العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09/09/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

من كلام المندوب السوري والرد الفرنسي

بدرالدين حسن قربي

كادت الملاسنات أثناء مداولات مجلس الأمن يوم الخميس 30 آب/أغسطس 2012 بين مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري والمندوب الفرنسي جِرار أرو تتعدى الدبلوماسية، ولاسيما عندما تطرق الجعفري للفترة الاستعمارية الفرنسية يريد النيل فيها منها، وهو مادفع بالمندوب الفرنسي ليطلب الكلام ثانية ويرد على ماقاله المندوب السوري بقوله: بما أنك تحدثت عن فترة الاحتلال الفرنسي، فمن واجبي أن أذكّرك بأن جدّ رئيسكم طالب فرنسا بعدم الرحيل عن سوريا وعدم منحها الاستقلال، وذلك بموجب وثيقة رسمية لدينا وقّع عليها ومحفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية، وإن أحببت أعطيك نسخة عنها.  وكأن المندوب الفرنسي يشير إلى وثيقة تاريخية معروفة بعث بها بعض وجهاء الطائفة العلوية بينهم سليمان الأسد إلى رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك ليون بلوم محفوظة في الخارجية الفرنسية تحت الرقم رقم 3547 بتاريخ 15/6/1936. 

تعاطي بعض المعارضين مع ماقاله المندوب الفرنسي اتخذ أشكالاً مختلفة من ردّات الفعل، وكأن الوثيقة تُكشف أو تُكتشف للمرة الأولى، رغم أنها وثيقة تاريخية ثابتة ومعروفة من عشرات السنين ومنشورة في كتب مختلفة.  وإنما لو أخذنا الوثيقة بشكل طبيعي، فإن المسؤولية التاريخية عنها يتحملها شخصياً من وقّع عليها وليس الطائفة، بل ولا يتحمل أحد من أحفادهم مسؤوليتها، حتى ولو كان حفيد سليمان جد حافظ الأسد المقصود بالكلام الفرنسي.

فالسورييون اليوم ليسوا في موطن المطالبة بمساءلة الحفيد عمّا فعل جدّ أبيه في أمرٍ تنعدم فيه مسؤوليته عنه، فالمسؤولية فردية وهو مبدأ قانوني عام فضلاً عن أنه مسألة شرعية. ولكن السوريين حقيقة هم في معرض المطالبة بالخلاص منه وسوقه إلى ساحات العدالة الدولية عن فظائع لجرائم يندى لها جبين الإنسانية.

في تقديرنا، أن فائدة ماقاله الفرنسي عن الوثيقة محدودة، ومحصورة بمعرفة عراقة أصل هالأسرة العطرة، والعلم بكريم مجدها ووطنيتها ليس أكثر، ابتداءً من الجد إلى الابن وانتهاءً بالحفيد، ولاسيما أنها في (الرايحة والجاية) تتهم معارضيها من المطالبين بحريتهم بالتخوين والنيل من وطنيتهم.

وعليه، فإن الجَدّ كتب ماكتب في النيل من السوريين الكثير وعليه وقّع، حسبما أكدته الوثيقة الموثّقة المشار إليها، فضلاً عن الكلام الفرنسي الباتع المانع الذي أشار إليه جِرار أرو.  وإنما هناك أيضاً كلام في الوثيقة كُتب فيها، يشبّه حال الطائفة العلوية بحال اليهود وماينالهم من العرب والمسلمين في فلسطين التي كانت تحت سلطة الانتداب البريطاني وقتها، الذي يقول نصه: حالة اليهود في فلسطين تمثل دليلا واضحاً وساطعاً على عدوانية العرب المسلمين ضد كل من لا ينتمي إلى الإسلام. فأولئك اليهود الطيبون الذين جاءوا إلى العرب المسلمين بالحضارة والسلام، ونشروا فوق أرض فلسطين الذهب والرفاه ولم يتسببوا لأحد بأذى، ولم يأخذوا شيئاً بالقوة، ومع ذلك أعلن المسلمون ضدهم الحرب المقدسة، ولم يترددوا في ذبح أطفالهم ونسائهم، هذا على الرغم من تواجد إنكلترا في فلسطين، وفرنسا في سورية). 

ومن الجدّ إلى الابن، فلن نتكلم عن كلام يقال، وتهم تتلبسه ببيع الجولان، وإنما سنكتفي بالإشارة إلى مافي عنقه من قتلٍ لعشرات الآلاف من السوريين والفلسطينين واللبنانيين مما هو معروف وليس هنا مكان بحثه.  وبالمتابعة من الابن إلى الحفيد فإن مايفعله في السوريين اليوم لم يفعله أعتى مجرمي التاريخ من تدمير ودمار وخراب ديار، وقتل وتنكيل وحرق وقصف بالطائرات والصواريخ بما يؤهله أن يؤخذ إلى أكبر المحاكم الجنائية الدولية.

ومن ثمّ فمن مضمونات وثيقة الجد إلى مافعله الأبناء والأحفاد نفهم الكثير والأكثر عمّا يواجهه السورييون من الصعوبات والمشاقّ في ثورتهم لاقتلاع نظام قمعي استبدادي متوحش كاتمٍ على أنفاسهم قرابة نصف قرنٍ ومتراسه مقاومة وممانعة.

https://www.youtube.com/watch?v-*hxY23j6pX7g&feature-*player_detailpage

https://www.youtube.com/watch?v-*ecFWhC7Qw8I&feature-*player_detailpage

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قصة من مدينة حماه 1958

ميخائيل سعد

حكاية حموية للتذكير بسوريا ما قبل الأسدية و البعثية  ... فعلاً مقاومة وتحرر ...

العام الدراسي ١٩٥٨- ١٩٥٩، كنت في الصف الثالث الابتدائي، في مدرسة طارق بن زياد، في حي المدينة في حماه. كان والدي شرطياً، براتب قدره، على ما أذكر، ١٤٠ ل س. وكان قد استأجر غرفة لسكن العائلة عند عائلة مسيحية اسم رب العائلة أبو نسيم، وكان حجّاراً.

 

ولأن الغرفة كانت كبيرة وتتسع لنا جميعاً (٧ أشخاص)، كانت أجرتها غالية، فقد كان أبي يدفع ٢٥ ليرة شهرياً، يتضمن الإيجار الكهرباء والبق، وهو أي البق من تراث الغرف الطينية-الخشبية.

 

كانت جارتنا أم نسيم ترتدي ملايتها الحموية السوداء، وتضع غطاء الرأس والوجه كلما غادرت البيت، وكان هذا يحدث أكثر من مرة في اليوم.

أحد الأيام سألها أخي الكبير، وكان في البكالوريا: خالتي أم نسيم ليش بتحطي الملاية كل مابدك تطلعي؟ قالت: يا ابني، منذ طفولتي وأنا أضع الملاية، مثلي مثل كل نساء حماه عندما يردن الخروج من المنزل، وعندما جاء الوقت الذي بدأت النساء أو بعضهن بالخروج سافرات، كنت قد تعودت على الملاية، وقد حاولت أكثر من مرة الخروج دونها ولكنني كنت أشعر وكأنني أمشي عارية، لذا كنت أعود سريعاً لوضع الملاية، كنت أشعر معها أنني أكثر حرية، ولا أحد ينظر إليّ بشكل خاص.

 

سألها أخي متحمساً: ولكن هل أجبركم المسلمون على ذلك؟ نظرت أم نسيم إلى أخي، والدهشة تعلو وجهها، وقالت: لماذا تفكر هكذا، هذه هي المرة الأولى التي أسمع أحداً يقول هذا الكلام؟ لا أحد ألزمنا أو تدخل في لباسنا أو مأكلنا أو تربية أولادنا، ولكن الإنسان، يا ابني، وأنت المتعلم، يجب أن ينسجم مع محيطه، أن يكون مثله حتى لا يكون متل العين العورة، كل الناس تشير عليه. صمت أخي.

في ذلك الوقت كان المطران حريكه، للروم الارثوذكس، رجلاً قوي الشخصية، ليس في وسط طائفته فقط، وإنما في أوساط المسلمين الحمويين. فقد كان أقوى من محافظ حماه، في بعض الأحيان، وقوته كانت كما يقال، آتية من علاقاته الممتازة مع طبقة الساسيين ورجال الدين الإسلامي الحمويين، ولذا كان يقال: أن ما يقوله مطران حماه، في الشأن السياسي، يسري على المسحيين والمسلميين سواء بسواء.

 

ومما قاله المطران حريكه في مفتي حماه عام 1957،هذه الكلمات: تحدث السيد أغناطيوس حريكه مطران حماة في مطلع كلمته الرائعة عن الفضيلة المجردة والذكاء المحض في ظرف طغت فيه المادة على الروح... وتحدث عن روح التفاهم السائدة بين المسلمين والمسيحيين بالرغم من رغبات الانتداب التي كثيراً ماكانت تغري بالتفرقة والخصام ... ومما قاله المطران حريكه: أحسن الله إلى أولئك الذين فكروا بهذه الحفلة التكريمية لسماحة العلامة المفضال الشيخ سعيد النعسان مفتي حماة المحترم إذ أتاحوا لنا أن نتحدث عن الفضيلة والأخلاق السامية... وإني لأشهد والله عليّ شاهدٌ, وقد رافقته وعاشرته مدى ثلث قرن تقريباً أنني ما لمست فيه نقصاً ولا رأيت فيه عيباً ولاسمعت منه كلمة نابية, وكلما كنت أزداد به معرفة وخبرة كنت أقع على جديد فضائله وتتفتح أمام عيني مناقب نادرة.

 

أنقل ذلك وأسجله كي يعرف رجال الدين المسيحي أين هم الآن من مجتمعهم وهمومه وثورة السوريين ضد الاستبداد المتمثل بآل الأسد، فلعلَّ وعسى.!!!!!!

 

-*-*-*-*-*-*-*-

تلميحات إيمانية لشباب الثورة السورية

كتب أحد دراويش هذا الزمان قصة فقال, اتفق أهل القرية ان يضعوا برميلا في ساحة العباسيين و أن يأتي كل منهم بكأس من الحليب فيصبه فيه اعانة للفقراء و المحتاجين ..

احدهم فكر و قال سأملأ كأسي بالماء و أصبه في البرميل و لن يشعر بي أحد من العالمين,

في اليوم التالي فتح أهل القرية البرميل فوجدوه مملوءا بالماء لا بالحليب!

العبرة لا تقل لن يشعر أحد بفعلي , عملي لا يؤثر على من حولي, معصيتي لا تضر أمتي

كلنا على فتحة البرميل و كلنا على ثغر من ثغور المسلمين, فاحذروا ان يؤتى الاسلام من قبلكم يا من تزعمون نصرة الدين فلعلك انت من يؤخر النصر المبين بمزجك الماء بالحليب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-

ألغام ستفجر مهمة الإبراهيمي

بقلم/أنور صالح الخطيب

الراية

5-9-2012

استبق المبعوث العربي والدولي المشترك الأخضر الإبراهيمي زيارته المرتقبة إلى دمشق مطلع الأسبوع المقبل بالاعتراف أن مهمته في سوريا "شبه مستحيلة"..!!

الدبلوماسي المخضرم الذي اشترط في بداية تكليفه بمهمة الوساطة في سوريا - بعد فشل سلفه كوفي أنان ومن ثم استقالته - للقيام بمهمته في سوريا حصول توافق دولي على دعم مهمته وهو ما لم يحصل عليه كما هو واضح يعرف انه يسير في حقل الغام يمكن ان يفجر مهمته في أية لحظة فالموقف الدولي مازال منقسما حول الحل في سوريا ومجلس الأمن الدولي فشل في اجتماعه الأخير في فرض مناطق آمنة لاستقبال اللاجئين السوريين .كما ان الطرفين النظام والمعارضة كل من جانبه يضعان شروطا للتعاطي مع مهمته.

الأوضاع في سوريا تشهد هذه الأيام تصعيدا ميدانيا كبيرا في المدن والبلدات السورية سواء من قبل النظام او قوات المعارضة وتشهد أيضا ارتفاعا في أعداد الضحايا المدنيين الذين يسقطون بفعل غارات طيران النظام السوري وقصفه لبيوت المواطنين السوريين فأعداد الضحايا باتت تلامس مائتي قتيل يوميا غير مئات الجرحى وآلاف المشردين واللاجئين.

الإبراهيمي يتحدث برعب عن خطر الحرب الأهلية المندلعة في سوريا وعن أن المجتمع الدولي لا يقوم بما يجب في مساعدة الشعب السوري والضغط لوقف العنف والقتل ويتحدث في نفس الوقت عن ضرورة التغيير في سوريا دون الإشارة فيما إذا كان يشمل ذلك رئيس النظام بشار الأسد.

الإبراهيمي في أحاديثه الصحفية لم يطرح حلولا بل قام بتوصيف ما يجري في سوريا من وجهة نظره وهو لم يكشف عما في جعبته من حلول وأشك شخصيا انه يحمل حلولا أو أفكارا مقنعة للطرفين النظام والمعارضة -هذا إذا كان يملك حلولا أصلا- وأظن أن الإبراهيمي الذي سيلتقي الأسد خلال زيارته لدمشق سيكون مستمعا أكثر منه متحدثا وسيسمع بالضرورة حديثا عن المؤامرة الكبرى التي يتعرض لها النظام في سوريا الذي يحارب عصابات إرهابية خارجة عن القانون وان مهمته حماية البلاد من هذه العصابات..!!

النظام السوري استبق بدء مهمة المبعوث المشترك بالتأكيد على انه ماض في تطهير سوريا من "العصابات الإرهابية"قبل الدخول في أي حوار والمعارضة أعلنت صراحة أنها لا توافق على إجراء حوار مع نظام يقتل شعبه وان قبولها بوساطة الإبراهيمي يرتبط بأن تكون مهمته التفاوض على مرحلة ما بعد الأسد وتسليم السلطة إلى الشعب السوري.!!

هذه المواقف المسبقة والتي تأتي بعد انهيار مهمة المبعوث السابق كوفي أنان وفشل تطبيق مبادرته تجعل نجاح مهمة الإبراهيمي مستحيلا وتحوله من وسيط إلى مجرد "ناقل رسائل" وهي المهمة التي لا أتوقع أن يقبلها الإبراهيمي أو يستمر بها طويلا.

لى الجانب الآخر فإن الاختراق الحقيقي للأخضر الإبراهيمي يتمثل في نجاحه في إقناع النظام السوري بوقف العنف والقتل ولو لفترة مؤقتة والسماح لمنظمات الإغاثة الدولية بالدخول إلى المدن السورية وتقديم المساعدات للمواطنين السوريين النازحين الذين بلغت أعدادهم حسب آخر الإحصائيات نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون مواطن فقبول النظام "بهدنة " مؤقتة سيضغط على المعارضة لوقف إطلاق النار وسيعيد ترتيب الأوراق ويمكن الإبراهيمي من البناء عليها وإطلاق مبادرة سياسية يمكن في حال تطبيقها بوجود ضمانات دولية إخراج سوريا من عنق الزجاجة الذي دخلت فيه.

الإبراهيمي يدرك أن تحقيق هذا المطلب الذي فشل في تحقيقه سلفه كوفي انان لعوامل داخلية وخارجية ليس مهمة سهلة أو هينة وان مغادرته دمشق دون قبول النظام بمبدأ وقف العنف والقتل فورا ودون شروط يعني الفشل المبكر لمهمته وان جهوده وتحركاته لن تأتي بنتيجة وانه سيظل يدور في حلقة مفرغة في وقت تتصاعد فيه أعداد الضحايا وتتواصل فيه المأساة الإنسانية في سوريا .. وبالتالي فإن الأكرم لتاريخه أن يعلن فشل مهمته مبكرا حتى لا يتحمل وزر الدماء السورية التي تسيل وستسيل أثناء مهمته المستحيلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*

تلفزيونات تقطر دما !

خلف الحربي

عكاظ

5-9-2012

في مشهد سوريالي ليس له مثيل في تاريخ التلفزيون، قامت مذيعة قناة «دنيا» الموالية لسفاح دمشق بالتجول وسط جثث الأبرياء الذين قتلوا في مجزرة داريا بحثا عن أمرأة أو طفل لم يلفظوا أنفاسهم الأخيرة بعد، وبكل وقاحة أجرت حوارا مع أمرأة عجوز فقدت أولادها، ثم تجري حوارا أشد وحشية مع طفلة تواجدت بالقرب من جثة أمها!.. هذه حقيقة بشار وكل من يتعاطف مع جرائمه.

**

ملالي طهران الذين شاركوا بشار في حرب الإبادة ضد الشعب السوري الشقيق أثبتوا من خلال فضيحة التلاعب بترجمة خطاب الرئيس المصري أن عقيدتهم الوحيدة هي الكذب والخداع، حيث تمت ترجمة مفردة «سوريا» إلى «البحرين»، ما يؤكد استغباءهم لشعبهم واستهتارهم بضيوفهم وخيانتهم الدائمة للأمانة، وقد فاتهم شيء صغير جدا في هذه الترجمة المضحكة أن كلمة «البحرين» هي ذاتها بالفارسية، باستثناء نطق حرف الحاء، حيث تنطق «بهرين»!.. لذلك نستطيع أن نقول بأن من تسبب في هذه الفضيحة الدبلوماسية والإعلامية «همار»!.

**

السيد حسن نصر الله أكد في حوار مع قناة الميادين أنه في حال هاجمت إسرائيل إيران فإن الرد الإيراني سوف يطال القواعد الأمريكية في المنطقة، نحتاج إلى مترجم بالفارسية كي يقول لسيد المقاومة أنه مواطن لبناني يعيش في «الضاهية الجنوبية»، وليس في قم، وأن مثل هذا التصريح الكارتوني يفترض أن يصدر عن وزير الدفاع الإيراني!.

**

وزير الإعلام السوري عمران الزعبي هاجم الرئيس المصري، مؤكدا أن الفرق بين مرسي ومبارك هو اللحية فقط، وبغض النظر عن القراءات المتعددة لمواقف مرسي ومبارك، إلا أن التاريخ يثبت أنهما أشرف ألف مرة من بشار وأبيه حافظ، حيث دافع مبارك ومرسي عن وطنهما بشجاعة، بينما جند بشار وأبوه نفسيهما لحماية الحدود الشمالية لإسرائيل، ووجها الدبابات والطائرات لقتل أطفال ونساء سوريا!.

**

وزير الدفاع الإيطالي قال إن بمقدور بلاده المشاركة بأي تدخل عسكري في سوريا بعد رحيل الأسد!... أين المترجم الإيراني كي يقول له «الشرهة على اللي يسمع تصريحاتك.. أصلا ما أحد طلب تدخل إيطاليا»؟!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دولة الممانعة

د. عبد الرحمن سعد العرابي

الأربعاء 05/09/2012

المدينة

* «نلمس اليوم أن مواطني دمشق المسلمين يُرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على توقيع وثيقة يتعهدون بها بعدم إرسال المواد الغذائية إلى إخوانهم اليهود المنكوبين في فلسطين».

هذا ما نصت عليه وثيقة كتبها زعماء الطائفة العلوية في سوريا ومنهم جد الرئيس الحالي بشار الأسد وهو سليمان الأسد.

وذلك في عام 1936م عندما كانت المفاوضات جارية بين دولة الاحتلال «فرنسا»، والوطنيين السوريين لاستقلال سوريا.

* الوثيقة أثيرت أكثر من مرة...

نشرتها جريدة «الأهرام» المصرية قبل (28) عامًا كما كتب عنها صحافي لبناني «انطوان صعب» في صحيفة النهار العام الماضي.

وأعادت «العربية نت» نشرها الجمعة الماضية...

والسبب...

الجدل الذي حدث بين كل من:

وزير خارجية فرنسا الحالي لوران فابيوس ومندوب سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري...

عندما ذكَّر فابيوس المندوب السوري بالوثيقة وأن زعماء العلويين كانوا يترجّون فرنسا ألا تنسحب من سوريا وتُديم احتلالها.

* الوثيقة كما تشير «العربية نت» محفوظة في سجلات وزارة الخارجية الفرنسية تحت رقم 3547 وتاريخ 15/6/1936م.

وقد أشار إلى وجودها الوزير الفرنسي وعرض على المندوب السوري إبرازها له إن أنكر…

* لكن هل هذا المديح لليهود والذم للمسلمين هو فقط تلك الجزئية «المهمة» من الوثيقة…

الجواب طبعًا لا…

وهذه ميزة الوثائق…

ودراسة التاريخ…

* الزعماء العلويون يواصلون تنديدهم بالإسلام والمسلمين في قولهم:

«إن أولئك اليهود الطيبين الذين جاؤوا إلى العرب المسلمين بالحضارة والسلام ونثروا فوق أرض فلسطين الذهب والرفاه، ولم يُوقعوا الأذى بأحد، ولم يأخذوا شيئًا بالقوة، ومع ذلك أعلن المسلمون ضدهم الحرب المقدسة، ولم يترددوا في أن يذبحوا أطفالهم ونساءهم بالرغم من وجود انكلترا في فلسطين وفرنسا في سوريا… لذلك فإن مصيرًا أسود ينتظر اليهود والأقليات الأخرى في حالة إلغاء الانتداب وتوحيد سوريا المسلمة مع فلسطين المسلمة. هذا التوحيد هو الهدف الأعلى للعربي المسلم»…

* هذه وثيقة لم يكتبها…

متطرِّف مسلم…

أو مسلم معتدل…

ليزوِّروا الحقائق...

بل خطتها يد زعماء العلوية…

الذين كانوا وما زالوا..

حُكَّام سوريا...

فهل سيبقى لدى البعض شك في ممانعة سوريا وأتباعها وأذنابها المزعومة لإسرائيل؟!...

أم أنه خنوع ومشاركة ومصير واحد...؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيقاف القتال أولوية حتمية في سوريا

المصدر: صحيفة «إندبندنت» البريطانية

التاريخ: 05 سبتمبر 2012

البيان

تصعب رؤية فائز واضح يخرج من الحرب الأهلية المتزايدة في اتسامها بالطابع الدموي في سوريا، حيث اعترف الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا، بأن حكومته تحتاج مزيدا من الوقت "لكسب المعركة" ضد الميليشيات التي تتصدى لقواته. وقد فعل ذلك فيما كان القصف المدفعي يدوي في أرجاء دمشق وحلب، وكانت أجزاء واسعة من البلاد قد وقعت تحت سيطرة الثوار. وعلى الرغم من تفوقها في القوة النارية، فإن القوات الحكومية السورية تتعرض لهجوم مستمر.

وقد لا يكون الأسد في غمار إحراز الفوز، ولكن ليس هناك مؤشر إلى انهيار نظامه، على الرغم من انشقاق رئيس الوزراء السوري واغتيال قادة أمنيين بارزين. والوضع مختلف جدا عن الوضع الليبي، حيث انهار دعم الزعيم الليبي السابق معمر القذافي فجأة في العام الماضي، تحت وطأة غارات "ناتو" الجوية وعزلته الخاصة، وليس بفعل الضغط من جانب الثوار.

وأظهر الثوار السوريون أنهم يستطيعون الاستيلاء على أحياء كاملة من دمشق وحلب، إلا أنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها. وفي حين أنهم يمكن أن يفوزوا على المدى الطويل، فإن ذلك قد يحدث في المستقبل البعيد، بعد أن يقتل عشرات الألوف من السوريين. وتشير آخر الأخبار حول مجزرة "داريا"، إلى أن كلا الجانبين يشعر الآن بأنه يستطيع ذبح أضعف أنصار عدوه، وهناك احتمال كبير بأن يتفاقم سفك الدماء.

وأحد الأسباب الكامنة وراء حقيقة أن الحرب السورية دموية للغاية، ويمكن أن تستمر لفترة طويلة، هو أنها في الحقيقة ثلاثة صراعات مغلفة في صراع واحد. فهناك نضال الشعب السوري ضد الحكومة، والمواجهة بين العلويين والسنة، وبين حلفاء إيران وخصومها.

وفي حواره التلفزيوني الأخير، استبعد الأسد فكرة إنشاء "ملاذات آمنة" للاجئين على الأراضي السورية. ومن الصحيح أن إنشاء تلك الملاذات والدفاع عنها، سيعني على الأرجح نزاعا مسلحا بين سوريا وتركيا. وفي هذه المرحلة، يعتقد كل من عناصر الحكومة والثوار أن لديهم فرصة لتحقيق نصر واضح، مهما كانت تلك الفرصة مستبعدة. ولا يمكن لسائر دول العالم أن توقف الحرب، ولكن ينبغي لها أن تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون انتشارها إلى لبنان، وزعزعتها لاستقرار بقية المنطقة.

ومن جهة أخرى، فإنه من المنطقي أن نفترض أن مزاعم القاعدة بلعب دور قيادي في النضال من أجل إسقاط نظام الأسد، مبالغ فيها. ولكن وجود خلاياها الانتحارية، بأعلامها البيضاء والسوداء المميزة، في صفوف الثوار الأمامية، لا يبعث حتما على الثقة بأن سوريا ما بعد الأسد ستروق للغرب. وهذا هو أحد الأسباب وراء امتناع جميع الدول الكبرى الغربية، بما فيها فرنسا، عن تسليح الثوار.

وفي حين أن الإخوان المسلمين قد لا يتبعون الأجندة البغيضة نفسها التي يتبعها متعصبو القاعدة، فإنه من المستبعد جدا أن إنشاء حكومة إسلامية في دمشق، سيجعل موقف سوريا من الغرب أفضل مما هو عليه في ظل النظام الحالي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة وليس الإبراهيمي

عمر العمر

التاريخ: 05 سبتمبر 2012

البيان

في سبتمبر من العام السابق، اكتشف نبيل العربي اصطدام مهمته المكلف بها من الجامعة العربية في دمشق بجدار صلب من العناد والغطرسة.

مقاربة النظام السوري للثورة الشعبية العارمة، جعلت نجاح العربي في فتح كوة عبر الجدار مهمة مستحيلة.

على الرغم من الكلفة الباهظة المدفوعة من أرواح الشعب السوري ودمائه وممتلكاته، لم يحاول النظام الحاكم في دمشق إحداث تغيير في مقاربته تجاه الثورة، ومن ثم التجاوب مع شعاراتها.

والنظرة الأحادية فرضت على النظام التوغل في التدمير والتقتيل.

كلما أمعن النظام في العنف، اتسع صبر الشعب، وتدفق بذله السخي من أجل قضيته الوطنية.

الشعب السوري ينسج كل يوم، بنكران الذات والتضحية والفداء، ملحمة إنسانية نادرة. على قدر ما يفاجئنا النظام بزيادة وتائر القصف، يباغتنا السوريون بالقدرة على الصمود والتصدي.

الثورة السورية تدخل العام الثاني، وهي قادرة على الاتساع الأفقي والنمو الرأسي واشتداد العود.

هو الجدار الصلد نفسه، حيث اصطدم الموفد الأممي كوفي أنان بعد المبعوث العربي. أنان لم يواجه فقط تصلب النظام السوري كما حدث مع العربي، بل عانى من تشقق الجدار الدولي، حيث ينبغي إسناد ظهره.

مهمة الموفد الأممي لم تثقل فقط بالتصدع في الجدار الدولي، بل تحملت كذلك عبء فوضى المعارضة السورية.

النظام عمد إلى الاستثمار في الهامش المكثف بتصدع الموقف الدولي وانقسامات المعارضة، فذهب بعيداً في الشراسة.

داخل الهامش نفسه، لجأ كوفي أنان إلى المناورة على نحو جعله جزءاً من الأزمة السورية، وليس أحد عناصر المساهمة في إيجاد المخارج والحلول. الموفد الأممي اكتشف بعد زمن مهدر طويل خوضه مهمة مستحيلة.

ما لم يستوعب الإبراهيمي عناصر إخفاق سالفيه، يصبح الرهان على نجاح مهمته خاسراً لا محالة. منذ قبوله المهمة، يراهن الموفد الأممي الجديد على موقف دولي موحد داعم. تلك أمنية تتطلب انتظاراً يرتكب النظام إبانه مزيداً من المجازر والتدمير.

وفي ظل الأزمة السورية المستفحلة، يحضر سلباً تصدع المعارضة، كما هي شراسة النظام. نجاح المعارضات السورية في تجميع أطرافها المتشظية تحت مظلة موحدة، يختزل انتظار الإبراهيمي الفوز بموقف دولي موحد، ويزيد في انكسار النظام.

تشظي المعارضات السورية يثير أكثر من سؤال على غير جبهة واحدة.

في حين تبدو درجة الوعي السياسي أعلى لدى الشعب السوري، أكثر من دولتين على الأقل في مدارات الربيع العربي يحار المرء في التناقض بين قدرة أولئك على الاصطفاف الموحد في وجه الأنظمة الظالمة وتبعثر هؤلاء.

إذا كان هناك من يراهن على حل خارجي للأزمة السورية، فلابد من إدراك دور المعارضة الأساسي في صياغة ذلك الحل

الصراع بين النظام السوري والمعارضة تجاوز مرحلة كسر العظم إلى كسر الإرادة، بل إلى التصفية والفناء.

سوريا لن تتراجع إلى الوراء. ثمة نظام جديد يتشكل من بين ركام البيانات والقبور الجماعية. لا أحد يستطيع الجزم حالياً بشكل النظام الجديد، غير أن في وسع المعارضة تخليقه حالة اتحادها.

رهان التفاؤل بيد المعارضة، وليس على كاهل الإبراهيمي. على إيقاع اصطفاف المعارضة المتشرذمة بتشكل الموقف الدولي الضاغط وينهار النظام.

توغل المعارضة في الفوضى ربما يدفع الشعب إلى الثورة على الجيش الحر، كما هو ثائر ضد النظام في وقت واحد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا...كل يوم مذبحة

تاريخ النشر: الأربعاء 05 سبتمبر 2012

د.خالص جلبي

الاتحاد

حالياً ما يحدث في سوريا ثورة مسلحة وغير مسلحة، بجناحين من مظاهرات وقتال شوارع. الجو النفسي جدير بالتحليل لأثره المدمر أو الباني في المستقبل.

هناك العديد من التجليات النفسية سلبية وخطيرة. حالياً نجح الأسد الابن بجر الثورة من منطلقاتها الثلاثة إلى عكسها وضدها تماماً. كانت الثورة تقول ثلاثاً: لا للعنف والتسلح. فتسلحت وأصبح لها أنياب وأظافر ومخالب.كانت الثورة تقول لا للطائفية وحالياً المعركة نصفها طائفي، والعلويون لم ينفضوا أيديهم بعد من عائلة الأسد وهو موقف سيدفعون ثمنه في المستقبل.

ليس كل الثوار متسامحون وعقلانيون. ليس غريباً إذن تصريحات بني صهيون عن احتمال نزوح علوي إلى أراضيهم. أو قول الطفيلي مؤسس حركة "حزب الله" باحتمال تحالف صهيوني مع "حزب الله" بتدفق المقاتلين المتشددين من السنة.

هناك العديد من الشرفاء والشريفات من العلويين والعلويات ولكن الكتلة الضاربة من العلويين مازالت في صف النظام إيجاباً بالقتال في صفوفه أو سلباً بالصمت مع غالبية الصامتين وهم ليسوا علويين بالضرورة.

كانت الثورة تقول إنها ضد التدخل الأجنبي، وهي حالياً تطالب بإلحاح بالتدخل الأجنبي بعد أن قفز الأسد الابن إلى مستوى القسوة المفرطة بدك المدن بالمدافع والطائرات. ما يجري حالياً في سوريا هو حرب أهلية بامتياز. الحرب تختصر بثلاث كلمات: جنون وإفلاس أخلاقي وجريمة.

في الحياة العادية إذا خدش جار سيارة جاره اعتذر وتقدم بالتعويض.

في الحرب يقتل الإنسان أخيه الإنسان، فلا يحاسب بل يكافئ ويعتبر بطلاً قومياً.

أكثر المجانين من جنرالات الحروب وضعت على صدورهم النياشين.

من أبرز المظاهر السلبية في الثورة السورية الحالية تجليات الكراهية، نحن نعيش حالياً في وسط مشبع بالكراهية والأحقاد المتبادلة وتحييد العقل وروح السلام والتسامح والحلول الوسطية. إننا نعيس وسطاً غير صحي البتة.

الحديث الآن للبارود والقوة والنار والعضلات وخناجر الشبيحة، هناك الكلفة الباهظة للثورة السورية. إنه يذكرني بالجراح الذي يدخل في عملية جراحية بسيطة، فيحسب حسابه أنها ستنتهي في نصف ساعة، فتطول خمس ساعات مع نزف شديد ودماء غزيرة وأخذ المريض للعناية الفائقة المركزة. نحن هنا في سوريا ليس ثمة مكان اسمه عناية فائقة والمشافي الميدانية تقصف والأطباء تقتل والجرحى في المشافي العامة يذبحون. إنه التجلي الأعظم للحقد المتبادل. يجب أن نعترف للأسد الأب وحالياً الابن أنه فجر نوازع الشر وأخرج من بطون الناس أقذر ما فيها، وفتح صندوق "باندورا"، ففاحت الشرور واعتمد الحل الأمني فلم ينجح بل قاد خصمه إلى نفس المنزلق.

ماذا تتوقع من أناس تهبط بيوتهم فوق رؤوسهم وينكبون بقتل أحبابهم تحت قصف الطائرات. إنها مظاهر لا يرويها الأجداد عن حملة غورور الفرنسية ولا مذابح بني صهيون.

سوريا تعيش كل يوم في مذبحة: درعا، الصنمين، الحولة، القبير ،داريا، وعشرات عشرات المذابح. فقط تتحرك في الذاكرة مذابح المغول من العصور الوسطى في الوقت الذي نعيش القرن الواحد والعشرين. الزمن لا يهم المهم العقلية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذا الصمت الدولي المريب!

الياس الديري

2012-09-05

النهار

بقدر ما تبدد التطورات العاصفة في سوريا اي امل في نجاح مهمة الاخضر الابرهيمي التي يقرأ عنوانها من الفشل الذريع الذي منيت به جهود سلفه كوفي انان، تبدو المنطقة بأسرها كأنها مقبلة على زلزال كبير يمهد لحرب اقليمية مفتوحة.

وان كانت حرب كهذه مستبعدة من الحسابات والترتيبات الدولية وحتى الاقليمية فان رسائل التحدي المتبادل بين اسرائيل وايران، وقد تلقت قبل يومين دعما من الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، و خصوصا بتلويحه بعزيمة دخول الجليل... اذا ما انطلقت شرارة الحرب في هذا الاتجاه او ذاك.

الا ان ذلك كله، على اهميته، في كفة والموقف الدولي مما تشهده سوريا منذ 17 شهرا في كفة اخرى وطابشة، وهوموقف اقل ما يقال فيه انه يتصف بالغرابة المطلقة بل انه يعبر شكلا ومضمونا وجوهرا وكلاما عن اللاموقف، واللامبالاة، واللارغبة في الاقدام على اية مبادرة او خطوة.

للمرة الاولى، ومنذ اندلاع شرارة "الربيع العربي"، يظهر المجتمع الدولي بهذا التوصيف المطلق والمبهم ومعه الشرعية الدولية، كما لو انهما بعيدان بالنظر والسمع عما يحصل من فظائع واهوال في المدن والارياف والحارات والزواريب، على امتداد الجغرافيا السورية وتخومها.

اجل، للمرة الاولى، وسط دهشة اوروبية وعربية من هذا الامر المريب.

مجرد استنكارات خجولة، تعرضها كلمات باردة، خالية من اي اهتمام فعلي بما يحصل، او بأي تأثر لسقوط هذه المئات من الضحايا. ويومياً. ونتيجة قصف عنيف، متواصل بكل انواع الاسلحة الثقيلة جوا وبرا.

ناطق باسم الامين العام للامم المتحدة، او مساعد لوزيرة الخارجية الاميركية، او متحدث باسم الاتحاد الاوروبي.

مجرد كلمات، من باب رفع العتب، ولئلا يقال ان الجميع لاذوا بالصمت المطبق فيما الموت والدمار يتآزران على الشعب السوري والمدن السورية.

كلام كثير قيل، وتحليلات بمختلف اللغات انتشرت الا ان احدا لم يتمكن من اختراق جدار الحيرة الذي يلف معظم العواصم الكبرى والصغرى في هذا الصدد.

فما الذي يحاك في الكواليس الدولية، وماذا تخبئ موسكو ليوم "الصفقة الكبرى" التي كثر الحديث عنها؟ وهل صحيح ان القرار الحاسم حول الوضع السوري و"الحالة الايرانية" ينتظر نتائج الانتخابات الرئاسية في اميركا؟

والى ذلك الحين يبقى كل شيء على حاله، ام ان الزمام قد يفلت؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من يتصدى للاعتداءات السورية؟

عبد الوهاب بدرخان

2012-09-05

النهار

أصبحت الانتهاكات السورية للحدود اللبنانية بوتيرة يومية، بل أصبحت الاعتداءات السورية على البلدات والقرى مبرمجة ومتعمدة قتل المدنيين. ويوم الاثنين طلب رئيس الحكومة من سفير لبنان في دمشق "إبلاغ" السلطات السورية استمرار القصف، مجرد ابلاغ لا احتجاج، اعتقاداً منه بأن هذه السلطات ليست على علم بما يحصل بأوامر صريحة منها. أما وزارة الخارجية فلم تُشعر اللبنانيين يوماً بأنها معنية بالتعامل مع الانتهاكات السورية وفقاً للقوانين الدولية إن لم يكن بموجب المعاهدات، والاتفاقات بين البلدين. وأما القوى السياسية في الحكومة، وعلى رأسها "حزب الله"، فلا ترى في الاعتداءات ما يستحق الذكر، ذاك ان المعتدي هنا هو "دولة شقيقة"، ثم ان الموطنين والمواقع المعتدى عليها مصنفون مع "14 آذار"، أي مع المعارضة.

لم يُسجل لأي قيادي في أحزاب "8 آذار" أي موقف من هذه الاعتداءات، رغم ان هناك مواطنين ابرياء يقتلون. ولما كانت الادانة غير متوقعة منهم، فإنهم لم يغامروا حتى بشيء من الاستنكار، ما يعني انهم موافقون ومؤيدون لقتل مواطنيهم، تماماً كتأييدهم قتل أبناء الشعب السوري بأيدي قوات النظام. وفي المقابلة التلفزيونية الأخيرة، لم يسأل الأمين العام لـ"حزب الله" عن الاعتداءات السورية، ولا هو تطرق اليها، رغم ان المقابلة خصصت عملياً للرد على تهديدات اسرائيلية باعتداءات محتملة على لبنان.

متى أصبحت الانتهاكات مستحقة الاهتمام؟ عندما قدمت المعارضة مذكرة الى الدولة تطالبها فيها بالقيام بأبسط واجباتها، وعندما طرحت الافكار والوسائل التي يتيحها القانون الدولي ومنها مثلاً نشر قوات من "اليونيفيل" على الحدود بين لبنان وسوريا. عندئذ ارتفعت الاصوات بالتحذير والتهديد، مذكرة بالخطوط الحمر والمحرّمات. اي ان المشكلة صارت "داخلية"، باعتبار ان الحدود بين مربع أمني وآخر، وليست بين بلدين. وحتى حين تداول الاعلام "اعتذاراً" سورياً و"وعداً بعدم التكرار" استعظم انصار النظام الاسدي وروّجوا أن رئيس الجمهورية راكم لتوّه غضباً سورياً جديداً عليه.

كل ذلك يحيل مجدداً الى النقاش حول الدولة ودورها. لم تطلب المعارضة ان ينبري الجيش للتعامل مع الاعتداءات، رغم ان هذه وظيفته الأولى، وانما تطلب خطوات بديهية لا بد ان يكون اللجوء الى الامم المتحدة أحدها. فالسكوت والخوف يشجعان على التمادي. لا شك أن طرد السفير السوري وتجميد العلاقات خطوتان رمزيتان واجبتان، أما تحريك القرار 1701 لنشر "اليونيفيل" فهو خطوة عملية لا تكون الدولة دولة اذا لم تقدم عليها. وأي نتائج سلبية يمكن ان تترتب عنها ستبقى أقل كارثية لاحقاً من أن ترضخ الدولة للاعتداء على مواطنيها واراضيها لمجرد أن هناك في الداخل من يستقوون عليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن التدخل التركي في المسألة السورية * ياسر الزعاترة

الدستور

5-9-2012

قبل أيام شن رئيس الوزراء التركي أردوغان هجوما عنيفا على معارضي سياسته في سوريا، واتهم بعضهم بأنهم “بعثيون” يرفعون صور بشار الأسد في اعتصاماتهم، ودافع عن تلك السياسة مع هجوم حاد على النظام السوري ورئيسه.

لم يتدخل أردوغان في المسألة السورية بسهولة، إذ تردد كثيرا قبل أن يتخذ موقفه الحاسم لصالح الثورة، فقد جاء الربيع العربي، وتبعا له الثورة السورية بينما كانت العلاقات السورية التركية في أحسن أحوالها منذ عقود طويلة في ظل سياسة “صفر مشاكل” التي ابتدعها وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو، وتطورت العلاقة التجارية والسياسية على نحو لافت، بينما تدفق الناس على جانبي الحدود بشكل استثنائي، وبقدر كبير من الرضا والفرح.

عندما اندلعت الثورة السورية تردد أردوغان كثيرا في حسم موقفه، ليس فقط لاعتبارات تتعلق بالعلاقات التجارية الواسعة بين الطرفين، ومعها العلاقة السياسية الحميمة، بل أيضا لأن حسابات الداخل التركي كانت حاضرة أيضا.

في تركيا ثمة حضور لافت للطائفة العلوية يختلف الناس حول نسبتها من مجموع السكان، وهي في معظمها تميل إلى المعارضة أكثر من الحزب الحاكم ذي الجذور الإسلامية، فيما لا يؤيد الجيش تدخلا عسكريا في الشأن السوري، وإن قال البعض إنه يؤيد، وأقله لا يمانع.

في الشهور الأولى حاولت تركيا الدخول على خط الأزمة واستثمار العلاقة الخاصة مع بشار الأسد على أمل إيجاد حل سياسي من خلال إصلاح سياسي يقنع الشارع السوري مع وقف للعنف ضد المحتجين، وكانت الوعود تنهال من دمشق على الدبلوماسيين الأتراك، لكنها ما تلبث أن تطحن تحدت جنازير الدبابات التي تجوب الشوارع وتقتل الناس، في وقت لم تكن هناك أية مظاهر عسكرية في الثورة.

يوما إثر آخر بدأ الموقف التركي يندد بالمجازر، وأخذ يبتعد عن حليفه السابق، وصولا إلى حسم الموقف. ولا شك أن حضور الشارع العربي والإسلامي في القضية كان كبيرا، إذ توالت المناشدات من القوى السياسية العربي لأردوغان باتخاذ موقف ما يجري. ولما كان الرجل قد حاز مكانة كبيرة بين المسلمين خلال المرحلة السابقة بسبب جملة من المواقف حيال القضية الفلسطينية، فلم يشأ أن يضيعها، لاسيما أنه لمس اصرارا من الشعب السوري على الانتصار. مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن سياسة العدالة والتنمية قد ذهبت خلال السنوات الماضية نحو تعزيز علاقاتها العربية والإسلامية بعد يأسها من الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.

اليوم، وفي حين لا يجد كثير من قادة المعارضة السورية حرجا في الإشادة بالموقف التركي، فإن كثيرين في الشارع السوري والعربي والإسلامي، وبينهم سياسيون وكتابا لا يتوقفون عن هجاء الموقف التركي الذي لا يرقى إلى مستوى طموحهم فيما خصَّ نصرة الشعب السوري الذي يتعرض لمجازر يومية، لاسيما بعد أن تحولت الثورة إلى صراع مسلح مع جيش النظام وشبيحته.

والحال الذي لا ينكره سوى العقلاء هو أن تركيا تقدم الكثير للثورة السورية؛ لا أعني فقط استيعاب بعض اللاجئين، بل استيعاب نشطاء الثورة والكثير من فعالياتها مع دعم لوجستي واضح، إلى جانب السماح بتدفق المقاتلين المؤيدين، وكذلك المال والسلاح.

كل ذلك لا يبدو كافيا بنظر البعض، وهو ربما لا يكفي بالفعل لمنح الثورة فرصة الحسم السريع، وإن أمكن الحديث بكل بساطة عن انتصار حتمي في نهاية المطاف، لكن ذلك لا يأتي لأن أردوغان لا يريد لبشار الأسد أن يسقط، بل لأنه يخشى من تجاوز الموقف لما تحتمله موازين القوى الداخلية والخارجية.

في الداخل لا يبدو أردوغان قادرا على تجاهل حقيقة أن 49 في المئة فقط يؤيدون سياسته في تركيا رغم أنها لم تصل حد التدخل العسكري (13 في المئة يعارضون والباقي بين بين)، فضلا عن وجود العلويين المؤيدين لبشار الأسد لأسباب طائفية، كما لا يمكنه تجاهل المشكلة الكردية التي يحركها النظام السوري عبر دعم حزب العمال الكردستاني.

الذي لا يقل أهمية عن ذلك كله هو ما يتعلق بالموقف الأمريكي والغربي (تركيا عضو في الناتو) الذي يرفض رفع مستوى التسليح والدعم للثورة السوري، بدعوى الخوف من وقوع الأسلحة بيد متطرفين، رغم أن ذلك إنما يتم بسبب المطالب الإسرائيلية المعنية بإطالة الصراع لتدمير سوريا وإشغالها بنفسها لعقود.

لذلك كله لا يمكن القول إن ما يقدمه حزب العدالة والتنمية يُعد قليلا إذا ما أخذت العوامل الداخلية والخارجية بنظر الاعتبار، لكن ذلك كله لا يبرر أبدا الإبقاء على الوضع القائم، إذ لا بد من تنسيق تركي مع داعمي الثورة العرب من أجل تمرد مشترك على الشروط الأمريكية، وصولا إلى دعم أكبر وتسليح أقوى يمنح الثوار فرصة الحسم السريع قبل أن يدمر بشار الأسد البلد برمته.

لتاريخ : 05-09-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ايتام النظام السوري

محمد كريشان

2012-09-04

القدس العربي

الأرشمندريت الأب عطا الله حنا الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس والأراضي المقدسة على شاشة التلفزيون السوري الرسمي. رجل الدين المسيحي صاحب الطلة المحببة واللسان الفصيح يسهب قبل يومين على هذه الشاشة في حجم المناورة الكونية ضد نظام بشار الأسد المقاوم والممانع. المشهد صادم فعلا إذ لم يكن من السهل أن ترى صاحب قولـة 'إن اولئك الذين يصفون مقاومة الاحتلال بالارهاب هم اعداء لدودون للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني' يقف مدافعا عن نظام أسرف في قتل شعبه أكثر من الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.

بعض التونسيين مثلا ممن كانوا يتذمرون من حكم بن علي وفخورين بإسقاطه، وكذلك بعض المصريين المفتونين بثورة شعبهم على مبارك نراهم اليوم يدافعون بشراسة عن بشار الأسد ونظامه في حين أن نظامي بن علي ومبارك كان يمثلان، على تعاستهما، حلما بعيد المنال لأي سوري. بعض هؤلاء رقصوا في تونس والقاهرة طربا لانتصارهم على الاستبداد والفساد وتغنوا باسترجاع الحرية والكرامة لكنهم الآن يستبسلون في الدفاع عن الأسد بعد القذافي !! إنهم يستكثرون على السوريين ما يرون أنه حق مشروع لهم افتكوه بتضحيات لا تقارن أبدا بما يدفعه السوريون الآن. لكن أن يتخذ هؤلاء هذا الموقف شيء وأن يتخذه الفلسطينيون شيء آخر تماما.

كيف يمكن لمن يرزح تحت احتلال إسرائيلي بغيض أن يدافع عن نظام عربي ارتكب من البشائع بحق أبنائه ما لم يرتكبه الصهاينة ضد أعدائهم تحت حكمهم الاستعماري؟ّّ!! وباسم ماذا؟... باسم مقاومة وممانعة لا وجود لهما حقيقة إلا في أذهان من يتحدث عنهما . المزاج الفلسطيني العام ليس واحدا في هذه المسألة لكن الغريب أن يكون الفلسطينيون داخل الخط الأخضر الأشرس في الدفاع عن الأسد وممارساته بحيث صارت لهم قدرة عجيبة على تبرير أي شيء وبأي لغة... المهم أن يخرج الأسد منتصرا من هذه المعركة التي استعمل فيها ضد أطفال شعبه ونسائه في بيوتهم وفي طوابير المخابز الطيران والدبابات. وسائل لو استعمل بعضها لكفانا مؤونة الحديث الآن عن جولان محتل وربما حتى عن فلسطين محتلة!! نظام لم يطلق رصاصة واحدة في الجولان وكثيرا ما خذل من حارب الإسرائيليين في لبنان من الفلسطينيين واللبنانيين إما بالانسحاب المبكر من المعارك وإما بالتفرج عن هؤلاء يقاتلون (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(. هذا دون أن نتحدث عمن اغتالهم من الفلسطينيين مباشرة أو بالواسطة ودون أن نتحدث عن تل الزعتر وحصار المخيمات ومحاولاته المحمومة لعقود الاستحواذ على الورقة الفلسطينية لكي يلعب بها كما يشاء وهي المحاولات التي أفشلها الزعيم الراحل ياسر عرفات بكل اقتدار. نظام لم يرد مرة واحدة على ما ألحقته به إسرائيل من إهانات حين قتلت مناضلين على أرضه وحلقت فوق قصر الرئيس وقصفت مشروعه النووي الجنين. كان دائما يقول بأنه سيرد في التوقيت والمكان المناسبين وأنه، برجاحة عقله، لن يُــجر إلى معركة لم يحددها هو. هذا التوقيت وهذا المكان لم يأتيا أبدا... أما المعركة التي حددها بعد طول تفكير فكانت ضد شعبه!!

كان موقف القيادة الفلسطينية وحركة حماس والحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر في التعامل مع الثورة السورية موقفا مناسبا وجريئا بدرجات متفاوتة ومن الصعب أن يحمل المرء هؤلاء أكثر من طاقتهم في التنديد بقمع الشعب السوري وتطلعاته إلى الحرية والكرامة، أما مواقف القوى السياسية الأخرى في الداخل الفلسطيني فكان عجيبا غريبا. وإذا كان الإمام علي رضي الله عنه يقول إن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، فإن القياس يقول بأن الأنظمة تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالأنظمة تماما كما يعرف الرجال بالنضال ولا يعرف النضال بالرجال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية تطبيق أول لسياسة «القوة الذكية»

غازي دحمان *

الأربعاء ٥ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

تعددت تفسيرات الموقف الأميركي تجاه الأزمة السورية، ربما لتعدد المقاربات وأنماط التحليل المستخدَمة، بين كلاسيكية ترتكز على نظريات بعينها، ومستحدَثة تسعى لفهم تعقيدات هذه الظاهرة. يعود السبب في الاختلاف إلى خطأ واضح في توصيف الظاهرة، الذي نتج عنه اختلال في التفسير وتعطيل القدرة على التنبؤ، إلا ما حصل بالصدفة.

على مدار الأزمة السورية وأزمة الموقف الأميركي تجاهها، استغرقت التحليلات المختلفة عن الموقف، إطلاقَ توصيفات ظهر أنها غير ذات فعالية، لا في تفسير هذا الموقف ولا في القدرة على استشراف تطوراته ومعرفة فتراته الزمنية، والواقع أن هذه التوصيفات وقعت في أغلبها في فخ التصريحات الإعلامية ذات المصادر المتعددة (ديبلوماسية، سياسية، عسكرية)، والتي كانت في الغالب الأعم إما تراعي مأسوية الحدث، عبر رفع سقف الإدانة اللفظية، أو تسعى إلى تحقيق غايات لا يدركها غير صانع القرار الأميركي. المهم أن هذه التوصيفات لم تراع السياق الأميركي العام في السياسة الخارجية، الذي يتبع مبدأ «القوة الذكية».

لا شك في أن النسق الأميركي الراهن فيه الكثير مما يدعم هذا التوجه، ويجعله خياراً ضرورياً، وحتى منطقياً في الواقع، فالولايات المتحدة التي أرهقتها الحروب وعاد آخر جنودها من العراق قبل بضعة أشهر ولا تزال التزاماتها بأفغانستان مستمرة، لن ترغب بالدخول في مغامرات غير ضرورية، وفي ساحات -مثل الساحة السورية- يتميز الصراع فيها بالنمط المعقد، حيث التشابكاتُ الإقليمية -من إيران إلى إسرائيل- والواقعُ الجيو إستراتيجي الصعب، ما يجعل لأي مغامرة بُعد وأثمان دولية، هذا فضلاً عن التركيبة الاجتماعية الحساسة للمنطقة.

غير أن هذا الواقع لم يدفع الولايات المتحدة إلى التنحي عما تعتبره دورها الرائد، وخصوصاً في ثورات الربيع العربي، بل حاولت ضبط سيرورة هذه الثورات بحيث تضمن لها حضوراً فاعلاً، وقد اتبعت نمطاً تدخلياً ناعماً في مصر وتونس واليمن، وخشناً في ليبيا، فيما تطرح الحالة السورية نموذجاً آخر لتفاعل الإدارة الأميركية مع الربيع العربي، هو في حقيقته تطبيقاً عملانياً لسياسة القوة الذكية، التي تركز على استخدام الوسائل غير العسكرية.

المؤشرات في هذا السياق عديدة، ولعل أهمها ما توفره تجربة البرنامج التدريبي الذي أعده كل من الولايات المتحدة وبريطانيا للمعارضة السورية في إسطنبول، والذي يهدف إلى تدريب الناشطين للحكم على صعيد محلي، في القرى والمدن السورية، خلال المرحلة الانتقالية عقب سقوط الأسد. ويأتي هذا البرنامج في إطار مشروع أكبر، هدفه بناء الطبقة الحاكمة التالية في سورية، وهو المشروع الذي يلاقي توافقاً غربياً. وكان فريق خبراء ذو صفة تمثيلية أصدر في نهاية شهر آب (أغسطس) الماضي في برلين، الصيغةَ الأولية المفصلة لخريطة طريق مرحلة ما بعد الأسد بعنوان «اليوم التالي: دعم انتقال ديموقراطي في سورية».

بالطبع، لا يقف المشروع عند هذا الحد، بل ثمة جوانب ذات طبيعة عسكرية غير مباشرة، من نوع توفير معلومات استخبارية مهمة حول القوات السورية، فضلاً عن تقديم مساعدات سرية بهدف إنهاء الحرب الأهلية، وهذا سلوك مناسب للمصالح الأميركية وأقل كلفة من الناحية السياسية والاقتصادية، فيما يبدو أنه نتاج استفادة واضحة من تجربتي العراق وأفغانستان، حيث يشكو الأميركيون من عملية الهدر الكبيرة في الأموال من دون تحقيق مكاسب متطابقة أو موازية.

من ناحية اخرى، يعتبر هذا العمل بمثابة استثمار مستقبلي في سورية القادمة، والتي وفق هذه الرؤية ستكون شريكاً أكثر منها عدواً، ذلك أن الأميركيين يعتقدون أن ثورات الربيع العربي الأخرى لم تنتج أنظمة تؤيد الولايات المتحدة، حتى في البلدان التي ساهم فيها الأميركيون مباشرة في نجاح المشاركين بالثورة.

ولكن الأهم من كل ذلك، أن هذا النمط من السياسة الأميركية يركز على الجدوى والفعالية بطريقة حسابية صرفة، فهو -إضافة إلى ما سبق- يتضمن سياسة إرهاقية لحلفاء النظام السوري، وخاصة أولئك الداعمين المباشرين له، إذ إنه في التقديرات الأميركية، يخلق واقعاً لا تستطيع روسيا وإيران مجاراته، يملأ حيزَه الخبراء والتقنيون والحكام المدربون والإعلاميون وقادة الرأي الذين توفرهم بيئة الثورة وكل المتحمسين لسورية أفضل، في إطار عملية توليدية تتضمن زخماً في النتائج بتكاليف قليلة.

ومتابعةً لهذا النمط من التفكير، ينحصر الدوران الروسي والإيراني في إطار النشاطات المكلفة، مثل تقديم الأسلحة والمساعدات المالية في حرب استنزاف لحاضر البلدين ومستقبلهما في المنطقة، وهو أمر لا تستطيع الدولتان تحمله كثيراً، نظراً لظروفهما الداخلية والاقتصادية.

