العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09/10/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قرون الإعلام السوري الكاذب .. بدرالدين حسن قربي

في 27 تموز/يوليو من العام الحالي تم اعتقال زينب عمر الحصني اختطافاًفي مدينة حمص الثائرة، وفي 10 أيلول تم اعتقال أخيها الناشط محمد الذي سُلّم لأهله جثة هامدة بعد ثلاثة أيام، وصفها أخوه يوسف بأن فيها آثار ثلاثة رصاصات في الصدر، وواحدة في الكتف وأخرى في الخاصرة، وواحدة في الفم، مع كسر في الرقبة والفكّ وخلع في الكتفين، وآثار حرق سجاير على الوجه مع آثار التعذيب والضرب في كافة أنحاء الجسم. وإنما أثناء تسلّم الأهلجثة محمد، تمّ تسليمهم جثة أخرى مقطّعة الأوصال ومشوهة على أنها ابنتهم زينب، وذلك بعد استكمال إجراءات قضائية وأمنية رسمية سمحتللأهل بدفن جثة ابنتهم المفترضة في 17 أيلول. وعليه، فإن انتشار الخبر وتوحش القتل فيه، أحدث ضجة كبيرة رافقتها تصريحات واسعة وعالية النبرة لعدد من الفضائيات والمنابر الإعلامية والدينية ومنظمات المجتمع المدني الإنسانية والحقوقية.

جديد القصة الكارثة قيام التلفزيون السوري الرسميفي 4 تشرين الأول الثلاثاء الفائتبعرض مقابلةٍ مع زينب الحصنيليؤكد بها أن كل ماأشيع عنها هو محض كذب واختلاق وأنها حية ترزق، وليتهم بعدها كل من تعاطف مع الجريمة الكبرىبأخلاقه وضميره ووطنيته ومصداقيته، لأن قصتها مفبركة ولا أصل لها، بل والأنكى مطالبة الجهات المتهمة بالمهنية والتأكد من صحة الخبر قبل نشره والاعتذار عما بدر منهم.

وعليه، فإذا افترضناأن المقابلة حديثة وليست قديمة، واعتبرنا أنّ مابثه التفلزيون صحيح، وأن مسألة الجثة والدفن ثابتة يقيناً، فلسوف يكون عندنا موضوعياً عدد من الأسئلة. الأشلاء التي سُلّمت من قبل الجهات الرسمية لآل الحصني هي أوصال مَنْ؟ ولماذا اتهامات المعارضة ولغيرها من الناس عرباً وأجانب ولشيخ الأزهر ومنظمات حقوق الإنسان تحديداً، إذا كان جميعهم اعتمدقصةً مكتملة العناصر،أيّدتها أوراق رسمية وانتهى أمرها بالتشييع والدفن؟ولماذا لم تُكذّب الجهات الرسمية أيضاً ادعاءات أهلها والمعارضة معها والمنظمات الحقوقية منذ البداية، بل تركت القصة تتفاعل شعبياً وإعلامياً لتصل مداها، ثم عشية تصويت مجلس الامن على قرارٍلإدانة الممارسات الوحشية للنظام، تظهرها لتدلل بها على كذب مايقال عن قمعه وفظائعه والعياذ بالله، ولتقلل من مصداقية الاتهامات؟

إن أكبر تلفزيونيي النظام الدكتور طالب ابراهيم، وعلى قناة الجزيرة في الاتجاه المعاكس الثلاثاء 27 آب تحدّى محاوره والذي خلقه أيضاً، بأن ثبوتياته ومستنداته تؤكد أن من قتل زينب هم العصابات المسلحة وليس قوات النظام والأمن السوري، وإنما بعد أسبوع بالتمام يأتي ماعرضه التلفزيون في مقابلته ليتكلم بخلاف ماقاله أحد ناطقيه وشبيحته ويكّذبه أيضاً.نظام غاية في البجاحة تميّز بماكنات الفبركة، وطواحين الكذب، وإعلام فيه غاية في الكذب والإفك، فبرك مسألةً سُلّمت فيها رسمياً أشلاء جثة وأوصال جسد لأهل اختطفت ابنتهم من قبل شبيحته، دفنوها منذ ثلاثة أسابيع، وأثارت قصتها ضمير العالم ومنظماته الإنسانية بما كان فيها، ثم هو يستنكر عليهم غضبتهم رغم وجود جثة ممزّعة سلمت رسمياً ودفنت على ذمة النظام بأنها زينب.

يؤكد النظام وإعلامه قدرة نوعية جامدة في الفبركة تأخذ بالعقول، فهو دون تردد يدفع بالكذبة الكبيرة بالغاً مابلغت دون ذرةٍ من حياء أو وَجَل من يوتوب أو حساب لانترنت أو خوف من فيس بوك أو تويتر، ومن دون أن يرف له جفن أو يرجف له قلب، أو يتلكلك له لسان، والأبلغ أنه يناطح بهذا الكذب ويريد من الناس أن تعتمده بمثابة كلام طابو ينفي الرواية الأخرى أياً كانت والعياذ بالله وتنتفي بوجودها الحاجة للإعلام الآخر من أفّاكي وكالات الأنباء ومراسلي الفضائيات المتآمرين والمرتبطين.

وإنما كيفما كانت الروايات جميعها، فإن ما هو ثابت وصحيح أن هناك جثة مقطعة الأوصال سلّمت لآل الحصني وتم تشييعها ودفنها. وهي بالتأكيد ترجع لمواطنة سورية قُتلت بطريقة وحشية، ولاينفي عنها الإجرام ألا تكون جثة زينب الحصني، لأن القتلة والأفّاكين يعلمون مايفعلون، ولن ينفعهم إجرامهم في تأخير سقوطهم، بل سيعجّل به ويذهب بهم إلى سواء الجحيم.

http://www.youtube.com/watch?v=p3WhfsHtH1s&

feature=player_embedded

http://www.youtube.com/watch?v=UNQd1_HfyzY

http://www.youtube.com/watch?v=shZalNx7VmU

http://www.youtube.com/watch?v=yF7a4wFONI0&

feature=player_embedded

http://www.youtube.com/watch?v=RMgXiNL3EU8

---------**************-------------

بهلوانيات النظام السوري .. د / نورالدين صلاح   

مركز الدراسات الاستراتيجية لدعم الثورة السورية

5/10/2011م

رأينا قريباً آخر (بهلوانيات) النظام السوري في قضية زينب الحصني، متمثلة هذه البهلوانية بسيناريو رديء وإخراج بذيء، فالسيناريو كتب في أقبية الظلام الأمنية والإخراج تم في الإعلام الكاذب المضلل، مع احتقار للإنسانية والكرامة البشرية واستخفاف بكل شيء حتى بالقانون والمؤسسات المدنية، وأنا سأثبت حيال هذه القضية النقاط التالية :

1-        هذا مثال للتضليل الذي يمارس على الشعب السوري منذ عقود، ولا يمنع من الاشتراك في هذا التضليل أي جهة ولا يردع منه أي اعتبار، فهذا النظام قائم على التضليل ويكتسب آلية استمراره بمزيد من الخداع والكذب، فكل يوم كذبة جديدة، وكل يوم خداع جديد، وكل ليلة تضليل جديد، وما شعار الممانعة والمقاومة إلا إحدى عناوين التضليل الكبيرة، وما دعوى الإصلاح إلا كذبة كبيرة مماثلة لقضيتنا هذه

2-        هذا التضليل الذي مورس في قضية (زينب) ليس جديداً على الشعب السوري بل على الإعلام العالمي، رأيناه في قضية السفيرة السورية في باريس (لمياء شكور) ورأيناه في قضية (البياسي) ابن بانياس، فهذا كما يقولون (شنشنة نعرفها من أخزم) لكن اليوم القضية مختلفة لأنها شاركت فيها مؤسسات رسمية مختلفة زودت بوثائق رسمية وشهادة وفاة وإذن بالدفن وشاركت فيها مستشفى حكومي (العسكري) ومحافظ المدينة وأجبر الأمن أهلها على تحميل العصابات المسلحة مسؤولية قتلها، فكيف قتلتها العصابات حسب روايات الأمن وهي ما تزال حية

3-        والرواية الهزيلة التي رواها التلفزيون السوري من أن زينب كانت هاربة ولجأت عند جيران أو معارف ثم سلمت نفسها للشرطة، وكأنها لم تسمع بنبأ وفاتها ودفنها على كل لسان لتظهر في الوقت المتأخر الذي حدده الإعلام السوري لها وقد بلغت من القسوة إلى حد أنها لا تتصل بأمها لتبريد قلبها وخاصة قد استشهد أخوها قبلها، وهنا نطالب منظمات حقوق الإنسان في العالم أن تحقق في هذه القضية وأن تضمن سلامة زينب فهي مفتاح الحقيقة، ومن يدري لعل هذا التصوير كان قبل قتلها وتسليمها فلا شيء يستبعد على هذه الأجهزة المجرمة المضللة

4-        وعلى كل الأحوال لقد تسلم الأهل جثة بنت مقطعة مشوهة المعالم بسبب (الأسيد) الذي صب عليها فسلخ الجلد وغيّر المعالم، وإذا كان هذا المشهد جزءاً من هذه التمثيلية الحقيرة فليعلم العالم ما وصل إليه استخفاف هذا النظام بالكرامة الإنسانية والحياة البشرية، وهذه الجثة إذا لم تكن لزينب الحصني فهي جثة مواطنة سورية لها اسم ولها قضية ولا تغير من واقع الظلم والقمع والقتل والتمثيل والتشويه شيئاً

5-        ولقد أدركت تحدي (طالب إبراهيم) لمناظره (المرزوقي) في قناة الجزيرة بكل ثقة واطمئنان بأنه يتحداه ويتحدى الذي خلقه بإثبات أن الأمن هو الذي قتلها، فهو يعلم أنها لم تقتل وأنها تمثيلية أمنية الإخراج وهذا بدوره يدل على أن هذه الأبواق هي جزء من النظام الأمني وخاصة (طالب إبراهيم) فهو على رتبة عالية من السلك الأمني بحيث سمح له بحمل هذا السر (تمثيلية زينب) والسفر بها خارج أرض الوطن مع خطورة كشفه

6-        ولقد فكرت ملياً ما الذي حمل النظام على هذه المسرحية الهزلية فوجدت لذلك أسباباً أهمها :

  مدى الإفلاس الإعلامي لهذا النظام فلم يعد لديه ما يقوله للناس والعالم، وقد أدمن على رواية واحدة خلال أشهر لم يقم دليلاً واحداً عليها ولم يقتنع بها أحد في الداخل ولا في الخارج وهي رواية العصابات المجهولة التي ليس لها ناطق رسمي وتقتل الجميع ولا يعلم أحد من أين جاءت ولا من وراءها وما هي أهدافها، فهذه القضية يمكن أن تكون مادة ثرية ليستهلك ويشتري بها الإعلام السوري الوقت وليلعب دور الضحية وليلبس مسوح عقدة الاضطهاد

  إشغال الرأي العام عن القضية الأساسية بافتعال فقاقيع وبالونات إعلامية هنا أو هناك بحيث ستنزف أحاديث الناس واهتماماتهم وصرفهم عن القضية الأم التي هي الثورة ومطالبها المحقة وإنجازاتها العظيمة

  التشكيك في المواقع والقنوات والجهات التي يراها النظام معادية وذلك بإضعاف مصداقيتها من خلال ممارسة التضليل عليها، وهذا الهدف وإن ظنه النظام أنه سينجح لكنه سيفشل إذ سيحول كل هذه المواقع والقنوات والجهات إلى أعداء حقيقيين لشعورهم بممارسة التضليل عليهم، وهذا من غباء النظام وإفلاسه فهو يظن أن الدراما السورية التي سوقت (باب الحارة) وأماتت أبا عصام في نهاية الجزء الأول وأخرج المخرج جنازته في بداية الجزء الثاني ليكتشف الناس في نهاية الجزء الخامس أن أبا عصام ما زال حياً ويرسل الرسائل إلى أهله، إذن فمن ذاك الذي دفن وخدعنا المخرج بجنازته، قد يقبل هذا في (الدراما) وإن كان أحياناً يبدو سخيفاً لاستخفافه بعقول المشاهدين لكنه لا يقبل بحال في عالم الواقع والتلاعب بجثث الناس ومشاعرهم ومصائر أبنائهم وبناتهم، ويبدو أن الأمن السوري بدأ يستعين بعباقرة وشبيحة المخرجين والفنانين السوريين

  تحقيق انتصار في إحدى جولات الحرب الإعلامية، فلا شك هناك حرب إعلامية، وذلك بإحباط الجماهير الذين عولوا على هذه الرواية ووجدوها مادة خصبة لأدبياتهم ووسائلهم المتنوعة في إثبات همجية هذا النظام فظن النظام أنه بتكذيب هذه الرواية يتم تكذيب هذه الحقيقة، ونسوا أن هذه القضية إحدى الشواهد والشهود وهي غيض من فيض، لا بل ستعطي رواية الإعلام السوري مزيداً من القناعة عند الناس بمدى استخفاف هذا النظام بالحياة البشرية والمشاعر الإنسانية ليجعل منها صفقة إعلامية رخيصة يروج من خلالها كذباً ممقوتاً، وأنا أطمئن النظام أنه لم يكسب هذه الجولة الإعلامية بل خسرها، وإذا كان يتوقع أن يفقد المصداقية لمن نقل ونشر، فالوثائق والقرائن كلها رسمية محلية، مما يجعل المواطن السوري بل المتابع الخارجي لا يفقد الثقة بالنظام السوري وإعلامه فحسب بل يفقد الثقة حتى بمؤسساته التي يفترض أن تكون مدنية، فقد سيّس النظام كل شيء قابل للتسييس، وكنا نسمع أن النظام يكذب حتى في نشرة الأحوال الجوية لأهداف سياسية، ويكذب في التاريخ ويكذب في الجغرافيا، ويكذب في نتائج المباريات الرياضية، ومستعد أن يكذب في الحقائق الساطعة كضوء الشمس في وضح النهار، فقد ثبت للجميع أن هذا النظام لا يستحي، وهذا جزء من مخطط كسر كرامة المواطن، فاستحقار النظام لعقلية المواطن بهذا الشكل ليجعله حقيراً في نفسه، وإهانته بهذه الطريقة ليصبح في نفسه مهاناً ويعيش عقدة الظلم والاضطهاد والاستحقار

7-        وإذا كان النظام قد مارس التضليل بقضية زينب فهل يستطيع أن يقول لنا من قتل أخاها محمداً بعد أن اعتقله النظام فهل سلمه النظام للمسلحين المندسين ليقتلوه ويسلموه، وليخبرنا النظام من قتل حمزة الخطيب ومثل بجثمانه وهل سلمه النظام للمندسين ليفعلوا به ذلك ثم ليعيدوه إلى النظام ليقوم بدوره بتسليمه بهذه الصورة إلى أهله المساكين، هذا النظام باختصار هو عصابة إجرامية يمارس كل ما تمارسه العصابات المجرمة بكل مفردات الإجرام، فهو يمارس الاختطاف وطلب الفدية على المختطفين وهذا ثابت وموثق، وهو يمارس الاغتيال والتصفية الجسدية واتهام الخصوم وخلط الأوراق، وهو يمارس التهديد والوعيد حتى على معارضة الخارج، ويمارس أخذ الرهائن بدلاً من المطلوبين ليجبرهم على تسليم أنفسهم، ويمارس ابتزاز الخصوم والمعارضين ىبشتى صور الابتزاز المادي والمعنوي، ويمارس كل أشكال السادية في التعذيب والتنكيل وانتزاع الاعترافات حتى ولو كانت غير صحيحة، وهو بلد السور الحديدي الذي يخفى فيه كل شيء ، تغير طائرات إسرائيل على إحدى مواقعه (الكبر) فلا يعلم الناس هذا إلا من الإعلام الإسرائيلي بعد أسبوعين، ويقتل (عماد مغنية) ولا تعلم التفاصيل إلى يومنا هذا، وتحدث مجزرة (صيدنايا) وإلى الآن لا توجد رواية رسمية لما حدث، وكم عدد القتلى وما أسماء المقتولين، هذا النظام يعيش في الظلام ويريد للناس أن يعيشوا مثله في الظلام، والظلام خير وسط وبيئة لممارسة كل أشكال التجاوزات والجرائم والسلب والنهب والتضليل

وفي الختام إن قضية زينب ستزيد الناس ثقة بأن هذا النظام لا يمكن أن يوثق به بحال، وهو فاقد الشرعية والقيم والوطنية بل فاقد الإنسانية، وسيصبح طلب إسقاطه أكثر إلحاحاً وصمود الثائرين على تحقيق ذلك أكثر إصراراً

---------**************-------------

سوريا وحسابات الدور التركي .. حازم صاغية

تاريخ النشر: السبت 01 أكتوبر 2011

الاتحاد

إذا فكّرنا بمنطق بارد وسألنا: لماذا يتردّد الأتراك في اتّخاذ مواقف أكثر مبادرةً وحسماً في الموضوع السوريّ، واجهتنا إجابات عدّة ومتفاوتة. ولكنْ لا بأس، قبل استعراض تلك الإجابات، بالقول إنّ السؤال هذا يغدو شاغلاً متعاظم الأهميّة لدى أفراد سوريّين كثيرين، وأفراد غير سوريّين، يؤرّقهم ما يحصل في سوريا من عنف همجيّ.

