العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10/3/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الحرب المذهبية نفط مقابل السلاح؟!

راجح الخوري

2013-03-05

النهار

انتهت محادثات وليد المعلم في موسكو بإبداء الاستعداد لمفاوضة المعارضين بمن فيهم المسلحون، ثم انتهت محادثاته في طهران بانقلاب اعلنه بشار الاسد عندما رفض الحوار مع من سمّاهم "الارهابيين" ودعاهم الى تسليم اسلحتهم، بما يعني انه يريد منهم بعد عامين من القتال وسقوط اكثر من 80 الف قتيل ان يستسلموا ويأتوه صاغرين!

حاول البعض ان يربط هذا الانقلاب بتقدم عسكري قيل ان النظام احرزه على الارض، لكنه في الواقع يرتبط بتحول سياسي يتصل بالتفاهم بين جون كيري وسيرغي لافروف. فمن الواضح ان واشنطن الغارقة في متاعب اقتصادية دفعتها الى التعجيل في سحب قواتها من الخارج، والتي بدأت تحويل تركيزها الاستراتيجي الى جنوب شرق آسيا لمواجهة "القرن الصيني"، قررت تلزيم موسكو إيجاد حل للازمة السورية لكن وفق دفتر شروط أهم ما فيه ان "لا تقع سوريا في ايدي المتطرفين من السنّة وان لا تبقى ورقة في ايدي الشيعة الايرانيين المتطرفين" وهذا ما يسرّ قلب اسرائيل طبعاً!

عندما يقول علي اكبر صالحي في المؤتمر الصحافي مع المعلم ان الاسد باق وانه سيشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة سنة 2014 تبدو مسألة "الانتقال السياسي" وكأنها لم تعد على الطاولة، اما عندما يؤكد الاسد لصحيفة "الصنداي تايمس" ان روسيا تواصل تزويده السلاح وان "حزب الله وايران وروسيا تدعم الشعب السوري في حربه على الارهاب، وان دور روسيا بناء جداً ودور ايران داعم جداً ودور حزب الله الدفاع عن لبنان وليس عن سوريا"، فذلك قد يعني ان روسيا لزّمت بدورها و"من الباطن" كما يقال، الازمة السورية الى ايران وفق دفتر شروط يناسبها ويسرّ قلب الاميركيين والاسرائيليين ايضاً، وقد تؤدي هذه الشروط بالمنطقة الى حرب مذهبية بين السنّة والشيعة لا تضعف الطرفين فحسب، بل تستنزف ثرواتهما وتدمر قوتهما عبر معادلة النفط مقابل السلاح!

واذا كان الاسد يقول ان سوريا هي خط تماس جغرافي وسياسي وايديولوجي فان أخطر ما عرفه هذا الخط عبر التاريخ، هو ان نظامه القمعي يواصل منذ عامين الرهان على حل عسكري، تقاطعت فيه المصالح الاميركية والروسية العميقة والبعيدة المدى وكذلك الاطماع التوسعية الاقليمية الايرانية لتجعل من سوريا "الولاية الايرانية رقم 35" او ساحة الحرب الكبرى العمياء والبغيضة بين السنّة والشيعة!

نوري المالكي في ميدان المعارك وقد شاهدنا حشوده المسلحة تدخل الى سوريا، ولواء "ابو الفضل العباس" الايراني وغيره في الميدان جنوب دمشق وفق وكالة "رويترز"، و"حزب الله" في الميدان باعتراف الاسد، فلماذا رغم كل هذا التورط تساق الاتهامات الى تركيا والسعودية وقطر لمجرد انها هبت لدعم شعب يذبح كما لم يذبح شعب في التاريخ؟

=====================

سوريا: معركة الربيع على الأبواب

علي حماده

2013-03-05

النهار

شكّل سقوط مدينة الرقة ومعظم المحافظة بيد الثوار السوريين حدثاً بارزاً ومفصلياً، إذ يشير الى بدء اندحار النظام في سوريا من مناطق باكملها وتراجعه نحو مربّعات محصّنة في الوسط وحول بعض المدن، وطبعاً في منطقة الساحل حيث الثقل السكاني العلوي. واذا كان سقوط الرقّة البعيدة نسبياً عن عاصمة دمشق حدثاً مهماً، فبسبب توسّع النطاق الجغرافي لمناطق سيطرة الثوار من ريف ادلب الى حلب، فالرقّة، وصولاً الى الحدود مع العراق حيث سقط أخيراً معبر اليعربية على الرغم من الدعم العسكري الذي قدمه العراقيون لقوات النظام.

ومن مطار منّغ العسكري المشرف على السقوط، الى مشارف مدينة اللاذقية حيث الريف مسرح لعمليات عسكرية للثوار، ثمة خط يرتسم على الخريطة السورية بين مناطق محرّرة واخرى لا تزال تنتظر التحرير.

حدث كبير سقوط أول مدينة بأكملها بيد الثوار ومعها المحافظة بأكلمها. ولعل المشاهد التي بثت على خدمة "يوتيوب" وفيها قيام مواطني مدينة الرقة باسقاط تمثال حافظ الاسد في "ساحة الاطفائية" وسط المدينة، ما يذكر بيوم سقوط بغداد في نيسان ٢٠٠٣ وبالطريقة نفسها.

من الواضح ان النظام بدأ يفقد المبادرة على ارض المعركة، ولم يسعفه كل الدعم الذي يتلقاه من ايران وروسيا و"حزب الله" في كل مكان ليستعيد زمام المبادرة. فالدعم وحده لا يكفي متى كانت البلاد باسرها في حالة ثورة. وقد خبر كلا النظام ورئيس الحكومة العراقية نوري المالكي احد اكبر داعمي بشار الاسد حدود الدعم الممكن منحه، عندما استهدف مسلحون عراقيون في انبار قافلة لجنود سوريين بحراسة عراقية، هربوا من معبر اليعربية ليعودوا عبر معبر الوليد. فحتى نوري المالكي الذي دعم بالمال العراقي والموارد العراقية نظام بشار يكتشف ان مواصلة الانخراط الى جانب بشار ستؤدي الى نشوب ثورة داخل العراق. وفي لبنان الأمر لا يختلف كثيراً. فـ"حزب الله" المعتد بقوته والمستقوي على بقية اللبنانيين، يلعب بالنار الداخلية عندما يواصل قهر فئات كبيرة من اللبنانيين، ويعطف على ذلك تورطه في قتل السوريين دعماً لنظام بشار.

على مستوى آخر، يمكن التوقف عند المؤتمر الصحافي المشترك لوزير الخارجية الاميركي جون كيري ونظيره السعودي الأمير سعود الفيصل في الرياض بالأمس، حيث بدا واضحاً من العبارات المنتقاة بعناية ان الدول العربية الداعمة للثورة السورية أبلغت، كما قلنا هنا في هذه الزاوية في نهاية كانون الثاني، الولايات المتحدة ان قرار رفع مستوى الدعم العسكري للثورة اتخذ للمساعدة على حسم المعركة أياً يكن موقف واشنطن.

ان معركة الربيع الكبرى صارت على الأبواب، ولن يمضي الربيع إلا يكون النظام فقد السيطرة على دمشق، ومعها تنتقل الشرعية بما تفرضه الأرض.

=====================

رحلة جون كيري

إلى قلب الأزمة السورية

غازي دحمان

المستقبل

5-3-2013

لا يخرج جون كيري عن تقليد أميركي في زيارته الشرق أوسطية، المديدة، التي يزور خلالها عددا من دول المنطقة، ذلك ان الإدارات الأميركية درجت، في العقدين الأخيرين، على إتباع هذا المنهج، في غرة تسلمها مفاتيح البيت الأبيض مع بداية كل عهد رئاسي.

لكن ما يميز هذه الزيارة هو كونها تأتي في ظل ظروف ذات طابع معقد، وإن كان التعقيد والتوتر صفتين ملازمتين للشرق الأوسط في العقود الأخيرة، إلا ان أحداث سورية، وما تفرزه من توترات إقليمية، وحالة الإصطفاف الناتجة عنها، وكذا إحتمالات تمدد الصراع والإنفجار ما وراء حدود الإقليم، كل هذه المعطيات تجعل الزيارة، في هذه المرحلة، تكتسب أهمية خاصة.

الواضح من برنامج زيارة كيري أنها زيارة عملانية أكثر منها برتوكولية، فلا الظروف تسمح له بالقيام بعملية إستكشاف الأوضاع والإتجاهات أو سبر مواقف الأطراف، ولا وقائع الميدان المتطورة في المنطقة تتيح لأميركا ترف الإنتظار والتمهل وإجراء مناورات سياسية، وخاصة الأوضاع في بلاد الشام الآيلة إلى التفجر على أكثر من جبهة ومكان.

لاشك أن الموضوع السوري يحتل الأولوية في محادثات جون كيري في المنطقة مما يبشر بإمكانية صياغة مقاربة جديدة للأزمة، بعد أن إتبعت إدارة أوباما، في فترتها الأولى، سياسة إنتظارية حذرة، جلبت لها النقد والتشكيك حتى من قبل بعض مسؤولي الإدارة نفسها، وقد كشفت تسريبات بهذا الخصوص وجود خلافات في الرؤى والتصورات وحتى في تقدير حجم وطبيعة مخاطر الأزمة على المصالح الأميركية.

هل يعني ذلك أننا إزاء تحرك أميركي جديد تجاه الأزمة التي باتت تمس تخوم المصالح الأميركية وخاصة على جبهات إسرائيل ولبنان والعراق؟

تقدر الكثير من التحليلات أن الولايات المتحدة الأميركية تمهد لسياسات إجرائية في المنطقة، سواء كان ذلك بإتفاق مع روسيا أو بدونه، ومن الواضح أنها تجاوزت مرحلة تلزيم روسيا بالملف السوري إلى مرحلة إشراكها بالحل، وهي وإن كانت تميل إلى حل سلمي ينهي الأزمة، على ما صرح كيري نفسه في لقائه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، فإن المؤكد ان الخيارات الأميركية لم تعد محصورة بهذا الإطار.

المرجح أن هذه التقديرات جرى بناؤها على وقائع وحيثيات بعينها، منها ما يشير إلى سماح الإدارة الأميركية بتسليم أنواع متطورة من الأسلحة إلى بعض الكتائب التي تصفها بالمعتدلة في نطاق الجيش السوري الحر، ومنها أيضاً الوعد بتقديم المزيد من المساعدات العسكرية التي قد تنسهم في تعديل موازين القوى لصالح المعارضة.

هل يعني ذلك أن إدارة أوباما، في فترتها الثانية، قد غادرت موقع الإدارة من الخلف الذي مارسته في السنوات الأخيرة في المنطقة، وأنهت مرحلة الإختباء وراء التصلب الروسي في سورية، الايام القادمة حبلى بالتطورات والمفاجآت، وعلى وقعها لن تتأخر الإجابة عن هذا السؤال.

=====================

النظام السوريّ: اللاحدث هو الحدث

حازم صاغيّة

الثلاثاء ٥ مارس ٢٠١٣

الحياة

في حديثه إلى أسبوعيّة «صنداي تايمز» البريطانيّة، رأى الرئيس السوريّ بشّار الأسد أنّ تنحّيه عن السلطة لا يحلّ أيّة مشكلة، بل هو لا أكثر من «تفكير سخيف، بدليل السوابق في ليبيا واليمن ومصر».

وهذا الرأي، الذي يحلّق فوق التفاصيل والتعقيدات التي تعاش في تلك البلدان، إنّما يكتفي بتجديد الإعلان عن وقوف النظام السوريّ في صفّ الثورة المضادّة عربيّاً. فالبعث الذي كان من أبرز فرسان العبارة الثوريّة العربيّة ما بين «المحيط والخليج»، صار هو نفسه، وعلى ألسنة قادته، أمير الردّة المناهضة للثورة ما بين «المحيط والخليج» نفسهما.

لكنّ الأمر أفدح من ذلك. فنحن نذكر أنّ النظام السوريّ عاش حقبة 2003-2011 على نظريّة في غاية البساطة، مفادها: أتريدون التغيير، إذاً انظروا إلى ما يجري في العراق! وكان العراق، لا سيّما خلال سنوات 2006-2008، يعيش على تخوم حرب أهليّة ليس النظام السوريّ بريئاً من توسيعها ومن تعزيزها بأدوات الموت والإماتة.

وبنسبة أقلّ، استخدم النظام السوريّ حال الاستقطاب اللبنانيّ الحادّ الذي نشأ بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005 لتعميم الفكرة نفسها عن مضارّ التغيير، أيّ تغيير. وهنا أيضاً، كان النظام المذكور ضالعاً حتّى أذنيه في دفع الأمور اللبنانيّة إلى ما اندفعت إليه حتّى صارت سبباً للخشية والمخاوف.

والحال أنّنا لسنا في صدد محاكمة ذاك النظام عن مسؤوليّاته العراقيّة واللبنانيّة والفلسطينيّة وسواها، فهذا ما سال فيه، ولا يزال يسيل، حبر كثير. ما يلفت، في المقابل، أنّ هذا النظام ليس مجرّد نظام مضادّ للثورة مثله مثل أنظمة عربيّة كثيرة، بل هو، فوق هذا، مضادّ لأيّة حركة تحرك، كائنة ما كانت طبيعتها. ذاك أنّ استمراره ظلّ مرهوناً بألاّ يحدث شيء، مطلق شيء، في جواره أو في محيطه الأبعد. ولمّا كان من المستحيل تثبيت العالم وتسميره عند لحظة ملائمة معيّنة، بات المطلوب صدّ كلّ تحوّل واختصاره في مجرّد إنذار للسوريّين بضرورة التكاتف حول الوضع القائم.

وليس من المبالغة في شيء أن يوصف وضع كهذا بالموت صدّاً للزمن وإقامةً خارج كلّ تاريخ.

يقال هذا الكلام وفي البال أنّ أيّاماً معدودة فحسب تفصلنا عن الذكرى الخمسين لوصول حزب البعث إلى السلطة في سوريّة يوم 8 آذار (مارس) 1963. أي أنّ خمسين عاماً انقضت على سوريّة والسوريّين وهم معلّبون لا تنعكس عليهم تطوّرات في حجم انهيار الكتلة السوفياتيّة واتّساع رقعة الدول الديموقراطيّة ونشأة العولمة وسوى ذلك.

بلى، هناك ما انعكس إيجاباً على النظام الطويل العمر في هذه الغضون، وهو إنّما ينقسم إلى قسمين: من جهة، الحروب والنزاعات الأهليّة التي كان لبنان والفلسطينيّون أبرز مسارحها، ومن جهة أخرى، ثورة إيران الخمينيّة في 1979 التي لم تكن، في حساب إقليميّ، سوى مادّة لتعزيز النزاع الأهليّ... «من المحيط إلى الخليج» أيضاً.

خمسون عاماً كهذه كيف لها أن لا تكون صاحبة باع طويل في ولادة جبهة «النصرة» وأخواتها؟

=====================

سوريا.. مخاوف الجيران تحث على توافق دولي!

اكرم البني

الشرق الاوسط

5-3-2013

ليس من حدث أثّر ويؤثر على الدول المحيطة بسوريا، كالحدث السوري، إن بسبب موقع هذا البلد الحيوي وتشابكه مع معظم الملفات الشائكة والحساسة في المنطقة، وإن لتنامي نفوذه خلال أكثر من 4 عقود وتأثيره على جيرانه وعلى طابع العلاقة معهم، وإن بسبب الأعداد المتزايدة من النازحين والمهجرين الذين بدأوا يشكلون عبئا على تلك الدول وعلى أوضاعها الاقتصادية. لكن السبب الأهم هو خشية هذه البلدان من امتداد الصراع السوري، وتداعياته بفعل مكونات عرقية ودينية وطائفية متداخلة، وتحسبهم من محاولة النظام تصدير أزمته إليهم عساه يخفف عبر توسيع رقعة الصراع من الضغوط عليه، وتحويل الانتباه العالمي والعربي إلى أماكن أخرى. مع أن السلطة العراقية بدأت تئن من وطأة الحدث السوري عبر حراك شعبي معارض ما فتئ يتسع في مناطق وجود الكتلة السنية وينذر بما هو أسوأ، لا يزال موقفها الرسمي حافلا بالتناقض، فإلى جانب تكرار رفض التدخلات الخارجية في الشأن السوري والدعوة لحل سلمي عبر الحوار، سمعنا عبارات واضحة من رئيس الحكومة نوري المالكي تدعم النظام وتثق بقدرته على الاستمرار وتراهن على فشل الثورة، بينما تفاوتت مواقف المعارضة، بين داعم صريح للثورة تمثله بعض القوى المنضوية في ائتلاف العراقية، ومختبئ خلف الموقف الدولي كحال أهم الكتل السياسية الكردية.

وإذا تجاوزنا النصائح المتكررة للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عن أهمية المعالجة السياسية وتصريحه بضرورة تنحي الرئيس السوري، وأيضا أحاديث لمسؤولين أردنيين تحذر بصورة مباشرة من توسع الصراع الأهلي في سوريا، ومن خطر وصول الإسلاميين إلى سدة السلطة في سوريا على مستقبل الأردن، تظهر السياسة الرسمية الأردنية شديدة التحفظ والحذر من الحدث السوري متجنبة أي تصعيد أو استفزاز للنظام، إن لتجنب ردود أفعال قد تسبب إرباكات داخلية مع وجود مجموعات قومية ويسارية لا تزال تجد ما يحصل في سوريا مؤامرة استعمارية، وإن لمصلحة اقتصادية في ضمان مصادر المياه وتأمين طرق قوافل تصدير البضائع، بما في ذلك تسهيل عملية التشارك مع المنظمات الدولية لرعاية أكبر عدد من اللاجئين السوريين، على الرغم مما يثار عن سلوكيات غير إنسانية يلقاها بعض اللاجئين في المخيمات الأردنية. سياسة «النأي بالنفس» لم تخفف متاعب لبنان، بل إن الحدث السوري بدأ يحفر في خبايا تركيبته الاجتماعية ومكوناته عميقا، وينذر بتنامي تفاعلات وتوترات طائفية قد تعيد البلد إلى مناخات غير محمودة، ويبدو أن قضية اللاجئين وتنامي حاجاتهم، ثم استفزازات النظام السوري وتجاوزاته المتكررة للحدود مع لبنان بحجة ملاحقة معارضين فارين، وتدخل حزب الله في بعض مناطق الاحتكاك، كل ذلك أحرج السلطات وأظهر لاجدوى سياسة النأي بالنفس، لتغدو هذه السياسة كأنها تعني الموقف الرسمي فقط، بينما تحولت فعليا إلى ما يشبه ستارا تتحرك من ورائه القوى اللبنانية تبعا لحساباتها كي تعبر عن مواقفها الخاصة مما يحصل في سوريا، وكي تقدم ما تيسر لها من الدعم إلى الطرف الذي تسانده وتشعر بأن مصالحها ترتبط بانتصاره. لتركيا سقف يبدو أنها لا تستطيع تجاوزه أو لا تريد، إن استطاعت، مكتفية، بعد سلسلة النصائح التي قدمتها للقيادة السورية، بالدعم اللفظي للثورة والإدانات المتعددة للعنف السلطوي المفرط، ربطا بتقديم بعض الدعم اللوجيستي لجزء من المعارضة السورية، طالما هو أقرب إلى سياساتها وحساباتها.

وعلى الرغم من أن تركيا كشفت عن طموح نهم في ظل حالة التفكك العربي لتعزيز وزنها ودورها الإقليميين، فثمة مصالح تلجم دخولها بصورة سافرة في المشهد السوري ربطا بخشيتها من خسائر فادحة، في حال توسعت ساحة الاشتباك وشمل حلفاء النظام، وما يستتبع ذلك من تداعيات ربما تستنزف قواها وتهدد طموحها، إن طال زمن الصراع واتخذ مسارات غير محمودة، ناهيكم عن مخاوفها من تحويل البؤرة السورية المضطربة إلى قاعدة انطلاق لحزب العمال الكردستاني، خاصة إن فشلت مساعيها في استمالة قيادته لعقد اتفاق سياسي يضع حدا للعمليات العسكرية، وفي تأليب بعض الجماعات السورية المسلحة لضرب أنصاره أو محاصرتهم.

لا تنطلق السياسة الإسرائيلية من الصراع السوري من تأثيراته الراهنة، ولا من كونها عدوا يحتل أرضا، بل من حسابات أمنية استراتيجية، وهي تنوس بين رغبة دفينة في بقاء النظام بصفته نظاما مجربا حافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، والضغط على روسيا والدول الغربية لترك الأوضاع السورية، في حال لم يضمنوا السيطرة على المعارضة، كي تسير نحو التفسخ والاهتراء فتأمن جانب هذا البلد لسنين طويلة، ورهانها إشغال البديل المقبل حتى أذنيه في معالجة الدمار والخراب، ولا تغير هذه الحقيقة تصريحات بعض القادة الإسرائيليين عن فقدان النظام شرعيته، وأنه غير قادر، بعدما جرى، على الحكم.

في مسار الثورة لم تكن بعض بلدان الجوار تثق بالشعب السوري وبقدرته على الاستمرار في مواجهة عنف مفرط هي أدرى به، وكان يلحظ ولفترة طويلة وجود ما يشبه الإجماع عندهم على أن النظام سيتجاوز الأزمة ويعزز مواقعه من جديد، الأمر الذي حدد سقف سياساتهم وطابع مواقفهم وفسر حذرهم وترددهم في المشاركة في تطبيق العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، أما اليوم فيبدو أن ثمة قاسما مشتركا جديدا يجمعهم، هو تنامي مخاوفهم، وإن بدرجات متباينة، من استمرار العنف والصراع في سوريا، ومن احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية واسعة وانتقالها إلى مجتمعاتهم بفعل المساحات الحدودية الواسعة والتداخل العشائري والديني والقومي، وأيضا مخاوفهم، إذا استثنينا الحكومة التركية، من صعوبة بناء علاقات ثقة مشتركة إن كان البديل حكومة إسلامية، مما يفسر حماسهم الراهن وزيادة ضغطهم من أجل توافق الدول الكبرى وبناء دور أممي جاد وحاسم يضع حدا للمأساة السورية!

