العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09/12/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

رسائل من دمشق

د. عمر الخطيب / فهد المصري

من يمشي بشوارع دمشق في هذه الأيام يجد نفسه وسط ثكنة عسكرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. 80% من شوارع العاصمة مغلقة بحواجز اسمنتية , عناصر خائفة بعتادها الكامل، أصوات قصف و إنفجارات على مدار الساعة، طيران حربي يقصف عاصمة بلده , قمة جبل قاسيون أصبحت منصة إطلاق صواريخ، قناصين على جميع الدوائر الحكومية و معظم الأبنية السكنية العالية، مسؤولين لم يعد يتجرأو ركوب سياراتهم الرسمية الفاخرة والتفاخر بها، وإنما سيارات سياحية أقل من عادية للتمويه عن أنفسهم.

الجميع يترقب صافرة الحكم للإعلان دخول الجيش الحر إلى مركز العاصمة و تحرير المقرات الرئاسية و خاصة بعد أن تحررت أكبر و أعتى الثكنات العسكرية المتاخمة للشام و التي تبعد خمسة كيلو مترات عن القصر الرئاسي .. و الأهم من كل ذلك: لن يجد بشار المجرم طريقا آمنة للهروب من دمشق, فطريق مطار دمشق الدولي سيمر عبر رجال الله في الغوطة .. طريق بيروت يمر عبر أبطال الزبداني، طريق حمص يمر عبر وحوش حرستا و أشاوس دوما و ما أدراك ما دوما .. الطريق الأخير طريق درعا، فإن هو أفلت من أبطال حيي نهر عيشة و القدم، فإن كل درعا له بالمرصاد .. و التحليق بالسماء بات خطرا بسبب الإستيلاء على صواريخ مضادة للطيران .. تأكدوا دائماً أنّ شيئاً رائعاً على وشك الحدوث .

 

فالسيطرة على مطار مرج السلطان العسكري بالأمس تعني من الناحية العسكرية السيطرة على محطة الاستطلاع الجوي للمنطقة الجنوبية" إم 1 " ـ كما تعتبر هذه المحطة مقر قيادة إدارة الاستطلاع الجوي "اللواء 82" في القوى الجوية.

في محطة مرج السلطان رادران كبيران يعتبران العمود الفقري للاستطلاع والمسح الجوي, ومحطة مرج السلطان واحدة من ثلاث محطات والمشرفة عليهم فالثانية محطة المنطقة الوسطى في "شنشار" جنوبي حمص ، والثالثة محطة "برج إسلام" في شمال اللاذقية.

مع سيطرة الجيش الحر على هذه المحطة الاستراتيجية الهامة والسيطرة على كتائب الصواريخ والدفاعات الجوية كافة في الريف الدمشقي تصبح العاصمة السورية ساقطة من الناحية العسكرية لأن النظام فقد كل نظم الصواريخ والدفاعات الجوية واصبح محاصرا في دمشق بطوق ناري يضيق رويدا رويدا وتقدم الجيش الحر في دمشق وريفها باستخدام أنظمة وصورايخ الدفاع الجوي

وتحرير محطة مرج السلطان التي هي أيضا قيادة إدارة الاستطلاع الجوي ـ اللواء 82 يعني أن الأسد وعصاباته لن يكتشفوا الضربات الجوية لمفاصلهم العسكرية والأمنية في دمشق وريفها والمنطقة الجنوبية التي سيوجهها الائتلاف العسكري الدولي الذي سيشكل خارج مجلس الأمن.

وفي الأيام القليلة المقبلة ستكون هناك مفاجآت سارة لشعبنا السوري الثائر الصامد البطل.

-*-*-*-*-*-*-*-*

أتى به بشار ومعه سيذهب

علي حماده

2012-12-04

النهار

كثر أخيراً كلام الرئيس نجيب ميقاتي عن فلسفة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية، وسمعناه بالأمس يكرر كلاماً "فلسفياً" عن الرهان على الخارج وضرورة تجنبه في السياسة اللبنانية. وكان يتحدث في افتتاح معرض الكتاب العربي في بيروت. وما يؤسفنا اننا لم نر احداً من الحضور يقف ويسأل رئيس الحكومة الذي يتحفنا بخطب عن مساوئ المراهنة على احداث الخارج، على ماذا راهنت يا دولة الرئيس نجيب ميقاتي حين تهافتّ على رئاسة الحكومة في كانون الثاني 2011؟ هل راهنت على عدم الرهان على نظام بشار الاسد او على سلاح "حزب الله"؟ ام راهنت على النأي بالنفس؟ هل راهنت على النظام الديموقراطي والتداول السلمي للحكم؟ او راهنت على شعبية تهافتك على المنصب في الوسط الطرابلسي والشمالي والسني؟ هل راهنت على الوفاق الوطني الداخلي الذي كانت ستولده حكومة قتلة؟ ام راهنت على شعبية السيد حسن نصرالله في بيئتك المناطقية والطائفية؟ وهل راهنت على انتعاش للاقتصاد الوطني في حكومة صنعها بشار و"حزب الله"؟ او راهنت على صلابة القطاع المصرفي في ظل اقتحامه بعمليات لتبييض اموال نظام بشار الاسد و"حزب الله"؟

لم يقل لنا الرئيس نجيب ميقاتي الذي ينصح بعدم الرهان على احداث في الجوار، على ماذا راهن حين تهافت على رئاسة الحكومة؟ هذا هو سؤالنا لميقاتي الذي يقف اليوم شاهداً عاجزاً وهو يراقب مرجعيته في سوريا تنهار يوما بعد يوم. أويظن أن أحداً في لبنان أو في سوريا يصدّق كلامه للسعوديين والاميركيين والفرنسيين بأنه قطع علاقاته ببشار؟ ان النظام في سوريا يعيش آخر أيامه، وبشار اليوم يقاتل في دمشق، ومع بشار سيرحل الكثيرون.

في سوريا لم يعد ثمة حديث عن تسويات سياسية. السياسة غير مطروحة في الوقت الحاضر. الكلام للمدافع كما يُقال. ومعركة دمشق بدأت ولن تنتهي الا بسقوط النظام. وعندما نقول السقوط، فإننا نعني ان خرج بشار الاسد، مع بطانته من العاصمة الى منطقة اخرى، سيفقد كل شرعية متبقية من خلال المؤسسات التي يحكم سيطرته عليها. ستسقط الحكومة لأن معظم الوزراء لن يلحقوا به، وسيسقط مجلس الشعب لان معظم اعضائه سيتشتتون، وقلة ستلحق به الى المنطقة العلوية. اما الموظفون الكبار المدنيون في أجهزة الدولة، فسيبقون بقرب مؤسساتهم. من هنا فإن الخوف من قيام دويلة علوية يقودها بشار في منطقة ساحل وجبل العلويين غير مبرر، لان قوة النظام كانت في دمشق وفي الحكم المركزي لا في كانتون مذهبي أقلي سيكون بمثابة اسرائيل ثانية في المنطقة، ولن يعمّر.

ان الوضع في سوريا يتحرّك بسرعة، وبحسب موظف كبير في الادارة الفرنسية، قد نفيق في يوم ليس ببعيد على خبر انهيار النظام بالكامل وهرب بشار الاسد الى خارج العاصمة.

دولة الرئيس نجيب ميقاتي، أنت حر في رفض الاستقالة، لكن اعلم شيئاً: قد أتى بك بشار، ومعه ستذهب.

-*-*-*-*-*-*-*-*

أي بديل نريد؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

4-12-2012

ليس من الحصافة في شيء أن ينتهج المعارض خطا يخدم نظاما يدمر وطنه ويقتله شخصيا. وليس من الحكمة دخول معارك يتم خلالها تقاسم جلد الدب قبل اصطياده، على الرغم من أن مخالبه ما زالت مغروسة في جسدنا، ويمكن أن تودي بحياتنا.

كان من المفترض أن تتم تعبئة وتوحيد أعظم قدر من القوة قبل رحيل النظام، ليكون إسقاطه مؤكدا وناجحا. ومع أنه من المنطقي ألا تتفق جميع الآراء والمواقف في أي حراك مجتمعي واسع ومتشعب كالحراك السوري، فإن بروز منظمات كانت هامشية عند بدء الثورة، لكنها تغلغلت إلى الشارع واحتلت موقعا مميزا داخل المعارضة، التي تبدل طابعها ولم تعد ما كانت عليه عند بدء الحراك، دل على وجود خلل خطير في العمل العام، مرده إلى أن هذه المنظمات لم تقدم أي إضافة إيجابية إلى ما يتعلق بإسقاط النظام: هدف الثورة المباشر، وإنما فرضت عليها هدفا يسود حوله خلاف جدي على مستوى تعبيراتها السياسية والعسكرية، أدى إلى تشتيت الجهود وإنهاك القوى وتمزيق الصفوف ووضعها بعضها في مواجهة بعضها الآخر، مثلما نرى هذه الأيام في مناطق مختلفة من سوريا، يعتبرها من يسيطرون عليها محررة من النظام وأطراف المعارضة في وقت واحد، على الرغم من أن المعركة ضد النظام لم تنته وليست واضحة النهايات بعد، وعلى الرغم من أن استمرارها يجعل التناقض الرئيسي معه وليس مع من يقاتلونه من المعارضين، مهما كانت انتماءاتهم مختلفة وخياراتهم متباينة عن انتماءات وخيارات الجهة التي حررت هذه المناطق، التي تعلن تصميمها على إخضاعها لحكم فئوي وغير متوافق عليه، أخذ بالفعل صورة إمارة إسلامية أعلن عن قيامها في مدينة حلب، ما لبثت أن باشرت عملها بطرد من استطاعت طردهم من مخالفيها في الموقف والرأي إلى خارج مناطق سيطرتها داخل المدينة الكبيرة، التي أحرقوا مزارات كثيرة فيها، وكتموا أنفاس سكانها وخاصة النساء منهم، اللواتي منعن من قيادة السيارات، وعوقبن أن قبض عليهن متلبسات بجرم السير سافرات أو منفردات في الشوارع.

لا ضرورة للتأكيد على ما يخلفه هذا السلوك من مشكلات لا لزوم لها، تقوض الحراك وتؤذي الشعب، وتفرض حكما طالبانيا في بلاد تثور منذ قرابة عامين ضد نظام استبدادي قديم خضعت له طيلة قرابة نصف قرن، وليس لديها رغبة في الرضوخ لحكم استبدادي جديد، يتكشف ضرره في المناطق المحدودة التي يسيطر عليها، بما يثيره من معضلات عويصة تحرف الثورة عن مسارها، وتمزق صفوف الثوار، وتقيم الحواجز والمتاريس بينهم، وبما يمثله من إرهاب يستغله النظام دون شك لكسب قطاعات واسعة كان قد خسرها من المواطنين، ويلمسه المقاتلون والمناضلون في الميدان من خلال تعرضهم لقدر من العداء لا مسوغ له، كان قد بدأ باستعمال المال السياسي ضدهم، ثم مر باستعداء الشعب عليهم، ووصل في النهاية إلى إبعادهم عن مناطق احتلها هؤلاء بالسلاح والعنف والتحريض المذهبي والآيديولوجي.

ماذا سيحدث إن تم «تحرير» بقية سوريا بهذه الطريقة؟ هل سنكافئ أمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا وبناتنا على تضحياتهن بمنعهن من مغادرة المنازل، كي لا يرين شيئا خارجها؟ وهل سنرى في المرأة كائنا غير إنساني لا يستحق الحرية والمعرفة والحياة الحرة، فنعطل نصف مجتمعنا ونقتل روحه؟ وهل سنستورد من الآن فصاعدا نظرتنا إلى الإسلام من أفغانستان، لنستعين بها في إلغاء ما كان أجدادنا قد نشروه في العالم من إسلام وسطي ومتسامح، وعرفوا به من سعة الصدر ونقاء القلب وصدق الإيمان، فنتقدم إلى الخلف بدل أن نتقدم إلى الأمام؟ وهل سنحول بيوتنا إلى سجون لرجالنا الأحرار، الذين هانت عليهم الشهادة في سبيل كرامتهم، التي سنستبيحها ونحن نقيس بالمساطر طول لحاهم وسوالفهم وجلابيبهم؟ وهل سيتولى أمورنا بعد حكم القسوة والفظاظة حكم الجهل والهوى، الذي سيلغي حقوقنا، بما في ذلك حقنا في اختيار طريقة نومنا وكلامنا وتناول طعامنا؟ هل سيحكمنا من يكرهون الإنسان والحرية والتقدم والحق في الحياة ويحبون العبودية والذل والقتل، الذين سيقدسون قادتهم وسيجبروننا على عبادتهم والخضوع لإرادتهم؟. كنا نؤمن أن ثورة الحرية التي تبنت قيم العالم الحديث منتصرة لا محالة، ونؤمن اليوم أيضا أنها ستنتصر في نهاية المطاف لأنها اختيار شعب عافت نفسه الاستبداد والظلم، لكننا نرى ما يوضع في دربها من حسابات جزئية وولاءات دنيا، سبق لما يماثلها أن لعب دورا جديا في تقويض حركتين لم تكونا أقل شعبية من الحركات المذهبية الحالية، وعلق قطاع واسع من الشعب آمالا عراضا عليهما، هما الحركة القومية والحركة الاشتراكية، لكن طابعهما الآيديولوجي ما لبث أن قادهما للاستناد إلى تكوينات ما قبل مجتمعية ذات ولاءات دنيا، أجبرت الشعب على القيام بثورة للإطاحة بهما. في ضوء هذه الخبرة التاريخية، يكون ضربا من التخلي عن الوطن والشعب أن يحاول مذهبيون ضيقو الأفق وغرباء عن الفكر والمعرفة وضع يدهم بالسلاح على ثورة استشهد خلالها عشرات الآلاف من المواطنات والمواطنين من أجل حريتهم، التي اعتبروها فاتحة حياة جديدة سينعمون خلالها بالعدالة والمساواة، وسيرفضون إقامة أي نمط جديد من الاستبداد، ولكن المضاعف هذه المرة: مذهبيا وسياسيا.

يتواصل زخم الثورة السورية، ويتصاعد نضال السوريات والسوريين من أجل حريتهم، بينما تريد فئة مذهبية أخذ بلادنا إلى فوضى تجعلها غير قابلة للحكم، وعاجزة عن استعادة وضعها الطبيعي، لفترة طويلة مقبلة. في مواجهة هذه الفئة، تصير الحرية قدر شعبنا وسبيله إلى الحياة والكرامة، وطريقنا إلى المستقبل، الذي يجعلها خيارا إنقاذيا لا شك في أن الشعب سيتمسك به ويرفض أي نظام غيره، لتعارضه مع مصالح ورغبات معظم المواطنات والمواطنين، ومع أمن واستقرار المنطقة العربية برمتها.

ستقف سوريا خلال الفترة القصيرة المقبلة على مفترق طرق، ليس من المؤكد أنه سيأخذها إلى الحرية التي يصبو شعبها إليها، إن أفلت زمام الأمور من أيدي الوطنيين من أبنائها في المعارضة السياسية والمقاومة المسلحة. لذلك، من المطلوب اتخاذ ترتيبات تجعل الخيار الديمقراطي حتميا، وإلا وقع ما لا يريده وضاعت البلاد وهلك العباد. هل سيكون السوريون على مستوى المسؤولية التي تلقيها على عاتقهم هذه المهمة؟ هذا هو السؤال الذي يتوقف على بلورة إجابة صحيحة عنه مصير ومستقبل وطننا وشعبه!

-*-*-*-*-*-*-*-*

عن البلدين و «الشعب الواحد»

الياس حرفوش

الثلاثاء ٤ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

الذين يعترضون اليوم على تدخل فئة من اللبنانيين، هي الفئة التي تعارض النظام السوري الحالي، في ما يسمونه «الشأن الداخلي السوري»، يجب أن تكون ذاكرتهم قصيرة جداً كي لا يتذكروا ذلك الشعار الذي صار لازمة «وطنية» في لبنان عندما كان يرضخ لعهود الوصاية، وكاد أن يضاف إلى لازمة النشيد الوطني في ذلك الوقت... إنه شعار «شعب واحد في بلدين».

لم يبقَ شارع من تلك الموالية للنفوذ السوري في حينه، الا استطاب رفع ذلك الشعار وتغنى به، وكان القصد هو التأكيد على حرص حكام «الشعب الواحد»، الذين صادفت إقامتهم آنذاك في البلد المجاور، سورية، على تقديم التضحيات الجليلة لحماية ذلك القسم من «شعبهم»، الذي يقطن البلد الثاني. من التبريرات التي قُدّمت لذلك التدخل السوري، انقسام اللبنانيين في ما بينهم وتفككهم الطائفي وعجزهم عن بناء مؤسسات سياسية وأمنية موحدة، من دون رعاية «الشقيق الاكبر»، حتى ذهب احد الحكام اللبنانيين، الذي كان يحكم سعيداً بالنيابة عن النظام السوري، إلى حد التجرؤ على اتهام مواطنيه اللبنانيين بأنهم «قاصرون»! وبالطبع لم يكن أحد يجرؤ في تلك الفترة «الذهبية» أن يسأل عمّا كان يُرتكب من إساءات بحق تلك «الوحدة» المفترضة بين الشعبين، ولا عن أساليب التفكيك المفتعلة لكل الأحزاب والجمعيات والبلديات والقرى والعائلات لخلق الذرائع لذلك التدخل.

كان قلب الجزء السوري من «الشعب الواحد» قلقاً على ما كان يصيب المقيمين على الجانب الآخر من الحدود! ماذا لو قارنّا ذلك الحنان بما يطالَب به اللبنانيون اليوم من قبل أصحاب شعار «الشعب الواحد» أنفسهم من تجاهل لما يصيب الشعب السوري، ومن اعتبار أعمال القتل التي يتعرض لها بسبب مطالبته بالحرية رداً طبيعياً على «المؤامرة» المزعومة التي يقال إن سورية تتعرض لها من قبل مواطنيها «الإرهابيين»؟

هناك استخفاف يصل حد الإهانة من قبل قسم كبير من اللبنانيين بما يتعرض له أشقاؤهم في سورية. وهناك شماتة بما يصيب السوريين الذين لم يفعلوا منذ بداية الأحداث في بلدهم سوى الاعتراض على طريقة حكمهم. فما كان من ذلك الحكم إلا أن رد عليهم بالرصاص والقتل. بل هناك دفاع من قبل بعض اللبنانيين عن الوسائل التي يستخدمها النظام السوري بحق مواطنيه. هل هذه هي الأصول التي تقتضيها المشاعر المشتركة التي يجب ان تقوم بين ابناء «الشعب الواحد»؟

يؤكد الاعتراض الذي يبديه حلفاء سورية على اي صوت ينطلق في لبنان دعماً للمعارضة السورية، أن نظرية «الشعب الواحد» تسلك طريقاً ذا اتجاه واحد، هو طريق تأمين مصلحة النظام الحاكم في البلد القوي المجاور. لم تكن هناك علاقة لهذا الشعب أو ذاك بالشعار أو بما ترتب عنه على الأرض. لم يُسأل اللبنانيون او السوريون يوماً عما اذا كانوا راضين عن السلوكيات التي ميزت تلك الحقبة المظلمة من العلاقة اللبنانية-السورية، ذلك ان الفريق الذي كان ممسكاً بالقرار في دمشق، ومن كانوا من توابعه في بيروت، لم يكونوا يوماً قلقين على ما يقوله الشعبان. كانت ابواق الدعاية التي تشرّع نفوذهم جاهزة للتنظير، وكانت المعتقلات والمتفجرات جاهزة للرد على المعترضين.

هل يُستغرب بعد كل ما ارتكبه النظام السوري في لبنان أن يجد خصومه أنفسهم إلى جانب الفريق الذي يقاتل ويدفع من دمائه ثمناً باهظاً للتخلص من هذا النظام؟ أليس هذا ما تقتضيه المصلحة المشتركة للشعبين السوري واللبناني، إذا كان لعلاقات سوية بينهما أن تنهض في المستقبل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*

على أبواب دمشق

غازي دحمان *

الثلاثاء ٤ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

هل شعرت روسيا بدنو أجل نظام الأسد فباتت تبحث عن إستراتيجية خروج من الورطة التي وضعت نفسها فيها بتأييدها نظاماً تبين انه أضعف مما توقع ساستها، ومعاداتها ثورةً ثبت أنها أكبر بكثير مما راهن عليه قادتها؟

لا يعني طلب موسكو من حليفها السوري التوقف عن استخدام الأسلحة الثقيلة في ضرب الأماكن السكنية سوى نافذة للولوج إلى موقف آخر يفتح إلى ساحة أوسع تتحرر من خلالها روسيا من قيود أزمة تكاد تعزلها عن العالم، ذلك أن موسكو بطلبها هذا تعترف بما رفضته دائماً وهو مسؤولية النظام عن قصف المناطق السكنية.

لا شك في أن موسكو، ومهما قيل عن قِصَر نظرها في الأزمة السورية، تراقب الموقف بطريقة ما وتعرف بعض الخفايا من خلال علاقتها بالنظام وأركانه، كما أنها تعرف قدرة النظام على البقاء والصمود، وكل الحيثيات المحيطة بالمشهد السوري والتفاصيل التي تشكله.

ومما لا شك فيه أن معركة دمشق منحت اللاعب الروسي زاوية نظر أوسع استطاع من خلالها تقدير الموقف بطريقة أكثر واقعية، فالروس الذين لم يروا في أحداث حلب أو حمص خطورة كبيرة على النظام، لا بد أنهم شعروا بشيء مختلف أمام الوضع الذي ينهار بشكل ممنهج ومدروس في دمشق، وبالتالي فإن جميع رهاناتهم على بقاء النظام بدأت تتهاوى.

لقد حمل شهر تشرين الثاني (نوفمبر) تغيرات خطيرة ودراماتيكية على مسرح الحدث السوري لم تكن متوقعة لأغلب المتابعين، فقد قام الجيش الحر بتفعيل إستراتيجية جديدة تقوم على تنظيف الدائرة المحيطة بدمشق وقضمها رويداً رويداً، وهي قد تكون الدائرة الأكثر كثافة عسكرياً على مستوى العالم كله، عبر تحصينها بمختلف أنواع القوات والأسلحة، وذلك في طريق الوصول إلى القصر الجمهوري، الذي لم يعد يفصل بينه وبين الثوار في مناطق عديدة، مثل داريا وكفرسوسة، سوى مئات الأمتار.

وتشير تسريبات مصدرها الجيش الحر، أنه يجري الإعداد للاقتحام بطريقة أكثر انضباطاً من أجل تجهيز البنية العسكرية الكاملة، وتأمين طرق الإمداد والعبور وإغلاق الدائرة المحيطة بالقصر تماما لتحويلها في ساعة الصفر إلى دائرة نار لا يمكن الخروج منها، وإلى ذلك الحين يجري إنهاك النظام عبر إشغاله في مناطق ومساحات واسعة في مختلف أرجاء العاصمة.

الأمر المهم في هذا المتغير، أن هذه الإستراتيجية أفرزت متغيراً عسكرياً مهماً، تمثل في تحييد أغلب أسلحة النظام التي كان يتفوق فيها على الثوار، وذلك عبر الاشتباك القريب المدى مع قوات النظام والسيطرة على بعض أسلحته الفعالة، وخاصة الدفاعات الجوية، فقد تم إبطال مفاعيل الدبابات والطائرات، وبات تركيز النظام على راجمات الصواريخ التي يستخدمها بكثافة ومن أعالي جبال قاسيون.

ولا شك في أن رجال النظام العسكريين قرأوا هذا الأمر جيداً وباتوا يعرفون أن المعارضة قد دفعتهم إلى نمط من الحرب لا يستطيعون الانتصار فيها، كما لا يستطيعون التحكم بتداعياتها وبالتالي، ونظراً لمعرفة المعارضة بطبيعة النزوع الانتحاري لدى النظام، فقد باتت تدرك أن النظام قد يلجأ إلى أسلحته الأكثر فتكاً في محاولة للنجاة من المصير المحتوم.

هل وصل هذا الحدس إلى دوائر القرار في موسكو، وبالتالي تستبق هذه الدوائر اللحظة الصعبة وتسجل هذا الموقف قبل أن تتطور الأحداث ولا تستطيع عندها موسكو التملص؟ أم أن روسيا باتت تدرك أنها راهنت على جواد خاسر ولم يبقَ أمامها وقت طويل تضيعه في دعم نظام لم يعد بإمكانها دعمه بأكثر مما فعلت؟

-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام إذ يلوح بـ«خيار شمشون» ؟! * عريب الرنتاوي

الدستور

4-12-2012

تحريك النظام السوري لأسلحته الكيماوية، تطور لافت في الأزمة السورية، استدعى قيام واشنطن بتوجيه تحذيرات جدية للنظام في دمشق، ليس عبر وسائل الإعلام فقط، وإنما من خلال القنوات “الموثوقة” التي يدرك النظام أنها “لن تكذب” عليه: موسكو..وهي تحذيرات تطاول حواف التدخل العسكري.

نحن لا نعرف على وجه الدقة، لماذا حرّك النظام منظومته الاستراتيجية، هل بغرض تأمينها بعد أن تهاوت قبضته على مناطق ومساحات متزايدة من الأراضي السورية، وبعد أن بدأ يفقد قواعده العسكرية والجوية ومراكز أفواجه وألويته تباعاً، في محيط دمشق ومناطق الشمال والشمال – الشرقي وصولاً إلى جنوب سوريا والمناطق الحدودية مع الأردن.

أم أن النظام الذي لجأ في الأشهر الأخيرة إلى تصعيد استخدامه لسلاح الجو وأسلحته الثقيلة، قرر تفعيل نظرية “هدم المعبد”، واعتماد وسائل مستوحاة من تجربة النظام العراقي في استخدامه المفرط للقوة “الكيماوية” ضد أكراد الشمال...سؤال بدأ يثير الكثير من علامات الإستفهام وإمارات القلق.

يقول البعض، أن النظام بإقدامه على “تحريك” سلاحه الكيماوي، ربما يكون أراد “توجيه” رسائل قوية للمعارضة المسلحة والأطراف الإقليمية والدولية التي تدير الحرب من غرف عمليات مشتركة في تركيا وداخل الأراضي السورية، بأنه ذاهب في “حرب البقاء” حتى المعركة الأخيرة، ومهما كان الثمن وبلغت الكلفة...وهذا سيناريو من ضمن سيناريوهات مرجحة..لكن السؤال الذي يظل مع ذلك من دون جواب: هل بلغ النظام “اللحظة الحرجة”؟..هل وصل إلى طريق مسدود؟...هل أخذت لحظة الحقيقة والاستحقاق تقرع أبوابه السميكة وغرفه المحصنة؟...أسئلة وتساؤات لا بد من انتظار بعض الوقت، لمعرفة الإجابة الأكثر وضوحاً عنها.

خلال الأسابيع القليلة الفائتة، طرأ تطور ملحوظ على “ميزان القوى على الأرض” في الحرب المفتوحة على سوريا...النظام يتراجع بسرعة ملحوظة في الميدان..المعارضة تتقدم على مختلف الجبهات، وسط انتظار شديد لـ”معركة دمشق الثانية”، التي يُقال أنها باتت وشيكة، بعد أن حشدت المعارضة أكثر من أربعين ألف مسلح في أطرافها وحواريها وأحيائها، في إطار خطة منسقة، يبدو أن “خبراء” و”جنرالات” غير سوريين، هم من وضعها وهم من يشرف على تنفيذها...نوعية المواجهات العسكرية الأخيرة، تدلل على دخول أسلحة وخبرات جديدة إلى ساحة القتال، تؤكد وجود إدارة جديدة للمعارك ومستويات مختلفة من القيادة والتحكم والسيطرة.

النظام يدرك كل ذلك، ولديه من المعرفة بمجريات الأمور، أكثر من غيره..وهو في الحقيقة بات محشوراً بين خيارين: أما الإدلاء بخطاب “الآن فهمتكم” والمغادرة إلى ملاذ آمن، أو سلوك خيار “الطلقة الأخيرة” و”الرمق الأخير” على طريقة القذافي وصدام حسين...ومن الواضح تماماً أن الخيار الأخير، بات مرجحاً، ومعظم المؤشرات تؤكد سير النظام على طريقه.

ربما يدور في “العقل الباطن” للنظام، أن التلويح بـ”خيار شمشون” وإبداء الإصرار على “الطلقة الأخيرة”، ليس في واقع الأمر، سوى محاولة لتحسين شروطه التفاوضية، وأن ورقة تدمير سوريا قد يكون لها وقعها على الأطراف، لإرغامها على التفاوض حول “صفقة” تنقذ ما يمكن إنقاذه من النظام...هذا احتمال، وهو احتمال تراهن عليه أيضاً، قوى إقليمية (إيران) ودولية (روسيا) داعمة للنظام، ولا تريد لمعركة الحسم معه أن تنتهي إلى هزيمته وهزيمتها..ولا يمكن بحال من الأحوال، التقليل من أهمية هذا العامل في دفع وتحفيز، العملية السياسية.

لكن عنصر “المقامرة” في هذا الخيار، تكمن في صعوبة التحكم به حتى نهاية المطاف، والجزم بأنه سيستثير عناصر الحل السياسي فقط، فثمة احتمال آخر، وهو أن يستدعي هذا الاستخدام المفرط للقوة، إلى التفكير بخيارات وبدائل عسكرية لحسم الأزمة السورية، وإذا ما استمر النظام في مغامرته غير المحسوبة هذه، فقد يدفع ذلك دولاً وأطراف ما زالت “مترددة”، لحسم ترددها والنزول بكثافة إلى ساحة “الحسم العسكري”.

أيام وتتضح الوجهة التي ستسلكها التطورات في سوريا، سيما إن قُدّر لمعركة دمشق، أن تبدأ.

التاريخ : 04-12-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا بين استنتاجات الإبراهيمي وتلميحات العربي * عبدالمجيد جرادات

الدستور

4-12-2012

كان السيد الأخضر الإبراهيمي، واضحا ً في كلمته التي القاها أمام هيئة الامم مساء يوم الأربعاء الثامن والعشرين من الشهر الماضي، فقد وصف المشهد في الجمهورية العربية السورية بأنه (متأزم ويسير نحو الأسوأ..)، أما الحل الأمثل من وجهة نظره، فهو يكمن بتدخل مجلس الأمن .. ذلك لأن استنتاجاته المبنية على تقييمه للمواجهات الميدانية بين قوات النظام والمعارضة المسلحة .. تؤكد عدم احتمالية وجود ضوء في آخر نفق محنة الشعب السوري.

على الحدود السورية الشمالية مع الجمهورية التركية، تتخذ الترتيبات بالتعاون مع قيادة حلف شمال الأطلسي، لنشر صواريخ باتريوت، ومن المؤكد بأن الهدف من هذه الفكرة هو التحوط لأي فعل عسكري محتمل، قد تبادر به روسيا أو إيران من أجل الوقوف إلى جانب الرئيس بشار الأسد، وفي هذا السياق فهم يسعون لأسلوب المفاضلة بين(1) استخدام الوسائل التي سيتم اللجوء إليها لغايات حسم الموقف ؟، و(2) أين تكمن جوانب الضعف التي قد تشوش على سير العمليات ؟.

بالعودة لكلمة المبعوث الأممي السيد الإبراهيمي، نجد أنه يستبعد الدخول في حوارات مباشرة بين الأطراف المتناحرة في الداخل السوري، أما الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي، فإنه يقترح هذه المرة إرسال قوات (حفظ سلام) إلى سوريا، وبدون أن تكون هنالك إيضاحات حول صلاحيات وطبيعة عمل هذه القوات، وهل ستؤدي دورها وفقا ً للنظم المعمول بها من قبل هيئة الأمم في فض النزاعات الداخلية ؟، وإلى أي مدى يُمكن تجنب النتائج المأساوية التي قلنا منذ البداية بأن الشعب السوري سيدفع ثمنها دون سواه.

في الجانب الشرقي من سوريا، سيتجلى دور أكراد سوريا والذين دخلوا قبل أيام في مواجهات مع المعارضة التي تشاغل النظام السوري، وبالحسابات العملية، فإن حال الأكراد في تركيا وإيران، سيكون موضع حسابات من قبل الدول العظمى التي تراهن على مبدأ التدخل بشؤون الشعوب متى شاءت، وبطريقة، يُدرك الجميع بأنها تتعارض مع متطلبات الاستقرار الذي يمنح الدول الفرصة لاستغلال ثرواتها من أجل رفعة ومنفعة شعوبها.

هل ستشكل حكومة انتقالية في سوريا سعيا ً للخروج من المأزق الراهن بأقل التكاليف ؟، ومن هي الجهات المؤثرة في هذا الأمر، وإلى أي مدى يُمكن أن تكون مصلحة الشعب السوري في مقدمة الأولويات ؟: في محاولة الإجابة، نخلص إلى القول بأن المضي بتبادل العنف، يعني المزيد من وقوع الخسائر البشرية والمادية واتساع نطاق الأحقاد التي ستقود للمزيد من وقوع الضحايا ومعاناة الأبرياء، وهذا الأمر بطبيعة الحال لا يزعج الدول الكبرى التي تحرص على مستقبل مصالحها في المنطقة، ويبقى الشيء المزعج في عمليات الإعداد التي نلمح بعض جوانبها، وسيكون من الصعب على من يقف وراء إخراجها، أن يتجنب أبشع ما فيها، وهو تفشي الجوع والفوضى وتعمق الفتن بين أبناء المجتمع الواحد.

-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. وراء الأكمة ما وراءها

رأي المدينة

الإثنين 03/12/2012

للتاريخ مواعيده التي لا يخلفها، وله أيضا مفاجآته التي يحتفظ بها في غرفة أسراره، وله استحقاقاته التي يفي بها أبطاله، وفيه من الدراما بمقدار ما في حياة الإنسانية كلها. ومع هذا التاريخ لدمشق موعد لن تخلفه، يبدو وكأن أبطاله يقتربون حثيثًا منه، ليضعوا نهاية لمرحلة من أسوأ ما شهدته سوريا وشعبها عبر تاريخهم الحديث كله.

