العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 9/6/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

عائد من زمن الحصاد

د. محمد بشير حداد

- شباب طاهر حر أبي تشرفت بلقائهم قبل أيام منذ ان لامست قدمي تراب سورية الطاهر عند نقطة الحدود السورية التركية قرب حلب الشهباء وانبهرت بحماسهم بإيمانهم ببذلهم بعطائهم بإبداعهم بشموخهم بكرامتهم باستشعارهم قيمة الحرية بعنادهم بإصرارهم بقدراتهم الحوارية بسعة أفقهم

 

ومضيت وبصري يعانق الريف السوري بعد 33 سنة ,والفلاحون يسابقون الزمن في الحصاد للقمح الذي أكرمهم الله قبل أن تأتي طائرات النظام المحتل السفاح فتلقي قنابها الحارقة على مزارع القمح لتحرقه ظلما وبغيا وعدوانا

 

- مررت على مجموعات كثيرة من ا لشباب السوري البطل عبر الحواجز العسكرية المتتابعة وفي مساحات كبيرة من سورية فشدتني يقظتهم , وجباههم العالية وهممهم المبهرة و أخذتني روعة استبسالهم وهم يحرسون المواطن والبلد والثورة وددت أن أقبل أياديهم واحدا واحدا. والله وددت ذلك و سألت الله أن يحفظهم و يحفظ بهم سورية والثورة وأن يسددهم ويكرمنا جميعا بالنصر المبين القريب

 

- أما مسؤلوا " تجمع دعاة الشام " الذين تشرفت بزيارتهم , وزيارة العديد من معسكراتهم التي يصنعون فيها الأبطال ماديا وعسكريا وثقافيا ودعويا فإنهم حقيقة يسهمون مع إخوانهم الدعاة والعلماء في تلبية الواجب الوقتي ببناء متكامل وسطي لأبطال الثورة السورية من مختلف الكتائب والألوية , ويعتمدون بعد توفيق الله على منهج رصين وسطي مرن و لطيف يلبي حاجة الأبطال الإيمانية و المعرفية والثقافية والشرعية والسلوكية مع العسكرية و الجسدية . ويستقطبون لذلكم الأكفاء من المختصين والقادة

- بوركت جهودهم ونحن معهم , ومع كل أبطال الثورة السورية الأفذاذ ومن ورائهم ومن دونهم , والله معهم ولن يضيع لساع إلى المكرمات جهدا وإحسانا لأمته وموطنه وبلده وثورة الحرية

فألنا بعد ثقتنا بالله بكم كبير يا أبطال سورية الشرفاء

إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم

وما النصر إلا من عند الله

والله أكبر

وعاشت سورية حرة أبية

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سيولد الوطن من رحم المعاناة

د. محمود نديم نحاس

في بلاد الغربة كان علي أن أدخل غرفة الولادة مع زوجتي، لأواسيها وأقوم بدور أمها. وفي أول ولادة رأيت معاناتها خلال ثلاث وعشرين ساعة وهي تصرخ من الألم وتقول بأنها لن تحمل مرة أخرى. وسألت نفسي مراراً: ما الحكمة الربانية من جعل الولادة بهذا المخاض، وما السر خلف آلام المخاض؟ لاسيما وأنه ورد في الحديث النبوي الشريف (والمرأةُ تموتُ في نُفاسِها شهيدةٌ)؟.

جاءني الجواب على تساؤلاتي من خلال الابتسامات العريضة التي ارتسمت على وجهينا بعد أن نزل ولدنا البكر، فما كادت القابلة تعطي الولد لأمه حتى راحت تضمُّه إلى صدرها وتقبّله. وانتهزتُ هذه الفرصة لأسألها: هل ستحملين مرة أخرى؟ كانت منهكة فلم تستطع الكلام ولكن هزت رأسها بالإيجاب.

تُرى لو أن التكاثر عند الإنسان يتم كما في النبات مثلاً فهل كانت الأم ستحب وليدها هذا الحب العظيم؟ وهل كانت ستشعر بأي عاطفة نحوه؟ وهل كانت ستفدي أولادها مدى حياتها؟ تجوع لتطعمهم، وتسهر من أجل راحتهم، وتقلق عند تأخر عودتهم، ولا يهدأ لها بال عند مرضهم.

جالت في ذهني هذه الصور والمعاني وأنا أرى تحديات المشهد السوري الراهن، رغم أني متفائل بولادة الوطن السوري من جديد، فالوطن سيولد من رحم المعاناة، لكن لابد للولادة من مخاض، ولابد للمخاض من آلام. وهذه الآلام هي التي تولِّد حب الوطن والتضحية من أجله.

ولادة الوطن لها مؤشرات، منها الأعمال الإيجابية التي انتشرت في كل مكان. فهؤلاء هم المعلمون والمعلمات، المربون والمربيات، الآباء والأمهات، يعملون في جد ونشاط لإعادة بناء المدارس التي هدمها القصف الجوي، أو لتأسيس مدارس جديدة، رغم قلة الإمكانات، وذلك حتى لا تنشأ أجيال على الجهل أو على الجريمة. قد يحب بعضهم الظهور في وسائل الإعلام لكن الأغلبية يعملون في صمتٍ بعيداً عن أضواء الشهرة وآلات التصوير والشاشات. ومن الأعمال الإيجابية إنشاء المستوصفات، الثابت منها والمتنقل، يعمل فيها أطباء جاؤوا من كل حدب وصوب، تاركين أهليهم وأعمالهم ورواتبهم المرتفعة ليواسوا مريضاً أو يعيدوا البسمة إلى وجه محروق من قذيفة.

لقد أصاب التدمير كل شيء! لكن الإصرار على الحياة لم يتحطم، والإبداع في العمل، رغم قلة ما في اليد، هو السائد. إنها النظرة الإيجابية رغم الآلالم، نظرة الأمل بدلاً من البكاء على الأطلال.

إن الدماء التي أريقت هي ضريبة للوصول إلى مستقبل أفضل لباقي الأجيال. والشعب السوري لم يكن يريد إراقة الدماء! فقد بدأ ثورته سلمية واستمرت كذلك أكثر من ستة أشهر، لكن الطاغية لم يستجب، بل أمر بإطلاق النار على المتظاهرين! وهذا ما سمعناه على التلفاز من الضباط المنشقين. ومادام السوريون قد قاموا بالثورة من أجل الحياة الحرة الكريمة فهم أحرى الناس بأن يقوموا ببناء الوطن.

إنهم متفائلون بالنصر بإذن الله، وبتحقيق أهدافهم النبيلة، لكن لا أحد يستطيع أن يتكهن متى أو ما هو الثمن الذي يجب دفعه للوصول إلى النصر. إنهم يعرفون شيئاً مهماً، وهو ضرورة العمل البنّاء من أجل الوطن الجريح. فطوبى لمن كان جزءاً من الحل المنشود، ويا خسارة من كان جزءاً من المشكلة. ومن أراد للوطن أن يولد من جديد فليُعطه بمقدار ما يستطيع من جهد، وليحذر أن يكون من المثبطين أو القانطين أو اليائسين.

الثوار في ساحة المعركة، وغيرهم في ساحات العمل الأخرى، ليحصل التكامل وصناعة المستقبل المشرق للأجيال القادمة، فناطحة السحاب لا ترتفع إلا بجهود الجميع، وبناء الوطن يتطلب ما يشبه المستحيل وقبول التحدي، والأحلام لا تنقلب إلى طموحات ما لم يُبدأ بتنفيذها، ولن تسأل الأجيال القادمة كيف وُلد الوطن من جديد؟ وإنما سيسألون: من شارك في بنائه؟

أكتب هذا في الوقت الذي ينعقد فيه مؤتمر الهيئة السورية للإعمار في استانبول، الذي يأتي بعد أقل من شهرين على انعقاد مؤتمر الهيئة السورية للتربية والتعليم. وهناك هيئات ومنظمات عديدة أخرى تجتهد كلها في الوصول بالوطن إلى شاطئ السلامة. ونسأل الله أن يعجّل بالنصر.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : مفتي عام المملكة العربية السعودية .. دعوة إلى وحدة علماء الإسلام في لحظة تاريخية حرجة

08.06.2013

زهير سالم

لعلماء الإسلام العاملين الناصحين في كل مكان من امة الإسلام الولاء والحب والتحية والعرفان ..

التحية والإكبار للشيخ يوسف القرضاوي الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين الذي أعلن على الملأ : لقد خُدعت . ولقد كنتُ مخطئا فيما استجبت إليه من دعوات التقارب مع هؤلاء الأشرار، وبما صدقته عن طيب قلب من حديث المقاومة والممانعة ، ودور حزب ( الشيطان ) حسب تعبيره في رفع راية المقاومة ضد المحتلين ..

والتحية والإكبار للشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية على رسالته الجوابية الأخوية المفعمة بروح الأخوة ، وبحقائق البصيرة التي تتجاوز الماضي ببعض ما كان فيه لتستشرف المستقبل بكل ما يجب أن يكون فيه ..

ولقد كان أبلغ ما في رد فضيلة الشيخ عبد العزيز أن مواقف علماء المملكة من أهل البدعة والضلالة إنما تنبع من معطيات العقيدة أكثر منها من معطيات السياسة . وهي رسالة يجب أن تجد قلوبا واعية على كل شبر من الجغرافيا الإسلامية . حقيقة أن يؤسس المسلم بنيانه على تقوى من الله ورضوان لا على موازنات سياسية ثبت اليوم بشهادة الواقع الذي تعيشه الأمة في فلسطين وفي سورية أنه لا عهد لأهله ولا وفاء .

وكان من أجمل ما في رسالة الشيخ عبد العزيز حفظه الله دعوته علماء الإسلام إلى التعاون على كل ما يصون لأمة الإسلام وحدتها ، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة . وإلى التعاون للدفاع عن حياض أمة أصبحت مستهدفة من عدو طالما استعمل التقية في خداعها ، ورفع الشعارات المزيفة للعب على عواطف جماهيرها والعبث بمشاعر أبنائها .

وكان المعنى الأكثر وضوحا في رسالة الشيخ عبد العزيز مفتي عام المملكة العربية السعودية من موقع مسئوليته دعوته جميع أبناء الأمة من حكومات وعلماء إلى أن يتخذوا من هذا الحزب الطائفي المقيت ومن يقف وراءه خطوات فعلية تردعه عما يمارسه ويقوم به من عدوان فقد انكشف بما لا يدع مجالا للشك انه حزب عميل لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة ..

ومن أراد دليلا على كلام الشيخ في إنه لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة فإليه ما كان يفعل جنود حزب الله على أرض القصير باستخدام دبابات الأسد : كانوا يقفون أمام المبنى المؤلف من عدة طوابق مليئة بالسكان فلا يزالون يقصفونه حتى يسوونه بالأرض على من فيه . لا يرعون عن دم طفل أو امرأة أو شيخ كبير ..

إننا أبناء امة الإسلام على كل الجغرافيا الإسلام ننتظر أن تجد رسالة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ النيّرة الواضحة صداها في عند علماء الإسلام وفي عالم المسلمين .

ينتظر المسلمون حول العالم أن يسمعوا جوابا إيجابيا على كلام مفتي المملكة من مشيخة الأزهر في مصر ومن كل العلماء العاملين الناصحين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم .

لقد أعلنا دائما أن ثورتنا في سورية ليست ثورة مذهبية أو طائفية بل هي ثورة تنشد العدل والحرية وتدافع عن الكرامة الإنسانية . أما وقد أبى بشار الأسد ، أما وقد أبى الشيطان وحزبه إلا أن يفرضوا معركتهم علينا فلا خيار لدينا إلا رد العدوان مستعينين بالله متوكلين عليه متوقعين النصرة الأخوية ممن حملهم كتاب الله الأمانة وأناط بهم المسئولية .

لندن : 28 رجب / 1434

7 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 28)

ذكرى هزيمة حزيران تزامنت هذا العام مع انتصار جيش الأسد وميليشيا نصر اللات

على أطفال وشيوخ ونساء مدينة القصير

محمد فاروق الإمام

يوم أمس حقق الجيش الأسدي مدعوماً بميليشيا حزب اللات انتصاراً ساحقاً على أطفال ونساء وشيوخ وجرحى وشهداء ومقاومي بلدة القصير بعد صمود بطولي لأكثر من 21 يوماً عاشت فيه تلك البلدة بسكانها الأربعين ألف نسمة حصاراً خانقاً على يد هؤلاء الأبطال الأشاوس وتحت قصف ما شهدته أي مدينة في العالم خلال الحروب الحديثة، فقد كانت تتساقط على تلك البلدة أكثر من 50 قذيفة منوعة في الدقيقة من السماء والأرض ومن بينها صواريخ سكود أرض-أرض التي تحمل رأساً متفجراً زنته ألف كيلو غرام كفيلة بتدمير حي كامل، إضافة إلى براميل الموت والقنابل الانشطارية والغراغية والعنقودية، واحتفل هؤلاء الأبطال ورفعوا رايات النصر في القرداحة والضاحية الجنوبية والنبطية وعلى أطلال تلك البلدة المنكوبة، وانطلقت برقيات التهنئة بهذا الانتصار العظيم الذي حققه هؤلاء الأبطال من قم وطهران والمنطقة الخضراء في بغداد تهنئ هؤلاء القتلة ومصاصي الدماء بانتصارهم العظيم على الأرامل واالثكالى والأيتام والجرحى، ولم يكن هذا الانتصار عفوياً بل كان مرتباً له ليتزامن مع الهزيمة الماحقة التي ألحقها العدو الصهيوني بالجيش السوري العقائدي يوم الخامس من حزيران 1967، وفي هذه الحلقة يحدثنا الرفيق أحمد أبو صالح عن الهزيمة النكراء التي لحقت بالجيش السوري العقائدي في ذلك اليوم المشؤوم وكان أحد نزلاء السجن بعد أن أطاح بهم رفاقهم الذين انقلبوا عليهم يوم 23 شباط 1966.

أحمد منصور: هل توقعتم الهزيمة ؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي إحنا بـ31 أيار رفعنا مذكرة من السجن عسكريين ومدنيين بأن نحنا نطلب الإفراج عنا للمشاركة فقط في صد العدوان ونأمل أن تنتصروا في هذه المعركة، وفي حينها رجعونا نحنا للسجون والمعتقلات، ردوا إجا واحد قال بيقولوا لكم إنه نحنا منتصرين.. منتصرين وفيكم وفي بلاكم يعني إن طلعتوا أو بقيتوا جوه، نحنا منتصرين، هذا البلد، لكن مع الأسف الشديد تبين أنه ما بيعرفوا وين موجودة غرفة العمليات هم جايين يفتشوا عن غرفة العمليات ظنينا نحنا جاين يفرجوا عننا دخلوا وطلعوا، وظنينا طبعا يعني هلأ بدهم يفرجوا علينا، وإذ تبين أنهم عم يبحثوا عن غرفة العمليات.

أحمد منصور (مقاطعا): يعني هم بقى لهم..

أحمد أبو صالح: وزير دفاع ورئيس أركان وإلى آخره ما زاروا.. ما زاروا غرفة العمليات..

أحمد منصور: يعني من ساعة ما عملوا الانقلاب وهم لا يعرفوا أين غرفة العمليات ؟

أحمد أبو صالح: ما بيعرفوا غرفة العمليات..

أحمد منصور: لحد هزيمة 67 ؟

أحمد أبو صالح: ضابط يا سيدي قال لي نحن ظانين جايين يفرجوا عننا استنادا إلى المذكرة اللي رفعناها وإذ تبين إنه جايين عم يسألوا عن ما.. عن غرفة العمليات، قيل لهم إنه غرفة العمليات موجودة بمدرسة الشرطة، ظنوا مدرسة الشرطة العسكرية وهذا طبيعي لأن هم عسكر، إجوا على مدرسة الشرطة العسكرية اللي كان فيها سجن القابون اللي نحنا كنا مسجونين فيه، قالوا لهم لأ لمدرسة الشرطة المدنية وليس لمدرسة الشرطة العسكرية، وطلعوا ما مروا علينا وراحوا لمدرسة الشرطة المدنية..

أحمد منصور: تقييمك أيه لهزيمتكم ؟

أحمد أبو صالح: والبيان اللي نزلوه القيادة في ذلك الحين في 31 أيار بينم على إن شمتانين بعبد الناصر وخليه يندبح عبد الناصر وهاي أنت الساعة واحدة بعد.. الساعة واحدة بعد ظهر الخامس من حزيران جايين يفتشوا عن غرفة العمليات بعدما انتهى كل شيء.

أحمد منصور: مع إن قيل إن سورية قدمت طعما لعبد الناصر علشان عبد الناصر يقع في عملية 67، تحليلك أيه لهزيمة 67 ومين المسؤول عنها لاسيما وإن هضبة الجولان كما يقال من أصعب المواقع الاستراتيجية العسكرية في العالم التي يمكن أن تسقط في أي معركة ؟

أحمد أبو صالح: نعم، ياسيدي، بالنسبة لسورية تبين إنه التسريحات الكبيرة جدا..

أحمد منصور: الي كنتم بتعملوها.

أحمد أبو صالح: واللي شملت، واللي بدأنا فيها نحنا، واللي شملت ألوف من الضباط واستبدلوا بآخرين مالهم علاقة بالجيش، يعني ضباط احتياط أو معلمين مدارس أو من أبناء الطائفة اللي معهم شهادة كفاءة أو ثانوية أو كذا، جابوهم، فجابوهم إلى الجيش وحكموهم في رقاب العسكريين المحترفين، وبالتالي الضابط المحترف غير البعثي غير المسيس بقي بالجيش، لكن بإمرة من هو أقل منه رتبة وبالتالي ما بيقدر هو يتخذ قرار، اللي بيتخذ القرار هو ممثل القيادة الطائفية، فلذلك وقت اللي نشبت الحرب، أولا القيادة ما بدها، ما بدها تشارك، بدها ينضرب عبد الناصر يعني بالنشرة اللي أشرت إليها، هم بدهم ينضرب عبد الناصر هذا أولا، لكن وقت اللي يعني صار لابد من المشاركة بشكل أو بآخر أمام الشعب أمام العرب وإلى آخره دخلوا بالموضوع لا أكثر ولا أقل، ولكن ما كان بيدور بخلدهم إن بها السرعة بده ينهزم جيشهم وإسرائيل تحتل الجولان لأنه كانوا مطمنينهم، إسرائيل مطمنتهم بأنه نحن لن نتحرش بسورية إذا سورية ما تدخلت بالمعركة، لكن بعد أن أنهت إسرائيل موضوع مصر خلال ساعات معينة التفتت لسورية..

أحمد منصور: السوريين هربوا بدون..

أحمد أبو صالح: سورية لا.. هرب كيفي بقرار من القيادة، إنه كل واحد يدبر حاله، فأحمد المير هذا اللي هذا إسماعيلي اللي كان هو قائد الجبهة وهذا معروف.. إذا طلع نشرات أو شغلات إنه.. إنه أحمد المير هو اللي هرب على الحمير لأنه أخذ حمار من حمير إحدى القرى وهرب على ظهر حمار، يعني قائد الجبهة..

أحمد منصور: زي ما أصدر قائد الجبهة المصرية عبد الحكيم عامر أصدر قرار قائد الجيش بأن الناس تنسحب انسحاباً كيفياً، السوريين انسحبوا بدون ما يطلقوا..

أحمد أبو صالح: صح: أحمد منصور: طبعا بقي بعض الأبطال على الجبهة يقاتلون بدون شك..

أحمد أبو صالح: صحيح، هادول اللي عصوا الأوامر أصلا حوسبوا، فيه منهم حوسب لعصيانه الأوامر إنه ما انسحبوا، قالوا..

أحمد منصور: كما قيل أن الذين هربوا وهزموا تم ترقيتهم بعد ذلك.

أحمد أبو صالح: أيه.

أحمد منصور: خرجتم..