=====================

موقفنا : من قتل الجنود السوريين اللاجئين إلى العراق ؟!! .. نستنكر الجريمة ونطالب بتحقيق عربي ودولي ... زهير سالم*

سؤال لا بد من طرحه للحاضر وللمستقبل أيضا حتى لا تضيع دماء السوريين هدرا : من قتل الجنود السوريين في العراق الاثنين 4 / 3 / 2013 ..

وسط الصخب والضوضاء وتبادل الاتهامات ، وعلى وقع شلال الدم المسفوك ظلما على الأرض السورية ، مرّ عابرا نبأ مقتل اثنين وأربعين جنديا سوريا على الأرض العراقية ، كانوا في عهدة قوات المالكي ، وتحت حمايته وحراسته ؛ مر النبأ عابرا فتجاهله الرأي العام الدولي والإقليمي ، كما تجاهله بشار الأسد الذي يزعم أن هؤلاء الجنود جنوده ، وأن هذا الشعب الذي ينتمون إليه يؤيده ويدعمه !!!

 ولقد تقاطعت الروايات المتعددة لمقتل هؤلاء الجنود عند الحقائق التالية :

هؤلاء الجنود هم في الأصل من جنود الجيش السوري الذين كانوا مسئولين عن حماية معبر اليعربية بإمرة بشار الأسد على الحدود السورية العراقية ..

وعندما دهمتهم عناصر الجيش الحر في عملية تحرير المعبر ، قرروا ألا يقاوموا  في معركة خاسرة حتى النهاية ، وهذه حقيقة مهمة ، وآثروا أن ينسحبوا إلى الطرف العراقي ، وأن يطلبوا اللجوء على الأرض العراقية – وهذه حقيقة ثانية أكثر أهمية – في السياق الذي نتحدث به ؛ حقيقة يؤكدها أثيل النجيف محافظ الموصل الذي يصرح ويؤكد : أن الجنود السوريين المذكورين لجؤوا إلى العراق بعد عبورهم منفذ ربيعة الحدودي . وطالبوا بعدم إعادتهم إلى سورية . والمطالبة بعدم الإعادة إلى سورية تعطي هؤلاء الجنود وضع اللاجئ حسب القوانين الإنسانية ، ووضع المستجير أو  الدخيل ( الدخيل الذي يقول لمن يستجير به أنا دخيلك ) حسب القوانين العربية العشائرية ، ووضع المستأمن طالب الأمن والأمان حسب القانون الشرعي الإسلامي ولأن المالكي ليس ممن ينتمي إلى أي من هذه الدوائر ؛ فقد قرر بلا حرج أن يخفر ذمته ويغدر بدخلائه وأن يعيد تسليمهم إلى عدوهم  وهو يعلم انهم سيواجهون هناك عقوبة التصفية الجسدية . هذا ما كان في ظاهر الأمر كما يقولون ..

أما في الواقع فقد تحركت قافلة الجنود السوريين المستأمنين لتساق إلى حتفها على الطرف الآخر من الحدود فماذا جرى ؟!

حافلة أو حافلتان عراقيتان عسكريتان تسيران على الطريق العام العراقي متوجهتان إلى الحدود السورية . المفترض أن عشرات الحافلات العراقية تجتاز هذا الطريق يوميا . يقول المالكي إن كمينا من مجهولين عند مناجم عكشات 380 / كم غرب بغداد قد قطعوا الطريق على الحافلات وقتلوا من الجنود السوريين اثنين وأربعين جنديا وفي رواية ثمانية وأربعين جنديا ، وسبعة جنود عراقيين وفي رواية تسعة جنود عراقيين ، كانت مهمتهم مرافقة الحافلات و حماية الجنود السوريين ..

وفجأة ومن غير أن يجري المالكي أي تحقيق في الجريمة الفاجرة ، والكمين الغادر يفزع كشريكه بشار الأسد ليعلن عن المجرم الموصوف والمعروف ودائما سلفا إنه تنظيم ( القاعدة ) الذي انحط  أعضاؤه من السماء ونفذوا الجريمة .

ليخرج علينا الناطقون باسمه بعد زمن يسير ليوظفوا الجريمة الغادرة في منح المصداقية لتحليلات وتحذيرات المالكي . وليقول المحللون العراقيون : ألم يقل لكم المالكي إن الأحداث في سورية سيكون لها أبعادها الإقليمية وستنقل الفوضى والفتن وعدم الاستقرار إلى دول الجوار !! لقد كلف الشعب السوري غاليا ثمن تصديق هذا الإثم المفترى والإفك الكبير ..

وفي الوقت الذي قتل فيه المالكي وعصاباته قرابة خمسين جنديا أو لنقل إنسانا سوريا لم نسمع من بشار الأسد ولا من حكومته أي استنكار للقتل ولا أي مطالبة بتحقيق ..

السوريون اليوم لا بواكي لهم  ، ولا أحد يسأل عن أعراضهم بله دمائهم . ومن يستطيع أن يسأل المالكي كيف ؟! كيف أولا تسلم جنودا طلبوا جوار العراق إلى من يقتلهم ؟! وكيف ثانيا لا تؤمن الحماية الكافية لهم إذ تدفعهم في طريق للموت مريب ؟! وكيف ثالثا لا تفتح تحقيقا جادا وبمصداقية في مقتل قرابة ستين إنسانا عشرة منهم من العراقيين . المالكي : علا في الأرض وكان من المسرفين .

 وإذ نعود إلى أبسط قواعد التحقيق فنتساءل بدورنا ومن المستفيد على الحقيقة من قتل هؤلاء الجنود ؟ ومن الذي قتلهم ؟ ولماذا يقتلهم متسللون من الجيش الحر ؟ أو من عناصر القاعدة ؟ وأين ذاب عناصر القاعدة الذين قتلوهم ؟ يلوي المالكي رأسه مستكبرا ويضحك بشار الأسد ضحكته المشهورة ..

باسم كل الضحايا الأبرياء وباسم الأمهات والآباء والأسر المكلومة نستنكر الجريمة الغادرة في أبعادها كافة ..ونحمل المالكي مسئوليتها أمام الله وأمام الناس .ونطالب بتحقيق دولي في مصير العشرات من الجنود السوريين الأبرياء .. فهل يسمعنا الأمينان العامان العربي والدولي أم يستمران في صم الآذان ..

لندن : 22 / ربيع الثاني / 1434

5 / 3 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

=====================

ملالي إيران ومعركة الدفاع عن المحافظة 35

اسطنبول ـ عمر كوش

(إلى الشهيد عمر عزيز)

المستقبل

في إحدى الجلسات الدمشقية، التي كانت تجمعنا في بدايات ثورة الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، كان الحديث يدور بين ثلة من المثقفين السورين، حول خصوصيات الثورة وآفاقها، وتحدث عمر عزيز عن الخصوصيات، التي كانت مواجهة نظام دموي له امتداداته الإقليمية والدولية من بين إحداها، ويجسدها ارتباط النظام الأسدي بشبكة تحالف صلبة، ذات نسيج مذهبي ظاهر، باطنها يخفي أهدافاً متعددة، لا يحصرها الحفاظ على تركيبة الأنظمة والقوى الميليشاوية، بل تمتد إلى تأبيد وتأليه رموزها، ومصادرة حقوق العامة واحتلال الفضاء العام، وبسط هيمنات وأجندات، وسواها. وتمتد خيوطها من طهران مروراً ببغداد ودمشق، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، ثم رحنا نتساءل عن طبيعة المشروع الإيراني في المنطقة، وعما يريده نظام الملالي من سوريا. وأخذ التفكير ينحو باتجاه الحيثيات التي تجعل نظام إيران الإسلامي يخوض معركة مكلفة، دفاعاً عن رصيفه السوري، ومدى تأثيرها على شعوب المنطقة ودولها، وعلى مآل المشروع الإيراني نفسه.

ولعل إرهاصات معركة الدفاع عن النظام الأسدي التي يخوضها النظام الإيراني منذ بداية الثورة، كشفت عن مضمرات، ما كانت لتظهر، لولا إحساس بعض ساسة النظام الإيراني وآياته، بأن النظام الأسدي بات في حكم الماضي، ويعيش مرحلته الأخير، الأمر الذي أخرجهم عن طورهم الهادئ أو الناعم، وكشف ملامح مشروعهم القومي التوسعي، وبالتالي لم تكن زلّة لسان ما تحدث عنه مهدي طائب، واعتبر فيها أن سوريا بالنسبة إلى المشروع الإيراني هي المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثون، وأنها تكتسي أهمية أكبر من أهمية عربستان (الأهواز) بالنسبة إلى ملالي إيران.

ويبدو أنه كلما ضاق الخناق على النظام السوري، كلما فرطت أعصاب ساسة إيران الرسمية، وبشكل يفضح تورطهم واستخدامهم "الأزمة السورية" كورقة، إلى حدّ اقترح فيه عباس عراقجي، مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون دول آسيا والمحيط الهادي، إدراجها في محادثات النظام، الذي ينتمي إليه، مع مجموعة 5+1، وبما يجعلها ترتقي إلى مصاف قضية الملف النووي الإيراني، بوصفها قضية النظام الأولى، الأمر الذي يكشف طبيعة وتركيبة العقلية، المتحكمة في ساسة النظام الإيراني، ويشير إلى النهج الذي اتبعوه في معاداة الثورة السورية، مقابل الدعم الهائل للنظام السوري، قرين نظامهم في النهج والممارسة والتوجهات، وإلى حجم التورط والتورّم الذي أصابهم، كي يحافظوا على نسيج شبكتهم التي نسجوها في المشرق العربي، ورفعوا عليها يافطة "محور الممانعة"، التي كشفت زيفها وتهافتها الثورة السورية، بعد أن دخل النظام السوري وحلفائه في دائرة بركان ثائر، لن تهدأ حممه وحمولاته، إلا بإسقاط أصحاب الرؤوس الحامية، الذين يتصرفون وكأنهم قادة دول عظمى، في وقت لا تظهر عظمتهم الجوفاء، إلا على شعوبهم، في صورة إقصاء وقمع وخراب وقتل العزل.

كان الأجدى بالنظام الإيراني أن يحسب بدقة ارتدادات وإرهاصات معركة دفاعه عن حكام محافظته الخامسة والثلاثين، وأن يصرف مليارات الدولارات المهدورة، لتلبية احتياجات حياة الناس في المحافظات الإيرانية. واقتصاد إيران أولى بتلك الأموال، خصوصاً وأن عامة الإيرانيين ترزح تحت وطأة فساد و"سلْبطة" مافيات وممارسات نظام مارق، استمرأ مقارعة الكبار، كي يستكبر على شعبه، وعلى ثوار وناس المحافظة الخامسة والثلاثين، وراح يتفاخر ويتاجر بثقل العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، وهو يعرف أن الأنياب النووية التي يطمح إلى امتلاكها، لن ينالها إلا على حساب إفقار غالبية الإيرانيين، بعد أن أفقر حياتهم السياسية، وصادر مجالهم العام، لصالح إطلاقية وصلاحية ما يقرره الولي الفقيه، ولصالح تحكم غالبية الملالي بمقدرات وقدرات الشعوب الإيرانية.

غير أن الثمن الذي يدفعه النظام الإيراني، يصرف في الحقيقة على معركة دفاعه عن حكام المحافظة الملحقة بمجال نفوذه. وهي بالمناسبة ليست المحافظة الوحيدة الملحقة بإيران، حسب تصورات مهدي طاب ونظرائه، لعله لم يخطأ العدّ، حين لم يقل أن سوريا هي المحافظة الثانية والثلاثون، باعتبار ان عدد المحافظات الإيرانية هو 31، بل إن الكويت والبحرين وجزر الإمارات وجنوب العراق، وربما العراق برمته، وجنوب لبنان أو لبنان برمته، هي أيضاً تدخل في تعداد المحافظات الملحقة بإيران. وربما الأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ، لكن تعامل ساسة إيران مع الوضع في سوريا، وكأنه القضية الأهم بالنسبة إليهم في منطقة الشرق الأوسط، يدعو إلى النظر في آلية تفكير ساسة النظام الإيراني، وتلمس الأسباب والحيثيات التي جعلتهم، يرسلون جنرالات ومقاتلين إلى سوريا، ولعل مقتل الجنرال في "الحرس الثوري" حسن شاطري، والذي يحمل أسماء مزيفة ومهام مزيفة، إذ كيف يعقل أن يقتل في سوريا، وهو يترأس "الهيئة القانونية الإيرانية لإعادة إعمار لبنان"، إلا إذا كانت إعادة إعمار لبنان لا تكتمل إلا في القتال إلا جانب النظام السوري، الذي سجل سابقة تاريخية في صفقة مبادلة أسرى إيرانيين من الحرس الثوري، بأسرى سوريين معتقلين في أقبية أجهزته الأمنية.

ويذهب التفكير في أبعاد الدور الإقليمي لإيران إلى المشروع الإيراني الارتدادي، الذي يضرب عمقه في التاريخ، وتحكمه مرجعيات الثأر من عرب اليوم، لمعارك ومواجهات قديمة، لم يخضها عرب اليوم، ولا يسألون عنها، بالرغم من أنهم يشكلون الآخر المختلف معه مذهبياً وعرقياً حسب التصنيف الإيراني، مع العلم أن العرب الذين دخلوا إيران، في غابر الأزمان، دخلوها كمسلمين، وفاتحين، ولم يكنوا العداء للشعوب الإيرانية التي دخلت الإسلام من دون إكراه.

والناظر في عقلية المتشددين في إيران، يجد أنهم دعاة مشروع إيديولوجي، يتخذ تلاوين مختلفة في المنطقة، ويقف وراءه عقل سياسي، يزاوج ما بين الديني والقومي، أي ما بين العقيدة المؤولة مذهبياً، وفق فهم رجال دين متزمتين، وبين الطموح القومي الضارب في عمق الإيديولوجيا والتاريخ الغابر، الأمر الذي يجعل منه مشروعاً جامعاً ما بين السعي إلى الهيمنة والإلحاق وإلى التغيير، وهادفاً إلى تحقيقهما بمختلف الوسائل، المشروعة وغير المشروعة. ولا يقدم دعاته ومناصريه أية تنازلات، ولا يقبلون بالمساومات أو التسويات، حتى وإن تعلّق الأمر بالأسم فقط، حيث مازالوا يرفضون تسمية "الخليج الإسلامي"، التي اقترحت كحل وسط لتسمية الخليج العربي، ويصرون على تسميته "الخليج الفارسي"، بل ويتخذون إجراءات عقابية صارمة بهذا الخصوص.

والمفارق في الأمر هو أن الشعب الإيراني، لا تسكن غالبيته هواجس هذا المشروع، ولا يكنون العداء للشعب السوري أو لسواه من الشعوب العربية وغيرها، في حين أن الموقف الإيراني الرسمي حيال الأزمة في سوريا، اتسم بالانحياز الكامل للنظام السوري، منذ اندلاع شرارة الحراك الاحتجاجي الشعبي فيها، حيث تبنى الساسة الإيرانيون خطاباً داعماً للنظام في نهجه وسياساته الداخلية والخارجية، ونظروا إلى الثورة بوصفها نتاج "مؤامرة خارجية"، "صهيونية وأطلسية"، ثم زادوا عليها صفة "العثمانية"، وحصروا هدفها في النيل من مواقف النظام المعادية للمشاريع الأميركية والصهيونية، ولم يخفوا وقوفهم القوي إلى جانبه بكل إمكاناتهم الدبلوماسية والسياسية واللوجستية والعسكرية، بل دعموه بالرجال والمال والسلاح، وتبنوا وجهة نظره وطريقة تعامله مع الأوضاع الدامية والمتغوّلة في قتل المدنيين وتدمير البلاد. وراحوا يتحدثون عن كربلاء جديدة، بالتناغم مع أزلام النظام السوري، الذين تفتقت أذهانهم عن "كربلاء العصر"، بلغة مخاتلة ومخادعة، توظف كربلاء القديمة، لصالح من يتاجر بدم "الحسين"، وبتجيير أكثر الناس بعداً عن روح كربلاء وروح الدين.

ومنذ عقود عدة، يحاول ساسة النظام الإيراني تنفيذ معادلات، تنهض على قيام إيران بدور الدولة المحورية بأسنان نووية، كي تتزعم المشرق الإسلامي تحت يافطة ذرائعية، فحواها الصراع مع إسرائيل ومجابهة الولايات المتحدة الأميركية. وهي يافطة شعاراتية فارغة، لأن هذا النظام سارع على الدوام إلى مهادنة المشاريع الأميركية والاستفادة منها، بل وساعد الإدارات الأميركية، التي تعاقبت على البيت الأبيض، على تنفيذ مرادها في أفغانستان وفي العراق. في حين أن الصراع المزعوم مع إسرائيل اكتسى معانٍ لفظية، طنانة فقط، لأن الهدف من ورائه ضمان أمن النظام الإيراني وسلامة نخبته الحاكمة، إلى جانب سعيه إلى إيجاد مجال حيوي يضمن نفوذه الإقليمي القوي.

يبقى أن النظام الإيراني يعيش إخفاقات داخلية على مختلف الصعد، ولا يكل عن بحثه المحموم في تعويض تلك الإخفاقات، سوى التلويح بالبرنامج النووي، وبمدّ الأذرع التدخلية، ومحافظات جديدة، واللعب على وتر العصبية القومية، المسبوغة ببلوثة التفوق الآري، الممزوجة بوهم التفوق المذهبي وولاية الفقيه، وما ينتج عن ذلك من عنصرية قومية دينية مركبة، يبيعها النظام، بدلاً من أن يتلفت إلى حاجات ومشاكل غالبية الإيرانيين المسحوقين، والتصالح مع عالم اليوم على أسس المصالح المشتركة، واحترام حقوق الإنسان، والديموقرطية، وسائر قيم العصر.

=====================

النووي والثورة السورية والعلاقات العربية الإيرانية

تاريخ النشر: الأحد 03 مارس 2013

د. رضوان السيد

الاتحاد

فيما بين ألماآتا وبرلين وإيطاليا، حفل المشهد خلال الأيام الثلاثة الماضية باجتماعات دولية من أجل مسألتين: أزمة الملف النووي الإيراني مع المجتمع الدولي أو مجموعة 5+1. والأزمة السورية الناجمة عن ثورة الشعب السوري على نظامه طوال العامين الماضيين، وما ترتّب على ذلك من تهجير الملايين، وقتل حوالي مائة ألف من المواطنين السوريين بأسلحة نظام الأسد، واعتقال حوالي نصف المليون مواطن.

في ألماآتا بكازاخستان اجتمع الإيرانيون بعد طول تردد بلجنة 5+1 للتفاوض على مستقبل الملف النووي الإيراني الذي التهبت قضيتُه منذ عام 2004. وجرى نقله إلى مجلس الأمن الدولي. وصدرت بشأنه 4 قرارات دولية شدّدت العقوبات على طهران للتوقف عن تخصيب اليورانيوم. ومنذ ثلاث سنوات يصطنع الإسرائيليون ضجةً حول تهديد النووي الإيراني المحتمل لأمنهم، ولذلك يستحثون الولايات المتحدة على ضرب إيران عسكرياً أو يقومون بذلك بأنفُسهم لمنْع طهران من الوصول إلى القدرة على إنتاج السلاح النووي! والأميركيون - في أيام أوباما بالذات- لا يرغبون في اللجوء إلى العسكر، حتى لا يصيبهم ما أصابهم بأفغانستان والعراق: يحتلون البلدان أو يضربونها عسكرياً، ثم لا تنحلُّ المشكلة التي شنوا الحرب من أجلها. والأميركيون حريصون على إرضاء نتنياهو، لكنهم لا يغامرون بحرب قد تكون لها ردود أفعال وحروب في منطقة الشرق الأوسط. ثم إنها ستُغضب الروس- الشريك العائد إلى الاستقطاب الدولي - الذين تعاونوا معهم في إيران وكوريا الشمالية لهذه الناحية. ولذا فإنّ سياسات أوباما السلمية في النووي الإيراني صارت ميزةً له، كما صنعت مشكلة. الميزة في الحرص من جهة على التعاوُن الدولي، وعدم قطع كل الحبال مع إيران. والمشكلة ناجمة عن إدراك إيران أنّ أوباما لا يريد الحرب، ولذا لا حاجة للتسرُّع في تلبية مطالبه. وقد جرّبت إيران التعاون مع أوباما فاستفادت كثيراً؛ إذ إنّ الأميركيين عندما انسحبوا من العراق سلَّموه لإيران، وأضافوا لذلك مُحاسنة الأسد، والسماح لنصر الله بالاستيلاء على حكومة لبنان، في مقابل عدم التحرش بإسرائيل! وعلى أي حال فإنّ الطرفين (الدولي والإيراني) اجتمعا أخيراً، وعرض الغربيون والروس على إيران تخفيض التخصيب إلى ما دون العشرين، في مقابل التفكيك التدريجي للعقوبات والحصار، ومساعدتها تقنياً وعلمياً. وقال الإيرانيون إنهم سيعرضون عرضاً جديداً تماماً، لكنهم اشترطوا علناً للنظر في الاقتراح الدولي، تفكيك الحظْر والحصار فوراً. لقد التقت الأطراف على مدى يومين لأكثر من عشر ساعات. وما عُرف الكثير عن مجريات اللقاء حتى الآن، لكنّ الإيرانيين خرجوا مستبشرين، وكذلك خرج الغربيون. وعرض كيري على إيران لقاءً ثنائياً. وقبل الغربيون الاجتماع مرةً أُخرى في كازاخستان، ومرةً ثالثة (ربما في اسطنبول) بعد شهر ونصف الشهر من أجل الحديث في «الملف السياسي». وقال الغربيون إنّ الطرفين ما توصلوا لاتفاق، لكنّ الأجواء واعدة، وسيتحققون من إيجابيات الإيرانيين في المرة القادمة. ووحده نتنياهو أظهر انزعاجه من «عدم الحسم»، كما أظهر تشاؤمه بأن تنتهي الأمور على خير مع إيران!