الثوار في سوريا يقرعون أبواب دمشق، والنظام المذعور يدرك كل يوم أن نهايته باتت وشيكة، وحتى حلفاء النظام السوري في الخارج باتوا موقنين من هزيمة النظام، وراحوا يفتشون عن البدائل والخيارات المتاحة بعده، وهو ما ينبغي أن تنشغل به أيضا قوى إقليمية تعاطفت مع المطالب المشروعة للشعب السوري، وقدمت له يد العون في مواجهة أبشع مجازر الألفية الثالثة حتى الآن.

لا أحد يعرف على وجه الدقة عدد الفصائل التي تعمل ضد النظام السوري على الأرض، ولا أسماءها ولا توجهاتها ولا الجهات التي تدعمها ولا رؤيتها لمستقبل سوريا، ولا نظرتها للجوار الإقليمي وللعالم من حولها، ويوم يسقط نظام بشار الأسد فإن قليلين حول العالم، هم فقط من يستطيعون التخمين بوجهة السفينة السورية وبهوية قباطنتها.

العمل من أجل صياغة هيكل موحد يجمع التيارات الرئيسة لثوار سوريا، ليس إذن مجرد مسلك أخلاقي أو انساني، لكنه كذلك مسلك نفعي، يتطلع الى تقليص خسائر الثورة السورية بعد إسقاط نظام الأسد، وكذلك تحصينها ضد الانهيارات ونزاعات الفصائل حول رؤى الحكم ومحاصصات السلطة، كما يستهدف هذا العمل بالضرورة المحافظة على الاستقرار الاقليمي، بعد انهيار النظام السوري، ومواجهة محاولات جهات بعينها لإثارة نعرات طائفية أو دينية أو سياسية في الإقليم، ومحاولة نشر الفوضى في ربوعه.

الأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في تقرير مصير سوريا، الأمر الذي ينبغي التحسب له مبكرًا، من أجل تأمين سلامة المدنيين في سوريا، وضمان عملية انتقال هادىء للسلطة إذا ما سقط النظام في أي وقت، وكذلك ضمان سلامة الإقليم كله.

سوريا الحرة سوف تدخل التاريخ من إوسع أبوابه، كأكثر بلد سدد فاتورة حريته من دماء أبنائه، ولا أحد من محبي سوريا يريد لها أن تخرج من باب الجغرافيا، ولهذا فحماية وحدتها وسلامة أراضيها وتماسكها الإقليمي ووحدة الإدارة والحكم فيها، كلها مهام ينبغي على الجامعة العربية أن تتأهب لها مبكرًا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تصاعد المخاوف من حرب "الكيانات" السورية

وارتداداتها في دول الجوار وفي مقدمها لبنان

  روزانا بومنصف

  2012-12-03

النهار

في حديث خص به الموفد الدولي الى سوريا الاخضر الابرهيمي احدى محطات التلفزة الاميركية الكبيرة غداة تقديمه تقريره امام مجلس الامن الدولي الخميس المنصرم، وعشية توجهه الى واشنطن للبحث مع المسؤولين الاميركيين في سبل حل الازمة السورية قبل عودته الى القاهرة حيث اصبح مقر البعثة التي يتولاها، حرص الابرهيمي على الاشارة تكرارا الى تأثر لبنان كأبرز الضحايا بما يجري في سوريا على رغم عدم اغفاله تأثر كل دول الجوار السوري وتحذيره من ذلك. والمخاوف على لبنان تجد صدى متعاظما منذ بعض الوقت وعلى نحو اكبر من الاشهر الاولى لانطلاق الثورة في سوريا باعتبار ان هذه المخاوف تتركز في الدرجة الاولى على ازدياد عدد اللاجئين السوريين الذين يتوقع ان ترتفع اعدادهم كثيرا مع وصول الحرب الى العاصمة السورية وفقا للمؤشرات الميدانية قبل ايام. كما تشمل المخاوف التورط المباشر وغير المباشر لبعض الافرقاء في لبنان في تطورات في الداخل السوري اضافة الى الانعكاسات الاقتصادية والسياحية السلبية الكبيرة. وفي المرحلة الاخيرة بدأت المخاوف تشمل بعدا آخر اكثر من اي وقت سابق على وقع اتساع المعارك في سوريا والى مناطق اكبر بكثير من السابق ووصولها في الاسابيع الماضية الى دمشق.

هذه التطورات باتت تفيد بان الحلول التي كانت مطروحة للازمة ستتغير حكما وان المعركة على حدود دمشق مجددا لم تعد تعني ان حكم الرئيس السوري بشار الاسد يمكن ان يبقى، وليس نظام البعث وحده الذي انتهى فعلا ولم يعد في الامكان اعادة احيائه ايا تكن المدة التي ستستغرقها الحرب الداخلية، نظرا الى ان اعادة ترميم هذا الحكم لم تعد ممكنة ولا واردة.

ومصدر الخشية ان ثمة اتجاها الى فرز كيانات سورية تدور الحرب حولها راهنا على شكل او آخر، علما ان سيناريوات مماثلة طرحت في ادارة النظام السوري خريطة معاركه في الاشهر الاخيرة. لكن معالم هذه الكيانات بدت لافتة في الايام الاخيرة بالنسبة الى متابعين مهتمين بالشأن السوري مع اعلان مماثل لذلك الذي حصل قبل ايام عن ان الاحزاب الكردية اتفقت في ما بينها على ان حكم ما بعد الاسد سيكون اتحاديا فيديراليا يحفظ حقوق كل مكونات الشعب السوري، وان كيانا كرديا سينشأ بقواه العسكرية التي تحميه. هذا سيشجع ويبرر الكيانات الطائفية الاخرى التي سيسعى اليها الآخرون ايضا من المنطلق الكردي نفسه من دون ان يعني ضرورة تقسيم سوريا. والكيانات الطائفية يخشى كثر ان تكون لها ارتداداتها في دول الجوار وفي مقدمها لبنان لاعتبارات متعددة، علما ان الامر نفسه يصح ايضا على العراق التي تعيش مخاضا آخر على وقع الازمة السورية، وهذا يدفع الى النظر الى الازمة السورية على انها ليست ابيض او اسود فقط، بل اكثر بكثير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أردوغان وبوتين وسوريا!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

3-12-2012

من المفترض أن يصل اليوم إلى إسطنبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ حيث سيقوم بتوقيع عدة اتفاقيات اقتصادية بين البلدين، وبالتأكيد ملف الأزمة السورية سيكون حاضرا بقوة في لقاء رئيس الوزراء التركي والرئيس الروسي، فهل يمكن توقع، أو انتظار، تغير في الموقف الروسي حيال الثورة السورية؟

لا يوجد شيء أكيد، وكل ما لدينا هو التسريبات والمؤشرات. فمثلا، يقول السفير الروسي في أنقرة إن بلاده تريد تجاوز حادث اعتراض الطائرة السورية في تركيا في أكتوبر (تشرين الأول)، للاشتباه بنقلها أسلحة روسية للنظام الأسدي، وأضاف السفير الروسي أنه «كلما أسرعنا في تجاوز هذا الحادث المشؤوم كان ذلك أفضل»! والسؤال هنا بالطبع: أفضل بالنسبة لمن؟ هل أفضل لتركيا المتضررة من جراء الأزمة السورية، أمنيا واقتصاديا وسياسيا؟ أم أنه أفضل لموسكو التي ذهبت بعيدا في الانغماس بالدم السوري، ومن خلال دعم روسيا للأسد بالسلاح، والفيتو في مجلس الأمن؟ المصلحة التركية أن يكون الجار السوري آمنا هادئا، ولا يتحقق ذلك إلا بوقف الجرائم الأسدية، واحترام رغبة الشعب السوري الذي ذهب قرابة الأربعين ألفا منه ضحية للجرائم الأسدية. أما المصلحة الروسية من الوقوف مع قاتل شعبه، طاغية دمشق، فليست ظاهرة، وغير مفهومة، خصوصا أن المعارك الآن تدور في العاصمة السورية دمشق، وليس بأطراف المدن، حيث الواضح أن الثوار السوريين يريدون إسقاط النظام مباشرة، وليس إسقاط المدن، والواقع على الأرض يقول إن مصالح الروس من بقاء الأسد، وأيا كانت، فإنها باتت مهددة، خصوصا أن المعارك باتت بمحيط الطاغية. وإن كانت المسألة مسألة ثمن سياسي فإنه بكل تأكيد سيكون ثمنا بخسا الآن، خصوصا مع المتغيرات على الأرض، ولذا فإن المصالح الروسية غير مفهومة الآن، خصوصا أن روسيا قد أفرطت بالدفاع عن الأسد!

المصادر المعنية والمطلعة، على الملف السوري جيدا، تقول إن الروس يقولون إنهم الآن في مرحلة إعادة التقييم للموقف من سوريا، وبشار الأسد، وهذا ما لمح له الروس في عدة لقاءات في المنطقة، وهذا ما يطمح إلى تحقيقه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان؛ حيث أشار إلى رغبته في بذل جهود لإقناع الروس بتعديل موقفهم من سوريا، حيث يقول السيد أردوغان إن «بوتين يصل إلى تركيا الاثنين، سنبحث هذه المسألة بطريقة معمقة. روسيا تملك أوراقها»، ومضيفا: «إذا أعلنت روسيا موقفا أكثر إيجابية، فذلك سيدفع إيران بدورها إلى إعادة النظر في موقفها». الأطراف العربية المعنية بالملف السوري تقول إنها لم تعد مشغولة بالتصريحات والتلميحات الروسية، ولا حتى بالوعود، فبحسب ما سمعته من أحد النافذين بالملف السوري حول الموقف الروسي هو قوله: «تجاوزنا مرحلة الاعتداد بالأقوال، نحن الآن بمرحلة الأفعال»، فإذا اتخذ الروس موقفا واضحا صريحا، فحينها لكل حادث حديث، وبالطبع فإن سبب هذه اللغة، من المعنيين بالملف السوري، هو مجريات الأحداث على الأرض في سوريا، فهل ينجح السيد أردوغان في إيقاظ الدب الروسي من سباته، وإقناعه بأنه يخسر يوما وراء يوم، من موقفه المتعنت بسوريا؟ دعونا نرَ.

-*-*-*-*-*-*-*-*

التدخل في سورية على الأبواب؟

طوني فرنسيس

الإثنين ٣ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

لم يحقق الأخضر الإبراهيمي اختراقاً في جدار الأزمة السورية المسدود. غاب منذ فترة عن الصورة تاركاً الصراع يأخذ مداه، فتصاعدت حدة المعارك على الأرض وسط تقدم ملحوظ لقوى المعارضة المسلحة التي نشطت على خط تنظيم صفوفها عبر «ائتلاف» كسب سريعاً اعترافاً دولياً وعربياً واسعاً. في الأثناء تحركت المعارضة «الداخلية» لتعقد مؤتمراً هزيلاً في طهران كان أشبه بندوة ينظمها النظام في دمشق، وذهبت «هيئة التنسيق» إلى موسكو لتستمع إلى خطاب روسي قديم ولتكرر أمام مضيفيها ما يحبون سماعه عن رفض للتدخل الخارجي وحرص على الحل «الداخلي».

دخلت سورية في المأزق منذ أشهر عدة ولم تعد لمبادرات التسوية القائمة على حوار بين طرفي النزاع أية قيمة، المعارضة لا تقبل بأي حل مع وجود الرئيس بشار الأسد على رأس السلطة والأسد يرفض الحل قبل القضاء على «العصابات المسلحة». واشتد القتال كي لا تلوح في الأفق إلا النتائج المترتبة عليه، فإما هزيمة للنظام، غير مستبعدة في المدى المنظور، وإما مزيد من الاهتراء الداخلي يزيد حدة عوارض الاحتراب الأهلي والفوضى الاجتماعية المسلحة، ويفاقم المخاوف بين طوائف ومذاهب المجتمع.

الحرب الأهلية تعبير يتردد بإلحاح شرقاً وغرباً، النظام يسعى إليها بحسب آراء معارضين ومحللين، وحلفاء له في طليعتهم موسكو بكروا في الحديث عن تمزق البلاد وضرورة حماية الأقليات.

بدا تضخيم المخاوف بشأن هذه الحرب أو الاقتتال شرطاً ضرورياً لانضاج فكرة يتم طرحها منذ الأشهر الأولى للصراع الذي اندلع في آذار (مارس) 2011، قوامها ضرورة التدخل العسكري الدولي، ليس لمساعدة الثوار في معركتهم مع السلطة، وإنما لوقف الحرب الأهلية ومنع امتدادها إلى دول الجوار.

وإذا كان الشرط الأول (الأهلي) للتدخل العسكري الخارجي بلغ النضج أو هو في طريقه إلى النضوج، فان شرط المخاطر الإقليمية يتحرك بدوره مع احتدام التوتر على الحدود التركية السورية والتراشق السياسي العراقي التركي من جهة ومحاولات النظام السوري إثارة الفوضى في لبنان وفي الأردن من جهة ثانية.

يضاف إلى ذلك المناوشات في الجولان التي لم تصل إلى حد إثارة مخاوف إسرائيل من صدام مع القوات النظامية المنضبطة منذ 1974، قدر ما أثار قلقها نوايا المعارضة المسلحة التي تقضم الأراضي المواجهة لخط الجبهة. وربما كانت الردود الإسرائيلية بنيران محدودة على طلقات وصفتها بـ «الطائشة» امتحاناً لقوى الثورة السورية أكثر مما هي ردع لهجمات محتملة من جانب القوات النظامية.

المخاطر الإقليمية لتمدد النزاع وأثره خصوصاً على أمن إسرائيل، يمكن أن يدفع مجلس الأمن إلى اتخاذ موقف عجز سابقاً عن اتخاذه في شأن سورية، وهو مثلما جمع منذ أسابيع الشرق والغرب حول قرار بمواجهة التطرف الإسلامي في شمال مالي فإنه سيجمع الروس والأميركيين في قرار تفرضه مصالح الأمن الإسرائيلي وضرورات «وقف التوتر الإقليمي» الذي يثيره استمرار الأزمة في سورية.

مع ذلك يخطئ من يظن أن خيار الوصول إلى تدخل دولي يضع اليد على سورية لم يكن مطروحاً منذ البداية. ليس كل شيء مكتوباً كما في الروايات لكن البناء على المواقف المتوقعة و «تزييتها» قليلاً سيقود حتما إلى نتائج مرغوبة. فإصرار الأسد على المواجهة بدل الاستجابة للمطالب الشعبية البسيطة جعله حصاناً رابحاً في خطة انهاك سورية التي يريدها كثيرون، واستعجال القوى الغربية التصويت باكراً في مجلس الأمن على قرارات تدين الأسد، مع علمها بأن الروس والصينيين لن يوافقوا وسيلجأون إلى استخدام حق النقض، لا يمكن اعتباره حرصاً على شعب سورية وانتفاضته من أجل الحرية والكرامة، قدر ما كان استعجالاً لشل المؤسسة الدولية الأقدر على الحسم ومن ثم الجلوس وراء الموقف الروسي والقول للمتألمين والضحايا: لا يمكننا فعل شيء. الفيتو قائم... إذن الشرعية الدولية عاجزة ومعطلة.

طالت الأزمة ودمرت سورية إلى حد كبير. ومن يسأل؟ الإيرانيون ليست سورية بالنسبة إليهم أكثر من رأس جسر. الروس أيضاً...

في نهاية الشهر العاشر من هذا العام (تشرين الأول/أكتوبر) التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خبراء «نادي فالداي» الذي تنظمه موسكو على غرار «دافوس» مصغر. خرج البروفسور التركي حسين باغجي وهو نائب مدير معهد الدراسات السياسية الخارجية في أنقرة من الاجتماع مع بوتين بانطباع أبلغه إلى وكالة «أنباء موسكو» الرسمية مفاده أن «روسيا عازمة على الحفاظ على علاقاتها المتميزة مع تركيا في المجال الاقتصادي في المقام الأول وإسرائيل على الصعيد السياسي، بالدرجة الأولى».

قد لا تكون انطباعات الخبير التركي دقيقة إلى حد الكمال، لكنها إشارة إلى الاهتمامات التي تشغل الحليف الأول للنظام في سورية الذي حرص على زيارة إسرائيل في خضم الاشتباك السوري ليسمع من قادتها تقييمهم لمجريات الأحداث في الجارة الشمالية. وفي هذه الأيام يحل بوتين ضيفاً على تركيا غداة قرارها نصب صواريخ باتريوت على حدودها مع سورية ويستقبل في أنقرة مع افتتاح مركز القيادة البرية لحلف شمال الأطلسي في أزمير الذي باشر أعماله رسمياً يوم الجمعة (30/10/2012).

روائح التدخل العسكري تفوح غرباً لكنها انتشرت شرقاً قبل ذلك بوقت طويل. ففي حزيران (يونيو) الماضي نقلت الصحافة الروسية عن مصادر في وزارة الدفاع في موسكو أنه يجري إعداد خطة لاستخدام القوات المسلحة خارج البلاد. وأضافت أن سورية هي أحد البلدان المحتملة لقيام القوات الروسية بعملها في الخارج. وقال نيقولا بورديوجا الأمين العام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تتزعمها روسيا إن مشاركة قوات من المنظمة في عمليات حفظ السلام في سورية أمر وارد. وفي الواقع فان فرقة بسكوف للإنزال الجوي أجرت تدريبات مكثفة على عمليات التدخل في الخارج كما تستعد وحدات خاصة من الشيشان التي شاركت كتائبها في عمليات حفظ السلام في جنوب لبنان عامي 2006 و2007 ولعبت دوراً في الحرب مع جورجيا في 2008. واستعداداً للتدخل في سورية قامت مجموعة خاصة من لواء مشاة البحرية تابع لأسطول البحر الأسود بمناورات شملت زيارات لطرطوس...

نهاية الأسبوع الماضي أطلق الإبراهيمي صرخته أمام الأمم المتحدة مطالباً بـ «قوة حفظ سلام كبيرة وقوية». دعوة المبعوث الدولي الثاني هذه إشارة إلى فشل النظام في حربه على «العصابات» من جهة، وإلى نضوج مشروع التدخل العسكري الدولي من جهة ثانية، وهو سيحتاج قراراً من مجلس الأمن ستوافق عليه روسيا باعتبار أنه سيكون ممهوراً بطلب رسمي من حليفها بشار الأسد الذي سيدخل بلاده مرحلة توزع الحمايات العربية والأممية استعداداً ربما لطائف... سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*

الحزب السياسي ... تاريخ .. ودور .. وفاعلية .. (دعوة للعمل الجماعي ولبناء الأحزاب (

زهير سالم*

 اعتُبرت الأحزاب والتكتلات بصيغها المختلفة تعبيرا عن حالة من حالات الاجتماع البشري . نظر إليها الكثيرون على أنها إحدى ظواهر الحياة الإنسانية العامة . وككل الظواهر العامة اختلف الناس في تحديد موقفهم منها سلبا أو إيجابا على أساس رصدهم لانعكاساتها على حياة الناس . نظر إليها البعض على أنها مدخل للتفرقة والتمزيق أو الاستعلاء والغلبة . واعتبروها تعبيرا عن صيغة من صيغ العصبية التي هي دليل انحلال الأمة . ورآها آخرون مدخلا للتثقيف والتعليم والتسديد والتصويب والحشد والاختيار وحسن التمثيل ، وأنها سبيل الفرد للتعبير عن رأيه ولمشاركته في القرار العام لوطنه . وانه لولا الأحزاب وتكتلاتها الكبرى لما استطاع الأفراد ولا الجماعات الصغيرة إيصال أصواتهم إلى حيث تكون مؤثرة وفاعلة .

 

وفي السياقين ورد ذكر الحزب والأحزاب في القرآن الكريم حيث ذكر ت في سياق على سبيل المدح (( أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) . وذكر في سياق آخر على سبيل الذم (( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ... )) .

وعندما انطلقت الثورة الفرنسية كان رجالها يتفاخر كلٌ منهم أنه لا ينتمي إلى حزب . وتبدو هذه النظرة السلبية للسياسي الحزبي هي السائدة في مجتمعاتنا حتى اليوم !!

وكذلك كان مؤسسو الولايات المتحدة ينظرون إلى الأحزاب نظرة ريبة . وقد سبق لجورج واشنطن أن حذر مواطنيه من مغبة الانقسامات التي قد تتعرض لها الأمة بسبب الأحزاب . ولكننا لا نكاد نصل إلى الرئيس الثالث للولايات المتحدة سنة 1800 حتى نراه يحتل منصبه نتيجة تنافس حزبي .

بالمعيار السلبي نفسه نظر الإمام الشهيد حسن البنا للحياة الحزبية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين . ورفض الحياة الحزبية . وحتى الآن لم تعتبر جماعة الإخوان المسلمين نفسها حزبا سياسيا ، بل تمسكت بوصفها ( جماعة دعوية ) تمارس كل الأنشطة الإسلامية . إلا أن نظرتها للحياة الحزبية في كل الأقطار قد تطورت مع تطور الواقع السياسي . فاعترفت بالحياة السياسية الحزبية . وبدأت تنحو منحى تشكيل أحزاب تعبر عن برنامجها السياسي في أكثر من قطر

كانت بدايات الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة وفرنسة بشكل خاص مع بدايات القرن التاسع عشر . وقد ظهرت الأحزاب السياسية وازدهرت مع ظهور وازدهار حق الاقتراع العام ؛ حين أصبح صوت المواطن الفرد – مهما كان شأنه – جزء من القرار الوطني العام يحرص كل سياسي على كسبه وتوظيفه . وأخذت النظرة للحزب السياسي تأخذ منحى أكثر إيجابية .

وبدأنا نقرأ مثل قول ( ماكس ويبر ) : إن هذه التنظيمات الجديدة وليدة الديمقراطية وعلى الأخص الاقتراع العام . لقد تطلب الاقتراع العام صيغة من تنظيم الجماهير وتعبئتها وحشدها خلف شخص أو خلف فكرة .

 

أو قول ايزمن : إنه لا حرية ولا ديمقراطية بدون أحزاب . وأصبحت هذه النظرية على المدى جزء من تفكير رجال القانون الدستوري العام .

إن جزء من المشكلة التي تعاني منها المعارضة السورية اليوم هو غياب الحياة الحزبية المزدهرة عن سورية . إن الشكوى المريرة التي نسمعها من الأفراد ضد الجماعات المنظمة لا تقوم على أساس أن المنظمين هم الأشرار كما يحاول أن يصور البعض ؛ إنما تقوم على خلفية عجز أفراد مشتتين عن تنظيم أنفسهم وتحقيق إراداتهم في وقت وجيز .

وما أن احتلت الأحزاب السياسية مشروعيتها في هيكل الحياة السياسية العامة حتى بدأت تتلاشى النظرة السلبية إليها على الصعيد النظري . وبدأنا نسمع عن أشكال من التنظيمات المجتمعية في أطر أوسع مما يسمى الحزب السياسي فظهرت النقابات والجماعات الصغيرة محدودة الأهداف والتنظيمات بخلفياتها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وقوى الضغط المختلفة التي انتزعت لها عنوانا أكثر شمولا ( المجتمع المدني ) الذي تعتبر الأحزاب السياسية شعبة أساسية من شعبه المتكاثرة ..

وأصبحت النظرة إلى لأحزاب السياسية ولمؤسسات المجتمع المدني المختلفة أكثر إيجابية . ورحنا نقرأ عبارات تمجد الحياة الحزبية وتعتبر الأحزاب السياسية مدارس تثقيف المجتمع . كما تعتبر مؤسسات المجتمع المدني مؤسسات للخدمة العامة . وركائز للحد من سطوة السلطة أو لمساعدتها على تأدية دورها . وأن دور الحزب المعارض أن يبرز الوجه الآخر للحقيقة على قاعدة وبضدها تتميز الأشياء ..

 

دعوة إلى تغيير النظرة والموقف

في سياق الربيع العربي والثورة العربية الحقيقية وإعادة التأسيس لبناء المجتمع والدولة في قطرنا وفي عالمنا نحن مطالبون – كجماهير وطنية وعربية – إلى مراجعة رشيدة لنظرتنا ولموقفنا من كل أشكال الحياة الجماعية المنظمة على خلفياتها المختلفة ..

لقد عملت عوامل عديدة على تشويه فكرة الحياة الحزبية والمؤسسات الجماعية . وبدلا من أن يستحق الإنسان الملتزم في مشروع وطني عام المزيد من الاحترام أصبح موضع غمز ولمز وانتقاص . ولقد كان من أهم العوامل التي شاركت في التأسيس للموقف السلبي من العمل الجماعي والحزبي السياق العالمي التاريخي الذي أشرنا إلى شذرات منه ، ومنها بعض الموروث العام عن سلبيات الحياة الحزبية والتي حاول البعض أن يلقي عليها ثوبا شرعيا من الحل والحرمة في خدمة مشروع حكام مستبدين ، ومنها ثالثا وجود أحزاب سلطوية نفعية وفاسدة ألقت بظلالها على فكرة الحزب والتحزب بشكل عام . ومنها أخيرا موقف استبدادي – أمني – قاهر جعل الانتماء الحزبي في عالمنا غراما مضاعفا يلقي على صاحبه الوانا من العنت الجسدي والفكري والاقتصادي والاجتماعي ..كل هذه العوامل جعلت المواطن الفرد يرغب عن الانخراط في أي شكل من أشكال العمل الجماعي أو الحزبي المثمر مما كان له أسوأ الانعكاسات على واقعنا الوطني في كل أبعاده ...

إن جزء من مشاركتنا الواعية في صناعة ربيعنا العربي وربيعنا الوطني يجب أن تدفعنا دفعا حثيثا للاشتراك في بنى الحياة الجماعية المختلفة . المطلوب من أصحاب الطاقات والقدرات أن يسارعوا إلى الإعلان عن مشروعات خيرة مبصرة تحشد طاقات المواطنين وتعبئها وتوظفها على المحاور التي يؤمنون بها.دعوتي هنا ليست لحزب ولا لفئة بل هي دعوة مفتوحة للانخراط كل منا حسبما يعتقد في الصف الوطني المتراص الذي يعينه على تقديم ما عنده من خير ومن عطاء .

الحزب السياسي بالنسبة للمسلم هو الإطار الجامع الذي يجعله قادرا على الوفاء باستحقاق قوله تعالى : (( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.))

شعار واحد رفعه القرآن الكريم أذكر به في هذا السياق : اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ...

السبت 8/12/2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من يتفضل ويصحح مفاهيم الإبراهيمي؟

عبدالله ناصر العتيبي *

الإثنين ٣ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

يبدو أن السيد الأخضر الإبراهيمي بحاجة إلى من يشرح له حقيقة الوضع في سورية. موافقته أولاً على أن يكون مبعوثاً أممياً، وتصريحاته المباشرة بعد تسلمه هذه المهمة، وطريقة تعاطيه مع المستجدات والمتغيرات اليومية على الأرض السورية، وأخيراً كلمته التي ألقاها في نيويورك قبل أيام... كل ذلك يدل على أن الرجل لا يعرف بالضبط طبيعة الصراع في سورية، ولا يدرك المآلات التاريخية لهذه الأنواع من الصراعات.

الرجل ديبلوماسي سابق، وهنا تكمن المشكلة، بالضبط هنا تكمن المشكلة: ديبلوماسي وسابق، مشكلته أنه ديبلوماسي ومشكلته الأخرى أنه سابق!

الديبلوماسيون في العادة يظنون أن بإمكانهم حل كل المشكلات من خلال التفاوض، ويعتقدون أن المحادثات المباشرة والمتكررة، والمملة ربما، هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمات، ومصيبتهم الكبرى أنهم خلال الدخول في دوائر مهماتهم يتنازلون عن تقويمهم الحقيقي لأسباب الصراع ويغضون البصر عن حاجة الشعوب إلى التحرر، كل ذلك من أجل الخروج بتسوية تُسجَّل بأسمائهم وتستدرج لهم الخلود في سجلات تاريخ السياسة.

مشكلة الإبراهيمي الأخرى تتمثل في كونه ديبلوماسياً سابقاً، والديبلوماسي السابق يشبه تماماً الممثل الهوليوودي الكبير السن. انحسار الضوء عنه، وقد كان مسلطاً عليه بقوة، يربك حساباته الداخلية بشدة، ويجعله يركض خلف النور، وقد كان يهرب منه. الإبراهيمي بعد الغياب لفترة لا بأس بها في ظلام الشوارع الخلفية المحاذية لشوارع السياسة والديبلوماسية المضاءة، قرر بسرعة -ويا لكرم الأقدار- قبول المهمة المستحيلة: تسوية النزاع السوري بين المعارضة وبين نظام البعث بشكل سلمي! قبل المهمة وهو يعرف أن الحل مستحيل الظهور في الأفق، لكنه يعلم في المقابل أن ظلام المنفى لا يحتاج إلى أفق ليهاجم من خلاله، بل يداهم الروح من الداخل.

السيد الإبراهيمي قال قبل أيام في الجمعية العامة للأمم المتحدة: «إما أن يتوصل السوريون إلى تسوية سياسية وإما أن تتحول سورية إلى دولة فاشلة في حال استمرار الأزمة، مع كل ما يمكن توقعه من تداعيات لذلك عليها وعلى المنطقة. لا أحد يريد أن يرى دولة فاشلة في سورية وتلاشي مؤسسات الدولة والحرب الأهلية واستمرار تهريب السلاح».

الإبراهيمي يتفضل بطلب إيقاف العمليات العسكرية ضد النظام والركون إلى تسوية سياسية قد تتمثل ربما، أقول ربما، في عفو رئاسي عن «الإرهابيين». ويتمنى كذلك إيقاف تدفق السلاح لـ «الإرهابيين»، «الإرهابيين» وحدهم، لأن في ذلك خطر على المنطقة وتهديد للأمن والسلم الدوليين.

من يستطيع من أركان النظام البعثي في سورية أن يقول أفضل من هذا الكلام؟ إنه رجل النظام بامتياز. إنه أفضل المحامين الدوليين الذين يمكن التعاقد معهم، لتخليص الأسد وعصبته ونظامه وكتائبه من السقوط في منزلق الإقصاء والمحاكمة والتجريم.

ليس هذا فحسب، بل أضاف: «إن دول المنطقة غير قادرة على وضع خطة سلام تُخرج سورية من أزمتها خلال وقت قصير، لذلك لم يعد لنا سوى الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن. هنا في هذا المكان يمكن خلق عملية قابلة للتحقق لإطلاق عملية تفاوض سياسية، بناء على خطة جنيف ومبادرة سلفي كوفي أنان، ومن أجل أن تكون خطة جنيف فعالة يجب أن تترجم عناصرها بقرار من مجلس الأمن يقر نشر قوات حفظ سلام قوية في سورية».

يقترح الإبراهيمي إذاً أن ترفع دول المنطقة يدها عن سورية. على السعودية وقطر وتركيا ومصر أن تتراجع، وتفسح المجال لمجلس الأمن ليرسل قواتٍ تحفظ السلام (الأسدي) وتأتي بالمعارضة (غير المسلحة) من الخارج لتستمع إلى شروط العفو الرئاسي! يظن المحامي الجزائري الكبير أن دول المنطقة تظهر عداءً واضحاً للنظام السوري، وبالتالي فهي غير صالحة للدخول في منظومة الحل الذي يرضي غروره الشخصي. إنه الأخضر الإبراهيمي القادم من كواليس الديبلوماسية ومنافي الأضواء.

بهذا التصريح صار الإبراهيمي «جهادسياً» أكثر من المتحدث الرسمي باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي الذي أشار قبل أسبوعين إلى أن المعارضة هي من ترفض الحوار والحل السلمي مع سعي الحكومة إليهما!

ولا عجب في أن تنقل لنا الأخبار في اليوم التالي لكلمته في اجتماع الجمعية العامة تأكيدات سفير سورية لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري بدعم بلاده لمهمة الإبراهيمي بشكل كامل. وليس غريباً أبداً أن يُبدي الجعفري استعداد بلاده للتعاون مع الإبراهيمي، ويذكّر بتعاون بلاده مع مهمة مراقبي الأمم المتحدة وترحيبها ببيان جنيف.

من يتفضل ويشرح حقيقة الوضع في سورية للأخضر الإبراهيمي؟ من يتطوع ويبلغه أن الصراع في سورية هو مخاض شعب مقهور يسعى إلى الحرية والمدنية والديموقراطية والعيش بكرامة؟ من يخاطر ويقول له: عليك فقط أن تقنع بشار الأسد والدائرة المحيطة به بالرحيل لإيقاف نزيف الدم؟! تحدث مع بشار فقط، ودع الطرف الثاني يجرّب السير على خط حتمية التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البحث عن الحرية والتحرر في الثورة السورية

عمر كوش *

الإثنين ٣ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

من الأمور الأساسية، في أيامنا هذه، أن نفهم الثورات، التي تجتاح دول الاستبداد العربي، من حيث ارتباطها بفكرة الحرية الملازمة لثورات العصر الحديث، وإدراك مدى التلازم ما بين الحرية وبين تجربة كل بلد عربي، حيث زينت شعارات الحرية شوارع وساحات تونس ومصر وليبيا واليمن، وصدحت بها، وما زالت تصدح، أفواه الثائرين السوريين منذ أكثر من عام ونصف. وقد يعيننا في هذا المجال الالتفات والبحث إلى جديد الثورات وربطها بفكرة الحرية، ومن ثم ربطها بفكرة التحرر من سلطة الاستبداد المقيم منذ عقود عدة، بخاصة في الحالة السورية، وتلمس خصوصيتها وفرادتها.