لا شك في أن المعطيات على الأرض السورية ساهمت بدرجة كبيرة في تطبيق هذه السياسة الأميركية، ذلك ان عجز النظام الواضح عن حسم الأمر لصالحه، والتطور الجريء لمسار الثورة، يجعل من إمكانية التطبيق أمراً ممكناً واستثماراً من شأنه تحقيق نتائج مفيدة في سورية المستقبلية، وفي حال نجاح هذه التجربة، وهي متوقَّعٌ لها الاستمرار أيّاً تكن طبيعة الإدارة الأميركية الحاكمة، باعتبارها أفضل خيار أميركي ممكن ومتاح، فإنها ستشكل تأسيساً عملانياً لهذا النمط في السياسة الخارجية الأميركية. صحيح أن واشنطن كانت مهدت لهذا النمط منذ ما قبل نهاية ولاية بوش الابن الثانية، وصرفت أموالاً وبذلت جهوداً معتبَرة في سبيل تطبيقه في أكثر من مكان في العالم، وخصوصاً في منطقتنا، في إطار ما أطلق عليه (الشرق الأوسط الكبير)، لكن نتائجه لم تكن واضحة بشكل قاطع.

لكن يبقى ان أميركا لن يكون لديها مشكلة في حال تعثُّر مشروعها أو فشله، فالأمر كله سيتحول إلى حكم التاريخ، ويمكن صانعَ القرار الأميركي ان يجد لنفسه المبرر المناسب. إلا أن ثمة فرقاً هائلاً بين من يجرب تطبيق نظريات ونماذج سياسية، وبين شعب ينزف كلَّ يوم آلافٌ من أبنائه موتاً واعتقالاً ونزوحاً، ويخسر عمرانه وتراثه وماضيه وحاضره، في حين يتلصص العالم على عذابه، ويطمئن قاتله بأن أحداً لن يتدخل طالما بقي السلاح الكيماوي في المستودعات ولم يتحرك لتهديد أمن إسرائيل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل سينجح النظام في إفشال الثورة السوريّة؟

براء موسى *

الأربعاء ٥ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

كثيرة هي الأقلام التي تبشّر بسقوط نظام الأسد عاجلاً أو آجلاً، ومعها كلّ الحقّ من وجهة النظر الأخلاقية والمعنوية وحتى الاستشرافية، ولكن العيون من هذه الزاوية تستحضر فقط الثورات الناجحة، حتى لو اقتصرت الرؤية على سقوط النظام الأسدي فقط (السياسي بأفراده ورجالاته)، وفي المقابل يستحضر الطرف الثاني الموالي للنظام كلّ التجارب التي روّضت الثورات في التجارب البشرية، وبينما يستعين المبشّرون بأمثلة مكثّفة وقريبة العهد كتونس ومصر، فليبيا واليمن، يستعيد الموالون أيضاً ذاكرتهم القريبة في إيران 2009 على وجه الخصوص، ويستعينون بذاكرتهم الشخصيّة في ثورة الثمانينات على النظام ذاته.

في تلك الجملة الأخيرة ستكون لفظة «ثورة» مدعاة للنبش في المواقف منها سواء لدى النظام أو بعض الأحزاب المناهضة له أيضاً، وكذلك مثقفين، لعبوا دوراً مهمّاً في إرساء ثقافةٍ عامّة جرّمت «الإخوان المسلمين» الذين ألبسهم النظام آنذاك جريرة الخطيئة، مع أن معظم الأحزاب تلك كانت قد استنكرت على النظام وحشيّته في قمع الظاهرة (التي ليست ثورة وفق وجهة نظرهم)، بكل الأحوال ستكون مهمة المؤرخين الجدد لتلك الأحداث العابرة برسم الانتظار الذي طال نيفاً وثلاثة عقود.

لكنّ تلك الأحداث هي تماما ما ينطلق منه النظام حاليّاً مع الاستعانة بخبرات الحليف الايراني ودعمه اللّامحدود كما يتكشّف تباعاً.

في البداية حاول النظام جاهداً الاستفادة من المناطق التي نجح سابقاً في «أخونتها»، وسعى بكلّ ما أوتي من تذاكٍ إلى إزاحة النظر عن درعا المنتفضة إلى جسر الشغور وجبل الزاوية فحماة، إلّا أنّ حمص ودير الزور ودرعا كذلك فاجأت مخطط «أخونة» الثورة، كما فشل عموماً بأسلمتها على أقلّ تقدير.

في الثمانينات ذاكرة مغيّبة لعب الدور الأبرز في تغييبها من هم متّهمون بها أولاً، ثم أحكم النظام الخناق على الاتهام، وحاكم المتهمين بأشنع العقوبات وأقساها على مرّ التاريخ، وكذلك قطاع كبير جدّاً ممّن انحسبوا عليهم، بينما راحت بعض الأحزاب المناهضة كذلك للنظام بجرائر متنوّعة كان النظام قد نجح بخنقها هي الأخرى قبل أن يحتار منظّروها في معتقلاتهم بجدليّة كلمة الثورة عن أحداث الثمانينات، ومن المفارقات التي كانت إحدى نتائج تلك الجدليّة في ساحاتها الشعبيّة الأوسع على المستوى اللغوي أنّ كلمة «أحداث الثمانينات» هي التي بقيت من الجدل كنتيجة على أرض الواقع.

لأسباب داخليّة وخارجيّة معاً عُتِّم على تلك «الأحداث» ومع مرّ السنين الطوال بدا للبعض أنّها ضاعت بين غياهب النسيان، لكنّها ما لبثت أن ظهرت فجأة في «الأحداث/ الثورة» اليوم على ألسنة المتظاهرين ولافتاتهم، بل على ألسنة خارجيّة كذلك أبرزها التصريح الأردوغانيّ الشهير «حاليّاً» – «لن نسمح بحماة أخرى» – ولكن زبدة القول هنا أن النظام لا يزال يعوّل على نجاحه بوأد الثورة مرّة أخرى بالطريقة ذاتها، فهو أدرك تماماً أنّ لا شيء يضيع عن التاريخ وبخاصّة مع هذه التكنولوجيا الحديثة الهائلة، لكنّه يراهن بالدرجة الأولى على الموقف العالمي المشابه – حتى الآن - من السكوت على أوضاع داخليّة سيسكت عنها العالم مثل سابقتها طالما أنّ المهمّ هو السياسة والتوافقات المصلحية وليس الأخلاق. في الواقع انخدع جيلان وبقايا من ذاكرة السوريين «بذكاء» ودهاء الراحل حافظ الأسد في معالجته تلك الأحداث، وبساديّةٍ مريرة راح يستعرض ذلك الذكاء «القاتل» أمام العالم مقدّماً النصائح تلو الأخرى لمعالجة أزمة الإرهاب العالمية ومن بعده جاء الوريث كذلك ليصرف من «شيك» النصائح الموروثة، وزاد عليها بالتعريف اللفظي للإرهاب ما يشهده الشارع السوري حاليّاً، فالإرهاب هو بالقاموس الأسديّ: «تفجيرات 11 سبتمبر، وكلّ من يحاول المساس بالسلطة المطلقة في سورية»، وها هي العصابات الإرهابيّة المسلّحة تعيث فساداً على الأراضي الوطنيّة السوريّة الناعمة في الأمن والاستقرار.

الموقف العالمي آنذاك كان غارقاً في حروبه الباردة بغير غفلة عن انتصار الثورة الخمينيّة على الشاه في إيران، وقبلها كان قمع حركة الإخوان وغيرهم في مصر وبعدها تحقيق حلم كيسنجر لوقف ما سمّي بحرب الاستنزاف على الجبهة السورية الإسرائيلية لتتوج الجهود بعدها بكامب ديفيد مع السادات في مصر، ومن ثم استنزاف القوى الناشئة في الحرب العراقية - الإيرانية على طريقة «الفخار الذي يكسّر بعضه»، والسعي للتخلص من منظمة التحرير الفلسطينية عمليّاً في بيروت،

استغلّ الأسد الأب كل تلك المعمعة لتثبيت كرسيّه الذي هزّته تلك «الأحداث، وأمعن في الانتقام من الشعب المقهور داخليّاً وخارجيّاً، وتمادى في استثمار انتصاره على الشعب السوري لتحقيق السبق في تمهيد مؤكد لتوريث الحكم فائزاً كذلك على أقرانه الحالمين، وحفاظاً على السجل السوري في السبق بالانقلابات وكذلك الأحزاب الشوفينيّة.

التساؤل الذي يطرح نفسه الآن: هل من متغيرات على الساحة العالميّة والإقليمية وحتى الداخليّة ما يفيد باستثمار الابن ليكون ابن ابيه؟

ثمّة متغيرات اعترت الكون لم يعِها بعد النظام الوريث في سورية كما يبدو، أولها سقوط المنظومة السوفياتيّة كحاملٍ نظريّ، وامتداداته المستمرة في الغرق كما في الحالة الجنينيّة في روسيا، وثانيها الموقف العالمي من الإرهاب وكيفيّة احتوائه بدءاً من حدث 11 سبتمبر وتطوراته سواء في التعاطي الأميركي البوشي وبعده الأوبامي، أو خطة الاحتضان الأوروبي للدول القريبة من جغرافيّتها، وكذلك أمن إسرائيل وهو الهاجس الأكبر للعالم وخطّه الأحمر. أمّا على الصعيد الداخلي وهو الأهم، فلعلّ النظام لم يلحظ انهيار المنظومة «المشيخيّة» بأجنحتها المتنوعة (المتطرفة والصوفية وحتى ما يسمّى بالإسلام السياسي) كمؤثّر في ضبط الشارع المولع بالتكنولوجيا العمليّة، وكذلك منظومات الحرس العقائدي بكل شعاراته الإنشائيّة، وليس انتهاء برغبة التحدي المذهلة في النجاح لأجيالٍ منكسرة، غذّاها هو ويغذّيها بعنجهيّته كلّ يوم من عمر الثورة السورية الراهنة. ثمّ وهذا أهمّ ما في الأمر عودة السياسة إلى المجتمع وبقوّة كعودة الروح والوعي معاً.

الجواب عن عنوان المقالة لن يرضي الموالين وكذلك المتشائمين بالتأكيد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران والخليج والصراع على سورية

الأربعاء ٥ سبتمبر ٢٠١٢

عبدالله اسكندر

الحياة

تشهد المنطقة مناورات سياسية كبيرة تتضمن رسائل متعددة الاتجاهات، في سعي الى ارساء ميزان قوى جديد، في انتظار مرور الوقت الضائع الفاصل عن الانتخابات الرئاسية الاميركية. فالجميع يدرك ان الشهرين المقبلين يجعلان من الادارة الاميركية بطة عرجاء إزاء اي مبادرات خارجية، وأن هذا الواقع ينسحب على الغرب، سواء كدول او على حلف شمال الاطلسي.

هذا «الفراغ»، وفي ظل احتدام الصراع على سورية، يدفع ايران الى رفع سقف هجومها السياسي على المنطقة. وذلك بالاستناد الى ان هذه الفترة هي النموذجية من اجل ارساء ميزان القوى الجديد، كما يشرح المرشد خامنئي وأنصاره في كل مكان. وتنطلق هذه النظرية من كون ان القطبية الواحدة في العالم انتهت، وبدأت تتشكل مرحلة القطبية المتعددة التي تتيح نشوء قوى اقليمية جديدة صاحبة استراتيجية ومصالح تتعدى المصالح الوطنية الى الاقليم. ونموذج هذه القوى هو ايران التي تقول انها تحوز على قوة عسكرية ضاربة وأن مصالحها الاستراتيجية تصل الى البحر المتوسط، مروراً بالخليج والعراق، وصولاً الى سورية ولبنان.

في موازاة ذلك، تربط ايران ربطاً محكماً بين مسألة ملفها النووي ومفاوضاتها مع الغرب وبين هذه المصالح الاستراتيجية المعلنة حديثاً، خصوصاً تلك التي تدعيها طهران في سورية ولبنان. وبات ملفا الازمة السورية، واستطراداً لبنان حيث لايران النفوذ العسكري الاقوى بواسطة «حزب الله»، والازمة النووية وجهين لعملة واحدة في الاستراتيجية الايرانية.

وعندما تتهم ايران، ومعها الحكم السوري، الدول الخليجية وتركيا والغرب بتمويل المعارضة السورية وتسليحها، فإنها تعتبر ان هذه الدول «تعتدي» على مصالحها الاستراتيجة. ويختبئ الرد على هذا «العدوان» وراء اثارة الملف النووي الايراني.

في ظل الضجيج الاسرائيلي في شأن البرنامج الايراني وتصعيد التهديد باستهداف عسكري للمنشآت الايرانية، تربط طهران بين هذا الضجيج ونيات اميركا وقواعدها في الخليج. حتى انها لم تتردد في التصريح بأنها سترد على هذه القواعد والدول الخليجية المتحالفة مع اميركا، وذلك بعد التهديد بإغلاق مضيق هرمز حيث يمر النفط الخليجي.

هكذا تصبح البلدان الخليجية هي الهدف في «رد العدوان» على ايران. ومع اتساع رقعة السيطرة الميدانية للمعارضة السورية وتصاعد قوة «الجيش السوري الحر» والتوجه نحو تشكيل حكومة انتقالية، تشعر طهران اكثر فأكثر ان استراتيجيتها بدأت تشكو من خلل. وينبغي عليها الدفع في اتجاه تحريك جبهة اخرى تشكل عنصر تفاوض في تشكل ميزان القوى الجديد.

وهذا ما صرح به الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، في مقابلته اول من امس مع فضائية «الميادين». اذ اشار الى تعثر تشكل ميزان القوى الجديد، حيث الكلمة العليا لايران، مع اندلاع الازمة السورية واحتمال خسارة ما سمّاه «استراتيجية المقاومة» موقعاً اساسياً. لكنه في الوقت نفسه لفت الى ان استعادة الخسارة يكون عبر «استمرار المقاومة» عبر قتال مع اسرائيل ترد فيه ايران على الخليج والقواعد الاميركية فيه. وهذا هو معنى «المقاومة والممانعة»، والذي بات الشعار لمساعي خلق ميزان قوى اقليمي لمصلحة ايران.

هكذا تدخل ايران الخليج في معادلة الصراع على سورية. اذ ان هذه المعادلة، اضافة الى طموحات الهيمنة الاقليمية، تضع الغرب امام مأزق موارد الطاقة، في الوقت الذي يعاني هذا الغرب التباطؤ الاقتصادي الى حد الركود. كما تسعى الى ان تفرض عليه تنازلات في الملف النووي، سواء لجهة الرقابة والتخصيب او لجهة العقوبات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنقرة وحسابات واشنطن السورية

سمير صالحة

الشرق الاوسط

5-9-2012

أنقرة التي كانت بين السباقين في المطالبة برحيل النظام السوري وبنت كل حساباتها على ذلك، تعيش في هذه الآونة خيبة أمل كبيرة ليس فقط بسبب فشلها أمام مجلس الأمن الدولي في تمرير اقتراح إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية يتم فيها توفير الحماية الدولية للاجئين هناك وليس بسبب حجم المشاركة والتمثيل الضعيفين اللذين رأت حكومة أردوغان فيهما انعدام الجدية واللامبالاة الأممية حيال جهودها، بل هي تعيش ذلك بسبب المواقف والتصريحات الصادرة عن شخصيات سياسية وعسكرية تعكس وجهة نظر الشريك والحليف الأميركي التي تقطع الطريق على تحركاتها في الملف السوري.

كلام رئيس الأركان الأميركي مارتن ديمبسي ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس حول صعوبة توفير الغطاء الذي تريده أنقرة من قبل حلف شمال الأطلسي في مسألة المنطقة العازلة ورد أسباب ذلك إلى شرط موافقة مجلس الأمن والنفقات المالية المكلفة وتقديم مسألة مخاطر ملء الفراغ المحتمل من قبل جماعات دينية متطرفة تعكس حقيقة التباعد التركي الأميركي في قراءات مسار الأزمة السورية على الرغم من زيارة كلينتون الأخيرة إلى أنقرة والإعلان عن تنسيق السياسات حول مرحلة ما بعد سقوط الأسد الذي قال ديمبسي إنه ما زال قويا ومتماسكا.

الإدارة الأميركية تعرف أكثر من غيرها أن استراتيجية إنشاء منطقة أمنية عازلة داخل الأراضي السورية وعلى مقربة من الحدود التركية لإيواء اللاجئين لن تقود في أحسن الأحوال سوى إلى مواجهة مباشرة بين أنقرة ودمشق. فهل هذا هو ما تريده واشنطن لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد من خلال تذكير الجميع بموقع ودور مجلس الأمن الدولي الذي تدرك استحالة تفاهمه والتقائه أمام خيار وسط في الموضوع السوري؟

واشنطن تريد أن يأتي الحل من الداخل السوري ودون أي دعم حقيقي للمعارضة أو تريد من الحلفاء أن يسقطوا هم النظام وتكتفي هي بتقاسم قطعة الجبن مع ضمانات تقدم حول أن الخارطة السياسية السورية المستقبلية لن تهدد مصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة. واشنطن وكما هو معلن تسعى لإضعاف الجيش السوري وحرمانه قدراته العسكرية والحربية عبر إطالة المواجهة غير عابئة بعدد الضحايا والدمار والخراب الذي يلحق بسوريا. لا بل هي تريد كما فهمنا تسليح المعارضة السورية لقطع الطريق على إيران في لبنان والعراق غير عابئة بحسابات وسياسات اللاعبين الإقليميين والدوليين الآخرين.

ربما من الأولى تذكير واشنطن، التي تحاول جني ثمار الأزمة السورية على حساب مواقف حلفائها وشركائها مستفيدة كما تعتقد من دروس أفغانستان والعراق ولبنان، أن المجتمع الدولي والمنظمات العالمية التي تم تجاهلها تماما في قرار شن الحرب على العراق قبل 9 سنوات سيسألونها عن ازدواجية المواقف وأن الجميع يرصدون كل شاردة وواردة في خطواتها وتحركاتها وأن لا هدايا مجانية تقدم لأحد أمام هذا الكم الهائل من التعقيدات والتداخلات.

لا يمكن لحكومة العدالة والتنمية التراجع بعد هذه الساعة عن مواقفها وسياساتها حيال الأزمة السورية وهي التي تعرف أن المطلوب هو ليس رأس داود أوغلو بل رأس أردوغان نفسه. من هنا فما قصده ربما أردوغان عندما قال إن إنشاء المنطقة العازلة لا بد أن تسبقه موافقة مجلس الأمن الدولي وهي مسألة شبه مستحيلة اليوم هو تذكير الحلفاء وواشنطن تحديدا بخيار شبه وحيد لا بد أن يتقدم على غيره من الخيارات في هذه المرحلة.. نقطة البداية فيه أن يقود المجتمع الدولي تحركا من هذا النوع يسبقه خطوة إعلان الحكومة السورية في المنفى بالتنسيق مع قوى المعارضة في الداخل والخارج ومطالبة هذه الحكومة الهيئات الدولية بتوفير الحماية اللازمة للشعب السوري وإنشاء منطقة حظر جوي على طيران النظام في إطار القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان الدولي وتحريك محكمة الجزاء الدولية والاستفادة من صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار بند التوحد من أجل السلام أمام عجز مجلس الأمن ووصوله إلى الطريق المسدود بسبب انقسامه، وهي لن تكون لا المرة الأولى ولا الأخيرة في التحرك بهذا الاتجاه والتعامل مع أزمات من هذا النوع.

تباعد المواقف التركية الأميركية في الموضوع السوري لن يدفع بأنقرة إلى تبديل سياساتها لكنه سيقود حتما إلى تراجع علاقاتها بواشنطن فأنقرة التي تشعر أنها تركت وحيدة تواجه الضغوطات الإيرانية والروسية قبل أن تقاوم الحملات السورية ضدها على أكثر من جبهة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نصر الله اقتنع بأن الأسد انتهى

طارق الحميد

الشرق الاوسط

5-9-2012

من يقرأ بتمعن، وأقول «يقرأ» ولا أقول «يشاهد»، مقابلة حسن نصر الله مع قناة «الميادين»، المدافعة عن بشار الأسد وإيران في المنطقة، يدرك من قراءة نص المقابلة الذي نشرته مواقع حزب الله أن نصر الله قد بات مقتنعا أكثر من أي وقت مضى بأن نظام طاغية دمشق إلى نهاية قريبة.

فرغم طول مقابلة نصر الله، وكثرة ما طرح فيها من قضايا، وتضليل، دفاعا عن مصالح إيران في المنطقة، حيث قدم زعيم حزب الله قراءته لأحداث المنطقة، ورؤيته تجاه بعض الدول العربية وفق منظور إيران وحزبه، فإن المتأمل لذلك الحوار سيلفته أمر مهم جدا، وهو إجابته على السؤال التالي الخاص بسوريا، إذ سأله المذيع قائلا: «إذا حصل تدخل عسكري في سوريا بهدف إسقاط النظام وإنقاذ الشعب السوري كما تقول المعارضة، ما الذي يمكن أن تفعله إيران في هذه الحالة؟». وهنا كانت إجابة نصر الله نصا: «لا أعرف»! نعم، قال نصر الله: «لا أعرف»، بينما عندما سئل نصر الله عما سيكون الوضع عليه في حال هاجمت إسرائيل إيران، استهل إجابته بنقل ما سمعه مباشرة من المسؤولين الإيرانيين، ولم يكتفِ بذلك، بل هدد إسرائيل، وتوعدها!

لكن لم يكن نصر الله في حديثه هذا، وخصوصا في الشق المتعلق بالأوضاع السورية، منفعلا كعادته، أو متشددا، بل كانت إجاباته تدل على أنه بات مدركا بأن الأوضاع في سوريا لا تسير على هوى حليف إيران وحليفه الأسد، خصوصا حين قال نصر الله: «لأكون منصفا وفي النصف، لا تستطيع أن تطلب من النظام أن يستسلم وهو نظام وليس شخص، ولا تستطيع أن تطلب من المعارضة أيضا أن تستسلم»، وهذا ليس الاقتباس الوحيد من الحوار الذي يظهر أن نصر الله بات أكثر واقعية تجاه سوريا، وحتى أكثر من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. فنصر الله يقول على خلفية أزمة المختطفين اللبنانيين في سوريا: «إذا أراد أحد إقناعنا في الموقف مما يجري في سوريا، نحن حاضرون للنقاش، نحن لا نغلق مع أحد ولا نقفل الباب بوجه أحد»! كما قال مخاطبا من يختطفون اللبنانيين في سوريا، وهذا الأهم: «ليس هذه هي الصورة التي تستطيعون أن تقنعوا بها عن المستقبل الآتي إلى سوريا»، مما يعني أن نصر الله ليس مقتنعا بسقوط الأسد وحسب، بل إنه بات يتحدث حتى عن شكل سوريا المستقبل!

ولذا نقول إن نصر الله بات أكثر واقعية من الوزير لافروف بالنسبة إلى سوريا، رغم أنه من اللافت أيضا دعوة روسيا مواطنيها لعدم السفر إلى سوريا، ومغادرتها عبر مخارج آمنة، مما يعني أن البعض في روسيا قد أدرك بأن ساعة الأسد تقترب، ولم يعد يتحكم لا في المنافذ، ولا الأرض.

ومن الطبيعي هنا أن يتساءل القارئ قائلا: ومن علم نصر الله الحكمة في سوريا؟ والإجابة بسيطة جدا: رأس الأسد المترنح في دمشق!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جيش وحكومة بديلة للأسد

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

5-9-2012

قبل أقل من 11 شهرا مضت شكل على التراب التركي شبه حكومة سورية في المنفى، المجلس الوطني، وكان ذلك أشبه بالتحدي لنظام بشار الأسد. كما أسس ما سمي بالجيش الحر بديلا لجيش الأسد. وإذا كنتم تتذكرون الظروف والمناخ السياسي العام فإن الكثيرين سخروا من تلك الفكرة ليس لأن النظام السوري قوي وصامد فقط، بل أيضا من قبيل التشكيك في المعارضة السورية التي كانت بلا هوية، أشباح ونكرات، ربما باستثناء جماعة الإخوان المسلمين القديمة والمنضبطة.

ولإفشال تلك الحركة عمد النظام إلى اختراع جماعات معارضة مكنها من عقد اجتماعات في دمشق وإرسال مندوبيها إلى عواصم العالم تزعم أنها تمثل المعارضة. كان هدفها التشويش على النظام السوري البديل في الخارج وتخريبه، لكنها لم تنجح. أيضا المجلس العسكري وفي ساعات ولادته تم خطف أول رموزه، حسين هرموش، من تركيا حيث اختفى ويعتقد أنه قتل في سوريا. وهذه أيضا لم تفلح في وقف مشروع سوريا الجديدة، النظام السياسي والعسكري البديل.

وفي السويد التقى أعضاء المجلس الوطني ليومين اتفقوا على توسيع مجلس المعارضة، وكما يقول جورج صبرا: «عدد أعضاء المؤتمر العام للمجلس سيرتفع من نحو 300 إلى 400 عضو وستتمثل كل مجموعة معارضة بعشرين عضوا». وسيعتمد نظام الانتخاب في اختيار قيادته.

ومع أن هناك الكثير من الانتقادات لأداء المجلس، إلا أن الجميع يعلم أن المعارضة السورية مهنة جديدة، وليس غريبا أن توجد اختلافات في الرؤى والتوجهات لكن الهدف الأخير بإسقاط النظام واعتماد نظام سوري وطني من اختيار الشعب السوري أمر متفق عليه. وهذا التوافق رغم الاختلاف السياسي يؤكده أن الجميع اختار كرديا سوريا ليرأسه هو عبد الباسط سيدا في خطوة عملية للتأكيد على أن سوريا ليست حصرا على فئة أو طائفة أو عرق بعينه. واجتماعهم في السويد لأنه البلد الثاني لسيدا حيث احتضنه ويعمل أستاذا في إحدى جامعاته.

وأكد القبول بالمجلس أيضا، رضوان زيادة، الذي يدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية في واشنطن، قال: إنه ملتزم «بالمجلس الوطني السوري رغم كل الأخطاء، لأنه يعد التكوين السياسي الأكثر تمثيلا للمعارضة السورية ولا يوجد بديل عنه داخل سوريا».

وبالتالي، فإن الاختلاف السياسي لا يبرر إفشال هذا التكوين الجامع لكل السوريين. ولا يقل لم شمل المنشقين من أبناء الجيش السوري في جيش بديل صعوبة، وكان الجيش الحر عنوانا عريضا انضوى تحت هذا الاسم كل المقاتلين والعسكر المنشقين. وقد رأينا في مرات مختلفة ينسب مقاتلون أنفسهم للجيش الحر مع أنهم لم يتصلوا به ويقاتلون دفاعا عن مناطقهم. الآن بدل اسمه إلى الجيش الوطني وصاغ هيكلا جديدا يجعله أكثر تأهيلا للعمل كمؤسسة محترفة مسؤولة تحمل على عاتقها أخطر المهام سواء بإسقاط نظام الأسد وقوته الجبارة أو في اليوم التالي بالمحافظة على البلاد، وحدتها واستقرارها.

ولا أعتقد أن أحدا يجهل المخاطر التي تواجه المشروع السوري الجديد من قبل نظام الأسد أو من حلفائه من إيرانيين وروس وغيرهم، وكذلك من المخاطر التي تواجه البلاد للمرحلة التأسيسية من مخاوف الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والعرقي ومواجهات الجماعات الإرهابية التي تسللت إلى سوريا خلال الأزمة. كلها معروفة ومحسوبة وتحتاج إلى إجماع السوريين على العمل ضمن نظام جديد يحترم تطلعات الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران وربيع الإخوان (2-2)

د. محمد عياش الكبيسي

العرب القطرية

2012-09-04

لم يكن يوم الخميس الماضي يوما عاديا على إيران، حيث تجرأ الرئيس محمد مرسي ليقول في قمة عدم الانحياز المنعقدة في طهران: «ورضي الله عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي»!

تناقلت الفضائيات هذا الحدث! وتتابعت التصريحات والتعليقات في كل وسيلة من وسائل الإعلام والتواصل الشخصي والاجتماعي، حتى كتب أحدهم: «هل سيسجل التاريخ أن أول من ترضى عن أبي بكر وعمر في إيران هو محمد مرسي؟».

ولو أردنا أن نحلل هذا الحدث تحليلا علميا بعيدا عن الأجواء العاطفية فنقول: هل كان لهذه العبارة أن تحدث كل هذه التفاعلات لو أن مرسي قالها في القاهرة أو الخرطوم أو حتى في طوكيو أو واشنطن؟

ألا يحمل هذا دلالة قاطعة أن مرسي قد انتهك في نظر الإيرانيين ثابتا من ثوابت هويتهم وثقافتهم الدينية والقومية؟ فأين دعاة التقريب الذين كانوا يضللون الرأي العام في الأمة بقولهم مثلا: إنهم لم يروا في مصادر الشيعة ما يثبت بغضهم للصحابة، وإن المسألة لا تعدو بعض المتطرفين الذين لا يمثلون الشيعة!

هل اتضح الآن أن إيران بالفعل تنتمي لهوية أخرى غير الهوية التي تنتمي إليها هذه الأمة من جاكرتا إلى نواكشوط، وأن التعايش بين هاتين الهويتين في ظل المعطيات الحالية أصبح ضربا من المستحيل، وأن الانقسامات السياسية الحادة في تقويم الوضع السوري أو العراقي وحتى البحريني واليمني ما هي إلا نتاج طبيعي ومتوقع لهذا التباين في الهوية والتاريخ والثقافة؟

في يوم الخميس أيضا كانت «الفضيحة الكبرى»، حيث مارس الإعلام الإيراني الرسمي نوعا من التزوير والتضليل غير المسبوق، فكلمة محمد مرسي لم يسمعها الإيرانيون كما هي، وهذا يعكس مدى الحرج أو الورطة التي ألجأتهم إليها كلمة محمد مرسي! وربما سيكون لنا وقفة أخرى مع هذه الفضيحة.

وعودا على أصل الموضوع، فإن مواقف القادة الإخوان ومفكريهم والتي اتسمت بالتناقض تجاه الثورة الإيرانية وهويتها الطائفية، تعكس في الحقيقة جانبا آخر من المشهد، فالإخوان العراقيون والسوريون والخليجيون ينتمون إلى ذاكرة في التعامل مع الجيران الفرس مختلفة تماما عن ذاكرة الإخوان في مصر والشمال الإفريقي، وهذا ما تناولناه في مقالة سابقة على صحيفة «العرب» بعنوان «المواقف العربية والذاكرة التاريخية المنقسمة»، ومختلفة أيضا عن ذاكرة الإخوان الفلسطينيين الذين أشغلهم العدو الصهيوني عن أي مشهد آخر من مشاهد الصراع حتى لو كان حول هوية الأمة وعقيدتها وتاريخها، وقد كان يكفي إسماعيل هنية الذي احتفل في طهران مع الإيرانيين بانتصار الثورة!! أن يسأل قادة الثورة هؤلاء عن عمر بن الخطاب فاتح القدس وقياداته الميدانية أبي عبيدة وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، ويسأل عن عبدالملك بن مروان باني قبة الصخرة، وعن صلاح الدين الأيوبي الذي تتغنى به المقاومة الفلسطينية ليل نهار، هل يجوز أن نسحق كل ذلك التاريخ لقاء فتات باهت ورخيص يلقيه لنا الولي الفقيه؟ وهل أن الله سيبارك لنا في جهادنا ونحن نتنكر للفاتحين الأوائل وقادة الجهاد الحق؟ حتى وصل الأمر إلى كاتب فلسطيني «إسلامي» يقول: إذا كان الصحابة قد اقتتلوا فيما بينهم فإن السب والشتم أهون من القتل!! أليس القادة الإسلاميون في فلسطين مسؤولين عن هذه الثقافة العابثة بديننا وتاريخنا ومقدساتنا، وكأنه لم يعد هناك ما نقدسه إلا القضية الفلسطينية فهي معيار الكفر والإيمان والحق والباطل.

هذا الانقسام في ذاكرة الأمة وما انبنى عليه من انقسام في المواقف قابله انقسام آخر في الطرف الآخر، حيث انقسمت السياسة الإيرانية في تعاملها معنا انقساما حادا زاد من تعقيد المشهد، بل وأضفى عليه نوعا من الطلسمية التي يصعب فهمها أو حلّها، وقد تعامل البعض معها بطريقة ساذجة ومبسطة حتى قال أحدهم: ليس لنا إلا أن نقول هنا أحسنت إيران، وهنا أساءت، أحسنت في فلسطين، وأساءت في العراق، هذا هو الإنصاف!

الحقيقة أن الانقسام في السياسة الإيرانية مختلف عن الانقسام عندنا، فالانقسام عندنا ناتج عن اختلاف في الثقافات تبعا لاختلاف المواقع الجغرافية وطبيعة التحديات، فالإخوان في مصر وتونس مثلا عانوا الكثير من الظلم الديكتاتوري ولم تتح لهم فرصة الاحتكاك مع المشروع الصفوي، وربما ما زالوا يعتبرون هذا العنوان «الصفوي» نوعا من التنابز بالألقاب كتعبير عن تعصب طائفي أو تشدد مذهبي، لكن إخوانهم في المشرق والذين جربوا أيضا أشد أنواع الديكتاتوريات لكنهم لا يعدون هذا شيئا أمام الخطر الصفوي، ليس بمنظور الهوية والثقافة فحسب بل حتى في وسائل التعذيب والتنكيل وانتهاك الحرمات والأعراض.

أما الانقسام الإيراني فهو سياسة مركبة تعتمد على تقسيم الأمة تقسيما جغرافيا، فالمنطقة رقم (1) العراق وسوريا ولبنان والخليج، وهذه تخضع لمشروع الهيمنة المباشرة واستخدام كل عناصر القوة المطلوبة لفرض هذه الهيمنة ولو استعانة بالشيطان الأكبر كما حصل في العراق، أو دعما للشيطان الأصغر كما يحصل اليوم في سوريا.

أما المنطقة رقم (2) فتبدأ من فلسطين حتى موريتانيا غربا، ومن طاجيكستان وبنجلاديش حتى ماليزيا وإندونيسيا شرقا، وخطة إيران هنا خطة ناعمة تهدف إلى نشر «التشيع السياسي» والذي يعني مجرد الإعجاب بشعارات المقاومة التي يرفعها أحمدي نجاد أو حسن نصر الله، ولا بأس هنا باختطاف أسماء إسلامية وجهادية كبيرة مثل اسم الشيخ أحمد ياسين وربطه برموز المشروع الصفوي في كل مناسبة، مستغلين حالة الوفاق السياسي مع المقاومين الفلسطينيين، وقد رأيت صورا عديدة تجمع صورة أحمد ياسين بحسن نصر الله يرفعها إخواننا في المغرب العربي، والإيرانيون على علم يقيني أن الإعجاب السياسي يقود حتما إلى الإعجاب الثقافي، وهذا ما وقع فيه راشد الغنوشي وسليم العوا وفهمي هويدي وغيرهم كثير، وإيران ترى أن أحلامها في إعادة الدولة الفاطمية لن تكون إلا عبر هذه المقدمات! وقد دعمت إيران هذه الخطة بميزانية ضخمة إما على شكل رشاوى سياسية أو مساعدات إنسانية أو منح دراسية.

وبناء على هذا التقسيم، تعمد إيران إلى استخدام سياسة مزدوجة مع الإخوان المسلمين أنفسهم، ففي منطقة رقم (1) تعمل إيران على سحق الإخوان وإنهاء وجودهم، وهذا ما مارسته بالفعل مع إخوان سوريا في مطلع الثمانينيات، حيث تعاونت مع حافظ الأسد لإبادة مدينة حماة والقضاء على حركة الإخوان بالكامل، وهو ما تكرره اليوم مع بشار. أما في العراق فإن قادة الإخوان الكبار كعبدالكريم زيدان وعدنان الدليمي وطارق الهاشمي وغيرهم لا يحصون عددا كلهم قد أصبحوا مهجرين في ظل حكومة المالكي، أما الذين قتلوا أو الذين ينتظرون حكم الإعدام في سجون المالكي من أهل السنة والجماعة ومن الإخوان بالتحديد فهذا يحتاج إلى أرشفة خاصة.

على خلاف ذلك، تتعامل إيران مع الإخوان الفلسطينيين والمصريين والتونسيين، فالزيارات والدعوات والمؤتمرات لا تكاد تنقطع، وفي تقديري فإن إيران نفسها ربما لا تستطيع أن تفهم السبب الذي يجعل قادة الإخوان في المنطقة رقم (2) لا يتعاطفون مع إخوانهم في المنطقة رقم (1)، وحقيقة لهذه اللحظة فإن الكاتب نفسه مع أنه ليس بعيدا عن هذه الأجواء قد عجز عن العثور على أي مبرر شرعي أو أخلاقي أو سياسي لهذه الحالة الشاذة والغريبة، فجماعة واحدة نصفها يقتل ويعذّب ويشرّد ونصفها الآخر يبارك القاتل ويتبادل معه التهاني والتبريكات! بل إن رجلا مثل طارق الهاشمي يستقبل في قطر والسعودية وتركيا ولا يستقبل في مصر وتونس! بل على العكس تقوم تونس باستقبال حزب الله وممثلي الولي الفقيه وأيديهم تقطر من دماء أهل السنة في دمشق وبغداد!

نعم، ربما تمثل كلمة الرئيس محمد مرسي وتداعياتها خطوة واسعة لتصحيح الوضع الإخواني، خاصة بعدما كشف الإخوان بأنفسهم جانبا من حقيقة «الإسلام الثوري» الذي يبشر به الولي الفقيه.. وإنا لمنتظرون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطاب تشاؤمي للاسد

رأي القدس

2012-08-29

القدس العربي

اكد الرئيس السوري بشار الاسد في مقابلته المسجلة مع قناة 'الدنيا' المقربة من حكومته ان الوضع يتحسن، ولكنه اعترف في الوقت نفسه بان الحسم العسكري بحاجة الى المزيد من الوقت، مما يعني ان عمليات القتل في سورية التي تزايدت وتيرتها في الاسابيع الاخيرة ستستمر.

الرئيس الاسد لم يتحدث عن حل سياسي، او بالاحرى لم يقدم رؤية واضحة محددة لهذا الحل، تضع حدا لسفك الدماء، وهذا امر مخيب للآمال، لآمال السوريين اولا والعرب ثانيا الذين يتطلعون الى مخرج سريع من هذا المأزق الدموي.

وعندما يقول الرئيس السوري 'ان القضية هي معركة ارادات' فهذا اعتراف آخر بان ارادة الطرف الآخر، اي الثورة، قوية وليس من السهولة بمكان كسرها بعد حوالي 18 شهرا من الاحتجاجات السلمية قبل ان تتطور الى مواجهات عسكرية بين قوات النظام والجيش السوري الحر والجماعات المنضوية تحت مظلته.

نختلف مع الرئيس السوري في قوله ان الوضع في سورية صار افضل، فهناك مناطق سورية شاسعة في حلب وريف دمشق وادلب بالاضافة الى معابر برية رئيسية مثل البوكمال (مع العراق) وباب الهوى (مع تركيا) خارج نطاق سيطرة النظام بالكامل.

ولعل ما هو اهم من كل ذلك هو سقوط اكثر من خمسة وعشرين الف شهيد سوري حتى الان، ومئات الآلاف من اللاجئين في دول الجوار السوري، ولا يمكن القول بعد كل هذا ان الوضع يتحسن.

صحيح ان النظام صمد طوال العام ونصف العام المنصرم، واثبت ان كل الذين كانوا يتوقعون سقوطه في غضون ايام معدودة كانوا مخطئين في حساباتهم، ولكن الصحيح ايضا ان المعارضة للنظام صمدت ايضا طوال هذه الفترة واستعصت على محاولات اجتثاثها من خلال الحلول الدموية.

من الطبيعي ان يقلل الرئيس الاسد من اهمية الانشقاقات التي تلاحقت في الاشهر الاخيرة، وكان محورها مسؤولون كبار في الدولة، ابرزهم رئيس الوزراء رياض محجوب، والعميد مناف طلاس قائد الفرقة الخامسة في الحرس الجمهوري، وان يصفها بانها كانت عملية 'تنظيف' للدولة اولا وللوطن بشكل عام، ولكن هذه الانشقاقات شكلت ضربة معنوية للنظام السوري، ووفرت مادة خصبة للفضائيات التي تريد ابراز ضعف النظام، بل والقفز الى التنبؤ بقرب انهياره.

مقابلة الرئيس الاسد جرى بثها في يوم سقط فيه اكثر من 185 شهيدا اثناء المعارك المحتدمة بين الجيشين الرسمي والحر في مختلف انحاء البلاد، وفي وقت تطالب فيه تركيا باقامة مناطق عازلة داخل الاراضي السورية لاستيعاب تدفق اللاجئين السوريين.

لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا اعترف بصعوبة تنفيذ الطلب التركي للتعقيدات التي تحيط به، وضرورة صدور قرار به عن مجلس الامن الدولي وهو امر مستحيل في ظل الفيتو الروسي الصيني المزدوج، ولا بد ان الرئيس الاسد كان على علم بهذه الامور عندما قال ان مثل هذه الخطوة غير واقعية.

الرئيس الاسد عندما يقول بان الحسم العسكري بحاجة الى المزيد من الوقت، فان هذا اعتراف بان الحلول الامنية التي اتبعها نظامه طوال الاشهر الماضية لم تحقق اهدافها في القضاء على هذه الثورة المسلحة، ولهذا لا بد من اظهار استعداد جدي للتخلي عنها والبحث عن حلول سياسية تنقذ ما تبقى من الشعب السوري من القتل، وما تبقى من المدن والاحياء السورية من الدمار.

ما ورد في مقابلة الرئيس الاسد يدعو الى التشاؤم، ويعد بالمزيد من الدماء والدمار وهذا امر مؤلم بكل المقاييس.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد بين التنحي التلقائي والتنحية الحتمية

الخميس ٣٠ أغسطس ٢٠١٢

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

لم تعد المجازر اليومية لتستثير ردود الفعل الدولية أو العربية. قال الشهود في داريّا إن أطفالاً ونساء كثيرين بين مئات الضحايا، وإن الجثث حملت آثار ذبح بالسكاكين وتقطيع بالفؤوس، وإن عشرات تلو عشرات من الرجال أُعدموا ميدانياً، واحتاج العالم ثلاثة أيام ليصدّق ويُصدم ويستنكر ثم يطالب بـ «تحقيق مستقل» سيرحّب به النظام ليتفنن كالعادة في تضليله. من ريف دمشق الى ريفي ادلب ودير الزور الى مختلف الأرياف، فيما باتت المدن والبلدات جبهات قتال غير محسوم لقوات النظام، أصبحت الاستباحة أكثر شراسة باستخدام الطائرات الحربية ممهدة لغزوات الإبادة المطلقة. تلقّى النظام نصيحة حليفيه الايراني والروسي بأن ثمة وقتاً ضائعاً يمكنه استغلاله بإظهار أقصى الوحشية للانتقام من الشعب، لعل في الانتقام ردعاً كافياً أو سحقاً ماحقاً للثورة عشية التغيير المتوقع في التعامل الدولي مع الأزمة، سواء عبر مهمة الأخضر الابراهيمي أو من خلال تنسيق متصاعد بين الولايات المتحدة وحلفائها للعمل خارج مظلة مجلس الأمن.

سبق للنظام أن جرّب الحسم مراراً ولم ينجح، بل لم يعد متاحاً له أن ينجح. ومهما بذل الحلفاء لشدّ أزره، فإن نهاية مواجهته مع الشعب ليست قريبة، على افتراض أنها متاحة أو ممكنة. صحيح أن الايرانيين صعّدوا متعهدين «حماية النظام»، وطمأنوه الى أن أمنه من أمنهم، لكن ما الذي يستطيعونه عملياً؟ انهم يضاعفون حالياً مشاركتهم المباشرة في أعمال القتل، ويهندسون مدّاً سلساً للأزمة الى لبنان على أن يبدو «حزب الله» كأنه بمنأىً عما يحصل «خارج سيطرته»، ويشرفون على استجابات كريمة من بعض فصائل الحكم العراقي لحاجات النظام، بل يخططون لإرسال قوات برية عبر محافظة الأنبار العراقية، ويطلقون انذارات وتحذيرات لتركيا، ويحاولون اجتذاب مصر الى ما يسمونه «مبادرة ايرانية لا يمكن رفضها» لحل للأزمة... لكن النظام السوري يعرف أن للحليف الايراني مصالح وحدوداً لن يتجاوزها من أجل انقاذه مهما بلغت تعهدات «الحرس الثوري».

ثمة ثلاثة أوهام أقنع النظام نفسه بها. الأول أن عسكرة الانتفاضة الشعبية لمصلحته، وهو يعيش الآن نتيجة حساباته الخاطئة، فالعسكرة ثبّتت السعي الى تنحيته. والثاني أنه قادر على حسم الأزمة - «المؤامرة» حين وعد الروس بأن نهاية المتاعب ستكون في حمص، ويعده الايرانيون اليوم بأن النهاية ستكون في حلب. أما الثالث فهو أن تصدير الأزمة الى الخارج سيمكنه وحلفاءه من المساومة بـ «التهدئة مقابل بقائه في الحكم»، ولا شيء مضموناً في حسابات مواجهة كهذه، فقد يجني الحلفاء مكاسب، أما النظام فسيكون أول الخاسرين ولن يُمنح أي مكافأة. ومع ذلك، لا يزال النظام يعتقد بأن الهروب الى الخارج يعفيه من التنازلات ومن حتمية التنحي. أما الحساب الواقعي الوحيد الذي لا يزال النظام السوري (وحليفاه الروسي والايراني) يعوّل عليه، فهو تماسك جهازه الأمني على رغم الانشقاقات مقابل الفوضى العارمة في صفوف المعارضة بشقّيها العسكري والسياسي. وعلى رغم أن التفوّق الناري للنظام لم يعد يؤمّن له سوى سيطرة محدودة وصورية، إلا أنه يوفر له إمكان المحاججة بأن لديه القدرة على ضبط الوضع وحصره في الداخل، وبأن عرضه الحوار والتسوية على أساس «الاصلاحات التي بدأها ويمكن تطويرها» يبقى أقل كلفةً من استمرار الأزمة واحتمالات امتدادها الى الاقليم، وكذلك أقل كلفةً من الحرب الأهلية وتسببها بتفكك البلد ومجتمعاته، بل حتى أقل كلفةً من السقوط الوشيك للنظام وما يستتبعه من صراعات بين أطراف المعارضة ستعني سنوات من عدم الاستقرار المرشح للامتداد أيضاً الى دول الجوار.

بهذه الذهنية تستعد روسيا للتعامل مع أي مقاربة سياسية جديدة للأزمة، خصوصاً اذا طرح الابراهيمي «عملية انتقالية من دون بشار الاسد». فالنظام يحتاج، لإدارة مساومة كهذه، الى «عملية سياسية» لم تعد متاحة منذ انتهاء مهمة كوفي انان، لذلك فهو يستحثّ ايران لطرح أي مبادرة نحوه تحت مظلة «مجموعة عدم الانحياز»، كما استحثّ روسيا عبر مهمة «المعارض الموالي» قدري جميل التي تعمّدت التلويح بوضع «تنحي الرئيس» في التداول، ولو مشروطاً، كـ «تنازل» لإظهار «حسن نية ومرونة» غير متوقعين منه. والسائد حالياً أن روسيا التي انتقدت النظام لأنه لم يبذل جهداً كافياً هي التي طلبت من الاسد وضع تنحيه كـ «وديعة» لديها لمنحها هامشاً أكبر للمناورة، فهي مدركة أن الصيغة المطروحة للحوار لا تزال مطابقة لـ «اتفاق جنيف»، وفقاً لتفسيرها، أي أن التنحي لا يسبق الحوار بل ربما يأتي كنتيجة له، وهو تفسير لم تقبله ويُستبعد أن تقبله الدول الغربية والعربية اذ تعتبر «اتفاق جنيف» خارج التداول، وأن المطروح الآن هو «انتقال السلطة» بدءاً بتنحي الاسد، وأي صيغة اخرى ستعني تجاهلاً للقمع الدموي وضحاياه وإعفاءً للرئيس من مسؤوليته عن المجازر والتدمير.

تريد روسيا من خلال الإيحاء بأنها تملك «ورقة التنحي»، استباق أي اقتراحات سياسية جديدة، وأي مفاجأة من الابراهيمي، أما كيف ستلعبها فهذه قصة اخرى. ذاك أن فسحة التذاكي ضاقت، ثم أن ارتكابات النظام على الأرض تسابق مناوراتها وتكذّب مسبقاً أي ادعاء بالمرونة. لكنها تعتبر أن ثمة رهاناً وعليها أن تخوضه، فالدول الغربية والعربية تخيّر الأسد بين «التنحي التلقائي» وهو غير وارد ولا يناسب مصالح روسيا، وبين «تنحيته الحتمية» وبالقوة، وهي غير ممكنة ولا متاحة لخصومه. لذلك تعتقد موسكو أن المساومة التي يتصورها النظام السوري لا تخلو من الواقعية، خصوصاً أن مراقبتها «أصدقاء الشعب السوري» طوال عام لا تزال تظهرهم مترددين في التدخل، متلكّئين وبطيئي الحركة وغير متحمسين للمبادرة، يقصّرون استثمارهم لتضحيات الشعب السوري على مواقف «أخلاقية» غير مقنعة لأنها أولاً تتعارض مع سوابق «لا أخلاقية» لدول الغرب وبالأخص الولايات المتحدة، ولأنها ثانياً أتاحت للنظام ولحلفائه الوقت الكافي للتجذّر في استراتيجية تصعيد نحو مواجهة دولية - اقليمية ربما لم تكن مقبولة لديهم قبل عام. اذاً فلا بد من أن يهتمّوا بأي مساومة سياسية تطرح عليهم.

ربما لم يعد «أصدقاء الشعب السوري» على الحال التي تراها موسكو التي باتت متوجسة من بنائهم صيغة تدخل خارج مجلس الأمن. صحيح أنهم أخطأوا في التباطؤ حتى لو كانت لديهم اعتبارات موضوعية حالت دون وثوقهم بمعارضة لا يعرفونها ولم تكن لهم يد في صنعها، وأخطأوا أكثر في مغازلة «حل سياسي بقيادة النظام»، على رغم أنه برهن لهم مراراً استهزاءه بحل كهذا، إلا أنهم انتظروا تدهور مهمة كوفي انان كي يفهموا، وعندئذ فقط بدأوا اتصالاتهم بـ «الجيش السوري الحرّ»، أي بعد مرور نحو عام على بداية الانشقاقات، ليجدوا أن التردد والإهمال والخذلان جعلت من هذا الجيش «جيوشاً» يتدبّر كل منها أمره كيفما استطاع معوّلاً على جرعات دعم ضئيل لا تساعده بمجموعها على اقامة أي توازن مع النظام وحلفائه الملتزمين. ومع ذلك استطاع أن يحدث تغييراً في مجرى الأحداث. والأكيد أن «الأصدقاء» تأخروا في استكناه صبر السوريين وصمودهم، وفي فهم دينامية الانتفاضة والمنطق الذي فرضته: إما رحيل الاسد أو إسقاطه، التنحي أو التنحية... ومع كل مجزرة، مع كل دم يُراق، تبتعد احتمالات المساومة أو التسوية التي يحلم بها النظام وحلفاؤه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: مجازر متدرجة

الخميس ٣٠ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

حسان حيدر

سيذكر التاريخ عائلة الاسد على أنها دمرت سورية مرتين: الأولى سياسياً واقتصادياً ومعنوياً، عندما عملت طوال فترة حكمها القائم على مبدأ الترهيب، على خنق أي معارضة من أي توجه كانت، وعلى تفكيك النسيج الإجتماعي السوري وإعادة صوغه في خدمة نظام أمني بالكامل، تتبعه وترتبط باستمراره شرائح مستفيدة نفوذاً ومالاً على حساب افقار غالبية الشعب وتهميشها. والثانية مادياً، عندما لم تتورع عن التدمير الفعلي للمدن والقرى والاحياء المنتفضة ضد سلطتها باستخدام القوات المسلحة التي هيأتها بدأب طوال اكثر من اربعين عاماً لهذه المهمة، غير عابئة بالنتائج الكارثية على حاضر البلاد ومستقبلها.

خلال عام ونصف عام من الانتفاضة تصاعد عنف نظام دمشق، وتدرجت مجازره المتنقلة الى ان وصلت حالياً الى معدل مجزرة في كل يوم، يشارك الطيران الحربي وسلاح المدرعات في تنفيذها، وارتفع عدد الضحايا خلال الشهرين الاخيرين الى درجة مخيفة لم يسبق ان عرفتها أي دولة اخرى حتى تلك التي شهدت اقسى الحروب الاهلية. وعلى رغم ذلك، لا يخرج الأمر في رأي وزير «المصالحة الوطنية» السوري عن كونه «سوء تفاهم بين الشعب والحكومة».

وتقدم المشاهد المروعة للدمار الذي احدثته الغارات الجوية على مدينة كفرنبل في درعا قبل يومين، وصور مقتلة اهالي داريا بريف دمشق، نموذجاً للمدى الذي وصلت اليه وحشية النظام في رده على التحرك المطالب برحيله، يوحي باستعداده لاستخدام وسائل اخرى أشد فتكاً كلما اشتد اطباق المعارضة عليه، وهو ما دفع قادة العالم الى توجيه تحذيرات اليه من مغبة اللجوء الى اسلحة محرمة.

تسلم بشار الاسد بعد رحيل والده دولة بوليسية فاسدة بكل المعايير يطغى فيها هاجس الأمن، بمعنى حماية النظام، على كل ما عداه، وتتغلغل اجهزة الاستخبارات في مختلف مستوياتها، وتتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين الذين قتل الآلاف منهم او أخفي من دون اي محاكمة او حتى تهمة، في معتقلات هي عبارة عن دهاليز للموت البطيء تحت وطأة التعذيب والمرض.

وتبخرت بسرعة الوعود التي حاول رشوة مواطنيه بها للتغاضي عن التوريث المفضوح للسلطة في بلد يدعي ان لديه انتخابات ومؤسسات واحزاباً، علماً ان هذه الوعود كانت موجهة الى الخارج فحسب، ولم يكن الداخل يعني الكثير في حسابات الجهاز الحاكم.

وأثبت الإبن بسرعة انه اكثر بطشاً من أبيه، واتخذ من «التمثيل» بلبنان وقياداته وسيلة لإبقاء حال الفزع مسيطرة على السوريين ولمنعهم من نسيان «درس حماة». لكن هؤلاء الذين كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة للتعبير عن رغبتهم في الانعتاق من النظام - الاكذوبة الرازح على صدورهم، اثبتوا ان احتمال السجن والتعذيب والقتل لم يعد يخيفهم.

وأمام هذا التصميم على التغيير، لم يجد الاسد الذي أكد امس انه «يحتاج وقتاً للحسم»، سوى التعنت ورفض المبادرات الداعية الى مرحلة انتقالية، وغير اعتماد التصعيد التدريجي للعنف، اولاً عبر زج المزيد من القوات المسلحة في العمليات العسكرية التي باتت تشمل سورية كلها تقريباً، ثم بفتح الباب امام المزيد من التدخل الايراني بالسلاح و «المتطوعين»، واخيراً بإقحام سلاح الجو في المواجهة مع مواطنيه. ولم يبق امامه ربما قبل اللجوء الى السلاح الكيماوي والجرثومي سوى استخدام ترسانة الصواريخ الاستراتيجية لقصف المدن الخارجة عن سيطرته. فهل يقدم على ذلك؟ سنعرف الجواب قريباً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبراهيمي.. «السعيد من اتعظ بغيره»!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

30-8-2012

المفترض أن الأخضر الإبراهيمي، السياسي والدبلوماسي المخضرم، قبل القبول بهذه المهمة الصعبة، التي كان سبقه إليها سلفه كوفي أنان وفشل فيها فشلا ذريعا، قد حدد سلفا من أين يبدأ وكيف سينتهي؟ فالأزمة السورية التي انتدب لحلها بدأت كمجرد حادث صغير كان بالإمكان تطويقه واستيعابه بسهولة، لكنها انتهت إلى ما هي عليه الآن، مشكلة دولية وإقليمية شديدة التعقيد والتداخل ويحتاج حلها إلى جمع ألف رأس على وسادة واحدة وإلى إيجاد نقطة تلاق بين كل هذه المصالح المتعارضة والمتناقضة.