فأن يعلن أردوغان، رئيس الحكومة، أنّه قطع الاتّصالات بدمشق، وأنّه يفكّر في فرض عقوبات على سوريا، فهذا، على أهميّته ودلالته، يبقى أقلّ وأبطأ من بعض الرهانات، المعلنة أو المضمرة، على دور تركيّ. وإذ ترتفع يوماً بعد يوم نبرة المطالبة بالحماية الدوليّة للمدنيّين السوريّين، تتعاظم الأضواء المسلّطة على الموقف التركيّ واحتمالاته العمليّة، كما تكبر الفجوة بين الحاجات والأفعال، حتّى لو كانت مصادرةً لسفينة محمّلة أسلحةً للنظام.

والحال أنّ السبب الأوّل وراء التردّد التركيّ هو، على الأرجح، التردّد العربيّ إيّاه. ذاك أنّ من الصعب على أنقرة أن تقدم على عمل كبير في سوريا (العربيّة) من دون أن يكون هذا العمل مرفقاً بمساهمة عربيّة، أو أقلّه بغطاء عربيّ من النوع الذي توفّر لحلف "الناتو" في مهمّته الليبيّة الأخيرة. فليس طبيعيّاً أن تتقدّم تركيا في الحقل السوريّ بوصفها جزءاً من الأطلسيّ وحساباته من غير أن تستطيع التقدّم كبلد مسلم تربطه بجواره العربيّ روابط تاريخيّة ومصلحيّة شتّى. والحقّ أنّ عملاً كهذا لن يكون فحسب مثيراً لمشاعر عروبيّة ستبالغ دمشق في اصطناعها وتحريكها، وربطها ب"الاستعمار التركيّ والعثمانيّ"، بل سيكون أيضاً مصدر تناقض مع النظريّة السياسيّة التركيّة لجهة أولويّة الانتماء إلى المنطقة والجوار الإسلاميّ على ما عداه. وهذه الطريقة في النظر هي بالضبط ما سبق أن هندسه وزير الخارجيّة ومنظّر دبلوماسيّة "حزب العدالة والتنمية" أحمد داوود أوغلو.

لكنّ ثمّة أسباباً أخرى وراء بطء أنقرة وتعثّر مبادرتها. فالنهضة الاقتصاديّة التركيّة التي قامت أساساً على التصدير الخارجيّ، وجعلت الاقتصاد التركيّ الاقتصاد الثامن عشر في العالم، كما شكّلت أحد أهمّ أسباب الانتصارات الانتخابيّة المتتالية ل"حزب العدالة والتنمية"، تدفع إلى تدبير طرق بديلة عن طريق الترانزيت السوريّة إلى الأسواق المستورِدة الواقعة في الجنوب، بما فيها أسواق الخليج. وهذا فضلاً عن أنّ السوق السوريّة نفسها من أهمّ مصادر العوائد التجاريّة لتركيا. هكذا وفي ظلّ عجز ضخم في الموازنة ومديونيّة غير محمودة العواقب، تصبح تركيا مدعوّة لإجراء عديد الحسابات قبل الإقدام على خطوات سياسيّة وعسكريّة ذات انعكاس اقتصاديّ مباشر على طاقتها التصديريّة.

وهناك، إلى ذلك، إيران. فقد حرصت أنقرة طويلاً، على مدى السنوات القليلة الماضية، على الظهور بمظهر الصديق للحكم الإيرانيّ، كما بدا أنّها معنيّة بالتنسيق معه، ليس في ما خصّ المسائل الثنائيّة فحسب، بل أيضاً في خصوص القضايا الإقليميّة والمسائل المتفرّعة عن الملفّ النوويّ الإيرانيّ ومشاكل طهران مع البلدان الغربيّة. وقد بلغ الأمر، قبل أقلّ من عامين، حدّ الحديث عن "تحالف استراتيجيّ" يضمّ، إلى تركيا وإيران كلاًّ من سوريا والعراق. ولكنّ هذا ما لبث أن تبيّن أنّه نوع من التفكير الرغبويّ الذي لا يستطيع إلى ما لا نهاية أن يتجاهل المشكلات الموضوعيّة بين البلدين ونفوذهما. وقد انفجر الاكتشاف الواقعيّ مع اندلاع الانتفاضة السوريّة، فراح يتبيّن أنّ عملاقي العالم الإسلاميّ غير العربيّين يقفان موقفين شديدي التباين ممّا يجري في دمشق. ولئن حافظت تركيا على لغة هادئة عموماً هي أقرب إلى التكتّم على خلافها مع إيران، فإن الأخيرة ذهبت بعيداً في اتّهامها الأتراك بتنفيذ رغبات الغربيّين في سوريّا.

والواقع أنّ أنقرة إذا ما بدت مضطرّة لأن تحسب حساب القوّة العسكريّة الإيرانيّة واحتمالات ردّ فعلها، فإنّها هنا أيضاً مرشّحة لأن تصطدم بنظريّتها، أي نظريّة داوود أوغلو، عن العلاقات الإقليميّة والتموضع حيالها. ذاك أنّ تطوّراً كهذا سيؤول حتماً إلى استجلاب العالم الخارجيّ وقواه العسكريّة للتدخّل المباشر في المنطقة، خصوصاً أنّ تركيّا عضو فاعل في "الناتو"، فيما إيران ترتبط بعلاقة شديدة السوء مع البلدان الغربيّة بسبب المسألة النوويّة. وغنيّ عن القول إنّ إحدى الأطروحات التي سال حبر تركيّ كثير في الدفاع عنها هي جعل أهل المنطقة يحلّون شؤونها بعيداً عن "لعبة الأمم".

وأخيراً، هناك ما كُتب عنه الكثير في الآونة الأخيرة ممّا يتعلّق بالأكراد والعلويّين السوريّين. فهنا سريعاً ما يتداخل الشأن السوريّ والشأن التركيّ الداخليّ، لاسيّما في ظلال استمرار الحرب الدائرة بين أنقرة و"حزب العمّال الكردستانيّ" وانحياز الكتلة العلويّة التركيّة للقوى العلمانيّة المناهضة ل"العدالة والتنمية"، أتمثّلت في أحزاب اليسار أو تمثّلت في الجيش الأتاتوركيّ الذي يحرز ضبّاط علويّون مواقع أساسيّة فيه.

لكنّ خطاب أردوغان المصريّ الأخير ورحلته العربيّة ودور أنقرة في ليبيا وتداول حكومة "العدالة والتنمية" مع الروس في الشأن السوريّ، كلّها توحي بأنّ القيادة التركيّة لن تتخلّى عن محاولة الاستفادة من الوضع الراهن لزمن ما بعد الانتفاضات. ويقطع في هذا الاحتمال التدهور الذي قد يتواصل في العلاقة مع اليونان وقبرص ممّا يفاقمه الملفّ النفطيّ المتزايد الأهميّة. وفي هذا المعنى يمكن القول إنّ التصعيد التركيّ الأخير في مواجهة إسرائيل وحكومة نتنياهو ربّما كان أقرب إلى عمل استباقيّ وظيفته أن يحمي احتياطيّاً أيّ تحرّك تركيّ محتمل في سوريّا بعد أن تتوافر شروطه المطلوبة.

ذاك أنّ من المستبعد جدّاً أن يفكّر الأتراك في أنّ الباب العربيّ سيبقى مفتوحاً لدورهم الكبير والموعود من دون أن يُحسم الوضع في سوريّا بطريقة أو أخرى. وهذا التقدير هو ما يشجّع المتفائلين بدور تركيّ أشدّ مبادرة وحزماً على القول إنّها مسألة وقت لا أكثر. وهل يمكن أن يكون عديم المعنى احتضان أنقرة أطيافاً من المعارضة السوريّة وبعضاً من مؤتمراتها؟

--------**************-------------

الثورة السورية على طريق اللاعودة .. مها بدر الدين

الرأي العام

1-10-2011

تتصاعد الأحداث في سورية لتصل لمرحلة اللا عودة لكلا الطرفين الخصمين على الساحة السورية، فالنظام السوري ماض في دمويته إلى أقصى حد، ويتضح من رفعه لسقف القمع الدموي أن لا نية لديه للانصياع لمطالب الشعب السوري أو للضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية التي تمارس عليه، كما أنه لا يعير انتباهاً لمجلس الأمن بمشاريعه الاستنكارية والعقابية ولا للمجتمع الدولي وما قد يقدم عليه في حال استمراره باستخدام الآلة العسكرية السورية لإبادة الشعب السوري المنتفض، حيث ان ثقافته السياسية تنحصر في هذا النوع من التعامل غير الآدمي مع الآدميين الشرفاء، وهي ثقافة ورثها النظام الحالي مع وراثته للحكم من الأولين ويرغب في توريثها للقادمين من بعده.

هذه الثقافة الدموية تتنافى تماماً مع أي فكر إصلاحي يتشدق النظام السوري بمحاولة تطبيقه في سورية اليوم، فهي متأصلة ومتجذرة في أعماقه لأنه قام عليها ويظن أنه لن يستمر في حكم البلاد إلا بفرض قبضته الحديدية على العباد، ومن هذا المنطلق يصبح الحديث عن الإصلاح غير منطقي في ظل التجارب التي عاشها السوريون مع هذا النظام سابقاً وحالياً، كما أنه حديث شرب عليه الدهر وأكل ولم يعد يصلح لهذا الزمن الدامي الذي فرض على الساحة السورية عنواناً واحداً فقط هو إسقاط النظام أولاً.

ويتضح أيضاً من عدد الشهداء الذين يسقطون كل يوم كأوراق الخريف التي تتساقط الآن في ربوع سورية، أنه لا نية للشعب السوري للعودة إلى الوراء بل انه قد أقفل طريق الرجعة تماماً ليكون الاتجاه إجبارياً نحو الهدف الأسمى للشعب السوري الثائر، وهو نيل الحرية واستعادة الكرامة ووقف اغتصاب الإنسانية على الملأ، فجدار الخوف الذي كان يفصل بين المواطن السوري وحريته قد سقط، والرغبة في بناء سورية حديثة للأجيال القادمة قد زادت، وقيم الاستبسال والتضحية والإيثار سجلت أعلى معدلاتها خلال تاريخ سورية في السبعة أشهر الماضية، وهو ما يعني أن الشعب السوري قد حزم أمره لدفع ضريبة سكوته وخنوعه طيلة العقود الأربع الماضية، ونيته في تصفية حساباته السياسية القديمة والحديثة مع هذا النظام الفاشي، ليفتح صفحة جديدة مع نظام جديد وبأسلوب سياسي حديث.

من هنا يزداد الوضع توتراً ودموية، وتزيد المواجهة حدة بين كلاب النظام المسعورة ونار الثوار المستعرة، وتتصعد الأمور فيعزز النظام آلة قمعه التي تحاصر بؤر الثورة لتقمعها، ويستبسل السوريون بالتعبير عن رفضهم للخنوع ثانية فيحولون العزاء بالشهداء إلى تهنئة وتصدح حناجرهم بطلب الموت ولا المذلة، متمسكين بسلميتهم وإيمانهم بنصر الله القادم.

ولعل ما حصل في مجزرة مدينة القصير حمص خير دليل على أن جميع خطوط العودة مقطوعة فقد تعرضت المدينة المكلومة الواقعة على نهر العاصي إلى مجزرة حقيقة راح ضحيتها مجموعة من خيرة شبابها بعض منهم من عائلة واحدة، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المعتقلين والمفقودين كما تم اكتشاف ممارسات وحشية على أطراف نهر العاصي الذي احمرت مياهه من دماء الشهداء حيث وجدت أشلاء جثث مسحولة بالدبابات وأخرى تسبح في النهر ولم يمكن التعرف على أصحابها، لكن هذه الهمجية لم تثن أهالي القصير عن إكمال الطريق ولم تهبط عزائمهم في الاستمرار بالاحتجاج، فحولوا مواكب تشييع شهدائهم إلى لوحة فنية إنسانية مشرفة غاية في الروعة من شأنها دفع الفئة الصامتة إلى الصراخ، والقصير في هذا ليست المدينة الوحيدة في مصابها وعنادها بل هي نموذج للكثير من المدن السورية التي تعرضت لأقسى أنواع القمع ومازالت مستبسلة في الدفاع عن حقها وحقوقها، كالرستن الباسلة وتلبيسة الصامدة وحمص الأبية وحماة العصية وغيرها وغيرها.

وقد ساهم هذا النظام الفاشي من حيث لا يدري وباختياره الأسلوب الأمني للتعامل مع الثورة بتكريس فكرة ضرورة التخلص من هذا النظام الإجرامي في فكر الثورة الملتهبة، واعتبار أي إصلاح للشأن السوري يبدأ من إسقاط النظام ومحاكمة جميع رموزه وطردهم خارج الخارطة السورية السياسية الحديثة، ولم يفطن أصحاب القرار في ردهات النظام بسبب انتمائهم للثقافة الأمنية سالفة الذكر بأن التجارب الثورية والتاريخ القريب والبعيد قد أثبت أن سياسة العنف والاستبداد هي سياسة تسرع بخطى صاحبها إلى السقوط في الهاوية، كما لم يفطن إلى المتغيرات الكثيرة التي تحدث في الزمان والمكان والمنطق حيث تصب جميعها في مصلحة الثورة وحتمية نجاحها، لكن ماذا نقول وقد اقتصر نظر هذا النظام على رؤية ما تحت أقدامه فقط، وراهن على من يأخذ بيده على طول الطريق من أصدقائه الإقليميين أصحاب المصالح المشتركة، ولم يرى أن العصا التي يتكئ عليها هؤلاء الأصدقاء قد تهوى على رأسه عندما تتعارض مصالحهم مع نظرته العمياء.

لقد أخطأ نظام الأسد منذ تأسيسه بنقطتين أولهما عدم إيمانه أن دوام الحال من المحال وأن الأنظمة الديكتاتورية إلى زوال مهما طال بها المقام وأن فكرة أبدية النظام بمعنى توارثه والتي حاول ترسيخها في عقول السوريين خلال العقود الماضية تتعارض تماماً مع مسيرة التاريخ وحياة الشعوب، والثانية أنه لم يعط الشعب السوري حق قدره، ولم يدرك خصائصه التاريخية والنفسية والاجتماعية وحتى الطائفية ومن هنا لم يقدر الطريقة المناسبة التي يستطيع بها التعامل مع هذا الشعب الذي إن أكرمته ملكته وأن قمعته تمرد، وبهذا فقد حفر النظام خلال مسيرة حكمه قبره بنفسه وبدأ يدق مسامير نعشه بمطرقته ولا يزال الشعب السوري ثائراً صامداً بانتظار أن يدق المسمار الأخير.

---------**************-------------

اتساع الهوة بين النظام والشعب في سوريا .. علي الصفدي

الرأي الاردنية

1-10-2011

تتسع الهوة وتتعمق يوماً بعد يوم في سوريا بين النظام الحاكم والشعب، جرّاء التجاهل الكلي لمطالب الحراك الشعبي المنادي بالحرية والديمقراطية والإصلاح، واقتصار التعامل معه على لغة القمع الأمني والعسكري والبطش التسلطي بدلاً من لغة الحوار وبناء جسور الثقة والتفاهم والتجاوب مع إرادة الشعب وصون حقوقه، وقد أدى التصعيد المبالغ فيه وغير المسبوق عسكرياً باستخدام الدبابات والمروحيات ضد المواطنين المدنيين، وتحويل الداخل السوري إلى جبهة حرب، إلى إصرار الحراك الشعبي الذي اتسع نطاقه على مواصلة انتفاضته ورفع سقف مطالبه، وتغيير الصيغة السلمية لحراكه ومواجهته العنف بعنف مضاد لجأت إليه بعض قوى المعارضة، ولم تستغرب الحكومة الأمريكية لجوء المعارضة السورية للعنف في مواجهة النظام دفاعاً عن النفس، إذ أعلن الناطق باسم الخارجية الأمريكية (مارك كونر) أنه كلّما واصل النظام قمع وقتل واعتقال الناشطين السلميين، كلما صار مرجحاً أن يتحول التحرك السلمي نحو العنف، وتقع المسؤولية في ذلك على النظام الذي يستمر في استخدام العنف ضد المدنيين.