وقد جرى نقاش واسع حول مفهوم الثورة الحديث، ومدى ارتباطه بالحرية، وليس العدالة أو الكرامة، وهو ما يسم الثورات العربية أيضاً، وربما ارتباط الثورة السورية بالكرامة أرجح من ارتباطها بالعدالة، لكنه لا يفوق ارتباطها بالحرية، ذلك أن الحرية باتت الفكرة الحاضرة في عالم اليوم، كما هي الحال عليه في عالم ما بعد الثورة الفرنسية، بوصفها، أي الحرية، تمثل المعيار الأعلى للحكم على الأنظمة السياسية، وبالتالي ليس فهمنا للثورة وحده، بل مفهومنا كذلك للحرية، وهو ثوري بالأصل، هما اللذان عليهما يتوقف قبولنا ورفضنا للترابط بين الثورة والحرية. وربما من الأهمية النظرية، أن ننظر ونفكر في الجوانب الدالة عليها الحرية، كي لا نقع في التفسير الشائع للثورات، وتفسيراتها الاقتصادوية والتنموية وسواها، والتي تقودنا إلى استنساخ مقولات الهيغلية والماركسية وسواهما، التي لا تصلح في هذا المجال، بخاصة أن بعض الباحثين والكتاب لجأ إلى استنساخ مقولات من العدة القديمة لتراث الثورة اللينينية، وأسقطها على الثورات العربية، لتظهر كل من الثورة التونسية والثورة السورية، في صيغة قسرية، تطابق ما في رأس متسلق على الثورات، أو باحث عن مكانة اعتبارية لذاته المتضخمة من وقوفه اللفظي في طرفها. وقد استعجل بعض الكتاب قلمه، وسابق الجميع، كي يكون الأول، فأصدر بعضهم منهم كتباً، أو كراريس، تناولوا فيها كل الثورات التونسية والمصرية والسورية، وفق رؤى وقراءات اعتباطية وانطباعية، فذهب أحدهم إلى كتابة «أفكار ميثاقية» لثورة، لم يكن في جانب ناسها قبل أن تندلع، بل وقف ضد حراك «ربيع دمشق»، دفاعاً عن النظام، ومنحازاً إليه، بصفته نظاماً ممانعاً، وهو النظام الذي بات يناضل ضده اليوم.

وجرى إطلاق توصيف «ثورة الأطراف المهمشة»، أو «ثورات ريفية» على كل من ثورتي تونس وسورية. وعلى المنوال نفسه، نسج من يطلق على نفسه صفة «الباحث الإستراتيجي» و «المفكر الرصين والمرجعي»، وراح يردد المقولات نفسها، ثم تمادى في توظيف جهود باحثين عن الوضع السوري، كي ينتقص من الثورة السورية، ويخفي تشرطه عليها، بل ومعاداته لها ولحراك الناس الذين ينتمي إليهم، فراح يلصق بها سمة «السلفية» وألحقها بمقولة «الشعبوية»، المتقادمة والمستهلكة والمستهجنة، والعائدة في بداياتها إلى سبعينات القرن التاسع عشر.

لم يدرك معظم الذين كتبوا عن الثورات العربية، وبخاصة المنحدرين من الفكر القومي العربي وبقايا قوى أحزاب اليسار، أن الثورة ليست نموذجاً، فكروياً، ولا نموذجاً قابلاً للإسقاط والمقايسة، لذلك لم يربطوها بقضاياها الجوهرية، فخرجت مقولاتهم، المستقاة من هنا وهناك، لتتسم بالارتباك وعدم التماسك، وحتى الأسماء الطنانة، مثل «الثورة المجيدة»، الذي أطلق على الثورة التونسية، مستقى من الوصف الذي أطلق على الثورة الإنكليزية، مع أن الإنكليز تخلوا عن الوصف السابق، وأطلقوا على ثورتهم اسم الثورة البيضاء، ثم اكتشفوا صغر التسمية.

مقولات وصفية

والمفارق في الأمر هو أن الاعتماد على المقولات الوصفية، الانطباعية، ترافق مع اتباع المنهج نفسه في التأريخ المباشر، أو اليومي والوقائعي، وكأن العملية هي كتابة يوميات أو ريبورتاجات عن الثورات، لا تتعدى سقف تقديم وتفسير اليومي، وسرد وقائع مجتزأة للحدث. وبعدها تأتي عملية إسقاط ما في الرأس من مقولات أيديولوجية وسياسية قديمة، مثل السببية التاريخية، ومقولة المركز والأطراف، ودور العامل الاقتصادي أو التنموي وغيره، بوصفها ليست أكثر من محاولات ليّ عنق نظريات وأدوات قديمة، جاهزة ومسبقة، وترقيعها كي تجري مقايستها على واقع جديد، في حين أن الثورة لا تفسر باليومي والمباشر، ولا بوصفها آثاراً متوقعة للأزمات والمشاكل الاقتصادية والسياسية التي عصفت في البلد وناسه، على امتداد عقود عدة، لأنها لا ترتهن إلى مثل هذا التفسير. وليس ممكناً توقع لحظة قيامها أو انتظار قدومها، كونها تمثل خروجاً عن السائد والمألوف والبديهي. وهي ليست قابلة للتفسير والتعليل، بل أنها كانت خارج كل الحسابات والتوقعات القبلية والتفسيرات البعدية، وهي أقرب إلى عمل الخلق والإبداع، المتفرد في حدوثه، ولا شبيه له.

وأظهرت الثورة، في أقلماتها العربية المختلفة، أن الإنسان في بلداننا ينشد الحرية واسترجاع كرامته المستباحة، وله مطالب اجتماعية وسياسية ومعيشية، مثله مثل سواه من البشر في عالم اليوم، وأن الدين الإسلامي هو أحد مكونات شخصيته الرئيسة، وليس المكون الوحيد والحاسم، والأهم هو أنها فنّدت المقولة التي تدعي أنه كائن لا يغادر الحيز الماهوي، المرسوم له بالانتماء المذهبي والطائفي والجهوي، وفندت أيضاً مقولة تدعي بأن الحركات الأصولية الإسلامية هي من يمتلك القوة الأيديولوجية والتنظيمية القادرة على تحدي الدولة القمعية والسلطوية. ومع ذلك يجري وسم شباب الحراك بـ «السلفية الشعبوية» واعتبارها تلخص حوامل وفواعل الثورة السورية، التي هي بالأساس ثورة كرامة وحرية وعدالة.

والأدهى من ذلك كله، هو وسم الثورة السورية باللاوطنية، حيث من المخجل اعتبار «ثورة صالح العلي» ثورة وطنية سورية بامتياز، التف حولها المجتمع السوري، وبخاصة الفئات الوسطى، لأن في ذلك تلفيقاً عجيباً ومصطنعاً، بينما ثورة الكرامة والحرية، التي اندلعت منذ أكثر تسعة عشر شهراً، ليست وطنية، بادعاء أن الفئات الوطنية الوسطى التي ينشدها «الباحث الرصين»، «الاستراتيجي»، لم تلتف حولها، معتقداً أن جموع السوريين ليسوا وطنيين، ولا ينحدر معظم ناشطوها من «الفئات الوطنية الوسطى»، كي يتحول حراكهم إلى ثورة وطنية بحسب زعم زائف.

والواقع أن لا أحد يستطيع الزعم بوجود معايير محددة بذاتها لقياس وطنية أو لا وطنية ثورة أو حركة احتجاجية، أو أي تحرك شعبي، لأن الوطنية ليست حادثة تجريبية، وهي ببساطة ليست شهادة أو صفة يمنحها شخص أو زعيم أو باحث، وليست منّة من أحد، أياً كان، وما لا يدركه موزعو الصفات هو أن الثورة تأتي كي تشيّد مقاماً جديداً في الوطنية وتبدع مفهوماً جديداً للوطن، حيث المفهوم بداية الثورة والمقام إشادة لها، وبالتالي، فإن المقام المحايث للثورة السورية هو أرضنة جديدة للوطنية وتأسيسها الجديد، يكون فيه الوطن للجميع، ويسكنها هاجس إشادة دولة المواطنة والديموقراطية، دولة الفرد الكريم والحر، تكون فيها الهوية وطنية جامعة، وليست هوية ما دون أو فوق - وطنية أو خارجة عن إجماع وطني.

شعارات جامعة

وقد جرى التأسيس للثورة السورية حول مطالب وشعارات وطنية جامعة لكافة الفئات، تمحورت حول الكرامة والحرية، حيث انطلق أول شعار «الشعب السوري ما بينذل»، ثم «الله سورية حرية وبس»، ومع الامتداد الأفقي للحراك، كرّس الالتفاف حولهما تعاضد فئات اجتماعية وسطى وفقيرة واسعة، أجمعت بالدم والتضحيات على لحمة خيوط النسيج الوطني الحديث، وعلى وحدة السوريين، بمختلف مدنهم وبلداتهم وقراهم، وبمختلف أطيافهم الدينية والمذهبية والاثنية، جسدها شعار «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد»، بل إن الشعار ذاته، «بالروح بالدم نفديك يا درعا»، أعلن امتداد التعاضد والتكاتف إلى مختلف المناطق.

وليس اعتباطاً أن النظام السوري عمد إلى ضرب وتدمير النسيج الاجتماعي الحاضن للثورة، بعد فشل محاولاته تنمية وتقوية مختلف الانتماءات ما قبل المدنية، من مناطقية وعشائرية وطائفية ومذهبية، التي فعلت فعلها على مدى عقود عدة من الزمن، وأنتجت وعياً أيديولوجياً زائفاً، بل ومقلوباً وعصابياً، وسلوكاً أقلّوياً لدى البعض، إلا أن جموعاً هامة من الناس لم تنكص إلى انتماءاتها الضيقة، بل تبنت انتماءات إنسانية واسعة، من دون القفز على - أو تجاوز - انتمائها الوطني، ولم ترتهن إلى نزعات جهوية أو فئوية أو أنانية وذاتوية. ولا يعدم ذلك وجود ارتكاس في بعض الحالات إلى مختلف الانتماءات ما قبل المدنية، بسبب غياب المواطنة، إلى جانب ممارسات وسياسات التمييز، والاضطهاد والقمع والتهميش، من طرف سلطة طاغية، عاملت الناس على أساس كونهم رعايا لها، وليسوا مواطنين في دولة.

وعمد النظام إلى منع المتظاهرين السلميين من الوصول والتجمع في الساحات والأماكن العامة، وواجههم بالقتل والاعتقال والتنكيل، وذلك استكمالاً للاحتلال الذي قام به العسكر الانقلابيون، الذين وطدوا دعائم النظام منذ أكثر أربعة عقود. وراحت قوى النظام وأجهزته ومافياته تحتل مؤسسات الدولة، لتجعل منها مجرد ملحق وتابع لها، وقامت بمصادرة مختلف الحريات الفردية والجماعية، واحتلت السلطة الفضاء العام، بعد أن صادرت السياسة، بمعناها المدني الواسع.

وجاءت الثورة السورية، كي تكشف طبيعة احتلال السلطة للدولة والمجتمع، إذ لم تتردد السلطة في إقحام قطعات الجيش للهجوم على مناطق المدنيين في مختلف مناطق وبلدات ومدن سورية، وأطلقت العنان لأجهزة الأمن وفرق الشبيحة لقتل الناشطين والتنكيل بأي شخص غير موال، فتزايدت المجازر والجرائم، وتزايدت أعداد القتلى والجرحى والمعطوبين والمعتقلين والمهجرين، وتزايد الدمار والخراب، وظهرت الانشقاقات في الجيش، ولجأ كثير من السوريين إلى التسلح، دفاعاً عن أنفسهم وأحيائهم وأماكن سكناهم، وبالتالي اكتسبت الثورة مركباً مسلحاً لمواجهة جيش النظام وأجهزة أمنه وشبيحته، وراحت تتعامل مع النظام بوصفه قوة احتلال، من حقها المشروع مقاومته.

ولعل من بين خصوصيات الثورة السورية، أن التطور الذي طرأ على مسارها، خصوصاً في عامها الثاني، تجسد في تحولها من ثورة تنشد الحرية، إلى ثورة تنشد التحرر والحرية معاً، الأمر الذي يستلزم النظر في علاقة الثورة بالتحرر، مع الأخذ في الاعتبار أن معنى الثورة الشعبية، يكمن في كونها فعلاً مقاوماً للظلم والقهر والقمع، أي فعل مناهض للاستبداد في مختلف صوره، ومناهض للاحتلال بمختلف أشكاله وتجسيداته.

ولا شك في اختلاف التحرر عن الحرية، مع أن التحرر هو شرط بلوغ الحرية، لكنه لا يقود إليها بشكل آلي، كما أن الرغبة في الحرية مختلفة عن الرغبة في التحرر، مع أن التداخل في الحالة السورية بات واضحاً بين التحرر والحرية، بل ويمتلك مؤشرات واقعية، خصوصاً بعد استباحة قوى النظام الأحياء والبلدات التي تقتحمها قوات الجيش والأمن، حيث الدمار والهدم ونهب البيوت السكنية والمحال التجارية وسوى ذلك، يجري علناً في وضح النهار، وبفعل مقصود وممنهج.

والناظر في اللغة التي يستخدمها الثوار السوريون، ومعظم الناس العاديين، أنهم باتوا يتحدثون لغة تحررية، حيث يجري الحديث عن المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر، بـ «المناطق المحررة»، والمناطق التي يسيطر النظام السيطرة عليها بـ «المناطق المغتصبة»، بل إن ضباطاً من الجيش العقائدي، راحوا يصرحون لبعض وسائل الإعلام بأنهم يعملون على الأرض كقوة احتلال، وليس كقوة أمنية، وأنهم يعرفون تماماً بأنهم باتوا قوة احتلال في نظر سكان المناطق السورية التي يجتاحونها. وعليه، فإن خصوصية الثورة السورية وتفردها، تكمن في أنها توجه نظاماً، يعتبر نفسه قوة احتلال، ويتصرف على هذا الأساس، وبالتالي من المشروع إن يقاوم السوري الاحتلال حتى يتحرر وينال حريته، في اقتران مشروع بين الحرية والتحرر.

-*-*-*-*-*-*-*

في سوريا نظام يريد تدمير الكيان

المستقبل

خير الله خير الله

3-12-2012

لا يمكن للوضع في الشرق الأوسط أن يستقيم من دون تغيير في سوريا. مثل هذا التغيير أكثر من ضروري في حال كان مطلوباً أن تكون في الشرق الأوسط دول طبيعية تتعاطى مع الواقع بديلاً من وهم الدور الإقليمي الذي لا وجود له. والكلام هنا عن دول يؤمن حكامها بأنّ عليهم بناء أنظمة ديموقراطية حقيقية بدل الجمهوريات التي تتحكّم بها الأجهزة الأمنية التي تديرها العائلة والتي لا همّ لها سوى الدفاع عن مصالح مجموعة معيّنة تمسك بكلّ مفاصل السلطة.

نجح النظام السوري عملياً في تخريب المنطقة كلّها، لا لشيء سوى لضمان بقاء حافظ الأسد في السلطة وكي يتمكن بشّار الأسد من وراثة والده حماية لمصالح العائلة وكلّ ما هو متفرّع عنها. خرّب النظام الذي أقامه حافظ الأسد سوريا التي عرفناها والتي كانت مؤهلة لأن تكون الدولة الصاعدة عربياً والمثال الذي يُحتذى به في الشرق الأوسط. هجّر النظام السوري أفضل السوريين من سوريا وخيرة اللبنانيين من لبنان. لم يترك مكاناً سوى للشبيحة المحيطين بالعائلة يجمعون بشراهة، ليس بعدها شراهة، ما تتركه لهم من فتات.

ما نراه اليوم من شبيحة يعتدون على السوريين في كلّ أنحاء البلد هو تتمة لما كان يحصل قبل اندلاع الثورة التي فاجأت، أوّل ما فاجأت أركان النظام الذين اعتقدوا أن الشعب السوري صار مدجّناً وأنه لن يستطيع الاعتراض يوماً على حكم العائلة. شبيحة اليوم الذين يعتدون على الناس هم النتاج الطبيعي لشبيحة الأمس في بلد تحكّم به نظام لا يؤمن سوى بإلغاء الآخر.

حاول النظام السوري في مرحلة معيّنة نقل تجربته الى دول أخرى في المنطقة. نجح في لبنان ونجح نسبياً في فلسطين وفشل في الأردن حيث تصدّى له الملك حسين، رحمه الله، ثم الملك عبدالله الثاني الذي سعى مراراً الى إفهام بشّار الأسد أن الطريق الذي يسلكه سيقود سوريا الى الخراب ولا شيء آخر غير الخراب. وقد وعد الأسد الابن مرّات عدة بأنّ يغيّر سلوكه، خصوصاً بعدما شرح له العاهل الأردني، بأسلوب ديبلوماسي طبعاً، المخاطر الناجمة عن تحوّله أداة إيرانية. كذلك قدّم له شرحاً عن الوضع الداخلي وخطورة نمو الحركات الدينية المتطرفة وابتعاد المجتمع السوري عن الوسطية. بدا أن بشّار يتفهّم أن الوضع السوري في غاية الدقة والسوء. لكنّ الذي حصل أن كلام الليل كان يمحوه النهار بعد كلّ لقاء بين الرجلين.

تبيّن أن هناك خطوطاً معيّنة ليس في استطاعة الرئيس السوري تجاوزها. على رأس هذه الخطوط الحمر العلاقة السورية- الإيرانية التي تغيّرت طبيعتها منذ ما قبل وفاة حافظ الأسد، خصوصاً مع بدء انتقال السلطة، كلّ السلطة، بشقيها السياسي والاقتصادي، الى أفراد العائلة.

لم يستطع الرئيس السوري استيعاب ما يدور فعلاً على أرض سوريا. لم يفهم يوماً أن ليس في الإمكان التباهي بوجود نظام علماني في سوريا في الوقت الذي تقف فيه سوريا مع حزب مذهبي تابع لإيران في لبنان، حزب لا همّ له سوى المتاجرة بلبنان واللبنانيين وتحويل بيروت ميناء إيرانياً على المتوسط والاستحواذ على قرار السلم والحرب في الوطن الصغير.

ما لم يستطع الرئيس السوري استيعابه يوماً أن السوريين ليسوا بالغباء الذي يعتقده وأنهم على علم تام بأنه يتاجر بفلسطين والفلسطينيين من أجل تغطية العلاقة المريبة مع النظام الإيراني، وهي علاقة ذات طابع مذهبي أوّلاً وأخيراً. لم يعد لدى السوريين، واللبنانيين طبعاً، أي شكّ في ذلك بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير 2005.

نعم، لا يمكن تغيّر الوضع في الشرق الأوسط نحو الأفضل من دون رحيل النظام السوري. إنه نظام فوّت على الفلسطينيين كل فرص التسوية المشرفة. إنه نظام يفتخر بأنه استطاع تفخيخ مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002 بعدما أصرّ على تعديل البند المتعلّق باللاجئين الفلسطينيين وحق العودة بطريقة تجعله غير ذي فائدة تذكر.

تكمن المشكلة الآن، بعد عشرين شهراً على اندلاع الثورة في سوريا، في أنّ النظام السوري يبدو مصرّاً على تدمير سوريا قبل أن يرحل عنها. تلك هي مأساة سوريا وتلك هي المفارقة التي يعيشها هذا البلد العربي المهمّ الذي باتت وحدته مهددة أكثر من ايّ وقت.

يبدو أن النظام السوري وضع لنفسه مهمّة معيّنة تتمثل في تدمير سوريا. ولذلك نراه مصرّاً على عدم الرحيل واختلاق الأعذار التي تسمح له بمتابعة عملية تفكيك الكيان السوري. إنه يدرك قبل غيره أن في سوريا أزمة نظام وكيان وأنّه لن يقبل برحيل النظام من دون تدمير الكيان. ما نشهده حالياً، للأسف الشديد هو تدمير للكيان في ظلّ إفلاس النظام. ولذلك، كان السيد الاخضر الابراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية على حق عندما أبدى مخاوفه من تحوّل سوريا الى صومال جديدة.

بات مصير النظام السوري محسوماً. لم يعد السؤال هل يبقى النظام السوري أو يرحل. السؤال هل في الإمكان إنقاذ سوريا من نظام مدعوم من روسيا وإيران لا همّ له سوى إكمال مهمة موكولة إليه تتمثّل في الانتهاء من سوريا؟

من الواضح أن الهدف من متابعة النظام حربه على الشعب السوري تأكيد نظرية أن رحيل النظام نهاية لسوريا. ذلك هو التحدي الأكبر الذي يواجه السوريين في المرحلة الراهنة. عليهم إثبات أن سوريا دولة قابلة للحياة وأن مستقبلها غير مرتبط بالنظام بأيّ شكل من الأشكال.

-*-*-*-*-*-*-*

حين يتباكى فوكوياما على الاسد

صبحي حديدي

2012-12-02

القدس العربي

في مناسبة صدور الترجمة الفرنسية لكتابه الجديد 'بداية التاريخ: منذ أصول الســـياسة وحتى يومنا'، قام الأمريكي الشهير فرنسيس فوكوياما بزيارة إلى باريس، حيث أدلى بمجموعة أقوال تخصّ 'الربيع العربي'؛ في ضوء عمله الجديد على نحو محدد، ثمّ اتكاءً على مجـــــموع أعمـــــاله السابقة، وخاصة كتابه الأوّل، والأشهر، 'نهاية التاريخ: '، 1992، بصفة عامة. وأغلب الظنّ أنّ الناشر الفرنسي (بالاتفاق مع المؤلف، لا ريب) شاء تبديل العنوان الإنكليزي الأصلي للكتاب (وكان قد صدر السنة الماضية، في الولايات المتحدة، بعنوان 'أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل التاريخ وحتى الثورة الفرنسية')، بآخر أكثر جاذبية للقارىء؛ ليس لأنه يوحي بتغطية الأزمنة المعاصرة، أيضاً، فحسب؛ بل لأنه يلعب على التناقض بين تبشيرَين: نهاية التاريخ، ثمّ بدايته، عند صاحبنا 'المفكّر السياسي' نفسه.

وفي فصول مسهبة تمتد على أكثر من 580 صفحة، يستعرض فوكوياما تطوّر السياسة في مختلف الأحقاب، والأمم، والثقافات؛ ولا يتردد، جرياً على عادته، في استسهال الخلاصات واستبصار المآلات واستهواء ما يلبّي مزاجه، وما يدغدغ منهجية لم تعد مكرورة ومعادة ومستهلَكة فقط؛ بل صارت مفرغَة من أيّ عناصر قابلة لاستثارة سجال حقيقي وحيوي. أمّا 'الأطروحة المركزية'، التي يتعمّد فوكوياما تحويلها إلى علامة فارقة لكلّ كتاب جديد يصدره، فإنها هذه: المكوّنات الثلاثة لأيّ نظام سياسي حديث هي دولة قوية ومكينة، وقانون حاكم تخضع له الدولة، ومواطنون قادرون على محاسبة الحكومة. وإذْ يقارن سبل تطوّر هذه المكوّنات في الصين والهند والعالم الإسلامي وأوروبا، وكيف اتخذت وجهة عنيفة تارة أو سلمية طوراً، ونأت عنها الأديان والعقائد أو شاركت في صياغتها، وكان الفشل مصير كلّ التجارب التي لم تنهض عليها منذ البدء؛ يطمح فوكوياما إلى رأب الصدع بين قطبَين أقصيَين: الصومال، حيث صراعات القبائل والزمر المسلحة والنظام الفاشل؛ والدانمرك، حيث أفضل نماذج الاشتراكية الديمقراطية، في طبعتها السكندنافية.

الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير، خلال حوار مع فوكوياما، طرح سؤالاً حول احتمال وجود تناقض بين 'الربيع العربي' وأطروحة 'نهاية التاريخ'، فأجاب الأخير على دفعتين، أو انطلق من قراءتَين إذا جاز التعبير. فهو، أوّلاَ، تكرّم بالقول إنّ 'الحدث إيجابي جداً'، إذْ 'لا يمكن نيل الديمقراطية دونما تعبئة اجتماعية'، وهذا يتطلب أن 'يشعر الناس بالسخط، وينتابهم الغضب من طريقة تعامل الحكومة المتسلطة معهم'؛ بل رأيناه يغمز من قناة رأي ظلّ سائداً في الغرب حتى كانون الثاني (يناير) 2011، مفاده أنّ الدين الإسلامي يحضّ المؤمنين على طاعة الحاكم، حتى إذا كان طاغية مستبداً. القراءة الثانية، الفوكويامية بامتياز كما يصحّ التذكير، تنتقل مباشرة إلى موقع ملتبس تماماً: 'ولكن إذا نظرنا إلى ما يجري في سورية، حيث نشهد حرباً أهلية منذ 18 شهراً، يصبح واضحاً أنّ ذلك الرأي قد انطوى'.

حسناً، فهل انطوى بمعنى 'إيجابي'، ضمن الروحية التي طبعت مزاج فوكوياما في توصيف 'الربيع العربي'، من جانب أوّل؛ وضمن المقارنة التي يعقدها مع الشعوب الأوروبية، 'التي لم تنل الديمقراطية إلا من خلال مقاومة سلطة الملك، ومواصلة الكفاح حتى تحقيق مطالبها'، من جانب ثانٍ؟ كلا، على نقيض ما قد يظن ساذج، لأنّ فوكوياما يتباكى على النظام السوري عملياً، حتى إذا لم يتجاسر على ذرف الدموع علانية: 'الدولة هي الجهة التي تحتكر العنف المشروع (...) لكنّ سورية سوف تواجه مشكلة كبيرة إذا سقط الأسد، لأنّ الدولة سوف تتفكك'... وبالتالي، سوف تنهار 'الركيزة' الأولى في أطروحته الجديدة عن المكوّنات الثلاث في بناء الديمقراطية!

تعساً للسوريين، إذاً، حسب مخطط فوكوياما، لأنهم لن يفلحوا أبداً في تحقيق مطالبهم المشروعة: لا ديمقراطية من دون دولة قوية ومكينة (يمثّلها نظام بشار الأسد، الذي يتولى 'العنف المشروع'، امتياز الدولة)، ولا سبيل إلى ديمقراطية حقة إلا بإسقاط هذا النظام؛ فما العمل، إزاء وضع كافكاوي عالق، مغلَق وممتنع؟

الأحرى القول إنه وضع فوكويامي، قبل أن يكون كافكاوياً، يحيلنا مجدداً إلى سلسلة الأطروحات السالفة التي ظلت تقود الرجل من تناقض إلى آخر: نهاية التاريخ، وانتصار الإنسان الليبرالي، وليد اقتصاد السوق، خاتم البشر الوحيد الممكن في أحقاب ما بعد سقوط جدار برلين؛ ثمّ عودة التاريخ، في البلقان والكويت والعراق وفلسطين وأفغانستان، فضلاً عن منعطف 11 أيلول، و'الحملة على الإرهاب'، وانتهاك الحقوق المدنية في عقر دار الديمقراطيات الغربية؛ ثمّ تراكم المآزق الكبرى التي أخذت تهزّ الدولة الرأسمالية المعاصرة، لأنّ 'التاريخ لا يمكن أن ينتهي ما دامت علوم الطبيعة المعاصرة لم تبلغ نهايتها بعد، ونحن على أعتاب اكتشافات علمية ذات جوهر كفيل بإلغاء الإنسانية في حدّ ذاتها،'، كما كتب فوكوياما... نفسه، الذي يقول اليوم إنّ التاريخ أكثر ابتداءً من أي عهد مضى في عمر الإنسانية!

لهذا، أجدر بالسوريين أن يقولـــــــوا: تعساً لـ'مفكر سياسي' يستخدم مصطلح الحرب الأهلية بخفة استخدام مصطلحات شتى، متلاطمة متضاربة، يأخذ بعضــها بتلابيب بعض، فلا تنتهي إلا خبط عشواء. فضيلتها الكبرى أنها، مع ذلك، تكشف سوأة 'منظّر' عن الديمقراطية، يتباكى على طاغية آيل إلى سقوط.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد.. أين المفر؟!

الرياض السعودية

التاريخ: 02 ديسمبر 2012

يبدو أن دمشق بدأت تدخل حصار الجيش الحر، وأن جيش النظام يعيش حالة التسيب والشتات، لأن الدولة بدأت تتداعى أمام إرادة لم تكن تضعها في احتمالاتها وتقويمها للوضع، طالما كان العناد وكبرياء القوة، والاعتماد على الداعم الخارجي على حساب القاعدة الوطنية، هي التي قادت سرعة التحولات لصالح الخصم ضد السلطة..

القتلى بعشرات الآلاف وقريب من تعدادهم من شردهم النظام أو سجنهم لكن إذا كانت دمشق آخر ملاذات السلطة، وأصبحت في مرمى الجيش الحر، ما هو التصرف الذي سيقود الأسد للنجاة، هل التنازل عن الحكم طريق وحيد، والقبول بكل شروط المعارضة، أم الحرب إلى آخر قطرة دم له؟ وفي حال اختار اللجوء أو الهروب، ما هي الوسيلة التي ستنقذه من قبضة المعارضة، طالما أصبحت لبنان شبه مغلقة، وليس بقدرة حزب الله تأمين حمايته واستضافته، كذلك الأمر بالنسبة للأردن، لا تستطيع المجازفة بقاتل مدمر لبلده أن يحل ضيفاً ثقيلاً عليها ثم تعارض تسليمه لمطارديه، لأنها ترتبط بعلاقات مع كيان بلد وليس مع شخص بدأت رحلة انهياره قريبة؟

منفذ العراق هيمن عليه معارضو النظام وقد يكون القنطرة التي توصل الأسد وحاشيته لإيران، وحتى في هذه الحال فإيران عاملته سابقاً كحليف يمرر أهدافها ورئيس دولة يهيمن على قرارها، لكن في حال لجوئه سيصبح عبئاً سياسياً واجتماعياً، لأن أوراقه احترقت بزوال نفوذه وقدرته على فرض القرار!

تركيا من جانبها في حال نزاع مع النظام وساهمت في تعزيز دور المعارضة سياسياً وعسكرياً، ودخوله لها يعني تسليمه لمن سيحكم سوريا لمحاكمته على جرائمه، وتبقى روسيا آخر حلقات الأمل في الهروب الآمن، لكن هل تجازف موسكو بتبعات سياسة لا تدري كيف ستكون نتائجها في إيواء رجل مطلوب لمحاكم جنائية وشرعية بتسليمه لمحاكمته على جرائمه، وفي هذه الحال هل تجني من جميع معارضاتها واتخاذها الفيتو لصالح السلطة وتسليمها فقط برأس الأسد واتباعها لتجد أنها مأوى لرجل مطارد قد يجعلها في موقف محرج عربياً ودولياً؟!

بن علي اختار الهروب لأنه قرأ المشهد التونسي، بأنه ثورة شعب سوف تحاصره وتقبض عليه فآثر اتخاذ قراره، وحسني مبارك أدرك ان سنه التي تجاوزت الثمانين تمنع اعدامه وربما كان يراوده ان المسألة وقت باستعادة سلطته ليبقى بوطنه، والأمر مختلف مع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي لا يزال يحظى بحماية عناصر من قوى داخلية، قبلت خروجه من السلطة ومعارضة نفيه خارج اليمن، التماثل بين وضع الأسد يبقى شبيهاً بواقع معمر القذافي الذي أصر على الدفاع عن سلطته بقوة مليشياته وسلاحها، لكن ما حدث من انشقاقات وتدخل دولي انهى وجوده في صورة مأساوية كوميدية سوداء قد يستنسخها الشعب السوري للأسد؟

الأسد ما زال يملك بعض القوة ولكن المعادلة بدأت تذهب إلى الجيش الحر وعملية قطع الاتصالات في الداخل السوري يطرح السؤال هل تريد السلطة اخفاء تحركاتها عن العيون الراصدة في تغيير الأماكن استعداداً للهروب، لكن لأي جهة؟ ذلك ما ستكشفه الأيام القريبة القادمة؟..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حذار من تحول سوريا إلى دولة فاشلة

رأي المدينة

الأحد 02/12/2012

ليس بوسع أحد التقليل من خطورة التطورات التي تشهدها سوريا الآن، حيث تتسارع وتيرة مشاهد القتل الجماعي والتدمير الشامل للمدن والمنشآت والمباني بشكل هستيري دونما أي اعتبار لمئات الأرواح التي تزهق وعشرات الملايين من الدولارات التي تهدر يوميًا بما يضع هذا البلد العربي الشقيق على حافة الانهيار، وهو ما دعا المبعوث الدولي -العربي الأخضر الإبراهيمي إلى وصف تلك التطورات الأخيرة بأنها توشك أن تجعل من سوريا دولة فاشلة بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وعواقب وخيمة ليس بالنسبة للشعب السوري فقط، وإنما أيضًا بالنسبة للمنطقة برمتها والسلام والأمن الدوليين. ذلك أن تحول سوريا إلى دولة فاشلة -لا سمح الله- يعني تفكك الدولة ومؤسساتها وشيوع الفوضى وظهور لوردات الحرب وقطاع الطرق ومروجي المخدرات ومهربي الأسلحة والقناصة وعصابات الخطف على الطريق. ومع الأسف فإن كثير من تلك الصور أصبح بالإمكان مشاهدتها الآن في مدن سوريا وريفها، خاصة في الآونة الأخيرة حيث يوجد جزء كبير من البلاد بلا اتصال بالعالم الخارجي، في حين أجبر القتال الشرس، أمس الأول، على إغلاق أكبر مطارات البلاد، وقطع الإنترنت عن أكثر من 90 % منها، وهو ما يعني في المحصلة أن النزاع وصل إلى مستويات جديدة ومروعة من القسوة والعنف على حد وصف السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس الأول في معرض مناقشة الأمم المتحدة للمسألة السورية. لا شك أن سقوط حوالى 40 ألف قتيل منذ بدء الأزمة السورية في مارس 2011 ونزوح قرابة نصف مليون لاجئ إلى البلدان العربية المجاورة يدق ناقوس الخطر لا سيما في ظل استمرار المجتمع الدولي لزومه الصمت والعزوف عن اتخاذ خطوات فعالة وحاسمة لوقف نزيف الدم السوري الذي يزداد يومًا بعد يوم.