إنّ الذي لفت انتباهي، قول المجتمعين إنّ المرة بعد القادمة ستكون اجتماعاً من أجل الملفّ السياسي. وهذا يعني تفاوضاً على دور إيران في الإقليم. وكانت إيران قد طالبت قبل أسبوعين بإدخال موضوع البحرين وسوريا ضمن التفاوُض على النووي(!)، ورفض الغربيون ذلك. وتعني إيران بذلك أنّ لديها مصلحة بالخليج، ومحوراً بالمشرق العربي، صارا جزءاً من أمنها الاستراتيجي! ولذا، فإذا كان عليها أن «تتنازل» في النووي لطمأنة الغربيين وإسرائيل؛ فلا أقلّ من أن تُراعى مصالحها واهتماماتها في المسائل الأُخرى!

وللمعارضة السورية قصة تُكملُ ما بدأنا به. فقد كان معاذ الخطيب رئيس الائتلاف قد استجاب على طريقته لكلام الأسد بشأن الحوار. ورحّب الغربيون والروس بذلك، دونما نتيجة ظاهرة. وفي حين اختلف المعارضون بشأن مبادرة الخطيب، أقبل الأسد الحوار العظيم على قصف حلب بصواريخ «سكود»، مما دفع المعارضين السوريين إلى التوقف عن الحوار مع واشنطن وموسكو، والتهديد بعدم حضور مؤتمر أصدقاء سوريا بروما. لكنّ وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري، اتصل بالخطيب راجياً الحضور، وواعداً بأشياء جديدة تجاه المعارضة. وكانت التقارير الغربية قد تحدثت عن دخول أسلحة جديدة إلى الثوار بالفعل، ولجهتي الأردن وتركيا. وعلى أي حال فإنّ المعارضة السورية عادت فقررت حضور مؤتمر روما. كما أنّ كيري اجتمع بلافروف في برلين قبل أن يذهب إلى إيطاليا، للتشاور مع رفاقه الأوروبيين، وللتشاور مع الخطيب. ولا يزال الحديث عن الحلّ السياسي عن طريق وثيقة جنيف كثيفاً. لكنّ الروس وضعوا حتى الآن العُقْدة في المنشار لإصرارهم على أن يكون الأسد في الحلّ، بينما يصرُّ المعارضون على غياب الأسد عن المشهد. وقد ذكرت الأنباء أن كيري ولافروف تحدثا عن وثيقة جنيف، فهل حصل تقدم بحيث يوافق مجلس الأمن على قرار تحت الفصل السابع، بشأن الحلّ السياسي في سوريا؟! لن يكون شيء من ذلك واضحاً إلاّ بعد لقاء كيري بالمعارضة، وربما ذهاب المعارضة إلى موسكو. وقد قال وليد المعلم في موسكو إنّ سوريا توافق على التفاوُض حتى مع المسلَّحين، وهو الأمر الذي كانت ترفضه من قبل. فهل صار وَضْعُ الأسد حرِجاً بحيث يقبلُ التفاوُض مع الجميع؟ أم أنّ الأسد يريد مرةً أُخرى كسْب الوقت؟ إنّ ذهاب وليد المعلّم (وليس المقداد بمفرده) إلى موسكو، ربما دلَّ على أنّ هناك شيئاً حقيقياً في الأقوال المتداوَلة عن تزحزُح موقف روسيا: فهل ذهب المعلّم للاطمئنان؟ أم أنه ذهب للإشعار بأنّ الأسد يقبل التفاوض بالفعل؟

ولنعد إلى الجهة الغربية: ظلَّ الأميركيون شهوراً طويلةً يزعمون أنهم لا يستطيعون أكثر من تقديم المساعدات الإنسانية، لأنهم يخشون من وقوع السلاح الثقيل في أيدي المتطرفين الإرهابيين مثل جبهة النُصرة. وسرّب الأميركيون كلاماً بشأن إجماع مستشاري أوباما على ضرورة التدخل بطريقة ما لإزالة الأسد، وأنّ الرئيس هو الذي رفض ذلك! لكنّ كيري الوزير الجديد، تحدث مع الروس، وتحدث مع المعارضين؛ ولذا قد نعرف عن قريب أي الحلين سيتقدم أسرع: العسكري أم السياسي؟ فالمعارضون لا يطلبون تدخلاً عسكرياً أميركياً أو أطلسياً. بل يطلبون حماية جوية، أو سلاحاً ثقيلاً ضد المدرعات والطائرات. ويبدو الجميع الآن في حالة من المرارة ونفاد الصبر بسبب ارتفاع أعداد الضحايا، وكثرة القتلى من الأطفال، واستمرار تدفق اللاجئين على تركيا والأردن ولبنان. ولذا فالتقدير الآن أنه إمّا أن يتقدم الحلُّ السياسي بقرار في مجلس الأمن أو يسقط النظام عسكرياً عن طريق دعم المعارضين و«الجيش الحر» بالسلاح.

ويبقى عاملٌ مهمٌّ لا يمكن إغفالُه. فالكلّ يسأل عن مصالح روسيا في الإقليم، وكيف يمكن إرضاؤها! بيد أنّ أحداً لا يسأل عن «مصالح» إيران، التي تقاتل في سوريا إلى جانب الأسد بجيشها وعسكريي «حزب الله»، وعسكر المالكي. فهل تتناول المفاوضات مع إيران المسألة السورية أيضاً؟ كان الرئيس المصري قد أخطأ عندما أدخل إيران في الرباعية (التي صارت ثلاثيةً بغياب السعودية!) التي رجا أن تُسهم في حلّ الأزمة السورية: وإيران جزء من المشكلة، ولذا لا يمكن أن تكون جزءاً من الحلّ. لكن إذا جرى الحديث في المسألة مع إيران، فليس لضمان مناطق نفوذها، بل للإيضاح أنه لا علاقات سليمة مع العرب إلاّ إذا توقفت عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المشرق العربي والخليج. إنّ على إيران أن تخرج من سوريا ولبنان والبحرين واليمن والجزر الإماراتية، وأن تقيم علاقات صحية مع جوارها العراقي. وليس من المشروع، ولا من المقبول أو المعقول أن يهددنا المالكي و«نصر الله» بالحروب الأهلية إذا سقط النظام السوري!

=====================

هل من حل سياسي في سوريا؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

3-3-2013

يتردد في كل العواصم المعنية والمهتمة بالأزمة السورية كلام وتأكيدات عن ضرورة الحل السياسي للأزمة، ليكون بديلا عن حل عسكري يتفاعل على الأرض مع احتمالات تصاعده إلى حد استكمال تدمير سوريا كيانا وشعبا وإمكانيات، وهذه إحدى الضرورات الدافعة إلى حل سياسي، هدفه الخروج بأقل الخسائر من الأزمة، والسعي لاستعادة الحياة السورية إلى طبيعتها، مع إجراء تغييرات ديمقراطية جوهرية في النظام السياسي/ الاجتماعي، وفي مجمل الحياة السورية.

إن ضرورات الحل السياسي بالنسبة لسوريا والسوريين وللعالم كثيرة، وقد لا تكون على دواعيها خلافات كبيرة إلا في بعض النقاط. وقد كانت الفكرة في العامين الماضيين موضع اهتمام في المستويات المحلية والإقليمية الدولية، حيث تكررت مبادرات الحل من جانب سوريين في الداخل والخارج، ثم من دول قريبة وبعيدة، إلى جانب مبادرات الجامعة العربية والأمم المتحدة، لكنها جميعا اصطدمت بموقف النظام بصورة أساسية، واختلفت في أحيان مع مواقف بعض قوى المعارضة السورية، سواء القوى السياسية أو المسلحة.

إن العائق الرئيسي في موضوع الحل السياسي السوري، يكمن بصورة أساسية في موقف النظام الذي تبدو موافقته وخطواته التمهيدية للحل ضرورية، وخاصة في نقطتين؛ الأولى وقف العمليات العسكرية، والثانية إطلاق المعتقلين، مما سيؤثر بصورة إيجابية على السوريين عموما، ويساعد في قبول المعارضة الانخراط في عملية سياسية جدية وحقيقية، تبدأ في معالجة تداعيات الأزمة وآثارها، مثل اللاجئين والنازحين والإغاثة، وصولا إلى مسبباتها التي تؤدي إلى تغيير النظام وإقامة نظام جديد، يمثل طموحات السوريين في الحرية والكرامة والديمقراطية.

ولا شك أن جلب النظام إلى موافقة جدية للقبول بحل سياسي، يمر عبر تغييرات عميقة في أمرين اثنين؛ أولهما تغيير في المعطيات الداخلية، بحيث يتغير الواقع السياسي أو العسكري أو كلاهما على الأرض. والتغيير السياسي المطلوب في هذا الاتجاه إدخال فئات سورية جديدة في خط المعارضة، وخاصة الفئات «الصامتة» أو «المحايدة»، أو ما يسميه البعض بـ«الأقليات»، مما سيزعزع ما تبقى من قاعدة اجتماعية للنظام. أما في موضوع تغيير الواقع العسكري، فإنه يمكن أن يتم عبر واحد من مسارين؛ أولهما انشقاقات كبيرة في مستوى المؤسسة العسكرية - الأمنية، التي ما زالت تمثل حاضنة صلبة للنظام وقوة للدفاع عنه. والثاني حصول تقدم كبير لقوات المعارضة المسلحة على الأرض، تدفع إلى انكفاء قوات النظام، ومن شأن التغييرات السياسية والعسكرية في الداخل أو بعضها، أن تشكل قوة دافعة للنظام أو بعض منه للذهاب نحو الانخراط في حل سياسي.

أما الشق الآخر في عوامل جلب النظام إلى حل سياسي للأزمة، فهو عامل خارجي. يتناول في جانبه الأول موقف القوى الداعمة، وأبرزها روسيا وإيران، التي لا شك أن تخفيف أو إيقاف مساعداتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية للنظام، أو ربطها بضرورة التوجه إلى حل سياسي، سيلعب دورا مهما، يوازي في أهميته عاملا خارجيا آخر، تمثله الضغوط السياسية والاقتصادية التي يمكن أن يمارسها المجتمع الدولي بدوله وهيئاته لدفع النظام لتوجه جدي نحو حل سياسي للأزمة.

وأيا كانت الأسباب الداخلية أو الخارجية (كلها أو بعض منها) التي ستجلب النظام إلى حل سياسي، فإنها سوف تحتاج إلى حاضنة تطور وتدعم هذا المسار، والأساس في الحاضنة هي الدول التي دخلت، وأثرت في الأزمة السورية في العامين الماضيين، أو الأساسية منها على الأقل، وهو أمر يمكن أن تتعزز قيمته وتأثيره، عبر جعل الدعم الدولي يمر من خلال قرار في مجلس الأمن الدولي، وهذا سيعطي الدعم مشروعية قوية، كما يعطي الجهد في هذا المجال أهمية كبيرة، خاصة في ضوء الفشل الدولي المتكرر عبر العامين الماضيين بالوصول إلى توافق دولي في المجلس.

لقد راكم السوريون وغيرهم من الأطراف العربية والدولية، الدول والمؤسسات، كثير من المعلومات والمعطيات والأفكار والتحليلات حول طبيعة الأزمة في سوريا، والآفاق الممكنة لحلها في مسارات سياسية وعسكرية، كما في مسارات تخلط بين السياسة والعسكرة، وثمة كثير من الموجبات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، التي تدفع لأخذ الأزمة السورية إلى معالجة جدية وفعالة تضع حدا لما يصيب السوريين من جرائم ودمار يمكن أن تمتد إلى المحيط، وكل ما هو مطلوب اليوم، هو أن تتوفر إرادة سياسية للذهاب في هذا الاتجاه، وما لم تتوفر مثل هذه الإرادة، فإن كل الكلام الذي يقال، والتصريحات التي يطلقها المسؤولون في أي موقع كانوا، والخطوات التي تتم أينما كانت، لا معنى لها ولا قيمة.

=====================

ويسألونك عن الحقائق: وقائع تورط "حزب الله" في الدم السوري

فادي شامية

المستقبل - الأحد 3 آذار 2013

العدد 4620 - شؤون لبنانية - صفحة 4

يحار المرء عندما يسمع الخطابات المنمقة للسيد حسن نصر الله، وقد ضمّنها عظاتٍ دينية، وتذكيراً بالآخرة، وهي تطفح بالاستكبار والتهديد والإساءة! يعجب كيف يحرّف الحقائق وينتقي الوقائع ليرسم الصورة التي يريد؛ ثم يسأل عن الوقائع في معرض الافتراءات. في خطابه الأخير فقرات كثيرة تستدعي فعلاً التذكير بالوقائع، وتبيان الافتراءات؛ لكن ضيق المقام يحصر المعالجة بشق واحد هو الشق السوري، باعتبار أن كثيراً من الوقائع المتعلقة به غير معلومة بالمقدار المطلوب (على أن يعالج الشق اللبناني بمقالة ثانية).

ما أراد السيد نصر الله قوله -في الشق السوري- أنه وحزبه والشيعة ضحايا عصابات إرهابية في منطقة الهرمل- القصير، وأن الدولة تركت هؤلاء لمصيرهم فحملوا السلاح دفاعاً عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وما عدا ذلك افتراءات، فـ "لا سيطرة على أي قرية سنية، أو يسكنها أهل سنة، في تلك المنطقة على الإطلاق، والذي حصل هو العكس. المعارضة المسلحة هي التي قامت في الأشهر القليلة الماضية بالسيطرة على قرى يسكنها لبنانيون شيعة وقامت بتهجيرهم وحرق بعضهم".

أضاف نصر الله: "أهم ما نحتاجه لنأخذ موقفاً صحيحاً هو الاطلاع على الوقائع. عندما تأتي حضرتك وتقول لي هناك مخطط، هناك مشروع؛ آتني بدليلك، آتني بمعطى، معطى حسي، معلومة، سند، أي شيء". ومع أن نصر الله نفسه لم يأت بأي دليل على ما نفاه (باعتبار أن البينة على من ادعى وفق خطابه إياه) ولا على ما ادعاه؛ إلا أن الوقائع التي طالب بالبناء عليها تشير إلى عكس ما قال تماماً.

أولاً: في معرض نفيه السيطرة على أي قرية سنية؛ أكد نصر الله أن حزبه يسيطر على القرى الشيعية في ريف القصير، وهذا بحد ذاته إقرار بالتدخل في الشأن السوري، لأن القرى ذات الغالبية الشيعية هناك تخضع للسيادة السورية من جهة، وتضم عائلات لبنانية وسورية من جهة أخرى؛ وهذه القرى هي: الجنطلية- الفاضلية- حاويك- بلوزة ( سكان هذه القرى الأربعة شيعة سوريون ولبنانيون)- الديابية (سكانها شيعة سوريون بالكامل)، إضافة إلى القرى التي تضم لبنانيين فقط: الصفصافة-الحمام-مطربا-زيتا-كوكران-وادي حنا. في هذه القرى سلّح الحزب الأهالي من لبنانيين وسوريين، وفرض سيطرته الكاملة، ولما كانت تلك القرى تضم لبنانيين أو سوريين سنة، فقد فرض عليهم الحزب هجرة قسرية؛ تحت طائلة الاعتداء على الأنفس والأعراض. وبالوقائع يسري هذا الوضع على قرية الصفصافة (500 نسمة من السنة والشيعة اللبنانيين؛ تهجر أهلها السنة منها) وبلوزة (قرب الحدود وسكانها لبنانيون وسوريون سنة وشيعة) وحاويك (2000 نسمة سكانها لبنانيون وسوريون سنة وشيعة).

ثانياً: لم يكتف الحزب بالقرى الشيعية أو المختلطة -في المذهب أو الجنسية- التي احتلها؛ وإنما مد سيطرته إلى القرى السورية المجاورة. وبالوقائع يسيطر الحزب بالرجال أو النيران على القرى الآتية: المصرية- السوادية (سكانهما سنة سوريون)- البجاجية (قرب قاعدته في زيتا وسكانها سنة سوريون)- السمكانية (سكانها سنة سوريون هجّرهم الحزب بالكامل)- السماقيات (سكانها سنة سوريون طلب الحزب منهم حمل السلاح معه أو المغادرة)- أكوم (هجّر الحزب أهلها ونهب الممتلكات). ويحاول الحزب من خلال معارك ريف القصير احتلال المزيد من القرى السورية (أهلها سنة بالكامل) وهي: أبو حوري- البرهانية- النهرية- سقرجة- الأذنية- الخالدية.

ثالثاً: يستخدم الحزب الأراضي اللبنانية في الحرب الدائرة على طول الحدود مع القصير؛ مرابض مدفعية نشطة في جرود الهرمل تقصف الداخل السوري- معسكرات تدريب للسوريين واللبنانيين في الهرمل وبعلبك لإعدادهم للقتال في سوريا - معسكر اعتقال في بلدة القصر المقابلة للقصير... وهذه الوقائع تعني أن المسألة أكبر بكثير من لبنانيين يدافعون عن أنفسهم في قرى داخل سوريا.

رابعاً: إذا كان صحيحاً أن الذي يقاتل في القصير لبنانيون شيعة من أهل المنطقة؛ فما بال شهداء "الواجب الجهادي" يشيَّعون في بعلبك والجنوب والضاحية الجنوبية؟ في الوقائع؛ أن الحزب شيّع كثيرين؛ وممن اعترف بهم رسمياً: علي حسين ناصيف المعروف بأبي العباس (30/9/2012)، وحسين عبد الغني النمر (7/10/2012)، وحيدر محمود زين الدين (1/11/2012)، وباسل حمادة (10/11/2012)، وربيع فارس (1/2/2013)، وحسين محمد نذر (2/2/2013)... وجميع هؤلاء ووروا الثرى في مقابر في البقاع أو بيروت أو الجنوب، علماً أن قتلى آخرين للحزب شيّعهم بعيداً عن الإعلام، بما في ذلك قتلى المعارك الأخيرة في ريف القصير، الذين اعترف مصدر بالحزب بسقوطهم.

خامساً: حصر السيد نصر الله تورط حزبه بمنطقة القصير؛ لكن الوقائع والشهادات المتزاحمة تؤكد تورطه فيما هو أبعد من ذلك بكثير؛ ففي منطقة السيّدة زينب في ريف دمشق يقاتل الحزب بشراسة تحت عنوان: "الدفاع عن مقام السيدة زينب"، ويمتد نشاطه إلى أحياء أخرى في دمشق؛ الحجر الأسود، وأبو رمانة، والمزة. ويقاتل الحزب أيضاً في مدينة الزبداني، وفي بصرى الشام، وقرب مطار دمشق، وفي نقاط قريبة من الغوطة الشرقية وفي منطقة القلمون السورية، ومناطق أخرى تصل إلى حلب، وفي هذه المناطق جميعها بث الثوار أفلاماً تؤكد ذلك (أشار نصر الله في خطابه إلى أفلام "يوتيوب" فيها نداءات طائفية في منطقة القصير متخذاً منها دليلاً على وجود جماعات إرهابية). كما أن الإعلام الحربي التابع للواء أبي الفضل العباس (يضم مقاتلين شيعة لبنانيين وعراقيين وإيرانيين) بث مؤخراً مشاهد لقتال هذا اللواء للدفاع عن مقام السيدة زينب؛ تظهر –بفخر- عناصر للحزب المذكور يقاتلون في سوريا.

سادساً: في الوقائع أيضاً؛ أن تورط الحزب في الدم السوري لم يبدأ قبل عدة أشهر، ولم ينحصر بـ "الدفاع" عن قرى حدودية يسكنها لبنانيون شيعة كما يزعم نصر الله؛ إذ لا يستقيم عقلاً أن تتحول غالبية الشعب السوري من محبة السيد حسن إلى بغضه وحرق صوره منذ الأسابيع الأولى للثورة بلا سبب. ثمة شهادات هائلة على تورط الحزب في دعم النظام بالرجال حتى في الأشهر الأولى، يوم كانت الثورة سلمية بالكامل، وعلى سبيل المثال لا الحصر: بيان "ائتلاف شباب الثورة في سورية" في 20/3/2011، وبيان طلاب جامعة دمشق في شهر نيسان 2011، وشهادة الجندي المنشق والفار إلى تركيا أحمد خلف في 12/6/2011، (شهادته موثقة، لصالح منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة)، وشهادة المقدم السوري المنشق حسين هرموش في 14/6/2011 (القائد الأول لـ "الجيش الحر")، وشهادة الجندي في الحرس الجمهوري المنشق وليد القشعمي في 21/7/2011، وشهادة محامي حماة العام عدنان البكور في 29/9/2011، وشهادة شيخ الثورة السورية الضرير أحمد صياصنة في 16/3/2012، وشهادة العقيد أبو ياسين في1/4/2012، وغيرها كثير من الشهادات التي تؤكد تورط الحزب المذكور في الدم السوري منذ بدايات الثورة.