وقبل أن يضع «سي الأخضر» قدمه في هذا المستنقع، فإن المفترض أنه درس تجربة سلفه كوفي أنان دراسة شافية ووافية، وأنه استنجد بمشورة الدول الصديقة والشقيقة التي لا تريد له، بعد كل النجاحات التي أحرزها وحققها على مدى تاريخه النضالي والسياسي الطويل، أن ينهي حياته الدبلوماسية بفشل لا يستحقه وأن يغرق في الرمال ذاتها التي غرق فيها من سبقه، وكانت النتيجة أن سارع إلى تقديم استقالته «لا يلوي على شيء»!! فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه.

والمؤكد أن الأخضر الإبراهيمي يختلف عن سلفه كوفي أنان في أنه ابن هذه المنطقة، وأنه يعرف ألاعيبها ومناوراتها، كما أنه بحكم تجربته الطويلة، إن في ثورة المليون ونصف المليون شهيد، وإن في الدولة الجزائرية التي نهضت من تحت الأنقاض بعد غياب 132 عاما، وإن في التعاطي بكفاءة ونجاح مع الكثير من القضايا العربية والدولية الشائكة، يعرف أيضا أن هؤلاء الذين بقوا يحكمون هذا البلد العربي الرئيسي منذ عام 1970 وحتى الآن لا يصدقون في وعد ولا يلتزمون بعهد، وأنهم يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر، وأن الغاية عندهم تبرر الواسطة، وأنهم أهل «تقية» لا يترددون في إدارة الظهر لأي اتفاق يلتزمون به حتى قبل أن يجف الحبر الذي كتب به.

ولهذا فإنه لا شك إطلاقا في أن الأخضر الإبراهيمي يعرف أي مهمة صعبة هذه التي هو ذاهب إليها ويعرف أن ترحيب نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد به هو كلام حق يراد به باطل، وأنه عندما يقول إن سوريا ستتعاون مع المهمة التي أوكلت إليه، فإنه في حقيقة الأمر يقصد عكس هذا، وإنه أيضا عندما يقول: إننا سنتعاون مع الإبراهيمي وبعثته كما تعاونا مع البعثة العربية – الدولية، فإنه يؤكد أن الحكومة السورية ستفشل هذه المهمة كما أفشلت بعثة كوفي أنان وبعثة محمد الدابي التي انتهت إلى نهاية مأساوية كما هو معروف.

وهكذا، فإن ما يجب أن يقال للأخضر الإبراهيمي، من باب الحرص عليه وعلى تاريخه الناصع والنظيف، إن عليه ألا يثق بهذه القيادة السورية وألا يصدق كل ما تقوله، وإن عليه أن يدرك أنه عندما يقول المقداد: «إن سوريا بشعبها وقائدها وحكومتها هي التي ستنتصر»، فإن هذا يعني أنه لا جديد في مواقف الحكومة السورية، وأنها لا تزال تقف في المربع الأول.

إنه لا نية إطلاقا لدى ما تبقى من هذه القيادة السورية، بعدما قتل من قتل، واختفى من اختفى، وفر إلى الخارج من فر، في أن تفكر حتى مجرد تفكير بأن يبدأ الحل، الذي سيتولى الأخضر الإبراهيمي الإشراف عليه ومتابعته، بتنحي بشار الأسد أو على الأقل إبداء الاستعداد للتنحي والمغادرة. ولهذا، فإنه غير الجائز أن يبدأ رجل، بكل هذا التاريخ المشرف، وبكل هذه النجاحات التي حققها، مهمته بالرهان على الأوهام وبأن بإمكان المبعوث الجديد أن يأتي بما لم تستطعه الأوائل ما دام الرئيس السوري لا يزال لم يستوعب مستجدات الأزمة السورية، ولا يزال لم يدرك أن التغيير الجذري والشامل من قمة الهرم وحتى قاعدته بات هو الحل الذي لا بديل له.

سيحاول أصحاب هذا النظام السوري أن يدخلوا المبعوث العربي والدولي الجديد في الحلقة المفرغة التي كانوا أدخلوا فيها سلفه وسيحاولون أن ينهكوه في الجدل البيزنطي الذي أنهكوا به «المبعوث» السابق، ولهذا فإن المفترض أن يتجاوز الأخضر الإبراهيمي خطة كوفي أنان لأنها غدت وراء الأحداث التي استجدت في سوريا خلال الشهور الأخيرة، وأن يأخذ من بين بنودها الستة، هذا إذا أراد أن يأخذ بشيء منها، البند الذي يتضمن مطالبة الحكومة السورية بالوقف الفوري للتحركات العسكرية نحو التجمعات السكنية وإنهاء استخدام الأسلحة الثقيلة وسحب القوات المسلحة إلى مواقعها السابقة بعيدا عن المدن والمناطق المأهولة. وكل هذا على أن يتبعه فورا البدء بمفاوضات جادة يجب أن تستند إلى نص واضح وإلى مهلة زمنية محددة على تنحي بشار الأسد لتكون هناك مرحلة انتقالية تفضي إلى انتخابات ديمقراطية بإشراف دولي يستطيع الشعب السوري من خلالها أن يقرر مصيره بنفسه، وأن يختار نظام الحكم الذي يريده.

لا ضرورة إطلاقا لأن يدخل الأخضر الإبراهيمي نفسه في اللعبة العقيمة التي أوصلت كوفي أنان إلى النهاية المأساوية التي انتهت إليها مهمته. فإقناع روسيا بتغيير الموقف الذي بقيت تتمسك به وبقيت تصر عليه منذ بداية هذه الأزمة، التي بدأت بحجم كرة صغيرة وأصبحت بحجم جبل قاسيون وبحجم الجبل «الأقرع» معا، وحتى الآن يعتبر من سابع المستحيلات ما دام الوضع على الأرض لم يحسم عسكريا، وما دامت موسكو لم تتأكد باليقين القاطع من أن الرهان على بقاء بشار الأسد بات بمثابة رهان على حصان خاسر وبعد هذا، ما لم يتم التوصل سلفا إلى نقطة يلتقي عندها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الولايات المتحدة ورؤساء الدول الغربية المعنية.

سيضيع المبعوث العربي والدولي الجديد وقته إن هو أشغل نفسه بتنقلات مكوكية، كالتي كان كوفي أنان أشغل نفسه بها، بين موسكو وطهران ودمشق، فالأمور بعد تجربة سلفه المريرة غدت واضحة وضوح الشمس، وقد بات في حكم المؤكد أن هذه العواصم الثلاث المتآخية والمتضامنة والمتكاتفة لا تريد من كل هذه الوساطات الدولية إلا عامل الوقت والمزيد من الوقت، وحقيقة أنه لولا العامل الروسي والعامل الإيراني لكانت الأمور في سوريا مستقرة الآن وفي وضع أفضل كثيرا مما هي عليه في مصر وفي ليبيا وفي تونس وفي اليمن أيضا.

إنه من غير الممكن أن يحقق الأخضر الإبراهيمي نجاحا حتى ولو بمقدار قيد أنملة ما دامت الأمور على الأرض لم تدخل دائرة الحسم النهائي وما دام الموقف الدولي يعيش حالة الاستعصاء هذه، التي بقي يعيشها منذ البدايات بسبب الموقف الروسي الأكثر تشددا من موقف بشار الأسد نفسه، وما دام الأميركيون ومعهم الاتحاد الأوروبي يعيشون حالة الارتباك وعدم وضوح الرؤية التي يعيشونها الآن.

إنه من حقنا كأصدقاء لهذا الرجل العروبي، الذي يعتبر من أهم المتبقين من رموز الثورة الجزائرية العظيمة والذي يشهد تاريخه على أن مسيرته سابقا ولاحقا كانت مسيرة عطاءات ونجاحات، أن نحذره ونواصل تحذيره من مغبة الغرق في هذا المستنقع الآسن، وأنه لا ضرورة أن يتمسك بهذه المهمة الصعبة، إن ليس هناك اتفاق دولي على إنهاء هذه المأساة على نحو يحقق للشعب السوري ثمن الدماء التي نزفت منه.. إن الأخضر الإبراهيمي ليس كوفي أنان، وإنه لا يمكن إلا أن يكون مع شعب سوريا العظيم ضد نظام لا يشبهه في الكرة الأرضية كلها إلا نظام بول بوت الشهير البائد ولم يبق من نمطه إلا نظام كيم جونغ أون في كوريا الشمالية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التقاعس الأميركي في سوريا

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

30-8-2012

عام الانتخابات، شخصية أوباما، كوابيس العراق، موقف الروس، وفوبيا الجهاديين.. كلها أسباب قد تفسر التلكؤ الطويل في الموقف الأميركي تجاه دعم التغيير الشعبي في سوريا.

آلاف السوريين يحملون السلاح ويقاتلون ببسالة في معركة مدهشة، بأسلحة بسيطة. ورغم أنهم يقاتلون منذ عام، فإنهم لم يتمكنوا بعد من إسقاط النظام، ولا حتى الاستيلاء على مدينة رئيسية واحدة. السبب أنها ثورة شعبية حقيقية لكنها يتيمة، تقارع واحدا من أعتى الأنظمة القمعية في العالم.

بعيدا عن دمشق يحارب الرئيس الأميركي على جبهة الانتخابات الرئاسية التي لم يتبق عليها سوى تسعة أسابيع، ويملك فرصة لإعادة انتخابه. لذا لن يجرؤ على التورط في أي عمل خارجي كلما اقترب يوم الانتخاب خشية أن يكون ذلك سببا في هزيمته وخسارة حزبه. ثم إن هناك شخصية أوباما، حيث يبدو للجميع أنه يريد أن يميز نفسه ورئاسته بأنه ليس سلفه جورج بوش، وأنه ضد التدخل العسكري، وهو الذي سحب قواته من العراق ويعمل على الخروج من أفغانستان، ولا يريد أن يرسلها للقتال في سوريا أو غيرها. أوباما شخصيته مختلفة عن بوش، وحتى عن آخرين مثل بيل كلينتون الذي غامر في يوغوسلافيا ونجح، وقام بعمليات أقل ضد صدام في العراق وأخرى في الصومال، وكذلك السودان وأفغانستان.

يريد أن يذهب الأميركيون إلى صندوق الانتخابات وهم يتذكرون أن أوباما هو الذي جاء برأس عدوهم بن لادن، لا أن تقف أرامل الجنود في مظاهرات ضده. أيضا، فلسفته ليست مبنية على توسيع النفوذ أو مواجهة الخصوم في أنحاء العالم، فأوباما أقل حماسا للسياسة الخارجية. ومع أن وزارة الخارجية الأميركية تخوض حربا كبيرة من التصريحات الكلامية ضد الروس، فإن هناك فارقا كبيرا بين البلدين، فالحكومة الروسية متحمسة لدعم الأسد، وهي السبب في بقاء نظامه واقفا على قدميه حتى الآن، بدعمها العسكري والاستخباراتي والنقدي وكذلك بالوقود. وهذه هي المرة الأولى، منذ نهاية الحرب الباردة، التي نرى فيها الولايات المتحدة تخشى إغضاب السلطات الروسية رغم أهمية إسقاط النظام السوري لها (أي لأميركا) في الحرب على إيران.

وهناك «فوبيا الجهاديين»، حيث كُتب الكثير عن الجهاديين الذين تقاطروا على سوريا من أنحاء العالم، ومن المؤكد أن بينهم منتسبين لتنظيم القاعدة الإرهابي، إنما هي فئة توجد في كل مكان يوجد فيه فراغ وفوضى، في ليبيا والصومال وشمال مالي واليمن. ومن الخطأ ترك الثورة السورية لمثل أصحاب هذه الأجندات السيئة التي لا علاقة لها بثورة الإنسان السوري، الذي يبحث عن الكرامة والحرية وليس تخريب العالم.

أعرف أن العديد من الأميركيين يجدون تناقضا صارخا بين دعوات العرب للولايات المتحدة للتدخل، ودعواتهم السابقة لرفض التدخل، وأنهم سيقولون لنا «نحن لسنا كتيبة في الجيش العربي مرة تقذفوننا بالأحذية ومرة ترسلون لنا بطاقات الدعوة للدفاع عنكم». التناقض مرده أن العالم العربي منطقة كبيرة ومتعددة الرؤى تعيش مخاضا تاريخيا رمت فيه الشعوب بأنظمة فاشلة، بعضها كان سببا في تخريب العلاقة مع الجانب الأميركي مثل نظام القذافي، وصالح في اليمن، والآن الأسد في سوريا. وهنا في سوريا المصالح متطابقة، فإسقاط الأسد مطلب الشعب السوري ويتطابق مع المصلحة الأميركية.

وفي نظري أن الأميركيين الذين يديرون ظهورهم للثورة السورية يخسرون أهم قضية شعبية في العالم العربي، والتي يمكن لها أن تضيق الهوة بين الجانبين بعد تجربة العراق الفاشلة. والسوريون لا يريدون جنودا، بل سلاحا نوعيا لردع الطيران والدبابات التي يواجهونها الآن بالبنادق البسيطة في وقت يقصف فيه النظام الأحياء المدنية بلا رحمة. السوريون منذ عام يقاتلون بلا مشاركة من الجيران، ولا دعم ذي قيمة من دول كبرى، ورغم هذه النواقص وطول الطريق تبدو النهاية واضحة.. سقوط النظام، لأن حجم القتل والأذى الذي مارسته قوات الحكومة ولد كراهية وتصميما على إسقاط النظام. ومن يركب قطار الثورة السورية، الذي لن يتوقف إلا في وسط العاصمة دمشق، لن تنساه ذاكرة الأجيال الشابة، هذه هي الحقيقة لمن يعرف مشاعر المنطقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تصريح إيراني مهم!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

30-8-2012

تحدث مساعد وزير الأمن الإيراني حجة الإسلام خزاعي قبل يومين حديثا مهما عن أسباب دعم بلاده لطاغية دمشق الأسد، وموقف إيران من العراق، وما وصفه بمعجزة بقاء، وعدم انهيار، النظام السياسي في بلاده منذ الثورة الخمينية إلى اليوم، وعما سماه كذلك بمركز الشيعة في منطقة الشرق الأوسط.

أهمية تصريحات خزاعي تكمن في أنها تأتي مباشرة، ومن دون مواربة، حول مصالح إيران في المنطقة التي تقوم على توسيع، وترسيخ، النفوذ الإيراني وفق منطق طائفي، وليس التعاون، وحسن الجوار، واحترام سيادة الدول العربية. فالوزير الإيراني يرى أن أحد أهم أسباب دعم طهران للأسد اليوم هو وقوف النظام الأسدي مع إيران في ما سماه «الحرب المقدسة»، أي الحرب العراقية - الإيرانية، وكيف أن بلاده قاومت الأميركيين في العراق، ومنعتهم من بسط النفوذ في بلاد الرافدين، وأفسدت مشروعهم الديمقراطي هناك، لأنه كان يعني تهديدا للمصالح الإيرانية والأسدية.

فخزاعي يقول، وبحسب ما نقلته عنه وكالة «مهر» الإيرانية، إن الأميركيين «كانوا يعتزمون السيطرة على الشرق الأوسط التي تعتبر أكثر مناطق العالم الجيوسياسية حساسية، والتي تحتوي على 70% من مصادر الطاقة في العالم، وتعتبر مركز الشيعة، حيث كان موضوع الشرق الأوسط الجديد، والعراق مجرد ذريعة، وصرحوا بأنهم جاءوا لإقامة برج الديمقراطية في العراق لتلقي ظلالها على إيران وسوريا»، مما يعني أن إيران ترى الأسد من أهم أدواتها لبسط النفوذ في المنطقة لا أكثر ولا أقل!

هكذا يتحدث المسؤول عن ملف الأمن الإيراني، وبكل وضوح، حول رؤية إيران للمنطقة، وأسباب دعمها للنظام الأسدي، وطبيعة علاقة طهران بالعراق، وعكس ما يردده اللوبي الإيراني في منطقتنا. فالقصة كلها النفوذ والطائفية لخدمة الثورة الخمينية، فإيران لا تنظر إلى دولنا، وتحديدا العراق، وسوريا، ولبنان، إلا كونها مركز «الشيعة» فقط، ولا تحترم سيادة دولنا، ناهيك باعترافها بحق التنوع، والعيش المشترك. فالمهم بالنسبة لملالي إيران هو ترسيخ نفوذ المشروع الخميني وفق أدوات طائفية، وتطويع الديمقراطية التي تعتبرها إيران «برجا» أميركيا واهيا، لتنفيذ ذلك المشروع!

واللافت اليوم أن أكثر من يتحدث عن الديمقراطية في منطقتنا هم حلفاء إيران سواء في العراق أو لبنان، وبعض دول الخليج، وحتى بعض دول الربيع العربي، خصوصا من يتحدثون عن ضرورة الانفتاح على إيران!

نقول إن تصريحات الوزير خزاعي هي أحد أهم التصريحات الإيرانية لأنها تبين نوايا إيران تجاه منطقتنا، ودولنا، بتوقيت حساس، كما أنها تبين سذاجة بعض من تنطلي عليهم الوعود الإيرانية، رغم كل ما تفعله إيران بمنطقتنا. ولذا، فإن الوزير خزاعي محق وهو يقول إن بقاء النظام السياسي في بلاده إلى الآن، وعدم انهياره، يعتبر معجزة. فذلك لأن إيران تحقق مكاسب عدة بسبب استثمارها بحلفاء طائفيين - للأسف - في منطقتنا، كما أنها تستفيد من السذاجة الأميركية، والعجز العربي، خصوصا في الملف السوري. فالتعجيل بسقوط الأسد من شأنه أن يعيد إيران إلى حجمها الطبيعي، ويجعل مسؤوليها يواجهون استحقاقاتهم الداخلية بشكل جدي ولأول مرة منذ الثورة الخمينية.. وذلك بدلا من أن تواصل طهران اللعب خارج أراضيها، وعلى حساب مستقبلنا، ومقدراتنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تزايد إحتمالات التدخل العسكري .. هل ستطغى طبول الحرب في واشنطن على فرص السلام في سوريا

بقلم سامر عرابي

وكالة إنتر بريس سيرفس

(آي بي إس / 2012)

واشنطن , أغسطس (آي بي إس)

تتزايد إحتمالات التدخل العسكري الدولي في سوريا يوما بعد يوم، وذلك في أعقاب تصاعد أعمال العنف في سوريا.

ففي وقت سابق من هذا الأسبوع حذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما من "عواقب وخيمة إذا بدأنا نشهد تحركات على جبهة الأسلحة الكيميائية أو الإستخدام الفعلي للأسلحة الكيميائية". وجاء ذلك التحذير بعد مرور عام تقريباً على أول نداء وجهه الرئيس باراك أوباما للرئيس السوري بشار الأسد طالباً منه التنحي.

وعلى الرغم من أن هذا التحذير لايشير إلى تحول كبير في سياسة إدارة أوباما تجاه الكارثة المتنامية في سوريا، إلا إنه يمثل أحدث خطوة للتحول البطئ لرغبة المسؤولين في الإدارة الأمريكية للنظر في إستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد الدولة السورية.

فجاءت ردود الفعل الأولى لإدارة أوباما -وغالبية الرأي العام الأميركي - معارضة بدرجة كبيرة لتدخل عسكري أجنبي آخر. ولا يزال مسؤولو الإدارة، التي ما زالت تعاني من نكسات في العراق وأفغانستان، وقواتها المنتشرة من اليمن إلى باكستان ومالي، وغيرها، محبطون أيضاً بسبب عدم تحقق مكاسب سياسية للتدخل المثير للجدل في ليبيا.

وهكذا وقفوا ضد تورط الولايات المتحدة في مسعى عسكري أخر في الشرق الأوسط، على الرغم من تبني الصقور في كلا الحزبين لشن حملة جوية فورية على نظام الأسد.

لكن واشنطن لم تكن تكتفي بالجلوس على الهامش وإنتظار نتائج الصراع، وإنما شملت نفسها بشكل معمق في جميع المستويات الإنتفاضة -من العنف اليومي للخطط الانتقالية- أملا في قولبة العملية ونتائجها لتتناسب مع مصالحها الإقليمية الجيوسياسية.

وبدلاً من توريط القوات الامريكية، اختارت الإدارة تكتيكاً مختلفاً. فلعدة أشهر الآن تقوم واشنطن بتسهيل تسليح وتنسيق مهام الجيش السوري الحر، وهو المجموعة الفضفاضة من أعضاء الميليشيات، والمقاتلين الأجانب، والمنشقين عن الجيش التي نمت بسرعة من حيث الحجم والقدرة على مواجهة قوات الأسد الأمنية.

وكانت وكالة رويترز قد كشفت مؤخراً عن تورط المخابرات المركزية الأمريكية السري مع الجيش السوري الحر في تركيا، وكيف أن الإدارة سمحت لمنظمة أمريكية بتحويل الأموال للقوى المعارضة السورية.

بيد أن مثل هذه التحركات لا تضع الإدارة الأمريكية إلي جانب كل فئات المعارضة المناهضة للأسد، وإنما مجموعة فرعية معينة من هذه الحركة المعارضة التي أعطت الأولوية للصراع العنيف قبل أي بدائل أخرى.

فهي لا تعتبر أن الإنتفاضة المسلحة للاطاحة بالدكتاتور هي بالضرورة عمل غير شرعي، فكثير من الثورات الناجحة والملهمة اتبعت نهجاً مماثلاً. ومع ذلك، يمكن القول إن الإنتفاضة المسلحة في سوريا هي المكون الأقل شرعية للثورة التي بدأت منذ سنتين في البلاد.

فمنذ البداية، اضطر "المتمردون" للإعتماد على المعدات والتمويل وحتى القوى البشرية من مصادر خارجية، وجاء ذلك غالباً من الدول الإستبدادية المجاورة التي لا تتوقع وجود ديمقراطية في سوريا ما بعد الأسد، أو من اللاعبين الدوليين ممن لهم سجلات كارثية تتعلق بالمشاركة والتأثير في شؤون الشرق الأوسط السياسية.

وفي هذا السياق، لا توجد مؤشرات على أن ذلك سيكون مختلفاً بشكل جوهري عن المحاولات الأخرى-التي لا تعد ولا تحصى– والتي فشلت قبل ذلك.

هذا ويدرك أنصار التدخل العسكري الدولي في سوريا جيداً هذه المخاطر، وإن كان بعضهم قد اختاروا تجاهلها. ومع ذلك، تدعي الأغلبية بأن هذه التعقيدات هي ثمن ضروري في غياب أي بديل آخر. فبدون التدخل الخليجي والغربي، كما يقولون، فإن مصير المعارضة هو الهزيمة، وهو ما من شأنه أن يؤدي حتماً إلى حمام دم لشعب سوريا.

هذا الادعاء يناقض حقيقة أن العصيان المسلح ليس هو الطريقة الوحيدة لإسقاط نظام الأسد، وأن تعزيز الجماعات المسلحة يقوض الطرق البديلة لحل النزاع بشكل مباشر.

وتشمل المعارضة عدداً من الأشكال المختلفة، مع تكتيكات متباينة على نطاق واسع، واختلافات تتناسب مع الفعالية والشرعية. فمن الواضح أن المظاهرات الشعبية في سوريا قد إختفت مع تمكن التمرد المسلح من السيطرة والبروز.

ويشير الحس الشعبي إلى خيبة الأمل لدى الكثير من السوريين من العصابات المسلحة التي "اختطفت" انتفاضتهم، والتي يحتمل أن تكون لخدمة مصالح بعض القوى الأجنبية التي تحمل خططاً خاصة بها لسوريا.

فقد حذر تشارلز غلاس، كبير مراسلي الشرق الأوسط السابق لوكالة إيه بي سي نيوز، والذي عاد مؤخرا من سوريا، بأن المعارضة السورية الشعبية الديمقراطية "قد صمتت وسط أصوات المدفعية ونيران البنادق".

كما هناك شعور بآثار الانتفاضة المسلحة في جميع أنحاء المنطقة. فبالإضافة إلى تدفق اللاجئين إلى تركيا ولبنان والعراق بأعداد كبيرة، عملت الأزمة السورية كمحفز لاشعال التوترات الكامنة في الدول المجاورة لها، وهو تطور خطير لا سيما على التوازن السياسي الهش في لبنان.

ففي اشتباكات يوم 22 الحاري، قتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص في تبادل لاطلاق النار بين الفصائل الموالية للأسد ومعارضيه في طرابلس، وكانت لبنان موقعاً لعدد من عمليات خطف الأفراد السوريين رداً على خطف اللبنانيين في وقت سابق بسوريا.

في هذا السياق يعتبر تغير موقف واشنطن في التعامل مع الأزمة أمر خطير بشكل خاص: فالدعم الصريح للمعارضة المسلحة قد غطى على جميع البدائل.

وقد أدى ذلك لإبعاد المعتدلين والنشطاء السلميين، وجزء كبير من الشعب السوري الذي لا يكن التعاطف مع بشار الأسد، ولكن ليس له مصلحة في رؤية الدولة السورية مستقبلاً تتبع رؤية دولة قطر، والمملكة العربية السعودية أو أمريكا.

الأهم من ذلك، فقد شجع ذلك المتمردين على مواصلة المسار الذي سيؤدي حتما إلى مزيد من العداء وسفك الدماء والإنهيار الإجتماعي.

فالمسار الحالي يعطي السلطة والشرعية السياسية –دون داعي- للأطراف الفاعلة الخارجية والتي لا يهمها ما يحدث من تدهور مستمر في سوريا نحو المزيد من الفوضى، بل التحمل والإنتظار لتحقيق أهدافها المتطرفة لأنها ليست هي التي تتحمل التكاليف الحقيقية.

أما النظام السوري فهو يتعرض أيضاً لمحاولات الإلتفاف الروسي والإيراني للحفاظ على مواقعهما الإستراتيجية، فقد طرحتا علنا فكرة استقالة الأسد، ودعتا إلى بدء حوار مع جماعات المعارضة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة متحررة من حلف الضرورة مع الغرب؟

مطاع صفدي

القدس العربي 26/8/2012

ربما كان علينا أن نشكر الرئيس أوباما أخيراً أنه ترك لسانه ينطق بحقيقةٍ كان يخفيها دائماً، وهي أن السياسة الأمريكية أرادت لثورة سورية أن تنحرف كلياً عن أهدافها الأصلية، وتتحول إلى مجرد فوضى هدامة أو تصبح هي ضحية هذه الفوضى، ومن ثم يعيش المجتمع السوري كارثةَ النهاية في شتى مناحيه الإنسانية والمادية.

فقد أصبحت حقيقة التعطيل الأمريكي لأي قرار حاسم يضع حداً للتذابح في سورية، أشبه بمسلمة واضحة في عين كل رقيب نزيه، إذ كان يمكن أن يُسجن وحش العنف في قفصٍ ضيق منذ بدايات التفجر الأعمى لفصوله الدامية، كان يمكن أن يُنقذ الشعب العربي السوري من أفظع محنه المعاصرة لو أن هذا الذي يسمّى بالمجتمع الدولي انصاع قليلاً إلى صوت ضميره، لكن سياسة ما يسمّى بالتدخل الدولي لا تتحقق إلا عندما يكون منطق المصالح هو سيد التفكير والتخطيط والتنفيذ، بما يضمن دائماً اختطاف منجزات الشعوب في لحظاتها التاريخية الحاسمة قبل أن تصل إلى وقائعها المنتظرة؛ فإذا كانت روسيا هي المتهمة الأولى بالتعطيل الدبلوماسي، كان يمكن لبقية أبطال المجتمع الدولي الخرافيين أن يبتكروا الطريقة المؤدية بأسرع وقت إلى دحر مؤامرة تهديم سورية، وتحييدها تاريخياً وسياسياً.

أوباما وضع شرطاً لتدخّله أخيراً، هو تحريك الأسلحة الكيماوية من قبل النظام الموشك على الانهيار كآخر وسيلة دفاعية، بمعنى أن قتل آلاف الناس وتشريدهم وتجويع أطفالهم وارتكاب أعنف مجازر التاريخ المعاصر، كان أمراً مباحاً بنظر أوباما ما دام لا يحرك سلاحاً قد يعتبر خطراً فقط على إسرائيل، وليس على الشعب الممنوع من أبسط حقوقه الدفاعية عن ذاته ليس بفعل عدوه المباشر فحسب، ولكن تحت تأثير أبطال المجتمع الدولي، وعلى رأسهم هذا السيد أوباما الذي من أجل أن يكسب أصوات صهاينة أمريكا في الانتخابات القادمة تبرع لشيطان القتل بجولات لا تعد ولا تحصى في القضاء على الأبرياء. فالنظام الموشك على الانهيار لم يعد يحارب من يسميهم بالإرهابيين، أصبحت مجتمعات القرى والمدن هي عدوه المباشر، يمطرها بقنابله ليلاً نهاراً، خسارته أمام عشرات أو مئات من الشباب الثائر، يعوّض عنها بالانتقام من الجماهير المسالمة، وتدمير بيوتهم على رؤوس نسائهم وأطفالهم.

إنه بكل بساطة يحقق عملياً هذا الشعار الشيطاني: 'الأسد أو لا أحد'، إنه مقبل على إبادة ملايين من الشعب السوري، وهو لن يتقاعس أبداً عن استخدام أفظع ما لديه من أسلحة الدمار الشامل. لن يستخدمها أبداً ضد حليفه الموضوعي إسرائيل، بل هي معدة فقط للاستهلاك المحلي، أي لابادة الشعب السوري، فلماذا يخاف أوباما أخيراً على حبيبته المدلّلة (دولة الصهاينة)، ما دام النظام قد أخذ على عاتقه اجتثاث الدور التاريخي الأساسي للشام وأهلها في الدفاع عن فلسطين منذ قيام دولة إسرائيل.

سوف يتحرك الغرب أخيراً ببعض التدابير الجريئة التي يطالبه بها الرأي العام في بلاده إزاء الظلم غير المعقول الذي يلحق بالقطر السوري. في أوروبا تظهر حركات الغضب ضد حكامها القادرين على فعل كل شيء، ولكن العاجزين عن فعل أي شيء حقيقي بالنسبة للظلامات الكبرى التي تقع على عاتق الشعوب المعزولة عن كل وسيلة دفاع حقيقية، والتي كان الغرب هو السبب دائماً في جعلها ضعيفة ومستكينة؛ منتصراً لطواغيتها، على حساب آمالها الوطنية والقومية العادلة.

هذه الفئة من الحكام التي حان الوقت لسقوط سلطانها، لكن ساسة الغرب لا يعرفون ماذا يفعلون إزاء هذه الظاهرة المحتومة، فهم واقعون بين المطرقة المتمثلة في تحول التاريخ وسندانها المتمثل بضرورات المصالح الاستعمارية المتجددة دائماً.

دأبت أمريكا على نوعٍ من التدخل السلبي عملياً بمنعها كل مساعدة حقيقية عربية أو إسلامية تُمنح إلى ثوار سورية، ومع ذلك فالكفاح لم يتوقف، وقد اكتشف لذاته طرقاً كثيرة في التزود بما يمكنه من وسائل الدفاع والهجوم الذكي على زبّانية الطاغوت.

كانت سياسة الغرب طيلة هذه الأشهر الدامية تتحدد في عدم الانتهاء من الثورة من جهة، ولكن في تعجيزها عن بلوغ غايتها في التحرر الكامل من جهة أخرى.

صار واضحاً أن الهدف كان هو الانتهاء من أساسية الدور السوري في المنطقة، وإغراق البلاد في بحر من الدماء والفوضى، فأمريكا تكرر درس العراق بطريقة أخرى.

أوباما يبدو أكثر ذكاء وحنكة من سابقه بوش، إنه لا يلوث عسكره في الجحيم السوري، بل يترك الناس في هذا البلد يتقاتلون إلى مالا نهاية، حتى تنعدم كل نزعة نحو المقاومة والممانعة الأصليتين البعيدتين عن نفاق المساومة بين أيدي الأنظمة الكاذبة.

بالمقابل صار أمراً محتماً أن تعيد المعارضة النظر في أكبر خطيئة استراتيجية ارتكبتها، وخاصة منها بعض فروعها المغتربة خارج البلد، عندما سلّمت أوراقها إلى هذا الغرب منذ البداية، فهل كانت حقاً مضطرة إلى عقد هذا التحالف الموصوف بالضرورة مع العدو الأول لأي مشروع تغيير شعبي جذري يدخل تاريخ العرب المعاصر، فلم يكن معقولاً أبداً أن يتحالف الحمل مع الذئب وضد الذئب الآخر، ومع ذلك لا يزال بعض هذه المعارضة يعقد آماله العظيمة على تحقق النصر بالاعتماد على أعدائها التاريخيين، فالثورة قد تستعمل الدبلوماسيات أحياناً، وقد تضطر إلى التصالح مع صنف معين من الأعداء ضد صنف آخر أخطر، لكن حرية الشعوب لن يتبرع بها حراس السجون الكبيرة لضحاياهم مجاناً.

كان يمكن للغرب أن يُوقف هذا العنف المجنون قبل أن يقضي على هذا السيل العارم من ضحاياه، وهذه حقيقة بسيطة لا تحتاج إلى براهين استخبارية، فقد اختار الغرب استراتيجية أن يستهلك الشعب السوري ذاته، وأن يقنن الغرب مساعداتِه، حتى يتفجر الجنون الدموي في أعنف فصوله.

وهكذا كان إلى درجة أن الشعب قد يصل به الأمر إلى الكفر بكل شيء حوله. ومع ذلك يحدث العكس، إذ تضاعف إيمانه بقدرته على إنتاج حريته بيده، بلحمه ودمه. إنها الثورة العربية الوحيدة اليوم التي تستمد مشروعيتها الكلية من صميم نضالها اليومي، من هذه القدرة العجيبة على الصمود والتضحية. فالنظام هو الذي يتهرّأ داخلياً، في حين أن الثورة تتجذر روحياً ومادياً في حياة الشعب وفي واقعه المؤلم، لكنه الواقع الشامخ بكرامة الإنسان والعدالة.

يجيء الوسيط الجديد الأخضر الإبراهيمي إلى الساحة متهيباً مما سوف يصادفه من الأبواب الموصدة سلفاً في وجهه، لعله يحصر جهده الآن في محاولة ابتكار هدنةٍ ما يمكنها أن تفرض قانونها الخاص على الطرف الظالم ليكفّ عن مسلسل قتل الناس الأبرياء على الأقل. هل يمكنه حقاً أن يُوقف هذا الوحش عن استخدام أنيابه في نهش اللحم الحي؟

ذلك هو السؤال الأصعب، فليس ثمة هدف عاجل مثل المحاولة الجادة لمنع القتل، ماذا يتبقّى لذلك الوحش من وسائله إن تمَّ حرمانه من دباباته ومدافعه. فهذا الوسيط الجديد تسبقه تجاربه الكثيرة الناجحة في فضّ معضلات الحروب الأهلية وأشباهها، ولكن يشعر أنه ربما يُصادف أكبرها وأعقدها حيال الأزمة السورية الراهنة، لعل ضميره الإنساني هو الذي يحركه رغم وعيه الكامل بالصعوبات المنتظرة.

لا يمكننا إلا أن نشجعه، آملين أن تكون له القدرة على ابتكار الحلول، وأهمها ولا شك، هو تحييد عناصر الشر الأولى القائدة لمراحل العنف الراهن. ذلك أن النظام وصل إلى الدرجة الأدنى من ثقته بامكانية الاستمرار مع بعض من تبقى من عقلائه، الذين يفكرون جدياً بابتكار وسيلة لانقاذ ما يتوفر من أمنهم الشخصي. وربما أصبح الحل السلمي شرطاً ضرورياً حتى لبقايا هذا النظام كيما يتجنب النهاية الأبشع.

سورية اليوم لا تريد انتقاماً بقدر ما هي عازمة على تدمير سجونها بالخلاص من مركّب الاستبداد/ الفساد، وثورتها هي محاولةٌ مشروعة لانقاذ إنسانيتها المسحوقة، همها الأخير هو توفير ما أمكنها من إمكانيات شعبها من أجل إعادة بناء ذاتها حرة كريمة عند نفسها أولاً، وذلك هدف لم يعد بعيداً عن الظروف الحالية ما دامت الثورة تعتمد أساساً على قوتها الذاتية، ولن تسمح للغرب أو سواه أن يستغل انتصاراتها القادمة، فإنها هي الأوْلى أن تكون حرة في سلامها القادم كما كانت حرة وقوية خلال نضالها العظيم والدائم.

' مفكر عربي مقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري في محنته: المسؤولية العربية!

وليد جداع

الحركة الدستورية السورية 2012/08/29

كان السيد بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني ، واضحا تماما في موقف إيران من الشعب السوري: إن بشار الأسد جزء من المنظومة الإيرانية السورية –حزب الله .. وإن إيران مستعدة للقتال مع الأسد مباشرة في معركته(ضد الشعب السوري). وقد كانت قيادات إيرانية من قبله قد أطلقت مجموعة متشابهة من التصريحات الرسمية والبيانات تؤكد على المعنى ذاته، مثل تصريحات السيد صالحي وزير الخارجية الإيراني ونائبه وسفير إيران في لبنان وأركان من القيادات العسكرية والحرس الثوري الإيراني...

تصريحات كلها تعلن بالفم الملآن أن ما يجري في سورية هو مؤامرة، وأن إيران ستمضي مع الأسد حتى النهاية ، حتى إذا اقتضى الأمر قتالا مباشرا مع قوات الأسد ضد الشعب السوري. ....هذه المواقف المعلنة والمفهومة والتي وطأة الواقع المعاش والمتحقق والمنفذ فعليا منها أكبر بكثير، في حجم وقوفها مع القتلة في دمشق، لا تضيف جديدا إلى معلومات الشعب السوري ومعارضته ، ولا تزيد كثيرا من تأكيد أن إيران تقود المعارك هي نفسها ضد الشعب السوري وانتفاضته. ...والشعب السوري أدرك جيدا ومنذ اللحظة الأولى لثورته وانتفاضته، أن إيران متورطة في قتاله ومعاناته، وأن الخبرات والموارد الإيرانية تتقاطر على آل الأسد ، ولا ينسى السوريون تصريحات رأس النظام الإيرني وولي الفقيه فيه السيد خامنئي، التي تعادي الشعب السوري وترى ثورته جزءا من المؤامرة المزعومة ضد سورية.

لكن هذه المواقف الإيرانية ، لا تستهدف التنكيل بالشعب السوري وحده والقضاء على ثورته وانتفاضته فحسب. بل هي تستهدف من وراء ذلك العرب والمسلمين قطرا قطرا ومرحلة مرحلة! ويكفي فقط أن نعيد للأذهان هنا تصريحات الإيرانيين والسوريين واللبنانيين الموالين لهم ، تجاه بعض الدول العربية والإسلامية ، التي أظهرت شيئا من العطف على الشعب السوري في محنته، لنرى حجم الكراهية والحقد ، والعنصرية والوقاحة ، التي تقف خلف هذه التصريحات والمواقف...هل نذكر بأشباه الرجال والأعراب وعربان الخليج والإمارات النفطية وغيرها من مفردات وتعابير في غاية القبح والسوء، كانت كامنة في الصدور ثم أطلقت دفعة واحدة، حين دنت ساعة الحقيقة!

وفي مزيد من المصارحة والتبيين ، ينبغي الموازنة قليلا بين التصريحات الإيرانية اللبنانية الأسدية هذه، وبين التصريحات العربية الخجولة التي أعلنت مرات قليلة لصالح الشعب السوري، لنرى التباين الهائل بين هاتين المجموعتين من التصريحات والمواقف. إن تصريحا وحيدا للأمير سعود الفيصل عن تسليح المعارضة السورية، وتصريحا آخر مشابها من وزير خارجية قطر عن حجم معاناة الشعب السوري وضرورة التدخل الدولي لإنقاذه من محنته.و تصريحات قليلة جدا فقط من هذا النوع من تلك الجهة العربية أو تلك، أثارت حفيظة الإيرانيين وأقامت قيامتهم ولم تقعدها، بينما هم مستمرون ليل نهار في زياراتهم العلنية والسرية لسفاحي دمشق، يؤكدون لهم في كل مكان ومجلس ، أنهم معهم حتى النهاية، ويقومون بحملات دعاية سياسية سوداء لا تنتهي تعادي الشعب السوري ، وتمتهن كفاحه ونضاله من أجل حريته.

وإذا انتقلنا إلى جانب أكثر مرارة وإيلاما، وأكثر إحراجا ربما، فإن من الضرورة الموازنة بين الدعمين الماديين المقدمين من إيران وحزب الله للقتلة في دمشق، والمقدم من الدول العربية والإسلامية الشقيقة المتعاطفة مع الشعب السوري!

إن الدعم الإيراني المادي معلن ومكشوف، وإن الإيرانيين الذين يكذبون كثيرا في دعواتهم لحل الأزمة السورية بالحوار، إنهم هم أنفسهم يتحدثون عنه ويقرونه وإن لم يذكروه بالتفصيل..وإذا كانت التصريحات الرسمية تعلن عن الاستعداد للقتال من أجل بقاء القتلة في دمشق وترسيخ سيطرتهم على الشعب السوري، فنستطيع أن نتوقع كل أنواع الدعم المادي من مال وسلاح وذخائر وعتاد. أما إذا انتقلنا للضفة الأخرى ، فسنصاب بخيبة الأمل والمرارة دون شك، مع احترامنا البالغ وتقديرنا لكل كلمة وموقف ودعم مادي ومعنوي، فالشكر هو أقل الواجب هنا . والشعب السوري لن ينسى أية يد حانية ربتت على كف أم مكلومة فقدت أبناءها بقنابل أطلقتها قنابل سفاحي دمشق. أو دمعة حزينة ذرفت على طفل اغتالته رصاصات قتلة دمشق وطهران وحزب الله....لن ينسى الشعب السوري من آوى نساءه الهاربات من جحيم القتل والقذائف والاعتقال والاغتصاب ...ولن ينسى قوافل الخير التي انطلقت من جهات عدة صوب مخيمات اللاجئين السوريين في منافي السوريين الجديدة على طوال الحدود. ولن ينسى كل ليرة سورية أنفقت عليه سرا أو علنا ، بليل أو نهار...كل ذلك لن ينساه الشعب السوري، وسيكون دينا في ذمته ...ولكن الحقيقة المرة التي ينبغي التصريح بها للإخوة والأشقاء والأصدقاء، أن معاناة الشعب السوري ومصائبه ومرارته على أيدي قتلة دمشق وإيران وحزب الله أكبر بكثير مما قدم إليه حتى الآن. وأن الدور المقاوم الذي يقوم به الشعب السوري من أجل حريته، هو من أجل الشعوب العربية والإسلامية أيضا، ولصالحها ومستقبلها، وليس من أجل الشعب السوري فقط.

إن الشعب السوري في مقاومته للقتلة في دمشق وقم وطهران وحزب الله ، يدفع الأذى عن شعوب عربية وإسلامية كثيرة... إن حال بشار الأسد مع الشعب السوري أنه سيحاربه حتى النهاية ولودمرت سورية عن بكرة أبيها. أما حاله وحال محالفيه تجاه من تعاطف مع الشعب السوري أو من سكت ونأى بنفسه عنه، فهو أنهم سيعودون إليهم ذليلين مهانين بعد جلاء المعركة ، وأن بشار الأسد سيستقبلهم على مضض في القصر الجمهوري من جديد!

على الأشقاء العرب والمسلمين المتعاطفين مع محنة الشعب السوري أن يعودوا قليلا إلى تصريحات مجرمي دمشق وحلفائهم ، منذ سنوات ليروا أن هؤلاء ينتظرون الفرصة للانقضاض عليهم بلدا بلدا وقطرا قطرا وشعبا شعبا...وإن من مصلحة هؤلاء العرب والمسلمين ، إن لم يكن بدافع الأخوة والإيمان والإنسانية، بل بدافع المصلحة المحضة، أن يكون وقوفهم إلى جانب الشعب السوري ومقاومته أكثر قوة وعزيمة وإصرارا.

إن على الدول العربية والإسلامية جميعا ، أن تدرك حجم الأخطار التي يمثلها قتلة دمشق وطهران وحزب الله، وأن يبادروا دون تردد أو تهيب أو وجل، إلى النزول إلى ساحة المعركة بكل جدية ومسؤولية، لانستثني من ذلك قطرا أو بلدا أو شعبا! إن عليهم إمداد الشعب السوري بكل قواهم من مال وسلاح وقدرات، فهي معركتهم جميعا من أندونيسيا شرقا إلى المغرب وموريتانيا غربا...وانتصار الشعب السوري هو انتصار للحق والحرية والكرامة أولا ، وهو انتصار للعرب والمسلمين والإنسانية جميعا.

إذا سقط الشعب السوري، لا سمح الله، فإن سفاحي دمشق وقم وطهران وحزب الله، لن يكتفوا هذه المرة بالشماتة والشعور بالزهو والانتصار..إنهم لا شك سيهيئون أنفسهم لغزوة جديدة لشعب عربي أو مسلم جديدـ وستكون سكاكينهم هذه المرة أمضى وأشد فتكا! إن حكام دمشق وطهران وحزب الله، الذين يتقاسمون الأدوار اليوم مع العدو الإسرائيلي في تدمير سورية وإركاع شعبها على مرأى من العالم كله ومسمع، لن يضيرهم إعادة إنتاج هذه الأدوار من جديد، بأكثر من إخراج وطريقة وأسلوب.وستكون الساحة الدولية حينها أكثر من مهيئة لهم وممهدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اوكسجين النظام.. الدعم الروسي والإيراني

2012-09-03 12:00 AM

الوطن السعودية

في كل مرة يكون النظام السوري على حافة الانهيار يأتيه الإنقاذ من محور موسكو – طهران.

فوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، يرفض أن يكون الرئيس بشار الأسد المبادر إلى إعلان وقف النار، حسب الخطة التي باشرها الأخضر الإبراهيمي، وكأنه يوجه النظام السوري إلى رفض المحاولة الأولى التي سيبنى عليها في الأيام المقبلة، وإشارة أخرى إلى النظام للاستمرار في العنف ضد شعبه، واستمرار الحملات الأمنية التي لم يشارك بها حتى الآن السلاح الكيماوي الذي كثر الحديث مؤخرا عن المخاطر التي قد تترتب على استخدامه، ليس فقط ضد الشعب السوري، وإنما ضد السلم العالمي.

ماذا يقصد الوزير الروسي من تصريحه، ولماذا يعطي جرعة الحياة للنظام وهو على حافة الانهيار؟

وهل صفقة سلاح من هنا وامتياز عسكري لروسيا على ساحل البحر المتوسط، كفيلان بالتخلي عن المبادئ الإنسانية التي تفرضها المؤسسات الإنسانية والمعتمدة من قبل الحكومات التي تعتبر نفسها مدافعة عن حقوق الإنسان؟

أسئلة برسم القيادة الروسية التي بمواقفها هذه، تكون شريكا في عمليات القتل التي يقترفها النظام ضد شعبه.

ويتناغم الحراك الروسي مع الشريك الآخر في حرب النظام السوري على شعبه، حيث إن طهران التي تزعمت مجموعة دول عدم الانحياز للسنوات الثلاث المقبلة، قد بدأت رحلتها بسوق الأكاذيب وتشويه الحقائق قبل أن تنتهي القمة التي استضافتها، عبر لعبة إعلامية مفضوحة، لم تنطل على من تابع كلمات الرؤساء التي ألقيت في القمة، عندما حرفت خطاب الرئيس المصري محمد مرسي باستبدال ما يرتكبه النظام السوري ضد شعبه، بمملكة البحرين، وفي ذلك تشويه متعمد لحقيقة ما قصده الرئيس المصري.

ولكن الإعلام الإيراني الذي اقترف التزوير، وقع في شر فعلته، دون أن يبرر انسحاب الوفد السوري عندما كان مرسي يلقي كلمته, فالتطرق إلى مملكة البحرين ما كان ليزعج وليد المعلم على كل حال.

إن الدفع الذي أعطاه النظامان الروسي والإيراني لبشار لا يمكنه إنقاذ النظام، فالحقيقة الساطعة تقول إن أيام النظام باتت معدودة، وإن حبل الكذب لا بد أن ينقطع في لحظة من لحظات التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية..دعم خليجي للشعب السوري

الراية

3-9-2012

جدّد اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي عُقد في جدة أمس دعمه ووقوفه إلى جانب الشعب السوري في محنته في وقت واصل فيه النظام السوري استخدام القتل والعنف كوسيلة للردّ على مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.

الاجتماع الوزاري الخليجي أدان استمرار عمليات القتل والمجازر التي يتعرّض لها الشعب السوري الشقيق في جميع أرجاء سوريا، نتيجة لإمعان النظام في استخدام جميع الأسلحة الثقيلة بما فيها الطائرات والدبابات والمدافع، داعيًا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته واتخاذ إجراءات فاعلة لحماية المدنيين السوريين.

لقد جدّد الاجتماع الوزاري تمسكه بالقرارات الصادرة بشأن سوريا من المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية الذي عُقد في الدوحة بتاريخ 23 يوليو 2012م، ومن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 3 أغسطس 2012م، ومن قمة منظمة التعاون الإسلامي الاستثنائية، التي عُقدت في مكة المكرّمة بتاريخ 14-15 أغسطس 2012م، التي أكّدت جميعها ضرورة تحقيق انتقال سلمي للسلطة في سوريا يحفظ أمنها واستقرارها ووحدتها ويلبي إرادة الشعب السوري المُطالب بالحرية والتغيير.

الوضع الإنساني المؤلم في سوريا كان في أجندة الاجتماع حيث أكّد وزراء خارجية دول مجلس التعاون ضرورة العمل على تقديم كل أنواع الدعم المطلوبة للشعب السوري وتكثيف الجهود العربية والدولية لحقن دمائه وإيصال الاحتياجات الإنسانية العاجلة له.

إن موقف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تجاه الأحداث في سوريا ينطلق من رفضها القاطع لقيام النظام باستخدام القتل كوسيلة للردّ على الثورة الشعبية التي تشهدها سوريا منذ أكثر من سبعة عشر شهرًا. وحرصًا منها على الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها وخشية من انزلاقها إلى حرب أهلية طائفية ليس فيها فائز سوى أعداء سوريا وأعداء الأمة العربية.

لقد أضاع النظام السوري كل الفرص التي أُتيحت على مدى أكثر من عام ونصف العام لتحقيق تغيير سلمي في سوريا يستجيب لطموحات ومطالب الشعب السوري العادلة والمحقّة، حيث أصرّ على انتهاج الحل العسكري كوسيلة لقمع الاحتجاجات الشعبية مع ما تخلل ذلك من مجازر ارتكبت بدم بارد في العديد من المدن والبلدات السورية؛ ما اضطر الشعب السوري لاستخدام السلاح للدفاع عن نفسه في وجه نظام قاتل لا يُقيم وزنًا للحياة البشرية.

إن أي حديث عن حوار أو تفاوض يمكن أن يجري بين النظام الذي يرفض وقف العنف وحقن الدماء والذي لم يلتزم بمبادرة المبعوث العربي والدولي السابق كوفي عنان وبين المعارضة السورية لا يمكن أن يكون إلا ذرًا للرماد في العيون إذ لم يعد أمام النظام السوري الذي بات يعيش عزلة دولية خانقة وأصبح يتفكك ويتآكل بفعل الانشقاقات النوعية سواء العسكرية أو المدنية إلا التفاوض على تسليم السلطة إلى الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حدود لبنان وسورية ... هل تأتي القوى الدولية؟!

بينة الملحم

الرياض

3-9-2012

جاءت كلمة وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني وائل أبو فاعور في مجلس الأمن لتوضح مستوى الانقسام في لبنان حول الثورة السورية. كان الوضع بالنسبة له مرتبك، والكلمة أراد من خلالها إرضاء الحكومة التي تشكّلت من أطرافٍ مواقفهم متضاربة من الثورة السورية. حزب الله مع النظام السوري قلباً وقالباً، بينما بعض الأحزاب الممثلة بالحكومة تستحي من الوقوف تماماً مع النظام السوري، وأقصد بالتحديد نجيب ميقاتي الذي تستقطبه الأطراف ويحاول أن يأخذ بمبدأ "النأي بالنفس" المصطلح المحبب لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.

والنأي بالنفس هو موقف رمادي، موقف لكن من دون موقف، على عكس الموقفين الواضحين، موقف تيار 14 آذار الذي يقف تماماً مع الثورة السورية، وبين موقف حسن نصر الله الذي يعتبر ما يجري في سورية جهدا حكوميا للقضاء على الإرهاب.

كلمة أبو فاعور حملت الكثير من النقد للنظام السوري، حتى وإن كان النقد حييّاً وذلك انطلاقاً من من كونه ممثلاً لكل الحكومة وهي بأكثرية 8 آذار وأستثني وليد جنبلاط الذي يأخذ مواقف يفضل أن يسميها هو "متمايزة" عن الاصطفافات الموجودة لدى التيارات. جنبلاط له مواقف كثيرة تدين النظام السوري وتؤيد الثورة السورية منذ اندلاعها.

صحيح أن النبرة تخفّ ثم ترتفع وهكذا غير أن موقف جنبلاط العميق أنه مع الثورة السورية وحق الشعب السوري بالحرية والمستقبل خارج نطاق النظام السوري الحالي.

الموقف اللافت الأخير من لبنان عن الثورة السورية، ما أعرب عنه حزب الله من رفضه القاطع لنشر قوات دولية على الحدود اللبنانية - السورية ووصف نائب أمينه العام نعيم قاسم طلب نشرها ب"المشروع الصهيوني".

وقال نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم، إن حزبه يرفض تدخل لبنان في الشؤون السورية، ويرفض رفضا قاطعا استقدام قوات دولية إلى الحدود الشمالية، وهي مشروع صهيوني بامتياز لتخريب لبنان كما سورية، ودعا إلى ترك الشعب السوري لخياراته الداخلية بالحوار والتعاون بعيداً عن أي تدخل أجنبي أو عسكرة الحلول أو تصفية الحسابات..

ويأتي موقف قاسم هذا رداً على كتلة المستقبل النيابية التي يتزعمها رئيس الحكومة السابقة سعد الحريري والتي طالبت الأسبوع الماضي بنشر قوات دولية على حدود لبنان مع سورية!

علماً أن نشر القوات الدولية على الحدود السورية ضرورة، إذا ما أخذنا التجاذبات الأخيرة بعين الاعتبار، إذ سقطت 25 قذيفة مدفعية على الأقل في بلدة لبنانية محاذية للحدود بين البلدين بعد إطلاقها من الجانب السوري ما أدى إلى إصابة شخص بجروح ووقوع أضرار مادية، حسبما أفادت مصادر أمنية لوكالة الصحافة الفرنسية.

بل وأصابت القذائف قرية منجز الواقعة في قضاء عكار شمالي لبنان، وفقا لمختار القرية طوني أنطونيوس الذي أشار إلى إصابة منزل بقذيفة ووقوع أضرار مادية فيه.

طبعاً تتهم السلطات السورية "إرهابيين" بالتسلل من لبنان إلى سورية، كما تتهم تيارات لبنانية بتهريب سلاح إلى المعارضة السورية!

النظام السوري يحاول أن يستقوي بحزب الله ضد نشر القوات الدولية على الحدود، لأن نشرها يحاصره ويجعل عبثه بلبنان أمراً ممتنعاً، وبطبيعة الحال تبادر القوى الظلامية ممثلةً بحزب الله بأن تدعي أن هذا المشروع هو مشروع صهيوني، وكأن الذي اقترحه شمعون بيريز وليس الرئيس سعد الحريري.

الخلاصة ان النأي بالنفس لن يستمر، فالتجاذب الذي يرغبه النظام السوري واضح، فهو يريد نقل المعركة إلى لبنان، والمواقف الرمادية ستتبخر، والأمم المتحدة عليها أن تنظر إلى هذه المأساة الحقيقية التي تحدث على الحدود وسط تخويف حزب الله من صهينة لبنان!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فرنسا والممرات الآمنة في سوريا

المصدر: صحيفة إزفستيا الروسية

التاريخ: 03 سبتمبر 2012

البيان

قام وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بزيارة الدول المجاورة لسوريا، بغية تقدير حجم المشكلة الإنسانية التي تواجهها تلك الدول، إثر تدفق اللاجئين من سوريا إلى أراضيها.

