العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-03-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مآلات فشل الثورة السورية

عبدالرحمن الخطيب

الحياة

الخميس 27/2/2014

لا مشاحة في القول أن المجتمع الدولي برمته قد خذل الشعب السوري، إلا من رحم ربي. وأضحت سورية أرضاً للصراع الدولي والإقليمي من وراء ستار. واستنقاع حالة الحرب راقَ للغرب الذي يستبطن نزعة ذرائعية ترمي إلى إصباغ صيغة جديدة للفوضى الخلاقة. عقد رضائي بينه وبين روسيا وإيران ابتداء، فتطفق الأخيرة إلى استجلاب واستدعاء شيعتها إلى الداخل حسوماً، ليخوضوا مع الخائضين.

بعد فشل مؤتمرات جنيف اكتملت الصورة. إذ أضحت سورية أرض البازار المفتوحة للبائعين من تجار السلاح وللمشترين من دول النفط العربية والفارسية، ووصلت الأمور إلى حال مستنقعية مثيرة للحيرة في تشظي الجيش الحر بعد إقالة سليم إدريس، والحرب الطاحنة بين بعض الكتائب الإسلامية ودولة العراق، وهو ما نتج منه بعض التقهقر والانكفاء العسكري لمصلحة النظام في بعض الجبهات. إن مسألة المؤامرة على إجهاض الثورة اتضحت معالمها بعد أن تداخلت أهداف مفاوضات جنيف في البعد (الزمكاني). ووراء الأكمة ما وراءها، تنطوي على مؤامرة لجهة مقترنة بحصة الحاضرين من الكعكة، لتصب في الآخر في مصلحة النظام وشيعته، ولا نتيجة مرتجاة. فالبيتان الأبيض والأحمر ثنائي النقيضين، ديدنهما الكذب والنفاق. السمة الأساسية لهما فرض الهيمنة والتأطير لبقاء النظام. يتعللون في موقف تبريري وذارئعي يتمحور بأن هناك قضايا شائكة. شيوع طرح جنيف له دلالات تشير إلى الضغط على المعارضة، للقبول ببقاء النظام. يقولون: مفاصلة سياسية على بيدر السلطة، وتدوير الزوايا؛ عبارات استفزازية واستعراضية ومواقف عبثية وسعي إلى الحؤول دون إسقاط النظام.

الآن يجب التفكير في: ماذا لو أن النظام - لا قدر الله - انتصر؟ وما نتائج وانعكاسات هذا الانتصار على مستوى الشعب في الداخل وعلى المستويين الإقليمي والدولي؟

أهم ما يمكن الحديث عنه من سمات النظام هو الصبغة الإجرامية لديه، واستسهال قتل المعارضين، ممزوجةً بنزعة عقابية وانتقامية طائفية حاقدة. وهذا ما لمسناه فيمن سلموا أنفسهم من بعض أحياء حمص. ولهذا السبب وغيره فإن النظام - وبعد أن يتأكد أنه قد سحق الثورة وأعاد الناس إلى بيوتهم ومنافيهم وسجونهم - سينتقل من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم، لإعادة تشكيل المجتمع السوري بالطريقة التي تؤمّن دوام نظامه إلى الأبد. بل يمكن الجزم بأن إجهاض الثورة سيؤدي إلى إبادة جماعية لأهل السنّة في معظم المحافظات. ومع صمت المجتمع الدولي أو اكتفائه بالتنديد والشجب اللذين لا يأبه لهما النظام - مثلما لمسنا في القرار الأخير في الأمم المتحدة الذي استجدى النظام كسرة خبز للمحاصرين - فإن هذا سيؤدي إلى استمراء عملية المجازر الجماعية التي لم نشهدها ولا حتى في أي مجزرة ارتكبها النظام خلال الثورة. لذلك فإن مقولة: «سيخرج النظام ضعيفاً حتى لو انتصر» مقولة مجانبة للصواب، لأن صراعه أساساً ليس مع أي قوة خارجية، وهو ليس بوارد المواجهة مع أي طرف إقليمي أو دولي، إنما مواجهته مع الشعب وقد خرج منتصراً، والمنتصر لا يكون ضعيفاً.

ثم إن المسألة طائفية، وهي حاضرة بقوة، حتى لو حاول بعضهم الضحك على أنفسهم بأن النظام ليس طائفياً، فالتجييش الطائفي الغرائزي ركن أساس من سياسة النظام، وأي سوري يحاول أن يتجاهل دور المسألة الطائفية وتوظيف النظام لها فسيبتعد كثيراً عن الواقع، لأن الأحداث الواقعة أكدت أن النظام نجح نجاحاً كبيراً في استثمار هذه المسألة الطائفية، وهو ما أدى إلى تحريك النعرة الطائفية لدى الشيعة في العالم برمته، ودخولهم إلى سورية برسم راية حماية الأماكن المقدسة، وهذا ما مكّن النظام من فرض سطوته وتطعيم قواته العسكرية بعشرات الآلاف من المرتزقة الشيعة من دول العالم كافة، ومنحهم الهُوية السورية، لتغيير التركيبة المذهبية للمجتمع السوري.

ثمة أمر آخر - ربما يكون غائباً عن بعض - وهو أن العصابات المسلحة من المدنيين التي آزرت جيش النظام خلال الثورة سيكافئهم النظام بإطلاق أيديهم من خلال استباحة كل شيء، وسيحاول النظام تحقيق أهداف عدة، أهمها: ترويع الناس وإخافتهم وإذلالهم عبر مداهمة البيوت والاعتقالات والنهب والسرقة، فالنهب والسرقة سيكونان الحافز القوي الذي يقدمه النظام لهؤلاء الشبيحة الذين هم في الأساس لصوص ومهربون. وستترافق هذه المداهمات بعمليات اغتصاب ممنهجة للنساء في أوساط السنّة، بقصد الإذلال وإيصالهم إلى حال من الإحباط واليأس. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الممارسات حدثت منذ بداية الثورة، ولكن الفرق أنها الآن ليست معممة ولا ممنهجة، فهي تحدث في ظل المعركة، أما مستقبلاً فستحدث، فالنظام وأعوانه مطمئنون بأن لا خوف عليهم ولا حساب في محاكم دولية، طالما أن المجتمع الدولي أعاد شرعية النظام كاملة إليه.

الحقيقة التي يجب الصدع بها أن أكثر من سيتأثر سلباً من فشل الثورة هم دول الخليج وتركيا ولبنان، إذ سيترسخ حينها الحلف العقدي المذهبي الرباعي، بقيادة إيران وعضوية العراق وسورية ولبنان الذي يعرف بالهلال الشيعي. ومن هنا يمكن القول: إن إرهاصات سلبيات إجهاض الثورة بدأت تلوح من خلال خروج بعض الغوغاء الطائفيين في مظاهرات في بعض دول الخليج وتركيا، وتحرك الحوثيين في اليمن، وانتشار حزب الله العسكري في لبنان، وإبادة أهل السنّة في الرمادي.

في حال فشل الثورة سيبقى اللاجئون في الخارج، إذ يقدر عددهم الآن بنحو ثلاثة ملايين لاجئ. وسيزداد هذا الرقم، آخذين في الاعتبار أن معظم الناس لن تصمد أمام وحشية النظام بعد أن تستتب له الأمور، وسيفرون أيضاً إلى الخارج مع عائلاتهم، خوفاً من أن يبطش بها النظام. وسيلجأ النظام إلى الانتقام، ليس من المعارضين الذين لم يحملوا سلاحاً فحسب، بل سيلتفت إلى من كان صامتاً على الحياد، وإلى الأطراف التي اضطر إلى تقديم التنازلات لها، والانتقام منها بما يتناسب وطبيعته الكارهة لهذه التنازلات ومفهومه عنها بصفتها إرغاماً وإذلالاً له، مثل الأكراد وشيوخ العشائر الذين اضطر النظام إلى أن يُرشي بعضهم، في مقابل تعهدهم له بالتأثير في عشائرهم ومنعها من المشاركة في الثورة. وبعض التجار الدمشقيين والحلبيين الذين غض النظام الطرف عن تجاوزاتهم الاقتصادية المخالفة خلال الثورة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عيشوا كالحيوانات وإلا نذبحكم كالحيوانات!

فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1/3/2014

كان هناك شخص يعيش مع أولاده التسعة وزوجته وحماته وأمه في بيت مُؤجر مؤلف من غرفة واحدة، وحمام داخلي مساحته متر بمتر، ومطبخه عبارة عن طاولة صغيرة. وكان دائماً يتذمر من عيشته التعيسة، وصغر حجم المنزل، فجاءه صاحب البيت ذات يوم، وطلب منه أن يربي له دجاجتين وديكاً في نفس المنزل الصغير مع العائلة، فثارت ثائرة المسكين، لكنه اضطر للرضوخ لطلب صاحب المنزل كي لا يطرده.

وراحت العائلة تعاني من إزعاج الديك ووسخ الدجاجتين. وكي يزيد الطين بلة عاد صاحب البيت بعد فترة، وطلب من المستأجر أن يربي له عنزة في الغرفة ذاتها، فصارت الدجاجتان تلوثان الفراش بالأوساخ، وأصبح الديك يقاتل العنزة، بينما تثغو الأخيرة ليل نهار.

ومما زاد في الطنبور نغماً أن صاحب البيت أمر المستأجر المسكين لاحقاً بأن يربي له عجلاً، فزادت محنته معاناة وألماً.

لكن صاحب المنزل المتغطرس حن على المستأجر بعد طول معاناة وانتظار، فخلصه من الديك والدجاجتين والعنزة والعجل. فطار المستأجر من الفرح، وراح يحدث أصدقاءه عن بيته الفسيح المريح قائلاً: ‘من يوم ما راحوا هالحيوانات الملاعين، وإحنا عايشين مبسوطين مبحبحين’، مع العلم أن البيت بقي على حاله طبعاً.

وهكذا حكاية الحكومات العربية مع شعوبها، فما أن تتذمر الشعوب من وضعها المأساوي حتى تقدم الحكومات على إجراءات أكثر مأساوية وبطشاً وتنكيلاً، فيلهج لسان الشعوب فوراً بالبيت الشهير: ‘رُب يوم بكيت فيه، فلما صرت في غيره بكيت عليه’.

بالأمس القريب ثارت الشعوب للتخلص من الظلم والطغيان وتحقيق الديمقراطية، أو على الأقل من أجل قليل من الأوكسجين، فتكالب عليها القاصي والداني، وجعلها تكفر بالساعة التي ثارت فيها، بعد أن راحوا يحرمونها من أبسط متطلبات ‘مثلث ماسلو’، كالأمن والماء والخبز والوقود والكهرباء!

فمن المعروف أن الإنسان يمكن أن يتخلى عن الكثير من الأمور مقابل أمنه الشخصي، لهذا راحوا ينشرون الفوضى والجرائم في بلدان الثورات كي تتحسر الشعوب على أيام الطغيان الخوالي، وتعود إلى حظيرة الطاعة.

لقد أصبح الآن الحصول على أساسيات الحياة الشغل الشاغل للسواد الأعظم من الشعوب التي ثارت، فالأغلبية منشغلة بالبحث عن الأمن وربطة خبز مجبولة بالرمل والقش، وليتر زيت مغشوش من النوعية العاشرة، وكيلو طماطم نصفه عفن، ورطل أرز مخلوط بالحصى. كم تنطبق كلمات بيرم التونسي على يومنا هذا وهو يشتكي من رداءة السلع وارتفاع ثمنها:

الأكل والشرْبْ في أيدْ اللومَنجِيٌه

والطماعين اللي غلوا الملح والمَيٌهْ

والغشاشين اللي فاقوا ع الحرامية

الشاي بالمفتشر مخلوط ملوخية

والبن فيه الشعير تسعين في الميه

والعيش برملة وطينة يا مناخليه

واللحم معروض بدون أختام رسمية

والميه هيه اللبن ولا اللبن هيه

أفاعي متَسيبَةْ من غير رفاعية

ودنيا مترتبة ترتيب فلاتيه’.

لكن حتى هذه السلع الرديئة أصبحت صعبة المنال في بعض البلدان الثائرة، خاصة وأن ثمن ربطة الخبز ارتفع بشكل مذهل، مما جعل الناس يقولون: لم نعد نريد لا حرية ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسان ولا بطيخ. نريد فقط أن نأكل ونشرب. لا بل نحلم بالعودة إلى تلك الأيام الجميلة التي عشناها في الماضي، مع العلم أنه كانت أيام ازفتب. لكن ما الذي أجبرك على المر سوى الأمر منه؟ لقد غدت لقمة العيش االيابسةب والشعور بالأمن أهم من أي شيء آخر.

بدأ ملايين العرب يعودون عملياً إلى الدرك الأسفل من امثلث ماسلوب الشهير، الذي يقسّم حاجات الإنسان إلى خمسة مستويات، هي الحاجات العضوية كالماء والغذاء والمأوى والتدفئة وغيرها من الاحتياجات الجسدية، ثم السلامة والأمان، الحب والانتماء، الاحترام والتقدير، وفي النهاية تأتي قمة الهرم، وهي تحقيق الذات، وهي أن تشعر بأنك قد حققت غاية أهدافك في الحياة، وأنك قد وصلت إلى قمة ما كنت تتمناه لنفسك.

ولا يمكن لأي مستوى أن يتحقق إلا إذا تحقق ما قبله، فعندما يحقق الناس احتياجاتهم الأساسية يسعون إلى تحقيق احتياجات ذات مستويات أعلى. فإذا كان الإنسان جائعاً، أو عطشاناً، أو أن جسده مختل كيميائياً، فإن كل طاقاته تتجه نحو إصلاح العلة، وبالتالي تظل باقي الاحتياجات الأخرى معطلة لصالح المعتل منها.

وتــُصنف الاحتياجات الدنيا تحت مسمى ااحتياجات العوَّز، بينما يُصنف المستوى الأعلى تحت ااحتياجات النموب. بعبارة أخرى، فإن الحاجات الأعلى في هذا الهرم تدخل حيز اهتمام الإنسان فقط عندما يحقق الحاجات الأدنى منها تحقيقاً مُرْضياً، وبينما تسبب قوى النمو تحركاً باتجاه الأعلى في الهرم، تسبب القوى الانكفائية تحركا للحاجات الغلاّبة نحو الأسفل.

ولو طبقنا ‘تقسيمات ماسلو’ على الإنسان العربي في بلدان الربيع العربي الآن لوجدنا أنه عاد عملياً ليراوح في الدرك الأسفل من المثلث بعد أن غدا همه الأول والأخير إشباع الحاجات الأساسية من مأكل و مشرب وملبس ومأمن. ولتذهب الحرية والكرامة والديمقراطية إلى الجحيم!

كيف نتوقع من الشعوب العربية المعدمة أن ترتقي بأنفسها وبأوطانها إذا كانت، حسب التقارير الدولية، قبل الثورات تنفق أكثر من تسعين في المائة من دخلها على حاجاتها العضوية فقط، أي الغذاء، بينما تنفق الشعوب المتقدمة عشرة في المائة فقط على الطعام، ويبقى لها حوالي تسعين في المائة من رواتبها لتطور نفسها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. بعبارة أخرى فإن ملايين العرب غدوا مجرد عبيد لبطونهم ولطواغيتهم، هذا إذا استطاعوا أصلاً أن يملأوا بطونهم وسط الانهيارات الاقتصادية المخيفة، والغلاء الرهيب وانحسار الموارد والفوضى الرهيبة المتعمدة التي نشرتها السلطات لإخضاع الشعوب المطالبة بحريتها وكرامتها.

لقد قال السيد المسيح: ‘ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان’. وكان يقصد أن الإنسان ليس جسداً فقط، بل هو روح ونفس أيضاً. وهكذا يحتاج الإنسان، لكي يستمتع بحياته، إلى التوازن بين الاهتمامات الجسدية والاهتمامات الروحية.