سابعاً: مع أن خطابه كان غارقاً في المذهبية – "لأنه لا يوجد الآن أناس لا يتكلمون إلا بهذه اللغة" كما قال- إلا أن ذلك لم يمنع السيد نصر الله من التأكيد أن "النزاع في سوريا ليس نزاعاً سنياً شيعياً" وهذا صحيح، باعتبار أن الحاصل في سوريا ثورة شعب عظيمة، دون أن يعني ذلك عدم وجود نزعات طائفية داخل الثورة؛ أشار إليها السيد نصر الله في الخطاب إياه، لكن من الذي يغذي النزعة الطائفية في الصراع الدائر في سوريا؟ أليست إيران التي تضع ثقلها إلى جانب النظام المجرم (صرّح الشيخ مهدي طائب، القريب من المرشد خامنئي: أننا لو خسرنا سوريا لا يمكن أن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا إقليم الأهواز فسنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا التي هي المحافظة الإيرانية رقم 35، وهي تعد محافظة إستراتيجية بالنسبة لنا... لهذا اقترحت الحكومة الإيرانية تكوين قوات تعبئة لحرب المدن قوامها 60 ألف عنصر من القوات المقاتلة لتستلم مهمة حرب الشوارع من الجيش السوري)؟ أليست دعاية "حزب الله" في أوساطه أن "الدور جايي علينا إذا سقط نظام بشار"؟ أليس حثهم الشباب على الدفاع عن مقام السيدة زينب "كي لا تسبى مرتين"؟ أليست دعاوى مواجهة السفياني –الذي هو "حتم من الله"... "سيخرج من الشام".. و"يملكها"-؟! من الذي يبث هذه الأفكار في الشارع الشيعي أليس "حزب الله"؟

أخيراً يسأل السيد نصر الله من منطلق الضحية: "ماذا فعلت الدولة لثلاثين ألف لبناني موجودين هناك (في القصير)، وليس كلهم شيعة بل من مختلف الطوائف، ماذا فعلت لهم؟، وماذا سعت لهم؟" في حين أن الحكومة وأكثر الأجهزة الرسمية تخضع لقرارات الحزب وسياسته؛ إما بحكم القانون انطلاقاً من تابعيتها للحكومة الخاضعة للحزب، وإما بحكم نفوذ "حزب الله" الواضح في غير جهاز رسمي؛ فهل يسأل حزب الله نفسه، أم أنه محترف في قلب الأدوار؟! وفي مطلق الأحوال؛ إذا لم تفعل الحكومة شيئاً للبنانيين في سوريا، فهل يجيز ذلك للحزب أن يدخل الحرب في هناك نيابة عن الدولة وعن اللبنانيين؟ من أوكله هذه المهمة؟ ومتى طالب أصلاً الحكومة –الذي هي تحت سيطرته- ليسمع ردها؟

إنها الأسئلة الواجبة في معرض الوقائع التي طلب السيد نصر الله البناء عليها!

=====================

صيف إيراني حار!

فايز سارة *

السبت ٢ مارس ٢٠١٣

الحياة

هل تستعد إيران لصيف حار قادم، أم إنها ستواجه ما يحمله لها من تحديات على الطريقة التقليدية والسائدة في سياسة طهران منذ وصول محمود احمدي نجاد الى سدة السلطة قبل نحو ثماني سنوات، وهي الطريقة الاقرب الى السياسة الشعبوية الديماغوجية؟ مثل هذا السؤال يشغل بال كثيرين من متابعي الشأن الايراني والمهتمين بأوضاع ايران ودورها في المنطقة، كما انه يشغل بصورة بديهية الايرانيين من مختلف الاتجاهات بعد ان وضعتهم سياسة نجاد امام حائط مسدود، وقد وجدت في معظم الاوقات تأييداً ومباركة من جانب علي خامنئي مرشد الثورة الايرانية.

ان تحديات الصيف الايراني المقبل كثيرة ومتعددة، لكن ابرزها في الداخل الانتخابات الرئاسية، والتي ستكون محور نزاع بين ثلاثة اتجاهات متصادمة، اولها تيار محافظ كبير لكنه منقسم على نفسه، والثاني تيار اصلاحي ضعيف وتحت القبضة البوليسية للتيار المحافظ، والثالث تيار وسطي يطرح نفسه بديلاً لما يراه في التيارين الآخرين من عجز في القدرة على ادارة شؤون ايران واخراجها مما آل اليه وضعها من صعوبات نتيجة عجز السياسات التي جرى تطبيقها في العقدين الماضيين، تبادل فيهما الاصلاحيون والمحافظون السلطة من محمد خاتمي الى احمدي نجاد.

وعلى رغم اهمية التفاصيل المحيطة بالانتخابات، التي يجري الاشتغال عليها من جانب الأطراف المختلفة وتأثيرها على احتمالات الصيف المقبل، فان ثمة معطيات اخرى في واقع ايران على الصعيدين الداخلي والخارجي، ستلعب دورها في صيف ايران المقبل، ولعل الاهم في المعطيات الداخلية هو تصاعد الصراعات السياسية في البلاد، وهي صراعات لا تقتصر على تناقضات النظام مع معارضيه ومنهم «جبهة المشاركة الإسلامية» و «منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية»، أبرز حزبين إصلاحيين في البلاد، بل تمتد داخل النظام وتركبيته على نحو ما تبدو مواقف رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران هاشمي رفسنجاني الرئيس الايراني الاسبق وآخرين غيره بينهم سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي، وهو قائد سابق للحرس الثوري، كما انه احد تعبيرات التيار الثالث بعيداً عن المحافظين والاصلاحيين.

وللوضع الاقتصادي في تردياته وتدهوره تأثيره القوي على الصيف المقبل. وخلافاً لما يفترض ان يكون عليه حال بلد يملك ثروة نفطية وعائدات ضخمة، فان ايران تعاني من صعوبات اقتصادية جدية ناتجة من الخيارات والسياسات التي يتبناها النظام وحكومة نجاد، والتي تستهلك الجزء الاكبر من عائدات ايران ومواردها في ثلاثة خطوط ذات استهلاكية عالية للمال، اولها المشروع النووي، والثاني رفع وتعزيز القدرات العسكرية، والثالث مساعدات تقدم الى حلفاء النظام ومنهم سورية والى ادواته من جماعات عسكرية وامنية وسياسية، لا تعد في الخارج، وقد زاد على ما تقدم تعرض ايران الى عقوبات دولية خسرت نتيجتها نصف عائداتها بسبب تلك السياسية، لا سيما مشروعها النووي مما خلق زيادة في المشاكل والصعوبات الاقتصادية، كان من نتائجها نقص في موجودات النقد الاجنبي وانخفاض شديد في قيمة العملة الايرانية، حيث وصلت في وقت سابق من العام الى اقل من نصف قيمتها خلال شهر واحد، وهذا بين مؤشرات تردي الاوضاع الاجتماعية والمعاشية، والتي تبدو مؤشراتها الأوضح في تزايد البطالة والفقر الذي يؤشر لحالته قول نجاد مؤخراً أن ثلاثمئة إيراني يهيمنون على ستين في المئة من ثروات البلاد، فيما يعيش عشرا ملايين الايرانيين على اربعين في المئة.

وباستثاء ما ستفرزه تطورات المعطيات الداخلية وتداعياتها السلبية، فإن للمعطيات الخارجية أثر مهم على صيف ايران المقبل. ذلك ان استمرار سياسة التحدي والعنجهية والتدخلات في المستويين الاقليمي والدولي ستعزز التحالف ضد ايران وسياساتها، التي وان استفادت في تمرير الوقت من اختلافات تكتيكية في الحلف الدولي – الاقليمي المناهض لها، فإن الاختلافات لن تستمر، فيما عنجهية طهران تتزايد حيال الدول المحيطة عبر تدخلات فجة في سورية والعراق ولبنان، وتهديدات متواصلة لبلدان الخليج وضغوطات على تركيا بالتزامن مع استعراضات للقوة العسكرية الايرانية في منطقة الخليج، والتي شهدت في الفترة الاخيرة عدداً من اهم المناورات العسكرية. وهو ما يترافق مع تحرك ادوات ايران في المنطقة، وارسالها تهديدات ضد بلدان وشعوب المنطقة على نحو ما تظهره التهديدات التي اطلقها «حزب الله» في العراق لكل البلدان المجاورة للعراق وبينها السعودية والكويت.

ان تدخلات ايران في العراق وسورية والدعم الذي تقدمه للنظام في دمشق يمثل احد ابرز تحديات ايران الاقليمية، حيث بات حضور ايران وموقفها يصطدم بالارادة الشعبية في البلدين، ويهدد نفوذ ايران ووجودها بصورة حاسمة في سورية، وبصورة جزئية على الأقل في العراق وسط تصاعد الاعتراض الشعبي العربي لسياسة طهران الاستفزازية عبر القوة من جهة ومن خلال تسعير الصراعات المذهبية من جهة ثانية. صيف ايران المقبل لن يكون حاراً بفعل الاوضاع الداخلية واحتمالاتها فقط، بل نتيجة عوامل ومعطيات خارجية، يمكن ان تتداخل فيها الضغوطات السياسية والاقتصادية، وقد تكون في سياقها ضغوط عسكرية تطاول ايران بصورة مباشرة، وتمتد الى حلفائها، وتضرب بعض ادواتها في المنطقة وربما في خارجها ايضاً، وهو وضع يجعل نظام ايران على حافة الهاوية، ان لم يسقط في عمقها!

=====================

عن النبيذ والفودكا... والدم!

راجح الخوري

2013-03-02

النهار

بين روما وموسكو كانت الصورة اول من امس متناقضة جداً. في الاولى شهدنا ما يمكن اعتباره بداية تحول دولي هدفه كما قال جون كيري "العمل لدفع الاسد الى تغيير موقفه"، اما في الثانية فقد شهدنا ما يمكن اعتباره نوعاً من الرقص السمج على قبور السوريين!

حقق مؤتمر "اصدقاء سوريا" في العاصمة الايطالية بعض التقدم في مستوى الإلتزام الدولي حيال الازمة السورية، فكان كما وصفه الامير سعود الفيصل، جيداً وصريحاً وفيه وضوح وشفافية بعدما ركز على تقديم الامكانات للشعب السوري ليدافع عن نفسه، وخصوصاً انه "لم يعد من المقبول السكوت عن قصف الابرياء بصواريخ "سكود" وان الجميع اتفقوا على اهمية وضرورة تغيير الموقف لتحرير السوريين من الظلم الذي يعيشون فيه".

في موسكو تعمّد فلاديمير بوتين خلال لقائه مع فرنسوا هولاند، الغمز من قناة اجتماع روما الذي لم تحضره موسكو، عندما قال مازحاً: "يبدو لي ان من المستحيل البحث عن حل للأزمة السورية من خلال زجاجة نبيذ جيد فقط، انها تحتاج الى زجاجة فودكا... يجب التفكير في ذلك"، بمعنى ان روسيا ستستمر في قطع الطريق على رؤية "أصدقاء سوريا" لحل الازمة وهو ما جعل هولاند يرد قائلاً: "بل يمكن بحثها مع زجاجة بورتو"!

لست ادري لماذا استحضر بوتين النبيذ والفودكا الى مائدة الموت والاشلاء والمآسي، التي تتوزع فيها كؤوس دماء السوريين منذ عامين، فالحديث على رغم رمزيته السياسية بدا فعلاً نوعاً من الرقص السمج على القبور، لكن الترجمة العملية لهذا الكلام يمكن فهمها من خلال الرد الروسي الفوري على بيان روما الذي وعد بمزيد من الدعم السياسي والمادي الى "الإئتلاف الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري بهدف التأكيد على ضرورة تغيير موازين القوى على الارض"، وذلك عندما تعمّد مستشار الامن القومي الروسي نيقولاي باتروشيف التأكيد ان روسيا ستبقى ملتزمة تنفيذ صفقات الاسلحة المعقودة مع سوريا!

وعندما يصرخ معاذ الخطيب، اذا كنتم لا تريدون تسليح المعارضة باسلحة نوعية اوقفوا على الاقل امداد النظام بهذه الاسلحة التي تأتيه تحت عنوان "عقود قديمة"، ويكون الجواب الروسي ان تنفيذ العقود سيستمر، ليس من الواضح ماذا سيفعل المجتمعون في روما كي "يغيّروا موازين القوى على الارض عبر تمكين الشعب السوري ودعم القيادة العسكرية للجيش السوري الحر في جهودها الرامية الى مساعدة السوريين في الدفاع عن انفسهم "!

اما عندما يهاجم جون كيري ايران و"حزب الله" قائلاً: "لا يمكننا المراهنة على ترك سوريا تدمر من قبل مستبدين فاسدين او تخطف من قبل متشددين" فان هذا الكلام يحتاج الى ترجمة ميدانية اكثر وضوحاً... مفهوم؟!

=====================

وجبات كيري وفودكا بوتين

سميح صعب

2013-03-02

النهار

تبدو التقديمات الجديدة التي اعلن عنها وزير الخارجية الاميركي جون كيري في مؤتمر "اصدقاء الشعب السوري" في روما قبل يومين متواضعة من حيث الشكل، وجبات طعام ومعدات غير "قاتلة" لا تصل الى مستوى الاسلحة الهجومية المتعارف عليها او تحقق مطالب فصائل المعارضة السورية التي تريد أسلحة تحقق بها تفوقاً على اسلحة الجيش السوري من اجل حسم المعركة سريعاً.

لكن اعلان كيري حمل ما هو اهم بكثير من نوعية المساعدة التي ستقدمها اميركا الى مقاتلي المعارضة السورية. وتكمن الاهمية في ان هذه المرة الاولى تقول اميركا انها ستقدم المساعدات المتواضعة في نظر البعض مباشرة الى عناصر منتقاة في "الجيش السوري الحر" وقت تراهن ادارة الرئيس باراك اوباما على ان هذه العناصر المنتقاة هي التي ستقع على عاتقها مهمتان اساسيتان هما مقاتلة حكومة الرئيس بشار الاسد الى حين اسقاطها والثانية التصدي للتنظيمات الاسلامية المتشددة مثل "جبهة النصرة" التي تعتبر النسخة السورية من تنظيم "القاعدة" في العراق.

ويمثل هذا تغييراً مهماً في السياسة الاميركية المعتمدة منذ بدء الازمة السورية. ومتى قام الاتصال المباشر بين واشنطن وبعض عناصر "الجيش السوري الحر"، فإن ذلك سيؤدي حكماً كما تدل السوابق الى ارسال مستشارين عسكريين في المرحلة التالية، بحيث لا يقتصر الامر على وجبات الطعام الجاهزة او السترات الواقية من الرصاص او عربات مصفحة للحماية من هجمات الجيش النظامي، وبعد المستشارين ستأتي عمليات التدريب على استخدام الاسلحة الاميركية، ومن ثم توفير أنواه محددة من هذه الأسلحة قبل ان تحصل تلك العناصر على انواع متطورة تحقق لها التفوق على القوات السورية.

في رأي راسمي السياسة الاميركية اليوم، ان التدخل البطيء للولايات المتحدة عسكرياً في سوريا والمتزامن ايضاً مع دور عسكري تدريجي للاتحاد الاوروبي، من شأنه ان يخدم الغاية النهائية للغرب ألا وهي اسقاط النظام السوري بأي صورة من الصور ولو استغرق الامر وقتاً اطول مما كان معتقداً، وحتى لو دمرت كل البنى التحتية للدولة السورية وما تبقى من مؤسساتها وشرد المزيد من السوريين الى الخارج، ولو اتخذت الاحداث منحى طائفياً ولو تزايدت احتمالات انتقال الشرارة الى العراق ولبنان، وحتى لو كانت سوريا مهددة بان تُحكم بعد النظام الحالي بواسطة ميليشيات متناحرة اقواها تلك التي ترفع لواء التشدد الديني والمذهبي.

هنا يصير الكلام عن الحل السياسي، مجرد شعار يخفي وراءه عملية تسلح واسعة فضحتها الصحف الاميركية وتخطت بذلك تحفظات كيري الذي ربما أتاه الجواب من فلاديمير بوتين بان الحل في سوريا مستحيل من دون زجاجة فودكا روسية.

=====================

من يربح في سورية؟

غسان شربل

الإثنين ٤ مارس ٢٠١٣

الحياة

لنترك جانباً مشاهد السوريين المبددين في الدول المجاورة ينتظرون البطانيات والمعلبات. ومشاهد السوريين المبددين داخل بلادهم يصطادهم الموت على أبواب المخابز أو تصطادهم الصواريخ والبراميل في الأقبية أو الكهوف. ومشاهد الممارسات الفظة لمسلحي النظام. وبعض المشاهد المظلمة لممارسات المقاتلين الوافدين. لنترك ذلك كله لنطرح سؤالاً بسيطاً هو: من يربح في سورية؟

يعترف المتابعون أن النظام السوري أبدى مقاومة ضارية واستثنائية لمحاولة الثوار اقتلاعه سلماً أو حرباً وهو ما لم تنجح في إبدائه الأنظمة التي عصف بها ما سمي «الربيع العربي» وأطاحها. ولا غرابة في الأمر. المسألة تتعلق بنظام مختلف تولى على مدى أكثر من أربعة عقود بناء آلته الحزبية والعسكرية والأمنية فضلاً عن استناده في العمق إلى عصبية عميقة لم تتوافر للأنظمة التي غدرها الربيع.

يقولون أيضاً أن الانشقاقات لم تصل إلى العمود الفقري للماكينة العسكرية والأمنية ما جنب الأخيرة الانهيارات الواسعة والقاتلة. لكن ذلك لا يلغي أن الماكينة العسكرية والأمنية التي كانت تمسك بقوة كامل أراضي الدولة تقلصت الآن لترابط على جزء منها. وقدرة هذه الماكينة على إلحاق دمار واسع بالمناطق التي خسرتها لا تعني أبداً قدرتها على استعادتها. يمكن القول إن الجيش السوري أصيب بأضرار فادحة خصوصاً بعد استخدامه ترسانته داخل الأراضي السورية وثبوت حاجته الدائمة إلى المساعدات الإيرانية والروسية للاستمرار في المعركة. لا يمكن إدراج تمكن الجيش من استعادة بلدة أو طريق في باب النجاحات الجدية لأنه لا شيء يشير إلى قدرته على الحسم الكامل وإعادة العقارب إلى الوراء.

وضع حزب البعث لا يحتمل الكثير من الاجتهاد والتأويل. لقد سقط الحزب الذي كان يحتكر قيادة الدولة والمجتمع. النظام نفسه بادر إلى إحالة الحزب إلى التقاعد بموجب الإصلاحات التي أعلن عنها. وإذا كان البعث العراقي يستطيع التذرع أنه أسقط بفعل تدخل خارجي فإن البعث السوري لا يمتلك مثل هذه الذريعة.

تستطيع المعارضة القول إنها قدمت تضحيات هائلة وحققت مكاسب على الأرض لكن الوقائع تشير أيضاً إلى أنها غير قادرة على الحسم. أما نجاحات «جبهة النصرة» فهي مكلفة للمعارضة أيضاً لأن أول مهام الجيش بعد التغيير، في حال حصوله، ستكون شطب نجاحات الجبهة وسائر المقاتلين الجوالين.

يقرأ المرء مثلاً أن روسيا نجحت في التذكير بموقعها وفرضت نفسها معبراً إلزامياً للحل المقبل. لكن وعلى رغم أهمية الدور الروسي في مجلس الأمن وخارجه تشير الوقائع إلى أن إيران هي اللاعب الأول في سورية وليست روسيا. ثم أن لا مجال في سورية لأي حل يضمن لموسكو وضعاً شبيهاً بما كانت عليه قبل اندلاع الثورة السورية.

يقرأ المرء أيضاً إن إيران منعت سقوط النظام السوري وإن لا حل من دون موافقتها. لكن الوقائع تشير أيضاً إلى استحالة أن يكون لإيران في سورية ما بعد الحل وضع مريح أو شبيه من وضعها مع النظام الحالي. هذا يعني أن أقصى ما تفعله هو توهم قدرتها على الحد من خسارتها. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الدور الإيراني في دعم النظام السوري ساهم عملياً في إذكاء النزاع السني - الشيعي في المنطقة يمكن القول إن إيران لا تربح. وما يقال عن إيران يمكن أن يقال أيضاً عن «حزب الله» في لبنان على رغم الفوارق. يستطيع الحزب أن يلعب دوراً بارزاً في منع سقوط النظام في سورية أو تأخير هذا السقوط لكن في مقابل ثمن مرتفع يدفعه لبنان الذي دخل بقوة في الشهور الماضية على خط التنازع الشيعي - السني الذي يمر في سورية. وفي مقابل ثمن مرتفع يدفعه الحزب أيضاً من صورته وعلاقات طائفته بالسني اللبناني والسني السوري. يمكن قول الشيء ذاته تقريباً عن العراق وموقف حكومة نوري المالكي. أما بعض دول الجوار القريبة والبعيدة فتتجاذبها الرغبة في إطاحة النظام مع القلق من البدائل.

أميركا لا تستطيع القول إنها تربح في سورية. كشفت المأساة السورية محدودية الدور الأميركي في عهد أوباما. كشفت أن أميركا أوباما هي أميركا متعبة ومثخنة ومترددة وإن كان يسجل لها ابتعادها عن السياسات المتهورة.

مكن القول إننا في خضم ما يشبه حرباً أهلية إقليمية. في خضم نزاع طويل ومدمر. لهذا يمكن الحديث عن أرباح محدودة أو هشة أو غير أكيدة. فرص التفاوض ضئيلة للغاية. تغيير ميزان القوى يحتاج نهراً من المساعدات العسكرية وأنهاراً من الدم. الأكيد أن سورية التي كنا نعرفها قبل عامين ذهبت إلى غير رجعة.

