العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10/2/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الحوار ما زال بعيداً

عبدالله إسكندر

النهار

الأربعاء ٦ فبراير ٢٠١٣

كل الناس انشغلت بإعلان رئيس الائتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب باستثناء الطرف الآخر المعني بهذا الحوار، أي النظام في دمشق. وبغض النظر عن دوافع إعلان الاستعداد للحوار وشروطه ومبرراته وأهدافه، يتحدث كل من الخطيب والنظام السوري عن شيئين مختلفين لا علاقة لأي منهما بالآخر.

فالنظام بدأ الحوار الذي يبتغيه منذ فترة طويلة، وكلف رئيس الحكومة برعايته. يجري النظام هذا الحوار مع نفسه وأتباعه، ليس من أجل إيجاد حل في البلاد وإنما من أجل الاستمرار في التصدي للإرهابيين، أي كل الفئات والأحزاب والجماعات السورية المعارضة. وهو يرحب بالحوار مع كل من لم تتلطخ أيديه بالدماء ولم يساعد الإرهابيين ومن يعترف بمرجعية النظام، أي يستبعد مسبقاً جميع الذين يبدون أي تحفظ عن مفهومه لطبيعة الأزمة وكيفية معالجتها، وجميع الذين لا يرتبطون مباشرة بأجهزته وأصحاب القرار فيه.

لقد روج النظام لهذا النوع من الحوار، وبدا لفترة أن روسيا والصين دعمتا الخطوة ودعتا المعارضة حينذاك للمشاركة فيه، لكنهما اليوم باتتا تخجلان من مثل هذه الدعوة التي يقتصر مؤيدوها على طهران وأنصارها. نظراً إلى انكشاف نوعية حوار كهذا كتغطية للحل الأمني وإلى ما ينطوي عليه هذا من مراوغة ومحاولات لكسب الوقت.

وأقصى ما يمكن أن يقبل به النظام حالياً هو أن يعلن الخطيب، ومن هم في موقعه، الانضمام إلى الحوار الرسمي. وذلك بعد إعلان نقد ذاتي، بعد فترة ضلال، وإعلان أن النظام وسياسته هما المرجعية في الحوار.

الأكيد أن الخطيب، ولا أحد غيره في المعارضة السورية، في وارد القبول بهذا النوع من الحوار الذي هو أحد أدوات الحل الأمني. لكن يبدو أن ثمة قراءة، يمكن استخلاصها من جملة تصريحات، تعتبر أن الحل العسكري غير متوافر لأحد طرفي المعادلة وأن الموقف الدولي لن يشهد تغيراً يتيح تغيير ميزان القوى على الأرض، فالأجدى إذن التوجه إلى حل سياسي عبر التفاوض.

وليس صدفة أن يسمي الخطيب نائب الرئيس فاروق الشرع كمحاور عن النظام. ففي جملة الأفكار التي جرى تداولها منذ مهمة كوفي أنان، وتم تكرارها في إعلان جنيف وفي ثنايا أفكار الأخضر الإبراهيمي أنه ينبغي الحفاظ على وحدة الدولة السورية التي يمثل نائب الرئيس أحد أوجهها البارزة في الوقت الذي لم يعرف أنه مشارك في الحل الأمني.

ووجدت هذه الأفكار صداها حتى عند الشرع نفسه الذي خرج في مقابلة صحافية قبل فترة يتحدث فيها عن استحالة الحل العسكري وضرورة التفاوض.

هكذا التقى الخطيب والشرع على ضرورة التوجه إلى نوع آخر من الحوار، غير ذلك الذي يجريه النظام مع نفسه. لكن، كما أعلن النظام، عبر الشرع عن وجهة نظر شخصية مرفوضة، واستبعد صاحبها من حوار الحكومة. كما عبرت جماعات المعارضة السورية عن رفضها لتوجه الخطيب الذي اعتبرت دعوته مبادرة شخصية.

وفي الحالين، تبدو الدعوة إلى الحوار صادرة عن غير ذي صفة وغير ذي قدرة، وأكثر من ذلك لا يملك صاحبها أدوات فرضها، على رغم النيات التي يمكن أن تكون وراءه.

وفي الوقت الذي يستمر النظام في الحوار الذي وضعه على مقاسه، يظل بعيداً الحوار الجدي المفضي إلى تسوية فعلية للأزمة السورية تأخذ في الاعتبار ليس المطالب الشعبية فحسب وإنما محاسبة الذين دمروا سورية وشردوا شعبها وقتلوا عشرات الآلاف منه.

========================

إشراك روسيا في حل الأزمة السورية

الشرق الاوسط

2-6-2013

ديفيد اغناتيوس

ميونيخ - تعد سوريا أصعب وأخطر مشكلة يواجهها العالم حاليا، لكن تم طرح فكرتين على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ يمكن أن تنجحا في حث روسيا على الاضطلاع بدور بناء في حل الأزمة، بدلا من السماح لها بأن تظل تلعب دور المتفرج المعوق. ولم تؤت أي من هاتين المبادرتين ثمارهما حتى هذه اللحظة، ومع الأسف لا يزال الوضع يبدو مثل حرب حتى الموت. وظل موقف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، راكدا بإصرار كما اتضح خلال تصريحاته في المؤتمر، حيث أكد معارضة روسيا لأي تدخل للإطاحة بالرئيس بشار الأسد. مع ذلك، دعونا نلق نظرة على الفكرتين الجديدتين بدلا من التمسك بالتعنت القديم:

يقال إن نائب الرئيس، جو بايدن، اقترح في اجتماع خاص مع لافروف يوم السبت أن تعمل كل من روسيا والولايات المتحدة معا من أجل السيطرة على الأسلحة الكيميائية في سوريا في حالة سقوط نظام الأسد.

وتشبه هذه الفكرة التي تقوم على التعاون الروسي - الأميركي لتفادي انتشار أسلحة دمار شامل، واحدة من أكثر المحاولات المشتركة إيجابية عقب نهاية الحرب الباردة عندما تعاونت الدولتان من أجل الحيلولة دون سقوط ترسانة الأسلحة النووية السوفياتية في أيدي آخرين. وعرفت تلك المحاولة باسم برنامج «نان - لوغار» التعاوني للحد من التهديد. وسمي البرنامج باسم عضوين في مجلس الشيوخ هما سام نان وريتشارد لوغار اللذان أقراه عام 1992.

في حالة سوريا، قد تكون المحاولة المشتركة لتأمين ترسانة الأسلحة الكيميائية بمثابة ضمانة لروسيا تؤكد اضطلاعها بدور في أمن واستقرار سوريا والمنطقة في المستقبل.

سوف يقلل هذا أيضا خطر وقوع تلك الأسلحة في أيدي الجماعات الجهادية مثل جبهة النصرة التي لها علاقة بتنظيم القاعدة.

وأكد الشيخ معاذ الخطيب، رئيس ائتلاف المعارضة السورية، مساء الجمعة الماضي في ميونيخ رغبته في لقاء ممثل مقبول لنظام الأسد «من أجل التخفيف من معاناة الشعب السوري». لقد قدم هذا الاقتراح في بداية الأسبوع الماضي وصُبت عليه اللعنات من الأعضاء الآخرين الأكثر تشددا في صفوف المعارضة. مع ذلك، تعد رغبته في عرض المقترح مرة أخرى خلال مناقشة نظمتها هنا مساء الجمعة الماضي مؤشرا إيجابيا. ورحب بمقترحه الأخضر الإبراهيمي، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا الذي كان مشاركا هو الآخر في النقاش. الأمر الأكثر تشجيعا كان رد لافروف يوم السبت الماضي بعد مقابلته الخطيب في اجتماع مغلق. لقد وصف رغبة زعيم المعارضة السورية في التفكير بإقامة حوار مع ممثلين للنظام السوري بأنها «خطوة مهمة»، وقال إن روسيا مستعدة للعمل مع المعارضة من أجل تسهيل إجراء هذه المحادثات. على المعارضة أن تقرر حاليا رموز نظام الأسد من ذوي «الأيادي النظيفة» بالقدر الكافي الذي يجعلهم مؤهلين للمشاركة في الحوار. ويعد الفصل بين العناصر «التي يمكن التصالح معها»، وتلك «غير القابلة للتصالح معها» في النظام، خطوة أساسية في أي انتقال سياسي يتم التفاوض عليه.

يمكن القول صراحة إنه من دون مساعدة روسيا لن تكون هناك طريقة للخروج من الأزمة السورية. لقد كتبت منذ أشهر أنه من الضروري أن تركز المهمة الدبلوماسية الأميركية غير المرجحة على الحصول على جائزة نوبل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إذا نجح في وضع حد للصراع السوري. من المؤكد أن احتمالات نجاح هذا الأمر ضعيفة، لكن من الجيد أن يسمع المرء بفكرتين حول كيفية قيام روسيا بدور إيجابي في سوريا بدلا من تشجيعها على التدمير المستمر.

* خدمة «واشنطن بوست»

========================

لماذا تماسك النظام؟

الشرق الاوسط

ميشيل كيلو

يتمتع النظام السوري بسمعة تقول إنه نظام متماسك ومتكور على ذاته وغير قابل للتفتت أو التفكك، وعنده القدرة على القتال بما يتوفر له من إمكانات حتى نهاية العالم.

هذه السمعة تنقض صحتها الوقائع التالية:

- عدد من انفكوا من الضباط والجنود وعناصر الأمن من مختلف الرتب عن أجهزة السلطة الأمنية والتعليمية، وعن جيشها وقضائها، وبادروا إلى تأسيس أجهزة دولة بديلة كالجيش والقوات المسلحة، التي ربطت نضالها بالنظام الجديد وشرعت تقاتل منذ الأشهر الأولى للحراك المجتمعي السوري، وتعمل على حماية المتظاهرين العزل، بعد أن ألزمت نفسها بمطالبهم في الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة ووحدة الدولة والشعب، وأضافت إليها فكرة جعلت من نضال سوريا الراهنة معركة استقلالها الثاني، أي معركة تحريرها من استعمار داخلي عضوض قتل من السوريين أعدادا أكبر بكثير جدا من تلك التي قتلها منهم الانتداب الفرنسي والإسرائيليون.

- تفاوت الروح القتالية والمعنوية بين قوات النظام، وخوض الفرق والألوية النظامية معاركها بنصف قلب، وتخليها عن سلاحها في حالات كثيرة، وانسحابها في بعض الأحيان من مواقعها بعد قليل من نشوب المعارك ضدها أو مهاجمتها، حتى صارت معنويات ضباطها وجنودها نقطة ضعف لم يعرف النظام كيف يحد من آثارها السلبية بغير فرض رقابة أمنية صارمة على المقاتلين، أكلت كثيرا من قوة أجهزته وأرغمته على تكريس قوى متزايدة العدد لحراسة تماسكه المطلوب. في المقابل، تبدي الوحدات ذات العصبية السلطوية مقاومة واضحة وتمارس عمليات اقتحام وقصف لا تميز بين مدني وعسكري، تستهدف غالبا قرى وبلدات ومدن المواطنين السوريين الآمنين، الذين يعاقبون على عدم ولائهم للنظام وما يساوره من شكوك حول العمل ضده. هؤلاء بالذات يشكلون النواة الصلبة لقوات النظام في الجيش والأمن، التي لم تتفكك إلى الآن، وتعتبر حامل النظام الرئيسي وحاميه المخلص. لكن أنباء كثيرة تؤكد وجود انزياح في معنوياتها ومواقف ضباطها، الذين بدأوا يؤمنون باستحالة الانتصار في المعركة الدائرة منذ قرابة عامين، ويظهرون شكوكا متزايدة في حكمة سياسة تدفع بهم إلى صراع لا أفق له، حتى في حال انتصروا فيه، سيكون من المحال استعادة أوضاع سوريا الطبيعية بعده، سواء بالنسبة إلى السلطة أو إلى الشعب. بقول آخر: إذا ما توفر اليوم برنامج عمل وطني يشارك فيه بعض هؤلاء ويفتح الباب أمام حل آمن يفصل بينهم وبين النظام من دون أن يحملهم تكاليف سقوطه، يمكن لتفكك نواة السلطة الأمنية الصلبة أن يصير أمرا واقعا يلعب دورا مهما في تقريب نهايتها، وإخراج سوريا من المأزق الحالي المرعب.

هل تملك المعارضة شجاعة وحكمة بلورة برنامج عمل وطني جامع لا يقوم على ضمانات لفظية بل على مشاريع عملية واقعية وتشاركية، تحمي الناس بما تمنحه لهم من أدوار تخدم الوطن والمواطن إلى أي جهة انتمى، فيأمن على نفسه ولا يكون بحاجة إلى تطمينات لا تغني ولا تسمن، يعلم أنها لا تلزم أصحابها بعد سقوط النظام، ولا تترك لدى الخائفين من المواطنين غير الإحساس بعدم الأمان، وأن مصيرهم مرتبط بإرادة من يحمل السلاح ضدهم اليوم، ولا يعلمون ما قد يكون قراره حيالهم غدا؟ أعتقد أن تفكك النظام يرتبط بالجواب عن هذا السؤال، الذي يجب أن يجيب عنه بكل وضوح وصراحة مجموع الصف المعارض، بما في ذلك ضباط ومقاتلو الجيش الحر، الذين عليهم دعوة زملائهم السابقين من ضباط الجيش الرسمي إلى الانفكاك عنه، والانضمام إليهم أو إلى تشكيلات مشتركة تضم مجموعات مختلطة تضمن الأمن والسلام في مناطقها، وتعيد المهجرين والمشردين إلى قراهم ومدنهم، وتمنع جميع أنواع التعديات عليهم، وتعمل على استعادة اللحمة الوطنية بين السوريين لأن تمزيقها لا يفيد أحدا غير أسرتين أو ثلاث أسر حاكمة، لم تمثل يوما إرادة أي جهة شعبية أو تكوين مجتمعي أصيل في بلادنا، ومن غير المقبول أن يديمها موقف معارض، يفتقر افتقارا تاما إلى بعد وطني جامع، فهو يدعو إلى الانتقام لدى بعض الأطراف، وإلى الثأر لدى أطراف أخرى، ويرى سوريا بعين الإقصاء والتمييز ولا يراها بعين الوطنية الجامعة وحاجة مكوناتها بعضها إلى بعض، كي تبقى سوريا وطنا واحدا، اليوم وفي المقبلات من الأيام.

لماذا لم تفكر المعارضة بفصائلها المدنية والعسكرية بهذا الحل، الذي ينسجم مع الديمقراطية، مطلبها الرئيسي المزعوم؟ ومتى تتخلص من هذا النقص المدمر في موقفها من مسألة وطنية على هذا القدر من الأهمية والحساسية، يتوقف عليها مصير بلادنا اليوم وغدا، بمعنى الكلمة الحرفي؟ ومتى تضع تصورا برنامجيا واضحا يقوم على استعادة علاقات السوريين الطبيعية، التي كانت نموذجا يضرب به المثل في التآلف والعيش المشترك، لكن النظام نجح في تخريبها بعد حملات تخويف مرعبة نظمها بكل عناية وتصميم، أفاد فيها بوجود تقصير مخزٍ في سياسات المعارضة تجاه مكونات معينة ومهمة جدا من الجماعة الوطنية السورية، جعلها عاجزة إلى اليوم عن الحد من تأثير النظام البالغ السلبية والإيذاء على قطاعات واسعة منها، دفعها إلى الوقوف معه، وأجبر قطاعات منها على القتال تحت قيادته، لمجرد أنها لم ترَ لنفسها مكانا آمنا تذهب إليه، أو خافت ألا تجد مكانا كهذا، في حال انشقت عنه؟ السؤال الآن: هل المعارضة، بما فيها الجيش الحر والكتائب المقاتلة، على استعداد لتقديم مثل هذا المكان لمن يتركون صفوف النظام، والنظر إلى هؤلاء بوصفهم شركاء في الوطنية انتقلوا إلى جانب الشعب، ولا بد من إعطائهم كامل الحق في الدفاع عن أنفسهم وعنه، وتزويدهم بالمستلزمات الضرورية لذلك من سلاح ومال وغذاء، جنبا إلى جنب مع إخوتهم في المقاومة الوطنية السلمية والمسلحة؟

بقيت نقطة أخيرة، وهي أن النظام أدخل في روع كثير من أنصاره أن نظامه يضمن حياتهم وأمنهم، وأن زواله يعني زوالهم الجسدي، وحلول نظام بديل محله لن يكون لهم أي مكان فيه، يختلف عنه اختلاف الليل عن النهار.. هذه النقطة التي تثير قلق الكثيرين خاطئة من ألفها إلى يائها، لأن الديمقراطية سترى في هؤلاء مواطنتهم لا طائفتهم، وستمنحهم حقوقا مساوية لحقوق غيرهم، ودورا يحميه القانون والشعب في تقرير الشأن العام، يعزز حقوقهم ويصونها ولا ينتقص منها، علما أن المجال العام سيبقى مفتوحا أمامهم، وسيكون باستطاعتهم أن يصيروا نوابا ووزراء وموظفين ورجال علم وضباطا وجنودا في جيش بلادهم الوطني... إلخ. بكلام آخر: إن النظام البديل يمثل مصلحة وطنية وإنسانية بالنسبة لهؤلاء، ولن يأخذ منهم شيئا يمتلكونه اليوم غير موالاتهم لآل الأسد ومخلوف ومن لفّ لفهم، علما أن من يستشهدون من السوريين في سبيل الحرية لا يفعلون ذلك كي يحرموهم منها، بل ليجعلوا منهم أيضا مواطنين أحرارا كغيرهم، فهم يستشهدون من أجلهم أيضا، رغم أنهم يقفون اليوم على الجانب الآخر من جبهة القتال، ويخوضون معركة ليست بالقطع والتأكيد معركتهم.

يعتبر تفتيت نواة السلطة الصلبة مصلحة وطنية عليا لا بد أن يشارك جميع السوريين في تحقيقها، بما في ذلك من ينتمون اليوم إلى النظام.. فهل ننتظر أن تتفتت من تلقاء نفسها خلال فترة قد تكون طويلة، أم نقوم بما يتطلبه الواجب الوطني لفعل ذلك، فننقذ حيوات آلاف السوريين، بما في ذلك حيوات كثيرين من مواطنينا الذين يقاتلون في صفوف جيش وأمن السلطة؟

========================

في النظام السوري والمعتقلين والتفاوض والإبراهيمي

طلال المَيْهَني

2013-02-05

القدس العربي

لم يأتي خِطابُ الرئيس السوري بجديد. فقد عاد ليؤكدَ أنه يتحدث باسم شريحةٍ من السوريين على حساب شرائح أخرى من السوريين المعارضين لحكمه قام بوصفهم، وباتهامٍ تعميميٍ واستعلائيٍ، بأنهم حفنةٌ من المجرمين، وأنه ماضٍ في استخدام العنف كسبيلٍ لإدارة الكارثة التي تعصف بالوطن. ويدلُّ هذا على إفلاس النظام السوري الذي لا يملك عملياً سوى العنف كأداةٍ وحيدةٍ يتقنها، على الرغم من أن تطور الأحداث يُظْهِرُ بَجَلاءٍ أن العنف لم ولن يأتِ إلا بالمزيد من الضحايا والخراب والتفتيت.

ومن ناحيةٍ أخرى يبدو أن الرئيس السوري قد اعترف، بعد 22 شهراً من بدء الحراك، بأن سوريا تعيش كارثةً وأنها ليست 'بخير' كما كان يُكَرِّرُ سابقاً. كما ألْمَحَ، ولأول مرةٍ، إلى ما اعتبره خارطةَ طريقٍ لحلٍ يعتمد شكلياً على السياسة، مقترِحاً بعض 'الإصلاحات' التي سبق وتم إطلاقها، وواضعاً العملية بِرُمَّتِها تحت إشراف السلطة عِوَضاً عن أن تكون طرفاً كباقي الأطراف. وليس من المُستغرب أن المعارضة بأطرافها في الداخل (كهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة) والخارج (كالائتلاف) قد رفضتْ هذه الدعوة لأنها تفتقد المصداقية، وتُوغِل في الإقصاء، ولا تؤسّس 'لحلٍ جامعٍ' يخرج البلاد من أزمتها.

وقد تعدّدتِ التحليلات للخطاب من قائلٍ بأنه خطابُ قوةٍ يقدم مبادرةً تستحق النظر فيها (وهذه رؤية مؤيدي النظام)، إلى قائلٍ بأنه خطابُ شخصٍ مهزوزٍ وفاقدٍ للثقة أو منفصلٍ عن الواقع. وفي رأيي فالخطاب لا يعدو كونه دفعةً معنويةً لمؤيدي النظام، مع تمريره لدعوة 'الحل السياسي' كمحاولةٍ استباقيةٍ للتهيئة لمناخٍ دولي بدأ بالتشكل. وبكل الأحوال لن يكون التوقف عند تحليل الخطاب مُفِيداً خاصةً وأن دعوة الرئيس السوري ليست مؤسسةً، من وجهة نظري، على أي رؤيةٍ استراتيجية. كما أن سوريا تَمُرُّ حالياً في 'الوقت المُسْتَقْطَع'، حيث تُعيد أطراف الصراع ترتيب مواقعها ومواقفها، لتقوّي من خياراتها التفاوضية في المرحلة القادمة التي قد تَتَمَخَّضُ عن حراكٍ دوليٍ بدأ ينشط حالياً.

وبعد أيام تناقلتْ وكالاتُ الأنباء خبراً عن صفقةٍ إيرانيةٍ-تركيةٍ تم بموجبها إطلاق سراح ما يزيد عن 2100 سوري من سجون النظام، مقابل 48 إيرانياً مُحْتَجَزاً من قبل إحدى كتائب الجيش الحر في الشمال السوري. يثير هذا الخبر بضع نقاطٍ مهمةٍ يجب الوقوف عندها:

1- غدا المعتقل السوري، في سجون النظام، رهينةً وورقةً يتم التفاوض عليها في صفقات! مع العلم أن معظم المعتقلين موقوفٌ في أقبية المخابرات دون توجيه أي تهمةٍ، ودون العَرْض على القضاء. أما الذين عُرِضوا على القضاء، أو تم توجيه تهمٍ بحقّهم فلا تشملهم هذه الصفقة. ومن الملحوظ أن هناك الآلاف من المعتقلين الذين لم يطلق سراحهم، ونذكر منهم الناشط يحيى الشربجي، والمحامي خليل معتوق، والمعارض عبد العزيز الخيّر، والطبيب محمد عرب، والناشط الحقوقي مازن درويش، وغيرهم كثير.

2- إن تحويل الإنسان السوري إلى ورقةٍ أو رهينةٍ يتم اللعب بها في إطار صفقة، ليس سوى إهانة عميقة لسوريا وسيادتها (المغتصبة بشكلٍ مُخْزٍ)، وللسوريين الذين غَدَتْ إنسانيتهم مستباحةً في وطنهم، و'مشروطةً' بالتهليل لهذه السلطة الفاشلة التي أمْعَنَتْ بهذه الفِعْلة في اغتصاب السيادة (والأمثلة متعددة آخرها الاختراق السافر للطائرات الإسرائيلية للأجواء السيادية السورية).

3- من الملاحظ أن خطاب الرئيس السوري قد رفض التفاوض مع من سمّاهم 'بالجماعات الإرهابية والمُجرمة' من أجل إيجاد 'حلٍّ' للكارثة في سوريا. لكن، على خلاف ذلك، يبدو باب التفاوض مع هذه 'الجماعات' 'مفتوحاً' إذا تعلّقَ الأمر بإطلاق سراح مواطنين إيرانيين (غير سوريين)!