أحمد أبو صالح: والأكتع الطبيب الأكتع كان رئيس قسم إن لم يكن رئيس للجامعة في حلب كان وزير صحة واتصل بحافظ أسد، قال له يا أبو سليمان أنا بمستشفى من مستشفيات القنيطرة كنت عم باتجول في المدينة ما فيه جندي إسرائيلي، ما فيه حدا، قال له البعيد يقول كذا، شايف، وقت اللي إجه إلى الشام يحتج مجلس الوزراء صفعه إنه أنت شو علاقتك بالموضوع ؟ يعني أعلن عن سقوط القنيطرة باتفاقية تمت بين باريس ومدريد وإلى آخره وبوساطات مختلفة إنه أعلنوا عن سقوط القنيطرة وإلا الجيش الإسرائيلي بيوسع.. بيوسع.. بيحتل دمشق وهربوا من دمشق حتى هربوا الذهب، الذهب الغطاء للعملة السورية من البنك المركزي شالوه هربوه يعني توقعوا إن خلاص إسرائيل لن تقف، وإن إحنا طلعنا من السجن ما فيه البلد شاغرة والجيش وصل للقطيفة يعني في جنوب دمشق.. عفوا في شمال دمشق في خمسين كيلو متر الجيش وصل ما عاد فيه عسكري،(…) إجه بدر جمعة وسليم حاطوم دخلوا من الأردن على أساس قال إنه بدهم يساعدوا بشكل ما راحوا على الشرطة العسكرية قالوا له يا أخي اهربوا لأنه ما بقي حدا، فاتصلوا في أمين الحافظ بالتليفون من بيت منصور الأطرش وقالوا له سيدي البلد فارغة فخلينا نقوم بعمل ما نحمي البلد، فمع الأسف الشديد بعت لهم مرته.. زوجته على بيت منصور الأطرش تقول لهم اهربوا لأن التليفونات مراقبة، فهربوا الجماعة، وين ؟ باتجاه جبل العرب على أساس يحتموا بالدروز لأنه سليم حاطوم درزي فاعتقلوهم على الطريق وحاكموهم محكمة صورية ومصطفى هذا طلاس هو اللي نفذ فيهم حكم الإعدام مع العلم كانوا مختبئين في بيت حماه بيت الجابري في حلب.

أحمد منصور: خرجت من السجن في 10 يونيو/حزيران 67 بعد الهزيمة كما خرج أمين الحافظ، بات ليلة واحدة وطلعوه على لبنان، أنت ذهبت إلى حلب، كيف كانت إقامتك في حلب بعد خروجك ؟

أحمد أبو صالح: وصلت لحلب الحقيقة يعني الناس مو شرط يكون حبا في، ولكن نكاية بالنظام بعد الهزيمة النكراء وإلى آخره، استقبلوني استقبال يعني حافل ومنقطع النظير، عندما حست أجهزة المخابرات بعدما اطمئنوا على أنه خلاص إسرائيل احتلت القنيطرة والاتفاقية فعلا عمل بها ولن تستمر صاروا يرجعوا بقى الجماعة لأماكنهم في دمشق، والأجهزة بدأت أيضا تنشط كما كانت سابقا بعد عدة أيام من وصولي إلى حلب وإذ يجي جهاز المخابرات.. عدد من الضباط بيدخلوا البيت بيقولوا لي: إما بترجع إلى السجن أو بتغادر البلد أما أن تبقى في مدينة حلب فلا، طب ما أنتم عم بتقولوا إن القنيطرة صارت مثل لينينجراد المقاومة في القنيطرة مثل لينينجراد ونحنا عم نحكي بلينينجراد في وجوب المقاومة وإلى آخره، طيب هلا شو يعني بدا حتى إنه أنا لازم أغادر أو أرجع للسجن قال من دون فلسفة، فاخترت أنا أغادر.. ما أرجع للسجن.

أحمد منصور: ذهبت فين ؟

أحمد أبو صالح: رحت لعزاز وعفرين، المناطق هاي عزاز المدينة القريبة من قرية الجابري اللي منها سامي الويسي اللي راح لحمص ومعه هدايا وقابل لمياء وإلى آخره.

أحمد منصور: أنت الآن بدأت تحضر لانقلاب جيد ضد النظام، صح ؟

أحمد أبو صالح: أيه، صح..

أحمد منصور: يعني الأمور ماشية معاك بشكل مترتب، كيف.. كانت خطة انقلابك أيه ومين اللي كان بيدعمك فيها ؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي في الحقيقة، كل الضباط الذين سرحوا وجلهم من السنة وجلهم من السنة كانوا على استعداد لأي عمل يستهدف إنقاذ البلد، ومنهم من ضباط الشرطة، وباضرب لك مثال وخليه يسمعني الآن عضو مجلس شعب سورية، منذر الموصلي، عضو مجلس الشعب اللي قال استعجلنا بتعديل الدستور فقاموا ألقموه حجر هذا عبد القادر قدورة والشلة بهدلوه ورجع بالجلسة اللي بعدها استقال، هذا كان مقدم وكان هو مسؤول عن منطقة جبل سمعان أحد الأقضية التابعة (لحلب) هذا كان منظم معانا، مثلا وكثيرين على شاكلته.

أحمد منصور: مش هتبهدل الراجل بالكلمتين دول ؟

أحمد أبو صالح: نعم.

أحمد منصور: مش هتأثر عليه أنت بالكلمتين دول ؟

أحمد أبو صالح: خليه يتأثر لأنه بدأ يشخط بدأ يعني مع الأسف يعني استسلم، خليه يأخذوه يسجنوه يدفع الثمن يا أخي..

أحمد منصور: مش فتنة على واحد كان معاك ؟

أحمد أبو صالح: لا لا، دا كان بالعراق يا أخي وقعد سنتين بالعراق وبعدين ترك العراق ورجع لسورية.

أحمد منصور: طيب، خلاص كمل لي.. كمل لي المخطط بتاعكم.

أحمد أبو صالح: ترك المعارضة ودخل مجلس الشعب، كيف دخل مجلس الشعب ؟ المفروض ما يدخل مجلس الشعب إذا معارض فعلا.

أحمد منصور: طيب، أيه اللي أفشل مخططك ؟

أحمد أبو صالح: يعني هذا حسين زيدان، ذكرت لك قصته.

أحمد منصور: عمل أيه حسين زيدان ؟

أحمد أبو صالح: حسين زيدان هذا بالطبقة الرجل، وحزبي قديم وضابط ممتاز جدا جدا، وبعثي جيد جدا، فيعني كان على اتصال هو وكل الضباط الموجودين بالطبقة فيني أنا وطبعا على أساس إن نحنا..فاعتقل هو شو سوى المسكين ؟ راجل ظهر أمام حافظ الأسد، اتصل بحافظ الأسد رحب فيه حافظ الأسد راح لعنده، قال له بصراحة العراقيين عم يتصلوا فيني لإقامة تنظيم عسكري، هو في ذهنه إنه عملية ذكية حتى يبعد الشبهة عنه، لكن هو موافق بالمشاركة، وأساسي بالنسبة إلنا، لكن بالاتفاق أنا ما كان لي خبر بس فهمت بعدين بالاتفاق مع اللي موجودين بالعراق إن يدوبل بيسوي حاله بأنه..

أحمد منصور: عميل مزدوج.

أحمد أبو صالح: هو مع حافظ الأسد..

أحمد منصور: عميل مزدوج.

أحمد أبو صالح: و.. هتبلغه حتى إذا اكتشفو في يوم من الأيام إنه عم بيتصلوا فيه من العراق يكون هو مبلغ سلفا، اكتشفوا بعدين إنه مدوبل بشكل أو بآخر، أخذوه وبدأوا بتعذيبه فاعترف علي.

يتبع

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 27)

تقاتل الرفاق على كرسي الحكم حتى كسر العظام

محمد فاروق الإمام

أحمد منصور: قبيل انقلاب الثالث والعشرين من فبراير/شباط 1966 على نظام حكم أمين الحافظ الذي كنت قبل هذا الانقلاب بمدة أحد أركانه وعضو في مجلس قيادة الثورة ووزيرا لعدة وزارات وتتحمل مسؤوليات عديدة فيه، ربما كانت كل سورية تدرك أنه في الساعة الحادية عشر من صباح 23 فبراير/شباط سوف يتحرك صلاح وحاطوم وآخرين بانقلاب ضد أمين الحافظ، ما هي الإرهاصات التي سبقت الانقلاب ؟

أحمد أبو صالح: فعلا كان فيه ترقب وتوقع من قبل كثيرين وخاصة من ينتمون إلى حزب البعث أو يدورون في أفلاكهم، كان هناك توقع بأنه خلال الأيام القليلة القادمة سيقع انقلاب، لأن الأمور تأزمت لدرجة أنها أصبحت لاحل لها إلا بانقلاب، مثلا أتت القيادة القومية التي لاحول لها ولا قوة، وأقدمت على حل القيادة القطرية ذات الحول والقوة المطلقين، زائد رفضت القيادة القومية عن طريق منصور الأطرش في المجلس الوطني هذا يعني بعد توسيع المجلس الوطني لقيادة الثورة عملوا مجلس وطني مثل مجلس نيابي، لأعضاء اللي أكثريتهم إلى جانب القيادة القطرية المنحلة طلبوا.. طلبوا مناقشة هذا الأمر، فرفض منصور الأطرش بأمر من القيادة القومية مناقشة الأمر في المجلس الوطني، إذن يعني طوقوهم لدرجة إنه ما عاد فيه أمامهم مفر من أن يقوموا بانقلاب، قاموا بانقلاب واعتذروا إنه أيه نحنا كنا آسفين لم يكن أمامنا سوى هذه الوسيلة.

أحمد منصور: كيف نجح الانقلاب بهذه السهولة التي تمت ؟

أحمد أبو صالح: يا صاحبي نجح الانقلاب بهذه السهولة لأن أمين الحافظ لم يقبل بالتحرك، أنا اتصلوا بي وكنت على موعد مع صلاح جديد الساعة 11 من صبيحة 23 شباط.

أحمد منصور: من الذي اتصل بك ؟

أحمد أبو صالح: اتصل فيني سليم حاطوم وعبد الغني برو وآخرون..

أحمد منصور: اللي هم قاموا بالانقلاب.

أحمد أبو صالح: اللي منهم من شارك بالانقلاب، لأنه بهذاك الوقت مو معروف بالضبط مين مع مين يعني صاير الولاءات عم تتغير.

أحمد منصور: لكن سليم حاطوم هو اللي قام..

أحمد أبو صالح: سليم حاطوم كان رأس الحربة فعلا هو أول من حرك قواته وهاجم، فالمهم يعني أنا سافرت فورا مريت بحمص على بدر جمعة كان بالكلية العسكرية، ويعني جمعنا بعض رفاقنا، وقلنا أنا بكره على موعد مع صلاح جديد المفروض يعني نحنا نحزم أمرنا، وفعلا بيوم صبيحة 23 - عفوا - وصلت بـ22 رحت رأسا عند أمين الحافظ على قصر الضيافة وقاعد عدد من الضباط بين 13 إلى 15 ضابط من ذوي الرتب الكبيرة اللي عم بيحاولوا يقنعوه بأنه يتحرك قبل ما هادوليك يتحركوا..

أحمد منصور: يعني خلاص.

أحمد أبو صالح: إذن الأمور ظاهرة، وظاهرة..

أحمد منصور: إما ينقلب أمين الحافظ على نفسه ويزيح الآخرين وإما سينقلبون هم عليه.

أحمد أبو صالح: أيوه.. أيوه صح، وإما سينقلب الآخرين، اللي حدث إنه أمين الحافظ رفض، وقت جيت أنا اعتبرت..

أحمد منصور: أيه مبررات رفضه ؟

أحمد أبو صالح: أمين الحافظ غير قادر على اتخاذ القرار، أمين الحافظ ليس جبانا، لكن أمين الحافظ لم يبلغ مستوى سواء بتكوينه كإنسان أو ثقافته العسكرية أو.. أو، ما بيتخذ قرار بينتظر من الآخرين هم يبادروا وهم..

أحمد منصور: عشان كده حطوه في السلطة وحطوا في إيديه كل الصلاحيات..

أحمد أبو صالح: أيوه، لاعتقادهم ومعرفتهم بأن هذا الإنسان يعني ليس من السهل إنه يغير ولاءه، إنه هو ولاءه لما يسمى بحزب البعث العربي الاشتراكي، بالنسبة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق مثلا، الرفاق العسكر اللي هم يعني وضعوا كل ثقلهم وجابوه من الأرجنتين وضموه للجنة العسكرية، واستلم وزارة الداخلية إذن هو مدين مدى الحياة لهؤلاء الناس، هيك منطقه هو، فما بيقبل يعمل يعني يسبقهم وهو رئيس دولة وأقسم على الدستور بأنه يحمي البلد ويحمي الدستور وإلى آخره، لكنه لم يفعل، عندما جئت أنا في الحقيقة تلقفوني تلقفا، الضباط إنه أبو طموح علاقته في الأصل وطيدة بأمين الحافظ وبيمون عليه فإجا بوقته طلعت أنا عند أمين الحافظ مع الأسف الشديد حسب العادة قاعد وعم بيشرب وحده، دخلت أنا قعدت معه، قلت أبو عبده أنا هادول جماعة اتصلوا فيني بحلب وعرضوا علي رئاسة الدولة، قال لي: إلي خبر.

أحمد منصور: عرضوا عليك أنت رئاسة الدولة ؟

أحمد أبو صالح: طبعا، إنه تعال يا أبو طموح أنت أحق واحد بعد الإطاحة بأمين الحافظ بأن يكون رئيس دولة ومو يعني.. لإنه نحنا عندنا.. عندنا أكثر من نصف الانقلابيين شايف، فبدهم يعني..

أحمد منصور: اللي انتو اليساريين يعني البعثيين.

أحمد أبو صالح: نحنا.. وهم كانوا يعني طارحين نفسهم كيسار للحزب والقيادة القومية بهذيك.. فقال لي أبو عبده، قال لي: باعرف إجا لعندي الرائد عبد الغني برو وهذا مسؤول مخابرات كان بحمص وقال لي، قلت له: طيب بس أنا على موعد بالساعة 11 بكرة الصبح مع صلاح الجديد للإجابة حتى أقول لهم إنه أنا موافق ولا ما أني موافق يعني أنا بأوافق معناها أنت ما عدت موجود، فأبو عبده خلينا نفطرهم قبل ما يتغدوا فينا.. ما فيه أسهل منها، أنا هلأ باطلع على اللواء سبعين وبأذيع البيان رقم واحد، قلت له: يللا، الله يؤيدك والشباب تحت عم ينتظروا، قال لي لأ، أنا بدي قرار من القيادة القومية كلهم هاربين المساكين ومختفين..

أحمد منصور: بس لا حول ولا قوة، أجدع ناس تجري وتهرب.

أحمد أبو صالح: صحيح، ما ضربوا..

أحمد منصور: ميشيل عفلق هرب كم مرة ؟

أحمد أبو صالح: دايما هي ما بينعدوا المرات، منصور الأطرش اجتمعت في بيت أنا في بيت مهران يوسف مذيع كان بالإذاعة بأذكر اسمه لأنه صار مرور زمن، قال لي: أنا موافق، بس يا أبو طموح ما بقدر باجمع لك أنا القيادة القومية، فمنين بدي جيبهم، جينا لعنده، قال لي أنا باقبل من ميشيل عفلق، ميشيل عفلق كان مغادر البلد كلها، قلت له: أنت عم يعني توجد ذرائع حتى ما تحرك.

أحمد منصور: طيب ليه ما خلتوش أمين الحافظ وتحركتوا انتوا ؟

أحمد أبو صالح: مين ؟

أحمد منصور: انتوا يعني..

أحمد أبو صالح: ما نحنا نصفنا صاير مع الطرف الآخر.

أحمد منصور: مع أمين.. مع الآخرين مع صلاح جديد والآخرين…

أحمد أبو صالح: لأنه ما .. ما.. ما عرضنا على أمين الحافظ، وراح كشفنا بالمؤتمر العسكري صار يعني ما عاد فيه إلنا أمل بأمين الحافظ فصار جزء من جماعتنا مع الآخرين على أساس نتقاسم، يعني نحنا وإياهم نحكم البلد.

أحمد منصور: ليه ما تجاوزتوش أمين الحافظ وتجاوزتم الدماء التي سالت في المعركة وعملتوها ودي كده وأنت تبقى رئيس الدولة الجديدة.

أحمد أبو صالح: لأ، نحنا كنا.. لأ، نحنا كنا متفقين يعني على الإطاحة بأمين الحافظ وصلاح جديد أي فيما بعد.

أحمد منصور: آه.

أحمد أبو صالح: اللي رفضه.. اللي رفضه حافظ الأسد في بيته وعرضت.. هو عرض علي الإطاحة بالاثنين، أنا قلت له: لأ بصلاح جديد، جينا نحن...

أحمد منصور: عرض عليك حافظ الأسد إيه ؟

أحمد أبو صالح: طبعا في بيته.

أحمد منصور: تفتكر إمتى ؟

أحمد أبو صالح: وهو اللي اتصل فيني.

أحمد منصور: امتى تفتكر ؟

أحمد أبو صالح: كان وزير دفاع..

أحمد منصور: تفتكر..

أحمد أبو صالح: يعني قبل 23 شباط بفترة منيحة.

أحمد منصور: شهرين، ثلاثة.

أحمد أبو صالح: شي أربع خمسة أشهر.

أحمد منصور: يعني إرهاصات الانقلاب بدأت مع الصراعات.

أحمد أبو صالح: يعني اكتشف حافظ الأسد صار.. صرنا نحنا مكشوفين عم نجتمع دون خشية أو خوف من أي جهة، لأنه معتبرين حالنا نحنا القوة الضاربة القادرة على التغيير، فنجتمع في مكتب سليم حاطوم مثلا بالإذاعة والتلفزيون، نجتمع في بيتي.. نجتمع..

أحمد منصور: عشان تخططوا للانقلاب.

أحمد أبو صالح: مع الأسف أيه على لمكشوف يعني، لأنه ما إنا خايفين، حافظ الأسد..

أحمد منصور: وإسرائيل ما بتفكروش فيها ولا لحظة..

أحمد أبو صالح: ما إلها علاقة إسرائيل بالموضوع، ما أخذنا رأيها.

أحمد منصور: أنا بس بآخذ.. لأ يعني ما بتفكروش إنكم بلد مواجهة مع إسرائيل، وفيه حرب..

أحمد أبو صالح: يا سيدي..

أحمد منصور: وفيه ناس ثانية عمالة تعمل اجتماعات وإسرائيل عدو وكذا، مافيش تفكير في.. ؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي، راح أقول لك شيء أخطر من هيك طالما قاطعتني ترتب علينا بمؤتمر القمة عندما قلت لك في مرة سابقة إنه جمال عبد الناصر كان عم بيقلب صفحات وبيقرأ مقررات أو أعمال وزارات.

أحمد منصور: نعم، نعم وزراء.. وزراء دفاع..

أحمد أبو صالح: وأمين الحافظ بيخترق إسرائيل بخلال 24 ساعة، يعني تقرر أن فيه التزامات على كل دولة من الدول.

أحمد منصور: نعم صحيح.

أحمد أبو صالح: إنه تقدم مبالغ لتهيئة بعد عشر سنوات بعد (…) أيه.

أحمد منصور: الي هي اللجنة العسكرية المشتركة العليا برئاسة علي علي عامر.

أحمد أبو صالح: اللي حدث إنه حصة سورية اللي ترتبت علينا نأخذ أكثر مما نعطي نحنا.

أحمد منصور: عشان تعملوا انقلابات على بعض..

أحمد أبو صالح: كدولة مواجهة نأخذ أكثر ما بنعطي، نحنا الحقيقة بدنا نأخذ من دون ما نعطي، مع الأسف أنا عم باقول لك، يعني إنه يعطونا هم بالأول يعطونا.. تقرر مثلا سورية 100 مليون مثلا وبتأخذ 200 مليون، طيب عطونا الـ200 مليون.

أحمد منصور: نديكم.. منين ؟

أحمد أبو صالح: ونحنا بعدين ندفع، وبدنا ندفع.. يعني بمعنى.

أحمد منصور: أنا بس عايز أفهم الصورة..

أحمد أبو صالح: بمعنى أنه نحنا كنا منتظرين إنه نحنا لحالنا ما إذا قادرين أنه نقرر تحويل مجرى نهر الأردن، وكنا نرتفع 10، 20، 30 سنتيمتر عن وجه الأرض تيجي إسرائيل تدك.. تدك بالطيران الأسس اللي حفرناها من شان نحول مياه الأردن، نرجع نبدأ من الصفر، كان مهندس كبير أصله وزيرصبحي كحالة هو المسؤول بعدين توقفنا.