لقد مُني النظام السوري نتيجة إفراطه في استخدام القوة ضد شعبه سلسلة من الخسائر الجسيمة، فعلاوة على فقدانه لثقة المواطنين لعدم استجابته الفعلية لمطالبهم الإصلاحية والاكتفاء بوعود لفظية إعلامية مارست قواته عكسها تماماً، تأثرت علاقاته سلباً بدول كانت في عداد حلفائه مثل تركيا الذي حاول رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان حث سوريا على التغيير والإصغاء لمطالب شعبها وإقناع نظامها بأن مصدر المصداقية لأي نظام حاكم لا تأتي إلا من إرادة شعبه، وأن أي سيادة دون إرادة الشعب لا تكون شرعية، وأن تركيا تقف مع الشعب لا مع النظام، وقد أعلنت تركيا عزمها على فرض مجموعة من العقوبات ضد النظام السوري ستطال الجيش والعلاقات المصرفية وقطاع الطاقة وغيرها استكمالاً للحظر الذي فرضته على وصول الأسلحة إليها، وأضيفت هذه العقوبات إلى ما فرضه الاتحاد الأوروبي من عقوبات بدأت آثارها بالظهور على الاقتصاد السوري، إذ ذكرت صحيفة (واشنطن بوست) أن سوريا عاجزة عن إيجاد أسواق لبيع نفطها، وكانت أوروبا تستورد 95% من نفطها.

ولم تقتصر حملة انتقادات حلفاء سوريا لها على تركيا بل شملت إيران أيضاً حيث طالبها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بوقف العنف ضد المحتجين وأكد أن المواجهات والمصادمات لن تفيد نظامها بل تؤدي إلى تفاقمه والذي ينبغي عليه الجلوس إلى طاولة الحوار مع شعبه والقائم على الاحترام والتفاهم المتبادل لحل سائر المشاكل، فالعدالة والحرية والاحترام حق لكل البشر.

وفيما يعلن الرئيس الأسد إنهاء الأزمة في سوريا وأن مدنها تستعيد استقرارها الكامل، تتواصل حملات القمع والاعتقالات التي اتسعت لتشمل طلبة المدارس والجامعات، مما دعا الهيئة العامة للثورة السورية إلى مناشدة مجلس الأمن الدولي لتأمين حماية فاعلة للمدنيين ودعوة النظام إلى وقف فوري لإطلاق النار في سوريا، وفي هذا السياق أعدت الدول الأوروبية مشروع قرار لعرضه على مجلس الأمن يشجب القمع الدامي في سوريا ويلوح بفرض عقوبات ضد حكومتها إذا لم توقف العمليات العسكرية ضد المدنيين.

فالهوة تتسع ليس بين النظام والشعب فقط، بل بين سوريا النظام وبين المجتمع الدولي، بما فيه حلفاؤها السابقون، ودول الاتحاد الأوروبي التي ترفض لغة العنف والقمع ضد الشعوب، وتعرضت جراء ذلك لخسائر سياسية واقتصادية على حد سواء.

---------**************-------------

ما بعد بشار الأسد ليس سهلا .. ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

1-10-2011

يجمع المسؤولون الغربيون على أن نظام بشار الأسد انتهى. وتُنقَل عن الدوائر الضيقة المحيطة بالنظام أفكار شتى للتعامل مع مرحلة ما بعد السقوط، تستفيد من تجارب الربيع العربي، جلها مبنية على أساس الاحتراب الطائفي والتحصن في القرى المنيعة، والتهديد باستخدام سيناريو الدولة العلوية، أو إعلانها فعليا. وفي سبيل ذلك تسخر إمكانات مالية تقوم على نهب مقدرات الدولة من العملة والذهب وتسخيرها في خدمة المجاميع الأمنية والعسكرية التي تتسلح بأحدث أنواع الأسلحة. بحيث تفرض "الدويلة" شروطا أفضل تمكن رؤوس النظام من الإفلات من العقاب، وتفشل في الوقت ذاته إمكانية بناء سورية حديثة وديمقراطية.

يدرك بشار عزلته التامة، ويعرف أن مواقف روسيا والصين لا قيمة لها عمليا، ولم تجد نفعا لا مع القذافي ولا مع صدام حسين ولا مع الصرب ولا مع غيرهم. البلد الوحيد الذي يقف معه هو إيران بامتداداتها في العراق ولبنان، وهي ستشجع "الدويلة" وستحاول إيجاد عمق لها من خلال شيعة لبنان والعراق. وفي النهاية لدى إيران خبرة واسعة في إدارة الحروب الأهلية والاستفادة منها سواء في لبنان أو العراق أو أفغانستان.

في المحصلة، بشهور أو سنوات ستذوي هذه الدويلة، ولن تكون إيران بمنأى عن التغيير، وحزب الله نفسه ضجر من نظام بشار، وبحسب ويكي ليكس، فحزب الله يتهم النظام السوري باغتيال عماد مغنية. وستكون أولوياته الحفاظ على نفسه ومصالح طائفته التي تكاد تكون أكثرية في لبنان لا ربطها بنظام آفل.

ليس سهلا التعامل مع واقع حرب أهلية، لكنها حرب فرضها النظام الطائفي على شعب أعزل. المرحلة الأصعب كيفية التعامل مع بقايا النظام الآفل. فلم تعرف البشرية إجراما ووحشية نوعا وكمّا مثل نظام الأسد أبا وابنا. الفارق بينهما فقط في التوثيق، فجرائم الأب وثقت نصوصا في تقارير منظمات حقوق الإنسان، أما الابن فقد أتاحت ثورة التقانة توثيقها صورا وبثها بأسرع وقت على أوسع نطاق. وهو ما أتاح للضحايا والمتعاطفين معهم والشامتين بهم فرصة مشاهدة الحدث وكأنه أمامهم عيانا. فجعنا في أول الثورة السورية بصور حمزة الخطيب الطفل الذي بتر عضوه التناسلي وخرم جسده، وبعد نصف عام فجعنا باغتصاب الفتاة زينب الحصني ابنة التسعة عشر ربيعا وشويها وتقطيع أوصالها.

حقيقة ما أزال أعيش صدمة مشاهدة الفيديو الكامل الذي لم ينشر على وسائل الإعلام، الجثة سلمت من الأمن لمشفى حمص. أي أن جهة رسمية أرادت توصيل رسالة واضحة هانحن فاحذروا. الجثة بعد إعادة تركيبها رأس مقطوع ومشوي، ويدان كذلك مقطوعتان ومشويتان. هذه آخر رسالة للتخويف، كل قصة زينب أن شقيقها مطلوب للأمن.

تجرى عمليات اغتصاب على نطاق واسع، لكن لأسباب اجتماعية وأخلاقية يتكتم عليها، لكن قصة زينب تمثل ما بعد الوحشية. السؤال الكبير كيف يمكن التعامل مع عصابات الإجرام هذه بعد سقوط النظام؟ وكيف يمكن التعامل مع رئيسها بشار الأسد؟ الشعب السوري أجاب بوضوح استمرار الثورة. هكذا تصرّف أهل زينب التي تخلد في رحمة الله بعد أن رحلت عن جحيم النظام الوحشي.

هذا الجواب العاجل الآن، لا يلغي التحضير للجواب الآجل غدا. السؤال مفتوح للثوار وأنصارهم، وللطاغية وأنصاره. ولا أستغرب أن يطالب أنصار الطاغية في عمان بإلحاق المدونة طل الملوحي بابنة بلدتها زينب الحصني. ولا نعلم إن كانت طل لقيت نفس المصير، فلا أحد يعلم عنها شيئا. يا الله كن في عونهم.

--------**************-------------

المجلس الوطني السوري.. الأهمية والدور المطلوب.. علي الرشيد

الشرق القطرية

لم يكد المجلس الوطني السوري ينتهي من الإعلان عن تشكيلته الأحد الماضي حتى خرجت المظاهرات المناوئة لنظام الرئيس الأسد في عدة مدن معلنة عن تأييدها له، كما عبرت عدة تنسيقات للثورة السورية وتكوينات وشخصيات سياسية عن دعمها لجهوده، بمن في ذلك الذين لهم بعض الملاحظات عليه، ولعل السرّ وراء هذا التأييد والدعم الشعبيين الكبيرين يكمن فيما يلي:

* بروز جهة تسعى بجدية لأن تكون معبرة عن الدولة السورية وممثلة لها، وراعية لمصالح أبنائها داخليا وأمام المحافل الدولية، قبالة حكم أسري امتد أكثر من أربعة عقود مثقل بالديكتاتورية والدموية والفساد المالي، حيث أصبح لتكوين المجلس أهمية خاصة قي ظل قيام النظام الأسري السوري الذي يفترض فيه حماية مصالح السوريين والحفاظ عليها بالتصدي للشعب ومواجهة مطالبه السلمية المشروعة بالحديد والنار وسفك دماء المدنيين الأبرياء منه، لمجرد إصرارهم على الصمود في ساحات الاحتجاج عليه دون خوف من آلة بطشه العنيفة.

* تمكُن أطياف المعارضة من التوحد بعد مخاض عسير، وهو ما يزيد من قوة الصف المناهض لهذا النظام وتماسكه وصموده أمام الجلاد المتوحش على كافة الأصعدة: اللوجستية، والسياسية والإعلامية والدبلوماسية والتكافلية.

وتشمل هذه الوحدة: وحدة الداخل والخارج، ووحدة تركيبة الشعب بكافة تكويناتها القومية والدينية والمذهبية، وكافة توجهاتها الفكرية والحزبية وإن كانت بنسبة تجاوزت 75%، وما يحمد للمجلس الوليد تركه الباب مفتوحاً لالتحاق بقية الأطياف والمكونات الأخرى في أوقات لاحقة.

* السعي للحصول على شرعية التمثيل للثورة السورية في المحافل الدولية والتي انطلقت قبل ما يزيد على ستة أشهر، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى وعشرات الآلاف من المعتقلين واللاجئين والنازحين. وكانت عدة دول وهيئات دولية وأممية ربطت التعامل مع هذه الثورة والاعتراف بشرعيتها بوجود مثل هذا المجلس كما حدث من قبل في ليبيا. وتأخر هذه الدول والجهات عن الاعتراف بالثورة بعد ذلك سيشكل إحراجاً كبيراً لها.

كما يمكن عبر هذا المجلس مخاطبة الجهات الحقوقية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان لتوثيق جرائم النظام، والسعي لمقاضاته ومحاكمة رموزه المتورطين فيها والتي ترقى لأن تكون جرائم ضد الإنسانية، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين وبخاصة بعد أن تمادى دون أن يوجد رادع يردعه عن ممارساته البشعة.

ولكن حتى يؤدي هذا المجلس دوره المناط به لابد أن يأخذ بعين الاعتبار عدة أمور أهمها:

* استكمال تمثيل ما تبقى من أطياف الشعب السوري فيه، حتى لا يبقى خارجه سوى النظام السوري ومن يدور في فلكه، أو الذين هم ينأون بأنفسهم عنه، وبناء الهياكل التنظيمية المنظمة لعملها في أطر ديمقراطية مؤسساتية، والتداول على رئاسته وإدارة لجانه.

* الانتقال من البيانات الصحفية والتصريحات الكلامية إلى الفعل على الأرض، وتحديدا خدمة الثورة السورية، عبر تحشيد الدعم لها ولقضيتها العادلة، وضمان استمراريتها حتى تحقيق غاياتها المرجوة، وذلك من خلال: توفير صناديق تقدم الدعم المالي لها، وبناء الأطر التكافلية لأسر وأبناء شهدائها ومعتقليها ولاجئيها، وتوفير المنابر الإعلامية التي تنطق بها وتعبر عنها، وحشد الدعم العربي والإقليمي لها، وتمثيلها في المحافل الدولية، ومحاولة كف الأذى عنها من خلال حماية مدنييها وحراكها السلمي، وفضح ممارسات النظام وجرائمه في ظل محاولاته المستميتة لإبقاء ذلك في طي السر والكتمان.

أي أن الدور الأساسي للمجلس يتمثل في أن يكون وراء الثورة ساعياً لتحقيق أهدافها، بمعنى: "توظيف جهوده السياسية الخارجية خاصة في نطاق ما يخدم وصوله وراء الثورة إلى أهدافها"، وبقدر ما ينجح في بلوغ ذلك بقدر ما يكون ناجحاً في أداء مهمته الراهنة والمستقبلية.

ومقابل تأييد الشارع السوري الكبير للمجلس، اعتبره النظام السوري العدو الأول، لذا لم يكن مستغرباً أن تشن أبواقه منذ اللحظات الأولى لتشكيله حملات كبيرة عليه نعتته بالخيانة والارتباط بالأجنبي (أمريكا والدول الغربية وإسرائيل) وتنفيذ أجنداته، ورفض تمثيله للشعب، ذلك لأن هذا التشكيل مثّل منعطفاً مهماً في حراك الثورة، ولأن كانت حركة الاحتجاج على الأرض واستمرارها حتى الآن بعد انكسار حاجز خوف الجماهير كان الخطوة الأولى للثورة، فإن الخطوة الثانية المهمة في هذا الحراك كان هذا المجلس بكل ما سيضطلع به من مهام سياسية كبيرة، وبخاصة أنه يعني عمليا تهيئة البديل السياسي للنظام الذي بدأ يتهاوى.

ولقد راهن النظام كثيراً ولا يزال على خلافات المعارضة، واعتبر أن من علامات عدم رشد الثورة اختلافات مناهضيه، باعتبار أن البديل سيكون الأسوأ.. أما الآن ومع توحد المعارضة ضده وتواصل الحراك الشعبي لإسقاطه فقد بات يشعر أن شرعيته الزائفة المزعومة والمبنية على توريث الحكم وانتخابات الحزب الواحد، واستفتاءات رئاسة هرمه التي كان حظي بها الابن وقبله الأب بنسبة تزيد عن 99% قد أصبحت مرفوضة داخلياً وخارجياً وتعيش الرمق الأخير من عمرها.

---------**************-------------

سورية التي نريد... بين الرافضين للديمقراطية والمتخوفين منها .. زهير سالم*

بينما يتقدم الشباب السوري على طريق التضحيات لبناء سورية الحديثة، مبشرين بمشروع النهوض الوطني والقومي، باذلين دماءهم في سبيل رؤية وطنهم عزيزا، وأبناء شعبهم أحرارا، متمسكين بالديمقراطية خيارا وطنيا لقيادة المجتمع السوري نحو الغد المأمول؛ يتأكد التوافق بين فرقاء من الرافضين  للخيار الديمقراطي والمتخوفين منه، ولكل أسبابه ودواعيه، فيستحضر كل فريق تعلاته وتفسيراته، ويستثير هؤلاء وهؤلاء أنصارهم في الداخل والخارج ، ويدعونهم إلى المزيد من الإغلاق على أبناء شعبنا، والتواطؤ على انتهاك حقوقهم.

 

 وليد المعلم يخوف العالم من الخيار الديمقراطي في سورية بالتخويف من الإرهاب والتطرف، والتباكى على العلمانية التي وفرت المظلة الآمنة للجميع!!  عن أي علمانية يتحدث المعلم لسنا ندري؟! سبق لأحد الصحفيين العرب أن كتب من الكويت: إن النظام السوري هو الوجه العلماني لتنظيم القاعدة. ولو أحب الإنسان أن يكشف المستور أكثر فربما يجد من الشواهد ما تؤكد تماهي الوجهين في الموقف الواحد، ولاسيما على الساحة العراقية، حيث هوجمت الكنائس المسيحية بالقرار السوري والأدوات الأخرى، ليؤكد النظام  للعالم على أهمية دوره الوظيفي الذي أسند إليه منذ عقود. هذا الدور المزعوم  يُهرع للدفاع عنه راع كنسي مرموق من لبنان مستنجدا بساركوزي، مخوفا هو الآخر من الديمقراطية، ومدافعا عن قتلة الأطفال والمستبيحين للمساجد والكنائس والبيع على السواء.

 

وهكذا يتموضع النظام المستبد وحزبه القائد ومجموعة المستفيدين منه على اختلاف انتماءاتهم في مقدمة الرافضين للخيار الديمقراطي، مع رفعهم له واحتمائهم به . ويعللون رفضهم العملي الصريح المغلف بأوراق السولفان بأن الشعب السوري لا يزال يحتاج إلى جيل آخر من الرعاية البعثية المرشدة على ما صرح به رئيس النظام للصحيفة الأمريكية ( وول ستريت جورنال ) قبل اندلاع الثورة السورية بشهر تقريبا، حيث أكد الرئيس أنه يستبعد تماما أن يصل الربيع العربي إلى سورية. كما يؤكد هؤلاء مرة بخطاب مباشر وأخرى على ألسنة الأعوان والمستفيدين أن الشعب السوري قطيع من الضباع لو وجدت حريتها لأكلت كل الخرفان في مراعيها...

