العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08/12/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كتائب عبدالله عزّام والمخابرات الإيرانية

بدرالدين حسن قربي

المعروف أن كتائب عبدالله عزّام قُدمت لنا إعلامياً كتنظيم جهادي تكفيري قريب من تنظيم القاعدة، تأسس فيما هو معلوم وسمعنا عنه لأول مرة عام 2004 من خلال قيامها بثلاث تفجيرات في منتجع طابا وشاطئ نويبع المصريَيْن، وكانت وراء قصف بارجيتين أمريكيتين في ميناء العقبة عام 2005 . ثم وفي يوم الإثنين الثاني من أغسطس/آب 2010 قام عناصر من الكتائب بقصف مدينتي إيلات والعقبة بخمسة صورايخ غراد. ثم كان تبنيها عملية صواريخ متوسطة المدى 40 كم، التي انطلقت من لبنان وسقطت في منطقة الجليل المحتلّة في 22 آب/أغسطس الماضي 2013. وأخيراً التفجير المزدوج في 19 تشرين ثاني/نوفمبر 2013 الذي كان أمام السفارة الإيرانية.

اللافت فيما عرضناه أنّ عملياتها خلال عشر سنوات تعدّ على رؤوس الأصابع وكأنها عمليات نوعية عند الطلب، وأنها استخدمت صورايخ متوسطة المدى في عملية آب 2013 مما لايمكن توفره لمثل هكذا تنظيم محدود، ثم العملية التفجيرية النوعية الأخيرة، مما مؤداه استعانة التنظيم بجهة ما تقدم له المطلوب من السلاح النوعي فضلاً عن الدعم اللوجستي.

مؤسس هذا التنظيم هو السعودي/ صالح عبدالله القرعاوي، وهو من المطلوبين بشدة لسلطات بلده، وكان يستوطن إيران مقرّاً له، رغم تنقّلاته المحدودة بين إيران ووزيرستان. وبالجمع بين مكان الإقامة وتحركات القرعاوي، ومهمة الكتائب وطبيعة عناصرها، فهذا يؤكّد كلاماً يتداول عن هذه الكتائب منذ نشأتها، بأنها تنظيم أسسته إيران، ويديره سعوديون ليُستخدَم من قبل الإيرانيين في ضرب خصومهم في عموم منطقة الشرق الأوسط.

انتقلت قيادة التنظيم من القرعاوي السعودي إلى مواطنه الآخر ماجد الماجد عقب الإصابة البالغة للأول في ذراعة صيف عام 2012 نتيجة قصف طائرة أمريكية في منطقة وزيرستان، والتي تسببت في القبض عليه وتسليمه للسعودية لأنه مطلوب إليها بشدّة. وفي نفس العام، فقد أدرجت الولايات المتحدة الكتائب على لائحة المنظمات الارهابية.

يلفتنا في تأريخ عمليات هذا التنظيم، أنها توقفت ثلاث سنوات كاملة من آب 2010 وحتى آب 2013 . وأن عملياتها استؤنفت بعملية الخميس 22 آب 2013، التي سُبقت بعملية إرهابية في دمشق ولحقتها عملية إرهابية تالية في طرابلس أيضاً. فقد سبقتها مجزرة الأربعاء 21 آب التي قصف فيها النظام الجزّار الغوطة الشرقية بالسلاح الكيماوي والتي تسببت بمقتل ألف وخمسئة مواطن كان عدد الأطفال فيهم قرابة 400 طفل، ولحقتها عملية إرهابية بشعة بتاريخ 23 آب/أغسطس 2013 ، كانت بتفجير سيارتين مفخختين في طرابلس/ لبنان، أولاهما أثناء خروج المصلين عقب صلاة الجمعة من مسجد التقوى، وثانيتهما بعد دقائق من الأول عند مدخل جامع السلام، واللتان أوقعتا قرابة خمسين قتيلاً و 500 جريح. ومن ثمّ، فليس من قبيل الصدفة أن يأتي قصف الصورايخ على منطقة الجليل وتفجير السيارتين في طرابلس لاحقاً مباشرة لأم جرائم النظام بارتكابه المجزرة التي أوقعته في شرّ أعماله التوحشية وأربكته. ولعل قصف عدد من الصورايخ على الجليل من الجنوب اللبناني وتفجيرات طرابلس التي تلتها، والتي أكّدت اعترافات مجرميها أنها كانت بترتيب وإعداد وتنسيق المخابرات السورية، يجعلنا ننظر للأمر بأنه ليس مصادفة بل هو عمل مدبّر ومقصود لإشغال المنطقة والعالم عن أقبح جرائمه، ولاسيما الضجة الإعلامية الواسعة في العالم التي ترتب عليها تهديده بالضربة الأمريكية ومن ثم موافقته فيما بعد على تسليم سلاحه الكيماوي كاملاً للمجتمع الدولي.

تمّ الإعلان، من خلال حساب تويتر للشيخ اللبناني سراج زريقات عبر تغريدتين محدودتين، عن تبّني التفجيرين الضخمين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية في منطقة بير حسن من الضاحية الجنوبية في بيروت يوم الثلاثاء 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، وتنسيبهما أيضاً لما يُسمّى كتائب عبدالله عزّام، وإعلامنا أنّ من قام بالتفجيرين هما من أهل السنّة، والتهديد بالاستمرار حتى سحب عناصر حزب الله من سورية، وفكاك أسرانا من سجون الظلم في لبنان.

وهكذا من دون مقدمات وبهاتين التغريدتين، عاد حساب الشيخ زريقات الذي قدّم نفسه ناطقاً باسم كتائب عبد الله عزام الى موقع تويتر مرة ثانية بعد توقفه عقب إعلانه عن تبني ضرب الصواريخ على إسرائيل في 22 آب 2013، وإنما أيضاً اختفى مجدداً من دون مقدّمات بعد أن أدّى إعلانه عن تفجيري السفارة الإيرانية. إشكالية التغريدتين الأخيرتين والتي قبلها كانت في تفعيل حساب تويتر وتوقيفه في السابق واللاحق. فمَنْ علّق هذا الحساب، هل هو نفسه الشيخ زريقات ومِن تلقاء نفسه، أم أن هناك من يتحكم بالحساب تفعيلاً وتعليقاً ومِنْ أين ؟ أو بالحساب وبالرجل لأن الشيخ لم يُر منذ بضعة أشهر؟ ثم إذا كان ما كتبه زريقات صحيحاً، فكيف تُعلَن المسؤوليات عن عملية ضخمة على تويتر من دون أن ترفق بفيديوهات تشرح وتفسر كالعادة؟ على كل حال، يبقى ماذكرناه مجرد أسئلة بلا إجابة حتى تاريخه.

وبمناسبة الإشارة لكتائب عزّام، فإني أُذكّر ببيان سابق لها، نشرت بعضه جريدة القبس الكويتية بتاريخ 17 آذار/ مارس 2012 تردّ فيه على ماصدر وقتها عن وزير الدفاع اللبناني فايز غصن ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي حول زعمهم باكتشاف خلية أصولية إرهابية تعدّ لتفجير ثكنة عسكرية تابعة للجيش اللبناني، وتزعم بأن ماصدر عن الاثنين ليس إلا ترداداً لما أملاه عليهما أسيادهما من حزب الله ؛ بل وتوجه البيان فيما نشرته القبس إلى من سمّاهم أجراء الحزب الإعلاميين بالقول: إذا لم تنتهوا عن صنع الأحاديث، سنكشف للرأي العام العروض التي قدمها لنا حزب الله ومخابرات النظام السوري لضرب أهداف في لبنان مقابل ما نريده من المال والخدمات. وزاد البيان في قوله: إننا تكتفي بمثال واحد، وهو عرضهم علينا أن نغتال النائب وليد جنبلاط مقابل إطلاق بعض قيادات المجاهدين من سجون النظام السوري. وعليه، فإن هذا البيان يلفتنا بوضوح إلى صلةٍ ما وتواصل بين الكتائب المزعومة والمخابرات السورية وحلفائها الحزب اللاوية، ويشير إلى أن المخابرات السورية وحلفاءها يمكن أن يستيعنوا بآخرين عند الحاجة للقيام بأعمال إرهابية لمصلحتهم، وتُسجّل مسؤوليتها عليهم باعتبارهم منفّذيها. ومن ثم فليس من المبالغة البحث عن أصابع النظام السوري وراء الكثير من عمليات القتل والإرهاب النوعية، وسيجد من يتابع ويبحبش، ولاسيما ممّن يمتلكون الأدوات والمعلومات والتكنولوجيا، أنه على علاقة بها بطريقة ما، وبشكل خاصٍ منها العمليات ذات الحرفية العالية أو النظيفة كما تسمّى أحياناً، مما معناه صعوبة الوصول من الجريمة المشهودة إلى حقائقها وخفاياها في وجهها المظلم. يُمكّن النظامَ من أداء هذه العمليات أجهزةٌ أمنية متغوّلة ومتوحشة، ومخبرون أمنيّون، وشبكات من رجال مالٍ وأعمال وتنظيمات جهادية مُختَرَقة ومعتقلون منها، وشركات ومكاتب تغطي الأعمال والمهمات والعمليات، تتعدد جنسياتهم بتعدد حلفائه ومحازيبه. وعليه، فإنه لا يوجد مكان في العموم خلواً من متابعاته وعملياته وآثامه.

وبمناسبة التفجيرين أيضاً، فإننا نذكّر بأن العملية جاءت موافقةً لانعقاد مؤتمر الأحزاب العربية الاستثنائي الطاريء في دمشق لمواجهة الفكر التكفيري المتطرف والمؤامرة المزعومة التي يواجهها النظام الكيماوي. فهل جاءت هذه التفجيرات مصادفة في هذا التاريخ أم أنها كانت مرسومة، وتستهدف شد الأنظار إلى أن ماتواجهه عصابة الأسد هو من صنف الإرهاب الذي يتهدد المنطقة، وليس ثورة شعبية لها مطالبها واستحقاقاتها برحيل بشار الجزّار القاتل ونظامه الإجرامي، كما نذكّر أيضاً بأن عموم المشهد في إخراجه يلفتنا فيه كثرة شبهه بسيناريو أحمد أبوعدس عقب العملية الإرهابية في مقتل الحريري

انتهاءً، أياً كانت تفجيرات السفارة في خفاياها وظواهرها، فإن البشر الأسوياء ينكرون القتل والتفجير ويتقززون منه فطرةً وطبعاً. وإذا كان هناك من كلام يمكن قوله، فهو تشديد الإدانة والاستنكار لجرائم كبرى ومجازر غاية في القبح والبشاعة ترتكبها إيران وحزب الله على الأرض السورية حدّ دعوة حسن نصرالله لخصومه السياسيين اللبنانيين بأن من أراد أن يقاتله فليأت إلى سوريا، والتأكيد أيضاً على أنه لا ينبغي لعقلاء الناس أن يتوقعوا أن يكون نتاج جرائمهم إلا مزيداً من القتل والدمار، فطبّاخ السمّ لازم يذوقه، ومن يزرع الريح يجني العاصفة، ومن يزرع الشوك لايجني العنب.

يوتوب مصور عقب التفجيرات..

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=29ZsRMpy9v8

فيديو يظهر السيارة التي استهدفت السفارة الايرانية قبيل التفجير.

http://www.youtube.com/watch?v=_NnhUrUb6U8&feature=player_embedded

بيان كتائب عزّام الذي نشرت بعضه جريدة القبس الكويتية

http://faroukit.blogspot.ca/2012/03/blog-post_8871.html

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأمراض تفتك بالشعب السوري

د. محمود نديم نحاس

لو سمع أهل التقنية عن طبيب يجري ولادة قيصرية وهو يأخذ تعليماته من الإنترنت، لقالوا: إن هذا هو التقدم الحقيقي. لكن الواقع هو أن الطبيب الجراح الذي يعمل في المستشفى الميداني بحي القابون في دمشق لم يجد غير هذه الطريقة لتوليد امرأة بعد أن قُتل أو هرب معظم الأطباء من المنطقة. وما هو مستشفاه؟ إنه قبو في أحد المباني لا تفارقه مشاهد الموت حيث يخرج منه الشهداء إلى المقبرة بعد أن يعجز عن إسعافهم، فكانت ولادة الطفلة تعويضاً عن مئات الشهداء الذين قضوا في هذا المكان في ظل القصف العنيف والحصار المفروض على ريف دمشق.

لكن هذه الحالة الناجحة يقابلها حالات تذرف لها الدموع. فمن كان يتصور أن ينتشر بين السوريين التهاب الكبد الفيروسي الوبائي؟ ثم وباء التيفوئيد (الحمى التيفية)؟ والحمى المالطية؟ والقمل والجَرَب؟ ومرض اللشمانيا الجلدي؟. وما ذلك إلا لعدم توفر الأدوية التي تُستخدم عادة لمنع انتشار الأوبئة التي تهدد حياة المصابين.

وفي ظل الحصار المفروض على كثير من المناطق في سوريا لا تتوفر الأدوية المناسبة، وكذلك فإن عيش النازحين والمهجرين مكتظين في ظروف صعبة للغاية فإن خطورة الأوبئة تزداد، إذ لا يمكن عزل المرضى، كما لا يمكن منع المحيطين بهم من استخدام حاجاتهم الشخصية. ويُضاف إلى هذا تلوث المياه والأطعمة وتراكم كبير للأوساخ والقذارة وأكوام القمامة مما يهدد بكارثة صحية. وتقوم بعض المنظمات الإغاثية بجهود مشكورة لتأمين المستلزمات العلاجية للمرضى، لكن الخرق اتسع على الراقع.

وإذا كانت الأدوية غير متوفرة فمن باب أَولى عدم توفر اللقاحات الخاصة بتطعيم الأطفال، مما يهدد باحتمال ظهور العديد من الأمراض الخطيرة، مثل السل والسعال الديكي والحصبة وشلل الأطفال والتهاب السحايا.

ومع استمرار المعاناة والحصار ظهرت أمراض سببها نقص التغذية مثل مرض نقص (الوارد البروتيني الحروري) الذي نسمع عن انتشاره في دول أفريقية فقيرة، بسبب نقص الغذاء للكبار وعدم توفر حليب الأطفال الرضع حيث جفّت أثداء الأمهات من الأهوال وعدم توفر الطعام.

ولنتصور عدم توفر أدوية الضغط أو السكري أو الكوليسترول أو أمثالها للناس المصابين بهذه الأمراض، ما هي معاناتهم وما هو أملهم بالبقاء أحياء؟ ناهيك عن المرضى الذين بحاجة لتصفية الكلى كل يومين أو ثلاثة أيام.

والعجيب أنه خلافا لما تمليه المواثيق الدولية، فإن المستشفيات هدف مستباح لنيران قوات النظام، حيث هُدّمت مستشفيات كثيرة مما زاد الطين بلة.

والموضوع المثير للقلق هو أن منظمة الصحة العالمية تحذر من حالات تفشي مرض شلل الأطفال بسوريا في ظل انعدام التلقيح ضده، حيث تم تسجيل بعض حالات للمرض الذي ينتقل عن طريق الأطعمة والمياه الملوثة، وينتشر بسرعة بين الأطفال.

وتُقدر منظمة الصحة العالمية وجود 65 ألف طفل دون الخامسة عرضة للإصابة بالمرض. وقد حذّر علماء ألمان من انتقال المرض إلى أوروبا بواسطة اللاجئين السوريين وذلك بعد عقود من اختفائه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما تتكلم الأرقام، ويكون لها دلالات.

بدرالدين حسن قربي

أظهر التقرير السنوي، الذي أصدرته في 3 كانون الأول/ديسمبر 2013 منظمة الشفافية الدولية وهي منظمة غير حكومية، بأن سوريا والعراق وليبيا والسودان والصومال ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم وفقاً لمؤشرات الفساد والمعايير المعتمدة في الدول التي تتم فيها الدراسة. ومن ثمّ فقد حلت تلك الدول على التوالي في المراتب 168 و171 و172 و174 و175 من أصل 177 دولة شملتها دراسة المؤشر.

كما أظهر التقرير عربياً، بأن الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وسلطنة عمان والسعودية هي أقل الدول العربية فساداً باحتلالها المراتب 26 و28 و57 و61 و63 على التوالي، وجاءت الكويت بالمرتبة 69، وتونس في المرتبة 77، ومصر في المرتبة 114 واليمن في المرتبة 167.

وأمّا عالمياً، فقد أظهر التقرير، أن الدانمارك ونيوزيلندا جاءتا في المركزين الأول والثاني في قائمة المؤشر، في حين تشاركت فنلندا والسويد في المركز الثالث، وحلّت النرويج في المركز الخامس، وجاءت كل من ألمانيا في المركز الثاني عشر، واليابان في المركز الثامن عشر، والولايات المتحدة في المركز التاسع عشر، أمّا الصين ففي المركز الثمانين.

وبسبب اهتمامي بالشأن السوري، فإني أستعرض منطوقات بيانات منظمة الشفافية في سنواتها العشر الأخيرة لملاحظة التعمق في الفساد والإفساد والتغييرات فيه من خلال مرتبته مقارنةً مع عدد الدول المشمولة بالدراسة.

 

سنة الدراسة

2004

2005

2006

2007

2008

2009

2010

2011

2012

2013

درجة الفساد

71

67

93

138

147

126

127

126

144

168

عدد الدول في التقرير

146

163

163

179

180

180

180

180

174

177

 

 

 

مايلفتنا أن عصابة النظام السوري وشبّيحته يرون خيراً وبركة في منطوق البيان الأخير، الذي أظهر بأرقامه سوريا ولا فخر ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم لعام 2013 خصوصاً مع أجواء المؤامرة على المقاومة والممانعة بزعمهم. وهي رؤية لاتعجب المعارضين ولاترضيهم، لأنهم بسبب كراهيتهم للأسد وعصابته وحقدهم عليهم حسب قناعة الأخِيرين، لايرون نصاعة الحقيقة بل ويغمضون أعينهم عن أن المقاومين والممانعين هم الأقل درجة في الفساد بين هذه الدول العشرة. في حين يردّ المعارضون بقناعة مؤدّاها: أن أقل العاطلين عطلاً بين عاطلين، وأقل الفاسدين فساداً بين فاسدين، لاينفي عنه سوء العطل وقبح الفساد، فتقارير منظمة الشفافية السنوية وبياناتها تتحدث عمّا تم كشفه من الفساد وليس حجم الفساد الحقيقي. ومن ثمّ فإن أرقامها تؤكد زيادةً كبيرة في معدلات الفساد، وطفحاناً في السرقة والنهب في عموم وطن بات للفساد فيه إمبراطوريات، وغدا له أباطرة وعتاولة متمترسين في كل منشآت الوطن وحاراته وزواريبه، فأوصلوه إلى مرتبة من الفساد مذهلة لم يبق عليهم فيها إلا أن يشدّو حيلهم قليلاً، ويسجلون المرتبة الأولى عالمياً.

على كل حال، وأياً كانت البيانات والأرقام، فقد أدرك عموم السوريين عِظَمَ الفساد الذي لحق بالبلد في عهد دجالي الصمود والمقاومة، وحجم القهر والقمع والفاشية التي مورست على جماهيرهم الفقيرة والمصخومة بما كانوا يواجهونه كل ساعة وكل يوم من جلاديهم وسارقي لقمة عيشهم، وبما لا حاجة لهم معه لا إلى أرقام منظمة الشفافية ومؤشرات الفساد ولا بياناتها، فانطلقت ثورتهم المباركة وقد انفجر بركانها منذ ثلاثة وثلاثين شهراً ماضيةً بأقدار الله إلى أهدافها في التخلص من لصوص الوطن ومصاصي دماء فقرائه ومعتّريه، وقامعيه وسفّاكيه وجزّاريه، ومخرّبيه ومدمّريه وحارقيه.

http://www.transparency.org/cpi2013/results

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دولة قطر و نصرة الثورة السورية ؟

 داود البصري

الشرق القطرية

5/12/2013

من أهم سمات وصفات أنظمة الاستبداد الشمولية وأحزاب التخلف والعنجهية الفاشية الكذب البواح والصريح بأقصى درجاته وأبعد متبنياته! ، وما نشر من معلومات حول سعي رسمي قطري للتفاهم والتعاون مع النظام السوري المجرم وضرب الثورة السورية من الخلف وتغيير المواقف المبدئية والإنسانية لدولة قطر ! ، لايعدو أن يكون سوى زوبعة في فنجان! ، وسوى هراء محض من الأكاذيب الرخيصة والمتهاوية التي لا تصمد أمام حقائق وقوة وواقعية المواقف السياسية القطرية المتوازنة والمسؤولة والمعبرة عن مواقف أخلاقية ومبدئية ليست خاضعة أبدا للمقاييس المزاجية الخارجة عن نطاق المواقف الملتزمة ، ليست دولة قطر من تمارس الازدواجية في المواقف ، وليست الدبلوماسية القطرية من تلعب على كل الحبال ؟ ، كما أن قطر لم تكن يوما ما في وارد التخلي ولو بشكل مؤقت أومصلحي عن مواقف مسؤولة دفعت أثمانها الكثير من مصالحها المادية فيما لو كانت تهدف لربح مادي أو للمتاجرة بدماء الشعوب والتكسب من خلال ذلك ؟! ليست دولة قطر يا سادة ياكرام هي الطرف الذي يمكن أن يمارس الميكافيلية السياسية بأبشع صفاتها وصفقاتها ، فحينما يتحدث النظام السوري الآيل للسقوط أو حليفه الإستراتيجي حزب الله اللبناني عن تبدل في المواقف القطرية ؟ فهم إنما يعبرون عن أمنيات ليست موجودة إلا في خيالاتهم المريضة والتي تصور لهم أمورا يتمنون أن تحدث ؟ ولكنها لم تحدث ولن تحدث مطلقا ، فدولة قطر لا تمارس عمليات المتاجرة السياسية الرخيصة وهي قطعا لا تنطلق في عمليات النخاسة السياسية ولا الابتزاز ، قطر لاتتواصل سوى مع الأحرار وهذا عهد تبناه وقطعه على نفسه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ويتواصل هذا العهد الحر مع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد أمير الأحرار الذي لا يقبل الضيم ولا المشاركة في دعم وتسويق قتلة الشعوب ومجرميها من أنظمة العار والشنار والقتل الشامل .

كل الشائعات والفبركات الخبرية التي يشيعها النظام السوري المتمرس في عمليات التلفيق المخابراتية ، والمتبحر في عوالم الكذب الرخيص لا يمكن أبدا أن تجد لها سوقا في واحة الحقيقة ، فمن يعرف دولة قطر وقيادتها ورقي دبلوماسيتها لايمكن أن يصدق كل هذه الفبركات المتهاوية الرخيصة ، الثورة الشعبية السورية الكبرى انطلقت لتنتصر وترتفع رايتها فوق روابي الشام لا لتنتكس أوتتقهقر ، والانتصارات الميدانية الأخيرة للجيش السوري الحر وتراجع وانحسار وخوار قوى النظام وحلفائه المجرمين قد أرعب حلقات الشر والجريمة واضطرهم لممارسة الأكاذيب والدجل والذي هو ديدنهم وعنوانهم الثابت والأصيل ، تقدم الثوار بات حقيقة ميدانية إستراتيجية لا تدانيها أو تقترب من حافاتها أية أكاذيب أو فبركات ، ودولة قطر في النهاية لا تعمل في الظلام وخلف الكواليس المعتمة ، بل تمارس دبلوماسيتها المسؤولة وتعلن عن مواقفها الحرة تحت ضوء الشمس وأمام العالمين وبلسان واحد عربي مبين لا أثر للنفاق أو الدجل أو التراجع والنكوص فيه... دولة قطر باقية على العهد والوعد ، والأحرار لا يبيعون ويشترون بدماء الشعوب الحرة ، كل الاتصالات القطرية كما هو معلوم تصب في مجرى واحد وهو نصرة الثورة السورية وتقريب يوم الخلاص السوري واللجوء لمختلف السبل الكفيلة بحقن دماء السوريين ومنع كارثة الانهيار السوري التام وتقسيم الشام وفق مخطط النظام المجرم لا سمح الله ! ، وأي حديث أو تصور مخالف لتلك الإستراتيجية القطرية الواضحة والملتزمة ليست سوى فبركات رخيصة وأكاذيب ساقطة وأوهام مريضة.. أمير الأحرار والشعب القطري الحر لن يكونا أبدا في الصف والاتجاه المعاكس لمنطق التاريخ الذي يؤكد حتمية انتصار الشعوب الحرة وهزيمة قوى البغي والعدوان والجريمة... دبلوماسية دولة قطر التي يصوغ عقدها سمو الأمير والقيادات المختصة قرأت الواقع واستوعبت التاريخ وهي تعمل بموجب أخلاقها ومثلها المستمدة من الدين الحنيف وتراث الأجداد في نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف.. والأحرار في النهاية لا يرتضون عن الحرية المقدسة بديلا.. أما المجرمون وأهل الإرهاب وقتلة الشعوب ، فدعهم في غيهم يعمهون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مفاتيح دمشق

زهير قصيباتي

الحياة

5/12/2013

انشغال القوى الكبرى بمتابعة ملف تدمير الترسانة الكيماوية السورية، وترك مسار الصراع بين النظام في دمشق والمعارضين المسلحين منفلتاً بوتيرة القتل والتدمير، كراً وفرّاً، لا يوحيان بأن الروس والأميركيين خصوصاً يسعون بجدية للتحضير لمؤتمر «جنيف2». فقطبا المؤتمر، واشنطن وموسكو لا يمكن أن يراهنا على غلبة واضحة لواحد من طرفي الصراع في سورية، فيما الفترة الباقية حتى 22 كانون الثاني (يناير) تتآكل سريعاً، وأنباء القتال لا تقرّب مسرح المفاوضات.

لا أحد يصغي، ولا أحد يستجيب، قال المبعوث الدولي- العربي الأخضر الإبراهيمي بعدما سئم التحذير من صومال كبير في سورية، يتنازعه «أمراء حرب»، إن لم يتفاوض السوريون على الحل السياسي. لم يمضِ يومان حتى عاجلت دمشق الإبراهيمي مجدداً بما يحبط آماله بسورية «جديدة ديموقراطية، تعددية غير طائفية».

والحال أن محاولات النظام تتكرر في سعيه الى قصف مسرح المفاوضات في «جنيف2» الذي لا يريده إلا بشروطه، فيما هو المطالَب بالتنازل أمام مرحلة انتقالية، وبأن يقتنع بأن الثورة لم تكن إلا لتجريده من احتكار القرار على الأقل... واحتكار تقرير مصير السوريين.