توجه الولايات المتحدة نحو الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري وزيادة الدعم المادي لقوى المعارضة يعتبر خطوة جيدة، لكنها ليست بالطبع كافية لوقف نزيف الدم السوري ومعاناة شعبها، كما أن مؤتمر أصدقاء سوريا المزمع عقده بمراكش في وقت لاحق من هذا الشهر يعتبر خطوة جيدة أخرى، لكنه مطالب هذه المرة باتخاذ مواقف وقرارات أكثر فاعلية وحسمًا من المؤتمرات الثلاثة السابقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*

مالايفهمه التقليديون في سوريا

لم يعد ثمة مكانٌ اليوم لممارسات سياسية تتمحور حول المناورات و(الكولسات) والمحاصصات وتوزيعٍ الكراسي والمواقع دون إنتاجٍ وعطاء وخدمةٍ حقيقية للثورة

د. وائل مرزا

الأحد 02/12/2012

المدينة

يدرك الكثيرون أن النظام السوري تعامل مع الثورة السورية بعقلية الإنكار، وأنه لم يدرك طبيعة التغييرات التي حصلت في المجتمع السوري في السنوات الماضية، خاصةً فيما يتعلق بشريحة الشباب تحديداً، ومايمكن أن نسميه القوى الجديدة على وجه العموم.

من هذا المدخل، يمكن اعتبار النظام (تقليدياً) بالمعنى الشائع للكلمة.

لكن المفارقة أن هذا التوصيف ينطبق على آخرين في المجتمع السوري، قد تكون فيهم شرائح تنتمي إلى الثورة نفسها، خاصةً في صفوف المعارضين السياسيين. ففي حين يعيش البعض على وقع التاريخ، ويتحرك آخرون على وقع الأيديولوجيا، تتجاوز القوى الجديدة طرق التفكير والعمل التاريخية والأيديولوجية، وتفرض تدريجياً حضورها في كثيرٍ من مفاصل الواقع السوري بجميع تجلياته الثورية والسياسية والاقتصادية، بعد أن أشعلت الثورة ووصلت بها إلى ماهي عليه الآن.

لم يعد ثمة مكانٌ اليوم لممارسات سياسية تتمحور حول المناورات و(الكولسات) والمحاصصات وتوزيعٍ الكراسي والمواقع دون إنتاجٍ وعطاء وخدمةٍ حقيقية للثورة. وإذا كانت ظروف المرحلة الأولى من الثورة السورية قد سمحت بطغيان هذه الطريقة في التفكير والعمل السياسي، وسمحت لأصحابها بتصدّر المواقع، فقد بلغت القوى الجديدة مرحلةً من النضوج والإدراك والقوة لم يعد ممكناً معها السماح باستمرار المعادلة السابقة.

ولايمكن لسوريا الثورة أن تعيش إلى مالانهاية على عقلية الرموز التاريخية. فرغم تقدير الجميع لعطاء هذه الرموز وتضحياتها، سيكون من الظلم لها ولسوريا أن نحاصر حاضر البلد ومستقبلها في هذا المفرق. فالمواقع الجديدة تتطلب كثيراً من الديناميكية والحيوية والإبداع والحركة بلغة العصر وأدواته. والقوى الجديدة مؤهلةٌ بقوة لامتلاك تلك الآليات والتصدي للمواقع المطلوبة ثم ملئها بكل أهليةٍ واقتدار.

وسيكون معيباً في مسار الثورة أن تتقوقع بعض القوى السياسية في إطاراتها التنظيمية الأيديولوجية. يقول العرب أن لسان الحال أبلغ من لسان المقال. وحين تغرق بعض هذه القوى، وخاصةً حين تكون شبابية وثورية وترفع شعارات التقدمية، في ممارسات توحي بقدرٍ كبيرٍ من (البارانويا) تجاه المكونات الأخرى، وتجاه المكون الإسلامي بكل شفافيةٍ وصراحة. حين يحصل هذا، يُصبح من المثير للقلق وخيبة الأمل أن تقف هذه الشريحة الطلائعية في هذا الموقف الغريب.. لكي لانصفه بصفةٍ أخرى. خاصةً أن هذا الواقع يظلمها قبل أي شيءٍ آخر ويظلم أصحابها وشعاراتهم التقدمية..

وكما ذكرنا سابقاً:لكل دهرٍ دولةٌ ورجالُ. هذا مثلٌ عربيٌ معروف يُعبّر عن أحد قوانين الاجتماع البشري السائدة في كل زمانٍ ومكان. وإذا كان هناك زمنٌ سوريٌ يمكن أن ينطبق عليه هذا المثل فهو هذا الزمن الذي نعيشه.

لايمكن لشعبٍ أن يستمر في امتلاك القدرة على العطاء في هذا الزمن الصعب، بشكلٍ تتم فيه عملية التفاعل مع متغيرات العصر، وتجاوز مراحل الترهل والاهتراء، مالم تحصل فيه عملية تكامل الأجيال في جميع المجالات. فتتراكم الخبرات والتجارب،ويبني الجديد على القديم، ونسمح لعجلة التاريخ أن تسير. وبدون هذا، يُصبح الوقوف عند مرحلة معينة أو عند عطاء شريحة محددة، أياً كانت وأياً كانوا، المسمار الأول في نعش ذلك الشعب.

وفي هذا الإطار، فإن مسؤوليةً ثقيلةً تقع على كثيرٍ من الساسة السوريين التقليديين من جميع ألوان الطيف الفكري والثقافي، بحيث يكونون قادرين على الانسجام مع طروحاتهم ومبادئهم وشعاراتهم التقدمية، وعلى امتلاك القوة النفسية التي تُمكِّنهم من فتح المجال أمام كل عطاءٍ أصيلٍ في أي باب، بدل ذلك الإصرار على البقاء إلى أبد الآبدين في كل الواجهات والمشاريع والمؤسسات. وهذا يصدقُ كما ذكرنا على مؤسسات سوريا السياسية وأحزابها وجماعاتها ومجالسها وائتلافاتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وإذا كنا قد تحدثنا عن المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق المخضرمين، فإن المسؤولية الأكبرملقاةٌ على عاتق القوى الجديدة في سورية من ثوارٍ أو ساسة أو تكنوقراط أو سمِّهم ما شئت.. فهؤلاء لا يجب أن ينتظروا إحسان المحسنين.. وإنما يجب عليهم أن يمتلكوا عقلية التصميم ونفسية العزيمة، وأن يقتحموا جميع الأسوار ويدقوا جميع الأبواب التي تبدو موصدةً، بينما هي في كثيرٍ من الأحيان مهترئةٌ إلى حدٍ كبير، ولن تقف أمام سيل التجديد والإبداع الذي إن انساح فإنه سيقتحم جميع الحصون..

ومن ناحيةٍ ثانية، فإن على أمثال هؤلاء، إن أرادوا فعلاً ضمان عملية تكامل الأجيال، أن يبذلوا جهداً مقدراً لكي يمتلك عطاؤهم صفات التجديد والإبداع والإضافة بشكلٍ حقيقي وبعيداً عن الشعارات، وأن يتجنبوا التكرار والتقليد، لأن الاحتفاظ بالنسخ الأصلية في تلك الحالة سيكون أفضل من وجودهم على وجه التأكيد..

لقد جاء في بعض الأثر أن الإمام ابن عبد البر قال: «ليس من شيءٍ أضرَّ على العلم من قولهم: ما ترك الأول للآخِر، بل الصواب عندنا: كم ترك الأول للآخر».. وإذا كان هذا صحيحاً، وهو كذلك على وجه اليقين، فإن على هؤلاء أن ينطلقوا للإنجاز والعطاء، منطلقين من فهم متغيرات العالم وتوازناته، وامتلاك القدرة على الحديث بلغته ومفرداته، واستعمال أدواته.

وبالتالي، فإن أي مشروعيةٍ لوجود هؤلاء إنما يمكن أن تُستمدَّ من خلال الإنجاز، ومن خلال إثبات قيمة عطائهم وإبداعهم عملياً، وليس فقط من خلال الادعاء والشكوى. وهذا كله لا يتم إلا بتجنّب عمليات (الاستسهال) التي كثيراً ما يقع فيها البعض سواء كانوا مخضرمين أو شبابا، ولكن وقوع الشباب فيها هو أسرع طريق لإثبات عدم أحقيتهم في تحقيق عمليتي تكامل الأجيال وقيادة الواقع.

وأخيراً، فقد نُقل عن ابن مالك مقولته: «وإذا كانت العلوم منحاً إلهيةً ومواهب اختصاصيةً فغيرُ مستبعدٍ أن يُدَّخرَ لبعض المتأخرين ما أعسر على كثيرٍ من المتقدمين، نعوذ بالله من حَسدٍ يسدُّ باب الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف».. من هنا، يأمل المرء أن تكون لدى الكثيرين ممن يدّعون الغيرة على سورية وثورتها ومستقبلها القدرة على الارتفاع إلى هذا المستوى من التجرد النفسي، بل ومن الفهم الحضاري المتقدم.. لأن هذا في حدّ ذاته سيكون مصداقاً لوطنيتهم الحقيقية في نهاية المطاف.

وعندها فقط، قد يفهم (التقليديون) من جميع الشرائح ماكان يجب أن يفهموه منذ زمنٍ طويل.

-*-*-*-*-*-*-*-*

التوافق لإنقاذ أكثر ما يمكن من سورية

2012-12-02 12:00 AM

الوطن السعودية

مع اقتراب توصل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية - بحسب الأنباء الواردة من القاهرة - إلى اختيار رئيس وزراء لقيادة حكومة انتقالية بعد اجتماعات استمرت عدة أيام، يفترض أن يتم تسريع إنهاء الأزمة السورية بما يخفف معاناة الشعب ويكفل حقه في حياة كريمة في بلد آمن.

أما الأخبار الأخرى التي تصل من الواقع الداخلي السوري فتشير إلى استمرار النظام في رفضه لحتمية زواله، إذ بدأ يتخبط أكثر مع فقدان سيطرته على معظم أراضي البلاد بما فيها حقول النفط، ومع اقتراب أو وصول المعارضة المسلحة إلى معاقله في العاصمة، وتشير أخبار غيرها خلال الأيام الماضية إلى معارك في محيط مطار دمشق الدولي وأخرى بالقرب من القصر الجمهوري، مما يعني أن الخناق بدأ يضيق أكثر وأكثر، بحيث صارت قطع النظام العسكرية تتمركز في مواقع معزولة عن بعضها البعض. ولذلك فقد قطع النظام الإنترنت والاتصالات عن معظم أرجاء الدولة كما تقول المعارضة لعرقلة تواصل عناصرها مع بعضهم، وتعطيل اقترابهم من الجيش النظامي الموالي لـ"الأسد".

الواضح والمؤكد أيضا أن النظام السوري لم يفهم الدرس ويرفض أن يفهمه، ولذا نراه يتخبط أكثر وأكثر فيزيد من القتل والتخريب والتدمير ليجر البلد إلى الهاوية قبل رحيله، مما يعني أن على المعارضة والمجتمع الدولي الاتفاق والتوافق على العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سورية. وانطلاقا من هذه النقطة فإن تعيين رئيس وزراء وأعضاء لهذا المجلس قد يعجل في النهاية لأن الدول سوف تجد نفسها تتعامل مع مجموعة متفاهمة قادرة على إيصال أفكارها لرسم مستقبل الدولة التي تعيش اليوم تحت احتلال جيش كان واجبه حمايتها.

من الأفضل للحكومة الجديدة أن تتعامل مع مختلف الظروف بما يقود إلى خلاص الشعب من محنته، ولعل الابتعاد عن الانتقام وتصفية الحسابات وتنقية الأجواء بين الأطياف في الداخل يجب أن تكون عنوانا لمرحلة جديدة يبني فيها الجميع بمحبة مستقبل وطنهم بعد الخلاص من نظام قمعي جثم على صدورهم أكثر من أربعة عقود.

-*-*-*-*-*-*-*-*

الكمين السوري

2012-12-02

النهار

عندما جاء نبأ شبان طرابلس الذين قيل انهم سقطوا في كمين للجيش النظامي السوري في تل كلخ القريبة من حدود لبنان الشمالية داخل سوريا، عادت الى الاذهان أنباء اكدتها الأيام حول المقاتلين الشجعان الذين ارادوا مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان في ثمانينات القرن الماضي لكنهم سقطوا في كمائن الاحتلال قبل ان ينصبوا له كمائنهم. ويذكر مَن رافق تلك الحقبة ان الرسالة الواضحة التي ابلغتها دمشق الى قادة جبهة المقاومة الوطنية ان لا عمليات ضد اسرائيل من دون علمنا. ولتأكيد جدية الرسالة، كان سقوط المقاومين قبل ان يبلغوا غاياتهم ليسقط مع هؤلاء القادة تباعاً لتخلو بعدئذ الساحة لـ"حزب الله" الذي صار الوكيل الحصري للنضال ضد اسرائيل. ولم يتطلب ذلك الواقع كثيرا من الجهد لمعرفة ان الكمائن الاسرائيلية كانت من اعداد النظام السوري وبتسهيل من اعوانه اتباع نظام الملالي في ايران. ثم تواصلت الكمائن لتشمل ايضاً من هم خارج اليسار. فكان الضحايا ايضاً من تيارات قومية واسلامية. وليس صدفة أن مقاومين كباراً من انصار الامام موسى الصدر لاقوا حتفهم فيما كانوا يمتنعون عن قبول عروض رسل طهران ووسطائها بالقتال تحت رايتها. وحتى اليوم، وفي الرواية التي يفرضها "حزب الله" لا وجود لوقائع العملية الاولى التي افتتحت تاريخ العمليات الاستشهادية عبر الآليات المحشوة بالمتفجرات التي اجتاحت مواقع الاحتلال الاسرائيلي. وما لم يقله الحزب يرويه نيكولاس بلانفورد في كتابه "محاربو الله". وينقل عن بلال شرارة من حركة "فتح" آنذاك ان عماد مغنية سعى الى توفير

المتفجرات لأحمد قصير ابن الـ17 عاماً فلم يلق تجاوباً الا من خليل الوزير (ابو جهاد) قائد "فتح" البارز فكانت العملية الاولى من نوعها التي نفذها قصير بنفسه في 11 تشرين الثاني 1982.

انه الكتاب القديم الذي يحاول ابناء النظامين السوري والايراني العودة الى القراءة فيه. ويقول احد النواب من ذوي المعرفة بأحوال الحركات الاصولية لكاتب هذه السطور ان الدخول الى الاراضي السورية عبر الحدود الشمالية يحمل طابع نقل المساعدات الانسانية واهمها الادوية. وترافق كل حملة حراسة لتوفير الحماية لها. وما حصل مع الشبان في آخر مرة ان اختراقا لأعوان النظام السوري اوقعهم في كمينه.

انه النظام نفسه واعوانه الذين اوقعوا مقاومي اسرائيل في كمائنها يوقعون اليوم مقاومي الديكتاتور السوري في كمائنه. واثبتت التجارب ان لا فرق بين اسرائيل وهذا الديكتاتور. وما هو مطلوب اليوم، كان مطلوبا سابقاً اي حصرية الحركة بـ"حزب الله". حتى ان اللواء وسام الحسن الذي تجرأ على النظام السوري فكشف مخططه الاجرامي عبر المملوك – سماحة يطارد اليوم في ذكرى اربعين استشهاده برصاص اتباع هذا النظام على جبهة باب التبانة بعل محسن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إغاثة السوريين بين الحاجة والادعاءات

فايز سارة

الشرق الاوسط

2-12-2012

يبدو موضوع الإغاثة بين أهم المواضيع التي تحيط بالسوريين واحتمالات تطور أوضاعهم داخل سوريا وفي بلدان الجوار نظرا للزيادات المخيفة في أعداد السوريين المحتاجين لإغاثة نتيجة عمليات القمع الواسع والدموي التي يتعرضون لها وتؤدي إلى قتلهم وجرحهم واعتقالهم وتشريدهم، مترافقة مع عمليات تدمير، تأتي على بيوتهم وممتلكاتهم ومصادر عيشهم في وقت يمكن فيه القول إن الأزمة أدت إلى عطالة واسعة أصابت الاقتصاد السوري بفعالياته المختلفة، وكان لها أثر كبير في زيادة مستويات الفقر والحاجة لدى أعداد كبيرة من السوريين الذين استنفد قسم كبير منهم مدخراته.

ومن الصعب تقدير أعداد السوريين الذين باتوا بحاجة إلى إغاثة بسبب الأوضاع الميدانية، وخاصة لجهة تعذر إمكانية الوصول إلى كل المناطق، وتقدير الأوضاع فيها، وحصر أعداد ذوي الحاجة ونوعية حاجاتهم هناك. لكن المؤكد أن ملايين السوريين باتوا بحاجة إلى إغاثة ومساعدة، ويندرج في عداد هؤلاء النازحون في مختلف المناطق السورية، ويقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين نسمة، يضافون إلى اللاجئين إلى دول الجوار والأبعد منها، وقد تجاوزت أعداد المسجلين منهم نصف مليون شخص.

إن قسما كبيرا من هؤلاء بحاجة إلى سكن، وكلهم يحتاجون إلى غذاء ولباس وطبابة، كما يحتاج أولادهم إلى مدارس، الأمر الذي يعني أنهم بحاجة إلى مساعدات كبيرة وشاملة ومتنوعة. ومنذ بدء الأزمة حاولت القطاعات القادرة من السوريين في داخل البلاد ومن الجاليات في المغتربات تقديم مساعداتها لذوي الحاجة، لكنها عجزت عن الاستمرار في هذا العبء لأمرين؛ أولهما الزيادات الكبيرة والمتصاعدة في أعداد المحتاجين للإغاثة وضعف أو نضوب الإمكانات المتاحة، والثاني سياسة السلطات السورية في إيقاع العقوبات الشديدة وصولا إلى القتل حيال القائمين بعمليات الإغاثة الأهلية، ومنع القيام بها ومصادرة مواد الإغاثة في أغلب الأحيان، وكله تحت شعار «محاربة الإرهاب».

لقد سعت منظمات دولية وإقليمية وبعض الدول، ولا سيما دول الجوار السوري، لتأمين ما أمكن من مساعدات للاجئين فيها، لكن النتائج لم تكن مرضية غالبا بسبب ضعف الإمكانات المحلية، كما هو الوضع في الأردن، أو بسبب قلة المانحين الدوليين ومحدودية الواردات، كما هو الحال في كل البلدان المحيطة، الأمر الذي يفسر تردي أحوال السوريين في مخيمات اللجوء، رغم كل الإعلانات حول مساعدات مقدمة من دول أو منظمات، ورغم كل الزيارات التي قام بها مسؤولون في الدول والمنظمات إلى المخيمات محاولين تأكيد تضامنهم مع اللاجئين.

والحق، فإن حال المساعدات المقدمة للسوريين في الداخل، لا تقل بؤسا عن مثيلتها في الخارج، إذ هي ضعيفة وغير كافية، إضافة إلى وجود مشاكل جدية وحقيقية في واقعها ومسارها، والأساس في هذه المشاكل أنه من الصعب وصول المساعدات إلى كل المناطق السورية، حيث إن البعض منها تحت الحصار العسكري والأمني ولا يسمح بالدخول إليها أو الخروج منها، كما أن السلطات السورية ترفض قيام الجهات المانحة من منظمات أو دول بتقديم الإغاثة والمساعدة مباشرة، وتربط توزيع المساعدات بمرورها عبر مؤسسات سوريا، وهذا يضعف في كثير من الأحوال فرصة وصول المساعدات إلى أصحاب الحاجة الحقيقيين أو بعضهم على الأقل.

إن استمرار الأزمة في سوريا، ولا سيما في ظل تواصل تردي الأوضاع الأمنية - العسكرية وما تجلبه من قتل وتهجير للسوريين، ودمار للقدرات ومصادر العيش مع نضوب مدخرات الأسر السورية، سوف يزيد أعداد المحتاجين للمساعدة والإغاثة، سواء المقيمون منهم داخل البلاد أو الذين يغادرونها إلى مخيمات الجوار، وهذه الاحتمالات تتطلب تغييرات جوهرية في استراتيجية التعامل مع موضوع الإغاثة في سوريا عبر ثلاث نقاط أساسية؛ أولاها السعي الأكيد نحو وقف العمليات العسكرية والأمنية في كل أنحاء البلاد، ووضع صيغ جديدة في موضوع دخول وتوزيع المساعدات، والثانية تغيير نظرة الدول والمنظمات المانحة للعمليات الإغاثية بالانتقال من النظر إليها كحاجة محدودة إلى اعتبارها تتم في واقع كارثة إنسانية، وهي بالفعل كذلك، والثالثة البحث عن موارد جديدة من خلال حض المجتمع الدولي بمنظماته وهيئاته ودوله على تقديم مساعدات عاجلة للسوريين في محنتهم، وهم الذين أثبتوا دائما أنهم متفاعلون مع المجتمع الدولي وحاضرون في مساعدة دول وشعوب احتاجت للمساعدة على مدى عقود مضت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شبيحة

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

2-12-2012

السيدان: وزير الداخلية ووزير المصالحة الوطنية في سوريا

تحية وبعد

قبل قرابة شهر، كتب شخص اسمه «عيسى مسوح» رسالة على «فيس بوك» يطالب فيها أحد أشقائي بالتنصل مني وبإدانة ما أقول وأفعل، وإلا تم إحراق عيادته في اللاذقية والاعتداء عليه وعلى أخوتي وبناتهم وأبنائهم وأحفادهم.

وبالأمس، نشرت مجموعة من حملة الأسماء المسيحية رسالة أخرى على «فيس بوك» يعلنون فيها بالحرف الواحد أنهم «قرروا قتلي وأن دم إخوتي وأبنائهم صار حلالا لهم». هذه المرة جاء التهديد جماعيا وبالأسماء الصريحة.

هذان التهديدان بالقتل، اللذان يطاولان أشخاصا لا صلة لهم بما أقوله وافعله، وليسوا مسؤولين عنه، كان يجب أن يثيرا اهتمامكما، بغض النظر عن موقفكما السياسي أو الشخصي مني، وأن يستدعيا تدخل أجهزتكما ضد من يدعون علانية إلى قتل مواطن سوري هو أنا، لمجرد أن آراءه ومواقفه لا تعجبهم أو لا تتفق مع آرائهم ومواقفهم، علما بأن القانون يلزمكما بالتدخل، لأنه لا يجوز لأي سوري تطبيق القانون بعيدا عن القضاء، ولأن رجال الشرطة وحدهم مكلفون بتنفيذ ما يصدر عن المحاكم من أحكام. ولعلمكما، أنا لست محكوما وهم ليسوا قضاة أو رجال شرطة، ومن غير الجائز أن يحميهم موقفهم الموالي للنظام، ولا بد من إلقاء القبض عليهم وسوقهم إلى العدالة بتهمة الشروع في القتل، خاصة أن الدولة تقول دوما: إنها تحمي المواطنين من العصابات المسلحة، وهؤلاء عصابة تدعو علانية إلى القتل، يتجول بعض أفرادها في شوارع اللاذقية ودمشق والسلاح في أيديهم، وأنا مواطن أعزل يحتاج إلى حماية، حتى إن كنت لا أعيش اليوم في سوريا، ما دام المبدأ السيادي يقول بنزع العنف من أفراد المجتمع وحصره في أجهزة الدولة، التي لها وحدها أن تحمي المواطنين وأن تقصر عقابهم على القضاء، الذي يصدر أحكامه ضدهم، وعلى الشرطة التي تنفذها.

السيدان الوزيران

أنا متهم بدعم الإرهاب، لكنني لست مدانا بعد. وفي نص القانون: كل مواطن بريء إلى أن تثبت إدانته. أنا ما زلت إذن بريئا لم تثبت إدانته، فلا يحق لأي كان الدعوة إلى قتلي ناهيك عن قتل إخوتي وأولادهم وأحفادهم، فكيف إن أتت الدعوة علنية ومنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي الشهيرة كـ«فيس بوك»، التي يقرؤها جميع الناس، صالحين وطالحين؟! ماذا سيحل بالحياة العامة، خاصة في مقبلات الأيام، إذا كان كل من هب ودب سيأخذ القانون بيده وسيطبقه على هواه، وكانت أجهزة الدولة ستتفرج عليه دون أن تفعل شيئا ضده؟ بالمناسبة، لا أريد لفت نظركما إلى أن القانون السوري لا يعتبر آراء المواطن جرمية، وأنه يقصر هذه الصفة على أفعاله، وأن دعاة قتلي وأهلي يأخذون عليّ آرائي التي يعتبرونها مهددة للمسيحيين، الذين ينصبون أنفسهم حماة لهم، مع ما في هذا السلوك من تعدٍ على حقهم في التعبير السلمي المباشر عن أنفسهم، وعلى الرغم من أن أحدا منهم لم يفوض دعاة القتل هؤلاء بالحديث نيابة عنه، ولم يطلب إليهم تحويل اختلاف في الرأي، في حال وجد حقا، إلى أفعال جرمية تودي بحياة أبرياء لا شأن لهم بما يقوله، هم إخوته وأبناؤهم وأحفادهم.

السيدان الوزيران

إنني أطالبكما باستخدام القانون ضد هذه العصابات وبإصدار أمر إلى الشرطة بإلقاء القبض على أفرادها وتحويلهم إلى القضاء، لينالوا الجزاء على ما يريدون ارتكابه من جرائم ضد مواطنين آمنين يعيشون في كنف القانون ويخضعون له ولا يقومون بأي فعل مناف له أو معاكس لمآربه، هم إخوتي وأولادهم، الذين قد لا يشاطرونني آرائي ومواقفي، وأكرر أنهم ليسوا مسؤولين عما أقول وأفعل، أو منخرطين في تنظيمات وأحزاب تتبع لي أو تخصني، ويمنع الدستور والقانون تعريضهم لعقوبات جماعية، فكيف إن عوقبوا بسبب أفعال لم يقوموا بها، أو انتقاما من قريب لهم، خاصة إن كان مثلي لا يحسب لهم أي حساب، عندما يتخذ موقفا أو يكتب مقالة أو يدلي بتصريح أو يقوم بأي نشاط.

نشر الشبيحة أسماءهم الصريحة على «فيس بوك»، لاحقوهم واقبضوا عليهم، كي لا يقتلوا أبرياء ويحرقوا بيوتهم، كما يقول تهديدهم المعلن. أما أنا، فإنني لن أغير نهجي ومواقفي، لأن من حقي دستوريا وقانونيا تكوين آرائي والتعبير عنها بالطريقة التي أحددها بملء حريتي، على أن أرضخ لأي حكم قضائي يصدر ضدي، في حال التزم القضاة بالقانون واحترموا حقي في الدفاع عن نفسي. أما أن أغير مواقفي لأن شبيحا اسمه عيسى مسوح وآخر اسمه سامر جبور يهددان بقتلي، فهذا لن يحصل، والأعمار أولا وأخيرا بيد الله، وأنا لست خيرا من أي مواطن سوري استشهد وهو يدافع عن حقه في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة!

أخيرا، أضع هذه القضية تحت أنظاركما وأرى أنكما ستكونان مسؤولين عن أي أذى يلحق بأي فرد من أسرتي الكبيرة في سوريا، بعد أن تقدمت إليكما بشكواي هذه، التي آمل أن تلقى منكما الاهتمام الذي تستحقه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : أحمل فانوسي وأبحث عن منشق .. لم يكن مستخدمي الأسد رجال خبر .. وإنما كانوا مستخدمي ولاء  لسلطة .. زهير سالم*

لم أر ولم أسمع – فيما رأيت وسمعت - منشقا واحدا عن عصابة بشار الأسد . لم أر منشقا واحدا يخرج على السوريين من بحرة الدنس الأسدية ،  ويقول ربي إني ظلمت نفسي . بل أراهم وأسمعهم جميعا يخرجون من هذه البحرة في صورة الفارس المخلّص بثيابه البيض على أحصنتهم البيضاء  يدّعون ويزعمون .

 

وكثيرا ما أتطلع إلى بعض هؤلاء ، الذين أُطلق عليهم تجاوزا لقب المنشقين ، فأراهم ما زالوا يدورون حول ذواتهم في إطار  التزامهم بشخوصهم و بماضيهم وتاريخهم الذي يرفضون أن ينخلعوا منه . وما زالوا يسوغون تاريخا من الفساد والاستبداد ضرب الحياة السورية على مدى نصف قرن ، وكانوا هم أنفسهم من الشركاء فيه والصانعين له . يحاول كل واحد منهم  أن يصور نفسه  في صورة ( مؤمن آل فرعون) الذي كتم إيمانه ليكون في لحظة الحقيقة المدافع عن الحق وعن القيم والفضيلة وعن مصالح الوطن والمواطنين . مع أننا لم نسمع  على مدى نصف قرن صوتا ينادي على الظالمين : أتقتلون شعبا أن يقول ربي الله...!!

 

 حتى أسرهم الصغيرة كانت إذا احتاجتهم في رفع مظلمة عن حر شريف من أبنائها مناوئ لسياسة هذا الفاسد المستبد ، لم تسمع من كلهم إلا جوابا واحدا متفقا عليه بين صغارهم وكبارهم . جواب طالما رددته على مسامعنا الأمهات والعمات والخالات ( لا أحد يتكلم معي في هذا الموضوع ) ( يا عمتي ابنك يستحق وأكثر ..) . لقد كانوا دائما الحراس لمصالحهم الفردية و المدافعين عنها والدائرين حول ذواتهم ، والعاملين على أمجادهم الشخصية وأمجاد الزوجات والأبناء  بطريقة ( وصولية ) تبعث على الازدراء ، وليس في ميدان تنافس وطني حر شريف .

 

من حق الوطن وأبنائه اليوم  أن يطالبوا بكشف (حساب دقيق ) لهؤلاء الذين ( لو لم يكونوا ...ما صاروا ) . من حق الوطن والمواطن أن يعرف عن كل واحد منهم كيف وصل إلى ما وصل إليه . وأن يعيد فحص درجات السلم درجة درجة . بدأ من شهادته الثانوية وتنافسيته الجامعية . وكيف حصل كل واحد من هؤلاء على فرصته الفردية الخاصة ، التي يجب أن تكون وطنية شريفة وشرعية .

 

 نعم لنعد لسجلات هؤلاء لنرى كيف حصل كل واحد منهم على فرصة مسروقة من جهد وجد وكد مواطن بسيط وشريف لم يكن يملك غير نور عينيه يطفئهما على صفحات الكتب سلما . اليوم وحين يتحدث البعض عن تأهيل نذكرهم بحديث المصطفى صلى الله عليه ( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ) . ونبات الجسد ليس بالطعام والشراب بل يمتد إلى الفرصة بالتعليم وإلى الوثبة على حقوق الآخرين .

 

 أعتقد أن باب التوبة الوطنية يجب أن يظل مفتوحا كباب التوبة الشرعية . بل أعتقد انه لا احد يملك أن يغلق هذا الباب أصلا . فصدر الوطن صدر أب رحيم ، وحضن الوطن حضن أم رؤوم . ويمكن لكل عاق آبق أن يعود إليهما متى شاء شريطة أن ينخلع عن العقوق ، و أن يندم على ما فرط في جنب وطنه ومواطنيه . المنتظر من هؤلاء حتى يستحق كل واحد منهم لقب( منشق ) عن عصابة الفساد والاستبداد أن يخرج على الناس ويقول إنني كنت شريكا في ظلمكم واضطهادكم والاستئثار عليكم . المنتظر من كل واحد منهم أن يبادر برد المظالم إلى أصحابها ، والمظالم ليست مادية  فقط بل هي أشكال من الظلم المادي والمعنوي شارك هؤلاء الآثمون في ممارسته على أبناء وطنهم فرادى ومجتمعين .

 

 كان العربي عندما يقرر الدخول في الإسلام يخلع عنه عبء جاهليته بكل نتنها وخيلائها كما يخلع الرجل أسماله البالية . وكان يلقي عنه عبء ماضيه ، ويتخلص من كل عناوينه وتفاصيله و كبائر إثمه وصغائرها كما يتخلص البائس المتشرد من جيش من القمل غزا يوما رأسه وجسده . هذا المنشق هو الذي بحثت عنه فلم أجده رغم أنني حملت فانوسي حتى في رائعة النهار . أي منشق من هؤلاء سمعناه يقف أمام مرآته بهذه الجرأة و يصارح ربه أولا ثم نفسه ثانيا ثم شعبه ثالثا ويقول بأنني كنت ظالما خطاءً  ولقد قررت اليوم ان انخلع من الظلم والخطيئة .

 

يتحدث اليوم البعض  وهو - يسر حسوا في ارتغاء – أن هؤلاء المنشقين يمتلكون خبرة يمكن أن يضعوها في خدمة الثورة والثوار!!! ..  وفي الجواب على هذا الكلام  نقول : أي شهادة حسن سلوك تمنح لبشار ولأبيه  بأنهما كانا يوظفان لخدمة السوريين أصحاب الطاقات والخبرات !!!!!!!

 

صغير السوريين وكبيرهم عالم السوريين وجاهلهم  يعلمون أن هذين – حافظ وبشار -  كانا ينتقيان مستخدميهم على أساس الولاء لا على أساس الكفاءة الخبرة هذه واحدة . والثانية أن هؤلاء المتصدرين وراء مكاتب الوزارات والإدارات لم يكونوا يمارسون من  إدارة الأمر شيئا غير المظهر البرتوكولي بما يغدق عليهم صاحب السلطة والقرار الحقيقيين . وثالثا وإذا كان هناك من يعتقد أن هؤلاء قد اكتسبوا من الدوران حول الظالم المستبد شيئا من الخبرة  فأين هي مخرجات خبرتهم في حياة السوريين العامة خلال نصف قرن ؟!

 

أين هي مخرجات الرغبة في الإصلاح وأين هي محاولات البناء على صعيد حياتنا السياسة والاجتماعية والاقتصادية الصناعية منها والزراعية والتجارية ؟! ومن الذي يريد أن يشهد لهذا النظام من خلال هؤلاء الرجال بحرصه على زرع سنبلة خيّرة واحدة على الأرض السورية ؟! لقد كان هؤلاء جزءا من نظام الأرض اليباب التي ضُربت على الحياة العامة في سوريا .