 

إن من يتابع مشروع الإصلاح الذي تم الإعلان عنه، والقوانين المقترحة للولوج إلى عالمه بما فيها قانون الأحزاب وقانون الإعلام والأرضية العامة التي يتم تنفيذ الإصلاح المنشود عليها؛ يدرك تماما أن مفهوم بشار الأسد عن الديمقراطية لم يتقدم أبدا عن مفهوم والده، وأن الأنموذج الذي يعيد تقديمه هو نفس الأنموذج الذي اقترحه حافظ الأسد لها منذ أربعبن عاما: أحزاب صورية لجبهة وطنية تقدمية، وإن بمسميات جديدة، ومجلس شعب  ينتخب فيه المواطن ممثله من دائرة مفتوحة من خلال القائمة التي سيتطوع حزب البعث العربي الاشتراكي  مشكورا في إعدادها. وهكذا تستعد ثلة من المعارضين السوريين اليوم لملء الشواغر استباقا للفرصة وقطعا للطريق على دماء الشهداء.

 

وبعضهم يرفض الديمقراطية باسم الإسلام

وينضم إلى هؤلاء في رفض الديمقراطية على الطرف الآخر من الحراك المجتمعي السوري بعض الرافضين الإيديولوجيين الذين يرون في الديمقراطية خروجا على أمر الله ، جل الله . فمنهم من يجادلك طويلا في المصطلح واستيراده وتجاربه ومثقلاته. ومنهم من يجادلك في المفهوم والمضمون والمقتضيات، ويضرب لك الأمثال عن المرجعية والحاكمية والمآلات؛ وينسى أولئك وهؤلاء ألا مشاحة في المصطلحات كما قرر علماء الأمة في أسس المنهج منذ البدايات. كما ينسون أن المنهج الرباني الذي يأبى أن يستكره الناس على أصل الدين لا يقبل أن يستكرههم على فرعه.  وأن المجتمع الديمقراطي هو المجتمع الحر المفتوح على التحديات التي تتطلب من صاحب كل دعوة وفكرة أن يظل مستنفرا للدفاع عن أصلها وفرعها بالحوار والحجة حتي يتحول المجتمع الديمقراطي إلى مجتمع مفكر غير مقلد، وهو المجتمع الذي طالما دعا إليه الإسلام.

 

يكفل المجتمع الديمقراطي لكل أصحاب الأفكار أن ينشطوا وأن يعملوا، وأن يجدوا، وإذا كنا لا نقبل من صاحب سلطان ولو كان مثل المأمون والمعتصم أن يفرض علينا عقيدة في خلق القرآن نأباها، فليس من حقنا أن نستعمل السلطة نفسها لنفرض على الناس ما لايقنعهم سواء على صعيد الفكر أو على صعيد السلوك، لأن القانون في المجتمع الديمقراطي الحر سيكون معبرا عن رأي الأكثرية التي سيكون من حق الجميع أن يتنافسوا على حوارها وإقناعها وكسبها..

 

يرى بعض هؤلاء أن السلطة هي أقرب طريق إلى العقول والقلوب والسلوك!! ولكن لهؤلاء الذين يُكرهون على العقيدة أو العبادة اسم غير محبب في مصطلح الإسلام، ولا نريد أن نرى أمثالا لهم في مجتمعاتنا. عرفنا بعض الشباب الذين حملون على الصلاة فصلوا بغير وضوء، ورأينا نساء أكرهن على الحجاب فخلعنه بمجرد أن جلسن على كرسي الطائرة..

 

ودكتاتورية الأكثرية مدخل آخر مريب:

وعلى ضفاف قطبي الاستبداد السلطوي والإيديولوجي تتناثر أصوات المتخوفين من الديمقرطية من يمين ويسار، ويستحضر كل فريق عناوينه ومصطلحاته. فيستخدمون، طرائق النظام المستبد تماما ، وكل مصطلحات الحروب الفكرية العالمية في الهجوم على مخالفيهم ، فيصفون هؤلاء المخالفين بأنهم إرهابيون وأصوليون ومتطرفون ومتشددون، ويستحضر هؤلاء المراوغون بعض تجاربهم الشريرة  في العراق أو في لبنان أو بعض ما تسببوا به في مصر للتخويف من (الفوضى) و ( المجهول ) اللذين يصرون أن يقدموهما بديلا لليل الاستبداد.

 

ويتفنن البعض ببلاغة شعرية ليتحدث عن ( دكتاتورية الأكثرية ) .للدفاع عن (دكتاتورية الأقلية)، ويستنفر قوى العالم للدفاع عنها. فبعض الذين ينصبون أنفسهم مدافعين عن الأقليات أو متخوفين على مستقبلها يفكرون بطريقة استعلائية عنصرية مريبة ترى أن الاحتياط من خوف متوقع على العشرة يبيح هدر دماء التسعين، وانتهاك حرماتهم، والعدوان على حقوقهم. إنهم يعيدوننا إلى مفارقة قتل الفرد وقتل الشعب. قتل الفرد ولو كان متوقعا هو الجريمة التي لا تغتفر، وقتل الشعب السوري الذي استمر طوال أربعة عقود هو القضية التي فيها نظر. أليس هذا ما جهر به بعضهم في حضرة الرئيس ساركوزي!!!

 

وينسى هؤلاء أو يتناسون أن هذه الأكثرية قد صانتهم وحفظتهم، وهذا ليس منة ، في مسيرة تاريخية عمرها قرون طويلة وأن أسلاف نظرائهم في العالم الذي يعتزون بترداد شعاراته لم تبق منهم باقية. ساعدني على العثور على بقايا مسلم أو عربي من أهل غرناطة ليتضح لك المقصود..

 

كما ينسى هؤلاء أن الطبيعة السيوسولوجية لمجتمعات الأكثرية تحول بينها دائما وبين الانغلاق بحيث تكون كتلة مصمتة بينما مثل هذا التحزب أقرب منالا في تجمعات الأقليات، وإن كانت ثقافة القرن الذي نعيش تجعل من الصعب أن تنغلق الجماعات البشرية على نفسها على أسس ولاءات تاريخية أو ثقافية. وهذا الذي تعمل عليه كل النخب التي تدعو إلى  المجتمعات الحرة في بناء الدولة الحديثة.

  

الحديث عن دكتاتورية الأكثرية هو محاولة فئة أخرى للتخويف من الديمقراطية أو رفضها بالتخويف من عفريت بلاغي ليس أقل هلامية من الحديث عن الإرهاب والتطرف والتشدد في مجتمع مثل مجتمعنا السوري كان في تاريخه القديم والحديث مثالا للوسطية والاعتدال.

 

كل الذين يخوفون من الديمقراطية أو يتخوفون منها هم على الحقيقة شركاء في الاستبداد أو مستفيدون منه. وإذا كان لأحد في هذا الوطن أن يشير إلى تخوفات مستقبلية فهم هذه الشريحة من ضحايا هذا الاستبداد على المستويات العقائدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد دفعنا نحن أبناء هذا الجيل من السوريين وآباءنا وأمهاتنا ونساءنا وأطفالنا الذين أصبحوا رجالا وأصبح لديهم أطفال ضريبة مخاوف المتخوفين وهواجس الموسوسين...

 

ولكي نعبر إلى الغد بثقة علينا أن نستحضر جميعا أن ظلم طبقة المستبدين هؤلاء كانت عابرة للأديان والمذاهب والأعراق. وعلينا أن نكف عن ترداد حكايات محاكم التفتيش في تجلياتها التاريخية والمعاصرة. محاكم التفتيش كان ضحاياها لمن لا يعلم مخالفين من المسيحيين واليهود والمسلمين على السواء. وكان حصادها كحصاد نظام البعث: عقلا مقموعا وكتابا ممنوعا وإنسانا مضطهدا مسروقا.

 

وحين نبشر بمجتمع الغد الذي نأمل ونحلم علينا أن نتعلق بأفق الفاروق عمر يقول للمصري خذ الدرة واضرب ابن الأكرمين!! ونتناسى دون نسيان: قبية ودير ياسين وعناقيد الغضب وذبحا أصابنا في حماة وجسر الشغور وحلب وتدمر وصبرا وشاتيلا أيضا... نبعد كل هذا عن وسادة نومنا ونحلم بالفجر والزهر والربيع. لنصبح على جد وعمل وعزيمة وحب وسلام. لنحلم بوطن كل أبنائه وبناته أيضا من الأكرمين.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

 

---------**************-------------

خطورة الانجرار إلى 'فخ ' عسكرة الثورة السورية .. د. عبدالله تركماني

2011-10-04

القدس العربي

أمام تخاذل العرب والمجتمع الدولي عن نصرة الشعب السوري، وارتفاع منسوب القتل الأعمى والاعتقالات والتنكيل، بدأت الأصوات الداعية إلى العسكرة تجد آذاناً صاغية. وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الثورة الشعبية في سورية يجدر التحذير من أنّ عسكرة الثورة، التي تدعو إليها أصوات من هنا وهناك، تعني حتماً انزلاق سورية إلى حرب أهلية مدمرة.

لقد هبَّ الشعب السوري طالباً التغيير الديمقراطي السلمي وساعياً له، فكانت ردة فعل السلطة الأولى اتهامات لطلاب الحرية والكرامة بإثارة الفتنة الطائفية، حيث احتلت كلمة الفتنة والطائفية جزءاً كبيراً من خطاب السلطة ورموزها وإعلامها. وفيما كان المتظاهرون يشددون على وحدة الشعب السوري وعلى سلمية مساعيهم، كانت السلطة تعيد وتردد، بلا كلل ولا ملل، مسألة الفتنة وكأنها ملاذها الأساسي والأخير في مواجهة استحقاقات فشلها في الحكم، وعقم سياساتها.

وإذا كان الكذب في الحالة السورية عماده الشائعات ومكان صناعته الغرف المظلمة والمكاتب الأمنية وشاشات ' دنيا ' الصفراء، فإنّ الحقيقة عمادها الناس ومكان صناعتها المجال العام والمظاهرات وهتافات وشعارات الشباب في الشوارع.

إنّ السلطة تسوّق الوهم في صفوف بعض المكوّنات الوطنية الأقلوية، على الأخص الطائفة العلوية الكريمة، بأنّ تغيير الأوضاع ليس في صالحها، وأنّ مستقبل أسود ينتظرها إذا زال الحكم الفاسد لعائلات الأسد ومخلوف وشاليش، وهي تسعى لتوظيف الخوف والرعب من المجهول لتحويل هذه المكوّنات ومستقبلها إلى دروع تتقي فيها سنن التغيير وعوامل الإصلاح الحقيقي. وهكذا فإنّ السلطة المافيوزية تريد وضع هذه المكوّنات أمام خيارين: إما أن تكون داعمة لها أو تكون الخاسر الأكبر من رحيلها. وفي هذا الموقف منطق أعوج وظلم مركب، من خلال دفع قطاع من المواطنين للعيش في إطار موهوم وغير صحي وغير طبيعي، لأنّ بقاء أية سلطة فاسدة وديكتاتورية ضرب من المستحيل، وبالتالي فإنّ رهن مستقبل أجيال بها أمر فيه غبن كبير.

إنّ الدرجة غير المسبوقة من القمع التي انتهجتها السلطة المافيوزية حتى الآن قد تدفع عناصر من الحركة الشعبية إلى الرد بعنف على العنف دفاعاً عن شرف أسرهم. وهذه السلطة تفعل كل ما في وسعها للدفع نحو العسكرة، التي تعطيها حججاً إضافية لمزيد من القمع، في وقت ستكون هي متفوقة عسكرياً، كما ستكون لها حجة قوية في وجه المجتمع الدولي لتقول: نحن نتعرض للهجوم من مسلحين ولا بد لنا من الرد.

وفي هذا السياق لا يمكن أن نستبعد أنّ بعض الأفراد الذين فقدوا أبناءهم، أو بعض المتعصبين من كل المكوّنات، قد استخدموا هنا وهناك العنف بأشكاله المختلفة، بما في ذلك إطلاق النار على قوى الأمن. لكنّ هذه تبقى أحداثاً فردية عابرة وثانوية، أغلبها رد فعل على مبالغة الأمن في استخدام العنف، ولا يمكن أن تمس بالطبيعة السلمية للحراك الشعبي، الذي لم يكف عن ترداد شعارات السلمية والوحدة الوطنية ونبذ الفرقة الطائفية أو الإثنية.

لقد ركزت الثورة الشعبية السورية - منذ البداية - على طابعها السلمي، ليس من خلال هتافاتها ' سلمية... سلمية ' فقط، بل من خلال اتخاذ المتظاهرين من الشباب مظهر أصحاب الصدور العارية، وهو ما تجسد في تظاهرات تمت في عدد من المناطق السورية. وعلى رغم أنّ هتاف ' سلمية... سلمية ' خف حضوره وترديده في التظاهرات، وأُخلي مكانه لهتافات أخرى، خاصة بعد الانشقاقات المتواترة لبعض ضباط الجيش وعناصره، فإنّ المظهر السلمي للتظاهرات لم يتغير، وربما كان بين تأكيدات هذا المضمون، انطلاق تظاهرت نسائية في العديد من المناطق السورية، إضافة إلى تظاهرات الأطفال التي تكررت مرات في الآونة الأخيرة، مع افتتاح الموسم الدراسي.

وعلى رغم أنّ المسار العام لحركة التظاهر بدا سلمياً طوال الفترة الماضية، ومؤكداً على وحدة الجماعة الوطنية للسوريين بمكوّناتها المختلفة، فإنّ ذلك لا يمنع من القول: إنّ مظاهر محدودة ظهرت هنا أو هناك وفي ظروف محددة، خالفت المسار العام لهذه الحركة في الهتافات والشعارات، إضافة إلى حدوث بعض مظاهر العنف من جهة، وإظهار بعض مظاهر الانقسام السوري من جهة ثانية، لكنّ ذلك كله لم يمثل ظاهرة بل أحداث منفصلة وقليلة.

ولا شك بأنّ الجيش عندما يشعر بأنه مستهدف، وعندما يشعر مكوّن وطني ما بأنه مضطر للدفاع عن نفسه، فإنّ كليهما سيتوحد بقوة أكبر خلف النظام، وقوة النظام كمحصلة ستتضاعف. وفي هذا السياق نستطيع أن نؤكد: أنّ نخبة من داخل الطائفة العلوية مستفيدة، وليس كل الطائفة، فهناك مناطق في الساحل السوري، حيث يتمركز أغلب أبناء الطائفة، لم يصل إليها صرف صحي أو كهرباء. ولعل العقلاء من هذه الجماعة الوطنية يدركون أنّ مصيرهم مرتبط أشد الارتباط بمصير كل مكوّنات الشعب السوري، وليس بآل الأسد وحلفائهم، مما يجعلهم ينخرطون في مسيرة الثورة ضد ظلم السلطة المافيوزية، من أجل الحرية والكرامة والمواطنة لجميع السوريين. وبذلك يساهمون مساهمة جليلة في الحد من الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن جموح السلطة الغاشمة.

إنّ الثمن الذي يدفعه السوريون باهظ بسبب من الطبيعة الشرسة للسلطة، ومن تأخر انشقاق فاعل في المؤسسة الأمنية كما حدث في تونس ومصر. ولكنّ المهمة تبقى هي نفسها: التغيير بواسطة حراك عام وشعبي، سلمي تعريفاً. سلمي ليس رأفة بأهل السلطة القائمة، وإنما لأنّ ذلك هو ما يسمح بالتبلور التدريجي والمتعاظم للبديل، وبالانتصار على منطق الحرب الأهلية الذي بات أهل النظام القائم يغرفون منه.

فإذا كان التأكيد الأول على مضمون التظاهرات بأنها سلمية في إشارة لنفي صفة العنف عنها، فقد كانت شعارات ' نريد حرية وكرامة ' تأكيداً آخر لسلمية التظاهرات من خلال إبعادها عن استفزاز السلطة وأجهزتها الأمنية، لكنّ استجابة الأخيرة لعدم الاستفزاز لم تتحقق، بل جرى الذهاب للأبعد في دخول الجيش وقوات الأمن وجماعات الشبيحة حيّز العمليات في حصار ودخول المدن والقرى والبلدات في عدد من المحافظات السورية، وهو تطور قوبل من قبل المتظاهرين بالتأكيد على عناصر الوحدة الوطنية في مكوّناتها المختلفة، وتكاتف السوريين معاً عبر هتافات تؤكد مؤازرة وفداء المدن والقرى السورية، التي تعرضت لانتهاكات كبيرة في التظاهرات والاقتحامات.

إنّ الرد على أطروحات السلطة تكون من خلال إقرار مفهوم المواطنة والمشاركة والعيش المشترك في وطن ديمقراطي يتساوى فيه المواطنون بالحقوق والواجبات. الأمر الذي أكده الحراك الشعبي السوري في مسار ما ينوف عن ستة أشهر، وهو الآن أمام تحدي استمرار مضامين تحركه على رغم الفاتورة الكبيرة، التي دفعها في مواجهة الحل الأمني للسلطة، والتي هي مرشحة للارتفاع أكثر، ما لم يبادر المجتمع الدولي إلى فرض حماية للمدنيين، من خلال مؤسساته المختصة بحقوق الإنسان.