قبل «جنيف2»، حسمت دمشق مسبقاً نتيجة المفاوضات، لأن «الرئيس بشار الأسد هو قائد المرحلة الانتقالية... إذا وصلنا إليها». والوجه الآخر لهذا الإصرار، لا يعني عملياً سوى تخيير المعارضة بين الانتحار و... الانتحار، بعد كل الأثمان الفادحة التي دُفِعت من دماء السوريين، مدنيين ومسلحين معارضين، ومن أرواح الذين ينتمون الى مؤسسات الدولة وأجهزتها.

لسان حال المعارضين سخرية من عبث النظام الذي ما زال يستقوي بالمظلة الروسية- الإيرانية وبحلفاء من العراق ولبنان. والسؤال هو بعد كل ما حصل خلال الثورة والحرب ومآسي المجازر والتهجير والنزوح، إلى أين سيقود الحكم البلد إن تُرِك له مجذاف مرحلة انتقالية إلى برّ سورية الديموقراطية؟

الأكيد أن طرح خيار من هذا النوع، لا يشي إلا بمسعى دؤوب لتخريب «جنيف2» قبل انطلاق قطار التفاوض فلا ينعقد إلا بحسم عسكري، فيما قبول موسكو رغبة النظام السوري ليس مضموناً، فكيف بقبول إدارة الرئيس باراك أوباما ترك حبل إملاء الشروط معلّقاً على ما يريده الأسد؟ وإن كان يشبه الخيال انصياع «الائتلاف الوطني»، فذاك يرجّح أيضاً فرضية إقدام دمشق على إحباط الجميع، كلما بدا أن احتمالات انعقاد «جنيف2» تتبلور على سكة توافق إقليمي. فالنظام يدرك أن غالبية المعارضين لا يمكنها النوم على حرير جنيف، لتصحو على «أشواك» انتصاره... وهذه لدى كثيرين منهم أمّ الكارثة.

قصف آخر على جنيف، اعتماد وزير الإعلام السوري عمران الزعبي المندد بأوهام «تسليم مفاتيح دمشق»، لغة التصعيد في المعادلة الإقليمية، بل أقصى تصعيد للإيحاء بأن النظام ما زال قادراً على إملاء لائحة المشاركين في المؤتمر. وهو إذ يرفض حضور السعودية، يحبّذ مشاركة إيران التي ترفضها المعارضة.

في التصعيد ذاته الذي يعود إلى الذروة، مؤشران: الأول يستبعد انعقاد المؤتمر في موعده، ما دامت لائحة المشاركين لم تُحسم، والثاني يطرح أكثر من سؤال حول الافتراق الظاهر بين ما تعلنه إيران عن نيتها فتح «صفحة جديدة» إقليمياً، خصوصاً مع السعودية، وبين ذهاب «حزب الله» بعيداً في انتقاده مواقف المملكة من الصراع في سورية. فهل هو توزيع أدوار بين إيران والحزب أم «صدمة» لدى حلفاء طهران ودمشق، أم هواجس خفية وراء كل الضجيج الاحتفالي بالاتفاق النووي بين إيران والغرب، وارتياح قيادة خامنئي- روحاني إلى بدء فصل التطبيع مع «الشيطان الأكبر»...؟ «الشيطان» الذي انتزع الأسنان الكيماوية السورية فأرضى إسرائيل، ونزع أي أمل لدى المعارضة بالرهان على دعم أميركي لتغيير النظام في دمشق، فأرضى حليفها الإيراني.

حتى الآن، ما يثير الارتياب على طريق جنيف التي قد لا يصل إليها قطار التفاوض، هو تصفية حقوق الثورة كلما تآكلت قضاياها بفعل تفرّج الكبار، وكذلك نُذر مواجهة إقليمية مكشوفة أول مَنْ يتضرر منها لبنان المتأرجح على تخوم الحرب السورية... كلما نأى بنفسه، لفحه لهيب الفتنة، متواطئاً مع الخراب ومحنة اللاجئين الكبرى.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: من «النصرة» إلى «الدولة»

محمد سامي كيال

الشرق الاوسط

5/12/2013

لم يركز الكثير من المهتمين بالجماعات الجهادية التي نشأت في سوريا أخيرا، على دراسة الآيديولوجيا والفكر المعلن لهذه الجماعات، ومحاولة تحليله، وقياسه بالظرف الاجتماعي والتاريخي الذي نشطت وتفاعلت ضمنه، بل كانت أغلب تحليلاتهم تنصب على سرديات شبه بوليسية لظهور وعمل هذه الجماعات، مما أخر كثيرا ظهور دراسات تعنى بدراسة هذه الجماعات من الداخل، وجعلت معرفتنا عنها تقتصر على تحديدات سطحية، ركزت على الغرائبي والشاذ فيها، ضمن معايير مرهونة بآيديولوجيا المحلل ورؤاه السياسية الأحادية.

وإذا كان لنا أن ندرس الفكر المعلن للجهادية في سوريا، فسنصطدم في البداية بأن التشكيلات الأولى للجهاديين لم تعلن لنفسها فكرا محددا، مكتفية بخطاب إعلامي شديد الاحترافية، ركز على الكفاءة العسكرية منقطعة النظير في مواجهة جيش النظام، مع غموض متعمد حول المقاصد السياسية والاجتماعية لقتالها، والاكتفاء بدمدمة مبهمة عن مبدأين مترابطين عضويا؛ هما «الغربة» و«النصرة».

لفكرة «الغربة» امتداد معروف في التراث الإسلامي، خاصة الصوفي منه، ودلالاتها القديمة تنصب أساسا على الهجرة الروحية (وقد تتبعها هجرة مكانية) عن ماديات العالم القائم على الفساد والشرك، إلى فضاءات الإيمان والصلاح الأخلاقي، وعرفت الفكرة تطورا مهما مع ظهور «الرباط» على الثغور الإسلامية، وهو تجمع عسكري - صوفي للمقاتلين المسلمين الذين هجروا ملذات الحياة للدفاع عن حدود بلاد الإسلام، واندمج تنظيمهم العسكري مع تنظيمهم الديني في حلقات صوفية. ورغم العداء الشهير بين الصوفية والسلفية، فإن السلفية الجهادية مع ظهورها استعادت مفهوم الغربة بكل أبعاده، فباتت الغربة الروحية ومن ثم العسكرية، غربة جهادية لأفراد شبه منبوذين من مجتمعاتهم «الفاسدة»، تركوا كل شيء وراءهم وهبوا لنصرة المسلمين المضطهدين على امتداد العالم.

مع نشأة جبهة النصرة في سوريا، بدا أن الجهادية بنسختها السورية قد استعادت أفضل ما في أرشيف «الغربة»، فأولئك المقاتلون المحترفون، رغم كل ظلال الشك التي تحوطهم، أعلنوا بشكل غير مباشر أن هدفهم «النصرة» وليس «السيطرة»، عاشوا على أطراف البلدات والمدن، ولم يتدخلوا بشكل مباشر بشؤونها، وعرفوا بانعزالهم وأخلاقياتهم العالية إذا قيست بأخلاقيات بقية الكتائب، وبعدم تورطهم بأعمال السلب والخطف، قاتلوا النظام بكفاءة عالية، وإمكانات لوجيستية معقولة، مما دفع الكثير من مقاتلي الجيش الحر إلى ترك كتائبهم والانضمام لـ«النصرة»، بعد الخضوع لتدريب عسكري متقدم وإعداد آيديولوجي غامض، يسمح بالحفاظ على «نخبوية» الحركة.

فضلا عن هذا لعبت «النصرة» في بعض المناطق دورا اجتماعيا هاما، من حيث الإغاثة والدعم والإدارة الحياتية البدائية، وساهمت في إحداث تغييرات اجتماعية هامة، كما حدث في مدينة بنش الإدلبية، التي عُدَّت في إحدى الفترات عاصمة النصرة في سوريا، حيث ساهمت «النصرة» بشكل خفي في رفع عناصر قيادية جديدة من الفئات الشعبية الأكثر فقرا والعائلات الصغيرة، وحطمت التسلط الاجتماعي والعسكري للعائلات الكبرى المتنفذة التي هيمنت على المدينة بعد تحريرها، وكادت تدخلها في معمعة صراعاتها البينية الصغيرة.

وعلى عكس فصائل جهادية سلفية أخرى كـ«أحرار الشام»، لم تصدر «النصرة» أي منهجية فكرية أو سياسية مكتوبة، واكتفت بالدعاية لنشاطها العسكري، واستغلت بذكاء جملة الاتهامات والتساؤلات التي طرحها الآخرون حولها لإكمال نسج هالة الغموض المثير المطلوب حولها، مستثمرة مبدأ مهما في سردية الغربة، وهو أن الغرباء مظلومون من الأغلبية، يساء فهمهم، ولكنهم لا يأبهون ما داموا مصرين على اغترابهم عن حيثيات هذا العالم.

باختصار أجابت «النصرة» بكفاءتها العسكرية، وتيمتها الأثيرة حول «النصرة» و«الغربة»، وبتعاملها الاجتماعي مع البشر، عن الكثير من متطلبات الفئات الثائرة، والأكثر تهميشا وتضررا في المجتمع السوري، وأمدتهم بآيديولوجيا براقة ضمن حرب وجود دموية قاسية، مما أكسبها قاعدة بشرية قوية نفذت إلى مفاصلها القيادية وأعطتها سمتا محليا واضحا، دون التضحية بـ«نخبويتها». هذا الدهاء في التعامل يجعلنا نتساءل عن حقيقة «الغربة» التي طرحتها «النصرة»، هل هي فعلا صفاء صوفي عميق منزه عن الغرض، أم استثمار آيديولوجي سياسي واع، شديد النجاعة والربحية؟!

حدث شهير كان بمثابة القطيعة مع هذه السيرورة والتطور الطبيعي لها في الآن ذاته، وهو إعلان البغدادي لدولة العراق والشام الإسلامية، ودمج «النصرة» في بنيان دولته، والاعتراض المهذب للجولاني زعيم «النصرة» على هذا الإعلان، واستعانته بالسلطة الرمزية لأمير الجهاد الظواهري ومبايعته له، ومن ثم إعلان هذا الأخير حل الدولة.

كان استثمار حيثية «النصرة» وتقدمها في سوريا أمرا متوقعا، فـ«الغربة» المغرقة بتاريخيتها حقا، والعاملة بذكاء ضمن معادلات الواقع الاجتماعي وتعقيداته، والمسيطرة على الكثير من الخطوط والمفاصل، كان لا بد لها يوما أن تصل إلى إنتاج سلطة مكرسة وواضحة المعالم، ضمن حدود الممكن والظرف العام. هنا يكمن الاختلاف الأساسي بين البغدادي والجولاني، فتوقيت إعلان الأول وفجاجته، وسعيه للهيمنة دفعة واحدة على ما عمل أمراء «النصرة» على بنائه بصمت وصبر طيلة شهور مريرة، وعدم التفاته إلى الخصوصيات المحلية وتعقيداتها، جعل إعلانه تسلطيا أرعن، ومغتربا في عمقه!

لم يمنع هذا دولة البغدادي من اجتياح الأرض السورية، ومن قيام الكثير من المقاتلين الأجانب والسوريين بتغيير ولائهم من «النصرة» إلى الدولة، إلا أن دولة البغدادي بقيت غريبة عن وسطها مهما حصلت من مبايعات شكلية، كما أن أسلوبها التسلطي في التعامل مع الناس وقعودها عن حرب النظام وانشغالها بتثبيت أسس سيطرتها وتوسعها في الأرض المحررة، جلب عليها الكثير من النقمة والعداء. موضوعيا قدمت دولة البغدادي للنظام كل ما يحتاجه في حربه الإعلامية ضد الثورة، سواء على الصعيد الداخلي بين المؤيدين والمعارضين، أو دوليا في الأوساط التي تمتلك حساسية خاصة من الإسلاميين. لم يتورط أنصار «النصرة» المخلصون بحرب معلنة ضد الدولة، وصبروا على ابتلاعها لمواقعهم ومقاتليهم، ولكن إلى حين، فتدريجيا تنحط دولة البغدادي وتعزل، وتأخذ مكانا غير مستحب في المقاولات السياسية الإقليمية، في حين تمضي «النصرة» بتحالفاتها ومنهجها العسكري القديم لتحاصر الدولة من جانب خفي، وإن كانت في إطار هذه الحرب شبه الباردة قد اضطرت للكشف عن الكثير من أوراقها ومطامحها الحقيقية.

ضمن هذا السياق، وعلى العكس مما يبدو للوهلة الأولى، تبدو دولة البغدادي مغرقة في «غربتها» في حين يظهر منهج «النصرة» أقرب لطموح «الدولة». ولكن مع استفحال الخراب الاجتماعي السوري، وغرق قادة الحرب في مناكفاتهم السلطوية المحلية، دون عميق التفات إلى تماسك قاعدتهم البشرية المفترضة، لم يعد من الممكن الحديث كالسابق عن إجابات على متطلبات اجتماعية ما، فلعبة الحرب والسلطة ضمن هذا الوضع، لن تجعل من قادة هذا الصراع أكثر من أمراء حرب من ورق على أرض يباب.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : المعارضة السورية هل تستعيد الحميمية البينية ؟!

04.12.2013

زهير سالم

كنت سأكمل مقالي عن الدولة السورية المنشودة : إسلامية ..أو مدنية ..أو علمانية ؟! ولكن فرضت هذه الأفكار نفسها عليّ كمدخل أساس لذلك المقال ..

يعج فضاء المعارضة السورية السياسية والثورية اليوم بعشرات الألوف من الأشخاص والأصوات ؛ ولكن هذا لا ينسينا أن نذكر أن شتاء طويلا عشناه كسوريين معا يوم كنا لا نسمع في فضاء المعارضة السورية إلا أصواتا محدودة أو عشرات الأصوات . كنا ندرك يومها أن المعارضة والثورة كامنة في نفوس السوريين وفي عقولهم وقلوبهم كمون النار في حجره كما يقولون . ولكن حصاد الأصوات بين الداخل والخارج كان محدودا .

في ذلك الشتاء الذي دام عقودا وليس فصولا ، كنا كمعارضين سوريين نتدفأ ، بعضنا على أسماء بعض . أو دعوني أعتبر هذا بوحا شخصيا فأقول : كنت من الذين يتدفؤون على كل إيماءة أو إشارة أو كلمة تصدر عن معارض . وأحيانا كنا نفعل بكلمات بعضنا كما نفعل كنقاد أدبيين بمعلقات كبار الشعراء ، نحملها كل ما نشتهي أو نحلم ...

 

وكنا إذا مرّ بنا حيث نكون معارض من أي هوية أو إيديولوجية ( سياسية أو فكرية ) نحتفي به ، ونلتف حوله كما سمار الشتاء حول الموقد ، نستمع إليه ونصغي إلى كل حرف يقول . لم يكن ذلك أبدا متصنعا ولا مفتعلا . كنا جميعا نحلم بسورية منتدى للحرية يلتقي أبناؤها ويعبر كل شخص منهم عما يريد .

 كنا نشعر أننا– كمعارضين سوريين - أبناء أسرة واحدة ، يجمعنا هدف مرحلي واحد . وكان هذا الهدف المرحلي يسد الأفق أمام أعيننا فلا نرى عن إرادة وقصد وتصميم ما وراءه . كنا نريد دولة سورية تقوم على دستور حقيقي ويسود فيها القانون . وكان الأكثرون ينظرون بريبة شديدة إلى كل من يتساءل عما بعد الهدف المرحلي ، ولاسيما إذا كان صاحب هذا التساؤل من الرموز المعلَّمين . وعندما كان هذا يصدر عن بعض القواعد الحزبية كانت تؤخذ بالتوعية والترشيد . ( ليس وقته ) ( نحرز الأرض ونحرثها ثم نتوافق على نوع البذار : حنطة أو شعير ) ..

أولوية تناساها من يريد اقتسام جلد الدب قبل صيده اليوم .

 الأسماء التي أحفظها من ليالي الشتاء تلك ما يزال لها مكانتها في نفسي . نختلف ونتفق نعم ، ولكن ما يزال الصوت يحتفظ بدفئه . أحيانا يصدر عن بعض هؤلاء كلمات أقدر أنها غريبة عن عقولهم التي خبرتها وأنها مجرد نفثات لها دواعيها ، وافقت أو خالفت .

بعض أصحاب هذه الأصوات لقيته وجالسته وتعرفت عليه وسامرته ، وبعضهم تعرفت عليه من خلال ما كتب وما قال وما فعل ..

لا أريد أن أذكر أي أسماء لأنني لن أستطيع الإحاطة ، لا أريد أن اخص أو أنسى . وإنما أريد أن أذكر واقعة معبرة من السيرة النبوية يوم كان الرسول الكريم يقوم لإحدى النساء محتفيا ويقول : إنها كانت تأتينا أيام خديجة . بهذه النفسية أذكر وأصغي لكل ما يقول وما يفعل أي معارض كنا نعارض معه في ذلك الشتاء الطويل ...

أحيانا تنتبزني بعض الأصوات : كيف تواصلتم أو التقيتم مع .. ، ويذكرون ما شاء لهم أفق لحظتهم من الأسماء . هم يظنون أن الفعل المعارض قد بدأ بهم وحط عندهم وأن سورية بدورهم أصبحت ( قمرة وربيع ) . إن الذين أدلجوا وسروا بشعلة المعارضة السورية في تلك الليالي الشاتيات غابوا أو حضروا ماتوا أو ما زالوا ينتظرون هم أصحاب سابقة في قلوبنا ونفوسنا أو هكذا يجب أن يكونوا ..

واليوم وهذا خطاب لكل أولئك الأصدقاء العقلاء النجباء ، ولكل من يريد أن يلحق بهم :لا أريد أن أقول علينا أن نتجاوز خلافاتنا . فخلافاتنا هي الأصل الذي ثرنا للمطالبة بحمايته واحترامه . كل الذين أريده أن نستعيد نظرة الاحترام المتبادل . وتلك اللغة الحميمية التي تعودنا أن يتحدث بها بعضنا عن بعض ، وأحدنا عن الآخر .

 يركب أحدنا أحيانا في طائرة ، وتكون الرحلة طويلة ، فيرى أن ينشئ بعض الخصوصية بينه وبين جاره في المقعد . وهذا وطن نعيش معا فيه . وإذا قال البعض الرحلة طويلة سأقول له إن العمر قصير . كمواطنين سوريين عقلاء ومتمدنين أقترح أن نعيد بناء علاقتنا على التي هي أحسن ، وأن نحتوي خلافاتنا كما يحتوي خلافاتهم كل قوم متحضرين ..

قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحب فلانا ، قال له الرسول الكريم : أأخبرته ؟ قال : لا ، قال قم فأخبره ...

أيها السوريون الرافضون للظلم والقتل والطالبون للعدل والمساواة إني أحبكم جميعا ...

لندن : 29 / محرم / 1435

3 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ميثاق ‘الجبهة الاسلامية’ واخوان سوريا

محمد علي الأتاسي

القدس العربي

الاربعاء 4/12/2013

عندما أعلن الائتلاف الوطني السوري في 15 ايلول/سبتمبر عن تكليف الدكتور أحمد طعمة تشكيل الحكومة، كان واضحا أن هذا الاعلان، تم بمعزل عن إرادة العديد من الفصائل الاسلامية المقاتلة والفاعلة في الداخل السوري. لم يتأخر طويلا رد هذه الفصائل وجاء على شكل بيان سمي ‘البيان رقم واحد’، نشر بتاريخ 24 ايلول، ووقع عليه يومها 11 فصيلا اسلاميا بمن فيهم جبهة النصرة. وقد أوضح البيان أن هذه القوى تعتبر ‘أن كل ما يتم من التشكيلات في الخارج دون الرجوع إلى الداخل، لا يمثلها ولا تعترف به، وبالتالي فإن الائتلاف والحكومة المفترضة برئاسة أحمد طعمة لا تمثلها ولا تعترف بها’. كما دعا البيان ‘جميع الجهات العسكرية و المدنية إلى التوحد ضمن إطار إسلامي واضح ينطلق من سعة الإسلام ويقوم على اساس تحكيم الشريعة وجعلها المصدر الوحيد للتشريع.

لم تمض أسابيع قليلة حتى ترجم ‘البيان رقم واحد’ بالإعلان عن تشكيل الجبهة الاسلامية السوريا في 22 تشرين الثاني/نوفمبر من خلال بيان مصور ظهر فيه قادة سبعة من أهم الفصائل الإسلامية المقاتلة وغابت عنه جبهة النصرة وبعض الفصائل الاسلامية الصغيرة. وكما ‘البيان رقم واحد’، جاءت ولادة الجبهة الاسلامية في تعارض مع سياسات الإئتلاف الوطني وفي ظل مرجعية حاكمية الله والدولة الاسلامية، وقد أشار البيان، الذي تلاه أحمد عيسى الشيخ قائد لواء صقور الشام، الى رغبة هذه الفصائل في ‘بناء دولة إسلامية راشدة تكون السيادة فيها لله وحده مرجعا وناظما وحاكما لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة’.

هذا التحالف العسكري، وجد بعد أسبوع ترجمته الفكرية من خلال ميثاق الجبهة الاسلامية، الذي نشر في 26 تشرين الثاني/نوفمبر وشكل أول وثيقة متكاملة تبين وتشرح التوجهات الفكرية والسياسية لستة من أهم الفصائل الاسلامية المقاتلة في سوريا كلواء التوحيد وأحرار الشام ولواء الاسلام.

أول ما يلفت النظر في هذه الميثاق هو غياب الجبهة الإسلامية الكردية عن التوقيع عليه، مع أنها كانت حاضرة قبل اسبوع عند الإعلان عن تشكيل الجبهة الاسلامية. وهذا على ما يبدو مرتبط بمقاربة الميثاق الضبابية لموضوع حقوق الاكراد في سوريا. مع ذلك فإن ميثاق الجبهة الاسلامية يبقى من الاهمية بمكان، ليس لانه يكشف الرؤية السياسية لأهم الفصائل الاسلامية المقاتلة، وليس لأنه يقدم ‘مشروع أمة’ كما جاء في عنوانه الرئيسي، ولكن لأنه يعبر عن الشرخ الكبير الذي بات يفصل بين المعارضة السوريا على تنوعها وبين التنظيمات الاسلامية المقاتلة على الأرض، سواء تعلق الأمر بالخطاب والبرامج السياسية، أو بالتطلعات والرؤى لسوريا المستقبل، أو بالمراجع الفكرية والايديولوجية.

يكفي في هذا السياق المقارنة بين ميثاق الجبهة الاسلامية وبين الاوراق والرؤى التي أصدرتها جماعة الاخوان المسلمين في سوريا خلال العقد الماضي ابتداء من مشروع ميثاق الشرف الوطني ومرورا بوثيقة ‘المشروع السياسي لسوريا المستقبل’ في العام 2004 ووصولا الى ‘عهد وميثاق’ الجماعة في آذار/ مارس من العام 2012 الذي نشر بعد إندلاع الثورة. أول ما يلفت في هذه المقاربة هو السقف المتدني للممكنات السياسية والفكرية الذي إستطاعت فصائل الجبهة الاسلامية أن تجتمع من تحته، والذي هو من دون أدنى شك، نكوص فكري وسياسي وثقافي، مقارنة بخطاب جماعة الاخوان المسلمين في سوريا أو بغيرها من تيارات الاسلام السياسي المنخرطة في الحياة السياسية في الكثير من بلدان الربيع العربي.

ليس هناك أدنى شك أننا مع ميثاق الجبهة الاسلامية، أمام خطاب سياسي وديني يستند الى واحدة من المنظومة السلفية الأكثر فقرا وتواضعا فكريا. نحن أمام خطاب نكوصي، منقطع عن أغلب الانتاج الفكري والفلسفي الذي أنتجه حتى مفكري ما يسمى ‘الصحوة الاسلامية’ في العالم العربي بخصوص علاقة الاسلام بالدولة ومفهوم الحاكمية والسيادة السياسية. نحن أمام خطاب يدعو الى الدولة الاسلامية التي ‘تكون السيادة فيها لشرع الله مرجعا وحاكما وموجها وناظما لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة’.

خطاب يرى في مصطلح الدولة المدنية ‘وصفا غير محدد الدلالة… وإصطلاح مرفوض لما يسببه من تضليل وإضاعة لحقوق’، لكنه لا يسأل نفسه عن الضبابية في مطالبته أن تكون ‘السيادة لشرع لله’ وعن الكيفية التي يمكن أن تحكم وتوجه وتنظم ‘سيادة شرع الله’ تصرفات الفرد والمجتمع والدولة !

يكفي في هذا السياق أن نقارن بين هذا الخطاب وبين ما جاء في ‘وثيقة العهد’ للاخوان المسلمين بخصوص الدولة المدنية والتي ترى فيها ‘دولة مدنية حديثة، تقوم على دستور مدنيّ، منبثق عن إرادة أبناء الشعب السوري، قائم على توافقية وطنية، تضعه جمعية تأسيسية منتخَبة انتخاباً حراً نزيها، يحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات..’.

لا يخفي ميثاق الجبهة الاسلامية عداءه للديمقراطيه كونها تقوم على ‘أساس أن التشريع للشعب عبر مؤسساتها التمثيلية بينما في الاسلام (إن الحكم الا لله)’. ويكفي هنا أن نقارن مرة أخرى بين هذا الخطاب وبين ما ورد في ‘وثيقة عهد’ الاخوان المسلمين بخصوص مفهوم ديمقراطية لجهة أنها ‘دولة ديمقراطية تعددية تداولية، وفق أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني الحديث، ذات نظام حكم جمهوري نيابي، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه عبر صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة نزيهة شفاقة’.

وإذا كان الأخوان المسلمون في وثائقهم حاولوا تناول موضوع ‘الاقليات’ من خلال مقاربة مبدأ المواطنة عندما دعوا في ‘وثيقة العهد’ الى ‘دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعاً، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، تقوم على مبدأ المواطنة التي هي مناط الحقوق والواجبات، يحقّ لأيّ مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة’. فإن ميثاق الجبهة الاسلامية لم يتلفظ حتى بكلمة ‘مواطن سوري’ ولم يقر حتى بوجود ‘السوريين’ كجماعة سياسية، بل تكلم فقط عن ‘المسلمين في سوريا’، ولم يعط للاقليات من حقوق سوى عبارة أن ‘الشريعة الغراء صانت حقوقها لمئات السنين’.