أحمد منصور: أنا بس هنا عشان نشوف إزاي هزيمة 67 وقعت بعد ذلك بعدة أشهر واخد بالك أو بسنة وإزاي أنتوا عمالين بتفكروا في أيه في الفترة دي ؟ جالك حافظ الأسد وعرض عليك أنكم تطيحوا بالاثنين.

أحمد أبو صالح: إنه نطيح بالاثنين بأمين الحافظ وبصلاح جديد لأنه أنا قلت له: نحنا ما عم نتآمر، أصر قلت له: طيب لو فرضنا إنه عم نتآمر، اتفضل شارك، قال نضرب الاثنين، قلت له: لأ، نضرب واحد وهو صلاح جديد لأنه خيوط الجيش كلها بإيده، وهاذاك أمين الحافظ عمليته سهلة إذا ما مشي مثل ما بنريد، رفض الرجل، بعدين وقت اعتقلوني قلت له خلينا نكمل يا أخي ما أنت اللي اقترحت الاثنين، فضربتوا فلان خلينا نكمل قال لي لأ، هذا أبوه لحركة 23 شباط.

أحمد منصور: حافظ الأسد يعني ؟

أحمد أبو صالح: لحافظ الأسد.

أحمد منصور: بعد الاعتقال ؟

أحمد أبو صالح: اعتقلوني.. قبل ما ياخذوني على المزة أخذوني على.. على..

أحمد منصور: أنا قبل ما أسبق الأحداث بس هاجي لها، أنا خليني معاك لحظة بلحظة، الآن رحت لأمين الحافظ بالليل ليلة يعني صايحين 23 الصبح.

أحمد أبو صالح: أردت أقنعه بأن نتحرك.

أحمد منصور: ورفض هذا..

أحمد أبو صالح: قبل ما هم يتحركوا لأنه 100% بدهم يتحركوا.

أحمد منصور: رفض.

أحمد أبو صالح: رفض، ووصلت الأمور لميشيل عفلق، ميشيل عفلق غير موجود، قلت له: طيب وليش ميشيل عفلق مو منيف الرزاز ، لأنه منيف الرزاز.

أحمد منصور: صار الأمين العام.

أحمد أبو صالح: كان.. كان أمين عام، وكان مختفي بدوما على بعد 20 كيلو متر من دمشق عند خالد الحكيم.

أحمد منصور: أحلى حاجة الزعيم يختفي دي ؟

أحمد أبو صالح: نعم، وكان في بيت خالد الحكيم.

أحمد منصور: الزعماء كلهم بيهربوا وبيختفوا.

أحمد أبو صالح: أيه فما رضي بمنيف الرزاز، نزلت أنا بعد منتصف الليل وشباب تحت عم بينتظروا قالوا لي حسين ملحم قال لي: حنطة أو شعير، ضحكت أنا قلت له: شعير، التفت على الجماعة قالوا يا شباب كل واحد يروح يدبر حاله، يعني على مسؤوليته يتصرف.

أحمد منصور: الي يروح ينضم لدول ينضم واللي..

أحمد أبو صالح: أيوه.. إن كل واحد فيهم يدبر حاله، رحت أنا على الفندق قبل ما يعني أرتاح بالفندق جاني بدر جمعة من حمص، وهذا اللي كان.. العسكري، سألني شو أبو طموح صار معك ؟ قلت له هيك.. هيك القصة قال لي رايح أنا أهرب أيضا، راح لعند أمين الحافظ وما وصل لنتيجة، رجع وقال لي ما وصلنا لنتيجة.

أحمد منصور: وصار الانقلاب الصبح.

أحمد أبو صالح: صار الانقلاب دمروا بيته وبنته باظن شذى فقدت عينها، وابنه بشار أيضا انشلت أيده، لأنه أصيب..

أحمد منصور: روى القصة كلها في شهادته على العصر، انتهى الانقلاب الآن، قبض عليكم ؟

أحمد أبو صالح: لأ، أنا.. أنا كنت موجود في دمشق، أنا حكيت لك أنا موجود قبل 23 شباط في دمشق..

أحمد منصور: كيف تابعت أحداث الانقلاب، لا سيما إن سليم حاطوم قعد من الصبح لليل يقتلوا 14 ساعة كما روى ؟

أحمد أبو صالح: اجتمعت أنا بسليم حاطوم قبل ما أرجع لحلب، اجتمعت فيه بفندق متواضع في..

أحمد منصور: بعدما قبض على أمين الحافظ..

أحمد أبو صالح: بعد.. طبعا بعد، فقلت له لك أبو ذوقان الخطوة الثانية قال لي اتصلوا فيني أصلا من الجبهة شريف الشاقي وعدد.. عدد من الضباط أيضا سألوني نفس السؤال، بس يا أبو طموح أنا انتهكت قواتي، فعلا.

أحمد منصور (مقاطعا): الخطوة الثانية الي هي صلاح جديد يعني..

أحمد أبو صالح: نعم.

أحمد منصور: اللي هي صلاح جديد.

أحمد أبو صالح: أيوه إنه الخطوة الثانية ضربتوا أمين الحافظ، نضرب نكمل نضرب صلاح جديد، هو حجته سليمة وقتها أنه أنا خلاص انهكت قواتي ما عدت قادر أصلا، ولكن حدث إنه بعد فترة تضامن مع ضباط القيادة القومية واكتشف أمره، سليم حاطوم هو عم بيحكي معاهم بالسجن بعد اعتقالهم إنه عم بيقولوا لهم اصمدوا بس 24 ساعة، هاي قبل محاولته في جبل العرب اللي أشرت إليها حضرتك..

أحمد منصور (مقاطعا): طبعا عمل محاولة بعد ذلك، لأن سليم حاطوم باعتباره درزي شعر بعد ذلك بأن موضوع الدروز.. الدروز أهينوا في الموضوع دا وهم الذين قاموا بهذا الانقلاب ولكن العلويين سيطروا على الأمور فعمل انتفاضة في جبل الدروز وبعد ذلك هرب بعد هزيمة 67 رجع فعذب حتى كسرت أضلاعه وكان نصف ميت قبل أن يطلق..

أحمد أبو صالح: وهو وبدر جمعة..

أحمد منصور: عليه الرصاص و (باتريك سيل) جاب الرواية بالكامل في كتابه..

أحمد أبو صالح: توفي قبل تنفيذ حكم الإعدام، بدر جمعة نفذ فيه حكم الإعدام وهو حي بس بدر جمعة.. عفوا سليم نفذ به حكم الإعدام في المزة وهو ميت.. خوزقوه..

أحمد منصور: يقول أنه تم التخلص منه وأعدم بعد تكسير أضلاعه في 26 يونيو/حزيران.

أحمد أبو صالح: صح.. صح، خوزقوه حطوا قضبان من الحديد في (الشرج) الاثنين خوزقوهم بدر لم يمت، هذاك مات، فأخذوهم للتنفيذ كان ميت سليم حاطوم.

يتبع

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية وانتخابات إيران: الولاية للفقيه والولاء للاسد

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 1/6/2013

أهمّ من الحال المزرية التي يعاني منها الريال الإيراني، واقتصاد البلاد عموماً؛ وأشدّ إلحاحاً من التغنّي باستقلالية القرار الوطني في تطوير المنشآت النووية، وما يفضي إليه ذلك من شدّ وجذب مع الولايات المتحدة، ‘الشيطان الأكبر’، وحليفاتها في الغرب؛ وأكثر إثارة للقلق من احتمالات المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، على خلفية البرامج النووية ذاتها… ثمة، على جداول أعمال المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية، ذلك الملفّ الأكثر حضوراً، والأعلى نصيباً في الخطاب الدعاوي: مصير النظام السوري، بما يتضمنه من ضرورات مساندة ‘حزب الله’ المتورط في قتال مباشر مع النظام وضدّ انتفاضة الشعب السوري، وما يقتضيه من مباركة لتلك الدعوات المحمومة والهستيرية الداعية إلى تطويع الإيرانيين للذهاب إلى سورية والدفاع عن المقامات الشيعية هناك.

وفي الأيام القليلة الماضية شهدت أعمال التحضير للانتخابات سلسلة تطورات تكفلت بإفراغها من تلك المضامين التي أسبغت عليها، في البدء، صفة الصراع بين برامج سياسية واقتصادية واجتماعية متقاطعة، فضلاً عن التنافس بين شخصيات المرشحين وما يمثلونه من شرائح أجيالية. وهكذا، كان 700 مرشح للمنصب الرئاسي قد اختُصروا (بقرارات من ‘مجلس صيانة الدستور’، الذي يهتدي بتوجيهات علي خامنئي، المرشد الأعلى والوليّ الفقيه) إلى ثمانية مرشحين؛ كما جرى رفض أهلية ترشيح الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي صار اليوم محسوباً على صفّ الإصلاحيين؛ واستُبعد ترشيح رحيم مشائي، صهر الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، رغم احتسابه على المحافظين.

مدهش، مع ذلك، أنّ معارك المرشحين لا تحتدم حول مسائل الاجتماع والاقتصاد والعقيدة، أو مآلات النموذج الانتخابي الإيراني في ضوء قرارات الإبطال أو الحظر؛ قدر احتدامها حول السياسة الخارجية، والملفّ السوري أوّلاً، رغم أنّ البتّ في هذا الشأن سُحب من يد الرئاسة الإيرانية، وصار منحصراً بالمرشد الأعلى، ومكاتبه السياسية والأمنية والعسكرية، بما في ذلك مؤسسات ‘الحرس الثوري’، وأجهزة الاستخبارات المعروفة باسم الـ’باسجي’. وهذا دليل واضح، وفاقع استطراداً، على مدى الهوس العامّ بالمسألة السورية، والذي يتفاقم كلّ يوم في الواقع، وينقلب إلى أوالية تعبئة جماهيرية تتزايد وتائر حميّتها الشعبوية مع تزايد المعطيات حول آفاق سقوط النظام واندثار سلطة السلالة الأسدية. ولا يبدّل من الأمر أنّ التغطية العقائدية لأواليات الحشد أخذت ترتطم بقراءات مناهضة، وتأويلات مناقضة، تصدر عن رموز كبرى في التاريخ السياسي والفكري للجمهورية الإسلامية.

ولأنّ الصلة وثيقة، وهي أحياناً مباشرة وأقرب إلى الفرع والتفرّع، بين ما تشهده إيران من عمليات شدّ وجذب في أعلى هرم السلطة، كما في المواجهة المفتوحة بين المحافظين والإصلاحيين وما تشهده الساحتان السورية واللبنانية من تجليات لتلك العمليات؛ ثمة مغزى بالغ الخصوصية في التوقف عند حال النقد اللاذع الذي يتعرّض لها، اليوم، مفهوم ‘تصدير الثورة’، في صفوف الإصلاحيين الإيرانيين تحديداً. وعلى غرار تصريحات سابقة له، في مناسبات مماثلة، ليس من المألوف أن يحذّر خاتمي من ‘تشويه أفكار الإمام الخميني’، وأن يتهم السلطات الايرانية بـ’تصدير’ العنف الى بلدان أخرى، قبل أن يتبنى تأويلاً للمعنى الذي قصده الإمام الخميني من المصطلح: ‘هل نحمل السلاح ونتسبب بانفجارات في بلدان أخرى؟ هل نشكّل مجموعات للقيام بعمليات تخريب في بلدان أخرى؟ الإمام كان يعارض بشدّة أعمال الإرهاب ويدعو في المقابل إلى نموذج يقوم على وضع إقتصادي جيد، واحترام البشر، ومجتمع يتجه الى الرخاء وتحسين ظروف الجميع.

الدليل الأوّل على أهمية الواقعة جاء من ردود الفعل الرسمية، أو شبه الرسمية، التي تراوحت بين الدعوة إلى ‘محاسبة خاتمي على تصريحاته غير الوطنية، التي ‘لا ينجم عنها سوى تلطيخ سمعة الجمهورية الاسلامية وتأكيد اتهامات لا أساس لها يطلقها الإستكبار العالمي’، كما فعلت صحيفة ‘كيهان’ الناطقة باسم المرشد الأعلى؛ أو اتهام خاتمي (وهذا تطوّر نوعي خطير في لغة انتقاد رئيس سابق) بالعجز عن ‘التمييز بين الأعمال الإجرامية للطالبان والعمليات الاستشهادية لقوّات حزب الله’، كما فعل النائب المحافظ مهدي كوشك زاده؛ وصولاً إلى تهديد العشرات من المحافظين في البرلمان الإيراني بتقديم بشكوى إلى وزارة الاستخبارات، للتحقيق مع خاتمي حول تصريحاته التي اعتبروها مسيئة للخميني.

بيد أنّ توقيت إطلاق هذه التصريحات لم يبدأ من تكتيك منطقي متوقع، يقضي باستغلال ملابسات الانتخابات الرئاسية، وحدها؛ بل لعلّ اختياره نهض على حساب بارع لجملة اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية وعقائدية داخلية، وأخرى إقليمية (سورية ولبنانية أوّلاً، وعراقية أيضاً، وتركية ـ سعودية في الخلفية الأعرض)، وثالثة دولية تخصّ قياس معدّلات التوتر بين إيران وكلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يغيب عن عناصر هذا المشهد، الداخلي غير المنفصل عن انعكاساته الخارجية، ذلك العنصر الآخر الضاغط: اشتداد التأزّم بين الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وعدد من كبار البرلمانيين المحافظين، على خلفية سياساته الاقتصادية، وازدياد معدّلات التضخم، وانخفاض قيمة الريال الإيراني. وهذا عنصر يتحوّل، باضطراد وثبات، إلى مضمار لتجاذبات عقائدية تمسّ بعض أقدس مبادىء الفقه الشيعي، وتضع نجاد في مواجهة مع بعض آيات الله وحجج الإسلام، حول أقواله بأنّ ‘يد الله سوف تظهر وترفع الظلم عن العالم’، وأنّ أعداء إيران يعلمون أنّ عودة المهدي الغائب حتمية’.

وهكذا اعتبر حجّة الإسلام علي أصغري أنّ ‘من الأفضل لأحمدي نجاد الاهتمام بمشاكل المجتمع مثل التضخم (…) بدل التركيز على الشؤون الدنيوية’؛ وتهكم حجة الإسلام غلام رضا مصباحي، المتحدث باسم ‘جمعية رجال الدين المقاتلين’ المحافظة المتشددة، هكذا’ ‘إذا كان نجاد يريد أن يقول إنّ الإمام الغائب يدعم قرارات الحكومة فهذا ليس صحيحاً (…) ومن المؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلاء المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء’ التي ترتكبها الحكومة! أهي مصادفة محضة، إذاً، أن يعلن أحد المرشحين أنه المهدي المنتظر، وقد ظهر من غيبته الطويلة لكي ‘يقيم العدل’ و’يقطع دابر الجور في البلاد’؟ أو أن يتعهد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، اللواء محمد حسن نامي، باستخدام شبكة الإنترنت لبثّ صوت وصورة المهدي المنتظر؟

واليوم، كما في الأمس والغد، ليس للمرء أن يملّ من تكرار الهاجس التالي، الذي لا يلوح أنّ المسارات الراهنة للجمهورية الإسلامية في إيران كفيلة بإنزاله من مقام التخوّف الأوّل والأكبر: لن يكون الأمل كبيراً في أيّ انفراج داخلي إيراني، سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي، ما لم يقف الإيرانيون موقف المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، ولاية الفقيه، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ قبل أيّ مبدأ سواه. هذا، في كلّ حال، مبدأ في ‘الحكم الإسلامي’ صاغه الإمام الخميني على عجل، سنة 1971، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية؛ وخضع على الدوام لأخذ وردّ منذ البدء، حين اختلف حول تأويلاته عدد كبير من فقهاء الشيعة. ونعرف أنّ خامنئي هو أشدّ المدافعين عن المبدأ، وأبرز المتمسكين بالحفاظ عليه في الدستور، بل وتوسيع الصلاحيات الراهنة للوليّ الفقيه.

وليست عسيرة معرفة أسباب هذا الحماس، بالطبع. فما الذي يتبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية، محافظاً أم إصلاحياً، إذا كان في سلطة الوليّ الفقيه تسمية أعضاء مجلس المرشدين، وتسمية مجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (بما في ذلك تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد الحرس الثوري، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة، وإقرار أسماء المرشحين للإنتخابات الرئاسية، وتوقيع مرسوم تسمية رئيس الجمهورية بعد الانتخابات، وإدانة وعزل الرئيس بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو؟ ثمّ، في بعض الوقائع التطبيقية للمبدأ، ألم يحدث مراراً أنّ بعض الفقهاء ورجالات الحكم ذهبوا أبعد مما ينبغي في تفسير أحكامه، كما حدث حين اعتبر أحمد أزاري ـ قمّي، وهو واحد من كبار شارحي فكر الخميني، أنّ بين صلاحيات الوليّ الفقيه إصدار ‘حظر مؤقت’ لأداء فرائض دينية مثل الصلاة أو الحجّ أو الصوم، في وسعه أن يأمر بهدم بيت المسلم، أو أن يأمره بتطليق زوجته!

كأنّ استقطابات إيران الراهنة ترتدّ إلى مطلع القرن العشرين، أيام ‘حركة المشروطة’، أي التسمية الثانية للثورة الدستورية الإيرانية التي اندلعت عام 1905 ضدّ الشاه مظفر الدين، وقادها الفقيه الشيعي الملا محمد كاظم الخراساني (كان بين أنسب ألقابه أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران)، يعاونه نفر من كبار رجال الدين الذين تألفوا من الشيعة غالباً.

على رأس هؤلاء وقف آية الله الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1860 ـ 1936)، الذي يذهب بعض الباحثين إلى اعتباره طبعة شيعية من مارتن لوثر. في الصفّ المناهض، الذي كان يقود الماء إلى طاحونة الشاه عملياً، تمترس نفر من رجال الدين وآيات الله، استحقوا بالفعل تسمية ‘أنصار المستبدّة’، ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق ‘عَبَدة الظالمين’ و’علماء السوء’ و’لصوص الدين’ و’مُضلّي ضعفاء المسلمين’.

النائيني كان يستلهم جمال الدين الأفغاني وروحية ‘طبائع الاستبداد’، ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها وتشكيل حكومة زمنية عادلة (أي: ديمقراطية، حسب النائيني)؛ بدل الركون إلى حكومة مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من ‘شعبة الاستبداد الديني’، حسب النائيني أيضاً).

وهكذا، فإنّ المعركة السياسية الجوهرية ينبغي أن تدور اليوم ـ كما كانت عليه الحال في انتخابات 1997 ـ بين المحافظين والإصلاحيين، وبين التنمية السياسية والجمود المؤسساتي، وبين ديمقراطية أوضح وتشبّث أكثر بمبدأ ولاية الفقيه. ذلك، في عبارة أخرى، يعني أنّ المعركة سوف تدور، أيضاً، حول خطل ‘تصدير الثورة’ إلى بلد مثل سورية، ينتفض أصلاً ضدّ استبداد أسوأ بكثير من اشتراطات مبدأ ولاية الفقيه؛ وكذلك حول جريمة مساندة نظام الاستبداد والوراثة والفساد، ضدّ آمال الشعب السوري في حياة ديمقراطية أفضل. ويا لبؤس ما تنتهي إليه الثورة الإسلامية الإيرانية، إذا كانت اليوم تتخلى عن تعاليم آية الله النائيني، لكي تلتحق بطغاة من آل الأسد، قاب قوسين أو أدنى من الاندثار!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل نسير نحو ‘طائف’ سوري أم ‘جنيف’ آخر؟!

أسامة أبوديكار ـ سورية

القدس العربي

السبت 1/6/2013

يترقب السوريون بقلق مشوب ببعض التشاؤم، موعد انعقاد المؤتمر الدولي الجديد الذي أعلن عنه في موسكو بعد لقاء وزير خارجية أميركا مع قادة الكرملين.

سنتان وشهران ولم يتوقف عدّاد الموت ‘السوري’ عن الدوران يوماً أو ساعة، ‘الماكينة’ القاتلة تحصد الأرواح دون تمييز، حتى أن حصيلة ‘المئة’ قتيل يومياً، أي بمعدل أكثر من أربع قتلى في الساعة، أضحت خبراً عادياً لا يلفت انتباه الكثيرين!!