إنّ سلمية الثورة السورية رهانها الواضح ولن تقع بأفخاخ النظام، وكان شباب قيادتها من النضج الذي مكّنهم من تجاوز حقول ألغام النظام، أو ردود الفعل غير المحسوبة، كما أنّ حرصها وفهمها للوحدة الوطنية بكل مكوّنات الشعب السوري، وتوجهها المخلص بخطابها إلى المكوّن العلوي: البراء من جرائم السلطة وآثامها، ومن محاولاتها تجييش بعض البسطاء والمندفعين والمنتفعين فيها، إنما يكرس فهمها للدولة الديمقراطية المدنية الضامنة لحرية الاعتقاد والرأي، وللمساواة التامة بين كافة المكوّنات على أساس دستور عصري، وقوانين حديثة تتعامل مع الجميع كمواطنين متكافئين.

--------**************-------------

التحام الثورات .. د.خالص جلبي

تاريخ النشر: الأربعاء 05 أكتوبر 2011

الاتحاد

بتاريخ 30 سبتمبر، والخريف يدخل إلى مفاصل السلطة في بعض البلاد العربية، برزت ظاهرة جديدة في ربيع ثورات العالم العربي، بإطلاق شعار واحد في اليمن وسوريا معاً، والأرض تلتهب بنار الثورة في البلدين، والقبور تفتح أفواهها الجائعة لمزيد من ضحايا "البلاطجة" و"الشبيحة". هذه المرة حصل تبادل في الخبرات والشعارات بين الثورات العربية، كما حصل يوم الجمعة في نهاية سبتمبر: "جمعة النصرة لشامنا ويمننا". فهل نحن أمام ظاهرة رفع نفس الشعار للجمعات المقبلات في صنعاء وحمص؟ أهو تحالف حيوي بين "الجملوكيات"، يقابله تحالف بين شباب الثورة في الشام واليمن؟ ثم من أين انبجس هذا الشعار الذي ألهم المشاعر في البلدين؟ أصله من حديث شريف يتضمن القول: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا". ومن الأحاديث المروية حول اليمن أيضاً وصف جميل لأهلها: أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية". وفي الخليج يُعرف اليمنيون بطيبة أخلاقهم وإتقانهم للمهن وحبهم للتجارة ووداعتهم، ما يذكّر بصفات أهل الشام أيضاً.

ويبدو أن هناك على مستوى العالم العربي حالياً تبادل للخبرات في الثورة، بدءاً من تونس وحتى اليمن، فالبوعزيزي لم يكن ليدرك طبيعة القوى التي أطلقها مع حرقه لنفسه! لقد أحرق مفاصل نصف درزن من الأنظمة في حريق هائل، فيما تتوقع مجلة "دير شبيجل" القادمَ على نحو أشد عمقاً.

ليس هذا فقط، فنجاح الثورة السلمية في اليمن سيغير عقلية الإنسان العربي حول الآليات السلمية للتغيير. كما أن نجاح الثورة السلمية في سوريا قد ينقل شرارة الحريق إلى بعض الجوار، ومنه الخوف الإيراني من التغيير السوري.

لقد قتل في ثورة مصر 800 شخص، وعدد نفوس مصر ثمانين مليوناً، أما عدد من قتلوا في سوريا حتى الآن ففاق ثلاثة آلاف، وهو عدد مرشح للزيادة، بينما لا يتجاوز عدد السوريين عشرين مليوناً، وهذا يعني أن مخاض سوريا أعسر من مصر بكثير، كما يعني أنه ربما لن يخلو بيت من قتيل أو مقعد أو جريح أو مصاب. إنها ضربة الميلينيوم، أي الحدث الذي لا يقع إلا مرة واحدة كل ألف سنة. وسوريا شأنها شأن اليمن لم تنل استقلالها فعلياً، لكنهما اليوم مقدمتان على الاستقلال والحرية الفعليين.

كثيراً ما أردد أن الاحتلال الأجنبي والاستعمار الداخلي مثل التهاب الجلد الأحمر؛ مؤلم ونابض وواضح وسريع البداية والنهاية وسهل المعالجة، وأحياناً يُشفى بوضع الثلج عليه. وهي رحلة الخلاص من المحتل الخارجي. أما الاستبداد الداخلي فهو سرطان حقيقي، بطيء التدرج والانتشار، غير مؤلم وغير واضح، وحين يتم القبض عليه وكشفه يكاد يقترب العلاج من الاستحالة، وعمليته نازفة ودموية جداً. وذلك تقريباً ما نراه في اليمن وسوريا حالياً، لذا وجب التعاضد بين الاثنتين. والله يقول: "سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون". وسوريا واليمن ستَغلبان بإذن القوي القهار.

--------**************-------------

لماذا الإصرار على "سلمية الثورة"؟ .. محمد أبو رمان

الغد الاردنية

5-10-2011

ما تزال مدينة الرستن، في محافظة حمص، تتعرّض لحرب إبادة ومجازر بشعة، بعد قصف بالطائرات العسكرية واجتياح بالدبابات وضرب بالمدفعية، وهو ما لم يقم به النظام السوري دفاعاً عن الجولان المحتل!

مجزرة الرستن تأتي بعد سلسلة من المجازر في حماة واللاذقية ودرعا وإدلب وجسر الشغور وريف دمشق ودير الزور والقامشلي، وبعد أن مارس النظام أقصى درجات الفجور من اعتقال النساء واغتصابهن والتنكيل بالمعتقلين وقتلهم تحت التعذيب، وما لا يخطر على بال أعتى النظم الفاشية والنازية التي عرفها التاريخ.

بالضرورة، فإنّ هذا التمادي الإجرامي مع تواطؤ دولي أصبح مفضوحاً، ودور أميركي وعربي مشبوه بالالتفاف على الربيع الديمقراطي العربي، في سورية واليمن، فإنّ الثورة السلمية تكون قد وصلت إلى طريق مسدود، طالما أنّ القوة المسلّحة وآلة القتل والإجرام بيد النظام يوجهها ويستعملها كيفما يشاء.

ومع الإحساس بمقدار الألم والحزن وحجم التضحية الإنسانية التاريخية لهذا الشعب البطل المصابر، والشعور بالمرارة من الخذلان العربي والدولي، إلاّ أنّ الانجرار تحت وطأة هذه الظروف إلى سيناريو "عسكرة الثورة" (بعد نجاح الثورة الليبية بالتخلص من القذافي) يتطلب تفكيراً واقعياً وعميقاً، في ضوء موازين القوى الحالية، والأخذ بعين الاعتبار اختلاف المصالح الدولية والإقليمية بين الحالتين السورية والليبية.

ما تزال القوة العسكرية بيد النظام، ولديه جهاز أمني أشبه بالأخطبوط يعمل منذ عقود في تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية، بينما أغلبية الشعب السوري قرّرت الابتعاد عن السياسة منذ زمن طويل، ما يعني أنّ الدخول إلى صدام مسلّح لن يكون مضمون النتائج والعواقب، بل ربما هو ما يريده النظام ويستدرج الثوار إليه لتبرير مزيد من الإجرام والقتل، كما فعل بحماة قبل عقود من الزمن.

إلى الآن، سرّ نجاح الثورة السورية وقوتها في إصرارها على السلمية، وهي السمة التي يريد النظام وأعوانه أن يدحضوها، من خلال دعاية المجموعات الإرهابية والمسلحة، التي تشتغل عليها الماكنة الإعلامية الرسمية، وهي ذريعتها الوحيدة (داخلياً وخارجياً) لارتكاب المجازر الحالية.

بالطبع، فإنّ هذه الدعاية كاذبة وملفقة، فكيف إذا تحول العمل الثوري نحو العسكرة؟!

هذا لا يعني رفض "عسكرة الثورة" من حيث المبدأ، لكنها وجهة نظر بأنّ العسكرة حالياً لن تأتي إلا بما يخدم النظام وفق موازين القوى الحالية والمواقف الإقليمية. لكن إذا تغيرت هذه الموازين، وحدثت تحولات إقليمية تسمح بدعم لوجستي للثورة السورية (إقليمياً)، وجزء من ذلك مرتبط بنجاح المعارضة بتشكيل مظلة سياسية واضحة تمنح رسائل لمرحلة "ما بعد الأسد"، فعند ذلك لكل حادث حديث.

بالضرورة، فإنّ ارتفاع نسبة العناصر المنشقة عن الجيش السوري وتشكيل الجيش السوري الحر والضباط الأحرار، كل ذلك سينعكس على وجود "جيوب" لمواجهة الجيش السوري، بخاصة أنّ هنالك ملاحقة وتنكيل بالمنشقين وعائلاتهم واعتداء همجي على أقربائهم.

إلاّ أنّنا عند هذه النقطة تحديداً بحاجة للتمييز بين الثورة المدنية السلمية الواضحة والناصعة أمام العالم، وبين العناصر المنشقة داخل الجيش (وهي اليوم بالمئات إن لم يكن بالآلاف) التي تدافع عن نفسها وعن المدنيين، وهذا ما لا تتحمل "الثورة السلمية" تبعاته ومسؤوليته بل النظام نفسه، لأنّ هؤلاء في الأصل جنوده، الذين رفضوا الخضوع لأمر إبادة المدنيين، وهو تمييز ضروري لحماية عنوان الثورة وتجنيبها عواقب أكثر قسوة لو حدث الخلط.

---------**************-------------

نقاشات حوارية .. عقاب يحيى

تحياتي

هذا النقاش يدل ويدلل على حيوية الفترة التي أتاحتها لنا الثورة فأخصبت أوضاعنا وعقولنا، وإنه لأمر طبيعي أن يكون هناك خلاف، وثغرات، وسلبيات، وأن تكون لنا ملاحظات شتى : في الجوهر والشكل.. فنحن أمام استحقاقات متسارعة لم تك أوضاعنا الذاتية والموضوعية بمستوى متطلباتها..

لقد أهلكت عقود الاستبداد قوى المعارضة، وأحدثت فجوات فيها، وفيما بينها، وبينها والأجيال المتعاقبة.. وفجأة بات علينا أن نكون جديرين باللحظة التاريخية، وأن نقدّم المأمول، والمأمول دون الإمكانات، إن كان لجهة " المعارضة التقليدية" المثخنة بالأزمات ومفاعيل المطاردة والتهميش والاعتقال والتجفيف، وانعكاس كل ذلك عليها، وعلى علاقاتها البينية، أو لجهة حراك الشباب الذي يقود الثورة من واقع ضعف الخبرة والوعي وتراكم المهام، ومناقلة المتغيرات، او الخلفيات الفكرية والسياسية.. ناهينا عن قوى الضغط الكثيرة، أو لجهة المعارضات الجديدة التي نبتت بقوة، وعديدها يطاحش لشرعنة وضعه، وعديدها يحاول تصدر المشهدين : الإعلامي والسياسي.. وهذا حق، بشكل عام، ذلك أن الثورة ملك الشعب وليست حكراً على حزب أو مجموعة، ولا يمكن لآحد أن يدعي امتلاكها دون الآخرين، او يمنع استقبال المؤيدين لها والمنضوين فيها كل يوم.. رغم ما تحمله الظاهرة من إيجاب وسلب.. تترك آثارها البيّنة على مجمل الحراك والمبادرات والمؤتمرات.. وكثير من مظاهر الاستعجال والعفوية، وحتى الانتهازية وصناعة تواريخ وأمجاد في معارضة النظام.. وكثير كثير.. مما يضيق المجال لذكره ..

بالعودة إلى المعارضة واختلافها.. وكما يقول الصديق الدكتور ميشيل سطوف، في مداخلته القصيرة حول خلافات المعارضة ووسائل التعاطي معها بروحية التفهم والديمقراطية التي من ألف باءاتها الاعتراف بالاختلافواعتباره أمراً طبيعياً، بل ويمكن أن يكون عامل إيجاب إذا ما تحلق الجميع حول الأهداف المركزية للثورة السورية : إسقاط النظام وإقامة النظام الديمقراطي .. نظام المواطنة المتساوية والتعددية.. وإذا ما وعى الجميع طبيعة المرحلة، وتخلى عن الذاتوية والحزبوية الضيقة والعصبوية والعصبيات المخنوقة ..

ذلك أن التباينات، وبعيداً عن كمّ الذاتي فيها والشخصي، والشخصنة هي نتاج التعدد في الخلفيات الفكرية والسياسية، ويمكن أن نضيف إليها : الاختلاف في وسائل تحقيق الهدف المركزي : إنهاء الاستبداد وإقامة البديل ..

وبعيداً عن عقلية الاتهام والتخوين، وعن محترفي وعشّاق الاحتراب وإثارة الزوابع، والنفخ في السلبي، أو التبايني.. فإن وعي المرحلة، ووعي أهمية التباين الملتقي حول الهدف العام.. يمكن أن يكون عامل غنى وتخصيب بدل أن يتحول إلى هبش ونهش وتحطيم.. عندما يحترم كلّ منا خيارات الآخر، وتقديراته، ووجهة نظره، وعندما نقتنع أننا في الخندق الواحد، ونعمل لهدف واحد، وأن مصيرنا جميعاً مرتبط بمآل وصيرورة الثورة السورية، ومحتوى ونهاية الصراع مع نظام الطغمة .. وطبيعة المرحلة الانتقالية التي يجب عبورها لتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية ..

ورغم أننا تحاشينا(كمجموعة معارضة أمضينا العمر في مقارعة النظام منذ أول يوم لانقلابه التفحيحي.. وقدّمنا ما يمكن من جهد على طريق وحدة المعارضة وتفصيح طبيعة المرحلة، والتحقنا بالثورة جنوداً منذ ايامها الأولى) تحاشينا المشاركة في مختلف المبادرات والمؤتمرات التي عقدت على مدار الأشهر المنصرمة.. لقناعتنا بأنها لم تتوفر على العوامل الرئيسة لجمع أغلبية أطياف المعارضة : القديمة والشبابية.. فإننا نشعر بأن الثورة وصلت إلى عنق الزجاجة وهي بمسيس الحاجة إلى عون فوري عبر تلاقي أطياف المعارضة مع قوى حراكها والتوصل إلى صيغة ما تقود العمل في هذه المرحلة الحرجة .. بغض النظر عن الاسم، والعدد، والقوى التي ستشارك.. وعن كثير السلبيات التي ندرك عديدها..

وبناء على ذلك قررنا المشاركة في المجلس الوطني بما نقدر، وبما يتاح لنا من مساحة وسط التزاحم، وعراك مكونات موازين القوى في هذا المضمار ..

إننا نعلم أنها مرحلة انتقالية تفرض أشكالاً قد لاتكون هي المثلى، ومفروضة بحكم الضرورة، والتي لم يختارها شعبنا بإرادته الحرة، أو عبر صناديق الاقتراع ..لكن، وبالوقت نفسه فإن الظروف الضاغطة فرضت هذه الصيغة المرحلية، وهي حالة اختبارية كبرى لمدى وعي الأطراف المشاركة، وتغليب العام على الخاص، وقضايا الثورة على الذاتي، والتلاقي حول الهدف المركزي وصولاً لأفضل الصيغ المتاحة..التي تسهم في تجنيب بلادنا مختلف المخاطر التي تلوح في الأفق، وتحقق الأمل المنتظر : إسقاط النظام للبدء في المرحلة الانتقالية التي لا بدّ وأن تكون مختلفة بقواها وصيغها.. حين يتوجب على المجلس الوطني وكافة الصيغ المرحلية وضع نفسها تحت تصرف شعبنا ..

إن عضوية المجلس ليست مفخرة، أو مَظهرة.. إنها تكليف ثقيل بمهام ثقيلة، وجهد يجب أن يتفانى في نكران الذات، وتضحيات متضافرة لتقديم الأفضل عبر تناغم تعددية الاتجاهات والانتماءات وليس التزاحم لاحتلال واجهة الطاولات ووسائل الإعلام، أو التماحك لعرض العضلات النظرية، أو العددية، أو القوة المالية الساندة لهذا الطرف أو ذاك..وهي تطوع ذاتي ليكون من وقع الاختيار عليه جندياً حقيقياً في صفوف الثورة يقدّم كل ما يقدر عليه دون حسابات مصلحية واستعراضية، وهي الامتحان الأصعب على مستوى الذات، والمجموع.. حين سيكون على الأعضاء التحلي بالتواضع، وبأخلاق شعبنا في الإيثار والتضحية، والالتزام بأهداف الثورة وممثليها الحقيقييبن.. عبر تلاقح العتيق بالجديد، والأجيال الشابة بأصحاب الخبرة ..لأجل الوفاء لدماء وعذابات وأحلام شعبنا الذي يدفع الضريبة الأكبر.. على طريق إنهاء نظام الطغمة، وإقامة البديل الذي تصبو إليه عقول وقلوب ملايين شعبنا ..