4- وقد أظهر هذا التصرف أن السلطة لا تأبه بأرواح جنود وضباط الجيش النظامي، أو بغيرهم من مقاتلي الجماعات غير الرسمية التابعة لها. فهناك المئات منهم في أيدي الكتائب المعارضة إلا أن النظام آثَرَ، بعد أن رَضَخَ للضغوطات، التخلّي عن سوريين معارضين مقابل 48 إيرانياً لا يحملون الجنسية السورية. ويعكس ذلك تماماً العقلية (أو اللاعقلية) التي تُحْكَمُ بها البلاد، وتُدارُ بها الأزمة التي باتتْ كارثةً جَرّاء السياسات الفاشلة لسلطةٍ فاقدةٍ للأهلية تستخدم السوريين كوقودٍ لحربٍ عَبَثِيةٍ في سبيل بقائها على الكرسي!

ولكن يمكننا استخلاص ثلاث إيجابياتٍ في سياق كل ما سبق. الإيجابية الأولى في تحرير بعض المعتقلين السوريين، وعودتهم إلى أهلهم وأحِبَّتهم. وهذا حقٌ لهم في وطنهم، وليس مَنّـاً أو تكرُمةً من أحد (مع التأكيد مرةً أخرى على أن الآلاف من المعتقلين ما يزالون قابعين في السجون).

وتكْمُنُ الإيجابية الثانية في تساؤل كثيرٍ من الأخوة الموالين السوريين عن أسباب هذا التصرف المُهين الذي أقْدَمَتْ عليه السلطة، سواءً على مستوى انتهاك السيادة، أو على مستوى التخلّي عن جنود وضباط الجيش النظامي وعدم الاكتراث بمصيرهم. حتى أن منهم من بدأ يستشعر بمرارةٍ أن هذه السلطة قد ورّطتهم في حربٍ بغيضةٍ مع أخوتهم المعارضين السوريين دون أن تأبه بهم وبحالهم.

أما الإيجابية الثالثة فهي أن حل المُعْضِلة السورية ممكنٌ عبر التوافق والضغط الدولي (عبر المساعدة في توفير 'شروط الحل'). فالسلطة السورية استجابتْ، تحت الضغط، إلى صفقةٍ 'إقليميةٍ' إيرانية-تركية، فما بالكم بضغطٍ حقيقيٍ روسيٍ-أمريكيٍ على كل الأطراف الفاعلة في الشأن السوري؟ ألا يمكن لذلك أن يؤسس لانفراجٍ حقيقيٍ؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقف الدولي حول سوريا لم يتغير منذ البداية خاصةً على مستوى الممارسة التي بقيتْ سلبيةً على خلاف الفقاعات الإعلامية التي حفل بها الخطاب الدولي. وما طرأ مؤخراً فهو تبدلٌ طفيفٌ في هذا الخطاب الدولي الذي بدأ يستشعر خطورة الاستعصاء في المشهد السوري. مما كشف بشكلٍ جليٍّ بعض القوى السورية التي كانت تبيع الناس أملاً كاذباً، مما قد يساعدها في تَبَنّي مقاربةٍ واقعيةٍ وقابلةٍ للتطبيق لوقف شلال الدم الذي يستبيح البلاد.

وتأتي في هذا السياق الدعوة إلى التفاوض التي أطلقها الشيخ معاذ الخطيب مؤخراً، حيث يبدو أنه قد ضاق ذرعاً بحالة التشدد واللامبالاة لدى بعض الأطراف داخل الائتلاف. وتتلاقى دعوة الخطيب مع ما فتئتْ بعض القوى الديمقراطية تدعو إليه خلال العام الماضي خاصة بعد أن ساد العنف في المشهد السوري. ومع أن دعوة الخطيب تفتقر إلى التفاصيل والآليات إلا أنها قد تؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ خاصةً مع تعالي الأصوات الداعمة لها من الداخل السوري، وعلى المستوى الدولي. وقد تُشَكِّل هذه المبادرة جزءاً من مبادرةٍ أشمل يعمل عليها السيد الأخضر الإبراهيمي، حيث تسربتْ أنباءٌ عن طرحه بنوداً عمليةً وجديدةً في تقريره الأخير إلى مجلس الأمن. وعلى الأرجح سيأخذ التفاوض، في حال التوافق عليه كـ 'حل'، صيغةً غير مباشرة وبرعايةٍ وضماناتٍ دولية.

هذا مع أن جهود الإبراهيمي تُجَابَه بنوعٍ من الاستهتار واللاجِدّية من كثيرٍ من الأطراف السورية التي تؤمن بحلولٍ عسكرية، أو حلولٍ سحرية، ودون أن تكترث إلى الموت البطيء لملايين السوريين الذين باتوا محاصرين في أتون الصراع العنفي، أو نازحين داخلياً وخارجياً. ويزداد تعقيد الصورة بغياب إرادةٍ عاقلةٍ عند السوريين من أصحاب الصوت العالي (سواء في النظام أو المعارضة)، مما يُرَسِّخُ حالةً من عدم الانفراج، حتى الآن، على مستوى آخر المحادثات بين الروس والأمريكان في جنيف، ويُصَعّب من مهمة الإبراهيمي. وبينما نتابع الأخبار المؤلمة القادمة من سوريا، سيبقى المشهد السياسي على الأرجح جامداً على المستوى العملي، مع شيءٍ من التغير على مستوى الخطاب، على الأقل حتى يستلم جون كيري مهامه كوزيرٍ للخارجية الأمريكية (قد يتلو ذلك لقاء جنيف 2 الذي يكثر الحديث عنه).

وفي هذه الأثناء ستستمر الدعوات التي تُوَجّه إلى معاذ الخطيب كي يصمت، أو إلى لإبراهيمي كي يستقيل، دون تقديم أية بدائل، وكأن وجود صوت العقل (الخافت حتى هذه اللحظة) هو السبب في كل ما يجري، وكأن إسكات العقل سيحقق لنا الحل السحري الذي طالَ انتظاره!

========================

إيران وإسرائيل.. وبينهما سوريا!!

يوسف الكويليت

الرياض

5-2-2013

سياسة إيران تجاه المنطقة العربية، ليست مذهبية بغلاف قومي شوفيني، بل تتجه إلى خلق فوضى في المنطقة كلها، ولأن ذراعها السورية انكسرت بفعلٍ داخلي لم تتوقعه عندما خططت لبناء حائط سميك يمتد منها إلى لبنان، ومن اليمن إلى دول الخليج، تصرفت بعقلية الوهم الامبراطوري في زمن تخلت أمريكا والاتحاد السوفياتي عن عقلية الامبراطوريات، وفي زمن غرقت الدولتان في مستنقع أفغانستان، وفيتنام ثم العراق، وإيران أدركت أن شعارات الممانعة والمقاومة ومجابهة العدو الإسرائيلي، لم يعد أحد يراها منطق العقل، لأن إيران تخشى ضربة إسرائيلية، أكثر من خوفها من أمريكا وأوروبا، ولم يعد العرب يقبلون تسويق تجارة صنعوها ورفضوها..

إسرائيل نفذت الأسبوع الماضي غارة عسكرية استهدفت مركزاً عسكرياً للبحوث قرب دمشق، وكذلك قافلة أسلحة متجهة من سوريا لحزب الله، وانتظر العالم رد فعل الحليف الإيراني على هذا الاعتداء والذي كان يصرح أن أي اعتداء على سوريا يجبر إيران على الرد المباشر بمثل ما جرى من اعتداء، والنتيجة زيارة لجليلي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لدمشق للتطمين، وتصريحه «أن إسرائيل ستندم على عدوانها» لكن ما هي الوسيلة والرد، والتوقيت ظلت أموراً عائمة، لأن المنطق الموضوعي والصريح والذي تجنبه جليلي أن بلده أذكى من أن تدخل في حرب خاسرة، أو حتى مناوشات مع دولة أقوى منها، وتعمل على تدمير مفاعلاتها النووية، لأن مثل هذه المغامرة ستدخل أمريكا وأوروبا طرفاً في حرب لا تقوى عليها، بل وتكون عذراً أمام العالم بتنفيذ المهمة التي تتوعد بها إسرائيل إيران..

إسرائيل صرحت أيضاً أن سلاحها الجوي قصف ليلة أمس الأول هدفاً لحزب الله يعتقد أنه جهاز إلكتروني، بمعنى أن الدائرة التي تريد إسرائيل استخدام ذراعها العسكرية تتوسع كل يوم، وهذه المرة لم تعلق إيران على الحدث لا بالاستنكار، ولا التهديد بالرد المناسب، كما تحاول أن تعلل أقوالها، ولا تربطها بأفعالها، إلاّ إذا كانت ترى أن الأمر يخص الحكومة اللبنانية، وهي المسؤولة عن محاسبة إسرائيل على اعتداءاتها كنوع من الهروب من واقع لا تقوى على مواجهته..

في أحد موانئ اليمن على البحر الأحمر احتُجز قارب يحمل أسلحة وصواريخ اتجهت النية إلى رسوّه وتفريغ حمولته للحوثيين، وهي ورطة سياسية وعسكرية حاولت إنكارها إيران، وقبل ذلك قبض على أسلحة وأجهزة إرسال ووثائق تريد أن تزعزع الوضع اليمني، والسيطرة على مناطق تكون بداية للتوسع على الأرض اليمنية، وخلق دولة شيعية تدين بالولاء لها، لتكون القنطرة لضرب الأمن الخليجي العربي، ومثل هذه السياسة لا تخفى دوافعها، لكن هل إيران تستطيع الاستمرار بما تسميه تعميم ثورتها إلى الخارج، وهي التي تعرف أن الاتحاد السوفياتي وهو القوة العظمى، والاقتصاد الهائل، تكسرت مراكبه داخل تضاريس أفغانستان لينفجر من الداخل بتفتت الدولة الكبرى بأسوأ سيناريو؟

إيران، من الداخل لا تستطيع إخفاء عجزها الاقتصادي وتدهور عملتها وتحرك القوى القومية، وحتى الفارسية، أمام فوضى الدولة وأحلامها، حتى إن هناك تقارير أمريكية ترشحها هذا العام لربيع يطيح بالدولة والثورة وكل مخلفاتهما وهي صورة ترعب القيادات التي تحاول كل يوم المناورة بإظهار قوتها على الأرض والفضاء لتغرير الشعب الإيراني الجائع..

========================

في تقدير الموقف : فهم في أمر مريج ... من اخترق من ؟! .. زهير سالم*

يساس المشهد السوري اليوم بحالة من النرجسية لا أحد يستطيع تقدير أبعادها وتداعياتها . وتمر المعارضة السورية بحالة من البهر العقلي والبصري فلا يستطيع أحد أن يتبين أو يتفهم أو يتابع أو حتى أن يعلق ليجيب ماذا يجري ؟! كيف يجري ؟! من المسئول عما يجري ؟! لا أظن أحدا يوما سيتفق على الجواب ..

الممارسة السياسية هي علم وفن . فن اقتناص معطيات اللحظة وتوظيفها في خدمة مشروع . من هنا ينظر السوريون بعضهم في وجوه : بعض هل حقا أن هذه القفزة في الهواء سيكون لها إتاء ؟! لا أحد يريد أن يجيب بنعم ولا أحد يريد أن يجيب بلا . لأنهم يتساءلون أولا عن سر معطيات اللحظة التي لا يعلمون ، ولأنهم يشخصون بأبصارهم ثانيا إلى هذا الرجل الذي ما زال معلقا في الهواء ، يقولون همسا مادام  قد تحمل المسئولية وقفز فلننتظر لنعلم أين تستقر به الحال ..

أمر السياسة أكثر تعقيدا من أمر الشعر . والمعطى الفني في ممارستها على علميتها أعرق مما هو الحال في الشعر الذي هو فن محض تقريبا . في الشعر تقول العرب :

الشعر صعب وطويل سلمه  - إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه – زلت به إلى الحضيض قدمه –

هذا ما قالته العرب في الشعر فما عساهم يقولون في السياسة في مثل هذا اليوم السوري المضطرب ؟!

في مشهد اليوم السوري المضطرب تفقد  القوى السياسية ثقلها ، فلا أحد يريد أن يقول كلاما فصلا ، أو أن يتحمل مسئولية موقف جاد . والمشهد أكثر سرعة وديناميكية وحساسية وخطرا من أن يزيده متحدث تعقيدا . ولعل هذه القوى المعارضة إدراكا منها لخطورة وحساسية الموقف وتداعياته تؤثر هذا النوع من الترقب في انتظار نتيجة قرار لم تكن شريكة فيه . بل سيكفيها في لحظة أي حصاد إيجابي أن تقول أنها تركت لصاحب المبادرة أن يتحمل مسئوليته

 إن الرسائل المتتابعة التي أُمطرت بها المعارضة السورية رشا جعلتها كالمتابع للصور الخاطفة على الشاشة ، لا تستطيع أن تتمكن من مشهد أو تدرك أبعاد صورة . فخلال أيام قليلة تم  الإعلان عن رأي شخصي يقترح صاحبه مجرد اقتراح ( حوار مع ممثلي النظام ) وكل الإضافات على هذا الجوهر هي تفاصيل ، ثم انتقلنا إلى لقاء مع لافروف ، ثم ثالث مع صالحي ؛ فجأة تتداعى كل القواعد وما أطلق عليه من أصحابه الثوابت لنجد أنفسنا في فضاء جديد لا نكاد نثبت فيه شيء ...

وكان المدخل الأول إلى كل ذلك الحديث عن التضحيات والشهداء والدماء والمعاناة .. أظن أن مواطنا سوريا لا يستطيع أن ينافس آخر بالشعور بهذا والإحساس به .

وكان المدخل الثاني هو الأغرب في السياق التذرع ( بخذلان المجتمع الدولي ) !!! أليس من حقنا أن نتساءل كيف يكون الاحتجاج على الخذلان الدولي بالمزيد من الاندفاع في اتجاهه ؟ وبالمزيد من التعويل عليه ؟! وكأننا نتكلم بلغة أبي نواس ( وداوني بالتي كانت هي الداء ) فهل تصلح لغة الخمر والشعر في السياسة ؟!

 تستمع إليه وهو يعدد خياراته المستقبلية  : سنطالب ب ... فإن فشلنا فسوف وسوف وسوف ،  وترى طبقات الخيارات الخمسة الموعودة كلها ملتصقة ( بالآخر )  بالمجتمع الدولي ، الذي نشكو من خذلانه . فكيف نشكو من خذلانه ثم نقرر فجأة أن نذهب أكثر معه .

 وهل المجتمع الدولي الذي لم يأتمن الائتلاف ورجاله على توزيع مساعدات الغذاء والدواء سوف يتعاطى معه لينفذ لنا أي مطلب من المطالب التي نعد بها ، نعد أننا سنطالب ونستشعر القوة والثقة لمجرد أننا سنطالب !!

لم نسمع كلمة في كل هذه الوعود تتحدث عن العودة إلى الذات ، إلى الثورة والثوار ، إلى الخيار المكين ، لا أدري لماذا لا يثقون بقدرة شعبنا التي قطعت منفردة ثلثي المسافة على إكمال الطريق ؟!

وسط كل هذه التداعيات الخطيرة تصغي تريد أن تتبين فلا تكاد تسمع رأيا ولا ترى موقفا . الناس كلهم مبلسون وكأنهم  في أمر مريج . لا أحد يقول نعم صريحة واضحة ولا أحد يقول لا صريحة واضحة.

يقول بعض المعلقون بلغة مهذبة إن المعارضة السورية أحدثت اختراقا في اتجاه روسية وإيران . هذا على لغة من قال :

ومهمه مغبرة أرجاؤه .. كأن لون أرضه سماؤه ..

ويسمونها لغة القلب ، كأن لون سمائه من لون أرضه . بمعنى من الذي أحدث الاختراق السوريون او الروس والإيرانيون ؟ صالحي علق على لقائه : بأنه خطوة إلى الأمام ، لمصلحة من ؟ يقول العارفون لمصلحة الملف النووي الإيراني ، إيران تشتري بقاء بشار الأسد حتى من حسابها الخاص والآخرون لا يهمهم أن يدفعوا من حساب الشعب السوري . بإمكانك أن تهدر تضحيات مائة ألف شهيد خوفا من أن يصبحوا مائتين ؛ ولكن الشهداء قبل أن يرحلوا اخذوا العهد على إخوانهم حتى الصبح والصبح قريب .

ويبقى السؤال الأخطر والأهم هل من أحد يشرح لشعبنا ما ذا يجري ؟ وما هي حقيقة الموقف ؟  إلى أين نحن ذاهبون ؟

يجيبنا شاعر صوفي :

فكان ما كان مما لست أذكره ...فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

نظن خيرا ونتوسمه نعم ..

ولكن أليس من حقنا أن نسأل عن الخبر ؟!

لندن : 23 / ربيع الأول 1434

4 / 2 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

========================

مع الثورة السورية رغم كل شيء

الياس خوري

2013-02-04

القدس العربي

رغم الاحباط، ورغم الارتباك السياسي الذي تعيشه المعارضة، ورغم غياب التنسيق بين وحدات الجيش الحر، ورغم وجود جبهة النصرة، ورغم الأخطاء والمطبات والمواقف الملتبسة، ورغم رفض العالم دعم الشعب السوري، ورغم تأخر الحسم العسكري والبلبلة السياسية، ورغم الانزعاج من التصريحات التلفزيونية، ورغم كل شيء، فأنا مع الثورة السورية.

كنت اتمنى ان يسقط نظام الاستبداد الأسدي في درعا، امام قدسية تضحية حمزة الخطيب.

كنت اتمنى ان تنتصر ازهار غياث مطر وقناني الماء التي وزعها على الجنود، ويسقط النظام بلا خسائر.

كنت اتمنى ان تكفي صرخة حمص واغاني القاشوش وعشرات الألوف الذين احتلوا الشوارع بحناجرهم وايديهم المرفوعة بالتحدي السلمي.

كنت اتمنى ان لا يرتفع السلاح في وجه السلاح، وان تنجح الإرادة الشعبية في ايقاظ ضمائر الذين لا ضمير لهم، وتشلّ ايديهم قبل ان تقوم بإطلاق النار.

كنت اتمنى، ولا ازال اتمنى، لكن النظام الوحشي المافيوي الأخطبوطي الذي بناه الأسد الآب واورثه لابنه، قرر ان يواجه الشعب حتى النهاية.

الأسد او لا أحد، الأسد او نحرق البلد، الأسد الى الأبد. هذه هي شعارات النظام الاستبدادي، الذي اعتاد على التصرف وكأن سورية مملكة طوّبت بإسمه.

الطائرات في كلّ مكان، والقتل في كل مكان. لا هدف للنظام سوى البقاء، وشرط بقائه هو اذلال الشعب.

ليس صحيحا ان هدف القمع الذي يمارسه النظام، منذ اندلاع الثورة، هو توحيش الشعب السوري وتمزيق نسيجه الاجتماعي. التوحيش بدأ من زمان حين صارت السلطة وحشا اجوف، انفصل بأجهزته القمعية كلها عن المجتمع، وتصرف كقوة احتلال غاشمة لا رادع لها. وما نشهده اليوم هو تعميم هذا التوحيش، وتحويله الى الوسيلة الوحيدة للتعامل مع المجتمع، عبر اغراق الشعب في الدم، وتحويل العمران الى دمار.

الكلام عن حلّ سياسي للوضع السوري هباء واضاعة للوقت. فهذا النظام لا يفهم السياسة الا بوصفها لعبة على حافة هاوية الموت. يصفي خصومه السياسيين، يقتل رموز المجتمع، ثم يترك لمن بقي حيا ان يستخلص الدرس، اي يتعوّد على الانحناء والصمت والخنوع.

لكنه في المقابل يعمل بشكل محترف في حقل السياسة الخارجية، اقليميا ودوليا. ينحني، يساوم، يبيع ويشتري من اجل المحافظة على بقائه. يُسقط طائرة تركية، لكنه ينحني امام الطائرة الاسرائيلية. يدعم حزب الله، لكنه لا يخلّ بتفاهمات الحدود السورية- الاسرائيلية الآمنة، يتنعّج ويتنمّر بحسب موازين القوى. لكن قدرته على المناورة الاقليمية والدولية مرهونة بنجاحه المطلق في اخراج المجتمع السوري من المعادلة السياسية بشكل كامل.

عندما كسر السوريون جدار الخوف وخرجوا من قمقم القمع، انكشف النظام بوصفه مافيا لا تتكلم سوى لغة الجريمة. لذا فإن اي كلام عن حلّ سياسي مع النظام مجرد وهم ودعوة الى الوهن والتراخي. فهو لا يفهم السياسة الداخلية الا بوصفها لا سياسة، اي اخراج الناس من السياسة وارجاعهم الى سلاسل عبوديتهم.

الوضع في سورية مأسوي، وحجم الألم السوري صار اكبر من ان يُحتمل، لكن شرط توقف المأساة هو سقوط النظام. كل كلام آخر مجرد وهم وشراء للسراب. طالما بقيت الأسرة الأسدية في السلطة فإنها ستتابع استئسادها على الشعب. شرط سلطتها ابادة ارادة الناس، وهي لن ترضى بتقاسم السلطة مع أحد.

المافيا قد تصل الى تسوية تتقاسم فيها النفوذ مع مافيا أخرى، لكنها لا تستطيع ان تقيم تسوية مع القانون والحق.

شرط توقف المأساة وتخفيف المعاناة هو سقوط النظام، لكن هذا لا يعني على الاطلاق ان لا تعمل الثورة في السياسة، اي لا تناور وتراكم الانتصارات، وتتكلم بلغة منطقية تُحرج نظام القتلة.

ليست هذه دعوة للتفاوض مع الأسد، المكان الوحيد للحوار مع السفّاح هو في المحكمة، حيث على ابن النظام وسيده ان يعترف بجرائمه. ولكنها دعوة لبناء استراتيجية عمل سياسي تُحرج حلفاء النظام، وخصوصا حليفه الروسي، الذي امعن في تغطية الجريمة بحيث صار شريكا فيها.

وهذا يقتضي من المعارضة ان تبرأ من ثلاثة امراض:

الأول، هو مرض الشك في الجميع، وهو مرض آتٍ من الحقبة الاستبدادية حيث نجح النظام في تشكيك الأخ بأخيه. هذا المرض قاتل، وهو يحمل الى المعارضة احتمال ان تصير الوجه الآخر لنظام الاستبداد.

الثاني هو مرض التسلط. التسلط وليس السلطة، لأن الصراع هو على الوهم. اوقفوا الصراع على التسلط، كي تستطيعوا الانتصار في الصراع على السلطة مع النظام.

الثالث هو تصحيح مفهوم القيادة، فالقيادة لا تكمن فقط في الاقامة في سورية ومشاركة الشعب همومه، بل ايضا القدرة على اتخاذ المواقف، وادانة الأخطاء، وتصويب البندقية حين تتحول اداة تشبيح او ترهيب.

رغم كل شيء يجب ان يتوحد جميع السوريين والمؤمنين بحق الشعب السوري في الحرية حول الثورة. لا تنتظروا حلا من الخارج، لا نفط الخليج ولا وعود امريكا، فالثورة السورية اكبر من ان يجري النظر اليها وكأنها تتسول الانتصار، ممن لم يؤمن يوما بحق العرب في الحياة الكريمة.

الشعب السوري سينتصر لأنه استحق ذلك بتضحياته الهائلة. وحين ستعود سورية الى السوريات والسوريين سوف تبدأ مسيرة المشرق العربي نحو استعادة صوته وحضوره.