فلا ينشغل بحاجات الجسد من مأكل ومشرب وملبس وإشباع الغرائز فقط على حساب النفس والروح.

لكن ماذا تفعل الشعوب العربية، التي تريد أن تحيا بالخبز وحده، لكنها لا تجده الآن بعد أن جعله المتكالبون عليه في الداخل والخارج حلماً بعيد المنال؟ ‘تريدين الخبز أيتها الشعوب’:

يصيح طواغيتها وكفلاؤهم في الخارج: ‘حسناً، سنعطيك الخبز والماء، وأحياناً الكهرباء، لكن بشرط أن تعودي إلى زريبة الطاعة. وإذا ركبت رأسك، فسنقطعه’. هذا ما يحدث الآن حرفياً في بعض بلدان الربيع العربي، وخاصة سوريا. فإما أن ينجح مخطط التركيع والتجويع والذبح، أو أن الشعوب تفهم اللعبة الحقيرة، وتردد مع بنجامين فرانكلين: ‘من يُضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق لا الأمن ولا الحرية’.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا أقيل اللواء سليم إدريس من هيئة الأركان؟

الطاهر إبراهيم

القدس العربي

السبت 1/3/2014

بعد انشقاق العقيد رياض الأسعد في يوليو/تموز 2011، تبعه كثير من الضباط والمجندين. قليل من الضباط حاول أن يبدأ من الصفر وينخرط بفصائل قتالية، إلا أن شبابا مدنيين إسلاميين قاموا بتشكيل كتائب قتالية. ما كانوا يملكون إلا بواريد كلاشنكوف هاجموا بها حواجز أقامتها كتائب بشار لقهر المتظاهرين السلميين. كانت المغارة (قرية كاتب هذه المقالة) في جبل الزاوية، أول قرية يتم تحريرها أوائل عام 2012، ثم تتابع تحرير البلدات والقرى في حلب وإدلب.

أدركت واشنطن خطورة هذه التشكيلات، فسعت إلى احتوائها، أوفدت ضباطا من الـ (CIA) قبل عام من الآن إلى عمّان حيث تجمع 60 من قادة الفصائل المقاتلة في الأردن، وحضر اللقاء ضباط عرب وأوروبيين. أعقب ذلك اجتماع ضباط منشقين في أنيطاليا، كان أكثرهم لا ينتمي للفصائل المقاتلة. وقد تم اختيار العميد – لواء لاحقا – سليم إدريس رئيسا لأركان الجيش الحر بمعزل عن العقداء في قيادة الجيش الحر برئاسة رياض الأسعد الموجود في أنطاكيا، وبمعزل عن الائتلاف السوري حديث التشكيل. كما لم يشارك قادة الفصائل المقاتلة بهذا الاختيار. عقب هذا التشكيل تم وضع جبهة النصرة على قائمة الإرهاب. رغم دور واشنطن في اختيار سليم إدريس، الا ان هذا أعلن رفضه لوضع ‘النصرة’ على قائمة الإرهاب. ونفس الشيء فعله معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري. لا نقول إن واشنطن سكتت على مضض، فالخطيب كان قد استقال، وبقي الائتلاف أشهرا من دون أن ينتخب رئيسا بديلا. أما سليم إدريس فقد بقي في منصبه لا يملك من الأمر شيئا. حين سئل عن السلاح المعروض عليهم، قال: لم يعرض علينا أحد أي سلاح. كان كلامه محسوبا عليه وذنوبه كانت تسجل عليه في ملف خاص.

واشنطن التي رعت المجلس الوطني منذ تشكيله في أكتوبر/ تشرين الاول عام 2011، سعت لقيام الائتلاف السوري ليكون الواجهة للمعارضة السورية. لا أحد يعرف سببا لتخليها عن المجلس الوطني، إلا ما كان يقال زورا وبهتانا، من أن الإسلاميين يسيطرون عليه. سعت واشنطن لتوسعة الائتلاف، فجرى ذلك في يونيو/حزيران 2013، وتم ضم 23 عضوا من المنبر الديمقراطي، فيهم ميشيل كيلو وأحمد الجربا ليكونا من يفاوض النظام في جنيف. لم يكن يهم واشنطن إن كان الائتلاف منبثقا عن المعارضة أم لا، بل كان المهم عندها أن تتم المفاوضات. كان معروفا للقاصي والداني أن هذه المفاوضات لن تتقدم خطوة واحدة، لأن نظام بشار لا يريدها ابتداء.

إنصافا للواء سليم إدريس، ورغم أنه تم اختياره برضا واشنطن، إلا أنه كمعظم المنشقين لم يكن مبرمجا من قبلها، وكان يرفض مفاوضات جنيف لأنها لا أفق لها. واشنطن من جهتها تركت سليم إدريس معلقا، فلم تقدم له السلاح النوعي ليسقط به الطائرات التي تقذف البراميل من علو شاهق فتقتل وتدمر، وسعت لاحقا لتستبدل به آخر يسمع الكلام ولا يتكلم.

كما تجمع جماعة من الضباط المنشقين في أنيطاليا في تركيا لتشكيل هيئة الأركان واختيار سليم إدريس رئيسا لها، فقد تمّ ترتيب لقاء مع نفر من هذه الجماعة لإقالة اللواء إدريس واختير العميد عبد الإله البشير – رئيس المجلس العسكري في القنيطرة سابقا- رئيسا جديدا للأركان، لا لأن هذا أكثر كفاءة من ذاك، بل لكي يكون قائدا عسكريا فحسب يمشي مع رئيس الائتلاف أحمد الجربا بالتسوية إلى آخر المشوار. (استطرادا نقلت ‘القدس العربي’ عن ‘نيويورك تايمز أن العميد عبد الإله البشير لم يكن على علم بقرار تعيينه محل اللواء سليم إدريس وقال للصحيفة: اتصل بي صديق وقال مبروك، وعندما سألته هل هناك أخبار جيدة؟ طلب مني فتح التلفزيون، مضيفا، أقسم بالله، لم يتصل بي أحد، ولم أعرف أي شي).

كان معروفا للجميع أن الائتلاف لم يكن يتمتع بثقة الفصائل المقاتلة، خاصة الجبهة الإسلامية المشكلة قبل ثلاثة شهور، كأكبر قوة تقاتل النظام، وهي مكونة من عدة فصائل مقاتلة أبرزها: أحرار الشام وصقور الشام ولواء التوحيد ولواء الإسلام وفصائل أخرى، ولها أكثر من 70 من المقاتلين في سورية. وقد نأت بنفسها عن الائتلاف ابتداءً. وقد كانت على علاقة حسنة مع اللواء سليم إدريس، وصدت هجوما على مكاتبه بهيئة الأركان على الحدود مع تركيا. وعندما أراد أحمد الجربا الانقلاب على سليم إدريس لم يتجه للجبهة الإسلامية،لأنها ترفض مفاوضات جنيف ابتداء. وقد وجد الجربا ضالته عند جمال معروف قائد ألوية شهداء سورية، وقد شكل لاحقا جبهة ثوار سورية (تعداد مقاتليه بحدود 4000 مقاتل، أما تعداد مقاتلي الجبهة الإسلامية فأكثر من 70 ألف مقاتل).

يبقى أن نقول إن واشنطن كانت تريد ضابطا منشقا يخلف سليم إدريس. فلم يكن يهمها إن كان عبد الإله البشير أو غيره، بل لا يهمها إن كان يسيطر على ألوية كثيرة من الجيش الحر أو لا يسيطر على أحد. تماما كما كان الجربا لا يمثل إلا أقل من نصف أعضاء الائتلاف عندما ذهـــب إلى جنيف. كما أن الائتلاف نفسه لم يكن يمثل إلا أقلية في المعارضة السياسية، اضافة الى أن المعارضة لا تمثل إلا أقلية من الشعب السوري الثائر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إذا كان التفاهم حول أوكرانيا ممكناً فلمَ لا في سوريا؟

مصطفى كركوتي

الحياة

السبت 1/3/2014

«ربيع» أوكرانيا يجري مسرعاً نحو التسوية إذ لا مصلحة لأي من أطرافه المحلية والإقليمية، وكذلك للولايات المتحدة، بالسماح له بالتفاقم، رغم وجود إثنية روسية ضخمة في شرق البلاد. تقسيم أوكرانيا الذي يتحدث عنه أصحاب الخيال الواسع له أعباء اقتصادية ومالية هائلة على جميع المعنيين، وأولهم روسيا التي قالت قيادتها على لسان وزير خارجيتها لافروف إن أوكرانيا «يمكن أن تبقى ضمن الأسرة الأوروبية»... ولكن؟. هنا يبدأ العمل الجاد من أجل تحسين شروط التفاهم حول مستقبل أوكرانيا «الموحدة» بما يضمن مصالح كل الأطراف المعنية، مع أن التفاهم قد يتعثر بعض الشيء لأن الأمر ليس بسيطاً، سيما أن عنوان التفاوض يشمل المال والاقتصاد والعجز والتجارة والوقود، وليس النزعة القومية والرغبة في التوسع.

لمَ لا تكون الحالة الأوكرانية ممكنة في سورية، إذ إن تغيراً طفيفاً في بعض أحجار دومينو الصراع في سورية المحبوكة عقده بشبكة جهنمية من علاقات المصالح المتنوعة بين استراتيجي وتكتيكي، قد يضع حجر الأساس لمستقبل مزدهر مماثل لما هو متوقع لأوكرانيا.

حتى الآن تبدو خطة جون كيري الهادئة والمصنوعة ببراعة البنّاء المحترف في منطقة الشرق الأوسط مستقرة وواثقة. فتحسن علاقات إيران بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين يسير بشكل جيد وصلب نحو هدفه. وإذا ما تم التوصل بالفعل إلى هذا الهدف فذلك سيساهم في وضع نهاية تدريجية لآلة القتل المتوحشة في سورية المدعومة بقوة بميليشيا «حزب الله»، ويجفف موارد الحياة أمام نظام بشار الأسد. وبطبيعة الحال، إذا كان هذا هو المسار المتوقع فإنه سينعكس إيجاباً بإضعاف يد موسكو القابضة على دمشق. والآن يتبدى المشهد أكثر إثارة بعد انفتاح مصر الجنرال عبد الفتاح السيسي على روسيا برضا دول الخليج الرئيسة، وزيارته الأخيرة إلى روسيا ولقائه مع رئيسها بوتين.

قد يقول بعضهم إن هذا مجرد أحلام. ربما، ولكن قد يكون العكس تماماً، سيّما عندما نلاحظ الحوار الإيجابي والمستمر بين مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا، وإيران. لقد انقضى الآن بسلام ونجاح أكثر من نصف مدة اتفاق الغرب بشأن النووي مع طهران والكيماوي مع دمشق. فقد بدأ الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة، الإعراب عن تململه جراء تلكؤ موسكو بالتزامها. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أول المعبرين عن ذلك بانتقاده مؤخراً سياسة روسيا «المتلكئة» في الشرق الأوسط. واتهم أوباما الروس بعدم الالتزام بالوعود التي قطعوها بشأن «التعاون مع الولايات المتحدة» للمساعدة في وقف الحرب الدامية والمستمرة في سورية منذ ثلاث سنوات.

ويترقب كثيرون جولة أوباما في المنطقة المتوقعة في آذار (مارس) الجاري ويأملون بأن تقدم لشعوبها الأمل والرؤى الإيجابية لمشاكلها المتعددة والمتنوعة، ووضع أسس لحل الأزمة في سورية واستعادة الاستقرار المفقود إلى دول المنطقة الأخرى. ولا شك في أن أي تسوية ممكنة يجب أن تهدف إلى تحقيق هدفين في غاية الأهمية: الأول، وضع حد فوري لعملية القتل المجنون غير المسبوق كماً ونوعاً. والثاني، وضع الأسس المحورية للبدء بمرحلة انتقالية وتشكيل حكومة متوازنة قوية في دمشق تحظى بدعم إقليمي واسع وصلب. ولا بد أن تكون المناقشة المرتقبة بين أوباما والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، حجر الزاوية الضرورية لنجاح مثل هذه السياسة.

وتفيد المعلومات المتوافرة بأن التأسيس لمثل هذه السياسة كانت قد بدأته واشنطن بالفعل مع ضفة الخليج الأخرى. والملاحظ في الحقيقة أن وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، في خطاب له أمام مؤتمر ميونيخ الدولي قبل أسابيع قليلة، تناول هذا الموضوع ببعض التفصيل. فقد ذكر أن إيران والسعودية «يجب أن لا تخشيا بعضهما بعضاً لأنهما تتشاركان في المصالح بالمحافظة على بيئة (سياسية) آمنة». وأوضح أن أياً من البلدين «لن يستفيد من الانقسام الطائفي ولن يستفيد أيضاً من سياسات التطرف والمتطرفين».

لا شك في أن كلاماً جميلاً كهذا يجب أن تترجمه طهران إلى أفعال. فمن الغريب أن يخاطب ظريف جيران إيران بهذا الود، عندما تقوم حكومة بلاده في الوقت نفسه بتسليح ودعم مقاتلي «حزب الله» وتدريب ميليشيا تابعة لحكومة المالكي العراقية وتوفد عناصرها للقتال في سورية إلى جانب نظام لا مستقبل له. لكن رغم ذلك، فجوهر خطاب ظريف دقيق وصحيح، إذا حسنت النيات، إذ لا مجال آخر للتسوية وإنهاء الحرب الوحشية في سورية إلا من خلال جهد إقليمي مستقبلي يكون عنوانه: التعاون والتنسيق. ومن المحتمل أن تفتح زيارة أوباما إلى المنطقة ومحادثاته مع العاهل السعودي الباب واسعاً لعملية من هذا النوع (هناك حديث في أوساط ديبلوماسية إقليمية وغربية يرجح عقد لقاء بين أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني في دولة الإمارات أو سلطنة عمان، لدعم هذا التوجه والتأسيس لشرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً لجميع شعوبه). وإذا كان لهذه التطورات أن تحدث فإنها يجب أن تعالج أولاً موضوع إخراج جميع العناصر الأجنبية المسلحة، بما في ذلك مقاتلو «حزب الله»، من سورية.

فترك سورية وحدها من دون رعاية إقليمية أمينة قد يؤدي إلى تمزيق أواصر البلد إلى مناطق عدة تلقي بثقلها الديموغرافي والإثني على دول الجوار، إذ إن بذور هذا المشهد بدأت بالتمكن في هذه المناطق، ما يشكل تهديداً مباشراً لدول الإقليم ومن هم أبعد من دول الإقليم. وقد أعرب عن هذا التصور المتشائم والمرعب التقرير السنوي الصادر عن وكالة المخابرات الوطنية الأميركية الذي قدمه مدير الوكالة جيمس كلابر إلى لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي. ولخص التقرير الحالة بوجود «كارثة إنسانية حقيقية بأبعاد بالغة الخطورة لن تنحصر بدول الجوار فحسب، بل ستصل إلى أوروبا وتلحق الضرر بالمصالح الأميركية».

كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : في عصر أحادية القطبية الروسية ، أوباما يحذر بوتين من عزلة دولية !!!

03.03.2014

زهير سالم

" نحن نتصرف كدولة ضعيفة منزوية " هكذا أطلقها صريحة ومباشرة جون كيري وزير خارجية القطب الدولي المتنحي عن قمة القطبية الدولية . يعترف الكبير العائد من حروبه أو من مغامراته العاثرة والخاسرة والمدمرة من كل من العراق ومن أفغانستان وهو يجر خطواته المتثاقلة المتعثرة بالخسارة أو على الأقل بالغياب عن الدور العالمي المنتظر ..

كان الموقف مما يجري في سورية هو المثل الأقرب على لسان وزير الخارجية الأمريكي ، فلقد كانت سورية بالفعل هي الامتحان الأقسى للقدرة أو الإرادة الأمريكية . وبينما استطاع الأمريكيون أن يراوغوا كثيرا وطويلا على أن موقفهم في سورية هو قضية إرادة ؛ إلا أن تراخي الزمان وتراخي السياسات أكدا لكثير من المتابعين أن القضية هو قضية قدرة ليس إلّا .