 

يقول البعض وهم يتحدثون عن حكومة (مؤقتة ) أو حكومة (انتقالية  ) . يقولون نحن لا نريد في هذه المرحلة حكومة حزبية ، ولا نريد حكومة مؤدلجة ، ولا نريد حكومة ذات بعد سياسي وهم  بهذه العناوين البراقة يضعون الفيتو على كل المناضلين الشرفاء والمجاهدين الأصلاء . هم لا يريدون رجلا من حزب العمل الشيوعي الذي كان من المجموعات التي عانت وضحت ، و لا يريدون رجلا من القوميين الشرفاء الأصلاء الذين ظلت رؤوسهم مرفوعة ، و لا يريدون رجلا من الإخوان المسلمين الذين سحقت رفات عشرين ألف شهيد منهم حتى لا تكتشف مقابرهم الجماعية ؛ يقولون لا نريد رجلا من هؤلاء ونجيب وبقولكم نقول ولن نقترح في هذه المرحلة بعضا من هؤلاء ... ولكن أليس المرشحون القادمون من الحزب (القائد للدولة والمجتمع ) هم أيضا قادمين من حزب سياسي ، وحزب فاشي مستبد وظالم ؟! أليس هؤلاء القادمون من هذا الحزب سينطبق عليه بنفس المعيار ما ينطبق على من  ذكرنا من قبل ؟ ولماذا يكون القادمون من حزب البعث ممثلين للخبرة ومنتسبين للتكنوقراط  ويكون كل أولئك ممثلين للموقف الحزبي والإيديولوجي الضيق ؟!

 

نعتقد أن العودة بالثورة إلى أحضان البعث والبعثيين هؤلاء هو اعتراف ضمني وصريح بنظرية البعث القائمة على المادة الثامنة من الدستور المنسوخ ، بأن يظل البعث بشخصيته الاعتبارية أو بأفراده المتساقطين من خبث كيره  هم المسيطرين والحاكمين تحت عنوان إلى الأبد في مواجهة التداولية التي اعتبرت مطلبا أساسيا للثورة والثوار .

 

 إنه حين ستخطو المعارضة في هذا الاتجاه ستكون قد شهدت على نفسها بالعقم ، وعلى المجتمع السوري الذي تريد أن تمثله بالجدب . وهي بهذه الخطوة ستعترف أن المجتمع السوري غير مؤهل لقيادة نفسه . وهذا اعتراف ذريع بالفشل ، وهو في الوقت نفسه مراهنة لا تليق على دماء الشهداء وما قدموا من تضحيات.

 

نعتقد أن السير في طريق هذه الخطيئة مهما يكن حجم المسوغات والمبررات التي تقدم بين يديها ومهما يكن حجم المعاذير التي ستطرح من خلفها ، ومهما يكن شأن الدافعين إليها ستدق إسفينا غليظا ليس في بنيان المعارضة السورية فحسب ، بل في بنيان الثورة السورية والشعب السوري والغد السوري . إن دماء الشهداء وعذابات المعذبين على مدى نصف قرن لن تسامح ولن تتنازل أبدا بل سترد على القادمين الجدد من مستبدين وفاسدين ومفرطين : وهذه أيضا من البلاء ودرسنا أن نستأنف المعركة من جديد ..

 

لندن 22محرم 1434

6/12/2012

---------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كرد سوريا والنازحون و "الجيش الحر" منطقة منكوبة نفسياً

الحسكة ـ عارف حمزة

المستقبل

12-2-2012

"الحياة مملة من دون إشاعات". جملة ذهبية نطق بها هيروسترات. الجملة التي كانت، وما زالت، أحد الأسلحة الكبيرة التي استخدمتها الجيوش، كبيرة كانت أم صغيرة، في زرع الرعب، وربّما الهزيمة المسبقة من دون قتال، في نفوس الجيوش التي قابلتها، ناهيكم عن أدوارها، وحيواتها الأخرى، في تدمير وإعمار الشخصيّات والعلاقات والمصائر ... الخ، مثلما استخدمها الشاعر كافافي قسطنطين في قصيدته الشهيرة "في انتظار البرابرة".

في الثورة السوريّة كانت تتتالى المدن المنكوبة في نكبتها، البشريّة والعمرانيّة والتاريخيّة... بسبب الوحشيّة التي قوبلت بها التظاهرات السلميّة المطالبة بالحريّة من القهر والاستبداد، ومن ثمّ المظاهر المسلحة التي خرجت، بداية، لحماية المتظاهرين السلميّين في مطالباتهم السلميّة، ثمّ تحوّلت، بتعنّت وتدبير من العقليّة الوحشيّة للطرف القويّ، إلى مواجهة مسلحة بين الطرفين المسلحين. فصارت تلك المدن، التي كانت حاضنة لعناصر الجيش السوريّ الحرّ، مدناً منكوبة من كلّ النواحي، جاعلة سكّانها، الذين نجوا من القتل والاعتقال، نازحين في المدن والأرياف القريبة والمحاذية والمنتظرة لنكبتها القادمة عاجلاً أم آجلاً. وهذا بالضبط ما كان حال مدن كبيرة مثل درعا وحمص وإدلب ودير الزور وحلب وجزءاً من حماه المنكوبة في الثمانينات من القرن الماضي، ومدن صغيرة مثل جميع مناطق ريف العاصمة وريف حلب وريف دير الزور ... ولم يبق على الأرض سوى مدن طرطوس واللاذقية على الساحل، التي تحوّلت إلى مناطق مغلقة نوعاً ما، تودّع جنودها المقاتلين، وتستقبل جنودها الشهداء، والسويداء، في أقصى الجنوب الغربي، التي صارت ملاذاً كبيراً للنازحين من ريف دمشق وحلب بالخصوص، ومدينة القنيطرة التي ظلت تعيش في الكتب المدرسيّة وزيارات الزعماء والشخصيّات المختلفة، كدليل على وحشيّة العدوّ الإسرائيلي خلال حرب السادس من تشرين الأول من عام 1973، والرقة والحسكة اللتين تحوّلتا إلى منطقتي نزوح كبيرتين لسكان حلب وحمص ودير الزور، على التوالي، مع وجود أعداد قليلة لعائلات من المناطق الأخرى نزحت بسبب علاقات القربى أو التزاوج.

في يوم 7/8/2011 كان النزوح الأول لعائلات من دير الزور إلى مدينة الحسكة، التي تبعد عنها /125/ كيلومتراً، إلا أنّهم عادوا بعد أسبوع إلى مدينتهم، التي كانت ملجأ للنازحين من مدينة حمص، عندما تمّ اجتياحها من الجيش النظاميّ في شباط من عام 2012. ليأتي النزوح الكبير بتاريخ 22/6/2012 لأكثر من ثلاثمائة ألف نازح من الديريّين والعائلات الحمصيّة التي كانت نزحت إليها، والمستمرّ لحد الآن.

كان هناك اتفاق غير مكتوب على أن تبقى محافظة الحسكة، والرقة والسويداء، بعيدة عن دخول الجيش السوريّ الحرّ إليها، وبالتالي عدم إيجاد ذرائع لدخول الجيش النظامي إليها وتدمير كامل المحافظة، في طريقه للقضاء على "المجموعات الإرهابيّة المسلحة" التي دأبت الحكومة على وصف الجيش الحرّ بذلك.

لكن مدينة الحسكة، التي استقبلت الدفقة الأولى الكبيرة من النازحين، ما يقارب خمسة آلاف عائلة، عاشت أياماً عصيبة رغم مشاعر الأخوّة، التي ترسّخت بين سكان المنطقة والنازحين القادمين من دير الزور، التي طمرت أياماً سوداء انطلقت شرارتها من ملعب القامشلي، شمال الحسكة، أثناء المباراة والتي جمعت فريقي الجهاد والفتوة في يوم الجمعة 12/3/2004. الأيام العصيبة هذه ابتدأت إثر ازدياد أعمال السلب والنهب والمشاجرات، ثمّ تطوّر الأمر إلى خطف أسماء معروفة، بملاءتها الماليّة وقربها من النظام، وطلب فدية مالية من أهاليهم تراوحت بين المائتي ألف ليرة سوريّة والخمسة ملايين. ورغم كثرة عمليّات الخطف، التي زادت عن ثلاثين حالة، لم يتحدّث المخطوفون عن الجهة التي قامت بخطفهم، ولا عن ملامحهم ولهجاتهم، ولا عن تصوّراتهم للأماكن التي تمّ خطفهم إليها، الى درجة أنّ أيّ واحد من المخطوفون لم ينظم ضبطاً لدى الشرطة، أو يتقدّم بشكوى لدى المحاكم، حتى أنّ أهاليهم لم يحاولوا التنسيق مع الأمن لاسترداد مخطوفيهم!!... وكانت الإشاعات تثار بأنّ النازحين هم مَن يقوم بذلك، ولكنها سرعان ما تبدّدت مع التأكد بأنّ الخاطفين متعاملون مع جهات نافذة تختار أسماء بعينها، من العنصر المسيحيّ على الأغلب، لبثّ الرعب لدى السكان ودفعهم للتصادم مع النازحين، أو طردهم من المدينة نفسها، أو لدفع العنصر المسيحي للهجرة بكثافة من المدينة، وهو ما حدث للأسف.

في بداية عام 2012 تفاجأ الناس في محافظة الحسكة بانتشار كبير لمقاتلي حزب (P.Y.D)، التابعين لحزب العمال الكردستاني، وظهورهم بشكل علني مع أسلحتهم وأعلامهم في جميع المناطق ذات الأغلبيّة الكرديّة، رغم أن هذا الحزب، مع الحزب المشكل من أعضائه، حورب بشتى الوسائل، من قتل وتهجير ومحاكمات أمام محكمة أمن الدولة العليا، التي تمّ إلغاؤها، منذ اتفاقيّة أضنة التي تمّ بموجبها تسليم زعيم حزب العمال الكردستانيّ السيّد عبد الله أوجلان بتاريخ 14/2/1999، للحكومة التركية بتعاون مع المخابرات السوريّة، كما صرّح بذلك قياديو الحزب أنفسهم.

وسرَت الإشاعات بأنّ سيطرة مقاتلي حزب (P.Y.D)، وانتشارهم العلنيّ الكثيف، في مناطق لا يملكون فيها الأغلبيّة من المناصرين، وسيطرتهم على كثير من المخافر والمراكز الأمنيّة شمال شرقيّ البلاد، قد تمّ باتفاق مع النظام، للوقوف في وجه الثوار في تلك المناطق من جهة، ومنع دخول الجيش السوريّ الحرّ إلى تلك المناطق، ومقاتلته بدلاً عن النظام إن دخل، وبالتالي نشر سيناريو مخيف عن حرب أهليّة كرديّة عربيّة هناك، وإيجاد ذريعة لاجتياح المنطقة من الجيش النظامي، من جهة أخرى.

ورغم أنّ عناصر هذا الحزب قد ساهموا في منع وجود أزمات اقتصاديّة، من احتكار أو إخفاء مواد أساسيّة من السوق، كالخبز والحليب والغاز والبنزين.. أو رفع أسعارها، كما منعوا نشوب توترات عشائريّة أو أمنيّة، إلا أنّ الإشاعة التي سرَتْ، في "عمالتهم" للنظام الحاكم، جعل هذا الوصف ملتصقاً بهم، مهما حاولوا تبديده من أذهان الناس، وصنعَ حواجز بينهم وبين مناصري الأحزاب الكرديّة الأخرى من جهة، وبينهم وبين المكوّنات البشريّة الأخرى في هذه المنطقة الحسّاسة من جهة أخرى.

عند دخول الجيش السوريّ الحرّ إلى مدينة رأس العين، التي تبعد عن مدينة الحسكة ما يقارب مئة كيلومتر، في 8/11/2012، وهو ما حدث لأول مرة منذ اندلاع الثورة في 15/3/2011، تمّ الترويج لإشاعات تتحدّث عن قتال لا بدّ منه بين عناصر الجيش الحر ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، وهذا ما لم يحدث طوال أكثر من عشرة أيام، وأحسّ الناس بالطمأنينة من عدم اندلاع حرب عرقيّة بين الأكراد، الذين يشكلون النسبة العالية من التواجد في تلك المناطق ونادوا بسلميّة الثورة حتى النهاية، والعرب الذين هم عماد الجيش السوريّ الحرّ وأعلنوا المواجهة العسكريّة مع النظام. إلا أنّ الإشاعة تحققت وتمّ القتال بين الطرفين بتاريخ 19/11/2012، وقتل في يومين ثلاثة من عناصر حزب /P.Y.D/، وعشرة جرحى، ومقتل 35 من عناصر الجيش الحر وسقوط 17 جريحاً، ثمّ توقفت المواجهات ليومين، واندلعت من جديد ليلة 22/11/2012 ليُقتل عنصر من حزب (P.Y.D)، وخمسة عشر عنصراً من الجيش السوريّ الحرّ. والسكان هنا، من المقيمين والنازحين، مرتعبون من إشاعة امتداد القتال العرقيّ الى باقي المناطق ذات الأغلبيّة الكرديّة، أو دخول الجيش النظامي بحجّة حماية الأقليّات.

لم يتأخر النظام في تحقيق الإشاعة التي ارتبطت بالإشاعة السابقة، وهي بأنه بمجرّد اندلاع المواجهات بين عناصر حزب (P.Y.D) ومقاتلي الجيش السوريّ الحرّ سيدخل الجيش النظاميّ إلى محافظة الحسكة، للحفاظ على السلم الأهلي، ومنع الجيش الحرّ كونه "عصابة إجراميّة" من ترويع الأهالي، وسيُصدر قبل ذلك بياناً بأنّ أهالي مدينة الحسكة يطلبون تدخل الجيش النظامي لحمايتهم من الجيش السوريّ الحرّ، وهي الديباجة التي يستلمها الناس من التلفزيون الرسميّ قبل تدمير مدنهم على من فيها، إلا أن الجيش النظامي أصبح متواجداً في مداخل مدينة الحسكة بالفعل في ليلة 21/11/2102 عندما تمّ قطع التيار الكهربائيّ لمدة 12 ساعة عن كامل المدينة، ليتفاجأ الناس، نهار اليوم الثاني، بوجود سواتر ترابيّة عالية، من التربة الحمراء الغريبة عن تربة المدينة، وتخفي خلفها دبابات ومرابض مدفعيّة وخنادق فرديّة وجماعيّة، كرسم مرتجل لجبهة أزليّة بين دولتين متصارعتين، في مدخلي مدينة الحسكة الجنوبيّ والشرقيّ. وتواجد الكثير من الضباط والعسكريّين في مبنى الجمارك الحديث وفي الحديقة الكبيرة الملاصقة لمتحف الحسكة ومديريّة الثقافة، لينضمّوا إلى الكتيبة المتواجدة، بكامل عتادها، في حديقة حيّ غويران!

الحوّامات جاءت بقوات وأسلحة جديدة عصر يوم الجمعة 23/11/2012، ليبدأ الناس بالتفكير جديّاً في مغادرة هذه المدينة، ولكن إلى أين في هذا الشتاء والفقر الكبير؟ وإلى أين سيلجأ النازحون الذين نزحوا إلى الحسكة منذ خمسة أشهر واستمرّوا فيها إلى الآن ومدنهم، التي جاؤوا منها، ما زالت مدمّرة؟

الإشاعات التي تمّ ترويجها في المدن المنكوبة روّجها أمن النظام من أجل قتل الناس نفسيّاً. والذين نجوا من الموت النفسي تمّ قتلهم بكلّ الوسائل الوحشيّة والوطنيّة غير المباحة!. فالإشاعات كلّها تحققت؛ فالهجوم تمّ على النساء والأطفال والشيوخ، سنّة كانوا أم علويّين، وتمّ ذبحهم بالسكاكين والسيوف، الاغتصابات تمّت، وكذلك تشويه الأجساد قبل قتلها، والبيوت والمحال نهبت قبل هدمها، الطائرات تمّ استخدامها ببراعة في إصابة المدنيّين، وبعدم إصابة المسلحين قدر الإمكان، استخدمت الدبابات والمدفعيّة والصواريخ والقنابل العنقوديّة والفراغيّة، وتمّ نهب الآثار في المتاحف والعراء، وتمّ تدمير المدن بكاملها، بساكنيها أو من دونهم، وتمّ التغيير الديموغرافيّ في كلّ المدن، عندما تحوّلت الدولة إلى دويلات نازحين....

هناك إشاعات ما زالت تروّج، قد تحقق جزء منها، وهي الحرب الأهليّة التي بدأت مع بداية المواجهة العسكريّة، بينما استخدام الأسلحة الكيميائيّة أو التقسيم بحاجة الى وقت أكبر! رغم أنّ الأهالي، الذين بقوا على قيد الحياة، قد يصل بهم الحال ويرغبون باستخدام القنبلة النوويّة لإنهاء دولتهم وحياتهم الممزّقة على عجل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني توحيد الجهود والسير نحو المأسسة

اسطنبول ـ عمر كوش

المستقبل

12-2-2012

في إحدى السهرات الشامية، منذ بضعة أشهر مضت، جمعتنا صديقة عزيزة في بيتها على العشاء. ليس العشاء ما كان يهمّ لفيف المثقفين والنشطاء السوريين، ولا يهم صاحبة الدعوة المعروفة بنشاطها وتألقها وعراقتها، بل فرصة اللقاء الجامع، التي لا نحوز عليها، إلا بعد تحضير مسبق، وفي أوقات متباعدة نسبياً، للتحاور في أوضاع البلد والناس، والتفكير في سبل دعم الثورة السورية وناسها، وتناول مسار الأحداث، ومناقشة ما يطرح من بيانات ومبادرات ومشاريع.

ضمّ اللقاء العديد من الكتاب المستقلين والناشطين، من الجنسين. منهم من كان في المجلس الوطني السوري أو قريب منه، وبعضهم له مآخذ على أدائه وتركيبته. وآخرون ينشطون في بعض الهيئات المدنية العاملة على الأرض، التي نشأت في سياق الحراك الاحتجاجي، بعد أن كسر السوريون حاجز الخوف، بفضل ثورة الخامس عشر من آذار/مارس 2011.

كانت أصوات القذاف والقصف المدفعي تسمع، من حين لآخر، لتقطع حدة النقاش، وتشتت الأفكار، وتعيدنا إلى صمت ثقيل مشوب بالترقب والقلق. وكانت التساؤلات تحاول معرفة أي المناطق تقصف في هذه الليلة، هل هي التل أم برزة ام الميدان أم القابون أم حرستا أم زملكا أم مناطق أخرى عديدة لا نسمع أصوات الطائرات الحربية التي تدك مضاجع ساكنيها، ليلاً ونهاراً؟ ثم ماذا عن حلب وريفها ودير الزور ومناطقها وقراها، وحمص المنكوبة، ودرعا وإدلب وسائر أحياء المدن والمناطق والبلدات الثائرة.

في تلك الليلة، طرح أحدنا مسألة ما يطرح حول دعوة المعارضة السورية لتشكيل حكومة موقتة. بعضنا سخر من الدعوة إلى مثل هذه الحكومة، إذ من المبكر الحديث عنها، لأن الأجدى هو دعم الثورة، والبحث عن تشكيل ائتلاف أو تحالف أو هيئة جامعة لمختلف أطياف المعارضة السياسية، والاتفاق على مبادئ أساسية من أجل الاستجابة لحاجات الثوار، ودعم صمود الناس في المناطق الحاضنة للثورة، وطمأنة جميع السوريين على مستقبلهم.

وطرحت مسألة لجنة أو هيئة تمثيلية، تضم أشخاصاً من جميع أطياف وتكوينات الشعب السوري، تراعي مختلف تكوينات الطيف السوري، ومختلف المناطق السورية، ممثلة بمجالسها المحلية. ولعل الأفكار والطروحات، كانت تتلاقى حول أهمية وجود شخصية وطنية، تحمل على عاتقها مهمة المبادرة، والسعي إلى تشكيل وطني سوري.

لم تك مصادفة أن تلتقي الطروحات حول طرح أفكار متقاربة، إذ، وبعد أشهر قليلة، خرجت "المبادرة الوطنية السورية"، أو مبادرة رياض سيف، وأخذت خطوطها الواضحة بالتشكل، ثم باتت أكثر وضوحاً بعد لقاءات في القاهرة وباريس، لتأخذ شكلها النهائي، في شكل بيان يدعو إلى اجتماع عام لمختلف أطياف المعارضة السورية، بمختلف تكويناتها لتدارس سبل إنجاح المبادرة، والسير خطوة كبيرة نحو اتجاه مأسسة وتوحيد الجهود في خدمة الثورة السورية وناسها، بل وخدمة جميع السوريين الساعين إلى بناء سوريا الجديدة، الديمقراطية التعددية، القائمة على المواطنية، وسائر قيم الدولة المدنية الحديثة..

ويمكن القول بكل حرية وأمانة أن المبادرة نشأت بناء على حاجة داخلية سورية، ولم تك وليدة ساسة الولايات المتحدة أو فرنسا أو تركيا أو قطر وسواها، أي صنعها سوريون، كان رياض سيف المبادر الذي حملها، وأخذ على عاتقه مهمة جمع التأييد الدولي والإقليمي لها، والهم المشترك للداعمين للمبادرة، هو جمع مختلف أطياف المعارضة لمأسستها ولجعلها صناعة سورية بامتياز. وقد تحقق ذلك بولادة "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2011.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل سيختلف المولود الجديد عن التشكيلات السابقة؟

هناك اختلاف واضح، بل وافتراق على الأقل ما بين ظروف ومعطيات التي أفضت إلى نشأة الائتلاف الوطني عن سائر التشكيلات السياسية السابقة، لكن المشترك بينها، هو قيامها على مبدأ التوافق ما بين قوى سياسية عديدة. وهو عامل يمكنه أن يشكل عامل إخفاق، وفي الوقت نفسه عامل قوة، حيث أن الأمر يعتمد على الخطوات التالية لتشكيل الائتلاف، وخاصة، العمل على مأسسة الجهود، والابتعاد عن الفردية والتمركز على الذات.

ومن يتفحص خارطة القوى والشخصيات المشاركة فيه، يجد أنها شاملة لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية. وهو أمر لم يتحقق من قبل في أي تشكيل سياسي للثورة السورية، والأهم هو أن قادة الائتلاف هم من نتاج الثورة في الداخل السوري، وساهموا في حراكها على الأرض، وتعرضوا للسجن والملاحقة، واضطروا إلى مغادرة بلدهم، نتيجة عنف النظام وقمعه. كما أن طاقم رئاسة الائتلاف خرج عن طريق الانتخاب، وهم من أبناء الأحياء العريقة في العاصمة السورية وسكانها.

ونهض التشكيل الجديد على مبدأ عدم إلغاء أو تهميش أياً من قوى الحراك الثوري والمعارضة السياسية، بوصفه إطاراً يوفّق بينها جميعاً في بنية تنظيمية، تضمن العمل المشترك البنّاء، خاصة وأن الثورة السورية بأمس الحاجة لوجود قيادة قوية، قائمة على المشاركة والندية لا على التفرد والاستئثار، وتعمل على الاستجابة لحاجات الثورة، وتطمئن جميع أبناء سوريا إلى مستقبلهم، الامر الذي يكسب هذه البنية التنظيمية التأييد الشعبي، بما يعني امتلاكها الشرعية، للحصول على الاعتراف بها كممثلٍ له.

وبالرغم من التأييد الدولي لتشكيل الائتلاف، وقيام العديد من مسؤولي بعض الدول بمساع وجهود للتقريب بين وجهات النظر، والحثّ على الانخراط في التشكيل الجديد، إلا أن الأهم هو أن يرتكز العمل على وثائقه، التي أكدت على مبدأ الحفاظ على السيادة الوطنية، واستقلالية القرار الوطني السوري، والحفاظ على وحدة التراب الوطني السوري، ووحدة الشعب السوري، وعلى رفض الحوار مع النظام السوري، وأن لا يبدأ الحل السياسي في سوريا، إلا بتنحية بشار الأسد، ومعه رموز السلطة القامعة، وضمان محاسبة المسؤولين منهم عن دماء السوريين، مع التأكيد على قيام سوريا المدنية التعددية الديمقراطية. إضافة إلى السعي لإنشاء صندوق دعم الشعب السوري، ودعم الجيش الحر، وإدارة المناطق المحررة، والتخطيط للمرحلة الانتقالية، وتأمين الاعتراف الدولي، والعمل على تشكيل مجلس عسكري أعلى، يضم ممثلي المجالس العسكرية والكتائب المسلحة، ولجنة قضائية، وفي نهاية المطاف تشكيل حكومة مؤقتة من التكنوقراط.

وإن كان الائتلاف الوطني الجديد يسعى إلى تشكيل تحالف حقيقي، من حيث ضمه غالبية قوى ومكونات الثورة، إلا أنه جاء كي يعبر عن تحول مفصلي في مسار الأزمة السورية، الأمر يفتح الباب واسعاً أمام متغيرات وتطورات جوهرية في المشهد السوري على مختلف المستويات، السياسية والدبلوماسية والقانونية، ويحدث تغيراً في ميزان القوى الميداني على الأرض.

وما يجعل الائتلاف الوطني حدثاً سورياً، هو مدى قدرته على قيادة الحراك الثوري، وفق منهج واضح وخطط ممأسسة، وأن يتخذ خطوات تسهم في التعجيل بسقوط النظام، وأن يبرهن على قدرته في قيادة قوى الثورة والمعارضة، المشكلة له، إلى جانب كونه مظلة سياسية واسعة، حاضنة لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومنوط بها مهام عديدة، لعل أهمها توحيد المجموعات والتشكيلات العسكرية في الداخل، وتقوية المجالس المحلية في مختلف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتمكين الناس في الداخل السوري، من خلال تأمين ممكنات مقاومتهم واستمرار حراكهم الثوري.

ويبدو أن التأييد الذي حصل عليه الائتلاف في الداخل السوري، وفي الخارج، يعد نجاحاً سياسياً لقوى الثورة والمعارضة، تزامن من النجاحات العسكرية على الأرض، لكن، دعم هذه النجاحات مقرون بالبرهنة على امتلاك القوة والشرعية، والقيام بخطوات ملموسة تؤكد ذلك، خاصة أن التقدم الذي يحرزه الجيش الحر على الأرض، ومعه سائر التشكيلات العسكرية، يدفع التفكير باقتراب نهاية النظام، وإلى الخشية من الفراغ الذي قد يحدثه سقوط مفاجئ. وما يدعم توقع السقوط المنتظر هو فقدان النظام السيطرة على مساحات كبيرة من سوريا، بالرغم من فارق القوة العسكرية واللوجستية ما بين قوات النظام وسائر المجموعات العسكرية المدافعة عن الثورة، الأمر الذي يفسره، ليس فقط حالة الانهاك التي بات يعاني منها الجيش السوري، بعد اقحامه في معارك الشوارع والأحياء والبلدات السورية، وحدوث انشقاقات متتالية ومتسارعة في تركيبته، بل هناك أمور عديدة، تتعلق بأن المجندين داخل الجيش النظامي مكرهين في معظمهم على القيام بما يطلب منهم، تحت تهديد الإعدام الميداني والتصفية والاعتقال، وقسم منهم مغرر به، ويستخدم ضحية أو وقوداً لخدمة بقاء رموز النظام في السلطة. بالمقابل، فإن غالبية الثوار يدافعون عن أحيائهم وبلداتهم وأماكن عيشهم وسكناهم في وجه اجتياحات وحداث الجيش وقوى الأمن وقطعان الشبيحة، وبالتالي، فإنهم مسلحون ليس بالعزيمة والإصرار والاستعداد للتضحية فقط، بل يحظون بالاحتضان من طرف الناس، الذين يجمعهم الإيمان بضرورة الخلاص مهما كانت التضحيات والخسائر.

وهناك معطيات عديدة، تشير بوضوح إلى تدهور الوضع الاقتصادي، وشحّ الموارد المالية، التي يسخرها النظام من أجل تمويل شبيحته وقواه الأمنية والعسكرية، إلى جابن هبوط قيمة الليرة السورية السريع، في الآونة الأخيرة، أمام العملات الأجنبية، بما يؤشر على اقتراب النظام من حالة الإفلاس والانهيار المالي والاقتصادي، التي يحدّ منها بشكل أو بآخر، تدفق الدعم المالي والاقتصادي الإيراني، والاسناد الروسي، ودعم بعض أفراد مافيات النظام وأعوانه، الذين عاشوا طويلاً على نهب مقدرات البلد واستثمار حالة الفساد والافساد، إلى جانب دعم بعض الأطراف من دول الجوار وسواها.

لا شك في أن هناك تحديات عديدة، تفرض مهام صعبة التحقيق ومحفوفة بالمخاطر، لكن الرهان هو على قدرة الائتلاف على العمل الجماعي المؤسسي، وتوحيد الجهود والسير نحو المأسسة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أخي الثائر: شعار إرحل لم يكن موجهاً إليك!

دمشق ـ عمر قدور

المستقبل

2-12-2012

على الأرجح لم تنزف ثورة من أبنائها كما نزفت الثورة السورية، فبالإضافة إلى آلاف القتلى من الناشطين هناك عشرات الآلاف من المعتقلين أو المفقودين، وهناك الكثير من الروايات الموثقة عن تصفية المعتقلين تحت التعذيب أو إعدامهم في السجون. لكن الأنظار تتجه غالباً إلى أولئك الذين غادروا البلد بعد اندلاع الثورة، إما على خلفية مضايقات تعرضوا لها فعلاً، أو تحسباً من القمع الذي من المتوقع أن يطال كل ناشط أو صاحب رأي؛ هذا إذا استثنينا القمع العشوائي الذي يتعرض له أي سوري من دون أن يعرف سبباً له.

لكن الأسباب السابقة لا تمنع جدلاً يتجدد شفاهة أو على صفحات التواصل الاجتماعي حول أحقية بعض المهاجرين بمغادرة البلاد قياساً إلى معاناة غيرهم، أو حول جدارة بعضهم بتمثيل الثورة خارج الحدود. وبالطبع لن يخلو جدل كهذا من عوامل التقييم الذاتية، إذ يستحيل وجود معايير تحدد لكل فرد عتبة التحمل الخاصة به، مثلما يستحيل أن يُملى عليه مقدار الجهد الذي ينبغي أن يبذله خدمة لقضية ما. غير أن نسبية الأمر لا تلغي وجاهة النقاش حول ظاهرة مؤثرة كهذه، وبخاصة حول تداعياتها السلبية على الثورة، فالمسألة وإن بقيت في حيز القرار الشخصي إلا أن بعض أصحابها على الأقل ينسبونها إلى الشأن العام، بالقدر الذي ينسبون فيه لأنفسهم المساهمة فيه.

في الواقع ثمة صور سلبية يقدّمها بعض النشطاء في الخارج، وهم بالأحرى باتوا يتعيشون على ثورة الداخل أكثر مما يقدّمون لها، وتزداد الصور قتامة مع ما ينسبه البعض إلى نفسه زوراً ليبدو كأنه في واجهة الثورة. ثمة مدّعون في مدن كبيروت والقاهرة واسطنبول مثلاً لم تكن لهم فعالية تُذكر في الداخل، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، لكنهم لا يرضون بأقل من تصوير أنفسهم كقادة للحراك الثوري. ولن يكون من شأن الآخرين من أبناء تلك الدول، وبخاصة المتعاطفين مع الثورة منهم، التمحيص في كل ادّعاء، ومع أن الادّعاء أيضاً قد لا يتسبب بضرر مباشر إلا أن ترافقه مع أمراض الانتهازية الأخرى هو ما يضرّ بصورة الثورة من خلال أولئك.

لا يقبل بعض نشطاء الخارج أنه، مع الأسف، ليس سوى نازح، أو أنه صار هكذا بحكم الواقع المرير، ولا ميزة له على مئات ألوف النازحين العاديين في الخارج والداخل إلا بمقدار نشاطه الفعلي. فلا ينبغي هنا المساواة بين ناشطات أو نشطاء كانوا سفراء حقيقيين للثورة وآخرين يرفلون بنعيم الهبات والمنح، من دون أن تسعفهم علاقاتهم العامة سوى بالحصول على المزيد منها، وفي كثير من الأحيان على حساب مستحقيها في الداخل أو الخارج. لا بأس بالقول هنا إن فساد النظام قد حمله البعض إلى الثورة، وهي بأمسّ الحاجة للنأي عن أية شبهة من هذا القبيل، ولقد استغل هذا البعض المزاج العام المتسامح أو المتحمس لتمرير مكاسبه الشخصية؛ ثمة ملفات معروفة أو شبهات لا يتوقف عندها السوريون لأنهم يكرسون جهدهم حالياً من أجل إسقاط نظام القتل، لكن أولوياتهم الراهنة لا تعني جهلهم بمكامن الفساد والانتهازية التي قد لا تخلو منها أية ثورة.

تحتاج الثورة السورية، وربما أكثر من أية ثورة أخرى، إلى نشطاء حقيقيين في الخارج. فالسوريون حرموا طوال وجود النظام الحالي من العلاقة الطبيعية مع الآخر، وهم بحاجة حقيقية للتعريف بأنفسهم وبثورتهم، ويزداد الأمر إلحاحاً مع أذرع النظام الإعلامية التي نجحت في أكثر من مكان بالترويج لصورة أصولية أو طائفية للثورة. لذا لا بد من الإشارة إلى أن وجود بعض النشطاء في الخارج هو بحكم الضرورة الملحة، ولا بد في المقابل من التساؤل عن وجود العدد الأكبر من الذين، وإن كانوا أحراراً في المغادرة، فهم لم يبذلوا جهداً يُذكر في منافيهم لشرح قضية الشعب السوري. سيكون مؤسفاً حقاً ألا يستطيع هؤلاء حشد عدد ضئيل في يوم التضامن العالمي مع الشعب السوري، هذا على سبيل المثال لا أكثر، ويزداد الأمر بؤساً بالنظر إلى العدد الضئيل من السوريين الذين شاركوا في تلك الوقفات الاحتجاجية، والذي لم يتجاوز عدد أصابع اليدين في بعض المدن الكبرى.

على صعيد متصل، ينبغي الإقرار بأن بعض الناشطين الذين غادروا في مستهل الثورة ابتعدوا تدريجياً عن مجرياتها، وهذه نتيجة منطقية بحكم طول المدة والتحولات الكبرى التي رافقت الثورة، أو فُرضت عليها. لذا يعتمد هؤلاء على شذرات مما تبثه وسائل الإعلام، وهي لا تكفي بطبيعة الحال لإيصال الوضع الميداني على حقيقته، وحيث أن نسبة معتبرة منهم لا تملك صلات ميدانية، وبات حضورها مقتصراً على المستوى السياسي، فقد ساهم هذا في انفصال المستوى السياسي للثورة عن مجرياتها الميدانية، وبات أصحابها أقرب إلى المعارضة وأكثر بعداً عن الثورة. من الموقع الجديد، الأقل فهماً وحساسية تجاه الوقائع الميدانية، تغيرت أولويات البعض، ولم تعد تنسجم مع الأولويات الملحة للشارع السوري. وبالتأكيد سيصعب على الكثيرين في الخارج الإقرار بهذا، خصوصاً مع غياب تقاسم وظيفي للمهام بين الداخل والخارج.