========================

بشار يكابر ويستجدي الحل.. وإيران أيضا * ياسر الزعاترة

الدستور

5-2-2013

عندما تسرب الأخبار اللبنانية أخبارا خاصة (جدا) تتعلق بالشأن السوري، فليس ذلك من العبث بحال، ولا هي متعة السبق الصحفي، بقدر ما هي لعبة السياسة التي تتورط فيها دوائر إعلامية تابعة لحزب الله وإيران بكل ما أوتيت من قوة، هي التي تعيش كابوس الوضع السوري بشكل يومي مهما حاولت إظهار الثقة بانتصار النظام، وأقله فشل الثورة.

آخر التسريبات ما نسبته الأخبار لعدد من الشخصيات التي التقت بشار مؤخرا كما قالت، والتي نقلت عنه ارتياحه الواضح للوضع الداخلي وقدرة الجيش على التصدي للثورة، ومن ثم شعوره بالاطمئنان، بدليل حمل السيدة الأولى وانتظارها إنجاب مولود جديد!!

في ثنايا التسريب محاولة محمومة لإظهار تماسك النظام وثقته بنفسه، تحديدا بشار الأسد الذي تتعلق به شخصيا أصل المشكلة، لأن تنحيه سيفتح المجال أمام حل سياسي، بينما لا يعني بقاؤه في السلطة غير هزيمة الثورة التي لا يمكن أن تسلم مصير سوريا من جديد لمجرم أمعن في قتل شعبه، فضلا عن أن تثق بأي من وعوده بإصلاح سياسي أو انتخابات حتى لو أضيفت إليها حكاية الإشراف الدولي.

هنا يبدو الموقف التراجعي لما يعرف بهيئة التنسيق (تسمى من باب التضليل معارضة الداخل، لكأن عشرات الآلاف من الثوار الذي يخوضون معارك مع النظام هم ثوار الخارج)، والتي عقدت مؤتمرا لها في جنيف استعادت خلاله صيغة الإبراهيمي لحكومة كاملة الصلاحيات من دون الإشارة لمصير بشار (بقاؤه يُفهم ضمنا)، فيما يبدو أن المقترح قد حظي بدعم من طهران وموسكو (روسيا تستعجل الحل أيضا بسبب تشاؤمها من تطور الوضع كما عكست ذلك تصريحات مديفيدف).

وفي حين قد يرى البعض أن مبادرة رئيس الائتلاف الوطني (الشيخ معاذ الخطيب) تبدو أكثر تراجعا من مبادرة الهيئة، الأمر الذي لا يبدو صحيحا، فإن موقف الشيخ لم يكن موفقا لجهة عدم التشاور مع زملائه في الائتلاف، لكن عذره كما يبدو أنه لم يعرض تفاصيل حل، وإنما تحقيق شرطين أحدهما كبير جدا (الإفراج عن 160 ألف معتقل)، فقط مقابل الجلوس مع ممثلين عن النظام في الخارج؛ الأمر الذي سيعني لو وافق عليه نوعا من الاعتراف بالهزيمة، وعموما فقد أوضح الرجل موقفه بجلاء لاحقا عندما قال: إن التفاوض هو على رحيل النظام، مستعيدا إجماع الائتلاف. أما لقاءات ميونيخ، فقد عكست بدورها سعي روسيا وإيران لإيجاد حل، وإن عولتا على أن يكون بوجود بشار، وليس برحيله.

ما يؤكد آمال النظام في حل سياسي ما نقله تسريب الأخبار عن بشار ممثلا في قوله إن “الأمريكان غير جاهزين للحل”، لكأنه يستجدي موقفا منهم يساعده في البقاء مقابل تحقيق شروط ما؛ هو يعرف أن أكثرها يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني، فيما لا يدرك أن أمريكا لم تعد تنفرد بالوضع الدولي، وأنها لن تكون قادرة على فرض حل على الثورة لا يقبله رموزها، فضلا عن أن تقبله تركيا التي ترى أن بقاء الأسد يعني هزيمة مدوية لها أمام إيران.

وفيما يمكن القول: إن قناعة النظام بعجزه عن حسم الموقف عسكريا هو الذي يدفعه نحو استجداء الحل، فضلا عن وضعه الاقتصادي المتردي، فإن الجانب الآخر، والذي لا يقل أهمية يتمثل في رغبة طهران العارمة في التوصل إلى حل، أكان بصفقة مع واشنطن تشمل الملف النووي والعقوبات، أم بشكل منفرد، والسبب أنها تعيش اجواء انتخابات ستجري في حزيران القادم، ويمكن للوضع السوري أن يسهم في تصعيد الموقف الشعبي داخليا إلى جانب ثقل العقوبات على المواطن الإيراني، فضلا عن خلافات النظام الداخلية التي برزت على مشارف الانتخابات كما يعكسها عجز المحافظين عن التوافق على شخص الرئيس المقبل.

هنا ينبغي القول: إن رد المعارضة ينبغي أن يتمثل أولا في الإعراض عن إطلاق أية مبادرات سياسية، تاركين ذلك للنظام وداعميه، والأهم هو تركيز العمل العسكري في معركة دمشق (الحاسمة) دون إغفال المناطق الأخرى لتشتيت جهد النظام، ومن ثم تشتيته أكثر عبر تفعيل العمل الجماهيري في المدن بشتى أشكال النضال السلمي المتاحة.

وما ينبغي أن تعول عليه المعارضة هو تفكك منظومة الحصار التي برزت مؤخرا فيما يتعلق بالتسليح النوعي في ظل ملامح تغير في مواقف تركيا وقطر والسعودية، وربما الأردن أيضا لجهة السماح بمرور السلاح، وبالطبع في ظل قناعة هذه الأطراف بأن النظام سيسقط في النهاية، وأن إطالة أمد المعركة لا يعني غير مزيد من الأعباء السياسية والأمنية، إلى جانب الإنسانية فيما خصَّ قضية اللاجئين.

كل ذلك ينبغي أن يتزامن مع جهود لتوحيد العمل السياسي للمعارضة وصولا إلى توافق على شكل الوضع التالي للنظام بعيدا عن المناكفات والاقتتال على المواقع ما دامت الصناديق هي من سيحكم بعد وقت لن يطول. والخلاصة أن بقاء بشار وعودة الزمن إلى الوراء سيكون مستحيلا أيا كان الثمن ومهما طالت المعركة.

التاريخ : 05-02-2013

========================

إسرائيل مع مَن في سوريّة؟

حازم صاغيّة

الثلاثاء ٥ فبراير ٢٠١٣

الحياة

جاءت الغارة الإسرائيليّة الأخيرة، التي لا يزال هدفها مشوباً بشيء من الغموض، تجدّد «السجال» بين بيئتي السلطة والمعارضة السوريّتين. فالأولى رأت أنّ تلك الغارة دليل لا يُدحض على أنّ إسرائيل تقف ضدّ نظام بشّار الأسد، وتعمل ما يسعها لتكميل ما بدأته المعارضة المسلّحة وحلفها الممتدّ من الدوحة إلى واشنطن.

أمّا بيئة الثورة فنوّهت بعدم الردّ السوريّ الرسميّ، وهو ما يرقى إلى برهان آخر على استمرار التواطؤ بين النظام الأسديّ الذي أسكت جبهة الجولان منذ 1974 وبين الدولة العبريّة.

وواضح هنا أنّ كلاً من الحجّتين تبني على جزئيّة صحيحة، لتستخلص منها رواية قابلة للطعن والتشكيك. لكنْ يبقى أنّ البناء على موقف إسرائيل المفترض من أجل البرهنة على صحّة الموقف في كلّ من الطرفين هو من بقايا ثقافة سياسيّة قديمة تجمع بين الأطراف العربيّة حين تتنازع وتتصارع. وقد تكرّست الثقافة هذه وتصلّب عودها عقداً بعد عقد، بحيث بات من الصعب علينا تعقّل العالم من دون أن نحدّد مسبقاً أين تقف إسرائيل. فإذا تراءى لوهلة أنّ طرفاً من الأطراف يتقاطع مع حركة أبدتها الدولة العبريّة، أو يستفيد من خطوة خطتها، بادر الطرف المذكور إلى التنصّل وإعادة تأويل الموقف بما يضمن له النصاعة والنقاء.

وفيما تنساق المعارضة وراء ذهنيّة التحريم هذه بولاء ساذج للسلف الفكريّ الصالح، فإنّ السلطة تعتمد الذهنيّة إيّاها بسينيكيّة بعيدة لا حاجة إلى كشف ما فيها من كذب وخداع ولا مبالاة بالعقل كما بالواقع ووقائعه. وهذا فضلاً عن الدور النفعيّ الكبير الذي لعبه النظام السوريّ في تأسيس تلك الطريقة في النظر والمحاكمة.

إلاّ أنّ ما يزيد بؤس «السجال» هذا بؤساً أنّ إسرائيل ليست هنا وليست هناك. إنّها مع مصلحتها الأمنيّة في أكثر المعاني ضيقاً، أي في أن لا تهتزّ جبهتها الهادئة مع سوريّة، وألاّ يتسرّب من سوريّة سلاح كيماويّ أو نظام سلاحيّ متقدّم، وألاّ يصل إلى «حزب الله»، فضلاً عن القلق الذي يسمّيه البعض وجود «القاعدة» وأخواتها على حدودها.

وتلك «الهواجس» الإسرائيليّة تحمل أصحابها على تفضيل إضعاف النظام مع بقائه، أو إبقائه أضعف ممّا كان. ذاك أنّ بقاءه هو ما اعتادت عليه وجنت فوائده على الجبهة المشتركة في الجولان، ناهيك عن تولّي هذا النظام ضبط أيّة راديكاليّة إسلاميّة تقول إسرائيل إنّها تقلقها، فيما إضعاف النظام يتكفّل بتقليص دعمه لحلفائه في «الساحة اللبنانيّة». أمّا أن تكون لدى الدولة العبريّة استراتيجيّة تتعدّى مصالحها الأمنيّة هذه وتتّصل بمستقبل سوريّة، فهذا كرم أخلاق لا تسمح التجارب بافتراضه في الإسرائيليّين حيال السوريّين، أو حيال أيّ عرب آخرين، تماماً كما لا يمكن افتراض مثله عند أيّ طرف عربيّ حيال الإسرائيليّين.

وهذا ما يفسّر الدفاع المتّصل لتلّ أبيب والمقرّبين منها في واشنطن عن «ضرورة بقاء النظام السوريّ»، مثلما يفسّر توجيهها، بين الفينة والأخرى، ضربة مذلّة وموجعة له.

وأسوأ ممّا عداه، بالمعنى النفعيّ للكلمة، أنّ هذا «السجال» السوريّ – السوريّ يتجاهل أنّ الهمّ الإسرائيليّ في الموضوع السوريّ (الحدود، السلاح الكيماويّ، «القاعدة»...) يكاد يغدو نقطة التقاطع العالميّة حيال سوريّة. وفي المعنى هذا، يغدو «السجال» الذي يستغرقنا دليلاً آخر على جهد يُبذَل في المكان الخطأ.

========================

خطيب سوريا داهية أم مغامر؟

طارق الحميد

الشرق الاوسط

5-2-2013

يقول رئيس الائتلاف السوري معاذ الخطيب، أو الشيخ، كما يلقبه محبوه، إن المجتمع الدولي ليس لديه تصور واضح لحل الأزمة السورية، ولذلك فهو يشدد على ضرورة التحاور مع النظام، وهو ما قوبل بالتشكيك ليس من أطراف المعارضة فحسب؛ بل ومن وزير الخارجية التركي.. فهل الخطيب داهية أم إنه مغامر؟

وزيرة الخارجية الأميركية المنتهية فترتها تقول إن الخطيب ليس شجاعا فحسب؛ بل هو ذكي، وبعض الأطراف العربية تقول إن الخطيب يريد إحراج النظام الأسدي أمام مريديه بالداخل، وحلفائه بالخارج، وذلك من خلال موافقته على الحوار، بل إن الخطيب ذهب أبعد من ذلك حين حدد للأسد المسؤول الذي يريد أن يفاوضه وهو فاروق الشرع، نائب الأسد المبعد عن الأضواء منذ اندلاع الثورة، وفي هذه الخطوة إحراج شديد للأسد، ومحاولة واضحة لضرب إسفين بين أركان النظام. ومجرد اختيار الخطيب لشخص الشرع، وبعد مقابلته لكل من نائب الرئيس الأميركي، ووزير الخارجية الروسي، وكذلك وزير الخارجية الإيراني، فإن ذلك يقول لنا إن الخطيب نجح في أن يكون مختلفا، ولكن ذلك لا يقول لنا إذا ما كان ذكيا، أم شجاعا، أم حتى مغامرا.

وبالطبع لا توجد إجابة واضحة عن السؤال الوارد بعنوان المقال، لكن علينا تذكر أنه سبق للخطيب أن قال بأن الدعم السياسي الدولي يعد أمرا غير كاف، وهذا صحيح، فالنظام الأسدي لا يعتمد إلا لغة القتل، والثوار بلا دعم مسلح حقيقي، والرئيس الأميركي لا يزال مترددا، وإن كان قد أوفد بايدن للقاء الخطيب، وكلنا يذكر أن بايدن قد خسر الجولة أمام قاسم سليماني بالعراق وقت جدلية الانتخابات بين علاوي الفائز بفارق صوت على المالكي الذي استمر في رئاسة الوزراء بضغط إيراني، وتقاعس أميركي. وفوق هذا وذاك، فإن الروس يريدون ضمان مصالحهم في سوريا، ويصرون على الحوار مع النظام، وسط ابتعاد عربي ملحوظ، وتقوقع تركي ملموس.. كل ذلك قد يكون هو ما دفع بالخطيب للمغامرة بالموافقة على محاورة النظام، وتحديدا من لم تلطخ أيديهم بالدماء، وحدد لذلك الشرع.

الخطيب يبدو أنه مدرك لعبة الأسد الشهيرة بالموافقة على كل مبادرة ثم تفريغها من محتواها، إما بشروط واهية، أو بالاستفسارات، والهدف من ذلك هو قتل الوقت مع مواصلة القتل على الأرض، وبدعم إيراني.. ولذا، فإن الخطيب يحاول الآن إحراج النظام الأسدي أمام حلفائه والمجتمع الدولي، لكن الإشكالية تكمن في نقص الأدوات التي تدعم موقف الخطيب أمام نظام لا يتردد في القتل، والتحايل.. وصحيح أن الثوار ما زالوا يتقدمون على الأرض، لكن إشكالية نقص الدعم المسلح حقيقية، كما أن تشكك شريحة عريضة من المعارضة في خطوة الخطيب تظل أمرا لا يمكن التقليل منه، ولا بد أن يقنع الخطيب المعارضة برجاحة موقفه.

ولذا، فالحقيقة هي أن لا إجابة واضحة عما إذا كان الخطيب داهية، أم مغامرا، لكن الواضح والأكيد هو أن زعيم الائتلاف السوري وبموافقته على محاورة الأسد، يكون قد ركب موجة عالية جدا، وخطرة.

========================

ما سبب خطوة معاذ الخطيب؟

الرأي الاردنية

2-4-2013

صالح القلاب

أول سؤال يتبادر الى الذهن، بعد كل هذه الاثارة التي أعقبت مفاجأة الحديث عن استعداد رئيس ائتلاف المعارضة السورية للتحاور مع مسؤولين في نظام بشار الاسد من غير الذين لطخت ايديهم بدماء ابناء الشعب السوري، وبشروط من بينها الافراج عن مائة وستين الفاً من سجناء الثورة، ما هي الضغوطات التي تعرض اليها معاذ الخطيب حتى يقول هذا الكلام الذي قاله وحتى يجتمع ايضاً مع وزير الخارجية الايراني بدون علم ولا استشارة زملائه في قيادة هذا الائتلاف؟

انه غير ممكن ان يبادر معاذ الخطيب الى الاقدام على خطوة كهذه، تعتبر بمثابة تحول «استراتيجي» في مسار الصراع الدامي المحتدم في سوريا اولاً بدون علم ومعرفة زملائه في قيادة المعارضة السورية وثانياً بدون استشارة الدول العربية المعنية بقرب عن هذا الامر الخطير لو لم يتعرض الى ضغوطات جدية ولو لم يطلب منه رداً عاجلاً لا يحتمل «التسويف» ولا التأخير.

ولعل ما يرجح هذا الاحتمال ان مسارعة معاذ الخطيب الى قول ما قاله والى اصراره على التمسك باقتراحه هذا، رغم معارضة ورفض عدد من زملائه، قادة هذا الائتلاف، قد جاءت بعد موجة اتصالات ولقاءات جديدة تمت في ميونخ شارك فيها وزير الخارجية الاميركي الجديد ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف وبعض المسؤولين في دول الاتحاد الاوروبي مما يشير الى انه قد يكون هناك حل سياسي للأزمة السورية بات يقف على الابواب وانه كان على رئيس المعارضة السورية ان يتخذ هذا الموقف الذي اتخذه من قبيل حشر نظام بشار الاسد في الزاوية واثبات تمسكه بالحلول الأمنية والعسكرية رغم كل ما يقوله خلافاً لذلك.

وحقيقة انه قد تكون هناك لعبة وراؤها الروس والايرانيون لأخذ معاذ الخطيب الى هكذا خطوة تشبه مجرد القفز في الهواء فوق ألسنة نيران متأججة بهدف دق اسافين الخلاف بين مكونات المعارضة السورية وبخاصة وهي باتت تواجه ظروفاً دقيقة حساسة وصعبة وبهدف اعطاء نظام بشار الاسد المزيد من الوقت ليعيد ترتيب اوراقه وليواصل الهجوم السياسي والعسكري الذي كان قد لجأ اليه في الفترة الاخيرة.

ولهذا، فقد كان الاسلم والافضل لو ان الشيخ معاذ الخطيب قد اعطى لنفسه مهلة، قبل الاقدام على مثل الخطوة المباغتة التي اثارت كل هذه الضجة وكل هذه التساؤلات، للتشاور مع زملائه في الائتلاف الوطني ولأخذ رأي بعض الدول العربية الحريصة على تماسك ثورة الشعب السوري وانتصارها بعد كل هذه التضحيات الجسيمة التي قدمها هذا الشعب المكافح الشجاع.. الم يكن من الضروري الا يتسرع قائد المعارضة السورية ويقفز هذه القفزة غير المضمونة العواقب وبدون أي ضمانات فعلية وقبل ان تغير على الاقل مواقفها التي هي اكثر تصلباً من مواقف بشار نفسه؟!

في كل الاحوال، وبانتظار معرفة المزيد من الحقائق حول هذه الخطوة الخطيرة التي اقدم عليها الشيخ معاذ الخطيب فانه لا يجوز ان يقع قادة المعارضة السورية في الحفرة التي قد يكون حفرها لهم نظام بشار الاسد وحلفاؤه، واولهم الروس، ويبدأون في شن حرب كلامية على بعضهم بعضاً على خلفية كل هذا الذي جرى، فالمفترض في مثل هذه الحالات هو ضبط ردود الافعال ومعالجة الامور بالمزيد من التأني والروية ومع الحذر والمزيد من الحذر من الوقوع في شرك اللعبة القذرة التي ارادت ايقاعهم فيها روسيا التي غير متوقع ان تتخلى عن الموقف الذي بقيت تقفه وتتمسك به منذ بداية هذه الاحداث الدامية.

========================

لقاءات ميونيخ وتمديد الأزمة السورية

2013-02-04 12:00 AM

الوطن السعودية

مع ازدياد تعقيد الأزمة السورية ارتفعت معاناة المواطنين من المهجرين، أو الذين ما زالوا تحت رحمة قوات النظام السوري، وهم عرضة للقصف في أي لحظة.. ومع ارتفاع المعاناة يصبح البحث عن مخرج مطلباً ملحاً، كي يتنفس الشعب بعد حوالي عامين من القهر والجوع والتشرد.

وربما، نقول ربما، ضمن هذا السياق تأتي الاجتماعات التي عقدها رئيس الائتلاف الوطني السوري، أحمد معاذ الخطيب، خلال اليومين الماضيين على هامش المؤتمر الدولي للأمن في مدينة ميونيخ الألمانية مع مسؤولين من دول أصبحت طرفاً في معادلة الصراع داخل سورية، مثل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ووزير الخاجية الإيراني علي أكبر صالحي، ونائب الرئيس الأميركي جو بايدن، وكذلك المبعوث العربي والدولي إلى سورية الأخضر الإبراهيمي.

الرغبة التي أبداها لافروف خلال لقائه مع الخطيب، والمتمثلة في اتصالات منتظمة مع المعارضة السورية، لا توحي بنية لإيجاد حل عاجل، فالاتصالات المنتظمة تعني بشكل أو بآخر زمناً غير محدد، وخلاله سوف يستمر النظام السوري بممارساته، ويستمر عدد ضحاياه في التصاعد، كما أن دعوة لافروف للخطيب لزيارة موسكو في الغالب لن تكون نتيجتها أكثر من "الاتصالات المنتظمة"، فالغاية الروسية التي لم تعد تخفى هي الضغط لإبقاء الوضع على ما هو عليه حتى يوافق الجميع على اتفاق جنيف الذي تتبناه بكل ما فيه من عثرات لتحقيق مرادها في التغيير المقترن بعدم إزاحة بشار الأسد عن الحكم، فتظهر أمام طرفي النزاع كأنها المخلّص من أزمة عجز المجتمع الدولي عن حلها.

تفاؤل الخطيب بأن دعوة موسكو قد تساعد على إيجاد حل للأزمة السورية فيه مبالغة مع إصرار موسكو على اتفاق جنيف. ولعل تصريح الإبراهيمي الأخير في ميونيخ بأن الوقت قد حان لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لإنهاء الصراع في سورية، هو ما يختصر ما جرى ويجري من محادثات ومشاورات ومؤتمرات، فالإبراهيمي بعد جولاته الكثيرة أدرك أنه لا حل لإنهاء الأزمة إلا بقوة مجلس الأمن، ولكن هل يستطيع مجلس الأمن إصدار قرار من غير أن يصطدم بالفيتو الروسي؟.. هنا تكمن مشكلة وأزمة أخرى رديفة للصراع في سورية.

========================

روسيا وألمانيا وأميركا... وإيران!

عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

4-2-2013

في ميونيخ اجتمع الكبار، وكانت إيران على رأس قائمة طعام الغداء. سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا حليف إيران دافع عنها محذرا من أي مشروع هجوم عليها. قال أيضا: «لأعوام بحثنا في اجتماعاتنا مع دول الخليج إمكانية عقد مؤتمر للأمن بمشاركة الدول الخمس في مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، وربما منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. عرضنا لا يزال على الطاولة، يأخذ في الاعتبار ليس حاجات دول الخليج فقط وإنما أيضا مصالح إيران المشروعة. وهي بدورها تخشى على أمنها وتعرضت مرتين للهجوم من دون أن تهاجم أحدا».

أما ألمانيا، وهي دولة أساسية في التفاوض مع إيران، فإن وزير خارجيتها تبنى فكرة العودة للحوار. قال الوزير غيدو فسترفيلي: «هذا العام الحالي سيكون حاسما بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني. يجب أن نتحدث بصراحة وصوت عالٍ. لم نحرز تقدما في الأشهر الاثني عشر الماضية. ومن البديهي أن نستخدم الوقت المتوفر هذا العام لإحراز تقدم. كما أن البرنامج النووي الإيراني لا يمس أمن إسرائيل فقط، مثلما يفهم في أوروبا والولايات المتحدة، بل يمس هندسة الأمن الإقليمي والعالمي. وقد تحدثنا في العام الماضي حول السباق الذي ستشهده المنطقة إذا تزودت إيران بالسلاح النووي».