=====================

سورية: «التدخل الناعم» مع نهاية «حرب السنتين»

جورج سمعان

الإثنين ٤ مارس ٢٠١٣

الحياة

بات واضحاً من خلال نتائج جولة وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري أن إدارة الرئيس باراك أوباما لن تبدل في السياسة التي اتبعتها حيال سورية في السنتين الماضيتين. بل ثبتت خيار عدم التدخل العسكري وهي تطوي صفحة الحروب التي شنّها الرئيس جورج بوش الإبن. فالديبلوماسية التي اعتمدتها في مواجهة الملف النووي الإيراني تعتمدها أسلوباً لتسوية الأزمة السورية. وترجمت عملياً نهج إشراك القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في السعي إلى الحلول والتسويات. فضلت وتفضل الوقوف في الصفوف الخلفية ودفع الشركاء إلى أداء دور كانت القوات الأميركية إلى سنوات خلت هي من يتنطح لتأديته.

لذلك، لا تزال واشنطن على موقفها الذي يمنح موسكو الفرصة بعد الأخرى لإيجاد تسوية أو محاولة جر الأطراف المتصارعين في سورية إلى طاولة الحوار، بصرف النظر عن تكرار تمسكها بوجوب رحيل الرئيس بشار الأسد، وبصرف النظر عن التعارض في تفسير «بيان جنيف» الداعي إلى قيام مرحلة انتقالية تديرها حكومة تتمتع بصلاحيات كاملة. بالطبع، لا يمكن الرئيس أوباما أن يقفز فوق «مبادئ» تبناها أسلافه للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة من جهة، وترسيخ الأمن والاستقرار العالميين... أي لا يمكنه الرجوع إلى «مبدأ الرئيس جيمس مونرو» الذي اعتمد عام 1823 سياسة انكفاء بلاده إلى الداخل بعيداً من السياسة الدولية. الانعزال الذي كان يصح في حينه وعمّر حتى الحرب العالمية الثانية لم يعد يصلح. تبدل العالم وتبدلت المفاهيم السياسية والاقتصادية وطبيعة العلاقات الدولية التي لا يمكن أن تسمح بمثل هذا الانعزال. كل شيء «تعولم». ولا يمكن أميركا أن تتخلى عن دورها الريادي. وخير دليل على ذلك نقل أولويات استراتيجيتها إلى المحيط الهادئ لمواجهة الصين.

في ضوء هذا الموقف، لا يعني أن الدعم الإيراني والروسي لنظام الأسد هو ما يؤجل التغيير الجذري المطلوب. بل إن الصمت الأميركي خصوصاً والأوروبي عموماً هو ما يطيل عمر النظام ويعمّق معاناة الشعب السوري. وقد أفادت واشنطن حتى الآن من الصراع المفتوح في سورية على أكثر من صعيد. فهو شكّل ويشكّل من جهة انهاكاً واستنزافاً متواصلين للجمهورية الإسلامية، سياسياً وعسكرياً وحتى مالياً، وإشغالاً مقلقاً لحلفائها في بيروت وبغداد. ولم يكن من باب المصادفة أن يعبّر كل من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله، في وقت واحد، عن خوفهما من ارتفاع وتيرة الشحن المذهبي الممتد من شاطئ المتوسط إلى ضفاف دجلة والفرات، وأن يحذرا من محاولات جر البلدين إلى مستنقع الحرب الأهلية التي لا يعوزها سوى خطأ أو شرارة غير محسوبة النتائج. بعد هذا، كيف يمكن أن تستكين طهران وهي تنظر إلى غرقها في المستنقع السوري، وإلى تآكل رصيد حكومة المالكي الذي يتعاظم صوت خصومه، على طول المحافظات السنية، مطالبين بإسقاط حكومته و «نظامه» وخروج إيران! لا يمكن أن تهنأ وهي تخشى أن يجر «حزب الله» إلى مواجهة أو صدام داخلي يذهب بقوته وما بقي من رصيده «قوة مقاومة» فيُشطب نهائياً من معادلة الصراع مع إسرائيل.

بالطبع، ليس مقنعاً ما قاله زعيم «دولة القانون» عن منع تهريب السلاح إلى أي من طرفي الحرب في سورية، لأنه يعرف ويعرف كثيرون ما يجري بين حدود البلدين. ومعروف ما آلت إليه سياسة «النأي بالنفس» التي ترفعها حكومة نجيب ميقاتي. فتدفق الرجال والسلاح عبر الحدود على قدم وساق. اكتفى اللبنانيون المتناحرون والعراقيون المتناحرون حتى الآن بالاقتتال خارج حدودهم تعويضاً عن اشتباكاتهم الداخلية. لكن هذا الاقتتال يشبه الوقوف على حافة الهاوية. ولعل الخوف الأكبر لحلفاء إيران هو التغيير الآتي إلى دمشق مهما طالت معاناة السوريين... لأن مثل هذا التغيير سيستدعي تغييراً في قواعد اللعبة السياسية في كل من بيروت وبغداد، استناداً إلى الحجم الديموغرافي للكتلة السنية التي تسعى إلى استعادة ما تسميه «شرعيتها» في الحكم كأكثرية. ومثل هذا التغيير المنتظر هو ما يعجل في حراك أهل السنّة في دول الجوار ضد ما يعتبرونه حيفاً أو ظلماً يلحق بهم جرّاء تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة كلها. وهو نفسه ما يدفع القيادة الإيرانية إلى محاولة التعويض في ساحات أخرى على امتداد الإقليم وحتى خارجه، من اليمن إلى بعض الساحات الأفريقية، مروراً بتحريك طموحات مكبوتة لكتل شيعية وازنة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي.

ويشكل الصراع المفتوح في سورية، من جهة أخرى، ساحة للمجموعات الدينية المتطرفة بديلاً من ساحات غربية وغير غربية. ولا يضير واشنطن أن تراقب المتطرفين يخوضون «جهادهم» في الساحة السورية التي طالما شكلت منطلقاً لقتال القوات الأميركية في العراق منذ الغزو الأميركي لهذا البلد. فوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول لا ينسى ما أجابه به الرئيس الأسد عندما طلب منه وقف تدفق المقاتلين عبر الحدود إلى العراق. أجابه بأن ثمة بضعة آلاف منهم، ويريحه أن يتخلص منهم الأميركيون بدل أن يواجههم هو بجيشه. ولا حاجة إلى التذكير بما شكا منه طويلاً العراقيون، وعلى رأسهم المالكي نفسه، وهو إشراف دمشق على انتقال «الجهاديين» إلى جارها الشرقي، إشرافاً يشبه إلى حد ما «قاعدة بيشاور» أيام «الجهاد» في أفغانستان. واليوم، لا يحتاج المسؤولون السوريون وبعثتهم في الأمم المتحدة إلى كبير عناء لكشف أو نشر أسماء هذه «القاعدة» وبياناتها.

لكن فترة الصمت الأميركية طالت أكثر مما يجب، وباتت تهدد مصالح الولايات المتحدة في طول المنطقة وعرضها. ذلك أن الانهيار الكامل في سورية لن يشكل خسارة كاملة لروسيا وإيران المراهنتين على بقاء الأسد فحسب، بل بداية تهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها. فلبنان والعراق يقفان على حافة الحرب المذهبية. ولن يسلم الأردن وتركيا وإسرائيل من انتشار «أمراء المجاهدين» على حدودهم مع سورية. كما أن احتمال تفتيت سورية كما يروّج بعضهم، أو كما يعمل بعض أهل النظام خياراً أخيراً، سيفتح الباب واسعاً أمام إعادة النظر في خريطة المنطقة كلها. وهو أمر قد لا ترغب فيه القوى الكبرى، أو لا يناسب مصالحها التقليدية، كما لا ترغب فيه القوى الإقليمية الفاعلة، تركية أو عربية.

لذلك، لا يمكن تجاهل التطورات الأخيرة، من نتائج مؤتمر «أصدقاء سورية» في روما وقبله قرار الاتحاد الأوروبي إمداد المعارضة السورية بعربات مدرعة دفاعية، وقبله ما تردد عن وصول أسلحة إلى المقاتلين من كرواتيا وغيرها بعلم «الأصدقاء» وتمويل المتمولين. ثم جولة الوزيـــر جون كيري ولقاء الرئيسين الفرنسي والـروسي فرنسوا هولاند وفلاديمير بوتين، ثم المهاتفة بين الأخير ونظيره الأميركي. صحيح أن كل هــــذه التطورات والقرارات لم تعجب «ائتلاف المعارضة»، لكنها خطوات يمكن وصــــفها بأنها بداية «التدخل الناعم» الــــذي قد يجــــر إلى تدخــــل تدريجي أوسع إذا لم يقتنع النظام وحلفاؤه بوجوب السير الجدي في تسوية توفر على الجميع خسارة مدوّية، وتوفر على سورية مصيراً أسود.

وإذا كانت الولايات المتحدة تقترب من التفاهم مع روسيا، وهو أمر حتمي بين البلدين نظراً إلى تشابك مصالحهما وتقاطعها في أكثر من مكان، فإن السؤال اليوم هو: هل باتت إيران مستعدة فعلاً للتفاهم مع المجموعة الدولية على جملة من القضايا المرتبطة بها وبدورها وملفها النووي؟ في ظل المتغيرات الحالية، انقلب ميزان القوى التقليدي الذي ساد في السنوات الأخيرة... لم يعد لمصلحة الجمهورية الإسلامية التي سرّها انسحاب الأميركيين من العراق وتخبطهم في أفغانستان وعجزهم عن تحريك التسوية في فلسطين. تواجه الجمهورية اليوم تهديداً في أكثر من جبهة. تكاد تفقد سيطرتها على اللعبة السياسية والأمنية في لبنان والعراق، ولم تنجح محاولاتها في شبه الجزيرة العربية. وإذا قيّض للرئيس أوباما في زيارته المقبلة الى المنطقة أن يمهد لإعادة تحريك مساعي التسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فقد يزيد في إضعاف دورها في الورقة الفلسطينية، بعدما خرجت حركة «حماس» من عباءتها.

بالطبع، لن يتكرس الانقلاب في ميزان القوى إذا استعجلت إيران السعي إلى قنبلتها النووية. لكنها في اجتماع كازاخستان مع مجموعة الخمسة زائد واحد طرحت البحث في كل الملفات التي تعنيها من السوري إلى النووي وغيرهما، مع ما يعني ذلك من استعداد للمقايضة. لكن هذا الأمر لا يتعلق برغبتها وحدها وبشروطها هي. إذ كانت للدول الست مقاربة أخـــرى تقوم على تخفيف العقوبات في مقابل وقف التخصيب ومراقبة دقيقة للمنـــشآت. والســؤال مع اقتراب نهاية «حـــــرب السنتين» في سورية: هل يحتمل هذا البلد ومعه دول الجوار تكرار تجربة لبنان بتجــــديد الحرب بعد مقدمة «السنتين»، أم أن إدارة أوباما باتت قادرة على فرض تسوية - على وقع «التدخل الناعم» و «ديبلوماسية الشراكة» مع موسكو – تتيح لكل من روسيا وإيـــــران بعض النفوذ عبر دور وموقع للأقلية التي لا تزال تحيط بنظام الأســـد؟ المهم ألا يطول انتظار حلحلة بعض الــعقد أو انتـــــظار بعض الاستحقاقات هنا وهناك، لئلا يحين موعد التدخل الواسع الحاسم... أو في أسوأ الأحوال موعد الفتنة الكبرى!

=====================

لا حياد في المعارك الأخلاقية الكبرى!

فيصل القاسم

4-3-2013

الشرق

يمتلكني غضب شديد وإحساس بـ"القرف" عندما أسمع البعض يدعو إلى الموضوعية والحياد والنزاهة والمهنية عندما يكون الصراع قائماً بين ظالم ومظلوم، أو بين ضحية وجلاد، أو قاتل ومقتول، أو ثائر وطاغية، أو ذابح ومذبوح، أو جيش مدجج بالسلاح وشعب أعزل، أو بين من يطالب بالحرية والكرامة ومن يدوس الحريات والكرامات.

كم أشعر بالاشمئزاز عندما أقابل شخصاً مازال متردداً في اتخاذ موقف صريح لصالح المظلومين والمذبوحين بحجة أن المسألة مازالت ضبابية، وأنه لم يتأكد بعد من هوية الجاني والمجني عليه. ومن الأكثر إزعاجاً أن تجد بعض الإعلاميين الذين يتشدقون بضرورة التعامل بموضوعية ونزاهة مع الثورات العربية ضد الطغاة والقتلة والجزارين؟ هل من الموضوعية أن تعمل على إبراز وجهة نظر الطواغيت والسفاحين والمجرمين وإعطائهم منبراً كي يتقيأ المتحدثون باسمهم والمدافعون عنهم ترهاتهم وأكاذيبهم وحزعبلاتهم الرخيصة على الناس؟

لا أدري لماذا تثور ثائرة بعض المتشدقين بالحيادية والموضوعية عندما تنحاز بعض وسائل الإعلام لجانب الشعوب الثائرة وقضاياها العادلة ضد الظلم والقهر والفقر والاضطهاد؟ هل يعقل أن نطالب تلك الوسائل بأن تكون حيادية ومهنية في معارك أخلاقية عظيمة، الباطل فيها جلي، والحق أجلى؟ لا أدري لماذا ينزعج البعض من مجرد الوقوف إلى جانب المذبوحين بحجة المهنية والموضوعية والحيادية. لماذا يزايدون حتى على أعتى الديمقراطيات الغربية التي لم تتخذ يوماً موقفاً "ديمقراطياً" من أعدائها؟

متى شاهدتم وسيلة إعلام غربية واحدة تحاول إبراز وجهة نظر الخصوم في أوقات الحروب؟ هل كانت وسائل الإعلام الأمريكية "الديمقراطية" مثلاً تبرز وجهة نظر أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة أثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان؟ أم أنها كانت تعمل بشتى الطرق على شيطنته وتشويهه في نظر العالم؟ هل سمحت هيئة الإذاعة البريطانية للنازيين أثناء الحرب العالمية الثانية بالتعبير عن وجهة نظرهم "النازية" في خضم المعارك الدائرة بين قوات الحلفاء والمحور؟ طبعاً لا، ومن حقها. ألم تشاهدوا ما أصبح يعرف لاحقاً في الإعلام الغربي بظاهرة "الصحفيون المرافقون" 'EMBEDDED JOURNALISTS"؟ ألم يرافق هؤلاء الصحفيون القوات الغربية في هذا البلد أو ذاك لإبراز وجهة نظرها وحدها دون غيرها وتشويه وجهة نظر الطرف الآخر؟ ألم يكن أولئك الإعلاميون ينظرون إلى الأمور من وجهة نظر محددة لا يمكن أن يحيدوا عنها قيد أنملة، وهم الذين يتشدقون بالديمقراطية وحرية التعبير والتعددية وغيرها من الكليشيهات الديمقراطية الممجوجة؟ طبعاً لا أثني بأي حال من الأحوال على هذه التصرفات الإعلامية القميئة، لكن أسوقها كأمثلة في وجه أولئك الذين يريدون من وسائل الإعلام أن تقف على الحياد في القضايا التي لا تحتاج إلى أخذ ورد، والأسود فيها واضح والأبيض أوضح، كثورات الشعوب العربية ونضالاتها الحالية العظيمة ضد قوى البغي والطغيان المتمثلة بالديكتاتوريات الساقطة والمتساقطة.

من الخطأ الشديد أن يتشدق المرء بالموضوعية والحيادية في مثل هذه الأمور. لا حياد في هذه المعارك، وعلى كل من يمتلك ذرة إنسانية أن يختار الجانب الصحيح فوراً دون أدنى تردد، حتى لو كان إعلامياً، فالإعلام ككل المواقف الإنسانية الأخرى يجب أن يصطف مع الخير ضد الشر دون أدنى تلكؤ أو تعلل بالحياد والنزاهة.

كل من يتحجج بالموضوعية والحيادية والمهنية في المعارك الأخلاقية الكبرى كثورات الشعوب هو في الجانب الخطأ بقصد أو بغير قصد. كم كان مارتن لوثر كنغ مصيباً عندما قال: إن"أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يقفون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة، وأن المصيبة ليست في ظلم الأشرار وإنما في صمت وحياد الأخيار". كم كان أينشتاين محقاً عندما قال:" لا شك أن الأشرار في العالم يشكلون خطراً، إلا أن الخطر الأعظم يكمن في الأخيار الذين يقفون محايدين حيال ذلك الشر". ألا يقولون أيضاً إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، فكيف من يقف ضده بحجة الحيادية؟ إن الوقوف على الحياد في معركة بين القوي والضعيف هو وقوف مع القوي المتجبر بالنتيجة. كم هي محقة الإعلامية الأمريكية المشهورة كريتسان أمانبور عندما تقول: "في نقطة ما يكون الوقوف على الحياد تواطؤاً مع المعتدي". ونحن نقول أيضاً إن الوقوف على الحياد في ثورات الشعوب الكبرى ليس حياداً، بل هو موقف سياسي بامتياز يجيّره الطواغيت لصالحهم بحجة أن السكوت علامة الرضا، خاصة أننا نعلم أن الساكت عن الحق شيطان أخرس كما علمتنا ثقافتنا العربية والإسلامية العظيمة.

ما أتفه أولئك الذين يكتبون عن فوائد البطيخ ومضار الشيشة على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي بينما يرون الموت والخراب والدمار من حولهم، بحجة الوقوف على الحياد. الموقف الأخلاقي الحقيقي هو الوقوف مع العدل ضد الظلم الواضح، ومع الحرية ضد الاستبداد البيّن. متى يدرك الواقفون على الحياد أنه لا يوجد قيمة لموقف المحايدين في القضايا الكبرى إلا لصالح الظالمين؟ إنه تواطؤ مقنّع حقير. متى يخجل أتباع "حزب الكنبة" من أنفسهم؟ قال حياد قال!

 

=====================

النظام السوري و'الممانع المعاصر': لا افتضاح لمفتضَح!

صبحي حديدي

2013-02-28

القدس العربي

'الممانع المعاصر' هو، في تعريف مبسّط، ذاك الذي يساند النظام السوري لأنّ الأخير 'ممانع' بدوره، حتى إذا كان أودى بحياة أكثر من 70 ألف مواطن سوري، بين طفل وشيخ وامرأة ورجل؛ وحتى إذا استخدم كلّ صنوف أسلحة 'الجيش الممانع'، ليس ضدّ العدو الإسرائيلي، بل ضدّ الشعب السوري، وحده وحصرياً؛ وحتى إذا ألحق الخراب باقتصاد سورية وزراعتها وصناعتها وتجارتها، ودمّر معمار البلد، وبنيته التحتية، والكثير من معالمه التاريخية. ورغم كل ما تكشّف، ويتكشف، عن حقائق الموقف الأمريكي، الذي يسكت عن خيارات الأسد العنفية الوحشية، وينتهي عملياً إلى تشجيعه في المضيّ إلى خيارات أشدّ إيغالاً في العنف؛ فإنّ إيمان 'الممانع المعاصر' بأنّ ما يتعرّض له النظام السوري هو مؤامرة أمريكية ـ صهيونية ـ وهابية ـ قطرية... راسخ لا يتزحزح!

ولأنه عربي غالباً، وأكثر حضوراً على الساحة من نظرائه السوريين أتباع النظام ومواليه، فإنّ هذا 'الممانع المعاصر' يساند أيضاً انخراط 'حزب الله' اللبناني في القتال مع النظام السوري؛ ليس 'دفاعاً عن المواطنين اللبنانيين داخل القرى الحدودية المحاذية'، وهو التعبير الملطّف الذي ينوب عن المسمّى الفعلي: كوادر الحزب في هذه القرى، فحسب؛ بل في العمق السوري الذي يتجاوز مناطق القصير وتخوم حمص المحاذية لقرى طرطوس، ليبلغ ريف دمشق، وقلب العاصمة السورية ذاتها.

وإذْ يجد بعض الحرج في الموافقة على 'لمّ شمل ممانع' يمكن أن يضمّ نوري المالكي، صنيعة الاحتلال الأمريكي، والوجه الطائفي البغيض لولادات، ومآلات ذلك الاحتلال؛ فإنّ صاحبنا، 'الممانع المعاصر' نفسه، يلهج بالدعاء لما يُسمّى 'محور الممانعة' الممتد من طهران الوالي الفقيه، إلى بغداد النوري، ودمشق الأسد، وصولاً إلى ضاحية حسن نصر الله، ليس دون إلقاء التحية على أحمد جبريل!

ثمة، إلى هذا، تطورات دراماتيكة شهدتها مؤخراً هضبة الجولان السورية المحتلة، لا ينفع معها سكوت صاحبنا، إلا بمعنى تسليمه الصامت بأنّ 'الممانعة' يمكن أن تكتسب صفة الخيانة الوطنية، وتبقى مع ذلك ممانِعة مقاوِمة مناهضة للإمبريالية والصهيونية والرجعية... على سبيل المثال، يقول تطوّر أوّل إنّ الأسد سحب معظم وحدات الفرقة الخامسة المدرعة، وخاصة سرايا المدفعية الثقيلة، من مناطق انتشارها في الجولان، ليُعاد نشرها على خطوط المواجهة مع كتائب 'الجيش السوري الحرّ' في ريف دمشق، وفي حمص، وطرطوس. تطوّر آخر يقول إنّ سبعة جنود سوريين جُرحوا في الجولان، وانسحبت وحداتهم من أرض المعركة مع مقاتلي الجيش الحرّ، دون أن توفّر لهم الإسعاف الطبي، فتدخلت قوات الاحتلال الإسرائيلية ونقلتهم إلى مشفى في صفد.

