاجات قد استطاعت أن تتجاوز كل قوّة وعنف وبطش الأجهزة الأمنية وكل قمع وتسلّط الجيش بأساليبها الخاصة، فأصبح حراكها أوسع من قدرة الجيش على الاحتمال، وانتشارها أقوى من قدرة الأجهزة الأمنية على المتابعة، والملاحظ أنّ هذه الاحتجاجات تسير بأبطأ من قدرتها الحقيقية على التأثير، ولكن ربما كانت هذه استراتيجية تتبعها.

 

هذه التنسيقيات لم تبادر بعد للاتجاه للمقرات الحكومية حيث الاتصالات والتنسيق وإدارة الدولة، ربما لأنها تريد الحفاظ على شرعيتها السلمية، وربما لأنها لم تزل عاجزةً عن هذا الفعل، وربما وهو الأقرب أنّها تريد النجاح في إخراج أعدادٍ أكبر إلى الشوارع لتقارع النظام، خاصةً أنّ حاجز الخوف قد انكسر منذ مدّةٍ، وهو ما تريد أن توسّعه وتنشره على أوسع نطاقٍ.

 

فشل النظام السوري في التعامل مع الأزمة الداخلية واضح، فهو حاول نقل بؤرة الاهتمام عن المدن الرئيسية بعملياته في جسر الشغور والمهجّرين بالآلاف إلى تركيا فلم ينجح، وحاول جمع المعارضة في دمشق لينزع المشروعية من احتجاجات الشارع ومن معارضة الخارج فلم ينجح، وحاول إلهاء الناس بخطاباتٍ سياسية طويلة بلا قيمة فلم ينجح، وبالطبع فأهم محاولاته هي القمع والدموية، وهي أكثر فشلاً من غيرها كما أبانت الأحداث.

 

إقليمياً، يبدو حلف الممانعة مع إيران و"حزب الله" آخذ في الضعف والتفكّك، فإيران تعتقد أنّ سقوط النظام في سوريا يعتبر قاصمة ظهرٍ بالنسبة لها، ولهذا تدفع باتجاه مساعدته بشتى الطرق، ولكنّ واقع إيران وواقع سوريا على الأرض يقول إن إيران لا تستطيع حمل سوريا بكل مشاكلها على ظهرها المهدود أصلاً باحتجاجات الداخل الإيراني ومشاكل الدولة الإيرانية.

 

"حزب الله" الذي كان يساوم عليه النظام السوري صدر بحق بعض عناصره في هذه الظروف التي يعجز النظام عن معالجتها قرار اتهامي من المحكمة الدولية، تمّ تسليمه للبنان واضطربت الحكومة الحالية في التعامل معه.

 

صدر القرار الاتهامي للمحكمة الدولية في اغتيال الحريري في توقيتٍ مهمٍ ربما كان مسيساً كما يطرح نصر الله وربما لا، ولكنّه في النهاية صدر، وعلى إيران وسوريا ونصر الله التعامل معه في ظل الظروف الكبيرة المحيطة بهم، كانت ردة فعل نصر الله في خطابه المتلفز متوقعةً، فهي جاءت مبنيةً على أنّ خير وسيلةٍ للدفاع هي الهجوم، فأقام ما يمكن تسميته محاكمة المحكمة الدولية، ولكن يبقى السؤال الكبير ما الذي يستطيع الحزب فعله تجاه هذه المحكمة الدولية بكل احترامها القانوني الدولي والموقف الدولي الداعم لها بكل قوةٍ؟ الجواب لا شيء سوى التركيز على الداخل اللبناني والتهديد المبطّن خلف عبارات الحكمة والتعقل.

 

دولياً، أصبح النظام السوري يخسر كل يومٍ حليفاً من تركيا إلى روسيا ولم يبق له إلا الصين، وليس لدى النظام السوري ما يقدّمه للصين لتخالف العالم كلّه لأجله، ولكنّ الصين تنتظر ما يقدّمه العالم لها من حوافز للتخلي عن النظام هناك.

 

إنّ صراع المصالح الكبير الذي يدور اليوم صراع حقيقي ومؤثر على مستقبل المنطقة والعالم، فهو صراع لا يحدث إلا نادراً في الحقب التاريخية بهذا الرتم السريع وهذا التشعّب الكبير، تركّزت تجلياته الكبرى في الشرق الأوسط، ولكنّ أبعاده الكاملة تلفّ العالم أجمع.

 

روسيا مثلاً تخسر أصدقاءها في المنطقة، وتأتي دائماً كردة فعلٍ لا كفعلٍ، بمعنى أنّها ترفض ابتداءً وتعارض، ولكنّها لا تلبث أن تتخلّى عن الأنظمة التي تقول إنها تدعمها، موقفها من ليبيا مثال واضح، وتصريحات بعض مسؤوليها مؤخراً تجاه سوريا، وأنها تعتبر أن الأنظمة تذهب وتجيء والباقي هو الشعب، وهو ما تتعامل معه. يؤكد أنّها لا تمانع في التخلّي عن أي نظامٍ إن رأت مصالحها لا تلتقي مع مستقبله، وتاريخ روسيا مفيد هنا، فعلاقتها بالعراق تخلت عنها في أزمة الخليج الثانية لصالح تحالف دولي ولأموالٍ قبضتها، وتلك قصة معروفة.