وبعد تلك الجولات حدد الوزير بشكل واضح، الهدف من اجتماع مجلس الأمن الذي دعت إليه بلاده، وهو ضرورة إيجاد ممرات إلى عمق الأراضي السورية لحل المشاكل الإنسانية.

ولم يحدد فابيوس بشكل دقيق الآلية التي ينوي الغرب بواسطتها حل تلك المشكلات الإنسانية، إذا لم يحصل على موافقة نظام الأسد على إنشاء "ممرات" و"مناطق آمنة"، يمكن أن تشكل في المستقبل قاعدة للتدخل العسكري.

وقال وزير خارجية فرنسا الأسبق رولان دوما، إن رئاسة فرنسا لمجلس الأمن الدولي توفر فرصة ممتازة لإيجاد حل سياسي ناجع في سوريا، ولكن لا بد هنا من الأخذ بعين الاعتبار، أن الفشل سيكون مصير أي حل عسكري قد يُفرض من الخارج.

ويرى دوما أنه لو كان في محل الوزير فابيوس، لوجه الدعوة لكل من روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، لحضور هذا الاجتماع عقده في نيويورك، بالإضافة إلى سوريا.

ويعتقد دوما أن طلب رحيل الرئيس الأسد كشرط مسبق، سيجعل الفشل مصير أي اجتماع لمجلس الأمن. كما أن الإصرار على الممرات الإنسانية ومناطق الحظر الجوي، يعتبر شكلاً من أشكال التدخل العسكري، وهذه التدابير لن تقدم حلولاً طويلة الأمد لمشكلة سوريا وجيرانها.

من جانبه يعتقد السيناتور الروسي روديك إيسكوجين، أن موضوع الاجتماع الذي اقترحته فرنسا (وعقد الخميس الماضي)، يشي بأنها تحاول جس النبض حول إمكانية استئناف عملية المفاوضات في إطار مجلس الأمن، وهو الأمر الذي وصل إلى طريق مسدود جزئياً، بسبب الفيتو الروسي - الصيني الذي استعمل ثلاث مرات ضد مشروع قرارات بخصوص سوريا.

الفرنسيون بدلًا من فرض عقوبات جديدة ضد دمشق، يقترحون الآن الاهتمام بالأوضاع السيئة للاجئين السوريين، الأمر الذي يتطلب - حسب زعمهم- إنشاء ممرات أو مناطق على أراضي الدولة السورية ذات السيادة، بحيث تكون تحت سيطرة قوات عسكرية أجنبية، وهذا ليس سوى محاولة لإضفاء الشرعية على التدخل العسكري الغربي المباشر.

وحسب معلومات المختصين، فقد عقد قبل عدة أيام في أنقرة اجتماع مغلق، ضم دبلوماسيين وعسكريين ومسؤولين في الاستخبارات التركية والأميركية.

والهدف من الاجتماع هو التحضير لتغيير السلطة في سوريا. وأعلن الأتراك من جانبهم، أنهم سيصرون على إنشاء ممرات إنسانية على الأراضي السورية، في حال تجاوزت أعداد اللاجئين المئة ألف شخص.

ولإنشاء تلك الممرات الآمنة، يرى الأتراك ضرورة فرض منطقة حظر للطيران فوق سوريا. أي أن خطر الكارثة الإنسانية يتم استخدامه من قبل الغرب، كغطاء للعمليات العسكرية التي يحضر لها، كما جرى سابقاً في ليبيا.

لو كان الغرب مهتماً فعلاً بإبقاء الوضع في سوريا تحت السيطرة الدولية، لما قام بوقف تمويل مهمة بعثة المراقبين الدوليين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثقافـــة الدم... "الأسدية" نموذجاً

تاريخ النشر: الإثنين 03 سبتمبر 2012

د.خالد الحروب

الاتحاد

علاَّمة حلب ومثقفها النهضوي البارز عبدالرحمن الكواكبي صاغ قبل أكثر من قرن مقولة تُسطر بماء الذهب: الاستبداد أصل كل فساد. وفي عقود القرن الضائع الطويل الذي جاء بعد تلك المقولة، وفي ما عدا سنوات سريعة وجيزة لأنظمة ديمقراطية برلمانية بعيد الاستقلالات، أعرض العرب عن الاستماع لنصيحة الكواكبي وتبنوا عكسها تماماً: احتضنوا الاستبداد عماداً لبعض الأنظمة السياسية التي سادت. وأخذت بعض الأنظمة العربية أشكالًا وتنويعات مختلفة على مقياس الاستبداد فمنها من وصل إلى أقصى درجاته، ومنها من بقي استبداده في درجات أدنى. والاستبداد بكل تنويعاته مدمر ومنتج للفساد، ولكن أبشعه هو ذلك الذي يصل إلى درجة الولوغ والسباحة في دم الأبرياء. وهذا النوع من الاستبداد لا ينتج كل أنواع الفساد وحسب، ولكنه ينتج أيضاً ثقافة الدم ويؤصلها ويجذرها في المجتمع. يحدث ذلك عبر تنمية غرائز الثأر والانتقام ومراكمة الحقد والكراهية. وتتفشى الكراهيات بين شرائح الشعب والنظام، وتصبح "الكراهية مديحاً"، باستعارة عنوان رواية خالد خليفة، التي صورت الواقع السوري الأسدي ومنتجاته ببراعة. ومن هذا المنظور يمكن اليوم قراءة ما يقوم به النظام السوري من إجرام مدهش، وقراءة ممارسة بعض مجموعات المعارضة الانتقامية والدموية أيضاً. ودفعاً لأي سوء فهم فليس المقصود هنا تسطير مساواة "موضوعية سمجة" بين المجرم والضحية، فالنظام الأسدي هو المجرم والشعب السوري بناسه ومعارضته ومقاومته المسلحة (على رغم ما فيها من شوائب) هو الضحية. والنظام الأسدي يحتل اليوم أقصى نقطة دموية في مقياس الاستبداد ويقدم المثال الأكثر بشاعة في المنطقة العربية للاستبداد المنتج لكل أنواع الأمراض الجماعية، وخاصة ثقافة الدم والثأر والانتقام.

وبدايات شرارة الثورة السورية انطلقت في مدينة درعا كما هو معروف في شهر مارس 2011، عقب التعذيب والإهانات التي قام بها محافظ المدينة بحق أطفال دون السن القانونية كتبوا شعارات ضد النظام، مندفعين بروح "الربيع العربي" في تونس ومصر واليمن وليبيا ومتأثرين بها. آنذاك أوقع المحافظ الهمام تعذيباً دموياً بحق الأطفال أدمى قلوب ذويهم، ولما جاءوه على رؤوس قبائلهم للمطالبة بالإفراج عن الأطفال شتمهم وشتم أولادهم "عديمي التربية"! ما الذي أوصل المحافظ العتيد إلى تلك الدرجة من الانحطاط القيمي والأخلاقي والدموي؟ ولماذا تحول إلى ذئب يجلس على كرسي لا يرى في بقية الشعب سوى فرائس يمكنه فعل ما يشاء بها؟ لم يكن ثمة ثورة ولا خطر على النظام ولا مظاهرات عارمة تجوب شوارع درعا آنذاك، فلماذا هذه القسوة البالغة في المعاملة والذهاب إلى الحد الأقصى؟ ليس هناك جواب شافٍ على هذا السؤال إلا بالعودة إلى المنابع الاستبدادية للنظام وكيف تفاقم الطغيان والجبروت والإقصائية والتضخم في الذات السلطوية.

وقسوة محافظ درعا ودمويته أثبتت أنها كانت "أقل" بشاعة مما اعتقده الناس يوم قام بما قام به، بل كانت نسخة محسنة و"لينة" من الدموية التي أطلق حممها النظام ضد الشعب السوري خلال الشهور التي تلت. وقد تكشفت للناس درجات مذهلة من القدرة على سفك الدماء، والذبح، والتمثيل، وقتل الأطفال، وإزالة الحناجر. وقدم النظام وجهه الحقيقي: الشبيحة، وهم حماته والمدافعون عنه، والمستعدون لإبادة كل الشعب لو تمكنوا وذلك في سبيل بقاء الأسد وبطانته في الحكم. أطلق الشبيحة كل ما تراكم خلال العقود الماضية من إرث الدم وثقافة القتل والاستباحة، وأذهلوا حتى أنفسهم بسبب درجات الدموية التي قدموها للناس والمذابح التي أطلقوها ضد أبرياء القرى والمزارع. ثم جاء انفلات الهوس الجنسي ليستغل الفوضى ويترك لمكبوتات سابقة هي خليط معقد لسيكولوجيا فرويدية مريضة ترعرعت في أحضان النظام لا ترى الشعب إلا فرائس سائبة برسم الافتراس... والاغتصاب الذي توافرت ظروفه الموضوعية.

ومسيرة الاستبداد الأسدي خلال الأربعين سنة الماضية تملأ مجلدات بما يشير إلى أن ذلك الاستبداد قام وأنتج ثقافة، وأن المرويات التي لا تنتهي عن حوادث الإجرام وسفك الدماء حتى في سنوات ما قبل الثورة ليست مجرد "سلوكيات فردية" خارجة واستثنائية ولا يمكن الحكم من خلالها على النظام. إن المدافعين عن النظام يحتاجون إلى قدرة خارقة كي يبرروا دمومة ذات الثقافة الانتقامية والاستبدادية التي تحتقر الشعب والأفراد والناس ولا تنظر إليهم إلا كأعداء لا يستحقون سوى الازدراء والاحتقار أو الموت إن عارضوا النظام. ومسيرة الاستبداد الطويلة تلك، وكما كانت مسيرة الاستبداد الصدَّامي النظيرة، تشتغل على تخريب ثقافة الناس أيضاً ونظرتهم إلى ذاتهم، وتسعِّر أسوأ ما فيهم من ولاءات وطائفيات، وتوترات، وتراكم في دواخلهم نزعات الثأر والرغبة الجارفة في الانتقام والرد على كل ما قد تعرضوا له خلال مراحل طويلة. ولهذا فإن ما نراه من سيادة للتطرف والإقصاء والحقد بين الأطراف التي ترث النظام المتداعي يكون في العادة مدهشاً، ومريراً، ومخيباً للآمال في ذات الوقت. ولكن جذور ذلك كله تعود إلى المناخ المسموم الذي يبثه وينشره النظام الاستبدادي ويرعاه. وهو مناخ لا يمكن إلا أن ينتج جيوباً وأفراداً هنا وهناك تنهل من نفس الغريزة الانتقامية والثأرية وإن كانت تأتي من الطرف المقابل. ومن هنا فإن التحدي الأكبر والأخطر الذي يواجه الثورة السورية، مثلما واجه الثورة الليبية، وكما لا يزال يواجه عراق ما بعد صدام حسين، يتمثل في كيفية محاصرة ثقافة الدم، وغرائز الانتقام. ستحتاج سوريا إلى فترة نقاهة طويلة كي تتطهر من الحقبة الأسدية وأمراضها وما ألحقته بأرضها وشعبها وثقافتها، وتستوي على قدميها وتسير إلى الأمام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا..هذا هو الرَّد!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

3-9-2012

قد تكون أكثر من سذاجة سياسية أن يبقى الرهان مستمراً ومتواصلاً من قبل بعض العرب على إمكانية أن تغير روسيا مواقفها تجاه الأزمة السورية وأن «تكفَّ شرَّها» عن الشعب السوري وتوقف تدخلها السافر في الشأن الداخلي لدولة عربية وتضع حداً لمشاركتها المباشرة في سفك دماء السوريين والوقوف خلال الثمانية عشر شهراً الماضية الى جانب بشار الاسد الذي لولا كل هذا الدعم الروسي ،بالقواعد البحرية وبالخبراء وبالسلاح وبالدبلوماسية الصماء المتحيزة، لكان رضخ لمطالب شعبه واختار التنحي ومغادرة مواقع الحكم بطريقة سلمية.

لقد بقي سيرجي لافروف يتصرف على أساس أنه «صقر» الدبلوماسية السورية ،وليس الروسية، وبقي يضع العصي في «دواليب» كل المحاولات العربية والدولية التي بُذلت لحل هذه الأزمة ،التي تحولت الى حرب أهلية مدمرة، سلمياً والمعروف أن موسكو هي التي أفشلت خطة كوفي أنان المعروفة التي نص بندها الأول على ضرورة أن تكون البداية سحب القوات النظامية من المدن وإعادتها الى معسكراتها السابقة قبل أن تبدأ هذه الأحداث التي بدأت في مارس (آذار) العام الماضي.

آخر ما قاله وزير خارجية روسيا في هذا المجال هو :»عندما يقولون بأنه يجب على الحكومة السورية وقف العمليات وسحب القوات والآليات العسكرية من المدن ومن ثم التوجه الى المعارضة فإن هذه خطة غير قابلة للتطبيق إطلاقاً..إنها سذاجة واستفزاز» وهذا يعني ان موسكو لا تريد لهذا الاقتتال أن يتوقف وأنها مصرة على خوض صراعها مع الولايات المتحدة حتى لو لم يبقَ سوري واحد على قيد الحياة وحتى لو لم يبقَ حجر على حجر في كل سوريا.

ولهذا فإنه لابد من القول ومرة أخرى أن السذاجة الحقيقية والفعلية هي أن يستمر بعض العرب في الرهان على إمكانية أن تغير روسيا موقفها تجاه الأزمة السورية وأن توقف دعمها السافر وبكل أشكال وأساليب الدعم لنظام مجرم ارتكب كل هذه المذابح التي ارتكبها في مدن وقرى سوريا كلها واقحم البلاد في حرب أهلية مدمرة وقذرة ستؤدي حتماً إن هي استمرت بكل هذا العنف بإتخاذ منحىً طائفي سيؤدي الى التقسيم الذي هو أم الكبائر فالدول وبخاصة إذا كانت مثل هذه الدولة الروسية لا تفهم لغة العواطف ولا لغة الدبلوماسية الهادئة الناعمة بل لغة المصالح والمعروف أن مصالح موسكو في المنطقة العربية لا تُعد ولا تُحصى.

ولهذا أيضاً فإنه لابد من إمساك روسيا من الذراع التي تؤلمها ولابد ،حتى توقف مشاركتها لبشار الأسد في سفك دماء الشعب السوري وفي تدمير سوريا وتمزيقها ودفعها دفعاً الى الحرب الأهلية والإنقسام الطائفي، من أن يكون هناك قرارٌ عربيٌ بإغلاق السفارات الروسية في العواصم العربية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدولة الملطخة يديدها بدماء السوريين ولابد أيضاً من إنهاء كل أشكال الروابط الاقتصادية مع هذه الدولة التي على رأسها هذا القيصر الصغير فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف الذي أثبت أنه هو مَنْ يقود غرفة عمليات هذه الحرب القذرة التي يخوضها هذا النظام «الطائفي» ،وليس نظام الطائفة، على شعب من المفترض أنه شعبه.

لا يجوز أن تبقى السفارات الروسية تستمتع بكرم الضيافة في الدول العربية بينما فلاديمير بوتين يمعن في المشاركة في تحطيم جماجم أطفال سوريا وتثقيب صدروهم برصاص الأسلحة الروسية وحقيقة أنه عار وعيب ألاَّ تتوجه حراكات الربيع العربي إلى هذه السفارات وتحاصرها كي يدرك الشعب الروسي ،الذي له كل الإحترام والتقدير، كَمْ أن قيادته غدت أياديها ملطخة بدماء أبناء الشعب السوري وكم أن هذه القيادة قد حولت دولته الى دولة بلا قيم ولا أخلاق ولا تتورع في أن تخوض صراعها مع الولايات المتحدة بهذه الطرق الوحشية وعلى حساب شعب آخر هو الشعب السوري ودولة أخرى هي الدولة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا بعد الأسد..

سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

3-9-2012

اختلاف قوى المقاومة وقياداتها واستمرار انقسامها وتشتتها هو خطر على سوريا ومستقبل سوريا واستمرار انتصار لقوى البطش والتقتيل التي يقودها نظام بشار الاسد..

والسؤال اذا ما استمر انقسام قيادات المقاومة وظلت دون مستوى طموح الشعب السوري والتحديات التي تواجهه ..فإن مرحلة ما بعد الأسد ستكون الأكثر خطورة أيضاً، لأن سقوط الأسد لا يعني أن الأمور ستسير بشكل ايجابي ولأن فراغاً كبيراً وخطيراً سوف تغرق فيه سوريا..ولهذا فإن التحدي الكبير هو أن تكون القيادة التي ستحمل سوريا الى بر الأمان جاهزة وقادرة على رد التحديات ومنع قوى اندست على الجرح السوري ولوثته بفعل ما سببه نظام الأسد من تدمير من أن تفرض أجنداتها بعيداً عن ما يتصور السوريون من مستقبل..

بقاء الأسد في السلطة الآن يحوله الى طعم يجري اصطياد سوريا به والى أداة لاشعال الحرب الأهلية وفتح باب تقسيم سوريا الى كونتونات عديدة لطوائف وأعراق..

كيف يمكن قطع الطريق على نظام الاسد الذي يرفع شعار «عليّ وعلى أعدائي»..وشعار إن كانوا يريدون سوريا فإني لن أسلمها لهم الا قاعاً صفصفاً والا أكواما من الدمار، والا بلدا ممزقا يأكل بعضه بعضاً..

شعار نظام الاسد هو «تخرب بنا ولا تعمر بغيرنا» ولذا فإنه يرى الاصلاح الذي يطالب به الشعب السوري منذ بداية ربيع سوريا قبل سنة ونصف يراه مؤامرة ويراه تدخلاً أجنبياً ويرى أنه صاحب الأهلية لاستمرار الحكم ولا أهلية لغيره وانه على استعداد لذبح نصف الشعب وتطهيره من نصفه الآخر ولذا على من لا يريد أن يهرب أو يهاجر أو يرحل وسيكون النظام الاسدي سعيداً لذلك خاصة وان معظم اللاجئين ينتمون لطوائف محددة..

ماذا لو سقط غداً؟ ..هذا ما يجب أن تعمل له المعارضة والمقاومة فهل ستطلب مهلة تنظم صفوفها وتعزز وحدتها وتوحد رأيها في القضايا الهامة والاساسية، وهل ستتركها قوى التدخل الخارجي أو القوى الظلامية والتكفيرية والمعادية لسوريا ودولتها المدنية المأمولة أن تنتظر أو تملك وقتاً؟ أم أننا سنرى أشجار الهالوك وبذوره التي ترش في سوريا الان تأكل كل زرع المقاومة وحصيلة انجازاتها؟..

المقاومة السورية لا بد أن تعمل على صعيدين ..اسقاط نظام الاسد وفي نفس الوقت التخطيط لمعرفة من هي القوى التي سترث هذا النظام وطبيعتها وضرورة أن تكون من مكونات الشعب السوري ومن بنيته الثقافية والوطنية والفكرية حتى لا تخطف سوريا الى الفوضى وإلى المجهول كما حدث في العراق وحتى لا يطول ليل السوريين بعد سقوط النظام ويكون أقسى من ليل النظام الحاكم الان ومن بطشه..

على السوريين أن يدركوا منذ هذه اللحظة وقد قدموا كل هذه التضحيات ودفعوا اثمانا كبيرة وتضحيات عظيمة انهم لا يريدون أن يهربوا من مزراب النظام الى شتاء الفوضى ومن الرمضاء التي تكويهم الى جحيم الارهاب الذي ينتظرهم ان لم يزرعوا الارض السورية مبكراً بالبدائل المعروفة والمضمونة والمتوافق عليها..

ان إطالة المعاناة ليست في مصلحة الشعب السوري وان الخذلان الدولي وحتى العربي للسوريين واعطاء الأسد ونظامه المزيد من الوقت والفرص سيدفع السوريون ثمنه لاحقاً حين يرثون سوريا مدمرة وممزقة ومقسمة تأكل بعضها وتذهب الى تداعيات لا قرار لها..

الرهان هو على وعي الشعب السوري وعلى وطنيته وحبه لوطنه وعلى قدرة ابناء سوريا أن يرصوا صفوفهم وأن يوحدوا أهدافهم وأن يدركوا أنه لن يقف العالم معهم ان لم يقفوا مع أنفسهم ولن ينتصر لهم أي طرف ان لم ينتصروا هم لأنفسهم ووطنهم وأنه «لا يحك جلدك مثل ظفرك» وأن الاعتماد على الآخرين قد يقود الى حسابات غير صحيحة وقد يفتح باب جهنم أكثر من أن يأخذ إلى الخلاص..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران ..خطاب مرسي والثورات العربية

حازم عيّاد

السبيل 2/9/2012

لم يساعد خطاب مرسي أو زيارته لإيران على خلق أجواء من الانقسام والصراع في العالم العربي تجاه القضايا المصيرية كما كان يأمل قادة ايران خاصة التي تأخذ طابعا مبدئيا وأخلاقيا كالقضية السورية والفلسطينية، بما يساعد الطبقة الحاكمة في إيران على خلق أجواء من الاسترخاء والطمأنينة لدى الشارع الإيراني المستغفل والذي لم يعد يعلم بما يجري حوله في العالم العربي إلاّ من خلال عيون الإعلام الإيراني.

بأسلوب فجّ ومثير للشفقة قام المترجم الإيراني بتغيير مضمون خطاب الرئيس المصري محمد مرسي، ليؤكد الشكوك ويهزّ الثقة في السياسة الإيرانية ليس عند العرب وشعوب وسط آسيا فقط، بل وعند كل من شارك في مؤتمر دول عدم الانحياز، وليس من المستبعد أن يمتدّ أثر هذا السلوك الفجّ إلى الدول الحليفة والصديقة لإيران كالهند والصين والبرازيل.

في المقابل برر أحد المراقبين الإيرانيين الأمر بالقول أنّه كان على مرسي أن يناقش هذه الأمور مع الإيرانيين في غرفة مغلقة، السؤال الذي يمكن طرحه هنا أنّه إذا تم تزوير خطاب رئيس دولة في الغرف المفتوحة والجلسات العامة فما بالنا بالغرف المغلقة! وبمعنى آخر ما الذي يضمن أن لا يتم تزوير كل ما يجري في هذه الغرف لإعطاء المزيد من التبرير للسياسات الإيرانية التي تتخذ طابعا أكثر وأكثر عدوانية تجاه العرب في سوريا والخليج العربي؟! ما الذي يمنع العرب من الاعتقاد بأنّ كل المواقف الإيرانية تجاه العالم العربي وقضاياهم المصيرية مزورة بالضرورة.

تعكس هذه الحالة حجم الأزمة التي يعاني منها النظام الإيراني ممثلا بنخبته الحاكمة من خلال محاولته إعطاء شرعية للخطاب الإيراني الموجّه إلى الشعب الإيراني وإلى المنطقة العربية والعالم.

الطبقة السياسية الحاكمة في إيران بنقلها صورة غير حقيقية لخطاب مرسي تؤكد المحاولات الإيرانية المحمومة لتكريس حالة الانقسام السياسي تجاه أهم الملفات المطروحة في الساحة الإقليمية والدولية وهي الملف السوري، وهذا بحد ذاته سلوك سياسي وليس مجرد أخطاء أو نزوة مترجم، فالرسالة الموجّهة إلى الشعب الإيراني مفادها أنّ هناك انقسام كبير في العالم العربي حول القضايا الرئيسية في المنطقة، الأمر الذي يراد له أن يخلق حالة من الطمأنينة الزائفة لدى الشعب الإيراني، هذا على الصعيد المحلي، أمّا على الصعيد الإقليمي والعربي فالمراد الذي لم يتحقق من خلال خطاب مرسي أو زيارته الخاطفة لطهران، كشفه لحقيقة وجود إجماع عربي على حق الشعب السوري في التحرر من نظام الأسد.

لا يمكن التقليل من خطورة السلوك الإيراني في التعامل مع زعيم دولة عربية خرج من رحم الثورة المصرية، فهو سلوك يعبّر عن استخفاف بالثورات العربية وتشكيك فاضح بتوجهاتها المبدئية الداعية إلى إزالة الدكتاتوريات والداعية إلى تحقيق العدالة والحرية لشعوب المنطقة.

كما تؤكد الخطوة الشكوك العميقة والمشروعة حول الدور الإيراني في المنطقة العربية ووسط آسيا، إذ تظهر إيران بمظهر الدولة التي لا تملك أيّ رادع أخلاقي أو محدد مبدئي في التعامل مع جيرانها العرب أو الآسيويين في وسط آسيا كما هو الحال مع العراق وأذربيجان وأفغانستان.

لا شك أنّ السلوك الإيراني استفز مشاعر الملايين من العرب والمسلمين في العالم، بل والشعب الإيراني الذي اكتشف حقيقة إعلامه الذي اعتاد تغييب الحقائق عنه بشكل أكثر منهجية وصرامة عقب الثورات العربية.

لم يعد الخطاب الإيراني التقليدي القائم على دعم المقاومة ومواجهة الشيطان الأكبر كافياً للبناء عليه، بل لا بد من التركيز على السلوك السياسي الإيراني ومدى تقاطع المصالح العربية مع المصالح الإيرانية والبناء على ذلك، وما سواه يعتبر محاولة للهيمنة وفرض الأجندة الإيرانية بكل مفرداتها، ظنا منها أنّ العالم العربي مجرد ساحة فارغة تستطيع طهران ملأها بالخطابات والشعارات، أو بعقد الصفقات والتسويات مع الغرب على حساب العرب ودول الإقليم المحيطة لها كما حدث في كل من العراق وافغانستان في وقت سابق فالحكم والمعيار هو السلوك وليس الشعارات المرفوعه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري في محنته: المسؤولية العربية!

وليد جداع

الحركة الدستورية السورية 2012/08/29

كان السيد بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني ، واضحا تماما في موقف إيران من الشعب السوري: إن بشار الأسد جزء من المنظومة الإيرانية السورية –حزب الله .. وإن إيران مستعدة للقتال مع الأسد مباشرة في معركته(ضد الشعب السوري). وقد كانت قيادات إيرانية من قبله قد أطلقت مجموعة متشابهة من التصريحات الرسمية والبيانات تؤكد على المعنى ذاته، مثل تصريحات السيد صالحي وزير الخارجية الإيراني ونائبه وسفير إيران في لبنان وأركان من القيادات العسكرية والحرس الثوري الإيراني...

تصريحات كلها تعلن بالفم الملآن أن ما يجري في سورية هو مؤامرة، وأن إيران ستمضي مع الأسد حتى النهاية ، حتى إذا اقتضى الأمر قتالا مباشرا مع قوات الأسد ضد الشعب السوري. ....هذه المواقف المعلنة والمفهومة والتي وطأة الواقع المعاش والمتحقق والمنفذ فعليا منها أكبر بكثير، في حجم وقوفها مع القتلة في دمشق، لا تضيف جديدا إلى معلومات الشعب السوري ومعارضته ، ولا تزيد كثيرا من تأكيد أن إيران تقود المعارك هي نفسها ضد الشعب السوري وانتفاضته. ...والشعب السوري أدرك جيدا ومنذ اللحظة الأولى لثورته وانتفاضته، أن إيران متورطة في قتاله ومعاناته، وأن الخبرات والموارد الإيرانية تتقاطر على آل الأسد ، ولا ينسى السوريون تصريحات رأس النظام الإيرني وولي الفقيه فيه السيد خامنئي، التي تعادي الشعب السوري وترى ثورته جزءا من المؤامرة المزعومة ضد سورية.

لكن هذه المواقف الإيرانية ، لا تستهدف التنكيل بالشعب السوري وحده والقضاء على ثورته وانتفاضته فحسب. بل هي تستهدف من وراء ذلك العرب والمسلمين قطرا قطرا ومرحلة مرحلة! ويكفي فقط أن نعيد للأذهان هنا تصريحات الإيرانيين والسوريين واللبنانيين الموالين لهم ، تجاه بعض الدول العربية والإسلامية ، التي أظهرت شيئا من العطف على الشعب السوري في محنته، لنرى حجم الكراهية والحقد ، والعنصرية والوقاحة ، التي تقف خلف هذه التصريحات والمواقف...هل نذكر بأشباه الرجال والأعراب وعربان الخليج والإمارات النفطية وغيرها من مفردات وتعابير في غاية القبح والسوء، كانت كامنة في الصدور ثم أطلقت دفعة واحدة، حين دنت ساعة الحقيقة!

وفي مزيد من المصارحة والتبيين ، ينبغي الموازنة قليلا بين التصريحات الإيرانية اللبنانية الأسدية هذه، وبين التصريحات العربية الخجولة التي أعلنت مرات قليلة لصالح الشعب السوري، لنرى التباين الهائل بين هاتين المجموعتين من التصريحات والمواقف. إن تصريحا وحيدا للأمير سعود الفيصل عن تسليح المعارضة السورية، وتصريحا آخر مشابها من وزير خارجية قطر عن حجم معاناة الشعب السوري وضرورة التدخل الدولي لإنقاذه من محنته.و تصريحات قليلة جدا فقط من هذا النوع من تلك الجهة العربية أو تلك، أثارت حفيظة الإيرانيين وأقامت قيامتهم ولم تقعدها، بينما هم مستمرون ليل نهار في زياراتهم العلنية والسرية لسفاحي دمشق، يؤكدون لهم في كل مكان ومجلس ، أنهم معهم حتى النهاية، ويقومون بحملات دعاية سياسية سوداء لا تنتهي تعادي الشعب السوري ، وتمتهن كفاحه ونضاله من أجل حريته.

وإذا انتقلنا إلى جانب أكثر مرارة وإيلاما، وأكثر إحراجا ربما، فإن من الضرورة الموازنة بين الدعمين الماديين المقدمين من إيران وحزب الله للقتلة في دمشق، والمقدم من الدول العربية والإسلامية الشقيقة المتعاطفة مع الشعب السوري!

إن الدعم الإيراني المادي معلن ومكشوف، وإن الإيرانيين الذين يكذبون كثيرا في دعواتهم لحل الأزمة السورية بالحوار، إنهم هم أنفسهم يتحدثون عنه ويقرونه وإن لم يذكروه بالتفصيل..وإذا كانت التصريحات الرسمية تعلن عن الاستعداد للقتال من أجل بقاء القتلة في دمشق وترسيخ سيطرتهم على الشعب السوري، فنستطيع أن نتوقع كل أنواع الدعم المادي من مال وسلاح وذخائر وعتاد. أما إذا انتقلنا للضفة الأخرى ، فسنصاب بخيبة الأمل والمرارة دون شك، مع احترامنا البالغ وتقديرنا لكل كلمة وموقف ودعم مادي ومعنوي، فالشكر هو أقل الواجب هنا . والشعب السوري لن ينسى أية يد حانية ربتت على كف أم مكلومة فقدت أبناءها بقنابل أطلقتها قنابل سفاحي دمشق. أو دمعة حزينة ذرفت على طفل اغتالته رصاصات قتلة دمشق وطهران وحزب الله....لن ينسى الشعب السوري من آوى نساءه الهاربات من جحيم القتل والقذائف والاعتقال والاغتصاب ...ولن ينسى قوافل الخير التي انطلقت من جهات عدة صوب مخيمات اللاجئين السوريين في منافي السوريين الجديدة على طوال الحدود. ولن ينسى كل ليرة سورية أنفقت عليه سرا أو علنا ، بليل أو نهار...كل ذلك لن ينساه الشعب السوري، وسيكون دينا في ذمته ...ولكن الحقيقة المرة التي ينبغي التصريح بها للإخوة والأشقاء والأصدقاء، أن معاناة الشعب السوري ومصائبه ومرارته على أيدي قتلة دمشق وإيران وحزب الله أكبر بكثير مما قدم إليه حتى الآن. وأن الدور المقاوم الذي يقوم به الشعب السوري من أجل حريته، هو من أجل الشعوب العربية والإسلامية أيضا، ولصالحها ومستقبلها، وليس من أجل الشعب السوري فقط.

إن الشعب السوري في مقاومته للقتلة في دمشق وقم وطهران وحزب الله ، يدفع الأذى عن شعوب عربية وإسلامية كثيرة... إن حال بشار الأسد مع الشعب السوري أنه سيحاربه حتى النهاية ولودمرت سورية عن بكرة أبيها. أما حاله وحال محالفيه تجاه من تعاطف مع الشعب السوري أو من سكت ونأى بنفسه عنه، فهو أنهم سيعودون إليهم ذليلين مهانين بعد جلاء المعركة ، وأن بشار الأسد سيستقبلهم على مضض في القصر الجمهوري من جديد!

على الأشقاء العرب والمسلمين المتعاطفين مع محنة الشعب السوري أن يعودوا قليلا إلى تصريحات مجرمي دمشق وحلفائهم ، منذ سنوات ليروا أن هؤلاء ينتظرون الفرصة للانقضاض عليهم بلدا بلدا وقطرا قطرا وشعبا شعبا...وإن من مصلحة هؤلاء العرب والمسلمين ، إن لم يكن بدافع الأخوة والإيمان والإنسانية، بل بدافع المصلحة المحضة، أن يكون وقوفهم إلى جانب الشعب السوري ومقاومته أكثر قوة وعزيمة وإصرارا.

إن على الدول العربية والإسلامية جميعا ، أن تدرك حجم الأخطار التي يمثلها قتلة دمشق وطهران وحزب الله، وأن يبادروا دون تردد أو تهيب أو وجل، إلى النزول إلى ساحة المعركة بكل جدية ومسؤولية، لانستثني من ذلك قطرا أو بلدا أو شعبا! إن عليهم إمداد الشعب السوري بكل قواهم من مال وسلاح وقدرات، فهي معركتهم جميعا من أندونيسيا شرقا إلى المغرب وموريتانيا غربا...وانتصار الشعب السوري هو انتصار للحق والحرية والكرامة أولا ، وهو انتصار للعرب والمسلمين والإنسانية جميعا.

إذا سقط الشعب السوري، لا سمح الله، فإن سفاحي دمشق وقم وطهران وحزب الله، لن يكتفوا هذه المرة بالشماتة والشعور بالزهو والانتصار..إنهم لا شك سيهيئون أنفسهم لغزوة جديدة لشعب عربي أو مسلم جديدـ وستكون سكاكينهم هذه المرة أمضى وأشد فتكا! إن حكام دمشق وطهران وحزب الله، الذين يتقاسمون الأدوار اليوم مع العدو الإسرائيلي في تدمير سورية وإركاع شعبها على مرأى من العالم كله ومسمع، لن يضيرهم إعادة إنتاج هذه الأدوار من جديد، بأكثر من إخراج وطريقة وأسلوب.وستكون الساحة الدولية حينها أكثر من مهيئة لهم وممهدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد.. المأزق.. وخيانة الجد!

يوسف الكويليت

الرياض

2-9-2012

سوريا لا تغيب عن الذهنية العامة، فهي حدث متجدد، وطبيعي أن تأخذ حجماً كبيراً على كل المستويات العربية والدولية، ولعل وقائع الأسابيع الماضية، تكشف أن النظام بدأ يفقد اتجاهه، فمن مأزق جوزيف سماحة الذي كشف مؤامرة تفجير وقتل مجموعات وقيادات إسلامية ومسيحية لبنانية، إلى القبض على عناصر إيرانية متورطة عسكرياً مع النظام والذين أسرهم الجيش الحر، وتعدد الهاربين من القيادة العليا والجيش، إلى خطاب الأسد المرتبك والذي قال إنه يريد تنظيف المجتمع السوري، وهو كلام لا يقوله عامل في تنظيف الشوارع العامة..

وتأتي الطامة الكبرى بين مندوب سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري ووزير خارجية فرنسا لوران فابيوس الذي قال للمندوب السوري: «إن جد رئيسكم الأسد طالب فرنسا عدم الرحيل عن سوريا أثناء استعمارها، وعدم منحها الاستقلال بموجب وثيقة محفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية»!!

تتالي هذه الوقائع يكشف عري السلطة، وأن خيانة سوريا لم تبدأ مع الأبناء والأحفاد بل مع الجد وقبل ستة وثمانين عاماً من هذا العام، وهذا الكشف ليس جديداً فقد نشر في العديد من المصادر حتى أن الترحم على اليهود الطيبين والمسالمين ورد بنفس نص الوثيقة وهم وقتها يرسمون خطط الاستيطان وبلورة الدولة اليهودية، وهذا الطور المبكر من الخيانة، هو ما يكمل سيناريو اليوم، أي أن عقدة الطائفة تعالت على الوطن، واستهدافه من بيع الجولان إلى قتل الشعب.

لقد وصل الحكم الطائفي بغفلة من القيادات العائلية السورية الشهيرة التي مهدت إلى أن يقفز العلويون للجيش ومن ثم السيطرة على جميع واجهات الدولة وملئها بعناصر الطائفة، وطالما ظل الجميع يعامل الأقليات السورية بالقدر الذي يعامل به أي مواطن، فقد لا يكون الأسد يمثل كل الطائفة، وبالتالي فالعداء مع جانب من التشكيل الوطني السوري خطأ، حيث لا تؤخذ أقلية تلاحمت روحياً وعملياً مع الأسد، لتعميم ذلك على كل العلويين، فحتى بالطوائف الكبرى والصغرى، هناك عناصر مماثلة انتهازية، وضرورة أن تعطي المعارضة والجيش الحر ضمانات التعامل مع العلويين وفق الحق الوطني بحيث لا تنشأ خلافات تجر إلى حروب تدخل فيها قوى أخرى، لأن المحافظة على الوحدة الوطنية، إحدى مهمات من يسعون إلى انتزاع حرية سوريا من قبضة الدكتاتورية القائمة.

إيران الحليف المعلن لسوريا، حاولت تسويق قضية الأزمة السورية في قمة عدم الانحياز، لكنها فوجئت بأن ادارة التدليس لم تنطل على القيادات والوفود، لأن مشاهد الواقع أقوى من شهادات الزور والتزوير، وبالتالي كان انسحاب الوفد السوري ضربة للطرفين مما كرس العزلة الحقيقية والاستنكار العالمي للمجازر والتعدي على حقوق وطن بملايينه وثرائه وإنسانه.

المشهد السوري بدأ يأخذ اتجاهات تتناقص فيه قدرة السلطة على الصمود، وحتى مع المواقف غير الإنسانية في مجلس الأمن ومعاناة الشعب، برهن المواطن السوري أنه فصل الخطاب والمعادلة الصعبة في قهره أن لا يكون حراً مهما تضاعف شلال الدم وأعداد الشهداء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حسم الصراع على الهوية مدخلاً لحسم مصير الثورة السورية

لامفرّ من إعادة الاعتبار إلى دور الإسلام في صياغة هوية سوريا القادمة. ولامهرب من وجود طرحٍ جديدٍ عن ذلك الدور يختلف عن الطرح التقليدي السائد

د. وائل مرزا

الأحد 02/09/2012

المدينة

هل يُعقل أن يكون الصراع على الهوية الحضارية لسوريا المستقبل عاملاً رئيساً في تأخير الحسم بالنسبة للثورة السورية؟

نجزم أن الجواب هو نعم.

لايقتصر الأمر على القوى الخارجية وإنما يشمل كثيراً من قوى المعارضة السياسية السورية.

فثمة هاجسٌ يبلغ أحياناً درجة الهوس يتعلق بالإسلام ودوره في تشكيل تلك الهوية لدى القوى المذكورة.

من الضرورة بمكان أن نتفهّم الهاجس المذكور، وأن نتعاون على صياغة ذلك الدور بتوازنٍ يُنجينا من أي تطرفٍ قادم، لكنه في نفس الوقت يتجاوز أخطاء الماضي القاتلة، والتي وقعت فيها أغلب النخب السياسية السورية خلال العقود الماضية.

فالمعروف أن هذه النخب حاولت تشكيل هويةٍ حضارية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة مع نهاية الدولة العثمانية.تفاوتت صور الهوية الجديدة المطروحة بتفاوت طارحيها، لكنها اتفقت على القطيعة بدرجةٍ أو أخرى مع عنصر أساسي من عناصر الثقافة السابقة يتمثل في الإسلام كدين وكطريقة حياة. ومنذ تلك اللحظة، زُرعت بذور الفشل القادم..

لم تكن القطيعة على الدوام نابعةً من معرفةٍ بكمون الإسلام الحضاري. ولم تكن بالضرورة صادرةً عن عداوةٍ ورفضٍ له عن سابق تصميمٍ وإصرار كما يعتقد البعض. على العكس من ذلك. حصلت القطيعة في كثيرٍ من الأحيان بسبب الجهل المأساوي بحقيقة ذلك الكمون.

فمن ناحية، كان التطبيق العملي السائد لتعاليم الدين من قِبل من يدّعون تمثيله في حقول الاجتماع والثقافة والسياسة متخلفاً وظالماً للكمون الذي نتحدث عنه. لأن التطبيق كان أصلاً مبنياً على جملة أفهام جزئيةٍ تقليدية للدين حاصرت مقاصده الكبرى التي تحرر الإنسان وتطلق طاقاته الهائلة على كل صعيد.

ومن ناحية أخرى، كانت عملية صياغة الهوية الجديدة تتم بشكل رئيس على يد نخبٍ ثقافية وسياسية محدودة العدد. كانت تلك النخب (طليعيةً) ومتقدمةً في رؤيتها للمتغيرات العالمية على الفهم (السكوني) السائد في المجتمع. فأصبحت من خلال ذلك الإدراك قادرةً على المبادرة والحركة والتأثير أكثر من غيرها من شرائح المجتمع السوري. وحصل أن مارست تلك النخب فعلاً عملية قيادة التغيير في معزلٍ عن حراكٍ اجتماعي وثقافي شامل، خاصةً على صعيد تغيير الهوية الثقافية التي أدركت أنها منطلق كل تغيير آخر.

لكن الخطأ القاتل تمثل في أن تلك النخب اعتقدت أن فهمها للعالم ومتغيراته وانفتاحها على الثقافات والأفكار الجديدة يكفي بحد ذاته لصياغة الهوية الثقافية الجديدة.

لم تلتفت تلك النخب كثيراً إلى أهمية وحساسية المكونات التاريخية للهوية الثقافية. ولم تدرك ضرورة بل وحتمية استصحاب تلك المكونات في عملية بناء الهوية المطلوبة،خاصةً فيما يتعلق بالمكوّن الإسلامي، وإن من خلال رؤيةٍ ثورية جديدة له.

لكن الحصيلة النهائية كانت بعيدةً عن آمال تلك النخب الثقافية والفكرية. خاصةً حين دخلت على الخط نخبٌ عسكرية استلمت قيادة التغيير.

اختلط بعدها الحابلُ بالنابل. تداخلت المصالح بالمبادىء. وتم توظيف الشعارات التقدمية لإعادة إنتاج المنظومة العائلية والمناطقية والعشائرية في صورة معاصرة.

لكن المصيبة الكبرى تجلت في إصرار النخبة العسكرية التي تفتقد للخلفية الثقافية على إعادة صياغة الهوية بشكلٍ قسري هذه المرة. وجاء هذا وفق فهمٍ مشوهٍ لرؤية النخب الثقافية والسياسية السابقة التي كانت أصلاً ناقصةً ومجتزأة. وفي ظلّ الهاجس التاريخي من الإسلام، رضيت النخب الثقافية بالبقاء على الهامش، وظنّ بعضها أن مجرد حذفه من مسألة صياغة الهوية إنجازٌ مقبول.

لم يكن بدٌ من أن نصل بوجود تلك المقدمات الخاطئة إلى نتيجة كارثية: فظهرت آثار الانفصام الثقافي على كل صعيد في الحياة العربية.

فتحت شعاراتٍ مختلفة تبحثُ عن نَسبٍ إلى (التقدمية)، من (الشيوعية) إلى (القومية) إلى (الليبرالية)، برزت إلى الوجود الأشكال الخارجية والظاهرية للحداثة على مستوى الفرد والجماعة البشرية والدولة، وعلى مستوى المنظومات الاقتصادية والسياسية والإدارية. لكنها ظهرت خاليةً من المضمون. إذ كان الجوهر الثقافي للإنسان يزداد ضياعاً وتمزيقاً بين انتماءات وولاءات بدت في كثير من الأحيان متناقضةً ومتضاربة، وبين مصادر عديدة لتشكيل الهوية لم يتمكن أحد من تحديد نسب وتوازنات التعامل معها.

بكلامٍ آخر، لم يستطع المتحدثون التقليديون باسم الإسلام إظهار جوانب كمونه الحضاري الكبير على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق، ولم يستطع رافعو لواء الحداثة إظهار مصداقيتهم في إيجاد حدٍ أدنى معقول من مقتضياها العملية على أرض الواقع.

الأسوأ من هذا. انحصرت نظرة الشريحة الأولى إلى الشريحة الثانية في مدخل تصنيفهم على أنهم دعاة تغريب يقودون البلاد والعباد للحياة في حضن (الآخر). بينما انحصرت نظرة الشريحة الثانية إلى الأولى في مدخل تصنيفهم على أنهم دعاةُ رجعيةٍ يأخذون البلاد والعباد للحياة في (الماضي).

لهذا، تبدو الأسئلة المطروحة اليوم في الساحة السورية وكأنها نفس الأسئلة التي طُرحت منذ قرن من الزمان. ويبدو وكأن الجميع عادوا إلى نقطة الصفر أو إلى خط البداية! وفي مسألة الهوية بالذات، يظهر وكأن الإنجاز توقف عند (طرح) سؤال الهوية، دون الحصول على أي إجابات نهائية له على الإطلاق.

وهانحن اليوم في خضمّ الثورة السورية نعاني من هذا المأزق، وإن حاول الكثيرون تجاهله والقفز على وجوده. والأخطر من هذا، التغاضي عن دوره الكبير في تأخير حسم مصير الثورة.

وبدلاً من أن يتمّ التعامل معه بجديةٍ يقتضيها المقام، تتكرر محاولات الالتفاف عليه بالشعارات المزوّقة والبيانات الإعلامية.

نقولها بكل وضوح. ثمة صراعٌ حقيقي يجري في أوساط العاملين للثورة السورية، من السياسيين على وجه التحديد، فيما يتعلق بالهوية الحضارية لسوريا القادمة.

لاتُصرّح الغالبية العظمى بهذا الموضوع، وفي حين تعتقد أنها تتجاوزه بمحاولات التأكيد العلني على المشترك الآني المتمثل في إسقاط النظام، يعمل كل طرفٍ وسعه لخلق واقعٍ يتناسب مع هاجسه، بكل الوسائل السياسية والإعلامية والدبلوماسية الممكنة، بل وبمحاولة خلق وقائع على الأرض تخدم رؤيته في المستقبل.

وفي نهاية المطاف، يبقى هذا الصراع سبباً أساسياً من أسباب تأخير الحسم فيما يتعلق بالثورة السورية.

لامفرّ من إعادة الاعتبار إلى دور الإسلام في صياغة هوية سوريا القادمة. ولامهرب من وجود طرحٍ جديدٍ عن ذلك الدور يختلف عن الطرح التقليدي السائد. ولامخرج من المأزق دون اعتراف جميع الأطراف بالدور المذكور. وفي معزلٍ عن هذا، سيصبح الساسة تدريجياً جزءاً من المشكلة بدل أن يكونوا جزءاً من الحلّ المنشود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا...البلاد الغامضة

رستم محمود

المستقبل

2-9-2012

في أغلب اللقاءات، منذ بدء الثورة، يبدي أصدقاء غير سوريين رغبتهم الجمة بزيارة سوريا بعد انتصارها، أصدقاء من منابت ودول وتوجهات شتى. لا تجذبهم في ذلك رغبة السائح، بل إغراء المستكشف. فسوريا بتاريخها الحديث، وبثورتها، بلاد غريبة غامضة بالنسبة لهم، على اختلاف نوعيات وطبقات وعي هؤلاء الاصدقاء، وعلى اختلاف مستويات علاقتهم المباشرة وطبيعة مواقفهم السياسية، من سوريا وشعبها ونظامها الحاكم. فالجذر المشترك لهوية وعي كل الأصدقاء لسوريا كيانا وشعبا هو الغموض والغربة. يريد هؤلاء الأصدقاء إن يمارسوا في استكشافهم المتأمل في سوريا المستقبل، رغبات بسيطات وغريبات في الآن ذاته. يريدون المشي في شوارع دمشق القديمة، وتناول الطعام في مطاعمها، يرغبون بمحادثة بسطاء الناس، هؤلاء الذين باتوا حديث العالم بأسره في ثورتهم النبيلة. يريد هؤلاء الأصدقاء فهم تلك البلاد بالأساس، علاقة الناس ببعضهم البعض وبالطوائف والقوميات والمذاهب والحكايات والذاكرة، تلك الأشياء التي تعج بها تلك البلاد أكثر من غيرها بما لا يقارن. ويريد الأصدقاء في الآن ذاته فرز رؤيتهم التي اكتشفوا مدى وهمها، مع بدأ الثورة، وهمٌ كان يفهم تلك البلاد وكأنها أقبية مخابرات وغابات لأجهزة الأمن فقط، حقلاً عظيمة لفرز العمال، وجغرافيا ضخمة لإنتاج البؤساء والخانعين. ليتكشف هؤلاء الاصدقاء، بأنه في المكان نفسه، ثمة أغنيات لا توصف، أغنيات تسرّ أمهات الشهداء، وفي تلك البلاد ثمة استماتة لطلب الحرية، وبأي ثمن كان، وثمة استعداد لبذل كل شيء في سبيلها، كما في تلك البلاد الكثير من الضحكات والرقصات والأشعار والسينما والنكات والمآذن والأجراس والرسوم والمفارقات.. الخ، واشياء أكثر وأكثر، تغري كلها بالاستكشاف.

على خطى هؤلاء الأصدقاء غير السوريين، الرغبة نفسها تملي قلوب غالبية غالبة من السوريين أنفسهم. كثيرون هم السوريون الذين يريدون زيارة أكثر من بلدة ومدينة نائية من أماكن بلدهم، يريدون المشي في حواري مدن سوريا الكبيرة للتعرف على ناسها والعيش معهم. يريد السوريون معرفة بلادهم خارج رهاب المخيلات والمقولات الجاهزة والمتبادلة فيما بينهم، يريدون القفز فوق حيطانهم النفسية ومغادرة سجونهم الداخلية التي بنيت لهم لعقود مديدة. كثيرون هم السوريون الذين يريدون قضاء شهر عسلهم على تلك التلة عند تخوم بلدة كفر نبل، يريدون معرفة شاعر بلدة عامودا أو شعرائها، يريدون زيارة كل الناس في بابا عمرو، وسماع قصص الناس كلها هناك. ثمة رغبة لا توصف في قلوب السوريين للعدو ذهابا وإيابا مثل شباب بلدة صيدا الحورانية، كيف سبقوا الرصاص بعدوهم، وبعضهم آثر الموت في سبيل سحب جثة صديقه الذي وقع بالقرب منه، يريدون زيارة بلدات دمشق وقرى حلب وتلال حماة وحجارة حوران، وقبل كل شيء، معرفة سر الماء في حمص . على خطى الأصدقاء، يرغب السوريون كسر وهمهم عن أنفسهم وعن بلادهم. أنفسهم التي قالوا أنها منذورة لهذا الشكل المنحط من الحياة فحسب، وبلادهم التي قالوا عنها جغرافيا للتباغض والخشية فقط.

سوريا خزان الهويات المشرقية، ومعبر هجرات العالم التاريخية العظيمة، وسوريا بلاد الانتشار الجغرافي المديد، من سهول الجزيرة إلى سهول الحوران، مرورا بالصحاري، والجبال الساحلية، من ريفها العامر إلى مدنها الداخلية التي تحمل كل الإرث الروحي والاجتماعي والثقافي المركزي لمساحة تفوقها بأضعاف، كانت خلال عقود حكم الأسدين، تسمية مجردة وصماء، لا أحداث فيها ولا تغيرات بنمط جريانها، مكان من دون عالم داخلي أوخيارات أوهويات أوعوالم، نادرا ما يظهر خبر عنها في نشرات الأخبار، عنها ككيان إنساني وحضاري. كانت تتدخل بكل تفاصيل وسياسات جيرانها، لكن لا داخل لها أبدا، ربما كان ذلك بالضبط ما يسمح لها أن تتدخل بكل ثقة وجبروت. سوريا التي لم يتمرد فيها أحد على أحد (مرة تمرد الأخ على أخيه، حلت عائليا، ولم يخرج الموضوع حتى لنشرة الأخبار الرئيسية). وفي سوريا لم يعرف أحد كيف كانت تسير شؤون البلاد، اين تذهب أمواله وكيف تجبى، ماذا يصرف منها وبأي اتجاه ولماذا ذلك ؟؟!!، ولم يعرف أحد كيف ينقل الموظفون من أماكنهم ولماذا، ووفق أي معايير يوظفون. في سوريا لم يعرف أحد أعداد الموتى والمواليد والمنتحرين وحالات الاغتصاب، لا اعداد المجرمين ولا سنوات سجن المسجونين. لم يعرف أحد في سوريا أسباب مواقف بلادهم الخارجية وتبدلاتها، كان السوريون يصابون بالبكم حينما يسألهم لبناني ما، في سنوات الوصاية غير المجيدة: لماذا تحتلون بلادنا ؟؟!!، وطبعا كان السائل رب العمل دوما، والمسؤول عامله، وتكفي تلك التراتبية المختلة للعلاقة بين المحتل والمُحتل لتصيب المرء بالبكم. لم يكن السوريون يعرفون أحدا من وزراء بلادهم أو نوابهم أو مدراءهم، وعلى خطى ذلك، لم يكونوا يعرفون مما يتألف دستورهم وقوانينهم وحقوقهم وواجباتهم. فكل شيء كان يسير ويُسير في حياتهم بقدرة لب متمحور حول ذاته غير عليم، هو بالضبط ما يثورون عليه.

انكشاف سوريا على اهلها، سوريا بما هي جغرافيا ومواطنين وذاكرة وحاضر وحدث، سيكون معيارا مناسبا لمدى تحقيق الثورة لأهدافها. وانكشاف سوريا، بالمحددات ذاتها، على غير السوريين، سيكون معيارا لتحقيق سوريا لكيانيتها الطبيعية، كيانيتها التي تحولت لجهاز أمني فحسب. ففهم سوريا ليس حاجة ثقافية فحسب، بل هي بالنسبة للسوريين وجيرانهم مطلب سياسي عميق، فهذا الكيان الأكثر أثرا وفاعلية في كل محيطه، يكاد أن يكون أكثرهم غرابة وغموضا.

سيبقى النظام ومواليه أكثر من سيحتاج لفهم سوريا مستقبلا، ليعيدوا دمج ارواحهم في روحها الأعلى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية وحيدة... شريدة قدرها الجيوستراتيجي

دلال البزري

المستقبل

2-9-2012

غزى الشيب، حرفياً، شعر فريال الثلاثينية في أسبوعين، قامت خلالهما بزيارة الى أهلها في دمشق. "شفتْ الجثث مكوّمة على بعضها. كلهم مقتولين بالرصاص...! كلهم مقطّعين مشوهين...!"، تكرّر، لاهثة، كلما باشرت وصفها لواحد من الأحياء الدمشقية المشتعلة، إثر التجول فيها، من ضمن يوميات هذه الزيارة. "شابْ شعري...! فيهم أطفال وشباب ونساء وكهول...! مكوّمين... مكدّسين... مقطّعين... مشوهين! ما بتقدري تتعرفي عليهم!"، تردّد، متفجعة، فاقدة السيطرة على هدوئها المعهود، ولازمتها "هيك يا دلال! هيك...!": أي بالبساطة المجنونة، يقتلون ذبحا أو بالرصاص، ثم يقطّعون. وشهادة فريال، الشخصية، غير "المغطاة إعلامياً"، ليست الأولى من نوعها. قبل فريال، كان هناك اللقاء الشخصي مع مروان وهيام وغيرهم... جميعهم كان وصفهم يفوق ما يمكن أن تعرفه مواطنة مثلي، تتابع أخبار سوريا وتلاحق التغطيات الإعلامية حول مجريات ثورة شعبها ضد ديكتاتوره.

لذلك، كان سؤالي، المكرّر بدوره، يقطع وصف فريال: "هل هذا يعني بأن التغطية الاعلامية لجرائم النظام هي أقل من واقعها الدقيق؟"، وإجابتها الواحدة، كل مرة، مثل صرخة لاهبة: "بكتيييير!"، وتتابع "ما يحصل على أرض سوريا من قتل وتدمير على يد قوات النظام، يفوق بكثير ما يغطيه الإعلام، خصوصاً ذاك المتعاطف مع الثورة".