الطريف هنا، أن القارىء لميثاق الجبهة، ينتابه الاحساس أن هذا الميثاق معني أحيانا بمخاطبة جمهور داعش بدلا من عموم السوريين، ومعني بمنع داعش من المزاودة عليه في بعض التوجهات. فهو يرحب في واحدة من الفقرات بجهاد المهاجرين من العرب والاجانب، ويطالب بالحفاظ عليهم وعلى كراماتهم وجهادهم، ولا يذكر أي شيء نقدي تجاه بعض ممارساتهم.

لكن لا شيء في ميثاق الجبهة يعبر عن ‘قتل السياسة’ بما هي فن التوافقات والممكن، سوى إخراج القائمين على الجبهة أنفسهم، من أي مسار لأي عملية سياسية إدا لم تقر بسيادة الله على الدولة، وتأكيدهم الشمولي والقاطع بان الجبهة ‘لن تشارك باي عملية سياسية تخالف الدين أو تجعل السيادة لغير الله عز وجل، فكل عملية سياسية لا تعترف بأن التشريع حق لله وحده لا شريك له هي مناقضة للدين، ووسيلة غير مشروعة لا يمكن للجبهة المشاركة فيها أو الاعتراف بها أو الركون اليها’. أما كيف يكون التشريع لله وحده؟ وكيف تكون السيادة لله وحده؟ وما هو دور الناس والمؤسسات والبنى الاجتماعية؟ فهذا النوع من الأسئلة الشائكة لا تعني منظري الجبهة الاسلامية.

لا شك أن هذه الهوة التي تفصل بين خطاب المعارضة السياسية، بما فيها جماعة الاخوان المسلمين، وبين خطاب الجبهة الاسلامية، إذا دلت على شيء فعلى الشروخ الأكبر التي باتت تفصل بين عالمين يزدادان تباعدا داخل صفوف الثوره، والذي أشار اليهما بعين ثاقبة الصديق مصطفى الجرف في واحدة من كتاباته الفيسبوكية: عالم المجتمع الذي أنتجته الدولة الحديثه، مجتمع الطبقات الوسطى والمتعلمة، المتبنية لأسلوب وطريقة الحياة العصرية، وعالم المجتمع التقليدي البعيد عن تأثير الدولة الحديثة والمكون من الطبقات الشعبية والفقيرة، التي دفعت الثمن الابهظ في الثورة وجردت من كل وسائل العيش الكريم وتركت وحيدة في مواجهة همجية النظام وأسلحته الفتاكة. يضاف الى هذا، الهوة والشرخ بين مجتمع الريف ومجتمع المدينة خصوصا عندما يتعلق الامر بمدن غنية كدمشق وحلب. وهناك أيضا الشرخ بين بعض الاسلام السني الصوفي وحتى الاسلام المديني وبين الاسلام السني الريفي والعشائري الذي إزداد في الآونة الأخيرة راديكالية وتقبلا لأفكار السلفية الجهادية.

لاشيء يعبر هذا الشرخ في ميثاق الجبهة سوى إصرار أصحابه ليس فقط على اسقاط النظام وتفكيك مؤسساته الأمنية والعسكرية، ولكن أيضا خلطهم بين السلطة المستبدة والدولة السورية التي تأسست مع انتهاء الانتداب الفرنسي، من خلال مطالبتهم بـ’تفكيك وإنهاء سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية’، أي الغاء كل مايمكن أن يتبقى من الدولة السوريا في حال تم إسقاط النظام الاسدي. ولنا في إلغاء الهيئة الشرعية في مدينة حلب لمهنة المحاماة خير دليل الى أي إتجاه يمكن أن تمضي بنا الامور إذا ما وجد ميثاق الجبهة طريقه للتطبيق العملي.

يبقى أن الفاجع في نص هذا البيان هو غياب كلمات ومصطلحات ارتبطت بالثورة السوريا في بداياتها من مثل ‘الحرية’ و’الكرامة’. كلمات عبرت في ذلك الوقت عن الالتقاء في ظل الثورة بين الريف والمدينة، بين الليبراليين والاسلاميين، بين الرغبة في التغيير والتطلع الى المستقبل، بين الصمود والامل. في حين بتنا اليوم في وضع أصبح كل ما يرمز للدولة الحديثة مرتبطا في عيون شرائح مهمة من السوريين، بالدولة القمعية الاستبدادية التي أمعنت ولا تزال في قتلهم وتشريدهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا معركة عسكرية واسعة وطويلة في القلمون

حسين عبد العزيز *

الحياة

الاربعاء 4/12/2013

بعد سيطرة النظام السوري على القصير في 5 حزيران (يونيو) الماضي، كان متوقعاً أن تفتح جبهة القلمون على الفور لسببين:

1 ـ تقع القصير على الحدود الشمالية ـ الغربية للقلمون، والسيطرة عليها جعلت القوات النظامية على مرمى حجر من المدخل الشمالي لمنطقة القلمون عند بلدة البريج وعلى بعد كيلومترات من قارة.

2 ـ التضخيم الذي مارسته وسائل الإعلام السورية واللبنانية الموالية للنظام آنذاك عن أهمية منطقة القلمون في أي عملية حسم عسكري على الأرض، ما عنى بحسب المراقبين أن معركة القلمون أصبحت قاب قوسين أو أدنى.

لكن الذي جرى بعد القصير هو أن النظام اتجه إلى تثبيت وإحكام السيطرة على البلدات المحيطة بدمشق في الغوطتين الشرقية والغربية، وإلى بعض المناطق في جنوب حلب، من دون أن تغيب عن حساباته منطقة القلمون التي ظلت على مدار أشهر الصيف الماضية مستودعاً لقذائفه وصواريخه، الأمر الذي جعل «الجيش الحر» وبعض الألوية المقاتلة تبقى في حالة تأهب شبه دائمة ومستعدة لاحتمال فتح الجبهة في أية لحظة، لا سيما مع بروز تطور أثار عدة تساؤلات وهو فتح ملف المسيحيين في القلمون عبر التهويل الذي بدأت آلة النظام الإعلامية تضخّه حول الخطر الذي يتعرضون له خصوصاً في معلولا وصدد.

تنبع أهمية القلمون من أنها القاعدة الخلفية وخزان الإمداد الرئيسي لدمشق وريفها وللمنطقة الوسطى في سورية (حمص وريفها) ولمناطق في البادية شرقاً. إنها منطقة تمتد من الدريج جنوباً على بعد بضعة كيلومترات من دمشق وحتى البريج شمالاً قبيل القصير بكيلومترات، وهي عبارة عن شريط إستراتيجي بطول نحو 120 كلم وعرض 10 إلى 20 كلم تحده من الغرب سلسلة جبال لبنان ومن الشرق الطرق المؤدية إلى بادية الشام، مع مجموعة كبيرة من القرى والمدن الصغيرة أهمها رنكوس وتلفيتا وحوش عرب وعسال الورد والمعرة والنبك ويبرود التي أصبحت عاصمة الثورة في القلمون، وتحولت إلى مأوى للجرحى والمستشفيات الميدانية، ومركز إمداد غذائي رئيسي لباقي المناطق المحيطة، ومركز تصنيع للأسلحة المحلية حيث تنتشر فيها ورشات الخراطة المخصصة لصنع الصواريخ المحلية والبراميل المتفجرة والسيارات المفخخة، ولذلك كانت خلال الشهرين الماضيين المدينة الأكثر تعرضاً للقصف من قبل النظام بشكل شبه يومي.

وفي ظل الأهمية الإستراتيجية التي تتمتع بها منطقة القلمون، لم يكن غائباً عن أي طرف من أطراف الصراع أن المعركة فيها آتية لا محالة مهما تأخر الوقت، لكن معركة القلمون ستكون في شكلها ومضمونها مختلفة عن كل المعارك السابقة في سورية من عدة نواح أهمها:

ـ لا إمكانية لاجتياح عسكري واسع، فمثل هذه العملية تتطلب انتشاراً عسكرياً ضخماً لا يمكن توفيره في ظل مساحة القلمون الكبيرة ووعورة تضاريسها والانخفاض الحاد في درجات الحرارة في فصل الشتاء الذي تتساقط فيه الثلوج بكميات كبيرة، الأمر الذي يجعل حركة القوات النظامية بطيئة مقابل الحركة السريعة للفصائل المعارضة.

ـ لا إمكانية لإتباع سياسة القضم البطيئة للأرض، فهي إن نجحت في حمص وريفها ودمشق وبعض ريفها، فإنها فاشلة في القلمون بسبب كثرة المدن والبلدات وطبيعة انتشارها، فضلاً عن الجبال والتلال التي تملأ المنطقة، وإتباع سياسة القضم البطيئة يتطلب وجوداً عسكرياً ثابتاً في كل نقطة تتم السيطرة عليها وهذا أمر مستحيل ليس في مقدور النظام ولا حلفائه توفيره.

ـ لا تنفع في حالة القلمون عمليات القصف الجوي والمدفعي البعيدة المدى بسبب المساحة الشاسعة والطبيعة الجغرافية اللتين تمنحان مسلحي المعارضة حرية حركة واختباء كبيرتين، وهذه النقطة كانت واضحة للنظام منذ البداية ولذلك كان يتجه إلى قصف أماكن السكن المدنية للضغط على المسلحين.

ـ لا إمكانية لسياسة التطويق والحصار والتجويع التي اتبعها النظام في عدة أماكن وجاءت بمردود كبير، لأن سياسة الحصار لا تنجح إلا في المناطق المغلقة أو المحصورة، وهذا معطى غير متوافر في القلمون.

تشير التقديرات إلى أن النظام لا ينوي فتح معركة عسكرية برية واسعة في القلمون لأنه غير قادر عليها، وكل ما هنالك هو عملية عزل وتطويق جزئي للقلمون من أجل إضعاف حركة إمداد الأسلحة والتموين نحو حمص شمالاً ونحو دمشق جنوباً، مع ما يتطلبه ذلك من عملية عسكرية سريعة في قارة ودير عطية والنبك ومن ثم يبرود التي تعتبر أصعب معاقل مسلحي المعارضة بين هذه المدن بسبب ابتعادها عن الطريق الدولي نحو الشرق بعمق خمسة كيلومترات أولاً، ولأنها أرض غير مسطحة ومفتوحة كباقي المدن الثلاث حيث تحيطها سلسلة جبال أهمها جبل مرمرون المرتفع وجبال اسكفتا المنخفضة ثانياً، وقربها من الجبال الحدودية مع لبنان ثالثاً.

إن الهدف الذي يسعى إليه النظام هو استكمال تطويق القلمون شمالاً بعد استكمال التطويق في الجنوب مع وجود القوات الخاصة والفوج 67 واللواء 216 على تخوم الدريج والتل قرب دمشق، يضاف إليها الكثير من الثكنات العسكرية المنتشرة في تخوم المنطقة.

وبعد تأمين الجهتين الشمالية والجنوبية للقلمون تبدأ المرحلة الثانية من العملية العسكرية، وهي محاولة تأمين الأوتوستراد الدولي بين دمشق وحمص لا سيما الخط الممتد من معلولا إلى يبرود والنبك ودير عطية وحتى قارة، على أن تستكمل العملية كلها بتأمين الجهة الغربية للقلمون وهي المهمة الموكلة إلى «حزب الله» داخل الأراضي اللبنانية.

* إعلامي وكاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتصار مؤقت!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 4/12/2013

يعتقد رهط غير قليل من المراقبين أن أميركا ضعفت في الوطن العربي، وأنها تنسحب منه تاركة مكانها لروسيا، التي تتقدم في كل مكان، وحتى في إسرائيل، التي قال وزير خارجيتها بأنها تبحث اليوم عن حليف آخر غير واشنطن.

وقد طرحت فكرة «الانسحاب الأميركي» في لقاء «صير بني ياس» في الإمارات العربية المتحدة، الذي يحضره في العادة خبراء استراتيجيون، وساسة مخضرمون، وصناع رأي دوليون- وجنرالات لعبوا أدوارا مهمة في سياسات أميركا حيال المنطقة العربية، ورؤساء وزارات ووزراء لطالما قرروا سياسات بلدانهم. وقد صرف المناقشون وقتا طويلا لنفي الفكرة أو لإثباتها، بما يؤكد جدية النظرة السائدة إليها، التي ترى أن واشنطن انكفأت على نفسها وشرعت تمارس سياسات عزلة وابتعاد عن العالم.

وكانت فكرة الانسحاب الأميركي قد بدأت مع تولي باراك أوباما السلطة الرئاسية، وقرار تفكيك الوجود الأميركي في العراق، ثم في أفغانستان، الذي وجد قبولا لدى جنرالات وزارة الدفاع وقادة المخابرات، الذين تعرفوا فيها على خطة أميركية قديمة سميت في حينه «الفتنمة»، قامت على جعل الفيتناميين يقتتلون فيما بينهم، على أن تدير أميركا صراعهم، لتوفير حياة جنودها ودفع غيرهم إلى الموت بدلا عنهم وتحت إشرافهم، وثلم مقاومة الشعب الأميركي لحروب بلاده الخارجية، التي ستبدو عندئذ كأعمال عسكرية محدودة وليست حروبا منظمة وعدوانية. وبما أن هذا النمط من الحرب يتطلب بقاء «خبراء» أميركيين في البلدان المعنية، فإن هؤلاء لم ينسحبوا مع الجيش من العراق ولن ينسحبوا من أفغانستان، حيث سيبقى لهم فيها تسع قواعد وعشرة آلاف جندي.

ابتعدت أميركا عن التدخل المباشر في سوريا، بعد أن ضمنت أمرين؛ أولا: تحويل الصراع الدائر فيها إلى بؤرة توتر شديد الاحتدام، جرت إليها خصومها وأصدقاءها، بما أن الصراع لا يحتدم إلا بقدر ما تنخرط فيه أطراف متناقضة ومتعادية. وثانيا: رسمت الخطوط الحمراء لأدوار الآخرين، وخاصة منهم روسيا وإيران، لأنها أرادت للصراع أن يكون حاسما في تحديد صورة المنطقة المستقبلية، انطلاقا من استراتيجية تقوم على طي صفحة العرب من الآن فصاعدا، ووضعهم في مواجهة حال من البلبلة والقلق تضمر انفجارات محتملة مختلفة الأشكال: اجتماعية وسياسية وعسكرية واقتصادية، والاستعانة بقوى إقليمية للتحكم في الدول العربية، أهمها بطبيعة الحال إيران وإسرائيل، الدولتان المدججتان بالسلاح، اللتان تمارسان سياسات متقاربة تلبي مصلحتهما المشتركة في إضعاف العرب واختراقهم وتهميش دورهم وحضورهم المحلي والإقليمي والدولي.

وقد أظهرت واشنطن قدرتها على إلزام الآخرين بما رسمته لهم، وعلى التدخل لفرض مصالحها على الجميع باعتبارها مصالح حاكمة، فأعلنت أنها ستضرب نظام دمشق، وما هي إلا أيام قليلة حتى أعلن الروس انسحابهم من المواجهة واستعدادهم لتسليمها سلاح النظام الكيماوي. واليوم تتوج أميركا انتصاراتها بإلغاء حق إيران في تقرير سياساتها النووية، وبلي ذراعها وإجبارها على قبول تخصيب محدود لما تمتلكه من يورانيوم، وإخضاع منشآتها النووية لرقابة دولية مفاجئة ودائمة، وتجميد بناء مرفق آراك للماء الثقيل، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية دائمة في شؤون طهران وسياساتها... إلخ، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات على إيران، التي صرفت مائتي مليار دولار على برنامجها النووي، ويعدها اتفاق اليوم برد أقل من خمسة مليارات من أموالها المجمدة في الغرب. وتشير تقديرات ودلائل متنوعة إلى أن واشنطن قد تعزز دور طهران المعادي للعرب، وأن من المحتمل موافقة البيت الأبيض على تقاسم وظيفي بين صهاينة تل أبيب وملالي قم، يهمش دور العرب ويعمل تحت إشراف أميركا، التي ستطبق عندئذ نمطا جديدا من سياسات إدارة العالم عن بعد، يتمسك أوباما بها لكونها لا تكلف أميركا شيئا، وتتكفل في الوقت نفسه بتحقيق مصالحها خيرا من أي تدخل عسكري مباشر، وتضمن هيمنة إسرائيل على جوارها إلى زمن جد طويل. وسمت سياسات أميركا العربية والشرق أوسطية بالغباء، مع أنها أكثر سياسات واشنطن نجاحا، التي عرفتها منطقتنا والعالم، ذلك أنها ما أن تدخلت في الثورة السورية حتى عملت على تحويلها إلى مقتلة القرن، وجرت إليها كل من أرادت توريطهم فيها، وأدارتها إلى أن أوصلت المنطقة إلى شفا جرف هار يمكن أن يأخذها إلى اقتتال سني - شيعي دولي النطاق، أو إلى أزمات متعاقبة سيعزز العجز عن السيطرة عليها رضوخها للقوتين الأجنبيتين الساعيتين إلى تقويض العالم العربي: إسرائيل وإيران، أو إلى تركها تتخبط في اقتتال أصولي - سلطوي متفجر، يستمر إلى أن يدمر الحضر والمدر، على غرار ما يجري في سوريا.باتفاق الكيماوي والنووي تقع مفاتيح وأقدار المنطقة الاستراتيجية والتكتيكية في يد واشنطن. من الآن فصاعدا: الويل كل الويل لمن يغلط في قراءة ما يحدث، والقيام بكل الخطوات المؤلمة الضرورية لمواجهته!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
حجي مارع

أحمد الشامي

القدس العربي

الثلاثاء 3/12/2013

أظهرت وثائق ارشيف مؤخراً أن الاستخبارات البريطانية قد امتنعت عن اغتيال ‘هتلر’ أثناء الحرب العالمية الثانية رغم عدة فرص وبررت استخبارات صاحبة الجلالة امر بخشيتها من أن يكون خليفة ‘هتلر’ أكثر ذكاء منه ويغير مسار الحرب أو يضع حدا لها قبل هزيمة ألمانيا. برأي أساطين الاستخبارات فعدو أخرق ‘كهتلر’ هو ثروة لا يجوز التفريط بها.

هذا يفسر لنا العمر المديد للكثير من معارضي اسد وتعفف النظام عن ابادة المجتمعين في ضواحي دمشق علان اقامة جيش عرمرم أقواله أكثر من أفعاله. هكذا أيضاً نفهم لماذا اغتيل رجال مثل ‘مشعل التمو’ و’عبد القادر الصالح’ و’غياث مطر’ وغيرهم، في حين تنعم مقرات ‘داعش’ وأخواتها بالهدوء وامان، تماماً كقادة هذه العصابات.

ذات المنطق ينطبق على العمر المديد لـ ‘حسن نصر الله’ الذي يدعي أن اسرائيل تريد اغتياله وهي التي اغتالت سابقيه، أنى سرائيل أن تفقد صديقاً مثل ‘الشاطر حسن’ الذي جعل من حزبه عدواً لمليار مسلم سني؟

العدو يحاربنا بذات التكتيكات اسرائيلية التي تستفيد من نزعتنا ‘لشخصنة’ القيادات ومن اعتماد الحراك الثوري على العلاقات المباشرة والفردية في مجتمعنا المتخلف، هكذا فعلت اسرائيل مع ‘فتح’ ثم ‘حماس حيث قامت بتصفية القيادات الميدانية التي لا تناسبها.

عدونا يعلم أن الحرب ستكون طويلة وأن أحلام ‘القيادات التاريخية’ واشخاص الاستثنائيين لا زالت متحكمة بعقولنا، في حين أن المرحلة تقتضي حرب تحرير لا مركزية، تهدف الى جعل الاحتلال اسدي الفارسي مرتفع الكلفة.

على عكس الاستراتيجية ‘الطالبانية’ والفاشلة التي تنتجها المعارضة المسلحة حالياً، يحتاج الحراك الثوري لنفس جديد ولإستلهام الاستراتيجية الفيتنامية، وقبلها استراتيجية المقاومة الفرنسية للنازي، في تشكيل خلايا صغيرة سريعة الحركة واستشهادية، موحدة في الهدف ومختلفة في التكتيك، تقوم بتصفية جنود العدو وأعوانه، دون الدخول في مواجهات مفتوحة غير متكافئة ودون الحاجة سلحة متطورة ومكلفة، فالطائرة لا تطير دون طيار والدبابة تحتاج لطاقم يمكن ‘التعامل’ معه مباشرة، فكلهم أهداف مشروعة لكونهم مشاركين في المجزرة.

حين يصبح هم السوريين اوحد هو احراق ارض تحت أقدام المحتل، نصبح جميعاً ‘.’

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من جنيف النووي إلى جنيف السوري وبالعكس!!

ياسر الزعاترة

الدستور

الثلاثاء 3/12/2013

عبثا حاول الإيرانيون إنكار القناة السرية التي كانت مفتوحة منذ عام مضى بينهم وبين الأمريكان لأجل التوصل لاتفاق النووي، فما كشف من معلومات لم يكن من النوع القابل للإنكار، فقد حدد الأماكن والأسماء على نحو واضح، الأمر الذي استدعى سكوتا إيرانيا مشوبا بالخجل، هو أقرب إلى الاعتراف.

سبب الإنكار لا يتعلق بحرمة وجود اتصالات سرية مع الأمريكان، ولا حتى بكونها قد بدأت في عهد “الصقر” أحمدي نجاد (اتصالات كهذه لا تتم دون إذن المرشد)، بل تتعلق بالربط الطبيعي والتقليدي بينها وبين كل ما جرى فيما يتصل بالملف السوري، لاسيما الاتصالات التي أفضت إلى مقايضة الكيماوي السوري بالضربة العسكرية، وهي مقايضة لم تكن لتتم لولا الربط بين الكيماوي السوري، وبين النووي الإيراني.

الدوائر الصهيونية التي قرّعت نتنياهو على مسرحية اللطم ضد الاتفاق، ذكّرته بأنه كان على علم بتلك الاتصالات، وهو في نهاية المطاف حصل على اتفاق معقول، وليس بذلك السوء الذي يتحدث عنه، فضلا عن كونه مجرد اتفاق مرحلي سيتلوه اتفاق دائم.

الذي لا يريد الإيرانيون الاعتراف به عمليا، وانكشف الآن بعد الإعلان المباشر عن موعد جنيف2؛ مباشرة بعد إعلان اتفاق النووي، هو أن ثمة صلة مباشرة، بل عضوية بين المسارين، السوري والإيراني، وأن جوهر الصفقة التي عقدتها إيران، وأفضت أولا إلى وقف الضربة العسكرية لنظام بشار، وتاليا إلى اتفاق النووي تتعلق بالصفقة الأكبر في سوريا، والتي ينبغي أن يحصل من خلالها الإيرانيون على ما يريدون في سوريا ممثلا في الإبقاء على النظام الذي يشكل ركنا أساسا في مشروع تمددهم في المنطقة، وهو المشروع الذي لم تكن كلفته أقل من كلفة المشروع النووي ( كلفة التأسيس والعقوبات التي ترتبت عليه)، وهو مشروع أكثر أهمية بكثير من النووي، إذ سيمنح إيران فرصة البقاء دولة كبيرة ومحورية، بل الدولة الأكبر في الإقليم كما يرى قادتها، لاسيما أنها تمثل مذهبا يسيطر على العراق وسوريا ولبنان، وله حضوره القوي في اليمن والخليج وأفغانستان ودول أخرى.

والحال أن حضور إيران لجنيف 2 أو عدم حضورها لن يغير الكثير في المشهد، لأنها ستكون أهم الحضور على الطاولة، ومن سيمثلها هنا، ليس فقط الروس، أو النظام السوري نفسه، بل الأمريكان أيضا، والذي سيحرصون على إتمام الصفقة هنا، وبالطبع كي تكتمل هناك الصفقة الأخرى بعد 6 شهور، أعني صفقة البرنامج النووي، ولكي يكون بوسع أوباما أن يقول إنه زعيم قوي تمكن من حل نزاعين كبيرين في الشرق الأوسط كانا يشكلان قلقا للعالم أجمع، بخاصة بعد قصة الإرهاب التي تلقي بظلالها على المشهد السوري، وحيث سيكون بوسع النظام وإيران أن يكونا حليفين قويين للولايات المتحدة والغرب في مطاردة من يسمونها الجماعات الإرهابية التي باتت تتخذ من سوريا موقعا أكثر أهمية من منطقة القبائل في وزيرستان بحسب دوائر أمريكية، هي التي تقترب هنا من حدود الكيان الصهوني ودول حليفة أخرى.

والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها هنا هو أن جنيف الإيراني كان محطة لجنيف السوري، كما أن جنيف السوري سيكون محطة ضرورية لجنيف النهائي فيما يتعلق بالملف النووي، والذي لا بد أن تأخذ فيه إيران ما تريد في سوريا، لكي تنفذ التزاماتها فيما يتعلق بالملف النووي، وهو ما سيحدث بالفعل لأن الكيان الصهيوني في حاجة إلى ذلك، وهو خائف من الفوضى والتقسيم والجماعات الجهادية في سوريا، ووحده النظام ونواته الصلبة (أمنيا وعسكريا)، هو من سيضمن مصالح الكيان، بصرف النظر عما إذا كان بشار سيبقى أم سيرحل، هو الذي جاءت به تلك البنية أصلا بعد وفاة أبيه.

هي صفقة إذن تمت على حساب الثورة السورية، والشعب السوري، لكن نجاحها ليس قدرا بحال، أكان في سوريا، أم على مستوى الإقليم، ذلك أن على الأرض قوىً لن تمررها بسهولة ما لم تلب مطالب الشعب في حدها المقبول، كما أن الدول الأخرى لن تسلم لإيران بقيادة المنطقة، وهي لم تسلم لها أصلا حين كانت ترفع شعارات المقاومة والممانعة، فهل ستسلم لها، وهي تتصدر المشهد بروحية الدولة راعية المذهب؟!

ثمة بالطبع فرصة لتفاهم أفضل بين قوى الإقليم، من عرب وترك وإيرانيين، لكن هذا التفاهم يحتاج رشدا من جميع الأطراف، بخاصة من إيران، لكن غرور القوة يعمي في أغلب الأحيان، فكيف حين يضاف إليه بُعد مذهبي يستعيد ثارات التاريخ؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جنيف «دون شروط»

د.طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 3/12/2013

في سباق الجدال حول الذهاب إلى جنيف 2، وبعد اللقاءات التي تمت بين الولايات المتحدة وإيران حول النووي وتخصيب اليورانيوم وظهور الاعتقاد بنصر ما لإيران، صدر تصريح من وزير خارجية إيران السيد ظريف حول الذهاب إلى جنيف، معلناً فيه إنه سيذهب إلى هناك «دون شروط»، لكن المعارضة هي التي يحق لها وضع شروط، فهي التي تستبيح إيران سيادتها بصورة واضحة.