 

أخيراً، يقول الباحث الأميركي "كرين برينتن" في كتابه الجميل "تشريح الثورة" ص39 مستعيراً من علم الجراثيم حسب قوله "سنعدّ الثورات نوعاً من الحمّى .. وفي المجتمع أثناء الجيل الذي سبق اندلاع الثورة .. توجد علاماتٍ على الاضطراب المقبل .. ثم يحين الوقت عندما تكشف الأعراض التامة عن نفسها وعندما نستطيع القول إنّ حمّى الثورة قد بدأت. وتتصاعد هذه الحمّى ليس على نحو منتظم، بل بالتقدم والتراجع، إلى أزمة مصحوبة بالغثيان وحكم الثوريين الأكثر عنفاً" ثم يقول: "ولتطوير الاستعارة فإنّ الحمّى تحرق الجراثيم الشريرة".

 

ربما كان هذا النقل مفيداً لرئيس يعرف علم الجراثيم وينبز شعبه بها، وربما كان مفيداً له أكثر أن يستمع للحكمة الصينية القديمة التي تقول: "دبّر الأمر قبل أن تحرّك الجيوش".

--------*************---------

بعد حماه.. لا إصلاح في سوريا .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

5-7-2011

إثر نزول قرابة 700 ألف سوري للتظاهر في حماه، أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوما يقضي بإعفاء أحمد خالد عبد العزيز من مهمته كمحافظ لحماه، فما معنى ذلك؟

صحيح أن محافظ حماه هو ثالث محافظ سوري تتم إقالته منذ اندلاع الانتفاضة غير المسبوقة، إلا أن لهذا القرار الأخير مدلولات تستحق التوقف عندها، الأول: أن وعود النظام بدمشق لإنجاز الإصلاح بات من الصعب تصديقها، والمراهنة عليها؛ فمظاهرات حماه، بجمعة «ارحل»، كانت طاغية، وعدد المشاركين فيها غير مسبوق، لكن العلامة الفارقة فيها أيضا أنه لم يكن هناك قمع لأهل حماه، مثل باقي المناطق الأخرى، وذلك لسبب بسيط، هو أن الأمن والجيش لم يتدخلا لتفريق المتظاهرين وقمعهم، مما يعتقد أنه أدى إلى إعفاء محافظ المدينة من منصبه، أي أنه لم يُعفَ بسبب وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى، بل إن كل ذنبه هو أنه سمح بمظاهرات سلمية.

وهذا ليس بسرٍّ؛ حيث رصدت تقارير إعلامية، بعد مظاهرات حماه، أن السوريين لم يفاجأوا بمرسوم إقالة محافظ حماه؛ إذ سبقته شائعات عن عدم رضا بعض الدوائر الرسمية، لا سيما الأجهزة الأمنية، عن طريقة إدارة المحافظ للأزمة بحماه. وبحسب التقارير، فقد اكتسب محافظ حماه، إلى حدٍّ بعيد، ثقة الأهالي؛ حيث منحهم وعودا بالسماح لهم بالتظاهر السلمي، والتعهد بألا تقترب منهم قوات الأمن مقابل عدم ترديد الأهالي لهتافات مسيئة لرأس النظام، أو تدعو لإسقاطه، ناهيك عن أن محافظ حماه قد قام بإزالة صور وتماثيل رموز النظام من المدينة كي لا يقوم المتظاهرون بتحطيمها.

لذا فمن السهل أن نستنتج هنا أمرين مهمين؛ الأول هو أنه بات من الصعب القول اليوم، بعد إقالة محافظ حماه، إن النظام بدمشق حريص على تلبية مطالب الشعب، وإنه سيقود عملية الإصلاح بنفسه، فكيف يمكن ذلك ما دام النظام يقوم بعزل رجل كل خطئه أنه لم يسمح للأمن بأن يفتك بالمتظاهرين السوريين في مدينة حماه يوم جمعة «ارحل»؟

الأمر الآخر المهم، الذي يتوجب على المعنيين بالشأن السوري تأمله جيدا، هو أن تصرف محافظ حماه مع أهالي المدينة، مما جعله يحظى بثقتهم، يوحي بأن بين المسؤولين السوريين اليوم من بات يعيد النظر جديا فيما يحدث بسوريا، إما بدافع صادق؛ حيث يتعاطف مع المطالب الشعبية الجامحة، وإما بدافع الحذر من عواقب الأمور التي قد تؤول إليها الأوضاع في سوريا في حال سقوط النظام، بأي طريقة كانت، خصوصا أن المسؤولين السوريين يرون اليوم بأم أعينهم ما يحدث للمحسوبين على نظام حسني مبارك في مصر، وكيف أن المحسوبين على القذافي باتوا يقفزون من سفينة العقيد الليبي واحدا تلو الآخر خوفا من عواقب الأمور.

وعليه، فإن هذه هي مدلولات عزل محافظ حماه التي يجب التنبه لها بدلا من الانشغال بوعود النظام بدمشق، خصوصا أنه لم ينفذ منها شيء إلى الآن، بل وقام بعزل محافظ حمى المتظاهرين العزل من البطش الأمني.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com