طبعا هذا يتناقض تماماً مع ما يروجه النظام السوري وحلفاؤه الميامين، وهم لا يتوقفون عن لصق ثورة الشعب السوري بـ"إعلام متآمر"، "مزيِّف للحقائق"، ممْعن في "المبالغات والفبْركات"، "محرّض".... إعلام، هو الذي أشعل هذه الثورة؛ لولاه، كانت "الإصلاحات" أو "الحلول السلمية" التي يتقدم بها النظام "بكل جدية وصدق"، كانت أخذت طريقها الى التطبيق... هكذا يقول النظام وحلفاؤه، زارعا الشك والحذر بروايات الناجين من المحرقة البعثية. شك وحذر ضروريان، ولكن لأسباب نقيضة. فبدل "لماذا تضخّم المنظومة الاعلامية المؤيدة للثورة السورية وقائع مجازر النظام"، يصبح السؤال الصحيح: "لماذا تقلّل هذه المنظومة من وقائعها؟".

بعد إستبعاد براءة عدم المعرفة، أو العجز عن الوصول الى المعلومة، بسبب "خطورة الاوضاع"، اذ نعتقد بأن الاقمار الصناعية والتقارير الاستخباراتية تستطيع أن تلتقط كل ترددات كوكب الأرض، بما فيها ارتدادات المجازر الجماعية الحاصلة في سوريا، بعد ذلك اذن ثمة إجابتان على هذا السؤال: الأولى ان "أصدقاء" ثورة الشعب السوري هم في الواقع ممتنعين عن مساعدته، ديبلوماسيا وعسكريا وإغاثياً، وان كل ما يقال عن "تهريب سلاح ومسلحين الى الداخل السوري..." هو عين الخطأ؛ وان المنظومة الاعلامية التابعة لهؤلاء "الأصدقاء" ليس بوسعها غير تغطية محدودة، بهذا الحجم، هي مضطرة لها، نظراً للامتناع. هذه الاجابة ضعيفة مجانبة للواقع، لأن هناك فعلا مساعدة، ولكن من أي نوع؟ هنا نأتي الى الاجابة الثانية: من أن المساعدة التي يقدمها "الأصدقاء" مرهونة بسياسات دولها التي بدورها تحددها جملة من الاعتبارات، وبالتالي لهم سياسة إعلامية تقلّل من الفظاعات البعثية كي لا تضطر الى مواجهة رأيها العام، الذي سوف يتحرك بقوة ويضغط عليها ليكون تدخلها أقوى، أفعل وأقدر على إنقاذ سوريا والسوريين من هذا الاستشراس البعثي المنفلت من عقاله.

هو أصلاً، من دون النقل الاعلامي الدقيق للمجازر الحاصلة بحق الشعب السوري، هناك سجال في الغرب حول نوعية هذا التدخل؛ في القمة السياسية، بين الجمهوريين الراغبين بالعودة الى رئاسة الولايات المتحدة والديموقراطيين العاملين على البقاء فيها، بين الرئيس الفرنسي الخاسر للانتخابات الاخيرة وغريمه الجديد الذي فاز فيها. ثم في سلم أدنى، بين مثقفين ومعلقين ومحللين: جميعهم يتناقشون حول ضرورة التدخل من ضرره، بعضهم يزايد، يأتون بالحجج والبراهين التي يعتقدونها مفحمة... من أبرزها، مؤخراً، تلك التي ساقها واحد منهم، اذ أعلن بغضب "كيف ندعم طرفاً في حرب، سوف تأتي بالسلفيين لو انتصر"؟

تصوَّر، ساعتئذ، لو كان حال منظومتهم الاعلامية على وفاق دقيق مع الوقائع التي تنقلها! هل ستتبدل الأصوات؟ باراك أوباما، هل يبقى، عشية الانتخابات الرئاسية التي ننتظرها جميعاً كأنها مفتاح النصر القادم، على نفس الموجة الروتينية من الإدانة اللفظية ودعوة بشار الى التنحي؟ على نفس نوعية "المساعدة" التي يرسلها الى "الجيش السوري الحرّ"؟

بناء على هذه الفرضية، لماذا لم يوجد "أصدقاء" سوريا المنظومة الإعلامية التي تكفل انتصار شعبها من دون ذبح نصفه وتدمير بناها وتشريد أهلها في الداخل والخارج؟ ما هي إعتباراتهم السياسية العليا؟

طبعا هناك الجيوسياسة، وحدود سوريا الحساسة، وحلفاؤها المتشبثين بنظامها، المنصهرين به، والفشل في أفغانستان والعراق، وتراجع الجبروت الأميركي الخ. وهناك سبب جوهري آخر؛ وآيته ان القضية السورية ليست من الثقل على مصالح هؤلاء "الأصدقاء" بما يدفعهم الى وضع كل طاقاتهم، ومقايضاتهم وتسوياتهم العالمية، بوجه خصومهم المتدخلين قلباً وقالباً لنصرة النظام. سوريا عندهم مثل فقير وهامشي، قريب لنائب هو زعيم العائلة، يطلب منه "واسطة" محقة؛ لماذا يعذب نفسه؟ ماذا يربح منه؟ بما يفيد كرسيه لو "خدمه"؟ ماذا يربح الغرب؟ ماذا يجني لو قايض مثلا حرية الشعب السوري بإعطاء حيز جيواستراتيجي لروسيا، حليف النظام، في القوقاز مثلا؟ ماذا يجني لو عرّض نفسه لخطر، أو لمعارضة دولية عنيفة، وعمل بكد على خلق منطقة حظر جوي على الحدود مع تركيا؟ أو أمدّ الثوار السوريين بالسلاح النوعي، أو أقله بالصورايخ المضادة للطائرات الحربية التي تقصف اللحم الحيّ عشوائيا... فيما وهو يدين، يتفرج، ينتظر؟

منذ بداية الثورة، لم نسمع من "الاصدقاء" غير دعوات بشار الى التنحي، غير توقع نهاية قريبة لبشار، غير إدانة صارمة للروس والصينيين بوضعهم الفيتو ضد أي قرار له معنى مع سوريا. لم نشاهد غير خلوات مجلس الامن المعروفة النتيجة سلفاً، ولكن الضرورية لكي يبدو للعالم بأن والله... الغرب "حاول"، لكن الشر الروسي، وخلفه الصيني، "أكبر"! بسيناريو محفوظ، تعرف نتيجة مجرياته سلفا... ومع ذلك تتأمل. (أقل من ذلك بكثير... عام 1982، وقت كان الجيش الاسرائيلي يحاصر بيروت، تدخل شخصياً الرئيس الاميركي السابق، الجمهوري رونالد ريغان، ليعيد هذا الجيش المياه الى بيروت بعدما قطعها عن أبنائها!).

المشهد السوري على درجة عالية من العبثية: من جهة نظام، يتدخل في تلابيبه الأمنية والعسكرية نظامان حليفان أجنبيان، الروسي والايراني، يمدّانه بالسلاح والخبرة والرجال معحربه على شعبه، يسميها "حربا أهلية"، ويوافق على هذه التسمية "الأصدقاء"، فيرتاح ضمير الاثنين... ومن جهة أخرى شعب يشحذ المساعدات الديبلوماسية والإغاثية والعسكرية، دفاعاً عن حياته وكرامته، أو مجرد حماية... يأتيه منها الرذاذ. ثم في الوقت عينه: هو النظام نفسه الذي يتهم شعبه بأنه منساق لتدخل عسكري خارجي، "مؤامرة"، غرضها إضعاف "محور الممانعة" الخ.

كل هذا ليس لإنكار التدخل الخارجي، ديبلوماسي وعسكري واغاثي: الديبلوماسي من طرف شفاه، إدانات ومؤتمرات وعقوبات وما شابه... العسكري يقتصر معظمه على "اللوجستي"، من مناظير وألكترونيات تعقب ونقل ومراقبة الخ. فيما الإغاثي، في الداخل خصوصاً، هو أصلاً دون الخبر المعتمد في التغطية الاعلامية الخاصة به. مساعدات مبرمجة، مقطرة، كأن غرضها التأكيد على تسمية ما يحصل بأننا ازاء "حرب أهلية"، وليست حرب نظام مدجج بسلاح كان يفترض به ان يقاتل اسرائيل، واذا به يقتل شعبه. مساعدات تديم المقتلة تحت إسم "حرب اهلية"، تمكن الثوار، وبتضحيات بشرية خارقة، من التصدي لقوات النظام، تصديا إستنزافياً، من دون ان يتغلبوا عليها، ولا حتى ان يسقطوا الطائرات أو المروحيات التي تقصفهم وتقصف ما حولهم من بشر وحجر، بـ"عشوائية" مدروسة. هكذا... حتى تهلك سوريا وتصبح دولة قاصرة، تضج بأصحاب اللحى من متطرفين جهاديين وأصوليين، لا يحبون شيئا قدر حبهم للكراهية.

الآن، يتصدّر موضوع التدخل الخارجي، قصة السلاح الكيماوي الذي بحوزة النظام. من ان هذا السلاح سوف يكون الذريعة للتدخل. قد يكون هذا التوقع صحيحاً، ولكن بشرط، ان يتأكد المتدخلون، بأن هذه المرة، انما يتدخلون لحماية مصالحهم وقدراتهم واستراتيجيتهم، الحيوية كلها. وهذا بدوره مشروط بأن لا تكون "الاسلحة الكيماوية" السورية مثل "أسلحة الدمار الشامل" العراقية، أي مجرد ابتزاز بعثي معهود، مجرد دعوة الى الموت الجماعي، الى الانتحار، ذودا عن أسطورة الديكتاتور.

الجهة الوحيدة التي وضعت كل ثقلها حتى الآن للإطاحة بالنظام البعثي هي الشعب السوري، الشعب السوري وحده؛ وهو الآن وحيد، شريد قدره الجيوستراتيجي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سقوط بشار لبنانيا

علي حماده

2012-09-02

النهار

بداية في الاساس: ثمة حقيقة ماثلة امام اعيننا وهي ان بشار الاسد سيسقط مهما فعل، ومهما قتل، ومهما استخدم من الاسلحة الفتاكة ضد شعبه. والاهم انه سيسقط مهما ارتفعت فاتورة الدم لان مشكلته ليست وجود مؤامرة "كونية " كما يزعم في خطابه الخشبي انما مشكلته التي لا حل لها هي ثورة شعب ضده، وتصميم الثوار وهم بالملايين على الانتهاء من "جمهورية حافظ الاسد" وانجاله و بطانتهم المافيوية.

النظام في سوريا لا يواجه مؤامرة خارجية بقدر ما يواجه ثورة شعبية وطنية بكل ما في الكلمة من معنى. ولو كان الامر مختلفا لما تأخر بشار في حسم المعركة. فقد مارس كل صنوف الاجرام واستخدم اكبر آلة قتل في المشرق العربي لتنفيذ مخططه، ولم يفلح. ففي مرحلة الثورة السلمية نزل السوريون بالملايين وكادوا يطيحون النظام عبر المد الشعبي. وفي مرحلة عسكرة الثورة التي اتت كرد فعل على توغل بشار في القتل لم يحسم معركة واحد حتى انتهى به الأمر اليوم الى خوض حرب دفاعية، في حين تواصل الثورة على فوضويتها وانقساماتها و ضعف امكاناتها التقدم يوما بعد يوم. وللدلالة المنطقية نحيل المشككين بما نقول على ما سماها بشار بـ"ام المعارك " في حلب. وقد مضى اكثر من خمسة اسابيع عليها والثورة تقضم المدينة الكبرى يوما بعد يوم.

اذكر تماما اني كتبت هنا قبل ستة عشر شهرا ان "جمهورية حافظ الاسد" انتهت في اللحظة التي سقط فيها جدار الخوف في قلوب السوريين. ففي تلك المرحلة عرفنا ان النهاية لن يغيرها بشار لا بالسياسة، ولا بالمناورة، ولا بالقتل الجماعي الذي مارسه ولا يزال.

في لبنان ثمة من لم يصدقوا ان بشار ساقط. على سبيل المثال رأينا الجنرال ميشال عون يكرر تنبؤاته مرة تلو الاخرى بانتهاء الازمة السورية خلال ايام! و رأينا الامين العام لـ"حزب الله" ينظر لقوة النظام ليعود فينظر للحل السياسي في حين كان يزيد تورطه بدماء احرار سوريا. ولن نأتي على ذكر مهرجي سياسة في لبنان المعروفين الذين تبارزا شهوراً عدة في نظم معلقات سطحية عن منعة بشار ونظامه. وفي النهاية تغيرت صورة الواقع. وبدأنا نلمس تغييرا في لهجة كثيرين، ومحاولات غير معلنة لإعادة التموضع على قاعدة إن النظام في سوريا انتهى ولا امل يرجى منه. وثمة قنوات تفتح يوميا بين ايتام النظام في لبنان وقوى سياسية كانت حتى الامس القريب توصف بالعميلة لاسرائيل واميركا والصهيونية العالمية. ولعمري فإن العديد من منظري الممانعة و المقاومة (على طريقة بشار) ينفذون في هذه المرحلة استدارة كاملة من دون تطبيل.

اللافت اكثر هو عدم اكتراث هؤلاء لموقف "حزب الله" الذي يهدد الجميع بعواقب تغيير "قواعد اللعبة" بينما يغيب عن بال قادته "انصاف الالهة" ان تلك القواعد سقطت منذ امد بعيد بما يحتم عليهم هم اجراء مراجعة وعدم التورط بزرع مزيد من الاحقاد هنا وفي سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الدستور إنقاذ الشعب السوري مسؤولية المجتمع الدولي

الدستور

2-9-2012

لم يعد من نافلة القول، التأكيد ان انقاذ الشعب السوري الشقيق، من مسؤولية المجتمع الدولي، وان بقاء الحريق مشتعلا، هو ادانة لهذا المجتمع. وللعواصم صاحبة القرار، ودليل اكيد على ان هذا المجتمع، وهذه العواصم كافة لم ترق الى مستوى خطورة الحدث، ولم تعمل مخلصة لاطفاء الحريق، ونزع فتيل الحرب التي توشك ان تتحول الى حرب اهلية قذرة مدمرة، تشي بتقسيم القطر الشقيق الى دويلات متناحرة، تنذر بوصول شررها الى دول الجوار، اذ لا احد مطلقا ببعيد عن نار هذه الحرب.

لقد بات واضحا ان وصول الأزمة الى مرحلة الاستعصاء يرجع الى التدخلات الدولية والاقليمية، وتحول القطر الشقيق الى ساحة مفتوحة للحرب الباردة، وهذا ما يعني استمرار الازمة لوقت طويل، واكثر مما يتوقع الجميع.

ومن ناحية اخرى فان التقصير الدولي هذا، يبدو واضحا جليا في بعده الانساني، اضافة الى ما ذكرناه، فرغم الحديث الذي لا ينقطع، ولا يتوقف بضرورة مساعدة الاشقاء في محنتهم، والعمل على انقاذهم من الظروف الصعبة، التي يمرون بها، والتخفيف من معاناتهم، الا ان هذا الحديث - مع الاسف - لم يترجم الى افعال حقيقية على الارض، وتنفع الالاف من اللاجئين السوريين الذين يتدفقون عبر الاسلاك الشائكة على دول الجوار، وبخاصة على الاردن وتركيا، هربا من الموت الذي يلاحقهم، وادى حتى الان الى مقتل اكثر من 25 الف انسان، واصابة كثيرين باتوا في امس الحاجة للعلاج، اضافة الى تدمير الاقتصاد الوطني، والبنية التحتية، واغتيال الاستقرار والامن، بعد ان سيطر على وقع الحياة في القطر الشقيق الموت والدمار، ولم يعد يسمع في فضاء الشام الا صوت المدافع، وازيز الطائرات، ولغة الرصاص القاتل.

وبشيء من التفصيل، فلا بد من الاشارة الى موقف الاردن المبدئي، بضرورة مساعدة الاشقاء تماهيا مع دوره القومي، وواجبه الانساني الذي يفتخر به هذا الحمى بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ففتح صدره لاستقبال اللاجئين حتى تجاوز عددهم تقريبا 177 الفا مقدما لهم المساعدات المطلوبة سواء من خلال مخيم الزعتري، الذي امتلأ عن اخره، او باستقبال الاسر الاردنية للاشقاء في المدن والقرى الاردنية، للتخفيف من المأساة التي تعتصرهم، والعمل على الاخذ بيدهم حتى يقضي الله امرا كان مكتوبا.

ان استقبال هذه الالاف، واستمرار تدفق الاخرين يوميا يستدعي دعما ماديا سريعا من المجتمع الدولي في ضوء الكلفة العالية، التي تترتب على تأمين المأوى والمأكل والمشرب والعلاج والمدارس.. الخ وهو اكبر من طاقة الاردن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يجتازها، والتي حتمت على الحكومة اتخاذ اجراءات تقشفية للتخفيف من عجز الموازنة.

مجمل القول: المجتمع الدولي مسؤول مسؤولية مباشرة عن انقاذ الشعب السوري الشقيق من الكارثة التي تحيق به، ومسؤول ايضا عن مساعدة دول الجوار لتنهض بواجباتها في استقبال الاف اللاجئين بتقديم الدعم المادي السخي وباسرع وقت ممكن، بعد ان وصلت اعداد اللاجئين الى ارقام كبيرة مرشحة الى التزايد، وهو ما لا تقدر عليه دولة كالاردن في ضوء ظروفها الاقتصادية الصعبة.

وسيبقى الاردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني الحضن الدافئ للاشقاء ، ولن يتراجع مطلقا عن دوره وواجبه القومي والانساني، الذي نذر نفسه له.

“فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض”. صدق الله العظيم.

التاريخ : 02-09-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبراهيمي الحاضر.. والنصاح المغيبون

فؤاد مطر

الشرق الاوسط

2-9-2012

لو أن الرئيس بشار الأسد استحضر يوم ولي الحكم وريثا لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد قول أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) للجمع المبايع له: «إن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني» لكان تفادى هذه البلية التي انتهى إليها حكمه، ولما كانت وصلت الحال بسوريا إلى أنها باتت محظية ثلاث دول ذات أحلام إمبراطورية هي إيران الثورة الخمينية التي تتطلع إلى انبعاث الإمبراطورية الفارسية الماقتة لكل ما هو عربي، وروسيا بوتين التي لا تزول غصة قيصرها الجديد من حلقه ويتطلع إلى استعادة شأن الكرملين الحاضن لجمهوريات مغلوب على أمر شعوبها، والصين التي تزداد تضخما ويتطلع ورثة ماو تسي تونغ نحو الانتقال إلى مرتبة القيادة في المجتمع الدولي، وليس هنالك مهرة يمتطون صهوتها سوى المهرة السورية التي فاجأتهم أنها تريد الانطلاق من عتمة الإسطبل إلى الهواء الطلق. إنه تشبيه قد يبدو عليه شيء من التجريد، ولكن تطورات المحنة السورية وتداعياتها والمشاهد المفزعة على مدار الساعة منذ عشرين شهرا تجعل التشبيه ليس فعل تجريد، وإنما هو المأساة في أفجع حالاتها، إذ يكفي أن ينفذ العسكري البشاري ومن دون تردد، إلا في حالات صحوة، التعليمات بقصف مواقع ومن دون رحمة أو استفسار، وهو ما يحصل في زمن الحروب مع أعداء، لكن ليس مع أبناء الشعب الواحد، كما يكفي أن يهلل الطيف المنتفض على النظام ويكبر بأنه دمر دبابة لجيش البلاد، أو أسقط طائرة مروحية، أو فجر مستودعات ذخيرة وأسلحة. إنها ذروة المأساة تصيب نظاما لم يستحضر رئيسه الوارث عندما حظي بانتخاب له صفة الأمر الواقع قول الخليفة أبي بكر مخاطبا الجمع المبايع «إن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني» فكان أن بادر المنتفضون بعد سنوات وبالأسلوب الديري والإدلبي والدمشقي والحلبي وبقية ديار الانتفاضة إلى استحضار ما قاله الجمع المبايع للخليفة أبي بكر «والله لو وجدنا فيه اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا».

في الزمن الغابر كان ولي الأمر يخاف ربه ويهتدي بما قاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مجالسه مثل «عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة» و«أشد الناس عذابا يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه». ونحن هنا نتحدث عن ولاة الأمر الصالحين المصلحين الذين يأخذون بمبدأ النصح على قاعدة «وأمرهم شورى بينهم». كذلك نتحدث عن زمن كان ولي الأمر يستنجد بأهل النصح والحكمة يرفدونه بالرأي السديد الذي يقيه المخاطر، وهؤلاء كانوا حتى عندما لا يستدعيهم ولي الأمر يبادرون من تلقاء أنفسهم إلى طرق باب ديوانه فيقول هؤلاء لهذا الممسك بالسلطة العليا ما من الضروري أن يقال له، وبذلك يتقي مصيرا عبر عنه الرسول بالقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا». ومن مصلحة هذا الممسك بالسلطة أن يصغي، فلا يبقى الحقد عليه أسير أسلوب معالجته وذلك عملا بقول المقنع الكندي أحد شعراء الزمن الغابر «... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا». كذلك من مصلحة الممسك بالسلطة أن يصغي أحسن الإصغاء إلى أهل النصح والحكمة، ذلك أن هؤلاء يأخذون فيما يفعلون بالآية الكريمة «وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» ويستأنسون في أدائهم واجب النصح بقول الإمام علي (رضي الله عنه): من حذرك كمن بشرك.

انطلاقا مما أوردناه، نجد أنفسنا ونحن نتابع تطورات المحنة السورية وتداعياتها نتساءل: هل أفاد سوريا في شيء هؤلاء الذين يتعاملون مع سوريا الفاجعة والمفجوعين على أنها المحظية التي تحقق لهم نشوة التحول من الدولة المنتفخة العضلات إلى الدولة القادرة على الهيمنة على نحو ما هي عليه قدرات الولايات المتحدة؟ علما بأن الإخفاقات الأميركية بجناحيها الجمهوري والديمقراطي وبالنجوم ا«الكومبارس» في أوروبا تشكل حيثية لكل دولة، وتحديدا هنا للدول السائرة على طريق التنمية مثل إيران وروسيا والصين للنأي عن خوض سياسة التلاعب بمصائر الآخرين، وبالذات سوريا التي جعلوها تنزف على لحن ثلاثي مشترك لخصه علاء الدين بروجردي يوم الأحد 26 أغسطس (آب) 2012 أمام الرئيس بشار في دمشق بالقول: «أمن إيران من أمن سوريا» قابله الرئيس بشار بما معناه أنه سيواصل الفعل الأمني مهما كلف الثمن، متكلا على وهم أن حدود روسيا تبدأ في طرطوس وأن ترسيم حدود الصين مع المنطقة العربية سيبدأ ذات يوم من قلب عاصمة الأمويين.

كما نجد أنفسنا نتساءل: هل من المعقول أنه ليس في أهل العقيدة البعثية المتمكنة من سوريا من يدعو إلى التصحيح ليس على نحو ما سبق أن فعله الأسد الأب؟ لأنه لو صحح كما هي أصول التصحيح واعتمد هو الآخر ما قاله أبو بكر: «إن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني» وأجابه سامعوه الذين بايعوه «والله لو وجدنا فيه اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا» لما كان للأسد الابن الوارث أن يمعن عنادا فتخبطا، ولكان هو بنفسه استنفر العقلاء في العقيدة البعثية فخرج هؤلاء عليه شاهرين النصيحة، ولكان سأل النصاح في مجتمع الطائفة استنباط الحلول الحكيمة للمأزق الذي وضع نفسه فيه غير متنبه للآية الكريمة «وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» وإلى الحديث الشريف « اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» المكمل للحديث القدسي «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا».

ومثل هكذا دواء من حروف مضيئة كان كفيلا بتبديد الظلام السوري المستديم الحامل في ثناياه ظلما لا عهد للأمتين بقسوته. عسى ولعل في ضوء المسعى الذي أخذه الأخضر الإبراهيمي على عاتقه تحدث بعض الانفراجات فيأخذ الحل السياسي فرصته عوضا عن الحل الأمني الذي لا جدوى منه. ونجيز لقلمنا التسطير استنادا إلى ما نعرفه في الأخضر من مزايا بأن إمكانية تحقيق الانفراج ليست مستحيلة في حال انتقل الرئيس بشار من فضاء التحدي إلى فضاء الواقعية، وأدخل رموز مثلث التدعيم (إيران، روسيا، الصين) تعديلا جذريا في مسألة التطلعات الإمبراطورية والهيمنة. وبالأهمية نفسها هنالك المؤهلات المتوافرة في شخص الإبراهيمي وليست متوافرة في السلف الطيب النية كوفي أنان. فالأخضر الإبراهيمي يعربي ومتدين وابن الجزائر التي أبدى رئيسها عبد العزيز بوتفليقة من المراعاة لظروف النظام السوري ما جعل قرارات العزلة عربيا أو تعليق العضوية إسلاميا لا تؤخذ بالإجماع، فضلا عن أن أخلاقيات الأخضر الإبراهيمي وماضيه الدبلوماسي المنزه عن التلاعب تجيز له أن يصارح الرئيس بشار ويصارح بالمنطق نفسه رموز أطياف الانتفاضة، وأن يرفق المصارحة بالنصيحة. وأما في الموضوع الثوري ومتطلباته وظروفه فإن الإبراهيمي قادر على أن يقول للرئيس بشار وفي معرض النصح والتنبيه ما معناه: إن الجزائر دفعت من أجل استقلالها مليون شهيد على مدى عقود من المقاومة الباسلة للوجود الفرنسي، لكنكم في سوريا تقتلون دون وجه منطق أبناء شعبكم وتدمرون بالآلة الحربية بيوت الناس وهو ما لم يفعله نظام ضد حالة اعتراض، إذ حتى في إيران التي تحثكم على مواصلة العلاج الأمني الحربي لم تذهب في التصدي للانتفاضة الموسوية – الكروبية إلى ما وصلتم إليه، وفي استطاعة الإبراهيمي أن يضيف أن الحل السياسي لا يبدأ من دون عودة الجيش إلى ثكناته، والآليات والطائرات إلى قواعدها، والاعتذار من الشعب، واعتبار الضحايا شهداء، ومخاطبة المجتمع الدولي والأشقاء العرب بمفردات غير تلك التي اعتدت عليها يا أخ بشار فأضرت ونقلت سوريا من دائرة الالتفاف حولها إلى دائرة الالتفاف عليها.

وعلى هامش ضرورة المصارحة ووجوب النصح في استطاعة الأخضر الإبراهيمي أن يقول للرئيس بشار ما معناه: إن مهمته لن تكون أفضل من مهمة أنان إذا كنت مقتنعا يا أخ بشار فعلا بتوصيف الحليف الصديق الإيراني بروجردي للموقف وقوله: «إن سوريا وإيران كالفولاذ الصلب لن تستطيع القوى الخارجية مهما بلغت مؤامراتها النيل من دورهما المقاوم في المنطقة». وبتوصيف إحدى وسائلكم الإعلامية (صحيفة «الثورة» عدد الأحد 26-8-2012) لصديقكم السالف أردوغان بالقول: «لم يعد شر البلية يضحك ما دام كومبارس الإرهاب الأميركي والإسرائيلي أردوغانيا ويتنطح في ادعاءاته إلى حد تسيد القضية».

ومرة أخرى نجدد التساؤل، إنما بصيغة الاستهجان إزاء الهلع الحاصل وكيف أن قطاف الرؤوس يتم بالأسلوب الحجاجي، وتدمير البنيان بالأسلوب التتري: أليس في أهل العقيدة البعثية عقلاء وأليس في الطائفة العلوية نصاح أم أنهم كثيرون لكنهم مغيبون؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أبعد من الحوار في سوريا!

فايز سارة

الشرق الاوسط

2-9-2012

في خطوة رسمية مكررة، صدرت دعوة للحوار بين السلطة ومعارضيها، وهذا ما تضمنته أقوال نائب رئيس الوزراء قدري جميل، وعلي حيدر وزير المصالحة الوطنية، وهي وزارة جرى إحداثها في آخر تشكيل وزاري، قيل إنها تشكيل إصلاحي، تم بموجبه ضم قدري جميل وعلي حيدر إلى الحكومة من خارج إطار «البعث» وتحالفاته التقليدية.

دعوة الحوار الرسمية، التي أكدت رفض الشروط المسبقة من جانب المشاركين في الحوار، تتناغم مع دعوات حلفاء دمشق الأقرب، التي تكررت على لسان مسؤولين روس وإيرانيين وزعيم حزب الله في لبنان حسن نصر الله، وكلها ركزت، كما الدعوة الرسمية، على رفض الشروط المسبقة في إشارة واضحة، تعني استبعاد طرح موضوع الرئاسة السورية قبل بدء الحوار، بل وبعده ضمنا.

فكرة الحوار حول الوضع في سوريا وآفاق حله ليست جديدة، بل هي بدأت مع بداية الأحداث، حيث فتحت حوارات بتسويات متعددة بين السلطة وأطراف معارضة؛ بعضها من المعارضة السياسية وآخرين من المتظاهرين ومن القيادات الأهلية والميدانية في الحراك الشعبي، وتفاوت مستوى ومحتوى وشكل تلك الحوارات، وأغلبها اتخذ شكل جلب المتحاورين المعارضين للتدقيق والتشاور من جانب مسؤولي السلطة وأجهزتها. وفي مستواها، تراوحت بين مستوى الرئاسة وموظفين صغار في الأجهزة أو مبعوثين لها، وكان بين هؤلاء مدنيون وعسكريون ورجال أمن. أما في المحتوى، فإن الأغلب فيها ركز على المطالب التي يرغب المعارضون السياسيون وقادة الحراك تحقيقها، وهي مطالب تتعلق بما يراه النظام من إصلاحات أو احتياجات محلية، وربما شخصية للأشخاص المجلوبين أو المدعوين للحوار، وفي نادر الأحوال، كان موضوع الحوار يصل إلى السياسة بعمقها المطلوب، وكان إذا بلغت ذلك الحد، فإن المحاورين الرسميين إما أن يسدوا آذانهم أو يدخلوا في أحاديث الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد والتحديات التي تواجهها وضرورة أن يتحمل الشعب المسؤولية... إلى آخر ما يقال عادة في حملات الديماغوجيا السورية المعروفة.

إذن ثمة تجربة في الحوار السوري بين السلطة ومعارضيها، هي تجربة عرجاء، بل مشوهة، تمت أغلب فصولها بطريقة الجلب والفرض لا الإقناع، أو تحت تأثير الحاجة المشتركة للحوار، وهي تقوم بين طرفين غير متساويين لا في الموقع ولا في المسؤولية، وغالبا فقد تمت إدارتها بطريقة أمنية هدفها المعلومات، والبحث عن مسارات ممكنة في تفتيت قوة معارضي السلطة من السياسيين وقادة الحراك، أكثر من البحث عن حلول جدية لمشاكل وتحديات كبرى تواجه سوريا والسوريين.

لقد سعى النظام وفي عملية واحدة للقيام بعملية حوار، وهي العملية التي أدارها نائب الرئيس فاروق الشرع في دمشق مع أوساط مقربة من النظام بعد فشله في جلب المعارضة إليها، وتمخضت تلك التجربة رغم مشاكلها الكثيرة عن مقررات وتوصيات، رفضت السلطة الأخذ بها وتنفيذها جميعا، بل وجرى التنكر لتلك النتائج، ثم التهجم بسببها على الشرع نفسه في وقت لاحق.

غير أنه ورغم بؤس فكرة وتجربة السلطة في الحوار وما أحاط بها، فقد ساهمت في كشف جوانب مختلفة في موضوع الحوار، ولا سيما من حيث أهميته وضرورته ومستلزماته، أو ما جرى تسميته ببيئة الحوار، التي تعني ضرورة طرح فكرة الحوار بكل جدية ومسؤولية عبر تحديد أطراف الحوار ومواضيعه ونتائجه، والتأكيد على ضرورة الالتزام بنتائجه والوفاء بها، بل توفير كل الإمكانات المادية والسياسية لأجل ذلك.

لقد ذهبت الأوضاع والتطورات في سوريا وعبر تجربة السلطة في الحوار ومن خلال السياسات الأمنية - العسكرية التي تبناها النظام في مواجهة حراك السوريين وثورتهم، إلى الإضرار الشديد بفكرة الحوار، وجعلها شديدة الصعوبة إلى درجة الاستحالة بفعل ما ألحقته تلك السياسات من قتل وتشريد ودمار شديد للسوريين وممتلكاتهم ومصادر عيشهم، وهو أمر، إذا أضيف إلى فقدان مصداقية السلطات، فإنه يجعل الكلام الرسمي السوري عن الحوار بلا معنى، خاصة أنه يصدر عن مستويات حكومية ضعيفة يمثلها نائب رئيس الوزراء ووزير المصالحة الوطنية وكلاهما من خارج حزب النظام والأبعد عن النواة الصلبة في السلطة.

ورغم ما سبق، فإن تحريك موضوع الحوار من جانب السلطات بالتزامن مع طرح الفكرة من جانب حلفاء النظام الإقليميين والدوليين مع مجيء المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، يمكن أن يكون مهما، إذا توافرت بيئة الحوار العملية، التي تتضمن في الأهم من محتوياتها وقف كل العمليات العسكرية والأمنية في أنحاء سوريا، وإطلاق المعتقلين على خلفية الأحداث الجارية، وسحب الجيش إلى مواقعه الأساسية، وإعادة المهجرين الموجودين في المحافظات وفي خارج البلاد إلى مناطقهم، وتسوية عاجلة وجدية لأوضاعهم الحياتية، والقبول بالحوار مع المعارضة بما فيها «الجيش الحر»، وكلها نقاط موجودة في خطة كوفي أنان، التي كان الجميع قد توافقوا عليها، والإضافة الوحيدة في هذا الجانب، هي الإعلان عن أن هدف الحوار تشكيل حكومة انتقالية، مهمتها تهيئة البلاد للانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي عبر مهل زمنية محددة وقريبة وبكل الضمانات، التي تكفل تنفيذ ما يتم التوصل إليه من نتائج.

إن من شأن بدء عملية حوار بهذا المحتوى أو بالقرب منه، توفير فواتير المعاناة الإنسانية والتكاليف البشرية والمادية الكبيرة، التي سوف تتكلفها سوريا في الفترة المقبلة من الصراع وصولا إلى تسويته، بل إن تحقيق عملية كهذه من شأنها إخراج المجتمع الدولي من حيرته في التعامل مع الوضع السوري، حيث أنصار النظام في الإقليم والعالم وخصومه في المستويين، يعانون إرباكات في أشكال ومحتويات ومستويات التعامل مع الوضع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تضييع الوقت في مجلس الأمن

2012-09-01 12:00 AM

الوطن السعودية

يوم واحد فقط قُتل فيه المئات وتشرد الآلاف فصَل بين مقابلة يفترض أنها صيغت بعناية للرئيس السوري بثتها قناة الدنيا – الموالية له أو التابعة لنظامه - تجاهل فيها اللاجئين السوريين، وبين اجتماع مجلس الأمن طوال الساعات الأولى من صباح أمس بخصوص أولئك اللاجئين. اجتماع جاء ليؤكد أن النظام السوري صار عدوا لشعبه بما لا يدع مجالا للشك، فكلمات ممثلي الدول عدا من تساند النظام أوضحت أن جرائم الأسد ضد مواطنيه هي سبب تهجيرهم القسري من منازلهم سعيا إلى ملاذ آمن في الداخل والخارج يحمي عائلاتهم من أسلحة الأسد المدمرة.

مليونان ونصف المليون لاجئ سوري تحدث عنهم وزراء خارجية الدول ومندوبوها في كلماتهم، وهو عدد كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكن الكلمات لم تثلج صدور الشعب السوري والمتعاطفين معه، ولم تحل مشكلة اللاجئين أو ترجعهم إلى ديارهم. أما الاجتماع الذي لم يسفر سوى عن أن الوضع الإنساني خطير، فلا يتجاوز حالة استمرار الدوران في الحلقة المفرغة التي تعطي النظام مزيدا من الوقت، فيقتل أكثر ويشرد أكثر، مستفيدا من انقسام الدول الكبرى في مجلس الأمن، معتقدا أنه يستطيع إخماد غضب الشعب، ومصرا على عدم الاعتراف بوجود ثورة لن تنتهي إلا بنهايته وزوال رموزه.

معاناة اللاجئين لا تحل إذا اعترف المجتمع الدولي بخطورة أوضاعهم في اجتماع لمجلس الأمن بحضور الدول المجاورة لسورية، ولن تزول أزمة الشعب السوري من لاجئين وباقين تحت القصف إذا طالب مندوب دولة بـ"التواصل مع محكمة الجنايات الدولية بشأن الجرائم التي ترتكبها القوات النظامية السورية"، أو اقترح مندوب دولة أخرى "تأمين دخول منظمات دولية إلى الميدان لمساعدة المنكوبين واعتبار منع ذلك جريمة". كما أن إشكالية القتل لن تتوقف بالدعوة "إلى تشكيل حكومة انتقالية لإنهاء الصراع"، والتشديد على أن "يوم الإنقاذ يكون عندما يتنحى الأسد". وما إلى ذلك من عبارات يشير استخفاف المندوب السوري بها إلى أن اجتماعات مجلس الأمن مجرد تضييع للوقت، إن لم يحزم المجتمع الدولي أمره ويفرض بالقوة حلا سياسيا أو عسكريا ينقذ به الشعب السوري من القتل اليومي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية ... لا بديل عن إقامة مناطق حظر جوي

الراية

1-9-2012

من المؤسف أن يفشل الاجتماع الوزاري لمجلس الأمن الذي دعت إليه فرنسا لبحث الأزمة السورية في الخروج بموقف دولي واضح تجاه الأوضاع المأساوية بسوريا والتي وضحت أنها لا تحتاج إلى اجتماعات وإنما إلى قرارات دولية شجاعة تردع النظام وتُعيد الأمن والطمأنينة للشعب السوري الذي أدخله النظام الفاسد بالعنف والقتل وسفك الدماء في مأزق حقيقي، فقد كان الجميع يأمل أن يخرج الاجتماع الوزاري الدولي بقرارات واضحة ولكن مرّة أخرى المجتمع الدولي يخذل الشعب السوري بموقف غير واضح يمنح النظام المزيد من الوقت لتنفيذ ما عجز عنه في السابق.

إن الدعوات الإيجابية التي صدرت من بعض الدول خلال الاجتماع خاصة فيما يتعلق بفرض مناطق الحظر الجوي وتقديم الدعم للمناطق التي حرّرها الثوار ليست جديدة لأنها مجرّد دعوات وإن المطلوب تفعيلها لتتحوّل إلى واقع على الأرض، فليس من المقبول أن يُكرّر المجتمع الدولي الأقوال ذاتها والجميع يُدرك أهمية اتخاذ قرار بفرض الحظر الجوي لحماية النازحين واللاجئين داخل الأراضي السورية خاصة بعد ما اشتكت الدول المجاورة بأنها لا تستطيع استقبال المزيد من اللاجئين الذين يتدفّقون يوميًّا عليها هربًا من القتل.

إن أزمة سوريا قد أدخلت المجتمع الدولي بما فيه مجلس الأمن في امتحان عسير وإنه فشل حتى الآن في حلّ الأزمة رغم أن الخريطة واضحة للشعب السوري الذي قال كلمته في النظام ولذلك كان يأمل في التحرّك الدولي الجماعي السريع لردع النظام الذي يستهين بالمواقف الدولية والفشل عمدًا النقاط الست لخطة المبعوث الدولي والعربي السابق كوفي عنان ولذلك كان يجب أن يُواجه بموقف دولي صارم جديد خاصة بعد مواصلة ارتكابه المجازر البشرية.

إن المجتمع الدولي مطالب وبإلحاح بترك سياسة اللا مبالاة تجاه ما يحدث في سوريا وتسويف الأمور في اجتماعات وضحت أنها للخطابة فقط، فإن سقوط أكثر من 18 ألف قتيل يجب أن يُحرّك الضمير العالمي لعقاب النظام الذي وضح أنه غير جادٍّ لحل الأزمة سلميًّا ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن يكون شعارها واضحًا وهو حماية الشعب السوري بقرارات دولية صارمة تقوم على شرعية الدعم العربي والإسلامي للثورة السورية وهذا لن يتحقّق إلا بإقامة مناطق حظر جوي داخل التراب السوري، فليس من المقبول أن يتجاهل المجتمع الدولي حمام الدم اليومي في سوريا بعد الآن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب السورية و مصير المنطقة

لابد أن يكون الحل إقليمياً يدعم التوجه الشعبي السوري الذي قدم حتى الآن 25,000 شهيد ، و بعد أن أثبت مجلس الأمن الدولي فشله في فرض أي حل تحت الباب السابع بسبب الفيتو الروسي الصيني

أ.د. سامي سعيد حبيب

السبت 01/09/2012

المدينة

غني عن القول و بعد إراقة النظام السوري المجرم على مدى سنة و نصف لكل هذه الدماء الزكية من أبناء الشعب السوري الشقيق أطفالاً و نساء و شيوخاً و رجالاً ، و لجوء النظام إلى الاستخدام غير الشريف للطيران و لآلة الدمار العسكرية الثقيلة ضد المدنيين العزل و التي كان من المفترض أن يستخدمها ضد العدو الصهيوني لاسترداد الجولان المحتلة بدلاً من تدمير البنية التحتية لسوريا و سحق قدراتها الاقتصادية ، أن يقال أن النظام الدكتاتوري في سوريا قد وصل لمرحلة اللاعودة و أنه فقد الشرعية للحكم فلا بد من استئصاله كما يستأصل الورم السرطاني مهما كان الثمن ، و مهما حاولت الآلة الدعائية للنظام تلبيس الحقائق و الحديث عن التآمر الداخلي أو الخارجي ، و مهما يتلقى النظام من دعم ظالم سياسي و مادي و عسكري من روسيا و الصين و إيران. و سواءً أكان الحل عسكرياً أو سياسياً أو مزيجاً بينهما فلا بد أن يكون عاجلاً و سريعاً حفاظاً على الأرواح و الممتلكات وتماسك البلاد ووحدتها ، و لابد أن يكون الحل إقليمياً يدعم التوجه الشعبي السوري الذي قدم حتى الآن 25,000 شهيد ، و بعد أن أثبت مجلس الأمن الدولي فشله في فرض أي حل تحت الباب السابع بسبب الفيتو الروسي الصيني المؤيد للظلم و العدوان.

الحرب السورية غير المتكافئة حرب استراتيجية دولية بالنيابة ليس بالنسبة لسوريا فقط بل لكل دول المنطقة و ربما عالمياً من العديد من الجوانب ، فهي حرب إستراتيجية من حيث أنها أحد نماذج ثورات الشعوب على الظلم و الدكتاتورية و الطغيان و ليس فقط الشعوب العربية أو ما يعرف بالربيع العربي بل و للعديد من دول و شعوب العالم لذلك تجد مؤيدي النظام السوري فيها دولاً تصنف على أنها من أعتى الدول ضد الحريات الحقيقية كروسيا و كالصين ، و هي حرب إستراتيجية لأنها طائفية بامتياز فالطرف الغالب فيها قد يفرض مشروعه على المنطقة و يهيمن عليها أيدولوجياً لقرون قادمة ، كما أنها إستراتيجية بالنسبة لقضية العرب و المسلمين الأولى القضية الفلسطينية ، أي بالنسبة لبزوغ شمس دول و شعوب قادرة على الحد من العربدة الصهيونية في المنطقة ، فمتغيرات الموقف المصري من إسرائيل لا تزال تتجلى رويداً رويداً و هي سلبية دون ريب من وجهة النظر الصهيونية و قد تقود إلى نبذ معاهدة كامب ديفيد و عودة القوات المصرية بشكل دائم و فعال إلى سيناء ، فكيف إذاً لو تحررت سوريا من الطغيان و الحكم الدكتاتوري الممالئ لإسرائيل إلى حكومة تمثل إرادة الشعب السوري الأبي ؟ و بدأت المطالبات بعودة الجولان ؟ ألن يصبح الكيان الصهيوني بين كفي كماشة حقيقية ؟ ، لذلك تدفع إسرائيل إلى تحول الصراع الداخلي بين الثورة السورية و النظام الظالم فيها إلى حرب أهلية عرقية دينية كي تتمزق سوريا من ثقلها الإقليمي إلى دويلات متناحرة. و هي إستراتيجية من النواحي الدولية لأن عديدا من الدول الإستعمارية الكبرى كمثل فرنسا تطمع أن تقود أحداث الصراع السوري إلى ما يمكنها من إيجاد موطئ قدم في سوريا ، و لا يجب أن يغيب عن أذهاننا بأن أحداث الملاحم و الفتن التي جاءت عن الصادق المصدوق نبينا محمد صلى الله عليه و سلم تصف ملاحم كبرى في أرض الشام. فالمعركة الجارية بالشام حالياً سيليها ما هو أعظم و الله أعلم.

ليس بخاف على أحد من هي الجهات العربية التي تدعم مشكورة خيارات الشعب السوري الشقيق و منها الحل العسكري ، و كما يشاهد الجميع يومياً على شاشات الفضائيات فإن نقطة ضعف الجيش السوري الحر هو الطيران. فتزويد الجيش الحر بقدرات مقاومة الطيران قد يقلب الكفة لصالح الجيش الحر كما فعلت صواريخ «ستينغر» الأمريكية في ما مضى من قلب الكفة بين القوات الروسية الغازية و المجاهدين بأفغانستان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد يكابر

مع دنو السقوط

د. نقولا زيدان

المستقبل

1-9-2012

ما دام بشار الأسد يراهن بكل أمواله على حصان واحد في سباقه المحموم نحو قدره المحتوم، فبإمكانه الآن استغلال الوقت الضائع بالنسبة له ليطلق التصريحات المكابرة وهو سائر في عد عكسي غير قابل للانرداد نحو الهاوية.

وقت ضائع حقاً بالنسبة لحاكم دمشق لكنه مشبع بالدماء والأشلاء والحرائق والركام للشعب السوري الذي تزج معارضته البطلة بالمزيد من قواها المسلحة وفصائلها الثورية في طول سوريا وعرضها.

فالأسد يعتبر أن الحسم العسكري الموهوم المعتمد على الدعم اللوجستي والتقني للروس والإيرانيين بحاجة لوقت حتى يتمكن من انجازه. فهو يعتقد أن الوقت لمصلحته، يعض على الجراح التي أثخنته بها المعارضة الثورية من ضربات عسكرية نوعية: من الإطاحة بخلية إدارة الأزمة حيث أردت الرؤوس المدبّرة للجرائم ضد الانسانية التي تفتك بخيرة مناضلي الشعب السوري بل بالبسطاء الطيبين من نساء وأطفال وشيوخ، فتدير المجازر من بابا عمرو الى الخالدية في حمص الى حولا الى الرستن الى اعزاز الى بصرى الحرير والحراك وداريا حتى قلب دمشق، الى سقوط مواقعه الحدودية في البوكمال والقائم ودير الزور... ويلجأ الى نور المالكي الذي يستضيفه طيرانه الحربي فتغير طائراته مستخدمة المجال الجوي العراقي. وتتساقط مواقعه في حلب فيحوّل أحياء كاملة منها الى ركام. وها هو الآن يقاتل داخل دمشق من المزّة الى القابون الى جوبر الى الحجر الأسود الى القدم وصولاً الى أبو رمانه أكثر أحياء دمشق رقياً وعصرية.

إلا أن الحصان الواحد الذي يراهن بكل أمواله ورصيده عليه هو نفسه ليتعاطى معه على قاعدة أن نظامه متّجه بوتيرة متسارعة نحو السقوط. فلا تصريحات قدري جميل في موسكو، ولا تصريحات حلفائه الايرانيين حول الحوار المستحيل والعبثي تمهيداً لاستصدار توصيات لمصلحته في قمة دول عدم الانحياز في طهران بعد يومين لقادرة على إطالة عمر نظامه المتداعي المنهوك: لبعض الوقت؟ نعم الثورة السورية بحاجة لبعض الوقت لإنجاز مهمتها الرئيسة: اسقاط العاصمة وسقوط نظامه الدموي البربري الجاثم على صدور السوريين.

أما حديثه على أن الانشقاقات التي زعزعت كيان نظامه من رأسه الى أخمص قدميه "ليست سوى عملية تطهير" فليس سوى مكابرة ومحاولة ايهام ما تبقى له من أنصاره ان النظام ما زال متماسكاً صامداً. فعندما يلجأ رئيس وزرائه نفسه الى الخارج، وينشق العديد من السفراء وعدد متزايد من القادة العسكريين، فعن أي تطهير يتحدث حاكم دمشق وقد وصلت المعارك الى عقر داره، وأي تفسير يقدم للضربات الموجعة التي ألحقها به الثوار؟

لعل الأسد يدور بخلده اللجوء الى السلاح الكيماوي كورقة أخيرة وهو يعلم أن التفاهم الأميركي الروسي حول هذا الخيار الأقصى يعطل عملياً هذا الاحتمال الجنوني، لأن خياراً غبياً كهذا سوف يؤدي الى تداعيات خطيرة ليس بمقدور نظامه المتهدم تحمل نتائجها الاقليمية والدولية. وإذا كانت أوساطه قد سرّبت للاعلام احتمال نقلها الى لبنان وفي حال جرى استخدامها في مغامرة عسكرية جديدة عندنا دفاعاً عن النظام الايراني، فمعنى ذلك وقوع لبنان في كارثة العصر، على المغامرين التبصر كثيراً قبل الانزلاق الى هاوية بلا قرار.

أما المناطق العازلة أو الآمنة التي تشدد على وجوب استحداثها أنقرة وباريس والتي تلوح تركيا باللجوء إليها بعد تدفق اللاجئين السوريين الى أراضيها، فإن ذلك يتطلب موافقة حلف الناتو ومن ورائه واشنطن المنهمكة في انتخاباتها الرئاسية. ويعتمد الأسد على الفيتو الروسي الصيني لتعطيل هذا الاجراء بقرار من مجلس الأمن. ولم تلجأ تركيا لفرض غطاء جوي فوق حلب حتى الآن، مما يعطي النظام السوري فرصة لصب حمم طائراته الحربية على احيائها السكنية. ولعل من الضروري في هذا المجال الاقرار بأن عجزاً فاضحاً يحكم المجتمع الدولي والرأي العام العالمي الذي يتفرج على معركة حلب الضارية دون أن يبادر الى نجدة المعارضة حتى بالحد الأدنى من صواريخ أرض جو وهي ما زالت تقبع في عنابر الجيش التركي.

إن قلقاً عميقاً يسود أوساط المعارضة السورية والجيش السوري الحر حيال احتمال إطالة حرب التحرير حتى نهاية العام الحالي، ذلك أن ثمة اختلالاً فاضحاً في ميزان الأسلحة على ساحات القتال حيث ما زال الجيش السوري الحر بحاجة ماسة ليس للصواريخ أرض جو فحسب بل ايضاً للأجهزة الإلكترونية القادرة على تعطيل أو تشويش وسائل اتصال الجيش الأسدي. فلا بد من انجاز هذا الملف وذلك ضناً ورفقاً وحرصاً على دماء السوريين. وهو شرط رئيسي للإسراع بكنس نظام الأسد الذي يترنح وهو بحاجة للضربة القاضية لتنهيه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا التي نريدها: دولة ديموقراطية وعادلة (2)

ميشيل كيلو

السفير

1-9-2012

لن تكون سوريا التي نريدها دولة فوضى وتسيب، دولة كل من يده له، بل ستكون على قدر من التنظيم يماثل في حداثته وتطوره ما هو قائم في البلدان المتقدمة. إنها ستكون دولة منتجة، تستثمر ثرواتها ومواردها بعقلانية وحرص، وتفيد إلى أقصى حد ممكن من عمل مواطناتها ومواطنيها، فتعطيهم مقابله حقوقا اقتصادية واجتماعية متساوية، وتقدم لهم خدمات وافية، مفتوحة الفرص من تعليم وسكن وصحة وشغل، وتتيح لهم الحصول على ما يريدونه من فرص تقدم شخصي وعام، ومن معارف لا يستطيع أن يقدمها لهم غير مجتمع تواصلي يتكاملون ويتفاعلون في إطاره بطرق حرة، مبدعة وخلاقة، يرى في عملهم مصدر ثروته الرئيس، فلا يسمح ببطالتهم أو بافتقارهم إلى قدر من الدخل يحولهم إلى منتجين ومستهلكين ومدخرين في آن معا، يحرر قدراتهم على العمل والملكية ضمن أنماط مدروسة ومراقبة من توزيع الدخل، تقلص فوارقه إلى الحدود التي ينتفي معها الظلم الاجتماعي، فلا يبقى المجتمع مشطورا إلى طبقة هائلة العدد، فقيرة أو معوزة، وطبقة قليلة من المميزين يتعاظم بلا انقطاع الفارق بينها وبين بقية الشعب، تلم ثرواتها الطائلة دون أن تعمل، وتستمتع بحياة تحرم الأغلبية الساحقة منها، تعيش في قصور بينما يعيشون هم في منازل تزداد تواضعا أو في العراء في حالات كثيرة، بينما تأكل ما لا يأكلون، وتلبس ما لا يلبسون، وترداد أماكن يحرم عليهم الاقتراب منها ... الخ.

ستعيد سوريا الحرة الاعتبار لفكرة أن العمل يجب أن يكون مصدر دخل كاف وعيش كريم، وأن الإنسان لا يجوز أن يكون عاطلا عن العمل، وأن الثروة يجب أن تكون نتاج الجهد المنتج والتفكير الابتكاري والتراكم والادخار، وأن توضع في خدمة الجماعة الوطنية، مع احترام حق مالكيها فيها، ولا يجوز أن تترتب على السرقة والتهريب والفساد ووضع اليد بقوة السلطة أو السلبطة على ارزاق وعمل الآخرين، أو نهب الدولة والمجتمع والاستئثار بثرواتهما والتصرف فيها وكأنهما ملكية خاصة، وأن المواطن يجب أن يتمتع بجميع الخدمات التي تحسن حياته وتحفظ كرامته كالتأمين على الحياة والرعاية الصحيه والحصول على عون مادي يساعده على استئجار او شراء مسكن وإنشاء أسرة وتربية أطفال، ويجب أن يعامل باحترام ورعاية بعد بلوغه سن التقاعد، فلا يتعرض للترك اجتماعيا، أو للحرمان من حقوق كانت له خلال الفترة التي أمضاها في العمل، وأسهم خلالها في زيادة الثروة الوطنية، واشتغل لتحسين حياته وحياة جماعته الوطنية. ستولي سوريا الحرة رعاية مكثفة للأجيال الجديدة، وستفتح أمامها أبواب التقدم الشخصي والعام، المعرفي والمجتمعي والسياسي والثقافي، وستمكنها من استثمار طاقاتها وقدراتها إلى أقصى الحدود،وستوفر لها فرص الدراسة في شروط ملائمة، وتتكفل بتأمين فرص الشغل لها حين ترغب في العمل، بينما سترى في كل من يبلغ الثامنة عشرة من العمر شخصا مستقلا قانونيا، له ما لغيره من حقوق وواجبات، تحظى خياراته بكل ما يلزم القانون الدولة ومؤسساتها به من رعاية واحترام.

لا داعي للقول: إن المرأة ستكون مساوية في هذا كله للرجل، وانها ستكون سيدة قرارها ومصيرها، حرة قدر ما هو حر، متعلمة مثلما هو متعلم، وعاملة على غرار ما هو عامل، ومالكة مثله، ومتمتعة بحماية القانون باعتبارها مواطنة تتعين هويتها هي ايضا بحريتها، فلا بد أن تحدد شؤونها الخاصة وتتحكم بمصيرها، وأن تتصرف بما تملك، وتتمتع بالخدمات التي تتيح لها الاستقلالية والكرامة والمساواة التامة مع غيرها: ذكرا كان أم انثى.