وفي هذه الحال، هل يتعين علينا شكر الوزير الإيراني على ذهابه إلى جنيف 2 دون وضعه شروطاً حيال ذلك؟ أليس معروفاً في القانون الدولي أن اختراق بلد من بلد آخر، إنما هو أمر محظور ويمثل خطاً أحمر وليس القانون الدولي وحده، وإنما كذلك القانون الوطني المحلي.

فما تفعله إيران حيال سوريا راهناً يجري تصنيفه من قبل كل تلك المرجعيات بصفته فعلاً مرفوضاً منذ التاريخ البعيد وحتى يومنا هذا، وقد تتوج هذا التاريخ بأهم منظومة تعبر عن ذلك وتدعو إلى الدفاع عنه تحت مصطلح "حق الشعوب في الاستقلال والسيادة"، وجاءت المنظمة الدولية، منظمة الأمم المتحدة، لترفعه مع حقوق الإنسان المختلفة في الحرية والتعبير عن الرأي والاعتقاد وحق الشعوب في تقرير مصائرها وفي احترام الحريات، ويظهر ذلك كله خصوصاً حين نأخذ بعين الاعتبار ما تقوم به طهران من دخول قوات عسكرية إيرانية إلى القلمون الآن والقصير سابقاً من سوريا، نقول حين تفعل إيران ذلك، فإن المحظور يكون قد حدث، وهو تعدي إيران عسكرياً على سوريا، ما يُخل بالعلاقات الدولية بين بلدين أو أكثر.

وهذا ما ظهرت في وجهه منظومات سياسية ونظرية قدمها مفكرون وباحثون وسياسيون في مناطق متعددة من المعمورة، كما على امتداد مراحل تاريخية مختلفة ظهرت فيها نماذج مهمة مثل أفلاطون وابن خلدون وكانط وروسو، وثمة ملاحظة منهجية تتمثل في تعاظم ظهور كثير من المنظومات السياسية والنظرية، خصوصاً في المراحل الحديثة والراهنة، بالتوافق وربما كذلك بالتضاد مع التقدم الهائل الاقتصادي والسوسيولوجي والسياسي وغيره، إلى أن صدر عن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان بيان حقوق الإنسان الذي وقع عليه عدد كبير من الدول الحديثة والمعاصرة.

وفي عودة إلى إيران وموقفها من سوريا والثورة السورية الراهنة، فهنا نلاحظ نشوء الحديث الكثيف والجدي عن "حق الدفاع عن المقدسات التاريخية" في سوريا خصوصاً، مع تأكيد على نمط محدد من "المقدسات المذكورة"، إنه نمط المقدسات الشيعية في عدد من البلدان العربية، منها سوريا، فهنا يرتفع الحديث عن هذه المقدسات إلى مستوى اقترانه بالتهديد لمن "يستبيحها" بالسلاح، لقد سبق أن خاطب حسن نصر الله الناس تلفازياً، حيث قال: إن من يسيء إلى المقدسات الشيعية مثل ضريح السيدة زينب، إنما يكون قد ارتكب إثماً يعاقب عليه، ونضيف أن هذا التحذير مقبول، حين يكون هناك ما يدعو إليه، ولكن إذا لم يوجد ما يدعو إلى ذلك، فلم التهديد وغزو مناطق سوريا مثل القصيم والسيدة زينب؟ وثمة سؤال سبق أن دعونا للتبصر فيه، وهو من دافع عن هذه المقدسات في سوريا على مدى أطول من أربعة عشر قرناً؟ أليس السوريون وغيرهم؟ إننا نحن السوريين نحترم تلك المقدسات ونحافظ عليها من باب التاريخ السوري العام والتاريخ الديني السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجتمع المدني السوري ضمانة لـ«جنيف 2»

وائل السوّاح *

الحياة

الثلاثاء 3/12/2013

أغلب الظن أن مؤتمر جنيف سيعقد في موعده، وسيشارك فيه الجميع، بمن فيهم الذين يعلنون اليوم رفضهم المشاركة (باستثناء الجماعات التكفيرية المتطرفة). الائتلاف الوطني السوري مرّر قضية المشاركة خلال مهزلة الصفعة التاريخية، والمجلس الوطني السوري الذي كان أعلن موقفه الرافض للمشاركة في المفاوضات، من دون أن يقدم بديلاً عنها، لا يزال موقفه غامضاً. وكتائب الجيش السوري الحر التي انتقلت في معظمها إلى مواقع القوى الإسلامية المتطرفة، بسبب البحث عن السلاح والتمويل مصرّة على عدم المشاركة حتى اليوم. في المقابل، هيئة التنسيق الوطني موافقة على الذهاب إلى المفاوضات من دون أي قيد أو شرط. بل إن رئيس الهيئة قال إن أسماء وفدها لمؤتمر «جنيف 2» باتت معروفة، لكن المشكلة ما زالت تتمثل بوفد الائتلاف السوري المعارض.

لا فرق بين من أعلن موافقته ومن أعلن رفضه المشاركة، فالمرجح أن الجميع سيذهب في ربع الساعة الأخير، وحسناً يفعلون، فلا أحد يملك خياراً آخر سوى المشاركة. ولا أحد يريد أن يبقى خارج الطاولة، لأن الزمن سيمر سريعاً وسينسى تضحيات من ضحّى وتقدمة من قدم ومبادرة من بادر، ولا يبقى في النهاية سوى ما يتم التوقيع عليه بين الأطراف.

من جهته، بينما يستمر النظام بمحاصرته المدنيين وقتله الأطفال قصفاً وقنصاً وجوعاً، ومأثرته في إعادة أمراض منقرضة مثل شلل الأطفال إلى سورية، فإنه يكرر كل يوم تقريباً أنه سيذهب إلى جنيف ولكن من دون شروط مسبقة. وهو لا يستثني من هذه الشروط وقف القتل والتجويع والاعتقال والتعذيب والتهجير ونهب أملاك المواطنين. ومع ذلك يفرض هو نفسه شروطاً مسبقاً حين يرفض قبلياً انتقال السلطة. وهو إلى ذلك يحدد شروط الطرف الآخر التي يطلق عليها المعارضة الوطنية، وتتمثل في رأيه على الأغلب بقدري جميل وعلي حيدر وبعض الأطراف في هيئة التنسيق، ما يعني أنه في صدد محاورة ذاته النرجسية من خلال مهزلة خلق معارضين من طراز قدري جميل.

وفي الوقت نفسه تتقدم قواته وشبيحته بدعم مباشر من لواء أبو الفضل العباس العراقي ومقاتلي «حزب الله» اللبناني في القرى والبلدات القريبة من دمشق والتي كانت تحت قبضة المعارضة. وتقول تقارير واردة من دمشق إن أصوات القصف ما عادت تسمع في المدينة كما كان الحال قبل أشهر. وفي الشمال تنقسم البلاد «المحررة» ما بين دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) القوية وجبهة النصرة التي تسنتجد بزعيم القاعدة أيمن الظواهري، الذي لبى النداء وأفتى بحل داعش وتقوية النصرة. كلا الطرفين، على أية حال، ومعهما معظم فصائل الجيش الحر التي تتحول تدريجاً الى تبني خطاب إسلامي متطرف (بسبب تخاذل العالم عن التواصل الصحيح معها، وبسبب الأجندات الإقليمية وسوء أداء المعارضة السياسية التي أثبتت أنها أشبه بفريق كرة قدم في حارة دمشقية وهو يواجه فريق مانشستر يونايتد) لا تريد المشاركة في جنيف، لأن مصلحتها في استمرار شلال الدم الذي تعيش منه وتمد نفوذها بثبات.

ثمة لاعب أساسي لا نراه هنا ولا نسمع به كثيراً: المجتمع المدني. في الوقت الذي كانت المعارضة منشغلة فيه بانقساماتها وخلافاتها وتغيير ولاءاتها الدولية والإقليمية، كان المجتمع المدني يعمل بنشاط من أجل إغاثة اللاجئين ومعالجة الجرحى والدفاع عن المعتقلين ورعاية أسرهم. وكان يعمل على تأسيس لجان ومجالس محلية، وينشط مع الإعلام المحلي والخارجي، وينشر جرائد مطبوعة ومواقع إلكترونية وإذاعات ومحطات تلفزة.

ليست المعارضة ولا المقاتلون من عمل على إدماج الشباب والمرأة في الثورة السورية، بل المجتمع المدني. والمجتمع المدني هو الذي شدد – من دون أن يسمع له أحد - على سلمية الثورة ومدنيتها وعلى المواطنة كمعيار أساس للعلاقة بين السوريين. وهو الذي عمل على تحديد معايير العمل في اليوم التالي لسقوط النظام وبداية المرحلة الانتقالية إلى الديموقراطية، فوضع تصوراته لحكم القانون والعدالة الانتقالية وإصلاح القطاع الأمني وإصلاح النظم الانتخابية وكتابة الدستور وإصلاح القطاع الاقتصادي والعلاقات المجتمعية.

أين هو هذا المجتمع المدني من مفاوضات «جنيف 2»؟ إن أحداً لم يقم باستشارته حول تصوره لشكل الحوار أو المفاوضات المفترض: لا النظام ولا المعارضة ولا الأخضر الإبراهيمي ولا أميركا وروسيا والقوى الإقليمية المؤثرة. كما ان أحداً لم يفكر بدعوة هذا المجتمع لحضور جلسات المفاوضات في جنيف. الجميع كان يبحث عن شركاء سياسيين يوافقون بأي شكل من الأشكال على الحضور بغض الطرف عن إمكانية نجاح المؤتمر أو فشله.

أما الأطراف الاساسية، النظام والمعارضة، فتؤكد حضورها أو ترفضه بناء على موقفها من الطرف الآخر فقط، من دون أن تؤكد مثلاً أجندة المفاوضات ودور القوى الخارجية فيها وإلى أي حد سيكون الحوار سورياً - سورياً أو أميركياً - روسياً.

إن نجاح المفاوضات رهن بعوامل كثيرة، منها الإرادة الدولية وإمكانية المجتمع الدولي الضغط على نظام الأسد لوقف حمام الدم الذي يُغرق البلاد به، ومنها قناعة النظام والمعارضة بأن الأمور قد وصلت إلى مكان شديد التعقيد وأن تنازلاً حقيقياً يجب أن يقدم لإنقاذ ما تبقى من البلاد والبدء في بناء البلد من جديد، ومنها أيضاً قناعة المعارضة بأن البحث في الرؤى المستقبلية لسورية الجديدة مهم بقدر أهمية خلافاتها حول الواقع والمناصب وتقاسم الحصص.

ولكنّ ثمة عاملاً لا يقل أبداً أهمية عن كل ما سبق، وهو مشاركة المجتمع المدني في المفاوضات نفسها. إن المجتمع المدني هو الضمانة الحقيقية لتنفيذ الاتفاقات التي يصل إليها المتفاوضون، ومشاركته أو وجوده بالتالي هو أمر حيوي يضمن على الأقل أن الأجندة السورية هي التي توضع على الطاولة وأن المتفاوضين يبحثون في المصلحة السورية أولاً وليس في مصلحة أي طرف آخر. وإذا كان من الصعب مشاركة المجتمع المدني في العملية التفاوضية نفسها، فأضعف الإيمان أن يكون موجوداً كطرف مراقب، ضامن لنزاهة المفاوضات وسورنتها.

من دون المجتمع المدني، قد يعقد «جنيف 2»، ولكن لن تكون لنتائجه صدقية ولا مستقبل حقيقي.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تفاهم طهران وواشنطن قد يحول دون تداعي المنطقة وينهي سلطة الأسد

مصطفى كركوتي *

الحياة

الاثنين 2/12/2013

يوم الأحد قبل الماضي انطلقت في جنيف الخطوة الأولى لتفاهم أميركي - إيراني شامل ستظهر معالمه في الأشهر القليلة المقبلة، إذ بات ممكناً من الآن البدء في وضع أسس وقف التداعي المميت في الشرق الأوسط. ومن الطبيعي أن تتوزع دول المنطقة نتائج هذا التفاهم، حيث تشكل أهميته علامة تاريخية فارقة في رسم مرحلة جديدة للعلاقات بين دول المنطقة بعضها ببعض من جهة، وعلاقاتها مع العالم من جهة أخرى، فضلاً عن أنها تقدم فرصة نادرة في الدرجة الأولى لإنقاذ دول «الربيع العربي» – لا سيما سورية - من نفسها.

وينبغي تذكّر أن إيران – الدولة الأهم في المنطقة - وحدها ناقشت (من دون تفويض طبعاً) في جنيف جميع هموم المنطقة ومشاكلها، وليس علاقاتها الثنائية فحسب. كما أنها التقت في جنيف مع العالم كله ممثلاً بالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، ذات المصالح الحيوية في إيران والشرق الأوسط (شاملاً الخليج) وآسيا. وينبغي من ناحية أخرى اعتبار هذا التفاهم بداية لمرحلة جديدة تماماً من تفكير الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا الأهم والأكبر (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، إزاء دول منطقتنا.

وفي ما عدا سنوات «الحرب الباردة» في مطلع الستينات وانهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات، يتحدد هذا التفكير، في جلّ الأحوال، بتصور الولايات المتحدة للعالم وتوجهات العملية السياسية التي تقودها فيه طوال العقود الثلاثة الأخيرة. رئاسة جورج بوش الأب أدخلت المنطقة والعالم في آن واحد في مرحلة «التدخل» العسكري المباشر (تحـرير الـكـويـت)، في حـين أن إدارة كـل من بيـل كلنتون وجـورج بوش الابـن أدخـلتـاهـا في مـرحـلة «المشاركة في الأعباء» وتفرض إدارة باراك أوبامـا الآن على المـنطـقة والـعالـم بتفـاهـمها المبدئي مع إيران في جنيف، مرحلة «توزيع الأدوار والمهمات» بينها وبين حلفائها الأوروبيين في الدرجة الأولى.

وهذا يعني بالضرورة تغيير الخريطة لتحرك سياسة واشنطن الخارجية وانتقال تركيزها المباشر والرئيسي من الشرق الأوسط إلى آسيا. لقد انتهت تماماً سياسة أميركا الخارجية في الشرق الأوسط تحت عنوان «مواجهة محور الشر» (إيران والعراق وكوريا الشمالية) التي أطـلقها بوش الابـن عام 2002. ولـعل أول الـغـيث لـهذا التـغـيير إرسـال أوباما يوم الإثنين الماضي قاذفتين من نوع «بي - 52» انطلقتا من القاعدة الأميركية في «غوام»، للتحليق فوق جزيرتين ذواتَي أهمية استراتيجية لوجود الغاز الطبيعي فيهما، تـقـعـان في منـطــقة بحر شـرق الصين تتنازع هذه الأخيرة واليابان عليهما. والجزيرتان، وهما جزء من خمس جزر كان رجل أعمال ياباني يملك ثلاثاً منها باعها إلى اليابان عام 2012، تقعان في منطقة تدعى بالياباني «سينكاكو» وبالصيني «دياويو»، بين الصين واليابان وتايوان وجنوب كوريا، أعلنت الصين يوم السبت قبل الماضي أن الجزيرتين تقعان في مجالها الجوي.

رد فعل فوري جاء من واشنطن على لسان وزير الدفاع تشاك هاغل إذ وصف إعلان الصين ذاك بأنها «محاولة لزعزعة الاستقرار وتغيير الوضع الراهن في تلك المنطقة». واهتمام الولايات المتحدة التي لها 70 ألف جندي في اليابان وكوريا الجنوبية بهذه القضية، إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تعترف بإعلان الصين أن الجزر تقع في مجالها الجوي وتأكيد لحلفائها في المنطقة، لا سيما اليابان التي تعتبر الجزر في مجالها الجوي هي، التزاماتها الأمنية بدعم هؤلاء الحلفاء. ولكن الأهم من هذا وذاك، هو تشديد الولايات المتحدة على أنها باتت لاعباً رئيساً واستراتيجياً أمام الصين في المنطقة الممتدة من بحر اليابان والبحر الأصفر إلى بحر شرق الصين وبحر جنوبها. وكي تنقل الولايات المتحدة المركز الحيوي في سياستها الخارجية إلى هذه المناطق في آسيا عليها أن تريح نفسها من أعباء أمن الشرق الأوسط وتضمن استقرار أفغانستان والعراق بعد خروجها العسكري المباشر منهما، كان لا بد من التوصل إلى تفاهم ما مع إيران والبدء بنسج شبكة علاقات طبيعية مع طهران في الأشهر والسنوات المقبلة.

ليس من المتوقع أن تغير إيران سياستها الراهنة على الفور، ولكن من الطبيعي أن يحدث هذا التغيير في المستقبل المنظور، وبالتدريج، إذا كان سيكتب النجاح للتفاهم الأميركي - الإيراني. هذا التفاهم سيتطور في شكل جيد وإن واجه بعض العثرات بين الحين والآخر لوجود مصلحة حيوية لطرفيه: إيران لجهة الحيلولة دون الوقوع بين براثن حالة خطيرة من التداعي الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن فشل الإدارة السياسية في البلاد، والولايات المتحدة لجهة معالجة الديون والأزمة الاقتصادية حيث بلغت كلفة مشروعها العراقي وحده 2.2 تريليون دولار بين 2003 و2013. وبطـبـيعة الحال نجاح هـذا التفـاهم سـيحـقق لقــيادة كل من أوبـاما والرئـيس الإيـراني الجـديد حـسن روحـاني «الـمبارك» من قبل المرشد الأعلى خامنئي، اختراقاً سياسياً قد يكون الأهم في دورة الـرئاسـة الثـانية لـلأول، ودورة الرئـاسـة الأولـى للثاني (فيما لو أعيد انتخاب روحاني عام 2017).

هذا التفاهم يضع أوروبا، ودول الاتحاد الأوروبي بالتحديد، أمام مسؤولية مباشرة عن أمن الشرق الأوسط واستقراره الذي هو بمثابة الخاصرة لأوروبا. وتجب الإشارة هنا إلى أن الذي يفصل بين دول الاضطراب في المنطقة، وتحديداً الدولة الفاشلة سورية والعراق ودول «الربيع العربي» المزعزعة، هي تركيا. صحيح أن الأخيرة ليست عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي ولكن علاقاتها مع الاتحاد استراتيجية وحيوية، إلا أنها أهم عضو في حلف «الناتو» بعد ألمانيا، فإن زعزعة الاستقرار في دول الجوار (سـورية والعراق وإيران) سـيؤثر في اسـتقرار تركيا من دون شك، وهو سيؤثر في الاتحاد الأوروبي. فليتخيل أحدنا، لو أصبحت تـركيا كـاملة العـضـوية في الاتحاد الأوروبي، لأصبحت سورية والعراق وإيران دول جوار مباشر للاتحاد. الاتحاد الأوروبي البالغ عدد أعضائه الآن 28 دولة، يسير نحو النمو والازدهار بعد ماض دموي ومأسوي لن يسمح لأي من دول الجـوار بتهديـد اسـتقراره ومستقبل شـعوبه.

وإذا كان التفاهم الأميركي – الإيراني لينجح فهذا يعتمد في الدرجة الأولى على طهران ويبدو من خلال استقبال الطهرانيين للتفاهم بالطبول والفرح وخروجهم إلى شوارع العاصمة يوم عودة وزير خارجية إيران محمد جواد نظيف، أن هناك «مباركة» غير محدودة للتفاهم من أعلى هـرم في الـسلـطة لأنه في رأي الجميع - حتى المتطرفين من «الحرس الثـوري» - حان الوقت لإنقاذ إيران من براثـن الـتداعـي الـمقـبل الذي يـهددها بتـصنـيف «الدولـة الفاشـلة». لـقد أدرك الإيرانيون بمعظم أطيافهم أن القـطيعة الكاملة مع أميركا على مدى أكثر من ثلاثة عقود تزيدهم فقراً وتـخلفـاً عن ركب الأمم الأخرى، وبات لا بد من وضـع نـهاية لـمرحلة كان شـعارهـا منذ عام 1979 «الشيطان الأكبر» ودخول العقلانية للسياسة الإيرانية.

وهذا لا يعني بالضرورة إقامة تحالف جديد في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران واستبداله بعلاقات الصداقة المتينة مع دول الخليج الأخرى، بالتالي فإن الملاحظ أن ثمة مبالغة غير مفهومة في رد الفعل المقلق والمرتبك لهذه الدول المعروفة تاريخياً بعلاقات متينة ومستقرة مع الغرب المستهلك نفوطها. فالمتوقع أن تُجرى في علاقات أميركا والغرب عموماً مع دول الخليج بعربها وفرسها، نقلة في الأولويات، لا تغيير في التحالفات. هذه النقلة ستنعكس إيجاباً ومباشرة على الوضع المتداعي في سورية حيث ستطمئن طهران مع مرور الوقت، خصوصاً في نهاية فترة الأشهر الستة المقبلة المحددة لتفاهم الطرفين المبدئي، أنه لم يعد هناك حاجة للتمسك بالنظام الفاشل في دمشق، والتمهيد لعودة ميليشيا «حزب الله» إلى بيئتها الطبيعية كي تبدأ البحث عن غسل ما ارتكبت من آثام فوق الأراضي السورية.

* كاتب وصحافي سوري مقيم في لندن

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون من مضيفين إلى مشردين

حسين العودات

البيان

الاثنين 2/12/2013

تحتل سوريا موقعاَ وسطاً بين غرب آسيا وشمال إفريقيا وجنوب الأناضول وما وراء الأناضول والقوقاز، وكان شعبها يعتبر نفسه على مدى مراحل التاريخ، جزءاً من البلدان العربية والإسلامية الأخرى وشقيقاً لشعوبها، ويبدو أن هذه الثقافة والتقاليد ورثها منذ العصر الأموي، عصر بناء الإمبراطورية العربية، ولأن ذلك كذلك فقد كانت سوريا، وخاصة على مدى القرنين الماضيين، منطقة جذب واحتضان للمطرودين من بلادهم.

وسواء كانت هجرتهم اختياراً، أم كانت تهجيراً بسبب الاحتلال وقمع الثورات، فإن آلافاَ بل عشرات الآلاف وأحياناَ مئات الآلاف من النازحين والهاربين قدموا إلى سوريا، واستقبلهم الشعب السوري بترحاب، وقدم لهم الحاجات الأولى للعيش والاستقرار حتى يتدبروا شؤونهم.

وقد استقر هؤلاء القادمون من بلادهم في سوريا واندمجوا مع المجتمع السوري، ونالوا الحقوق نفسها التي لهذا الشعب بما فيها الحصول على الجنسية، وأصبحوا نواباً ووزراء ورؤساء وزارات، ولم يسجل أي احتجاج أو تذمر من الشعب السوري تجاه جحافل الوافدين الذين أقاموا في ربوع بلاده، وتشاركوا معه السراء والضراء، من لقمة العيش حتى مقاومة المستعمر.

استقبل السوريون بترحاب وتعاطف الجزائريين بعد فشل ثورة عبد القادر الجزائري في منتصف القرن التاسع عشر، كما استقبلوا دفعة ثانية منهم في آخر القرن بعد ثورتي محمد المقراني وأولاد سيدي الشيخ.

وفي آخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين، استقبلوا آلافاً من المغاربة والتونسيين والليبيين أيضاً، وسكن هؤلاء جميعاً في منطقة تقع في قلب دمشق القديمة وصارت حياً كالأحياء الدمشقية الأخرى، وما زال قسم كبير من سكانها من أصول مغاربية. وقد لعب المغاربة (من مختلف أقطار شمال إفريقيا) دورا ًهاماً في نشاطات المجتمع السوري، بما في ذلك النشاطات السياسية والثقافية، وبرز منهم عديدون تسلموا مسؤوليات ثقافية وسياسية في سوريا..

بعد انهيار جيش إبراهيم باشا الذي تآمر عليه الغرب متحالفاً مع الدولة العثمانية، وعودة هذا القائد المصري الكبير إلى مصر، بقي آلاف من جيشه في سوريا، وسكنوا فيها واندمجوا في مجتمعها، وسماهم السوريون "عائلة المصري"، وما زالت هذه العائلة تتواجد في مختلف المحافظات السورية، وخاصة في جنوب سوريا. وفي ستينات القرن التاسع عشر، وبعد فشل ثورة محمد شامل في القوقاز ضد روسيا القيصرية، هاجرت إلى سوريا جموع من الشيشان والشركس وقبائل قوقازية أخرى، فاستقبلهم السوريون بترحاب وسكن معظمهم في حمص ودمشق والجولان، وتماهوا مع المجتمع السوري كمواطنين، وتحملوا مسؤوليات عديدة وساهم بعضهم في النشاط السياسي والعسكري خاصة، وتولوا مناصب هامة وما زالوا يعيشون في سوريا مواطنين سوريين محترمين.

في مطلع القرن العشرين وبعد اضطهاد الدولة العثمانية للأرمن وتهجيرهم من تركيا، وجدوا في سوريا ملجأ آمناً، فعاشوا بين مواطنيها، واكتسبوا جنسيتها وسكنوا حلب ودمشق أساساً، وصار منهم نواب ووزراء، واحترمت حقوقهم القومية والثقافية، وصاروا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري. وأخيراَ، حتى الروس البيض الذين هربوا بعد انتصار ثورة أكتوبر، وجدوا ملجأ في شمال شرق سوريا وصاروا سوريين.

من نافل القول أن السوريين استقبلوا اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 استقبال الأشقاء، وساعدوهم على بناء مخيمات لهم، ثم أعطوهم كامل حقوق السوريين باستثناء الترشيح والانتخاب، ووصل الفلسطينيون إلى أعلى المراتب الإدارية والعسكرية والثقافية وغيرها، ويتواجد الآن في سوريا نصف مليون فلسطيني (لاجئ).

في عام 2006 وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، هاجر نصف مليون لاجئ من لبنان إلى سوريا، فاستقبلهم السوريون وأمنوا لهم جميعاً مأوى، كما أمنوا لهم الغذاء والخدمات الطبية وكل ما يحتاجونه. ولم يشعر اللاجئون اللبنانيون بأي حاجة لأي شيء طوال مدة الحرب وطوال تواجدهم في سوريا، والأمر نفسه لاقاه العراقيون بعد الاحتلال الأمريكي لبلادهم، فاستقبلت سوريا مليونا ونصف مليون عراقي، فتحت مدارسها لأبنائهم ومشافيها لمرضاهم، وأعطتهم حق العمل ولم يشعروا بأنهم في غير بلدهم.