سبق لكاتب هذه السطور نشرُ مقال في صحيفة المستقبل بعنوان "موسم الهجرة إلى الثورة"، عن شخصيات سورية عادت إلى البلد مع مستهل الثورة وواجه بعضها مصيره التراجيدي، وتقتضي الواقعية الإشارة أيضاً إلى ظاهرة الهجرة من الثورة التي طالت بالدرجة الأولى بعضاً من المثقفين والعلمانيين الذين ربما كان لوجودهم في الداخل تأثير أفضل على قسم من خيارات الثورة. وعلى الرغم من أن الثورة ليست ثورة نخب ثقافية أصلاً إلا أن التفاعل الاستثنائي بين شريحة المثقفين ومحيطهم الاجتماعي كان يَعِد بحال أفضل للجانبين، وكان متوقعاً لاستمراره أن يردم فجوة مديدة من سوء الفهم والتفاهم بينهما؛ هذه الفجوة التي عادت إلى البروز مع غياب وهجرة الفعل الثقافي بدعاوى اليأس أو اللاجدوى، أو حتى إعادة قراءة الثورة من أكثر جوانبها حلكة.

لكن، وعلى الرغم مما سبق، لا يجوز لنا الانجرار إلى تقسيم يروجه النظام طوال الوقت بين معارضة داخلية وأخرى خارجية، فلا الداخل مستقل ومنسجم بذاته ولا الخارج كذلك، وبالتأكيد ليس ثمة مفاضلة بين وطنية الجانبين على نحو ما يريده النظام. النقاش الدائر حول ظاهرة الهجرة يتعلق أساساً بالمفاضلة بين أفضل السبل لخدمة الثورة، وهو يُحسب لها من حيث قدرة أبنائها على ممارسة النقد تجاه بعض ظواهرها، ومن دون أن يمتلك أحد الحقيقة في جيبه أو الوصاية على غيره. أما على الصعيد الانفعالي أو العاطفي فلا شك في أن هذا الجدل بين الداخل والخارج يحمل عتباً مُحباً من الطرف الأول، ولأن لافتات التظاهرات السورية نابت أحياناً عن الجدل، واختزلت في مفردات بسيطة عمق القول، فقد جاء العتب هذه المرة من داريّا. داريا التي تعرّضت لإحدى أفظع المجازر على أيدي الشبيحة، ولا يزال القصف من قوات النظام يدكّ ناسها وعمرانها، لم تتوقف عن التظاهر السلمي، ولم تنسَ أولئك الأبناء المهاجرين، ومن أجلهم قبل شهر من الآن رفعت لافتة تقول: أخي الثائر: شعار ارحل لم يكن موجهاً إليك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يستنسخ تجربة "حزب الله" اللبنانية

دمشق ـ غازي دحمان

المستقبل

12-2-2012

كانت واضحة حال الإستعجال التي سيطرت على عملية تشكيل الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، فلم يكن في أجواء المعارضة ما يشي بإمكانية نجاح هذا التشكيل السياسي، إذ بدا أن مبادرة المعارض رياض سيف وكأنها تأتي من سياق مختلف بالنسبة لفلسفة المجلس الوطني ونهجه، الهيئة الأكبر في المعارضة السورية.

غير أن مبادرة سيف بدت أنها تحاكي سياقاً دولياً وإقليمياً ينشد إعادة تفعيل قوى المعارضة السورية وتزخيم بنيتها، بعد أن تبين لتلك الجهات عدم قدرة البنية الحالية للمعارضة السورية على تغيير حالة "الإستاتيكو" التي علقت فيها الثورة السورية ميدانياً وسياسياً، ولكون هذه البنية، بما تحمله من تشوه بداخلها بفضل سيطرة التيار الإسلامي على القرار فيها، صارت طاردة لحماسة التحرك بإتجاه دعم الثورة، فكان الشرط الشارط لتزخيم هذا التحرك تطوير بنية المعارضة وتحويلها إلى إطار فضفاض من الناحيتين الحركية والإيديولوجية، وأكثر مرونة في التعاطي السياسي مع الأزمة واستحقاقاتها المقبلة، من جهة أخرى، لتصبح أكثر مقبولية، ليس بالنسبة لتمثيل الشعب السوري وحسب، وإنما لمنحها المساعدات بمختلف أنواعها، والتي من شأنها إحداث التغييرات الميدانية، وإقناع الأطراف الدولية والإقليمية، التي تقف إلى جانب النظام بالبحث في مصيره وإيجاد المخرج اللازم للأزمة.

يشي إسلوب بناء هذا النسق السياسي بأن الهدف من هذه العملية السياسية هو تحريك المعطيات على سطح الأزمة، ومع انه من المتوقع ألا تصل الأمور ضمن هذه العملية إلى حد الإجتياح العسكري، فإنه من المتوقع أن تشمل مروحة واسعة من الإجراءات التي قد تبدأ بتحصيل إعتراف أممي بالمعارضة، بوصفها ممثلاً للشعب السوري، وصولاً إلى حد تقديم المساعدات العسكرية، بما فيها إدارة مسرح العمليات من قبل الخبراء العسكريين.

مقابل ذلك، يبدو أنه قد إستقر في إدراك النظام، متأخراً، بأن سوريا غادرت مواقع الولاء الكامل، أو حتى الجزء المطلوب منه للإستمرار في الحكم، لذا فهو وإن كان في الظاهر يعمل على إستدامة حكمه في سوريا، فإنه صار يعمل أيضاً بإتجاه تحسين مواقعه كطرف في أية تسوية قادمة، إنطلاقاً من حساباته بأن وجوده ساعة التسوية، كطرف، من شأنه أن يحقق مكاسب مهمة لبيئته، أفضل بكثير مما إذا كان خارج التسوية.

وفي إطار ذلك، ثمة جملة من الإجراءات يقوم بها النظام، تؤكد توجهه لإعادة إنتاج تجربة" حزب الله" اللبنانية في سوريا، من خلال إحتكاره للسلاح داخل بيئته والسيطرة على الجيش عبر" علونته"، حيث يقوم بتطويع أعداد كبيرة من أنصاره في صفوف الجيش، وبخاصة في ظل حالة إستنكاف السنّة عن الإلتحاق بالجيش. وفي حال دخول النظام، مدعوماً من روسيا، مرحلة التفاوض، فإنه سيقاتل من أجل تثبيت وضع الجيش على حاله، لضمان السيطرة مستقبلاً على البلاد، عبر واجهات سياسية سنيّة تتحرك في إطار أهدافه وفي خدمته، تماماً كما هو حاصل الأن في تجربة" حزب الله" اللبنانية.

وفي سبيل السيطرة المطلقة على الجيش السوري تجري الآن عمليات تسريح كبيرة في صفوف الضباط من خارج بيئة النظام، ويترافق ذلك مع عمليات إعدام وإعتقال بحق ضباط آخرين، في ظل ظروف الفوضى التي تشهدها سوريا حالياً، ما يشكل تطبيقاً لعملية التطهير أو التنظيف، التي كان الأسد قد أشار لها في مقابلته مع قناة" الدنيا"، والتي لمح فيها إلى أنه سهّل عملية خروج البعض، وكان المقصود حينها العميد مناف طلاس، ربما لأنه يريد تنظيف القيادات العليا من الضباط الذين لاينتمون لبيئته الطائفية.

غير أن عملية اللعب بالمعطيات، تدار الأن في إطار عملية صراع إقليمية ودولية كبرى، إذ تتحرك الأهداف المحلية في سياق أهداف الدول الفاعلة، وتبدو متناغمة ومنسجمة معها، ففي الوقت الذي تريد فيه روسيا وإيران المحافظة على سيطرتهما على مراكز القوى والبنى المؤثرة في هياكل الدولة السورية لضمان مصالحهما المستقبلية، كي لا تقعان تحت رحمة ما يجود به الغرب، فإن الطرف الآخر يعمل على إضعاف النظام وتشتيته، وصولأ إلى تخفيض سقف الطموحات الروسية والإيرانية وإقناعهما بقبول القليل.

ولعل الصراع الميداني يعكس حال التسابق بين أطراف الصراع الخارجية ويترجم وقائعه على الأرض، فبعد نجاح الحلف المؤيد للنظام، ومن خلال ذراع "حزب الله" العسكرية، في إغلاق جبهة حمص - القصير وصولأ إلى ريف دمشق الغربي، وهي الجبهة التي تكفلت بإستنزاف النظام لمدة طويلة، عمدت المعارضة ومؤيدوها إلى توسيع قوس المواجهة على طول الحدود التركية بأكملها من غربي إدلب مروراً بحلب وريفها وإمتداداً إلى الرقة ودير الزور والحسكة، وهي مساحة تتجاوز مسافة تسعمئة كيلومتر، فضلاً عن الإختراقات في جبهة الجولان وإشعال العاصمة عبر تفجير خواصرها الجنوبية والغربية والشرقية، ولعل المراقبون العسكريون يفهمون معنى هذا التوسع في الإشتباك وخطورته على جيش نظامي، إذ يضطر النظام في هذه الحالة إلى إشراك كامل قوته العسكرية، التي حيّد جزءاً كبيراً منها لشكه بولائها، وفي ذلك، مغامرة لا يستطيع أحد تقدير أبعادها، فربما يؤدي الضغط المتواصل إلى كسر حلقته الصلبة المتمثلة بقوات النخبة المؤيدة له والتابعة لطائفته.

الصراع بين تحريك المعطيات وترسيخها عنوان المرحلة الراهنة في الحدث السوري، وهو صراع ما من شك بأنه جدّي، ودليله ليس قساوته وحسب، وإنما إعتماده من قبل الأطراف كإستراتيجية أخيرة، في سياق بحثها عن نافذة للولوج إلى مرحلة التفاوض الكبرى حول مصير سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تراجع الحل السياسي وملامح الحسم العسكري في سوريا * ياسر الزعاترة

الدستور

1-12-2012

خلال الأسبوعين الماضيين غابت جهود الحل السياسي في سوريا، فلا الأخضر الإبراهيمي بات يشغلنا بجولاته وزياراته ومياوماته التي لا تتوقف، ولا لافروف عاد يصدّع رؤوسنا باقتراحاته.

وحدها إيران التي ما زالت تتذكر الحل السياسي على طريقتها، إذ جمعت وفق ما قالت 200 شخصية من رموز المعارضة والسلطة (الحكومة بحسب تعبيرها لكيلا تقول النظام) في قاعة واحدة في إيران (كان من بينهم شريف شحادة ما غيره!!)، واستمعوا لخطب جميلة تحث على الحوار والحل الديمقراطي، وهي مسرحية لم تكن مهمتها سوى إثارة بعض الغبار حول الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الذي تشكل في الدوحة.

قبل هذه المرحلة كانت معالم الحل السياسي قد لاحت في الأفق لبعض الوقت، لكن تشدد حلفاء النظام (الأخير لا حول له ولا قوة، فهو يتحرك بأمر طهران وموسكو) ما لبث أن دفن الحل، أو غيبه في أقل تقدير، مع أن روحية مواقف المعارضة السورية لم تكن تستبعده، لكن لسان حالها يقول إنها لم تتلق أي عرض يستحق النقاش لكي تبدي رأيها فيه، اللهم سوى عروض تعني الاستسلام وإلقاء السلاح وبعد ذلك الشروع في الحوار، الأمر الذي لو قبلته (ولن تفعل)، فلن يقبله أحد من الثوار على الأرض بكل ألوانهم، وليس بلون واحد منهم كما يمكن أن يدعي البعض.

هذا التشدد من طرف حلفاء النظام، وفي مقدمتهم إيران لا يعكس قناعة بإمكانية صموده، بقدر ما يعكس كما يبدو قناعة بأن آفاق الحل الذي يحفظ ماء الوجه تبدو مسدودة، لاسيما بعد أن تحولت إيران إلى العدو الألد للشعب السوري.

وحين يخاطب علي لاريجاني ضباطا كبارا في الجيش السوري بأن بلاده لن تترك سوريا حتى لو اضطرت للتدخل العسكري المباشر، فإن ذلك يعكس شعورا عاما بانهيار معنويات الجيش، والتي قد تؤدي إلى انهيار كامل في لحظة يصعب التنبؤ بها.

على الصعيد العسكري، لا يحتاج المراقب للكثير من التبحر في العلوم العسكرية وفقه الحروب، ومن ضمنها حروب العصابات لكي يدرك أن الوضع على الأرض يشير إلى تقدم حثيث للثوار مقابل وضع صعب لجيش النظام الذي يكتفي بالدفاع عن مواقعه دون التقدم نحو أي مواقع تسيطر عليه قوات المعارضة، بدليل الهدوء الواضح في جبهة الشمال التي يسيطر الثوار على أكثرها، وباتوا يحكمون أجزاءً كبيرة منها بشكل كامل، فيما يتقدم بعضهم نحو دمشق من ريفها ويكادون يتوغلون في العمق وصولا إلى إغلاق جزئي لمطار العاصمة.

وحتى قصف الطيران لم يعد بتلك الكثافة نظرا لنقص الكادر كما يقول مراقبون للوضع الميداني، وربما لعدم توافر الثقة في أكثر الطيارين باستثناء القلة القليلة منهم. وحين يتحدث محافظ طرطوس عن فتح مطار المحافظة قريبا، فربما عكس ذلك إمكانية التفكير بالدويلة العلوية التي تعد الخطة بالنسبة لإيران والنظام.

المعارك إذن تطرق أبواب دمشق، ويسمعها بشار الأسد من قصره الذي يُشك في أنه يقيم فيه. أما من الناحية السياسية في معسكر الثوار، فإن التئام الائتلاف الوطني وتوالي الاعترافات العربية والدولية به (فضلا عن تركيا) قد أكد أنه جاهز كي يكون البديل عن النظام. وهو رغم تشكيك بعض قطاعات الكتائب العسكرية فيه يبدو قادرا على تمثيل الكتلة الأكبر من المعارضة بعيدا عن صراخ هيثم مناع ومن هم على شاكلته.

صحيح أن فكرة الائتلاف قد بدأت أمريكية، ما ألقى بظلال من الشك حولها، غير أن تشكيله قد عكس توافقا جيدا بين المعارضة لم ترض عنه واشنطن، لاسيما رأسه ممثلا في الشيخ معاذ الخطيب الذي يبدو جيدا في خطابه وقبوله لدى الناس.

في ضوء ذلك كله، وما لم ينهض مسار سياسي جديد يؤدي إلى رحيل النظام مقابل الإبقاء على الجيش، بما يحول دون دخول البلاد في حالة فوضى يصعب التنبؤ بها بعد سقوط النظام، فإن المسار العسكري هو الذي سيحسم المعركة.

هنا سيقول البعض إنكم تتحدثون عن الحسم منذ شهور طويلة دون جدوى، وهو قول غير صحيح ابتداءً لأن أحدا لم يحدد موعدا لسقوط النظام في معركة تحسم بالنقاط وليس بالضربة القاضية، أما الأهم فهو أن مسار المعارك يبقى دالا على النتيجة النهائية، سواءً جاءت بعد أيام أم أسابيع أم شهور، لكن ما يبدو مرجحا هذه المرة هو أن الحسم لن يتجاوز شهورا قليلة إذا لم يسبقه حل سياسي يقبله الثوار.

التاريخ : 01-12-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني السوري ومهمة اكتساب الشرعية

ماجد الشيخ

المستقبل

1-12-2012

من أزمة المبادرة العربية والمبادرات الرديفة، والجهود التي يقودها الأخضر الإبراهيمي، إلى أزمة الباتريوت الآن، تنتقل الأزمة السورية من حال إلى حال، حيث بات العالم فيه يراهن على حسم داخلي خاص بجهود محلية، القوى الخارجية إزاءه مجرد قوى مساعدة إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، ما يعني أن الصراع على سوريا، انتقل خطوة إلى الأمام في اتجاه التمركز عند نقطة الصراع في سوريا، على الرغم من استمرار الإسناد والدعم الإقليمي والدولي، ولكن بشكل غير شفاف، نظرا لإستطالة الفترة الزمنية التي استغرقها ويستغرقها هذا الصراع على الداخل السوري، وتعدد وتنوع أطرافه، واتساع رقعة الداعمين أو غير الداعمين له، وتداخل مصالحهم مع الثورة وضدها، مع الشعب وضده، مع النظام وضده؛ وإلى أن يحسم الصراع فعليا على الأرض، ستبقى سوريا عرضة للعديد من أشكال وموجات الحرب الباردة مرة، والساخنة مرات ومرات.

وفي إطار الجهود الدولية لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة متجددة، قال الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، أكمل الدين إحسان أوغلي، إن النظام السوري برفضه جهود المنظمة، ومبادرات المجتمع الدولي، بات يتبع سياسة الأرض المحروقة، ويدفع بأزمة بلاده نحو حدودها القصوى، داعياً إلى إنشاء ملتقى إنساني حول سوريا. وقال أوغلي في كلمة له أمام ملتقى التعاون الإسلامي التشاوري حول سوريا الذي عقد في استانبول الاسبوع الماضي، "إن الوضع المأسوي في سوريا يدعو الملتقى إلى التعاطي بمسؤولية إنسانية أكبر إزاء واقع الأزمة السورية وتداعياتها في المستقبل".

هذا الانسداد في أفق الصراع، وفشل أو إفشال الجهود الدبلوماسية، يسلط الضوء مجددا على ضرورة وحدة قوى المعارضة، التي ذهبت إلى خطوة توحد نسبي أخيرا استجمعت عبره قواها في ائتلاف وطني جامع لمعظم أطيافها، بحيث بدت وتبدو مهمة استكمال وبناء مؤسسات الائتلاف صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، وأولى المهام التي ستسعى المعارضة لتحقيقها تتمثل في السعي إلى تثبيت شرعية الائتلاف كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، في المؤسسات والمحافل الدولية، وبالطبع أمام الشعب السوري الذي ينتظر من ممثليه الكثير.

في هذا الوقت بدأت تتطور الاتصالات الديبلوماسية الاوروبية مع "الائتلاف الوطني السوري" الجديد. مع اعلان انقرة اعترافها به "ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري". وحين دعا وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو في كلمة امام اجتماع وزاري لمنظمة المؤتمر الاسلامي عُقد في جيبوتي كل الدول الاعضاء الى القيام بالمثل. وقال ان "ما تحتاج اليه الثورة السورية والشعب السوري الآن هو دعم فعلي وليس رسائل تعاطف ووعودا".

لكن ونظرا للحاجة إلى إمكانيات تستطيع المعارضة من خلالها مواجهة عنف هجمات النظام، تركزت هذه الاتصالات على مطالبة الحكومات الاوروبية تزويدها أسلحة نوعية، تستطيع بها مواجهة تفوق النظام، خصوصاً في المجال الجوي. كذلك وفي هذا الاطار اعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ان حكومته ستطرح سريعاً مسألة رفع الحظر الاوروبي على تزويد المعارضة السورية "اسلحة دفاعية"، وذلك قبيل استقباله مع وزير الدفاع الفرنسي وزراء الخارجية والدفاع في المانيا واسبانيا وبولندا وايطاليا. وقال فابيوس ان موقف فرنسا يقوم على ما أسماه "عدم تسليح النزاع"، لكن "من غير المقبول طبعاً ان تكون هناك مناطق محررة، وان تتعرض لغارات جوية من مقاتلات النظام". لكنه اوضح ان فرنسا لا يمكنها تسليح المعارضة الا بالتنسيق مع الاوروبيين.

وكان الاتحاد الاوروبي اقر في ايار (مايو) من العام الماضي حظراً على شحنات الاسلحة المتجهة الى سوريا، تم تشديده في تموز (يوليو) الماضي. واوضحت الخارجية الفرنسية ان الاتحاد الاوروبي قد يُقرر باجماع اعضائه الـ27 رفع الحظر او تعديله عبر ادراج استثناءات.

وبعد اعتراف فرنسا بالائتلاف ممثلا شرعيا وحيدا، واستقبال سفير لسوريا الجديدة في باريس، يعول الفرنسيون على اعتراف كل أصدقاء سوريا بالائتلاف الوطني، من أجل تمكين سلطة هذا الائتلاف، وذلك عبر عدد من التحركات التي تقوم بها باريس؛ بالتنسيق مع قوى الائتلاف والمجالس الثورية وغيرها على الأرض في سوريا. على أن تعمل باريس كي تعطي الجامعة العربية شرعية للائتلاف السوري الذي تم تشكيله في الدوحة ومنحه مقعداً فيها، على اعتبار أن هذه هي مهمة العرب...

لكن المخاوف من الجهاديين تبدو في نظر باريس مؤكدة، حتى من جهاديين يذهبون من فرنسا. إلا أن باريس تريد تجنب الخطر الأكبر الذي يتمثل في الاهتراء؛ اهتراء وضع المعارضة. بينما الائتلاف بديل جامع وغير عدائي للجيران. والفكرة الفرنسية هي أنه بعد تشكيل الحكومة الانتقالية، وإذا حصلت على شرعية من الجامعة العربية ينبغي على أصدقاء سوريا أن يعترفوا بها، وبعد ذلك بإمكان رئيس الائتلاف أن يوجه رسالة إلى أمين عام الأمم المتحدة ليبلغه بأنه سيرسل الممثل الشرعي لسوريا إلى الأمم المتحدة، ما سيضطر (بان كي مون) إلى تقديم ذلك إلى لجنة الصلاحيات في الجمعية العمومية للبحث في شرعية الممثل؛ واللجنة لن توافق لأن فيها الروس والصين عندئذ يطرح ذلك للتصويت أمام الجمعية العمومية، لطلب حصول ممثل الائتلاف على مقعد سوريا في الأمم المتحدة. إلا أن السيناريو الفرنسي هذا، يبدو أنه سيكون أمامه عقبات من بينها ربما الموقف الأميركي ومواقف دول أفريقية.

وكان مسؤولون في "الائتلاف" التقوا في لندن أخيرا مع وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ، الذي قال إن حكومته تريد ان تبحث "ضرورة العمل معا واحترام حقوق الانسان وامتلاك خطة واضحة للانتقال السياسي في سورية". ومن بين النقاشات الدائرة في بريطانيا امكان فرض منطقة حظر جوي فوق المناطق التي تسيطر عليها المعارضة وتسليم اسلحة للمعارضة السورية.

وأكد هيغ بعد المحادثات مع وفد المعارضة انه شدد خلال اللقاء على أهمية احترام حقوق الأقليات والالتزام بمستقبل ديموقراطي لسوريا، واتخاذ موقف مما أسماه "التجاوزات والعنف والاغتصاب" الذي يرتكبه النظام، على حد قوله. وأضاف: شجعني ردهم على ذلك... وسنواصل العمل في هذا الشأن في الأيام المقبلة.

لكن الرد الروسي لم يتأخر كثيرا، فردت موسكو على مواقف الدول الغربية الداعية الى تسليح المعارضة، وحذرت بلسان الناطق باسم الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش هذه الدول من أن "مساعدة اجنبية للمعارضة التي تشن نزاعاً مسلحاً ضد الحكومة الشرعية، هو انتهاك فاضح للمعايير الاساسية التي يقوم عليها القانون الدولي".

أخيرا وبانتظار تفعيل أليات عمل الائتلاف وترجمتها على الأرض، تبقى الخطوات الصغرى تكمل أو تسند سلسلة الخطوات التي ينبغي أن تتواصل من أجل الوصول بسوريا الدولة والوطن إلى الحرية، بالخلاص من نظام الاستبداد الذي كبا بسوريا الشعب والدولة والوطن سنوات ضوئية إلى الوراء، بعيدا من الحداثة والنهضة المفترضة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هوامش ثورية مصرية وسورية

حازم صاغيّة

السبت ١ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

يشي استئناف النهوض الثوري في مصر بأمور عدة، أولها أن الإخوان المسلمين لم يقطعوا مع التراث الاستبدادي الذي ‏غرفوا منه منذ تأسيسهم على يد حسن البنا أواخر العشرينات. لكن الخلاصة الأخرى التي تنافس الأولى أهميةً، أن وصول ‏الإخوان إلى السلطة ليس نهاية التاريخ. فهنا، بسبب المناخ الثوري المتواصل وتعهد الإخوان اللفظي بالديموقراطية ‏والالتزامات حيال الغرب، يمكن الصراع السياسي معهم أن يمضي بعيداً. وها هي القوى التي أشعلت ثورة يناير تعود إلى ‏الميدان، وتعيد معها إلى الواجهة قضية بالغة الأهمية، فحواها أن السياسة حلت محل الاستئصال، فمهما قيل في محمد مرسي ‏وإخوانه، يبقى أنهم ليسوا حسني مبارك، بمعنى استبعاد التقنيات العلاجية لحبيب العادلي أو مواجهات كمعركة الجمل، ‏وهذا حتى لا نقول إنهم ليسوا بشار الأسد أو معمر القذافي أو صدام حسين.

ولأن ما يصح في مرسي يصح في أخيه التونسي راشد الغنوشي، جاز القول إننا، في أجزاء واسعة من العالم العربي، دخلنا ‏طوراً جديداً من العلاقة بالسياسة والاجتماع: نعم، هناك استبداد ديني يملك بعض الرغبة في أن يتجذر ويتغول، لكنْ هناك ‏في المقابل حركة مجتمعية، شبابية، نسائية وثقافية لا يعوزها النشاط، تستطيع أن تبادر وأن تتصدى لذاك الاستبداد.

وأن يكون القضاة محور التحرك المصري الجديد، وأن تكون القوانين وتفسيرها موضوع الخلاف المباشر، فهذا وذاك ‏يشيران إلى وجهة الانتقال من الاعتباطي والكيفي إلى الدستوري. وفي النهاية، من قال إن عوجاً يرقى إلى عشرات ‏السنين، إن لم يكن مئاتها، قابل للتقويم في سنة أو سنتين؟

على أن في تلك المعطيات المصرية (والتونسية) شيئاً سورياً لا يخلو من التباس وتناقض، فحتى لو تمكن الإخوان ‏السوريون (وهم ضعفاء بقياس إخوانهم المصريين والتونسيين) أن يُحكموا قبضتهم على سورية ما بعد الأسد، فهذا لا يعني ‏أن تلك السورية الجديدة ستغدو إسلامية. هذا ما تقوله العبرة المصرية (والتونسية). أبعد من ذلك، سوف يصعب على ‏إسلاميي سورية فرض الإسلامية أكثر مما يصعب الأمر على إسلاميي مصر وتونس، وهذا مرده إلى التكوين السوري، ‏حيث لا يتعدى المسلمون السنة نسبة الثلثين قياساً بقرابة 90 في المئة في مصر وأكثر من 95 في المئة في تونس. ثم إن ‏الثلثين هذين يخسران ما يُقدر بـ10 في المئة من إجمالي السكان ممن هم أكراد مختلفون في الإثنية والقومية عن العرب ‏السنة.

بيد أن ذلك يبقى سيفاً ذا حدين، ذاك أن استحالة الحل الإسلامي في سورية لا تعني بالضرورة سهولة الحل السياسي ‏والديموقراطي. والدواء هنا هو الداء نفسه، فإذا كان عدم الانسجام السكاني يفتح على الحل السياسي والديموقراطي فإنه ‏هو نفسه يفتح على التفتت، الطائفي والإثني، الفالت من كل عقال.

وهنا ربما جاز القول إن السؤال السوري يبقى أشد تركيباً وصعوبة قياساً بالسؤالين المصري والتونسي. فهذا الجزء ‏الآسيوي من المشرق العربي تعاود الثورة السورية امتحانه تماماً بقدر ما تمتحن الأفكار المحيطة به والصانعة له. وكي لا ‏نخرج بنتيجة عراقية، أصبح التشديد على مسألة الوعي حاجة تفوق مثيلتها في ثورتي مصر وتونس. فأي وعي سيكون ‏الوعي الغالب في سورية ما بعد الأسد الذي يتسارع ترنحه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وهل هناك من منقذ غير الدولة المدنية، يا عزيزي عادل؟

ميشيل كيلو

السفير

1-12-2012

صديقي عادل محمود، الذي تربطني معه صداقة صادقة منذ العام 1967، يعلم بالتأكيد أنني لم أطالب البارحة، بعد انفجار الأزمة السورية، بـ«دولة مدنية»، بل طالبت بها دوماً منذ أواخر السبعينيات. وهو يعرف انني لم أتخلّ يوماً عن المطالبة بها كمشروع ديموقراطي ميداني ضارب وليس كـ«حلم»، رغم إغراء الكلمة الجميلة التي يستخدمها عادل، وانني رأيت فيها دوماً خياراً نضالياً يستطيع إنقاذنا مما يسمّيه صديق العمر «المرحلة الثالثة» من أزمة وطننا، لو قامت فيه لما بقي النظام الذي خطط منذ زمن طويل «للمذبحة الحالية»، التي ساقنا إليها طيلة قرابة نصف قرن شهد وطننا خلالها مجازر متلاحقة بلغت أوجها في حماه خلال بداية ثمانينيات القرن الماضي، وها هو يتفوق على نفسه في تنظيم سلسلة مترابطة من المذابح، التي يحققها منذ قرابة عامين عبر استخدام قدر متزايد بلا انقطاع من القوة العسكرية والقمعية، ضغط بواسطتها على الشعب لإجباره على حمل السلاح والتخلي عن مظاهراته السلمية، التي أقر رئيس النظام الدكتور بشار الأسد أنها كانت خلواً من السلاح خلال أشهرها الستة الأولى.

وكنت قد حذرت من الوصول الى هذه المرحلة في مقابلة مع السيدة بثينة شعبان، تمت في مكتبها بالقصر الجمهوري، بعد شهر ونيف من انفجار الانتفاضة، عندما شرحت لها ان الحل الامني من فوق سيفشل في وقف المظاهرات، لكنه سينجح في استدعاء حل أمني من تحت، وإن تفاقم الحلين الحتمي سيقضي على أي خيار سياسي أو حل وطني للأزمة، وسيفضي إلى دمار سوريا وهلاكها الأكيد، وناشدتها ان لا يدخل النظام البلاد في تجربة لن تقوى على تحمل نتائجها، واكدت لها ان سياساته ستجعله مسؤولاً عن كل ما سيلحق بالشعب والوطن من خراب وتفكك. واليوم، أليس جلياً، أيها الصديق العزيز، أن سياسات النظام دمرت بلادنا بطرق منهجية خططت لها قبل وقوع الانتفاضة، كما تقول قرائن ووقائع يستحيل انكارها. عمل النظام عبر القضاء على طابع الحراك المجتمعي والسلمي على جعل الأصولية القوة الرئيسة أو الوحـيدة المقابلة له، التي لا بد أن تنضوي كتل شعبية كبـيرة تحت قيـادتها وتـسير في ركابها، ما دام هذا سيكون لمصلحته في نهاية المطاف: عند قدوم لحظة الحسم الدولي، بما أن أميركا تخشى تكرار تجربتها العراقية المريرة مع الأصولية، والكرملين يخاف انتشار هذه الأصولية إلى الاتحاد الروسي، حيث يعيش ثلاثون مليون مسلم في ظروف معقدة، ولم ينسَ بعد تجربته المريرة جداً في الشيشان، التي لم تكن أقلّ خطورة عليه من تجربة أميركا مع القاعدة في العراق.

هل كنت مخطئاً في اعتقادي أنه لا منقذ لنا غير الدولة الديموقراطية، التي يسميها البعض مدنية، وانه لا سبيل إلى النجاة من الفوضى، التي كنت بين اوائل من حذروا منها طيلة عام ونصف في كل ما كتبته أو قلته، لاقتناعي أن إسرائيل تريد تدمير سوريا وترفض قيام نظام ديموقراطي في سوريا، وان بلدان الخليج ستبذل جهوداً مكثفة للتحكم بمفاصل رئيسة في الصراع كي لا يقوم في سوريا نظام كهذا، تعرف أميركا بدورها خطورته على مصالحها في المنطقة والعالم، وتخشى أن يعيد طرح القضايا الكبرى، التي استماتت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كي تتخلّص منها ومن الزمن الناصري الذي طرحها، وأكرر اليـوم إن سوريا يرجح كثيراً ان تكون ذاهبة من نظام الاسـتبداد الحالي إلى فوضى تجعل منها بلداً غير قابل للحكم لفترة غير قصيرة، ستجعل المذابح التي ستسببها مدخلنا الى حرب أهلية قد تقسم بلادنـا وتقـوّض دولتنا ومجتمعنا. قلت كل ذلك واكثر منه في كل ما كتبته، وكل من قرأ جريدة «السفير» خلال العامين المنصرمين سيخبرك أنني قلته، لذلك أكرر الآن أيضاً إيماني بعدم وجود أي سبيل إلى تفـادي ما يدبر لنا غير اقامة دولة ديموقراطية في سورية، لن تكون تجسيدا لحلم مثقف يعيش خارج الواقع، بل مشروع انقاذي لا بديل له غير مجازر النظام وجرائمه وعنف المتطرفين الاسلاميين وجرائمهم. اليس ما يجري اليوم في بلادنا هو الثمن الذي يجبرنا على دفعه غياب الديموقراطية عن حياتنا، الخاضعة لنمط من الاستبداد يؤكد بطشه الاعمى بالشعب انه لا يرى من خطر على وجوده غير خطرها، لذلك لم يتردد في استخدام كل ما لديه من سلاح ضد المطالبين بها، ودأب طيلة نيف واربعين عاماً على محاربة الداعين إليها وقمعهم وتصفيتهم، بينـما تحـالف مع جميع أنواع الإسلاميين داخل وخارج سوريا، وعمل على افساد الدولة والمجتمع، واعتبر المؤسسة الدينية ركيزة لسـلطته اكـثر اهمية من حزب البـعث؟ ان من يعرف الرئيس الأسد يعلم أن خيبته في هذه المؤسسة كانت أكبر من خيبته في حزبه، وأنه عاب عليها عجزها عن السيطرة على المواطنين وضآلة نفوذها لديهم، بينما كان يتحدث باحتقار عن حزب البعث، الذي انهار كبيت من كرتون ولم يمارس تأثيراً يذكر على الأحداث.