أما ما تحدث به نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في المؤتمر فقد شاع ترديده في الإعلام، ويمكن القول إن الأهم هو ما لم يقُله. بايدن لم يذكر الخيار العسكري، ولم يهدد به، متراجعا عن الوعيد الأميركي السابق، بل تحدث طويلا عن الحل السلمي، قال: «لا تزال هناك فرصة للتفاوض وإيجاد حل دبلوماسي، فالكرة في ملعب إيران. وعندما تبدي القيادة الإيرانية رغبة حقيقية، فإننا سنقابلها بالرغبة في الحوار على الصعيد الثنائي. ولن نبرم اتفاقات سرية معها وسنبلغ شركاءنا بما يتوفر».

الروسي يقول ثقوا في إيران، والألماني يريد استئناف الحوار بلا شروط، والأميركي زاد الهدايا للإيرانيين راجيا أن يتوقفوا.

نحن نعرف سلوك إيران منذ مطلع الثمانينات، تتراجع فقط عندما تشعر بجدية الخطر عليها، لهذا السبب لا تتعرض أبدا لإسرائيل، وكانت تخاف التحرش بجورج بوش الابن. الآن القيادة الإيرانية تقرأ سياسة الرئاسة الأميركية الحالية بأنها لن تتجرأ على ارتكاب عمل عسكري ضدها مهما فعلت، بما في ذلك إنجاز سلاح نووي، ولهذا ستكمل طبخ سلاحها النووي. بعدها ستصبح إيران نووية، وسيصبح الوضع الإقليمي أكثر تعقيدا، وستزداد تهديداتها في أنحاء العالم. لنتذكر أن الذي يحكم إيران ليسوا سياسيين، بل جماعة دينية متطرفة عاثت في المنطقة ثلاثين عاما، وعندما تصبح نووية سيكون مستحيلا ردعها.

========================

واشنطن تريد نظاما في سورية لا لون له ولا طعم ولا رائحة!

الطاهر إبراهيم

2013-02-03

القدس العربي

منذ بداية الربيع السوري رأينا موسكو تعاند وتركب رأسها وهي تمد حليفها بشار ألاسد بالسلاح، لعل وعسى أن يستطيع هذا أن يقهر السوريين فيعيدهم إلى العبودية والرق. فيبالغ هذا بتوحشه الذي فاق كل تصور. فيتصدى الثوار السوريون لذلك العناد وهذا التوحش رغم امتلاء الشوارع بالقتلى والسجون بالمعتقلين والبيوت تهدمت على رؤوس ساكنيها. المواطن السوري أدرك أن لا أمل عنده أن تكف موسكو عن عنادها أوأن يتوقف بشار ألاسد عن توحشه، وأنه كتب عليه أن يدفع عن حياته وكرامته بحياته، وليس هنالك حل آخر.

رأى العالم بشارألاسد وحرسه الجمهوري الذين تخيرهم 'على الصينية' من أهل الثقة من منطقته، ينتحرون كما تنتحر الحيتان على الشواطئ الرملية، وهم ينفذون 'أجندة' وضعها حافظ ألاسد كي يلتزمها بشار، فلم يستغرب العالم، لأن بشار كان ينفذ أجندة فصلها حافظ ألاسد على مقاسه هو، وكان سيعدل فيها فيما لو واجه ما واجهه بشار، كما فعل في حلب عام 1980، عندما حاول المصالحة مع الإخوان المسلمين. لم يستغرب المراقبون تخبط بشار أسد لأنه لا يملك خبرة أبيه، لكنهم استغربوا عناد قادة موسكو وهم يكسبون كل يوم عداوة الشعب السوري. هؤلاء القادة لم يتعظوا مما حل بالجيش الأحمر في جبال أفغانستان وبعضهم عاصر ذلك.

فبعد تجربة عامين من ثورة السوريين على نظام الفساد والاستبداد، تأكد للجميع أن موسكو لا تناور، وأنها تعني ما تقوله وما تفعله، وأنها ذاهبة إلى آخر الخط حتى تشهد نهاية الصراع بين حليفها بشار أسد وغالبية السوريين، ولا يظهر أنها ستقدم المشورة لرأس النظام بأن ينجو بجلده قبل أن لا يكون أمامه فرصة لارتداء ملابسه وصعود الطائرة.

وليس موسكو وحدها من يراهن على جواد خاسر. فواشنطن تتوقع أن يصيب السأم الدول التي تدعم ولو جزئيا- الثوار السوريين، وأنها قد تنصح من 'تمون' عليه من بعض قادة المعارضة ليجلسوا إلى طاولة الحوار مع جلاوزة النظام، مع أن معظم قادة المعارضة صرحوا أكثر من مرة أنهم لا يملكون القرار ولا من أمر المعركة شيئا، وأن من يملك القرار قادة الوحدات المقاتلة (وجبهة النصرة واحدة منها). وهاهو رئيس الائتلاف المعارض، أحمد معاذ الخطيب، يتراجع عن قبوله الجلوس للحوار مع ممثلي نظام بشار أسد حقنا للدماء، قائلا: إن تصريحه اجتزئ من محيطه، وأنه دعا لحوار للاتفاق على رحيل بشار.

واشنطن من جهتها تبذل قصارى جهدها لتستنسخ نظاما في سورية لا يضم الإسلاميين. وليس جبهة النصرة وحدها مرفوضة عندها فحسب، بل لا بد من قيام نظام، لا لون له ولا طعم ولا رائحة. وهنا يثور سؤال برسم إجابة واشنطن: إذا سلمنا أن ما يجري في سورية يحتم رحيل بشار ألاسد ونظامه عاجلا أو آجلا مع قيام حكومة معتدلة، فمن يوقف المد الثوري الذي يكتسح أمامه فلول النظام، ويقضم في طريقه البلدات والقرى التي يندحر عنها جيش بشار وشبيحته؟

هناك من يعتقد أن إدارة 'أوباما' فقدت البوصلة التي استعملتها يوم أرغمت على الانسحاب من العراق، وقد خطط 'بوش' للبقاء فيه طويلا، ليضخ مخزون النفط فيه إلى خزانة أمريكا. تريليونات الدولارات التي وفرتها إدارة الرئيس 'كلينتون' اضطر بوش أن يصرفها أثناء وجود الجيش الأمريكي في العراق، ثم ليستدين تريليونات أخرى ما تزال الخزينة الأمريكية تئن تحت وطأة فوائدها. وهاهي إدارة أوباما تجهز السفن لترحيل المارينز الأمريكي عن أفغانستان.

لا نعتقد أن أوباما يفكر في حل سوري على طريقة 'بوش' وأمامه 'رأس الذئب المقطوع' في العراق. أما السوريون فأمامهم الطريق واضح:

على بشار ألاسد أن يرحل وسريعا، وبعده على موسكو أن تفكك القاعدة البحرية في طرطوس، أو أن تتركها كمكاسب حرب للنظام السوري الجديد وبدون مقابل.

موسكو تعاند وتركب رأسها. أما واشنطن فتعتقد أن عليها أن 'تعوّم' المعركة في سورية، ومن ينتصر في الأخير فهي جاهزة للتعاون معه. أما السوريون فقرروا أن يخوضوا المعركة بدون واشنطن.

وحتى لو تخلى عنهم العرب، فمن صمد عامين يصمد عامين آخرين، وسيرى العالم من يقول 'آخ ' أولا، ومن يرفع الراية على أسوار دمشق.

===================

المعارضة السورية.. مؤتمرات عديدة ونتائج متواضعة

حسين العودات

التاريخ: 04 فبراير 2013

البيان

عُقد الأسبوع الماضي مؤتمران للمعارضة السورية، أحدهما في جنيف ضم مئتي مشارك من نشطاء المعارضة الداخلية وبعض الخارجية، واستضاف شخصيات غير سورية عربية وأوروبية، وبحث خلال يومين جوانب الأزمة السورية، وتشابكها، وتوصل إلى توصيات لمواجهتها تمهيداً لحلها، حسب وجهة نظر المؤتمرين. والثاني عقد في باريس شاركت فيه 50 دولة ومنظمة من أصدقاء سوريا.

كما شارك فيه أعضاء من المعارضة السورية الخارجية، وخاصة من الائتلاف ومن المجلس الوطني، ولم تخرج مناقشاته وتوصياته كثيراً عن نتائج وتوصيات المؤتمر الأول، وإن كان كل منها صيغ بأسلوب مختلف وخصوصية مختلفة، كما عُقد في الكويت يوم الأربعاء الماضي مؤتمر للدول المانحة، تدارس دور هذه الدول، والمساعدات التي ستقدمها للشعب السوري.

في عام 2012 عُقدت عدة مؤتمرات للمعارضة السورية، أولها عقدته المعارضتان الداخلية والخارجية معاً كمؤتمر موحد منتصف العام الماضي في القاهرة، بإشراف الجامعة العربية، وقد اتفقت فيه فصائل المعارضة السورية المتعددة على أهداف واحدة محددة، وبرامج محددة، منها تبني موقف موحد من النظام السياسي السوري.

والعمل على إسقاطه بكل رموزه، وصولاً إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، والاتفاق على المرحلة الانتقالية، والمؤسسات الانتقالية ومهمات هذه المؤسسات، وعلى الموقف من العمل المسلح، و"الجيش الحر"، ومحاكمة المرتكبين من أهل النظام الذين ولغوا في ممارسة العنف وفي الفساد.

وتشكيل لجنة متابعة هي في الواقع بمثابة قيادة موحدة لجميع فصائل المعارضة، إلا أن المجلس الوطني السوري، وهو أهم فصيل خارجي معارض، انقلب على هذه القرارات، وخاصة على تشكيل لجنة المتابعة، لأنه اعتبر أنها يمكن أن تكون قيادة بديلة عنه، ونكص عن تنفيذ القرارات التي وافق عليها، وتعطل بالتالي مفعول قرارات المؤتمر وكأنه لم يكن.

عقدت مؤتمرات ثلاثة لأصدقاء سوريا من دول العالم، خلال الاثني عشر شهراً الماضية، أولها في تونس وثانيها في إسطنبول، وقررا دعم الثورة السورية والمعارضة السورية مادياً ومعنوياً، واعترف هذان المؤتمران بالمجلس الوطني كممثل للشعب السوري، وتجاوز عدد الدول المشاركة في المؤتمر الثاني المائة دولة.

وقد تفاءل المجلس الوطني السوري (المعارضة الخارجية) خيراً بالمؤتمر، واعتبر اعترافه به كممثل للشعب السوري، خطوة استثنائية، تساعد في تقريب زمن إسقاط النظام، وتولي المجلس الوطني السلطة بدلاً عنه، وأخذت قيادة المجلس تتصرف على هذا الأساس؛ أي على أنها حكومة المستقبل.

ولكن بعد أسابيع صرحت وزيرة الخارجية الأميركية بأن المجلس الوطني لا يمثل الشعب السوري، وتحدثت عن تقصيره، بل وعن فشله، ولمحت إلى أن المساعدات الأميركية لن تُقدم للمعارضة السورية (السياسية والمسلحة) بوجود هكذا مجلس، أو على الأقل عن طريقه، ثم اقترحت هيلاري كلينتون تشكيل هيئة معارضة جديدة، فتداعت المعارضة السورية الخارجية إلى عقد مؤتمر في الدوحة في نوفمبر الماضي، وشكل المؤتمرون الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، وانتخبوا قيادة له، وأصبح بديلاً عن المجلس الوطني. وبعد أسابيع قليلة من تأسيس الائتلاف، عقدت الدول من أصدقاء سوريا مؤتمرها الثالث في مراكش.

وشاركت فيه أكثر من 130 دولة إضافة إلى منظمات دولية، وأكد قرارات المؤتمرين السابقين، واعترف بالائتلاف ممثلاً شرعياً "وحيداً" للشعب السوري، وليس فقط ممثلاً شرعياً كما كان الحال بالنسبة للمجلس الوطني. ومرة أخرى تفاءل السوريون خيراً، واعتبروا أن البدائل صارت جاهزة، وأن النصر على الأبواب، ثم خمد حماس أصدقاء الشعب السوري وخاب أمل السوريين مجدداً.

في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، عُقد مؤتمران للمعارضة السورية، أحدهما في دمشق دعت إليه هيئة التنسيق للقوى الوطنية، سمته "مؤتمر الإنقاذ"، شارك فيه حوالي 15 حزباً وفصيلاً معارضاً من معارضة الداخل، واتخذ عدة قرارات منها العمل على تغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي، وتشكيل حكومة انتقالية مطلقة الصلاحيات، وإعادة هيكلة الجيش وقوى الأمن.. وغير ذلك.

وبعد أسابيع عقد مؤتمر في طهران لفصائل من المعارضة السورية الداخلية بدعوة من السلطات الإيرانية، شارك فيه "معارضون" من الداخل، قريبون جداً من النظام والسلطة، وبعضهم مشارك في الحكومة، والبعض الآخر من الموالين لها، والبعض الثالث من أعضاء مجلس الشعب أو من قيادات الأحزاب التي تأسست في العام الأخير بتشجيع من السلطة وأجهزة الأمن. وفي الواقع فإن جميع من حضر المؤتمر كانوا من الموالين بثوب معارض.

ولذلك لم تتجاوز قراراته، توصيات إصلاحية دون أن تتعرض للقضايا الأساسية؛ كالمعتقلين، وتغيير النظام، والمرحلة الانتقالية وحكومتها وصلاحياتها، ومحاسبة المرتكبين، أو ما يشبه ذلك مما يطالب به السوريون، ونادوا بدلاً عن هذا كله بالحوار بين السلطة والمعارضة، دون المطالبة بإيجاد مناخ للحوار أو آفاق له، أو رؤية للمستقبل، وكأنهم كانوا يدعون المعارضة لتدخل تحت جناح النظام، مع الوعد بأن يجري هذا النظام بعض الإصلاحات مستقبلاً.

هكذا تعددت مؤتمرات المعارضة السورية السياسية، الداخلية منها والخارجية، ولم يتجاوز دور هذه المعارضة في الواقع عقد المؤتمرات واتخاذ القرارات والتوصيات، مما ترك أمر حسم الصراع للقوى المسلحة، سواء منها المعارِضة (الجيش الحر) أم الموالية (الجيش النظامي)، وتهمشت فاعلية المعارضة السياسية، ولم يعد لها الدور الحاسم في حل الصراع، وصار ينطبق عليها المثل الشعبي "كثير النط قليل الصيد"، من خلال كثرة عدد المؤتمرات وتواضع نتائجها.

يبدو أن عجز فصائل المعارضة السياسية السورية، الداخلية والخارجية، وفقدان نشاطها للفاعلية والقدرة، لم يترك لها سوى عقد المؤتمرات.

===================

سوريا ساحة صراع سني ـ شيعي لسنين طويلة؟!

غازي دحمان

المستقبل

3-2-2013

لا يحلو لأنصار الثورة السورية ومؤيديها، إدراج ثورتهم في إطار ما يسمى بـ"الصراع السني- الشيعي"، إذ لم يخطر ببال هؤلاء أنهم يثورون ضد إستبداد نظام الرئيس بشار الأسد لأنه من طائفة أخرى، فالثورة إنطلقت ضد حالة ووضع وليست ضد أشخاص بعينهم، ودليل ذلك أن أول شعارات الثورة طالب بالتغيير والإصلاح، عطفاً على ذلك، فالثورة ومنذ البدايات ضمت كل أطياف المجتمع السوري وتلاوينه، ولم تقتصر على طائفة واحدة، وإن كان من الطبيعي أن تكون مشاركة المواطنين الذين ينتمون للمكون السني هي الغالبة تناسباً مع أكثريتهم السكانية.

غير أن هذه الوقائع لن تعمر طويلاً في المشهد السوري، إذ سيمر وقت تنزاح فيه المعطيات لتشكل مسارات مختلفة للثورة، ذلك أن النظام، وفي سبيل بحثه عن خيارات للخروج من الأزمة وإنقاذ نفسه مما إرتكبته الأجهزة الأمنية، سعى إلى تخليق المارد الطائفي من تحت أظفاره إذ لم يسعَ النظام إلى أي إنجاز في تاريخه بقدر سعيه الحثيث لإخراج المارد الطائفي من القمقم، وإستدعاء كل شياطين التطرف.

ومنذ اليوم الأول راحت ماكينة إعلام النظام تتحدث عن إمارات سلفية وأمراء سلفيين وقاعدة، وعندما لم تنجح هذه الخطة في إثارة مشاعر الناس، عملت أجهزة النظام على تسريب فيديوهات وأفلام، تظهر عناصر الأمن بلهجتهم العلوية وهم يهينون الرموز والأفراد، مَن صوّر الجنود وهم يحرقون المصاحف ويقولون "قتلناهم"، وسرب هذا التصوير؟

كان من الواضح أن النظام يستدرج الثورة لهذا النمط من الصراع الديني، ربما لإعتقاد رموزه أنه السبيل، ليس للخلاص من أزمته، وإنما لإستدعاء الدعم من أطراف النسق الطائفي الذي ينتمي إليه، وبخاصة في ظل وجود دعم عربي وقطري وسعودي ما، يشكل تلقائياً معادلاً طائفياً يستند عليه النظام في دعواه.

ولتجهيز البنية اللازمة لهذا النمط الصراعي، عمل النظام على تدمير الركائز الأساسية للحراك السلمي، والتي قامت على أسس الوحدة الوطنية، ونبذ التفرقة والطائفية، ورفض التدخل الأجنبي، ومدنية الدولة السورية... وذلك عبر قتل وإعتقال وإخفاء وتهجير كل الرموز المدنية والعلمانية للثورة، مع قيامه بإجراء بدأ في حينها مستغرباً، وهو تفريغ السجون من معتقلي تنظيم" القاعدة" الذين قاتلوا في العراق، وعناصر تنظيم" فتح الإسلام" و"جند الشام" الذين جرى إعتقال أغلبهم في الفترة مابين 2004 و2007.

لم يطل الوقت كثيراً قبل أن تظهر للعلن تشكيلات إسلامية مقاتلة ذات الأيديولوجيا والفكر الإسلامي المتطرف "جبهة النصرة" و"ألوية التوحيد" و"أحفاد الرسول"، وظهرت هذه التشكيلات مع توجه الثورة نحو التسلح، وفي ظل إشتداد الحملة القمعية على المدن والأرياف السورية، في غفلة من ثورة السوريين الّذين كانت نكبتهم قد تضاعفت بفقدانها قادتها السلميين، ووقوعها تحت كثافة نيران الأجهزة الأمنية التي لاترحم، ولهاث البشر خلف تأمين سلامتهم والحد الأدنى من قوتهم.

لا يتسع المجال لسرد كل الوقائع والحيثيات التي تواترت إثر ذلك، غير أن الحيثية الأهم في كل هذا السياق نجاح النظام في إستدعاء دعم نسق سياسي طائفي إقليمي لمساندته، مقابل تشكل جبهة من جماعات وتنظيمات مقابلة ضده، وخسارة كل دعاة المدنية والسلمية والعلمانية، وتراجعهم إلى صفوف متأخرة في قدرتهم على التأثير بالحدث السوري.

ولكن الواقع يفترض التذكير بحقيقة أن النظام لم يخترع سياق ما يسمى بـ"الصراع السني ـ الشيعي"، فهو سياق موجود ومؤسس، وإن كان لا يزال الجزء الأكبر منه يمكث في إطار الحيز النظري، وأن تجلياته ظلت محدودة إن على هامش الأزمة العراقية أو في بعض الأحداث المتفرقة في لبنان، غير أن هذا السياق ظل ينمو ويكبر، والأهم أنه كان يبحث عن حيز مكاني يشتغل فيه بكامل حريته وطاقته وعنفوانه أيضاً.

لا شك أن سوريا توفر بيئة مناسبة لهذا النمط من الصراع، ثمة مواصفات وميزات عدة تجعلها أرضاً مغرية لذلك، فهي بعيدة قليلاً عن مراكز المدن الرئيسية لهلالي الصراع، كما أن لديها فائضاً سكانياً كبيراً يضمن دوام تشغيل ماكنة الصراع لفترة طويلة، وفوق هذا وذاك ترضي أوهام أطراف الصراع بقدرة كل طرف على إنهاك الطرف الآخر على الأرض السورية... سوريا لسنين مقبلة أرض الموت والنزوح. فقط مطلوب تجهيز مخيمات تتسع لملايين البشر.

========================

سوريا: معظم المساعدات تذهب إلى السلطة !

المستقبل

3-2-2013

ندّدت المنظمة الطبية الإنسانية الدولية "أطباء بلا حدود" (30 كانون الثاني 2013)، بالطريقة التي يتم من خلالها توزيع المساعدات الدولية في سوريا، واصفة إياها بغير المتكافئة بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك التي تسيطر عليها المعارضة. إذ تتلقى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة معظم المساعدات الدولية، بينما لا تحصل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة سوى على جزء يسير منها. لذلك، دعت المنظمة الأطراف المانحة في مؤتمر المانحين لسوريا في العاصمة الكويتية إلى دعم عمليات الإغاثة الإنسانية العابرة للحدود من أجل الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

غير أن عمليات الإغاثة بقيت حتى الآن تُنفذ من العاصمة السورية دمشق، من خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر والوكالات التابعة للأمم المتحدة، التي تعمل بشراكة مع الهلال الأحمر العربي السوري، الذي يُعتبر الهيئة الوحيدة التي تسمح لها الحكومة بتوزيع المساعدات داخل سوريا. ونتيجة لذلك، فإن جزءاً يسيراً فقط من المساعدات الدولية يصل إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وعموماً، فإن المساعدات غير المتحيزة لم تعد كافية في سوريا على كلا الجانبين من الجبهة، وكذلك الأمر في البلدان المجاورة التي تستضيف اللاجئين السوريين.

وتقول ماري بيير آليي، رئيسة منظمة أطباء بلا حدود: "لا يبدو أن النظام الحالي قادر على التغلب على ظروف العيش المتردية التي يواجهها سكان سوريا. لذلك، يجب على المشاركين في مؤتمر الكويت الاعتراف بالعمليات الإنسانية العابرة للحدود المخصصة لسوريا ومدها بالدعم المالي والإداري واللوجستي اللازم".

منذ حزيران 2012، وسعت المعارضة السورية المسلحة سيطرتها على أجزاء كبيرة من البلاد. وبينما لا يمكن تحديد أعداد السوريين الذين يعيشون في تلك المناطق، فإن الحضور القوي للمعارضة في المدن والمناطق الريفية المجاورة لدمشق وحلب وإدلب، التي تعرف كثافة سكانية كبيرة، يجعلنا نعتقد أن سورياً واحداً على الأقل من أصل كل ثلاثة يعيش في مناطق خارج سيطرة الحكومة السورية (أي نحو سبعة ملايين شخص).

كما أن السوريين بدأوا ينظمون أنفسهم في تلك المناطق من أجل توفير المساعدات للمدنيين، وذلك بالاعتماد على المساعدات التي يقدمها المهاجرون السوريون في باقي أنحاء العالم وفي البلدان المجاورة وكذلك من خلال شبكات التضامن. ولكن من الواضح أن هذه المساعدات ليست ملائمة، حيث أن المواد الأساسية مثل المأوى والبطانيات والوقود والطحين وطعام الرُضّع تعاني كلها نقصاً كبيراً في الإمدادات. وبينما تستهدف القوات الحكومية الأنشطة الصحية غير الرسمية، فإن هذه الأخيرة تكافح من أجل تلبية احتياجات أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين بأمراض مزمنة.