ثلاث سنوات مرت على ( فحص الجهد ) الأمريكي في سورية ، ظل صناع القرار الأمريكي فيها يصورون عجزهم وضعفهم وانحلال قواهم وفتور عزائمهم على أنه استراتيجية قوي يعرف كيف يتحكم بنفسه وبقراراته ويسيطر على عواطفه ويضبط سياسته . وقد تفنن هؤلاء الساسة المنحلة عزائمهم في تسويغ وتبرير عجزهم الذي قدموه على أنه استراتيجية ، سوغوا ذلك تارة بشخصية الرئيس الإنسان الحائز على جائزة نوبل للسلام والذي لا يريد أن يخدش عذرية هذه الجائزة بتصرف سياسي خشن ،  ولو كانت هذه الخشونة في الأخذ على يد جزار يقتل الأطفال بغاز السارين وبالبراميل المتفجرة  كما بالحصار والجوع والبرد ..

وطورا ستر هؤلاء الساسة عورة ضعفهم وانزياحهم عن صهوة القرار الدولي بالتذرع بأنهم في دولة ديمقراطية ، وأن عليهم أن يحترموا قرارات مؤسساتهم واهتمامات شعبهم وتناسوا أنهم قد ذهبوا إلى العراق يوم كانت المظاهرات المليونية تحت نداء ( أوقفوا الحرب ) تجتاح عواصم العالم كما تجتاح ولاياتهم كافة ..

وفي لعبة هي الأبعد إغراقا في الشر عكس هؤلاء المنحلة قواهم ضعفهم اتهاما وتشكيكا يوجهونهما إلى هذه الثورة الوضيئة الجميلة وفي ثوارها ، منذ أول يوم لانطلاقها ، رغم كل ما قدمت وقدموا من مُثُل وبطولات إنسانية متسامية .ثمانية أشهر والسوريون يتلقون الرصاص الروسي الحي بالصدور العارية ، وما يسمى العالم الحر يجري امتحانات المصداقية لهؤلاء الثوار، امتحان المصداقية في وطنيتهم وفي تمسكهم بقيم الديموقراطية ، أو بالتزامهم بمواثيق حقوق الإنسان ، وبحفظهم لبنود اتفاقاتها . بينما كان العالم يضج طبلا وزمرا إذا ما عثر أحد قادة العالم الكبار الكبار هؤلاء على برغوث في حاشية ثوب ثائر ، أو على قملة في جديلة من جدائل شعره الذي حال العالم المتحضر بينه وبين الماء والصابون .

يستحيي الأمريكيون أن يعترفوا أنهم منذ أخلوا إلى البيت الأبيض رئيس رخو ارتخت كل مفاصل الدول ومؤسساتها عندهم . فبينما غطى الدوما الروسي بوتين الصاعد إلى سقف العالم وصهوة قراره في غضون ساعات ، فإن فرائص السناترة الأمريكيين كانت أكثر ارتعادا من رئيسهم حين استهتر بهم بشار الأسد وداس خطهم الأحمر جهارا نهارا كما نقول . 

ولقد عرف الروس والإيرانيون والمجرمون الأسديون هذا من حقيقة الموقف الأمريكي فتفننوا في السخرية والعبث من كل وعد أو وعيد ممن لا يزال يريد أن يوهم أنه ما يزال سيد العالم بدون أن يمتلك أي مفصل من مفاصل السيادة التي لخصها الشاعر العربي بقوله :( الجود يفقر والإقدام قتال ) .

 لن نتحدث هنا عن إعلانات وتصريحات وتحذيرات أصبحت مادة للسخرية عن انتهاء صلاحية بشار الأسد ، وعن ارتكابه لجرائم الحرب، ولا عن خط أوباما الأحمر ...؛  بل دعونا نتأمل بجد كيف يعبث بشار الأسد برأس الرأس الأمريكي في موضوع تسليم ( ترسانة السلاح الكيماوي ) الموضوع الذي اعتبره صاحب جائزة نوبل ، واللجنة التي تلقت الجائزة معه نصرهما العتيد ..

ولم يكن الامتحان في سورية هو امتحان السيادة الأمريكي الوحيد . بل جاءت الصفقة ( الأمريكية – الإيرانية ) صورة لا تقل وضوحا وانكشافا وخزيا عن الانكسار الأمريكي المتوشح بالحكمة والدبلوماسية والحرص على السلام . لقد أحدث إعلان الانكسار الأمريكي الصارخ ، واستسلام الأمريكيين للإرادة الإيرانية زلزالا جيوسيا في منطقة طالما أسست دول فيها لأمنها القومي على أساس حلفها العتيد مع دولة ظلت تعتقد أنها الأقوى عالميا .وفجأة وبدون سابق إنذار تتبدى هذه الدولة التي ظنها الكثيرون أنها ( العظمى ) في صورة ذلك الوثن الذي كان الجاهلي يعبده ويقدسه ليجد فجأة أن ثعلبا من الثعالب قد علاه وبال على رأسه فقال :

أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ضل من بالت عليه الثعالب

وبالفعل تجسدت صورة الأمريكي ( كيري ) أو ( أوباما ) وهو يصارع بطريقة تثير السخرية والاستصغار : كلا من لافروف أو صالحي ومن بعده ظريف وحتى وليد المعلم الذي قرّع لافروف بطريقة مخزية على رؤوس الأشهاد وهو ينادي عليه على منصة مؤتمر جنيف ( سيد كيري ) ؛ في الصورة الشعرية البسيطة لذلك الوثن الذي تعود العرب أن يدهنوه بالطيب وفجأة يعلو ثعلب رأسه ويبول عليه واتركوا لخيالكم الشعري العناني ..

اليوم وأوباما يحذر بوتين من عزلة سياسية دولية يتوجب على الأوكرانيين أن يكونوا أكثر وعيا وحصافة . فللعالم اليوم سيد جديد اسمه بوتين ويبدو أنه لا يقل حماقة ولا قسوة  عن بوش الابن الذي دفع بلاده إلى هذه الضعة وهذا الهوان ...

ومع أننا لم نكن يوما من المراهنين على نصرة أمريكية ، ولا متعلقين بها، ولا منتظرين لها . وكنا دائما من الذين ينادون : ما لنا غيرك يا الله . وطالما طالبنا وأكدنا المطالبة مرة بعد مرة أن تعتمد ثورتنا على نفسها ، وأن يتفرغوا لتحمل مسئولية نذروا أنفسهم لها بحقها ، ويبدو اليوم أن الموقف الأمريكي يباشر اليوم بنفسه إسقاط كل المراهنات وقطع الطريق على كل المراهنين . ستعزلون أنفسكم هذا هو التهديد الأهم الذي يملكه أوباما فماذا يعني هذا ربما سيحاصرهم بحرمانهم من الكولا أو من الماكدونالز ..

فهل فيهم أقصد فينا رجل رشيد ؟!

لندن : 1 / جمادى الأولى / 1435

2 / 3 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أخطر أعداء الثورة السورية.. السلبية والحياد

د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 2/3/2014

"عندما يقول لك أحدهم: لا، فهذا لا يعني أنك لا تستطيع إنجاز مشروعك، وإنما يعني أنك ستنجزهُ من دونه".

تَصدقُ هذه المقولة للروائية الأمريكية كارين ميلر على ملابسات الثورة السورية وطريقة تعامل بعض السوريين معها إلى حدٍ كبير.

بكل مقاييس الحضارة والإنسانية، أثبتَ النظام السوري للعالم بأسره أنه (قزم). لكن هذه الحقيقة لن تصل بالثورة السورية إلى النصر إلا عندما يُخرج الشعب السوري كمونهُ الحضاري الحقيقي الذي يُظهر كم هو (عملاق).

لهذا تحديداً، تحتاج سوريا اليوم إلى كل أبنائها، بعيداً عن أي معنى من معاني (السلبية) أو (الحياد) التي يمكن أن تتلبس بعض السوريين، فتكون أخطرَ على ثورتهم من كل عنصر قوة يملكهُ النظام.

تتعدد أسباب السلبية والحياد، لكن النتيجة تظل دائماً واحدة.. خسارة الثورة لطاقات كان يمكن أن تُرشدها، وخسارةُ الطاقاتِ لثورةٍ قد تكونُ فرصةَ حياتِها لتُعبر من خلالها عن أشواقها وتطلعاتها، إبداعاً وابتكاراً، بمختلف الطرق وعلى جميع المستويات.

وأياً كانت خلفيتك وطريقة تفكيرك، ثمة ألف سبب وسبب تُعطيك أيها السلبي وأيها المحايد مشروعيةً لمُمَارستك.

خيبةُ الأمل ممن تصدر لتمثيل الثورة في المجال السياسي.

التنازعُ والشقاق والاقتتال بين الفصائل العسكرية.

النفاقُ في إنصاف الثورة على المستوى الدولي بداعي العجز والفيتو الروسي والمحاذير القانونية والدبلوماسية، ومئات التبريرات الكاذبة الأخرى.

(أسلمةُ) الثورة.

اختطاف الجهاديين والقاعدة للثورة.

الخوف من القادم المجهول.

ما أسهل أن يجد السوري اليوم سبباً للاستقالة من ثورة بلاده!

ليس المقامُ هنا مقامَ مناقشة صواب هذه الأسباب أو خطئها، وإنما التساؤل عما يمكن أن تفعله بخصوصها. أنت. أنت السوري الذي لا يستطيع أن يَخلعَ جِلدَهُ أو يأخذ إجازةً من انتمائه للوطن.

أين ذلك الشاب المثقف النبيه الذي صار نواة أديبٍ وفيلسوفٍ قادم؟ أين سوريا وثورتها من عطائه وإبداعه وكتاباته المتألقة؟

أين تلك الشابة المتخصصة في حقل الإعلام والعلاقات العامة، والتي بلغت مراتب عليا في أكبر الشركات بذكائها وتميزها الباهر؟

أين ذلك المثقف الكبير الذي كان إلى حين شاهداً على قدرة المثقف على أداء دوره الحقيقي؟

أين؟ وأين؟ وأين؟ أمثلةٌ تعرفُها بالأسماء والوجوه، وتفتقدُ حضورها في أجواء الثورة؟

ثمة شبهةٌ (خبيثةٌ) هنا تحتاج إلى توضيح. فالبعضُ يلجأ إلى مقولة أن ما يفعلهُ ويُقدمه، في حقل الفكر والأدب والثقافة والإعلام مثلاً، وبعيداً عن أوساط الثورة، يصب في خدمة الصالح العام. وأن الثورة السورية هي جزءٌ من صيرورةٍ حضاريةٍ كبرى تشمل المنطقة كلها، وربما العالم بأسره. من هنا، فإن عطاءهم يصبﱡ في النهاية في خدمة الثورة بشكلٍ غير مباشر.

قد تكون هذه أكبرَ كلمة حقٍ يُراد بها باطل، دون قصدٍ من غالبية أصحابها بكل تأكيد.

ويصدقُ هذا بالذات على المتميزين والفاعلين وذوي المواهب والإمكانات المتقدمة منهم. لماذا؟ ببساطة، لأنه لا يوجد أي تضاربٍ بين العمل الفعلي في المسارين. إذ لا يعدمُ هؤلاء تحديداً إيجاد الوقت والطريقة ليصب عطاؤهم في المسارين. كل ما يحتاجهُ الأمر شيءٌ من الإبداع والابتكار في العمل والإخراج.

بل ربما كان الأمر على العكس من تلك النظرة. ربما كان العملُ المحترفُ المدروسُ للثورة السورية، وصولاً لنصرها وإقامة دولتها الجديدة، هو المدخلَ إلى التأثير الفعال في (الصورة الكبرى) التي يعمل البعضُ لها.

نُدرك أن كثيراً من الناس ليسوا قادرين على إبداع مسارات ومؤسسات تستوعب عملهم وعطاءهم، وتضعه في إطارٍ أوسع بحيث يكون فعالاً ومؤثراً بشكلٍ حقيقي.

هنا يأتي الدور الحساس لمجتمع المال والأعمال، بحيث يبادر إلى التنسيق مع القادرين على التفكير والتخطيط الاستراتيجي لإبداع مثل تلك الأطر والمؤسسات.

لكن هذا لا يُعفي الجميع من مسؤوليتهم في بذل المُستطاع. وإذ يجمعُ الإنسان بين التجرد والإخلاص، والبحث والسؤال، والتفكير والحركة، يفتح الله له أبواباً لم يكن يراها، ويُيسر مداخل للعمل لم يحلم بوجودها ابتداءً.

عَجزَ الرسول الكريم عن توفير ما يحملُ بعض أصحابه إلى أرض الجهاد، فلم يملك هؤلاء إلا أن يقدموا (دمعةً) يذرفونها على حالهم. لكن القرآن الكريم قدم درساً بليغاً في المسألة، حين حَرصَ على تخليد هذا العطاء بأجمل وصفٍ ممكن إلى يوم الدين.

هذه هي الوسطية التي تتمحور حول الأخذ بعالم الأسباب وبقوانين الاجتماع البشري في هذه الحياة.

ليس في الأمر (غرقٌ في أوهام الغيبيات) يُشرعهُ بعض المثقفين سيفاً للسخرية والاستهزاء من مثل هذه المعاني. وإنما هي وسطيةٌ تغرق في العمل والتخطيط، وهي تؤمن أن هذا لا يضيع في دنيا ولا في آخرة.

يجدر الانتباه هنا إلى أن الحياد والسلبية درجات. فالأمر ليس قاصراً على الذين سلموا أمر الثورة وسوريا لله والتاريخ، واستقالوا من العمل لهما بأي طريقة.

فربما يدخل في هذا التوصيف، بشكلٍ أو بآخر، من قرر الابتعاد عن الاهتمام بالتيار العام للثورة، وانبرى ينشغل ببرنامجٍ خاصٍ لجماعته وحزبه على سبيل (التحضير للمستقبل).. ولسانُ حال هؤلاء يقول: "اذهبوا أنتم وقاتلوا النظام وتقاتلوا حتى يفرجها الله بطريقةٍ ما، وعندها أكون جاهزاً أنا وحزبي وجماعتي لاستلام البلد وبناء ماخربتموه"!.

ثمة أقدارٌ من التعالي واللامسؤولية في هذا التصرف ربما تكون أسوأ بتأثيرها من السلبية المُطلقة والحياد الكامل.

فهذا الفعلُ يوحي بأن لدى هؤلاء ما يقدمونه، ولو على سبيل الفكر والمقترح، لكنهم يزهدون به على سوريا وثورتها، ويحتفظون به لما يعتقدون أنه مستقبلُها، غافلين عن استحالة وصولنا جميعاً لذلك المستقبل ما لم تصب في الثورة كل الطاقات.

واليوم، قد يمضي السوريون من أهل الثورة مؤمنين بمقولة الروائية أعلاه حول إنجاز (المشروع) دون السلبيين والمحايدين إذا كان هذا خيارهم. إلا أنهم لا يملكون إلا السير في دربهم بعلامة استفهامٍ كبرى في عقولهم، وغصةٍ لا تُغادرُ قلوبهم، عن ذلك الخيار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استئناف الخرافة يحاصر الثورات العربية

حسام عيتاني

الحياة

الاحد 2/3/2014

من يضع الفتاوى التي يصدرها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش»، وتبني الجيش المصري اختراع آلة كشف مرض الإيدز وعلاجه، في إطار النتائج التي أسفرت عنها الثورات العربية، سيخلص إلى الاعتقاد بأن وضع بلادنا زاد سوءاً على سوء.