وهكذا كان الشعب السوري دائماً مضيافاً لأشقائه وأصدقائه، يستقبلهم بترحاب ويقدم لهم ما يستطيع لسد حاجاتهم الإنسانية المتعددة، ويرحب بمن يريد منهم أن يبقى في سوريا بعد انتهاء الأحداث في بلده.

في هذه الأيام انقلبت الآية، فأصبح السوريون أنفسهم مشردين في مختلف بقاع الأرض، القسم الأساسي منهم والذي قد يزيد على مليونين، لجأ إلى الأردن ولبنان وتركيا والعراق ومصر، وهام قسم في بلاد الله الواسعة واستقر عند من يقبله، وجميعهم يواجهون الفاقة والإذلال، ويتحملون أعباء مختلف أنواع التضييق والإهانة، حتى أنهم اضطروا للتخلي عن عديد من قيمهم وأنماط سلوكهم ومفاهيمهم العليا، وعملوا ما كانوا يخجلون حتى من ذكر اسمه.

يعلم الله ماذا ستكون عليه آراء السوريين بعد أن تحل أزمتهم ويعودوا إلى بلادهم، وماذا ستكون مواقفهم من القيم القومية والوطنية والسياسية والأخلاقية وعلاقتهم بالأشقاء العرب والمسلمين، ومن الدول الأجنبية التي لجأوا إليها في مختلف أصقاع الأرض!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من السلطة إلى الدولة وليس أي دولة نريد

03.12.2013

زهير سالم

لا يساعدنا الوضع الدولي والإقليمي الذي يحيط بالثورة السورية حياطة غدر ومكر أن نسترسل في الجدل الحالم حول الفروق أو التشققات في الدولة السورية التي نريد . والمشمول بضمير نحن في( نريد ) هو كل السوريين الذين يريدون في سورية ( دولة ) بالمفهوم الدستوري للدولة بغض النظر عن الوصف الإضافي وبأي دلالات له تكون .

ولو كان لي من الأمر شيء لخرجت على العالم مطالبا ببناء ( دولة ) في سورية . دولة بالمفهوم الدستوري المطلق لمصطلح الدولة . وسأكون على يقين أن بناء الدولة بهذا المفهوم وبغض النظر عن أي وصف إضافي سيلبي تطلعات كل السوريين الأولية على اختلافاتهم التي ستجد طريقها الجدلي للتطوير والتحسين .

لم يعلن الشعب السوري الثورة على أي شكل من أشكال الدولة . ولم يكن في سورية أي شكل من أشكال الدولة . ولذلك غاصت الثورة السورية فيما غاصت فيه . لم تكن في سورية دولة على غرار دولة ابن علي ولا دولة مبارك ، على عمق ما في هاتين الدولتين من اضطراب ووهن وبغي وعدوان . لقد وئدت الدولة السورية الوليدة بعد سنوات قليلة من عهد الاستقلال .وقد نفذ فيها حكم الإعدام منذ الثامن من آذار 1963 ؛ ولم تقم لها بعدُ قائمة حتى اليوم. ليصير الأمر في سورية إلى سلطة عصابة بغي وشر وعدوان تتحكم فيها النزوة والشهوة ويسيرها الحقد وتغذيها النقمة .

وإنها لجناية كبرى على الحضارة والمدنية والفكر والسياسة ألا يميز مفكرون وساسة وعلماء اجتماع بين بناء الدولة بأبسط أشكالها حتى في شكلها الأبوي والرعوي والعشائري وبين السلطة العصابة . سلطة القراصنة يخطفون سفينة ويستبدون بركابها ..

إن الذين يتحدثون في سورية عن دولة الاستبداد أو دولة الفساد أو حتى الدولة الأمنية يخادعون أنفسهم ويخدعون الناس . إن سيادة القانون هي أبسط رابط يربط الواقع بالدولة ، مهما كان شأن هذا القانون ، ويكذب ويفتري كل من يزعم أن سورية كان يسود فيها أي شكل من أشكال القانون وأتحداهم حتى بقانون السير ..

حتى القانون 49 / 1980 الذي حكم بالإعدام على كل منتسبي جماعة الإخوان المسلمين ، مع كل مافيه من جور وظلم وإفك لم ينفذ كقانون دولة بل نفذ كأداة جريمة يعبر به مجرمو العصابة السلطة عن أحقادهم . إذ لا يوجد قانون في أي شكل من أشكال الدولة في العالم يطبق على الناس بأثر رجعي . وهو ما اقترن في سورية السلطة الأسدية بهذا القانون ليغطى به على عار جريمة سلطوية شملت عشرات الألوف من المواطنين الأبرياء . حصل كل هذا وناس العالم المتحضر من حولنا ينظرون ..

مع الأسف لم تنجح المعارضة السياسية في سورية حتى اليوم بإقناع كيري الأمريكي أو لافروف الروسي أن الشعب السوري يستحق دولة ، أي نوع من أنواع الدولة . بل ما أن انبلج فجر الثورة السورية ولاح في الأفق تباشير فجر بناء الدولة حتى سارع الكثير من السوريين بعضهم بحسن نية وبعضهم بغيره يتساءلون عن بقرة بني إسرائيل : ما هي ..؟! ما لونها ..؟! مرة أخرى ما هي ..؟! والشعب السوري أرادها دولة ..دولة يسود فيها القانون– أي قانون - وتظلل مظلتها كل المواطنين ..

 كل الجهود الدولية المبذولة اليوم لقيادة ( الممثلين المزعومين ) للثورة السورية إلى جنيف هي لإقناعهم بحظ من الكعكة في الوجود السلطوي المقترح لسورية ما بعد جنيف . دور ما يعطي لفريقٍ ما حظا من الضوء يقنعهم أنهم قد أصبحوا شركاء في السلطة الممنوحة لبشار والتي لن تمنح بالقدر نفسه لبقية الشركاء المتطفلين .

لم يحصل الشعب السوري رغم عظم التضحيات وبعد ثلاث سنوات من الثورة على اعتراف دولي بحقه في الدولة . في رأي الأمريكي والروسي والفرنسي أن الشعب السوري لا يستحق أكثر من ( سلطة ) سلطة يتحكم بها كل المتخوفين من الشعب السوري ومن الجغرافيا السورية . هذه الحقيقة لا تحتاج بعد اليوم إلى كبير برهان ..

السوريون الأعزاء الأحبة الذين يشترطون في لون عيني الوليد قبل أن يرزقوه على الثورة وعلينا وعلى أنفسهم يستعجلون ...

لندن : 28 محرم / 1435

2 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لن ينقلب وهم إيران في سوريا إلى حقيقة

 خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 2/12/2013

إن معرفة طبع الفرد وطبائع المجتمعات والدول تسهل طريقة التعامل في كل شأن وحال. وإن المتأمل لطبيعة التكوين البنيوي للانظام الحاكم منذ أكثر من أربعة عقود في دمشق وطبيعة الحكومة التي كانت تسيطر على إيران منذ مجيء الخميني وطبيعة اتجاه حزب الله اللبناني وكذلك الأمر نفسه بالنسبة لتكوين الحكومة العراقية بطرفها الشيعي في العراق وما يلعب هؤلاء وأتباعهم في حلبة الصراع على سورية. فإنه يصل بوجه تام إلى حقيقة أن هذه الزمرة مع كونها أقلية ليس لها أي اهتمام في المنطقة العربية بل والإسلامية إلا زرع الفتن ومحاولة الهيمنة تحت أي ذريعة. وكل هذا باسم السياسة والديمقراطية واحترام الحقوق كما يدعون وهم منها براء. وما ثبت بالأدلة والوقائع أن طاعتهم واستجابتهم للولي الفقيه هي الفكرة المعول عليها ومربط الفرس لديهم. وقد شاء الله تعالى أن تفضحهم الثورة السورية فضحا مخزيا بحيث لم تعد تنطلي أحابيلهم على ذي بصيرة. وبأن للجميع أن التخطيط للمشروع الإيراني الممتد من إيران إلى العراق فسورية ولبنان هو الهدف الأساسي من دفاع إيران الحاقدة على أهل السنة وخصوصا في بلاد الشام. ولعل مجيء الرئيس روحاني هو الذي يكون سببا في إعادة المعادلة لوضع طهران في العالم ليس بسبب مشروعها النووي فذاك خاضع لميزان الربح والخسارة حسب المصالح ولذلك أصبحت حبيبة من كانت تدعوها دولة الاستكبار الشيطاني ولكن بسبب المشهد السوري الذي تغول فيه الوحش الإيراني تغول الوحش الأسدي الذي لم يشهد التاريخ لفظائعه مثيلا بتآمر رهيب من المجتمع الدولي الذي لم يبد أي فعل إيجابي حيال تدخل حزب الله وألوية أبي الفضل العباس وغيرها ضد الشعب السوري واحتلال أرضه والتمركز فيها. ومع ذلك يدعي بشار الجزار أنه منتصر ويدعي الإيرانيون أنهم يقاتلون الإرهابيين والمعروف أنه لم نجد إرهاب الدولة بهذه المثابة من الشيوع كما هو عند الأسد وإيران نجاد وروحاني بأمر علي خامنئي. ورغم كل ما يسقط يوميا خصوصا في الأيام الأخيرة من قصف صواريخ سكود وبراميل البارود على محافظة الرقة وريف حلب ومدينة الباب تحديدا واستشهاد المئات من الأطفال والنساء وغيرهم بهذا القصف أو تحت الأنقاض فإنك لا تجد أي حس لهؤلاء الباطنيين وإن كان هذا ليس غريبا عليهم. وكذلك لدى المتشدقين باسم حقوق الإنسان في الغرب وعلى رأسه أمريكا. وإن كان كل ذلك يجري بالتوافق مع الكيان الصهيوني الذي لن يجد مثل العصابة الأسدية وإيران ذات الأوجه المتعددة له نصيرا ودعك من الشعارات والمسرحيات التي بات يعرفها حتى المغفلون.

إن زيارة وائل الحلقي رئيس وزراء العصابة إلى إيران ما هي لمزيد من التآمر لسحق الشعب باسم ما يدعونه الإرهاب وليس في العالم إرهابيون مثلهم حيث ينفذون ذلك بالاتفاق بين أمريكا وروسيا ليحتكروا السلطة في بلاد الشام. وما ارتفاع تصعيدهم مؤخرا إلا لفشلهم وخيبتهم وأنهم مهما راهنوا على القوة والحلفاء والطغاة أمثالهم فإن هذا سيبقى خيالا ووهما مهما طال الزمن والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوري ليس له ديّة!

عارف حمزة

المستقبل

الاحد 1/12/2013

أصبح لدينا ثورة على الاستبداد، وأصبح لدينا مئات القتلى تحت التعذيب الشديد، وآلاف القتلى بصواريخ سكود والقنابل الفسفورية والعنقودية والهاون والكيمياوي والبراميل المتفجرة. وأصبح لدينا ثمانية ملايين نازح توزعوا على أرض الله، وعلى أرض الله الواسعة! حيث نزح أبناء المدن المنكوبة إلى المدن الأخرى التي ما زالت آمنة نوعاً ما، وتنتظر حصتها من البطش وحملات التأديب، في تغيير ديموغرافي يُثير الريبة. بينما لجأ ونزح مئات الآلاف إلى الدول المجاورة، وكثير منهم أكمل طريقه نحو أوروبا.

صرنا نشبه الفلسطينيين في نزوحهم ولجوئهم ونكبتهم؛ فصار ما يقارب نصف السوريين من اللاجئين والنازحين، بينما النصف الآخر يعيش في رعب الإقامة الجبرية.

وفي لجوء السوريين تم تأليف حياة جديدة، من تحت الصفر، مرتجلة، في كثير من الأحوال، ومريرة وقاسية في شتى الأحوال. وفي الوقت الذي كانوا فيه موضع ترحيب وتعاطف، صاروا موضع عنف، في المعيشة على الأقل، يدعوا لطردهم من الأراضي الشقيقة والصديقة التي ضمتهم كلاجئين مؤقتين ومجبرين، يُديرون وجوههم، أنى توجهوا، نحو دولتهم، دولة النازحين.

مصر أم الدنيا، ولكن ليست أماً للسوريين!

كانت من علائم بداية الثورة السورية هو تضامن الشباب السوري مع الثورة المصرية، التي أطاحت بحسني مبارك، ومع الثورة الليبية، التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي، في اعتصامهم الشهير أمام السفارة المصرية بدمشق، مطالبين برحيل مبارك. وشاركوا أفراح المصريين في ساحات التظاهرات التي اندلعت قبل السقوط المدوي لمبارك. وكان سقوطه بحد ذاته ما راهن عليه السوريون في سقوط قرينه الفاسد في قصر المهاجرين.

ومع بداية عمل الآلة الحربية للنظام الأسدي، ولجوء الكثيرين إلى مصر، والقاهرة بالذات، أكمل السوريون ثورتهم، معنوياً، من خلال المشاركة في الاعتصامات والأفراح التي كانت تحدث هناك. وكان مرحّباً بهم بشدة، في مرحلة حكم مرسي بخاصة، وكانت الجمعيات الخيرية الإسلامية تجمع التبرعات باسم السوريين، وتوزعها عليهم بشكل عيني. وقدمت الحكومة المصرية خدمة التعليم المجاني في كافة المراحل، أسوة بالمصريين، من دون تقديم ضمان صحي ولا مخيمات.

بدأت معاناة السوريين هناك بعد أن خرج السيسي وألقى بيانه الشهير بالانقلاب على حكم الإخوان.

وفي الوقت الذي كان متوقعاً فيه أن يرضى الإخوان بحكم العسكر، وينتهي الموضوع بشكل انتقالي هادئ، أعلن الإخوان عن رفضهم للأمر، وقالوا بأنه انقلاب على الشرعية. ونظموا التظاهرات في كل مكان. وصار هناك تهييج، من خلال إلقاء القبض على قيادات الإخوان، وصل لمرحلة حمل السلاح الفردي، ضخمته قنوات إعلامية عديدة بأنه تم تشكيل "الجيش المصري الحر" لمواجهة "شبيحة السيسي". والمواطنون صاروا يشعرون بوجود مؤامرة، إعلامية على الأقل، لجر مصر إلى اقتتال أهلي طويل، شبيهة بالحالة السورية. وما زاد هذا الشعور بالمؤامرة، هو تصريحات كبار مسؤولي الإخوان بطلب التدخل العسكري الدولي "لوقف المجازر التي يرتكبها الإنقلابيون في مصر". وقول حازم أبو اسماعيل بأن المجاهدين في سوريا سيأتون لتحرير مصر، بعد تحرير سوريا! وكذلك من خلال ترحيب الأسد نفسه بسقوط مرسي وحكم الإخوان في مصر.

وبسبب وجود تعاطف من بعض السوريين مع الإخوان، والمشاركة في بعض مسيراتهم، ظن الناس بأن سيناريو المؤامرة يمشي في طريقه السوري لحل الأزمة في مصر، بإيصال دولة الخلافة الإسلامية إلى شمال أفريقيا! وهكذا تم وضع السوريين في سلة الإخوان.

حتى المثقف المصري، أو الشباب الجامعي المصري، فترت حماسته تجاه الثورة السورية، ليصل الأمر، بمساهمة من بعض القنوات المصرية الخاصة، والصحف القومية، التي تدافع بصفاقة عن فاشي مثل بشار الأسد، إلى فهم خاطئ لما يجري في سوريا؛ لدرجة أن الإعلامي باسم يوسف رأى، وروج، بأن الأزمة السورية هي "دبابة قصاد دبابة". وهذا ظلم كبير من "ذوي القربى"، وعلينا أن نقدر العذاب النفسي للكثير من السوريين الذين صاروا هناك، ناجين، ربما بالصدفة، من المذابح والمجازر الوحشية، بسبب المطالبة بالحرية ودولة القانون والمواطنة...

وربما هذا ما جعل الأمن المصري، الذي يُنفذ توجيهات السيسي ورفقاه في مجلس قيادة "الثورة" ضد مرسي والإخوان، يتعامل بسوء كبير مع اللاجئين السوريين، ولا يقوم بالتحقيق الجدي للقبض على الذين قاموا، ويقومون، بالاعتداء على بعض العمال السوريين هناك، أو عدم إعطائهم حقوقهم وفق القوانين النافذة، أو الذين قاموا بتكسير العديد من المحلات التي افتتحها السوريون. وكذلك بإرهاق السوريين في الحصول على تجديد لإقاماتهم المنتهية، ويُطالبون البعض، من المعروفين بمناهضتهم لنظام الأسد، بمراجعة السفارة السورية، أو بالعودة إلى دمشق! كما أن السفارات المصرية ما عادت تعطي الفيزا للسوريين، المتواجدين في دول أخرى، للسفر إلى مصر للقاء أهلهم، أو للسياحة حتى.

السوريون ملأوا مدناً كانت فارغة تقريباً، كمدينة اكتوبر والرحاب وغيرها، بإيجارات وكفالات، قد تصل، كما يحدث حالياً، لحجز جوازات سفرهم لدى المؤجر، وصار هناك أحياء بكاملها من العائلات السورية، لدرجة أن هناك شارعاً في مدينة اكتوبر يُسمى "شارع السوريين".

وبسبب حاجة السوريين للعمل، لتأمين لقمة العيش بكرامة، ارتضوا في أن يشتغلوا في المصانع والمعامل بأجور أقل من العمال المصريين، قد تصل في كثير من الأحيان إلى النصف. وبسبب أن مصر تعيش حالة من الاضطرابات منذ ثلاث سنوات، ولأن نسبة هائلة من المصريين لا يحصلون على رواتب جيدة، أو عاطلين عن العمل، شاعت حالة من الازدراء تجاه السوريين بسبب استحواذهم على فرص العمل، و"سرقة اللقمة" من يد المصريين. ما جعل البعض يقوم باعتداءات، هي فردية في كل الأحوال، لزيادة الضغط باتجاه حرمان السوريين من العمل، أو حتى طردهم من "أم الدنيا".

في المناطق الشعبية تكون المصيبة أكبر؛ إذ المثل السائر هناك هو أن "السوري مالوش دية"، أي إذا قتله أحد ما فلا يدفع دية لأهله. وهذه الجملة تحمل من الفظاعة ما تحمل.

كما أنه هناك من يصرخون في وجه السوري :"انت خربتَ بلدك وعاوز تخرب بلدنا". و"انتو كابسين على نفسنا. ارجعوا بلدكم". ومن تلك العبارات التي تدل على عدم الترحيب، والدعوة جهاراً إلى طرد السوريين، الذين كانوا في يوم ما "أجدع ناس"، من مصر كلها.

في مرة مقبلة سنكتب عن المآسي التي يتعرض لها السوريون في تركيا ولبنان والأردن وكردستان العراق، وسنقتصر هنا على أحوالهم في مصر بسبب الشرح الطويل الذي تقدم.

سألت صديقاً مصرياً لي، يقيم في الجيزة وجامعته في أقصى شرق القاهرة، قبل أيام إذا كان هناك سوريون "يشحذون" في الشوارع بكثرة، كما تقول بعض القنوات والصحف هناك. فأجابني بأن للسوريين محلات كثيرة يراهم يعملون فيها وهو يذهب إلى جامعته. ويرى العشرات من الشحاذين المصريين، ولكنه لم يصادف شحاذاً سورياً في طرقاته، وإن وُجد، كما يقول البعض، فإن النسبة تكون واحد بالألف من الشحاذين المصريين. ثم ضحك وأكمل: "يا عمي هو انت ما تعرفش؟ دي القاهرة هي مدينة الشحادين...".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتصارات وإنجازات أمريكية "ببلاش"

 فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 1/12/2013

كم هم مغفلون وساذجون أولئك الذين يصفون سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه الشرق الأوسط بأنها "مرتبكة" و"باردة" و"متخبطة" و"غير مبالية" و"مترددة". ألا يعلمون أن "اللامبالاة" في السياسة سياسة، وأن التردد ليس تردداً، بل مقصود بذاته؟ مشكلة الكثيرين أنهم لا يتابعون التصريحات الأمريكية، ولا البرامج الرئاسية التي يطرحها هذا الرئيس أو ذاك عندما يصل إلى البيت الأبيض. الأمريكيون في الغالب صريحون بوقاحة عندما يتعلق الأمر بإستراتيجياتهم وسياساتهم الخارجية، فهم لا يراوغون كثيراً، بل يطرحون سياساتهم للإعلام "على بلاطة"، لكن المشكلة في العرب الذين لا يتنبهون إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس.

لقد قالتها إدارة أوباما مرات ومرات ليس في الفترة الرئاسية الأخيرة، بل في بداية الفترة الرئاسية الأولى، عندما أعلن أوباما عن خط سياسي مختلف تماماً عن خط سلفه جورج بوش الابن. لقد جاء أوباما أصلاً ببرنامج يناقض فيه سياسات بوش الذي كلف أمريكا الكثير الكثير عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. لقد أعلنها أوباما صراحة أنه يريد أن يلعب بهدوء بعيداً عن الغوغائية السياسية التي ميزت عهد سلفه. بعبارة أخرى، لقد ضرب أوباما عرض الحائط بصورة "الكاوبوي" السياسي التي سادت الإدارات الأمريكية السابقة. فلم يعد الرئيس الأمريكي يتحسس مسدسه كلما لاحت أمامه ذبابة، بل بدأ يفكر بطريقة أكثر خبثاً وهدوءاً في متابعة الأهداف والإستراتيجيات وتحقيقها.

قد يقول البعض، وربما يكونون على حق، إن عقلية "الكاوبوي" جلبت للأمريكيين الكثير من المصائب، وخاصة في مغامراتهم الخارجية في العراق وأفغانستان، وباتوا يخشون من سياسة "التعنتر". وهذا صحيح، لكنهم قادرون أيضاً على تحقيق المطلوب بعيداً عن "التصرفات" البوشية الهوجاء. لقد أعلن أوباما على رؤوس الأشهاد منذ الأيام الأولى لولايته بأنه سيعتمد من الآن فصاعداً على "الحروب الاستخباراتية" بدل الحروب العسكرية، فهي أكثر نجاعة وأقل تكلفة بكثير. وقد لاحظنا ذلك في الأزمة السورية، فقد كان الأمريكيون يعطون الانطباع منذ بداية الثورة بأنهم غير مبالين أو مرتبكون أو متخبطون حيال الوضع السوري، مع العلم أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت تدير الكثير من العمليات داخل الأراضي السورية من مواقعها على الحدود التركية. ويعترف بعض النشطاء بأن الاستخبارات الأمريكية كانت تلعب دور "رئيس مجلس إدارة بعض العمليات السورية"، فغالباً ما يكون ممثل "السي آي أيه" جالساً على رأس الطاولة يواجه اللاعبين الاستخباراتيين الآخرين المنخرطين في إدارة الوضع على الأرض، بمن فيهم رجال الاستخبارات الأوروبيون والإقليميون والعرب. وفي تلك الأثناء كنا نسمع الكثير الكثير في وسائل الإعلام عن ابتعاد الأمريكيين عن الأزمة السورية.

لقد اعتمد الأمريكيون منذ مجيء أوباما إلى سدة الرئاسة على مبدأ "القيادة من الخلف" تاركين السائقين في المقاعد الأمامية يسوقون حسب التوجيهات والإرشادات والتعليمات الأمريكية دون ضجة أو جلبة. لم يعد الأمريكيون مستعدين للتورط مباشرة في أي نزاع، وهذا ما أشار به ثعلب الدبلوماسية الأمريكية الشهير هنري كسنجر في أكثر من مقال له في الصحف الأمريكية على إدارة أوباما. لا بل راح كسنجر في بعض مقالاته يدعو الإدارة الأمريكية إلى احترام معاهدة "وستفاليا" المبرمة عام 1648التي تنص على احترام سيادة الدول. وهو طبعاً حق يراد به باطل، فبحجة احترام سيادة الدول كانت الدبلوماسية الكسنجرية الجديدة تحقق كل ما تريده بعيداً عن التدخل السافر في شؤون الآخرين، كما كانت تفعل في الماضي. ومن اللافت أنه حتى الغارات الجوية الأمريكية على مناطق تنظيم القاعدة في اليمن وباكستان والصومال كانت تتم عن طريق طائرات دون طيار تجنباً لإزهاق أرواح الطيارين الأمريكيين. هل خسر الأمريكيون جندياً واحداً في ليبيا؟

مخطئ من يعتقد أن أمريكا كانت ضعيفة عندما فاوضت إيران. لا أبداً، فالقوة الأمريكية يمكن أن تدمر العالم مائة مرة. لكن السياسة الأمريكية الأوبامية جاءت أيضاً لإعادة التوازن للاقتصاد الأمريكي. وبالتالي، فالإدارة الأمريكية الحالية لا تريد الغوص في مغامرات جديدة مكلفة طالما أنها قادرة على تحقيق المطلوب بالقوة الناعمة، لهذا رأت أن التفاوض مع إيران وعصا العقوبات أفضل لها من الحروب.

إن الذين يصفون سياسة إدارة أوباما الحالية تجاه الشرق الأوسط خاصة "بالغباء" فإنهم، كما يقول محمد الركاض، لا يعرفون من السياسة شيئاً، ولا يعرفون ثعالبها، فالسياسة الأمريكية التي يصفها البعض بـ"الغبية" جردت سورية من السلاح الكيماوي، وهي ساعية لما بعد الكيماوي. والأهم من ذلك، أنها كبحت مشروع إيران النووي دون أن تخسر دولاراً أو جندياً واحداً. قارنوا المبالغ التي أنفقتها أمريكا على مغامراتها في العراق وأفغانستان، وهي ترليونات الدولارات، مع ما أنفقته على الوضعين السوري والإيراني. لقد حققت لنفسها ولإسرائيل كل ما تريدان فقط من خلال العمل بالمبدأ النابليوني الشهير: "إذا رأيت عدوك يدمر نفسه، فلا تقاطعه". لقد دفعت أمريكا المليارات لإعادة العراق إلى العصر الحجري، كما توعد وزير الدفاع وقتها رامسفيلد، لكنها حصلت في سورية على كل ما حصلت عليه في العراق "ببلاش"، فقط بدماء وأشلاء السوريين وثرواتهم وثروات الآخرين. فإذا كانت سياسة "التخبط والغباء واللامبالاة" الأمريكية هذه قد حققت كل هذه النتائج ، فكيف لو كانت سياسة ذكاء و دهاء مثلاً؟

لقد أنجزت إدارة أوباما لأمريكا ما لم تنجزه على مدى عشرين سنة فائتة، فيما يخص ملفات الشرق الأوسط في سورية وإيران وعلى صعيد ضمان أمن إسرائيل. كيف؟ فقط بتعب اللسان و برود الأعصاب والتردد واللامبالاة المدروسة؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاتفاق الأميركي الإيراني... اختلاف في الرؤية

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 1/12/2013

أُحيط اتفاق جنيف بشأن النووي بين إيران والمجتمع الدولي بالكثير من المبالغات والأساطير وللجهتين: جهة «إيجابياته» على إيران و«سلبياته» على اليهود والعرب، أو لجهة «سلبياته» على إيران وإيجابياته بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.