وحدهم السوريون يشعرون بحجم الكارثة الحقيقي في بلادهم، في حين تتعامل مختلف الأطراف الأقليمية والدولية، وفقاً لحسابات الأرقام والمصالح المتعلقة بكل طرف على حدة، مما يجعل ‘ابن البلد’ يتخوف من المؤتمرات التي يعقدها الآخرون حول الأزمة، وربما يدرك أن المصلحة الوطنية للبلاد لن تكون الحاضر الأساسي في مثل هذه المؤتمرات.

فبعد ايام على لقاءات كيري في موسكو، والاتفاق الاميركي – الروسي من أجل الدفع نحو آلية تنهي الأزمة في البلاد، عبر مؤتمر دولي جديد، تنقسم آراء المحللين في النظر الى المؤتمر على انه منعطف جذري بالنسبة الى الأزمة السورية، أم أنه سيكون ‘مؤتمر جنيف’ فاشل آخر كالذي سبقه؟!

أصحاب الرأي الاول يعتبرون أن المؤتمر اشبه بمؤتمر ‘الطائف’ الذي أنهى الحرب الاهلية في لبنان، خصوصا ان المطالبات الاساسية كانت تنصب على ضرورة اتفاق اميركي – روسي في الدرجة الاولى.

وتالياً يستغرق الإعداد لمؤتمر مماثل وقتا، وكذلك التمهيد لنتائجه، بما معناه ان جميع المعنيين سيحجزون لهم مقعداً في القطار الذي سينطلق من محطة جنيف الثانية، كما فعلت ايران وتفعل منذ بعض الوقت، مباشرة أو عبر ‘حزب الله’ من أجل جعل تدخلها في الازمة السورية أمراً لا يمكن تجاهله، من دون ان تكون شريكة في معادلة إيجاد حل للازمة السورية، كما في دعم موقع حليفها الرئيس السوري للحؤول دون تخطيه أيضاً. إلا ان ذلك لن يعني سوى المزيد من تصاعد القتال في المدة الفاصلة عن موعد انعقاد المؤتمر وخلاله أيضاً، تعزيزا للمواقع على ما يجري على النطاق الاقليمي والدولي، وتحقيقا لانتصارات على الارض من شأنها ان تعدل موازين القوى على طاولة المفاوضات.

اذ أن واشنطن أعادت في الساعات الاخيرة تأكيد وجود اثباتات على استخدام النظام السلاح الكيماوي، في حين أعلنت روسيا انها سلمت دفعة على مراحل للنظام السوري من صواريخ ارض – جو بذريعة أنها تعود لعقود ماضية.

وأصحاب هذا الرأي يقولون بان الجميع في مأزق يحتاجون إلى الخروج منه، بما فيهم إيران التي تملك اوراقا تفصيلية عن الحل في البلاد والمستعدة لأن تشارك الاخرين فيه. فيما اظهرت تفاصيل زيارة وزير الخارجية الاميركي لموسكو مرونة اميركية في بعض المواضيع الخلافية لاسيما في مسائل داخلية يحرص الروس على ابقاء الولايات المتحدة بعيدة عنها.

فضلا عن الاقرار الاميركي بدور روسيا مما خلق ارتياحا لدى بوتين سمح بالتجاوب في الموضوع السوري. وتفيد معلومات هؤلاء ان آلية الحل السوري ستلحظ وقفا للنار يرجح أن ترعاه قوى دولية وتشرف على عدم خرقه ووضع آلية حوار سياسي يترجمه تأليف حكومة انتقالية.

اما الرأي الاخر فلم ير جديداً فعلياً في المؤتمر الدولي الذي ترغب فيه واشنطن نظراً الى الضغوط التي واجهت اوباما في مسألة عدم رغبته في التزام تنفيذ ما يتطلبه احترام النظام السوري ‘الخط الاحمر’ الذي رسمه اوباما حول استخدام السلاح الكيماوي، فضلا عن التهديدات والمخاوف من اتساع الحرب السورية لتشمل المنطقة مع الضربتين الاسرائيليتين لمواقع في العاصمة دمشق قيل انها استهدفت صواريخ متطورة كانت ستنقل الى ‘حزب الله’، إلى جانب عدم رغبة واشنطن فعلاً في تسليح المعارضة لاحتمال أن تذهب الاسلحة الى جهات متطرفة.

فالمؤتمر بهذا المعنى ينقذ واشنطن من مأزق تواجهه على أصعدة عدة، كما ينقذ روسيا من تهمة عرقلة حل سياسي. لكن الشكوك تتناول في هذا الاطار عدم تبدل مواقف الاميركيين والروس وخلافهما على مصير الرئيس الأسد وموقعه في معادلة الحل، فضلاً عن استعداد روسيا للتعاون فعلاً وما اذا باتت مستعدة لأن تتخلى عن النظام أم لا، وما هي الأسباب لذلك، أو ما اذا كانت تستطيع التأثير فعلاً في الأسد، علما أن بوتين استفاد ويستفيد من الأزمة السورية في الترويج في سورية وعلى المستوى العالمي من أجل تعزيز منطق استعادة روسيا دورها السابق كدولة عظمى.

كما قلنا آنفاً، وحدنا نتشظى في ظل حرب تطحن البلاد والعباد معاً، ووحدنا نتحسس طريق الآلام السوري.. ونبحث عبر المجاهيل، والدم يملأ فمنا، عن طريق الخلاص!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

نصرالله: الكلمات والمقاصد

حازم صاغيّة

الحياة

السبت 1/6/2013

وفق الطريقة الممانعة في تأريخ الأحداث، تلقّت إسرائيل خلال فترة 2000 – 2008 ثلاث هزائم جبّارة: مع الانسحاب الأحاديّ من لبنان في 2000، وفي الحرب مع «حزب الله» في 2006، ثمّ في الحرب مع حركة «حماس» في غزّة في 2008.

الهزائم تلك قابلتها انتصارات حصدها مَن نازلوا إسرائيل، فجاءت انتصاراتهم، كما هزائم الإسرائيليّين، مُزلزلة وتاريخيّة واستثنائيّة وإلهيّة، تبعاً للأوصاف التي سبق أن أطلقها تباعاً السيّد حسن نصرالله، الأمين العامّ لـ «حزب الله». ومُجلّلاً بأفعل التفضيل امتدّ وصف الهزائم والانتصارات إلى ميدان الأغاني التي قالت إحداها إنّ نصر نصر الله «هزّ الدني».

لكنّ السؤال البسيط الذي يستدعيه هذا التأريخ: هل يعقل أن تنهزم الدولة العبريّة ثلاث هزائم في هذا الحجم الهيوليّ في غضون ثماني سنوات لا أكثر، وأن تبقى على قيد الحياة؟ بل هل يمكن أعتى امبراطوريّات التاريخ أن تحصد ثلاث هزائم مطنطنة في خلال ثماني سنوات وتبقى حيّة تُرزق؟

لا شكّ في أنّ طريقة التأريخ هذه تكشف عن خلل ما في التعريف الذي أعطاه الممانعون، وما زالوا يعطونه، للانتصار وللهزيمة ولمصطلحات كثيرة أخرى. وهذا ما يجعل من الضروريّ مراجعة الأمر كلّه، خصوصاً أنّ إسرائيل، المصابة بهذه الهزائم المدوّية كلّها، استطاعت قبل أسابيع فقط أن توجّه ضربة جويّة قاصمة إلى سوريّة لم يُردّ عليها حتّى الآن!

وما يزيد في الطلب على مراجعة كهذه، أنّ السيّد نصرالله نفسه وعد حزبه ومناصريه مجدّداً بانتصار آخر يأتي هذه المرّة من القصير في سوريّة.

والحال أنّ هذا النصر الموعود غير قابل للتحقّق لكنّه، وهذا هو الأهمّ في مجالنا هذا، سيكون عصيّاً على التسويق نصراً جديداً. ومن غير دخول في المساجلات العسكريّة والتقنيّة، سيكون من تاسع المستحيلات إلحاق هزيمة بشعب في بلده، فيما الأفق الوحيد المتاح لحرب كهذه توسيعُ رقعة النزاع الطائفيّ وتسعيره. وما دام «حزب الله» قد عبر الحدود، سعياً منه للانتصار على سكّان القصير ومناطق سوريّة أخرى، بات عبور الحدود مشاعاً للجميع في صراع دمويّ مفتوح.

ما يعنيه هذا، بين أمور أخرى، أنّ الحزب وجمهوره سيضطرّان إلى تسمية الأمور بأسمائها، ولسوف يحصل انزياح متزايد من لغة التصدّي لإسرائيل وأميركا والتكفيريّين إلى لغة شيعيّة صريحة في كرهها السنّة تقابلها لغة سنّيّة لا تقلّ صراحة في كرهها الشيعة.

والانزياح اللغويّ، وعلى رغم جارحيّته الواقعيّة، صار مطلوباً من أجل أن نصدّق الكلمات التي تقال. أفلم يقاتل الحزب إلى جانب التكفيريّين في العراق (والبوسنة والهرسك، على ما علمنا مؤخّراً) قبل أن يقاتل التكفيريّين إيّاهم في سوريّة؟ بل ألم يبرع مؤتمر شهير عُقد في طهران في ترجمة اسم «سوريّة»، كلّما ورد ذكره، بـ «البحرين»؟

نريد دولة لبنانيّة قويّة... نقاتل إسرائيل... نهزم إسرائيل مثنى وثلاثاً... نواجه التكفيريّين... ننخرط في العمليّة السياسيّة في لبنان... ندافع عن الشعب السوريّ... نحبّ ميشال عون وتيّاره...، هذه كلّها عبارات تتعدّد مناسباتها وتتفاوت أهميّتها، لكنّها كلّها تشترك في أمر واحد هو افتقارها الكامل إلى الصدق. أمّا الصدق فليُبحث عنه في الرغبات الطائفيّة وفي امتداداتها السامّة العابرة الحدود!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

جنيف والسباق مع الزمن!

أكرم البني *

الحياة

السبت 1/6/2013

يتفق الكثيرون على أن الأسابيع القليلة المنصرمة شهدت تصعيداً لافتاً من قبل النظام السوري وحلفائه، إن عسكرياً بتوسيع العمليات الحربية في مختلف أنحاء البلاد، وبخاصة في أرياف دمشق وحمص، على أمل استعادة بعض المناطق المفصلية، وإن سياسياً برفع سقف الاشتراطات لقاء المشاركة في أي مؤتمر دولي، وتسخين اللغة العدائية والاقصائية ضد المعارضة واعتقال المزيد من الناشطين المدنيين ومن تبرعوا لإغاثة المتضررين وتخفيف معاناة المهجرين.

ولكن يبقى الاختلاف في قراءة توقيت هذا التصعيد وأسبابه، ولماذا يبدو النظام السوري اليوم كأنه يسابق الزمن لتحسين حضوره على الأرض.

ثمة من يقرن الأمر بما رشح من زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى موسكو وتوصل الطرفين لاتفاق جديد حول سورية تحت اسم «جنيف 2» الذي يرجح أن يتلقى دفعة قوية في اللقاء المرتقب بين الرئيسين أوباما وبوتين أواسط الشهر القادم، والغرض هو المسارعة لفرض مكانة جديدة تؤهل النظام وحلفاؤه الرد على اشتراطات المعارضة و «أصدقاء الشعب السوري»، وتحديداً حول صلاحيات الحكومة الانتقالية والموقف من استمرار الرئيس حتى الانتخابات المقبلة عام 2014، وفي الطريق إظهار عجز المعارضة عن إحداث تبدل نوعي في موازين القوى، أمام نظام لا يزال يمتلك زمام المبادرة العسكرية، والرهان على ذلك في ارباك المواقف والاصطفافات العربية والدولية وإثارة المزيد من الخلافات في صفوف المعارضة، بين من اختاروا الحسم العسكري طريقاً وحيدة، ومن يعتقدون بأن لا أفق عسكرياً للصراع وان المعالجة السياسية هي في نهاية المطاف، البوابة المجدية.

وربطاً بوضوح دعم خارجي مباشر وغير مسبوق للنظام، ثمة من يرجع السبب إلى عوامل خارجية، مرة إلى قرب موعد الانتخابات الايرانية وتوظيف «الانتصارات» التي يتطلع النظام وحلفاؤه لتحقيقها في تعزيز فرص مرشح الرئاسة المحسوب على التيار المتشدد ومحاصرة الانتقادات التي تتنامى ضد الغرق في أوهام النفوذ الاقليمي على حساب تنمية المجتمع وضمان حياة كريمة للإيرانيين، ومرة إلى حالة الارتباك السياسي التي يشهدها لبنان مع الصعوبات التي تقف في وجه تشكيل حكومة جديدة واستمرار الانقسام حول قانون الانتخابات النيابية المرتقبة، باستثمار أي تقدم يتحقق في سورية بمساعدة «حزب الله» لتمكين الأخير ومنحه وحلفائه قدرة جديدة على فرض الشروط وإعادة توجيه الدفة السياسية، ومرة ثالثة لرفع الروح المعنوية لحكومة المالكي في مواجهة تصاعد الحراك الشعبي السنّي وخطورة إنزياحه نحو صراع أهلي طائفي تأثراً بتداعيات الثورة السورية.

الزمن لم يعد من مصلحة النظام، يقول البعض، ويعتقدون أن الأيام التي تمر على حالة الاستعصاء القائمة تزيد من ضعفه وعجزه، إن لجهة تنامي ردود الأفعال الأخلاقية ضد عنفه المنفلت في اوساط كانت سلبية حتى الأمس القريب، ودليلهم ارتفاع وتيرة التدمير والمجازر لتقوية جرعة تخويف الناس من تبديل مواقفها، وإن لجهة تراجع الثقة به وبقدرته على الاستمرار في ضوء ما تشهده مرتكزاته من تخلخل مع تكاثر حالات التهرب من المسؤولية والانسحاب من صفوف الجيش والأمن ومن الحزب وملحقاته النقابية، أو لجهة الوضع الاقتصادي المرشح لمزيد من التدهور مع انهيار أهم القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية وتدهور قيمة الليرة السورية التي خسرت حتى الآن أكثر من 70 في المئة من قيمتها، ما ينذر باندفاعات شعبية غير محمودة تزيد من تعقيد قدرة النظام على التحكم بما تبقى من مؤسسات الدولة، وأخيراً لجهة ما يرشح عن احتمال لملمة صفوف المعارضة بعد رحلة طويلة من التفكك، كتوسيع الائتلاف الوطني، وما يتضح عن تقدم دور «الجيش الحر» في إدارة بعض المناطق على حساب تراجع المجموعات المتطرفة، التي بدأت تلقى ردود أفعال شعبية رافضة لممارساتها القمعية والوصائية.

ولا يجانب الصواب من يعتبر الأمر على العكس، محاولة من قبل السلطة لكسب مزيد من الوقت وتشديد العنف عساها تكسر حالة المراوحة في المكان وتحقق بعض التقدم الضروري لرفع الروح المعنوية لقواتها، والأهم الافادة من سلبية المجتمع الدولي ومراوغاته في دعم المعارضة، وقد نجحت التطورات التي يشهدها الربيع العربي في تخفيف حماسة الغرب لدعم التحولات الجارية في سورية، وفي تصاعد مخاوفهم ليس من التنظيمات الجهادية المتطرفة فحسب، بل من كل حركات الإسلام السياسي التي بدأت تظهر سمات ديكتاتورية مقلقة، وأيضاً من انعكاس حالة الفوضى التي بدأت تعم بلدان الثورات على الأمن والاستقرار في المنطقة، وتوفر تربة خصبة لتصعيد العمليات الارهابية ضد مصالح الغرب، مثل مقتل السفير الأميركي في بنغازي واحتلال أحد مواقع الغاز في الجزائر والهجمات المتكررة في غير مكان على البعثات الديبلوماسية الغربية.

وفوق التخوف من الاسلام السياسي ومن اليوم التالي لسقوط النظام السوري، هناك الحسابات الاسرائيلية التي تحتل مركز الاهتمام الغربي، وأيضاً وجود رغبة دفينة عند بعض العرب بأن تكون التجربة السورية المحطة الأخيرة في قطار الربيع العربي وأبلغ درس يلقن للشعوب عن الثمن الفادح لمطالبتها بالحرية والكرامة.

والحال، أن ما يجري في سورية يؤكد حقيقة قديمة وجديدة هي أن السلطة لا تزال تدير أزمتها وفق العقلية العتيقة إياها، عقلية إنكار الأسباب السياسية والدفاع عن الوضع القائم بالهروب إلى الأمام نحو توسيع رقعة الصراع وتجريب المزيد من أساليب التدمير والتنكيل، والاستهتار بالنتائج المأسوية التي تخلفها على كيان الدولة ومستقبل البلاد ووحدة نسيجها الاجتماعي.

ويبقى، أن الصراع السوري الذي يدار بأشد أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً، يدور في حلقة مفرغة وعمليات كر وفر متبادلة، ولن يمده الزمن بأية فرصة للحسم بل بالمزيد من التخريب والضحايا، وكأن ليس من شعب يعاني الأمرين وليس من بشر يتعرضون لآلام وخسائر هي على أشدها اليوم.

 _*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تحولات الخطاب... وتحولات الوقائع السياسية

رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 2-6-2013

عندما خطب الأمين العام لـ«حزب الله» قبل أسبوع، ما وجد نفسه مضطراً لتغليف خطابه بمصطلحات وتعابير كثيرة اعتاد عليها منذ عشرين عاماً وأكثر. فقد قال هذه المرة ودون تردد إنه يقاتل دفاعاً عن نظام الأسد، كما أنه يقاتل في مواجهة التكفيريين على حدوده! وليس مهماً ما قاله بعد ذلك على سبيل التعليل. فقد قال إنه يدافع عن نظام الأسد، لأن سقوطه يعني سقوط المقاومة في لبنان وفلسطين وسوريا. وهو يعني بذلك المحور الإيراني في غزة، و«حزب الله» في لبنان، والسيطرة الإيرانية في سوريا. وهذا تعليل سياسي يُرضي الإيرانيين الذين يسود بينهم منذ غزو العراق عام 2003 تيار الحرس الثوري الذي يعتمد في استمرار نفوذه الداخلي على التوسع في الخارج. وباسم هذا التوسع تنتصر الثورة، ويفوز النووي، وتنحسر السيطرة الأميركية والإسرائيلية! أما الذين لا يُهمُّهم من الشيعة انتصار المحور الإيراني أو أنهم ضده، فقد قال لهم نصرالله إنه مضطر للقتال في سوريا دفاعاً عن المقدسات الشيعية المهددة في سوريا والعراق. وكان قد قال ذلك مراراً من قبل، سراً وعلناً: إن لم نقاتل في السيدة زينب والقصير ودمشق، فسنضطر للقتال في النجف وقم ومشهد... إلخ!