لا اعتقد أن النتائج التي وصلنا اليها تفسر ما حدث في الواقع او تسوّغ تجاهل الأسباب التي ساقتنا إلى حيث نحن اليوم. إذا ما اردنا فهم ما يجري انطـلاقاً من النتائج، قلنا: إنه يوجد اليوم في سوريا قتال بين طرفين. وإذا رأيناها بعين الأسباب، كان علينا الـقول: هـذا القتال خطط له ونظمه وأشرف على دفعنا إليه نظام يجب ان يتحمل المسؤولية عن نتائجه، خاصة انه أطلق النار طيلة ستة أشهر على مواطنين مسالمين كان قد اقر أول الأمر بمشروعية مطالبهم، لكنه ما لبث أن جعل حراكهم السلمي مستحيلا، واجبرهم على الدفاع عن انفسهم بالسلاح. في هذه الحال: هل يتساوى الطرفان؟ وهل يمكن معالجة الأزمة انطلاقا من نتائج لا أسـباب لها؟ صحيح اننا أمام مأزق خطير يمكن أن يأخذ بلادنا إلى الحرب الأهلية والتقسيم، لكن من الصحيح أيضاً رد هذا المأزق إلى سياسات رسمية طبقت خلال أشـهر طويلة حفلت بإذلال الناس وسفك دمائهم وترويعهم، فقد دخل خلال أشهر الانتفاضة السبعة الأولى إلى السجن وخرج منه قرابة نصف مليون سوري معظمهم من الشباب، وارتكبت فظاعات لا توصف ولا تصدق بهدف إجبار المواطنين على حمل السلاح، والتخلي عن مبدأ الحرية الجامع لشعب سوريا الواحد، والانخراط في صراع طائفي رأى النظام فيه مخرجه الداخلي من المأزق، وأنجزه بحسابات داخلية أوهمته أنه منتصر لا محالة بمجرد أن يطيّف الحراك، وخارجية أقنعته أن القوى الكبرى لن تتدخل في اقتتال طائفي وستبقي عليه في نهاية المطاف، وأنه لا ضير في تدمير سوريا إن كان تدميرها يضمن له البقاء؟ بالمقابل، لم يحمل معظم من قاوموا النظام السلاح كي يدمروا البلاد، ولم ينخرطوا في العنف لأنهم تلقوا ضمانات خارجية تجعل منه سبيلهم إلى السلطة، بل فعلوا ذلك دفاعاً عن انفسهم وأسرهم وممتلكاتهم. هل هناك حاجة إلى التذكير هنا بمعنى توحيد السلطة ومنع ظهور أية تباينات في وجهات نظر واية اجتهادات بين اطرافها، بما في ذلك من ينتسبون الى أعلى مراكزها (تذكّر ما جرى لوزير الدفاع العماد علي حبيب)؟. وهل يفوتنا معنى الإفراط في اللجوء إلى القوة العسكرية ضد مناطق الكثافة السكانية عامة والريفية منها خاصة؟ وتحريض المواطنين بعضهم ضد بعض انطلاقاً من انتماءاتهم الدنيا، التمزيقية والمشحونة بالأحكام المسبقة والجهل وتالياً بالعنف، وتحويل نضالهم في سبيل الحرية إلى اقتتال أهلي أوصل النظام نفسه أسلحته إلى أيديهم في حالات كثيرة، لكن وعيهم وتمسك غالبيتهم بالعيش الوطني المشترك حالا دون نجاح ما كان يدبره لهم؟ لن أذكر، أخيراً، بما قلته للسيدة شعبان حول العنف الذي سيخرج حل الأزمة السورية وأوراقها من ايدي جميع السوريين، وسيجعله ضرباً من المحال بقوانا الداخلية او الوطنية، لاسباب كثيرة منها ان ازمة وطنية ومجتمعية وسياسية متشعبة وشاملة كأزمتنا يستحيل ان تحل بالعنف، الذي سيؤجج نيرانها حتى تأكل الأخضر واليابس، كما حدث بالفعل؟

ما الذي اردت قوله في هذه العجالة؟ إنه التالي: ليس ما يجري في سوريا دليلاً على فشل «حلم الدولة المدنية»، التي اراها «كدولـة ديموقراطـية»، بل هـو دليل قاطع على فشل السلطة الاستبدادية، التي خططت لجعل الفوضى بديلها الوحيد، بدلالة شعارين طرحهتما قبل نشوب الثورة قالا: «الاسد أو لا أحد»، و«الأسد أو نحرق البلد». إلى أين غير الفوضـى كان يمـكن أن تقـودنا قيـادة هذه توجـهاته السياسية. بماذا ستـكون الفـوضى، التي تحـدثنـي عنها كاحـتمال مستقبلي سيلي سقوط النظام، مختـلفة عن حالنا الراهنة، التي تسببت بها ممارسـات أمـلاها توجه عملي، تطبيقي، يقول لنا بلا مواربة: إما الأسد أو القضاء على الشعب وحرق البلاد؟ وما علاقة «حلم» الدولة المدنية بهذين الشعارين وبالسلطة التي تبنتهما؟ هل يتحمل هذه «الحلم» المسؤولية عن الطريقة التي طبقا بها؟ ثم، عن أية فوضى مستقبلية يمكننا ان نتحدث، إذا كان النظام قد دمر جميع مدن سوريا الرئيسة، وشرد ملايين المواطنين، وقتل عشرات الآلاف منهم، وأوصل مئات الآلاف إلى السجون والمعتقلات والمنافي، وجرح ولاحق مئات آلاف أخرى، وتسبب في اختفاء وفقدان مئات آلاف إضافية؟ هل ما جرى لهؤلاء كان نتاج هوائية «حلم» الدولة المدنية؟ هذه الفوضى الشاملة، التي تحصد يوميا أرواح مواطنينا، هي ما يجب أن نتوقف عنده، ونعتبره الخطر الرئيس الذي يدمر وطننا، كي لا يستمر بأشكال أخرى في المقبل من الأيام، فلا بد أن نؤيده بكل ما نملك من حب وولاء لشعبنا، إذا أردنا له أن يبقى واحداً وموحداً، وأن ينجو حقا من الفوضى الحالية، التي تؤسس لجميع أنواع الفوضى المقبلة؟

عندما كنا نقول ديموقراطية، كان هناك من يخبرنا أن المجتمع ليس ناضجاً لإحرازها او مؤهلاً لبنائها. وعندما قام المجتمع مطالبا بها، حاربت السلطة بكل ما تملك من قوة حملته وحراكه المدنيين، كي تجبر حلفاءهم في المجتمع الأهلي على هجر المشروع الديموقراطي والسلمي، والالتحاق بمشروع مذهبي / طائفي عنيف ومسلح. وقد حدث شيء مما خطط النظام له، ووقعت (بمساعدة مباشرة او غير مباشرة من بعض قوى المعارضة والجهات الإقليمية والدولية) المأساة الوطنية العامة التي حلت بمختلف قطاعات شعبنا: من أعالي البادية إلى اعالي جبال الساحل، ومن درعا إلى ديريك. فهل من الحكمة، صديقي العزيز، القفز عن أساب الفوضى القائمة ومجرياتها وضحاياها، للحديث عن الفوضى الآتية، التي يفهم من يقرأ مقالتك أنها قادمة على جناح «الحلم» بدولة مدنية، الذي يصير مسؤولا في هذه الحال عن تفجير المجتمع وخراب الدولة، ولا يشفع له أنه طالب بالعدالة والمساواة والحرية لجميع المواطنين بلا استثناء، وكان سلمياً طيلة نصف عام، وطالب أول الأمر بإصلاح تحت قيادة الرئيس الأسد، الذي رد عليه انطلاقاً من واقع كان النظام قد بناه بعناية وحرص خلال قرابة نصف قرن، استهدف تخليف المجتمع وزرعه بالانقسامات المذهبية والطائفية، وتحديث السلطة أمنياً وقمعياً، وجعلها قادرة في أي وقت على تنظيم حرب اهلية بين مكوناته، في حال طالب بالحرية للشعب السوري الواحد!

لا أستبعد ان تدخل سوريا في حقبة جديدة من الفوضى، بعد زوال نظامها الحالي أو - لا قدر الله - هزيمة ثورتها. لكنها لن تخرج منها بأي حال من الأحوال من دون إقامة نظام ديموقراطي قد يكون مليئاً بالعيوب، لكنه يبقى الخيار الوحيد في مواجهة نظام استبدادي يدمر بلادنا منذ قرابة عامين بتصميم من يقضي على عدو!

لن تبقى سوريا من دون النظام الديموقراطي والدولة المدنية. أليس هذا ما نؤكده تجربة عامي الدم والدموع؟ أليس هذا التصميم الشعبي أداتنا إلى إنقاذ وطننا من النظام ومن الفوضى التي لا ترحم أحدا؟

كاتب سياسي ـ سوريا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نعم بدأت معركة دمشق

علي حماده

2012-12-01

النهار

قد لا يكون مطار دمشق سقط، وقد لا يسقط بهذه السرعة التي يظنها البعض، ولكن مجرد توقف حركة الملاحة فيه، وانقطاع خدمة الانترنت والاتصالات الخليوية بشكل كامل عن سوريا، مؤشر لتداعي قدرة النظام على التحكم والسيطرة، وتأمين مناطق آمنة حتى في قلب العاصمة دمشق. اكثر من ذلك، وهنا الاهم، يسري في دمشق مناخ نهاية نظام. ففي معلومات يتداولها مصرفيون لبنانيون شديدو الاطلاع على الاوضاع السورية، فإن دمشق كلها تعيش على وقع معلومات عن قرب مغادرة بشار العاصمة بعدما بدأت تضيق عليه الدائرة، ومع اقتراب نار الثورة من المركز. وتشير المعلومات الى ان العدة اعدت كي ينتقل بشار الى منطقة الساحل وربما الى اللاذقية نفسها. طبعا هذا لا يعني ان القتال سيتوقف بالضرورة في دمشق حيث يحتفظ النظام بصفوة من قواته وبكم هائل من السلاح والذخيرة والقدرات النارية.

في لقاء جمع ديبلوماسيين غربيين في باريس بدبلوماسي لبناني، كان حديث عن ان معركة دمشق أزفت، وان ثمة تعجيلا لوتيرة الهجوم على النظام في كل مكان، بصرف نظر عن مهمة المبعوث الاممي- العربي الاخضر الابرهيمي الذي يبدو في هذه المرحلة اقرب الى استاذ جامعي منه الى ديبلوماسي ممارس. فالمرحلة الراهنة هي للقتال لا شيء غيره. وبحسب ما نقل الينا من مضمون اللقاء الباريسي، فإن معركة دمشق الكبرى هي في طور الانطلاق، وما يحصل حول المطار لا ينفصل عن مسار المعركة الكبرى لاسقاط بشار في العاصمة. وعليه ثمة تقديرات استخباراتية اوروبية تفيد ان النظام لن يستمر اكثر من بضعة اسابيع مقبلة. فالخروج من العاصمة معناه سقوط الشرعية وحتى لو لجأ الرئيس السوري الى اللاذقية فسوف يتم الاعلان عن سقوط النظام رسميا بمجرد سقوط العاصمة، ولو استمر القتال في امكنة اخرى.

في مكان آخر، كان لديبلوماسي اممي كبير زار العاصمة الفرنسية اخيرا كلام عن الموقف الروسي، قال: "ان الموقف الروسي يشهد بدايات تحول لكنه غير كاف، فقد ادركوا انهم تورطوا في معركة خاسرة في سوريا، وسوف يخسرونها حتما". اضاف: "لقد ارتكب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطأ كبيرا عندما اتخذ موقفا متصلبا الى جانب نظام بشار الاسد، واغلق ابواب مجلس الامن. واليوم ما عدنا في حاجة الى مجلس الامن لأن الموقف يتطور على الارض في اتجاه سقوط النظام. وكلما تسارعت وتيرة سقوطه امكنت اعادة السيطرة على الارض، وتعويم مؤسسات الدولة وحفظ الامن في المرحلة اللاحقة".

في مطلق الاحوال، فإن المشهد العام واضح. لم يعد أحد في العالم يتحدث عن تسويات. الكل يتحدث عن سقوط النظام بأسرع مما كان متوقعا. وبناء على ما تقدم، ليس صحيحا ان المعركة في سوريا طويلة. من هنا يمكن القول ان معركة دمشق قد بدأت فعلا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل بدأت معركة دمشق... "الحاسمة"؟

سركيس نعوم

2012-11-30

النهار

قبل بضعة أشهر عنُفت الاشتباكات بين الثوار السوريين وقوات نظام آل الاسد في ما يسمى ريف دمشق ودمشق نفسها. قيل في حينه في الاعلام وخارجه ان معركة السيطرة على العاصمة قد بدأت، وإن من شأن ذلك تسريع انتصار الثورة، وانتقالها الى مرحلة بناء الدولة وفقاً لنظام جديد يقول كل قادتها على تنوعهم السياسي والطائفي والمذهبي انهم يريدونه ديموقراطياً. لكن المعركة المشار اليها فشلت اذ نجحت وحدات الجيش النظامي في الامساك بالعاصمة بقوة بعد اقفال الثغر التي تسلل منها اليها الثوار. وهي ثغر حدودية، اذا جاز التعبير بين العاصمة وريفها.

لماذا هذا الكلام الآن عن محاولة عسكرية ثورية فشلت في تحقيق هدفها قبل اشهر؟ لأن وسائل الاعلام كلها ملأى ومنذ ايام كثيرة بأخبار تؤكد ان معركة دمشق بدأت، ولكن بمبادرة هذه المرة من النظام الذي قرر على ما يبدو حسم الوضع في العاصمة لمصلحته، ولأن مصادر الاخبار ولا سيما التي منها جدية وفعلية في آن واحد تؤكد هذه الاخبار سواء في صيغتها المنشورة في الاعلام او في صيغ اخرى. هذا فضلاً عن ان ترك الاوضاع في دمشق على ترديها التصاعدي من شأنه ارباك قادة النظام وفي مقدمهم الرئيس بشار الأسد ووضعهم جدياً ربما للمرة الأولى امام احتمال بداية النهاية وإن طويلة. ذلك أن ريفها صار في غالبيته تحت سيطرة الثوار، او في صورة ادق توزعت السيطرة عليه بين قوات الفريقين مع أرجحية واضحة جداً للثوار. كما ان هؤلاء صاروا ومن جهات عدة على تخوم العاصمة او على ابوابها. ولذلك فان الدفاع عنها يقتضي اولاً اخراج الثوار من "الريف" واستعادته، ثم الإطباق عليهم في العاصمة وإحكام السيطرة عليها. وهذا ما سيجري قريباً. ولا شك في ان معركة دمشق ستؤدي الى شمولها "بنعمة التدمير" التي لم توفّر اياً من مدن سوريا وأريافها.

هل تنجح معركة "تحرير" ريف دمشق من الثوار على أيدي قوات النظام، وإبعاد تهديدهم الجدي لها في الاشهر القليلة الماضية؟

مؤيدو النظام السوري من اللبنانيين، الذين يعتمدون على عواطفهم عند اطلاق المواقف السياسية والتحليلات والاستشرافات، يؤكدون ان الاسد سيحسم المعركة في دمشق وريفها، وان ذلك سيكون المنطلق لاستعادة سائر المناطق "المحررة" من الثوار بعد القضاء عليهم. اما الذين من هؤلاء يعتمدون على العقل والمنطق فانهم لا يجزمون بالنجاح رغم رغبتهم الصادقة فيه، وربما رغم المساعدة المباشرة التي يقدمونها "للنظام" من اجل تحقيقه. أما المعادون للنظام من لبنانيين وسوريين وعرب ومعهم المتابعون الاجانب للأوضاع في سوريا فانهم يعطون حظوظاً كبيرة لاخراج النظام وقواته من دمشق وريفها وتاليا لتسريع انهياره. لكنهم يلفتون الى أن السيطرة على العاصمة ومحيطها قد تحتاج الى معارك لا معركة واحدة. اما التأكد من النصر فنابع من ان القوى النظامية التي تقاتل هي المضمونة الولاء، اما الاخرى المشكوك في ولاء كل افرادها فانها بعيدة الى حد ما عن القتال المباشر. لكن الأولى تعبت. ولذلك فان النظام يحاول تجنيد من هو قادر على القتال وراغب فيه او ملتزم فيه. ولذلك ايضاً توقفت غالبية القتال البري ولجأ النظام الى الطيران الحربي والمدفعية والصواريخ. لكن الصواريخ المضادة للطائرات بدأت تصل وقد تُعطِّل جزئياً قدرته العسكرية. هذا مع الاشارة الى ان النظام قد بدأ من دون اعلام تنفيذ الاجراءات التي يجب على كل جيش تنفيذها في حال خسارة المعركة وذلك فقط من باب الاحتياط.

ماذا عن المدن السورية الأخرى التي "يشترك" في السيطرة عليها وعلى اريافها الجيش النظامي والثوار؟

لا بد ان تستمر المعارك فيها بين الطرفين، يجيب المتابعون الأجانب انفسهم. لكنهم يستبعدون ان تشهد معارك حاسمة في اثناء خوض المعركة النهائية في دمشق وريفها وعليهما، ربما لأن "امكانات" الفريقين عسكرياً لا تسمح لهما بذلك. علماً ان هذه المعارك ستبدأ وبالتدريج فور انتهاء الأعمال العسكرية في دمشق اياً يكن الرابح والخاسر فيها.

ماذا بعد معركة دمشق والمعارك التي ستليها؟

الجواب عن هذا السؤال ليس واحداً عند المتابعين الاجانب اياهم وتحديداً اذا كان النظام السوري هو الخاسر فيها. وقد يعود ذلك الى غياب مخططات نهائية عند احد من الثوار لما يجب ان يكون عليه الوضع في الدولة المذكورة بعد انهيار نظام الأسد، وخصوصاً بعد التشرذم ومنذ بداية الثورة للقوى المشتركة فيها، وخصوصا بعد تحولها مسلحة، وبعد العجز حتى الآن ورغم كل المساعي والضغوط الدولية والعربية لتوحيدها. انه جوابان ومتناقضان. ما هما؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاطلسي والملف السوري: رسائل 'باتريوت' غير العسكرية

صبحي حديدي

2012-11-29

القدس العربي

ليس عسيراً فهم الأغراض الأخرى غير العسكرية، التي قد لا تقلّ أهمية في حسابات العلوم العسكرية ذاتها، خلف الطلب التركي من حلف شمال الأطلسي بنشر أنظمة صواريخ 'باتريوت' على الحدود مع سورية؛ وهذه حدود تمتدّ على شريط طويل، متباين في التضاريس، متغاير في الأهمية الستراتيجية، يتجاوز 900 كم، كما هو معروف.

الصواريخ 'دفاعية' كما تُصنّف في الرطانة العسكرية، وتاريخ نشرها الأقرب عهداً في ذاكرة المنطقة يعود إلى مطلع التسعينيات، بعد الغزو العراقي للكويت وأثناء عمليات 'عاصفة الصحراء'، وتهديد بغداد بإمطار تل أبيب، وسائر إسرائيل، بصواريخ 'الحسين'. وأمّا جدوى الصاروخ على هذا المستوى، الدفاعي، فإنها ليست محلّ إجماع لدى خبراء الأسلحة الصاروخية (ما تزال غامضة، حتى الساعة، حصيلة أنظمة 'باتريوت' في المثال الإسرائيلي؛ وهنالك واقعة واحدة، على الأقلّ، برهنت على فشل ذريع: العجز عن التصدّي لصاروخ سكود عراقي أصاب ثكنة للجيش الأمريكي في الظهران، السعودية، وتسبب في مقتل 28 جندياً أمريكياً).

ورغم هذا السجلّ الإشكالي، وحقيقة أنّ هذه الأنظمة الصاروخية بيعت لدول أخرى في المنطقة (مصر، الكويت، السعودية، الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن إسرائيل بالطبع)؛ فإنّ الغضب الإيراني من نشرها على الحدود السورية ـ التركية بدا أشدّ حدّة بالمقارنة مع وجود الصواريخ ذاتها لدى ثلاث من جارات إيران، غير تركيا! وهكذا، نقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الايرانية عن رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، تصريحاً أعقب عودته من زيارة إلى سورية ولبنان وتركيا، اعتبر فيه أنّ 'وضع هذه الأنظمة في المنطقة له آثار سلبية، وسوف يعقد المشكلات'... متناسياً أنها لم توضع، بعد، في المكان الذي يتخوّف منه لاريجاني، أي الحدود السورية ـ الإيرانية؛ في حين انها متوفرة، لتوّها، هنالك حيث يتوجب أن يتخوّف صاحبنا، أي على محاذاة الحدود مع إيران. رامين مهمان باراست، المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية، كان أكثر وضوحاً، وبالتالي أشدّ فضحاً للسبب الحقيقي وراء سخط إيران: نشر الصواريخ 'لن يساعد في حلّ الموقف في سورية، وسيجعله أكثر صعوبة وتعقيداً'.

الموقف الإيراني (ومثله الموقف الروسي، في الواقع) يكشف بعض فحوى الأغراض غير العسكرية وراء التلويح بنشر هذه الصواريخ، في أنها تبعث ـ عبر بريد القبضة الصاروخية، ليس أقلّ! ـ بأربع رسائل سياسية ـ عسكرية، غير تلك الرسائل الأخرى البلاغية والتعبوية والعقائدية: 1) أنّ الحلف الأطلسي ليس غائباً عن الملفّ السوري، ويمكن أن ينخرط فيه على أي نحو، في أيّ وقت قريب؛ و2) أنّ تركيا دولة عضو في الحلف، وأمنها من أمن المنظومة الأطلسية بأسرها؛ و3) وأنّ الصواريخ لا تُبْلِغ الرسالة إلى نظام بشار الأسد أوّلاً، بل إلى طهران (على خلفية برنامجها النووي، ابتداءً)، ثمّ إلى موسكو (مفاوضات الدرع الصاروخي الأوروبي، المعقدة المتثاقلة)، ثمّ عراق نوري المالكي (في مسائل شتى، لا تبدأ من انحيازات الأخير، الداخلية والإقليمية، ولا تنتهي عند تأزيم الوضع مع إقليم كردستان...)؛ و4) أنّ أنظمة 'باتريوت' تحمي، كذلك، جميع حلفاء الأطلسي وأصدقائه في المنطقة، وبعضهم في هذا يستوي في الأهمية مع تركيا ذاتها، إنْ لم يكن يفوقها (كما في مثال إسرائيل، أساساً).

ويُفهم، بذلك، قرار حلف شمال الأطلسي بعقد اجتماع قياته البرّية في مدينة إزمير التركية، اليوم تحديداً؛ وتصريحات بن هودجز، قائد القوّات البرّية المشتركة للحلف، التي تسكب جرعات متعاقبة من ماء ساخن وآخر بارد، على مشروع نشر الـ'باتريوت' على الحدود السورية ـ اللبنانية. فهو من جهة أولى، يؤكد أن هذه الأنظمة الصاروخية 'دفاعية' في الأصل، و'لا يمكن أن تُستخدم لشنّ هجوم'، أو 'لإنشاء منطقة حظر جوي'. ولكنه، من جهة ثانية، يشدّد (وكأنّ أحداً يجهل!) أنّ 'حدود تركيا هي حدود الحلف الاطلسي'، و'في حال تعرضها لهجوم، فإن الحلف سيجتمع مباشرة دون تأخير'؛ لاتخاذ قرار نشر الصواريخ. وبين هذا وذاك، يذكّر هودجز بأنه 'لم يُتخذ، بعد، قرار نهائي في الحلف بشأن هذه الصواريخ، وأنّ المسألة في مرحلة البحث'؛ لأنّ نشرها يتطلب موافقة 28 من الدول الأعضاء، الأمر الذي لا ينفي اعتقاد الجنرال بعدم وجود سبب لدى أي من أعضاء الحلف للاعتراض على نشرها.

ولأنّ الأطلسي، في تعريفه الأمّ، وكذلك بحكم منطق الأمور الأبسط، حلف عسكري وسياسي معاً؛ وهو، اليوم، توسّع إلى 28 دولة، بينها جمهوريات سوفييتية سابقة (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا)، وأخرى كانت منضوية في حلف وارسو طيّب الذكر؛ فإنّ الحلف ليس الوحيد في عالمنا المعاصر، فحسب؛ وليس التذكرة الوحيدة، تقريباً، بأنّ البشرية عاشت الحرب الباردة طيلة حقبة كاملة متكاملة، فحسب أيضاً؛ بل هو، أساساً ربما، حلف جغرافي ـ حضاري ـ ثقافي، إلى جانب السياسة والأمن والعسكرة. هذا ما كانت الإنسانية قد فهمته من كلام الرئيس التشيكي الراحل فاتسلاف هافيل، حين احتضنت بلاده قمّة للحلف الأطلسي لم تكن تشبه سواها من القمم، لأنها ببساطة كانت 'قمّة التحوّل'.

التحوّل العسكري؟ نعم، ولكن ليس تماماً، أو ليس حصراً. قال هافيل، في نبرة تحذير لا تخفي هذا الواجب الملحّ: 'على الحلف أن لا يتوسّع خارج مضمار محدّد للغاية من الحضارات التي عُرفت عموماً باسم الحضارات الأورو ـ أطلسية أو الأورو ـ أمريكية، أو الغرب ببساطة'. هل كانت تركيا هي المقصودة بهذا التعريف 'المضماري'، الذي لا يفلح تماماً في تنقية كلّ الروائح العنصرية؟ أم هي الدول التي ما تزال تعيش فيها جاليات مسلمة؟ وما الدافع إلى إطلاق ذلك التحذير، تحديداً، والقمّة تناقش توسيع الحلف شرق وجنوب أوروبا، وضمّ سبع دول جديدة إلى النادي؟ أيّ من هذه الدول (نفسها التي تسلمّت وثائق عضويتها في الحلف من الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، يومذاك: إستونيا وبلغاريا وسلوفينيا وسلوفاكيا ورومانيا ولاتفيا وليتوانيا)، لم تكن تنطبق عليها معايير المضمار الحضاري الأورو ـ أطلسي؟

البعض يقول، بحقّ، إنّ أسئلة كهذه تظلّ نافلة كائناً مَنْ كان طارحها، ما دام جوهر الحلف عسكرياً ـ سياسياً، وما دامت الولايات المتحدة هي الدولة الأهمّ في بقائه على قيد الحياة، وفي تعزيز شوكته العسكرية - التكنولوجية. صحيح، آنذاك، أنّ الفرنسيين والألمان لم يكفّوا عن مضايقة البنتاغون، واليمين في إسبانيا خسر معركة الحلف المقدّس مع واشنطن، والعراق يغلي ويتفجّر ويحترق... ولكن من الصحيح أيضاً أنّ الولايات المتحدة لم تتسوّل قرار الحرب من الحليفات الأطلسيات، ناهيك عن طلب المساعدة العسكرية. ألا يعرف جميع الحاضرين، من مدنيين وعسكريين على حدّ سواء، أنّ هزّة 11/9 منحت الولايات المتحدة أكثر من ترخيص عسكري واحد، وجنّبت واشنطن حرج التشاور مع الحليفات الأطلسيات كلما رنّ ناقوس في كنيسة؟ وإذا كان لقاء براغ قد استحقّ بالفعل تسمية قمّة التحوّل ، فليس ذلك لأسباب عسكرية أبداً، وإنما بسبب اختراق الحلف الأطلسي جميع مواقع حلف وارسو السابقة، وبلوغه ظهر وبطن وخاصرة روسيا، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً!

من الصحيح، كذلك، أنّ التوازن داخل الحلف ليس مختلاً لصالح الولايات المتحدة، فقط؛ بل هو يفتقر بالفعل إلى جملة العناصر التي تتيح استخدام مفردة 'التوازن'، وفق أيّ معني ملموس. مراسل صحيفة الـ 'إندبندنت' البريطانية اختار، يومها، وجهة طريفة للتعبير عن هذا الإختلال، فسجّل حقيقة أنّ الوفد الأمريكي إلى قمّة التحوّل تلك شغل سبع طبقات من فندق الـ'هلتون' الذي يحتضن الوفود، مقابل طبقة واحدة للوفد الهولندي مثلاً! وأمّا في مصطلحات أخرى أكثر دلالة، فإنّ الولايات المتحدة تنفق، وحدها، مليار دولار أمريكي يومياً على شؤون الدفاع؛ في حين أنّ مجموع الدول الأوروبية الغربية، الأعضاء في الحلف، كانت قرابة 500 مليون دولار.

اليوم، إذْ تلاحظ إليزابيث شيروود، مساعدة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لشؤون أوروبا، أنّ الحلف، في أفغانستان وحدها، ينشر 125 ألف مقاتل، من 28 دولة عضواً في الحلف، و22 دولة صديقة أو شريكة؛ تذكّر بجوهر موقف أوباما من الأطلسي: أنه 'التحالف الأكثر نجاحاً على امتداد التاريخ الإنساني'. كما تضيف، بنبرة قاطعة، وصحيحة تماماً في الواقع: 'لا توجد اليوم مسألة ذات أهمية للأمن القومي إلا ونشتغل عليها مع حلفائنا الأوروبيين: مواجهة الإرهاب، التعامل مع أسلحة الدمار الشامل وانتشار الأسلحة الصاروخية، معالجة أمن شبكة الإنترنت، تطوير أمن الطاقة، واللائحة طويلة، عدّدوا فيها ما شئتم'... ما لا يتوجب نسيانه في ملاحظات شيروود، التي قيلت بمناسبة انعقاد قمة الاطلسي في شيكاغو هذه السنة، هو استذكارها أنّ سنة 2012 تسجّل الذكرى الـ15 لتدشين تعاون الحلف الأطلسي مع دولة لا تخطر على البال بسهولة: روسيا!

شيروود، في مساهمة مطوّلة حول تجديد شباب الحلف، تتفاخر بملفات صربيا وأفغانستان والعراق وليبيا، ولا تأتي على ذكر سورية مرّة واحدة، وكأنّ ما يجري في هذا البلد ليس 'مسألة ذات أهمية للأمن القومي'، على أيّ نحو. لكنّ الحمقى وحدهم يمكن أن يصدّقوا أنّ شيروود لا تضمر الحديث عن سورية في أي، وكلّ، تلميح إلى أولويات الحلف الأمنية في المنطقة؛ وأنّ الرسائل التي يبعث بها مشروع نشر صواريخ 'باتريوت' على الحدود التركية ـ السورية، هي من الطينة ذاتها التي تحثّ شيروود على التنبيه، مراراً وتكراراً، إلى أنّ روسيا ليست خصماً في النظام الأمني العالمي الراهن. ونعرف، من تجارب شعوبنا وشعوب أخرى سوانا، أنهم حين يتفقون على خلاصات أيّ نظام أمني عالمي، فإنّ طموحاتنا إلى الحرية والديمقراطية والكرامة والاستقلال والنهوض... هي آخر ما يدرجونه في حساباتهم الكبرى، إذا لم يدرجوا نقائضها، لصالح أنظمة الاستبداد والتبعية ذاتها التي تسوم شعوبنا عسفاً ونهباً.

وليس مدهشاً، بذلك، أنّ يكون أردأ قارئي رسائل صواريخ 'باتريوت'، أناس من أمثال بشار الأسد (الذي اعتبر نشرها 'خطوة استفزازية'!) ونوري المالكي (الذي طالب الحلف الأطلسي بـ'البقاء بعيداً عن الحرب الأهلية في سورية'، متهما تركيا بمحاولة جرّ الحلف إلى الصراع!). الأوّل، بعد أبيه، أبقى حدود الجولان المحتلّ آمنة أمام الاحتلال الإسرائيلي طيلة أربعة عقود، وتواطأ مع تركيا ضدّ الأكراد، وتناسى لواء الإسكندرون السليب؛ والثاني يدين بوجوده إلى الاحتلال الأمريكي، ثمّ الوصاية الإيرانية). وفي المقابل، ليس مستغرباً أن يكون أبناء الشعب السوري ـ المنخرطون، دون كلل، في سيرورات الارتقاء بالحراك الشعبي، وتطوير أشكال مقاومة آلة النظام العسكرية، وتسجيل انتصارات يومية على النظام وعلى أخطاء وعثرات انتفاضة عبقرية فريدة ـ هم الأقلّ اكتراثاً بالرسائل: المرسِل، والمرسَل إليه، وساعي البريد... سواء بسواء!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تمثيل السوريين: المهمة الصعبة

فايز سارة *

الخميس ٢٩ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

ثمة أوهام كثيرة اليوم في امكانية ان يقوم كيان ما بتمثيل السوريين بصورة حصرية وشرعية، والاساس في هذه الاوهام تصور اصحابها بأنهم يمكن ان يكونوا بديلاً من السوريين كلهم او أكثريتهم، وهم في هذا انما يستندون الى الظرف الاستثنائي من حياة السوريين، ووقوعهم في ظل احداث العشرين شهراً الاخيرة سواء اعتبروها ثورة كما يقول المعارضون للنظام، او مؤامرة كونية لها ادوات محلية من السوريين، كما يصفها النظام وانصاره، وهي الظروف التي يأمل كل السوريين بالخروج منها، وفي الافق رؤيتان متناقضتان، أولاها ترغب في انتصار الثورة بما تمثله من اهداف تحقق الحرية والكرامة والعدالة والمساواة، واخرى ترغب في استعادة النظام لسلطته، واعادة السوريين الى بيت الطاعة على نحو ما كان عليه الوضع في آذار (مارس) 2011.

والحق فإن الظرف الحالي بما فيه من اختلافات وتناقضات بين النظام ومعارضيه، يمثل بيئة تبين بوضوح الاهم في مشكلة تمثيل السوريين. فالنظام رغم كل ما فعله، ما زال يدعي تمثيل السوريين جميعاً، وان كانت بعض اوساط النظام في ظل وقائع انقسام السوريين بين مؤيدين ومعارضين والحرب بينهما، خففت قاعدة تمثيله الى قول، ان النظام يمثل السوريين المؤيدين ولـ «الأكثرية» التي تقف الى جانبه في مواجهة «المؤامرة الكونية» وأدواتها من «الارهابيين» و «الجماعات المسلحة».