الذين يعتبرون الاتفاق سلبياً هم متشددو المحافظين في إيران ممن كانوا من حلفاء نجاد والحرس الثوري. لكنهم لا يستطيعون تشكيل تحد داخلي حقيقي وسط موافقة المرشد الأعلى، وترحيب الغالبية الشعبية، والتي ترجو فكّ الحصار، وتحسُّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. ولذلك قال أحد القلة المتشددة هذه إنّ الاتفاق هو مثل «تجرُّع السُمّ». وهي كلمة قالها الراحل الخميني عام 1988 عندما اضطر لقبول قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار مع العراق. على أنّ الأمر بالنسبة للمعارضين للاتفاق والموافقين عليه لا يتعلق بالقوة الشعبية للطرفين، بل بالترتيبات الجديدة للسلطة، وهي تقاسُمات كانت على مدى عشر سنوات لصالح المحافظين من حول خامنئي والحرس الثوري، فكيف سينطلق الاقتصاد من عقاله، وكيف يحدث الحراك البنّاء الذي يريده روحاني مع الخارج وباتجاه الداخل.

هذا الصراع الداخلي على السلطة هو الذي سوف يؤثّر على السياسة الإيرانية تجاه دول الجوار، أكثر بكثير مما يؤثّر فيها الاتفاق مع أميركا. لقد سلّمت الولايات المتحدة لإيران بمناطق نفوذ في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان. أمّا في النووي فإيران قدّمت بالفعل تنازُلات، لكنّ ما قدمته كان معروضاً عليها منذ عام 2004 حين جرت إحالة ملفّها النووي إلى مجلس الأمن الدولي. وهناك من الإيرانيين من يقول إنّ تصرف المرشد كان غريباً بالفعل، لأنّ الأميركيين كانوا مقبلين على كل وجوه التعاوُن، وإنما اضطُروا لسياسة العقوبات لأن الإيرانيين ما قبلوا أيَّ شيء إلا إذا أُخذ اقتناصاً ربما لأنهم يريدون أن يصبحوا قوةً إقليميةً بهذه الطريقة، وليس بطريقة الشاه في التحالُف مع الولايات المتحدة!

فلنعُدْ إلى الهياج الإسرائيلي من الاتفاق. يقول مؤيدو أوباما من الصحفيين الأميركيين، مثل ديفيد إغناتيوس وتوماس فريدمان وفريد زكريا، إنه لا داعي للهياج الإسرائيلي لأن المساعدات الأميركية الهائلة مستمرة في الأمن والعسكر والاقتصاد، ولأن الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا، خلّصت إسرائيل من أخطار الكيماوي والنووي. والعلاقات الحسنة بين أميركا وإيران أفضل ضمان لإسرائيل، ولذا فإنّ نتنياهو يلعب لعبة خطِرةً بالرهان على الانقسام الداخلي الأميركي بين الديمقراطيين والجمهوريين، مع أن الوضع الحالي ومآلاته بالمنطقة سببه الجمهوريون خلال سنوات بوش الابن. لكنهم يعترفون بأن «أمن إسرائيل الدائم» لا يزال مهدَّداً بصواريخ «حزب الله» على الحدود، والتي صارت الآن في لبنان وسوريا. والاتفاق الأميركي الإيراني عام 2010 والذي اعترف لإيران على نحو ما بمناطق النفوذ تلك تحطّم في الحرب السورية، وبتهديدات «حزب الله» لإسرائيل بالطائرات بدون طيار. لذلك فمن حقّ إسرائيل المطالبة بحل هذه المشكلة فوراً بأيّ شكل، حتى لا تعود المساومات السابقة، إذ أنّ «الهدنة» في هذا الشأن لا تنفع. ولذا يكون على نتنياهو أن يقول ذلك بالتحديد ويسعى إليه، بدلا من التحجُّج بالنووي وبخضوع الولايات المتحدة لإيران!

ولنصل إلى ملفّ العلاقات الإيرانية مع دول الجوار، والتأثير المحتمل للاتفاق عليها. أولُ المُلاحَظات في هذا المجال أنّ تركيا عادت إلى سياساتها السابقة: الكلام الجميل سابقاً مع العرب، والتعاوُن الحقيقي مع إيران. فها هو أوغلو يعتبر إيران مفتاح السلام والاستقرار في المنطقة، ويقول إن تركيا ستتعاون مع إيران في حلّ الأزمة السورية. وسيأتي روحاني إلى تركيا، ثم يزور أردوجان إيران. وحتى عندما اتجهت تركيا شرقاً، ما اتجهت إلى مصر والسعودية مَثَلا، بل حاولت إقامة علاقات «استراتيجية» مع الأسد تحت سمع إيران وبصرها. وقد اختلف الأتراك مع إيران بشأن الأزمة السورية، فأرسلت إيران «القاعدة» وحزب العمال الكردستاني إلى سوريا على الحدود التركية، وأزعجت الاتفاق مع الأكراد بداخل تركيا، وعطّلت تقدم العلاقات التركية مع الأكراد بالعراق. وحجم التبادُل التجاري بين تركيا وإيران 20 مليار دولار سنوياً وسيزداد الآن. ولنلاحظ أيضاً أن تركيا تدخلت في عمليات الصراع على الإسلام السياسي في الأقطار العربية بعد الثورات. فساءت علاقاتها بمصر دون داعٍ إلا طموحات أردوجان. وبالطبع ما كان ذلك سليماً ولا صحيحاً، ولذا يعود الآن إلى إيران بعد أن هجرها لسنتين، وقد تكون عودته من مدخل إعادة التسليم لإيران بسوريا، بعد أن كان قد قال قبل ستة أشهر إنّ سوريا والعراق دولتان مستقلتان، ولا يصح أن تكونا تابعتَين لإيران أو غيرها! بيد أنّ خبيراً تركياً قال لي إنّ تركيا تنازلت لإيران في ملفات العراق والأكراد، على أمل أن تتنازل إيران في سوريا بالتسليم بمقررات «جنيف-1» بالتحول والحكومة الانتقالية! لقد كانت هناك مشكلة في العلاقات العربية التركية أيام العسكريين، وما تسوَّتْ أيام الإسلاميين، لأنهم أعرضوا عن الخيار الأوروبي، وراحوا يلتمسون مناطق نفوذ وتأثير عند العرب وفي آسيا الوسطى. لقد كانت صورةً مهيبةً بطهران في مؤتمر التعاون الاقتصادي: صورة وزراء خارجية دول إسلامية كبرى مثل إندونيسيا وإيران وباكستان وتركيا. والإسلام بدون العرب بدون روح، ومع العرب نزاع واستقطاب وسط مساعي الإيرانيين والأتراك لاعتبار أنفسهم زعماء العالم الإسلامي.

إنما بعد هذا كلّه، لماذا الصدمة العربية من الاتفاق النووي مع إيران؟ ردة فعل دولة الإمارات، والمملكة العربية السعودية، ومجلس التعاون الخليجي كانت هادئةً ومتعقِّلة. بيد أنّ هناك انطباعاً لا يتزعزع بأنّ الولايات المتحدة ستظل على سياساتها في إعطاء ما لا تملك لمن لا يستحقُّ في المشرق والخليج.

وبالطبع فإنّ الأميركيين ينكرون ذلك، فيردُّ الخليجيون: لقد أنكرتم من قبل في عشرات الحالات في العراق وسورية ولبنان والبحرين والكويت ومصر، ثم حدث فوق ما كنّا نتوقع من سوء!

العالم العربي يغلي، وما بقيت واحةُ أمانٍ إلا في منطقة الخليج العربي. وباستثناء الفرنسيين، يحاول الأطراف الغربيون والشرقيون الضغط على العرب وابتزازهم للإفادة المباشرة، أو للأسباب الاستراتيجية. ويعتقد الإيرانيون (أكثر من الأتراك) أنهم أتقنوا أسلوب التعامُل مع الغرب والشرق، وحصلوا على فوائد ومناطق نفوذ وآمال في كل مكان. ومُخطئٌ من كان يظنُّ أن الغربيين قادرون أو يريدون مواجهةَ إيران بما يحدّ من نفوذها وأطماعها، وإنما يتدخلون في المنطقة وحسب إذا أُحرجت إسرائيل جداً أو إيران. فحتى مع تركيا اكتفوا بنشر صواريخ باتريوت! لذلك، ولكي يُصْغي الأميركيون والإيرانيون والروس وغيرهم لمطالب استقلال العرب ووحدة أرضهم واستقرارهم، تظلُّ الدبلوماسية الحركية والجادَّة والمنسَّقة أولى الضرورات. ويكون من الضروري استمرار الإصرار في البحرين، ومساعدة اليمن أكثر في إنجاح التجربة، واستكمال التحول والاستقرار في مصر. ومساعدة الشعبين السوري والعراقي على الخروج من الحرب والانقسام والتبعية، وإعانة لبنان على الصمود في وجه الاستشراس الإيراني. من المهمّ جداً الحفاظ على الهوية العربية لسوريا والعراق في وجه أنظمة الطغيان، وقرمطيات الإيرانيين وميليشياتهم.

ما يقوم به روحاني مفيد للشعب الإيراني، وربما أعان على تهدئة بالمنطقة بعض الشيء. لكن إنْ أرْضت سياساته الغرب فلن تُرضي جماهير الشعب الإيراني التي تنتظر الكثير! روحاني ليس خاتمي الذي كان يسعى لإصلاح جذري سمّاه «الديمقراطية الإسلامية». لكنّه يمكن أن ينجح لأنه ليس خاتمي!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التقارب الأمريكي الإيراني على حساب المصالح العربية

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 1/12/2013

التقارب الأمريكي الإيراني على حساب المصالح العربيةفي هذه الأيام، تُذكرك ممارساتُ أمريكا والدول الغربية الكبرى، بمستوى الهزل واللامسؤولية الذي يكمن في النظام الدولي المعاصر. ورغم أن هذا النظام يحاول تغطية مساوئه بين حينٍ وآخر، وغالباً من خلال الشعارات الرنانة، إلا أن رائحة المساوىء المذكورة تعود لتظهر بقوة بسبب عَفَنها الشديد الذي لايمكن الهروب منه في نهاية المطاف.

يأتي هذا الكلام في معرض التعليق على الاتفاق الإيراني مع مجموعة الخمسة زائد واحد، الأسبوعَ الماضي. والذي باتَ بكل وضوح، وبعيداً عن المُجاملات الدبلوماسية، حلقةً أخرى في مسلسلٍ قبيح تتالى حلقاته في الفترة الأخيرة، ويتمثل في التجاهل الكامل لمصالح الدول العربية، ولمصالح دول الخليج العربي تحديداً.

ربما يفيدنا التاريخ لنفهم حقيقة هذا النظام من خلال مواقف البعض وأقوالهم فيه.

ففي يومٍ مضى، كان وزير الخارجية الأمريكي الحالي جون كيري مُرشحاً لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال حملته الانتخابية، أطلق وعداً من تلك الوعود التي يُطلقها الساسة ليتلاعبوا بها بمشاعر المواطنين، وهم يعلمون أنهم لن ينفذوها على الأغلب.فقد وعدَالسيد كيري الأمريكيين يومها بكل ثقة بأنه إذا ماتم انتخابه رئيساً، فإن البترول العربي لن يجد طريقه إلى الأسواق الأمريكية!

لم يكن ممكناً على الإطلاق طبعاً تنفيذ مثل هذا الوعد وقتَها، كما يستحيل تماماً تنفيذه ولو جزئياً الآن أو في المستقبل. وتظل هذه حقيقةً رغم كل التسريبات المدروسة من هنا وهناك عن اكتشافات النفط الجديدة في أميركا، وعن إمكانية استغنائها عن النفط العربي بشكلٍ عام.

كل مافي الأمر أن هذه الحادثة تُذكرنا بحقيقة وجوهر السياسة الدولية القائم في كثيرٍ من الأحيان على المناورات والكذب والخديعة والتخويف، قبل أي شيءٍ آخر.

ورغم أن السياسي الأمريكي يوجين ماكارثي قال يوما أن "من الخطير على مرشحٍ لمنصب فيدرالي أن يقول شيئاً يمكن أن يتذكره الناس"، إلا أننا نتذكر ما حصل بالرئيس جورج بوش الأب حين أشار بإصبعه في حملة إعادة انتخابه إلى فمه قائلاً "اقرؤوا شفاهي ، لن تكون هناك ضرائب جديدة" . ثم إنه عندما أصبح رئيساً وجد نفسه مضطراً إلى فرض ضرائب جديدة، الأمر الذي جعل المرشح المنافس يومها بيل كلينتون يستخدم تلك (الكذبة) كواحدةٍ من أمضى الأسلحة في حملته الانتخابية الناجحة ضد بوش الأب.

السياسة سوقٌ وسيركٌ وغابة، كما يقول أحد الكتاب. لكن من الواضح أنها يمكن أن تكون أكثر وأسوأ من ذلك فيما يبدو.

فمنذ عقود، لخص الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، المعروف بصراحته، رأيه في السياسة بهذه العبارة: "من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، ولكنني أدركتُ مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة".. ربما يرفض الكثيرون هذا الرأي، وربما يجرحُ الكلامُ البعضَ من أصحاب المشاعر المُرهَفة، لكن المهم في الموضوع أن هذه العبارة تعبر عن تصورٍ معين للسياسة كان ولا زال وسيبقى موجوداً، إلى درجة أو أخرى، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في غير مكان في هذا العالم فيه ساسةٌ وسياسة.

وهانحن نرى مايجري اليوم في هذا العالم، خاصةً فيما يتعلق بالموقف من الشعب السوري وثورته، وهو موقفٌ لايمكن أن يذكرك إلا بكلام ريغان في توصيفه للسياسة والسياسيين.

مامن شكٍ أن أمريكا حققت بعض المصالح في الاتفاق المذكور، لكنها أيضاً فتحت باباً آخر للهيمنة الإيرانية على المنطقة قد يُثبت التاريخ أنه فُتح نتيجة أخطاء في الحسابات، صارت من لوازم السياسة الأمريكية في المنطقة.

وعلى سبيل المثال، يجدر بالأمريكان وغيرهم التساؤل عن أسباب ترحيب البعض بالاتفاق بشكلٍ كبير، بدءاً من حزب الله الذي اعتبر أنه"انتصار نموذجي وإنجاز عالمي نوعي تضيفه الجمهورية الإسلامية إلى سجلها المشرق بالانتصارات والانجازات"!!، وصولاً إلى هيثم مناع الذي أكد أيضاً أنه انتصارٌ لإيران والدول الستة التي اتفقت معها لأنه يرسخ السلام والتهدئة في المنطقة.

نعرف دائماً أن السيد مناع لايرى في كل ماجرى ويجري للشعب السوري علاقةً بموضوع السلام، لكن الأنكى من ذلك أن يجدها فرصةً للحذلقة وممارسة أسلوب الترهيب والترغيب، حين يقول، من جانب، أن الاتفاق يسمح لدولٍ مثل السعودية ومصر بالدخول في النادي النووي السلمي، حسب تسميته. لكنه يعود ليهددنا ويهدد دول الخليج بقوله: "أن الخوف اليوم لم يعد محصوراً بالخوف على سوريا فقط، بل أصبح يشمل المنطقة كلها"..

هكذا، تسمح أمريكا، ومعها حلفاؤها وحلفاء النظام، بتهديد مصالح دول الخليج العربية عملياً بكل وضوحٍ وبساطة، في حين تمارس نظرياً سياسة بيع الشعارات والكلام المنمق إلى درجةٍ صارت سمجةً ومُملة.

نحن ندرك أن العلاقات الدولية لاتُمارس بعقلية الأبيض والأسود، ولا بطريقة كل شيء أو لا شيء. لكن هذا الإدراك نفسه يجب أن يدفعنا جميعاً إلى تفكيرٍ خلاق يحفظ المصالح.

وقد يتمثل المدخل الأسرعُ الآن في العمل بجديةٍ وقوة لإيجاد أمرٍ واقعٍ يفرض نفسه في سوريا لأنها باتت الساحة التي ستكون المفرق في تحديد خارطة المنطقة، كما أشارت صحيفة النيويورك تايمز الأسبوع الماضي نقلاً عن برنارد هيغل،أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، الذي أشار إلى أن عدم هزيمة الإيرانيين في سوريا ستأخذ المعركة بأسرها إلى المناطق الأخرى الحساسة في الإقليم..

خلال حملتها الانتخابية أيضاً، قالت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون: ""إن التحدي يكمن في ممارسة السياسة كفنٍ يجعل عدم الممكن يبدو وكأنه ممكن".لهذا يحاول الساسة الأمريكان أن يطبقوا القاعدة، ولكنهم يدركون في النهاية أن مايجب أن يكون سيكون،ويتعاملون معه بواقعية ومرونة بغض النظر عن تصريحاتهم السابقة. خاصةً إذا فهم الآخرون هذا الأمر، وتعاملوا معه بحكمة..

لهذا، تشيع بين الأمريكان عامةً، وبين الساسة على وجه الخصوص، عبارةٌ تؤكد على إمكانية التعامل مع كل أمرٍ واقع، وهي تقول: "سنفكر كيف نعبر ذلك الجسر عندما نصل إليه".

لكن علينا أن نأخذهم إلى الجسر قبل ذلك..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإرهاب السوري بالعين الملتبسة!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 1/12/2013

تمخضت الحرب في سوريا، في أحد تفاصيلها الأخيرة، عن سقوط عدة قذائف هاون على السفارة الروسية بدمشق، مما تسبب بسقوط قتيل وتسعة جرحى من عناصر أمن السفارة. وحدث كهذا أحد تفاصيل «بسيطة» في أحداث دموية تشهدها سوريا منذ مارس (آذار) 2011 سقط فيها مئات آلاف الأشخاص، معظمهم من الأبرياء. بل إن الحدث نفسه ترافق مع سقوط عشرات الأشخاص في منطقة القلمون، قتلت أغلبهم الآلة العسكرية للنظام، أو جرى ذبحهم على أيدي «جيش الدفاع الوطني» الذي شكلته السلطات من الشبيحة على نحو ما حدث في بساتين دير عطية في القلمون السوري.

وعمليات القتل، وبخاصة قتل المدنيين وذبحهم، أعمال وحشية وجرائم موصوفة تستحق الإدانة، ويفترض الوقوف ضد مرتكبيها، وإيقاع أقصى العقوبات بهم، خاصة إذا كان القتلة اختطوا وكرسوا نهج القتل العشوائي، وأمعنوا فيه على طريق تحقيق أهداف سياسية.

والوقوف ضد القتل لا يحدد فقط موقفا حازما من هذه الجرائم، إنما هو سعي من أجل عدم تكرارها مجددا أو الحد منها على الأقل، عندما يلوح للمجرمين أن ثمة من يحاسبهم على جرائمهم، ويوقع العقوبات بهم دون تمييز بين مرتكب وآخر.

غير أن هذه القواعد العامة في تطبيقاتها السورية وأحداثها، جرى التعامل معها بطريقة مزدوجة من جانب مجلس الأمن الدولي قبل أيام؛ إذ استحقت حادثة السفارة الروسية توقفا غاضبا عندها من جانب المجلس المنوط به الحفاظ على السلم والأمن الدوليين في وقت تجاهل فيه قول كلمة واحدة بصدد ما حدث في القلمون، رغم ما يحيط بالحدثين من التباسات تستحق الوقوف عندها، إن لم نقل إنه ينبغي أخذها بعين الاعتبار من قبل مؤسسة من هذا المستوى.

أول النقاط التي ينبغي الانتباه إليها، أنه لم يجرِ إجراء تحقيق فيمن قام بإطلاق القذائف على السفارة الروسية، والأمر في هذا ليس بديهيا على نحو ما ظهر في بيان مجلس الأمن، وثمة كثير من وقائع إجرامية ارتكبها النظام للإيحاء بأن الآخرين من «الإرهابيين» قاموا بها، وهي اتهامات سياسية هدفها تحريض العالم ومجلس الأمن على خصوم النظام بوصفهم «إرهابيين».

وثاني النقاط أن مجلس الأمن الذي أصدر حكما تقديريا في موضوع السفارة الروسية، هو نفسه الذي لم يفعل شيئا في مجزرة الكيماوي بغوطة دمشق، التي حقق فيها فريق دولي، وأكد أن النظام هو الذي ارتكب المجزرة، وقتل فيها نحو ألف وخمسمائة من المدنيين أغلبهم من الأطفال والنساء.

والنقطة الثالثة أن مجلس الأمن الدولي من خلال تقصيره وتخاذله في القيام بمهمته ومعالجة القضية السورية بصورة قوية وفعالة طوال نحو ثلاث سنوات، لم يدعم تواصل حرب النظام الدموية والتدميرية فحسب، بل فتح أفقا أسود لتدخلات دولية، واحتلالات أجنبية لسوريا، وباباً لدخول كل متطرفي العالم لارتكاب الجرائم ضد السوريين.

ورغم أهمية النقاط السابقة، فإنه لا بد من الانتباه إلى أن السفارة الروسية في دمشق لم تعد بمثابة سفارة بالنسبة للسوريين الذين خرجوا على النظام وسياساته وعلاقاته، وهو ما جعل عشرات دول العالم تغلق سفاراتها لدى النظام، وتسحب ممثليها تأكيدا لعدم شرعية النظام وتمثيله للسوريين، فيما تحولت السفارة الروسية إلى غرفة عمليات سياسية - عسكرية وأمنية تتجاوز مهمتها الأساسية في رعاية مصالح البلدين والشعبين، وصارت مصدر دعم النظام وآلته العسكرية والأمنية ومركز تواصل لتمرير صفقات الأسلحة والخبراء العسكريين والأمنيين العاملين ضد الشعب السوري وقتل أبنائه وتدمير مقدراته والحفاظ على نظام فات أوانه سياسيا وأخلاقيا.

إن التدقيق في مجريات صدور بيان مجلس الأمن الأخير حول حادثة السفارة الروسية ومحتوياته، تحمل مخاوف من نزعة عنصرية كامنة في القرار، جوهرها أن قذائف على هدف أجنبي ومقتل شخص وإصابة تسعة من أفراد أمن السفارة، هو محط اهتمام مجلس الأمن أكثر بكثير من اهتمامه بتدمير الإرث الثقافي والحضاري والإنساني ومقدرات الشعب السوري، وقتل وجرح وتهجير ملايين منه على أيدي النظام وحلفائه الروس والإيرانيين وأدواتهم من حزب الله ولواء أبو الفضل العباس وبأسلحة وذخائر روسية الصنع وبمعونة خبراء روس.

ولعل الغريب فيما أحاط ببيان مجلس الأمن الدولي الأخير، هو موقف بعض أصدقاء الشعب السوري الذين مرروا تنديدا وإدانة لما حدث في السفارة الروسية من عمل «إرهابي» لأفراد أو جماعات لا نعرف من هي، دون أن يشيروا ولو مرورا إلى إرهاب واسع ومنظم ومستمر يقوم به النظام ضد الشعب بمن فيه من مدنيين عزل، وبالتأكيد فإن من غير المقبول على هيئة دولية فيها هذا المستوى من التمثيل، وتدعي الحيادية ومهمتها الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، أن تتعامل بازدواجية المعايير مع القضية السورية وبالجانب المتصل فيها بالإرهاب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جنيف2: امتحان الفرصة الأخيرة

بشير عيسى *

الحياة

السبت 30/11/2013

لم تكن الشروط واللاءات التي رفعها الائتلاف السوري المعارض، لتُقنع أحداً. فالجميع كان على قناعة بأن المخرج الوحيد للأزمة يكمن في ذهاب جميع الفرقاء إلى جنيف2 من دون شروط مسبقة، بما فيها العودة الى جنيف1، كون النقاط المطروحة للتفاوض مشروطة بالجملة التي أضافها لافروف، وهي «موافقة الطرفين»!.

ما يميّز جنيف2 عن سلفه، هو الرغبة الجدية الناتجة من اقتناع الإدارة الأميركية بضرورة التفاهم مع الروس حول كل ملفات المنطقة. فالوزير كيري أكد بأن «جنيف2 الحل الوحيد لإنهاء النزاع»، ما يعني انتفاء خيار التدخل العسكري، سيما بعد مغادرة البوارج الحربية الأميركية، إثر قبول نظام دمشق بتفكيك ترسانته الكيماوية.

مشكلة المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف المعارض، كانت في تبديده لجهدٍ كبير ذهب على محاولات استجلاب التدخل الخارجي، بحيث تحول إلى هاجس تعذر الخروج منه، وهذا ما أقره السفير فورد أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، التي انعقدت في 31 تشرين الأول (أكتوبر) الفائت، بقوله «كانوا منشغلين جداً بالضغط علينا للتدخل عسكرياً»!.

لقد أصبح جلياً بأن من يرسم خطوط التفاهمات في سورية والمنطقة، سيحدده النظام الروسي بالدرجة الأولى، باعتباره يسعى إلى تقاسم مع الدور الأميركي، إن لم نقل انه يرثه. فإدارة أوباما الباحثة عن الخروج بأقل الأكلاف المترتبة على دولتها، جراء تبعات حربي أفغانستان والعراق، لم تكن في وارد الدخول بحرب ثالثة، وأي متابع للسياسة الأميركية كان يدرك بأن استراتيجية أوباما تتمحور حول إعادة ترتيب الأولويات، حيث يتبوأ الشأن الداخلي صدارة الاهتمام.

في هذا السياق، تأتي شهادة السفير فورد لتعكس واقع الحال، بقوله: «لا تستطيع المعارضة ان توجه ضربة قاصمة للنظام، لذلك نسعى الى حل سلمي مع موسكو»، الأمر الذي دعا كبير الأعضاء في المجلس السيناتور كروكر للقول: «أشعر بأننا قد سلمنا القيادة إلى روسيا»!

إذن، الطريق للحل يمر من البوابة الروسية، والباقي تفاصيل. لذلك استعد النظام للذهاب إلى جنيف2، وكذلك هيئة التنسيق الوطنية ومعها الهيئة الكردية العليا، كما فوّض 16 حزباً من الجبهة الوطنية والمعارضة الداخلية، الوزير السابق قدري جميل، كممثل عنها في المفاوضات. فالخارجية الروسية على لسان غاتيلوف، تعتبر بأن جميل «يمثل تياراً سياسياً واجتماعياً يعتد به». وهذا الموقف يشكل قناعة روسية، تحتم على الائتلاف أخذها بمحمل الجد، وهنا لا يعود صائباً وضع الشروط، لتغيير مسار العملية التفاوضية.