لقد كان هذا الخطاب الطائفي والمذهبي حاضراً من قبل، في حلقات تثقيف كوادر الحزب، والتدريب على جبهات القتال حتى في مواجهة إسرائيل. ففي الخطاب العلني، كان الحديث يجري عن الخميني وفلسطين ويوم القدس. أما في خطاب الحلقات والتدريب فكان هناك تصريح بأن المناطق التي نقاتل لتحريرها هي مناطق شيعية. ونحن لا نقاتل في غزة إنما نرسل دعماً للمقاومة هناك. وقد ظل هذا الافتراق الشفاف قائماً في الخطاب الإيراني والعراقي وخطاب «حزب الله» إلى حين قيام الثورة في سوريا. فليس بديهياً في نظر شيعة كثيرين أن الدفاع عن نظام الأسد هو دفاع عن الشيعة. كما أن هناك كثيرين من العراقيين واللبنانيين لم ينسوا أن نظام الأسد دعم المتطرفين السنة الذين كانوا يقاتلون الأميركيين في العراق بين عامي 2004 و2008. وبعض هؤلاء المتطرفين الذين دخلوا من سوريا إلى العراق قاموا بتفجير مقامات شيعية، وأنجزوا تفجيرات ما كانت كلّها ضد الأميركيين! لكن مع الوقت، وعندما بدأ نظام الأسد يتزعزع، هب الروس والإيرانيون للمساعدة بالسلاح والمال والخبراء والخطط الاستراتيجية. وفي هذه المرحلة ظل الخطاب الإيراني وخطاب «حزب الله» ملتزماً بالحديث عن المقاومة والممانعة، وكيف ستتأثران إن سقط الأسد، وأن مقاتلة نظام الأسد هي من جانب أميركا وإسرائيل، لذلك يجب الوقوف معه. لكن عندما ازداد تزعزع النظام برزت الحاجة لدعم أكبر وصار لابد من تدخل عسكري مباشر من جانب إيران بواسطة المالكي من العراق و«حزب الله» من لبنان، وجمع كل العناصر في «فيلق» بقيادة مستقلة في سوريا بإشراف الجنرال سليماني. ويومها (أي قبل ثلاثة أشهر) كانت الشكوى قد تصاعدت من جانب أهالي المقتولين في سوريا من العراقيين واللبنانيين. لذلك ما عاد ممكناً إلا التصريح بالهوية الحقيقية للصراع. فالصراع هو من جهةٍ صراع مع الأميركيين والإسرائيليين في سوريا. وهو من جهة أخرى صراع مع السنة المتطرفين في سوريا والعراق ولبنان. وإذا كان لابد من التفصيل؛ فإن العلويين هم في الحقيقة شيعة، كما تثبت عدة كتب ألّفها شيعة لبنانيون وعراقيون وإيرانيون في العامين 2011 و 2012! وهكذا فإن «حزب الله» عندما يقاتل في سوريا فليس دفاعاً عن اللبنانيين الشيعة هناك فقط في وجه التكفيريين، بل هو دفاع كذلك عن النظام السوري العلوي، لأن العلويين شيعة أيضاً، وقد كانوا متطرفين لأن بعضهم يقول بعبادة الإمام علي، لكنهم اليوم لم يعودوا كذلك! هناك إذن ما يجب الدفاع عنه: فالشيعة وإن يكونوا أقليةً في بلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)، فهم أقلية معتبرة إذا أُضيف إليهم العلويون، وإذا جرى إقناع الأقليات الأخرى، مثل الدروز والإسماعيلية بل والمسيحيين، بأن لديهم حامياً مسلحاً في وجه التطرف السني!

إنما كيف جرى تركيب هذا «الخطاب»، وجر الشيعة العرب إليه؟ وكيف انجرّت فئات سنية لمواجهة هذا الخطاب أو الانضواء تحته؟

تجلَّى التطرف السني منذ الثمانينيات في الجهاديين الذين مضوا إلى أفغانستان، ثم إلى أقطار أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز ووسط أوروبا. وما اصطدم الطرفان المتطرفان حتى في التسعينيات لاختلاف الساحات. فالجهاديون السنة انصرفوا بعد قتال الغرب إلى قتال الحكومات والمجتمعات في بلاد العرب والمسلمين، بينما كان جهاديو «حزب الله» منصرفين لقتال إسرائيل. وبالطبع ما دقق أحد في خطابهم، ولماذا قتلوا في الثمانينيات شيعةً ومسيحيين كانوا يتولون مقاتلة إسرائيل (حركة المقاومة الوطنية اللبنانية) منذ عام 1982. بيد أن الطرفين اصطدما للمرة الأولى في العراق عام 2005. فقد ذهب القاعديون إلى العراق لمقاتلة الأميركيين بعد أن طُردوا من أفغانستان بالغزو الأميركي لذلك البلد. وحينها كان الإيرانيون قد عقدوا العزم على الاستيلاء على العراق بعد لبنان وسوريا. ففي لبنان كان رفيق الحريري قد قُتل، وعشرات المعارضين لسوريا وإيران. وفي العراق تعاون العائدون من إيران وسوريا مع الغزو الأميركي ضد «المقاومة» السنية. وطوَّر القاعديون أيام الزرقاوي في عامي 2005 و 2006 خطاباً حاداً ضد الشيعة استعادوا فيه أدبيات مائتي عام وأكثر. وهكذا نشب نزاع سني شيعي ما استطاعت إحداثه حرب الثمانينيات بين العراق وإيران. وما حظي خطاب الزرقاوي بدعم كبير بسبب حدته البالغة، وفظائعه؛ ووقف الحماسيون والجهاديون الفلسطينيون في وجه ذاك الخطاب غير المعتاد، وكذلك الإسلام السياسي الذي كانت فئاته متحالفةً أيضاً مع إيران ضد أنظمتها.

وظل الأمر على هذا النحو إلى نشوب الثورة السورية. فـ«القاعدة» بعد مقتل الزرقاوي تراجع خطابها المعادي للشيعة، ويقال إن الظواهري مقيم بإيران منذ عام 2005. و«حزب الله» جدَّد سُمعتَه في حرب عام 2006. وفاجأت الثورة السورية الإيرانيين بقدر ما فاجأت النظام. وعندما اضطروا للتدخُّل في مطلع 2012 مباشرةً، ما عاد بوسعهم تجاهُل العامل الشيعي من أجل التبرير والتحشيد. ومع اشتداد الضربات على الثوار من جانبهم، ازدادت النغمة المعادية للشيعة في أوساط الإسلاميين المشاركين، والذين أتى بعضهم من العراق!

إنه إذن صراع المتطرفين من الشيعة والسنة، وهو شديد الخطورة. والطريف أنّ التطرف السني -بسبب تجربة «القاعدة» ومشابهاتها- مرذول، بينما يحاول الإقليميون والدوليون «التعود» على وجود تطرف شيعي، لا علاقة له بمكافحة إسرائيل، وهم يتحدثون عن «الجناح العسكري» دون السياسي للحزب باعتباره إرهابياً! بيد أن نصرالله لا يترك لهم فرصةً لالتقاط الأنفاس، وآخِرُ خطاباته يصاحبُها طموحُه للانتصار على الشعب السوري الثائر على الأسد، والانتصار على السنة الذين صاروا جميعاً من التفكيريين وأصدقاء إسرائيل! وإلا فكيف يؤيدون الثورة على نظام الأسد؟!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل تفهم أميركا الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي؟

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 2-6-2013

هل تعتقد الإدارة الأمريكية حقاً أنها تعلّمت من دروس العراق؟ وأنها تستخدم هذه المعرفة في تعاملها مع الوضع السوري؟

قلائلُ هم الرؤساء الأمريكان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد.

هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا.

فهناك مقولةٌ في أوساط واشنطن العاصمة تؤكد أن كل سيناتور ينظر في المرآة ويرى وجه رئيسٍ أمريكي قادم.

لكن القلائل من أولئك الساسة يحملون معهم إلى ذلك المنصب رؤيةً لأمريكا وللعالم تليق بالإمكانات التي تُوضع في تصرف من يحتلُّ كرسيّا للمكتب البيضاوي.

لاغريب في ظل هذه الحقيقة أن أحد الرؤساء السابقين ما إن علم بفوزه بالرئاسة، وسط فريقٍ من معاونيه،حتى استلقى على المقعد الوثيرأمام شاشة التلفزيون التي أعلنت فوزه وقال:حسناً ياأصدقائي،لقد فزتُ بالرئاسة،ماذا أفعل الآن؟!

لاينتمي الرئيس أوباما إلى هذه الفئة من السياسيين.ورغم أن الرجل يمتلك ثقافةً عالية، ويحمل رؤية تقدميةً ومتوازنة لما يجب أن تكون عليه الولايات المتحدة والعالم.لكننا نقول يقيناً أن حجم التحديات التي تواجهه يفوق طاقة أي إنسان على التعامل معها.

وقد يكون إدراكُ الرجل لهذه الحقيقة السببَ وراءَ تصريحه في خطاب انتصاره،ليل الثلاثاء بتاريخ 4 تشرين الثاني / نوفمبر من عام 2008م، حين قال إن الحلول التي تحدّثَ عنها خلال الحملة الانتخابية قد لاتجد طريقها إلى التنفيذ خلال العام الأول من رئاسته،أوحتى خلال فترة رئاسته الأولى.

شاءت الأقدار أن أكون على بعد عدة أمتار من الرجل وهو يلقي ذلك الخطاب في تلك الليلة المشهودة.

فرغم كل ماجرى ويجري وسيجري، كانت الظاهرةُ تعني بالنسبة لي بدايةً لتحولٍ تاريخي إنساني سيكون له مابعدُه، طالَ التاريخ أو قصُر. وهو مادفعني إلى أن أشهد شخصياً بداية هذا التحول.

"إلى كل من لايزال يشك بأن كل شيءٍ يمكن أن يحدث في أمريكا،هذه الليلة هي الإجابةُ على السؤال". بهذه الكلمات بدأ أوباما في تلك الليلة مايُسمى عادةً بـ (خطاب الانتصار).

والحقيقة أن حضور هذا الحدث شخصياً ورؤية ردود فعل المواطنين الأمريكان في تلك اللحظة التاريخية يتجاوزالقدرة على الوصف.فما إن تم الإعلان عن فوزالرجل حتى بدأ الحضوربترديد هتافات تُعبّرأكثرماتُعبّرعن الذهول وعدم تصديق مايجري .

بعد لحظات، أدركت الجموع أن انتخاب أوباما رئيساً لأمريكا أصبح حقيقة واقعةً،فاندفع الناس يعانقون بعضهم والدموع تتساقط من عيون الكثيرين منهم.

كانت كل شريحةٍ تحتفل بطريقتها وأحيانا بلغتها.لكنهم جميعاً كانوا يحتفلون بأمرواحدٍ مشترك يتمثل في وصول أول رجل أسود إلى أقوى منصب في العالم،وبمايمكن أن يحمله هذا الأمرمن دلالات وفرص في مجال التغييروالإصلاح.

كتبتُ بعدها الكثير من المقالات، تحدثتُ عن أوباما نفسه في (أوباما يختصر المسافة بين الحلم والحقيقة)، واستقرأتُ دلالات انتخابه داخلياً في (أميركا الباحثة بلهفةٍ عن التغيير)، وبحثتُ عن معاني انتخابه دولياً في (أوباما وجائزة نوبل للسلام: العالم يتحدث مع أميركا بلغةٍ جديدة).

وفي أكثر من مقال، كان ثمة حديث عن أملٍ، ليس لديّ فقط وإنما لدى بلايين البشر، بأن يُعبّر أوباما وإدارته عملياً عن القيم الأصيلة لأميركا، خاصةً فيما يتعلق بحقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية وصناعة حاضرها ومستقبلها.

لا أعيش أية أوهام في هذا المجال، فقد أكّدتُ في مقالٍ بعنوان (هل العرب جاهزون للتعامل مع أوباما) على أن الرجل "يحمل رؤيةً للعالم أكثر واقعيةً وأكثر إنسانيةً بكثير من غيره"، غير أنني أضفتُ قائلاً:"لكن هذا لايعني أبداً أن أوباما سيتساهل في تأمين المصالح الاستراتيجية لبلاده من أجل (سواد عيون) العرب والمسلمين".

رغم هذا، ربما تكون ثمة أسئلةٌ حساسةٌ ودقيقة لابدّ من طرحها والتفكير بها جدياً في هذا المقام: هل تفهمُ أميركا حقاً ظاهرة الثورة السورية ودلالاتها بشكلٍ استراتيجي؟ هل تُوازن في حساباتها بين الآني والاستراتيجي؟ هل توجد قنواتُ اتصال مفتوحة، تؤدي إلى صورةٍ شمولية متكاملة أقرب إلى الدقة، بين أفراد فريقها المسؤول عن الملف السوري من قاعدة الهرم إلى قمّته؟ هل تعرف حقيقة المشهد السوري بشكلٍ دقيق، وخاصةً بما يتعلق بطبيعة وأدوار اللاعبين فيه؟ وأهم من هذا كله، هل تعتقد الإدارة الأمريكية حقاً أنها تعلّمت من دروس العراق؟ وأنها تستخدم هذه المعرفة في تعاملها مع الوضع السوري؟

ثمة وقائعُ كثيرة تلقي ظلالاً من الشكّ على إمكانية استخدام كلمة (نعم) للإجابة على الأسئلة السابقة، وغيرها من الأسئلة الأخرى ذات العلاقة.

قبل انتخاب أوباما رئيساً بفترةٍ قصيرة، لم أستغرب ماحصل بعد إلقائي محاضرةً في جامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلوس (UCLA ) عن الأوضاع في الشرق الأوسط، ودور إدارة بوش فيما آلت إليه الأوضاع. فقد طَلَبَت سيدةٌ أمريكية أكاديمية بيضاء التعليق قبل أي شخصٍ آخر، وقالت أنها كانت حريصةً على أن تكون أول المعلقين لتعتذر للعرب وللعالم عن حقيقة أن أمريكا انتخبت بوش رئيساً..

بعدها، قَرّرت السيدة الأميركية الراقية انتخاب أوباما.

ستنتصر الثورة السورية.

ولكنه سيكون يوماً مُحزناً، لي ولبلايين البشر، إذا رأيتُ تلك السيدة في قادم الأيام وسمعتُ منها اعتذاراً مُشابهاً عن ذلك القرار..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ما الذي سيقدمه "جنيف ـ2" للسوريين؟

عمر كوش

المستقبل

الاحد 2-6-2013

كثر الحديث، في أيامنا هذه، حول البحث عن مخرج أو "حل سياسي للأزمة السورية"، خصوصاً بعد لقاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري، مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في الثامن من أيار / مايو، تحضيراً للقاء مرتقب بين باراك أوباما مع فلاديمير بوتين في شهر حزيران /يونيو المقبل.

ويبدو أن اللقاء تمخض عن تأكيد موقف مشترك، بين ساسة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، حول تركيز الجهود للبحث عن حلّ سياسي للأزمة السورية، ينهض على أسس اتفاق جنيف الأول، ويدعو إلى عقد مؤتمر دولي حول سوريا. وراحوا يحضّرون ويحشدون لجنيف -2، ويعطون تفسيرات حوله، كل حسب وجهة نظره وفهمه، بما يتسق مع نفوذ ومصالح بلاده وأمنها القومي، حيث لا يكف الروس عن الدفاع عن الأسد ونظامه، ويتحدثون عن ضرورة تخلي المعارضة عن شرط تنحي الأسد، ويحاولون السعي لإشراك إيران في المؤتمر، فيما وافق ساسة الولايات المتحدة على بدء التفاوض مع وجود الأسد، واكتفوا بالقول بأنه لن يكون له دور في العملية الانتقالية، مع شبه غض النظر عن إمكانية مشاركة إيران، التي تولى الفرنسيون ودول الخليج مهمة الوقوف في وجه إشراكها بالمؤتمر الدولي، بوصفها شريكاً كاملاً في قتل السوريين.

والناظر في تطورات الأزمة، يجد أن الجميع في حراك، والسياسيون الذي اعتادوا التنقل بالطائرات الخاصة، يكثرون من اجتماعاتهم ولقاءاتهم والظهور أمام كاميرات التلفزة، فضلاً عن تصريحاتهم وأحاديثهم الجانبية، لكن الحصيلة رغم كل هذه الجعجعات صفرية، حيث لا تمتلك المعارضة السورية تصوراً واضحاً حول المشاركة في جنيف -2، وحول من يمثل المعارضة، ومن يمثل النظام من رموزه الذين لم تتلوث أياديهم بدماء السوريين، الأمر الذي يطرح التساؤل عمن في النظام الأسدي من يمتلك تفويضاً ولم تلوث يديه بالدماء. بالمقابل، فإن النظام الأسدي، الذي يشن، منذ اندلاع الشرارة الأولى للثورة السورية، حرباً على الثورة وناسها، استنفر كل عدته وعتاده من أجل تدمير بلدة القصير وقتل ناسها، ومحاولة إحراز نصر على شعبه في مختلف المناطق، فاستعان بحزب الله اللبناني، المكلف من طرف الولي الفقيه الإيراني وملاليه بخوض معركة الدفاع عن الظام السوري، والاستعداد والتحضير لتنفيذ مخطط دويلة أقلوية على الساحل السوري. وراح يحوّل شباب قرى وبلدات الجنوب اللبناني إلى وقود، كرمى لنظام الأسد، ونزولاً عند ما يرمي إليه ملالي إيران من مخططات توسعية، فارسية الطابع والهوى، ومغلفة بهلوسات مذهبية، تعيد إنتاج كربلاء القديمة في صورة مجازر جديدة لشعب شقيق وبريء، ذنبه الوحيد أنه خرج يطلب الحرية والخلاص من حكم آل الأسد واستبدادهم، الذي جثم على صدورهم طوال أربعة عقود مظلمة. ولعل تحويل حزب الله وجهة مقاتليه، من الليطاني إلى القصير والست زينب والفوعة نبل وسواها، كشف زيف تذرعه، وتذرع من يأتمر بأمرهم، بمواجهة إسرائيل وتحرير مزارع شبعا، حيث باتت بساتين القصير أهم من مزارع شبعا، التي لم تك بالنسبة إليه سوى يافطة فارغة، مثل يافطة الممانعة والمقاومة وسواها.

لا يختلف اثنان في سوريا على تفضيل الحل السياسي، يخلّص السوريين من المجازر، ومن الدمار، والكارثة، التي سببها النظام وحلفاؤه. فالناس في الداخل السوري أرهقتها المجازر والجرائم المتنقلة، تنام وتصحو على وقع قصف الطائرات والصواريخ ومختلف أنواع المدافع والراجمات. ومع ذلك، فإن غالبية السوريين يختلفون كثيراً حول أي حلّ سياسي يعيدهم إلى الوراء، أي إلى استبداد حكم آل الأسد، بأبده وإنجازاته وممانعته. وهناك تخوف من أن يلجأ النظام الأسدي إلى التفاوض، بوصفه لعبة لشراء الوقت. وهي لعبة يجيدها، مثله مثل رديفه الإسرائيلي، الذي مارس هذه اللعبة عقوداً طويلة مع الفلسطينيين، وتفاوض معهم مع أجل التفاوض فقط، أي من أجل إطالة أمد احتلاله للأرض الفلسطينيية. والخوف من أن تتكرر اللعبة نفسها من أجل إطالة أمد احتلال آل الأسد لسوريا.

ومثلما دعمت الدول الغربية إسرائيل، ومعها روسيا والصين، في لعبتها التفاوضية مع الفلسطينيين، وأسهمت جميعها في بناء أسطورة الأمن الإسرائيلي، فإنها تمارس إلى حد كبير، ولو بدرجات متفاوتة، اللعبة نفسها، حيث لم تحرك ساكناً، منذ أكثر من اثنين وعشرين شهراً، إزاء استمرار النظام السوري وإمعانه في قتل السوريين. بل إن العالم أجمع يعلم تماماً أن الحرب الشاملة التي يشنها النظام السوري، والتي ولّدت ما بات يعرف بـ"الأزمة السورية" و"القضية السورية"، هي حرب يخوضها محور دولي، هو محور أصدقاء بشار الأسد ضد الشعب السوري، الذي خرج مطالباً باستعادة كرامته وحريته. فملالي إيران، لم يتوقفوا يوماً عن دعم النظام ومدّه بالرجال وبالمال والسلاح، بل وراحوا يخوضون معركة الدفاع عن النظام، ويدفعون مليارات الدولارات على حساب لقمة عيش شعوبهم. لم يخف ساسة إيران انحيازهم الكامل للنظام السوري، منذ اندلاع شرارة الحراك الاحتجاجي الشعبي، وتبنوا خطاباً داعماً للنظام في نهجه وسياساته الداخلية والخارجية، ونظروا إلى الثورة بوصفها نتاج "مؤامرة خارجية"، "صهيونية وأطلسية"، ثم زادوا عليها صفة "العثمانية". وراحوا يتحدثون عن كربلاء جديدة، بالتناغم مع ما يردده أزلام النظام السوري، الذين تفتقت أذهانهم عن "كربلاء العصر"، بلغة مخاتلة ومخادعة، توظف كربلاء القديمة، لصالح من يتاجر بدم "الحسين"، وبتجيير أكثر الناس بعداً عن روح كربلاء، وروح الدين.

أما ساسة روسيا المتخشبون، والكارهون لحراك غالبية السوريين، فراحوا يتعاملون مع المسألة السورية، وكأنها القضية الأهم والأكثر حساسية بالنسبة إليهم في منطقة الشرق الأوسط، ويؤثرون سلباً على مسار تطور الأحداث، فأعلنوا منذ اليوم الأول لاندلاع الانتفاضة السورية، في الخامس عشر من آذار / مارس 2011، وقوفهم القوي إلى جانب النظام السوري بكل إمكاناتهم الدبلوماسية والسياسية واللوجستية، وتبنوا وجهة نظره وطريقة تعامله مع الأوضاع الدامية والمتفاقمة. وحشد الساسة الروس كل طاقاتهم الدبلوماسية والسياسية في الصراع على سوريا، فاستخدموا الفيتو، مع الصينيين، في مجلس الأمن الدولي ثلاث مرات متتالية، بغية منع صدور أي قرار دولي يدعم التغيير في سوريا، واستمروا في تقديم صفقات السلاح للنظام، وتوفير الدعم اللوجستي والخبرات والخبراء الأمنيين والعسكريين.