فتاوى «داعش» وأحكامها الرامية أساساً إلى فرض هيمنتها على المجتمع وآخرها ما سمّته عقد الذمية مع مسيحيي الرقة، وإعلان الجيش المصري أن الجهاز الذي كشف النقاب عنه في مؤتمر صحافي حضره رئيس الدولة الموقت، قادر على تحقيق ما عجز الطب الحديث منذ عقود عن تحقيقه في القضاء على مَرَضَيْ الإيدز والتهاب الكبد الوبائي- سي، يصدران عن أصل واحد ما زال يشكل عنوان تعامل السلطات، كل السلطات، مع المجتمع أو الشعب، وخلاصته قدرة السلطة على استغباء المواطنين العاديين الذين يتعين عليهم تصديق كل ما يصدر عن السلطة لمجرد أنها كذلك.

لا قيمة حقيقية لفتوى عقد الذمة الداعشي من وجهة النظر الفقهية، لمخالفتها ليس فقط الشروط الموضوعية لتلك العقود في أيام الإسلام الأولى، بل لوقوفها ضد كل ما تبنته المدارس الفقهية الإسلامية الكبرى من اعتراف بتبدل الأحكام بتبدل الأحوال. ولا معنى لجدال في صحة وسلامة الاختراع الطبي الذي أعلن عنه أحد الضباط المصريين. فأصغر طبيب في أبعد قرية يعرف كيف يجري اعتماد الأدوات الطبية الجديدة والطرق الطويلة من التجارب والاختبارات التي ينبغي أن تمر بها.

المهم أننا نعيش ما يشبه العودة المظفرة للأسطورة والخرافة إلى صدارة المشهد العام في العالم العربي. أسطورة «العدل» الإسلامي المطبق عنوة على الأقليات بعد مئات الأعوام من تسوية تاريخية أتاحت تعايش هذه المجموعات أو تساكنها، على الأقل، وخرافة المعجزات العلمية التي تناقض مسارات اتفق العلم الحديث عليها.

العودة الخطيرة هذه تقودنا إلى التساؤل عن الدور الذي كان يفترض بالتفكير السياسي أن يؤديه في رفع سوية مجتمعاتنا منذ انطلاق الثورات العربية. والحال أن الدور هذا لم يحرز انتصارات تذكر. فقد زج القسم الأكبر من الكتّاب والباحثين العرب أنفسهم في نوعين من الأعمال: الأول هو العرض الوصفي لموبقات الأنظمة العربية وآثامها مع مقاربة للأبعاد الاجتماعية والطبقية والاقتصادية للسياسات التي اتبعتها وقادت إلى الانتفاضات والثورات. والثاني هو تفنيد ذرائع أنصار الأنظمة المتهالكة الرافضة حتى اليوم للإقرار بانتهاء دورها.

بكلمات ثانية، لا يتسم بقيمة معرفية جدية أي سجال مع أصحاب مقولات الممانعة أو الحاكم القوي العادل. ذلك أن ما يريده هؤلاء، ومن دون تورية، هو تجميد عقارب الساعة في مكانها إذا عجزوا عن إعادتها إلى وراء. الحفاظ على حكم الأقليات العسكرية والطائفية ومنع تغيير آليات توزيع الثروات، وكسر الهيمنة السياسية والثقافية على المجتمع. كل فذلكات من نوع أولوية الاستقرار واستعادة النمو وصولاً إلى مسخرة «الديالكتيك المشرقي»، ليست غير عبارات فارغة من كل معنى، يكفي لدحضها مقال يومي أو حتى تعليق على موقع للتواصل الاجتماعي.

أما الجهد الذي انصب على تحليل مكونات الأنظمة السابقة وكشف علاقاتها الداخلية وطرق عملها، فهو حكماً أكثر أهمية وضرورة. فالدروب التي سلكتها أنظمة حكم استطاعت الإمساك بخناق الشعوب العربية لعشرات السنين، جديرة بالقراءة المتأنية بهدف استخلاص الدروس والتأمل في الخلفيات الواقعية لمجتمعات هذه المنطقة. لكن تجـاوز هذه المهمة واعتبارها مقدمة لما ينبغي النظر فيه ودرسه جزء مؤسس لما يفترض أن يحتل مركز الأهمية في المستقبل.

عليه، قد يكون من الأجدى أخذ الأعمال التي خصصت لدرس أنظمة الحكم العربية في العقود الماضية بوجوهها كافة، السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والانطلاق منها لرسم خريطة طريق لمستقبل عربي أقل قمعاً وأكثر حرية وانفتاحاً واندماجاً بالعالم المعاصر. الشرط الشارط لذلك هو الإقرار بأن حقبة طويلة طُوِيَت صفحتها إلى غير رجعة بكل مفاهيمها وقيمها الزائفة، وأن أقنعة السلطة القديمة سقطت ولن يمكن بحال ترميمها وبعث الروح فيها.

لا يعني ذلك أننا على عتبة عصر ذهبي للحريات والديموقراطية والتنوع في منطقتنا. بل إن المؤشرات المتوافرة اليوم تكاد أن تقول عكس ذلك. فالعصر الذي نوشك على دخوله يحمل من الأخطار والصعوبات ما يبرر حنين بعضهم إلى ماضٍ آمن ومستقر وإن كان فقيراً من النواحي الأخلاقية.

ولعل الصعوبات المقبلة تفوق ما عرفته الشعوب العربية على أيدي أنظمة الحقبة الماضية. فنحن هذه المرة أمام تراكمات العقود المفقودة من التنمية والتعليم وأمام مشكلات تضرب عميقاً في البنى الاجتماعية والثقافية وتشكل جزءاً من هويات أبناء هذه المنطقة، مثل علاقات الجماعات وحقوقها وهواجسها وعقدها. تُضاف إلى ذلك كله المصاعب المرتبطة بالعالم وأزماته الاقتصادية والبيئية والجيو-سياسية.

لكن المسألة التي لا مفر من الاعتراف بها هي أن طريق العودة إلى الماضي مقطوعة، وأن الخيارات أمام العرب ضئيلة وقاسية، ويمكن تلخيصها بضرورة تعويض وجوه النقص الخطيرة التي تعتور مجتمعاتهم وبتبني سياسة مسؤولة حيال الأجيال المقبلة، أو بالاستسلام لأشباه من يصدرون الفتاوى في «داعش» ويروّجون لاختراعات خرافية ضررها أكبر من فائدتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جمهور «حزب الله»... جمهور النظام

عمر قدور

الحياة

الاحد 2/3/2014

تكاد النظرة إلى جمهور «حزب الله» وجمهور النظام السوري تتطابق. التمايزات بينهما تضمحل مع تقدم الحرب في سورية، الخصوم يتعاطون معهما بمعايير متشابهة، وقيادة الجمهورَيْن «الواحدة تقريباً» توحي إليهما بأنهما جمهور واحد له الأعداء أنفسهم، وله المشتركات ذاتها التي تجعله يفترق جذرياً عن محيطه السكاني والاجتماعي.

على شاكلة كل حروب الوجود العظمى، يتجه طرفا الصراع إلى الاقتناع باستحالة العيش المشترك، ومن ثم لا بد من حسم الصراع الآن ونهائياً: على الأقل هذا الخيار مطروح بوضوح من قيادة «حزب الله» والنظام السوري بصفته خياراً وحيداً، أي لا شعارات يجري تسويقها عن العيش المشترك، على غرار ما يفعله الخصوم في سورية ولبنان.

من جهة الخصوم، لطالما أشيعت تلك الفرضيات عن جمهور مستلَب غير قادر على تقرير مصلحته، جمهور يقع ضحية قياداته التي تستخدمه في ما يشبه عملية انتحار جماعية في حرب غير متكافئة عددياً. قبوله بأن يكون ضحية ناجم عن عوامل تاريخية بعيدة أو قريبة كُتب فيها وعنها الكثير، إلا أن ما كُتب بقي خارج الجمهور المستهدف، ومن غير المتوقع أن يشفع له كثيراً أمام الجمهور المقابل في الحرب الحالية، ومن غير المتوقع أيضاً أن يساهم في نقاش وطني عام مفتَقد الآن وربما إلى وقت طويل.

في لبنان لا يندر الحديث عن استعادة الطائفة الشيعية من «حزب الله»، وفي سورية لا يندر الحديث عن تحرير العلويين من سطوة النظام. هاتان المقولتان تجرّدان جمهور الحزب وجمهور النظام من أهليتهما العقلية قياساً إلى الجمهور على الضفة الأخرى. أيضاً تتجاهل هاتان المقولتان شبكة المصالح الواسعة التي تربط كل جمهور بقيادته، وهي بطبيعة الحال تتفوق على التحليلات البعيدة المدى المقدمة لهما.

الدفع بالمصالح البعيدة المدى على حساب المصالح الآنية لن يكون مجدياً هنا، لأن من الصعب المجازفة بخسارة ما هو ملموس لحساب وعود غير أكيدة.

عموماً، سيكون من الخفة الظن بإمكانية إقناع جمهور الحزب وجمهور النظام بالكفّ عن موالاتهما الجذرية بالتحليلات السائدة عنهما. سيكون من المستبعد تماماً إقناع ذلك الجمهور بأنه مُغرر به، وبأنه يفتقر إلى إدراك مصالحه. مثل هذه النظرة المتعالية والتعليمية يصعب أن تجد آذاناً صاغية لدى أي جمهور. وسيكون من الخفة الظن بأن عدداً أكبر من الضحايا في الحرب الحالية قد يغير اصطفاف الجمهور وراء قيادته، أو قد يدفع القيادة إلى مراجعة حساباتها والنكوص عن الحرب مراعاة لجمهورها.

لذا، ليس منتظراً من التوابيت العائدة من معركة يبرود، ولا من الغارة الإسرائيلية الأخيرة على موقع لـ «حزب الله» على الحدود اللبنانية - السورية، أن تغيّر اصطفاف جمهور الحزب حول حربه في سورية. المراهنة على أن تورطاً أكبر للحزب سيؤدي إلى تململ مؤيديه لم يظهر ما يدعمها حتى الآن، وبإمكان قيادة الحزب المباهاة بأنها- في خضم انخراطها في الحرب داخل سورية- تمكنت من تسجيل نقاط سياسية داخلية. فالطرف المقابل لها قَبِل المشاركة في حكومة واحدة بلا شروط مسبقة، ربما باستثناء تنحية ثلاثية «المقاومة والجيش والشعب» من الالتزام الحكومي، أو عملياً إسقاط ذلك مقابل إسقاط تفاهم بعبدا الخاص بسورية، مع الصمت المطبق حيال المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الرئيس رفيق الحريري.

خلاصة ما يقدّمه الحزب لجمهوره، من خلال هذه المعطيات، أنه قوة لا يمكن تهميشها تحت أي ظرف، تساعده في ذلك تصريحات الخصوم حول العيش المشترك، والتي يبدو أنها تتوسله بأي ثمن، وتراضيه تحت الضغط، بدل السيناريو الكارثي الذي يُنذر بحرب أهلية جديدة. بهذا المعنى يكسب الحزب ببقائه خشبة الخلاص الشيعية الوحيدة، وكل ما يُقال عن مشروع الدولة يبقى بلا صدقية أمام ملايين الدولارات التي أنفقها الحزب على دولته الخاصة.

التركيز على جمهور «حزب الله» سيكون مدخلاً مفيداً لفهم مؤيدي النظام السوري. ففي لبنان هامش من الحريات يتيح لصعاليك الطوائف فرصة الخروج عنها ونقدها. تلك المخاطرة ليست مجانية لكنها غير متاحة في سورية بسبب المركزية الشديدة للنظام واحتكاره المطلق لتمثيل موالاته. ثمة فارق آخر مهم: الطائفية في لبنان أسبق بكثير من وجود «حزب الله»، بينما الطائفية السورية ملتصقة بالنظام وإن لم تتأصل سياسياً على النموذج اللبناني بعد. لذلك يلتبس المستوى الطائفي السوري بالسلطة تماماً، فلا وجود لدولة ضمن الدولة. هي الدولة بكليتها مطرح الصراع، وخسرانها يعني خسران شبكة المصالح المرتبطة بها، حيث لا وجود أصلاً لشبكة مصالح خارجها.

في الحالتين، ذلك لا يعني الانتفاع المباشر لأفراد الجمهور جميعاً من المصالح الحالية، فهذا يبسّط فهم عقلية الجموع ويبتذلها إلى مستوى الارتزاق المباشر. وهو بالتأكيد لا يفسّر ما يُحكى عن سلوك انتحاري على المدى البعيد.

ما يتحرج النقاش الثقافي عن قوله هو أن حرباً من هذا القبيل يصعب أن تنتهي على صيغة «لا غالب ولا مغلوب»، وفي التجربة اللبنانية مثل على فشلها باستمرار الحرب الأهلية بوسائل مختلفة منها التهديد بالسلاح. الرهان على تسليم كل الأطراف طوعاً لمشروع الدولة، رهان ثقافي أيضاً، وهو يقطف ثمار الديموقراطية من وعي عام متخيل يقتنع به الجميع أو يذعنون له بحكم الضرورة، أي أنه لا يرتكز إلى قوة ملموسة تحمل مشروع الدولة المعاصرة، وتمتلك قوة الإرغام الضرورية لأية دولة من دون أن تكون قوة قهر لمواطنيها.

مع أن الجهد الثقافي ضروري، ولا تُنتظر منه نتائج مباشرة، إلا أنه قد يفترق عن الراهن الذي يتطلب أدوات سياسية ملحة. ضمن ذلك سيكون مؤسفاً القول إن ما يبدد تماسك أية عصبة سياسية هو انكسار القوة الحاملة مشروعها. هذا المآل هو الذي يدفع بها إلى البحث عن خيارات بديلة. مغازلة القوة أو مساومتها لن تدفع المصطفين حولها سوى إلى مزيد من الإيمان بها والتمحور حولها.

لذلك قد يقدّم سقوط النظام في سورية النموذج الأفضل للبنان، أما التسوية معه فليس من شأنها إلا أخذ سورية إلى ما يشبه الاستعصاء اللبناني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طريق للجلسة الثالثة في «جنيف 2»

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 2/3/2014

ما زال السؤال يتردد حول مستقبل «جنيف 2» بعد ما ظهر من نتائج في جولتي التفاوض بين وفدي النظام والمعارضة، عكست انسداد الأفق في إمكانية جعل المؤتمر بوابة لحل سياسي للقضية السورية نتيجة تعنت النظام وإصراره على الاستمرار في سياسته ورفضه لأي حل لا يتوافق مع رؤيته التي تنطلق من فكرة المؤامرة المرتبطة بالإرهاب والتطرف والجماعات المسلحة، والتي تجد صدى ودعما قويا من القيادة الروسية، كما تجد مساندة قوية ومتعددة المجالات بما فيها المجالان الأمني والعسكري من قبل إيران وحلفائها من جماعات طائفية مسلحة في لبنان والعراق، انخرطت عميقا في الحرب إلى جانب نظام الأسد ضد الشعب السوري.

لقد عززت شبكة حلفاء نظام الأسد موقفه في «جنيف 2» في رفض الذهاب إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات، تكون مهمتها تنفيذ محتويات بيان «جنيف 1»، غير أن ما حصل في «جنيف 2» ليس نهاية المطاف، بل خطوة نحو الحل، بدأت أولى حلقات استكمالها فور انتهاء الجولة الثانية، حيث من المفترض تقديم تقرير إلى الأمم المتحدة في الرابع من مارس (آذار)، يبين فيه المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي رؤيته لما حصل في «جنيف 2»، وتحديد مَن هو الطرف المسؤول عما حصل من نتائج سلبية في «جنيف 2»، ليجري لاحقا إخضاعه إلى تدابير بموجب «الفصل السابع» من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك حسب محتوى قرار مجلس الأمن الدولي 2118 الصادر في 2013.