وهناك حالياً عدد قليل من منظمات الإغاثة الدولية، ومنها منظمة أطباء بلا حدود، التي تساعد المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. ومنذ عام 2011، توفر المنظمة الإمدادات الطبية والأدوية لمجموعات الأطباء السوريين الذين يقدمون العلاج إلى الجرحى في السر. وقد تضافرت جهود المنظمة خلال الأشهر الستة الأخيرة، فافتتحت ثلاثة مستشفيات في شمال غرب البلاد، حيث أجرت أكثر من 900 عملية جراحية حتى الآن. غير أن هذه المساعدات تبقى غير كافية بالنظر إلى الاحتياجات الطبية الهائلة للشعب السوري.

========================

هل تغير الموقف الروسي من الثورة السورية؟

بينة الملحم

الرياض

3-2-2013

تشكل تطورات الأحداث في سوريا معضلةً أمام العالم، وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل رأى أن الذي يجري في سوريا عار على جبين الأمة، الحالة الآن أشبه بالحرب الأهلية، ولا ننسى أن الثورة بدأت سلمية من دون أي استخدام للسلاح غير أن بطش النظام وتجاوزاته وإجرامه البشع حض الثوار على الدفاع عن النفس، والذي يجري في سوريا من الثوار هو دفاع عن النفس ضد آلة القتل السورية. رمز النظام الديكتاتوري بشار الأسد قالها بصراحة انه سيدمر دمشق ويدكها حتى ينتصر، يظن أنه يستطيع محاربة العالم أو مقارعة الحق بالظلم. هناك الجيش الحر المدعوم عربياً ودولياً ولا يستطيع أحد أن يقلل من إمكانيات الجيش الحر الذي يكبد النظام يومياً خسائر فادحة.

المواقف الروسية الأخيرة والتي تعاتب نظام الأسد وتعتبره تأخر في إمكانية الحل وابتعد عن الممكن إلى المستحيل لا تشكل تحولاً جذرياً للموقف الروسي من الأزمة السورية، بل هي تصريحات لذر الرماد بالعيون ومن أجل الإيحاء بأن المواقف الروسية مستقلة ولا تتبع لأحد.

لنقرأ قليلاً بعض التحليلات من الصحف الغربية، إذ رأت «الجارديان» أنه بعد 20 شهراً من الصراع في سوريا بدأت دلالات التحول في الموقف الروسي المساند لنظام الأسد تلوح في الأفق ، فبصرف النظر عما بدا عليه الدعم العسكري الروسي لدمشق من فشل ، فإن روسيا تخشى من عوامل ثلاثة أضعفهم شديد القسوة أولها الآثار البغيضة التي ستنتج عن الدعم التقليدي لسوريا وثانيا نتاج المخاوف المحلية من نشوب ثورات شعبية في روسيا وتغيير النظام واندلاع ثورة إسلامية في شمال القوقاز.

أما العامل الأخير، وفقاً للصحيفة البريطانية، فيتعلق بقراءة موسكو الخاطئة كلياً لطبيعة ثورات الربيع العربي، فالعديد من محللي السياسات الخارجية في موسكو أقنعوا أنفسهم خلال العامين الماضيين بأن تلك الثورات ليس نتاج حراك شعبي، لكنها بدأت أساساً بين أروقة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)!

أما صحيفة «الواشنطن بوست» إنه بعد عامين على المعارك في سوريا يظهر أن تصدعاً جدياً وخطيراً أصاب جيش النظام السوري بعد سيطرة الجيش الحر على قواعد عسكرية وجوية للنظام وتحكمه بالخطوط الخلفية الدفاعية للنظام في المدن الرئيسية، وأضافت الصحيفة نقلاً عن مصادر رسمية غربية ومحللين عسكريين بأنه مع تدفق أسلحة من الداعمين الأجانب للثوار استطاعوا أن يحرزوا سلسلة نجاحات تكتيكية في ضواحي دمشق، ويتقدموا بثبات صوب مطار المدينة، وأضافت المصادر بأن قوة الدفع متواصلة لدى الثوار منذ الصيف الماضي.

كل هذه التحليلات تصب في خانةٍ واحدة مفادها أن الثورة السورية أصبحت تشكل عاراً على جبين العالم وعلى جبين الروس تحديداً الذين حرسوا الأسد وحموه وقاموا بكل الخدمات لإبقاء النظام. المواقف من الدول القيادية الكبرى في العالم لا تزال هشّة، حتى هولاند الذي قال حين كان مرشحاً إن النظام في سوريا بأنه «نظام حقير» داعياً إلى ممارسة ضغوط على هذا البلد وكذلك «تهديد بشار الأسد بإحالته» أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي! حتى هولاند غابت مواقفه القوية التي يمكن أن تتفق مع تصريحاته.

الحالة السورية مؤسفة ومزعجة وتحتاج إلى وقفات كثيرة وكبيرة مع الشعب السوري العتيد الذي يحارب من أجل الحرية ويناضل من أجل الحرية. تبقى المواقف الدولية المتخبطة مثار امتعاض للذين يدركون قبح النظام وممارساته. ولكن لا يمكن لأحد أن يغفل موقف السعودية مع الثورة السورية منذ بدئها وخطاب الملك الشهير كان إبراءً للذمة من أفعال نظام بشع مارس ما لم يمارسه حتى أعتى الطغاة من قبل.

========================

هل يصمد "الخطيب" من أجل سورية ؟

جهاد المحيسن

الغد الاردنية

3-2-2013

من يعتقد أن الدفاع عن سورية الوطن والدولة هو دفاع عن النظام السياسي فيها واهم، ويتعمد عن قصد تدمير سورية الدولة، فالمشهد الدموي، واستمرار القتال، وحجم الدمار الكبير على الساحة السورية، يؤكد للجميع، بمن فيهم المعارضة الوطنية السورية المسؤولة، أن ما يحدث في سورية ليس شأنا داخليا.

فالأحداث الدامية والتدمير المنهجي لبنية الدولة ومؤسساتها الاقتصادية وتفكيكها وبيعها للمشترين الأتراك وغيرهم، يؤكد أن سورية باتت ساحة لحروب إقليمية لعدد من الدول التي تسعى إلى الخروج من أزماتها الداخلية من خلال تأجيج الصراع داخل سورية، ودعم المجاميع المسلحة التي تتواجد في الأراضي السورية، لإدامة الصراع وجعل المشهد أكثر دموية، في حين أن معارضة الخارج تتنعم بالهبات والمساعدات الدولية، وكل ذلك يتم على حساب الشعب السوري الذي يذبح بدم بارد.

موقف معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري المعارض، موقف يعبر عن رؤية للخروج من حالة الخراب والدمار والقتل التي يعيشها السوريون، وهي تعبير وطني لمعارض حريص على وطنه ودولته ودماء شعبه.

ولعل ما كتبه الزميل عريب الرنتاوي قبل أيام يؤكد طبيعة شخصية معاذ الخطيب وغيره من المعارضين أمثال هيثم مناع؛ فالدافع الوطني هو الذي يحرك هذه القيادات، لقبول الحوار ضمن شروط، فالخطيب بحسب ما كتب عريب " ليس معجباً بالأسد، ولا هو من "الفلول" أو "الشبيحة".. الخطيب توقف ملياً أمام مظاهر الخراب والتدمير المنهجي الشامل الذي تتعرض له سورية، دولة وشعباً ووطناً وكياناً، وهو إذ يقدم على إطلاق هذه المبادرة الجريئة، فإنه يفعل ذلك من موقع المسؤولية الوطنية، بعيداً عن الحسابات الشخصية الصغيرة والأنانية، أو حسابات المانحين والممولين في الخليج وبعض العواصم الغربية.

موقف الخطيب لم يعجب تيارا عريضا من المعارضة، التي اعتادت البكاء على الدم السوري، والتذلل في العواصم العربية والغربية لطلب المساعدات، حيث ساهمت المعارضة في الخارج في إجهاض الاحتجاجات السلمية والديمقراطية التي خرج بها الشعب السوري ضد النظام، وتحويلها إلى مواجهات بين ميليشيات قدمت إلى سورية من مختلف أصقاع المعمورة لتدمير سورية ونهبها.

من يخاف على وطنه لا يقدمه لقمة سائغة لأعدائه، وضمن هذا السياق يفهم الموقف الوطني، فالقصة لم تعد حريات وديمقراطية فقط، بل هنالك تفكيك منهجي للدولة السورية. وقد دخل على خط الصراع الداخلي في سورية العدو الإسرائيلي منذ فترة مبكرة، وعندما شعر بتضعضع الجماعات المسلحة التي تقتل السوريين بدم بارد وتنهبهم وتستبيح الوطن السوري، لجأ العدو الإسرائيلي إلى الدخول بشكل مباشر على خط الصراع، فقصف مركزا للأبحاث بالقرب من دمشق.

موقف الخطيب وغيره من رموز المعارضة يستدعي منا أن نؤازره وندفع باتجاه تحقيق الهدف الذي تنشده هذه الرموز الوطنية، لتحقيق الديمقراطية، والحفاظ على الدولة السورية، لكن هل يصمد موقف الخطيب أمام الضغوطات التي تتعرض لها المعارضة؟

========================

بين الغارة و «النصرة»

عبدالله إسكندر

الأحد ٣ فبراير ٢٠١٣

الحياة

التبريرات التي تُساق لتفسير الغارة الجوية الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية لا تخفي طابعها العدواني والمدان والذي يدخل تعقيدات إقليمية على الأزمة في سورية، ويزيد تعقيداً لاحتمالات التوصل إلى حل في شأنها. كما أن التبريرات التي تُساق لتبرير وجود «جبهة النصرة» وممارساتها في سورية لا تخفي أن أنصارها يعتمدون أساليب عنفية، سواء في مواجهة النظام أو في تعاملهم مع السكان، حيث يمارسون نفوذهم، وهي ممارسات إرهابية ومدانة، وتزيد صعوبة في العلاقات بين مكونات المجتمع السوري وفي مستقبل الحل.

لكن الغارة الإسرائيلية وممارسات «النصرة» لا تلغيان طبيعة الأزمة في سورية وواقع المواجهة بين النظام وبين الشعب السوري، ولا يغطيان العنف الأقصى الذي تواجه به قوات النظام مطالب هذا الشعب.

لقد عمد النظام منذ بدء المواجهات قبل زهاء عامين إلى الترويج لعلاقة بين مؤامرة إسرائيلية توظف الإرهابيين داخل سورية للنيل من مقاومة النظام وممانعته. وذلك من أجل تبرير الرفض المطلق للحل السياسي والترويج للحل الأمني الذي ما زال مستمراً.

وجاءت الغارة قبل أيام لتنطلق معها حملة كبيرة من النظام وحلفائه تقول إن ما عجزت عنه «جبهة النصرة» من احتلال موقع للبحث العسكري تولته إسرائيل مباشرة عبر الغارة الجوية. ليستنتج المتلقي أن تنسيقاً ميدانياً يحصل بين مقاتلي المعارضة السورية على الأرض وإسرائيل، فتكتمل رواية النظام عن طبيعة الأزمة، بالنسبة إلى حلفائه ومؤيديه في المنطقة.

لكنّ لهذه الرواية وجهاً آخر حاول النظام أن يروجه على المستوى الدولي، تجلى في الشكوى إلى الأمم المتحدة. فالنظام لم يتوجه إلى مجلس الأمن، وإنما توجه إلى قوات الفصل الدولية في الجولان. وذلك ليضع الغارة في إطار خرق اتفاق فك الاشتباك في المرتفعات المحتلة، وهو الاتفاق الذي يحظى بالرعاية والدعم من الأمم المتحدة. لكن هذه «الحيلة» لم تنجح في تحقيق أغراضها، لان القوات الدولية في الجولان أكدت، في ردها على دمشق، أنها لم تسجل أي خرق إسرائيلي لاتفاق فك الاشتباك في الجولان، وتاليا تخرج الغارة من إطار المواجهة الإسرائيلية - السورية المتعلقة بالنزاع في الشرق الأوسط، ولتصبح الغارة قضية إسرائيلية - سورية متعلقة بمضاعفات النزاع داخل سورية وبتراجع قدرة النظام وانحسار قبضته، واحتمالات سقوط أسلحة متطورة في أيدي أطراف حزبية أخرى، سواء مؤيدة للنظام السوري أو مناوئة له.

في موازاة ذلك، كشفت الغارة انعدام الحماية المفترضة التي على النظام أن يوفرها لمنشآته وقوافل أسلحته في مواجهة إسرائيل. خصوصاً أن كل مبررات حربه على المطالب الشعبية يلخصها بمواجهة إسرائيل. وهذا ما يظهر أن قوات النظام باتت عاجزة عن أي تصد فعلي للاعتداءات الإسرائيلية، أو هي غير راغبة بذلك. رغم ذلك، يشكل أي عدوان إسرائيلي على سورية، بالنسبة إلى النظام، تبريراً لشعاره الأساسي في شأن المقاومة والممانعة.

في الجانب الداخلي، يسعى النظام إلى اختصار الأزمة بالمواجهة مع التكفيريين والإرهابيين، وهو يجد في «جبهة النصرة» وممارساتها تبريراً لهذا الاختصار. ما يلقى صداه لدى حلفائه، خصوصاً روسيا التي تبرر تأييدها النظام بخشية سقوط سورية في أيدي الإرهابيين. وفي هذا المعنى يجد النظام في «جبهة النصرة» تبريراً لنهجه الأمني ورفضه الحل السياسي، وخصوصا لجوئه إلى العنف المفرط الذي ينهي احتمالات مثل هذا الحل.

========================

شيء عفن يحدث في سوريا

عبد الله بن بجاد العتيبي

الشرق الاوسط

3-2-2013

عنوان المقال مأخوذ من عبارة شهيرة لـ«هاملت» أحد أشهر شخصيات «شكسبير»، غير أن الحديث هنا عن واقع هو أغرب من خيالات الروائيين والمسرحيين والأدباء، حيث يقوم نظام في القرن الحادي والعشرين بقتل شعبه بكافة الأسلحة أمام عالم لا يكاد أحد يحرك ساكنا.

خلال عامين ظل دخان المأساة في سوريا يتكاثف ويكبر، وتنمو تحته طحالب الضغائن والأحقاد التي تتحول أشجارا، وإحن الطائفية ودماؤها تسيل وتفيض أنهارا وبحارا، وقد ضمن بشار الأسد عبر سياسيات واعية اتخذها من أول يوم أن يخلق في سوريا فتنة طائفية يصعب كثيرا على من يأتي بعده - أيا كان - أن يخمدها.

سياسيا، لم يكن لهذه المأساة الإنسانية أن تستمر في سوريا إلا لأنها أصبحت بحكم التطورات الدولية والإقليمية مركزا للصراع الدولي والإقليمي في لحظة مضطربة من التاريخ أقدمت فيها دول الغرب بقيادة الولايات المتحدة على خيارات، ظهر لاحقا أنها لم تكن محسوبة بالدقة المفترضة حسب تصريحات مسؤوليها تجاه ما كان يعرف بالربيع العربي، وأصرت فيها بما يشبه العناد، الصين، وروسيا الاتحادية الجديدة التي تخلت عن كل أثقال الاتحاد السوفياتي وأعبائه وهي تنعم باقتصاد متنام، على عدم ترك آخر معاقلها في المنطقة دون ضمان مصالحها.

وإقليميا، كان للسعودية ودول الخليج موقف سياسي متقدم تجاه الأوضاع في سوريا، ولم يزل ذلك الموقف يتصاعد ويحشد الدعم والتأييد الدولي في كل المؤتمرات الدولية التي عقدت لدراسة الشأن السوري، وكانت رأس حربة في مؤتمرات أصدقاء سوريا وفي غيرها من المحافل الدولية والإقليمية والعربية.

وفي خضم التدافع الدولي الذي لم يصل لمرفأ بعد قامت على الأرض مآس إنسانية يشيب لها الولدان، وعذابات بشرية تدمي العقول قبل القلوب، فأكملت دول الخليج مشروعها السياسي تجاه سوريا بمشروع إنساني.

انعقد في دولة الكويت يوم الأربعاء 30 يناير (كانون الثاني) تحت رعاية الأمم المتحدة، مؤتمر دولي للدول المانحة لسوريا، وكانت دول الخليج هي الدول الأقوى حضورا والأكبر دعما للشعب السوري، فقدمت الكويت الدولة المضيفة والسعودية والإمارات، ما يقارب المليار دولار بواقع ثلاثمائة مليون دولار لكل دولة، وهو دعم يغطي الأشهر الخمسة المقبلة، كما صرح بذلك وزير الخارجية الكويتي.

إنه دون شك عمل إنساني مهم يأتي مكملا للدور السياسي وداعما له، وها هي وسائل الإعلام تنقل أخبارا قد تحمل شيئا من التحول في المواقف الدولية، فتصريحات رئيس الوزراء الروسي ميدفيديف، ومن بعده وزير الخارجية لافروف، خلال الأسبوع الماضي، تمنح إيحاء بتغير ما يحدث في الموقف الروسي المتعنت سابقا، وبخاصة طبيعة اللوم الذي قد يصل حد التقريع من قبل ميدفيديف للأسد.

والرئيس الأميركي المنتخب لولاية جديدة باراك أوباما، قال بأنه سيدرس «جدوى» التحرك تجاه سوريا، ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون صرحت قبل تركها لحقيبتها، بحديث مماثل، وإسرائيل بحذرها الأمني المزمن بدأت تضرب عسكريا أي تنقلات للأسلحة النوعية لنظام الأسد قد يكون لها تأثير عليها مستقبلا.

وقفت إيران ونظام الأسد وحزب الله مكتوفي الأيدي تجاه تلك الضربة العسكرية الإسرائيلية؛ فمعركتهم ليست مع إسرائيل بل مع الشعب السوري، فالنظام الإيراني كان يقود معركته مع إسرائيل بالشعارات دائما، ونظام الأسد كان أفضل حام لإسرائيل لما يزيد على أربعين عاما، أما حزب الله فقد تعلم الدرس جيدا في مغامراته السابقة.

وفي الداخل السوري فقد أصبح واجبا ملحا على الطائفة العلوية بسوريا أن تجد لنفسها ملتجأ يبتعد بها عن بشار الأسد ورهاناته السياسية الخاسرة التي تدفع بها لمزيد من المعاناة في قابل الأيام.

ليس شيء أكثر مقتا من الحديث عن الطائفية، وليس شيء أكثر تأثيرا لدى السياسي من توظيفها، ولكنها معطى واقعي لم تزل هذه المنطقة من العالم تكتنزه وتمتلئ به، فالطائفية تمثل غريزة مكبوتة يفيض بها التاريخ، وتنضح بها المجتمعات، وتختصم على تمثيلها أو استغلالها التيارات والأحزاب والجماعات والتنظيمات.

ليس بدعا من التاريخ، ولكن جناية على الواقع اختارت الجمهورية الإسلامية في إيران استغلال الطائفية كورقة سياسية بالغة التأثير، وقوية المفعول في كثير من صراعاتها منذ نشأتها، وزادت في السنوات الأخيرة، وقد كان العلويون النصيريون في سوريا في قلب تلك السياسية الإيرانية.

العلويون أو النصيريون في سوريا لحقهم ظلم تاريخي ومجافاة دينية تصل إلى حد الاضطهاد، أعقبها استغلال سياسي أضر بهم كثيرا، أما الظلم التاريخي فيكمن في اللعب برواية تاريخهم الذي ظل غامضا على الدوام، ومستعصيا على الباحثين المستقلين من مستشرقين وعرب، وقد دفع به كل بالاتجاه الذي يناسبه، وأما المجافاة الدينية فقد كانت من الشيعة والسنة على السواء؛ فقد نبذهم الشيعة الذين ينتمون وإياهم لذات المرجعية الدينية، وقد مارس بعض السنة تجاههم مجافاة أخرى تتعلق بطبيعة توصيفهم والعلاقة معهم، أما الاستغلال السياسي، فقد حاول الصفويون استخدامهم ضد العثمانيين، وسعى الفرنسيون لجعلهم شوكة في استقرار الشام، ثم جاء الاستغلال الأقسى من قبل حافظ الأسد في الدولة السورية الحديثة، ومن ثم من الجمهورية الإسلامية في إيران، وأخيرا الأسد الابن.

معلوم أن العلويين قد تعرضوا لاضطهاد تاريخي كغيرهم من الأقليات، ولكن أيا من تلك الأقليات لم تتخذ مواقف انتقامية ضد الأكثرية، ولم تحملها أعباء التاريخ بقوة السلطة والنظام، هذا مع التأكيد على أن استحضار بعض حقائق التاريخ بما تشمله من عقائد وطوائف، مفيدة لقراءة المشهد المعاصر.

أيا ما كانت المصائر التي تدفع لها أحداث اليوم فإن الطائفة العلوية يجب ألا تدفع ثمن جرائم الأسدين، فأخذ الناس جملة بسبب انتماءاتهم الطائفية أو القبلية أمر مناقض للعقل والحضارة والعدل.

قدم كثير من المستشرقين الكثير من الدراسات والأبحاث المهمة في رصد وقراءة وتحليل بعض المعطيات المهمة في الواقع العربي والشرقي بعموم، كالطائفية والقبلية والعرقية ونحوها، وبغض النظر عن أهدافهم أو إمكانية توظيفهم لأهداف سياسية ما، فإن إنتاجهم يظل ثريا ومفيدا في تلك الجوانب تجدر مراجعته والاستشهاد به في أي محاولة جادة لقراءة جوانب هامة من تاريخنا الحديث أو المعاصر، في وقت استنكف فيه كثير من الباحثين العرب رصد تلك المعطيات وتحليلها وقراءة تأثيراتها تحت شعارات كانت تبدو أكثر بريقا وتأثيرا، كالقومية العربية أو الشيوعية أو البعثية.

سيظل «هاملت» الواقع السوري يتنقل كثيرا بين إحن التاريخ وتناقضات الواقع وآمال المستقبل، وكل الأمل أن يجد طريقه للخلاص.

========================

الكلام عن السوريين وأزمتهم

فايز سارة

الشرق الاوسط

3-2-2013

بعد انطلاق الثورة السورية قبل عامين، تغيرت صيغة الكلام عن السوريين نظاما وشعبا. فقبل ذلك التاريخ كان الكلام عن السوريين يتعلق غالبا بسياسات النظام وعلاقاته العربية والدولية ومواقفه من القضايا العربية والإقليمية، وغالبا ما كانت لغة الخطاب هادئة ورزينة، وحتى في الحالات، التي يكون فيها ثمة اختلاف مع مضمون الخطاب الرسمي السوري، فإن لغة الخطاب التي تتناوله كانت ملتبسة، ولم تكن تتعدى أشارت الامتعاض في أشد الأحوال، أو التلميح دون التصريح في أغلب الأحيان، والسبب في ذلك أن كثيرين من أصحاب القول في الشأن السوري وحوله، لم يكونوا يرغبون في الدخول في مواجهات كلامية مع الخطاب الرسمي السوري تجنبا لما يمكن أن يقوله أو يفعله أو للاثنين معا، حيث الأول فيهما لم يكن يخلو من شتائم وتهديدات، فيما كانت الأفعال تحمل مخاطر وتحديات لا رغبة لأحد في تحملها أو احتمالها.

والكلام عن السوريين كشعب، لم يكن بعيدا عما سبق. فالسوريون في عيون الآخرين، كان يتم النظر إليهم في أغلب الأحيان باعتبارهم أبناء النظام وأدواته وجوقته، وهي تصورات غير واقعية، وإن استند بعضها إلى وقائع ومعطيات ضعيفة ومهلهلة، وهو ما جعل الكلام عن السوريين شعبا، يقترب من الكلام عن السوريين نظاما، لكن مع هامش أكبر في لوم الشعب السوري لاقتناع أصحاب خطاب اللوم بعدم قدرة الشعب السوري على الرد والتعقيب على الكلام الذي يقال عنه وحوله لأسباب كثيرة.