---------**************-------------

بين المجلس الوطني السوري وثورة الشعب في سورية.. نبيل شبيب

مداد القلم

خطوة تاريخية هامّة.. والأهمّ هو فيما يمكن أن ينبني عليها

أعلن يوم 2/10/2011م في اسطنبول، بعد مخاض طويل عن ولادة أشبه بالولادة القيصرية، للمجلس الوطني السوري، ولا يقلّل ذلك من قيمته الذاتية، أي كونه هيئة مستقلة ذات سيادة، وفق التعبير الوارد في الإعلان الرسمي عن ذلك، وأنّه هيئة تمثل القطاع الأكبر من "المعارضة السياسية".

مشروعية الثورة أولاً

في العلاقة بين المجلس الوطني في سورية وبين ثورة شعب سورية، يجب توضيح أمر أساسي من البداية:

ليس السؤال المحوري: هل يؤيّد ثوار سورية هذا المجلس تأييداً كاملاً أو ناقصاً، وهل يقبل هو بتمثيلهم فيه بما يناسب دورهم في تحرير سورية من الاستبداد القمعي الفاسد؟..

بل السؤال المحوري هو: هل يمثّل المجلس الثوار والثورة، ليقبل به الشعب الثائر، وليكون قادراً على أداء المهمة السياسية المطلوبة منه في هذه المرحلة؟..

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة الشعبية في سورية سقط موقع "العنصر السياسي" في صناعة مستقبل الشعب ووطنه، وظهر "العنصر الثوري".. فدور العنصر السياسي في أي وقت من الأوقات هو التحرك "نيابة" عن الشعب لتحقيق مصالحه العليا وأهدافه، ووجد شعب سورية في لحظة من اللحظات أنّ عليه أن يتحرّك بنفسه، رغم إدراك ما يعنيه ذلك من ثمن باهظ يتمثل في التضحيات البطولية التي يقدمها.. أي لجأ إلى الثورة الشعبية على "واقع" مرفوض، ليصنع بنفسه واقعاً جديداً.

هذه اللحظة التاريخية تعني:

1- وضع حدّ نهائي للزيف المتمثل في أن الحكم الاستبدادي.. يؤدي مهمة سياسية صادرة عن الإرادة الشعبية، وبتعبير آخر: هذا حكم لا مشروعية له، وهذه حاله منذ نشأته الأولى، إنّما تعطي الثورة الشهادة الحاسمة على تأبينه، بعد أن بقيت جميع منافذ التعبير عن هذه الإرادة، كالانتخابات والاستفتاءات، مغلقة لزمن طويل، وتثبّت الثورة أنّ المشروعية الأصيلة مرتبطة بإرادة الشعب فقط، وهذا ممّا تجسده عبارة: الشعب يريد..

2- اقتران ذلك التحرّك الشعبي الذاتي، بخلوّ الثورة من أي "صبغة سياسية" لأي جهة معروفة من قبلُ، توجّهها، ناهيك عن أن تقودها وتمثلها، أي: إنهاء التوكيل الشعبي المفترض لأي طرف سياسي موجود، ويعتبر نفسه "معارضة"، بحق أو دون حق، ليتحدث أو يتصرف "الآن" باسم الشعب.. فالشعب يتحدّث مباشرة ويتصرف الآن مباشرة.

لم تعد مرجعية المشروعية المرتبطة بإرادة الشعب ممثلة في أي جهة من الجهات.. فالمندوب أو الوكيل أو المفوض أو النائب أو السلطة المنتخبة.. أو المعارضون، جميع ذلك ليس له على كل حال "مشروعية أصيلة" بل "تفويضية" بالنيابة عن صاحب الحق الأصيل.. ومقيدة زمنياً وموضوعياً، إن وجدت.

الشعب يخرج إلى الشوارع، مدينة بعد مدينة، يوماً بعد يوم، ويدفع الثمن من دمائه، ويتابع طريقه: ثورة حتى النصر.

الشعب يخوض معركته السلمية البطولية التاريخية ضدّ القمع الاستبدادي الذي بلغ درجة حرب شاملة تخوضها ميليشيات مسلّحة ضدّ جماهير غير مسلّحة إلا بطاقتها الثورية..

الشعب يكوّن هيئات ومجالس وتنسيقيات ولجانا ووسائل إعلام.. تمثله، يشكلها بنفسه، ويختار عناصرها من أوساطه، بغض النظر عن وجود ما تشكل بأسماء مشابهة عبر جهات سياسية معارضة موجودة على الساحة، فيكون الترحيب الشعبي بها، بقدر ما "تشارك" في عملية توثيق المشروعية الثورية الشعبية.

الشعب يقرّر بنفسه، مباشرة، بأن هذا المجلس.. أو هذه المبادرة.. أو هذا التحرك، سيان عمّن يصدر، يمثل الثورة جزئياً أو كلياً أو لا يمثلها، ويخطو خطوات ويتخذ مواقف ويعلن بيانات ويصنع تشكيلات ما، وجميعها فيه عناصر إيجابية منسجمة مع مشروعية الثورة والثوار والشعب الثائر، فتحظى بتأييد، وفيه عناصر سلبية، لا تنسجم مع مشروعية الثورة والثوار والشعب الثائر، فتجد الرفض، وفي الحالتين لا تصبح لها مشروعية توكيلية "مكتسبة" إلا بقدر تلك الإيجابيات، ولا يمكن أن تتحوّل إلى "مشروعية توكيلية مشروطة كاملة" إلا بعد أن تبلغ الثورة غايتها، وتتشكل الدولة الجديدة المنشودة في سورية على أنقاض النظام القمعي الاستبدادي المنهار، أي بعد استرداد الوطن وتحرير الشعب، وترسيخ دعائم مستقبلية جديدة لصناعة القرار الشعبي عبر الأجهزة.

المجلس الوطني السوري الجديد

ليس السؤال الحاسم في العلاقة بين المجلس والثورة إذن: "كم" هو حجم تمثيل الثورة؟.. أي تمثيل الهيئات المعبرة عنها ميدانياً، في المجلس، بل السؤال الحاسم هو عن "نوعية" هذا التمثيل، على افتراض قبولها بأن تكون طرفاً فيه..

ليست الهيئات الثورية هيئات سياسية، ولكنها هي مصدر التعبير سياسياً وإعلامياً عن الثورة.

وليس المجلس الوطني هو الشعب، بل هو إطار للسياسيين، الذين يريدون وضع أنفسهم في خدمة الثورة وشعبها.

لا يمكن ربط الشعب بمجلس، أيّ مجلس، وبإرادته، بل يجب ربط المجلس، أيّ مجلس، بالشعب وإرادته.

لا يتحقق ذلك من خلال الكلمات، من خلال البيانات والتصريحات، بل من خلال آليات العمل.

وجميع ما سبق لا يعني إطلاقا التهوين من أهمية المجلس الوطني السوري، بل يعني تحديد موقعه في هذه المرحلة، وبالتالي نوعية "مشروعية" ما يصدر عنه من مواقف وبيانات وتصرفات، ابتداء من لحظة تشكيله، إلى أن تبلغ الثورة غايتها المذكورة.

إن المجلس الوطني السوري المعلن عنه في اسطنبول هو -حتى الآن- أكبر وأشمل ما جرى تشكيله خلال ستة شهور ونيف، وهو أقرب من جميع ما سبقه (ويتزامن معه) إلى الثورة والثوار، وهو المرشح للقيام بدور فعال في المرحلة المقبلة، وجميع ذلك مرتبط بقدرته على الارتفاع بأهدافه وأقواله وأعماله إلى مستوى الشعب الثائر وثواره، وليس بقدرته على كسب تأييد رسمي من أي جهة عربية أو إقليمية أو دولية، دون الانتقاص من أهمية هذا التأييد وضرورته.

مستقبل المجلس -وليس مستقبل سورية وشعبها- مرتبط بهذه المعادلة ما بين علاقاته بالثورة وعلاقاته الأخرى، ما بين الوصول -وراء الثورة- إلى أهدافها، وبين توظيف جهوده السياسية الخارجية خاصة في نطاق ما يخدم وصوله وراء الثورة إلى أهدافها.

النجاح الكبير الذي حققه المجلس حتى الآن هو "جمع" نسبة عالية من أطياف المعارضة السياسية، وعدد من الممثلين السياسيين مكوّنات الشعب في سورية.

والنجاح التالي المطلوب من المجلس هو طرح رؤى سياسية مستقبلية لسورية، يتلاقى عليها السياسيون بالتركيز على الكليات الكبرى والقواسم المشتركة وتجاوز التفاصيل الجزئية والاختلافات السياسية، إلى مرحلة مقبلة.. إلى ما بعد قيام دعائم الدولة الجديدة.

أما النجاح الأكبر الذي يمكن اعتباره هو الامتحان الأهم على أرض الواقع، فهو ما يتمثل في أن يتمكن من تجسيد الإرادة الشعبية عبر المشروعية الثورية، وجعل ذلك هو المحور الحاسم في رؤاه السياسية المستقبلية تلك، والعمل من أجل تحقيقها عبر العلاقات مع القوى العربية والإقليمية والدولية، ولا يتحقق هذا النجاح الأكبر والأهمّ، إلاّ "مع" الثورة الشعبية وممثليها، وليس "بمشاركة رمزية أو صغيرة أو كبيرة" ضمن المكونات السياسية العديدة للمجلس نفسه.

هامة الشعب وإرادته هي الأعلى

لا يزال "صوت الثورة السياسي" خافتاً رغم ارتفاعه خلال الأيام الماضية بشكل ملحوظ بالمقارنة مع ما كان عليه من قبل، وليس المقصود بالصوت السياسي: الإعلان عن الأهداف، فهي معلنة معروفة من اليوم الأول بل هي معروفة من قبل اندلاع الثورة، فما اندلعت إلا لتحقيقها.. إنّما المقصود أن تتمكن الهيئات الميدانية والإعلامية التي تمثل الثورة، ولا سيما كبراها: الهيئة العامة للثورة السورية، من أن توجد لنفسها صيغة تنظيمية وآلية عملية لتطرح مواقفها من الأحداث والتطورات والمواقف الآنية حولها، خارج سورية وداخلها، ولتتعامل بصفتها الذاتية مع مختلف الجهات الأخرى، السياسية، السورية وسواها.

ليس هذا سهلاً.. وهو ما يتبيّن من أن الخطوات الأولى المتحققة على هذا الطريق استغرقت شهورا، فالمهمة المطلوبة مطلوبة في ظروف الثورة، وضغوط الواقع الاستبدادي القمعي في الداخلي، وكذلك في نطاق ما تمثله التحركات السياسية للمعارضة في الداخل والخارج، سلباً وإيجاباً.

إذا كان المطلوب من المجلس الوطني السوري من موقعه السياسي المتميز الذي حققه يوم 2/10/2011م، أن يتحرك سياسيا وراء الثورة والثوار لتحقيق أهداف الثورة والثوار، فالمطلوب من الثورة والثوار أن يتمكنوا من تحديد اتجاه السير بأنفسهم.. بصورة مباشرة، واضحة، قاطعة، من خلال الصيغة التنظيمية والآلية العملية التي يضعونها لأنفسهم.

ذاك ما يمثل الدعم الأهم والأكبر الذي يحتاج إليه المجلس الوطني السوري ليؤدّي مهمته السياسية على الوجه الأمثل، وذاك ما يعتبر إنجازاً كبيراً يتطلب جهوداً كبيرة، إنّما تستمد الثورة والثوار القدرة على ذلك من الشعب الثائر في سورية، ولقد أثبت أنّ طاقاته بلغت به وبثورته العلياء في تاريخ الشعوب، في تاريخ البشرية، وهي معين لا ينضب لمزيد من الإنجازات بإذن الله.. لتتوافر لأجيال المستقبل في سورية حياة الكرامة والعزة والحرية، في ظل سيادة الشعب في وطنه، وسيادة إرادته في صنع قراره في دولته.. وسيادة مشروعية ثورته عبر دماء شهدائه وعذابات ضحاياه، على كل طرف من الأطراف مهما بلغ علوّ هامته السياسية ومكانته وبلغ إخلاصه، فالثورة تجسّد الشعب ومكانته في عالم السياسة والسياسيين، وإنّ هامة الشعب وسيادته وسيادة إرادته في وطنه هي الأعلى من كل هامة سياسية على الإطلاق.

--------**************-------------

سوريا وحسابات الدور التركي .. حازم صاغية

تاريخ النشر: السبت 01 أكتوبر 2011

الاتحاد

إذا فكّرنا بمنطق بارد وسألنا: لماذا يتردّد الأتراك في اتّخاذ مواقف أكثر مبادرةً وحسماً في الموضوع السوريّ، واجهتنا إجابات عدّة ومتفاوتة. ولكنْ لا بأس، قبل استعراض تلك الإجابات، بالقول إنّ السؤال هذا يغدو شاغلاً متعاظم الأهميّة لدى أفراد سوريّين كثيرين، وأفراد غير سوريّين، يؤرّقهم ما يحصل في سوريا من عنف همجيّ.

فأن يعلن أردوغان، رئيس الحكومة، أنّه قطع الاتّصالات بدمشق، وأنّه يفكّر في فرض عقوبات على سوريا، فهذا، على أهميّته ودلالته، يبقى أقلّ وأبطأ من بعض الرهانات، المعلنة أو المضمرة، على دور تركيّ. وإذ ترتفع يوماً بعد يوم نبرة المطالبة بالحماية الدوليّة للمدنيّين السوريّين، تتعاظم الأضواء المسلّطة على الموقف التركيّ واحتمالاته العمليّة، كما تكبر الفجوة بين الحاجات والأفعال، حتّى لو كانت مصادرةً لسفينة محمّلة أسلحةً للنظام.

والحال أنّ السبب الأوّل وراء التردّد التركيّ هو، على الأرجح، التردّد العربيّ إيّاه. ذاك أنّ من الصعب على أنقرة أن تقدم على عمل كبير في سوريا (العربيّة) من دون أن يكون هذا العمل مرفقاً بمساهمة عربيّة، أو أقلّه بغطاء عربيّ من النوع الذي توفّر لحلف "الناتو" في مهمّته الليبيّة الأخيرة. فليس طبيعيّاً أن تتقدّم تركيا في الحقل السوريّ بوصفها جزءاً من الأطلسيّ وحساباته من غير أن تستطيع التقدّم كبلد مسلم تربطه بجواره العربيّ روابط تاريخيّة ومصلحيّة شتّى. والحقّ أنّ عملاً كهذا لن يكون فحسب مثيراً لمشاعر عروبيّة ستبالغ دمشق في اصطناعها وتحريكها، وربطها ب"الاستعمار التركيّ والعثمانيّ"، بل سيكون أيضاً مصدر تناقض مع النظريّة السياسيّة التركيّة لجهة أولويّة الانتماء إلى المنطقة والجوار الإسلاميّ على ما عداه. وهذه الطريقة في النظر هي بالضبط ما سبق أن هندسه وزير الخارجيّة ومنظّر دبلوماسيّة "حزب العدالة والتنمية" أحمد داوود أوغلو.

لكنّ ثمّة أسباباً أخرى وراء بطء أنقرة وتعثّر مبادرتها. فالنهضة الاقتصاديّة التركيّة التي قامت أساساً على التصدير الخارجيّ، وجعلت الاقتصاد التركيّ الاقتصاد الثامن عشر في العالم، كما شكّلت أحد أهمّ أسباب الانتصارات الانتخابيّة المتتالية ل"حزب العدالة والتنمية"، تدفع إلى تدبير طرق بديلة عن طريق الترانزيت السوريّة إلى الأسواق المستورِدة الواقعة في الجنوب، بما فيها أسواق الخليج. وهذا فضلاً عن أنّ السوق السوريّة نفسها من أهمّ مصادر العوائد التجاريّة لتركيا. هكذا وفي ظلّ عجز ضخم في الموازنة ومديونيّة غير محمودة العواقب، تصبح تركيا مدعوّة لإجراء عديد الحسابات قبل الإقدام على خطوات سياسيّة وعسكريّة ذات انعكاس اقتصاديّ مباشر على طاقتها التصديريّة.