فالموقف الروسي أصبح أكثر حزماً، وهذا ما عكسته جملة مواقف للوزير لافـروف، أولها أتى كرد على ـ الإبراهيـمي، الذي صدر من العاصمة السورية، من أنه «لن يكون هناك جنيف2 في حال رفضت المعارضة المشاركة في المـفاوضات»، حيث اجاب الوزير بأن «جنيف2 سيعقد بمن حضر»!. الموقف الثاني، رد فيه على خطاب المعارضة، الذي يحتكر حصرية التمثيل، معتبراً «أن الائتلاف لا يمثل الشعب ولا حتى المعارضة، وإنما يمثل جزءاً وليس الكل». أما ما يخص رفض الائتلاف مشاركة بعض اطراف المعارضة، وضرورة ألا يلعب الأسد أي دور في العملية السياسية المستقبلية، فكان جواب لافروف قطعياً: «جنيف2 لن يقصي أحداً، والطلـب المتعلق بمصير الأسد طرح غير واقعي»!.

يشكل جنيف2 انعكاساً دقيقاً لميزان القوى المحلية والإقليمية، وصولاً الى الدولية التي تضع قواعد وشروط اللعبة السياسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا. لذلك سيعني القبول به الحصول على الشرعية الدولية، ومن هنا تأتي أهميته في ظل استحالة الحسم العسكري الناجز.

بمعنى آخر، سيشكل المؤتمر قطعة الجبنة التي سيتقاسمها من سيحضر، كلٌ بحسب ثقله، فيما الممتنع سينظر إليه كمعطل للحل السياسي ورافض للسلام، وسيتحمل مسؤولية تقويض الأمن والاستقرار، الذي يصب في خدمة الإرهاب، ما يستدعي بالضرورة، محاربته!.

وبما أنه لا مناص من جنيف2، فعلى الائتلاف النظر إليه كفرصة أخيرة، لإثبات صدقيته، التي يشكك فيها الآخرون. فنحن لا نعلم أسباب تخوفه، طالما انه يمثل الشعب والمعارضة!. فإذا كانت هيئة التنسيق والتيار الذي يتزعمه قدري جميل «صنيعة استخبارات النظام»، وما دام ما بقي من الجيش 40 ألف عسكري، بينما تحمي إيرانُ و»حزبُ الشيطان» النظامَ، كما يقول رموز المجلس الائتلاف والجيش الحر، أفليس حرياً أن يخاف النظام من جنيف2؟. ثم ألا يشكل الحضور الأممي والعربي، الذي أعطى شرعية للائتلاف، مظلة وضمانة تُعنى بمراقبة المرحلة الانتقالية؟ وبذلك يكون المؤتمر ميزاناً حقيقياً لقياس أحجام قوى الداخل! كما يدحض رؤية الكونغرس، بأن «سورية يتقاسمها على الأرض، النظام والأكراد والجهاديون»!.

على الائتلاف، إذا قرر المشاركة، الحذر والحيطة من الفخاخ السياسية، فالنظام لن يوافق على حكومة واسعة الصلاحيات، ما لم يأخذ موافقة وضمانات من المعارضة، حول جملة أفكار ومطالب، ليدرجها في البيان الوزاري، والذي سيحدد برنامج وأهداف هذه الحكومة. ولعل أهم هذه المطالب يكمن في موافقة والتزام الائتلاف بمحاربة الإرهاب، وهنا تنتفي الحاجة الى حزب الله. كما سيطالب النظام بالهوية العلمانية للدولة، التي تقوم على فكرة المواطنية، ما يعني عدم تشكيل أحزاب على أساس ديني أو اثني، وهنا سيربح النظام في كلا الحالات، لأن من شأن هذه المطالب أن تضع الائتلاف بين فكي البيئات والفصائل الجهادية، القريبة والمتحالفة معه من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى.

جنيف2 فرصة أخيرة، فإما أن ينجح بها الائتلاف، أو يخرج مهزوماً، وهذا رهن باستعداد وبراعة ممثليه!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جنيف الإيراني وجنيف السوري!

فايز سارة

المستقبل

السبت 30/11/2013

بدا من الواضح، ان ايران كانت الرابح الرئيس في مفاوضات جنيف الايراني، وبموجب هذا الاتفاق حصلت ايران على تأكيد سيرها في المشروع النووي الى نهايته رغم المرحلية التي ظهرت في الاتفاق، كما حصلت ايران بموجب الاتفاق على وقف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، اضافة الى امر هو الاكثر خطورة مما سبق، وان كان بشكل ضمني هو الاعفاء من تبعات سياستها في الشرق الاوسط، وتجاوزها ما كان المجتمع الدولي، يصفها به وهو رعاية الارهاب.

واذا كانت ايران ربحت بهذا القدر في جنيف الايراني، فان ما رشح عما قدمته ايران للعالم وللدول التي تفاوضت معها كان قليلاً، او هو مستتر اذا اردنا الدقة. اذ لم تظهر تفاصيل ماقدمته ايران مقابل ارباحها، الامر الذي بدا وكان ايران قد حققت انتصاراً كبيراً في جنيف استحق ان تهلل لنتائجه القيادة الايرانية من جهة، وحلفاء ايران من النظام السوري الى روسيا وجميعها اشادت بما تحقق في جنيف الخاص بايران.

ان البديهيات، تؤكد ان مفاوضي طهران في جنيف، ما كان من الممكن ان يعطوا ايران تلك المكاسب دون مقابل. وقلة المقابل أو عدم ظهوره، قد يكون وراء الاشتراطات، التي وضعها مفاوضو طهران من اجل اثبات جدية ايران في التعامل مع الاتفاق، والاهم فيها هو فترة الستة اشهر، والتي كان اساسها الظاهر اثبات حسن سلوكيها وسيرتها في التعامل مع الملف النووي بحيث يظل برنامجها سلمياً، وان يكون البرنامج تحت الرقابة الصارمة، وان لم يسر البرنامج بهذه المواصفات، فان الاتفاق سيكون في مهب الريح، وبالتالي فان المكاسب الايرانية من اتفاق جنيف سوف تأخذ المنحى نفسه، وتعود مسيرة العلاقات الايرانية مع المجتمع الدولي والدول المشاركة في الاتفاق الى التوتر المتصاعد وربما الى الصدام المباشر الذي لاشك انه سيكون عنيفاً.

ورغم ان كثيراً من متابعي الوضع الايراني، رفضوا الربط بين جنيف الايراني ومؤتمر جنيف2 المزمع عقده لمعالجة القضية السورية عبر ايجاد حل سياسي للاخيرة، فلاشك انه هناك رابط خفي بين الاثنين، لان ايران في الاول تمثل الطرف الرئيس، وهي في الثاني طرف رئيس ايضاً، اذ هي تقدم دعماً متعدداً وغير محدود لنظام الاسد في دمشق، وهي قوة موجودة هناك بصورة مباشرة من خلال خبراء بمن فيهم خبراء عسكريين وامنيين، وهناك قوات من الحرس الثوري تقاتل الى جانب قوات النظام ومعها مليشيات تأخذ اوامرها المباشرة من ايران ابرزها قوات حزب الله اللبناني ومليشيات لواء ابو الفضل العباس العراقية، وهؤلاء يشكلون القوة القابضة التي يقاتل النظام بها التشكيلات المسلحة للمعارضة ويقتل السوريين ويدمر بلادهم.

ان حضور ايران ودورها في القضية السورية، يمثل مدخلا للرابط الخفي بين جنيف الايراني الذي عالج الملف النووي، وجنيف2 المناط به معالجة القضية السورية من خلال فتح باب الحل السياسي بعد ان اتجه اليه المجتمع الدولي عازفاً عن السير في خط حل عسكري للوضع لاسباب تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والامنية، وهذا الرابط قد يساهم في تفسير عدد من التحركات الاقليمية والدولية الاخيرة والمتواصلة في العالم ذات الصلة بالموضوع السوري، وبين ابرزها تحديد موعد جديد لمؤتمر جنيف2 بعد ان كانت التقديرات تشير الى تأجيل المؤتمر عدة اشهر وربما الى الابعد، والانفتاح الروسي على الائتلاف الوطني السوري المعارض والذي كانت موسكو تظهر قدراً كبيراً من العداء له، والانفتاح الظاهر لبوابة تواصل تركي ايراني، وقد اصطف كل واحد منهما الى جانب طرف في الصراع الداخلي السوري، واعادت بعض الدول العربية الاكثر دخولاً في الوضع السوري ترتيب اوراقها السورية استعداداً للمرحلة المقبلة.

خلاصة هذه التحركات، تشير الى أن جنيف2 سوف يعقد، وعلى الاقل ان فرصة انعقاده بعد جنيف الايراني، صارت اكبر مما كانت عليه قبله، وهذا هو المتغير الظاهر. اما المتغير الباطن فهو مراهنة على موقف ايران في القضية السورية. فاذا استطاعت ايران ان تعدل وجودها ودورها في القضية السورية لصالح الحل، فان مسار مفاوضات جنيف2، ستكون نتائجها افضل لان وضع نظام الاسد سيكون اضعف في ضوء تخلي ايراني عنه بصورة كلية او جزئية، اما اذا استمرت ايران في دعمها لنظام الاسد، فان جنيف2 سوف يفشل، مما يفتح باب الازمة السورية الى مزيد من التداعيات الداخلية والخارجية، وهو مالا يريد المجتمع الدولي رؤيته بما يترتب على ذلك من نتائج كارثية في المستويات السياسية والامنية والانسانية.

اذن دور ايران وموقفها في القضية السورية سواء حضرت ايران جنيف2 او لم تحضره، سيكون بين العوامل الحاسمة، ليس في الموضوع السوري فقط، وانما فيما يتعلق بجنيف الايراني ايضاً، وسيكون قبول ايران بحل سياسي للوضع السوري عاملاً مساعداً لمضي جنيف الايراني الى نتائجه في مشروع ايراني سلمي للطاقة النووية، اما اذا كان موقف طهران في اتجاه اخر نحو تأكيد وجودها ودورها المحوري في القضية السورية، فسيكون الامر بخلاف ذلك، لان ايران في هذه الحال تكون قد قررت كسب مشروعها النووي من جهة وتكريس امتداد نفوذها الاقليمي في ان معاً، وهو ما سيواجه بردة فعل اقليمية ودولية، لن تعدم الذرائع في العودة الى المربع الاول في الصراع الدولي مع ايران.

ان جنيف السوري يطرح تحدياته على طهران، وعليها ان تختار بين تمرير مشروعها النووي المحدد في جنيف، او العودة الى الصراع مع القوى الاقليمية والدولية بسبب مشروعها النووي وبسبب استراتيجية التمدد الاقليمي في الشرق الاوسط، فيما يراهن خصوم ايران ممن فاوضوها في جنيف على تحولات السياسة الايرانية في الاشهر الستة المقبلة، سيكون الاساس فيها تبدلاً في موقف طهران ودورها في القضية السورية وتفاصيل اقليمية اخرى، وهي التي سستحسم مستقبل جنيف الايراني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حصار دمشق يشتد مع احتدام معارك القلمون

دمشق - يامن حسين

الحياة

الجمعة 29/11/2013

بضعة أيام مضت على قطع اوتوستراد حمص – دمشق بمحاذاة بلدات القلمون بعد سيطرة قوى المعارضة المسلحة على بلدة دير عطية، والتي سبقتها بيومين سيطرة النظام على اجزاء من بلدة قارة.

قطع الطريق الدولي منذ 20/11/2013 تسبب في ازمة وقود في العاصمة دمشق التي تؤمن معظم حاجاتها من بنزين ومازوت وكيروسين للطائرات عبر صهاريج تأتي من المرافئ السورية اضافة الى مصفاتي حمص وبانياس، ولا بديل عن طريق حمص دمشق سوى طريق آخر من حمص إلى تدمر فالضمير وعدرا وصولاً الى العاصمة وهو يضاعف المسافة بين المدينتين أضافة إلى مجاورته لمناطق مشتعلة اساساً.

وبدا جلياً حجم الأزمة في العاصمة مع توقف عدد كبير من محطات الوقود عن العمل، والازدحام حول أخرى. يقول محمد وهو سائق حافلة «ازمة الوقود بدأت في اليوم التالي لانقطاع الاوتوستراد الدولي، حيث امتنعت اغلب محطات الوقود عن بيع الوقود واحتكاره رغم توافره وبدأت بورصة البنزين بالارتفاع يوماً بعد يوم».

ويشير سائق حافلة على خط (جرمانا – باب توما) أن محطات الوقود التي كان يتزود منها بالوقود أغلقت ابوابها صباح اليوم التالي لانقطاع الطريق الدولي»، ويضيف: «دمشق أساساً كانت مخنوقة بالحواجز والتفتيش الدقيق والطرقات المغلقة، ما يعني مع عدم توافر البنزين وارتفاع سعره زيادة هائلة في مصروف الوقود، غداً سأضطر إلى التوقف عن العمل».

وارتفعت اسعار نقليات الأجرة في دمشق بمقدار الضعف، ما سبب عزوف عديد من سكان العاصمة عن ركوب سيارات الأجرة أو حافلات النقل العام، وفضلوا التنقل مشياً على الأقدام أو على الدرجات الهوائية.

وأطلق قبل فترة ناشطون على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» صفحة ساخرة تتهكم على الازدحام الناتج من حواجز قوات النظام التي تخنق المدينة وتدعو المواطنين إلى استعمال الدراجة الهوائية للتنقل، فهي أسرع وأقل كلفة.

لم تقتصر الأزمة الإنسانية في مدينة دمشق على وقود السيارات بل تقطعت السبل بمئات طلاب الجامعات والموظفين الذين لم يسـتطـيعوا الـخروج أو الدخول الى العاصـمة، وبات واضحاً أن الوضع سيتفاقم إن لم يفتح الطريق قريباً، فهناك أزمة وقود الـتدفئة على أبواب الشتاء، اضافة الى صعوبات كبيرة قادمة في تأمين مادة الخبز لسكان العاصمة وهو فعلاً ما بدأ يـظهر في بعض المناطق وما دفع العديد من سكان دمشق لتخزين الحاجات الأساسية من طحين وأغذية ولم تهدئ مخاوف الدمشقيين تصريحات شركة المحروقات ولجنة المخابز الاحتياطية بأن البنزين متوافر والأزمة ستنتهي قريباً جداً.

لا غنى للنظام عن استعمال طريق دمشق - بيروت لتأمين احتياجات المدينة من المواد الأساسية عبر لبنان، وبخاصة أن الطريق البديل (حمص- تدمر – الضمير – دمشق) طويل جداً وغير آمن، وهو ما سيفاقم الأزمة الإقتصادية، والتي ستنعكس مباشرة على سكان العاصمة بارتفاع اسعار المواد الغذائية والوقود وانقطاع التيار الكهربائي، كمشهد مكرر لما حصل في حلب بعد قطع طريق حلب خناصر والذي اعاد النظام السيطرة عليه بعد معارك عنيفة.

هل سيوثر قطع الطريق الدولي على إمداد القوى العسكرية وما هو ثمنه؟

قوة النظام العسكرية تتمثل بقطع كبيرة كالفرقتين الرابعة والعاشرة وغيرهما وألوية الحرس الجمهوري وكلها في داخل العاصمة أو على أطرافها ولا حاجة لها لعبور الطريق الدولي كما أنها لا تحتاج لإمداد بالذخيرة أو الوقود من خارج العاصمة وريفها، أما قوات النظام في المدن الأخرى كحلب وحمص وحماة فبأمكانها التزود بالمقاتلين والعتاد من الساحل ومن المخازن الباقية للنظام في المنطقة الوسطى، وكذلك الأمر بالنسبة للجيش الحر والفصائل الإسلامية التي تتحصن في جبال القلمون والغوطة الشرقية والتي هي بالأساس لا تستفيد من الطريق الدولي ولا تستخدمه لنقل قواتها او امدادها اللوجستي.

يخفف ناشطون معارضون من التهويل بقطع الطريق الدولي فيؤكد بعضهم أنه عاجلاً أم أجلاً سيتوصل الطرفان لاتفاق غير معلن بين الحر والنظام في حال لم تحسم معركة القلمون إما بفتح الطريق الدولي امام حركة المرور والنقل مقابل فتح معابر لادخال المساعدات إلى الغوطة الشرقية، أو أن يتولى النظام شراء الطريق الدولي مقابل مبالغ مالية تسمح له باستخدامه، وهو ما حدث في عديد من المناطق بحسب ناشطين حيث دفع النظام أتاوات كبيرة لكتائب مقابل فتح طرقات بعضها للاستخدام المدني وبعضها لقواته العسكرية في جنوب العاصمة وكذلك في حلب.

بعد عام تقريباً من الركود العسكري بين الجيشين الحر والنظامي كانت معه خريطة توزع القوى على الأرض شبه ساكنة يأتي مؤتمر جنيف2، ليحرك كل القوى العسكرية على الأرض لتحقيق مكاسب قبل التفاوض.

طريق حلب خناصر بات اليوم بيد النظام وكذلك بلدات جنوب دمشق، ولن تكون معركة فتح «الجيش الحر» طريق الغوطة الشرقية من جهة مطار دمشق الدولي، أو قطع أهم اوتوستراد في سورية أخر المعارك. سيكون أمام السوريين معارك وأيام صعبة في كل الجبهات والمواقع وستتغير الخريطة السورية بين اللونين الاخضر والأحمر مراراً وتكراراً وكل طرف سيفضي ما في جعبته في «أمهات المعارك» حتى موعد جنيف 2 وربما بعده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بؤس المظلومية السنّية

حسام عيتاني

الحياة

الجمعة 29/11/2013

بعد امتناع الولايات المتحدة عن معاقبة نظام بشار الأسد إثر جريمة الهجوم الكيماوي في آب (أغسطس) الماضي، تصاعد خطاب المظلومية السنّية في وجه الاضطهاد اللاحق بها على أيدي الأقليات المتسلطة والتجاهل الدولي للمأساة السورية.

تطور خطاب المظلومية على مدى عقود حكم الأقلية العائلية لسورية وتحوله الى احتلال عسكري صريح بعد القضاء على تنظيم «الاخوان المسلمين» المنافس الجدّي الأخير لحافظ الأسد اوائل الثمانينات. وتعمق بعد قضاء الأجهزة الامنية على ما مثّله «حزب العمل الشيوعي» من محاولة (في رأي النظام) لفك الارتباط العضوي بين الطائفة العلوية والاقليات عموماً، وبين السلطة أي باستبعاد صفة «العلمانية» عن النظام.

مع بداية الثورة وظهور عدم رغبة الأقليات بالانخراط الواسع فيها لاعتبارات كثر الحديث عنها ومنها ما نجم عن أخطاء المعارضة، وجدت الكتلة الأكبر من الثوار، المنتمية الى الطائفة السنية، نفسها وحيدة في مواجهة آلة قتل عالية التعبئة والتدريب والاستعداد وتستند الى تحالفات داخلية وخارجية متينة توفر لها المدد البشري والمادي.

وإذا كانت سورية هي الساحة الأبرز للمظلومية السنّية، إلا انها تجد تعابير صريحة عنها في لبنان والعراق اللذين شهدا في الاعوام القليلة الماضية تهميشاً وإقصاء للسنّة اللبنانيين والعراقيين عن السلطة وعن الفضاء العام.

المهم في الأمر ان خطاب المظلومية السنية، إذا جاز التعبير، سار في اتجاه تبني موقف الضحية الكاملة، مسقطاً من متنه كل الخلفيات التاريخية وكل تفاصيل ودقائق العلاقات المضطربة بين السنّة والشيعة والعلويين والمسيحيين على امتداد عقود طويلة ماضية. فليس صحيحاً، على سبيل المثال، اخذ السنّة السوريين كتلة واحدة صماء مناهضة لنظام آل الأسد. وكما هو معروف، فلولا التحالف الذي صاغه «الأب المؤسس» مع البرجوازية الشامية والحلبية السنّية في أكثريتها الساحقة، لما تجاوز حافظ الاسد الصراع مع «الاخوان» ولما قيّد له ان ينتصر في المنافسة مع شقيقه رفعت بعد اعوام قليلة. ولولا وقوف اجزاء كبيرة من سكان المناطق الشرقية السورية (السنّية، مرة أخرى اضافة طبعاً الى رجال الاعمال الذين يمولونه حتى اليوم) مع بشار الاسد لما صمد أمام الثورة.

ولعل هذه من أوضح الثغرات في خطاب المظلومية. أما ما يتسم بقدر أكبر من الجدية والخطر، فهو تجاهل اصحاب الخطاب هذا حقيقة التنوع والتعدد السوري، العرقي والطائفي واستسلامهم الضمني الى خطاب بعثي مقلوب. يرتكز هذا على ان «الاسلام العربي» السنّي، قادر على استيعاب الجميع واعطاء كل ذي حق حقه ضمن آلية لا تختلف كثيراً عن دعوة البعث العربي الاشتراكي للكرد وغيرهم الى تجاهل حقوقهم القومية والانضواء تحت عباءة «الحزب القائد».

عليه، يستبدل خطاب المظلومية السنّية انتقاص المواطنة المفروض على فقراء السنّة من قبل النظام الطائفي الحالي، بالدعوة الى تجديد الذمية المسيحية واستئناف سيرة العلاقة المريضة السابقة مع العلويين. غني عن البيان ان دعوة كهذه (كما برزت أخيراً في وثيقة «الجبهة الاسلامية»)، لا مكان لها في عالم اليوم، وأن رفع الظلم عن شرائح واسعة من السوريين والحاقه بسوريين آخريين سيفضي الى اطالة امد الحرب الحالية وسد ما تبقى من آفاق أمام الثورة.

مفهوم أن كمية الدماء التي سفكها النظام السوري تحجب امكانية التفكير الهادئ وتبرر هدير الانتقام ورد المظالم بمثلها، بيد أن كل ذلك لا ينبغي ولا يجوز ان يتحول الى صلب مقيم في الثورة السورية التي ستخسر حينئذ روحها وضميرها.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوباما لبّى رغبة إيران وروسيا في الانتصار

راغدة درغام

الحياة

الجمعة 29/11/2013

بدأت تتضح معالم «التسوية الكبرى» Grand Bargain بين الولايات المتحدة وروسيا وعادت الدولتان لاتخاذ مقاعد متساوية في انضاج الصفقة. بات واضحاً وجليّاً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت حجر أساس في «التسوية الكبرى» الممتدة من الشرق الأوسط إلى أفغانستان والقوقاز وآسيا الوسطى وإلى أوروبا الوسطى أيضاً. روسيا استعادت الوزن والمقام الذي احتلته في العهد السوفياتي وزمن القطبين بسبب تصميم الرئيس فلاديمير بوتين، كما بسبب تقبّل الرئيس الأميركي باراك أوباما لفكرة إحياء موازين العملاقين بدلاً من استفراد الولايات المتحدة بمكانة الدولة العظمى في زمن القطب الواحد. رئيس «اللاحرب» أخرج العمل العسكري من معادلة التعاطي مع برنامج إيران النووي بعدما كان أخرجه من التعاطي مع الاستخدام الكيماوي في الحرب السورية. والقرار الأميركي في عهد باراك أوباما هو التفاهم مع روسيا – والصين معها – ليس فقط على خريطة جديدة في طياتها المصالح الاستراتيجية والنفطية والغاز، وإنما التفاهم أيضاً على كيفية التعرّض للتطرف السنّي الممتد من سورية والعراق إلى أفغانستان وباكستان والجمهوريات الإسلامية الخمس في آسيا الوسطى. إنها نقلة نوعية في علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع دول الشرق الأوسط والخليج. نقلة تتطلب من الحلفاء القدماء استيعاب معنى ما طرأ على العلاقة الأميركية – الإيرانية ودراسة التعامل معه بلا هلع. فلربما في طيّات التطورات التاريخية الأسبوع الماضي في العلاقة الأميركية – الإيرانية نوافذ على إصلاح ضروري للعلاقات التقليدية، الأميركية – العربية منها وكذلك الأميركية – الإسرائيلية. وبالتأكيد، هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الاستراتيجيات القديمة للحروب بالنيابة كما للمنافسة أو المواجهة السنّية – الشيعية.

الاتفاق بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن – الولايات المتحدة، الصين، روسيا، بريطانيا، وفرنسا – زائد ألمانيا حول البرنامج النووي الإيراني يتصدّر الأولوية القاطعة للدول الست. هذه الدول تضع كل مسألة أخرى في مرتبة ثانية أو ثالثة. المسألة السورية سقطت من سلم الأولويات. الدول المجاورة لسورية لم تعد تهم الدول الست. الأردن تضمنه الولايات المتحدة. لبنان لا يلاقي أي اكتراث. العراق شبه مفروغٍ منه لصالح ايران.

النقلة النوعية الأهم حدثت في العلاقة الأميركية – الإيرانية وفي الاستراتيجية الأميركية نحو الشرق الأوسط بشقي العلاقة مع إسرائيل والعلاقة مع الدول النفطية العربية. فقلد تم التوصل إلى الأولوية الإيرانية وهي: علاقة ثنائية مباشرة ومستمرة مع الولايات المتحدة قوامها تشريع ثورة الملالي في طهران التي انطلقت عام 1979، والتعهد بعدم دعم أية معارضة أو أية جهود للإطاحة بنظام طهران القائم على الحكم الديني – أي الثيوقراطية. هكذا تعهد الرئيس باراك أوباما.

أما العملية التفاوضية النووية فإنها ستكون معقدة ذات محطات متقلبة تارة إيجاباً وتارة سلباً. إنما في نهاية المطاف، كما أثناء العملية التفاوضية، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية متمسكة بالبقاء على طاولة المفاوضات مهما حدث ذلك أن تلك الطاولة هي الأداة لتخفيف ورفع العقوبات. وهذا تماماً ما يشكل أساس الاستراتيجية الإيرانية. الطاولة هي وسيلة إنقاذ الاقتصاد في إيران. والطاولة هي السجّادة التي يحسن الإيرانيون حياكتها بصبر وفن المفاوضات، وهذا واقع جديد مستمر لزمن طويل آتٍ مهما حدث من تصدّع هنا أو تراجع هناك. فطهران تدرك أن طاولة المفاوضات هي أيضاً سجن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

إدارة أوباما لبّت إيران وروسيا وقدمت لهما الانتصار في الشرق الأوسط. فهي تراجعت عن الهدف المعلن لإسقاط النظام في دمشق. وهي تعهدت بحجب أي دعم لتغيير النظام في طهران. استيعاب معنى هذا التحوّل الجذري في السياسة الأميركية ليس سهلاً، لكنه فائق الضرورة.