إن مساعي روسيا وحلفاء دوليين آخرين لنظام الأسد ستعمل في الأمم المتحدة لمنع القيام بتدابير تستند إلى «الفصل السابع» ضد نظام الأسد المسؤول عن تضييع فرصة تشكيل هيئة حكم انتقالي، لكن جهود هؤلاء ولا سيما روسيا لن تكلل بالنجاح، لأنها كانت وافقت على قرار مجلس الأمن الدولي المشار إليه أعلاه، الأمر الذي يفرض تحقيق تفاهم روسي - أميركي عبر بيان أو قرار دولي جديد في المجلس أساسه إعطاء فرصة محدودة للنظام للذهاب إلى جولة ثالثة في «جنيف 2» من أجل التوصل إلى اتفاق حول إقامة هيئة حكم انتقالي، تتابع ما ينبغي القيام به من خطوات على طريق معالجة القضية السورية وتفاهماتها، قبل أن يتم إعادة الموضوع إلى المجلس ليقول كلمته التي لا شك أنها ستكون مع اتخاذ تدابير ضد نظام الأسد لممانعته الذهاب إلى حل سياسي في سوريا عبر تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة.

ويرسم السيناريو السابق نتائج مرتقبة للجولة الثالثة في مؤتمر «جنيف 2»، لكن هذه النتائج لن تكون منفصلة عن مجريات بدأت مع نهاية الجولتين الأولى والثانية للمؤتمر، وكان أبرزها تزايد الكلام عن تزويد التشكيلات المسلحة للمعارضة بأسلحة نوعية، تشمل مضادات أرضية وجوية، تحد من سيطرة وتدخلات قوات النظام ولا سيما المدرعات والطيران اللذين يوقعان أهم الخسائر بالمدنيين السوريين وبقوات الجيش السوري الحر، والأمر الثاني التوجه نحو منح مقعد سوريا في جامعة الدول العربية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الأمر الذي يعزز موقع المعارضة والائتلاف خصوصا من الناحية السياسية، والأمر الثالث فتح معركة أوكرانيا مع روسيا على مداها الأوسع، الأمر الذي حسم الصراع هناك لصالح قوى المعارضة المناهضة لموسكو في رسالة خلاصتها الرئيسية أن روسيا ربما تواجه وضعا مماثلا أو قريبا من الصعوبة في سوريا إذا استمرت الأحوال على ما هي عليه الآن، ومما يعزز ذلك التفويض الذي أعطاه الرئيس الأميركي باراك أوباما لوزير خارجيته أخيرا لفتح خيار التعامل مع القضية السورية على كل الاحتمالات، وأعتقد أن علينا أن نقرأ مباشرة احتمال استخدام القوة بصورة مباشرة.

خلاصة الأمر، أن خطوات تتواصل على المستويين الإقليمي والدولي تتعلق بالقضية السورية، بعضها يؤدي إلى تغييرات داخلية ومنها تغييرات ميزان القوى على الأرض، وبعضها يؤدي إلى حدوث تبدلات في البيئة المحيطة بالوضع السوري وعلاقاتها الخارجية، ومن شأن ذلك أن يبدل بصورة إجمالية توازنات القضية وقواها، لكن من الصعب القول إن ذلك سوف يؤدي إلى حل سريع للوضع السوري، لكن من المحتمل توقع ذلك إذا استمر نظام الأسد في وحشيته، معتمدا على تأييد حلفائه من جهة، وعلى تراخي المجتمع الدولي من جهة أخرى، وكلتاهما حالة لا يمكن أن تستمر، وربما تكون مرحلة التغيير والتبديل بدأت مع التوجه نحو «جنيف 2»، وها هي تتعزز بعده!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وفد المعارضة السورية والإنهاك الإعلامي

جلال يحيى

القدس العربي

الاثنين 3/3/2014

بانتهاء مؤتمر جنيف 2 انتشرت مقالات عديدة في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف حول مستوى أداء وفد النظام سياسياً وإعلامياً. بينما لم يتطرق المعارضون إلى مستوى وفد الائتلاف، وذلك لسببين اثنين، أحدهما عدم تحويل المعركة الإعلامية إلى هجوم على وفد المعارضة، فبد لاً من صرف الحبر في مقارعة الأصدقاء لا بد من التوجه إلى العدو الأول وهو بشار الأسد. بينما لزم كتاب آخرون الصمت في هذه المسألة خشية من التشكيك بنواياهم وأهدافهم

بالمقابل فإنني أعتقد يقيناً أن انتقاد الأداء الإعلامي أو السياسي لوفد الائتلاف لا يصب إلا في خدمة الثورة، وأعتقد أن من حقنا كمواطنين سوريين أن يمثلنا أشخاص بمستوى الشعب السوري وثورته. ولا يمكن أن نقبل أن يذهب وفد المعارضة إلى جنيف أولاً ثم يتصل بالنشطاء ثانياً ليطلب منهم تزويده بأسماء المعتقلين. فمن يمثل وفد المعارضة إذاً. مع وجود نصف مليون معتقل في السجون السورية رفعت ريما فليحان وسهير الأتاسي صورة لعبد العزيز الخير في حركة استعراضية هزلية، دلّت على الفور على أن هاتين العضوين لا تعرفان معتقلي الشعب السوري أو ترتيب أهميتهم لدى الشعب. وبالنتيجة فإن أقلامنا موجهة على الدوام لنقد الخطأ والتقصير في أي مكان وتحت أية شروط.

لم يكسب وفد الائتلاف شيئاً ملموساً من مفاوضات جنيف، بل وقع في مطبات خطيرة، لا تكفي هذه المادة لاستيعابها، فكيف يستقدم الائتلاف جهاد بلوط الموالي للنظام كمستشار إعلامي، وكيف حدث هذا ممن يفترض فيه أنه خبير بالسياسة وعليم بأسرارها. ثم ما لبث الوفد أن نزل في فندق رويال السويسري المملوك لرامي مخلوف الذي يدفع ثمن البراميل المتفجرة التي تسقط على رؤوس المدنيين في سوريا. وقد أشارت بعض وسائل الإعلام، أن الفندق كان مجهزاً بآلات تصوير تسجل كل ما يدور من نقاشات الوفد البينية. الأنكى من ذلك، تعيين السيد لؤي صافي كناطق إعلامي باسمه، ومع تقديرنا لشخصه فقد تفاجأنا باختياره كما تفاجأنا بأن يقبل هو ذلك مع عدم معرفته بالإعلام علماً وممارسة، فهو غير مؤهل لذلك من عدة وجوه. وإن لم يسع أعضاء الوفد لوضع كل متخصص في اختصاصه، فما الفرق بينهم وبين حكومة الأسد. كما سمح الائتلاف لبعض أعضائه بالحديث لوسائل الإعلام من دون أي ترتيب مسبق ومن دون العودة إلى المتخصصين في هذا المجال. ومع عدم وجود أي موقف شخصي من السادة الأعضاء، فمن ذلك الذي سيرحب بكلمات أنس العبدة على سبيل المثال وهو يهدد جبهة النصرة بتكسير رأسها، غير منتبه في الوقت نفسه إلى الزاوية التي التقطت فيها صورته حيث بدا أقرب إلى الصور النمطية لعناصر الأسد.

من الواضح أن الوفد غير مؤهل إعلامياً ولا حتى بالحد الأدنى ومن الواضح أنهم لم يسمعوا بطرق التصوير والجلوس والحديث واختيار الألفاظ. وقد لاحظ المتابعون على الفور أن وفد شبيحة الأسد كان يستخدم عبارة ‘وفد الجمهورية العربية السورية’ في وصف نفسه، بينما يقول عن وفد الائتلاف ‘الطرف الآخر’ بينما كان يعيد السيد لؤي صافي والحافظ وغيرهم عبارة ‘وفد النظام’ بمناسبة ومن دون مناسبة. وقع الائتلاف في فخ كبير، وقد لاحظنا ذلك منذ أن أعلن الجربا أن لديه ضمانات من الدول الكبرى بتنحية الأسد، فجُرّ الائتلاف إلى جنيف وبدأت المماطلة، وهذه جولاتها قد انتهت دون أي تقدم

وقد استطاع وفد نظام الأسد أن يفرض على الائــتلاف مناقشة الأفكار التي أرادها بينما وقع وفد المعارضة بمشكلة عدم القدرة على الانسحاب من الجولات المقبلة، إذ نصت الاتفاقات الدولية على أن المنسحب من المفاوضات سيكون سبب فشلها أمام مجلس الأمن. وهكذا يجد الوفد نفسه اليوم غير قادر على الانسحاب وغير قادر على التقدم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اوكرانيا وسوريا.. بوتين وغضب الشعوب

حبيب صالح

القدس العربي

الاثنين 3/3/2014

انهار الاتحاد السوفييتي ودفعت مفاعيل البلشفة بقايا ذلك الحطام المتبدل رموزا صغيرة لم يتعرف عليها احد من ذي قبل! وأعاد فلاديمير بوتين ضابط ارتباط الكي جي بي في المانيا الشرقية سابقا احدى سمات الجغرافيا السوفييتية التي اتسمت بالتجميع الامبراطوري!

عندما نشبت الثورة البرتقالية ضد الروس في اوكرانيا خاف الروس كثيرا فراحوا يبحثون في بحار العالم، وفي سوريا بالذات عن منافذ بحرية قد تضطر الروس يوما لنقل اسطولهم في البحر الاسود الى هناك، وبعد تطور مراحل الثورة البرتقالية ضد الروس، واستنهاض القومية الاوكرانية وانتفاض الكنيسة الكاثوليكية الاوكرانية في مواجهة الكنيسة الارثوكسية الروسية وبدأ الصراع يتخذ اشكالا شتى: قومية وكنسية وامنية واقتصادية فشل الروس في ان يقدموا او يقيموا الاستثمارات الكبيرة في اوكرانيا واصبح جليا ان العلاقة الروسية الاوكرانية بكل ما يعتريها من متتاقضات، لا يكفي فيها ما يصرفه الجنود الروس في سيباستيبول او ما تفرضه الجغرافيا السياسية

في تلك الاثناء قامت الثورة في سورية حيـــث دافع الروس بقوة سافرة عن نظام الاسد الذي قدم لهم كل التسهيلات البحرية في مرافئ سوريا، وتصارع الغرب والروس على الساحة السورية وكان أداء الاوربيين ضعيفا جدا حيث ركـــزوا على تغيـــير الاوضاع على الخاصرة الروسية في اوكرانيا وتحقق كل ما خططه الغرب هناك فجن جنون بوتين، فأمر بتدفق الاسلحة على حليفه الاسد حتى لا يفقد الساحة السورية بعد ساحة اوكرانيا.

صراع راح يأخذ مداه، فالروس لن يتخلوا عن سوريا، الا اذا ارغموا على ذلك بتقدم الثورة والنيل من الدعم الروسي والوصول الى مرافئ المتوسط في طرطوس واللاذقية والضغط على الوجود الروسي البحري هناك. فهل يخسر القيصر بوتين جمهوريتين اخريين الأولى عند خاصرة بلاده والثانية عند تخوم المياه الدافئة ليخسر معهما شعبين اخرين يقاتلان للخروج من حدود الهيمنة الامبراطورية والسياسية، ويتمكنان من صنع الحرية لاوطانهما وتطلعاتهما المستقبلية؟.

ان المعركة ضد الاسد وبوتين هى معركة مشتركة يخوضها شعبان حيويان وهما في طريقما لحسم الصراع والانتصار واسقاط الامبراطوريات المخابراتية والامنية وامتداداتها ورموزها وتتجلى في ذلك مرحلة ترقى في اهميتها لتكون الحلقة الاخيرة في تدمير مرحلة شمولية امبراطورية، يشكل حصولها افول الشموليات التي انتجت ارهاب الدولة و الهيمنة وآلة الحرب التي صوبت ضد الشعوب وقواها الحية وتطلعاتها المشروعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تخلي السلطة السورية عن مسؤولياتها

حسين العودات

البيان

الاثنين 3/3/2014    

لا تشعر السلطة السورية بأي مسؤولية تجاه مئات الألوف، بل الملايين، من مواطنيها الذين شردتهم وهاجروا إلى الدول المجاورة وإلى دول العالم كلها، رغم أن هؤلاء المشردين ليسوا من حملة السلاح ولا من ممارسي العنف، بدليل أن معظمهم خرج من البلاد بشكل نظامي وعن طريق المنافذ الرسمية وبتسهيل من السلطة.

ورغم أن الأمر كذلك لم يزرهم في مخيماتهم أي مسؤول، ولم تعقد السلطة معهم أي صلة من أي نوع، باستثناء بث عملاء أجهزة الأمن بينهم للكيد لهم، ولم تتواصل حتى مع دول الإيواء، كالأردن ولبنان والعراق وتركيا، للسؤال عن أحوالهم والمساعدة في حل بعض مشاكلهم، وهم مواطنون سوريون من المفروض أن تكون السلطة مسؤولة عنهم..

ولم يخطر على بالها أن ترسل وفداً طبياً أو تعليمياً أو وفد إغاثة أو حتى موظفين صغاراً يدرسون أحوالهم، بل لم تلتق مع المسؤولين عنهم في دول الإيواء، وكأنهم من غير مواطنيها.

وبمقدورها، لو أرادت، أن تنصب لهم مخيمات آمنة داخل سوريا، وتقيم فيها مستوصفات ومدارس ومراكز رعاية اجتماعية وتموين وتغذية (مما ترسله الأمم المتحدة ودول العالم وجمعياته الخيرية)، بدلاً من توزيعها على غير مستحقيها، كما يحدث الآن.

الأسوأ من ذلك هو تطبيق الحصار على بعض المناطق السكنية (أحياء وقرى وغيرها)، ومنع دخول الأغذية أو الأدوية أو أي مساعدات أخرى إليها.

ويعرف أهل السلطة أن معظم المحاصرين، من الأطفال والنساء، يتعرضون للجوع والبرد والحرمان والمرض والموت، ولا تبعد وسائل الإنقاذ عنهم أكثر من مئات الأمتار، وترفض السلطة (بإصرار) فك الحصار وإدخال الغذاء والمساعدات الإنسانية، رغم قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبعيداً عن القيم الأخلاقية والتقاليد العربية والإسلامية، وتعتبر تقصيرها في هذا كله قضايا إجرائية، أمام "الجرائم الكبرى" التي يرتكبها الشعب السوري، والمتمثلة بمطالبته بتطبيق معايير الدولة الحديثة، كالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وفصل السلطات، وغيرها.

لقد استهلك وليد المعلم وزير الخارجية أربعة أضعاف الوقت المخصص له خلال الجولة الأولى لمؤتمر حنيف ليتحدث عن الإرهاب، وكان يعني به انتفاضة السوريين ومطالبتهم بحقوقهم، بينما تجاهل اعتقالهم والتنكيل بهم وتشريدهم من قبل حكومتهم.

ويبدو أن وضعهم الكارثي يقع، حسب رأيه، في إطار الصغيرات التي لا تستحق الاهتمام بها.

يهان السوريون في معظم بلدان العالم، ويشعرون بأنهم عزيز قوم ذل، ومن يطلع على سوء معاملة بعض دول الإيواء لهم، يدهشه صمت السلطة السورية وتجاهلها هي وسفراؤها لأوضاعهم، فلا يكلف أي سفير سوري نفسه الاطلاع على أحوالهم أو التواصل معهم أو مع بلدان الإيواء، وكأنهم أشد الأعداء، مع أنهم (أيضاً وأيضاً) مواطنون كاملو المواطنة، معظمهم من الأطفال والنساء الذين هربوا من ديارهم بسبب القصف، وطلباً للأمن لهم ولأطفالهم، وتركوا مساكنهم وأملاكهم مشرعة للنهب والسلب.

وهكذا تتصرف السلطة السورية، وكأن لا دخل لها بشؤون شعبها، وتتناسى أن الدستور السوري يجعل من مسؤولياتها تقديم الأمن والأمان والغذاء والدواء والتعليم للشعب، لا تجويعه وتشريده ومبادلة المعتقلين من أبنائه بمعتقلين أجانب لدى المعارضة (ويا للعار).