وهناك، إلى ذلك، إيران. فقد حرصت أنقرة طويلاً، على مدى السنوات القليلة الماضية، على الظهور بمظهر الصديق للحكم الإيرانيّ، كما بدا أنّها معنيّة بالتنسيق معه، ليس في ما خصّ المسائل الثنائيّة فحسب، بل أيضاً في خصوص القضايا الإقليميّة والمسائل المتفرّعة عن الملفّ النوويّ الإيرانيّ ومشاكل طهران مع البلدان الغربيّة. وقد بلغ الأمر، قبل أقلّ من عامين، حدّ الحديث عن "تحالف استراتيجيّ" يضمّ، إلى تركيا وإيران كلاًّ من سوريا والعراق. ولكنّ هذا ما لبث أن تبيّن أنّه نوع من التفكير الرغبويّ الذي لا يستطيع إلى ما لا نهاية أن يتجاهل المشكلات الموضوعيّة بين البلدين ونفوذهما. وقد انفجر الاكتشاف الواقعيّ مع اندلاع الانتفاضة السوريّة، فراح يتبيّن أنّ عملاقي العالم الإسلاميّ غير العربيّين يقفان موقفين شديدي التباين ممّا يجري في دمشق. ولئن حافظت تركيا على لغة هادئة عموماً هي أقرب إلى التكتّم على خلافها مع إيران، فإن الأخيرة ذهبت بعيداً في اتّهامها الأتراك بتنفيذ رغبات الغربيّين في سوريّا.

والواقع أنّ أنقرة إذا ما بدت مضطرّة لأن تحسب حساب القوّة العسكريّة الإيرانيّة واحتمالات ردّ فعلها، فإنّها هنا أيضاً مرشّحة لأن تصطدم بنظريّتها، أي نظريّة داوود أوغلو، عن العلاقات الإقليميّة والتموضع حيالها. ذاك أنّ تطوّراً كهذا سيؤول حتماً إلى استجلاب العالم الخارجيّ وقواه العسكريّة للتدخّل المباشر في المنطقة، خصوصاً أنّ تركيّا عضو فاعل في "الناتو"، فيما إيران ترتبط بعلاقة شديدة السوء مع البلدان الغربيّة بسبب المسألة النوويّة. وغنيّ عن القول إنّ إحدى الأطروحات التي سال حبر تركيّ كثير في الدفاع عنها هي جعل أهل المنطقة يحلّون شؤونها بعيداً عن "لعبة الأمم".

وأخيراً، هناك ما كُتب عنه الكثير في الآونة الأخيرة ممّا يتعلّق بالأكراد والعلويّين السوريّين. فهنا سريعاً ما يتداخل الشأن السوريّ والشأن التركيّ الداخليّ، لاسيّما في ظلال استمرار الحرب الدائرة بين أنقرة و"حزب العمّال الكردستانيّ" وانحياز الكتلة العلويّة التركيّة للقوى العلمانيّة المناهضة ل"العدالة والتنمية"، أتمثّلت في أحزاب اليسار أو تمثّلت في الجيش الأتاتوركيّ الذي يحرز ضبّاط علويّون مواقع أساسيّة فيه.

لكنّ خطاب أردوغان المصريّ الأخير ورحلته العربيّة ودور أنقرة في ليبيا وتداول حكومة "العدالة والتنمية" مع الروس في الشأن السوريّ، كلّها توحي بأنّ القيادة التركيّة لن تتخلّى عن محاولة الاستفادة من الوضع الراهن لزمن ما بعد الانتفاضات. ويقطع في هذا الاحتمال التدهور الذي قد يتواصل في العلاقة مع اليونان وقبرص ممّا يفاقمه الملفّ النفطيّ المتزايد الأهميّة. وفي هذا المعنى يمكن القول إنّ التصعيد التركيّ الأخير في مواجهة إسرائيل وحكومة نتنياهو ربّما كان أقرب إلى عمل استباقيّ وظيفته أن يحمي احتياطيّاً أيّ تحرّك تركيّ محتمل في سوريّا بعد أن تتوافر شروطه المطلوبة.

ذاك أنّ من المستبعد جدّاً أن يفكّر الأتراك في أنّ الباب العربيّ سيبقى مفتوحاً لدورهم الكبير والموعود من دون أن يُحسم الوضع في سوريّا بطريقة أو أخرى. وهذا التقدير هو ما يشجّع المتفائلين بدور تركيّ أشدّ مبادرة وحزماً على القول إنّها مسألة وقت لا أكثر. وهل يمكن أن يكون عديم المعنى احتضان أنقرة أطيافاً من المعارضة السوريّة وبعضاً من مؤتمراتها؟

--------**************-------------

أضعف الإيمان - اعترفوا بالمجلس السوري .. داود الشريان

الثلاثاء, 04 أكتوبر 2011

الحياة

توحدت المعارضة السورية. أعلنت ولادة «المجلس الوطني السوري». أصبح للشعب السوري عنوان سياسي آخر، لكن العنوان الجديد لسورية يكتنفه غموض، وربما خلاف بين أطياف المعارضة. فموقف المجلس من التعامل مع الخارج، جاء عاماً، وربط العمل مع الحكومات ب «مبدأ الاحترام المتبادل وصون المصالح الوطنية العليا، ورفض اي تدخل خارجي يمس السيادة الوطنية»، وهو ميّز بين التدخل والحماية. فهل هذا التمييز محاولة لامتصاص اعتراض بعضهم وتطمينه، أم هو رفض لتدخل منفرد محتمل، والتمسك بآليات الشرعية الدولية، في حال أصبح التدخل حتمياً؟

الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بالوقت، وتطور الأحداث، وقدرة المجلس على التزام الوحدة التي أعلنها في بيانه الأول، فضلاً عن ان تفسير المقصد من التمييز بين التدخل والحماية، حديث في النيات. لكن المهم هنا ان بيان المجلس الوطني أشار في معرض حديثه عن التدخل الى انه يعمل مع كل الهيئات والحكومات، وهو وضع الحكومات العربية في مقدم الدول التي ينوي العمل معها، رغم ان المعارضة السورية خطت خطوات كثيرة بعيداً عن أي دور للدول العربية، والإشارة الجديدة في البيان إشارة مهمة يجب التوقف عندها، والترحيب بها في شكل عملي.

لا شك في أن بعض الدول العربية تردد كثيراً، وما زال، في الوقوف صراحة مع الثورة السورية، باعتبار ان ليست هناك جهة واحدة تمثلها. وباستثناء المواقف الإعلامية، ما زال الموقف العربي الرسمي غير واضح. لكن الوضع تغيّر اليوم، وعلى هذه الدول حسم ترددها. فتأسيس مجلس وطني، يمثل سيادة الشعب السوري، ويعبّر عن إرادة كل القوى السياسية السورية، يتطلب تحركاً عربياً عاجلاً وموحداً، لاحتضان المجلس، وفتح العواصم العربية للتحركات السياسية للمعارضة السورية، واستقبال رئيس المجلس الوطني وممثليه، وإعطائه صفة في الجامعة العربية، تمهيداً للاعتراف الرسمي به كممثل للشعب السوري. والأهم ان تبدأ الدول العربية بالاعتراف بهذا المجلس قبل الدول الأخرى.

الأكيد أن تردد العرب في احتضان المجلس الوطني السوري، سيجعل قضية التمييز بين التدخل والحماية، مجرد تعبير سياسي يفضي في النهاية الى النتيجة التي يخشاها السوريون، ويندم عليها العرب. اعترِفوا بالمجلس الوطني قبل أن تخطف التدخلات الأجنبية الثورة السورية.

--------**************-------------

المبادرة عند المجلس الوطني .. حسام عيتاني

الثلاثاء, 04 أكتوبر 2011

الحياة

القبول بالتدخل الخارجي وضيق التمثيل في الداخل، هما التهمتان اللتان ألصقهما بالمجلس الوطني السوري مؤيدو النظام في دمشق، وذهب مذهبهم بعض المعارضة.

يمكن فهم موقف هذه الأخيرة وتبريرُه بحاجتها إلى الحفاظ على خيط ولو هزيل للتواصل مع حكم يشعر بحساسية مفرطة حيال كل ما يشير إلى تدخل خارجي يدعم المتظاهرين. بعض المعارضة في الداخل السوري يعلم الخطوط الحمر وحقول الألغام التي يتحرك بينها وعليها، لذا تقتضي الواقعية ترْكَ من يواجه آلة القمع من دون قناع ومن قرب، يقرر النهجَ الأنسب له في مقاربته الحراك الجماهيري.

أما بالنسبة إلى المتحدثين باسم النظام، فتبدو حجتهم متهافتة، إذ إنهم يكررون ومنذ اندلاع الثورة السورية، الفكرةَ ذاتها بكلمات مختلفة: المعارضة في الخارج معدومة الأثر على ما يجري في الداخل، ومعارضتا الداخل والخارج تتشاركان في العمالة للغرب وإسرائيل، وغايتهما الأخيرة إسقاط نظام المقاومة والممانعة، خدمة للمصالح المعادية.

تهافُت هذه الذريعة مقيم في انضواء عدد من القوى المؤثرة في الداخل السوري في اطار المجلس، وهو ما ظهر في قدرتها على تسيير تظاهرات تأييد له بعد ساعات قليلة من اعلان تشكيلته في اسطنبول، ناهيك عن أن رفض المتحدثين باسم النظام الاعتراف بسعة تمثيل المعارضة، يجعل من اللجوء الى صناديق الاقتراع أمراً ملحاً لحسم اللغو الذي يلجأ اليه أنصار الرئيس في حديثهم عن تمتعه بمساندة الأكثرية الساحقة من السوريين.

مسألة التدخل الخارجي لا تقل أهمية، فبعد تحقيق النظام إنجازات لا تُنكر في الحيلولة دون صدور أي قرار دولي يدينه إدانة صريحة او يفرض عقوبات قاسية عليه، مستفيداً من غياب الغطاء العربي ومن الدورين الروسي والصيني في التستر على جرائمه، جاء المجلس الوطني ليقول إن موضوع التدخل الخارجي مازال قيد البحث، شرط عدم انتهاك السيادة السورية، وان يكون بالتوافق معه.

حدّا السيادة والتوافق مع المجلس، ورغم التناقض الشكلي بينهما عند الحديث عن التدخل الأجنبي، يجب أن يوضعا في إطار إبقاء كل الخيارات مفتوحة في وجه نظام لم يتورع عن قرار حصر أدوات «حواره» مع المعارضة بالقوة المسلحة وبالقمع الأمني. وحيال الاختلال في موازين القوى الميدانية وإصرار الثورة على طابعها السلمي، يبدو مفهوماً البحث عن وسائل تردع النظام عن إيغاله في سفك الدماء بغية ترويع المعارضين.

المسألة هنا لا تتعلق بالوطنية ولا بالعمالة، بل بمسؤولية النظام مسؤولية كاملة عن إغلاق الباب أمام أي عملية سياسية تتيح وضع أسس ومقدمات تغيير سلمي وديموقراطي في البلاد. هذه العقلية لم تبدأ مع ما قاله الضابط عاطف نجيب لوجهاء درعا الذين جاؤوا يطالبون بالإفراج عن ابنائهم في اول ايام الثورة، بل تعود إلى أعوام كثيرة مضت عندما قرر الرئيس حافظ الأسد أن السجن والموت هما مآلا رفاقه السابقين في الجيش وفي حزب البعث ممن عارض صعوده الى السلطة.

هذا كله، معطوفاً على ما يبدو كانطلاقة لآلة التضخم والأزمة الاقتصاديين، ولعزلة شديدة الوطأة لم تترك من أصدقاء للنظام سوى أنصاره في لبنان وأطراف في الحكومة العراقية وإيران، يجعل المجلس الوطني في موقع القادر على اتخاذ المبادرة في الداخل والخارج والتقليل من الخسائر التي يبدو الحكم عازم على إلحاقها بسورية قبل سقوطه.

--------**************-------------

وراء الضجيج السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

2-10-2011

كيف تبدو الصورة المحيطة بأزمة سوريا وحولها؟ ربما كان ذلك هو السؤال الأهم عند المهتمين ومتابعي الوضع السوري، والأهم عند السوريين الذين يعيشون في أتون المشهد الراهن. وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال مؤشرا إلى ضرورات ما يمكن القيام به للخروج من الجحيم السوري باتجاه التغيير المأمول تحقيقه، حيث يمكن القول إن ثمة توافقا سوريا واسعا عليه، وهو التغيير باتجاه نظام ديمقراطي مرسوم في جوهر برنامج قوى المعارضة منذ وقت طويل، ويمثل في الوقت نفسه استجابة للجوهري في شعارات ومطالب المتظاهرين والمحتجين وعموم السوريين الذين يتطلعون إلى دولة ديمقراطية تعددية توفر العدالة والمساواة والمشاركة وسيادة القانون.

إن الأبرز والأهم في مؤشرات الضجيج السوري، يكمن في أزيز الرصاص وقذائف الأسلحة التي تعيش سوريا في ظلالها، والتي تؤكد أن مسار الحل الأمني العسكري ما زال يتواصل في «معالجة» الأزمة، وقد باتت السلطات تختصرها بالقول إنها تتصدى ل«مؤامرة خارجية» من جهة، وتواجه «عصابات وجماعات إجرامية مسلحة، تقتل المدنيين وعناصر الأمن والجيش» من جهة أخرى.

وكما أن للنظام ضجيجه المعبر عن نهجه في التعامل مع الأزمة وتجلياتها الاحتجاجية، فإن للشارع السوري ضجيجه ممثلا بهتافات المتظاهرين الذين رفعوا من سقف مطالبهم حد المطالبة بإسقاط النظام بعد أن فشل النظام في سماع المطالب الأقل حدة في منتصف مارس (آذار) الماضي، والتفاعل معها بصورة إيجابية، مما طور مسيرة الاحتجاج والتظاهر التي كادت تصير عامة وشاملة في أنحاء سوريا. ويجد ضجيج الشارع السوري صداه في أوساط جماعات المعارضة السورية، التي وإن وقفت بصورة شبه جماعية خلف الشارع وحركته وهتافاته، فإن ذلك لم يمنع ظهور ضجيجها الذاتي، الذي يمكن ملاحظته في نقاشاتها الداخلية التي لا تخلو من خلافات واختلافات حول ما يجري وسبل مواجهته، مما يؤدي إلى اصطفافات بين معارضتي الداخل والخارج من جهة، واصطفافات داخل كل منهما في إطار الانقسامات التي تعاني منها المعارضة نتيجة عقود من العيش في ظل نظام أمني - استبدادي.

وإذا كان الداخل السوري وامتداداته في الخارج وسط الجاليات السورية على نحو ما هو عليه من حراك وضجيج، فإن الخارج الإقليمي والدولي، يعيش الواقع ذاته. إذ إن تركيا، جارة سوريا في الشمال، هي أكثر دول الإقليم ضجيجا في تأثرها بالحدث السوري، وبخاصة بعد أن حسمت أمرها، وأعلنت وقوفها ضد سياسات السلطات السورية في التعامل مع الأزمة، وبهذا وضعت حدا للمراوحة في موقف يأخذ موقفا مناهضا للسياسة الرسمية، ويسعى في أحيان أخرى لمساعدتها في الخروج من مأزقها عبر اقتراح خارطة طريق يذهب السوريون عبرها نحو حل الأزمة، غير أن السلطات السورية لم تتجاوب مع المسعى التركي، الأمر الذي عمق الخلاف، ودفع بالعلاقات التركية - السورية للتدهور، ثم دفع بتركيا لتصير – كما هو معلن اليوم - حجر أساس في مشاريع المواجهة مع السياسة السورية، وبخاصة في موضوع دعم أطراف من المعارضة من جهة، وتنفيذ سياسة قوية متعددة للعقوبات المفروضة على النظام في دمشق.

وإضافة إلى الضجيج الصادر عن تركيا، فإن ثمة ضجيجا في المحيط الإقليمي، يجسده ما يحصل في منطقة الخليج، لكنه يأخذ ملامح السياسة الخليجية، التي اعتادت أن تكون أقل حدة وثورانا، وإن كانت تملك إمكانيات تأثير أكبر سواء في علاقاتها العضوية مع سوريا بوصفها بلدا في الإطار العربي، أو بفعل وجود جاليات سورية كبيرة في هذه البلدان، إضافة إلى وزنها السياسي/ الاقتصادي في التأثير على قرارات دول فاعلة ومؤثرة في المستوى الدولي، لا سيما دول أوروبا والولايات المتحدة، وقد سعت أغلبها نحو إعلان مواقف دولية وأممية قوية حول الوضع في سوريا، ليس فقط على صعيد علاقات ومواقف الدول، بل على صعيد الأمم المتحدة ومؤسساتها، وخصوصا مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان التابع للهيئة الدولية.