ولعل ما يثير التوجس هو أن الولايات المتحدة الأميركية، الشريك الرئيس لجنيف -2، لم تقف بالفعل مع الشعب السوري في محنته، بل ووضعت مع حلفائها الأوروبيين حظراً على توريد الأسلحة إلى الثوار والمقاتلين ضد النظام السوري، ومنعت محاولات بعض الدول تأمين أسلحة نوعية لهم، والأهم هو أنها حولت مع حلفائها مؤتمرات "أصدقاء الشعب السوري" إلى ما يشبه تظاهرة، رسمية موسمية، تعقد مؤتمراتها، كل شهرين تقريباً، يشغلون بها الأوساط المناصرة للشعب السوري، من دون تحقيق نتيجة ترتقي إلى حجم تضحيات الثوار السوريين وحاضنتهم الاجتماعية. وكل مؤتمر يلاقي مصير سابقه، ولم يشكل مؤتمر عمان الاخير خروجاً عن هذا المسار.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي سيحمله مؤتمر جنيف -2 للسوريين؟ خصوصاً وأنه في ظل تجربة الاثنين وعشرين شهراً التي خلت من عمر الثورة، لم يقدم خلالها المجتمع الدولي أي حلّ يوقف نزيف الدم، ولم يتلق خلالها الشعب السوري دعماً يرتقي إلى مستوى الدعم الذي تلقاه النظام السوري في المال والسلاح والرجال، وهو وصل إلى درجة أن الحرب التي يخوضها ضد الثورة السورية وحاضنتها الاجتماعية، تدار من طرف ساسة روسيا وإيران ودعمهم اللا محدود، وبإسناد من مقاتلي حزب الله وبعض القوى السياسية في العراق، في حين أن الشعب السوري تٌرك وحيداً، يقتل منه النظام ما يشاء، ويجتاز كل الخطوط الحمراء التي وضعها حكام الولايات المتحدة وتركيا وسواهما.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : للجادين فقط الطريق إلى الحل السياسي

08.06.2013

زهير سالم

الطريق إلى الحل السياسي ليس بعيدا عن رؤية السوريين ، لا عن عقولهم ولا عن قلوبهم . بل الكثير من السوريين العقلاء يؤمنون بهذا ويتمسكون به . يؤمنون الكثير من السوريين يؤمنون بضرورة جبر الكسر ولأم الجراح التي أحدثتها سياسات الفاسدين المجرمين في بنية المجتمع السوري .

والسوريون المؤمنون بالحل السياسي يدركون أنه لا يمكن للحل السياسي أن يبنى على فساد أو على دخن . وأنه لا بد من تنظيف الجرح من العفن وتطهيره من الطفيليات قبل أن يخاط أو يمسح ، وإلا لن يكون هناك شفاء ومهما كانت متانة خيوط الجراح .

في اعتقادنا أننا في سورية أشد حاجة اليوم إلى بناء المجتمع المدني الموحد قبل التقدم على طريق بناء الدولة المدنية . لا يمكن للدولة المدنية أن تنبثق إلا عن مجتمع مدني . وهذا المجتمع هو الذي يتعرض ما تبقى منه اليوم للتهديم على يد عصابات الأسد ومرتزقة الولي الفقيه وتحت إشراف دولي مباشر .

إعادة صياغة المجتمع المدني يحتاج إلى المناخ الطبيعي الذي يلتقي فيه السوريون بكامل هيئتهم وتعدد خلفياتهم الدينية والمذهبية والعرقية ، على كأس الشاي أو فنجان القهوة الوطني . المناخ الذي يستطيع فيه السوريون جميعا أن يثرثروا معا وبلا حدود . أشعر أحيانا أننا محتاجون إلى ( الثرثرة للثرثرة ). لنوع من النجوى ( المونولوج ) المعلن . أو البوح أو الإفضاء أو الاعتراف أو التفكير بصوت مرتفع وبلا خوف ..

المجتمع الدولي الذي يتصنع الحرص على بقاء سورية أرضا وشعبا عليه أن يساعد على تأمين المناخ الوطني لهذه الثرثرة ، بين فئات وطبقات ربما أقل أهمية من هؤلاء المتطلعين إلى الوزارات والإدارات . يجب أن يعرف السوري كيف يفكر مخالفه . يجب أن يعطى الفرصة لتتبع مسارب الوعي في عقله وقلبه . وحين يتخلى المجتمع الدولي عن دوره في تأمين هذا المناخ فإنه بذلك يقطع الطريق على أي حل سياسي منشود وأول الطريق إلى ذلك الإطاحة بعوامل التفتيت والفساد..

الحل السياسي لن يكون ، ولا يمكن أن يكون بين ضحية وجلاد . الحل السياسي يجب أن يكون بين ضحايا مفترضين يتعاونون على بناء قاعدة لا يبقى على أساسها في سورية ضحية بعد اليوم ..

سورية بلا ضحايا تعني سورية بلا عسكر يقتلون ، ولا رجال أمن يرهبون ، ولا محتلين يفرضون إرادتهم على الناس .

ستكون الثرثرة الوطنية صاخبة أولا ثم سيزهر الصراخ ويثمر الألم وتكون لدينا القاعدة الوطنية التي نبني عليها مشروعنا الوطني . دولة مدنية ديمقراطية تعبر عن مجتمع مدني موحد ومتماسك ..

أعتقد أن كل هذا الكلام لا يمر على جنيف ، ولا يحتاجها . والذين يتجاهلون الداء لن يصح منهم دواء ..

لندن : 27 / رجب / 1434

6 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل يستحق السوريون كل هذا؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 2-6-2013

عاشت دول المنطقة ومحيطها عشرات الكوارث الإنسانية في العقود الستة الأخيرة، وكان جيلنا السوري شاهدا يوميا على ما أحاط بها، وعرف وتفاعل مع كثير من تفاصيلها اليومية والإنسانية. وإذ كانت بعض تلك الكوارث من صنع الطبيعة كما هي الزلازل والعواصف والسيول الجارفة، فإن أغلب الكوارث كانت من صنع البشر وأغلبهم من أعداء أو حكام أطاحوا بحقوق شعوبهم وكرسوا الاستبداد والاستئثار بالسلطة في مواجهة شعوبهم، والبعض منهم قاد بلاده إلى حروب مدمرة مع الجوار أو أنه دخل ببلاده أتون حرب أهلية، بعد أن استنزف قدراتها البشرية والمادية عقودا من السنوات، وتركت تلك السياسات كوارث وآثارا لا تقل سوءا عما خلفته الكوارث الطبيعية، بل كانت أشد قسوة وأثرا.

وعلى الرغم من أنه لم يكن للسوريين في غالب الأحيان دور فيما أصاب تلك الدول وشعوبها من كوارث ومصائب، وعلى الرغم من أن حال السوريين لم يكن أفضل بكثير من أحوال الشعوب المحيطة بهم والقريبة منهم، فإنهم وقفوا، كما ينبغي للإخوة والبشر أن يقفوا، إلى جانب إخوتهم وجيرانهم في المحن التي تعرضوا لها، والسلسلة في ذلك ممتدة إلى بلاد وشعوب تقارب في كثير من أحوالها حالة الشعب السوري.

وإذا كان من الطبيعي، أن يساهم السوريون في حملات الدعم والمساندة الإنسانية لضحايا الكوارث الطبيعية، فليس من باب المنة قول إن السوريين، كانوا أكثر من وقفوا إلى جانب إخوتهم الفلسطينيين في المحنة الكبرى التي تعرضوا لها طوال قرن مضى، وكانوا أنصارهم وملجأهم في أغلب حلقات المحنة، ووفروا لهم ليس ملاذا آمنا فقط، وإنما حياة تماثل وتقارب حياة السوريين، كما وقف السوريون في مواجهة محنة الحرب بين الهند وباكستان بداية السبعينات، ووفروا ملاذا آمنا لعشرات آلاف الضحايا والهاربين من الحرب، واحتضن السوريون ضحايا الصراعات التي جرت في أفغانستان أواسط السبعينات، واستمرت سنوات طويلة، كما استقبل السوريون أردنيين وفلسطينيين وصلوا إلى الأراضي السورية نتيجة الصراع الدامي في الأردن بين المقاومة الفلسطينية والسلطات الأردنية بين عامي 1970 و1971، ثم استقبلوا اللبنانيين في سنوات الحرب الأهلية 1975 - 1990، وزادوا على ذلك استقبال لبنانيين وفلسطينيين في كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخاصة في حروب 1978 و1982 و1996 وصولا إلى حرب عام 2006، التي جاءت ردا على عملية قام بها حزب الله عبر حدود لبنان الجنوبية، واستقبل السوريون إخوانهم من الكويت بعد اجتياح القوات العراقية للكويت عام 1990، ثم استقبلوا اللاجئين العراقيين الهاربين من الحرب الدولية على العراق مرتين؛ الأولى عام 1991، والثانية في عام 2003 التي انتهت بسقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق.

ولم يقتصر استقبال السوريين على اللاجئين والهاربين من الحروب، وتقديم كل مساعدة ممكنة لهم، بل امتد الأمر إلى استقبال ضحايا الاضطهاد السياسي من بلدان كثيرة في سوريا، التي عاش فيها لاجئون سياسيون وأصحاب رأي عراقيون ومصريون ويمنيون ومن دول عربية أخرى، ومن بلدان أفريقية وآسيوية، ووفرت لهم احتياجات إنسانية بعد أن تعذر عليهم العيش في بلادهم على نحو ما عاش معظم قادة العراق الحاليين في سوريا وسط أفضل شروط وفرها الشعب السوري.

وإن كان ثمة من يرى أن بعض تلك الحالات، تتوافق وسياسات النظام ومواقفه في ضوء الصراعات الإقليمية والدولية وموقفه منها، فإن ذلك لا يعني أن الشعب السوري كان يستجيب لتلك الحالات تناغما مع مواقف النظام وسياساته، إنما كانت مواقفه نتيجة الحس الإنساني والتضامني الذي ميز سلوك السوريين حيال أصحاب الحاجة إلى الملاذ الآمن والباحثين عن فرصة لحياة طبيعية بعد أن تعذر الحصول عليها في بلدانهم ووسط أهلهم وفي ظل حكوماتهم الباغية، وهذا سلوك سوري قديم، تؤكده فصول من تاريخ سوريا في استقبالها لمغاربة وجزائريين وشركس وأرمن وأرناؤوط وغيرهم ممن وفدوا إلى سوريا في ظروف صعبة، ثم اندمجوا في النسيج السكاني للسوريين.

وسط ذلك الإرث من مساعدة الآخرين باعتبارها واجبا أخلاقيا وأخويا وإنسانيا، تنطلق الأسئلة تباعا عن الأوضاع التي تحيط بالسوريين في بلدان الجوار وغيرها، حيث ثمة شكاوى من مواقف تمييزية كما الحال في لبنان، ومن سياسات احتجاز في مخيمات متواضعة الخدمات على نحو ما هو عليه الحال في الأردن وبعض مخيمات تركيا، ومن تقييد لاستقبالهم كما في العديد من الدول العربية، أو التشدد في منحهم أذونات الدخول إلى كثير من بلدان العالم. بل إن الأفظع مما سبق، مشاركة دول مثل روسيا وإيران في الحرب على السوريين بتقديم السلاح والمال والخبرات لنظام يقتل الشعب، وأن يسمح العراق بمرور شحنات الأسلحة عبر أراضية لقتل السوريين، وأن تسكت السلطات العراقية إن لم نقل إنها تدعم مرور عناصر الميليشيات الشيعية للمشاركة في الحرب على السوريين، ولعل أبشع ما يمكن في هذا المسار قيام قوات حزب الله بالهجوم على مناطق سورية وتدميرها على نحو ما يحصل في منطقة القصير وفي ريف دمشق في خطوة ستؤدي إلى تعزيز فرص حرب طائفية بين المسلمين الشيعة والسُنة، التي هي جزء من استراتيجية إيران في المنطقة.

إن الأسئلة المثارة كلها، يمكن اختصارها في سؤال جوهري خلاصته: هل يستحق السوريون ما يحصل لهم؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*
سمير قصير: ذكرى شهيد سوري

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 3/6/2013

منذ 2/6/2005، تاريخ اغتيال سمير قصير، المؤرخ والكاتب والصحافي اللبناني (الفلسطيني الأصل، لأمّ سورية)، لا تمرّ هذه الذكرى المشؤومة إلا وتضيف جديداً، أو لعلّها تشدّد على قديم يُعاد إنتاجه، أو ترتبط على نحو أوثق، بالسياقات التي اقترنت بتلك الجريمة؛ ليس لبنانياً، فحسب، بل عربياً أيضاً، وفلسطينياً وسورياً بصفة أخصّ. كذلك فإنها ذكرى يندر أن تمرّ دون مقدار من الاصطراع الجدلي بين تحقُّق بعض أحلام قصير وآماله، من جهة؛ وانكسار بعضها الآخر، أو الردّة فيها وعليها أحياناً، من جهة ثانية.

وها أنّ سنة ثامنة على غياب قصير، تبدأ اليوم في غمرة مشهد لبناني بائس، سياسياً أوّلاً (ليست أسوأ مظاهره حكاية التمديد للمجلس النيابي، واستدارة بنادق ‘حزب الله’ من الجبهة مع العدوّ الإسرائيلي إلى قتال الشعب السوري دفاعاً عن نظام آل الأسد)؛ ثمّ على أصعدة أخرى، اجتماعية وثقافية وأخلاقية وطوائفية (ليس أسوأها، هنا أيضاً، مشروع قانون اللقاء الارثوذكسي، أو المواقف العنصرية تجاه النازحين السوريين في لبنان). غير أنّ نهار اغتيال قصير كان قد انقضى والآمال ضئيلة في صعود معارضة عربية، جديدة ومستنيرة، مثقفة وعصرية؛ و’أوان الورد’، الذي ترقبه الراحل بشغف ولهفة وثقة، بدا مؤجلاً حتى إشعار آخر طويل، ليس في بلدان مثل تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، وحدها، بل في سورية أوّلاً، وربما أساساً من وجهة نظر قصير. فهل انكسرت الأحلام، حقاً؟ وهل تبددت الآمال، كلّها؟

هي ذكرى تذكّر، أيضاً، بأنّ درس الاغتيال الأوّل ـ الأكبر والأبسط، في آن ـ كان إسكات قلم جسور ترتدي كتاباته، وما تصنعه من أواليات وعي واحتجاج ومقاومة، أهمية ستراتيجية تعادل، أو لعلها تفوق، كلّ منتجات التكتيك الصغيرة. لهذا لم يكن اغتيال قصير محض تمرين في الثأر أو التأديب أو تلقين الدروس، بل كان تنبيهاً بربرياً إلى حقيقة أنّ الإطاحة برأس أمني هنا أو تبديل آخر هناك، لا تعني أنّ الوحش قضى أو تمّ ترويضه. الوحش، في الواقع، ظلّ حيّاً يسعى ويفخخ ويقتل، في توقيت محسوب أُريد منه أن يبعث أبلغ الرسائل، وأن يلحق أفدح الأضرار حيث ينبغي؛ وبقي سؤال ‘عسكر على مين’، عنوان كتاب شهير للراحل ضدر مطلع 2001، يفيد التالي: عسكر على الآمنين!

هي، ثالثاً، ذكرى آمال داعبت الراحل، مثل كثير من اللبنانيين والسوريين، بأنّ الأقنعة قد سقطت عن الوجوه، فباتت مكشوفة ظاهرة للعيان، أضعف من ذي قبل، بل أضعف كثيراً؛ دون أن يعني هذا أنّ النظام الأمني لن ينتقم، ولا حظوا استخدام الراحل لهذه المفردة تحديداً: ينتقم! ففي مقال بعنوان ‘وسقط القناع، نُشر قبل أسابيع قليلة من جريمة الاغتيال، اعتبر قصير أن ‘بعض رموز الطوفان المخابراتي’ سوف تحاول ‘شراء المزيد من الوقت’، و’قد يسعى النظام الأمني مرّة جديدة إلى الانتقام’، و’لكنّ شيئاً لن يقدر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لقد ذهب النظام الأمني. فليكن ذهاباً من دون رجعة’.

وبالمعنى العامّ لحركة التاريخ، لا ريب في أنّ عقارب الساعة لن تُعاد إلى الوراء، بالقياس إلى ما تمّ إنجازه على أكثر من صعيد سياسي، بما في ذلك انسحاب النظام السوري عسكرياً من لبنان. غير أنّ الصعيد الأمني لم يشهد تحرّك عقارب الساعة إلى الأمام، لكي يُقال إنها لن تعود إلى الوراء في عشرات الملفات، وبينها بالطبع مسلسل التفجيرات وعودة الاغتيالات. وإذا كان ما يشبه ‘الهجوع الأمني قد طبع الأسابيع القليلة التي أعقبت اغتيال قصير، لأسباب التقاط الأنفاس وامتصاص الصدمات قبل تنظيم القوى من جديد، فإنّ ذلك الهجوع انقلب إلى استفاقة عنفية طاغية، وتعاقبت عمليات الاغتيال، وعلى منوالها تسارع سقوط الأقنعة. هنا، أيضاً، توجّب أن تتصف الحال بمقادير من جدل الاصطراع: بين عدوان إسرائيلي وحشي على لبنان، صيف 2006، و’غزوة’ أنصار ‘حزب الله’ في بيروت، ربيع 2008؛ وبين ‘مقاومة’ لا هدف لها سوى الدفاع عن لبنان ضدّ إسرائيل، و’المقاومة’ ذاتها وقد اختزلت إسرائيل إلى بقعة جغرافية صغيرة اسمها ‘القصير’ السورية!

ويبقى من باب تحصيل الحاصل أن يربط المرء بين اغتيال قصير، وسلسلة المواقف الصائبة والشجاعة التي عبّر عنها بصدد تلازم مسارات التحوّل الديمقراطي في سورية ولبنان، على نقيض تلازم المصالح بين النظام الأمني اللبناني وسيّده النظام الأمني السوري، أو: ‘اللبنانية ـ السورية للتلازم والعلاقات المميزة، شركة غير محدودة اللامسؤولية’، كما أسماها الراحل ساخراً. لهذا فإنّ الانتقام لم يستهدف رمزاً سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً أو طائفياً، بل ضرب حيث ينبغي للرسالة أن تكون مدوية: فـــــي قلــــب الأوساط التي لن يكفيها انسحاب القوّات السورية (وبقاء الأمن السوري هنا وهناك، قوياً مهيمناً)، ولن يرضيها قرار يستبدل هذا المسؤول الأمني أو ذاك (ويُبقي شبكات الولاء على حالها، في باطن الجهاز).

أجدني إذاً، كما فعلت سنة 2011، أستأذن شهداء الانتفاضة السورية في ضمّ شهيد إلى قوافلهم، لم يسقط على ثرى سورية، بل اغتيل لأنه اعتبرنا أبناء وطنه الثاني، وشاطرنا الآمال والآلام، وتلمّس معنا مفردات المستقبل الأفضل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في سورية الثورة (و) المعارضة جناحان لطائر واحد؟

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 3/6/2013

منذ انغلاق حقبة حروب الدول العربية مع إسرائيل، وانتقالها إلى حروب الفتن الأهلية داخل شعوب المنطقة وما بينها، استمرت هذه الاستراتيجية الباطنية في تفخيخ الأحداث السياسية الكبرى التي توالت على الكيانات الرئيسية، وحتى العادية منها في المنطقة.