لن تحقق سوريا هذا بضربة واحدة. لكنها ستجعل منه هاديا يوجه سياساتها وخياراتها وسلوكها كمجتمع وكدولة ،وسترسم في ضوئه خطواتها العملية، فلا تحيد عنها أو تتراخى في تطبيقها، بعد أن تكون قد رسمت لنفسها سياسة اقتصادية عقلانية تغطي عموم الاقتصاد وكل قطاع منه، فلا تبدد ثروة مهما كانت صغيرة، ولا تضيع فرصة تقدم ونماء مهما بدت قليلة الأهمية، ولا تفرط بما تملك، أو تتجاهل فرصة، بل تعرف كيف توطن نفسها في مكان ملائم داخل تقسيم العمل العربي والدولي، وكيف توسع موقعها فيه، انطلاقا مما تملكه من ثروات بشرية وطبيعية، ومن طاقة عمل ومهارة وخبرة في مختلف مناحي الإدارة والتخطيط الإرشادي والتوجيهي، ومن قدرة على عقلنة إنفاقها، وتعظيم عوائد عمل مواطنيها، وتطوير تتركز أولوياته على زراعتها وصناعاتها التحويلية والزراعية، واستثمار لقدراتها السياحية والعبورية، ولمواهب أجيالها الصاعدة في مجالات المعلوماتية والخدمات والصناعات الالكترونية، وفق ما تحدده لجان خبراء موصوفين يرسمون استراتيجيات تنمية مدروسة لها، تغطي الحاضر والمستقبل. لن تترك سوريا شيئا من إنتاجها واستهلاكها وادخارها للمصادفة أو للعشوائية والفوضى .

لن تتخلى سوريا عن دورها في المجال القومي والإقليمي، وستقيم أحسن علاقات حسن جوار وتعاون مع جيرانها الأقربين والأبعدين. ولن تعمل خارج أطر الشرعية المحكومة بتعاون ثنائي ومتعدد الجوانب مع بقية العرب، تنظمه اتفاقيات ومعاهدات رسمية يقرها برلمانها، من الضروري بمكان أن تؤسس وحدة مصالح تستند إلى أعلى اشكال التكامل والتفاعل، وتبني مشتركات تتسع إلى أن تصير ساحة يتم انطلاقا منها إنتاج واقع جديد يعرف نفسه بمصالح جديدة تتناسب وطبيعتها كساحة تشمل كل شيء، بما في ذلك المجال السياسي، دون أن يعني ذلك اختفاء الدول الراهنة، مع أن وظيفة هذا المجال ستتغير ما دامت وظيفة التي تحمله والمعبرة عنه لن تبقى على حالها، وإنما ستتركز على تعميق وتعزيز فاعلية أدوات وقوى سياسة غدت الموجه الأعلى لتقارب وتفاعل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والأمنية و... الخ،

ستقبل هيئات مختلطة تتكون من قادة وخبراء وساسة وتقنيين من البلدان العربية المختلفة، التي لن تفقد استقلالها، كما سبق القول، رغم أنه سيشهد إعادة تعريف وقراءة تطاول مفرداته الوطنية والقومية. ستعمل سوريا على إقامة ساحات عربية مشتركة مختلفة الاختصاصات، يؤدي توسعها التدريجي المدروس إلى أن ترى كل دولة مصلحتها فيها، وتعمل على تطويرها وتحويلها إلى رافعة وجودها، التي ترى كل شيء بدلالتها. ذلك سيكون البديل الذي ستطرحه سوريا للتصور الوحدوي الذي طرحه الاستبداد، وأدى إلى الإمعان في تمزيق العرب بدل توحيدهم، بلغ وسوغ نشوب الحروب بينهم وتدمير المقومات والعلاقات الطبيعية، التي أورثهم إياها التاريخ.

لن تقاطع سوريا إقليمها أو تعاديه، بل ستعيد له وظائفه التاريخية كإطار تواصلي بين العرب والمسلمين، وستعمل على إخراج علاقاتها مع إيران من راهنها الأمني الصرف إلى طابعها الإنساني / الثقافي / الديني / الاقتصادي والسياسي، كما ستنفتح على تركيا كجارة وشقيقه، مع مراعاة المصالح الخاصة بكل من الدولتين، وعدم الانخراط في صراعات أية دولة إقليمية مع بقية العالم، لأن سوريا ستقيم أفضل العلاقات مع الجميع، عدا إسرائيل، التي ستبقى مصدر الخطر الرئيس على الديموقراطية وسوريا الجديدة، ليس فقط لأنها تحتل أرضها، وإنما لأنها تواصل كذلك احتلال فلسطين والاعتداء على حياة وحقوق شعبها.

لن تخاصم سوريا روسيا لأنها تساند اليوم حرب النظام الاستبدادي ضد شعبها،ولن تعادي أميركا لأنها تتفرج على مأساة مواطناتها وموطنيها، ولن تقطع ما أقامه التاريخ من أواصر مع أوروبا، جارتها على الجانب الآخر من المتوسط، ولن تتراجع عن صداقتها مع الصين، التي لا تشعر بما يتعرض له شعبها المظلوم. إنها ستكون صديقة الجميع، انطلاقا من مصلحتها الكبيرة في الالتزام بالقيم والمثل العليا، التي ستعمل وسعها كي تنهض الحياة والعلاقات والمصالح الدولية عليها ،فلا تتكرر مأساتها عند أي شعب آخر، ولا يستمتع العالم بمراقبة موته دون اكتراث.

هذه هي سوريا الجديدة، سوريا التي نحلم بها، فهل يتحقق حلمنا وتصير ما نريد لها أن تكونه؟. ذلك هو السؤال المهم، الذي ستتعين الإجابة عليه بإرادة شعبها المضحي النبيل، الذي سيهزم اليوم واحدا من اعتى نظم الاستبداد التي عرفها التاريخ، ولن يقصر بحق نفسه ووطنه، ولن تهزمه الصعوبات الكثيرة التي سيجدها أمامه، وسينتصر عليها مهما تطلب الانتصار من صبر وصراع مع إرث الاستبداد، الذي سيبقى حيا وفاعلا لسنوات عديدة قادمة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سفير قاتل الأطفال

علي حماده

2012-09-01

النهار

الحملة الطالبية لطرد سفير نظام بشار التي انطلقت مع طلاب الكتائب، وتواصلت مع طلاب ١٤ آذار، لتنتهي البارحة مع طلاب الحزب التقدمي الاشتراكي، اعادت الى الاذهان حقبة مضيئة من حقبات التحرك ضد الوصاية الاحتلالية في المرحلة التي سبقت اغتيال رفيق الحريري والمرحلة التي تلتها عندما توحدت الشعارات والتقت القوى الحية في البلاد على مطلب خروج الوصاية الاحتلالية من لبنان.

طبعاً تغيرت الامور منذ ذلك الوقت، لكن شعلة ثورة الارز لم تنطفئ رغم كل العثرات التي اصابتها، وكل الضربات التي تلقتها، وحتى رغم خروج التقدمي من صفوف ١٤ آذار كفريق، لكنه لم يخرج من "ثورة الارز"، وان ١٤ آذار التي كان رأس الحربة فيها وقادها وليد جنبلاط لم تخرج من صفوفه، ولا من قواعده، فتغيرت التحالفات السياسية المرحلية للحزب لكن روح "ثورة الارز" ظلت راسخة في العقول والقلوب. ومع ان المصالحة الحزبية مع "حزب الله" مفهومة لاسباب تتعلق بالحفاظ على السلم الاهلي، فإن القاعدة لم تقتنع يوما بما يمثله "حزب الله" إن في سياساته او في سلوكياته التي، بدل ان تتحاشى اثارة حساسيات الناس، ظلت الحياة المتداخلة حينا والمتجاورة حينا آخر مع قاعدة "حزب الله" مشوبة بارتكاباتها المتكررة، ونشاطها التوسعي الذي لم يهدأ يوما ولم تخفف منه المصالحات حتى قال البعض "إن عدوانية "حزب الله" وسلوكه التوسعي يذكراننا بالاستيطان في فلسطين".

على مستوى الموقف من النظام في سوريا، وشعار طرد سفير النظام، ثمة تلاق عضوي بين التقدمي وكل مكونات ١٤ آذار، وهذا اكثر من واضح. ولعل سلوك هذا السفير هو ما يزيد حساسية الناس حيال بقائه في بلادنا. فنحن لا ندعو الى قطع العلاقات الديبلوماسية مع الدولة السورية، لكننا ندرك ان هذه الاخيرة مخطوفة من زمرة قتلة على رأسهم بشار الاسد وبطانته الذي فاق الكثيرين من طغاة الارض الذين سبقوه في الجريمة ضد الانسانية باكثر وجوهها قتامة. اكثر من ذلك نحن نعتقد لا بل نؤمن بأن نظام بشار لا يحكم سوريا بل انه يحتلها، والشعب يخوض ضده حرب تحرير ينبغي لنا نحن اللبنانيين ان نقف فيها بجانبه.

وقوفنا دفاعا عن استقلال بلادنا وسيادتها والحرية، ووقوفنا نصرة لشعب سوريا الثائر ضد قتلة الاطفال، يحتمان علينا ان نرفض بقاء مندوب القتلة بيننا. عار على لبنان كله ان يتحول، كما قال صديقنا احمد فتفت، وزير خارجية لبنان مجرد "باش كاتب" عند سفير قتلة الاطفال. وهذا بالضبط ما يتناقض مع مواقف رئيس الجمهورية الاخيرة خصوصا بعد فضح مؤامرة سماحة - مملوك. وان عدم حصول لقاء بين الرئيس ميشال سليمان ووفد بشار في قمة عدم الانحياز يعتبر في هذا المجال نقطة ايجابية تسجل لرئاسة الجمهورية.

بناء على ما تقدم، سنواصل حملتنا لطرد سفير القتلة لا بل قاتل الاطفال في سوريا لأن بقاءه على ارضنا عار علينا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تخلّت روسيا عن الأسد؟!

راجح الخوري

2012-09-01

النهار

لماذا تتوارى روسيا عن المسرح السوري الذي اضطلعت فيه بدور المدافع عن النظام السوري في مجلس الامن وعبر الاساطيل وشحنات السلاح، واين هو سيرغي لافروف ولماذا غاب صوته وتصريحاته اليومية وزياراته المتلاحقة الى دمشق، وهل انسحبت موسكو الى كواليس المسرح الدموي تاركة الايرانيين وحدهم يدعمون النظام الذي يتخبط في رمال متحركة ستنتهي بانهياره؟

انها الاسئلة المطروحة الآن بعدما لاحظ المراقبون ان روسيا تنسل بهدوء خارج الازمة السورية التي ربما ادركت اخيراً انها ستسبب لها خسارة كبيرة في العالمين العربي والاسلامي من دون اي ضمان لنجاح الاسد في تجاوز الأزمة.

سبب هذا الكلام ليس غياب الصوت الروسي عن قمة عدم الانحياز، ولا غياب سيرغي لافروف عن المشهد بعدما كان يقال انه صار وزير خارجية سوريا. السبب الحقيقي هو الحديث المتواتر عن امكان انسحاب السفن الروسية من طرطوس وحتى من المياه السورية!

ما يشجعني على طرح هذه الاسئلة هو التناقض الواضح في التصريحات الاخيرة للقيادات العسكرية الروسية وكذلك قرارات وقف استعراض القوة البحرية امام الساحل السوري في مواجهة التهديدات "الكلامية" الغربية. ففي 22 آب الماضي اعلن قائد الاسطول الروسي فيكتور تشيركوف انه "إذا وصلت الحرب ضد سوريا الى ميناء طرطوس فمن المحتمل ان تخلي موسكو قطعها البحرية من الميناء وكذلك من السواحل المقابلة لسوريا".

طبعاً ليس في وسع تشيركوف ان يقول كلاماً بهذه الاهمية من دون مباركة او ايعاز من فلاديمير بوتين، وطبعاً ليس في وسع بوتين اعطاء فكرة سلبية عن تراجع روسيا عن موقفها في سوريا بهذه السهولة، ولهذا جاءت تصريحات قائد اركان الجيش الروسي الجنرال نيكولاي ماركوف بعد "انتظار" ستة ايام على كلام تشيركوف، لتعلن انه "لم يطرأ اي تغيير على جدول اعمال الجيش الروسي الموجود في سوريا ولن يتم اخلاء قواعد الاسطول من طرطوس ومن السابق لأوانه الحديث عن "الهروب" من سوريا"، بما يعني ضمناً ان هناك على الاقل تفكيرا في احتمال "الهروب" عندما يحين الأوان!

اضافة الى هذه التصريحات المتناقضة يجب التوقف امام قرار موسكو الغاء المناورات الواسعة التي كان من المقرر اجراؤها هذه السنة في المنطقة، وكذلك عودة السفن الروسية الـ11 من سوريا الى المواقع التي تحركت منها في اساطيل الشمال والبلطيق والبحر الاسود، وكذلك الحديث عن ان موسكو ابلغت الاسد انها جمّدت المساعدات العسكرية له وستكتفي بتقديم المساعدة اللوجستية.

والسؤال: هل قفز الروس من سفينة الاسد المشرفة على الغرق بعدما وجدوا انهم سيخسرون المنطقة من دون ضمان "ربح" بقاء النظام؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صعوبة الحظر الجوي في سورية

عبد الباري عطوان

2012-08-31

القدس العربي

التصريحات التي ادلى بها الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الاركان المشتركة في الجيش الامريكي يوم امس اثناء توقفه في لندن وقال فيها 'ان اسوأ نتيجة محتملة للأزمة في سورية ستكون حالة من الفوضى وعدم الاستقرار' ستشكل صدمة للدول العربية ومعظم فصائل المعارضة السورية، التي راهنت، ولا تزال، على تدخل عسكري خارجي لتغيير النظام.

فما يقلق الادارة الامريكية هذه الايام، حسب ما ورد في العديد من التقارير الاستراتيجية، هو تزايد نفوذ الجماعات الجهادية الاسلامية على الارض السورية، وصعوبة السيطرة عليها بالتالي. وهذا الموقف الامريكي المتردد دفع بعض جماعات المعارضة السورية الى مهاجمة الادارة الامريكية، واتهامها بخذلان الشعب السوري وثورته، والتهديد بالتحالف مع الجماعات الاسلامية المتطرفة ضد الولايات المتحدة.

ومن الواضح ان الضغوط التي مارستها وتمارسها حكومة السيد رجب طيب اردوغان التركية على امريكا، وحلف الناتو ايضا، بإقامة مناطق عازلة داخل سورية لاستيعاب عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، لم تجد آذانا صاغية لصعوبة اقامة مثل هذه المناطق في ظل الدعم الروسي ـ الصيني المطلق والمفتوح للنظام السوري.

الجنرال ديمبسي بعث رسالة واضحة الى الحكومة التركية بعدم وجود الرغبة والحماس لدى إدارته لإقامة مناطق الحظر الجوي هذه عندما قال بالحرف الواحد 'ان المقارنة المتكررة للحالة السورية مع ليبيا، حيث تم فرض منطقة حظر طيران بموجب قرار من منظمة الامم المتحدة، هي في احسن الحالات مصدر للتسلية'.

وربما تكون مثل هذه التصريحات الصادرة عن الرجل الأقوى في المؤسسة العسكرية الامريكية، الى جانب اسباب اخرى، هي التفسير الاكثر منطقية لخفوت صوت السيد اردوغان وابتعاده عن الملف السوري، علنيا على الأقل، وللهجوم الشرس الذي خصّه به وحكومته الرئيس بشار الاسد في مقابلته الاخيرة مع قناة الدنيا المملوكة للسيد رامي مخلوف.

الموقف في سورية يختلف كليا عن نظيره في ليبيا، فتدخل حلف الناتو في الاخيرة كان 'مجرد نزهة'، ومعدوم المخاطر، لأن الجيش الليبي كان ضعيفا، بل غير موجود اساسا، بعد ان حلّه العقيد القذافي واستبدله بكتائب امنية بقيادة ابنائه وأفراد خُلّص من قبيلته.

الجيش السوري ما زال قويا، ويملك قدرات دفاعية هائلة وفق التقديرات الغربية، علاوة على بطاريات صواريخ روسية حديثة يمكن ان تتصدى لأي غارات جوية من قبل حلف الناتو، والأهم من ذلك ان النظام السوري يجد كل الدعم من روسيا والصين كما قلنا (بوارج الاولى ما زالت ترابط في ميناء طرطوس) وايران وحزب الله في دول الجوار.

' ' '

القلق الأكبر لدى واشنطن هو من قيام تنظيمات جهادية اسلامية متشددة على نمط 'القاعدة' بملء اي فراغ يمكن ان ينشأ في حال تحوّل سورية الى دولة فاشلة، في حال سقوط النظام، خاصة ان تجارب في دول مثل افغانستان والعراق بعد الاحتلال، واليمن وليبيا بعد سقوط النظام، تؤكد مثل هذه المخاوف، بصورة او بأخرى.

الأمر المرجح ان الوضع الراهن يناسب واشنطن والدول الغربية الاخرى، وان كان لا يناسب المعارضة السورية والدول العربية الداعمة لثورة الشعب السوري. فالتحالف الغربي العربي المناوئ للنظام يرى ان حرب الاستنزاف الدائرة حاليا على الارض السورية، بعيدا عن اي تدخل اجنبي مباشر، قد تؤدي الى اضعاف الجيش السوري، وتقويض قواعد التأييد للنظام من الداخل، وإحداث انشقاقات اكبر داخل المؤسسة العسكرية السورية.

المعادلة على الارض، او بالأحرى في ميادين القتال، تميل لصالح النظام في الوقت الراهن، لأن تسليح الجيش السوري الحرّ ما زال ضعيفا بالمقارنة مع القدرات العسكرية الهائلة التي يملكها النظام وقواته، ولكن اذا صحّت بعض التسريبات الغربية والعربية التي تقول بأن دولا غربية قد تلجأ الى تزويد الجيش الحرّ بصواريخ حديثة لإسقاط الطائرات السورية التي تهاجم تجمعاته في حلب وإدلب ودير الزور وريف دمشق، فإن هذا قد يُحدث تحوّلا خطيرا في الحرب، على غرار ما حدث في افغانستان.

صواريخ 'ستينغر' الامريكية المضادة للطائرات والتي تحمل على الكتف شلّت الطيران الحربي السوفييتي في افغانستان عندما زوّدت بها واشنطن المجاهدين الافغان في الثمانينات، وجعلت من معظم افغانستان منطقة حظر جوي، فهل تتكرر السابقة نفسها في الايام والأشهر المقبلة؟ ثم ما هو الرد الروسي والصيني والايراني على هذا السيناريو المرعب في النهاية؟

وانا اجري ابحاثا لتأليف كتابي الاول عن 'القاعدة'، قال لي مصدر موثوق مقرب من التنظيم، ان عناصره عندما حاولت استخدام صواريخ ستينغر ضد طائرات امريكية اثناء الهجوم الامريكي على افغانستان بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) لم تنطلق هذه الصواريخ لأنها كانت مبرمجة لإصابة طائرات غير امريكية. واضاف ان بعض خبراء التنظيم نجحوا في فك الشفرة وتمكنوا من استخدامها في اسقاط عدة طائرات عمودية امريكية. ولست خبيرا عسكريا لأجزم بدقة هذه المعلومة.

الاستراتيجية الامريكية الجديدة في المنطقة تتمحور حول كيفية اضعاف، ان لم يكن تدمير الجيوش العربية وانهاء قدراتها القتالية حتى تظل اسرائيل هي القوة الاقليمية الأعظم في المنطقة دون منافس، والجيش السوري بلا شك هو على رأسها.

وليس صدفة ان العراق وبعد عشر سنوات على غزوه واحتلاله وتفكيك جيشه ما زال بلا اي جيش قوي، ولا سلاح طيران، والشيء نفسه ينطبق على ليبيا. وعندما سئل وزير الداخلية الليبي عن اسباب تصديه للجماعات التي دمرت الاضرحة ومساجد الصوفية في طرابلس ومدنا اخرى، قال بالحرف الواحد: لا يوجد لدي جيش او قوات كافية للتصدي لهذه الجماعات.

' ' '

المسؤولون الغربيون يهربون من اتخاذ اي مواقف جدية دعما للمعارضة وقوات الثورة السورية، ليس بسبب الاسباب المعلنة مثل ضعف المعارضة وانقساماتها وتناسل فصائلها، وانما من منطلق الخوف من السقوط في مستنقع دموي لا يمكن الخروج منه بسهولة.

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس هدّد بالأمس بان الرد الغربي سيكون ساحقا في حال استخدام النظام السوري اسلحة كيماوية وبيولوجية ضد قوات الجيش الحرّ. النظام السوري اكد انه لن يستخدم هذه الاسلحة، ولكن الانطباع الذي يتبادر الى ذهن اي انسان يستمع الى هذه التهديدات، ان القتل بالاسلحة التقليدية مقبول اما بالاسلحة الكيماوية فهو خط احمر!

الثقة التي ابداها الرئيس بشار الاسد اثناء مقابلته مع قناة الدنيا، ولهجة التحدي التي عبر عنها في اجاباته ربما تعود الى معرفته بالمخاوف العميقة لدى القادة الغربيين من مخاطر التدخل في سورية.

الغرب، وبعض العرب، صعّدوا آمال الشعب السوري بإظهار استعدادهم للتدخل على غرار ليبيا، ثم قطعوا بهم الحبل وهم في منتصف الطريق.

مرة اخرى نقول إن الشعب السوري هو ايضا ضحية مؤامرة خارجية!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تداعيات الحرب السورية على لبنان والأردن وتركيا

سليم نصار *

السبت ١ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

كثرت مرويات البطولة التي فاخر بها اللبنانيون عقب معركة الفنادق (كانون الأول/ ديسمبر 1975). وهي معركة شرسة استمرت أسابيع عدة تنازع خلالها «المرابطون» وشبان «الكتائب» على احتلال فنادق الفينيسيا والكازار والهوليداي – إن. وكانت رايات المتقاتلين ترفع من الشرفات المحترقة لتبلغ الإعلاميين في الخارج عن هوية المنتصر. وقد سقط أثناء تلك الجولات العنيفة فتيان في مقتبل العمر، دفعتهم الحماسة لرسم خطوط تماس تفصل بين لبنانيين ومنطقتين ومنطقين.

ومع ولادة «المرابطون» في المنطقة الغربية من بيروت، ولدت في المنطقة الشرقية ميليشيات مختلفة كانت متعاطفة مع نهج «الكتائب و «الأحرار» بينها حراس الأرز وحركة التنظيم.

وحدها الطائفة السنّية اعتمدت على سلاح المقاومة الفلسطينية لحماية الأرواح والممتلكات، ولم تدخل في «بازار» الميليشيات التي تقاسمت مؤسسات الدولة، بدءاً من بنت جبيل في الجنوب حتى نهر البارد في الشمال. وقد أرضى هذا الدور ياسر عرفات الذي تفيأ في لبنان ظلال السنّة ودروز كمال جنبلاط، كي يتقي بهما احتمالات الأخطار التي واجهته في الأردن سنة 1970.

المهم أن معركة الفنادق التي خاضها «المرابطون» إلى جانب القوات المشتركة للحركة الوطنية، أبرزت إبراهيم قليلات كزعيم بيروتي جديد بسط سلطته على كل المنطقة الممتدة من شارع المزرعة حتى المتحف.

حدث مرة أن زاره الرئيس تقي الدين الصلح ليعاتبه على سلوك جماعته على المعابر الحيوية. ولما اشتدت حدة النقاش، وشعر قليلات بالإحراج أمام أنصاره، انبرى للدفاع عن موقفه بتوجيه سؤال إلى منتقده، قال فيه: أنا يا تقي بك... أمثل المقاتلين. ممكن أعرف أنت مين بتمثل؟!

وأجابه الصلح فوراً: أنا أمثل المقتولين... ونحن في لبنان الأكثرية.

ومثل هذا الوضع المؤلم الذي خبره اللبنانيون طوال خمس عشرة سنة، ودفعوا ثمنه دماراً شاملاً، إضافة إلى موت 120 ألف نسمة... هذا الوضع لا يحاكيه في التعاسة سوى وضع سورية حالياً. لذلك، وصف مراقبو الأمم المتحدة الذين غادروا دمشق، الأحوال الأمنية بأنها ستزداد سوءاً بسبب تنامي روح الانتقام بين النظام والمعارضة. خصوصاً أن سيد النظام مقتنع بأن الثورة التي اندلعت قبل 17 شهراً ليست أكثر من مسرحية دولية يمثل فيها أناس مأجورون ومرتزقة يجب تطهير البلاد من رجسهم. وهذا ما كرره في حديثه الهادف عبر «قناة الدنيا»، عندما قال إن مسألة تحرير البلاد من العدو الداخلي تتقدم على مسألة تحرير الجولان من العدو الإسرائيلي. ووعد بتصفية هذا العدو الذي ينشط في حماة وحمص وحلب ودرعا ودمشق، في أقرب وقت ممكن.

وعلق على كلامه رئيس المجلس الوطني السوري الدكتور عبدالباسط سيدا، معتبراً «أن الثورة لن تتوقف إلا إذا رحل بشار الأسد مع عصابته الحاكمة». ورأى أن العجز الدولي عن التدخل العسكري سينسف مهمة الأخضر الإبراهيمي قبل أن تبدأ.

ومع إصرار الفريقين على تطبيق أسلوبهما، تزداد مخاوف الدول المجاورة من ازدياد أعداد اللاجئين الذين فروا إلى تركيا والأردن ولبنان والعراق وكردستان. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد الهاربين من ساحات القتال في سورية، تخطى المئتي ألف نسمة قامت تركيا باستيعاب ثمانين ألفاً منهم. ونقل عن وزير الخارجية أحمد داود أوغلو قوله: «إذا زاد عدد اللاجئين عن مئة ألف شخص، فإن تركيا مضطرة إلى عرض اقتراح يقضي بإقامة منطقة آمنة تحرسها قوات أجنبية».

وقد أيدت الوزيرة الأميركية هيلاري كلينتون الاقتراح التركي مشيرة إلى وجود عقبات قانونية تحول دون تنفيذه. كذلك، عارضت روسيا فكرة إنشاء منطقة حظر جوي شبيهة بالمنطقة التي أقامها حلف شمال الأطلسي في ليبيا تمهيداً لإطاحة نظام معمر القذافي. وأعلن الوزير الروسي لافروف أن بلاده ترفض استخدام المخاوف الإنسانية مبرراً لإقامة مناطق حظر جوي.

ودعت فرنسا إلى مناقشة فكرة المنطقة العازلة بناء على اقتراح الرئيس فرنسوا هولاند، ولكنها استبعدت في الوقت ذاته احتمال حصول تفويض من مجلس الأمن نظراً إلى استعداد روسيا والصين لاستخدام حق النقض. وفي السياق ذاته، طالب الوزير التركي داود أوغلو مجلس الأمن بضرورة تنسيق المواقف إزاء مشكلة أصبحت دولية، كونها صدرت أزمتها إلى الدول المجاورة مثل تركيا ولبنان والأردن.

وتشهد الساحة اللبنانية يومياً اشتباكات متواصلة على الحدود الشمالية في طرابلس امتداداً إلى منطقة البقاع. ولبنان من دون شك من أكثر الدول تضرراً وتأثراً بالحرب الأهلية في سورية. ذلك أن الدولة ترزح تحت مسؤولية استضافة 40 ألف نسمة. وهذا رقم ضخم بالنسبة لبلد صغير توقفت مصادره السياحية والمصرفية منذ 17 شهراً. وبدلاً من أن يساعده النظام في دمشق على صيانة وحدة لبنان، رمى في أحضانه كل ما يؤدي إلى تمزيق أواصر الحياة السياسية الهشة. وكان من الطبيعي أن يقود هذا الوضع المشوش إلى مقاطعة الدول الخليجية التي تعرض مواطنوها إلى الخطف والتهديد كجزء من الانتقامات التي تطلبها سورية ضد أعدائها وأعداء إيران. وقد ساهمت الخطب الاستفزازية التي تطلقها جماعة 8 آذار، في توسيع شقة الخلاف الداخلي، الأمر الذي يمهد لتفجير حرب مفاجئة إذا استمر نصف لبنان في تغليب مصلحة سورية على مصلحة الوطن الصغير. ويتردد في أوساط الأمم المتحدة أن انطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، سيكون المؤشر إلى انهيار النظام السوري. وهذا ما تنتظره إسرائيل لتوجيه الضربة إلى المفاعلات النووية الإيرانية.

صحيح أن الأردن حتى اليوم، نجا من عواقب الحرب السورية. ولكن عمّان ترزح تحت أعباء التحديات المتأتية عن استقبال لاجئين ومهاجرين عراقيين وفلسطينيين. وهي حالياً ترزح تحت أثقال أكثر من 180 ألف لاجئ سوري. ويعترف وزير الدولة لشؤون الإعلام سميح المعايطة بأن تدفق اللاجئين يفوق قدرات الدولة على استيعابهم، خصوصاً أن العام الدراسي الجديد سيبدأ الأسبوع المقبل. وفي رأيه، أن توافر مستشفيات ميدانية أمّنها المغرب وفرنسا، لا تغني عن استخدام المستشفيات الوطنية في الرمثا والمفرق.

الرئيس اللبناني السابق رئيس حزب الكتائب أمين الجميل، طالب بضرورة الابتعاد عن كل ما يورطنا بمعارك هامشية لا تعني لبنان. ومثل هذه النصيحة تندرج في سلم الأولويات التي اختارتها الحكومة اللبنانية شعاراً للمرحلة الصعبة. أي شعار النأي بالنفس. ولكن الشيخ أمين يعرف أكثر من غيره، أن اللاجئين الفلسطينيين الذين استقبلهم لبنان سنة 1948 تحولوا إلى مصدر لنزاعات لبنانية داخلية. كما استغلت إسرائيل نشاطاتهم لغزو لبنان ولاحتلال جزء من جنوبه.

تقول مصادر رسمية في بيروت إن لاجئي سورية في لبنان، لم يجدوا الأمان الذي ينشدونه بسبب تزايد عمليات الخطف وعجز الدولة عن حمايتهم. وقد وجد الفقراء منهم الملاذات الآمنة في مدارس الشمال ولدى أنسبائهم في المناطق الحدودية. بينما انتشر المنتمون إلى الطبقة الوسطى في بيروت وفي الضواحي البعيدة من أعين المسلحين.

ويرى المراقبون في تأثير الحرب الأهلية السورية، مصدراً للقلق والتوتر على طول الحدود الفاصلة بينها وبين تركيا. ويواجه رجب طيب أردوغان من تبعات هذا التأثير، تحديات خارجية لم يسبق أن واجهته من قبل. فهو من جهة، أمر بانتشار الجيش على طول الحدود... ومن جهة أخرى، أرسل قواته للمرابطة على المثلث الحدودي الإيراني – العراقي – التركي لمواجهة حزب العمال الكردستاني. كذلك أرسل وزير خارجيته داود أوغلو إلى أربيل للاجتماع برئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، بهدف طلب مساعدته على مواجهة حزب عبدالله أوجلان.

وفي تطور ملفت، زادت الفرقة السورية الرابعة من استخدام الطيران في معركة حلب بعدما سيطر «الجيش الحر» على الكثير من أحيائها الداخلية. ولكن القصف المركز الذي قام به الطيران الحربي أجبر أربعمئة مقاتل على الانسحاب باتجاه تركيا.

واشنطن حذرت أنقرة من التورط في نزاع الحدود لأن دمشق تسعى إلى جرها إلى حرب إقليمية يستفيد منها النظام لتوحيد الصفوف في مواجهة قوات أجنبية. ومع أن أردوغان ينظر بعين القلق إلى تعاظم نفوذ «القاعدة» في حلب وشمال سورية، إلا أنه أمر بمنع تزويد «الجيش الحر» صواريخ مضادة للطائرات خوفاً من تحول ريف حلب إلى بازار لبيع الأسلحة.

واتهمت دمشق الاستخبارات الغربية بعملية التفجير التي استهدفت القادة الأمنيين الأربعة المقربين من الأسد. كذلك اتهمت أنقرة بالاشتراك في التخطيط لأن تركيا في تصورها، تحاول تفكيك سورية إلى ستة أقاليم، مثلما كانت في العهد العثماني. ومن خلال ذلك التفكيك يمكنها السيطرة على نصف سورية.

الرئيس التركي عبدالله غل ينفي وجود خطة من هذا النوع، لأن بلاده لن تبقى بمأمن من تداعيات التحول الجغرافي. وبما أنها مؤلفة من مجموعات إثنية ومذهبية كالعلويين والأكراد والسنّة، فإن تفككها هي الأخرى يبقى من المسلمات. خصوصاً أن الحدود البرية بين البلدين تبلغ 911 كيلومتراً.

وفي رأي الرئيس غل، أن الحرب الأهلية في سورية لن تتوقف ما دام النظام لا يقر بحق المواطنين في طلب الحرية والمساواة والانتخابات النزيهة الشفافة.

وفي تعليقه على هذه الطروحات رفض الرئيس بشار الأسد هذا المنطق، مؤكداً في الحديث الذي أجراه هذا الأسبوع مع قناة «الدنيا»، أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين سياسة هذه الدولة وعقيدة الشعب السوري، وبسبب هذا التلاحم، وبسبب القوات المسلحة، استطاع هذا البلد أن يصمد.

ورأى رئيس المجلس الوطني السوري الدكتور عبدالباسط سيدا، في تحليل الرئيس الأسد افتراء على الحقيقة، لأن غالبية الشعب السوري تلتف حول المعارضة، ولأن استمرار النظام رهن الفيتو الروسي – الصيني. وقد فسر إطلالة بشار عبر قناة تملكها الدولة، تسلطاً غير مقبول واستخفافاً بعقول المواطنين الذين يضحون بأنفسهم من أجل استرداد حريتهم المصادرة لا من أجل عقيدة بعثية عتيقة تحكمت في مصير البلاد والعباد مدة نصف قرن.

مطلع انفجار حركة التمرد في سورية، كتب أحد المختصين في الشأن العربي مقالة أكد فيها اتساع نطاق الانتفاضة، مذكراً بأن النظام كان قد عقد صفقة مع الشعب مفادها: «أنا أوفر لكم الاستقرار مقابل التنازل عن الحرية». وقال الكاتب في سياق المقالة: إن الشعب السوري قرر إلغاء تلك الصفقة، لأنه يطالب باستعادة حريته المصادرة ولو أدى ذلك إلى فقدان الاستقرار.

وهذا ما يحدث بالفعل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشّار قاتل الأبوين؟

السبت ١ سبتمبر ٢٠١٢

حازم صاغية

الحياة

تنهض الموضوعة الأساسيّة في سيكولوجيا سيغموند فرويد على «عقدة أوديب». إنّها القصّة المستعارة من الميثولوجيا الإغريقيّة، والتي قال فرويد إنّه، من خلال ممارسته العياديّة، اكتشفها (في 1897) كنوع من العواطف التي يحسّها الأبناء حيال آبائهم.

في تلك الميثولوجيا العائدة إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يقتل أوديب أباه لايوس ويتزوّج أمّه جوكستا. وهذا النزاع على الأمّ، وصولاً إلى «قتل الأب»، هو ما غدا، في علم النفس كما في الأدب، رمزاً للتجاوز والتخطّي، استيلاءً على صيت أو على دور أو على مكانة وموقع.

ولقائل أن يقول إنّ بشّار الأسد قاتلُ أبيه الذي كان، بدوره، بعيد الكفاءة في القتل. أي أنّ ما فعله الوالد الراحل في حماة وغيرها يطويه النجل ويجعله لحظة مُتجاوَزة في تاريخ العنف والجريمة. يصير هذا التجاوز أكبر وأشدّ تظهيراً بقياس تحوّلات الزمن وتغيّراته. ففي زمن حافظ الأسد، في السبعينات والثمانينات خصوصاً، كان تنفيذ الجريمة سهلاً نسبيّاً: لم تكن أدوات التواصل الاجتماعيّ ولا حتّى شاشات التلفزيون قويّة وفاضحة، ولا كانت حركات حقوق الإنسان وتيّارات الرأي العام العالميّ ناشطة أو مؤثّرة، كما هيمنت على الكون حرب باردة تحمي المستبدّين وأفعالهم وتعقّد إطاحتهم والتخلّص منهم بذريعة «السيادة الوطنيّة». أمّا اليوم، وعلى رغم كلّ التحوّلات التي يُفترض أنّها لمصلحة الشعوب والحرّيّة، فإنّ النجل يرتكب عنفه الهستيريّ غير هيّاب ولا متردّد.

فإذا كان «الشبل من ذاك الأسد»، جاز القول أيضاً إنّ ذاك الأسد والد هذا الشبل، أي أنّ الكبير الراحل بات يُكنّى بصغيره ويُعرّف. وهذه حاجّة ماسّة لبشّار الذي لم يصبح رئيساً للجمهوريّة في 2000 إلاّ لأنّه ابن أبيه، من دون أيّة ميزة أو صفة أخرى على الإطلاق. هكذا إذاً يُكتسَب المعنى المستقلّ والشخصيّة المستقلّة.

لهذا، ربّما، نرى بشّار يبزّ أباه لا في القتل فحسب، بل في الكلام القاتل أيضاً، إذ أنّ إسباغ الضخامة وقضايا المصير على المفردات امتدادٌ للتجاوز والتخطّي يليق بعظمة مَن يمارسهما. فالكلام الكبير شرط الكبر ودلالة عليه. هكذا رأيناه منذ حضوره أوّل قمّة عربيّة تنعقد بعد رئاسته يعلّم الرؤساء والملوك تاريخ المنطقة الحديث وسجلّ «المؤامرات» عليها. وهكذا نراه، مثلاً لا حصراً، يقول في المقابلة الأخيرة التي أجرتها معه قناة «الدنيا»، إنّ بلاده «تخوض معركة إقليميّة وعالميّة»، وإنّ «القضيّة معركة إرادات». ومن يملك الإرادات الفولاذيّة ويخوض المعارك الإقليميّة والعالميّة يصير أباً لأبيه بدل أن يبقى ابناً بلا ميّزات تتعدّى البنوّة الطبيعيّة.

وقد يندرج في هذه الخانة إنكار الواقع أيضاً. فبشّار، المتجاوز أباه، لا يعبأ بواقع كالذي كان أبوه يعبأ به حتّى الامتثال والإذعان. إنّه، في المقابل، يحلّق في سماوات لا ترقى إليها إلاّ مخيّلات «العظماء» المتعالين.

لكنّ قتل الأب، والحال على ما هي عليه، لا يقف عند الوالد البيولوجيّ المباشر. فهناك أب ثانٍ لجميع الطغاة العرب اكتسب مرتبته تلك من استخدامه السلاح الكيماويّ في حلبجة ضدّ الأكراد. واستخدام السلاح الكيماويّ هو ما لم يقدم عليه سواه في منطقتنا. إنّه صدّام حسين.

وربّما فكّر بشّار في قتل صدّام أيضاً بالمعنى الذي قتل فيه حافظ. ركّزوا أعينكم إذاً على الترسانة الكيماويّة، وليضع العالم كلّه يده على قلبه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل اعتمد الأسد «النأي بالنفس» عن سورية؟

عادل مالك *

السبت ١ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

أيضاً وأيضاً عن لبنان نكتب. فبعد استيراده الحرب في سورية ولو مرغماً (الحياة 18 آب/ أغسطس 2012)، وعملاً بمبدأ «وحدة المسار والمصير» بات الحديث عن تطورات ما يجري على الساحات السورية، هو نفسه الحديث عما تشهده الساحات اللبنانية. في هذا المجال ومع اشتداد حدة المواجهات وضراوتها بين النظام والثوار، وحده عدّاد الموت الذي يسجل عدد الضحايا لا يهدأ فيها الآلاف من السوريين الذين يهربون من جحيم المعارك والاشتباكات في أكثر من اتجاه وأبرزها تركيا، والأردن ولبنان، وقد تجاوزت أعداد المهاجرين والمهجرين كل التوقعات الأمر الذي ضاقت به كل الأماكن في دول الجوار السوري والذي حمل بعض الأطراف المعنية في شكل مباشر أو غير مباشر وفي الطليعة تركيا أردوغان للمطالبة بإنشاء منطقة عازلة أو أكثر لممارسة مزيد من الضغوط على النظام السوري. وتلقف الرئيس الفرنسي الجديد فرنسوا هولاند الفكرة معلناً تأييده لها، مقابل الأطراف الدولية الأخرى الفاعلة والمؤثرة في أحداث سورية، التي رفضت السير في هذا الخيار نظراً إلى ما ينطوي عليه من تعقيدات وأخطار على غير صعيد. ومثلاً لا حصراً، فما شهدته مدينه طرابلس في الأيام الأخيرة بين «معسكري باب التبانة وجبل محسن هو الدليل القاطع والواضح على تحريك الجبهة الجاهزة دائماً للاشتعال «غب الطلب».

وما الهدنة الهشة التي أمكن التوصل إليها بموافقة الفاعليات الطرابلسية، وتنفيذ الجيش اللبناني، إلا هدنة بين عاصفتين، واحدة انقضت وخلفت عشرات الضحايا بين قتيل وجريح وأخرى قابلة للاشتعال في كل لحظة. وحول مجمل ما يجري هناك بعض الكلام الذي يجب أن يقال ولو في عناوين رئيسة.

أولاً: إن الشعار الذي طرحه لبنان الرسمي وهو «النأي بالنفس» عما يجري في سورية هو شعار من طرف واحد غير ملزم للأطراف الأخرى المتدخلة والمتداخلة في تفاصيل الوضع اللبناني. وأكدت الأحداث أن رفع هذا الشعار لا يضمن الأمن والاستقرار في لبنان، والدليل على ذلك ما تشهده الساحات اللبنانية منذ بضعة أسابيع وما هو مرتقب حدوثه في الآتي من الأيام والأسابيع والشهور قياساً على الوضع القائم. وما الذي تشهده طرابلس من مواجهات بين طرفي «الباب» و «الجبل»، إشارة واضحة للوضع المشتعل، هذا الوضع المفخخ القابل للتفجير في كل لحظة «تدعو إليها الحاجة». والجانب المخزي في كل ما يجري هو حال الاستقالة أو «الإقالة» من الجانب الرسمي من الدولة اللبنانية، وهو الأمر الذي شكل حالة العجز التي تعاني منها يومياً في أكثر من منطقة من مناطق الجمهورية. وهو الأمر الذي أوجد حالة من الإرباك الشديد حيال تعاطي أجهزة الدولة، الأمني منها والمدني مع ما يشهده الوطن.

ثانياً: وعندما تنحسر سلطات السلطة وتنكفئ وتتراجع إلى الوراء، تبرز الحالات الشعبية التي تريد أن تعبّر عن مطالبها بشتى الوسائل وفي طليعة هذه الوسائل اللجوء إلى قطع الطرقات وإشعال مجموعة من الإطارات وهي الذخيرة «المزدهرة» هذه الأيام، الأمر الذي أدى إلى عزل حركة التنقل بين المواطنين، وهو يطرح الواقع الآتي:

يحق لأصحاب المطالب المحقة التعبير عن هذه المطالب لكن الذي يحدث فعلياً هو تعطيل حياة العاديين من الناس وخصوصاً المتنقلين من مطار بيروت وإليه. ونشرت بعض الصحف الأميركية صورة لعدد من المسافرين الذيي أرغمتهم ظروف قطع طريق المطار على السير على الأقدام مع حمل حقائبهم، حتى لا تفوتهم الرحلة، وكذلك كانت الحال مع العائدين إلى الوطن، وحمل تعليق الصورة: «إذا كنت تريد أن تذهب إلى لبنان، فهذا ما ينتظرك!». وفي هذا المجال صرخة من الأعماق من مواطن لبناني عادي إلى قاطعي الطرق، ولا نريد استعمال عبارة قطاع الطرق! للقول: أنتم تريدون ممارسة الضغوط على السلطة كي تحفزوها على الاهتمام بمطالبكم، وهذا حق مشروع لكن اللجوء إلى الدواليب المشتعلة وإقفال الطرقات يدفع ثمنه المواطنون العاديون الذين لا علاقة لهم بالأزمة من قريب ولا من بعيد. وحول قطع الطرقات، علمنا أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان قال بالصوت العالي خلال جلسة مجلس الوزراء إن إقفال طريق المطار خط أحمر ولا يجوز تكراره مهما كانت الأسباب والدوافع، كذلك نسب إلى الرئيس نبيه بري القول إنه يجب أن تقطع يد كل من يحاول قطع طريق المطار. وعلينا الانتظار لكي نرى مدى جدية وضع هذه التهديدات موضع التنفيذ حتى لا يسود الوضع ما يأتي: إن قطع الطرقات هو من قطع الأرزاق والأعناق! ويصبح الوضع بالغ الخطورة عندما يطلق المسؤولون، أو بعضهم على الأقل، صيحات الاستنكار والاحتجاج كسائر المواطنين العاديين فأين وكيف يمكن العثور على مسؤولين يتمرسون بالسلطة لا يأخذون دور المواطن في إطلاق الشكاوى وتحميل «الدولة مسؤولية العجز الناشئ» عن الإشكاليات القائمة وكأن الأمر لا يعنيهم؟

ثالثاً: على صعيد الوقائع وبمعزل عما سيتحمله الآتي من الأيام من مفاجآت بعضها في الحسبان، وبعضها الآخر ليس في الحسبان، يبدو أن الأمر الواضح نتيجة الوضع الإشكالي القائم أن التجاذب ولعبة شد الحبال بين «الأكثرية» و «الأقلية» تؤشر إلى ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة الميقاتية في سبيل إحراجها وصولاً إلى إخراجها.

ونذكر جيداً قصة «الانقلاب الدستوري» الذي أطاح الرئيس سعد الحريري وأتى بالرئيس نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة. لذا، تشعر المعارضة بأن الوقت قد حان لممارسة أقصى الضغوط لحمل الرئيس نجيب ميقاتي على تقديم استقالته إنقاذاً لمبدأ «الثأر» ورد الاعتبار لتيار «المستقبل» وتجمع 14 آذار. مع العلم أن هذا التطور إذا ما حدث وأرغمت الحكومة على تقديم استقالتها فإن مسألة تأليف حكومة جديدة هي من المهام الصعبة إن لم تكن المستحيلة، وعليه تبقى الحكومة الميقاتية في دور تصريف الأعمال، وعدم الحاجة إلى اتخاذ قرارات كبيرة قد تضطرها الظروف إلى مواجهتها.

رابعاً: إذاً، في ضوء الواقع الحافل بألف همّ وهمّ يأتي السؤال: كيف سيتمكن لبنان بالتركيبة القائمة والأوضاع الإشكالية والمعقدة من مواجهة تداعيات تصدير سورية الثورة بكل مآسيها إلى لبنان؟

هل عاد شعار وحدة المسار والمصير بين لبنان وسورية إلى التنفيذ عندما كانت سورية في حال السلم وقبل اندلاع الثورة؟

لكن الأمور تغيرت ولبنان أمام وضع جديد يبعث على القلق وإن أي قراءة غير متأنية لهذا الموقف المستجد قد توقع الوطن الصغير ضحية لعبة أمم كبيرة قد لا يستطيع تحمل ما ستنتهي إليه الأزمة في سورية. ومع استيراد الثورة باتت مواكبة الأحداث في سورية أكثر إلحاحاً لمتابعة ما ستؤول إليه الثورة الشعبية. آخر تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما: «لم أتخذ أي قرار حتى الآن في شأن سورية، لكن إذا بلغ الأمر مرحلة استخدام الأسلحة الكيماوية من جانب نظام بشار الأسد، فهذا خط أحمر لن نسمح بتجاوزه». هل نحن أمام «صيغة» جديدة من «أسلحة الدمار الشامل» في العراق بطبعة سورية؟ وفي سياق متصل لا بد من رصد كل التحركات المتعلقة بالكيماوي «السوري» والنووي «الإيراني» حيث يطلق بنيامين نتانياهو هذه الأيام، ومع فشل عملية الائتلاف الداخلي مع حزب «كاديما»، التهديدات بتوجيه ضربه عسكرية إلى إيران.

خامساً: مع بدء الوسيط العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي مهمة الوساطة، على رغم أنه لم يمارس مهمته عملياً بعد، وهو الأمر الذي عجز عن القيام به كوفي أنان، ما هي نسبة حظوظه في النجاح؟ الرجل صاحب تجربة عريقة في الوساطات العربية وأبرزها المسأله اللبنانيه التي تُوجت باتفاق الطائف في التسعينات، فهل يمكن اقتباس الفكرة واستخدامها في سورية قد تنتهي بـ «طائف سورية»؟ وحول آخر المستجدات على الساحة السورية لا تزال المواجهات والمنازلات بين كرّ وفرّ وبين مذبحة وأخرى. فقد فشلت حتى الآن جميع محاولات روسيا على تغيير موقفها، وهذا يؤكد القرينة القائلة ليس بالإمكان التوصل إلى أي تسوية في سورية من دون صفقة «متكاملة» بين الغرب الأميركي منه والأوروبي وروسيا.

... وبعد

في مجال المواقف والمزايدات من هنا وهناك لا يجوز قيام بعض الأطراف في لبنان أو عبر لبنان المضي في المواقف التي تعمل على المزيد من تأجيج النيران في كل مكان السوري. وعلى السلطة في لبنان أن تعيد النظر في كيفية تطبيق شعار النأي بالنفس، وتصويب ما هو مطلوب كي يتلاءم واقعياً مع متطلبات المرحلة الحالية البالغة الخطورة والحافلة بالمفاجآت السار منها للبعض وغير السار للبعض آخر. وفي الختام، ملاحظة لافتة تتجلى في تصرفات الرئيس بشار الأسد، فهو عندما يتحدث عما يجري في بلاده وكأنه يتحدث عن كوكب آخر! فهل اقتبس الأسد شعار «النأي بالنفس» كي يمارس نأيه بنفسه عما يجري في سورية؟

قال الآتي رئيس النظام السوري في ظهوره التلفزيوني الأخير وعندما سئل رأيه في تفسير ظاهرة الانشقاقات التي تحدث عمداً: «إنها عملية تنقية ذاتية للدولة أولاً وللوطن ثانياً». وفي ضوء فشل جميع المحاولات التي جرت لوقف الحرب والدمار وسيلان شلالات الدم، على الأطراف التي راهنت على سقوط أو إسقاط النظام بسرعة، عليها مراجعة كل الحسابات السابقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا على بشار أن يرحل!

محمد الرميحي

الشرق الاوسط

1-9-2012

للعربي مائة سبب تجعله يطلب من بشار الأسد أن يرحل، وللسوري ألف سبب، أما كاتب هذه السطور فله سبب واحد يقنعه بأهمية رحيل بشار بجانب كل الأسباب الموجبة. قبل أن أشرح السبب أذكّر القارئ الكريم بالنكتة التي تداولها اليمنيون قبل سنوات - على قلة الأسباب التي تجعل اليمني يستملح النكتة - يقال إن علي صالح قبل سنوات خلت قرر أن يرشح ولده أحمد من بعده إلى سدة الرئاسة اليمنية، فلما فاتحه أحد رفاقه أن ذلك لا يجوز، قال: ولماذا جورج بوش الأب سلم الرئاسة في أكبر بلد في العالم، إلى ابنه جورج بوش الابن؟ فقيل له - استمرارا للطرفة - إن بين الأب والابن في أميركا شخصا اسمه بيل كلينتون! أتم علي صالح، وكان في مجلس للقات: يعني، هل تريدون محللا! سوف نأتي بمحلل قبل تسلم الابن أحمد سدة الرئاسة. إذا لم تكن الرسالة وصلت حتى الآن، فإن السبب الذي أريد لبشار أن يرحل من أجله، هو كونه الشخص الذي بدأ بدعة (التوريث في الجمهوريات) - هذا الداء الذي تبين للبعض تدريجيا سُميته في الحكم العربي وكاد ينتشر في عالمنا.

فقد قرر علي صالح - كما سبقت الإشارة - أن يبقى الابن أحمد بعد عمر طويل على العرش الجمهوري اليمني، كما قرر القذافي أن يبقى الابن سيف الإسلام على عرش الجمهورية الليبية (العظمى)، وقد تلفت بن علي حوله لفعل ذلك كما اتضح الآن، أما الابن عدي صدام حسين، فقد دخل في صراع مع أخيه الأصغر قصي على الوراثة، أما حسني مبارك فقد التهى بالفكرة العجيبة في توريث الابن جمال وأخذت معظم وقته في سنواته الأخيرة، وقيست المواطنة المصرية بمدى موافقتها على توريث جمال أو عدم توريثه! لا داعي أن أستطرد هنا كيف عاث الأبناء المرشحون فسادا في الأرض، فتاريخهم مسجل معروف!

لقد نكب العالم العربي بما حدث في دمشق في مطلع القرن الواحد والعشرين حتى كاد ينتشر إلى كل جسم الجمهوريات المعروفة، ونسي كثير في هذا الخضم المتشابك أن هناك (تناقضا في المفهوم) واضحا جليا بين (الجمهورية) و(التوريث). لست على يقين بأن المدرك لدى مؤسسي الجمهوريات العربية الأول هو توريث الحكم لأبنائهم، ولكن تاريخ رؤساء الجمهوريات التابعين، يقول لنا إن المدرك لديهم كان البقاء في الحكم حتى الممات، فلم يرتح أحدهم راغبا في التنحي للآخر من خلال انتخابات حرة ونزيهة. الكل - ولا أستطيع أن أستثني أحدا - إما أجبر على التنحي، في الغالب بسبب القتل بطريقة شنيعة، أو بسبب ثورة شعبية أهانت الرئيس وتركته معزولا في شبه سجن. كل من وعد بأنه سوف يكمل مدته القانونية ثم يمضي أخلف ذلك الوعد، ثم ظهرت بعد تجربة بشار في دمشق فكرة التوريث.

علي صالح مرة أخرى - قرر علنا أنه لن يرشح نفسه، ويا ليته فعل، لدخل التاريخ من باب غير الباب الذي دخله، ولكن بعد فترة (ضغطت عليه الجماهير على أن يقبل مشكورا العودة عن قراره). بالمناسبة قرار التنحي والعزوف، وقرار العودة، لم يكونا إلا محط تندر للعارفين، وقد تردد ذلك التندر في كتابات عربية، سُجّل أصحابها في السجلات السود للدولة اليمنية، على قاعدة المساس بالرئيس هو مساس بالدولة! حكم بورقيبة نحو ثلث قرن الجمهورية التونسية، بدا من منتصفها لم يكن هو يحكم، كانت إما زوجته أو بنت أخته - وسيلة بن عمار وسعيدة ساسي، اللتان تحكما في الرجل العجوز، فعجزت الدولة التونسية كلها ووقعت في مؤامرات القصر، وذلك مرصود بالتفاصيل في تاريخ تونس الحديثة. فاجأ الموت أو القتل رؤساء الجمهوريات العربية في الأغلب الأعم، كما تغيرت الدساتير أكثر من مرة، فقط من أجل التمديد للرئيس. وتكونت بعد ذلك ظاهرة سياسية لها خصوصية عربية، هي أن الجمهور في انتظار موت الرئيس أو قتله، فلربما حصل بعض التغيير في السياسات إلى الأفضل، كما استقر في ذهن الجمهور ضرورة أن يبقى الرئيس مدى الحياة، على الرغم من أن أول مبادئ الجمهورية كما عرفها العالم، هو أن تكون هناك انتخابات حرة ينتظرها الرئيس (وحزبه)، متى ما استقر ذلك الانتظار غير معروف النتائج، تحسنت الإدارة السياسية.

بوصول السيد بشار الأسد إلى سدة الرئاسة، تغيرت أصول اللعبة بشكل فج؛ تغيير في مواد الدستور التي تسمح لشاب صغير في السن بحكم بلد له تاريخ طويل في السياسة، فوق ذاك إدخال متغير آخر جديد هو ما سماه أستاذ الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم (الجملوكية)! وربما لم يفاجأ العالم، لا العربي ولا العالم ككل، بهذا الاستقبال من النخبة السياسية السورية التي تم تدجينها إلى العظم لقبول الوراثة، كما لم يعجب كثيرون بأن السيد حسني مبارك لم يجد في الثمانين مليون مصري و(يقال تسعون مليونا) من به سمات تؤهله نائبا للرئيس. فانتقلت الجمهوريات العربية من عصر استمرار الشخص، إلى عصر استمرار العائلة، ولأنها عائلة لم تمارس السلطة إلا من خلال القهر والهيمنة، كانت المفاهيم التي أطلقت على الشعب مناسبة لهذه التربية السياسية، قال الأسد إنهم جراثيم، وقال القذافي قبله إنهم جرذان! لقد اجتمعت الوحشية مع الدونية. وأصبحت الدولة الجمهورية العربية تحكم بإيجابية الشك لا يقين إقامة الدولة الحديثة.