خلاصة القول، أن كثيرا من الضجيج أحاط، وما زال، بالمشهد السوري، ضجيج في الداخل وآخر في الخارج. غير أن ذلك الضجيج ما زال محدودا في تأثيره، فلا ضجيج النظام الناتج عن قعقعة سلاحه وأصوات قذائفه قادر على الحسم مع الحراك السوري، ولا الأخير مع تحالفاته وظروفه الداخلية/ الخارجية قادر على الحسم مع النظام، وفي الخارج فإن ضجيج الواقع الإقليمي والدولي، لا يترك أثره الحاسم على الوضع، ليس فقط بفعل وجود مواقف وأصوات مثل روسيا وإيران مغايرة للأكثرية الإقليمية والدولية المعارضة للنظام ممثلة بتركيا وأوروبا والولايات المتحدة، بل انتهى بفعل أن كثيرا من الدول الأخيرة، لم تحسم مواقفها بصورة نهائية ولدى بعضها تخوفات بصدد المستقبل، وبعضها قلق مما سيتركه التحول السوري باتجاه الديمقراطية من آثار على الصراع العربي – الإسرائيلي، وهو موضوع مهم في الشرق الأوسط.

وإذا كان الوضع في خلاصته على نحو ما تقدم، فإنه يعني أن الأزمة في سوريا مستمرة على حالها، ما لم تحصل تطورات دراماتيكية، تقلب التصورات والمعادلات القائمة، وتؤدي إلى تبدلات ليس في ضجيج سوريا والضجيج المحيط بها، بل إلى انقلاب في الواقع يدفع عجلة التغيير السوري إلى الأمام، وهو الخيار الوحيد أمام سوريا، ذلك أن ثمة إجماعا في هذا المجال أساسه، أن سوريا لن تعود إلى ما كانت عليه قبل منتصف مارس الماضي.

--------**************-------------

الجامعة العربية ومأساة الشعب السوري!! .. حسام مقلد *

hmaq_71@hotmail.com

لا ينكر أحد أهمية الجامعة العربية ككيان كبير يفترض نظريا أن يشمل العرب جميعا، ويوحد صفوفهم، ويلم شملهم، ويجمع كلمتهم، ويضم دولهم في منظمة إقليمية قوية تحميهم، وتصون كرامتهم، وتحفظ مصالحهم، وتسعى من أجل تحقيق رفاهيتهم، لكن ما يحدث حاليا للأشقاء السوريين عرَّى الجامعة العربية، وفضح عجزها، وبدد أحلامنا، وكشف أوهامنا التي عشنا فيها طويلا؛ فقد بدت هذه الجامعة مشلولة وعاجزة تماما أمام النظام السوري، ولم تستطع أن تحرك ساكنا لوقف جرائمه البشعة ومجازره اليومية التي يرتكبها في حق شعبه الأعزل الذي كل جريمته أنه خرج في مظاهرات سلمية مطالبا بالعيش في حرية وكرامة كبقية شعوب الكوكب!!

ورغم القتل اليومي وتعامل النظام السوري الوحشي مع المتظاهرين، وعدم تورعه عن ذبح النساء والفتيات والأطفال والشيوخ والشباب، وتقطيع أوصالهم والتمثيل بجثثهم، ورغم هدم المنازل والمساجد والمحلات والأسواق، وقتل وتشريد واعتقال عشرات بل مئات الآلاف...، رغم كل ذلك لا تزال الجامعة العربية عاجزة عن التنديد بشكل واضح وصريح بهذه المجازر المروعة وحرب الإبادة التي يشنها بشار الأسد ونظامه على شعبه الأعزل المسالم، ويقول الكثيرون: إذا كانت الجامعة العربية قد فشلت في استخدام لهجة حازمة لتوجيه إدانة واضحة ورادعة للنظام السوري، وعجزت حتى عن تحذيره من العواقب الوخيمة، وتحميله مسئولية ارتكاب هذه الجرائم البشعة، فكيف ستجبره على إيقافها؟!! كما يتساءل العرب في كل مكان: ما الفرق بين الشعب العربي الليبي والشعب العربي السوري؟! لماذا تصرفت الجامعة العربية سريعا في ليبيا، بينما نراها واهنة مترددة أمام النظام السوري، وربما غضت عنه الطرف كثيرا، ومنحته وقتا طويلا لإنهاء مهمته...؟!! أكل هذه السرعة في التعامل مع الملف الليبي كانت بسبب النفط؟!! وهل نفط العرب أهم من العرب أنفسهم أم أن هناك حسابات خاصة فيما يتعلق بالنظام السوري إذ هو الوكيل الحصري الوحيد لضمان سلامة الصهاينة والحفاظ على كيانهم الغاصب تحت شعار المقاومة والممانعة؟!!

وقد يقول البعض: وماذا في يد الجامعة العربية أن تفعل وليس لديها صلاحيات لاتخاذ أية خطوات أو إجراءات عملية على الأرض؟! ثم ألا يكفي اعتراف أمين عام الجامعة العربية شخصيا الدكتور نبيل العربي بعجز الجامعة عن اتخاذ أية قرارات حاسمة في معظم القضايا العربية؟! ومفهوم أن ميثاق الجامعة العربية لا يخولها اتخاذ إجراءات عملية ناجزة ويكبلها ويعيقها عن التعامل السريع الفعال لمحاصرة أية مشكلة عربية قبل تفاقمها واستفحالها، لكننا لا نتكلم عن هذا المستوى من الفعل والقرارات، بل نتحدث فقط عن اتخاذ الجامعة العربية كما فعلت مع النظام الليبي لبعض المواقف الجادة مع النظام السوري والتي من شأنها كبح جماح عدوانيته المفرطة ضد شعبه، والحد من شهيته لقتل المواطنين السوريين الأبرياء صباح مساء، كما أن الجامعة العربية بيدها اتخاذ بعض الإجراءات المهمة ضد النظام السوري، والتي يمكنها إحراجه إقليميا ودوليا، وقد تجبره من خلالها على التفكير مليا في عاقبة ما يصر عليه من البطش بالمتظاهرين المسالمين وقتلهم دون رحمة، ومن هذه الإجراءات:

1. تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، وسحب الاعتراف بنظام بشار الأسد كحاكم وممثل للشعب السوري، ورفع غطاء الشرعية العربية عنه، وإظهاره للعالم على أنه نظام ديكتاتوري قمعي معادٍ لشعبه.

2. الاعتراف بالمجلس الوطني السوري الانتقالي، وتقديم كل أشكال العون والمساندة له سياسيا واقتصاديا ولوجيستيا، وتشجيع الدول الكبرى على الاعتراف به، والتعامل معه على أنه بديل مؤقت للنظام السوري الفاسد الذي فقد شرعيته بسبب ظلمه واستبداده.

3. دعوة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لإقامة منطقة حظر طيران فوق الأجواء السورية؛ لحماية الشعب السوري الأعزل من القصف الجوي بالطائرات كما حدث في (الرستن) وغيرها.

4. دعوة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لحظر استخدام المدرعات والدبابات، والآليات الثقيلة في ضرب الأحياء السكنية في المدن السورية.

5. فرض حصار اقتصادي شامل وجاد على النظام السوري؛ للتضييق عليه وشله اقتصاديا، ومنعه من توفير الدعم اللازم لآلات القمع والإجرام التي يمتلكها.

6. إرسال مبعوثين عرب للدول الكبرى(روسيا والصين...) التي لا تزال تدعم نظام الأسد؛ ليشرحوا لها حقيقة ما يرتكبه هذا النظام من مجازر مروعة على الأراضي السورية، ويفضحوا بالوثائق قتله للآلاف من أبناء شعبه، وتدميره لمنجزات وطنه مقابل بقائه في السلطة!!

7. الضغط على دول مجلس الأمن لإصدار قرار دولي واضح ومباشر يندد بجرائم نظام الأسد الديكتاتوري ويحمله مسئولية الدماء التي تسفك يوميا في سوريا.

8. توفير الرعاية للنازحين السوريين، ودعم المعارضة السورية، من خلال احتضان المعارضين الذين يفرون من سوريا نجاة بأنفسهم من نيران نظام الأسد القمعي المتوحش.

9. توفير المنابر الإعلامية والسياسية، وكافة الوسائل والقنوات الدبلوماسية المختلفة للمعارضة السورية لشرح موقفها ونيل الاعترافات الدولية بمجلسها الوطني الانتقالي، وفتح مكاتب تمثيلية له في عواصم دول العالم المهمة.

10.  دعوة المحكمة الدولية لجرائم الحرب والإبادة الجماعية للنظر في جرائم النظام السوري ضد شعبه الأعزل، وتقديم كافة الأدلة والمستندات التي تثبت ذلك.

في الواقع يشعر السوريون جميعا بغصة في حلوقهم بسبب موقف إخوانهم العرب المتخاذل من مأساتهم المفزعة؛ فبكل أسف كان هذا الموقف المخزي دون المطلوب بكثير، بل تقدمت مواقف عدد من الدول الغربية على مواقف معظم الدول العربية، حتى بدا الأمر وكأن الشعب السوري ليس شعبا عربيا، أو كأن العرب لا يدركون مدى بشاعة الجرائم التي يرتكبها نظام بشار الأسد ضد بني جلدته، وفي الحقيقة فمن حق الكثير من السوريين أن يتساءلوا عن جدوى جامعة الدول العربية وما الذي قدمته لهم في محنتهم الحالية؟!!

وبصراحة لا ترى غالبية الشعوب العربية أي دور إيجابي مهم للجامعة العربية، لاسيما في السنوات الأخيرة، ولا تلمس أية فوائد تنعكس مباشرة في حياتها، ولا تفهم أهمية الانضمام إليها والمساهمة في دعم ميزانياتها من دمائها؛ خاصة أنها في معظمها شعوب فقيرة، ويعتبر الكثيرون أن هذه الجامعة ما هي إلا إحدى وسائل خداع العرب ومنعهم من إنشاء وحدة حقيقية فيما بينهم من خلال إيهامهم بأنها تجسد هذا الهدف، لكنها عاجزة عن النهوض بأي دور فاعل في أية قضية عربية، ولا تستطيع القيام بأي عمل ينفع الشعوب العربية مهما كان بسيطا أو رمزيا، ويعتقد أغلب العرب أن الجامعة العربية هي أكبر تجسيد للعجز والخور العربي!!

وبعيدا عن العواطف والكلام الإنشائي المرسل فلا يستطيع أي باحث مدقق الزعم بأن نجاحات الجامعة العربية تعادل إخفاقاتها الكثيرة المتتالية، ولا تبلغ حتى عشرها، وتكاد الذاكرة الجمعية العربية لا تحتفظ لجامعة الدول العربية بأي مظهر من مظاهر النجاح والتوفيق في أي قضية محورية تهم العرب، وجل ما يتذكروه جيدا تلك المظاهر الكرنفالية المستفزة بالغة الإسراف والترف الباذخ في القمم العربية المتلاحقة، والمشاهد الكوميدية التافهة والمسفة التي برع في تنفيذها على الهواء مباشرة بعض القادة العرب كالقذافي، ولا ننسى بعض مواقف الردح العربي الشهيرة التي شنف بها قادتنا أسماع العالمين!! وكأن الجامعة العربية أُسِّست لتكون منتدى للقادة العرب يتسابون فيها ويتنابذون بالألقاب، ويتشاتمون بين أرجائها، أما شعوبهم المسكينة فلا مكان لهم فيها لبحث قضاياهم المصيرية والانتصار لحقوقهم، ويظن بعض اليائسين أنه على ما يبدو لا خلاص ولا مهرب للعرب من الشبيحة والبلاطجة، لا في أرض الواقع ولا حتى في الخيال...!!

* كاتب مصري.

---------**************-------------

مبروك كبيرة...تشكيل المجلس الوطني السوري .. د.نصر حسن

مبروك لثورة الحرية والكرامة وأبطالها الشجعان وللشعب السوري الأبي الذي يتصدى بحناجره وصدوره لأعتى عصابة وحشية همجية , مبروك المجلس الذي يمثل من اليوم شرعية الثورة الواحدة وعنوانها المعروف والناطق بأهدافها والهادف إلى دعمها على كافة المستويات وبكافة الوسائل التي تساعدها على تطوير عملها السلمي الميداني حتى إسقاط النظام المجرم كله من رأسه حتى أسفله.

مبروك لأبطال الثورة الذين يضحونلسبعة أشهر عصيبة بدمائهم ويعيشون قمع النظام الوحشي بكل آلته العسكرية ، إنها لحظات ومواقف بطولية نادرة في التاريخ حيث أن الثوار الذين يواجهون القتلة بحناجرهم وبثورة سلمية صبغها القتلة بدماء السوريين ،وحاز هؤلاء الأبطال بحق وشرف امتياز تمثيل الثورة ومشروعية تشكيل قيادة وطنية ،فأبوا إلا أن تكون جماعية يشترك فيها جميع أطراف العمل الوطني في الداخل والخارج ،وفي هذا صفعة لنظام المادة الثامنة قائد الدولة والمجتمع الذي سطى على سورية بانقلاب عسكري دموي عنيف واحتكر كل شيء.

مبروك للسوريين هذا المجلس رمز الثورة ،الذي أسس لعملية ديمقراطية أو نصف ديمقراطية لأنها محكومة بظروفها ،تسجل تفوقها السياسي والأخلاقي على نظام فردي أقصائي من الطراز الشاذ،إنها الخطوة التي عمل النظام المجرم بكامل طاقته المادية والعنفية والإعلامية والمخابراتية في الداخل والخارج على منعها ،بمساعدة عملائه ومرتزقته من كل الأصناف الذين يصولون ويجولون على ساحة المعارضة،وعمل مافي وسعه على إرباك المعارضة بتناسخ المؤتمرات والمجالس ، لخلخة العمل الوطني وتقسيمه إلى دواخل وخوارج ،والتسلل إلى نسيج المعارضة والثورة ومحاولة نقل أمراضه لها عبر مجالس ورقية وأحزاب وأسماء وتنظيمات نبتت كالفطر وذلك لإشاعة الانقسام والبلبلة واللبس بتعويم الكثير من البرامج والأجندة المشبوهة لإرهاق الثورة والمعارضة لكنه فشل بالمحصلة، واثبتت الثورة بأبطالها قدرة فائقة على كشف مخططاته وحالة بطولية نوعية على امتصاص حملات العنف والقتل الوحشي الذي يمارسه .

إن الأيام التي سبقت تشكيل المجلس كانت استثنائية بحملات القتل والتمثيل بالشهداء واختظاف البنات والإبادة الجماعية بالغازات السامة والطائرات وكل مخزون عنفه وحقده وكراهيته للشعب ، شهدت الكثير من فوضى المبادرات وسجال الحراك السياسي في الداخل والخارج، حاول النظام بكل إمكانياته على تفتيت المعارضة وتطويل زمن مشاوراتها ، كانت أيام عصيبة لأن الثورة في طورها الحالي تتطلب وجود قيادة تنطق باسمها وتوفر لها ممكنات استمراريتها موحدة ً حفاظا ًعلى قوتها وسلميتها،وتبعد حالة الإحباط وتقويعزيمتها،جاء تشكيل المجلس ليرد على النظام المجرم وعملائه الظاهرين والمخفيين وكل المراهنين على التشققليقول للعالم أصبح للثورة والمعارضة عنوان.

طبعا ً هناك الكثير من الملاحظات حول التمثيل والعدد والنسب وآلية التشكيل وأمور كثيرة تقال ويجب أن تقال، يجب أن يكون باب النقد مفتوحا ً في الإطار المؤسسي للمعارضة الذي هو المجلس ، والذي رغم كل عيوبه أعطى إيجابية كبيرة في طي صفحة المجالس، ولاشك أنه خلاصة ماسبقه ، لكنه مثل فرزا ً كاملاً لنسقين ونهجين ، نسق التكرار والدوران حول النظام ونسق الحسم والدوران حول الثورة , وتمايزاً بين نهج النظام وأهله ونهج الثورة وأهلها ، وبالتالي يجب أن ينظر له على أنه البداية المؤسسية الشرعية المفتوحة على الجميع الملتقي على أهداف الثورة بدون لف ودوران وضمن آليات محددة وبرنامج واحد ثلاثيته شعار الثورة ( إسقاط النظام كله ) ووسيلتها السلمية وهدفها سورية الجديدة دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها جميع السوريين بدون تمييز أو امتياز .

أخيرا ً تحية إلى أبطال الثورة أطفالاً ونساء ً ورجالا ً الذين انتشلونا من فرقتنا وسجالنا ومجالسنا التي أوشكت أن تنحدر بالمعارضة إلى التضارب والكيدية والسباق المحموم على التسميات وخلق حالة الفوضى على الساحة الوطنية ، جاء المجلس تتويجا ً للثورة وشعارها ووسيلتها وهدفها بشكل صريح لايقبل التمويه والاستبطان واللف والدوران ، وهو اليوم أمام مرحلة جديدة مفتوحة عليه العيون كلها ومعقودة عليه الآمال الكبيرة وأمامه عمل كبير مطلوب أن ينجزه ، ومطلوب أولا ً وأخيراً أن يكون بمستوى الثورة وبمستوى الدماء التي تسيل وبمستوى المرحلة ، وألف باء نجاحه هو اعتماد العمل الوطني المؤسسي الجماعي المبرمج الكفوء على طريق دعم الثورة وإسقاط هذا الكابوس عن كاهل سورية.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com