وعندما تضطر إسرائيل إلى التدخّل ببعض جيوشها (غزة، والضفة، ولبنان)، فإنها تتصدى هنالك لا لدول’قائمة، بل لحركات شعبوية حاكمة أو مسيطرة. لكن أمريكا البوشية (بدءاً من الرئيس الأب، ثم الابن البوشي المسعور) شَنَّت حربين، اجتياحين هائلين على العراق كدولة، وكان الهدف هو تدمير هذه الدولة بحجة تحريره من نظامه الصدامي، ثم كان بعد ذلك أن استأنفت استراتيجية التفخيخ، بالفتن الباطنية، أنشطتَها التدميرية وراء كل حدث وطني جديد، محمّل بوعود تغيير حاسمة في هذا القطر أو ذاك من دول المشرق خاصة.

ها هو ‘الربيع، تكاد تفْتك به الفتن المحلية والمستوردة من كل نوع، فحين تندلع ثورة شعبية حقيقية، من المفترض أنها تواجه عدوها المركزي الذي هو المتسلط على الدولة والمجتمع معاً. إنها تتصدى للشكل الأشد قسوة وقمعاً، متمتعاً بشرعية السلطة والإدارة وقرارات الحرب والسلم بالنسبة للأمة المحكومة ككل. يقع كل ذلك تحت تسمية الرئاسات والملكيات والإمارات. لكن الثورة الشعبية المنزهة في أصلها عن كل دَنَسٍ سياسوي أو عقائدي أو تآمري، لا تلبث أن تلحق بها الأمراض المجتمعية المستوطنة، تتناوشها من نقاط ضعفها وقوتها معاً، تشغلها داخل خلاياها ومابين مكوناتها بالتافه من غائيات المصالح الفئوية والشخصانية. حول هذه النقطة يطالب الربيعُ العربي روادَه أن يقرنوا ثورتهم السياسية بالثورة الأخلاقية. فالعربي الثوري هو الثائر أخلاقياً في أصله، هو المتمرد على مذلات العبودية، هو الغاضب على مفاسد الحكّام واللصوص وأزلامهم المرتزقة من حولهم.

الربيع العربي يذكّر رواده، أن وباء الاستبداد/الفساد الذي فتك ببنية النهضة الاستقلالية، وأبطل مواسمها الربيعية الواحد بعد الآخر، لم يكن انحرافاً سياسياً بقدر ما كان انهياراً أخلاقياً في دوافعه الدنيئة وفي أنانياته المبتذلة.

كان مقتل الثورات الجمعانية مقترناً بولادة الفرديات الزعامية المُصَنَّمة، وذلك تحديداً في لحظات القرارات المفصلية. فكان أن تحولت أعظم حركات التغيير النهضوية، خلال نصف قرن إلى مجرد حلقات في مسلسل النكبة القومية المتواصلة، ما أن تتمتع بعض الفرديات بشيء من قوة السلطة. فانتهت معظم ثوريات المرحلة القوموية إلى مراتع مستباحة لانتهازيات الأنَوَات المضخّمة. هذه المسيرة الانقلابية السوداء الحمراء تحاول أن تجدد مغامراتها المعهودة تلك عبر أدغال الفتن المظلمة المحدقة ببراءات الثورات الربيعية الراهنة.

يسمّي الحدس الشعبي المباشر أعراض هذا الوباء بسلوكيات الوصولية الهوجاء. إذ تتهاوى المبادئ من مستوى الغايات العليا الجامعة لأوسع رأي عام شعبي، إلى مجرد تسويغات لفُرص ومناسباتٍ في اختطاف النفوذ والمنافع الخاصة والآنية لهذا الفرد وليس لسواه، ولهذه المجموعة وليس غيرها. فما يُقال عن الفتن وأنواع الثورات المضادة المحدقة أو المتسربة إلى وقائع الأيام الثورية لمحصول الربيع العربي، ليست هي من صنع المؤامرة الدولية وحدها، وإن كان لهذه القوة السحرية إمكانياتها المتجددة في التخريب المنهجي والمنظم، مع كل انتفاضة تهدد مصالح سادتها الخارجيين، قبل الانصار الداخليين أو برفقتهم دائماً.

ليست المشكلة في تكرار عواصف التآمر الدولي، فتلك هي من طبيعة علاقات القوى وتوازناتها المختلّة لصالح أكبرها ضد أصغرها، أهمّها تقدماً مقابلَ أشدّها تخلفاً؛ لكن السؤال هو في هذه العلة المزمنة المتمثلة غالباً في قابلية ما ندعوه أنشطة الوطنيات للانعطاف البنيوي في بعض مفاصلها القيادية، قبل أن يأتيها الفشل المحتوم من جهة خصومها؛ فهل نقول أن الربيع العربي بات مهدداً من قبل الكثيرين من أدعيائه، يتجلّى أحدث تهديد من هذا الصنف في هذه الثورة الشامية المنخرطة في مناضلة أعتى عتاة الطغيان السلطوي المعاصر، على الصعيد العالمي، وليس العربي والإسلامي فحسب. ما يحدث لهذه الثورة هو أن قواعدها الميدانية لا تكفّ عن تقديم أروع التضحيات الإنسانية الممكنة وحتى شبه المستحيلة أحياناً، وذلك في الوقت الذي تُمعن فيه تلك الأرتال، المدّعية لقياداتها السياسية والمدنية، في اجتراح معارك الصفقات الملتوية ضد بعضها، بحثاً عن مراكز النفوذ والعلاقات المشبوهة، تمهيداً لحجز أدوار سلطانية في الغد، مابعد الانتهاء من وعثاء النضال (الكلامي) الراهن.

في تجارب ثورات الشعوب المعروفة، غالباً ما كان يلعب التناقض المصلحي الفردي أو الفئوي، تحت أستار التنافس بين منطوقات الأيديولوجيات المرفوعة فوق رؤوس الثوار، وهو تناقض فاضح وملغوم في آن معاً بكل النوازع الأخرى للجماعات، الأبعد ما تكون عن فكر الثورة وأهدافها الأصلية. وقد يتصدّر صراع الداخل مع الخارج مسرحاً نمذجياً في تجسيد عقابيل هذا التناقض، كما تعانيه مسيرة الثورة الشامية منذ انفجارها الأول. فما أن أخذت الثورة أشكالها العسكرية المباشرة، حتى دبّ الانقسام الواقعي بين الجناحين من المقاتلين والمدنيين. صار احتدام الوقائع الدموية الفظيعة في الداخل السوري، محتاجاً إلى كل أصناف العون اللوجستي والإنساني، التي من المفترض أن يؤمنها هذا النصف الآخر المدني من الجسد الثوري، من ثوار العلاقات الخارجية. لكن لم يحدث أبداً أن توصلت الثورة إلى التكامل بين نصفيها هذين، بل صار لزوم الاعتراف بوجود كيانين متميزين عن بعضهما، لم يكونا أبداً نصفين لجسد واحد. هنالك إذاً: الثورة (و) المعارضة. ليسا متحدين، ولا منفصلين تماماً، لكنهما، كل منهما يتمتع بطبيعة مختلفة قائمة بذاتها، رغم كل الضرورات العقلانية والعملية الآمرة بالتوحد بينهما، فقد تتحقق درجات من التلاقي، لكن تظل صيغة التكامل التام بينهما رهاناً لاواقعياً قد يُستعمل ضدهما معاً كمصدر لأدلّة سلبية اتهامية عن العجز والتعجيز، تُوجه مرة لأحدهما، أو لكليهما معاً.

وهذا ما يفعله خصوم الثورة والمعارضة حالياً؛ كما لو أن التكامل بينهما أصبح هدفاً ينافس هدف النصر النهائي على النظام، بمعنى أنه إن لم يتحد الجناحان، فلا طائر يطير. وهي حكمة صادقة، لكنها هنا مستعملة للتدليل على وهم هو أقرب إلى الخطأ الاستراتيجي الحاسم. فهل إنْ لم تحدث معجزة هذا التوحيد سوف تفقد الثورة مشروعية حقيقتها، وتُحرم من حتمية انتصارها. أم أن العقل العملي، لقادة كل من الفريقين سيكون عليه أخيراً اختطافُ المبادرة العملية من أيدي العابثين وألسنتهم الطويلة، إذ ستظل المعارضة إطارا لامحدوداً في طبيعته المجتمعية والعددية، يضمّ عشرات من الأحزاب والتجمعات والشلل والشراذم، وآلافاً من الأفراد المستقلين، إن لم يكونوا هم غالبية الشعب السوري. كل هؤلاء معارضون لأفسد وأوحش نظام حكم عرفته بلاد الشام. عانى منه الجميع منذ عشرات السنين. فالهجرة السورية لم تبدأ مع الثورة، إنها جارية بإيقاعات سرعة متصاعدة منذ أول انقلاب بعثوي سلطوي قبل نصف قرن.

هنالك شبه مجتمعات سورية مستوطنة تقريباً في معظم العواصم العربية والأجنبية، وهؤلاء جميعاً، إن لم يكونوا معارضين بالفعل، فإنهم معارضون بالقوة والإمكان. لم ينتظم شعب سورية المنفي في حزبيات، لم يعملوا على تأجيل حياتهم الذاتية إلى مابعد العودة إلى الوطن، بل مارسوا مشاريعهم حيثما أقاموا، على أنها تؤسس ذخيرة مدنية جديدة لسورية الحرة العائدة إليهم يوماً، وليسوا هم العائدين إليها فحسب.

لا يمكن اختزال المعارضة ببعض وجوه أو أسماء أو ألسن، في حين أن هناك عشرين مليوناً من الشعب الأسير داخل السجن السوري الكبير، وملايين من معارضي المنافي القديمة، وملايين جدد في المنافي الحديثة، ولو أُتيح لأكثرية هؤلاء أن يتعسكروا بطريقة ما، لانتظموا في جيوش جرارة. أما المعارضة (الرسمية)، فإن أعظم تحدّ لمشروعيتها المرتبكة هذه الأيام، هو الاقتراب في نضالها (السلمي) أو السياسوي الحالي، من مستوى التضحيات الدموية النبيلة التي يقدمها شباب الميادين؛ فلتكن هذه المعارضة الرسمية صورة مصغرة عن المعارضة الأوسع لشعب سورية، في الوطن والمنفى. لتكن هي الصديق الوحيد الصادق للثورة الشبابية، صفاً واحداً من أجل مدنية الحرية، في الوقت الذي تصطفّ مع النظام البائد كلّ مذهبيات التخلّف العربي والإسلامي.

لن يخوض شباب العرب وسورية معركة مذهب ضد مذهب، ولن تخوض الثورة معركة مابين داخلها وخارجها، إنها حاجة مصيرية لإعادة القراءة في إحداثيات المكتوب بأحرف الدم والنور، لعلنا نرى ونفهم مجدداً بعض الحقائق القديمة.. العريقة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المصلحة الأوروبية في تسليح المعارضة السورية

د. عوض السليمان – فرنسا

القدس العربي

الاثنين 3/6/2013

يبدو للوهلة الأولى أن قرار الاتحاد الأوروبي برفع حظر السلاح عن سورية كان مفاجئاً لدرجة كبيرة. بينما يراه ثوار الداخل عديم المعنى والفائدة. وإنني أميل إلى رأي قيادات الجيش الحر وعناصره داخل سورية. فمن المفيد التذكير بأن الاتحاد الأوروبي نفسه هو الذي تفرج على الشعب السوري يذبح لمدة عامين دون أن يحرك ساكناً. في حين ذهبت القوات الفرنسية دون موافقة مجلس الأمن لتتدخل في مالي. ونذكر جيداً أن وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ هو نفسه من رفض توريد السلاح إلى المعارضة السورية بسبب الحظر الذي فرضه الاتحاد على التسليح.

وكان من الواضح أن الاتحاد فرض الحظر لمنع وصول السلاح إلى الثوار بانتظار أن يرى توجهات الثورة وقادتها ويعرف ميولها، خاصة وأنه يعيش حالة من السلم والسيطرة في ظل وجود بشار الأسد كرئيس لسورية. أضف لذلك فإن الغرب يريد على الدوام ضمان أمن الكيان الصهيوني وهذا ما دفعه إلى تبني ذلك الحظر.

وهكذا مرت سنتان على الشعب السوري ارتقى فيهما مائة ألف شهيد ودمر مليون منزل، ناهيك عن المهجرين والمعاقين. ومع أن المسؤولين الغربيين رأوا كل ذلك وتابعوه عن كثب، تماماً كما رأوا رضعاً جزت أعناقهم وأطفالاً تم اغتصابهم، ورأوا غرائب لا يتحملها العقل البشري، إلا أنهم تمسكوا على الدوام بحظر السلاح بل توجهوا في مرحلة ما إلى مغازلة الأسد، وكلنا يذكر تعليق وسائل الإعلام الغربية على مصورة ‘أبي صقار’ بينما تم تجاهل مائتي ألف مصورة تظهر وحشية الأسد وبربرية جنوده في تعذيب المعتقلين بالأسيد وتقطيع أوصالهم أحياء وحرقهم .’علاوة على ذلك فإن هيغ وصحبه يعلمون أن روسيا وإيران تنقلان السلاح إلى الأسد جهاراً نهاراً، وما تدخل حزب الله في القصير إلا شاهداً على صمت المجتمع الدولي والغرب على تدمير سورية وتحجيم الثورة ومنعها من إسقاط الأسد.

السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا إذاً يرفع الأوروبيون الحظر على السلاح اليوم، ولا يزال التوجه الإسلامي غالباً على الثورة؟ بحيث لم تشهد سورية إلى اليوم كتيبة علمانية واحدة تقاتل النظام. ولا يزال الأسد إلى الآن حامي حمى الصهيونية. فما الذي دفع إلى القرار الجديد؟

بالتمعن في قرار الاتحاد نلاحظ جملة خبيثة تقول: إن أعضاء الاتحاد ملتزمون بعدم نقل أي سلاح إلى المعارضة السورية في الوقت الراهن. وهي الجملة التي كررها الوزير البريطاني. وأشار صحفيون أن الأوروبيون اتفقوا على إمكانية تسليح المعارضة ابتداء من الشهر الثامن، وهذا يوضح على الفور أن الحظر لم يرفع بالمعنى العملي للكلمة، بل صنع المجتمعون قراراً سياسياً موجهاً للأسد بضرورة حضور مؤتمر جنيف، وفي نفس الوقت يجامل القرار المعارضة ويدعمها معنوياً لحضور المؤتمر ذاته، وهذا ما يسمى بسياسة العصا والجزرة فالأولى للنظام والثانية للمعارضة والهدف تمرير جنيف من أجل تسوية ما.

في الوقت نفسه نتساءل عن موقف غربي جديد يريد على ما يبدو أن يتخلص من الأسد في المشهد السوري، وأعتقد أن ذلك صحيح فلم يعد بشار قادراً على حماية الحي الذي يسكنه فكيف له أن يحمى حدود الصهاينة. ثم إن الشعوب الغربية غير راضية عن سياسة حكوماتها، إذ كيف يتفرج الساسة على شعب يذبح من أجل دكتاتور فاسد.

يدرك الغرب أن الثورة سورية منتصرة لا محالة وهم يعتمدون في ذلك على معلومات استخبارية تشير إلى انهزام الأسد وفقدان سيطرته على البلاد فضلاً عن السلاح الذي قد يهدد الكيان الصهيوني حال سقوطه بيد الثوار. وهم بالتالي يريدون أن يضبطوا هذا السلاح من خلال التخلص من الأسد فاقد الصلاحية ومن خلال التحكم بتوجهات الثورة، وما مشكلات توسعة الائتلاف إلا دليلاً على ذلك.

الغرب لن يوصل السلاح إلى جبهة النصرة ولا إلى لواء التوحيد واليرموك وغيرها، بل سيرسله إلى ‘المعتدلين’، وأعتقد جازماً أن السلاح الغربي سيستخدم في مرحلة ما لتصفية قادة ثوريين ساهموا في إضعاف الأسد وشل قدرته، وفي اغتيال المجاهدين العرب ومحاولة التخلص منهم دفعة واحدة.

مسألتنا أخيرتان أشير إليهما سريعاً وأظن أن لهما دوراً في القرار الجديد، الأولى هي بدء سيطرة الثوار على كثير من حقول النفط، إذ يريد الغرب حصته النفطية، والثانية مقاومة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها أوروبا من خلال السماح للشركات ببيع أكبر كمية ممكنة من السلاح مع ما يعنيه ذلك في المنظور الاقتصادي.

أعلم ويعلم ثوارنا أن الغرب لم يرد خيراً لهذه الأمة منذ صلاح الدين إلى بيع فلسطين واحتلال العراق والعمل على تمكين الصهاينة، ولكنني أعلم أيضاً أن السياسة تفرض علينا الترحيب بهذا القرار، والتعامل معه بإيجابية وحذر في الوقت نفسه. دون الاضطرار بالطبع إلى تقديم أي تنازلات سياسية قد تؤدي لا سمح الله إلى سيطرة الغرب على دمشق.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فتنة طائفية

حسين العودات

البيان

الاثنين 3/6/2013

إن مشاركة حزب الله في المعارك وفي بعض المذابح بشكل واسع ومتكرر في سوريا، لم تعد تخفي نفسها، وصار مطلوباً منه أن يبرر للسوريين واللبنانيين سياسته هذه وتدخله العسكري الفظ في الشأن السوري، ومشاركته النظام السوري حربه ضد شعبه.

وقد أعلن إعلام حزب الله، كما وأكد مسؤولوه، أن تدخله إنما هو لحماية سكان بضع قرى سورية من الطائفة الشيعية، يحملون الجنسية اللبنانية، إضافة لحماية بعض المراقد والمواقع الشيعية المقدسة في سوريا، أي أن أسباب التدخل التي زعمها الحزب أول الأمر هي أسباب طائفية، وبالتالي فالحرب التي شنها هي حرب طائفية لا صفة أخرى لها،.

وهذا ما أثار السوريين الذين أكدوا أن المقدسات الشيعية في سوريا هي مقدسات لدى السنة أيضاً، ولم تتعرض لأي عدوان على الإطلاق، والقرى المشار إليها لم يصبها سوء، ثم إن هذه المهمات تقع أصلاً على عاتق النظام السوري لا على عاتق حزب الله.

وتساءل السوريون إذا كان جزاؤهم "كجزاء سنمار" جراء مساعدتهم مئات آلاف اللبنانيين خلال عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006. كما استفز هذا التدخل القوى السياسية والدينية اللبنانية، وأدى إلى رد فعل لدى بعضها فأخذت تتحفز لإرسال محاربين إلى سوريا.

وفي الخلاصة، بدا للجميع أن العمل عمل طائفي صريح، واتهموا إيران بأنها وراءه. وقد زاد هذا الأمر الحقد الطائفي في سوريا، واستنكر الجميع الأسباب التي ساقها حزب الله لتدخله ومشاركته في القتال وارتكاب بعض المجازر.

وصار لزاماً على الحزب أن يبحث عن مبررات جديدة وأسباب أخرى غير هذه التي لم تقنع أو ترض أحداً، فأعلن السيد حسن نصر الله الأمين العام للحزب في خطاب متلفز الأسبوع الماضي أسباباً جديدة، علّه يبرر ما لا يبرر لدى السوريين واللبنانيين أيضاً.

تراجع الأمين العام للحزب في خطابه عن الإشارة إلى الأسباب التي ذكرها إعلامه، وأعطى أسباباً جديدة مختلفة، خلاصتها أنه يساعد "ظهره" السوري، وداعمه الحقيقي ليمنع سقوطه، لأن ذلك السقوط سيكون كارثة على الحزب.

وركز على هذا السبب الوحيد، وتجاهل الأسباب الطائفية التي أعلنها حزبه قبل أيام، ولم يتعرض لا لحماية المقدسات ولا لسكان القرى، في الوقت الذي طالب الفئات اللبنانية المعادية له أن ترسل قواتها إلى سوريا ليتحارب معها هناك، وكان طلباً غريباً واستفزازياً للسوريين واللبنانيين.

وأعطى انطباعاً بأن سياسة حزب الله مرتبكة ومترددة ولا تنسجم مع ما كان يقوله سابقاً بأنه لن يستخدم السلاح إلا لمقاومة العدو الإسرائيلي، وبات واضحاً أن الحزب إنما ينفذ سياسة إيرانية وأن الأوامر تأتيه من طهران، ولا يملك حرية اتخاذ قراره بنفسه، ما يريد وما لا يريد، وخسر الحزب بذلك ما تبقى له من تأييد لدى البعض، وأضاع رصيده الذي كان يوماً مرتفعاً جداً.