صحيح أنّ مثل هذه التطورات فاضحة، وفاقعة، ويتوجب أن تفقأ الأعين قبل أن تلجم الألسنة؛ إلا أنّ لصاحبنا 'الممانع المعاصر' سوابق كثيرة في تمرير الفاقع والفاضح، هذا عدا عن التغنّي بكلّ ما هو غوغائي ديماغوجي، صدر ويصدر عن الأسد نفسه، رأس هذا النظام 'الممانِع'، وعلى مراحل متتالية متعاقبة، لعلها بدأت منذ الأشهر الأولى لتوريثه، بعد وفاة أبيه، في حزيران (يونيو) سنة 2000. وهكذا، تعيدنا سابقة أولى إلى قمّة عمّان، ربيع 2001، ولم يكن آنذاك قد أكمل سنته الأولى في وراثة السلطة، حين استفاض الأسد في تقريع أخوته أصحاب السيادة والجلالة والسموّ، لأنهم يسيرون بالأمّة العربية من ضعف إلى ضعف. ولقد حثّهم، وكان أصغرهم سنّاً وأحدثهم عهداً بالحكم، على 'زيادة الإيجابيات على حساب السلبيات، وتعزيز نقاط القوّة مقابل تقليص نقاط الضعف التي ما تزال كثيرة، وعلى رأسها سوء التقدير وعدم قراءة الأحداث بشكلها الصحيح'.

ما الذي كان بديل الأسد؟ هذا الاقتراح، بالحرف: 'نحن ثلاثمائة مليون عربي، وعندما نتخذ القرار الجريء والواضح فالثلاثمائة مليون سيدعموننا مادياً ومعنوياً، وعدا ذلك لن يقف معنا لا عربي ولا غير عربي، وسننتقل من ضعف إلى ضعف. فإذاً يجب أن نكون واعين لعدم الوقوع فى فخّ ربط مواقفنا وسياساتنا تجاه قضايانا بالأشخاص فى إسرائيل، بل يجب ربط هذه المواقف والسياسات بالشارع الإسرائيلي الذي يظهر يوماً بعد يوم أنه ضدّ السلام. نربط هذه المواقف بالشارع الإسرائيلي وهذا يعنى أن كلّ إسرائيلي مسؤول عن كلّ شبر من الأرض العربية. كلّ إسرائيلي مسؤول عن روح كل مواطن عربي أو عن روح كلّ مواطن عربي يمكن أن تزهق أو تزهق الآن. بالتالي فان الربط، ربط هذه المواقف بالأشخاص، هو ربط مؤقت، وهذا يعنى أنه كلما أتى شخص نختلف على تقييمه وبالتالي علينا أن نلتقي أو نفترق حسب تبدل الحكومات والأشخاص، وهذا لا يجوز'.

لم يكن يجوز، بالفعل، مع فارق أنه كان ينطبق على القائل قبل السامعين، سيّما وأنّ أشهر معدودات كانت قد سبقت رهان النظام السوري على حكومة إيهود باراك، في البيت الأبيض كما في جنيف؛ قبل أن ينزل بالأخير عقاب الشارع الإسرائيلي، فيأتي بجنرال مجزرة صبرا وشاتيلا، بيروت 1982؛ على حساب جنرال مجزرة فردان، بيروت 1973. ولم تكن الملايين العربية الثلاثمئة، وهي الآن تقارب نصف المليار بحمد الله، تنتظر أمراً قدر انتظارها ذلك 'القرار الجرىء' من نظام أحلّ السلام في بطاح الجولان المحتلّ وهضابه، حتى قبل، ودون، توقيع اتفاقية سلام نهائية!

بيد أنّ خطبة الأسد كانت أقرب إلى كلمة حقّ يُراد منها ذرّ الرماد في العيون، كما برهنت الأشهر القليلة الاحقة، حين ذهبت المفردات أدراج الرياح، أسرع ممّا انتظر أصحاب السيادة والجلالة والسموّ، الذين أنصتوا إلى الوريث الشابّ يتلو عليهم مزامير سمعوها من قبل، وملّوا من اختراع أمثالها أو اجترارها. لقد بدأ بمزيد من إضعاف الداخل السوري، أو ما تسمّيه عقيدة حزب البعث 'الجبهة الداخلية'، فبطش بـ'ربيع دمشق' وزجّ العشرات في المعتقلات، قبل إحالتهم إلى محاكم/مهازل قضائية؛ وأعاد طرائق القمع إلى أطوار بلغ بعضها في السوء درجات أشدّ ممّا كانت عليه أثناء حكم أبيه؛ وأطلق الذئاب الكاسرة، وليس القطط السمان وحدها، كي تعيث في البلد فساداً ونهباً. أمّا على صعيد 'الجبهة الخارجية'، إذا جاز الاشتقاق من المصطلح البعثي، فإنّ مسلسل المفاوضات السرّية والعلنية، المباشرة أو غير المباشرة أو عن طريق الوسطاء، كان أكثر وضوحاً من أن يحتجب أو يُحجب.

بعد ثماني سنوات، وفي قمّة الدوحة التي خُصّصت للعدوان الإسرائيلي على غزّة، ورغم عشرات 'الأقوال المأثورة' التي ابتدعها والده حافظ الأسد حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومسائل الحرب والسلام، شاء الأسد الابن الذهاب إلى ميراث الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، واختار العبارة الأشهر والأكثر جرياً على الألسن: 'ما أُخذ بالقوّة لا يُسترد بغير القوّة'! وقبل عبد الناصر، كان قد لجأ إلى الحديث النبوي ('المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف')، ثمّ إلى سفر 'الخروج' في العهد القديم ('العين بالعين والسنّ بالسنّ')، مشدّداً على أنّ البادىء أظلم... فبأيّ قوّة، يسأل المرء أوّلاً، كان يمكن للنظام السوري أن يستردّ الجولان المحتلّ، ويتخذ صفة 'المؤمن القوي'، ويقتلع من العدوّ سنّاً بعد عين؟

لم تكن القوّة العسكرية، بالتأكيد، إلا إذا كان الأسد يستغفل ملايين السوريين بادىء ذي بدء، ثمّ مئات ملايين العرب من المحيط إلى الخليج، وهذه تعرف البئر وغطاءه حول ما حلّ بالجيوش العربية عموماً، والجيش السوري خاصة، على أيدي أنظمة الاستبداد والوراثة والفساد.

وفي كلّ حال، لقد خضعت 'قوّة' النظام العسكرية إلى امتحانات عديدة بعدئذ: قصف القافلة العسكرية المتوجهة إلى ترسانة 'حزب الله' مؤخراً، وقبلها الإنزال الأمريكي داخل العمق السوري في منطقة البوكمال، وقصف موقع 'الكبر' العسكري، تحليق القاذفات الإسرائيلية فوق الاستراحة الرئاسية في اللاذقية، قصف معسكر 'عين الصاحب' غرب دمشق، لكي لا يعود المرء بالذاكرة أبعد...

أم كانت 'قوّة' سياسية، عمادها أوراق النظام 'الممانِعة' تحديداً، خاصة العلاقة مع إيران و'حزب الله'، فضلاً عن الورقة الأهمّ المتمثلة في حرص إسرائيل، والولايات المتحدة أساساً، على عدم المساس بما كانوا يسمّونه 'الاستقرار المجتمعي' في سورية، تفادياً لفتح ساحة صراع جديدة؟ ثمّ أليست هذه الأوراق، جميعها، للنظام مرّة، مثلما هي عليه مرّة أخرى، طبقاً لما يستجدّ أو يتبدّل من موازين قوى ومعادلات جيو ـ سياسية؛ خاصة وأن السياسة في الشرق الأوسط، وفي إطارات إقليمية أوسع نطاقاً، لم تعد تقبل الكثير من الإصطفافات القصوى، البيضاء أو السوداء فقط؟

كذلك بدا ثابتاً، في المنطق الحسابي البسيط قبل ذاك السياسي الذرائعي، أنّ ما تجنيه إيران أو 'حزب الله' من مغانم تكتيكية أو ستراتيجية جرّاء هذه أو تلك من آثار الاحتقان أو المقاومة أو الوفاق في المنطقة، لن يصبّ إلا جزئياً في رصيد النظام السوري؛ أو، بالأحرى، لن تكون حصّة النظام منه إلا ثانوية، لاحقة وجانبية بالقياس إلى الحصص الأصلية التي تصنعها الأطراف بنفسها، لنفسها. وتلك حصة لا تقيم أود النظام إلا مؤقتاً، واقعة بواقعة، واصطفافاً باصطفاف، وما هو مطلوب لم يكن يقلّ البتة عن ضمان أمن النظام في المدى البعيد، وعلى نحو راسخ لا توفّره جهة إقليمية أفضل من إسرائيل، ولا قوّة كونية سوى الولايات المتحدة (ومن هنا إصرار الأسدَين، الأب والابن، على أن تكون أمريكا هي راعية المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية).

ولا بدّ أنّ يكون المرء على درجة استثنائية في السذاجة لكي يصدّق أنّ الأسد، المؤمن بمبدأ 'ما أخذ بالقوّة لا يُستردّ إلا بالقوّة' في قمّة الدوحة تلك؛ هو نفسه الأسد، الذي سوف يقول، بعد أيام قليلة فقط، إنّه يبني مع الإسرائيليين 'عمارة سلام'. ففي مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الكرواتي، قال الأسد بالحرف: 'من الطبيعي أن ننتقل، في مرحلة لاحقة، إلى المفاوضات المباشرة. فنحن ليس بوسعنا تحقيق السلام عبر المفاوضات غير المباشرة فقط.' وشبّه عملية السلام بمشروع إشادة مبنى، قائلاً إن إسرائيل وسورية 'تضعان الآن الأساس للسلام من خلال المحادثات غير المباشرة عبر الوسيط التركي'! أو هو الأسد نفسه، الذي يدكّ، اليوم، قرى وبلدات ومدن ومخابز ومساجد وكنائس السوريين؛ ويسحب جيشه الموالي من الجولان المحتل، تاركاَ إسرائيل تعربد هناك، معربداً من جانبه في دمشق وحلب وحمص وحماة ودير الزور.

فإذا لم يكن المرء ساذجاً هكذا، فإنه أغلب الظن من فئة صاحبنا 'الممانع المعاصر': أصمّ وأبكم وأعمى، لا سبيل في ضميره لافتضاح المفتضَح!

=====================

المعادلة التي يصعب على واشنطن تحقيقها في سورية!

الطاهر إبراهيم

2013-02-28

القدس العربي

يعتقد الكثير من الإستراتيجيين أن إدارة الرئيس 'باراك أوباما' أصبحت محشورة في الزاوية السورية بعد أن رفض الرئيس 'أوباما' الصيف الماضي، اقتراحا من 'هيلاري كلينتون' و'ديفيد بيترايوس' مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية آنذاك، بدعم من وزير الدفاع الأمريكي 'ليون بانيتا' أن تقوم واشنطن بتعديل سياستها وترسل أسلحة يحتاجها مقاتلو المعارضة السورية الذين يقاتلون جيش بشار أسد. ترافق ذلك مع فشل 'سيرغي لافروف' وزير الخارجية الروسي - أو هو لا يريد ذلك - بدفع 'بشار أسد' للعدول عن سياسته التدميرية والجلوس مع المعارضة للوصول إلى قواسم مشتركة. كان متوقعا من موسكو وقد أفسحت لها واشنطن في المجال، حين تخلت عن تسليح المعارضة السورية، أن تنجح في إنهاء الاقتتال بما تتمتع من نفوذ على 'بشار أسد' الذي تدعمه دعما كاملا في مجلس الأمن، وبتقديم السلاح الذي يقتل به السوريين. بل إن 'لافروف' ما يزال يتمسك بأسطوانته القديمة التي يتهم فيها المتشددين في سورية بأنهم سيطروا على الفصائل المقاتلة في الجيش الحر، ويرفضون الحوار.

أما وقد فشلت موسكو بما كانت تأمله منها واشنطن، فقد ارتفعت أصوات في أمريكا، وخارجيا من حلفائها في أوروبا، منادية بتسليح المعارضة السورية. 'ويليام هيغ' وزير خارجية بريطانيا الحليف الأوثق لواشنطن، قرع ناقوس الخطر، ودعا صراحة إلى رفع حظر توريد السلاح إلى السوريين، ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم في وجه آلة بشار أسد المدمرة.

'فريدريك هوف' مسؤول الملف السوري في إدارة 'بل كلينتون' (بقي يعمل في وزارة الخارجية الأمريكية حتى عام 2012) دعا إدارة 'أوباما': إلى (البحث عن فصيل في المعارضة السورية يكون الأكثر اعتدالا، والأكثر احتياجا للسلاح، والعمل على توصيله له بسرعة).

ولكن هل هناك حقا في الجيش الحر فصائل متطرفة وأخرى معتدلة؟ هنا علينا أن نفرق بين ما تطلبه إسرائيل من 'أوباما' في مقاربته للتعامل مع المقاتلين السوريين في صراعهم مع بشار أسد وبين واقع مكونات هذه الفصائل.

نستعجل هنا لنقول: إن المقاتلين السوريين قبل أن ينخرطوا في الجيش الحر، سوا أكانوا جنودا منشقين، أو شبابا التحقوا مع قيادات مدنية، لم ينتموا إلى أي جماعة إسلامية. فقد جفف القانون 49 (أصدره حافظ أسد عا م1980 ويحكم بإعدام كل منتمٍ للإخوان المسلمين) أيَ إمكانية لنشوء تنظيمات إسلامية. هؤلاء المقاتلين كان همهم تخليص سورية من الحكم الأسدي العائلي، وبناء دولة سورية حرة تكون لكل مواطنيها، بعد أن كان الجميع مهمشين. نؤكد أن كثيرا من هؤلاء، خاصة المنشقين عن الجيش، كانوا لا يؤدون الصلوات الخمس، وإن كانوا يصومون رمضان.

لكن ممارسات الجيش الأسدي أثناء حربه لهم، أقنعت المقاتلين أن الاستهداف الإجرامي موجه للمواطنين السوريين من السنة حصرا، وأن القتل كان 'على الهوية'، لا فرق بين طفل أوامرأة أورجل. على أن مواجهة هؤلاء للجيش الأسدي لم تكن نزهة. كانت آلة القمع الأسدية تستخدم الدبابات والطائرات التي تلقي القنابل البرميلية على المخابز والتجمعات المدنية. هنا تحرك في نفوس المقاتلين الوازع الإيماني، وهم يرون إخوانهم يقتلون رافعين أصابعهم بالشهادتين. فكنت ترى المقاتل يتوضأ ويصلي ركعتين قبل ذهابه للقتال وكأنه يتهيأ للشهادة. بل كثيرا ما كنا نرى في مقاطع 'اليوتيوب' كيف يلقن المقاتلون زميلهم الشهيد 'الشهادتين' وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. هذه هي السلوكيات التي تريد واشنطن أن تمسحها من ذهنية المقاتلين السوريين، فأنى لها ذلك؟

في المقلب الآخر، نؤكد أنه مضت سنتان على بدء ثورة الحرية والكرامة، وأكثر من 18 شهرا على بدء القتال بين الجيش الحر والجيش الأسدي، لم يصل من واشنطن للجيش الحر إلا أقوال ونصائح لم تكن في واقع الأمر إلا لاستبعاد من تعتبره واشنطن متطرفا إسلاميا.

حدثني أحد القادة الميدانيين في جبل الزاوية، أنهم في بدء معاركهم استعملوا بنادق الصيد مثل 'جفت الكسر'، ثم بدأوا يكبرون شيئا فشيئا، حتى أصبحوا يملكون راجمات صواريخ ودبابات ومدفعية ميدان، مما كانوا قد كسبوه من الجيش الأسدي، الذي كان أفراده يقاتلون وعيونهم إلى الخلف، يتحينون الفرصة للهرب من معركة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

جبهة النصرة التي أعلنت واشنطن الحرب عليها، لا يختلف أفرادها في قليل أو كثير عن أفراد باقي الفصائل ومعظمهم سوريون، بخلاف ما يشيعه إعلام النظام من أن فيهم من السعودية ومن باكستان ومن لبنان. صحيح أن التمويل في جبهة النصرة، على ضآلته، كان مستمرا ما مكنها من شراء الأسلحة، وهو تمويل من متطوعين أغنياء من داخل سورية ومن خارجها، ويصل الدعم منهم بدون انقطاع، لكن الصحيح أيضا أن أداء جبهة النصرة كان أكثر فعالية بسبب ما يملكون من أسلحة ليست متوفرة لباقي الفصائل. باقي فصائل الجيش الحر كان أداؤها يتعثر. وكثيرا ما استعصت عليهم مواقع بسبب نقص الذخيرة كما هو حاصل في 'وادي الضيف'.

في المختصر المفيد، فما تسعى إليه واشنطن لن يجد آذانا صاغية من فصائل الجيش الحر، بعد أن حرمت واشنطن هذه الفصائل من السلاح النوعي الذي يتصدى لآلة القتل الأسدية الجهنمية، التي أهلكت البشر ودمرت كل ما هو حضاري في سورية. ما نشرته 'واشنطن بوست' مؤخرا من أن إدارة 'أوباما' أعادت النظر في موقفها وستوفر للجيش الحر واقيات للصدور ومناظير. حتى لو كان هذا صحيحا، فلن يستفيد منه أفراد الجيش الحر، لأنه لا يؤمن الحماية من قذائف القصف الجوي، وقد حرمتهم واشنطن من مضادات الطائرات. كما أن ال 'باتريوت' الذي سلح به 'الناتو' حدود تركيا مع سورية ليس من مهامه إسقاط صواريخ 'سكود' التي يقصف بها حلب ودير الزور، مع أن المدى للباتريوت يطال صواريخ سكود هذه.

أحد النتائج الجيدة على المقاتلين السوريين أنهم رجعوا إلى إسلامهم بعد أن كان قسم كبير منهم شاردا. وكما كان المتظاهرون يهتفون في تظاهراتهم 'ما لنا غيرك يا ألله' بعد أن كانوا من رواد المقاهي، فإن المقاتلين كانوا كلما قصفوا دبابة أو أسقطوا طائرة كانوا يقولون: 'الله أكبر'. فات الوقت لكي تستدرك واشنطن أمرها، وتقنع السوريين بأن يحاربوا جبهة النصرة، أو حتى يتخلون عنها. هذه المعادلة يصعب على واشنطن تحقيقها.

' كاتب سوري

=====================

أميركا.. هل بدأت تغير موقفها؟!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

6-2-2013

تسربت في الأسابيع الأخيرة أنباء متنوعة حول وصول أسلحة جديدة إلى مقاتلي الجيش الحر في سوريا، قيل إنها لن تردم تماما الهوة بين ما لدى جيش السلطة من سلاح وما يستعمله هؤلاء في قتالهم ضده، لكنها يمكن أن تضيق الفجوة وتحدث تحولا في مناطق معينة يعاني النظام فيها ضعفا هيكليا أو ملحوظا، خصوصا في شمال البلاد وشمالها الشرقي، المهم جدا من الناحيتين البشرية والاقتصادية، وقد تكبح اندفاع جيش السلطة إلى حسم الوضع في مدينة حمص، حيث تدور معركة هي في الحقيقة «أم معارك» الثورة السورية، لما لحمص من أهمية استراتيجية بالنسبة إلى مجمل الوضع السياسي والعسكري والبشري، وإلى بقاء سوريا دولة موحدة أو تعرضها لتقسيم لاحق.

وسواء كانت الأخبار صحيحة أو مبالغا فيها، فإن لها دلالة مهمة بالنسبة إلى موقف أميركا من الأزمة السورية المستعصية، الذي كان مبنيا على فكرتين رئيستين، هما: أولا: لا سلاح للمقاومة ولا تدخل عسكريا مباشرا ضد النظام، وثانيا: لا قبول بخيار أصولي سوري يؤثر على إسرائيل وربما جرها إلى المعمعة السورية العنيفة وأدخلها في مواجهة بالسلاح مع تنظيمات إسلامية أصولية ومتطرفة، قوية ومنظمة، يمثل وجودها كقوى متفوقة في ساحة الصراع تجاوزا لخط أحمر دولي، خصوصا إن هي استولت على أسلحة دمار شامل، أو أفلت زمام هذه الأسلحة من أيدي النظام.

يبدو أن وصول السلاح إلى سوريا إما أنه يعبر عن تغير المعادلة الأميركية ثنائية الحد السابق ذكرها، وإما عن وجود محاولات ضغط قوية تمارسها أطراف عربية وإقليمية عليها. إنه يعبر عن تغير في سياساتها، إن كانت قد وافقت على إرسال السلاح وتخلت بالتالي عن مبدئها الأول، الذي لطالما تمسكت به ورددته دون كل أو ملل في تصريحات مسؤوليها خلال العامين المنصرمين، ولم يحد أحد من قادتها عنه، وهو أنه لا سلاح للمقاومة. وإذا كانت لم توافق على إرسال السلاح، فهذا يعني أن رقابتها على علاقات بعض الدول العربية مع الحدث السوري قد تراخت أو انهارت. فهل تراخت حقا رقابة واشنطن على الصراع وقدرتها على التحكم به، أم أنها غيرت موقفها وأخذت تتجاهل إرسال السلاح إلى الداخل السوري، أو تشجع دولا بعينها على مزيد من الانخراط في الصراع العسكري الدائر فوق أرض سوريا، وعلى إمداد مقاتلي المعارضة بالسلاح، لإحداث تحول نوعي في المعركة سواء ضد النظام أو لمواجهة أطراف مقاتلة تنتمي إلى تنظيمات جهادية معادية للغرب؟

يقال تلميحا وتصريحا إن السلاح أرسل من أجل تحجيم دورها وتمكين قوى المقاومة الأخرى من استعادة زمام المبادرة الميدانية منها، بعد أن برز دورها خلال الأشهر الأخيرة وغدت أطرافا فاعلة ومؤثرة إلى أبعد حد، يكاد حضورها المنتشر في معظم الأمكنة والمعارك يحجب وجود الجيش الحر، خصوصا بعد استيلائها على مطارات الجيش الرسمي وقواعده العسكرية الكبيرة ومعسكراته، وتمتعها بشعبية واسعة وصلت إلى حد قول بعض رجال الدين في خطب الجمعة: «لا نعترف بمقاتلي الإخوان المسلمين، ولا نقر بالشرعية والشجاعة لغير مقاتلي جبهة النصرة، ولا نريد حماية من سواهم».