وواقع الحال السابق، إنما يساعد في تقديم تفسير للسلوك العربي والدولي الحذر والانتظاري في الكلام حول الوضع السوري ومجرياته طوال الأشهر الأولى من ثورة السوريين، قبل أن يذهب الكلام إلى تحديد مواقف مما يجري في سوريا، وبلورة انقسام إقليمي ودولي حولها بغض النظر عن محتوى وجدية الفريقين والمنتمين لهما من الوضع السوري وتطوراته، وصار بالإمكان سماع كلام مختلف في لجهته ومحتواه في الشأن السوري، كلام يميز في التعاطي ما بين النظام والشعب، ويحمل في محتواه مضامين لم يكن يستعملها في السابق في تعاطيه مع النظام أو مع السوريين.

وإذا كان كلام الفريق الدولي والإقليمي المؤيد للسلطات السورية واضحا في دعمه وتأييده للسياسات السورية في تعاملها مع ثورة السوريين، ومتقارب في إدانة الحراك الشعبي بمجالاته السياسية والعسكرية على السواء، فإن كلام الفريق الثاني وإن كان في اتجاهه العام مناهضا لسياسات النظام وخياره الأمني - العسكري، ومتعاطفا مع ثورة السوريين وبخاصة مع ضحايا النظام وسياساته، وضد ما يصيب الشعب السوري من خسائر ودمار، وآلام. فإن كلام هذا الفريق، غلب عليه الارتباك وكثرة الادعاءات، وارتكاب الأخطاء الكبرى، إن لم نقل إن بعض تلك الأخطاء كان مقصودا، وله أهداف سياسية لعل الأهم والأبرز فيها إخلاء مسؤولية أصحابها عن عدم اتخاذهم مواقف جدية وقوية حيال ثورة السوريين وتطوراتها والأطراف المنخرطة فيها.

إن الأمثلة في الكلام المقال عن الحال السوري كثيرة، والأيام الأخيرة حافلة وشاملة لكل المواضيع ومنها تحليلات تحمل النظام المسؤولية في الأزمة السورية، ومنها كلام المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي في مجلس الأمن الدولي الذي أكد أن «سوريا تنهار أمام أعين الجميع»، الأمر الذي استجر كلاما من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لتوجيه نداء «باسم الإنسانية لوقف القتل في سوريا»، فيما ذهب «المؤتمر الدولي لإعلان التعهدات الإنسانية من أجل سوريا» في الكويت نحو كلام عن مساعدات مالية للسوريين، تتجاوز مليارا ونصف مليار دولار في إطار كلام عربي ودولي تكرر على مدى العامين الماضيين حول مساعدات ستدفع لمساعدة السوريين في مواجهة المحنة التي يتعرضون لها، وثمة كلام عن جهود ومبادرات في المستويات الإقليمية والدولية لمعالجة الأزمة، وقد انضمت أطراف من المعارضة السورية حسب مؤتمر جنيف الأخير وتصريحات رئيس الائتلاف الوطني عن تفاوض مشروط مع النظام، وقد انضم الأخير إلى فريق المتكلمين عن حل سياسي للازمة في سورية، فيما كلامه مستمر عن «مؤامرة» و«عصابات إرهابية».

وإن كان هناك ملاحظات جوهرية حول الكلام المقال عن السوريين وأزمتهم، فإن الأهم في تلك الملاحظات، أن كثيرا من الكلام، لا يركز بصورة جدية وفعالة على معالجة الأزمة السورية بما يعنيه ذلك من إيجاد حل لها، وهو يتناول بعض نتائج استمرار الأزمة وتطوراتها مثل الحديث عن اللاجئين والمساعدات الإنسانية، كما أن بين الملاحظات، أن أغلب الكلام لا يجد طريقه للتطبيق والتنفيذ كما في موضوع السعي الجدي لعلاج الأزمة، بل إن بعض أصحاب ذلك الكلام سرعان ما يتجاهلون أقوالهم، وقد يتخذون ودولهم مواقف وإجراءات تتناقض مع مضمون كلامهم كما في موضوع المساعدات الدولية ومعالجة أوضاع السوريين في الدول المضيفة.

لقد صار الكلام مكرورا في توصيف أزمة السوريين، والتباكي على ما صارت إليه حالهم وحال بلدهم، والتحذير مما يجر إليه الحال السوري من كوارث تتجاوز محيط سوريا إلى جوارها والأبعد منها إقليميا ودوليا. وكذلك الكلام عن التكاتف الدولي لمساعدة شعب لم يقصر في التزاماته الإنسانية والأخلاقية نحو المجتمع الدولي ومساعدة الآخرين في محنهم، وعن الجهود المختلفة لمعالجة الأزمة في سوريا. لقد أصبح الكلام مجرد لغو لا معنى له ولا تجسيدات عملية لما يفرضه من مواقف وإجراءات. حيث إن الأزمة في سوريا مستمرة ومتصاعدة، وخسائرها البشرية والمادية إلى تزايد مخيف، وأحوال السوريين في الداخل وبلدان اللجوء إلى تدهور، وحالة الكيان السوري إلى تغيير من الصعب تحديد محتواه، وكلها تؤكد عدم جدوى وجدية أكثر الكلام الذي يقال عن السوريين.

========================

إنشقاق الخطيب ومؤشرات الحل في سورية

مصطفى زين

السبت ٢ فبراير ٢٠١٣

الحياة

ينقل رئيس هيئة التنسيق السورية المعارضة في المهجر هيثم مناع عن مسؤول أوروبي تأكيده أن الوقت حان لإخراج سورية من أزمتها، معللاً ذلك بأن ما يريده الغرب وحلفاؤه قد تحقق: الدولة السورية منهكة، معظم بناها التحتية دمرت، مجتمعها تفكك، جيشها في حاجة إلى استعادة ثقة الناس به، إعادة الإعمار ستضطرها إلى إقامة علاقات مختلفة مع «المانحين»، أي مع محيطها العربي ومع أميركا والإتحاد الأوروبي. سيستغرقها الأمر عشرات السنين للخروج من حروبها، ولن تستطيع لعب أي دور في المنطقة.

هذا الكلام الأوروبي يتطابق تماماً مع ما كان مطلوباً من سورية منذ احتلال العراق عام 2003: إلغاء دورها في الشرق الأوسط، وقف دعمها للمقاومة الفلسطينية و»حزب الله»، فك تحالفها مع إيران. أي الإملاءات التي حملها وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول إلى دمشق ورفضها الأسد الإبن.

معظم المطلوب من سورية تحقق الآن بأيدي السوريين أنفسهم، من دون أن تضطر أوروبا أو أميركا إلى بذل أي جهد يذكر سوى الوعود بربيع أزهر موتاً ودماراً. أي أن كل الوعود كانت أوهاماً، خصوصاً عندما كان الرؤساء والمسؤولون يرددون أن أيام النظام معدودة.

استغرق الأمر حوالى السنتين كي يخرج بعض المعارضين من الوهم. طالبوا بسلاح نوعي كي يعجلوا في سقوط الأسد. أُعطوا سلاحاً لتدمير البنى التحتية والجامعات والمدارس وتشريد الملايين. طالبوا بالمال، بكثير من المال لإدارة «المناطق المحررة» فأُعطوا ما يكفي لإقاماتهم وصرف رواتب بعض المسلحين. حلموا بحكومة موقتة واعتراف دولي بها فلم يحققوا ما سعوا إليه. قيل لهم توحدوا فاختلفوا بين «إخوان مسلمين» يعتقدون بأنهم الأقوى على الأرض وتجمع ليبيراليين وديموقراطيين ليس لهم وجود ملموس لا في أوساط المسلحين ولا في أوساط المعارضين السلميين. اكتشفوا بعد دمار بلادهم أن ما يريده الممولون مختلف تماماً عما يريدونه وأن بعضهم لا علاقة له لا بالحراك الداخلي ولا بالثورة أو التغيير، همه الأول الإنتقام والإثراء.

هذا الواقع دفع بعض المسؤولين في الإئتلاف المعارض إلى التقاعد مبكراً، ودفع آخرين إلى الإكتفاء بالوظيفة وتنفيذ المطلوب منهم من دون أي سؤال، ما دفع برئيس الإئتلاف معاذ الخطيب إلى الإنشقاق وإعلان عزمه على محاورة النظام. أما الشروط التي وضعها للحوار فمن قبيل المبالغة كي لا يكون انشقاقه طلاقاً مع ماضيه وكي لا يتهم بالخيانة. لكنه مؤشر كاف إلى تغيير كبير في صفوف المعارضة، وإلى تضعضع الإئتلاف واقتراب بعضه من رؤية هيئة التنسيق التي أعلنت خلال مؤتمرها في جنيف أنها ستتفاوض مع النظام بعد أن يمهد لذلك بوقف النار وإطلاق المعتقلين السياسيين.

ما لم يقله مناع، وتؤكده اللقاءات الأميركية - الروسية، خصوصا لقاء نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وكل منهما مع الخطيب على انفراد في ميونيخ (الأخير كان يرفض لقاء أي مسؤول روسي) أن الحوار بين القطبين الدوليين يتمحور حول تقاسم النفوذ في المنطقة ولا علاقة له بنشر الديموقراطية ولا الحرص على حقوق الإنسان.

حوار الطرفين سيستغرق وقتاً طويلاً نظراً إلى تشعب ملفاته من سورية إلى إيران إلى القوقاز، ولا ننسى النفط ومنابعه وأنابيبه. لكن المؤكد أن واشنطن اكتفت بهذا القدر من إضعاف سورية وشلها عن التأثير في محيطها، وموسكو سترضى بالخروج من المأزق بتقاسم النفوذ معها وتكريس نفسها القطب الثاني في الحرب الباردة الجديدة.

نضجت الظروف في سورية. حان وقت القطاف. دمشق لم تعد قادرة على الإستقلال بقرارها وإطالة أمد حروبها الداخلية أصبح خطراً على دول الجوار وما بعدها.

انشقاق الخطيب ستتبعه انشقاقات فالوعود بدعم المعارضة وانتصارها أصبحت من التاريخ.

========================

بورتريه المكونات الأولى للثورة

محمد زهير كردية *

السبت ٢ فبراير ٢٠١٣

الحياة

قبل ثورتَي تونس ومصر، كان هاجسي كالكثير من الشباب السوري ينحصر في إنهاء الدراسة الجامعية والبدء بمشروع السفر إلى خارج سورية. انتصار الثورتين التونسية والمصرية واندلاع كل من اليمنية والليبية والبحرينية جعل احتمالات الحراك تزداد في بلدنا. لم نجد أنفسنا إلا منخرطين في التحضير للحدث السوري المنتظر، عبر التواصل مع مجموعات العمل والتجهيز لما عرف يومها بـيوم الغضب السوري في 5 شباط (فبراير) 2011.

كان هذا يحدث قبل دخول البلد في دوامة القتل والموت وآثارها المدمرة على مجتمع سورية بأسره، وانحسار المدنية لمصلحة العسكرة وما يظللها من تطرف ديني ومجموعات مقاتلة خارج الخط الوطني الذي بدأت به الثورة.

اليوم، عدنا والتقينا على طاولة مستديرة قبل أيام، شباباً وشابات وجدنا أنفسنا وقد لفظتنا الثورة خارجها نوعاً ما. أنا من مدينة السلَمية وأسامة من القامشلي وبتول من حمص وماريانا من دمشق. اخترنا التظاهر والعمل المدني والسلمي وبآليات ديموقراطية منذ بداية الحراك، ولم نزل نتمسك به حتى في زمن أفول شمس الثورة السَّلْمية إلى غير رجعة. يجدر بي أن أروي تفاصيل شخصية عن أصدقائي هؤلاء بما يطبع الحال والوصف العام لفسيفساء المجتمع السوري التي صبغت ثورته منذ انطلاقتها.

أسامة، شاب كردي، قضى حياته وهو يحمل في ذاكرته آلاماً لا تنسى، إذ إنه ومنذ كان طفلاً في المرحلة الابتدائية، كان يعود إلى بيته باكياً وهو يجيب عن سؤال أمه عن سبب بكائه: «إنهم يدرسوننا باللغة العربية رغماً عنا ونحن لا نعرفها ولم نتعلمها». وعندما كان يصارح المدرّسة بذلك كانت تقوم بصفعه وهي تقول: «عمرك ما تتعلم مو ناقصنا غير أكراد والله».

هذا مشهد واحد فقط من معاناة الأقليات الإثنية وهي تتلقى تعليمها في بلاد البعث.

بتول، تلك الفتاة الجميلة المفعمة بالحيوية والنشاط، هي من الطائفة العلوية، تم تهديدها بالقتل غير مرة من أخويها اللذين التحقا بشبيحة الأسد. بتول شاركت في تظاهرات الثورة في حمص وسارعت بعد أن صارت في دائرة الخطر للهرب إلى دمشق، حيث تعيش اليوم متخفية وتشارك في العمل المدني ضمن الثورة وفق المتاح للناشطين المدنيين. مع ذلك لم تسلم من بعض المجموعات السلفية المعارضة الموجودة في دمشق لكونها «علَوية».

أما مريانا فمسيحية من إحدى العوائل العريقة في دمشق، طردت وعائلتها ذات يوم من منزلها لأن قوات النظام السوري دخلت إليه واعتبرته مرصداً جيداً لإطلاق نار قناصيها على المتظاهرين. بعد أيام وبعد محاولات عدة تم إخلاء المنزل وعادت مريانا وأهلها إليه... لكن دوام الحال من المحال، فقد تم اقتحامه أيضاً من إحدى المجموعات السلفية بتهمة تعاون مريانا وأهلها مع قوات النظام. وبعد مفاوضات ومحاولات لإقناعهم بخطأ معلوماتهم خرجوا من المنزل.

هؤلاء الأصدقاء، وكثيرون لا أعرفهم، هم مثلي، اختاروا سلمية الحراك ومدنيته أسوةً ببلدان الربيع العربي كلها، قبل أن ينجح النظام نجاحاً باهراً يُسجَّل له في حرف ثورتنا عن طريقها وخطها الوطني والمدني الذي بدأته. مع ذلك يبدو هذا المشهد الوطني السوري الذي يضم كل أطياف المجتمع ومشاركتهم في الثورة، بصرف النظر عن درجة تلك المشاركة وحجمها، دليلاً على وطنية هذه الثورة ورداً على أنصار الخط اللاوطني، سواء كانوا مع النظام الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة أو من مناصري التطرف الديني المتنامي والذي يولد اليوم على حساب ولادة سورية مدنية ديموقراطية حرة.

========================

«الفيروس السوري» وعدوى الجوار والبركان المصري المتفجر!

عادل مالك *

الحياة

السبت ٢ فبراير ٢٠١٣

كانت المخاوف من البركان السوري، فإذا بالبركان المصري يتفجر ويقذف بحممه وشظاياه في شتى الاتجاهات. وبذلك تسقط المنطقة رهينة البركانين السوري والمصري.

ما زال حكم «الإخوان» في مصر والممثل بالرئيس محمد مرسي يرتكب الخطأ تلو الآخر، الأمر الذي ارغم جماهير الشباب على الزحف من جديد إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة، وإلى منطقة «قصر الاتحادية» حيث القصر الجمهوري الذي يقيم فيه مرسي. ولم يقتصر الأمر على التعبير السلمي لمعارضة تدابير وإجراءات الرئيس المصري بل تميزت الأيام الأخيرة بسقوط المزيد من الضحايا وسيلان الكثير من الدماء على ضفاف النيل. إذ ما زال محمد مرسي يتخذ المزيد من الإجراءات التي يعتبر الكثير من المصريين أنها تشكل التحديات بالنسبة اليهم. ويمضى مرسي في اتخاذ القرارات التي تعزز سلطته وإحكام قبضته على مصر ساعياً إلى اختزال كل السلطات أو معظمها على الأقل، وهذا ما لم ولن تقبله الجماهير المصرية، ليس فقط التي تناصب العداء له بل شعر كثير من المنتمين إلى حركة «الإخوان المسلمين» بالتحدي وبعدم الرضا على ممارسات مرسي الذي يتابع مسيرة المكابرة وعدم التجاوب مع ما تطالبه به الجماهير ضارباً عرض الحائط التعددية القائمة في مصر.

هذه الجماهير نفسها هي التي هتفت مع اندلاع ثورة 25 يناير الشعار الذي اصبح متداولاً وهو أن «الشعب يريد إسقاط النظام»، هي نفسها التي تردد هذا الشعار في شوارع القاهرة وفى سائر المدن والمحافظات المصرية.

إن مجموعة من القرائن والشواهد تؤكد أن محمد مرسي سارع أو تسرع في اتخاذ العديد من الإجراءات التي رفضتها جماهير عريضة من أفراد الشعب المصري. وتتمثل المعارضة أو المعارضات في مصر في جبهة الإنقاذ التي تضم شخصيات بارزة كمحمد البرادعي وعمرو موسى وغيرهما اضافة إلى المواقف الصلبة التي لجأ إليها الجسم القضائي في مصر حيث تضامن القضاة كل القضاة ضد سلطة أو تسلط الرئيس محمد مرسي. وتعيش مصر حالة من القلق والتوتر المتصاعدين وسقوط العديد من ضحايا المواجهات بين المتظاهرين والمحتجين ورجال الشرطة، بخاصة وأن العلاقات بين كثير من المصريين وجهاز الشرطة يحكمها العداء منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011.

ومن الأخطاء القاتلة التي يرتكبها النظام التسريع في «أخونة مصر»، ويدرك أو يجب أن يدرك الرئيس مرسي جيداً أن الملايين من المصريين حتى بعض الذين انتخبوه لا يوافقونه الرأي في قسم كبير من القرارات التي اتخذها، اضافة إلى استقالة العديد من المساعدين والمستشارين الذين عينهم من الذي أدركوا أن مسيرة «نظام الإخوان» لن تستقيم في مصر إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه.

ويبقى البركان المصري في حالة غليان قد تجر إلى بعض المفاجآت غير السارة بالنسبة للفريق الذي اعتقد أن بإمكانه إخضاع مصر وجميع التيارات المصرية بالقوة ويساور فريقاً من الخبراء في الشأن المصري حالة من القلق قد تتجاوز التظاهر والاشتباكات إلى طرح الأسئلة حول مصير نظام الإخوان بكامله.

ومن المتغيرات التي سجلتها بورصة الأحداث في الأيام الأخيرة الموقف الأميركي الناقد بقسوة لما يطلق عليه «الربيع العربي». فالولايات المتحدة التي حاولت وضع اليد على بعض الثورات العربية وإعطاء الانطباع بأنها هي ملهمة الثوار، هذا التفكير سجل تبدلاً جذرياً في مواقفها. وخلال المقابلة التلفزيونية التي ظهر فيها الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلارى كلينتون، والتي كانت مقابلة الوداع مع قرب مغادرتها وزارة الخارجية، تطرق الحديث إلى الأوضاع السائدة في العالم العربي ووصفت كلينتون، ووافقها أوباما، التالي:

«إن ما عرف بثورات «الربيع العربي» لم ينتج سوى الوجوه التي تفتقد إلى التجربة، أي كأنها تريد القول إن ما أفرزته انتفاضات «الربيع العربي» لم يكن سوى الإتيان بمراهقين في السياسة!. وبدأ يسقط «الربيع العربي» في الامتحان الأميركي.

ونتجه قليلاً نحو البركان الآخر: البركان السوري وقد تحولت الأحداث الدامية التي تشهدها سورية يومياً إلى «فيروس» خطير يخشى معه انتقال العدوى إلى دول الجوار السوري وفي الطليعة لبنان والأردن.

وفي هذا السياق يقول وزير الداخلية اللبناني العميد مروان شربل: «إن خوفي الأكبر على لبنان يبدأ في الوقت الذي تتوقف فيه الأحداث في سورية». وهذا كلام ينطوي على خطورة واضحة وكأن الوزير شربل أراد أن يقول إلى أي اتجاه يأخذ مسار الأحداث في سورية (النظام أو الثائرين عليه) فإن لبنان سيكون شديد التأثر والأضرار من تداعيات الأحداث السورية على الداخل اللبناني، ومن هنا تنطلق بعض الدعوات التي تطالب بوقف هذا الفريق عن رهاناته على سقوط النظام» والفريق الآخر على انتصار النظام.

ففي الوضع السوري لن يكون هناك أي مهزوم ولا منتصر فالكل يتساوى في الهزيمة ولا أبطال.

لقد نجح نظام الرئيس بشار الأسد في تسويق الفكرة التالية: أنا أو الإرهاب القاعدي!. وفي هذا السياق يلاحظ بوضوح وجود انحسار في اندفاعات مواقف الغرب الأميركي منه والأوروبي والمطالبة الملحة بغياب بشار الأسد عن المسرح، بل إن الجهود الدولية وبعض الإقليمية تتركز حالياً على «الحل السياسي» ووقف الأعمال العسكرية تمهيداً لتطبيق آلية الحوار بين النظام ومعارضيه. وسجل خلال الساعات القليلة الماضية بعض التطورات في موقف المعارضة السورية أو بعض فصائلها حيث اعلن رئيس الائتلاف السوري احمد معاذ الخطيب عن «استعداده للحوار مع نظام الرئيس بشار الأسد، وهو الموقف الذي أدى إلى قيام إشكالية كبيرة داخل أعضاء الائتلاف السوري، وبالتالي الأمر الذي ارغم معه الخطيب على القول إن ما صرح به يمثل «وجهة نظر شخصية». وبقطع النظر عما يمكن أن يفضي إليه هذا الموقف المتطور من اتجاه الوضع السوري في مسار جديد، فبعد انقضاء اكثر من سنتين على اندلاع شرارة الأحداث لم يتمكن النظام من حسم الأمر لصالحه عسكرياً، وكذلك لم تنجح المعارضة أو بعضها على الأقل، في تحقيق إنجازات واضحة على الأرض، لذا كان لا بد من التوجه نحو «الحل السياسي».

كذلك لا بد من التوقف عند التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف واتهم فيها الرئيس الأسد بارتكاب «خطأ قاتل بعدم التسريع في إجراء الإصلاحات التي وعد بها»، وكان لا بد من طرح السؤال: هل هذا بداية تحول في الموقف الروسي، بعد ما قدم الكثير من مواقف الدعم للنظام السوري، وتعرضت روسيا جراء ذلك إلى العديد من الانتقادات من جانب الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية. ويعطف على كل ذلك ما أدلى به المبعوث العربي- الدولي الأخضر الإبراهيمي لـ «الحياة» والذي تحدث عن وجود «فتحه صغيرة... صغيرة بين أميركا وروسيا»!.

وسط كل هذه البلبلة خرج الرئيس بشار الأسد أو انه أخرج نفسه من الصراع وطرح خريطة الطريق التي ستؤدي إلى تطبيق الحل السياسي، والصورة لم تتبدل بالنسبة إليه: اتخاذ المسار السياسي نهائياً والإشراف على كل المراحل من عقد جلسات الحوار مع المعارضين إلى تشكيل حكومة ائتلافية وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية في العام القادم 2014، وهو يصر على ترشيح نفسه وأبلغ الأسد الإبراهيمي: «تتحدثون عن الديموقراطية. هذه هي الديموقراطية... ومن يحصل على غالبية أصوات الشعب السوري يكون هو الفائز».

وبعد وإذا ما جاز الإيجاز نسجل ما يلي:

> ارتفعت أصوات المعارضة السورية احتجاجاً «على تخاذل الموقف الأميركي» كما اسمي لجهة الالتزام بالوعود التي قطعتها واشنطن على نفسها من حيث تزويد «الجيش السوري الحر» وسائر مقاتلي النظام بالمال والسلاح.