وأخيراً، على السلطة السورية أن تتذكر أن مسؤولياتها كبيرة تجاه شعبها، وليس لها أي مبرر كي تتخلى عن هذه المسؤوليات التي لا تعفيها منها أي مزاعم بوجود مسلحين أو إرهابيين أو أي عذر آخر.

ويعني تخليها عن مسؤولياتها هذه، تخليها عن شرعيتها أخلاقياً وقانونياً، أمام شعبها وأمام شعوب العالم والمنظمات الدولية..

يحدث ذلك كله لأن سياسة السلطة السورية تقوم على العنف، وتؤمن أنه الوسيلة الوحيدة لإخماد ثورة الشعب السوري، ولذلك تقصف البيوت وتدمرها على رؤوس ساكنيها، وبأكثر الوسائل وحشية (البراميل المتفجرة)، وتهجّر السكان، وتنهب بيوتهم، ويلاقي المعتقلون من أبناء الشعب السوري التعذيب الوحشي في معتقلاتهم، ويتعرض سكان الأحياء المحاصرة للتجويع (وهو أشد إيلاماً من التعذيب الجسدي)، كما تتعرض جموع من السوريين للقتل والتشريد والمجازر الجماعية، ولا تُسلم جثامين ضحايا التعذيب لأهلها، إلا بعد أن يوقعوا وثيقة تُؤكد أن أبناءهم قُتلوا بيد الإرهابيين، وكثيرة هي المرات التي يرفض فيها جهاز الأمن المعني تسليم جثمان الضحية لذويها، ويسلم بدلاً منها بطاقة المقتول الشخصية ليس إلا.

ويُمنع على المحاصرين من النساء والأطفال الخروج من مناطق حصارهم، ويتم كل ذلك تحت مبرر وجود "مسلحين إرهابيين" في هذه المناطق.

 وتعتبر السلطة السورية هذه الوحشية كلها "إجراءات صغيرة"، لا أهمية "استراتيجية" لها أمام "الجرائم الكبرى" التي ارتكبها الشعب السوري بمطالبته باستعادة كرامته التي أهدرتها أجهزة الأمن، واحتجاجه على حرمانه من حريته، وتعريضه للاعتقال والقمع والاستبداد والتسلط خلال عشرات السنين، بدون تهم واضحة محددة ومعلنة ودون قرارات من القضاء، وعندما احتج السوريون بالقيام بالمظاهرات السلمية قابلتهم السلطة بالسلاح والقمع المسلح والعنف وإنكار حقوقهم كمواطنين، ثم أخيراً، واجهتهم بالتدمير والقتل، واعتبرت مطالبتهم بحقوقهم من الجرائم الكبرى التي لا تغتفر، وأخيراً تخلت عن مسؤولياتها تجاههم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بوتين والاسد… صراع البقاء

فيصل أحمد النويران

القدس العربي

الثلاثاء 4/3/2014

إن حالة العشق المشبوهة بين نظامي دمشق وموسكو، التي يعكسها واقع الانصهار في المواقف، وتوحيد الخطاب السياسي حول الأزمة، يفضحها الإصرار الروسي على بقاء الأسد في السلطة، وتبني ادعاءاته وأكاذيبه بطريقة مثيرة للجدل، ممثلة بتصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف، حيث ذهب البعض إلى تسميته وزير خارجية النظام السوري.

عبثية المشهد تثــــير العديد من علامات الاستفهام حول هذا الموقف الذي يتبناه الروس، وما هو الثمن المتوقع من الذهاب في الدفاع عن نظام الأسد إلى النهاية، على الرغم من تقديم العديد من وجهات النظر التي حاولت قراءة هذا الموقف المشبوه والحميمي بين النظامين على أساس أن الجغرافية السورية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للروس، انطلاقا من قاعدة طرطوس المنفذ الوحيد لموسكو على المياه الدافئة، وصولا إلى تحقيق الوهم الروسي في إعادة تكريس نظام ثنائي القطبية وفرض أجندتها الخاصة على المجتمع الدولي.

كل تلك التأويلات لا تتعدى التخمين، فروسيا الاتحادية ليست الاتحاد السوفييتي ولا تقارن بها، حيث كانت الأخيرة ترسم سياساتها في مواجهة المعسكر الرأسمالي في إطار منطق توازن القوى، في حين أن موسكو الحالية تصيغ استراتيجياتها وتحدد أولوياتها بدافع البقاء لا أكثر ولا أقل، وما يحدث في أوكرانيا حاليا يوضح هشاشة إمبراطورية بوتين الوهمية أمام السطوة الأمريكية، كما أن الطريق طويل لنهج المواجهة.

يمكن أن نقرأ حقيقة الموقف الروسي ومخاوفه من خلال التسليم بسقوط نظام الأسد، واستلام المعارضة السورية إدارة البلاد وتحديد سياساتها، فالحقيقة الأولى التي لا تقبل الشك هي نهاية وجود أي مصالح أو استثمارات روسية على الأراضي السورية، على اعتبار أن المعارضة تتعامل مع نظام موسكو إلى جانب النظام في طهران على أنهما شريكان في قتل السوريين، مع اختلاف شكل المصالح وطبيعتها، ونتيجة لذلك يمكن قراءة المخاوف الروسية بوضوح وتحديد أبعادها.

أولى تلك المخاوف – وأقلها ضررا- تمثلت في احتمال استخدام الأراضي السورية بعد سقوط الأسد، لنقل الغاز من منطقة الخليج العربي إلى السوق الأوروبي، ومنافسة الغاز الروسي، حيث كشفت إحصاءات أن صادرات روسيا من الغاز إلى دول أوروبا الغربية وحدها ارتفعت في عام 2013 بنسبة 20، حيث بلغت 127.05 مليار متر مكعب. ولعموم أوروبا بلغت 161.48 مليار متر مكعب، وهذا التوجه بحد ذاته يشكل تهديداً حقيقيا لنظام موسكو واقتصادها، فالاهتمام بالأسد يهدف إلى ترسيخ وجودها في سوق الطاقة الناشئة. إلا أن هذه المخاوف تعاظمت بالنسبة للروس وبلغت ذروتها مع الإعلان عن اكتشاف كميات هائلة من الغاز أمام السواحل الشرقية للمتوسط، في سورية، ولبنان، وفلسطين، مما يزيد من مخاطر المنافسة، وبالتالي خسارة الأسواق الأوروبية تماما، كذلك قد تسفر احتياطات الطاقة هذه إلى مزيد من التوتّر، الأمر الذي يؤثّر في العوامل الجيوسياسية على المستوى الإقليمي، لتنظر موسكو إلى الأسد على أنه الضامن الوحيد لتخفيف حدتها وتأمين مصالحها النفطية.

ومع ظهور مؤشرات أولية تدل على أن نظام الأسد بدأ يفقد سيطرته في ميدان الصراع، سارع الروس إلى اتخاذ خطوة استباقية ممثلة بتوقيع اتفاق ضخم بين شركة روسية للتنقيب عن النفط والغاز ونظام دمشق في المياه الإقليمية، في عقد يشمل عمليات تنقيب في مساحة تبلغ2190 كلم مربع، كذلك – يمتد العقد، وهو الأول من نوعه للتنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية – على مدى 25 عاما، بتمويل من موسكو.

يضاف إلى ذلك أنه من المتوقع أن يضمن النظام السوري عن طريق حزب الله وحلفائه في لبنان، أن يدفعوا باتجاه استثمار الشركات الروسية في المياه الإقليمية اللبنانية، لمكافأة موسكو على دعمها، وبذلك تكون قادرة على مواجهة أسوأ كوابيسها وإنقاذ إمبراطورتيها المزعومة، ليس إلا.

وبالتالي فإن ارتباط بوتين بالأسد يتجاوز فكرة المصالح التقليدية إلى واقع الصراع من أجل البقاء، وليس إعادة إنتاج حلم الامبراطورية الروسية من خلال فرض وجود الأسد ونظامه على المجتمع الدولي، الأمر الذي وضع الروس في مواقف حرجة كثيرة على امتداد الثورة السورية أمام الرأي العام العالمي، كما تسبب لها في عزلة سياسية واضحة. لترى في الأسد حاميا لبقائها، وهذا ما يعول عليه النظام السوري في مواجهة الضغوط الدولية، ولو أن المعارضة السياسية قادرة على إدارة الداخل السوري ولو بنسبة ضئيلة، وفرض رؤيتها السياسية على الكتائب المسلحة المتعددة الولاءات، وبالتالي تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية، وفي مقدمتها حماية اتفاقية استثمار الغاز في مياه المتوسط، لضحت روسيا بالأسد منذ زمن وأعلنت الطلاق رسمياً، ولكن للأسف واقع المعارضة غير مشجع، ولا يلبي شروط البقاء الروسية.

 

‘ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من سوريا إلى أوكرانيا

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 4/3/2014

لقد سقط القناع الذي ترتديه الدبلوماسية الروسية، فها هنا تواجه كل شيء عدا الكرامة الإنسانية ومنظومة حقوق الإنسان، فسوريا التي تعيش منذ ثلاث سنوات تحت قبضة السلاح الروسي تدرك تماماً أن هذا السلاح سيصدأ في خزائن تجار الحروب، لأنه يستمد وظيفته من هؤلاء التجار. وها نحن الآن مع بروز صراع أوكرانيا ضد طغمة المخدرات والسلاح، نكون قد وضعنا يدنا على فساد مزاعم هذه الطغمة بأنها مكمن الحق والحقيقة حين تعلن سيادتها على الشعب الأوكراني. وبالضبط تكمن صدقية ما أعلنته السعودية في قولها بأن روسيا تتخذ موقفاً فاسداً وظالماً وخاطئاً حيال سوريا. وكثير من الفضل في فهم ذلك ونشره في بلدان العالم يأتي مما يستنبطه الرأي العام الدولي من الموقف الروسي الفاحش حيال أوكرانيا الآن. ما الخطأ والخطر اللذان ترتكبهما جمهورية أوكرانيا، حين تطالب باستقلالها عن روسيا، وحين تلجأ إلى تحقيق ذلك على أرض الواقع؟ والدلالة التي نستخلصها من ذلك حيال الوجه الراهن الآخر الذي نواجهه على الصعيد السوري، تبرز في الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة التي تستخدم في الحرب الظالمة ضد الشعب السوري، ويتحدر الكثير منها من روسيا ومن مواقفها الدبلوماسية والسياسية الطائشة والاستفزازية والخاطئة، إضافة إلى ما يمكن اعتباره وقاحة سليطة بحث من يمتلك حداً من العقلانية والكرامة والحكمة. لقد لاحظنا في كتابات سابقة كيف يستخدم الدبلوماسيون الروس مواقعهم في المنظمة الدولية، دون التبصر والتفكر فيما يجيبون عنه ويفكرون فيه بلؤم وتشفّ وروح ثأرية فاحشة. هم يرفعون أيديهم ليعلنوا رأيهم بلغة تهدف إلى النيل من كرامة المظلومين أصحاب المشكلة.

ها هناك يُصدح بكلمة واحدة هي (فيتو)، دونما إيضاح أو تلطيف أو مخاطبة ينضح ببعضها التفهم أو الاحترام.

في هذه الأيام تبرز معضلة ذلك الشعب المظلوم الأوكراني، ليلاحظ من يأتي على ذلك أن ثمة علاقة عميقة تكمن بين الشعب المظلوم هذا، الأوكراني وبين الشعب السوري، الذي كان خرج عام 1946 من صراع بينه وفرنسا، وصمم على تأسيس مشروع وطني تعددي حداثي. لم يستطع الاستمرار في ذلك، لقد سقط المشروع المذكور، وتفككت دولة الوحدة بين سوريا ومصر، وحل الانفصال بين البلدين. لكن لم تقم حروب بينهما بعد ذلك، إنما جمهورية أوكرانيا الآن وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1989. انفتح الباب أمام عودة الجمهوريات التي كانت ملتئمة في اتحاد واحد، إلى سابق عهدها. والآن وبعد تحرك أوكرانيا باتجاه الاستقلال، لماذا يأخذ الطاقم الحاكم في روسيا موقفاً عدائياً من أوكرانيا الطامحة إلى الاستقلال؟

لا شك أن علاقات واسعة كانت قد نشأت بين الدولتين سابقاً، ولكن إذا كانتا قد اتفقتا على التوحيد، فإن فسخ هذا الأخير يبقى حقاً من حقوق كل منهما. إذن، لماذا إعلان روسيا الحرب على أوكرانيا؟ ها هنا تكمن الفكرة الظالمة والقائمة على الفساد والإرهاب، وعلى سحق القانون الدولي الملزم للفريقين.

حين نهض أطفال ويافعون في درعا قبل ثلاث سنوات، ليطالبوا بـ«الإصلاح» أو «بإصلاح» يأتي في سياق مشروع وطني مفتوح، وقف من لا يستجيب لحيثيات هذا المشروع، وقد قلنا في حينه، إن جماعة تغادر بيتها في سفر إلى بلد آخر قصد العمل أو السياحة وغيره، ثم يعودون راجعين إلى بلدهم ومنزل سكنهم، ألا يلاحظون أو يشمّون أو يكتشفون أن عليهم واجباً بحكم البُعد عن بلدهم وبحكم تغير الأشياء سلباً وبسبب الإهمال بمقتضى الحال الطبيعي أن يفتحوا الأبواب والنوافذ لإدخال الهواء النظيف والإصلاحات اللازمة الخ.

لم يستوعب الروس وغيرهم ذلك، فاستوعبوا الثورة السورية مؤامرة أو جريمة، كما اعتبروا المطلب الأوكراني حالة من الخيانة أو التدمير! إن العودة إلى القوانين الناظمة للمجتمعات إذا ما غُيبت وهيمن الإجرام في الحياة العامة، لا سبيل إلى الوقوف دونما إنجاز ما يجب إنجازه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ترشيح معاذ الخطيب لرئاسة سورية

‘د. عوض السليمان – فرنسا

القدس العربي

الاربعاء 5/3/2014

لا أخفي أنني كنت، ولا أزال، ضد وجود السيد معاذ الخطيب في ائتلاف المعارضة، ليس لعدم خبرته ولعشرات الملاحظات التي يمكن أن نقدمها حوله فحسب. ولكن أيضاً لإدراكنا أن هذا الرجل وبسبب فقر مدقع في معرفته السياسية يقع كل مرة في مطب الدفاع عن ‘شرعية الأسد’. فلا يزال صوته يجلجل عندما قال في بداية الثورة إنه ‘يثق بحكمة السيد الرئيس بشار الأسد في حل هذه القضية’.

نذكر جميعاً أن السيد معاذ الخطيب وافق على فكرة قبوله برئاسة الائتلاف الوطني على مبدأ إسقاط الأسد وعدم الاعتراف بشرعيته، كما وعد فور استلامه لمنصبه الجديد بالاستقالة إن لم يحدث تقدم واضح على الأرض في مصلحة الثورة، إلا أنه لم يف بذلك حتى مع استخدام صواريخ سكود.

وقد أعلن السيد الخطيب أنه لن يحاور إيران وروسيا تحت أي ظرف، ولم ينته المحللون من التعليق على موقفه حتى أعلن عن الموافقة على الحوار معهما والتقى وزير خارجية البلدين.

سريعاً أيضاً نسي السيد الخطيب موقفه الصارم تجاه الأسد ودعا في الشهر الأول من العام المنصرم إلى الحوار معه مقابل إطلاق سراح المعتقلين ومنح جوازات سفر للسوريين في الخارج.

كما يستغرب من الرجل إصراره على إلقاء كلمة المعارضة السورية في مؤتمر الدوحة علماً أنه استقال قبلها، وتلك قضية تدل على مواقف فردية واضحة، تماماً كحال استقالته التي جاءت بناء على خلافات شخصية داخل الائتلاف وحكومة هيتو.