لقد صفى صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وغيرهم عشرات الآلاف من المواطنين بسبب الشك والتقارير. فليس من المستغرب أن يقوم بشار الأسد بهذا القتل المبرمج، لو كان هناك سباق أولمبي في القتل، لحاز السيد بشار الميدالية الذهبية دون منازع. ويذهب بشار إلى إعادة جديدة للنازية في أبشع صورها عندما يقول إن المنشقين - أيضا المقبوض عليهم والقتلى - هم عبارة عن (عمليات تنظيف ذاتية)! وهل هناك أبشع من تلك التعبيرات لمؤسس ما كاد يسمى في تاريخنا التوريث الجمهوري! إذن، بذهاب الأسد ينقطع عصر استمرار التوريث، فرحيله ليس لإصلاح ماض عربي كئيب، ولكن الأهم لبناء عصر جمهوري عربي عادي مثل خلق الناس، تنتفي فيه كلمات التمديد والتوريث والتأليه، ويعلو فيه تبادل السلطة وإنسانية الحاكم، فإن لم يتم ذلك، فكل التضحيات قد تكون ذهبت عبثا.

آخر الكلام:

الخلافات بين بعض فئات المعارضة السورية لا أفهمها، لا أفهم أن يقال إنها طبيعية أو بسبب انقطاع أربعين عاما من عدم الممارسة السياسية، كل ذلك غير مقنع. أخشى من أن يكون النظام قد خلق معارضة في بعض أوجهها على شاكلته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد يعي ما يقول تماما!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

1-9-2012

على عكس ما يعتقد كثر ممن تابعوا حديث بشار الأسد التلفزيوني الأخير، فإن الأسد كان يعي ما يقول، وإن طغت الدراما السوداء على بعض إجاباته، خصوصا حول الانشقاق والمؤامرة؛ فالأسد لم يكن منفصلا عن الواقع، كما يبدو، بل إنه كان يوجه رسائل محددة لأناس محددين.

وما يجب التنبه له هنا أن حديث الأسد التلفزيوني جاء عشية قمة عدم الانحياز بطهران، وكل ما أراد الأسد قوله في ذلك اللقاء التلفزيوني إنه يحقق تقدما على الأرض، لكنه بحاجة للوقت، لا أكثر ولا أقل، فالأسد كان يتحدث وعينه على إيران، وعلى مريديه أيضا، وعملائه، في سوريا ولبنان، فطاغية دمشق قال بكل وضوح: «الكل يتمنى أن يكون الإنجاز أو الحسم خلال أسابيع أو أيام أو ساعات.. هذا كلام غير منطقي. نحن نخوض معركة إقليمية وعالمية، فلا بد من وقت لحسمها، لكن أستطيع أن أختصر كل هذا الشرح بجملة أننا نتقدم إلى الأمام والوضع عمليا هو أفضل، ولكن لم يتم الحسم بعد، وهذا بحاجة لوقت»! فالأسد يعد بالنصر، لكنه يريد من مناصريه وحلفائه الانتظار، وعدم التخلي عنه، أو اليأس من أنه قادر على إنجاز ذلك النصر.

ومن يتأمل ما حدث بإيران، وتحديدا في قمة عدم الانحياز، سيدرك أن الأسد كان يعي تماما ما يقول، والدليل أن وليد المعلم اضطر للانسحاب من المؤتمر، وفي طهران، بعد أن شن الرئيس المصري هجوما على الأسد وأمام المرشد الأعلى والرئيس الإيراني، وبقلب العاصمة الإيرانية التي تعتبر الملاذ الآمن للأسد ونظامه، وهذا يقودنا إلى التأمل في أمر آخر مهم أيضا. فحديث الأسد يدفع المتابع للتشكيك فعليا في ما دار بين الأسد وزواره الإيرانيين مؤخرا، فيبدو أن تلك الاجتماعات انطوت على معطيات مختلفة عما تم تسريبه، حيث يشعر المرء بأن تلك الاجتماعات لم تكن للتفاوض على حيثيات المبادرة الإيرانية المزمعة تجاه سوريا، كما قيل حينها، بل يبدو أن طهران قد أبلغت الأسد بأنها تريد إنجاح قمة عدم الانحياز بأي شكل من الأشكال، وإلا فكيف نفهم أن يتجرأ نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، على طرح مبادرة تجاه سوريا خلال قمة عدم الانحياز، في الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية الإيراني عن أن بلاده تنوي إطلاق مبادرة خاصة تجاه سوريا؟

والأمر الآخر المهم هنا هو أن المرشد الأعلى وأحمدي نجاد تفاديا الحديث عن سوريا بقمة عدم الانحياز، علما بأن كلمة نجاد جاءت بعد كلمة الرئيس المصري الذي شن هجوما على الأسد ونظامه، مما اضطر وليد المعلم لتكذيب قناة «العالم» الإيرانية التي قالت إنه لم ينسحب من القاعة احتجاجا على الرئيس المصري، فالواضح أن الإيرانيين كانوا حريصين على إنجاح مؤتمرهم، وكسب مصر، أكثر من الحرص على الأسد بكثير! ولذا فالواضح أن طاغية دمشق كان يعي ذلك تماما، ولذا لجأ للمقابلة التلفزيونية ليقول لحلفائه وعملائه إنه بحاجة للوقت، مما يعني أن الأسد بات يعي خطورة قادم الأيام، فحديثه لم يكن حديث المغرور، بل المذعور!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمة المنشق السوري

ديفيد اغناتيوس

الشرق الاوسط

1-9-2012

يرى أبرز منشق عسكري سوري أن مفتاح التحول السياسي في سوريا يكمن في توفير «شبكة أمان» لإقناع العلويين بأنهم لن يتعرضوا لمذابح إذا ما قرروا الانفصال عن الرئيس بشار الأسد.

وقال العميد السوري مناف طلاس، الذي انشق عن الجيش السوري في شهر يوليو (تموز) الماضي: «يتمثل عملي الرئيسي في إقناع العلويين بأنه لا يتعين عليهم الانتحار مع النظام». وأدلى طلاس بهذه التصريحات يوم الثلاثاء الماضي من فرنسا التي لجأ إليها عقب انشقاقه. وتعد هذه أول مقابلة شخصية مفصلة معه منذ انشقاقه عن نظام الأسد الذي كان صديقا مقربا له في الماضي.

وأضاف طلاس أنه لن تكون هناك عملية تحول سياسي من دون وجود جسر من الثقة بين الجيش السوري الحر وأعضاء المصالحة من الجيش النظامي والذين أبدوا استعدادهم للانشقاق عن الأسد كما فعل طلاس، مشيرا إلى أنه من دون وجود مثل هذه الثقة ستؤدي الإطاحة بالأسد إلى انزلاق البلاد إلى حالة من العنف الفوضوي، فضلا عن احتمال سقوط الأسلحة الكيماوية في الأيدي الخاطئة.

وأضاف طلاس: «الكثير من العلويين ليسوا سعداء اليوم بما يحدث على الأرض، ولكن أين الأمان بالنسبة لهم؟ العلويون بحاجة إلى معرفة أن هناك جهة قوية تضمن سلامتهم في حالة انشقاقهم عن النظام».

وعلى الرغم من أن طلاس ينتمي للطائفة السنية، فإنه كان يقود وحدة من الحرس الجمهوري الخاص، التي يشكل العلويون – وهم من الأقلية العرقية التي ينتمي إليها الأسد ودائرته الداخلية - ما يقرب من 80 في المائة منها.

وتحدث طلاس (49 عاما) بشكل مؤثر عن انشقاقه عن الأسد، الذي، حسب تصريحاته، أصبحت يده ملوثة بدماء الشعب السوري ولن يكون قادرا على حكم سوريا مرة أخرى على نحو فعال. وفي ربيع عام 2011، خرج المحتجون بأعداد كبيرة وعرض طلاس عقد لقاء مع المتظاهرين، وأخبر الأسد عن عقد اللقاء في شهر أبريل (نيسان) الماضي في داريا مع المتظاهرين الشباب الذين التزم آباؤهم الصمت ولكنهم كانوا فخورين بثورة أبنائهم. وحذر طلاس قائلا: «هذه ثورة الآباء من خلال أبنائهم»، مشيرا إلى أنه من المستحيل أن يتم وضع حد لهذا الصراع من خلال القوة.

وكان الأسد شخصية متقلبة وغير جديرة بالثقة وتميل بشكل متزايد إلى تبني الاتجاه المتشدد لعائلته، ولا سيما شقيقه ماهر الأسد وابن خاله حافظ مخلوف، الذي يترأس فرع التحقيق في المخابرات العامة السورية. وكان مخلوف قد قال لطلاس: «إذا ما فرضت القوة سوف يخاف الناس ويتراجعون».

ويقول طلاس إنه في مايو (أيار) 2011، تم تجاهل نصيحته بالتواصل وألقي القبض على من يجري اتصالات معهم بعد لقائه بهم. كان ذلك هو الحال حتى في الرستن، المدينة الواقعة وسط سوريا، حيث ولد أبوه. وبعد أن حاول طلاس إرساء السلام هناك، وبخه مخلوف. بعد ذلك، توقف طلاس عن قيادة وحدته في الجيش.

بدأ طلاس ابتعاده عن النظام في يوليو 2011، وذلك عندما استدعاه الأسد وسأله عن سبب عدم قيادته لقواته, فأجابه طلاس بأن بشار نفسه ورجاله لم يكونوا صادقين بشأن التسوية التي بدأها. وأضاف: «أنتم تصنعون مني كاذبا. أنتم وسوريا تنتحرون». فرد الأسد بأن كلامه هذا «مبالغ فيه» وأنه سيتحول إلى «الخيار الأمني».

«أنت تحمل عبئا ثقيلا على كاهلك - وإذا ما أردت الطيران، عليك إسقاط ذلك الحمل»، هذا ما يقول طلاس إنه أخبر به الأسد في ذلك الاجتماع الأخير. وأضاف: «لكن يبدو أن الحمل الثقيل - الأسرة والحلقة المقربة - قد انتصر».

يقول طلاس إنه ظن في البداية أن بإمكانه البقاء في دمشق، في حالة معارضة صامتة للسياسات المتعسفة. لكن مع تصاعد العنف ليصل إلى حد مذبحة تشمل مختلف أنحاء الدولة، يقول: «لم يستطع ضميري تحمل ذلك الوضع». بدأ التفكير في نهاية العام الماضي بشأن كيفية الهروب.

لا يزال الجنرال السابق يملك المظهر القاسي الذي جعل منه قائدا عسكريا صاحب شخصية ساحرة، الأمر الذي أدى بالبعض إلى التكهن بأنه ربما يلعب دورا في المرحلة الانتقالية في سوريا. غير أن طلاس يقول إنه لا يرغب في شغل أي منصب في حكومة مستقبلية وإن تركيزه منصب فقط على «خارطة الطريق» التي وضعها لتجنب النزاع الطائفي. ربما يكون من الحكمة بحيث يتخلى عن طموحه السياسي، إذ إن ثروته ونمط حياته العلماني وخلفيته البارزة (شغل والده منصب وزير دفاع) تجعله هدفا لحركة معارضة إسلامية شعبية.

التقيت طلاس لأول مرة قبل ست سنوات في دمشق، الأمر الذي ربما يمثل أحد الأسباب وراء اتخاذه قراره بالحديث بصراحة وإجراء المقابلة. حينما سألته عما سيقوله للأسد إذا ما تسنى له أن يبعث إليه برسالة أخرى، غلبته العواطف للحظة وغادر الغرفة. وعند عودته، أجاب: «كيف يمكن لأحد الاعتقاد أنه يحمي دولته، في الوقت الذي تضرب فيه قواته الجوية ودباباته أرض بلاده؟».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دور إيران في الصراع في سوريا: الطريق إلى طهران- كفاح النظام الإيراني لبقاء الأسد

القيادة في طهران تبذل الآن قصارى جهدها من أجل الحفاظ على النظام في دمشق لأن سقوط بشار الاسد سيدخل إيران في عزلة خطيرة للغاية ولن يكون باستطاعتها الالتفاف على العقوبات، كما يرى باهمان نيروماند.

باهمان نيروماند

ترجمة: فلاح آل ياس

مراجعة: هشام العدم

حقوق النشر: قنطرة 2012

24/8/2012

ربما تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدولة الوحيدة المتبقية، التي مازالت تدعم النظام السوري دون تحفظات. وحتى روسيا والصين اللتان لا تزالان تعارضان فرض عقوبات على سوريا حتى الآن، بدأتا تدريجيا بإعادة التفكير في موقفهما.

ورغم أن طهران أعلنت عن استعدادها لدعم أي خطة سلام، ولكن فقط إذا كان الأسد سيبقى في السلطة. ويبدو أن التحالف مع نظام الأسد مهم جدا لإيران لدرجة أن مسعود جزائري، مساعد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، قال إن إيران لن تسمح بتغيير النظام في دمشق من قبل "حكومات الشر"، مثل المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا. فهل يعني ذلك بأن إيران مستعدة للدخول في حرب من أجل الأسد؟

بالنسبة للجمهورية الإسلامية فإن هناك الكثير من الأمور الهامة المرتبطة بالأسد، لأن انهيار نظامه يعني انهيار كامل الهيكل الذي عملت إيران على تشييده في السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط.

الدين لا يلعب أي دور

دعم للميليشيات المتطرفة: مع الدعم الإيراني والسوري تمكن حزب الله من الصعود ليكون قوة سياسية مهيمنة في لبنان. ومن شأن سقوط سقوط الأسد أن يعرض وضع هذه القوة للخطر

العلاقة الوثيقة بين سوريا وإيران ليست وليدة اليوم، فهي بدأت بعد وقت قصير من استقلال سوريا في عام 1946. وأصبحت أكثر عمقا مع مر السنين. ولكن الملفت في الأمر هو أن عوامل هذا التقارب، لم تكن القواسم المشتركة الدينية أو العرقية أو الثقافية ولاحتى السياسية، وإنما الأعداء المشتركون.

سوريا هي دولة عربية ذات غالبية سنية، بينما يشكل الشيعة الأغلبية في إيران. أما من الناحية السياسية فسوريا انتمت للجبهة العربية المضادة لإسرائيل، وكان توجهها خلال الحرب الباردة مع القومية العربية والاشتراكية والكتلة السوفياتية. بينما كانت إيران، حتى قيام الثورة الإسلامية، في المعسكر المضاد بإقامتها علاقات جيدة جدا مع إسرائيل، وكانت جزءا لا يتجزأ من التحالف الغربي. ولكن كلي البلدين وقفا معا موقف العداء من البعثيين العراقيين.

ومع استيلاء الإسلاميين على السلطة في إيران جاء الدور على إسرائيل لتكون عدوا مشتركا. ومنذ ذلك الحين اكتسبت العلاقة أهمية استراتيجية للدولتين. خصوصا وأن البلدين يتعرضان لانتقادات وتهديدات الغرب، بقيادة الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك كانت سوريا، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)، الدولة العربية الوحيدة التي دعمت إيران. قامت آنذاك بفرض حظر على نقل النفط العراقي عبر أراضيها، وسمحت لإيران بنشر قوات من الحرس الثوري على الأراضي السورية قرب الحدود اللبنانية. ومقابل ذلك قامت إيران بتصدير كميات من النفط، بقيمة مليار دولار أمريكي، مجانا إلى سوريا. وبعد الحرب كثفت سوريا وإيران علاقاتهما الاقتصادية والعسكرية. وقبل عامين، وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى خمسة مليارات دولار أمريكي.

سوريا كجسر نحو العالم العربي

أخوة وتحالف: حزب الله الشيعي ونظام الأسد على تحالف وثيق جدا منذ سنوات. سوريا تتصرف هنا كجسر لإيران نحو لبنان، وعبرها يتم تزويد ميليشيات الحزب بالأسلحة.

في عام 2006 وقعت الدولتان على معاهدة للتعاون العسكري في البر والبحر (معاهدة الدفاع المشترك). وفي عام 2010 بنت إيران نظاما حديثا للمراقبة بالرادار في سوريا، مما مكن سوريا من رصد الصواريخ الاسرائيلية، مما عاد بالفائدة على قوة الدفاع الجوي في سوريا ولبنان وكذلك إيران أيضا.

الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها سوريا بالنسبة لإيران، تتجلى على وجه الخصوص في وظيفة الجسر التي تؤديها سوريا بفتحها الطريق للجمهورية الإسلامية للوصول إلى شعوب الدول العربية، إلى لبنان وفلسطين والأقليات الشيعية في دول الخليج. في الثمانينات، قام حوالي 1500 من أعضاء الحرس الثوري الإيراني بالعمل على تأسيس حزب الله في لبنان ودربوا الميليشيات التابعة له. ومنذ ذلك الحين وإيران تدعم الحزب بالمال والسلاح. واليوم يعتبر حزب الله الأقوى في لبنان، وهو مرتبط بعمق بالجمهورية الإسلامية، التي تدعم أيضا المنظمتين الفلسطينيتين حماس والجهاد الإسلامي.

وأخيرا تحاول إيران توسيع نفوذها بين الأقليات الشيعية في دول الخليج، وخاصة في البحرين، حيث يشكل الشيعة الأغلبية، ولكن أيضا بين الأقلية في المملكة العربية السعودية. بعد سقوط نظام صدام حسين واستيلاء الشيعة على السلطة، بات العراق خاضعا أيضا للنفوذ الإيراني. لقد أصبحت إيران قوة إقليمية كبرى.

تشكيل جبهة ضد المحور الشيعي

أكبر خصم لإيران في المنطقة: بمساعدة من الغرب، رفعت المملكة العربية السعودية من مستوى تسليحها بشكل ضخم، لتكون قادرة مع بقية دول الخليج على خلق ثقل مضاد لإيران.

وهذا بالتحديد ما يولد عداء الدول العربية لإيران، لا سيما المملكة العربية السعودية. وأيضا الغرب يرى مصالحه مهددة في منطقة الخليج العربي. ولهذا بنت السعودية، والتي أصبحت الآن إلى جانب إسرائيل أهم شريك للغرب في المنطقة، ترسانتها من الأسلحة بدعم كبير من الولايات المتحدة وألمانيا أيضا، وشكلت السعودية مع بقية دول الخليج جبهة ضد الجارة الشمالية إيران.

الحديث بات يدور حول "محور شيعي" في مواجهة السنة. في لبنان يحاول السعوديون جذب حزب الله إلى جانبهم، وفي العراق يتم تزويد السنة بالأسلحة في مواجهتهم ضد الشيعة، وفي دول الخليج يجري قمع الاضطرابات الشيعية بشكل عنيف، كما حدث في العام الماضي في البحرين.

العقبة الأكبر في محاولة إضعاف وعزل إيران تتمثل الآن في سوريا. ولا عجب أن السعوديين يقومون بالاشتراك مع قطر، بتزويد الثوار في سوريا بالسلاح، وتساعدهما تركيا أيضا، والتي ترى في حالة الفوضى فرصة لتحقيق طموحاتها بأن تصبح قوة إقليمية عظمى.

طهران لا تألو الآن أي جهد من أجل الحفاظ على بشار الأسد. لأنه في حال سقوط الأسد فستدخل إيران في عزلة خطيرة للغاية، ولن تتمكن من التغلب على الضغوط والعقوبات. وحتى شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية سيكون عندها أسهل بكثير. وإذا ما فكرت إيران بالدخول في حرب في سوريا فلن يقل ذلك خطورة عن مسألة سقوط الأسد. والظاهر الآن أن الأسد لن ينجح على المدى القصير في هزيمة الثوار. وخطة إيران هي: حرب أهلية طاحنة طويلة الأمد، على غرار الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت لمدة 15 سنة.

_____________

*باهمان نيروماند: من مواليد عام 1936 في طهران، كاتب وصحافي مقيم في برلين. ومؤخرا صدرت سيرته الذاتية عن دار نشر Rowohlt تحت عنوان: "بعيدا جدا عن المكان الذي كان يجب أن أكون موجودا فيه".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حل مشاكل اللاجئين السوريين أولوية هامة

2012-08-31

الوطن السعودية

لا شك أن تفاقم أوضاع الأزمة السورية له انعكاسات خطيرة جدا، أهمها نزيف الدم الذي لا يتوقف في كافة أرجاء الأراضي السورية، وانعدام الأمن والأمان لجميع أبناء الشعب السوري، لدرجة أن التنقل بين حي وآخر في مدينة حلب مثلا، ناهيك عن التنقل بين المدن والبلدات السورية، يحمل في طياته مخاطر كبيرة تصل إلى القتل أو الخطف. لكن مشكلة اللاجئين السوريين أيضا تعد من أهم المشاكل التي يجب إيجاد حل سريع لها بسبب خطورتها وما يمكن أن تسببه من ردود فعل وأضرار جانبية في حال لم يتم الالتفات إليها بشكل جدي، خاصة أنه ليس هناك حل في الأفق المنظور للأزمة السورية، وبالتالي فإن وجود اللاجئين السوريين في الدول المضيفة قد يطول قليلا.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في شتى الدول المضيفة هي عدم وجود سكن مناسب. فهناك عوائل كاملة تعيش في خيمة واحدة منذ أشهر طويلة، دون مراعاة أهم المتطلبات الصحية والنفسية والإنسانية. كما أن هناك جزءا من اللاجئين يعيشون في مدارس كان يفترض أن تؤويهم بشكل مؤقت في فترة الصيف خلال الإجازة الصيفية للطلاب. أما الآن، ومع قرب فصل الشتاء وأمطاره وأجوائه الباردة، ومع بداية الدراسة وضرورة إعداد المدارس لاستقبال الطلاب في العام الدراسي الجديد، تكتسب مشكلة مسكن اللاجئين السوريين أهمية إضافية تستوجب إيجاد حل سريع لها.

إحدى المشاكل الأخرى التي يعاني منها اللاجئون هي الغذاء. فرغم التبرعات السخية التي قدمتها شعوب ومنظمات ودول إقليمية ودولية، إلا أن انعدام التنسيق الجيد منع حتى الآن وصول هذه التبرعات إلى مستحقيها، وبالتالي على المنظمات الإنسانية والخيرية الإقليمية والدولية أن تضع خطة محكمة تضمن إيصال الغذاء والكساء والغطاء للمستحقين من اللاجئين في جميع الدول المضيفة.

تقييد الحريات ومنع اللاجئين من الخروج من المخيمات مشكلة أخرى يواجهها اللاجئون، فقد تحولت المخيمات مع الزمن إلى سجون كبيرة تقيد حركة اللاجئين وتضيف إلى معاناتهم، مما يجعل استمراره أمرا صعبا لأنه قد يؤدي إلى اضطرابات داخل المخيمات تتسبب في مشاكل للدول المضيفة.

هذه مجرد أمثلة من المعاناة التي يواجهها اللاجئون السوريون والتي تنتظر حلا سريعا قبل أن تفرز مشاكل أخرى تتجاوز حدود المخيمات وأسوارها. وبما أن حل الأزمة السورية لا يبدو قريبا، فإن الواجب بالدرجة الأولى إيجاد حلول تحفظ للاجئين كرامتهم وإنسانيتهم بعد أن أجبرتهم الظروف على ترك ديارهم حفاظا على أرواحهم وأرواح أسرهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سكان أنطاكيا ضد دعم الثوار

الأزمة السورية... تداعيات على الساحة التركية

تاريخ النشر: الخميس 30 أغسطس 2012

الاتحاد

اللاجئ السوري"عبد الحفيظ عبد الرحمن" يتذكر الأيام التي كان لديه فيها العديد من الأصدقاء من أهالي مدينة أنطاكية التركية، وهو يشعر في قرارة نفسه بأنها لن تعود ثانية.

ويقول"عبد الرحمن"، وهو منشق سياسي، وصل إلى هذه المدينة الحدودية قبل اندلاع الانتفاضة على نظام بشار الأسد العام الماضي، بعدة أشهر:"كان لدي العديد من الأصدقاء العلويين هنا".

والعلويون ينتمون لطائفة تشكل فرعاً من فروع الإسلام الشيعي ينتمي إليه قسم كبير من سكان المدينة. وهم في ذات الوقت الطائفة التي ينتسب إليها نظام حكم بشار الأسد في سوريا، الذي أدت الانتفاضة المستمرة منذ ثمانية عشر شهراً تقريباً ضده، إلى شق ذلك البلد على أسس طائفية بين الأقلية العلوية التي تحظى بكافة المزايا، والأغلبية السُنية.

وفي أنطاكيا حيث يحظى نظام الأسد العلوي بدعم كبير، تتفاقم مشاعر العداء ضد الثوار، والمنشقين السوريين الذين اتخذوا من المدينة قاعدة مؤقتة لهم.

وفي المحافظة بأسرها تساهم المساندة التركية الواضحة للمعارضة السورية في هز أسس التوازن العرقي الحساس القائم.

يعبر عبد الرحمن عن هذه الحقيقة بقوله:"فيما مضى عندما كنت أقول إنني لاجئ كنت أقابل بالاحترام، أما الآن فلم يعد أحد يهتم حتى بالسلام علىّ في الشارع".

والمخاوف الآن هي أن يؤدي الإحباط الذي يشعر به سكان المدينة في الوقت الراهن، بسبب قرار الحكومة التركية الواضح للمنشقين والمقاتلين السوريين بالعمل من أراضيها، إلى إشعال فتيل توترات عرقية أوسع نطاقاً في البلاد.

في السادس والعشرين من أغسطس، اتهم رئيس حزب "الشعب الجمهوري"، وهو حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، حكومة"أردوغان" بتدريب المقاتلين السوريين المناوئين لنظام الأسد بعد منع وفد من الحزب من الدخول إلى معسكر لاجئين سوري على الحدود.

في مقابلة صحفية أجريت معه قال"كمال كاليكدار أوجلو" رئيس الحزب المذكور:

"لقد أرسلت مندوبين من حزبي للتدقيق على ذلك المعسكر، الذي يقال إنه يعج بالعملاء والجواسيس، ولكن السلطات منعتهم من الدخول".

وأضاف"كاليكدار أوجلو":" أتوقع الآن إجابات من الحكومة عن عدد من الأسئلة: ما الذي يوجد في ذلك المعسكر؟ من الذين يدربوهم بداخله؟ هل يعدون الرجال لإراقة دم المسلمين؟".

من جانبها، تنفي أنقرة أنها تقدم الدعم للمعارضة السورية المسلحة، أو تسمح لها بالعمل من دون قيد من الأراضي التركية، ولكن عندما قمنا بزيارة المعبر الحدودي بالقرب من أنطاكيا، قال لنا أحد قادة المتمردين إن السلطات التركية تسمح له بعبور الحدود من دون معوقات على الرغم من أنه لا يمتلك جواز سفر.

إلى ذلك نقلت وكالة "رويترز" عن مصدر في العاصمة القطرية الدوحة قوله إن أنقرة قد أقامت قاعدة سرية بالقرب من الحدود السورية، لتقديم الدعم ومساعدات في مجال الاتصالات الخاصة بالثوار السوريين.

في غضون ذلك، يتصاعد التوتر في أنطاكيا: ففي الأسبوع الماضي على سبيل المثال نظم بعض السكان مسيرة احتجاجية مطالبين بطرد السوريين من المدينة، في نفس الوقت الذي صرح فيه بعض الناشطين السوريين أنهم قد دعوا لاجتماع مع العسكريين الأتراك وموظفي البلدية حيث أخبروا أنهم سيضطرون لمغادرة المدينة "من أجل المحافظة على سلامتهم".

ولكن المسؤولين الأتراك ينكرون أن يكون هذا الاجتماع قد عقد، ويقول "محمد علي أديبوجلو" العضو بحزب الشعب "الجمهوري" وممثل المحافظة في البرلمان التركي:

"إن الذين يأتون إلى أنطاكية ليسوا لاجئين وإنما هم مقاتلون سوريون يتم تسليحهم من قبل الحكومة التركية، كي يعودوا مرة أخرى لسوريا كي يحاربوا الحكومة هناك".

واتهم "أديبوجلو" الحكومة التركية بانتهاج سياسة خارجية طائفية، حيث لا تقدم مساعدتها لحركات المعارضة العلمانية، وإنما للطائفة السُنية التي تنتمي إليها الغالبية العظمى من الشعب التركي، والمناوئة لحكومة الأسد العلوية.

ولكن مصادر حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا تؤكد أن معارضتها لنظام الأسد، سببها انتهاك نظامه لحقوق الإنسان في الأساس، ولا تنطلق من التضامن مع المعارضة السورية-السنية في معظمها.

بصرف النظر عن الدوافع وراء دعم تركيا للمعارضة السورية، فإن البعض يخشى من أن ترد دمشق على الخط المتشدد، الذي تتبعه تركيا تجاهها من خلال السعي لتحريك مشاعر العداء ضد حكومة أردوغان في أوساط الأقليات العرقية التي جاهدت تلك الحكومة التركية طويلاً من أجل قمعها وخصوصاً الأكراد الذين يبلغ تعدادهم في تركيا حوالي 20 مليون نسمة.

في تاريخ سابق من هذا الشهر أدى انفجار سيارة مفخخة في مدينة "غازي عنتاب" الحدودية التركية إلى مصرع تسعة أشخاص من بينهم صبي يبلغ من العمر13 عاماً. وعقب الحادث وجهت الحكومة التركية أصابع الاتهام لحزب العمال الكردستانى، وإن كانت أمرت في نفس الوقت بإجراء تحريات حول ما إذا كانت هناك أي روابط سورية أو إيرانية بالهجوم.

وقد أدى ذلك الحادث إلى ازدياد التوتر بين الأتراك وبين الأقلية الكردية المتذمرة،

في الشهر الماضي ردت تركيا بشراسة، بعد أن تخلت دمشق عن سيطرتها على جزء كبير من المنطقة التي تسكن فيها الأقلية الكردية في سوريا، لميليشيات مرتبطة بالمتمردين الأكراد الذين يعملون في تركيا.

ففي تصريح شديد اللهجة قال "أردوغان" إنه إذا تم استغلال الأراضي السورية لشن هجمات عبر الحدود على الأراضي التركية،" فإن التدخل في سوريا سوف يصبح في هذه الحالة حقاً طبيعاً لبلاده".

في أنطاكيا اليوم، انتقد "محمد سيلاليتين ليكيسيز" محافظ المدينة عدداً من التقارير الأخيرة التي أذاعتها وسائل الإعلام التركية قائلاً إن السوريين في المدينة لا يتم تسليحهم ولا مساعدتهم من قبل الدولة، كما لا يتم اضطهادهم من قبل السكان المحللين. وقال المحافظ في مؤتمر صحفي إن تلك المزاعم كانت جزءاً من"حملة ممنهجة" لتقويض السلام في محافظته، وأنها عبارة "عن محاولات لاختلاق قصص تفتقر إلى الأخلاقية والمعقولية ويجب علينا أن نكون حريصين على عدم المساهمة في نشر مشاعر العداوة بين الناس هناك".

ويعتقد "كوراي كاليسكان" أستاذ العلوم السياسية في جامعة "بوجازيسي" إنه مع قيام أنقرة بحملة من أجل الإطاحة بنظام الأسد، فإن الأمر المحتم هو أن دمشق سوف تسعى من جانبها لإشعال فتيل عدم الاستقرار في تركيا.

وأكد"كاليسكان عن اعتقاده كذلك بأن تركيا"، لو انخرطت في سياسات خطرة مثل السعي لتغيير الأنظمة في الدول المجاورة، فإن تلك الدول ستنخرط في أنشطة تخريبية مماثلة فيها في المقابل".

الكسندر كريستي - ميلر

انطاكية - تركيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«كريستيان ساينس مونيتور»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا تعني سوريا؟

جاسوانت سنغ

السفير

31-8-2012

خلّفت الأزمة السورية مجموعة من ردود الفعل غير المفيدة، منها الإدانة الكلامية لبعض تجاوزات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والخلافات بشأن الحكمة من التدخل العسكري، والارتباك العام حول إمكانية إيجاد حل قابل للبقاء عل المدى البعيد. والأسوأ في كل ذلك، هو ان العالم قد يكون مشرفا على مستقبل في غاية البشاعة.

وإذا كانت سوريا تحرم شعبها من الحرية السياسية، فإنها، في كل الأحوال، تمنحه من هذه الحرية أكثر بكثير مما تفعل دول عربية أخرى، وخاصة المملكة العربية السعودية التي تقود حملة إسقاط الأسد. فسوريا، التي تحكمها الأقلية العلوية الشيعية، تضم العديد من الأقليات الدينية والعرقية مثل العرب والأرمن والكرد والمسيحيين والدروز والإسماعيليين والبدو. وهذا الاعتدال والتنوع الثقافي والديني هو الذي يتعرض اليوم للخطر إذا نجحت الثورة التي يقودها السنة، في اكتساح البلاد.

ففي بلد تاريخي وقديم مثل سوريا، لا يمكن تفحص مشاكل الحاضر بدون الرجوع إلى الماضي. ففي النهاية، التاريخ هو أم الحاضر، فيما الجغرافيا هي أبوه.

المؤرخ «ديفيد فرومكين» يقول إن الشرق الأوسط اليوم يعكس عجز القوى الأوروبية عن تدعيم الأنظمة السياسية التي فرضتها هي، حيث إنها أنشأت كيانات، ونصّبت حكاما، ورسّمت حدودا، وأقامت أنظمة للحكم غير قادرة على العمل.

ولكن في ضوء الحروب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، والتدخل في ليبيا، ألا تتكرر التجربة عينها، تقريبا، بعد مضي قرن من الزمن؟ هذا هو السؤال الذي يجب على صناع السياسة أن يطرحوه على أنفسهم في الوقت الذي يفكرون بما يجب فعله في سوريا.

في العام 1919، أوجز وزير الخارجية البريطاني، أرثر بلفور، روحية المعضلة التي تواجه صناع القرار السياسي في الوقت الراهن، بالقول: «إن الحقيقة المؤلمة هي أن فرنسا وإنكلترة وأميركا قد وضعت نفسها في ورطة كبيرة أصبح من المستحيل عليها الخروج منها».

إن المزيج المكون من مخاوف إثنية ومذهبية، ومن العداوات القديمة والخصومات المزمنة، والتعامي الواضح من جانب القوى الخارجية، يبدو أنه قد أُعدّ مسبقا بغية زعزعة استقرار الشرق الأوسط بكامله، مرة ثانية. فتركيا تشهد تنمية قوية، لكنها تعاني من اضطرابات، والعراق تعرض للاجتياح ثم ترك ليواجه مصيره وحده، وإيران معزولة وتتعرض للتهديد، وإسرائيل خائفة ومتحفزة للحرب، فيما أفغانستان وباكستان تعانيان من الاضطراب الداخلي والهشاشة السياسية. ويبدو أن القوس العظيم الممتد من القاهرة إلى الهندوكوش، يتجه ليصبح بؤرة للاضطراب الكوني.

فهل هناك حل للخروج من هذا المأزق الحرج؟ - بالتأكيد، ثمة حل، لن يكون مرتكزا على المزيد من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، الأمر الذي يفسر الاعتقاد بأن الرئيس الأميركي باراك اوباما يؤيد «انتقالا سلميا» للسلطة في سوريا يمكن معه الحفاظ على المؤسسات القائمة في الدولة السورية.

لقد كشفت الأزمة السورية عن ان هذه هي اللحظة المناسبة التي ينبغي خلالها للغرب أن يدرك أن العالم قد انقسم فعلا إلى قسمين. الأول يتكون من تحالف مطاطي من الديموقراطيات الغربية المتنازعة، في مواجهة كل من روسيا والصين. ومن المؤكد أن المصالح القومية للدول الغربية لن تحدد بعد اليوم التوجهات الأخلاقية والسياسية للمجتع الدولي الحالي. ومهما كانت النتيجة، فإن الحرب السورية قد شكلت خرقا إضافيا، غير قابل للرجوع عنه، في مجال إضعاف الدور الغربي على الساحة العالمية.

جاسوانت سنغ

وزير سابق للخارجية والمالية والدفاع في الهند

ترجمة: جوزيف حرب

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مجزرة أخرى ويعلنون وفاة العرب!

نادر رنتيسي

الغد الاردنية

31-8-2012

صباحُ الخَيْر حجارةَ "داريَّا"..صباحٌ لا يُرَدُّ بـ "الياسمين والفُلِّ والنُّور"..؛ فلا أحَدٌ هُنا سوى مذيعة مِغْناجة تُحاوِرُ الموتى، وتسألهم عن وجهتم المُقْبِلَةِ في الحياةِ الأخرى. تتجوَّلُ بإحساسٍ بارِدٍ بيْنَ الجُثَثِ بحماية "الجَيْش العربيِّ السوريِّ" الذي يدخلُ المدينة بعد مَجْزَرَةٍ أو قبْلَها، ويكون "شاهد عيان" أثناءها. عند المقبرة تماماً تصحو سيدة من موتها، وتبرِّئُ "الجيش"..؛ فعلى "تلفزيون دُنْيا" فقط يُمكنُ للقتيلِ أنْ يشرَحَ بطلاقَةٍ ملابسات مقتلِهِ!

كان هُناكَ شابٌ أغلَقَ هاتفَهُ المحمولِ خوفاً من والدِ فتاةٍ مُتَحَجِّرٍ أرسَلَ إليْها رسالةً ضوئيَّةً تتضمَّنُ مقطَعاً مِنْ قصيدَةٍ "فاحِشَةٍ " لـ"نزار قباني". ماتَ الشابُ برصاصَةٍ والفتاةُ بطعْنَةٍ ووالدُها حزناً عليهما. ولم يزل الهاتفُ مغلقاً لمَنْ بقيَ حيا في أطراف أخرى من "ريف دمشق" قبلَ المجزرَةِ الأخرى، وفي الرسائل المحفوظة لم تزلْ هناك مقاطع من قصيدة لم تكتمل تحاوِلُ رسْمَ بلادٍ "تُسمَّى مجازاً بلادَ العرب"!

تقولُ القصيدةُ فيما تقولُ إنَّ الموتَ العربيَّ حكايَةُ الأطفالِ المُسلِّيَةِ قبلَ النَّومِ، والنهايَةُ المتوقعَةُ لـ "فيلم السهرة"، والخبرُ العاجلُ في نشرَةِ أخبارِ يوم أمس؛ هو مكدَّسٌ في كتبِ التاريخِ الحديثِ على هيئة مجازر؛ فالموتُ هُنا في الشرق صورَةٌ جماعيَّةٌ لا ينجو من كادرها أحدٌ إلا لحكمة في "قلب" القاتل. وفي المجزرة الأخيرة ماتت عائلة بأكملها، وبقيَ "المكتوبُ له عُمْر": سيُحُبُّ في يومٍ ما امرأةً دافئةً، ويتزوَّجُ في عامٍ ما من قريبته الطيِّبة، ثمَّ ينجبُ في زمن ما طفلا مبتوراً من شجرة!

في كتابِ العَرَبِ كلُّ مجزرَةٍ لها شقيقَةٌ كُبْرى وأخرى صُغْرى..؛ وثالثَةٌ ستكبَرُ عمَّا قليل بعدَ صلاةِ الفَجْر بأعمار خمسين طفلاً سرَّهم أنَّهم في المَوْتِ لا يذهبونَ إلى المدارس، ولا يضْطرُّونَ لتصديق أنَّ بلادَ العُرْبِ "من الشام لبغدان" أوطانهم التي يتبادلونَ فيها اللجوءَ من مجزرة إلى أخرى، ولا يفترقونَ من بعد كأبناء الخالاتِ في الحياة!

المجزرَةُ انتهتْ بدليلِ أنَّ المذيعَةَ المِغْناجَةَ دخَلتْ واثقَةً من أنَّ الجناةَ طيبونَ ويمكنُ التحالفَ معهم حتى تصوير "الريبورتاج"، والانتهاء من عمليَّاتِ المونتاج كافَّةِ، وإحياء القتلى قبل أنْ يصبحوا رميماً! المجزرة انتهت فيصحو طفلٌ شقي ما يزالُ حياً..؛ يبتهجُ لأنَّ الموتَ كان في مهمة أجدى، وهُنا تنتَهِزُ الأمُّ خروجَها من كادَرِ الصورَةِ المُتحرِّكَةِ لتقولَ حكمَةً لنْ تخذِلَها:"القاتلُ يُقتلُ في مجزرَةٍ أخرى"!

ثمة موت سوري مباشرٌ، وآخر ليبي مسجَّلٌ، وثالث عراقي مؤرشَفٌ، ورابع فلسطيني موثَّقٌ..؛ و"العربيُّ" أمين جامعة الموت. موتٌ على مدار الوقت؛ مجزَرَةٌ أخرى ويُعلِنُونَ وفاةَ العرَبِ في كُتبِ التاريخِ الحديثَةِ، وتُصبِحُ المقابر مُدناً رَديفَةً يُمنعُ فيها التجول، ويقتصر التصريحُ فيها للقنوات المواليَةِ التي تصدِّقُ "الكذبة" قبلَ بثِّها. موتٌ لا يموتُ، ولا يُصدِّقُ أنَّ موتَ القاتلِ عبادَة!

المجزرَةُ انتهَتْ ولم أمُتْ بعد..؛ هذه على ما يبدو بادِرَةٌ سيِّئَةُ النيَّة من القاتلِ لأسكنَ في الموت، وأصير أحد سكانه الأحياء، ثمَّ أصابُ بالأمراض النفسيَّةِ المُعقَّدَةِ التي تؤنِّب مَنْ ينجو من المجزرة: كيف أحيا وكان باستطاعتي الموت!

nader.rantisi@alghad.jo

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حديث الأسد.. بؤس الرؤية !

سلطان الحطاب

الرأي الاردنية

13-82-2012

من شاهد الرئيس بشار الأسد يتحدث لقناة دنيا الفضائية يعتقد أنه يتحدث من منتجع أو يحاضر في كلية جامعية وينظر في مسائل باردة عن القوى البشرية والاعلام والادارة وتعريف المقاومة..وهذه البرودة الظاهرة التي تغفل غرق سوريا في الدم اما انها تأتي من كون الرئيس السوري لا يعلم ما يجري في سوريا من المجازر والمذابح الجماعية وتدمير مقدرات الجيش السوري واقتصاد سوريا واما انه لم يرو بعد تعطشه للقتل والاقصاء الذي احترفه النظام منذ عهد الأسد الأب الذي أقصى رفاقه في الحركة التصحيحية والقى بهم في غياهب السجون لأكثر من عشرين سنة.

وما زلنا نذكر الأردنيين حاكم الفايز وضافي الجمعاني...في ماخوس وزعين والأتاسي وغيرهم..وما زلنا نذكر تدمير حماة واسلوب الحل الأمني وطريقة عقد التحالفات التي كان من ثمارها التحالف مع الموارنة اللبنانيين في بيروت بداية وتدمير مخيم تل الزعتر الفلسطيني والسكوت عن احتلال شارون لبيروت وارتكاب مجزرة تل الزعتر وحتى التاريخ الطويل الممتد من الحفاظ على أمن الاحتلال الاسرائيلي في الجولان..يعيد الرئيس الأسد مفهوم تعريف المقاومة تعريفاً غريباً حين لا يرى ضرورتها من الشعب رغم استمرار احتلال الارض السورية ويجعل ذلك مسؤولية الدولة حتى لو لم تقم الدولة بذلك خلال خمس واربعين سنة..

ونظام بشار الأسد الاقتصائي يرى أن عدوه هو شعبه أو أنه يأتي من شعبه ويعترف بذلك ويدعو لسياسة التطهير لهذا الشعب حتى لو أدى ذلك الى قتل نصفه وهي نظرية نازية كما يرى في مقابلته التي اتقنت هندستها الاعلامية بوضع أسئلة جريئة لم تستدع الا أجوبة متهافتة لافراغ حماسة المشاهد في الأسئلة دون الالتفات للاجابات والغريب أن الأسد يريد أن يبعد عن نفسه ونظامه الغفلة أو ان يعترف بالضعف والقصور ويحيل ذلك الى المجتمع والى المتآمرين حين يدعي أنه يعلم بالمنشقين ويسهل لهم الخروج بعد أن يسميهم الهاربين وليس المنشقين في تعريف غريب حين يرى أن الإنشقاق حالة مختلفة..

يلغي الأسد ما كان يعترف به سابقاً ويعيد انتاج المرحلة الماضية برؤية أمنية جديدة حين يدعي أن المقاومة المسلحة بدأت منذ اللحظة الأولى من ربيع سوريا رغم أن الشعب السوري أمضى قرابة سنة في مظاهرات واحتجاجات مدنية غير مسلحة وأن التسليح جاء بعد استشراء القتل وتوسعته وقصف المدن وحصارها وتجويعها واعدام المدنيين وتفجيرهم وادعاء أن ذلك من عصابات تخريبية ومتآمرة..رغم أن المسلحين المقاومين هم من الجيش السوري نفسه وممن سموا الجيش الحر..

النظام السوري هو المسؤول عن كل التداعيات اللاحقة في الحالة السورية لأنه سبب جرح سوريا الذي تعفن وتلوث وترك لحروب الآخرين ان تدور على ارضها.

وراح بعد ذلك يشجب التدخل الخارجي على مختلف الأشكال في حين يسمح به لصالح النظام من قبول متطوعين واسلحة ودعم من ايران وحزب الله وغيرهما..وهو لا يرى المناطق العازلة منطقية ومعقولة ويطالب بالتنسيق معه ان اراد الآخرون اقامتها وهذا منطق ساذج ينم عن ادعاء لا أساس له من القدرة على التحكم بالأمور..

أفعال نظام الأسد وقتله ومطاردته لشعبه يبررها بالمؤامرة عليه ولا يعترف بالربيع السوري أو تطورات المنطقة وهو يسبب الشقاء والمشاكل للسوريين جميعاً ولدول الجوار التي تحملت وما زالت تتحمل الكثير من اللاجئين السوريين الذين لم يذكرهم ولم تستوقفه معاناتهم بل انه لا يعترف بهم الان وحتى لاحقاً وترك الأمر لدول الجوار التي اختلف في تصنيفها وحاول ان يتحدث عنها بلغة دافئة باستثناء تركيا..

حديث الاسد غريب عجيب ينم عن جهل بالتطورات القادمة وعن دفع سوريا الى الهاوية فهل نجح اعداء سوريا في تحويل الأسد الى طعم يجري به اصطياد سوريا وتدميرها طالما ظل متشبثاً بالحكم وبأسلوب القتل!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وقصة حربين أهليتين

أمير طاهري

الشرق الاوسط

31-8-2012

بعد أن بدأت كثورة شعبية ضد حاكم مستبد، تحولت الأزمة السورية إلى حرب أهلية كاملة قد تكون لها انعكاسات خطيرة على مستقبل الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن التاريخ نادرا ما يعيد نفسه، فإنه يمكن في بعض الحالات استنباط أوجه تشابه بين الأحداث المختلفة. وعلى هذا، من دون تشبيه الأطراف المتصارعة في وقتها بمن يتقاتلون اليوم، فإن الأزمة السورية تشترك في بعض الخصائص والسمات مع الحرب الأهلية الإسبانية التي دارت رحاها ما بين عامي 1936 و1939.

فكما كان الحال مع الحرب الأهلية الإسبانية، فإن الحرب الأهلية السورية اشتعلت بين بقايا نظام منهار ووحدات منشقة من القوات المسلحة النظامية. ففي إسبانيا، كان النظام عبارة عن تشكيل يسيطر عليه الشيوعيون ويحظى بدعم ستالين، وكان ينشر العلمانية في تحد سافر لتبعية إسبانيا للكنيسة الكاثوليكية، ونظام الأسد في سوريا هو عبارة عن تشكيل فاشي بدائي يلوح براية العلمانية ضد الأكثرية السنية المسلمة. ومن المثير للسخرية أن الأسد يحظى بدعم النظام الخميني في طهران الذي يزعم أنه يقوم على أسس دينية، وفلاديمير بوتين الذي يأمل في أن تلعب روسيا دور حامل راية «المسيحية الحقة» وأن تلعب موسكو دور «روما الثالثة».

وفي الحرب الأهلية الإسبانية، تلقى الثوار - الذين كان يقودهم في البداية الجنرالان خوسيه سان خورخو وإيميليو مولا - دعم كل من إيطاليا وألمانيا، وظلت الديمقراطيات الغربية على الحياد باسم عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة. وقالت بريطانيا العظمى - التي كانت وقتها تحتل زعامة الديمقراطيات الغربية - إنه لم تكن هناك أي اختيارات جيدة في إسبانيا؛ حيث إن انتصار نظام يسيطر عليه الشيوعيون سوف يقوي من موقف الاتحاد السوفياتي، في حين أن فوز الثوار سوف يعني انتصار موسوليني وهتلر. واستخدمت فرنسا حجة أخرى لعدم التدخل، وهي أن تورط الديمقراطيات الغربية من شأنه أن يشعل حربا أوروبية أكبر حجما. وكما أظهرت الأحداث بعد ذلك، فإن قرار الديمقراطيات الغربية بمشاهدة المأساة الإسبانية وهي تدور أمامها من بعيد أحدث نفس الآثار التي كانوا يخشونها.

فعلى الرغم من خسارة ربيبه في إسبانيا، صعد نجم ستالين كحامل لراية الثورة في أوروبا، وفسر موسوليني وهتلر من جانبهما انتصار الثوار على أنه انتصار لهما وإقرار بصحة نظريتهما «القوة هي الحق»، وساعد افتقار الديمقراطيات الغربية إلى الموقف الحاسم على إشعال الحرب الأوروبية التي كانوا يأملون في تجنبها.

والحرب الأهلية الإسبانية جذبت متطوعين من جميع أنحاء أوروبا للقتال في صفوف كلا الجانبين المتصارعين، وفي سوريا أيضا انضم مقاتلون من مختلف البلدان العربية إلى الثوار، في حين وقفت عناصر من حزب الله اللبناني إلى جانب الأسد.

وتكشف لمحة سريعة على خريطة سوريا اليوم عن أوجه تشابه مثيرة للدهشة مع خريطة إسبانيا في العام الأول من حربها الأهلية. فبصورة عامة، ما زال نظام الأسد يسيطر على نحو 25 إلى 30 في المائة من الأراضي السورية، من بينها أجزاء من دمشق وحلب. وتشبه المناطق الواقعة تحت سيطرة الأسد «أرخبيلا» مكونا من 13 إلى 15 «جزيرة» تمتد من السويداء على الحدود الأردنية حتى إدلب بالقرب من الحدود مع تركيا، وأكبر هذه «الجزر» هي المنطقة الواقعة بين سلسلة الجبال الوسطى والبحر الأبيض المتوسط، وهي المنطقة الخلفية لطرطوس، ذلك الميناء الاستراتيجي الذي يشهد وجودا عسكريا روسيا متزايدا.

إلا أن السيطرة على إقليم لا يعني حكمه، وبالتالي فقد شهدت الوظائف الطبيعية للحكومة توقفا تاما في بعض المناطق التي لا تزال واقعة تحت سيطرة الأسد. وفي المناطق الأخرى، تسيطر القوات المناهضة للأسد على «الأرخبيل» الخاص بها والمكون من 10 إلى 12 جزءا من الأراضي، يقع أغلبها في منطقتي الجنوب والوسط، وهناك «جزيرتان» على الأقل بالقرب من الحدود مع العراق وتركيا يمكن اعتبارهما «مناطق محررة». وهنا أيضا، فإن السيطرة لا تعني الحكم الفعلي، بل إن أحد أكثر السيناريوهات تشاؤما بالنسبة لسوريا، على غرار ما حدث في إسبانيا في أواخر الثلاثينات من القرن العشرين، هو الانهيار الممنهج للدولة مما يحول البلاد إلى كومة مختلطة من الأقاليم التي تسيطر عليها الفصائل المتناحرة.

وقد استمرت الحرب الأهلية الإسبانية 3 سنوات تقريبا، فهل ستمتد الحرب الأهلية السورية كل هذه الفترة؟ إنه سؤال تصعب الإجابة عليه؛ لأنه يشبه السؤال عن «طول قطعة خيط»، كما يقول الإنجليز. وكما هو الوضع الآن، فإن معسكر الأسد قد يحصل على ما يكفي من الأموال والأسلحة من إيران وروسيا لمواصلة القتال بالمستوى الحالي لبعض الوقت. ومن جانبهم، فإن الثوار هم الآخرون يحصلون على ما يكفي من الدعم للمحافظة على الإيقاع الحالي لحملتهم. ويعد إعلان الأسد الأخير بأنه سوف يفعل «كل ما هو مطلوب» تهديدا خفيا باستعمال الأسلحة الكيميائية، وهو أيضا علامة على اليأس.

وبدون دعم خارجي، لا يمكن لأي حرب أهلية أن تستمر لوقت طويل، لا لشيء سوى لأن انهيار الاقتصاد المحلي يجعل من الصعب إبقاء ماكينات الحرب دائرة. وبقدر ما يتعلق الأمر بسوريا، فإن هناك سؤالين مطروحين، الأول هو: هل الديمقراطيات الغربية، التي تقودها حاليا الولايات المتحدة، جاهزة لتزويد الثوار بمستوى من الدعم قد لا تكون روسيا وإيران قادرتين أو مستعدتين لمجاراته؟ والسؤال الثاني: هل من الممكن أن يتدخل الغرب وحلفاؤه من أجل إيقاف تدفق الأسلحة والمساعدات على الأسد؟

إن معارضي التدخل الإنساني في سوريا يستخدمون بعض الحجج التي استخدمها سابقوهم بشأن إسبانيا؛ حيث يزعمون أن التدخل الغربي قد يؤدي إلى حرب أكبر تشمل روسيا وإيران وإسرائيل، ناهيك عن تركيا والعراق ولبنان والأردن. إلا أنني أرتاب في أن تظل أي من إيران أو روسيا في اللعبة إذا ما ازدادت المخاطر بدرجة كافية.

ومع ذلك، فإن خطر نشوب حرب إقليمية بفعل تأثير التنافذ لا يمكن استبعاده، فالحرب مثل الحريق من طبيعتها أن تنتشر من منطقة إلى التي تجاورها، وكلما طالت الأزمة السورية ازداد الخطر، ولن يستطيع الجبن الغربي أن يمنع نشوب صراع إقليمي أكبر، لكن تدخلا إنسانيا كبيرا ومصمما وفي وقته يستطيع، ويجب ألا يسمح لهذه الأزمة بأن تهدد هيكل الاستقرار الإقليمي في وقت يحتاج فيه الشرق الأوسط إلى التركيز على إنجاح ثورات الربيع العربي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التقصير العربي تجاه سوريا

وفيق السامرائي

الشرق الاوسط

31-8-2012

ليس واردا تاريخيا أن تقوم ثورة ببناء جيش لإسقاط نظام يتمتع بسيطرة أمنية شاملة وصارمة، ولديه قوات مسلحة كبيرة متكاملة التسليح والتدريب والتجهيز، وسخر إمكانات الدولة لحماية هياكله، فتحقق ما حققته الثورة السورية خلال سبعة عشر شهرا. وهو ما يقود إلى القناعة بوجود دعم خارجي مهم، لكنه غير كافٍ حتى الآن. والدعم الخارجي هنا ضروري على كل الاتجاهات، بعد أن فقد الحاكم مقومات المواطنة بتدميره لبلده، واستناده إلى دعم خارجي سافر.

في مقال سابق، تطرقت إلى الموقف الشيعي من الثورة السورية، وتلقف البعض الوصف العلوي على أنه نمط طائفي في التعبير، من دون الوقوف عند العبارات الواردة. فما جرى التركيز عليه هو أن «تتحكم حفنة من الطائفة العلوية» في مصير الأمة السورية. والطرح لا يتعلق بجهة أو طائفة دون أخرى، حيث سجل الموقف الشعبي والرسمي لمعظم الدول العربية تقصيرا كبيرا، وحالات متدنية من التفاعل. فالموقف الجزائري مثلا مثير لكل علامات التعجب، بعد أن وقفت الدبلوماسية الجزائرية ضد الثورة السورية، وغاب عن الشعب الجزائري أي حماس لأبسط درجات التأييد لنصرة المظلومين!

ونتحول إلى مصر التي لم نجد لها خلال 17 شهرا من عمر الثورة السورية، موقفا يتفق مع ما تفرضه الاعتبارات الموضوعية، من استحقاقات على الدولة العربية الأكبر، للتحرك الفوري لوقف جرائم الإبادة. إلا أن خطاب الرئيس محمد مرسي في قمة عدم الانحياز أمس، شكل تطورا إيجابيا يمكن وصفه بالثوري إلى حد ما، واقترب كثيرا - من الناحية السياسية والإعلامية – إلى صقور التغيير. إلا أن المطلوب من مصر هو خطوات عملية لتعزيز قدرة الثورة على حماية المدنيين وتحقيق النصر. فالضغوط السياسية وحدها لم تؤد إلا إلى زيادة استهتار طاغية دمشق. والتعويض عن المطالبة بالتدخل العسكري يمكن تفهمه، في حالة تقديم الدعم اللازم لكبح هجمات التدمير للقوات الجوية، ووقف المجازر اليومية.