هل حدث هذا التغير في الموقف الأميركي بالتوافق مع رغبة دول خليجية في الحيلولة دون وصول إسلاميين أصوليين إلى السلطة في دمشق، وكذلك في إضعاف فرص الإسلاميين المعتدلين في الاستيلاء على الحكم بعد إسقاط الأسد وبطانته، وبالتالي في ضوء قرار اتخذته دون تنسيق مع الأميركيين يقضي بتنشيط دورها في تسليح الثورة سواء أعجب ذلك أميركا أم أزعجها، ما دام التطور السوري يتحول أكثر فأكثر إلى قضية أمن وطني وداخلي بالنسبة لنظمها؟ أم أنها فهمت معنى الانزياح الجهادي الجاري على الأرض السورية، وقدرت أن مخاوف أميركا منه ستحول بين واشنطن وبين استمرار موقفها الرافض لتسليح المعارضة، فقامت بخطوتها وهي على ثقة من أن ردود أفعال واشنطن ستكون معتدلة أو قابلة بالذي يتم؟

مهما كان الجواب، أعتقد أن ما حدث وقع في إطار هذه الحسابات، وأن أميركا لا تدرس فقط إجراء تبدل في سياساتها، بل هي قررته وبدأت تنفذه. من علاماته ما شاع حول وصول الأسلحة من كرواتيا، وهي دولة أوروبية صديقة أو حليفة لها ولألمانيا، وما يقال عن مروره الشرعي في تركيا، وعن قيام واشنطن بتشجيع وصوله إلى مقاومين ينتمون إلى تنظيمات وفصائل غير أصولية، وما يجري اليوم من محاولات لضمان الاستعمال الآمن لهذه الأسلحة المتطورة نسبيا، عبر تنفيذ خطط يتولى سوريون وضعها والإشراف عليها لإعادة هيكلة الجيش الحر، بحيث تكون سلسلة القيادة والآمرة فيه محض عسكرية، ويقع انفصال محدود بين العسكريين والمدنيين يمكن الأولين من السيطرة على الأرض، تحسبا لتطورات مقلقة كاستيلاء الإسلاميين على السلطة، أو فوضى السلاح التي يمكن أن تقوض ما سيبقى من البلاد والعباد عقب إسقاط الأسد، أو مشاريع الاقتتال التي تخطط أطراف متنوعة لنشوبها بين مكونات الجماعة الوطنية السورية، أو الصراعات الإقليمية التي قد تأخذ أبعادا عسكرية وسياسية معقدة في ظل انتشار المسلحين في كل مكان واستيلائهم على مناطق كبيرة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى أي صراع مستقبلي كما بالنسبة إلى إعادة بناء البلاد، لما فيها من ثروات طبيعية وموارد لا يمكن التخلي عنها في أي مشروع تنموي.

كان من الجلي في الأسابيع الأخيرة أن تبدلا ما في موازين القوى سيسبق التفاوض مع النظام، وأن خطوة ما ستتم في هذا الاتجاه ستعبر عن نفسها في تسليح المعارضة وتمكينها من ردع جيش النظام وفك حصاره لحمص وتسريع انهياره في مناطق بعينها، داخل دمشق وحولها. هل نحن اليوم على مشارف هذا التبدل في السياسة الأميركية وعلى الأرض السورية؟ أعتقد أن هناك شيئا من هذا، وأن هدفه الأخير إرغام النظام على التخلي عن الأسد وإعلان أطراف وازنة فيه استعدادها للتفاوض حول انتقال ديمقراطي يتم في أجواء آمنة نسبيا، للجميع مصلحة فيها. ماذا إن ظل النظام متماسكا وأصر على مواصلة القتال وصعد وتائره؟ أعتقد أن الأسلحة ستتدفق عندئذ بالكميات الضرورية على المقاتلين، ليكون بوسعهم اقتحام القصر الجمهوري، خلال فترة غير طويلة.

=====================

الثورة السورية والاعتراف القانوني

غسان المفلح*

السياسة 06/03/2013

استنادا إلى نتائج مؤتمر وستفاليا للسلام عام 1648 بين الدول والكيانات والإمارات الأوروبية المتنازعة, تم الاتفاق على أن هناك ثلاثة شروط لقيام الدولة ذات السيادة وهي: وجود شعب بشكل دائم ومستمر, في رقعة جغرافية محددة , وحكومة تمارس سيادة على الأرض والشعب. وقد أضيف شرط رابع عام 1933 في معاهدة مونتفيديو بالأوروغواي وهو إعتراف دولي بتلك الدولة بحيث تستطيع الدخول في معاهدات واتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف مع اي دولة تختار. لاتزال هذه الشروط معمولاً بها حتى يومنا هذا وستبقى إلى حين, وبناء عليه نجد أن هناك خلطا واضحا, بين الاعتراف بالدولة, وبين شرعية ومشروعية من يحكمها, وهذه تتطلب البحث في مستوى آخر يتعلق بالتزام تلك الدول بشرعة حقوق الانسان والمواثيق الدولية الملحقة من عهود مدنية وخلافه..إن القانون الدولي المعمول به حتى اللحظة, لايقيم وزنا للاعتراف بالدول من خلال التزامها بحقوق الانسان. الدولة كيان عابر للاشخاص والمنظمات وغيرها من كيانات جزئية, تتطور وتتغير بتغير حياة مجتمعات هذه الدول, لكن الجغرافيا السياسية تبقى, ولا يحدث عليها أي تغيير, في حال موت الاشخاص او انتهاء العمل بتلك الكيانات الجزئية. والمثال الانصع في هذا الاطار هو ما حدث من تغييرات في دول المعسكر الشرقي. ربما تعتبر نقيصة القانون الدولي عندما يتم البحث في دول ذات طبيعة اشكالية, كفلسطين وإسرائيل مثلا. هذا ليس مجال بحثنا الآن, الثورات في العالم لا تصبح كيانات معترفاً فيها وفقا لهذا القانون الدولي, إلا تبعا لموقف المجتمع الدولي وتناقضاته الكلية والجزئية. حيث تصبح شرعة حقوق الانسان ومشروعية الحكومات خاضعة لمصالح ضيقة مهما اتسعت وغير انسانية في اوضاع كثيرة, والثورة السورية تعاني من هذا الامر, ويدفع شعبنا من دمه وثرواته ثمنا لهذا. العصابة الأسدية منذ توليها الحكم بالقوة في سورية وهي لا تحقق الحد الادنى من معايير الشرعة الدولية لحقوق الانسان, ومع ذلك ورغم الثورة السورية, لايزال المجتمع الدولي يربط سورية بالعصابة الأسدية, وليس بالجغرافيا السياسية كما قلنا. والعصابة الأسدية وفقا لهذا المعطى هي من تحظى بهذا الاعتراف الدولي كممثلة لهذه الدولة السورية المسجلة اصولا في الامم المتحدة منذ عام 1945 وللعلم فقط سورية منذ ذلك التاريخ كانت سابع دولة تعطي المرأة حق التصويت والانتخاب والترشيح..باعتبار ان جماعة العلمانوية باتوا يربطون العلمانية بالعصابة الأسدية والتي بينت في النهاية بأنها ليست سوى مافيا طائفية لا أكثر ولا أقل. من يجعل الوضع كذلك هو الدول الفاعلة في المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية لاسباب سياسية مصلحية عابرة قابلة للتغيير..لهذا حتى اللحظة لم تعمل تلك الدول على الاعتراف القانوني بالمعارضة السورية ومؤسساتها, ليس لأنها لا تستطيع او لأنها تخالف القانون الدولي بل لأن مصالحها الضيقة إسرائيليا ونفطيا وشرق اوسطيا تقتضي ذلك, لهذا قلنا أن اي كيان سياسي يحاول ان ينتج نفسه ككيان دستوري أو قانوني فوق الثورة يجب ان يحوز على اعتراف قانوني من المجتمع الدولي, فهل لدى المعارضة السورية مثل هذا المعطى? المجتمع الدولي بتناقضاته هذه هو من يحمي العصابة الأسدية من المساءلة عن جرائمها بحق شعبنا والمستمرة حتى اللحظة, فكيف ستعالج المعارضة هذه المعضلة? عليها ان تلتزم بروحية الثورة ومؤسساتها وما تريده بوصفها ثورة ومعارضة حتى يتم اسقاط البرقع المافيوزي الأسدي عن المجتمع الدولي, وعدم الانجرار للعبة لا تفترضها الحاجة السورية الثائرة بل تفترضها اللعبة الدولية التي هي اصلا غطاء لمجرم. سورية تحتاج الآن إلى تمثيل الثورة تبعا لما يجري على الارض من تحرير لها من هذه الطغمة.سواء اعترف هذا المجتمع الدولي ام لا والبقاء في حضن الثورة.

*كاتب سوري

ghassanmussa@gmail.com

========================

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة الأولى) .. محمد فاروق الإمام

بعد أيام سيطل علينا الثامن من آذار بكل ذكرياته الأليمة السوداوية التي لم تتوقف منذ فجر ذلك اليوم البئيس من عام 1963، الذي أطبق فيه حفنة من ضباط حزب البعث على مبنى الإذاعة والتلفزيون، قادمين على ظهر دبابة أدارت ظهرها للعدو الصهيوني ليعلنوا انقلابهم على الدولة المدنية وحكومتها المنتخبة بأرقى أساليب الديمقراطية الحديثة، وَيُرجعوا عقارب الساعة في سورية المدنية والحضارة إلى عهود الظلام والديكتاتورية والتخلف، تحت شعار (القومية والتقدمية والحرية والاشتراكية والوحدة)، ويدخلوا سورية في دياجير الظلمة والفساد والطائفية والهزائم والانكسارات التي توالت إلى يومنا هذا، حيث يقوم آخر هؤلاء البغاة بقتل الشعب السوري بدم بارد، ويذبحه من الوريد إلى الوريد، ويرتكب من المجازر ما لم يرتكبه غيره عبر التاريخ، ولو قدر لفرعون والنمرود ونيرون وهولاكو وهتلر وستالين أن يقوموا من قبورهم ويروا ما يفعله الباغي بشار بشعبه ووطنه لأخذتهم الشفقة وانتابهم الألم والحزن والخزي والعار!!

بداية نستشهد بما قاله السيد أحمد أبو صالح أحد أهم قيادات حزب البعث ممن تسلموا أرفع المناصب السياسية والحزبية بعد انقلاب الثامن من آذار 1963 (عضو القيادة القومية وعضو القيادة القطرية وعضو المجلس الوطني وحمل عدد من الحقائب الوزارية ورشحه الأسد الأب ليكون رئيساً للجمهورية).

ففي آخر حلقة من برنامج شاهد على العصر الذي يعده ويقدمه الإعلامي البارز أحمد منصور على شاشة قناة الجزيرة الفضائية أجراه مع السيد أحمد أبو صالح وبثت الحلقة الأولى منه يوم: 20/7/2003، وكان آخر سؤال له:

أحمد منصور: تقييمك أيه الآن في نهاية هذه الشهادة ؟

أحمد أبو صالح: يعني أنا في الحقيقة أرجو أن يتاح لي من العمر ما يكفي للتكفير عن الأخطاء التي ارتقت لمستوى خطيئات ارتكبتها بحياتي، لأن أثرها السلبي لم ينعكس علي فقط وإنما انعكس على الشعب المنكوب في سورية الذي أنا، بكل صدق، أطلب منه العفو والغفران على ما بدر مني.

الثامن من آذار 1963

لابد لنا قبل الحديث عن نجاح البعث بالاستيلاء على السلطة في سورية أن نتعرف على الوضع العسكري الذي يتمتع به هذا الحزب داخل الجيش السوري.

لم يكن لحزب البعث حتى عام 1958م أي جهاز تنظيمي حزبي داخل الجيش. صحيح أن هناك عدد كبير من الضباط البعثيين أو من الضباط المتعاطفين معهم، ينتهجون نهجه ويؤيدونه في نشاطه وتحركاته السياسية على صعيد الحكم والدولة. ولكنهم لا يقومون بذلك من خلال إطار تنظيمي بالمعنى الحقيقي، مرتبط مباشرة بقيادة الحزب. فعلاقة الضباط البعثيين بالحزب بقيت في الغالب علاقة تعاطف شخصي أو عائلي أو إيديولوجي، تتم عن طريق بعض قياديي الحزب، وعلى وجه الخصوص عن طريق أكرم الحوراني بالذات. (كثيرون من البعثيين المثقفين الذين كانوا ينظرون عموماً إلى تحركات العسكريين وتدخلاتهم في الشؤون السياسية بشيء من الاستياء وعدم الارتياح)(1).

وفي هذا السياق لابد أن نذكر حقيقة، وهي أن الضباط البعثيين وحلفاءهم لعبوا دوراً رئيسياً من الجانب السوري في فرض اتفاق الوحدة السورية-المصرية عام 1958م من خلف الدولة والحكومة الشرعية في دمشق، في الشكل الذي تمت فيه.

وبكثير من السذاجة كان هؤلاء يعتقدون بأنهم سيكونون شركاء لعبد الناصر في حكم الجمهورية الوليدة، وسيكون من حصتهم إدارة الإقليم السوري الذي لم يتمكنوا من حكمه من خلال صناديق الاقتراع. ولكن هؤلاء الذين اندفعوا بعواطفهم لم يكونوا ليدركوا آنذاك أن لعبد الناصر مفهومه الخاص للحكم وللدولة.. فهناك حيز كبير بين خطاباته الملتهبة وسياسته الواقعية الحذرة في الميادين المختلفة.. إضافة إلى عدم ثقته بأي حزب سياسي داخل الجمهورية العربية المتحدة، وبين صفوف الجيش على التحديد، حتى ولو كان هذا الحزب يعلن ولاءه وانتسابه إليه وحل نفسه كحزب البعث السوري مثلاً.

بعد قيام الوحدة السورية-المصرية بوقت قليل، أُبعد جميع الضباط المتسيّسين ومن جملتهم البعثيين، عن الجيش السوري مجموعة بعد أخرى. يقول منيف الرزاز في هذا الصدد: (فلئن تحمل الحكم وجود بعض البعثيين في الوزارات أو في أجهزة الحكم، فهو لم يقبل منذ اليوم الأول، وجود البعثيين في الجيش. فتسلّم كبارهم مناصب وزارية، ونقل بعضهم سفراء وموظفين في الخارجية ونقل معظم الباقين إلى مصر بدعوى التدريب والتخصص. فلم يكد يترك أحداً منهم في منصب قيادي مهم في سورية نفسها)(2).

لقد كانت خيبة آمال البعثيين تحمل في طياتها مرارة عميقة، ويتملكهم شعور بالأسى والحزن من عبد الناصر، الذي استخف بهم بل وخانهم (على حد قول بعضهم). فمن القاهرة حيث منفاهم، أخذ الضباط البعثيون يديرون بأنظارهم نحو دمشق. وبالفعل، أنشأوا في القاهرة عام 1959م ما سمي (باللجنة العسكرية). وكانت في البداية تتكون من خمسة ضباط ثلاثة منهم نصيريون – علويون - (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد) واثنان إسماعيليان (عبد الكريم الجندي وأحمد المير)، ثم وسعت اللجنة وصار عدد أعضائها خمسة عشر عضواً كانوا كالتالي:

(5 نصيريون و2 من الإسماعيلية و2 من الدروز سليم حاطوم وحمد عبيد، وستة من السنة منهم موسى الزعبي، ومصطفى الحاج علي، وأحمد سويداني، وأمين الحافظ، ومحمد رباح الطويل). وأحيط هذا التنظيم بالسرية المطلقة في فترة زمنية طويلة، رافضين ثلاثة أشياء رفضاً قاطعاً أساسها: لا للناصرية كمفهوم سياسي للحكم، لا لصيغة الوحدة السورية-المصرية ومضمونها، وأخيراً لا لقيادة الحزب القومية(3).

توسعت نواة اللجنة العسكرية بعد الانفصال وثبّتت مواقعها. وبقي التنظيم البعثي الجديد والأول داخل الجيش مستقلاً استقلالاً كلياً بالنسبة إلى التكتلات البعثية المتصارعة. رافضين كل سلطة تمارس عليهم أو أبوة تفرض. ينتابهم شعور بالاعتزاز بأنفسهم. يخامرهم الاعتقاد بأنهم أصبحوا جديرين بأن يقوموا بتحركاتهم السياسية لحسابهم الخاص، وانحصرت نقمتهم داخل الحزب على قادة البعث الثلاث: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني)، وألقوا مسؤولية إخفاق الحزب طوال السنوات السابقة عليهم. وجعلوا تنظيمهم العسكري السري الخاص منذ البداية، بعيداً عن التيارات والاتجاهات البعثية من ناحيتي القيادة والهيكلية التنظيمية.

بعد إخفاق اللجنة العسكرية البعثية في الحركة الانقلابية التي شاركوا فيها في آذار 1962م، أبعد معظم الضباط البعثيين عن الجيش أو ألقي القبض على بعضهم. وحسب تأكيدات مصادر مختلفة: لم يبق في الجيش منهم سوى عدد قليل جداً، وفي مقدمتهم: (سليم حاطوم وصلاح جديد وسليمان حداد)، مع عدد من الضباط أقل شأناً ومن صف الضباط(4).

ومن خارج الجيش، عمل محمد عمران (محرك اللجنة العسكرية) على إعادة تشكيلها وتنظيمها وتوسيع قاعدتها بين الاحتياطيين والضباط المسرحين. وبنى علاقات وطيدة مع التكتلات العسكرية التي كانت تسعى لإسقاط الحكم الانفصالي: (تكتلات المستقلين والناصريين وحتى ضباط 28 أيلول 1961م).

ويذكر سامي الجندي في هذا الموضوع بأن أعضاء اللجنة العسكرية قد اتبعوا (خطة ذكية، فتسربوا إلى كل التنظيمات العسكرية دون استثناء). وهناك (بعض القوائم بأسماء الضباط وتنظيماتهم.. فيها عدد من البعثيين.. قوائم انفصالية فيها أسماء بعثية. كانوا بهذه الطريقة مطلعين على كل شيء يوجهون التنظيمات لمصلحتهم بحذر ودقة)(5).

بالإضافة إلى هذا كله، فهم لم يهملوا أبداً اتجاهات البعث المختلفة، بغض النظر عن أي اعتبار. ومن أجل تحقيق هذا الهدف وزعت الأدوار على الضباط البعثيين كل حسب علاقاته الشخصية أو السياسية. (عبد الكريم الجندي) اتصل بحركة (الوحدويين الاشتراكيين) عن طريق ابن عمه (سامي الجندي)، (أحمد المير ومزهر هنيدي) اتصلا بالقيادة القطرية (لرياض المالكي وبالقطريين).

لقد كان غالبية أعضاء اللجنة العسكرية على اتصال دائم بما يسمى محور حمص، اللاذقية دير الزور.. ويعني هذا بالكتل البعثية لأكرم الحوراني او القطريين عن طريق (عبد البر عيون السود ووهيب الغانم ومصلح سالم)(6)، و(محمد عمران وسليم حاطوم) بقادة تيار (القيادة القومية)، و(حافظ الأسد) وكذلك (محمد عمران) بالناصريين وبعض المسؤولين في سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت(7).

لم يكشف أعضاء اللجنة العسكرية أبداً عن (أوراقهم)، حتى إلى بعض اتجاهات البعث المقربة إليهم، والتي كانت تجهل تماماً، اسم ووجود هذا التنظيم للضباط البعثيين. لقد كانوا يتحدثون إلى المجموعات والكتل المعادية للحكم الانفصالي، باللغة التي كان كل من هؤلاء يرغب بسماعها. ولكن كل تكتل عسكري من ناحيته كان يفكر بأنه سيستخدم التكتلات الأخرى في الوقت المناسب.

كان الضباط البعثيون يدركون تمام الإدراك بأنهم قليلو العدد، فحاولوا أن يعوضوا عن هذا الضعف بتقوية تلاحمهم التنظيمي وبسريتهم المطلقة وبتحركهم الواسع. وهكذا استطاعوا أن يعطوا انطباعاً عاماً للجميع بأنهم أكثر عدداً وقوة مما هم عليه في الواقع.

بعد إخفاق اللجنة العسكرية البعثية في الحركة الانقلابية التي شاركوا فيها في آذار 1962م، أبعد معظم الضباط البعثيين عن الجيش أو ألقي القبض على بعضهم. وحسب تأكيدات مصادر مختلفة: لم يبق في الجيش منهم سوى عدد قليل جداً، وفي مقدمتهم: (سليم حاطوم وصلاح جديد وسليمان حداد)، مع عدد من الضباط أقل شأناً ومن صف الضباط(8).

(يتبع)

==========

* اعتمدت في كتابة هذه الحلقات على كتابيَّ: (حزب البعث العربي الاشتراكي – صفحات مجهولة) وكتاب (حقيقة الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام في سورية).

1-ص(327/1)دندشلي-المصدر السابق، وص(85)وما بعدها-الجندي-البعث-المصدر السابق.

2-ص(97)الجندي-نفس المصدر.

3-ص(327/1)دندشلي-المصدر السابق.

4-ص(303)وما بعدها-مذكرات زهر الدين.

5-ص(327/1)دندشلي-المصدر السابق، وص(85)وما بعدها-الجندي-البعث-المصدر السابق.

6-ص(97)الجندي-نفس المصدر.

7-ص(327/1)دندشلي-المصدر السابق.

8-ص(303)وما بعدها-مذكرات زهر الدين.