لا أستطيع أن أفهم الحملة التي تطالب بترشيح السيد معاذ الخطيب لرئاسة الجمهورية إلا على أنها حملة تهدف إلى إضفاء الشرعية على بشار الأسد كرئيس لسورية. فمن المعلوم، وحتى في حال، حصول الخطيب على عشرة ملايين مؤيد، فإن بشار الأسد هو الذي سيغتصب كرسي الحكم في سورية عملاً بعقيدته الدينية ومحافظة على مكاسبه الطائفية واستجابة للدعم الغربي لاستمراره في الحكم. وإذا كان ذلك معلوما سلفاً، فماذا يعني ترشح معاذ الخطيب لرئاسة الجمهورية غير أنه يقول للعالم بشرقه وغربه إن الأسد رئيس شرعي لسورية وأنه خاض انتخابات نزيهة ضد مرشحين أخر، وأنه فاز بتلك الانتخابات.

وهي فرصة لمساعدة المجتمع الدولي ليثبت أركان حكم الأسد في دمشق بوصفه قد جاء بطريقة ديمواقراطية، تنافس فيها مع معارض سياسي. ناهيك عما ستحدثه هذه القضية من تركيز إعلامي قد يتلاشى معه تسليط الضوء على قضايا عديدة تتعلق بالثورة السورية بشقيها السياسي والميداني. وقد حدث ذلك سابقاً في كل مرة طرح فيها السيد الخطيب مبادرة من نوع ما.

بكل حال فإن كل تلك الأخطـــاء التي تؤكد أن الرجل لا علاقة له بموقعه اليوم، وبما حمل أو حُمّل، لا تساوي هذه الفضيحة الجديدة التي أقدم عليها أو وقف وراءها أو تجاهلها على الأقل. وقد نصحت السيد معاذ الخطيب سابقاً أن يستقيل من هرم المعارضة، وأنصحه اليوم أن يتوقف عن الخوض فيما لا يعرف، وأن يتنحى جانباً عن الأمور السياسية فهناك آلاف الطرق التي يستطيع أن يساعد فيها على إسقاط الأسد، من دون أن يؤذي ثورة الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقف روسيا في جنيف!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 5/3/2014

قبل جنيف بأشهر كثيرة، بدأت قوات النظام سلسلة حملات عسكرية حققت نجاحات جزئية أقنع تراكمها روسيا أن النظام شرع يلوي ذراع المقاومة المسلحة. هذه الحملات كان بين مقاصدها تجاوز جنيف وإلغاء ضرورته، عبر تغيير علاقات وموازين القوى على الأرض لصالح النظام، الذي سيحل المعضلة السورية ويجعل أي تفاض حولها باطلا ولا لزوم له!

وكان النظام قد قبل وثيقة جنيف1 بينما كان جيشه يتعرض طيلة أربعة أشهر ونيف لهزائم عسكرية متتالية، عملت روسيا خلالها على تعطيل تنفيذ التفاهم الدولي حول الحل السياسي بافتعال خلافات مع بقية دول مجلس الأمن الدولي حول تفسير نصوصه، دامت عاما وأربعة أشهر أعاد الأسد أثناءها تنظيم وتدريب قواته بإشراف إيراني ومدد روسي، وأدخل أعدادا كبيرة من مرتزقة حزب الله وكتائب أبي الفضل العباس إلى سوريا، حيث أسهمت في إحداث ما وقع من تبدل نسبي على الأرض لصالح النظام. بتحسن أوضاعه العسكرية، بدأ النظام يعلن تحفظات متزايدة على وثيقة جنيف، ويرفض الحل الذي اقترحته، وملخصه انتقال سوريا من وضعها الاستبدادي الراهن إلى نظام ديمقراطي بديل. عندما جاء موعد انعقاد جنيف، كان الوضع الميداني قد اختلف عما كان سائدا حين أقر الخمس الكبار وثيقة الحل في جنيف، فغير النظامان الأسدي والروسي نظرتهما إليها وقراءتهما لها، واتخذا موقفا موحدا منها، وتنكرا لها وللآلية التي اعتمدها قرار مجلس الأمن رقم 2118، وجعلت تطبيقها الشامل والفوري ملزما للطرفين، بدءا بتشكيل «هيئة حاكمة انتقالية» تضم ممثلين عن المعارضة والنظام وقوى أخرى، وتشرف على الانتقال الديمقراطي الذي قررته.

تغير الوضع فتغير الموقف، وظن الروس أن لقاءاتهم مع المعارضة وضغوطهم عليها سترغمها على الاستجابة للتطور الميداني والسياسي الجاري، وقبول قراءتهما للحل، التي تتجاهل الهيئة الحاكمة أو تحولها إلى مسألة ثانوية تعالج في فترة لاحقة، كما قال لافروف في موسكو، تلي انضمام المعارضة إلى النظام في مكافحة الإرهاب كأولوية بديلة للهيئة، رغم أن مكافحة الإرهاب لم ترد في أي نص، سواء في وثيقة جنيف أو في قرار مجلس الأمن 2118، الذي ركز على البدء بالهيئة وبلوغ الانتقال الديمقراطي بوصفه النتاج الحتمي للتفاوض، الذي سيحقق مطالب الشعب السوري، وليس بين مهامه إنقاذ النظام والإبقاء على الأسد، وإجبار المعارضة على قبول ما يتعارض مع نص وثيقة جنيف واحد، كالقراءة الأسدية - الروسية التي تشوه نصها وروحها، وتحول دون منح السوريين ما يطلبونه ويضحون في سبيله من حرية وعدالة وكرامة، بعد وقف عنف السلطة وجيشها.

ذهب النظام إلى جنيف لإسقاط الوثيقة التي تحمل اسمها وقرار مجلس الأمن. وجاء الروس للتنكر لما كانوا قد وافقوا عليه في الوثيقتين، ولجعل الحل ينطلق من الواقع الميداني وليس من النصوص، وإبطال ما أقر من حقوق للسوريين على الورق، وإلغاء دور دول مجلس الأمن الأخرى في بلوغها، وإجبار المعارضة على السفر إلى دمشق بشروط المهزوم، للانصياع للحل الذي يريده النظام. كان هذا على وجه التقريب ما قاله أو لمح إليه لافروف في موسكو، عندما تعامل بعنجهية مع وفد الائتلاف، وخاطبه كجهة هزمت وانتهى أمرها، ولم يبق لها من خيار غير قبول أي شيء يقدمه بشار الأسد لها بالشكر والامتنان، قبل أن تنزل بها هزيمة ساحقة، آتية لا ريب فيها.

قبل انعقاد مؤتمر جنيف، جرى في باريس لقاء ضم الدول التي تعد نفسها «صديقة» للشعب السوري. خلال هذا اللقاء، قال عضو في الائتلاف إن النظام والروس يرفضان حل جنيف، ولا بد لإجبارهما على قبوله من تحريك الوضع العسكري، وأردف أن الثورة السورية ستهزم إذا ما أضيف إلى الجمود العسكري جمود سياسي سينتجه جنيف إن طالت مفاوضاته، أو تحايل الروس على القرارات الدولية حول حقوق السوريين وإقامة نظام بديل لنظامهم الحالي. أقر «الأصدقاء» ما قاله ووعدوا بتلبية ما طلبه من تحريك للوضع العسكري يفتح باب الحل السياسي، لكن روسيا هي التي حركت الوضع العسكري وسعت لكسر توازناته، ودعمت سعيها برؤية تلغي جنيف وتتبنى حلا يثبت النظام ويبقي على الأسد.

واليوم، نقف نحن، ويقف الغرب والعرب، أمام سؤال: ما العمل للرد على إفشال جنيف وترجيح كفة النظام عسكريا؟ هل بوسعنا أن نواجه روسيا والنظام الأسدي من الآن فصاعدا بما درجنا عليه من سطحية وانقسامات؟ وهل ينجح الغرب والعرب في ردعه ومواجهته بما دأبوا عليه من وعود؟

بلغ التطور لحظة مفصلية حاسمة سيقرر موقفنا حيالها ما إذا كنا نريد أن ننتصر أو نهزم. هل نعي هذه الحقيقة، وندرك حقا أننا لن ننتصر بما أدمنا عليه من خفة وارتجال؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

للجولة الثانية وربما المائة من جنيف 2: طرق أخرى للتفاوض!

01.03.2014

وليد جداع

الحضور القوي للمعارضة في مؤتمر جنيف 2 في جولتيه الأولى والثانية ، وجلب الأسد رغما عن أنفه للمفاوضات، مقابل وفد مساو له تماما أمام العالم، لا يعني تحقيق انتصارات قوية للمعارضة، بقدر ما يعني إذلالا حقيقيا للنظام وسوقا له إلى حتفه أمام كاميرات العالم وأضوائه. يعني هذا أن على المعارضة السورية لتحقيق أهداف الشعب السوري، حتى عن طريق التفاوض السياسي، القيام بمهام شاقة ، تحتاج جهودا مضنية ، وتحتاج خبرات ، وتحتاج حشدا شعبيا قويا، وتحتاج إلى سطوع في هدف واضح قامت الثورة السورية أساسا من أجله وهو تحقيق حرية الشعب السوري واسترداد كرامته والوصول بسورية إلى وضعها الطبيعي كدولة حرة مستقرة ينعم شعبها كما كل شعوب العالم الحر، بالكرامة والسيادة.

فلا بد هنا من ملاحظة عدم قيام هيئات التحالف ومؤسساته بأي حشد جماهيري فاعل يري السوريين أنفسهم داخل سورية أولا ، أنهم على قلب رجل واحد في السعي لتحقيق حريتهم. وأنهم –ثانيا- في شتاتهم المريع في الجوار العربي والتركي وفي باقي أرجاء الأرض موحدون في نضال متواصل من أجل هدف سام مشترك.. ويري النظام أيضا أنه لا يتمتع بأي حضور شعبي ذي مغزى في سورية كلها، ليس في المناطق المحررة في سورية فحسب، بل بين ملايين السوريين في أرجاء الأرض كافة.

إن متطلبات العمل الخاص بملفات التفاوض ومستلزماته السياسية والتقنية يجب أن لا تغفل الحاجة إلى التفاف شعبي كبير حول الائتلاف ، تري الأسد وداعميه أن الشعب السوري وراء هذا الائتلاف في تفاوضه ما التزم بتحقيق أهداف هذا الشعب وتطلعاته. إن على منظمات المعارضة السورية على اختلاف مشاربها أن تظهر أنها –بكل الطرق الممكنة- مع الائتلاف في مفاوضاته. وبشكل خاص فإن جموع الشعب السوري التي خرجت في بداية الثورة ، مطالبة اليوم في المناطق المحررة وفي المهاجر-إن سمح لها- بالتظاهر العام دعما للائتلاف في مواجهة وفد القتلة من دمشق!

 

ولا شك أن العلاقة غير الوثيقة بين الائتلاف والقوى المقاتلة على الأرض واحدة من أخطر القضايا التي تضعف من موقف الائتلاف. لكن وفد الائتلاف المفاوض يستطيع أن يستند إلى هذه المشكلة بالذات ليضعها مشكلة أمام مراقبي التفاوض ورعاته أنفسهم، وهي أن الائتلاف مهما أبدى من مرونة سياسية في التفاوض، فهو لا يستطيع المضي بعيدا عن متطلبات الشعب السوري وفصائله المقاتلة على الأرض، التي هي عماد العمل المعارض اليوم ، بعد أن مضى النظام بعيدا في توحشه وإجرامه. ولكن هذا يقتضي العمل بجدية مع الفصائل المقاتلة لتوحيد الرؤية ، وتحقيق الدعم المتبادل! إن على الفصائل المقاتلة أن تدرك أنها جزء من المشروع السوري الوطني في التحرر من الأسد وليست المشروع كله.. ثم هي باعتبارها جزءا من المعارضة السورية الظاهرة أوالداعمة من بعيد، لا يمكنها أن نفرض رؤيتها على المعارضة كلها، فكيف بفرضها على الشعب السوري كله! هذا فضلا عن أن العمل العسكري المعارض ينبغي أن يصل إلى أهداف سياسية في النهاية ، ولا بد من تمثيل سياسي للمقاتلين يحقق أهدافهم التي يقاتلون من أجلها. إن المجتمع السوري والدولي قد ارتضى الائتلاف مفاوضا عن الشعب السوري والمعارضة السورية في هذه المرحلة ، وعلى الفصائل المقاتلة أن تدعم الائتلاف بكل قوة ليحقق هذا الائتلاف ما نرمي إليه جميعا من تحرر وكرامة.

أما المهمة الملحة الثانية ، فهي أن يعزز الوفد المفاوض موقفه بعمل إعلامي خاص بهذه المرحلة ، يقدم للشعب السوري صورة كاملة عما يجري في غرف المفاوضات، ويطلعه أولا بأول على النتائج والمتغيرات . إن هناك خطورة حقيقية بأن ينفرد النظام عبر وسائل إعلامه المتعددة وعبر وسائل إعلام داعميه بتقديم الأخبار والأكاذيب ، فيما الشعب السوري بعيد عن صورة ما يجري وحقيقته من وفده المفاوض عنه! لا شك أن إعلام التحالف ضعيف جدا من حيث العمل العام والوصول إلى قطاعات كبيرة من الشعب السوري والعالم، ونحن لا نرى ماكينة إعلامية هادرة تفعل فعلها في الرأي العام السوري والدولي. إن الارتكان إلى قوة القضية السورية وقدرة الوفد المفاوض ، لا يعني عدم الحاجة إلى ماكينة إعلامية قوية تفعل فعلها في التأثير على الرأي العام.

ثم إن الدعاية السياسية الاختصاصية تكاد تكون غائبة عن المشهد تماما. وكما هو معروف فإن الدعاية السياسية والحرب النفسية وأشباههما وسائل تقنية جبارة تؤثر في العدو والصديق والطرف الأكبر المنتظر أو المحايد أو الصامت.... إن السعي إلى شيطنة الأسد وتبيان دوره كسفاح وقاتل ومدمر للشعب السوري يحتاج إلى وحدات عمل خاصة نفتقدها ولا نحس بوجودها ، وهو أمر قديم قدم انتفاضة الشعب السوري للأسف الشديد، ناتج في الأساس عن عدم وجود مرجعية واحدة للعمل المعارض، فضلا عن عدم الاهتمام بهذا الأمر من كل فصيل على حدة كجهد متمم لعمله ، سواء كان هذا الفصيل مقاتلا أو سياسيا. والدعاية السياسية والحرب النفسية مختلفتان تماما عن العمل الإعلامي الذي تقوم به أجهزة المعارضة السورية على اختلاف تشكيلاتها ، ويحقق قدرا ما من الرضى أو النجاح .

هذه موضوعات أساسية نرى افتقاد المعارضة السورية عبر وفدها المفاوض في جنيف لها. ويمكن إضافة جوانب قصور أخرى أكثر أهمية أو أقل ، مثل افتقاد الشعب السوري لنصرة مباشرة من شخصيات عالمية سياسية أو ثقافية أو فنية لامعة جدا. ليس بسبب عدم وجود هؤلاء، بل لعدم التركيز عليهم في معظم الأحيان. ويشبه هذا عدم انتباه كبير لموضوع طلب المساعدة من شخصيات كانت فاعلة في الربيع العربي ، وكان لها شأنها العربي والعالمي. وعلى منظمات المعارضة السورية، عبر تمثيلها في الا ئتلاف، أن تتلافى بسرعة نواقص عملها ، وأن تدرك-من جديد- أن عدالة قضية الشعب السوري وأخلاقيتها ، لا يغني عن استكمال العمل التفاوضي بتعزيز مقوماته على الأرض السورية المقاومة للأسد، وعبر حشد قوى وكفاءات وتقنيات أكثر تأثيرا وأمضى في إضعاف الوفد الأسدي المفاوض وتبيان هشاشته ورداءة قضيته.