إن تدخل حزب الله المسلح في الشأن السوري، والتوسع الكبير في مشاركته القوات السورية النظامية عملياتها الحربية التي تشنها ضد فصائل الثورة، هو بداية لتحويل الصراع العسكري في سوريا من صراع بين الشعب السوري وبين السلطة التي تحكمه، إلى صراع طائفي صريح، كانت السلطة السورية تتمناه وتسعى إليه وتبشر به، لتبرر قمعها الدموي، بحجة أنها تواجه فتنة طائفية وليس حراكاً شعبياً له أهداف سياسية وتشارك فيه كل الطوائف.

بينما لم تمارس المعارضة المسلحة والسياسية السورية طوال سنتين ونيف، أي عمل طائفي، لا قولاً ولا عملاً، رغم أن السلطة السياسية السورية، كانت وما زالت تسكت عن ممارسة بعض قواتها المسلحة النظامية أو بعض "شبيحتها" وميليشياتها جرائم ومجازر طائفية همجية، قتل فيها أطفال ونساء وتم التمثيل بجثثهم.

من جهة أخرى، اتضح للسوريين أن سلطتهم السياسية هي التي تستدعي قوى مسلحة خارجية لتحارب معها، وتشجع على ذلك، وصاروا متأكدين أن حزب الله، الذي من المفترض أن يكون حزباً مقاوماً ضد إسرائيل، أصبح الآن دمية في يد السياسة الإيرانية، التي تستخدم اللعبة الطائفية بهدف تحقيق مطامع إقليمية بطرق العنف والابتزاز والعدوان،.

وصولاً إلى الاعتراف بها قوة إقليمية ذات نفوذ، قادرة على إثارة الفتن ونشر عدم الاستقرار في دول الإقليم، ولذلك ينبغي أخذ دورها بعين الاعتبار (واتقاء شرها). والملاحظ أن هذا التدخل زاد الحقد الطائفي في نفوس السوريين، لكنه لم يدفعهم لممارسات طائفية.

وكان وعيهم عظيماً، ولم يقع أحد منهم في حبائل الفتنة الطائفية التي تسعى إليها إيران والنظام السياسي السوري. شمل تدخل حزب الله العسكري مناطق في شمال سوريا (قرى إدلب) وفي جنوبها (بصرى الشام) وغربها (القصير)، ويقول الإعلام الإيراني إنه "تدخل مشروع" وفي الوقت نفسه يستنكر وزير الخارجية الإيراني رفع الحظر الأوروبي على السلاح.

وبدوره يدعو الحرس الثوري الإيراني علناً المتطوعين للمشاركة في الحرب ضد الثوار السوريين، وتصدر السلطات السورية مرسوماً بإعفاء "الوفود السياحية" الإيرانية من رسم الدخول إلى سوريا.. فهل يتطلب إعلان الحرب أكثر من هذا؟!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خلافات وتباينات في الطريق الى "جنيف ـ2"

ماجد الشيخ

المستقبل

الاربعاء 5/6/2013

انعكست خلافات المعارضة السورية، وتعدد أجنحتها وتفاوت مواقفها من النظام ومن الأزمة بشكل عام، خلافات وتباينات في صفوف القوى الإقليمية والدولية الساعية نحو إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، التي عمّرت حتى الآن أكثر من عامين وسط تزايد أعداد القتلى والجرحى والمشردين والنازحين هربا من دمار الحرائق. بينما يبلغ التنافس الإقليمي على النفوذ والهيمنة في صفوف قوى المعارضة، حدودا بات معها وجود أكثر من عقبة، تقف حائلا من دون حصول تقدم في اجتماعات المعارضة، من قبيل ما جري في عمان وذاك المؤتمر الذي انعقد في اسطنبول قبل أيام، وبحسب ما يقول ناشطون ومعارضون، فإن الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية لم يتمكن بسبب الانقسامات، من التطرق إلى موضوع البحث الرئيسي، وهو اتخاذ قرار بشأن المشاركة في المؤتمر الدولي حول سوريا (جنيف2) المزمع عقده في حزيران (يونيو).

وبدلا من أن يعلن النظام السوري عن مشاركته في (جنيف2)، جاء الإعلان من موسكو التي أعلنت الجمعة (24/5) أن النظام السوري موافق "مبدئياً" على المشاركة في المؤتمر، في حين طالب متحدث باسم الائتلاف، بـ"بادرات حسن نية" قبل مطالبة المعارضة بقرار حول المشاركة، موضحاً أن من هذه البادرات "الانسحاب من بعض المدن" و"وقف استخدام صواريخ سكود" من جانب النظام. فيما أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم خلال زيارة إلى بغداد الأحد (26/5)، ان بلاده ستشارك "من حيث المبدأ" في مؤتمر (جنيف2) الذي رأى فيه فرصة مؤاتية للحل السياسي للازمة في سوريا.

من جانبه حض وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الرئيس السوري بشار الأسد على حضور مؤتمر جنيف للسلام، وحذره من اعتبار "الانتصارات الاخيرة نهائية" في إشارة إلى ما يجري في القصير، ونبه الى ان عدم استغلال فرصة "جنيف2" ستعني استمرار الحرب، ووقوع مجازر وحتى تقسيم سوريا. وقال إنه من دون مفاوضات جادة ستشهد سوريا اراقة دماء بشكل اسوأ، وسنرى انه اذا لم يعقد (مؤتمر) (جنيف2) فان كل ما سنشهده هو استمرار التقسيم المأسوي، وهو ما سيؤدي الى المزيد من اعمال العنف والدمار".

وفي وقت لا تزال المواقف الروسية والغربية متباعدة، فقد ظهر التباين واضحاً بين موقفي الولايات المتحدة وروسيا في شأن المؤتمر العتيد. وبينما دعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري، قبيل انعقاد اجتماع عمان لـ"مجموعة أصدقاء سوريا"، الرئيس السوري بشار الأسد إلى التزام السلام، مهاجماً إيران و"حزب الله"، هاجم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أثناء استقباله نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، المعارضة السورية التي "لم تُظهر حتى الآن التزاماً كافياً تجاه الجهود المبذولة لعقد مؤتمر للسلام مع حكومة الرئيس الأسد" لكنه تجاهل الإشارة إلى مجموعات المقاتلين من "حزب الله" و"الحرس الثوري" الذين يناصرون النظام.

في هذه الأجواء المتشائمة، خطت "ديبلوماسية التسليح" خطوة متقدمة، في أعقاب سماح الاتحاد الاوروبي لاعضاء فيه، بتوريد اسلحة دفاعية الى المعارضة السورية اعتباراً من اول آب (اغسطس) المقبل، واعلان البيت الابيض انه كان يعلم بزيارة السناتور جون ماكين للاراضي السورية تحت سيطرة المعارضة، بالتزامن مع اعلان روسيا انها ستسلم صواريخ "أس 300" إلى نظام الرئيس بشار الأسد، في ما بدا انه معركة "شد حبال" بين روسيا والغرب قبيل معرفة مصير مؤتمر "جنيف2" المتوقع بين 15 و16 حزيران (يونيو). في وقت شددت فرنسا وبريطانيا على ان ليس لديهما "الخطط الفورية" لتزويد المعارضة أسلحة دفاعية، فيما حمل الكرملين على الأوروبيين بقوة، معتبراً قرار رفع الحظر على تسليح المعارضة عائق امام "جنيف2"، مصراً على مواصلة تزويد دمشق بالصواريخ باعتبارها "عامل استقرار".

وكان كيري قد لوح في وقت سابق، بورقة تسليح المعارضة، "إذا لم يلتزم الرئيس الأسد السلام". وعن إمكان لجوء واشنطن إلى تسليح المعارضة لو فشل الخيار السلمي، قال كيري "أكد الرئيس باراك أوباما نيته دعم المعارضة، ولا تزال كل الخيارات المتعلقة بهذا الدعم ونوعيته مطروحاً على طاولة النقاش، وعلى الأسد أن يفهم جيداً ما الذي نقصده".

إلا أن مصادر في عمان، ذكرت إن كيري أخبر المشاركين قبيل اجتماع عمان، وعلى العكس من مواقف سابقة، رغبة واشنطن "الإبقاء على الأسد أثناء المرحلة الانتقالية، على أن يكون رئيساً بلا صلاحيات، في وقت يجب أن يرحل تماماً عن السلطة، عقب المرحلة الانتقالية". وأوضحت المصادر أن اجتماع عمان سعى إلى "التمهيد لاجتماعات "جنيف2"، على أن يتم اعتماد صيغة واضحة للمرحلة الانتقالية، والسقف الزمني، والبحث في مدى نجاحاتها".

وبالتوازي مع التحضيرات الروسية - الأميركية التي ينشط المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي لتنسيقها مع الحكومة السورية، والمعارضة، والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والأمانة العامة للأمم المتحدة، تكثفت الضغوط المتبادلة من أقطاب المؤتمر العتيد، لإرساء التوازن الذي سينعكس على طاولة المفاوضات، فيما يحاول النظام والمعارضة فرض توازن آخر ميدانياً قبل انطلاق المؤتمر.

وفي كل الأحوال، لا يبدو أن انعقاد مؤتمر لمعالجة ما يمكن تسميته "المسألة السورية" في وضع أكثر تعقيدا على الصعيد الإقليمي والدولي، سيكون سهلا، وإن عقد؛ فإن موضوعاته لن يكون من السهل الوصول إلى توافقات واضحة في شأنها، ذلك إن صراعا كذلك الجاري في سوريا، يتداخل فيه المحلي والإقليمي والدولي، لن يكون بمستطاع قوى يزداد تورطها فيه يوما بعد يوم، أن تخلّص نفسها ومن يتحالف معها للخروج من أتونه الملتهب؛ لا سيما وأن "حربا ساخنة" عبر وكلاء محليين، باتت تجري في العمق، تجاوزت كل حرارة وسخونة "الحرب الباردة" المستمرة بصورة أو أخرى، بين المعسكرين إياهما؛ الشرقي بزعامة روسيا، والغربي بزعامة الولايات المتحدة مع اعتماد أكبر على "الحلفاء" و"الوكلاء"، في ظل تغيّر معطيات وظروف الصراع، وتعقد وتشابك المصالح الاستراتيجية في التقائها وتنافرها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

بعد خراب القصير!

مرزوق الحلبي

الحياة

الاربعاء 5/6/2013

هل تغيّر «حزب الله» أم أن الرائين إليه هم الذين تغيّروا؟ هل تغيّرت تفاصيل صورته أم أن الرائين أبصروا فيها ما لم يُبصروه من قبل؟ سؤالان يعكسان قوة السياق في تحديد المعايير والأحكام والإخفاق المألوف في التقاط التاريخ في لحظته. فقد أخطأ عرب وعجم، قوميون وشيوعيون، قريبون وبعيدون في قراءة وظيفة هذا الحزب وخطابه. وقد حصل هذا كجزء من إرث متقادم لنسق ثقافي في صلبه العوم على شبر ماء والميل الى تصديق أوتوماتيكي لكل من يُجيد بعض الجُمل عن «التصدي» و «الصمود» و «المقاومة».

وعزّز النسق تراكم الإخفاقات العربية وزوال مراكز عروبية، ما دفع الناس إلى «اختراع» المراكز الجديدة والمراهنة على ما تبقى. وفي رأينا أن التعاطي مع «حزب الله» داخل لبنان وخارجه كان إسقاطياً وليس موضوعياً. فقد أسقط القرّاء عليه أمانيهم وصوّروه كذلك لحاجة عندهم دغدغها بخطابه وأفعاله. وقد كانوا مرتاحين لهذا لصورة خلقوها له فلم يدعوا التفاصيل والمتغيرات تعطّل عليهم طمأنينتهم!

شكّلت الثورة السورية منذ انطلاقتها موضعاً مرتفعاً كحدث ذروة وزاوية رؤية تتم منه قراءة المُحيط والأحداث من جديد. وهو ما أتاح للكثيرين رؤية الصورة الحقيقية للحزب وعقيدته. أو لنقل رؤية تفاصيل أخرى كانت مستترة تحت أكوام الكلام وطقطقات السلاح وإغواء الصواريخ. صورة كانت له منذ البداية، لكن المعنيين آثروا رؤيتها كما اشتهوها وكما أرادوها في نفوسهم. لقد نشأ الحزب وترعرع على أيدٍ إيرانية ولأغراض إيرانية. أداة لتصريف أوراق طهران المتناثرة في المنطقة واللعب بها. لهذا الغرض بُذلت تلك التضحيات/الضحايا، وتدفقت أموال النفط الإيراني!

صحيح أن النشأة استندت إلى خطاب «الفئة المُقصاة والمهمّشة» في لبنان المتماشية مع الخطاب الشيعي في الإسلام. وصحيح أنها حاكت التطلع إلى تحقيق الرِفعة لهذه الطائفة المظلومة إلى ذلك الحين. ومن هنا اختلاط الأمور بادئ ذي بدء. فإيران التي دخلت على الخط اللبناني بقوّة، دخلت من الباب المناسب وبالخطاب المناسب. هذا فيما كان أصحاب الحل والربط يحاولون الخروج من حروب الطوائف عبر معادلة الطائف. وإذ ذهب غالبية اللبنانيين في مسار التخلي عن الميليشيات والسلاح، أبدى «حزب الله» نهماً غريباً للتسلّح، ليس دفاعاً عن لبنان، بل دفاعاً عن مشروع إيران في المنطقة. ونشأ توزيع جديد للأدوار في لبنان: أناس يرممون كياناتهم وشكل البلد ويلمّون ما تناثر من وطنهم، وأناس «يقاومون» العدو الإسرائيلي. قسمة رضيت بها الأطراف اللبنانية ردحاً إلى أن تمّ فقدان التوازن تماماً. تجلّت ولاية الفقيه بكامل جبروتها وحلّت مكان الولاء للوطن. العمل بموجب أحكام المصالح الإيرانية وإيقاعاتها وليذهب لبنان البلد وأهله إلى الجحيم! وإذ بالسلاح الذي يحمي المشاريع الإيرانية يوجّه أيضاً إلى الشركاء في الوطن كي يوسّعوا الطريق لهيمنة إيرانية مباشرة وغير مباشرة.

لقد خطف ««حزب الله» الطائفة الشيعية وخطف لبنان تماماً إلى فنائه الخلفي. وقد امتلك كل ترسانة الأسلحة اللازمة لذلك وإمكانيات الاستقواء بسورية وإيران وشيعة العراق وسذاجة العرب كي يفعل ذلك. وها هو يتمدّد بأمر خامنئي إلى سورية لتدمير ثورة شعبها وريفها ومُدنها. إنها الصورة التي تختزل التجربة مُذ بدأت. وهو ما يُدركه الكثيرون من العرب الآن بتأخير كبير وبعد خراب القصير! ويبقى البعض يهتفون طرباً أو سكراً أمام الشاشات وخطاب السيد!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لحظة انعطافية

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 5/6/2013

أعتقد أننا قد نكون مررنا خلال الأيام القليلة الماضية بلحظة انعطافية مهمة في مسار المعارضة السورية، أرجو أن تنعكس بردا وسلاما على الشارع الثائر، المقيم منه والمهاجر، المقاتل بالسلاح والمناضل بالكلمة، وأن تفضي إلى توحيد مواقفه وآرائه، وتخلصه من نقط ضعف هيكلية شابت بالأمس وتشوب اليوم أيضا نضاله وبنيته، وأثرت بصورة جد سلبية على أنشطته.

مررنا في لحظة انعطافية أتمنى أن تكون قد تكللت بالنجاح، لأن لقاءات إسطنبول أفضت إلى استكمال تمثيل المعارضة السياسية والمقاومة العسكرية داخل الائتلاف، في إنجاز أرجو أن يعود بالخير والنفع على شعب الثورة والتضحيات، الذي لا بد أن ينتقل تمثيله من خلال الائتلاف إلى مرحلة جديدة تعبر عن وحدته من خلال التفافه حول ميثاق وطني تقره مختلف أطياف المعارضة، الراغبة في العمل ضمن توافق وطني جامع يعينها على تخطي خلافاتها وتناقضاتها، مع احترام حقها في التعبير عما تختلف عليه عبر أنشطتها الخاصة، المجسدة لهويتها الحزبية والتنظيمية، على أن تعمل لتوسيع هوامش ومساحات ما هو مشترك، ولتضييق هوامش المختلف عليه، ولإعادة إنتاج سياساتها ومواقفها في ضوء المشتركات التي يجب أن يزداد باطراد نصيبها من أنشطتها النظرية والعملية، التي لا بد أن تقوم على تفاعل تواصلي يفضي إلى تكامل متعاظم وجدي بين أطراف العمل الوطني السوري، يعينه على تجاوز خصوصياته الضيقة، ويدمجه بصورة متعاظمة في عمومية تنتج بيئة جامعة تقرب المسافات بين المختلفين، وتدخلهم في منطق وحدة في المنطلقات وسبل العمل وآليات تنفيذ السياسات وبلوغ الأهداف.

لم يكن هناك غالب ومغلوب في إسطنبول: كان هناك رابحون فقط؛ لأن وحدة الصف السياسي الوطنية، والشراكة مع الجيش الحر: القوة الرئيسة في الصف المعارض والمقاوم، لن، ولا يجوز أن تكون لصالح طرف بعينه مهما كان حجمه ووزنه، ويجب أن تكون للجميع بغض النظر عن أوزانهم وحجومهم. ولأن من يحاول احتكار ما حدث أو استغلاله لصالح كتلة أو تجمع أو شخص، سيقترف خطأ فادحا بحق جميع أطياف العمل الوطني السوري والشعب الثائر، ليس فقط لأنه سيسهم في إطالة أمد الكارثة الوطنية التي تعيشها بلادنا، وعلينا أن نعمل متعاونين متكاتفين كي ننهيها في أقرب وقت ممكن، بل لأن من المحال أن يتمكن طرف بعينه من إنهائها بمفرده: عبر هزيمة يلحقها بالنظام، في حين سيفضي انفراد أي تيار أو حزب أو شخص بالسلطة عقب سقوط النظام إلى حرب أهلية ستدمر ما لم تدمره وحشية النظام السوري بعد.

سيربح الجميع من التمثيل المتكامل، الذي سيحترم مصالحهم كما يحددونها هم في إطار الحاضنة الوطنية العامة. وسيربح الجميع أيضا من وحدة المواقف المتوافقة، التي يجب أن تستند إلى ميثاق عمل وطني جامع من الضروري أن يبدأ الائتلاف مشاورات وحوارات فورية حوله، تضم الجميع دون أي استثناء أو استبعاد، على أن يتم إقراره في أقرب وقت، كي ترسم في ضوئه سياسات موحدة وملزمة للجميع، وننظر جميعا في اتجاه واحد، ونسير بطرق واحدة أو متقاربة نحو أهداف ومرام موحدة.

سيكون انضمام «القائمة الديمقراطية» والحراك الثوري والجيش الحر إلى الائتلاف من دون معنى أو فائدة إذا لم نقلب صفحة الانقسامات والحسابات الضيقة، التي جعلت أطرافا مهمة في المعارضة ترى المسألة السورية بدلالة أحزابها ومواقفها الخاصة، بدل أن ترى نفسها ومواقفها بدلالة مسألة سوريا التي يستحيل أن يعبر أي طرف بمفرده عنها، وأن يمثلها بطريقة تجعله قادرا على الانفراد بقيادتها. لهذا السبب، الذي يتوقف عليه ربح وخسارة معركة الحرية في سوريا، من المحتم بعد اليوم أن يقلب الجميع صفحة الماضي، ويبحثوا عن المشتركات التي سبق لها أن ضمت بعد عام 2000 الإسلاميين إلى الديمقراطيين والقوميين والليبراليين والاشتراكيين... إلخ، ولا بد أن تضمهم اليوم وفي المستقبل أيضا، وأن تكون منارتهم وهاديهم خلال الفترة الانتقالية، وإلا فإن انقساماتهم وخلافاتهم الراهنة ستعود بالمكاسب على النظام، وبالهزيمة على الشعب والمعارضة.

أنا أميل إلى الاعتقاد بأن أحدا في سوريا من المعارضة والجيش الحر والشعب لن يقبل هذا، وأنظر بتفاؤل إلى الحقبة القادمة، إن خلصت النوايا وصحت العزائم، وبدأت المعارضة والمقاومة السير على طريق وحدة لا شك في أهميتها لحسم الصراع لصالح الحرية والشعب السوري الواحد والدولة السيدة والمستقلة!

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com