لقد فازت تركيا خلال السنتين الأخيرتين في تنافسها الطبيعي مع الدور المصري، واستطاعت أن تقطع شوطا كبيرا على طريق الاندماج في المحيط العربي. وأعطت سياستها اهتماما كبيرا للثورة السورية، انسجاما مع تقييم الموقف الميداني. وما كان الجيش الحر ليتطور إلى ما هو عليه لولا الدعم التركي والتسهيلات اللوجيستية والأمنية لتأمين وصول المساعدات الدولية إلى ميادين الصراع من أجل البقاء. فالجيوش تزحف على بطونها، فكيف إذا كان معها عبء المدنيين؟

وباستثناء الدول العربية الداعمة علنا للشعب السوري، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر، والمسؤوليات الجسام التي ينهض بها الأردن، قيادة ومؤسسات وشعبا، تجاه أكبر موجات لجوء عبر الحدود السورية، وتولي القوات الأردنية مهمة حماية اللاجئين فور عبورهم الحدود، وتوفير أقصى ما يمكن من الإمكانات اللوجيستية، فإن الشعوب العربية مطالبة بالتحرك السلمي - من موريتانيا إلى اليمن - لتحفيز حكوماتها للوقوف إلى جانب السوريين في محنتهم وثورتهم. وحتى إذا انتهت مشاعر الربط التاريخي بين الشعوب العربية، فالمشاعر الإنسانية لا ينبغي أن تنتهي أو تتضاءل.

قيل إن الثورة الليبية أرسلت وسائل دفاعية متطورة للجيش الحر ولم تصل إليه، ربما لأسباب فنية. وعلى الرغم من أن المطلوب هو كل شيء، بما في ذلك الخبز، فإن كسر شوكة العدوان الجوي والمدرع ضروري للغاية، والجيش الحر قادر على استيعاب كل الوسائل المتقدمة المطلوبة لتحقيق هذه الغاية. وطبقا لما نقل عن مسؤول رسمي سوري فإن عدد من سماهم الفارين من الخدمة العسكرية بلغ 65 ألف شخص، وهو رقم يقل كثيرا عن الحقيقة التي دفعت طاغية الشام إلى استخدام القوات الجوية ونيران المدفعية عن بعد، لقصف المدن، ونسبة كبيرة من هؤلاء التحقوا بالجيش الحر، وسبق لهم تلقي تدريبات في كل صنوف وإدارات القوات المسلحة وأجهزتها.

منظمة إسلامية، وجامعة عربية، بلا إرادة، رغم قوة الدفع من صقور الخليج المؤيدة للشعب السوري! فالموقفان البريطاني والفرنسي تحديدا، والأوروبي عموما، أكثر قوة واندفاعا وشجاعة من مواقف معظم الدول العربية والإسلامية. وسقطت الشعارات القومية، في مرحلة اختبار تاريخي حاسم، تدك فيه المدن السورية بقنابل الحقد. وبعد أن فقد الشعب السوري الأمل في وقفة رسمية عربية قوية، هل تفقده «الغفوة» الشعبية العربية الثقة في كل ما رفع من شعارات، غالبا ما كتبها مثقفوه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"تسونامي" اللاجئين السوريين

2012-08-30 12:00 AM

الوطن السعودية

30-8-2012

كثيرة هي المؤشرات التي تنبئ بالخطورة التي من الممكن أن يشكلها اللاجئون السوريون على دول الجوار، إذا لم يتم استيعابهم بطريقة تلبي كافة احتياجاتهم.

ما حدث في الأردن من مصادمات بين لاجئين سوريين وأجهزة الأمن هناك على خلفية تراجع الخدمات المقدمة لهم، أحد تلك المخاطر؛ ولكن: ماذا عسى عمّان أن تفعل في ظل تزايد أعداد اللاجئين الواصلين إليها وتجاوزهم حاجز الـ180 ألفا؟ والسؤال الأهم: على عاتق من تقع مسؤولية مساعدة دول الجوار باحتواء اللاجئين.

الواقع على الأرض، يشير وبكل وضوح إلى خروج المناطق الحدودية لسورية التي تشترك فيها كل من الأردن وتركيا عن سيطرة الجيش النظامي، وإلا بماذا يمكن تفسير الأعداد الكبيرة من اللاجئين التي تعبر نحو أراضي تلك الدولتين؟ وما يدعم ذلك، الإعلان السابق للجيش الحر بسيطرته الكاملة على منافذ حدودية سورية مهمة مع دولتين، منها تركيا.

فكرة إيجاد مناطق عازلة وآمنة داخل الأراضي السورية التي عاد لطرحها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الاثنين الماضي، كانت مطروحة منذ بداية الأزمة. صحيح أن فكرة إقامة منطقة عازلة - في البدايات - كانت أمرا صعبا بعض الشيء، ولكنها الآن أمر عملي وعملي جدا، خلافا لما ذهب إليه الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلته التي بثت أمس، ذلك أن إقامة أي منطقة عازلة وآمنة داخل الأراضي السورية تعني بقعا جغرافية محررة بالكامل من سيطرة نظام الأسد، وهو ما يخشى منه النظام السوري الذي يزعم من خلاله رئيسه أن الوضع في سورية صار أفضل من ذي قبل.

إقامة مناطق عازلة داخل الأراضي السورية، يعني إعادة إحياء المناطق المحررة مجددا من ناحية، وتخفيف الضغط على دول الجوار من ناحية أخرى، وبالإمكان الاستفادة في ذلك من تجربة "صحوات" العراق أو "اللجان الأهلية" في مصر، للحفاظ على حالة السلامة العامة في تلك المناطق، عبر إيكال المهمة إلى الأفراد المنشقين من الجيش السوري الموجودين بكثرة في أحد المخيمات على الأراضي الأردنية أو المتواجدين على الأراضي التركية، وهو ما سيعطي الجيش الحر مساحة من الثقة على الأرض للتقدم نحو تحرير بقية البقع الجغرافية التي يسيطر عليها نظام الأسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعتقلون في سوريا النظام وسوريا الثورة

غسان حجار

2012-08-30

النهار

لا تقلل اعادة فتح ملف المخطوفين والمخفيين قسراً والمعتقلين في سوريا، من أهمية الـ11 المخطوفين أخيراً، وقد أطلق أحدهم. ولا تحوّل الإهتمام عنهم لأهداف سياسية أو مذهبية وطائفية. لكن العثور على احدهم طليقاً بعد ربع قرن من الإعتقال، يكذب السلطات السورية في ما أنكرته تكراراً عن وجود سجناء ومعتقلين لبنانيين لديها. والعثور على يعقوب شمعون يعيد الأمل الى ذوي المعتقلين والمخفين قسراً، ويضيء شمعة في الليل الحالك لهؤلاء المعتصمين سلماً منذ زمن بعيد في خيمة نصبت في حديقة جبران خليل جبران قبالة بيت الأمم المتحدة في وسط بيروت.

هؤلاء الأهالي، الذين ارتضوا التحركات السلمية الحضارية لم يعمدوا الى قطع طريق المطار على مواطنيهم، وحرق الإطارات لزيادة نسبة التلوث في الأجواء اللبنانية، ولم يقدموا على خطف أحد بما يسيء الى الأمن الداخلي والى صورة لبنان في الخارج، مما يحرمه سياحاً وزواراً حتى من أبنائه.

من حق المخطوفين الحرية، ومن حق أهلهم المطالبة بهم، ولا يمكننا ان نحس بما يشعرون به، لأن الجمرة تحرق في مكانها، وتؤلم المحترقين بها. لكن ردود الفعل المتهورة، والميليشيوية، جعلتنا نحترق جميعاً من الإرتدادات السلبية لتلك التحركات، والتي لم تنفع حتى تاريخه في إيجاد حل للقضية.

واذا كانت الدولة وضعت كل امكاناتها وطاقاتها في خدمة هذا الملف، وألفت لجنة وزارية، وأوفدت المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم بعد وزير الداخلية، للتفاوض مع السلطات التركية في شأن العشرة، فإنه من واجب الدولة اياها ان تعيد فتح ملف المعتقلين في سوريا، ما دام الموقف الرسمي الذي يعبر عنه وزير الخارجية عدنان منصور، مصراً على أفضل العلاقات مع دمشق. فكيف تكون العلاقة فضلى اذا لم تطبق بنود معاهدة الأخوة والتعاون بين البلدين؟

من وحي مقتل خليل حجار

سقط خليل حجار صريعاً في الشارع. صدمته سيارة. ليس المهم التعرف الى هوية صاحبها لبنانياً كان أو سورياً أو غير ذلك، وهو سوري كما تبين. المهم في الأمر ان عائلته خسرته، ومثله العشرات يسقطون يومياً ضحايا الفوضى والإهمال وعدم وجود قانون رادع.

ليس خليل من أقاربي، رغم التشابه في الأسماء، وليس من بلدتي، بل اني لا أعرف مسقطه، رغم اني عرفته في قناة "الجديد"، ولم تدم علاقة المعرفة بيننا سوى أيام لإنتقالنا كل واحد الى مكان عمل آخر.

لكنني في الأمس شعرت بالحزن عميقاً، وأسفت لرحيله. هذا الرحيل الرخيص غالباً في بلد الموت الذي لا يشبع من دماء أبنائه، تارة على الطرق، وطوراً في أحداث وصراعات مأسوية لا تنتج الا يتماً وترملاً وقهراً وأسى.

ومساء شاهدت عبر التلفزيون والدة تنتظر ابنها المعتقل في سوريا منذ 20 أو 25 سنة. ما زالت تنتظر. كأنها تفتش في علم الغيب، لا تريد ان تصدق ان الفراق ربما صار نهائياً. وقد يعود نجلها فلا يجدها، اذ ربما تقوى عليها الاعوام المثقلة بالقهر، فتقتل الجسد المنهك قبل لقاء مأمول. كلاهما ربما يموت على أمل اللقاء الذي قد لا يحصل.

هكذا دائماًَ في وطن القهر. أناس يسقطون في محور التبانة جبل محسن. من هناك تتحرر الشعوب العربية وتندحر اسرائيل وتعود القدس الى أهلها.

محاور القتل والموت العبثي كثيرة، ولا تجد من يحاصرها سوى حفنة من السياسيين يتلاعبون بمصائر الناس اذا ما اتفقوا أو اختلفوا، اذ يندلع أحدها ويهدأ آخر بالتناوب. ولكثرة الأحداث والمآسي، تطوى كل يوم صفحة جديدة، ويطوي الزمن أخبار الأمس القريب. ولا تبقى الذكريات الا في قلوب البعض، تقتلهم بعد حين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين ميشال سليمان وبشار الأسد

علي حماده

2012-08-30

النهار

ما من شك في قوة الكلام الذي صدر قبل أسبوع عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان على خلفية فضح مؤامرة ميشال سماحة - علي مملوك التفجيرية، والذي تناول فيه بشار الأسد قائلا أمام زواره انه (سليمان) لا يزال ينتظر اتصالاً من بشار الأسد ليوضح له أسباب قضية سماحة وخلفياتها. تبع ذلك إحجام الرئيس اللبناني للمرة الأولى منذ أمد بعيد جداً عن الاتصال بنظيره السوري ومعايدته بعيد الفطر المبارك. وما من شك في ان محيط بشار المخابراتي غير المباشر كان وراء الكلام الذي صدر في مقال أحد كتاب الزميلة "السفير" أول من امس ومفاده أن من ينتظر مكالمة بشار عليه ان ينتظر كثيراً فيه الكثير من التجبر الذي يعود الى حقبات ماضية من التعامل بين النظام في سوريا ولبنان في شكل عام. لقد انطوى موقف ميشال سليمان على سعي لتغيير قواعد العلاقة مع بشار ونظامه، وخصوصا ان الواقع السوري المستجد لا يبرر إطلاقاً لبشار وبطانته الاستمرار في نهج التعامل الفوقي القديم. فبشار أساسا ليس حافظ الأسد، وهو اليوم مجرد طبعة مهترئة من بشار ما قبل ٢٠٠٥ ( تاريخ الانسحاب من لبنان) وطبعة مهلهلة من بشار ما قبل الخامس عشر من آذار ٢٠١١.

بناء على ما تقدم ليس على رئيس الجمهورية اللبناني ان يقدم الطاعة الى رئيس النظام في سوريا حتى لو استمد الأخير قوته عندنا من مخزون "حزب الله". أكثر من ذلك ليس على الرئيس اللبناني ان يتعامل بدونية مع بشار الذي ضبط ومدير مكتب الامن القومي التابع له علي مملوك ورجلهما ميشال سماحة متلبسين بالجرم المشهود. وكانوا يريدون تفجير منازل ومقار عامة ومآدب إفطار شمالية. بالعكس ان موقف ميشال سليمان هو أقل ما يمكن مع مواصلة سفير بشار علي عبدالكريم علي تحركاته الوقحة في بلادنا، ومواصلة وزير الخارجية انتهاج سياسة التابع لـ"حزب الله" وحركة "أمل" لا الوزير في حكومة وطن اسمه لبنان. أضعف الايمان ان يقابل رئيس الجمهورية بشار بصمت ثقيل ليقول له ان موضوع سماحة كبير جداً، وأن تورطه المباشر عبر علي مملوك لا يمكن التعامل معه كأن شيئاً لم يكن. أكثر من ذلك يفترض ان هذه القضية شكلت مفترقاً في أسلوب إدارة العلاقات بين الرئاسة اللبنانية وما تبقى من نظام في سوريا في الأيام أو الأسابيع القليلة المتبقية من عمره. وما تجبّر بشار سوى بقايا إرث بدده، ومُلك فقده ليس فقط في لبنان والحمد لله، بل وفي سوريا نفسها.

لقد حاول بشار الأسد في المقابلة مع الذات التي أجرتها معه قناة نسيبه رامي مخلوف (الدنيا) ان يقلل من الكارثة التي ينزلق نحوها، وحاول ان يربط أزمته مع الشعب بكل أزمات الدنيا ومحاورها. ولكنه ذكّر المراقبين المخضرمين بآخر أيام الرايخ الألماني في أيار ١٩٤٥ وكان هتلر مؤمناً حتى اليوم الأخير بأنه سينتصر ويعيد غزو العالم! فانتهى جثة مفحّمة في فناء خلفي من الرايشتاغ المدمر في قلب برلين!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شيء ما يتغيّر بين النظام السوري وحلفائه

روزانا بومنصف

2012-08-30

النهار

باتت اطلالات الرئيس السوري بشار الاسد الاعلامية المتصلة بالعزم على "حسم الوضع" في سوريا وشد عضد الداعمين له تفتقد قوة الاقناع لدى غالبية حلفائه في لبنان الذين شهدت مواقفهم في المجالس الخاصة، وان لم يكن على نحو صريح وعلني حتى الان، اقرارا بان استمرار الازمة في سوريا سنة ونصف من دون اثبات النظام الفاعلية والقدرة لحسمها قد افقد كل الامال والتوقعات بالقيام بذلك في هذه المرحلة بعد النزف الذي عاناه الجيش النظامي وانشقاقاته. اذ لم يعد لكلام الرئيس السوري الوقع الكبير كما في السابق حتى لو ان نظرية المؤامرة تلقى رواجا بين هؤلاء حول موقع سوريا وتحالفها مع ايران. وفيما لفتت مراقبين سياسيين مواقف الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي الاسبوع الماضي عن ربط ما يحصل في لبنان بتداعيات الوضع في سوريا ووجود من يرغب في نقل الازمة الى لبنان على نحو قد يفسر باتهام ضمني للنظام السوري أيضاً، فان المواقف المتقدمة التي عبر عنها الرئيس ميشال سليمان اظهرت تفلتا اكبر، علما ان رئيس الجمهورية عبر عن مواقف صريحة من النظام منذ بدء الازمة على قاعدة "صديقك من صدقك وليس من صدّقك"، وفق ما تقول مصادر معنية.

ومع الانزعاج السوري من مواقف رئيس الجمهورية الذي جرى الحرص على ايصاله الى لبنان اعلامياً فان حلفاء قلة باتوا يأخذون على عاتقهم الاضطلاع بهذا الدور كما في السابق حيث كان هؤلاء يضطرون الى ايصال الرسالة مباشرة وعلنا من دون انتظار الموقف العلني السوري في هذا الاطار من خلال شن حملات قاسية على رئيس الجمهورية. فهؤلاء بدأوا يتهيبون الموقف ويحسبون الحسابات على قاعدة ان التغيير الجذري لا مفر منه وعدم انتصار الثورة السورية حتى الان لا يعني ان النظام هو الذي انتصر في المقابل. لا بل اخذ بعض هؤلاء الحلفاء راحتهم اكثر في توجيه الانتقادات للرئيس السوري امام الاعلاميين اولا مقارنة بوالده الذي استطاع قيادة سوريا على رغم تناقضاتها واكسبها الكثير بدءا من سيطرته على لبنان وثانياً في الاخطاء الكثيرة التي ارتكبت وادت عمليا الى انهيار سوريا وتدميرها وصولا الى التقليل ضمنيا من اهمية انتصار "المقاومة" على اسرائيل في 2006 على قاعدة ان الشعوب، ايا تكن وايا يكن المعتدي، هي التي تهزم دولا مدججة بالطائرات والدبابات والجيوش المنظمة. ومن ذلك وصولا الى موضوع الوزير السابق ميشال سماحه، الذي قدم دلائل حاسمة ودامغة حول تورط النظام في ما يحصل في لبنان الى حد اربك كل الحلفاء في حين ان كل الاتهامات السابقة بمسؤولية هذا النظام عن احداث خطيرة في لبنان بقيت طويلا من دون اثبات. ويشكل تقدم موضوع سماحة قضائيا او عدمه بالنسبة الى البعض مؤشرا مهما على مدى استمرار النفوذ السوري في لبنان وممارسة النظام سطوته على القرار اللبناني من خلال قدرته على تجميد هذا الموضوع الى اجل ان لم يكن العمل على اطلاق سماحة بذريعة ما او من خلال فبركة قانونية ما، في حين يقول البعض الاخر ان التباطوء هو لتجنيب البلد الغرق في المزيد من تداعيات الوضع السوري وتبريد الامور وليس التراجع في شأنها باعتبار ان اي تراجع في ضوء المواقف التي اعلنت بناء على الاثباتات التي عرضت للمسؤولين لن تنهك القضاء اللبناني المنهك اصلا بقضايا من نوع قضية فايز كرم وكل القضايا الاخرى اللاحقة بل تنهك مواقع المراجع الرئيسية والدولة باسرها. لكن حتى لو حصل ذلك كون البيئة اللبنانية مفككة اصلا وخاضعة لتجاذبات داخلية ايضا سيكون فيها رابحون وخاسرون، يبدي هؤلاء الحلفاء اقتناعا اكثر فاكثر - ومن دون اوهام عن انتصارات بات صعبا حصولها - ان مسألة بقاء النظام السوري او المحافظة على استمرارية له من اي نوع باتت في انتظار الصفقة الملائمة للدول الكبرى على وقع البازار المتصل بكل القضايا العالقة بين الولايات المتحدة وروسيا او بغالبيتها على الاقل وتلك المتصلة بايران ايضا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا... ليس إلا الدم؟

راجح الخوري

2012-08-30

النهار

إذا كان ما يجري في سوريا "معركة إقليمية وعالمية ولا بد من وقت لحسمها" كما يقول الرئيس بشار الاسد، فان ذلك يعني انها ستبقى في قبضة حرب استنزاف تستمر سنوات طويلة فلا يبقى مكان لمقابر ولا حجر على حجر في المدن والاحياء التي تدك بكل انواع الاسلحة.

كلام الأسد هذا جديد وهو يشكل اعترافاً غير مسبوق بأن القصة ليست قصة "مجموعات ارهابية" يسعى الى تطهير البلاد منها، كما كان يعلن قبل سبعة او ثمانية اشهر. لكن ما هو اكثر اهمية واثارة في كلامه قوله "اننا نتقدم الى الامام والوضع عملياً افضل لكن لم يتم الحسم بعد"، فلكأنه بهذا يقر ضمناً بسيطرة المعارضة الواسعة على الاراضي السورية، او لكأنه يقود حملة لـ "تحرير" البلاد من "احتلال" يبسط سيطرته الواسعة عليها. ثم ان حديثه عن "الحسم العسكري" يؤكد تكراراً ان النظام يرفض كل الحلول السياسية وان كل ما قيل عن الاستعداد للحوار والاصلاح انما يقتصر على "المعارضة" التي تنام في احضانه!

ميدانياً، لا يبدو ان التقدم الى الامام مسألة سهلة، فعلى سبيل المثال ذهب الاسد قبل اشهر الى حي بابا عمرو معلناً تحريره من "الارهابيين" لكن المعارك مستمرة الآن هناك في حمص المدمرة طبعاً، وهذا الامر يتكرر في العاصمة دمشق التي سبق للنظام ان اعلن عن "تنظيفها" لكن المعارك متأججة فيها في هذه الساعات، وهو امر ليس بالمستغرب، ففي الحروب الاهلية داخل المدن تتحول المواجهات استنزافاً طويلاً ومع كل قتيل يسقط في هذا الجانب او ذاك "ينبت" عشرة من الاشقاء والأقارب المستقتلين وطالبي الانتقام.

امام كل هذا لا داعي الى التساؤل عما يمكن ان يفعله الاخضر الابرهيمي ومن ورائه جامعة عربية فاشلة ومجلس امن معطّل بـ "الفيتو"، وخصوصاً مع رفض دمشق وطهران كل حديث عن تنحي الاسد، ولهذا فان الخلاصة الموضوعية هي ان سوريا واقعة في فشلين كارثيين، فشل الحل العسكري وفشل الحل السياسي، بما يعني انها ستبقى نهباً للمزيد من حمامات الدم والدمار والمآسي وسط عجز سياسي واخلاقي دولي فاضح، بعدما تحول العالم مجرد عدّاد للقتلى الذين يسقطون يومياً في حرب لم تتوان هذه الزاوية منذ عام في وصفها بأنها معركة "يا قاتل يا مقتول"!

فها هي اوروبا تعلن عجزها عن اقامة منطقة عازلة بينما تحاول روسيا الإنسلال من الواجهة لتترك ايران التي ترفض "كسر سوريا" تنزلق أكثر فأكثر في معركة يراد لها انهاك الجميع نظاماً وثوّاراً في انتظار " ابانا" الجديد الذي سيدير البيت الابيض!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اللاجئون السوريون.. فخار لا عار

ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

30-8-2012

لم تحرك الحكومة ساكنا إثر تصريحات وزير الصحة التي كشف فيها عن وجود أكثر من مليون مهاجر غير شرعي للأردن. هؤلاء، ومنهم جنسيات آسيوية مثل الفلبين وسيرلانكا، دفع المواطن الأردني أجور استقدامهم جوا وإقامتهم، لينصبوا عليه ويعملوا لحسابهم بلا ضرائب ولا رقابة قانونية، منافسين ابن البلد والعمالة الشرعية عربية وغير عربية. وما يثير الاستغراب، بحسب تحقيقات نشرتها الصحافة ومنها "الغد"، ومن معرفة شخصية، أن هؤلاء معروفون لمراكز الأمن فردا فردا!

هؤلاء تنفذ عليهم قوانين الإبعاد وترتيب الأوضاع قانونيا، بما فيها إعادة حقوق المواطن ومكتب الاستقدام، ولا قضية سياسية ولا إنسانية من ورائهم. في المقابل، وبشكل مشين، يحاول بعض شبيحة النظام السوري تقديم اللجوء السوري بالصورة السابقة. وهذا عار لا يمثل الشعب الأردني الذي وقف مع الثورة السورية من بدايتها، واستضاف -دولة وشعبا- من أخرجوا من ديارهم هربا من موت محقق.

كُتبت قصة فخار أردنية على مدى عام ونصف العام، توثق عند من يجزي الجزاء الأوفى، ويضاعف القروض، لا في المراكز الأمنية ومفوضية اللاجئين والجمعيات الخيرية. أسر فقيرة تقاسمت بيوتها مع أسر سورية؛ أثرياء سخروا عقاراتهم للاجئين، وعلى سبيل المثال أذكر الشيخ سامي الفايز ونضال البشابشة وغيرهما. وشخصيا، أعرف عائلات أمضت رمضان والعيد مع العائلات السورية، وتشاركت معها الإفطار والعيد.

المشاكل تطفو مباشرة إلى السطح، والنجاح يحتاج من يبحث عنه. مصادفة، وأثناء البحث عن مكتب للجزيرة في الرمثا، اكتشفت أن رجل الأعمال أبو حسين الذيابات الذي يمتلك عمارة في الوسط التجاري للرمثا قد تبرع بها للاجئين السوريين، وتكفل بإعالتهم ومتابعة شؤونهم، ورفض أن يتقاضى إيجارا للمكتب لأنه يغطي شؤون السوريين، وفاوضته أن يقبل الإيجار باليمنى ويدفعه للاجئين باليسرى. هذا واحد من آلاف الأردنيين، وليس حالة معزولة.

لا أعلم سابقة في العالم استوعب فيها بلد بحجم الأردن وإمكاناته أكثر من مئة وخمسين ألف لاجئ في بيوت الناس وليس في الخيام. يسجل هذا للمواطن كما للدولة التي تعاملت معهم باعتبارهم أشقاء منكوبين. هذا الأصل، والاستثناء هو مخيما سايبر ستي والزعتري. ومقابل الأمثلة التي تدعو للفخر أذكر مثالا يندى له الجبين حصل في سايبر ستي في ليلة القدر.

تبرع محسنون في إربد بستمائة رغيف شاورما سحورا للاجئين والعاملين معهم. لكن رفض المسؤول الأمني إدخالها بحجة صحية.

لو قام يومها اللاجئون بالتظاهر طلبا لسحورهم، وتصدت لهم قوات الدرك ماذا ستكون النتيجة؟ هي ما كان أول من أمس في مخيم الزعتري. فاللاجئون يتلقون وجبة واحدة ، ليس نقصا وإنما سوء تنظيم من طرف المشرفين ومن طرف اللاجئين. وبالنتيجة الزعتري تحول إلى ملف أمني يقرر فيه رجال أمن لا خبرة ولا علاقة لهم بالعمل الإغاثي والخيري.

الحل وقد اقترب الفرج في سورية أن تشكل لجنة لإدارة المخيم، تقوم بالأساس على وجوه السوريين ونشطائهم من داخل المخيم وخارجه، تمثل أكثر من عشرين ألفا وتحل مشاكلهم بالحسنى. وهم قادرون على اكتشاف الخلايا النائمة وفرز الجيد من الرديء.

من الظلم للأجهزة الأمنية تحميلها مسؤولية عشرين ألف لاجئ لا تنتهي مطالبهم وكلها محقة. ولا يمكن فتح باب التكفيل كما كان في البداية ولا يمكن إغلاقه كما اليوم. لا بد من لجان متخصصة تدرس الحالات وتقرر فيها. فالعائلات التي تضم أطفالا، مثلا، يوجد عائلات أردنية مستعدة لكفالتها، كما توجد عائلات من خارج الأردن قادرة على ذلك، وجمعيات وهيئات دولية وإسلامية وعربية وأردنية.

بشار سيرحل وهؤلاء الباقون في بلدهم لا عندنا. وعلينا ألا ننقض غزلنا معهم ونكمل معروفنا لله لا لغيره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مذبحة داريا و«وتشييع» سوريا! * حلمي الأسمر

الدستور

30-8-2012

كلما ارتكب شبيحة بشار مذبحة، قلنا كم كانت بشعة، وهي أبشع ما ارتكب، ثم يفاجئنا القتلة بمذبحة أكثر بشاعة ووحشية، ولم نكن ندري على وجه الدقة لمَ يستهدف القتلة مناطق بعينها ويخصونها بحقد خاص؟، إلى أن استوقفتني مذبحة داريا، وتساءلت عن سبب هذه الوحشية غير المسبوقة، التي خصوا بها هذه القرية الوادعة المسالمة!

لقد تبين لي بعد البحث والتنقيب أن داريا تحديدا لها قصة في سياق الحرب الشعوبية التي يشنها شبيحة الأسد على أهل الشام، وخاصة أهل السنة تحديدا، فهي تأتي في سياق ما يمكن أن يسمى حركة «تشييع» الشعب السوري بكل مقوماته السكانية والتي يقال أن الذي يقودها هو الحرس الثوري الإيراني ويتم الأمر على النحو الآتي: مقام –لأحد الصالحين- يتم تبنيه من قبل المرجعية الإيرانية العليا في دمشق حيث يتم في المرحلة الأولى تكبير حجم القبر بشكل لافت للنظر، وإلصاق اسم أحد أهل البيت من أبناء أو بنات سيدنا علي بن أبي طالب أو بنيه الحسن والحسين رضي الله عنهم جميعاً. يتم إلصاق الاسم بهذا القبر، ثم يجعلونه مزاراً كبيرا،ً يتجه الحجيج الإيراني بالمئات إلى هذا القبر، ثمّ يصبح الحجيج بالآلاف، لإثارة ضجة كبيرة عن المكان، والتأكيد على أنّه قبر لأحد أهل بيت سيدنا علي رضي الله عنهم جميعاً. ثمّ بعد ذلك وخلال بضع سنوات يتم شراء الأراضي والبيوت المحيطة بالقبر، ليتم إنشاء حسينية كبيرة (معبد الشيعة) على القبر، وكذلك لبناء فنادق وأسواق وأماكن سكن محيطة بالقبر والحسينية، بحيث تكون مستعمرة إيرانية تحت غطاء الدعوة الدينية للتشيع لأهل البيت!

كان هذا ما حصل لأحد القبور في مدينة داريا، حيث قدِم بعض الإيرانيين إلى البلدة ليكتشف(!) أن في وسط البلدة قبراً قديماً يعتقد أهل البلدة أنه لأحد الأولياء الصالحين، فيما بعد وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي يقوم الإيرانيون ببناء قبر كبيرفوق القبر القديم، ثم يشترون المكان المحيط بالقبر لإقامة ساحة محيطة بالقبر، تحضيراً للزوار الذين بدأوا يتوافدون بالمئات من الحجاج الإيرانيين، ثمّ تكاثروا ليصبحوا بالآلاف. ووضعوا على القبر اسم السيدة سكينة بنت سيدنا علي كرم الله وجهه. واشتروا المكان وبدأ الإيرانيون يشترون الأراضي والبيوتات االمحيطة بالقبر لبناء الفنادق والأسواق في محيط القبر. وفي العام 2003 وبعد استكمال شراء العقارات المحيطة في القبر بدأ الإيرانيون بإنشاء حسينية ضخمة على القبر باسم –مقام السيدة سكينة بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، والبناء الضخم ما زال تحت الإنشاء، حيث تمّ بناء أسواق في محيطه وعمارات سكنية وفنادق تمهيداً لإقامة مستعمرة إيرانية في مدينة داريا، ويبدو أن أهل المدينة شعروا بالمخطط الإيراني الخطر على مدينتهم وعلى قطرهم، فحاولوا الاحتجاج على ذلك لرئيس البلدية، الذي تعاطف معهم، غير أنهم جوبهوا بموقف متشدد من النظام السوري ممثلاً بأجهزته الأمنية، التي أقالت رئيس البلدية المتعاطف، وعيّنت بديلاً عنه، الذي قال لأهل المدينة لا أستطيع فعل شيء، لأنه تمّ تهديدي من قبل الأجهزة الأمنية، وطلبوا مني أن أدعم مشروع المستوطنة الإيرانية هذا. أهل المدينة يقولون إن مدينتهم (داريا) لا يوجد فيها أي عائلة شيعية، فلماذا تبنى عندنا هذه الحسينية الكبيرة؟ أجهزة المخابرات السورية أحضرت المحتجين من أهل المدينة، وتمّ تهديدهم فرداً فرداً بسوء العاقبة إن هم تابعوا احتجاجهم على المشروع الإيراني!

ويبدو أن ما وقع في هذه القرية الوادعة ليس بعيدا عن هذا الملف اللعين، فكانت المذبحة البشعة، التي أودع الشبيحة فيها كل حقدهم، ولا نستبعد أن يكون بينهم ممثلون عن الحرس الثوري، لأن طريقة القتل التي رأيناها في داريا لا يمكن أن يرتكبها سوريون عرب أقحاح ضد أبناء جلدتهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الدستور الأردن متمسك بواجبه الإنساني ودوره القومي

الدستور

30-8-2012

لن يتراجع الأردن عن واجبه الإنساني ودوره القومي، وستبقى ذراعاه مفتوحتين، يستقبل الإخوة السوريين، ويقدم لهم العون، والمساعدة، للتخفيف من معاناتهم وتهدئة روعهم، بعد أن هربوا من الموت المحقق الذي يلاحقهم، وأدى لوفاة وإصابة عشرات الألوف، وتهجير أكثر من مليون الى دول الجوار، ومليونين في الداخل فرارا من المحرقة التي باتت تطبق عليهم.

وها هي تحرق الأخضر واليابس، وتحيل الشام ريحانة الله في أرضه الى ارض محروقة، تئن تحت وطأة الخوف والإرهاب والموت.

ولن يضير الأردن تصرفات وحماقات نفر من الشبيحة الذين اندسوا بين اللاجئين، وسولت لهم أنفسهم الاعتداء على رجال الأمن والدرك الذين يعملون على حمايتهم وتوفير الأمن والأمان لهم، ولن يضيرهم تنكر البعض للدور الأردني الإنساني النبيل، وجهود النشامى من أبناء قواته المسلحة الباسلة وأجهزته الأمنية، وهم يصلون الليل بالنهار لضمان سلامة وصول الأشقاء، وتقديم كل عون ومساعدة لهم، ونقلهم الى اماكن آمنة، ليذوقوا طعم السكينة والأمان بعد خوف ومعاناة شديدين على يد “زلم” النظام.

نعرف، ويعرف العالم كله حجم التبعات الهائلة التي يتحملها هذا الحمى العربي عن طيب خاطر، وهو يستقبل الآلاف من الأشقاء يوميا وقد تجاوز عددهم “180” ألفا حتى الآن ولم يعد مخيم الزعتري الذي امتلأ عن آخره يتسع لتلك الأفواج المرعوبة، التي تتدفق عبر الاسلاك الشائكة للنجاة من الكارثة المحققة، وباتت الظروف المأساوية تحتم فتح مخيم آخر لاستيعاب الأعداد الهائمة على وجهها، تنشد العطف والرحمة من الأشقاء وتوفير ادنى مقومات الحياة والبقاء.

لا ننكر مساعدة بعض الاشقاء والاصدقاء، ووصول عدد من المستشفيات الميدانية والمساعدات العينية، ولكن كل ذلك لا يكفي في ظل الكلفة العالية لإقامة المخيمات، وتوفير الحياة الآمنة.. والطعام والشراب، والمدارس لآلاف الأسر، ما يفرض على المجتمع الدولي ان ينهض بواجباته فوراً، ويعمل على دعم الأردن دعماً مالياً حقيقيا، وبالسرعة الممكنة، في ظل الأوضاع الاقتصادية الخطيرة التي يمر بها، وفي ظل الكلفة العالية جدا التي يتحملها لتقديم الخدمات المطلوبة للاجئين، وقد تجاوز عددهم 180 الفاً، ومرشح ان يتضاعف العدد اذا ما استمرت الحرب الأهلية القذرة في القطر الشقيق، واذا ما استمر ارتكاب المجازر والمذابح الفظيعة والتي بات يشتم منها رائحة الطائفية، والقتل على الهوية.

مجمل القول: سيبقى هذا الحمى العربي الهاشمي بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني وفياً لواجبه الإنساني النبيل، ولدوره القومي باستقبال الأشقاء، والعمل على توفير الأمن والأمان والحياة الكريمة لهم، ولن يتنكر لمبادئه العربية - الإسلامية، رغم تصرفات شبيحة النظام الحاقدة، الذين يعملون على نقل المشاكل، لتفجير المخيمات من الداخل. والأردن بقيادته الهاشمية وقواته المسلحة وأجهزته الأمنية واع لهذه المخططات، وقادر على اجهاضها، ليبقى رأسه مرفوعاً وهامته عالية كما كانت، وستبقى بعون الله تعالى .

“فأمّا الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

صدق الله العظيم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سينتصر الشعب السوري .. طال الزمن أم قصر

نصوح المجالي

الرأي الاردنية

30-8-2012

جميع المدافعين عن النظام السوري في الداخل والخارج يتحدثون بلغة واحدة, سواء كانوا من الطاقم الرسمي او الاعلام, او الفريق الحزبي المساند, بأنها مؤامرة وليست ثورة, وتقوم بها عصابات مسلحة مأجورة وليس الشعب السوري, وتستهدف نظاماً مقاوماً مناضلاً ضد اسرائيل والاستعمار, والجيش السوري يطارد العصابات ليحمي الشعب فيضطر لقتل المواطنين بقصد حمايتهم أي يحميهم من العصابات بالقتل والمجازر.

والقتل اصبح المهنة التي يجيدها جيش النظام السوري الذي يسحق شعبه بالطائرات والصواريخ والمدفعية, ولا يتورع عن استخدام جيش من القتلة الشبيحة, وهم فرق تابعة للأمن مهمتهم الاجهاز على الجرحى وقتل كل من تصل ايديهم اليه بدون سؤال ومعاقبة من يقدم خدمة طبية لأي جريح.

وجيش النظام يقوم باعدامات ميدانية لمواطنين لمجرد شكّه بأنهم ساندوا الجيش الحر, ويغتال اطفال وعائلات الملتحقين بالجيش الحر ويهدم الاحياء والمنازل والمساجد, ويترك في اقبية المساجد والمنازل مئات القتلى ويدعي ان العصابات هي التي تقتل المواطنين الذين يستخرجون امام الكاميرات من تحت الركام واثار شظايا القصف التي قطعت اوصالهم واضحة للعيان.

لله درّك يا عمر الفاروق, القائل لو عثرت دابة في ارض العراق لكان عمر مسؤولاً عنها, هؤلاء الذين يشتمونك من فوق المنابر, في ايران وانصارهم, يستسهلون ويحللون قتل الشعب السوري.

ها هو شعب كامل يتعثر بهم ولا يزيدونه الا قتلا، لم يقتل الناس في الشام بالجملة والسكاكين الا في عهد هولاكو يوم قتل رجال دمشق المسورة واستباح نساءها وهذا ما يفعله قتلة وشبيحة بشار هذه الايام اغتصاب الحرائر ونهب البيوت وهدم الاحياء على ساكنيها لله درك ايها النظام المقاوم لشعبك هلا فعلت ذلك في اعدائك الذين احتلوا ارض سوريا والجولان اولئك الذين هادنتهم قرابة نصف قرن وانت تدعي انك ونظامك المقاومان الوحيدان في الامة بينما تعد جيشك لمقاومة الاغلبية التي اغتصبت الحكم منها بالقوة واقمت حكما بوليسيا اخضع الاغلبية للاقلية ودفع سوريا في مسار ومطامع الدولة الفارسية, ولم يرحم مدينة او قرية او ريف في سوريا من جبروت وطغيان النظام.

اربعون عاما ونيف من حكم باطني تتسلل الى الحكم في عتمة الزمان رفع شعارات قومية وثورية وتقدمية بينما باطنه غاية في التخلف والطائفية ومنطلقه ان يسود ويحكم ويتحكم بالبلاد بالحديد والنار.

اذا كان دك المدن بالطائرات والصواريخ والمدفعية ليس ارهاب دولة فما هو الارهاب واذا كان قتل ما يزيد عن عشرين الف سوري وسجن عشرات الالاف ليس ارهاب دولة فما هو الارهاب واذا كان تشريد ما يزيد على ثلاثة ملايين ونصف مواطن سوريا من منازلهم داخل سوريا ومئات الالاف خارجها ليس ارهاب دولة وانتقام دولة من شعبها فماذا يكون؟

واذا كان كل هذا الدم والاستهتار بدماء الشعب السوري وارواح ابنائه، ليست جرائم حرب ضد الانسانية وابسط حقوق الانسان، فكيف تكون جرائم الحرب واذا كان القتل بالجملة، ليس جريمة حرب فما هي جرائم الحرب.

ولماذا تصمت منظمات حقوق الانسان، ويصمت معها العرب ويبلعون السنتهم، ونظام الاسد وجيشه يقتل جيلاً كاملاً من شباب سوريا، ويلقي بتهمة العصابات القاتلة على شعبه وهو يمارسها كل لحظة بدم بارد.

لله در نظام البعث، ما اظلمه، بدأ بشعبه في سوريا فقتله، ثم ادعى ان الشعب خان نظامه واستحق القتل، مع ان النظام قد حوّل البعث الى يافطة وخرقة بالية لا تخفي طائفية النظام ولا عوراته، لم نسمع من بعث العرب، سوى ادانة للشعب السوري، وليس ادانة من يقتلون الشعب السوري.

الانظمة والاحزاب مواقف والشعب العربي لا يغفر لاحد اخطاءه، وسيذهب الطغاة والمستبدون وسيبقى الشعب السوري، وسيسقط القتلة وادواتهم وادعياؤهم، وسينتصر الشعب السوري على جلاديه طال الزمن أو قصر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متجولون في غاليري مخيف اسمه سوريا

وجوه المتظاهرين غيبتها القبور والمعتقلات والموسيقار تخلى عن سلميته:

2012-08-29

القدس العربي

دمشق - 'القدس العربي' - يارا بدر: دقت الساعة الثانية عشر، وولجنا العام 2012 بتوقعاتٍ عالية في مختلف أنحاء العالم، الغالبية ساورها القلق حول الرؤى والدراسات التنبؤية بنهاية العالم مع حلول عام 2012، والحالمون استمروّا يبنون من الرمال تصوراتهم عن عالمٍ أفضل بلا تدخين، ولا أسلحة نوويّة، والعاديون كذلك فعلوا لكنّ أحلامهم اقتصرت على أمل امتلاك عمل أو راتب معيشّي افضل. إلاّ نحن السوريون، فكانت أحلامنا فوق كل هذا وذاك، ويومها حتى السياسيون ما كانوا ليكترثوا كثيراً بجمع شعب يُغني في الساحات، ويموت منه عشر أو عشرين شخصاً في اليوم الواحد، وحدها لعبة الانتخابات شغلت السياسيين من فرنسا إلى روسيا حتى تونس ومصر وليبيا ولازالوا ينتظرون القرعة الأمريكية.

إلاّ أنّ السوريين اقتحموا نشرات الأخبار وكلّ الساحات، ولم يدخلوا في مجالات الآخرين، بقدر ما سحبوهم إلى مجالهم الخاص. هنا، في سوريا، نحن مجال مفتوح للعرض، للرؤية، للحديث، وللذاكرة. ففي ذات مرّة وقعت مجزرة، وهبّ العالم لالتقاطها، للبحث فيها والحديث عنها، وتمّ لفظ اسم 'الحولة' بأكثر من عشر لغاتٍ مختلفة في جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وكان هذا كلّ ما كان ذات مرّة.

أمّا البارحة، قبل أسبوعين على وجه التقريب فوقعت مجزرة في 'إعزاز' بريف حلب، ليست الأولى، وليست الوحيدة، لكن أحداً لم يهتم، فالجميع قد اعتاد أخبار الموت في بلدٍ يودّع منذ قرابة الشهرين وبمتوسطٍ يومي قرابة المئة والخمسين شهيداً.

يقولون أنّ في بلادي إسلاميين وسلفيين، واقول ربما. يقولون أنّ في بلادي عصابات مسلحة ومندسين، وأقول ربما. ويكثرون من الكلام عن بلادي، يكثرون من التحليل والبحث عمّا يثبت مقولاتهم الجاهزة مُسبقاً، وانا أقول: هل فكرتم أننا ولدنا هكذا؟ مندسين وسلفيين؟

سوريا اليوم، غاليري عام، جناحه الأكبر قد يكون مُخصّصاً لحمص أكثر المدن السورية دماراً، ولا أعلم هل هناك جناح خاص بالمجازر أم أنّ كل مجزّرة في جناح المدينة التي وقعت بها.. في سوريا نحن مجرّد صور بالنسبة لجمهور الحضور الذي يبتدئ رحلته مع الصور الأولى للساحات الممتلئة، كما نشاهدها حين تعرض بعض الفضائيات الإخبارية تقريراً مصوّراً عن 'حماة' أو 'الرستن'، 'بابا عمرو' أو 'الخالدية'، عن مكانٍ ما اجتمع فيه حشد كبير يُغني ويهتف في الشهور الأولى من عمر الثورة السورية، رجالاً ونساءً إلى جانب بعضهم البعض، وإن دققنا في صور الوجوه النابضة بالأمل فقلّما نجد ملتحيّاً، ننظر إلى الأيدي الممدودة وقد رفعت شعاراتها ليلاً بعد ليل، شعارات السلميّة ووحدة الشعب السوري، ونبذ الطائفية، وبعضها نادى للدولة المدنية. في تلك الأيام كانوا كُثر، وكانوا جميلين، لكن العالم أصرّ على أنهم مسلحون، ومندسون، وسلفيون. اليوم إن توقف أيّ مراقبٍ مع أيّ صورةٍ من تلك الصور، لاستطاع عدّ العشرات وأكثر من الوجوه التي غيّبها الموت، وأكثر من الوجوه المدفونة حتى اللحظة في زنازين الاعتقال.

في جناح 'إعزاز' للصور، نجد المرأة تضمّ صغيرها الذي لعلّه لم يكمل عامه الأول واللون الأسود يكتسيه، تضمه بيد وترفع يدها الأخرى تصرخ إلى السماء، وبقربها رجل يحاول سحب جثّة من تحت الأنقاض هي في الغالب جثّة زوجها. في معرض 'إعزاز' يتفرّج الحضور الكريم على صورة الرجل الستيني، الشائب، جلس على حطام منزله فاتحاً يديه إلى السماء، ودمعه يذهب إلى الأرض. أمّا الرجل الآخر فلم يقوَ على شيء. بجسده النحيل، بملابسه الرثّة، جلس القرفصاء واسند رأسه إلى يده، ينظر إلى الكاميرا وغضب محتقنٌ يتفجّر من عينيه.

علامة شفقة ترتسم على ملامح المتجوّلين في المعرض، من مكانٍ آخر حوّل الشباب عربة قديمة تُستخدم عادة لنقل مواد البناء إلى عربة إسعاف، فيبتسم العابرون لطرافة الفكرة. وهم لا ينظرون إلى الجسد المرميّ في العربة، فهو ليس بالشيء الجديد. ومن حمص، التي لاتزال تحيا بأنفاس بعض المتمسكين بأرضهم كجذور الزيتون، تُلتقط صورة لثلاثة اخوة، الفتاة تقف تمسك عكازتي أخوها المصابة قدمه، والأخ استراح على عتبة المنزل ومدّ ساقه بلفافها الجبسي الأبيض وقد احتضن أخاه الأصغر بيد وبيده الثانية أغمض عينيه كي لا يرى، فقد يكون في عدم رؤيته رحمة. في الغالب أنّ الملل بدأ يتسلل إلى العابرين، فوضعوا كؤوس شرابهم جانباً وخرجوا إلى المقهى المجاور، وفي أثناء عشائهم الخفيف انتقلوا بشكلٍ عفويّ تماماً من هذه الصور إلى الحديث عن مسلماتهم حول فظاعة الإسلاميين، وقسوّة العصابات المسلحة التي يؤمنون بوجودها في بلادي، لكنهم في النهاية نسوّا كلّ هذا مع الخبر العاجل عن أحدث أشواط الانتخابات الأمريكية، والفضيحة المالية في أوروبا، وطلاق نجمي هوليوود المحبوبين.

إلا أنّ سرّ تحوّل السوريين من السلميّة إلى العسكرة، وكيف ارتفع الصوت الديني يوجد هناك، في الزاوية العميقة من الغاليري، والتي لا يتحمّل أغلب العابرون مشقّة الوصول إليها، حيث تكمن في هذه الزاوية صورة الموسيقار السوري 'مالك جندلي' وهو يقرأ بيان تحوّله عن سلميته، وفي ذات الوقت ينضح السرّ من كل صورة من صور المعرض، لكنّ العابرين رفضوا رؤيته، مكتفين بالتحديق السريع في شكل الصورة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا مخرج مشرّفا للأسد ونظامه..

سهيل كيوان

2012-08-29

القدس العربي

في معظم الطرقات الملتوية والمنحدرات القوية توجد لافتة مكتوب عليها 'طريق للهرب'، هذا الطريق يستخدم عندما ترتفع درجة حرارة الكوابح ويفقد السائق سيطرته على مركبته فيدخل في هذا الطريق الجانبي مرغمًا كي ينقذ روحه وأرواح الآخرين، هذا في حال كان يقظاً وأدرك قبل فوات الأوان أن الدخول في هذا الطريق هو الأسلم وأقل خطورة من الاستمرار في المنحدر بتسارع حتى حصول الارتطام الكبير أو الانقلاب والاحتراق في كثير من الأحيان.

الأسد يلتفت حوله الآن بحثا عن'مسار للهرب'بعدما سخنت الكوابح وتلفت تماما واشتعلت النيران في مركبته، هذا المسار يسميه البعض 'المخرج المشرف'، ولكن هل يمكن تسمية خروجه خروجًا مشرفًا لو حصل الآن.

كان يمكن لخروجه أو تنحّيه أن يكون مشرفا لو أنه وقف بعد سقوط أول موجة من القتلى واعترف بأن رياح الربيع قد هبّت ووصلت إلى سورية، وفهم أن الأمور ما عاد يمكن لها أن تدار بالطريقة القديمة ذاتها،

ولو أنه لم يغمض عينيه ولم يملأ أذنيه طينا ولم يبحث عن مخارج إنشائية لغوية بدلا من البحث عن حل حقيقي واقعي لأزمة ماثلة أمامه بكل وضوح، كان عليه أن يقول لشعبه 'أنا فهمتكم' على طريقة بن علي وأن لا يؤجل مثله بل يتنازل فورًا عن 'العرش الجمهوري' وأن لا ينتظر حتى يضطر للبحث عن مسلك للهرب، لكنه للأسف فضل البحث في الإنشاء والشعارات التي اعتادها طيلة فترة حكمه حتى صدّق أنه بإمكان الإنشاء والشعارات أن تخفي الواقع، فانشغل رجاله في البحث الإنشائي عن مسميات أخرى للثورة، وكأن تسميتها باسم غير الثورة يلغي ثوريتها، متناسين أن الاسم يشتق من الفعل وليس العكس، ولو أطلقوا على الثورة تسمية 'سطو مسلح' لبقيت ثورة لأنها ثورة، والحقيقة أنهم أبدعوا في تسمياتهم البذيئة الكثيرة للثورة والثوار، ولكن الحقيقة بقيت ماثلة أمام العالم بأسره, وهي أن الثوار هم الثوار حتى لو أطلقت عليهم تسمية مندسين ومرتزقة وجراثيم!

كان عليه أن يتنازل عن الأمل السادي بقدرته على قمع الشعب، وأن لا يبني كثيرًا على قدرة التسميات في إنقاذه مثل الخيانة والاندساس والقبض من جهات خارجية مشبوهة، وسخافات أخرى أكثر تسطيحا حتى من الإنشاء مثل توزيع الكباب والدولارات على المتظاهرين.

لقد حاول النظام حرف المعركة عن ساحتها الحقيقية، من معركة بين نظام دكتاتوري قمعي ظالم مستبد وبين شعب لم يعد قادرًا على التحمل والصمت إلى معركة وهمية بين النظام و'الشعب الملتف حول قيادته' وبين الفضائيات، وتوهم بقدرته على إقناع العالم بأن الناس في سورية يخرجون للموت في الشوارع إرضاء للفضائيات 'التخريبية'، والتخريب لغة إنشائية قديمة استخدمها المستعمرون والمحتلون على مر العصور وآخرهم إسرائيل في وصف أعمال الثوار من العرب وغير العرب، ولم نتصور في يوم من الأيام أن يستخدمها نظام 'ممانع' في وصف انتفاضة أبناء شعبه، ومن ثم تحويل المعركة الأساسية وحرفها لتصبح بين النظام 'الممانع' وحلفائه من جهة وبين أمريكا وإسرائيل وذيولهما من العرب وغير العرب و'المخربين والخونة' من جهة أخرى، كل هذا لدفع الثوار إلى خانة الأعداء بدلا من تفهم أسباب ثورتهم المشروعة والتنحي بصورة مشرفة.

كان عليه أن يفهم ضرورة الهروب إلى طريق النجاة قبل اتخاذ القرار بقصف المدن السورية والتعامل معها كأنها مدن معادية، بمعنى الدوس أكثر على دواسة الوقود في المنحدر الخطير.

كان عليه أن يستوعب ضرورة ما يجري وأن يصدّق بأنها ثورة جذورها الفقر والقمع حتى قبل انتقالها إلى العاصمتين الاقتصادية والسياسية.

كان عليه أن يخرج إلى 'مسلك الهروب' فيعتذر عمّا فعل، وأن يدعو لإعادة النظر بنفسه وبالمحيطين به وليس كضريبة كلامية وبهلوانيات لفظية قبل أن تتحول الثورة إلى السلاح لحماية نفسها من بطش النظام ودمويته، كان عليه أن يفهم أن العملاقين الصيني والروسي قد يحميانه من هجوم خارجي أو قرار في مجلس الأمن، ولكنهما غير قادرين على حمايته من شعبه الجائع للحرية والخبز...

كان عليه أن يفهم ويدرك أن هناك قوى معادية سوف تستغل هذه الثورة وتحاول الركوب عليها تحت شعار حماية مذهب من بطش مذهب آخر لحرفها عن مسارها الأصيل، لقد كان تصرّف النظام حقيرًا، بل حقيرا جدًا عندما صوّر الأكثرية من أبناء شعبه على أنهم 'قاعدة' وطائفيون ينوون البطش بالأقليات وذلك لتأليب الرأي العام المحلي والعربي والدولي على الثورة.

تضحيات الشعب والثوار باهظة جدا، وكذلك تضحيات مؤيدي النظام ممن توهموا بقدرته على تجاوزهذه المرحلة بالإنشاء والمماطلة حتى إنهائها اللفظي على أمل أن تنتهي فعلا بتعبير مثل 'خلصت خلصت'، ومن أولئك الذين لم يكن أمامهم سوى خيارين إما الإعدام أو مواصلة الانصياع لأوامر النظام وضباطه حتى بدأت تظهر الانشقاقات الكبيرة وبأوزان ثقيلة..

لم يعد هناك أي مخرج مشرّف للأسد ونظامه، ويوما بعد يوم يتفاقم حجم المأساة التي صنعها بيده، بل ليته تعلم من بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله الصالح الذين خرجوا بشكل أو بآخر أقل بهدلة، ، فهو إن تنازل الآن إنما يتنازل بعد أنهار من الدماء، وبعد أن ضاق به ذرعا حتى أقرب حلفائه، فمصالح أصدقائه في نهاية المطاف مع الشعب وليست مع النظام السوري.

هناك عشرات الفيديوهات والصور التي تدين أعمال بعض رجال الجيش الحر والثوار، بعضها حقيقي ومستنكر ولا يحق لثوار لأي سبب كان أن يفعلوه وبعضها أنتج خصيصًا لتشويه وجه الثورة، ولكن رغم كل وحشية ما يرتكب لا توجد فضيحة أعظم من بقاء بشار الأسد ومن حوله من رجال النظام في السلطة بعد كل هذه التضحيات، لأنهم هم المسؤولون عن كل ما مرت به سورية من أحداث كارثية منذ اليوم الأول للثورة وحتى هذه اللحظة، ليس أمامهم سوى الرحيل غير المشرف، والإنشاء عن 'الرحيل المشرف' قد يكون لغة دبلوماسية ولكنه لن ينقذهم، لأن التاريخ يسجل الوقائع وليس الإنشاء، وسيذكرهم كمجرمين وسفاحين، وعليهم الرحيل غير المشرف لإتاحة المجال لكل مركّبات الشعب السوري دون تجاهل أي حزب أو حركة أو طائفة للتحاور للتوصل إلى طريقة ينقذون بها البلاد من الدمار الذي بدأ وما زال النظام مستمرا به.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com