وكما رأى الناس كافة مهانة الوفد الأسدي المفاوض وخسران النظام لنصف أوراقه مرة واحدة بقدومه قسرا إلى جنيف. فإن علينا عملا مضنيا من أجل أن يسقط القسم الثاني من أوراق النظام واحدة إثر واحدة، والوصول في النهاية لأهداف الشعب السوري المشروعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية وتبلد الحس

05.03.2014

أبو طلحة الحولي

تمضي الثورة السورية في انطلاقتها شامخة بقدر من الله ، لتنتصر في الوقت المقدر من الله العلي القدير ..

تمضي الثورة غير ملتفتة إلى تخاذل المتخاذلين ، وتساقط المتساقطين ، وتسلق المتسلقين ، ولا تعطي بالا لأصحاب الفنادق والمؤتمرات التي ظاهرها الابتسامة وباطنها الطعن ، ظاهرها المساعدات الإنسانية وباطنها البراميل المتفجرة ..

تمضي الثورة السورية وقد تكفل الله بمكانها وبأهلها ، لا يضرها من خذلها ، أو خانها أو باعها أو تآمر عليها أو أهملها ، أو تركها ...

الثورة ماضية ، والحق منتصر ، والإسلام باق ، وهذه أمور لا خلاف عليها ولا شك فيها ، ولكن أين الثوار ؟

لماذا تبلد الحس لدى البعض؟

ولماذا خمدت الحركة والحيوية لديهم ؟

ولماذا خبت شعلة الحماس للعمل في كافة مجالات الثورة ؟

إن تبلد الحس آفة خطيرة إذا تغلغلت في جسد الثورة ، فهي أفتك من السرطان ، فما هي أسباب تبلد الحس لدى البعض من الثوار ؟

1- سلط الإعلام على الجانب المأساوي في الثورة بشكل كبير جدا ، مع تكراره يوميا على مدى الثلاث سنوات ، حتى ألف الناس المشاهد ، وأصبحت حواسهم تمر عليها بغير انتباه ، فلا يلتفت إلى الجانب المشرق من الثورة ، ولا يلتفت إلى البطولات الكبيرة على يد أطفال صغار .. ولا يلتفت إلى أصوات وحناجر الثائرين وإبداعاتهم ، ولا يلتفت إلى وحدة المشاعر والعواطف والتعاون والإيثار والتضحية .. ولا يلتفت إلى تسابق الشباب إلى مكان تواجد الطائرات التي تلقي بالبراميل والقنابل لتسعف ، لا لتهرب ، ولتتقدم لا لتفر ..

2- يتبلد حس الثائر لان ثورته لم تكن لله ، ولم تكن للالتزام بأوامر الله ، فيتبع هواه ومن ثم يطغى ، فيعتدي على نفسه ، فيستكبر . ويعتدي على الآخرين بالسيطرة عليهم ، فيقيدهم لهواه .

3- يتبلد حس الثائر عند انتقال الكثير منهم من محنة البلاء إلى محنة الرخاء ، فينشغل بالحياة الدنيا ، ومتاعها ..

4- يتبلد حس الثائر لأنه اتبع طريق الغرب ، ونسي طريق الرب ، فظن أن المؤتمرات المكوكية والجنيفية هي التي تنصر ثورته ، وأن أعداء الأمة الإسلامية بيدهم الحل .

5- يتبلد حس الثائر عندما يفتن بحريته وإنسانيته وكرامته فيعتقد أنها من عند نفسه ، وينسى أنها من عند الله .

6- يتبلد حس الثائر عندما ينسى حقيقة وجوده ، وهدفه في الحياة ، وغايته .

7- يتبلد حس الثائر عندما تتنازع الصفوف ، وتتعدد الرؤوس ، { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} ( الأنفال : 46) فيعم الفشل بكافة أنواعه : السياسي والفكري والقتالي والاقتصادي ، ومن ثم تتفكك الثورة وتتلاشى .

8- يتبلد حس الثائر عندما يستعجل قطف الثمرة ، ويبحث عن نصر وهمي ، وبالتالي تغيب أخلاق النجاة كالتجرد والصبر والثبات والتضحية .

9- يتبلد حس الثائر عندما لا توجد لديه مناعة إيمانية وتربوية وفكرية تقاوم أمراض الشرك والجهل والتغريب والعبودية لغير الله .

10- يتبلد حس الثائر عندما يقيس أحداث الثورة بمقاييس مادية بحتة ، ويفسرها بتفسيرات مادية بحتة ، لماذا هذا العذاب والتدمير والموت ؟ وينسى أن الكافر كافر وإن تعددت أشكاله ومذاهبه ، فملة الكفر واحدة لا تفرق بين مسلم ومسلم ، فالوحش والصفوية والصهيونية الصليبية في أمريكا وأوربا وروسيا والصين والدولة المحتلة لفلسطين ( إسرائيل) كلهم يسعون للقضاء على هذه الثورة المباركة .

 

وغيرها من الأسباب .. يتبلد حسه فإذا هو في سجل المتخاذلين ، وفي أسفل سافلين ، تئن الثورة من حمله ، وانتسابه لها .

إن تبلد الإحساس وعدم التفاعل مع الثورة السورية ، والتقاعس عن أداء الواجب ، والانتكاسة في فهم الحرية والعبودية ، والتشاؤم من الوضع القائم ، والتنصل من الواجبات والمهام الثورية كلها تصب في خدمة أعداء الأمة الإسلامية ابتداء من الوحش وانتهاء بالدولة المحتلة لفلسطين (إسرائيل) .

لقد قامت الثورة بقدر من الله ، ولن تعود إلى الوراء ، فمن استقام وأحسن وسار معها ، سار وسلم وأعانه الله وأيده ونصره ، { وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } () ، ومن تخلف وانحرف وانتكس وتبلد حسه ، ولم يحسن ، ولم يستقيم ، فالثورة ليست متوقفة عليه { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }(محمد : 38) .

فالله سبحانه وتعالى الذي هيأ لنا هذه الثورة المباركة لخدمة دينه ، ورفع رايته ، وإعلاء كلمته ، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، قادر سبحانه وتعالى على أن يستبدل بنا قوما آخرين في حال وجوعنا عن الإيمان والحق وطاعة الله واتباع شرعه ، في حال رجوعنا إلى العبودية والشرك وعبادة الأصنام البشرية والحجرية والإعلامية .

إن النصر لا يأتي بمجرد التمني ، والثورة لا تؤتي ثمارها باللهو والراحة ، ويذكر الإمام الغزالي في كتابه أحياء علوم الدين أن الحسن البصري نظر إلى رجل يعبث بالحصى ، ويقول اللهم زوجني الحور العين ، فقال بئس الخاطب أنت تخطب الحور العين وأنت تعبث بالحصى .

فكيف نخطب العزة والحرية والسعادة والتغيير للأفضل والأحسن وبناء الإنسان ، ونحن نلهو بالحصى بل بما هو أسوء من الحصى ، بتبلد الحس ، ورفع القضية إلى أعداء الأمة لحلها ، والانتظار بكل تكاسل وخمول كيفية تقسيم المصالح وتمزيق البلاد وتشريد العباد ...

 

علاج تبلد الحس :

1. توجيه النية لله سبحانه وتعالى ، والإخلاص في كل عمل ، لا يلتفت الثائر إلى رضى الغرب أو الشرق بل يتوجه بجسمه وروحه وعقله وفكره وسياسته وقتاله وسلمه إلى رضى الله وحده سبحانه وتعالى ، شاكرا حامدا ربه على أن جعله من أنصار الثورة ، متواضعا فلا يعتدي على نفسه بالتكبر والإعجاب والغرور ، ولا يعتدي على من معه من الثوار ظلما وسيطرة وعدوانا ، فيستشير ، ويتعاون ، ولا يبالي إن كان في الساقة أو في المقدمة ، فليس هدفه منصب أو جاه أو دنيا وإنما متعلق بالآخرة ، محتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى ، قال صلى الله عليه وسلم " إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك "(البخاري ومسلم)

2. وحدة الصف ووحدة الكلمة ووحدة الموقف ووحدة التوجه ووحدة البناء ، هذه الوحدة والتكاتف والتعاضد والتعاون والتماسك تجعل النفس يعيش في حركة ونشاط ، فلا خمول ولا تبلد ولا فتور .. وإنما خلية نحل تعمل ليلا ونهارا .

3. عدم استعجال النصر وقطف الثمرة ، والتركيز على انجازات وايجابيات الثورة ، والابتعاد عن تلميع وتكبير الآلام والمآسي ، والتحلي بالثبات والصبر والتضحية والقوة والشجاعة والتعاون .

4. عدم الانشغال بالأمور الثانوية عن الأمور الأساسية ، والانشغال بالقشور عن اللب ، فالهدف واضح وهو إسقاط الوحش وبناء الدولة المسلمة العربية السورية ، فالتركيز على هذا الهدف هو الأصل ، وعدم إشغال الثوار والشعب بأي شيء آخر ، وعدم السماح للغرب أو للشرق أن يجر الثورة إلى معارك هامشية وحوارات ثانوية تطيل من عمر الوحش .

5. جميع الشعب السوري في الداخل والخارج مطالب بالمشاركة في العمل وإن كان قليلا " أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل" ( البخاري ومسلم ) فالعبرة ليست بكثرة العمل وإنما بالاستمرارية والدوام ، فالثورة ليس منتج له بداية تاريخ وانتهاء كالأشياء المعلبة ، بل هي ثورة لها جذور ممتدة في أعماق التاريخ ، لا تقف عند زمن محدد ، بل هي ماضية إلى قيام الساعة " إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة "(الألباني في فضائل الشام ودمشق)

6. الجهاد في سبيل الله بكافة أشكاله : جهاد الكلمة ، جهاد الفكر ، جهاد التخطيط ، جهاد الاستعلاء ، جهاد السياسة ، جهاد المعركة ، جهاد الإعلام ، جهاد الوحدة ، جهاد القدوة ، جهاد المال ، وكل على قدر استطاعته ، فلا تقاعس ولا فرار ، ولا انهزاميه ، وإنما جهاد واستشهاد .

7. ترويض النفس وتهيئتها دائما على الاستمرارية ، وقبول التحديات وتجاوز العقبات والتأقلم مع مراحل الثورة ، واستيعاب متطلباتها حتى لا ينخر التبلد في جسد الثورة والثوار ، وذلك بتقوية المناعة الإيمانية والتربوية والفكرية ،

8. التذكير الدائم بأننا بشر ، لا يملك الإنسان لنفسه ضرا ولا نفعا ، وأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى ، وأن قدرة الله عز وجل وعظمته فوق كل قدرة .. فيعود الإنسان إلى ربه ، ويخشع قلبه ويستسلم لله سبحانه في كل أمور حياته ، فيما يحب وفيما يكره ، فالشكر والحمد لله المنعم الغني والمغني والرزاق في حالة الرخاء والصبر والحمد لله الرحمن الرحيم الشافي الصبور في حالة الشدة .

إن الشمس هي التي تشرق كل يوم وليس المريخ أو المشترى أو زحل .. والشمس هي التي نراها في السماء فتذكرنا بقدرة الله العلي القدير ، وتذكرنا برحمة الله على عباده والذي لو شاء سبحانه لجعل الليل سرمدا أو النهار سرمدا ..

تشرق الشمس كل يوم فنرى من خلالها تنفس الصباح ، وتدفق المياه ، وتفتح الورود واخضرار الأشجار ، وجمال الجبال والوديان والهضاب والتلال ، فتمتلئ النفوس بالحياة ، وتدب في الأرض الروح والحيوية والحركة ليعيش كل كائن حياته وكل مخلوق طموحاته .

 والعلماء هم شمس البشرية ، وهم الأصل في قيادة الشعوب ، وسلطتها الشرعية هي أقوى السلطات ، والثورة بحاجة إلى قيادة ، وعندما يتولى العلماء عن السير في ركب الثورة وقيادتها يستبدل الله قوما غيرهم ، وتتحقق النذارة الرهيبة كما سيد قطب ، ويتحقق بيان الاستغناء كما سماه الرازي .{ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير }( التوبة : 39)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟

05.03.2014

د. محمود نديم نحاس

تتوالى الأنباء عن طرق الموت المختلفة التي يتعرض لها الشعب السوري، ولعل آخرها بسبب النباتات السامة التي لجأ إليها المحاصَرون في حمص بعد أن نفد ما لديهم من مؤن ولم يعد مجديا البحث عن الطعام بين الأنقاض وتحت الركام، في حين تستمر الطائرات بإسقاط البراميل المتفجرة لتنشر الموت في كل مكان.

رحت أراجع الأحداث وأتساءل لماذا يحصل هذا؟ فتذكرت قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح والتي وردت في سورة الكهف. فقرأتها متأملاً ما فيها لعلي أجد تفسيراً لما يحدث.

فذاك العبد الصالح قد أطلعه الله على جانب من العلم الغيبي بقدر محدود، ولحكمة أرادها. ولذا فإنه نبّه نبيَ الله موسى أنه لا طاقة له بالصبر على تصرفاته، التي حسب ظاهرها قد تصطدم بالمنطق العقلي، وبالأحكام الظاهرة، ولا بد من إدراك ما وراءها من الحكمة المغيبة، مما اضطر موسى أن (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً) فاشترط عليه العبد الصالح (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً).

قام العبد الصالح بثلاثة أعمال: خرق السفينة، وقتل غلاماً، وأصلح جداراً يريد أن ينقضّ في قرية أبى أهلها تقديم واجب الضيافة. وفي كل مرة ينكر موسى عليه السلام عمله، إلى أن كانت النتيجة (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً)، ثم أوضح له الحكمة من كل عمل، ثم قال (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي).

ونرى في موضوع قتل الغلام جانبين: الجانب الغيبي الذي لا نعرفه وهو الذي تنطوي عليه حكمة المولى سبحانه وتعالى، والجانب المشهود الذي تقوم عليه حياتنا ولابد فيه من تنفيذ الأحكام والشرائع التي تحكم تصرفات البشر.

إن الحكمة الإلهية لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة، بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة. وقد شاء الله سبحانه أن يطلع نبيّه موسى عليه السلام على جانب منها فأرسل له العبد الصالح ليقوم بهذه الأعمال كي يعلمه ويشرح له الحكمة من ورائها. فالغلام الذي لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق القتل، يتبين لنا أنه لو عاش لأرهق والديه المؤمنين بكفره وطغيانه، فأراد الله قتله ليبدلهما خيرا منه، وأرحم بهما.

أما في العلم البشري الظاهر، فإن الغلام لم يرتكب ما يستحق عليه القتل شرعا. ولذا فقد اندفع موسى عليه السلام (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً!). إنها جريمة قتل نفس عمداً لا مجال للتأول فيها، وكبيرة لا مجال للسكوت عنها، فانطلق موسى ينكر المنكر الذي لا يصبر على وقوعه ولا يتأول له أسبابا، فالغلام بريء لم يرتكب ما يوجب القتل! ولو لم يكن موسى في خضم أحداث تلك القصة الخاصة لأقام الحدّ على القاتل، فالشريعة لا تأخذ إلا بالعمل الظاهر، ولا تستطيع أن تحكم على الغيب.

وما يجري في سوريا ينطبق عليه الجانبان. ففي الجانب الغيبي لا نعلم حكمة الله فيما يجري، لأنه سبحانه لا يطلع على الغيب إلا من ارتضى، ونحن نترك الغيب له، يدبر الأمر بحكمته، وفق علمه الشامل الذي نقصر عنه، ولا ينكشف لنا عما وراءه من الأسرار إلا بمقدار، في حين تبقى معظم الأمور مغيبة في علم الله وراء الأستار. أما في الجانب المشهود فإنها جرائم، وأيما جرائم، والناس مأمورون بالأخذ على يد القاتل الظالم. وإنه لمن المحزن أن أنصار الشعب السوري قليل، وإذا استثنينا هؤلاء الأنصار، فالباقون ينطبق عليهم قول الشاعر:

الكلُّ مشتركٌ بقتلِكَ، إنّما *** نابَتْ يَدُ الجاني عن الشُّركاءِِ

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com