وفي احد اللقاءات المتلفزه حيث التالي:

المذيع: من تتهمون بالتراجع عن دعمكم؟

المعارض السوري: حتماً روسيا التي دعمت نظام بشار الأسد بلا حساب وعرقله كل خططنا ومشاريعنا.

المذيع (معقباً): ولماذا لا تتهم الولايات المتحدة بالتراجع؟

المعارض السوري (مفكراً):نعم... صحيح... صحيح.

وهكذا تتساوى روسيا مع الولايات المتحدة بالنسبة للمعارضين السوريين أو بعض فصائلهم.

ومع تولي الرئيس باراك أوباما رسمياً ولايته الثانية لاحظ كل الذين تحدثوا إليه حول إرباكات الوضع السوري انه قطع الشك باليقين مستبعداً «مجرد التفكير في أي تدخل عسكري في سورية».

وفي معرض اختصار مواقف الدول الغربية على الناحية المالية فقد شكى بعض الدول من عدم وجود آلية محددة لكيفية تزويد المعارضة (وأي فصيل منها) بالمال. لكن الدول الداعمة برنامج إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد وهي تستبدل المال بالسلاح فهي تساهم بشكل أو آخر في إطالة أمد الحرب في الداخل السوري، أي زيادة التمويل لإلحاق اكبر قدر ممكن من الدمار الذي لحق بمختلف أرجاء سورية.

> رغم المخاطر المحيطة بالوضع اللبناني والواردة إليه من خلف الحدود، فإن «فيروس» الانتخابات النيابية هو السائد هذه الأيام. وفي هذا السياق استقبلت باريس خلال الأيام القليلة الماضية بعض الأقطاب اللبنانيين ومنهم الرئيس أمين الجميل والأستاذ وليد جنبلاط الذي شدد فور خروجه من اللقاء مع الرئيس فرنسوا هولند على «أهمية استقرار لبنان وعلى الحوار وعدم نقل الأزمة السورية إلى لبنان»، مضيفاً «إذا فكر احد انه يستطيع الغلبة على فريق آخر في الانتخابات فهذا خطأ». ودعا جنبلاط إلى «موقف أوروبي واضح وأن تقوم أوروبا بتحرك سياسي موحد تجاه سورية».

وكان جنبلاط زار موسكو وعقد لقاء مطولاً مع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، وأيقن زعيم جبهة النضال الوطني أن الموقف الروسي على ثباته «وأن التركيز يجب أن يكون على الحل السياسي».

وفي التحليل الأخير فإن الأحداث أكدت وجود المعادلة التالية: «السوريون يأكلون الحصرم واللبنانيون يضرسون». وسيرتكب أي طرف لبناني خطأ قاتلاً إذا لم يقرأ جيداً الموقفين الإقليمي والدولي، وانعكاسات ذلك على لبنان، الذي يبقى الحلقة الأضعف وسط صراع الجبابرة وحتى صراع البقاء بين الأقزام.

إن ما حدث صباح الأربعاء الفائت لجهة إقدام 16 طائرة إسرائيلية بالإغارة على «قافلة تحمل أسلحة»، ما زال يكتنفها بعض الغموض، لكنها تطرح السؤال: هل قررت إسرائيل تغيير قواعد الاشتباك مع سورية؟

========================

الأسد والغارة الإسرائيلية!

الشرق الاوسط

طارق الحميد

2-2-2013

لا يمكن اعتبار الغارة الإسرائيلية على سوريا أمرا مفاجئا، خصوصا أن نظام الأسد قد فعل المستحيل لجر إسرائيل للأزمة، ووفق حساباته، للقول بأن ما يحدث في سوريا هو مخطط خارجي. ولذا فإن السؤال هو: لماذا الآن.. وما هي المدلولات؟

فقد حاول الأسد مرارا تحريك الأمور مع إسرائيل سواء عبر الجولان، أو لبنان، ولم ينجح. لكن اليوم قامت إسرائيل بتوجيه ضربة جوية على هدف لم يعلن بشكل واضح، حيث يقول النظام الأسدي إن الغارة استهدفت مركزا للأبحاث، بينما تقول التقارير الدولية إنها استهدفت صواريخ منقولة لحزب الله. ولكي يكون التحليل واضحا فلا بد من سرد ما سمعته من معلومات هنا؛ فقبل شهر ونصف الشهر سمعت من زعيم عربي كبير أن إسرائيل تراقب الأسلحة السورية بمختلف أنواعها، وأنها تنوي استهداف الأسلحة حال نقلها، أو تحريكها، بما في ذلك استهداف مواقع الأسلحة الكيماوية. ويقول الزعيم العربي إنه في حال تم استهداف الأسلحة الكيماوية بعمل إسرائيلي انفرادي فإن ذلك يعتبر بمثابة الجنون، لأن عواقبه ستطال الجميع. وعليه فمن الضرورة إقناع إسرائيل بعدم الإقدام على عمل مثل هذا. هذه القصة تعني أن إسرائيل كانت، ولا تزال، تراقب الأوضاع السورية جديا، ولديها مخطط متكامل للتعامل مع تطورات الأحداث هناك.

ومن هنا، فإن دلالات العملية الإسرائيلية في سوريا مهمة جدا؛ فإذا كانت العملية هي استهداف لصواريخ روسية الصنع منقولة إلى حزب الله - والواضح حتى الآن أن هذه هي الرواية الأدق - فذلك يعني أن الأسد قد أدرك أن موازين القوى على الأرض قد اختلت، ولم يعد بمقدوره حتى الحفاظ على صواريخ (إس إيه 17). والاحتمال الآخر أن الأسد قد استشعر بأنه قد يصار إلى تدخل دولي قريب ضده؛ وبالتالي فهو يريد تهريب أسلحته إلى حزب الله على أمل استخدامها من الأراضي اللبنانية. وهذا يعد تفكير اللحظات الأخيرة، أي حركة يأس، كما فعل صدام حسين حين هرب طائراته إلى إيران بعد احتلاله الكويت. وهذا يدل أيضا على أن الأسد ماض للأخير، أي الحرب، لكن بقدرات واهية، حتى لو استعان بحزب الله الذي سيكون تورطه في الدفاع عن الأسد بمثابة كسر الظهر، عسكريا، وشعبيا!

ومن مدلولات الغارة أيضا أن إسرائيل تراقب سير الأحداث في سوريا، وتتصرف وفق أهداف محددة وهي ألا يخرج الأسد عن قواعد اللعبة، بمعنى أنه من المقبول أن يقتل شعبه، ويدمر سوريا، وهذا بالطبع مكسب استراتيجي لإسرائيل، لكن ليس من المقبول أن يغير الأسد قواعد اللعبة، ولا حتى الثوار، فكل ما يريده الإسرائيليون هو أن تبقى الحرب سورية - سورية، ويتم بذلك استنزاف حلفاء الأسد، الذي ترى إسرائيل أنه ساقط لا محالة، وبالطبع استنزاف سوريا كلها، وبذلك تضمن إسرائيل أنه عند انتهاء الأزمة، ووفق أي نتائج، فستكون سوريا كلها منهكة وخارج المعادلة لفترة طويلة، وهذه رؤية قاصرة بالطبع، لكن الغريب أن هذا هو أيضا المخطط الأسدي والإيراني والذي يقوم على أنه لا سوريا بعد الأسد!

========================

لماذا باع الخطيب المعارضة؟

الشرق الاوسط

عبد الرحمن الراشد

2-2-2013

فاجأنا زعيم المعارضة السورية الجديد، الشيخ معاذ الخطيب، بإعلانه فشل الثورة السورية. لم يخاطب مواطنيه وثواره مباشرة بل استخدم صفحته على «فيس بوك»، وكتب قائلا، «أعلن أنني مستعد للجلوس مباشرة مع ممثلين عن النظام السوري في القاهرة أو تونس أو إسطنبول». لو ركب سيارته وذهب بنفسه إلى دمشق كان أهون من أن يبلغ عشرين مليون سوري برسالة شخصية على «فيس بوك» أنه قرر إنهاء ثورتهم ومساومة الأسد مقابل إطلاق سراح المساجين وبضعة جوازات سفر! الخطيب شق المعارضة وألحق ضررا بالغا بجهد عشرات الآلاف الذين يضحون بحياتهم من أجل مستقبل جديد من دون الأسد ونظامه الفاشي.

في سنوات الدم في لبنان واجه الرئيس السوري بشار الأسد عقبة كبيرة خلال شروعه في اغتيال خصومه. قامت ضده جبهة واسعة من القوى والشخصيات، التي تسمت بتيار 14 آذار. كانت استراتيجيته تفكيكها بنشر إشاعات ضدها أو ضد بعضها، مدعيا أنه على صلة جيدة بهذا الطرف أو ذاك داخل التيار من أجل شقه بعد أن أصبحت القوى تمثل تيارا واسعا من سنة ومسيحيين ودروز وغيرهم، بالتحالف مع السعودية وفرنسا. ونجحت الجبهة في دعوة الأمم المتحدة لإقامة محكمة خاصة ضده ورفاقه للتحقيق في تورطه في اغتيال أكثر من عشرين شخصية قيادية في لبنان. لم يفلح الأسد في تخويفها ولا تفكيكها.

نحن الآن نشهد نفس الأسلوب في تعامله مع المعارضة السورية حيث بدأ يرسل إشارات ورسائل كاذبة بأنه مستعد للتفاوض والتنازل. واستخدم لهذا الغرض وسطاء أوروبيين وروسا واعدا الجميع بتنازلات مع قادة المعارضة.

هذا كله متوقع من الأسد لكن أن يكتب الخطيب على «فيس بوك» أنه مستعد للجلوس مباشرة مع ممثلين عن النظام السوري للحوار والثمن «إطلاق 160 ألف معتقل من السجون السورية.. وتمديد أو تجديد جوازات السفر للسوريين الموجودين في الخارج لمدة سنتين على الأقل»!

وهو طرح مماثل لمعارض مزعوم اسمه هيثم مناع، محسوب على نظام الأسد وإيران، تحدث قبلها بيوم عن حوار مماثل!

هل الخطيب يجهل أن مبادرة كهذه ستحقق أمرا واحدا هو تفكيك المعارضة السورية؟ ألا يعي أنها ستصيب بالذعر ملايين السوريين الذين هجروا من بيوتهم وقراهم وتحملوا الأذى في انتظار إسقاط النظام؟

وما قيمة عرض الخطيب؟ فإطلاق سراح المسجونين يعني شيئا واحدا؛ أن النظام سيفتح باب السجون ليخرجوا لكنه سيلاحقهم ويضطهدهم في أحيائهم وبيوتهم؟ أيضا ما قيمة تجديد جوازات السفر للسوريين في الخارج، فهؤلاء أصلا على القائمة السوداء مصنفين أعداء للنظام والأكيد أنه لن يرجع أحد منهم إلى بلاده طواعية إلا بموت الأسد أو سقوط نظامه.

لا يصلح الحوار اليوم مع أسد ميت، حتى أمه وأخته ومعظم رفاقه ورجال أعماله هربوا من سوريا وتركوه، لأنهم يعلمون أن نظامه ساقط لا محالة، ومطار العاصمة صار معظم الوقت مغلقا بسبب هجمات الثوار واضطرت قواته لحفر خنادق حوله مدركة أن المعارك الحاسمة تقترب من العاصمة.

على الخطيب أن يدرك أن التفاوض مع الأسد تأخر طويلا، ومهما أعطاه من تنازلات فإن ثمنها صار بخسا، لن يقبل ملايين السوريين التنازل عن دم أهلهم إلا بإسقاط النظام ومطاردته. ربما يستطيع أن يفر من القصر إلى روسيا أو إيران حيث سيصعب على الثوار ملاحقته إلى هناك. على الخطيب والعالم الذي يتفرج إما أن يدعم المعارضة لإكمال مهمتها أو ألا يدعمها ولا يتدخل في شؤونها، وهي ستقضي عليه ولو بعد عام أو اثنين.

========================

في تقدير الموقف : الأمميون في سورية لماذا يُقيلون العقل ويعطلون مناهج الاستدلال ... زهير سالم*

يعمل المجتمع الدولي بكل محافله على الإحاطة بثورة الشعب السوري خذلانا وتضييقا وتشكيكا . من الساسة الدوليين إلى الساسة الأمميين إلى الصحفيين والإعلاميين فالعاملين في ميادين حقوق الإنسان ينتظم مواقف الجميع وسياساتهم وحتى لغتهم أسلوب فاضح من الانحياز إلى مشروع الفساد والاستبداد والدفاع عنه والتشكيك في الثورة والثوار ومشروعهم والافتراء عليهم والتنقيب عن أخطائهم وتعظيم صغيرها ، وتضخيم دقيقها وتعميم الشاذ والنادر من وقائعها ..

فلا تزال الجمعية العامة للأمم المتحدة تمكن بشار الجعفري الممثل الشخصي لمن قتل مائة ألف سوري من الحديث على منابرها . ولا تزال الصحافة العالمية تطلق على الثوار السوريين وصف ( المتمردين ) ، ولا يزال هذا الإعلام المنحاز يشير إلى هؤلاء الثوار بالسلفيين والأصوليين والمتشددين ..

وبعد مضي ما يقرب من سنتين من عمر هذه الثورة ومع تصاعد أعداد الشهداء من الأطفال والنساء ، وتصاعد عدد المجازر اليومية لم تتخذ أي جهة دولية أي قرار جاد ذي مصداقية بإجراء تحقيق دولي يكشف وجه الحق عن هذه المجازر بعضها أو كلها . وحين نتابع السيد الأخضر الإبراهيمي في تقريره الأخير يطالب بالمبادرة إلى إجراء مثل هذه التحقيقات ندرك كم هو عاثر حظ هؤلاء الضحايا السوريين الذين لا يأبه لهم في هذا العالم أحد.

وحين تضع منظمة دولية في مكانة هيومان رايت وتش في صفحتها على التويتر أن أولويتها في سورية هي قضية الأقليات فإن مفهوم المخالفة لهذا الإعلان أن دماء الأكثرية وحقوقها ليست بنفس الأهمية ..

يلحظ كل متابع إمعانا من المنظمات الدولية في كتابتها لتقاريرها في الحرص على تضييع معالم الحقيقة ، بحيث تكتب هذه التقارير بلغة راجفة مشككة . فتراها ترفض استخدام أي صيغة من صيغ الاستدلال العقلي أو الجنائي وتصر في كل حقيقة تريد إثباتها على المنهج الحسي المباشر .

إن المعطيات العقلية والديمغرافية والعسكرية وأدواتها تجعل أي باحث عن الحقيقة قادر على إدراكها بمتابعة منطقة الجريمة وهوية ضحاياها وأدوات تركيبها .

إن المنطق المعتمد لدى المنظمات الحقوقية والأممية هو نفس منطق حارس مستشفى الأمراض العقلية الذي يصف مريضه الهارب بأنه ( طويل – قصير – بدين – نحيل ) فهؤلاء الثوار السلفيون التكفيريون المتعصبون المتطرفون لا يطيب لهم إلا ذبح السوريين السنة منهم بشكل خاص من الحصوة إلى كرم الزيتون إلى داريا !!!

وتسقط المنظمات الدولية وعقلاء العالم والمنادون باتباع المناهج العقلية في الفهم والاستنتاج كل مناهج الاستدلال العقلي ليلتزموا الطريقة الحسية الضيقة في أداء شهادتهم وتوثيق تقاريرهم ..

بل إنهم يرتكبون أخطاء منهجية أكثر انحيازا حين يعتمدون على شهادات فردية ، شهادات أفراد مجهولين تنجح مخابرات بشار الأسد في دسهم عليهم . فيسجلون اعترافات مفبركة لمن يدعي أنه من الثوار . ويوثقون وقائع موهومة يدعي هؤلاء ( المندسون ) أنهم نفذوها أو ارتكبوها باسم الثورة والثوار ..

ربما يكون الخطأ المنهجي الأكثر انفضاحا أن نسمع مسئولا أمميا في قامة الأخصر الإبراهيمي يروي بلغة التشكك وقائع قصف نفذتها طائرات بشار الأسد وشبيحته . فيرى السيد المحترم الوقور أن الورع الدبلوماسي الأممي لا يسمح له أن ينسب الجريمة إلى فاعلها ، وإن كانت أداة التنفيذ هي طائرة لا تملكها على الأرض السورية غير عصابات بشار . يقول السيد الإبراهيمي في تقريره إلى مجلس الأمن :( لننظر إلى ما يقرب من ثلاثين مخبزا تم استهدافها خلال عام 2012 . وبعد تنفيذ هذه الجرائم يدعي كلا الطرفين براءتهما السريعة ويوجهان الاتهام إلى الطرف الآخر ...)

ورغم أن جميع المخابز قد قصفت من قبل الطائرات وكثيرا منها قصف بالقنابل العنقودية أو البراميل المدمرة الحارقة إلا أن الورع الدبلوماسي ترك السيد الإبراهيمي حائرا في معرفة الحقيقة كما دفعه هذا الورع إلى أن يترك كل المجتمع الدولي من خلفه أكثر حيرة !!

من في رأيكم الذي قصف بطائراته مخابز الشمال والجنوب والوسط مسألة يصعب على العقل الأممي الذي نفذ من أقطار الأرض إلى فسيح السموات أن يجيب عليها ، لماذا برأيكم ؟! لن أطيل عليكم فكلنا نعرف الجواب ..

لندن : 22 / ربيع الأول / 1434

3 / 2 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

========================

العدوان على جمرايا .. السياق والتداعيات *

عريب الرنتاوي

الدستور

التاريخ : 02-02-2013

دخلت إسرائيل على خط الأزمة السورية، بعد حذر وتقرب دام أكثر من عام واحد..غارة إسرائيلية تضرب موقعاً استراتيجياً، وقيل أيضاً، قافلة أسلحة مرسلة إلى حزب الله (تضاربت الروايات حول هوية الحدث وطبيعته)..الغارة التي كانت واشنطن على علم مسبق بها (إن لم تكن بالتنسيق معها)، أدت إلى إلحاق أضرار جسيمة في المنشأة وسقوط قتلى وجرحى.

النظام وضع العدوان الإسرائيلي في سياق “الحرب على سوريا” التي يخوضها محور عربي تركي..وهو رأى فيها تعبيراً عن فشل هذه الأطراف بتحقيق أغراض حربها، ما استدعى “الاستنجاد” بإسرائيل واستدعاء تدخلها المباشر.

والحقيقة أن العدوان الإسرائيلي على سوريا مستمر ومتعدد الأشكال والأدوات والوسائل..سابق للأزمة السورية ومصاحب لها ولاحق عليها..فقبل “جرمايا” كان موقعا “الكبر” و”عين الصاحب” هدفين للطيران الحربي الإسرائيلي، وكان محمد سليمان هدفاً للاغتيال الإسرائيلي، حتى أن “قصر الرئيس” في اللاذقية، كان هدفاً للعربدة الإسرائيلية.

إسرائيل لها أهداف واضحة في سوريا: تدمير الجيش السوري، وبشكل خاص اسلحته الاستراتيجية، تدمير البنى التحتية العلمية والصناعية العسكرية، تقتيل الكوادر والكفاءات المختصة في هذه المجال..كل ذلك توطئةٍ لإخراج سوريا لعشرات السنين القادمة، من دائرة الفعل والصراع والتأثير، بصرف النظر عن طبيعة النظام القائم في دمشق.

وفي ظني أن هذه العملية، تأتي استكمالاً لعمليات مشابهة وقعت من قبل، وهي تستكمل الاغتيالات الغامضة التي أودت بحياة العديد من الكفاءات والخبرات السورية في أثناء الأزمة، والأرجح أنها لن تكون الأخيرة من نوعها، سيما بعد أن نجح نتنياهو في تركيز اهتمام الغرب على ما بات يُعرف بأسلحة سوريا الكيماوية، رغم أن قائد قوات الحلف الأطلسي راسموسن أكد مؤخراً بأن “حلفه” لا يمتلك أية معلومات عن امتلاك سوريا لها.

العدوان على جمرايا يندرج في سياقات ثلاثة: حرب إسرائيل المفتوحة على المقدرات السورية من جهة..وحرب نتنياهو لتجديد زعامته الداخلية من جهة ثانية..وحروب المحاور المصطرعة في المنطقة، والممتدة من طهران حتى النبطية مروراً بدمشق وبغداد، عطفاً على الرياض والدوحة وأنقرة، من جهة ثالثة.

في دلالة المكان، وإن صحت المعلومات عن ضرب “قافلة نقل سلاح” موجه من سوريا لحزب الله، فإن اختيار هدفٍ سوري، هو أقل الخيارات كلفة بالنسبة لإسرائيل، والأرجح أن المستوى الأمني / السياسي الإسرائيلي اختار جمرايا على الضفة السورية من الحدود مع لبنان، اعتقاداً منه، بأن دمشق التي لم ترد في ظروف أفضل على عدوانات سابقة، لن تكون قادرة على رد العدوان وهي في أضعف وأصعب حالاتها..والأرجح أن إسرائيل تفادت “التحرش” بحزب الله، إيماناً منها بأن الحزب قادر على الرد، ومستعد له، وجاهز لتنفيذه، ما قد يفضي إلى تورط إسرائيل والمنطقة، في حرب إقليمية جديدة، لا أحد يعرف كيف ستتطور وتتداعى، ومتى وكيف ستنتهي.

على أية حال، فإن دخول الطيران الإسرائيلي على خط الأزمة السورية، ليس بالضرورة “خبراً سيئاً” للقيادة السورية، التي صار بمقدورها بعد العدوان، أن تضع خصومها ومجادليها في خانة “العدو الصهيوني” وأن تعيد الاعتبار لروايتها لـ”نظرية المؤامرة”..ولقد ساعد الأداء المرتبك لبعض المعارضات السورية، على إعطاء الموقف الرسمي السوري بعضاً من عناصر القوة والصدقية التي كان يحتاجها.

وجرياً على مألوف ردات الأفعال السورية على العدوانات المتكررة، أعلنت دمشق أنها تحتفظ بحقها في الرد في الزمان والمكان المناسبين لها..لكن “لهجة” الخطاب الرسمي هذه المرة تبدو مختلفة بعض الشيء عن المرات السابقة، فالحديث عن “الرد المؤكد والمفاجئ”، والتأكيد المتكرر الذي يرد على ألسنة الناطقين باسم النظام بأنه لن يقف مكتوف الأيدي هذه المرة، يشي فعلاً بأن جدلاً داخلياً قد دار في أروقة صنع القرار السياسي والعسكري السوري، حول إمكانية الرد وحدوده وتداعياته..لكأن هناك من يعتقد في دمشق، بأن الفرصة قد لاحت لأول مرة، لإطلاق عملية خلط أوراق واسعة، تخرج الصراع في سوريا وعليها، من دائرته الداخلية، كصراع بين النظام ومعارضيه، إلى صراع “المقاومة والممانعة” ضد “العدو الصهيوني”.

لا نعرف على وجه الدقة، ما الذي دار في كواليس مطبخ القرار السوري هذه المرة، ولا حصيلة النقاش الذي دار حول عدوان “جمرايا”، لكننا نعرف أن حلفاء سوريا، وليس سوريا وحدها، ليسوا في وضع يستعجل “خلط الأوراق” و”قلب الطاولة” و”هدم المعبد”..سيما مع ارتفاع بورصة المبادرات والحوار والحلول السياسية التي نشطت مؤخراً كما لم يحدث من قبل خلال العامين الفائتين.

========================

تنازلات الخطيب للأسد!