___________

الحلقة الثانية

ياسمين آذار المخضب بالدماء

محمد فاروق الإمام

التنظيمات العسكرية المنافسة لتنظيم حزب البعث داخل الجيش السوري

الضباط الناصريون

يؤلف الناصريون على الصعيد العسكري اتجاهاً عريضاً يضم بين جنباته عدداً كبيراً من الضباط بالنظر إلى التكتلات الأخرى. ولكنه مع ذلك بقي تياراً عاماً، مجزأً، متناقضاً، وله عدة مراكز قوى للتقرير والتوجيه، ولم ينجح بالتالي في تكوين تنظيم موحد ومتماسك ومبني بناء قوياً، ولا في إيجاد خطة عمل تحدد الخطوات العملية وتتلاءم مع ظروف الواقع الجديدة. وكانت التعليمات والتوجيهات تأتيه من القاهرة أو من سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت. وكان يضع نصب عينيه هدفاً وحيداً، يتلخص في إزالة حكم الانفصال وإعادة الوحدة الفورية مع مصر.

مجموعات الضباط المستقلين

لقد كانت مجموعات الضباط المستقلين في الواقع، هي الأقوى من الناحية العددية.. ولربما الوحيدة التي يمكنها أن تقوم بعمل فعّال وحاسم ضد نظام الحكم. وإلى جانب الطموحين من كل نوع.. والفئات التي تسير مع التيار العام، فهي تحوي عناصر وحدوية وتقدمية دون أن نعطي إلى كلمة وحدوية وتقدمية معنىً محدداً وواضحاً. وإذا كان الضباط المستقلون وحدويين، ومتعاطفين مع القاهرة غير أنهم لا يفكرون أبداً في أن يتم هذا التعاون والتقارب بنفس طريقة الضباط الناصريين. لذلك فقد كان الاتجاه العام للضباط المستقلين أكثر ميلاً وأقرب للتعاون والتنسيق مع مجموعة الضباط البعثيين.

جماعة المقدم زياد الحريري

في النصف الثاني من عام 1962م، تجمع عدد من الضباط حول المقدم (زياد الحريري) قائد الجبهة السورية-الإسرائيلية، ثم انضم إليه اللواء (عدنان عقيل)، رئيس شعبة المخابرات، واللواء (نامق كمال) رئيس أركان الجيش والقوات المسلحة.

يقول اللواء عبد الكريم زهر الدين في مذكراته: (إن المؤامرة كانت تحاك في وضح النهار وبالعلن، دون أن يكون في استطاعة حكومة خالد العظم العاجزة من أن تضع حداً لتدهور الأوضاع التي ستؤدي حتماً إلى زوالها وزوال عهد الانفصال معها)(1).

في مطلع عام 1962م، اتفقت المجموعات الثلاث داخل الجيش السوري على تنفيذ انقلاب عسكري مشترك، يطيح بالانفصال. ولكن رغم هذا الاتفاق فإن الحذر وسوء النية والشك وعدم الثقة فيما بينها كان طابع العلاقات بين الناصريين والبعثيين.

وقعت في أوائل عام 1963م حادثتان في غاية الأهمية: محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها (عبد الكريم النحلاوي) في 13 كانون الثاني. واستلام البعث السلطة في العراق في 8 شباط، والذي كان دعماً سياسياً ومعنوياً للضباط البعثيين السوريين.

بعد نجاح حركة البعث العراقي، وجد أعضاء اللجنة العسكرية أنفسهم مرغمين على تحسين صلاتهم بالقيادة القومية، التي من خلالها يحكم البعث في العراق. فقد صرح الحكام الجدد في العراق علناً بانتمائهم إلى اتجاه الأمين العام للحزب (ميشيل عفلق). عند ذلك لعب الضباط البعثيون السوريون بدهاء ورقة المقدم (زياد الحريري) الذي تحدد له بالفعل دور (حصان طروادة) وكان يخضع تحت مراقبة حذرة من قبل ضابطين بعثيين هما: (سليم حاطوم وسليمان حداد) اللذان كانا عضوين في قيادة الجبهة السورية-الإسرائيلية(2).

الشركاء المتربصون ببعض

وفي منتصف شهر شباط تقريباً، وضع منظمو الحركة الانقلابية لمساتهم الأخيرة على خطتهم الانقلابية: وقبل (48) ساعة من بدء عملية التنفيذ، سمّي (صلاح الدين البيطار) رئيس حكومة (اتحاد وطني)، بغض النظر عن التحفظات التي كان يبديها أعضاء اللجنة العسكرية بالنسبة لشخصه. وقد كانت لهذه التسمية أسبابها الجوهرية، وهي تتلخص في أن البيطار يحوز على ثقة القيادة القومية، ولا يثير كثيراً من مخاوف الناصريين. وقد تحددت ساعة الصفر في (7) آذار لانطلاق التحرك العسكري.

في هذه الأثناء بالذات حصل تعديل في قيادة الأركان العامة للجيش، وعين بعض الضباط الناصريين في مراكز مهمة، خاصة الشخصية القيادية فيهم اللواء (راشد القطيني) الذي سمي رئيساً لشعبة المخابرات، وكذلك اللواء (محمد الصوفي) العائد من الاتحاد السوفييتي، وعين قائداً للواء الخامس في حمص.

هذا التحول الجديد الذي لم يكن يتوقعه الناصريون، دفع القطيني والصوفي، في (6) آذار، إلى تراجعهما وإقناع حلفائهما من البعثيين بالرجوع كذلك عن قرارهم والتخلي عن مشروعهم الانقلابي. وفي حال إصرار البعثيين على تنفيذ خطتهم كما هي موضوعة، فإنهما لن يشتركا معهم في هذا التحرك العسكري. وكانت حجتهما أن الوضع العام في الجيش قد تحسن وأصبح أكثر ملاءمة من السابق للقيام بثورة (بيضاء)(3). .

لقد فرض على منظمي الانقلاب بعد تخلي الضباط الناصريين أن يدخلوا بعض التغيير في خطتهم، وأن يؤخروا تنفيذ عمليتهم مدة أخرى، فإن ابتعاد الناصريين وموقفهم السلبي من الحركة، أدى خدمة كبيرة لم يكن يحلم بها أعضاء اللجنة العسكرية، حيث أصبح الطريق ممهداً أمام الضباط البعثيين لكي يلعبوا دورهم كنواة وحيدة ومنظمة تنظيماً دقيقاً، وأن يكونوا محور الحركة الانقلابية، وبالتالي محور النظام الجديد.

لقد كان الضباط الناصريون - كما ذكرنا سابقاً - يشكلون على الصعيد العسكري، اتجاهاً عريضاً يضم عدداً كبيراً بالنظر إلى التكتلات الأخرى، ولكنه اتجاه مجزأ ومفكك وضعيف وغير متجانس ولا متلاحم، جمعتهم العاطفة ونشوة الوحدة، كذلك كان هذا التشكيل مخترق من قبل عناصر مدسوسة دسّتها اللجنة العسكرية البعثية بين أفرادها.. وفوق ذلك لم تكن لهم قيادة موحدة أو مرجعية يلتفون حولها.

أما الضباط المستقلون فقد تبلور موقفهم حول المقدم زياد الحريري، قائد الجبهة السورية مع إسرائيل، وكان معه من الضباط الكبار اللواء عدنان عقيل رئيس شعبة المخابرات، واللواء نامق كمال رئيس الأركان(4).

في منتصف شهر شباط تقريباً، وضع رجال اللجنة العسكرية لمساتهم الأخيرة على خطتهم الانقلابية. وقبل 48 ساعة من بدء عملية التنفيذ، سمي صلاح الدين البيطار رئيس حكومة (أتحاد وطني) وسبب اختيار اللجنة العسكرية لصلاح الدين البيطار، أنه يحوز على ثقة القيادة القومية، ولا يثير مخاوف الناصريين. وتحددت ساعة الصفر يوم 7 آذار 1963م لانطلاق التحرك العسكري(5).

أمام تخلي الناصريين عن المشاركة في مشروع الانقلاب، اضطر البعثيون إلى أن يدخلوا بعض التغيير في خطتهم، وأن يؤخروا تنفيذ عمليتهم 24 ساعة. فأصبح التاريخ الجديد لساعة الصفر صباح يوم الثامن من آذار، ومن ناحية أخرى شعر البعثيون بعد ابتعاد الناصريين عنهم وكأنهم أزاحوا كابوساً عن ظهورهم. وهكذا أصبحت الطريق ممهدة للانفراد بالانقلاب(6).

==========

1-ص(418-419)مذكرات زهر الدين، وص(328/1)دندشلي-المصدر السابق.

2-ص(329/1)حزب البعث-المصدر السابق.

3-جريدة البعث الصادرة يوم 20 أيار 1963م-أسرار ثورة 8 آذار.

4-انظر ص(418) وما بعدها-مذكرات زهر الدين.

5-لقد كان أعضاء اللجنة العسكرية على درجة عالية من المكر والتخطيط للوصول إلى الهدف، وهو تسلم السلطة في سورية، فقد لعب كل منهم الدور الذي حُدد له بمهارة عالية.

6-ص(112و117-118)الجندي-المصدر السابق.

=========================

الفيصل وكيري وأميركا المتوارية!

راجح الخوري

2013-03-06

النهار

قمة الاثارة جاءت من المؤتمر الصحافي المشترك بين الامير سعود الفيصل وجون كيري وقد ركّز على الموضوعين الاكثر خطورة وسخونة واللذين شكلا محور محادثات كيري في جولته الخليجية اي الازمة السورية والمسألة النووية الايرانية.

التدقيق في أبعاد ما سمعناه يكشف ان كل ما قاله كيري يؤكد ان السياسة الاميركية في المنطقة تتسلل الى الظل مستعيدة روح "مبدأ مونرو"، وان كل ما قاله الفيصل كان لتعرية هذا التسلل والاضاءة عليه ليس لأن المسألة تتعلق بدور اميركا بل لأنها تتعلق بالأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم التي طالما اعتبرتها واشنطن ضرورية لأمنها القومي!

في المسألة السورية كان مثيراً للاشمئزاز ان يحاول كيري بيع الكلمات الفارغة "سنواصل مع اصدقائنا تمكين المعارضة السورية كما فعلنا في روما، لكننا نأمل في حل سلمي ونتمسك بالحذر من ان يصل السلاح الى الايدي الخطأ لا الى المعتدلين"، وهكذا عندما تحدث الفيصل بدا واضحاً ان الانهيارات الداخلية راحت تجتاح كيري"ان ما يحدث في سوريا يعد قتلاً للأبرياء. لا يجوز الصمت عن المجزرة. لدينا واجب اخلاقي ان نحمي هذا الشعب. لم نسمع في التاريخ ان يقوم نظام باستخدام اسلحة استراتيجية وصواريخ لضرب شعبه من الاطفال والنساء والعجّز"!

اما عندما اكمل الفيصل بالقول: "امام كل هذا نحن نتحدث عن توفير الغذاء ونتجادل في ذلك"، فلا بد من ان يكون كيري أحس بأنه وزير خارجية دويلة في مجاهل العالم الثالث لا اقوى دولة في العالم ترفع لواء الديموقراطية وحقوق الانسان لكنها تتعامى عن مذبحة قتل فيها حتى الآن اكثر من 80 الفاً ودمرت سوريا!

اما في المسألة النووية الايرانية فقد كان مثيراً للسخرية ان يحاول كيري التلويح بالعصا الغليظة لمنع طهران من امتلاك السلاح النووي، وخصوصاً ان جولة المفاوضات الاخيرة بين مجموعة (5 +1) والايرانيين في آلماآتا كشفت ان الاجتماعات لم تؤد الى اي نتيجة لأن طهران تدرك ان رفضها العروض حقق لها المكاسب دائماً في حين يواصل الغرب التلويح بتخفيف العقوبات بحجة السعي الى دفع عجلة المفاوضات.

فعندما يقول كيري ان البرنامج النووي الايراني يشكل تحدياً وان المحادثات مع طهران لن تستمر الى ما لانهاية ونحن لن نقبل التأخير، يبدو مراوغاً مكشوفاً على الاقل بالنسبة الى صحيفة "الواشنطن بوست"، التي تتحدث عن "سذاجة" المفاوضين الغربيين الذين يواصلون علك الصوف مع ايران التي لم ترد بعد على مقترح القوى الست وانها تكسب مزيداً من الوقت. وهكذا جاء تعليق الفيصل فيصلاً بقوله ان التفاوض ليس المخادعة والتلاعب، فايران لم تثبت جديتها وهي تفاوض لكسب الوقت واستمرار التفاوض بهذه الطريقة سيضعنا في النهاية امام سلاح نووي!

=====================

"حزب الله" والتدخّل العلني في سوريا

عبد الوهاب بدرخان

2013-03-06

النهار

لم يُسأل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وبالتالي لم يعط رأياً أو يرد على ما قاله نظيره العراقي نوري المالكي من "حرب أهلية في لبنان" في حال انتصار الثورة السورية وسقوط النظام. لكن ميقاتي اعتبر ان كلام السيد حسن نصرالله عن "الفتنة" كان "استنهاضياً" للوطن والشعب، ولم يحدّد أي وطن وأي شعب، ولم يشرح ما هي وجهة الاستنهاض. الأرجح أن حتى نصرالله لم يتخيل أن هذا الوصف يناسب التهديدات المبطّنة التي أدلى بها. ذاك ان الأمين العام لـ"حزب الله" وزعيم "حزب الدعوة" العراقي تحدثا في ضوء ما تعتزمه ايران وما يتعهدان تنفيذه.

بلغ النأي بالنفس عند ميقاتي حد عدم التدخل في ما يفعله "حزب الله" في القصير، داخل سوريا، وكأنه لا يعنيه، رغم دفاعه القوي عن تحييد لبنان وفقاً لسياسة الحكومة و"اعلان بعبدا". فأين هذان "الاعلان" و"السياسة" من انفراد "حزب الله" بالتدخل المباشر في سوريا، وبالسلاح الثقيل، وتركه الحديث عن تورطه يتخذ شيئاً فشيئاً الصفة العلنية حتى يصبح جزءاً لا يتجزأ من المشهد السوري. هذا يفترض ان الحكم والحكومة يعتبران "حزب الله" كياناً غير لبناني، وانه موجود على الحدود هناك بصفته الايرانية، وبحكم التنسيق بين النظام السوري وايران، أي انه لا يبقى للدولة اللبنانية سوى السكوت أمام الأمر الواقع.

هل ان السكوت يضفي "شرعية" على تدخل "حزب الله" في سوريا؟ الجواب: بمقدار ما انه يعطي "شرعية" لـ"السلاح غير الشرعي" داخل لبنان. وفي الحالين لا يبالي "حزب الله" بأن تكون له شرعية، ولا يكترث، فلبنان ارض سائبة يتصرف فيها وبها كيفما تشاء طهران. اما "الدولة" الموجودة على تلك الارض فلها مهمة واحدة هي ان تغطي الممارسات "غير الشرعية" للحزب، بل ان تتولى حماية خطوطه الخلفية، لذلك ينشط الأمن عملياته داخل لبنان. وهذا أمر يريده اللبنانيون ويطلبونه يومياً وبإلحاح، لكنهم مدعوون الى قبول ثمنه فإما السكوت على المغالات الخارجية لـ"سلاح المقاومة" وإما "الفتنة" في الداخل.

لكل من حسن نصرالله ونوري المالكي مشكلة مع المكوّنات الأخرى في البلدين اللذين يحكمانهما ويخضعانهما للمشروع الايراني. وعلى هذا فإن المفهوم الايراني لـ"الحل" في سوريا يتعارض مع اي حوار ليتماهى مع اي حسم عسكري وإلا فإشعال المنطقة.

في المقابل، اذا كان الحكم والحكومة يتوقعان امتنان اللبنانيين لدرئهما خطر الفتنة "عنهم فلعلهما يدركان ان تغطيتهما ولو القسرية لـ"حزب الله" ربما تؤسس لفتنة أشد وأوهى. وانطلاقاً من ذلك يزداد الاحباط من عجز الدولة وتفككها وانكشافها ديكوراً للمشروع الايراني الذي سجل أيضاً حضوره وسطوته واستعداده للتأثير في الانتخابات، اذا أمكن اجراؤها.

=====================

حرب كونية على "النظام" أم على "الثوار"؟

سركيس نعوم

2013-03-06

النهار

الطريقة التي يتعامل بها النظام السوري مع التحركات الخارجية الى إنهاء الأزمة – الحرب التي قارب عمرها سنتين والتي أودت بعشرات الآلاف والتي تدمّر سوريا وتنهي دورها المحوري في المنطقة، هذه الطريقة تنطوي على تناقضات كثيرة وتثير حيرة متابعين لأوضاعها. وعلى ذلك امثلة عدة. منها اتهام النظام السوري الولايات المتحدة بالمسؤولية عن نشوب ما يسمى ثورة شعبية. وهو اتهام في غير محله لأن الادارة الاميركية فوجئت بالثورة السورية مثلما فوجئت بالثورات العربية الاخرى. إلا ان الذي في محله هو القول ان واشنطن بادرت فور بزوغ "الربيع" العربي الى الاستعلام لمعرفة ما يجري ومدى تأثيره على مصالحها وتالياً لدفع تطوراته في الاتجاهات التي تخدم مصالحها، بغض النظر عن مصالح الثائرين او الأنظمة التي ثاروا ويثورون عليها. وهو اتهام في غير محله ايضاً لأن الادارة الاميركية امتنعت وعلى امتداد الاشهر الستة الاولى للثورة السورية، عن اتخاذ موقف ايجابي ورسمي منها ومن مطالبتها باسقاط النظام وتنحّي الرئيس الاسد. ولم يكن ذلك إلا تعبيراً غير مباشر عن خوف ربما من الثورة او من تشرذمها أو من احتواء فصائل تكفيرية "ارهابية" لها، وعن اقتناع بقدرة النظام على حسم الامور لمصلحته. لكنها عندما تأكدت من عجزه عن الحسم، انتقلت الى تبني موقف الثورة منه. وهو اتهام في غير محله ايضاً لأن النظام السوري يتمنى ان تقف معه الولايات المتحدة ضد الثوار. وقد عبّر عن ذلك مباشرة ومداورة بالقول انها لا تعرف مصلحتها. فهو يحارب في سوريا اعداء الغرب. وهؤلاء هم مقاتلو التيارات والجبهات الاسلامية الاصولية السنّية التكفيرية والعنفية التي تعتبر "القاعدة" مثالاً لها. ويعرف الجميع ما فعله تنظيمها بأميركا في آخر عقدين من القرن الماضي وفي 11 أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن.

ومن الأمثلة ايضاً اقتناع النظام السوري بأن ما يتعرّض له داخل بلاده ليس ثورة شعبية، وإنما حرب كونية تشنها عليه غالبية المجتمع الدولي والدول العربية والدول غير العربية في المنطقة، طبعاً باستثناء الجمهورية الاسلامية الايرانية وروسيا والصين. والاقتناع المذكور في غير محله. فتركيا داعمة الثورة منذ انطلاقتها لم تنفذ ما وعدت به او ما أوحت انها تعد به، ولم تقدم الا مساعدات انسانية وتدريبية على اراضيها، وتسهيلات لمرور الاسلحة وربما المقاتلين. ولم يكن ذلك حرصاً على نظام الاسد، بل كان نتيجة ادراكها ان طموحاتها ووعودها أكبر من قدرتها. وكان ايضاً نتيجة موقف دولي (اوروبي – اميركي) بتقديم اللازم للثوار كي لا يهزمهم الاسد، وكي يستمر تقدمهم البطيء، وكي لا يهزموه في سرعة على الاقل. ومن الامثلة ثالثاً ان من يحارب النظام في سوريا ليس شعبها الذي لا يزال موالياً له بأكثريته، بل هم الارهابيون التكفيريون الذين يرسلهم عرب ومسلمون متطرفون بمباركة من اسرائيل والعالم. وهذا اتهام غير دقيق بل غير صحيح. ففي سوريا "ارهابيون" بتصنيف نظامها كما بتصنيف حلفائها الاقليميين والدوليين وتصنيف "اعدائها" الغربيين. لكن هؤلاء دخلوا سوريا وقبلهم ثوارها عندما امتنع "حلفاؤهم" عن تقديم ما يلزمهم من سلاح كما وعدوا سابقاً. وهؤلاء لا يتجاوز عددهم في احسن تقدير الـ8 أو 10 آلاف مقاتل. فهل يتصور عاقل ان هؤلاء قادرون على السيطرة على نحو 60 في المئة من ارض سوريا او 50، أو على الاقل في الاشتراك مع قوات النظام في السيطرة عليها؟ طبعاً لا. وذلك دليل اساسي على ان غالبية الثوار هم من الشعب السوري العادي. وربما على ان الثوار هم من يتعرضون لحرب كونية ايضاً.

في اختصار ليس القصد من هذا الكلام ابداء موقف ضد النظام أو مع الثوار في سوريا. بل هو دعوة الاول الى عدم الوقوع في وهم الاعتقاد بقدرته على دفع روسيا والصين من جهة واميركا من جهة اخرى الى الحرب من اجله. فهما الآن يتحاربان بواسطته ويرفضان ان يتحاربا مباشرة. وعندما يتفاهمان على مصالحهما سيكتشف، كما سيكتشف ربما الثوار، انهم ليسوا اكثر من اوراق. وهو ايضاً دعوة النظام وحلفائه الى تجنّب ما يسمى "الفكر الامنياتي" الذي يؤملهم في تفاهم دولي – اقليمي شامل لا يكون على حسابهم. فتفاهم كهذا لا يزال بعيداً سواء على سوريا او مع ايران. والقريب لا يزال الدمار والحرب في الداخل، وربما حرباً تُستدرّج اليها اسرائيل مع سوريا لتفجير الوضع في المنطقة، ولدفع الاميركيين الى الاقتناع بأن لا حل عندهم سوى التفاهم مع "الاقوياء" فيها.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com