واذا كانت فكرة تمثيل السوريين على هذا النحو عند النظام، فإن فكرة التمثيل عند معارضيه، تبدو اكثر التباساً وتعقيداً. ليس لأن معارضي النظام، لم يعودوا يعترفون بتمثيلية النظام ولو النسبية، باعتباره نظاماً ساقطاً او في طريقه للسقوط فقط، بل لأن المعارضين منقسمون انقسامات متعددة، اذ هم في الواقع موزعون ما بين معارضة سياسية، واخرى عسكرية، وثالثة يعبر عنها الحراك الشعبي بما فيه من فعاليات اهلية ومدنية، وكل واحدة من هذه الانقسامات في المعارضة فيها كتل واطراف، كما هو حال المعارضة السياسية، التي وان قدمت تكوينها الجديد والاوسع مؤخراً تحت اسم الائتلاف الوطني السوري، فان فيها كتلاً رئيسية، يدعي اثنان، ان كل منهما يمثل اغلبية المعارضة، وهذه اشارة الى المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية، واســـتناداً الى هذا الادعاء، يمد كل منهما اذرعه الى المعارضة العسكرية والى الحراك الشعبي، ويحاول كل منهما القول، ان لديه قاعدة اوســـع للتمثيل الشعبي في سورية.

لقد ساد في الفترة الماضية من عمر ثورة السوريين، وهم تمثيل السوريين لدى هيئة التنسيق عند تأسيسها اواسط العام 2011، ثم تكرر ذلك لدى المجلس الوطني بصورة اكبر عند تأسيسه في خريف العام نفسه، بل ان الوهم تزايد عند الاخير بسبب ما احيط بتأسيسه من اضواء اعلامية وتصريحات اثبتت انها غير ذات جدوى ولا صدقية، ارتبطت بتقصير عملي وسياسي في اداء المجلس الوطني السوري باعتباره «ممثلاً» للشعب السوري وفق ما ردده البعض في المجلس وخارجه.

وعلى رغم تقصيره، حاول المجلس الوطني ان يتقمص دور ممثل الشعب السوري في الاصرار على ضرورة انضواء الآخرين تحت لافتته ووفق توجهاته، واعتبر اي جهد خارجه او ملاحظات على سياساته وسلوكيات قياداته بمثابة مؤامرة ضده وضد الثورة، ولم تنفع النداءات والاصوات التي ظهرت داخل المجلس او خارجه في تغيير نظرة المجلس لنفسه ولعلاقاته الخارجية في مستوياتها السورية والخارجية، وهو الامر الذي يفسر تصريحات ساخنة ضد اطراف سورية وخارجية، صدرت عن بعض اركان المجلس في اعقاب اطلاق رياض سيف النائب السوري السابق المبادرة الوطنية التي حازت على تأييد ملحوظ في المستويين السوري والدولي، لانها كانت تعني ايجاد تعبير سياسي تمثيلي يتجاوز المجلس الوطني ويحتويه.

ولعل ذلك دفع المجلس الوطني في اجتماعات الدوحة الاخيرة لتحسين وضعه التمثيلي عبر خطوتين اثنتين اولاها اعادة هيكلة المجلس واجراء اصلاحات داخلية فيه من جهة، والثانية قيامه تحت ضغوطات كبيرة بالانضمام الى الائتلاف الوطني السوري المطور عن مبادرة النائب سيف، وحصوله على موقع مميز داخله في محاولة لتعزيز حضوره وقوته داخل الائتلاف الجديد.

وعلى رغم ان تشكيل الائتلاف الوطني السوري، بما اعلنه من توجهات، وما احتواه من كتل وقوى وناله من دعم عربي ودولي، يجسد المحاولة الاهم في سعي السوريين لإبراز تمثيل لهم، فإن من الخطأ اعتباره الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري، والامر في هذا لا يتصل بالمخاوف التي تحيط به من حيث احتمال سيره على طريقة المجلس الوطني او هيئة التنسيق، وهي مخاوف مشروعة. بل يتصل ايضاً بأمرين اثنين ينبغي ان يثبتهما المجلس، اولهما السعي الجدي لاستيــعاب ما هو خارجه من فعاليات وقوى سياسية وعسكرية وحراك شعبي في الداخل، والثاني وضع استراتيجية تستجيب بالفعل لمصالح الغالبية السورية وثورتها من دون ان يغفل ملاحظة اوضاع السوريين خارج الغالبية، وان يكرس هذه الاستراتيجية في سياسات مباشرة وعملية، لا ان تكون افكاراً على ورق.

ولعله من الحق القول، ان فرصة تشكيل الائتلاف الوطني في بنيته وبيئته، تستحق الدعم والمساندة ليأخذ الائتلاف دوره في السعي الى معالجة الاوضاع في سورية وتحقيق مطالب السوريين في وقف القتل والدمار والانتقال من الاستبداد الى الديموقراطية بأقل قدر ممكن من الخسائر، واعادة بناء البلاد وطناً لكل السوريين وبمشاركتهم، وهذا وحده سوف يساهم في ولادة كيان تمثيلي شرعي للسوريين، اما ان يكون ذلك الكيان وحيداً، فاعتقد ان السوريين لا يريدونه وحيداً في كل الظروف بفعل تجربتهم المرة مع «البعث» الذي وضع دستوراً ينص على ان حزب «البعث»، هو «الحزب القائد في الدولة والمجتمع»، ولا في ظل احتمال مجيء من يعتبر نفسه ممثل الله في الارض، وما على السوريين سوى السمع والطاعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"حزب الله" يغرق في ريف دمشق؟

علي حماده

2012-11-29

النهار

في معلومات من دمشق، ان القيادة العسكرية في النظام قررت تقليص درجة الاعتماد على القوات النظامية في الجيش من اجل القيام بمهمات قتالية، اذ دلت التجربة خلال الاشهر الاخيرة ولا سيما في الاسابيع الماضية ان المهمات التي تكلف بها القوات النظامية نادرا ما تحقق اهدافها لاسباب كثيرة، وغالبا ما تنتهي بإنشقاق العديد من الجنود والضباط المتوسطي الرتبة. وفي المعلومات ايضا ان النظام يستعين اكثر بالميليشيات التي انشأها (الشبيحة) وايضا بميليشيات "حزب الله" الذين ارتفعت اعدادهم كثيرا في المرحلة الاخيرة، وهم منتشرون في المناطق المحيطة بدمشق ذات البيئة السكانية العلوية او الشيعية او حتى المسيحية والكردية، ويشكلون الدرع ما قبل الاخير للنظام في دمشق. فخلف هؤلاء تنتشر قوات فرقة الحرس الجمهوري وحامية دمشق (اللواء ١٠٥)، وتجري استعادة آلاف الجنود من الحرس الجمهوري الى دمشق. بالفعل بدأت معركة دمشق من دون اعلان رسمي.

بالنسبة الى "حزب الله" ارتفعت وتيرة التورط العسكري المباشر ولا سيما في المناطق الى الغرب من دمشق والتي تمتد لغاية الحدود مع لبنان، هي تعتبر شريانا حيويا للحزب وايران وترتبط بمخازن سلاح، وبتسهيلات مطار دمشق الدولي. وفي مطلق الاحوال وبالرغم من قدرات مقاتلي الحزب وكفاءاتهم القتالية فالتقدير العام انهم لا يشكلون وزنا يعتد به للتأثير على المآل الاخير للصراع في سوريا. فالصدام بين الثورة والنظام يتجاوز طاقات "حزب الله". وكلما عادت جثث مقاتلي الحزب الى البلدات والقرى في البقاع والجنوب، سرت بلبلة اضافية في البيئة الحاضنة لأنه مهما قيل في "الواجب الجهادي"، يبقى على ارض الاخرين.

ما تقدم يعيدنا الى ما قاله النائب وليد جنبلاط اخيرا عند تقديمه مبادرته الوفاقية، حيث دعا فريقي الصراع السياسي في لبنان الى تجنب الانغماس في ميدانيات الازمة السورية. فأين "حزب الله" من نصائح جنبلاط؟ علما ان فريق ١٤ آذار لا يملك قدرات قتالية، ولو امتلكها فعلا لكانت تغيرت امور كثيرة عندنا.

قبل يومين اتصل بي وزير "وسطي" قال: "لماذا تصرون هكذا على استقالة الحكومة؟ فالحكومة اشبه ما تكون بالمستقيلة وتصرف الاعمال، والرئيس ميقاتي حرص على ان يكون خلال توليه السلطة حاميا لتركيبة المعارضة في الادارة. وقام سياسيا بكل الخطوات التي كان ليقوم بها الرئيسان الحريري والسنيورة". اجبت: "عزيزي اوافقك الرأي بالنسبة الى تصريف الاعمال. انتم الجزء الذي يصرف الاعمال في الحكومة، ولا وزن لكم في مواجهة الجزء الآخر الذي يحكم بالفعل وهو لا يصرف الاعمال بتاتا. ومثال بسيط على ما اقول، ان "حزب الله" طيّر طائرة "ايوب" مباشرة بعد "اعلان بعبدا" حول مرجعية الدولة للسلاح، وفي الوقت نفسه اعلن عن "الواجب الجهادي " في سوريا فألغى بند تحييد لبنان عن ازمة سوريا". في الخلاصة : ان "حزب الله" الى مزيد من التورط بدماء السوريين، و"الوسطية" الى المزيد من التنظير الاكاديمي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عبد العزيز الخيِّر ورفيقيه... سلاماً

فايز سارة

السفير

29-11-2012

مضى شهران على غياب عبد العزيز الخير واثنين من رفاقه، وليس من خبر او علم يطمئننا انهم بخير، وهذا قلق اضافي، ينبع من ظروف غياب عبد العزيز ورفيقيه اياس عياش وماهر طحان، وكان الثلاثة في سيارة تحملهم من مطار دمشق الدولي باتجاه قلب العاصمة دمشق وصولاً الى عائلاتهم التي كانت بالانتظار.

ولقوات الامن السورية حضور قوي وشديد الفعالية على طريق المطار المصنف بين اهم المناطق الامنية في سوريا، وهي تنشر حواجزها على امتداد طريق المطار وعلى التقاطعات الرئيسية فيه بحيث يصعب على اي كان القيام بخرق امني في هذه المنطقة، التي اعتقل فيها الرجال الثلاثة دون اي اعلان من جانب السلطات على نحو ما جرت العادة. وعندما تتالت الاسئلة للاجهزة عن اعتقالهم، نفت ان يكون الرجال الثلاثة قد اعتقلوا، والنفي سياسة ثابتة في سلوكيات الاجهزة الامنية، وهو احد متممات سياسة الاعتقال وتوابعها.

الرجال الثلاثة، قياديون في هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير في سوريا، وهي تكتل سياسي علني معارض، يجمع احزاباً وجماعات وشخصيات من اتجاهات متعددة ومتنوعة التلاوين في الواقع السوري، وفيهم من القوميين العرب مثل الاتحاد الاشتراكي الى القوميين الاكراد كما هو الاتحاد الديموقراطي الكردي وصولا الى تنظيمات ليبرالية ويسارية بينهم حزب العمل الشيوعي وغيرهم.

اثنان من الرجال الثلاثة اضافة الى المنسق العام للهيئة حسن عبد العظيم، كانوا في وفد لهيئة التنسيق عائد من زيارة للصين في اطار مساع هدفها البحث عن معالجات سياسية للازمة التي تطحن البلاد منذ نحو عامين، وكلفت سوريا خسارات بشرية ومادية كبيرة. وزيارة وفد الهيئة للصين جزء من جهود البحث عن حل سياسي للازمة مع حليفين آخرين للنظام في دمشق، هما روسيا وايران، وتم التباحث معهما مرات في دمشق وكل من موسكو وطهران في العام الماضي، لكن المحصلة النهائية لكل الجهود لم تثمر بسبب تدني محتوى مبادرات الوسطاء الثلاثة مقابل المطالب الشعبية، ونتيجة تشدد النظام في دمشق وانحيازه النهائي الى خيار الحسم الامني ـ العسكري للصراع القائم.

عبد العزيز الخير، هو احد المساهمين الاساسيين في تأسيس هيئة التنسيق الوطنية، التي اعلنت في حزيران 2011 بعد ثلاثة اشهر من الحوار بين اطراف كثيرة من المعارضة السورية، وهي لم تكن تجربته الوحيدة في المشاركة في تجارب هدفها خلق تحالفات سياسية لجماعات معارضة، فقد كان الرجل احد المشاركين في اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي المعارض في العام 2005، وتم انتخابه في مركز قيادي في اعلان دمشق قبل ان يغادره في العام 2008، كما ساهم في اقامة تجمع اليسار الماركسي في سوريا (تيم) في ربيع العام 2007، حيث ضم عددا من التنظيمات والجماعات اليسارية والشيوعية.

وجهود عبد العزيز في العمل ضمن التكتلات والتحالفات السياسية، انما هي ثمرة تجربة طويلة من العمل السياسي بدأت في اواخر السبعينات في انضوائه في حزب العمل الشيوعي، وقد صار احد ابرز قيادييه وخاصة في المجال الاعلامي والدعاوي، قبل ان يعتقل بعد ملاحقات امنية تجاوزت السنوات العشر، وحكم عليه بالسجن لمدة اثنين وعشرين عاماً، امضى منها ثلاثة عشر عاماً قبل ان يطلق سراحه في العام 2005 بموجب عفو رئاسي.

ولعل الاهم في تجربة عبد العزيز اثناء فترة اعتقاله قدرته على ان يفرض نفسه طبيباً في السجن وهو حدث استثنائي في تاريخ السجون السورية، إذ استطاع كطبيب، ان يقنع ادارة السجن الذي كان معتقلاً فيه بتحويل احدى الزنزانات الى عيادة طبية تقدم الخدمة للسجناء، وفي تلك التجربة قدم خدمات لما يزيد عن مائة الف حالة مرضية من خلفيات ايديولوجية وسياسية مختلفة ولسجناء قضائيين مختلفين.

عبد العزيز الخير بدوره في العمل العام وبقدراته التي وظفها من اجل خدمة مجتمعه، يمثل نموذجاً للانسان الذي تحتاجه سوريا في محنتها الراهنة وفي التحديات التي تواجهها، حتى ولو اختلفت جماعات وشخصيات مع بعض آرائه ومواقفه السياسية، التي يتشارك فيها مع رفيقيه اياس عياش وماهر طحان وجميعهم يستحقون الحرية والكرامة، والنظام الديمقراطي البديل الذي يصر السوريون ويسعون من اجله دون كلل او ملل.

كاتب سياسي ـ سوريا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية تفاقم انقسامات العراق

بول سالم *

الخميس ٢٩ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

بعد مرور نحو عشر سنوات على سقوط نظام صدام حسين وسنة على انسحاب القوات الأميركية، لا يزال العراق يجهد لإرساء الاستقرار السياسي فيه وبناء أمنه الوطني. كما لا تزال الخلافات في ما يتعلّق بالفدرالية وإدارة موارد النفط والغاز، والسيطرة على القوات المسلحة، فضلاً عن التوترات على الخطّين الكردي-العربي والسنّي-الشيعي، على أشدّها. وجاءت الانتفاضة السورية على نظام الأسد لتزيد الأزمة العراقية سوءاً.

صحيح أن حكومة المالكي لا تكنّ ودّاً للنظام السوري، إلا أنها تخشى أن يؤدّي صعود حكومة يسيطر عليها السنّة في دمشق إلى تقوية سنّة العراق في الأقاليم الشمالية والغربية، وربما إلى صراع متجدّد للسيطرة على بغداد. صحيح أن الحكومة لم تُبدِ المقدار نفسه من الدعم العلني للأسد الذي أبدته كلٌّ من إيران وحزب الله، حيث التقى المالكي أعضاء من المعارضة السورية وأقرّ بالحاجة إلى إجراء تغيير دستوري في سورية، إلا أنها امتنعت عن التصويت في الجامعة العربية في العام 2011 لتعليق عضوية سورية، وعارضت إطاحة النظام السوري بالقوة. ولكن الأهمّ أن بغداد شكّلت مصدراً مهماً للدعم المادي لنظام الأسد، إذ فتحت مجالها الجوي أمام الطائرات الإيرانية لنقل المساعدات إلى النظام في سورية، وسمحت للشاحنات بنقل الإمدادات من الحرس الثوري الإيراني إلى سورية عبر العراق. كما وقّع العراق على اتفاق لمدّ سورية بوقود الديزل الذي هي في أمسّ الحاجة إليه.

هذه السياسات أسفرت عن مشكلات بين بغداد وواشنطن من جهة، وبين بغداد وكلٍّ من أنقرة ومجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، كما قرّبت بغداد أكثر من إيران، وهو وضع غير مريح للمالكي. فهذا الأخير يعرف أنه ليس الزعيم السياسي الشيعي العراقي المفضّل لدى إيران (إذ شكّل في انتخابات العام 2010 لائحة منفصلة عن اللائحة المدعومة من طهران)، وهو يخشى أن تكثّف طهران جهودها للسيطرة على العراق، فيما نظام الأسد يضعف، الأمر الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى تقويض موقعه السياسي الداخلي. لقد وقّعت بغداد اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة وهي تنظر في إمكانية شراء معدات عسكرية من روسيا، ناهيك عن أن المالكي يهيمن الآن على جيش مؤلّف من 350 ألف جندي. لكن مع أن رئيس الوزراء أرسى هيمنة سياسية قوية في وزارات الدولة ومؤسساتها، إلا أنه عجز عن بناء ائتلاف سياسي وطني يضمّ كلاً من الأكراد وعرب العراق السنّة، فيما الأزمة السورية لا تؤدّي سوى إلى مفاقمة التوتّر مع هذين الطرفين.

لقد أبدى الرأي العام في المحافظات العراقية الشمالية والغربية، السنّية في الغالب، دعماً كبيراً للانتفاضة السورية ضدّ نظام الأسد. كما أنه يجري نقل المقاتلين والإمدادات من محافظة الأنبار إلى سورية. وقد أعلنت بعض المجموعات المسلّحة داخل العراق عن إنشاء جيش عراقي حرّ على غرار الجيش السوري الحرّ. فضلاً عن ذلك، يشعر العديد من العرب السنّة بأن حكومة المالكي تهمّشهم، ويبدون استياءهم إزاء ما يعتبرونه احتكاراً شيعياً للسلطة في بغداد. ولذلك هم يراهنون على أن سقوط نظام الأسد وقيام حكومة جديدة بقيادة سنّية في سورية، سيعزّزان نفوذهم في العراق إلى حدّ كبير ويتيحان لهم السعي مجدداً إلى الحصول على حصة أكبر من النفوذ في السنوات المقبلة.

إضافةً إلى ذلك، عزّزت الأزمة طموحات الأكراد في العراق، ففيما نظام الأسد يضعف، يبسط الأكراد في سورية سيطرتهم على مناطقهم التي أصبحت تتمتّع بحكم ذاتي فعلي الآن. وقد تحقّق ذلك بمساعدة حزب العمال الكردستاني ودعم السلطة الكردية في أربيل برئاسة مسعود برزاني، فها هم أكراد العراق يتطلّعون لأول مرة إلى منطقة كردية أخرى ذات استقلال ذاتي، الأمر الذي يعزّز نفوذهم، إذ يعني أن نموذج الحكم الذاتي الإقليمي الكردي ليس حكراً على العراق، بل يمكن أن يُستنسَخ في سورية، وربما في تركيا وإيران يوماً ما أيضاً. كما أن هذا الواقع يذكي بلا شك طموحات الذين لا يزالون يضعون الاستقلال الوطني الكردي التام نصب أعينهم على المدى الطويل.

وتتّسم المنطقة الكردية السورية بأهمية خاصة بالنسبة إلى أربيل، لأن أكراد سورية –وبالتعاون مع المجموعات التركمانية في شمال سورية– يقاتلون غرباً لضمان منفذ إلى البحر المتوسط في الممر بين الجزء الشمالي من المنطقة العلوية وبين الحدود السورية مع تركيا جنوب أنطاكيا. ومن شأن هذا المنفذ الكردي إلى البحر، أن يوفر لأربيل -وأي كيان كردي مستقبلي آخر- مدخلاً استراتيجياً مهماً إلى البحر.

صحيح أن هذه الطموحات الكردية الصاعدة تثير المخاوف في أنقرة، إلا أن حكومة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان أرست علاقات اقتصادية وسياسية متينة للغاية مع أربيل، وبدأت تنظر إلى حكومة إقليم كردستان في شمال العراق باعتبارها حليفاً في وجه حكومة المالكي التي تربطها بأردوغان علاقات سيئة للغاية. بعبارة أخرى، تشعر أربيل أن التطورات في سورية وعلاقاتها المتينة بتركيا أعطتها زخماً، الأمر الذي حسّن موقعها التفاوضي إزاء حكومة المالكي في بغداد. والواقع أن التوترات بين بغداد وأربيل طفت على السطح في شكل اشتباكات مفتوحة في أواسط تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، وتطلّبت إبرام اتفاقية أمنية عاجلة الإثنين الماضي بين المسؤولين العسكريين الفدراليين والأكراد، تضمّنت تشكيل لجان أمنية مشتركة والعمل على تجنُّب اندلاع مزيد من القتال.

فضلاً عن ذلك، لم يصبح الوضع العام أكثر سهولة مع عودة عشرات آلاف اللاجئين العراقيين من سورية التي فروا إليها خلال السنوات الماضية، ومع تدفُّق أكثر من 50 ألف لاجئ سوري إلى الأراضي العراقية. لقد نظّمت حكومة المالكي رحلات منتظمة لمساعدة العراقيين على العودة إلى وطنهم، لكنها حاولت إغلاق الحدود في وجه المزيد من اللاجئين السوريين، لأنها خشيت أن يكون معظم هؤلاء من السنّة الداعمين للمتمردين السوريين والذين قد يناصبون حكومة بغداد العداء.

والواقع أن النزاع في سورية جعل من إمكانية حل النزاعات الداخلية العراقية أمراً صعباً للغاية في المستقبل القريب، فمستوى الثقة بين مختلف الأحزاب كان قد وصل أصلاً إلى أدنى مستوياته، والنزاع في سورية لم يؤدّ سوى إلى تشدد المواقف، فتردّ حكومة المالكي على المخاوف من التطورات السورية باتخاذ مواقف أكثر حدة، فيما يشعر معظم السنّة والأكراد أن مواقعهم ستتعزز من حصيلة الصراع في سورية وسقوط نظام بشار الأسد، وهم بالتالي يفضلون انتظار هذه الحصيلة قبل أن يعودوا إلى طاولة المفاوضات مع بغداد، أو إلى ما هو أخطر: ساحة المعركة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أكراد سورية مع ثورة الشعب... أم ضدّها؟

عبدالوهاب بدرخان *

الخميس ٢٩ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

تحتاج الثورة السورية الى مساهمة الأكراد، وهم يحتاجون الى تفهّم الثورة لمطالبهم. كان الشباب الكرد سبّاقين الى التواصل مع التنسيقيات واعتماد هدف اسقاط النظام، خلافاً للقوى السياسية التي أغرقت نفسها في حسابات كردية - كردية أو كردية - اقليمية وراحت تقيس الى ما لا نهاية احتمالات الاقتراب من/ والابتعاد من النظام تارةً أو المعارضات «العربية» تارةً اخرى. لم ترضِها تركيبة «المجلس الوطني» لأنها رأت هيمنة لـ «الإخوان المسلمين» عليها، ولا صيغة «الائتلاف الوطني» لأنها لا تزال تجد مسحة اسلامية غالبة. وفيما كان أكراد العراق موسوسين بكل ما تُشتمّ منه رائحة «قومية عربية»، يبدو أن أكراد سورية أضافوا التوجس من كل ما هو «اسلامي» بعدما اتيح لهم أن يتعرّفوا الى البدايات المتعثرة والمقلقة لـ «الاسلام السياسي» في مصر وتونس، لكن تماسهم مع غالبية سوريي الثورة لا بد من أن يوضح لهم حقيقة أنها ليست منتظمة أيديولوجياً، لا في «الأخوَنة» ولا في «التسلّف»، بل إن قسوة النظام ووحشيته دفعتاها الى الاستيعاذ بالله من الشيطان الرجيم.

لعل التشرذم الذي ظهرت عليه المعارضة السورية لم يشجّع الكرد على الاندفاع المتوقع منهم الى مساندة الثورة، أو شكّكهم بإمكان انتصارها، اذ إنهم ذاقوا الأمرّين من ممارسات النظام منذ بدايات تهميشهم والشكّ بولائهم أواخر أربعينات القرن الماضي، مروراً بحقبة حافظ الأسد التي شهدوا فيها أسوأ الانتهاكات لحقوقهم القومية والانسانية (هجمة التعريب، مصادرة الأراضي، نقل السكان العرب لـ «تخليط» مناطقهم، وإحاطتهم بـ «حزام عربي»، والفصل بينهم وبين موطنهم وذويهم عبر الحدود مع تركيا، فضلاً عن حجب الجنسية، وعدم الاعتراف بلغتهم، وحرمانهم من التملّك، واستبعادهم عن أي وظائف...)، وصولاً الى البطش بهم في القامشلي والجزيرة خلال أحداث 2004. غير أن أسباب تشرذم المعارضة «العربية» تكاد تكون هي نفسها أسباب تشرذم «المعارضة الكردية»، وتستدعي تفهماً متبادلاً، وصولاً الى تسويات واجبة. فالكرد ليسوا جسماً واحداً وإنْ حاولوا توحيد صفوفهم واستبعاد أي مواجهات بين تنظيماتهم. ومن الواضح أن كردستان العراق باتت قِبلتهم ومثالهم وملاذهم، ففي تموز (يوليو) الماضي كان لاجتماعهم في اربيل، وبرعاية رئيس الاقليم مسعود بارزاني، تأثير حاسم في تحديد استراتيجيتهم للتعامل مع التحوّل السوري. غير أن النفوذ البارزاني على «المجلس الوطني الكردي» لا يشمل «حزب الاتحاد الديموقراطي» المعروف بأنه فرع سوري لـ «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبدالله اوجلان ويعمل بإمرة نظام دمشق.

في كل لقاءات الخارج، مع قادة «المجلس الوطني» أو مع الهيئات الاخرى المعارضة، فاجأ الأكراد أو صدموا «الجانب العربي»، كما يسمّونه، برفض مبكر لصفة «العروبة» التي أسبغها الآخرون بعفوية الموروث الثقافي على وطنهم السوري المستقبلي. وجد الكرد أن الإصرار على هذه الصفة يحمل كل المخاطر على احتمالات الاعتراف بهويتهم وحقوقهم، ثم حدسوا لاحقاً بأن العروبة المتأسلمة كفيلة بأن تطيح حلم «الدولة الديموقراطية المدنية» الذي راود كل ثورات الخلاص من الأنظمة المستبدّة. قد يكونون محقّين في مخاوفهم، ولعلهم مبالغون، فكما أنهم يهجسون بـ «عقدة الهوية» التي يولدون ويعيشون معها، كذلك يعاني الآخرون شيئاً من هذه العقدة، فلا يمكن مثلاً إقناعهم بـ «العلمانية» كما ينادي بعض الكرد. هذا لا ينفي أن كل تجارب الأنظمة القومية أو مدّعية القومية أو ماسخة القومية، بأنماطها الناصرية والبعثية و «القذافية»، وعلى رغم توافقاتها وأحلافها ومناحراتها، التقت في النهاية على نمط واحد من الحكم التسلّطي - الأمني غير الآبه بحق المواطنة ولا بـ «دولة القانون» ولا بأبسط الحقوق الانسانية. أما ورثتها من الأنظمة المبنية على سرقة انتفاضات الشعوب وامتطائها، فلا تبدو سوى مشاريع لإعادة انتاج الاستبداد تحت العباءة الدينية.

استُهلك وقت طويل في النقاش حول ما يمكن أن يتعهده «عرب» سورية لـ «مواطنيهم» الكرد في نظام ما بعد الاسد. كان «تقرير المصير» ولا يزال عنواناً تختبئ تحته كل النيات الحسنة والسيئة، واقتُرحت له صيغ للتوفيق، وكأن المسألة تقتصر على مجرد عبارات مقبولة في برنامج سياسي أو بيان اعلامي، أو كأن «العربي السوري» مفوّض إذ يُسأل الآن أو مخوّل إعطاء «الكردي السوري» حقوقاً لم يكن له رأي أصلاً في مصادرتها، فكل ما يستطيعانه واقعياً وبنزاهة أن يتوافقا على مبادئ حاكمة لعلاقات مواطنة متساوية بين كل مكوّنات المجتمع، بل لا بدّ من إثبات الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد في اطار سورية موحّدة وديموقراطية. لكن النقاش العقيم كان مجرد استكشاف متبادل للنيات، فلم يعرض فيه الكرد طموحاتهم صراحةً سواء كانوا يريدون «حكماً ذاتياً» أو «فيديرالية» وفقاً للنموذج العراقي. وقد اختصر أحد المعارضين «العرب» الموقف بقوله: الكرد غير واضحين، وتقديري أنهم يريدون أن نوقّع لهم على وثيقة قبول بانفصال «محافظاتهم»، لا أحد منّا يستطيع ذلك.

وفي الواقع، لم تكن أفضل الصيغ التوافقية لتقنع الأكراد بانخراط أكثر التزاماً بالثورة، لماذا؟ لأن قرارهم الحقيقي كان ولا يزال الحفاظ على أنفسهم وعلى أمنهم وعدم التسبب بتحويل مناطقهم حقول قتال أو أهدافاً سهلة لوحشية النظام. هذا ما فهم من لقاء اربيل الذي توصل الى تخفيف التناقض على الأرض بين أحزاب «المجلس الكردي» و «حزب الاتحاد». لكن هذا النأي بالنفس عن مسار الثورة، وبالأخص بعد انجازاتها العسكرية، تناقض جذرياً مع ما اتّبعه «الاوجلانيون» حين سلّمتهم قوات النظام، في خطوة منسّقة، مناطق كردية حدودية ليباشروا منها في المقابل حربهم الخاصة ضد تركيا، وأيضاً لخلق أسبابٍ للصدام بين مقاتلي هذا الحزب و «الجيش السوري الحرّ» في سعيه الى توسيع السيطرة أو تثبيتها. ولو كان الأكراد مساهمين في الثورة، لما برزت تمايزات بين منطقة متاحة لـ «الجيش الحر» أو ممنوعة عليه، ولما حصلت مواجهات دامية في مناطق مختلطة، كما في حلب. لكن الأهم أن النأي بالنفس انطوى على مخاطرتين: اذ أشاع انطباعاً بأن مناطق الكرد باقية مع النظام وغير مرشحة للخروج عن سيطرته، ثم إنه أضعف حجج «المجلس الوطني الكردي» في سعيه الى ضمانات تتعلق بالمستقبل. فكيف لمن لا يساهم في إسقاط النظام أن يفرض مطالبه على النظام التالي. في الأسابيع والأيام الأخيرة تعددت الصدامات «العربية - الكردية»، ما استوجب تأسيس «الجيش الكردي الحرّ» للتنسيق مع «الجيش السوري الحر»، وهذه خطوة لازمة وضرورية بمقدار ما أنها تعني بروز التأثير «العراقي» في الواقع الكردي السوري، وبداية الخروج من «النأي بالنفس» للانتقال الى دور أكثر ديناميكية في مسار إسقاط النظام. أضف أن «الائتلاف» الجديد أفرد لهم منصباً قيادياً لم يقرروا إشغاله بعد.

اذا كان أكراد سورية يسترشدون بالنموذج العراقي، فالأكيد أنهم مدركون ريادة أكراد العراق العمل لإسقاط نظام صدّام حسين، انطلاقاً من الاعتراف الدولي بمنطقتهم «الآمنة»، وكيف حددوا مطالبهم وخاضوا حوارات وخصامات مع أطراف المعارضة ومع القوى الدولية قبل أن ينتزعوا الموافقة على «الفيديرالية» التي قادتهم الى وضعية «دولة مستقلّة» تنتظر حسم مصير المناطق المتنازع عليها لإعلان انفصالها. وحين تسأل أوساط المعارضة «العربية» تأتيك الاجابة بأن الكرد السوريين لم يطرحوا مطالب واضحة بل يدفعون بصيغ غامضة. وحين تسأل أوساطاً كردية تلمس أنهم يعتبرون الوصول الى وضعية كردستان العراق ذاتها طموحاً مشروعاً ومنصفاً لإنهاء الظلم التاريخي الذي أُنزل بهم لدى رسم خرائط «سايكس – بيكو»، إلا أنهم مدركون أن «كردستان سورية» لا تتمتع حالياً بمقوّمات تؤهلها لأكثر من ادارة ذاتية، وهذه قد تكون مقبولة مبدئياً ضمن لا مركزية ادارية عامة. إلا أنها، باستثناء منطقة الجزيرة المتاخمة لكردستان العراق وشبه «النقية» إثنياً، عسيرة التطبيق في مجمل المناطق التي يعتبرونها «خاصّتهم» تاريخياً بالنظر الى عدم تواصلها جغرافياً ووجود «جيوب عربية» كبيرة فيها. أضف أن الهيمنة التي يمارسها «الاوجلانيون» حالياً لا تبدو مساعدة كردياً أو سورياً أو تركياً أو دولياً على تولّي الكرد حكماً ذاتياً حتى لمناطقهم. وسبق للأميركيين أن أكدوا لممثلي اكراد سورية أن لا وعود ولا ضمانات لديهم لتكرار تجربة كردستان العراق في سورية، وأن الأولوية الآن هي لتأمين مرحلة انتقالية إما بتسوية سياسية اذا وافق النظام على التنازلات المطلوبة وإما بالعمل على إسقاطه بتفعيل الانجازات الميدانية للثوار. وفي المرحلة الانتقالية ستضغط اميركا لضمان حقوق جميع الاقليات، بمن فيهم الكرد.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com