2-2-2013

الغد

منار الرشواني

بعد عشرات آلاف القتلى، ولربما ملايين اللاجئين والنازحين، ودمار يُحرق حتى قلب الغرباء من غير الضالعين فيه، يعلن أحمد معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية، استعداده "للجلوس مباشرة مع ممثلين عن نظام بشار الأسد". وهو ما استدعى غضبة المجلس الوطني السوري، وتالياً رفض الائتلاف ذاته لمبادرة رئيسه "الشخصية"، كما وصف الخطيب ذاته تلك التصريحات غداة نشره لها على موقع "فيسبوك".

لكن، إذا كان لنا أن نبدأ من النتيجة، فإن "الشيخ" الخطيب الذي يفترض أنه غير مؤهل سياسياً بحكم خلفيته إماماً للمسجد الأموي في دمشق، قد فاق بمبادرته هذه ذكاء وحنكة أغلبية السياسيين السوريين المعارضين الذين يستحوذون على شاشات الفضائيات، وكراسي المؤتمرات الدولية، واللقاءات مع مسؤولين، عرباً وغربيين.

فمبادرة الخطيب كانت لتبدو تنازلاً، أو حتى خيانة، لولا وضعه شرطين اثنين يرتبطان بالسوريين الذين يعانون حقيقة، وهما: إطلاق سراح 160 ألف معتقل سوري في سجون نظام بشار الأسد؛ وتمديد أو تجديد جوازات سفر السوريين في الخارج. وعلى منطقية هذين الشرطين، لا يمكن توقع قبول نظام الأسد بهما. وهو ما يعني لا إحراج هذا النظام الذي أعلن على لسان رئيسه أن لا بديل عن الحل الأمني الدموي، بل إحراج من يضمن له الاستمرار بهذا الحل؛ روسيا التي نقلت قبل فترة بسيطة المعركة إلى ملعب المعارضة السورية، مطالبة إياها بتقديم رؤاها لحل الأزمة. ومع رفض إطلاق سراح معتقلين بلا محاكمة، وتجديد جوازات مشردين لاجئين، هل يبقى لروسيا من ذريعة تختبئ خلفها لدعم تواصل المجزرة؟!

البعد الآخر الجوهري والأكثر أهمية في مبادرة الخطيب، وإن بدا أقل احتمالية، يتمثل في بعث رسالة جديدة إلى الدائرة الضيقة جداً المحيطة ببشار الأسد والطائفة العلوية عموماً؛ مضمونها استمرارية إمكانية الحوار بديلاً عن التدمير الشامل الذي يحل بسورية. وهو ما يعني تقليل المخاوف من مذابح انتقامية بعد الأسد بحق حُماته وطائفته؛ والوجه الآخر لذلك أن ليس مطلوباً أن يموت الجميع، لاسيما من الطائفة، مع الأسد، أو حتى ليبقى الأسد.

فوق كل ذلك، يظهر البعد الآخر الذي أشار إليه الخطيب صراحة في مبادرته، ويتصل بالبيئة الإقليمية والدولية القائلة بدعم الثورة السورية، إنما المتواطئة والمتآمرة ضدها فعلاً؛ لا على صعيد تقديم السلاح للثوار فحسب، بل وحتى على صعيد تقديم الدعم الإنساني للاجئين السوريين في دول الجوار. فإذا كانت دول "الدعم اللفظي ليس إلا" مستعدة للتعايش مع بشار الأسد (وإيران وحزب الله) المنتصر؛ فحري بالسوريين توفير دمائهم المجانية، وبراءة أطفالهم وكرامة نسائهم وشيوخهم، كما بيوتهم وأراضيهم. أما إن لم تكن هذه الدول مستعدة لذلك، وهو الأغلب، فعليها أن تتوقف عن خلق التوازن بين الثوار والمعارضة عند نقطة الدمار الشامل لسورية وشعبها كما تفعل الآن.

الآن، ألا يدرك المعارضون "السياسيون!" السوريون المنددون بمبادرة "الشيخ" أحمد الخطيب كل ذلك؟ حتماً يدركون، لكن يبدو أن ما يميز الخطيب هو أنه لا يطمح إلى ما يطمع فيه خصوصاً المجلس الوطني السوري، وعماده الإخوان المسلمون، من سلطة "موعودة"، بمغانمها الحالية والمأمولة لاحقاً؛ بغض النظر عن الثمن السوري المدفوع والمسفوح لأجلها

========================

ليت الأسد يردّ الإهانة

عبد الباري عطوان

2013-02-01

القدس العربي

من المؤكد ان الرئيس بشار الاسد الذي تتوالى الضربات على رأس نظامه منذ ما يقرب العامين تقريبا، يشعر بحرج كبير هذه الايام بعد توارد الانباء عن الغارة الجوية الاسرائيلية التي استهدفت 'مركز ابحاث' في جنوب العاصمة دمشق دون ان تكتشفها الرادارات، او تتصدى لها الطائرات السورية. ولكن ما يعزي الرئيس السوري ان هذه الغارة تحرج المعارضة السورية ايضا التي تريد اسقاط نظامه، من حيث نسف نظريتها التي تقول بأن اسرائيل حريصة على بقائه واستمراره في السلطة لأنه يحافظ على امن حدودها.

منتقدو النظام السوري، وما اكثرهم هذه الايام، يقولون انه لم يتردد لحظة في اسقاط طائرة استطلاع تركية اخترقت الأجواء السورية، بينما لم يطلق اي قذيفة على طائرات اسرائيلية اخترقت الاجواء السورية اكثر من مرة ودمرت اهدافا استراتيجية، من بينها مفاعل دير الزور النووي المزعوم.

للإنصاف، وليس دفاعا عن النظام، فإن الطائرة التركــــية كانت قديمـــة متهالكة امريكية من نوع 'اف 5' تنتمي الى مرحلة ما بعد الحـــرب العالـــمية الثانية، تماما مثل طائرات 'ميغ 21' التي يتكون منها معظم سلاح الجو السوري، بينما الطائرات الاسرائيلية هي من احدث ما انتجته المؤسسة الحربية الصناعية الامريكية التي تتحدى الرادارات الروسية الصدئة.

لا عذر للنظام السوري في عدم امتلاكه طائرات ورادارات حربية حديثة لوقف مسلسل الانتهاكات الاسرائيلية المهينة لأجوائه، وتدمير اهداف في العمق السوري، خاصة انه يشكل حلقة استراتيجية في تحالف يضم روسيا والصين وايران. كما ان استخدام عذر الرد بكل الوسائل الممكنة، صار تكرارا للعبارة المشؤومة التي استخدمها السفير السوري في لبنان حول الرد 'المفاجئ' في الزمان والمكان المناسبين.

كنا نعتقد ان حلف الناتو يخشى التدخل عسكريا في سورية، على غرار ما حدث في ليبيا، لان النظام السوري يملك اسلحة حديثة متطورة مثل صواريخ 'اس 300' المضادة للطائرات قادرة على ايقاع خسائر كبيرة في الطائرات المهاجمة، ولكن هذا الاختراق الاسرائيلي الذي كان بمثابة اختبار للقدرات العسكرية السورية وترسانتها من الاسلحة الروسية الحديثة،اذا ما وجدت، جعلنا نشعر بخيبة امل كبرى في هذا المضمار.

من الواضح ان القيادة السياسية الاسرائيلية تحسب حسابا اكبر لحزب الله، بدليل انها فضلت ضرب قافلة الاسلحة المزعومة هذه في الاراضي السورية، وقبل عبورها الحدود السورية الى لبنان لان احتمالات ردّ الحزب اللبناني على هذه الغارة اكبر بكثير من احتمالات ردّ النظام السوري.

النظام السوري كان يجب ان يتصدى لهذه البلطجة الاسرائيلية، او يرد عليها، وفي هذا الوقت بالذات، ليثبت لكل معارضيه، والمطالبين برأسه، والعرب والسوريين منهم بالذات، انه مستهدف فعلا من اسرائيل، وان هناك مؤامرة للإطاحة به لانه يشكل خطرا وجوديا عليها بتبنيه لسياسات المقاومة والممانعة.

اصبحنا نشعر بالعار كعرب ومسلمين، ونحن نشاهد الطائرات الاسرائيلية تقصف قوافل ومخازن اسلحة في السودان، وتغرق سفنا في البحر الاحمر، وقوافل اخرى في الصحراء الليبية في طريقها الى سيناء ثم غزة، وتدمر مفاعلات نووية وليدة في اقصى الشمال الشرقي السوري، دون ان يتصدى لها احد.

عندما تعتدي اسرائيل على قطاع غزة الجائع المحاصر، وترسل طائراتها الحديثة والمتقدمة نفسها، يتصدى لها رجال المقاومة، ويردّون على العدوان بما هو اكثر منه، ويطلقون العنان لصواريخهم لتدكّ قلب تل ابيب والقدس، ويرسلون اربعة ملايين اسرائيلي الى الملاجئ كالفئران المذعورة، فلماذا لا تردّ سورية بالمثل وهي التي تملك ترسانة تطفح بالصواريخ من كل الانواع والاحجام؟

اسرائيل اعتدت على سورية وسيادتها وكرامتها، وهذا الاعتداء يجب ان لا يمرّ مرور الكرام حتى لو ردت اسرائيل بإشعال فتيل حرب اقليمية في المنطقة بأسرها، فماذا ستفعل اسرائيل اكثر ما فعلته امريكا في افغانستان والعراق، ألم تحتل البلدين.. ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ بقية القصة معروفة ولا نريد تكرارها.

هل يخشى النظام في سورية من احتلال اسرائيل لسورية، اهلا وسهلا، فقد احتلت قبل ذلك قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، فماذا حدث، الم تنسحب منه مهزومة ذليلة ومن جانب واحد تماما مثلما حدث لها في جنوب لبنان بفعل المقاومة البطولية عام 2000؟

اسرائيل تعيش حالة رعب وارتباك، لان قيادتها السياسية قبل العسكرية، تدرك انها ستكون الخاسر الاكبر في المدى المتوسط، وتخشى من الحروب اكثر من العرب، لانها لا تستطيع تحمل سقوط الصواريخ التقليدية على مدنها، ناهيك عن الصـــواريخ المحمّـــلة برؤوس غير تقليدية.

الم يهرع بنيامين نتنياهو الى الرئيس الامريكي باراك اوباما مرتين لانقاذه من مأزقه، في المرة الاولى عندما طالبه بالتدخل لوقف اقتحام الطابق العلوي من السفارة الاسرائيلية في القاهرة، بعد ان حاصر المتظاهرون مجموعة من موظفيها، وكانوا بصدد حرقهم، وفي الثانية عندما توسل اليه للتوسط لدى الرئيس المصري محمد مرسي لوقف اطلاق الصواريخ من قطاع غزة كردّ على العدوان الاسرائيلي عليه؟

الرئيس الامريكي باراك اوباما وصف نتنياهو بأنه جبان رعديد في تصريحات لمراسل صحافي امريكي يهودي بقصد ايصالها اليه، ولكن المشكلة اننا العرب اكثر جبنا منه للأسف واصبحنا متخصصين في ابتلاع الاهانات.

لا نريد حربا اسرائيلية تستهدف سورية وهي تمر في هذا الظرف الحرج من تاريخها.. ولكن من حقنا ان نسأل عما سيكون رد فعل الاسرائيليين على اي انتقام سوري او لبناني؟ هل سيدمرون سورية؟ لقد دمرت بالفعل.. هل سيقتلون الآلاف من الشعب السوري؟... هناك ستون الف شهيد سقطوا حتى الآن من جراء الحرب الاهلية الدموية، هل سيضعفون الجيش السوري والمؤسسة العسكرية؟.. لقد انهكت على مدى عامين من الحرب.

نختم بالقول والتذكير ان شعبية الرئيس الاسد ارتفعت بمجرد ان اعتدت عليه اسرائيل، ومن المؤكد انها سترتفع اضعافا اذا كان هو الذي رد على هذا العدوان.

========================

بين بيئتين للمعارضة السورية: قوّةُ التحريم ومجازفةُ اختراقِه

جهاد الزين

النهار

2-2-2013

حضرتُ خلال الفترة الأخيرة وبفارق أسابيع قليلة بين كلٍ منها، ثلاثة مؤتمرات في تونس و الدوحة وهذا الأسبوع في جنيف أتاحت لي أن أستمع إلى، وأراقب، ما أصبح بعد اندلاع الثورة السورية بيئتين مختلفتين بل متصارعتين للمعارضين السوريين.

المؤتمر الأول كان بدعوة من "مركز دراسات الوحدة العربية" في تشرين الأول الماضي في تونس والثاني في الدوحة ولم يكن موضوعهما الوحيد سوريا ولكن موضوعاتهما دارت كلها في فلك قضايا ما بعد "الربيع العربي" و جمع صالوناهما عددا كبيراً من المثقفين والناشطين والسياسيين العرب، وبصورة خاصة في الثاني كان هناك حشد من شخصيات وناشطي التيار السوري المتمثل بمعارضة "المجلس الوطني" و"الائتلاف الوطني" إضافةً إلى عدد من المعارضين والمنشقين المستقلين جمعهما هذان المؤتمران.

أما المؤتمر الثالث فهو الذي أعود منه للتوِّ وانعقد في جنيف يومي 28 و29 كانون الثاني الماضي تحت عنوان "المؤتمر الدولي السوري من أجل سورية ديموقراطية ودولة مدنية" ودعا إليه "المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان" بالتعاون مع "ملتقى حوران للمواطنية" وكلاهما يرأسهما المعارض السوري المعروف (وابْنُ حوران) هيثم مناع. تميّز مؤتمر جنيف بخليط من معارضي الخارج والداخل وباحثين وناشطين عرب وغربيين وديبلوماسيين روس وعراقيين (السفيرين في مصر وباريس وسفير سابق) وإيرانيين وأميركيين وأوروبيين رغم عدم تمكّنِ أكثر من 65 ناشطا من سوريا الحصول على تأشيرة دخول لسويسرا. وغابت عنه الديبلوماسيّتان الفرنسية والتركية.

وبذهنية إلزام نفسي بحضور كل المؤتمرات التي تدعوني إليها المعارضات السورية حتى داخل دمشق لأكون على تواصل مع كل اتجاهات المعارضة مهما بلغتْ تبايناتُها وخصوماتُها، حضرتُ مؤتمرَ جنيف بدعوة من هيثم مناع وأدرتُ بتكليفٍ من منظّمي المؤتمر جلستَه ما قبل الأخيرة تحت عنوان "فرص الحل السياسي". إلا أنني لم أطرحْ أي رأي خلال المؤتمر لأنني أعتقد أن هذه من المؤتمرات التي يجب أن نستمع فيها فقط للسوريين يعطون تصوراتِهم العملية َفي مواجهة المأزق الرهيب الذي بلَغَتْهُ سوريا... سوى خاطرةٍ سريعةٍ جدا قُلتُها في نهاية الجلسة هي أن تجربة الحرب اللبنانية علّمَتنا أن أي مبادرة سياسية لا تأتي بعد تغيير في ميزان القوى على الأرض لصالح أيٍّ من طرفي الصراع سيكون مصيرُها الفشلَ. ولهذا لم نكن نعلم عام 1976 انه كان علينا انتظار 14 عشر عاما لتنتهي حرُبنا الأهلية-الإقليمية-الدولية. وتمنّيتُ أن لايكون زمن المصير السوري الحربي مديدا كاللبناني؟ مع أنه يبدو أعنف من اللبناني.

انتصرتْ في اللحظة الأخيرة في مؤتمر المعارضة في جنيف وجهةُ النظر الداعية إلى التفاوض مع السلطة. النصُّ الأوّلُ الذي قرأه هيثم مناع في الجلسة الأخيرة لم يكن يتضمن هذه الدعوة فاعترض عديدون آتون من الداخل وبينهم لؤي حسين عليه فجرى الاتفاق على بقاء من يرغب في القاعة بعد انفضاض المؤتمر لوضع التعديل المطلوب. هكذا صدر البند الثاني من البيان الختامي حاملا النص التالي:

"العمل على إقامة عملية سياسية عبر التفاوض بين المعارضة والسلطة لتنفيذ بيان جنيف الدولي من أجل إصدار إعلان دستوري تتشكل على أساسه حكومة كاملة الصلاحيات لإدارة المرحلة والعمل على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة بإشراف دولي".

لم تكن تلك مجرّدَ إضافةٍ بل اختمارٌ لجدل عميق وصعب لا يزال متواصلا. فإذا كانت الثورة السورية لم تنجح في إسقاط النظام إلا أنها نجحت في حوالي العامين اللذين مرا عليها في فرض تحريم كامل على فكرة الحوار بين السلطة والمعارضة. كان الموقف الغربي الراديكالي ضد النظام السوري والموقفان التركي و الخليجي المماثلان في القطيعة الكاملة عاملاً حاسماً في وأدِ أيّةِ محاولةِ حوارٍ مع السلطة في أوساط المعارضة لاسيما تلك التي سُمّيت معارضة الداخل، وهي كذلك. وكان حادث ضربِ وفدِ معارضةِ الداخل على باب الجامعة العربية في القاهرة أوّلَ مؤشّرٍ تحريميٍّ فَعَلَ فِعلَه لاحقا ولجَمَ كلَّ محاولة تفاوض مع السلطة (كما يحب أن يسمّيها دعاتُها وليس حوارا...ولكن الفارق شكلي!).دعوة تفاوض تضمّ في صفوفها مجموعةً من السجناء السابقين تبلغ مُدَدُ اعتقالِهم إذا جُمعتْ على بعضها، 320 عاما، بينما سادت في أوساط المهاجرين الإراديين أو القسريين في المنافي الغربية وخصوصا باريس فكرةُ المقاطعة الكاملة للنظام مع استثناءات منها موقف هيثم مناع وأصدقائه.

هكذا بين الموقف الغربي والعربي المتشدّد الذي فرض أصلا مسار عسكرة الثورة الكارثي من جهة المعارضةِ وبين جلافات النظام المعهودة كاستمرار عمليات اعتقال شخصيات حوارية كعبد العزيز الخيّر وغيره ناهيك عن العنف العسكري الضاري للنظام في المواجهات، راحت دعوةُ التفاوض تترنّح تحت وطأة ترهيبٍ معنويٍّ هائل قمَعها فعلاً حتى لو كان بين دعاتها من لا غبار على تاريخه النضالي وتضحياته.

لذلك يبدو لي مؤتمر المعارضة في جنيف هذا الأسبوع بداية كسرٍ حقيقيٍّ في مناخ التحريم جاءه الدعمُ الأوّل بدون قصد من موقع التيار الثاني في المعارضة، وهو رئيس الإئتلاف الوطني معاذ الخطيب الذي دعا أيضا إلى التفاوض "المشروط" مع السلطة.

لقد راقبتُ خلال مؤتمر جنيف أية درجة من التأثير المعنوي كان قد بلغها تحريمُ التفاوض. كان الأمر بالنسبة للبعض مرتبطا بـ"السمعة الشخصية" وهذا أعلى أنواع التحريم. حتى منظّمُ المؤتمر والمتباينُ إلى حد الاتهام عن تيار "المجلس الوطني" و"الإئتلاف" كهيثم مناع بدا مترددا في ولوج نفق الدعوة إلى التفاوض. وبدا الأمر من جهتهِ وجِهةِ عددٍ من أعضاء المؤتمر رضوخا للقرار الديموقراطي.

كل كوادر وشخصيات المعارضات السورية في الداخل والخارج هي الآن "موادٌ أوّلية"- إذا جاز التعبير- لطبقةٍ سياسيّةٍ سوريّةٍ جديدةٍ تُوْلَدُ بعد طول حرمان من "السياسة". ولا يغيّر هذا الانطباعَ كونُ عديدين أعضاءَ قدماءَ في أحزابٍ سياسية إما ممنوعةٌ وإما مدجّنةٌ منذ العام 1963 أو حتى منذ العام 1958.

من يقرأ تاريخ سوريا خلال الانتداب الفرنسي، أي بين الحربين العالميّتين، يمكنه أن يرصد كيف كانت تتشكّل طبقة سياسية جديدة، بنيةً ورموزاً، في تلك المرحلة بشكل مختلف تماما عمّا كانت عليه في العهد العثماني. تنشأ مصالح جديدة تدريجيا، مرجعيات جديدة تظهر وتختفي أو تصمد. لكن الفارق الجذري بين تَشَكّلَيْ مرحلة الثورة الحالية وعهد الانتداب الفرنسي أن الثاني كان عهدَ تبلوُرِ ما سيعرف لاحقا بالجمهورية السورية ضمن سياق بِنائي للمؤسسات ضد ومع السلطة الانتدابية مع بعض الفترات العنفية الاستثنائية وبينها القصف الفرنسي الوحشي، المدفعي والجوي، لدمشق عامي 1924-1926 وعام 1945 (أَقترحُ قراءة كتاب: A DAMAS SOUS LES BOMBES وهو شهادة لسيدة فرنسية ALICE POULLEAU عاشت أحداث قصف دمشق في منتصف العشرينات.كتبَتْهُ عام 1926 وتقول ناشرةُ طبعتِه الأخيرة دارL’HARMATTAN أنه مُنع بيعُه طويلا في البلدان تحت الانتداب الفرنسي). أما اليوم فهذه الطبقة السياسية تولد على قاعدة تفكُّكِ سوريا وتدميرِها وعودتِها إلى مكوّناتها ما قبل الكيان السوري الحديث في سياق النهاية الصعبة لنظام سياسي يريد أن يقول أنه آخر من حكمها موحّدةً منذ 1946.

كمراقب سياسي منذ زمنٍ لم يعد قصيرا يدهشني هذه الأيام اعترافُ الكثير من أصدقائنا في المعارضات السورية وبشكل فردي وأحيانا معلن على المنابر (كما فعل أدونيس في خطابه الافتتاحي في جنيف) أنهم يشعرون بل يتزايد شعورُهم بأن الهدف الفعلي من «لعبة الأمم» الجارية هو تدمير سوريا لا تغيير النظام. ما يُدهشني هو أن هذا الاستنتاج الذي يصل إليه مناضلون لا يرقى الشك إلى رغبتهم بتغيير النظام لا يؤدي عند بعضهم إلى أي موقف سياسي مختلف عن الشعارات السائدة في التيار الأقوى في المعارضة ومنها موقف رفض التفاوض. هذا الموقف الذي بدأ الآن على ضوء تطورات ميزان القوى على الأرض والتحولات الدولية لاسيما الاتجاه الأميركي للحوار مع روسيا يخضع لإعادة نظر اختبارية تبرّرها في كل وقت النتائج الكارثية لما آلت إليه الثورة من تدمير شامل في سبع مدنٍ سوريةٍ ومحيطها.

في الحقيقة سمحتْ مناقشاتُ مؤتمر الدوحة ومؤتمر جنيف وقبلهما مؤتمر مركز دراسات الوحدة العربية في تونس مع الأصدقاء السورين وبعضٍ ممّن تعرّفت عليهم مجددا من الناشطين السوريين وبينهم «إخوانيون»، أن ألمس حجم انتشار الفكرة السائدة عن أن الأميركيين يعيدون النظر بسياستهم السورية بسبب ظهور خطر وقوة التيارات السلفية الجهادية على الأرض السورية.

هل هذه الفكرة السائدة صحيحة خارج البروباغندا الغربية الإعلامية أي في الحسابات السياسية الفعلية أم أن الإزدواجية الغربية بل الخبث الغربي يجعل الموضوع ثانويا في الحسابات العميقة لصورة المنطقة؟

يبقى أن مؤتمر جنيف كان مجالا متجددا لا يختلف فيه مؤتمر عن مؤتمر لرصد ظاهرة «صحوة» كردية تعتبر ما يحصل فرصتها الأولى للإنتقام من أوضاع ما بعد الحرب العالمية الأولى . وفي هذا يظهر إجماعٌ حقيقي بين النخب الكردية رغم خلافاتها العاصفة في المجالات الأخرى.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com