فالرئيس الأميركي رضخ عملياً لأيديولوجية فرض الدين على الدولة، كما فعل الملالي في طهران. والرئيس الأميركي طرف في تحالف الأمر الواقع مع إيران وروسيا ضد التطرف السنّي أينما كان. هكذا فتحت إدارة أوباما الباب على تصدير أيديولوجية الثيوقراطية الإيرانية إلى الجوار. وهكذا قررت إدارة أوباما تبني ما بدأته إدارة جورج دبليو بوش، وهو، اعتماد الشراكة مع إيران في الحرب على «القاعدة» وأمثالها بالتفاهم مع روسيا والصين، هذه المرة.

التعاضد بين أميركا وروسيا والصين وإيران في منع إحياء التطرف السنّي في أفغانستان ومنع إنمائه في باكستان جزء مهم في الخريطة الجديدة. المنافسة السعودية – الإيرانية على النفوذ في تلك البلاد إنما لها معالم مختلفة الآن على ضوء التوافق الأميركي – الإيراني الجديد.

إيران متواجدة في كل المعادلات بما فيها المعركة على النفوذ في أوروبا الوسطى بين الولايات المتحدة وروسيا. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أسرع إلى الإعلان في أعقاب الاتفاق النووي مع إيران أن ذلك الاتفاق يلغي حاجة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لمشاريع الصواريخ الباليستية في أوروبا. قال إن المنطق الذي تذرعت به الولايات المتحدة لإقامة تلك الدرع الصاروخية هو مواجهة تحدي الصواريخ الإيرانية. قال إن تلك الذريعة زال منطقها بعد الاتفاق مع إيران. وهكذا، أصبحت إيران بوابة لمعالجة الخلاف الأميركي – الروسي حول مشاريع الصواريخ الباليستية في أوروبا الشرقية.

مع صعود نجم ونفوذ إيران في العلاقة مع الغرب عامة وفي إطار العلاقة الأميركية – الروسية، اختضّت موازين القوى التقليدية واختّض معها الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالقفزة النوعية في العلاقة الأميركية – الإيرانية، بعد انقطاع رسمي دام لأكثر من ثلاثين سنة، أحدثت الصدمة بعد الدهشة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تصرّف بهستيريا البعض يراها مصطنعة والبعض الآخر يجد لها المبررات. فلقد وصف نتانياهو الاتفاق النووي مع إيران بأنه ليس إنجازاًَ تاريخياً وإنما هو «غلطة تاريخية». الرد العلني السعودي رحب بالاتفاق النووي بحذر. دول مجلس التعاون الخليجي أصدرت بياناً عبر عن «ارتياحها» إزاء الاتفاق وطالبت إيران بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحسناً فعلت. حسناً فعلت أيضاً بالإعراب عن أملها بنجاح مؤتمر جنيف – 2 المعني بسورية المزمع عقده في 22 كانون الثاني (يناير) لإنهاء النزاع في سورية عبر هيئة انتقالية بصلاحيات كاملة. هكذا، أتى رد الفعل الخليجي بهدوء بدل الهستيريا وأعطى الانطباع أن الرد الخليجي بات عاقلاً بدلاً من اعتباطية الغضب والحرد إزاء السياسة الأميركية الجديدة.

المهم في رد الفعل الخليجي هو إرسال رسالة الحضور والمشاركة لتحل مكان رسالة الامتناع والتغيب التي سبقتها، وهذا بالغ الأهمية. فهناك ليس فقط نقلة نوعية في العلاقة الأميركية – الإيرانية، إنما هناك تقارب اليوم بين إيران وتركيا. فأي غياب أو امتناع عربي يؤذي فقط المصلحة العربية.

البعض في الإدارة الأميركية حريص على طمأنة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بأن الولايات المتحدة لم تتخلّ عنها وإنما هي مجرد توسّع حلقة تحالفاتها في الشرق الأوسط. الرسالة بعناوينها العامة هي أن المصلحة الأميركية لم تعد تعتمد حصراً النفط العربي وإسرائيل أساساً لتحالفاتها في الشرق الأوسط. في صلبها، أن الرسالة الأميركية لكل مَن يعنيه الأمر هي أن أميركا لن تحارب نيابة عن أي كان. فكل يخوض حربه بجنوده وقواته، وليس عبر القوات الأميركية. الرسالة هي أن استيراد الأمن لم يعد صالحاً وأن الوقت حان لجاهزية محلية وليس لعلبة جاهزة وهذا مفيد. مفيد للدول العربية لجهة نضوج خروجها من الاعتماد على الولايات المتحدة.

من ناحية العلاقة الأميركية – الإسرائيلية أن الرسالة الأميركية هي أن العلاقة العضوية باقية إذا تعلق الأمر بالأمن الإسرائيلي، لكن علاقة «الابن المدلل» يجب أن تنتهي. وهذا جديد نوعياً.

ما يراهن عليه الرئيس أوباما هو الدعم الصامت للرأي العام الأميركي لرسائله الموجهة إلى العواصم الخليجية كما إلى إسرائيل، إنه رئيس اللاحرب تلبية للرغبات الأميركية. فهو غامر بالانخراط السياسي مع إيران مدركاً تماماً أن الشعب الأميركي لا يريد الحرب مع أي كان، نيابة عن أي كان. فالشعب الأميركي لا يكترث بما يحدث في الشرق الأوسط لا سيما وأنه بات جاهزاً للاستقلال نفطياً، وهو لا يبالي بمن يدفع كلفة مكافحة الإرهاب والتطرف طالما هي بعيدة عن الأراضي الأميركية، لذلك أن الحرب السورية لا تهم الرأي العام الأميركي حتى وإن كان «حزب الله» طرفاً في النزاع في سورية نيابة عن إيران دعماً للنظام ولبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة.

الحرب السورية ستطول لترافق «عملية» المفاوضات المفترض بدؤها في مؤتمر جنيف – 2 الذي قد يكون مدخلاً للحديث عن الدور الإيراني الإقليمي وطموحات طهران في العراق وسورية ولبنان. لكن الرهان على جنيف – 2 هو الرهان على إفشاله. روسيا تريد إلغاء شرعية المعارضة عبر تحميلها مسؤولية إفشال جنيف – 2 بعدما كانت استرجعت للنظام في دمشق شرعيته عبر الاتفاق معه على تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية. الولايات المتحدة تريد الاستمرار في «العملية» السياسية بعدما ألغت تماماً الخيار العسكري. إيران ليست مهتمة بجنيف – 2 وهي تريد أن تتجنب التحدث عن دورها في سورية ودعمها لـ «حزب الله» وتفضّل إشغال الغرب حصراً بالمفاوضات النووية لغض النظر عما تفعله في سورية.

هناك كلام عن موقع «حزب الله» في تلك «الصفقة الكبرى» عندما تنضج أكثر لاحقاً. إيران لن تتخلى عن «حزب الله» كما لن تتخلى عن بشار الأسد. ما قد تريده – لاحقاً وبعدما تتحول الموازين العسكرية في سورية قطعاً لصالح النظام – هو إقناع الرئيس الأميركي بالاعتراف بـ «حزب الله» كقوة إقليمية ولاعب سياسي بدلاً من إبقائه مصنّفاً في خانة الإرهاب. هكذا تخطط السياسة الإيرانية على المدى البعيد، وتصبر، وتثابر، ثم تنتصر – تماماً كما فعلت بعد ثلاثين سنة وتوّجته في الاتفاق النووي مع الدول الكبرى وإقرار هذه الدول بشرعية النظام في طهران.

التعامل العربي مع الاختراق الذي حدث يتطلب التمعن في الخيارات الواقعية والعقلانية. لقد دخلت منطقة الشرق الأوسط حلقة التسوية الكبرى. وهذا يتطلب رؤية عربية غير تلك المعتادة وأدوات غير التي تم استخدامها بما انقلب على المصلحة العربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«حجي مارع»: في صفات «الأمير الجديد»

محمد سامي الكيال *

الحياة

الجمعة 29/11/2013

يندر أن نجد مؤخراً حدثاً استأثر باهتمام السوريين والمتابعين للمسألة السورية، مثل مقتل عبد القادر الصالح، قائد لواء التوحيد. ففضلاً عن الأهمية السياسية والعسكرية المباشرة للحدث، بدا حجي مارع نموذجاً للشخصية الإشكالية التي تحتل مكانة استثنائية في وعي السوريين. فهو لدى بعضهم، نموذجٌ لوطنية سورية جديدة، تمزج في الآن ذاته بين «الوعي الشعبي» ومحاربة الاستبداد، واحترام إرادة الناس بعدم فرض النموذج الإسلامي قسراً عليهم. ولدى آخرين هو رمز للتهديد الإسلامي القادم مع المقاتلين الملتحين ذوي الميول الإسلامية!

عموماً لم تخرج المناقشات حول حجي مارع من الثنائية الشهيرة للثقافة السائدة (علمانية/إسلام)، ورغم هذا كان من الواضح أن الصالح كظاهرة أكثر تعقيداً من تنميطه بصورة أحادية من النوع الذي يجيد العقل السائد ابتكاره، فهو لم يبد شبيهاً بأمراء الحرب الاعتياديين الذين قيل إن الأرض السورية تعج بهم، رغم كل ما أثير من شبهات حول ممارسات لواء التوحيد. كما أن صيغة «أمير الجماعة الجهادية» بدت مختلقة ومتحاملة إذا أُسقطت عليه. أما عن كونه بطلاً شعبياً ووطنياً وفق الرؤية الرومانسية التي يقترحها محبوه، فمن البيّن أن مجريات الثورة السورية أحدثت تغيراً مهماً في المزاج والوعي العام، لم يعد معه من السهل صناعة أبطال ورموز في المخيال الجمعي من دون تشكيك وطعن وجدل لا ينتهي.

هكذا بدت أسطورة «الأمير الشعبي» و»الرمز السوري» حاملة لبعض المبالغة والتهويل، ورغبةً ذاتيةً لصنّاع الأسطورة أكثر من كونها طرحاً ينال قبول الغالبية.

عن أي «أمير» نتكلم إذاً؟!

يمكننا أن نلحظ في سيرة حجي مارع تكثيفاً لسيرة الآلاف من أبناء إحدى أكثر المناطق تهميشاً في سورية: الريف الحلبي، الذي بات وأهله زائدين عن اللزوم، وفق منظور أي «انفتاح» ليبرالي، والذي اكتشفت حداثتنا مؤخراً، بعد عقود من تمجيد «الفلاحين الكادحين»، مدى «تخلفه» و»تطرفه»، والانفجار السكاني الذي يشهده منبئاً بكل «الكوارث الاجتماعية» الممكنة. ترافق هذا مع الانحدار التدريجي لحال الريف اقتصادياً وزراعياً، نتيجة لممارسات الدولة «النيو بعثية» في عهد بشار.

بموازاة هذا التهميش المركّب، الاقتصادي والسياسي والثقافي، للمجتمعات «المتخلفة»، نمت الفئة الجديدة المستفيدة من خيرات «الانفتاح» في قلب مدينة حلب؛ برجوازية جديدة تحالفت مع البرجوازية التقليدية، وفئة وسطى ضيقة تزداد ازدهاراً، شكلتا معاً «المجتمع المدني» لدولة الأسد الابن.

عندما ثارت حلب وتظاهرت، سواء عبر جامعتها أو أحيائها العشوائية، كان لهؤلاء الريفيين، طلاباً أم أبناء عشائر وقرى يسكنون عشوائيات المدينة، الدور الأكبر في تثوير المدينة. بالأصح اجتاح الريف المدينة بثورته، ولم يتأخر باجتياحها عسكرياً، ليضرب بالعمق «مدنية» النظام، ويكسر، أو على الأقل يواجه، منظومة المالتوسية الجديدة التي فرضها «التطوير والتحديث».

أصبح للمدينة نمط غير مسبوق من القادة والمتحكمين، ليسوا من رجال النظام أو من تجار المدينة وبرجوازييها، بل هم من «رعاع» الريف، أبرزهم تاجر حبوب بسيط تكنّى بريفيته: «حجي مارع»؛ كنية أدخلت اسم البلدة المهمشة «مارع» ونعت «الحجي»، كما هو متداول في شفويات البشر في تلك المنطقة، إلى اللغة السياسية والإعلامية والثقافية، كمفردتين تعترف بهما اللغة السائدة، وتكون مجبرة على التعامل معهما باحترام.

بالتأكيد لم تكن كل ممارسات الغزاة الجدد ملائكية، وكما يحدث دائماً في تاريخ بلاد الشام عندما يجتاح البدو أو الريفيون المدن، لم تسلم المدينة من النهب والتدمير. ومع تجمّد مسيرة الحرب مع النظام، وتدفق الدعم الخارجي لبعض الفصائل، بدأت تظهر تغيرات أساسية على «النخب القيادية» التي ظهرت بين المقاتلين الريفيين: بعض هؤلاء «القادة» أصبحوا أمراء حرب بامتياز، وبعضهم الآخر تأطّر بشكل أكثر تنظيماً، وبات له، بصورة أو أخرى، طرح سياسي ما. في الحالتين فقدت الموجة الثورية الأولى عفويتها، ولم تعد تنتمي تماماً لحيوية اجتماعية غير مؤطرة، وباتت لـ «النخب» الجديدة ارتباطاتها ومصالحها التي لا تعبر بالضرورة عن الكل الاجتماعي الذي خرجت منه، وبالتأكيد مارست عليه أشكالاً من التحكم والهيمنة والسيطرة، ما أدى إلى ظهور فرز اجتماعي جديد في مجتمعات الثورة، بين «نخب» استفادت من الحرب القائمة والفئة الأكثر تضرراً من الحرب والدمار، وربما من ممارسات الفئة الأولى أيضاً، من دون أن يعني هذا الفرز بالضرورة تناقضاً جذرياً بين الفئتين.

فهم الفكرة الأخيرة ضروري لتحديد العلاقة الشديدة التركيب في بنية هذه المجتمعات الداخلية وفي علاقاتها مع الآخرين. فالتناقض المذكور لن يصبح في تقديرنا جذرياً ما دامت «النخبة» الجديدة لم تدمج بعد في سياق منظومة شاملة لعلاقات سلطوية مستحدثة، ترمم بها النخب السائدة القديمة سيطرتها، وتوسع قاعدة الحكم لتدخل فيها فئات أخرى، ومنها القيادات التي فرزتها الثورة، في إعادة إنتاج جديدة للنظام. وهو ما يبدو أن مشاريع «الحل السياسي» تسعى إليه.

ما زالت «نخب الثورة» الجديدة إذاً في حالة تناقض مع النظام، محتفظة بارتباطها، ولو بشكل مشوش وإشكالي، بتطلعات مجتمعاتها المنكوبة، وبالتالي ما زال الناس في تلك المجتمعات يعتبرون لواء التوحيد وغيره حماية لهم، بل قوة يفخرون بها تقيهم الانتهاك، ويرون في حجي مارع وأشباهه قادة محبوبين عملوا على كسر حالة التهميش الشامل الذي عانوه طويلاً.

«الأمير» الذي فرزته الثورة إذاً، ليس بالضرورة القائد البراغماتي الذي يستجمع قوى فئة اجتماعية معينة ويصلّب إرادتها لبناء دولتها ومجتمعها المدني والسياسي المكرس، كما هو في الكلاسيكيات السياسية الميكيافيلية. كما من الصعب عدّه حاملاً لنزعة نابوليونية عسكرية، وبالتأكيد ليس هو «الأمير الجديد» الذي حلم به غرامشي، أي الطليعة الثورية العضوية في طبقتها و»كتلتها التاريخية»، والتي تقودها نحو تحقيق طموحاتها الاجتماعية. إنه أبسط وأكثر تعقيداً في الآن ذاته من كل ما سبق: هو إنتاج مركب وموقت لحرب وجود معقدة وقاسية تخوضها مجتمعات مضطهدة، ضد سياسات واستراتيجيات فئات وقوى لا تسعى إلا إلى إبادتها، رمزياً ومادياً.

هي مجتمعات قبعت دوماً خارج المنظومة (القائمة أو الممكنة مستقبلاً) أو على هوامشها، ولذلك لا يمكنها فرض منظومة سلطوية بديلة. ورغم الدمار الكبير الذي أصابها، فإنها ستواصل، في تقديرنا، مواجهة كل «أمير» جديد يحاول إعادة إنتاج منظومة الهيمنة السلطوية عليها. وستنجح في ترميم ذاتها بقوة توقها إلى الحياة.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إنهاء حكم الأسد هو مفتاح الحل السياسي في سورية

بدر جاموس *

الحياة

الجمعة 29/11/2013

يدافع «الائتلاف الوطني» السوري عن الغالبية العظمى من السوريين، الذين يطمحون نحو سورية آمنة، سالمة، حرة، لم يساهم استخدام نظام بشار الأسد لصواريخ «سكود»، والقصف المدفعي، والغازات السامة والعصابات الإرهابية، إلا في تعزيز صمود السوريين ومضاعفة إصرارهم على إنهاء دكتاتورية الأسد.

منذ قيامه عام 1971 أسس نظام الأسد في وعي السوريين معادلة واضحة: «المعارضة معاناة». لا يقتصر الأمر على المعارضين أنفسهم، بل يتعداه إلى عائلاتهم والمجتمع، وصولاً إلى الجماعة أو القومية أو الطائفة التي ينتمون إليها. في عام 2011، انتفض السوريون في مختلف أنحاء البلاد ضد النظام، وكانت النتيجة قرابة ثلاث سنوات من المعاناة القاسية طاولت كل مكان في البلد والصمود الأسطوري.

قد تمثل العملية التفاوضية الطريقة الأسرع للحل، وتحقيق إرادة السوريين، وإنهاء المعاناة والعودة إلى العمل وبناء سورية التي يحلم بها كل سوري، إلا أن ذلك يستدعي تحقيق الهدف الذي استشهد من أجله أكثر من مئة ألف من السوريين، وهو التحرر من دكتاتورية الأسد ونظامه الوحشي.

ليس بوسع السياسيين سوى أن يسعوا لجعل الحل السياسي ممكناً، حتى لو بدا أن دون ذلك عقبات وصعوبات كأداء، لكن هذا ليس لأن أحداً يريد منا ذلك، بل لأن وقف إراقة الدم السوري وتحقيق تطلعات الشعب السوري بأقل الخسائر هو أمر يحتم علينا المضي في هذا الطريق، إذا بدا لنا أن من الممكن بالفعل أن يحقق لنا ذلك. لا ينبغي أن ينظر إلى «جنيف 2» بأي حال على أنه مؤتمر تتفاوض فيه أطراف متصارعة على السلطة. في الواقع، هناك على أحد الجانبين عصابة تحترف النهب وتسيطر على كل مقدرات الدولة في كل مستوى من المستويات، وعلى الجانب الآخر هناك المواطنون السوريون العاديون، المعلمون والفلاحون والأطباء والمهندسون، يتصدون بإمكانات محدودة لجيش محترف يتم تدريبه وتسليحه بإشراف دولة عظمى ويتلقى مساعدة عسكرية ميدانية من قبل ميليشيا «حزب الله» ومن ورائها النظام الإيراني. إذاً يجب أن يكون واضحاً أننا نحن في مفاوضات لاستكمال ما أنجزته الثورة ونقل السلطات إلى الشعب السوري وإحداث تحول حقيقي نحو نظام ديموقراطي لفتح عهد جديد للسوريين.

إن «الائتلاف» يمثل المظلة السياسية الكبرى لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو الجهة التي تملك الحد اللازم من الشرعية لإنجاز مفاوضات ناجحة. من المناسب هنا التذكير بقرار الهيئة العامة للأمم المتحدة رقم 262 الذي صدر في 15 أيار (مايو) 2013، والذي تنص المادة 26 منه على أن الائتلاف «يضم المحاورين- الذين يمثلون فعليا تلك القوى- اللازمين لعملية الانتقال السياسي» مع ملاحظة «الاعتراف الدولي الواسع، وبخاصة في الاجتماع الوزاري الرابع ﻟﻤﺠموعة أصدقاء الشعب السوري، بالائتلاف بوصفه الممثل الشرعي للشعب السوري». ولأنه لا ينبغي لأية مفاوضات أن تؤدي إلى خسارة أي من تضحيات السوريين فإن وفد المعارضة للمفاوضات ينبغي أن يكون موحداً، وحتى يكون كذلك ينبغي أن يكون «الائتلاف» هو الطرف الوحيد المعني بتشكيل هذا الوفد وقيادته في أي عملية تفاوضية محتملة، لأن تشتت الوفد وانقسامه في أي مفاوضات سيؤدي إلى فشل المفاوضات في أحسن الأحوال.

الإطار التفاوضي لأية مفاوضات محتملة هو اتفاق «جنيف 1» الذي أصبح جزءاً من القرار 2118 الصادر عن مجلس الأمن، وجوهر هذا الاتفاق تشكيل «هيئة حكم انتقالي» ذات صلاحيات كاملة، لكن السؤال عن مستقبل رأس النظام بشار الأسد بعد نزع جميع الصلاحيات منه ليس سؤالاً هامشياً، لأن مجرد بقائه حتى ولو من دون صلاحيات يعرقل عمل هيئة الحكم الانتقالي لأنه لا يوجد ضمانات بأنه سوف يتخلى عن جميع الصلاحيات فعلياً إذا ما انصاع للاتفاق وتخلى عنها نظرياً. إن ضمان أن تسير العملية بشكل صحيح يجب أن يؤدي إلى أن تكون سورية من دون الأسد بالمعنى الكامل للكلمة.

وإذ ندعم أيضاً بيان «لندن 11» الأخير مثلاً فيما نمضي بحذر باستكشاف آفاق التفاوض في «جنيف 2»، والذي يؤكد على عدم وجود مستقبل للأسد في سورية، وعلى رغم ذلك فإننا نحتاج إلى أن نلمس موقفاً قوياً من أصدقائنا، موقفاً ملتزماً يقوم بدعم هذا البيان من خلال إجراءات قانونية ملزمة تندرج تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة.

إن المبادئ والمثل العليا التي نلتزم بها بالإضافة إلى الأهداف التي نتطلع إليها هي العنصر الذي يعوض النقص الفادح الذي يخل بميزان القوى بيننا وبين النظام. إننا نؤمن بأن الشعب المناضل من أجل الكرامة والعدالة يتحول إلى قوة جارفة لا سبيل لوقفها، وهذا هو السبب الذي يدفع النظام للتردد تجاه المشاركة في محادثات جادة، فيما ندعم نحن بيان «جنيف 1» الذي يلزم النظام بوقف قتل المدنيين والسماح بالتظاهرات السلمية.

وفي مواجهة نظام يرفض حتى الاعتراف بأن لدى السوريين أي مطالب مشروعة، يصبح لزاماً على دول العالم الحر أن تعطي هذه البيانات الممهدة للمفاوضات بعداً إلزامياً، فبعد كل الدماء التي سفكها النظام، لم يعد من الممكن لنا بأي حال أن نأخذ كلمات ووعوداً خالية من أي صيغة تلزمه بالتنفيذ، وإلا فإن «جنيف 2» سيبقى مؤجلاً إلى وقت غير محدود.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليس دفاعاً عن أميركا...

مرح البقاعي *

الحياة

الجمعة 29/11/2013

ماذا يحدث حين تنـكفئ الولايـات المـتّحـدة عن ريادتها في إدارة الملفات الأكـثـر سخونة وتعـقيداً في السـيـاسة الدولـية وفـي مقدّمـها قضـايا الـشرق الأوسط بعيد ثوراته العسيرة الولادة؟ وما هو موقف الصقور الأميركيين من هذا التراجع لدور بيتهم الأبيض في قدراته من السيطرة على اندلاع العنف المـذهبي والطـائفي الميليشياوي في العراق، على سـبيل المثال لا الحصر، وانتشاره انتشاراً سرطانياً في دول الجـوار ولا ســيما سورية التـي تعاني من مخـاض ثـورتها المـاجـدة؟ وكيف يقرأ مثقفو أميركا التراجع السياسي لنشر الفكر الديموقراطي الأميركي، فعلاً لا قولاً، وهو الفكر الـذي يحـمـيه الدسـتور الأمـيركي ويعـزّز تأثيـره في حركات التحرّر العالمية من خلال تبنـّيه لـحـقوق الإنسان في الحرية والعـيـش الكـريم والتعبير عن الرأي؟ وأخيراً، ما هو مســتقبل القرار الــحسم في المعضلات السياسية الدولية التي تهدّد الأمن والاسـتقـرار العالميين حين ينتقل هذا القرار من اليد الأميركية إلى اليد الروســية الطامحة لاستعادة دورها، وبأي ثمن، كقطب عالمي فاعل ومؤثر مقابل عالم وحيد القرن؟ وهل مستقبل أميركا السياسي كقوة عظمى هو في طريقه إلى الانحسار في ظل تقدّم قوى كبرى صاعدة بإصرار وفي مقدّمها الصين وإيران وروسيا؟

لم تكن رحلة كريستوف كولومبوس المشهودة، وقد قادت إلى اكتشاف القارة الأميركية، سَفَراً في المكان وحسب، بل شكّلت نقطة انطلاق إلى عوالم زمن مغاير، زمن أسس لنشوء أمّة على رقعة جغرافية قاريّة الامتداد، أمّة تشكّلت من موزاييك بشري عماده كوكبة من المهاجرين الذين تحدّروا من قوميات وأعراق وديانات العالم كافّة، أمّة عابرة لحدود الثابت والممكن في حالة عامة من التناغم الاجتماعي ومن التماهي في تيار الحريات الموصولة التي لا تنقطع إلا عند مفرق انتهاك القانون ـ الابن الشرعي للدستور الذي خطّه الآباء المؤسسون، الدستور الذي يقارب وثيقة تاريخية من أهم ما أنتجت وصدّرت الولايات المتحدة إلى الشعوب، والذي كانت وما زالت بصماته تظهر ساطعة على معظم دساتير الديموقراطيات في العالم. وقد خطّ توماس جفرسون واضع الدستور الأميركي، وواحد من المؤسسين للنظام الجمهوري الديموقراطي، على هوامش الدستور، في محاولة سابقة لزمنها تهدف إلى «عولمة» الفكر الديموقراطي الأميركي الأول بالقول: «من المستحيل أن لا نشعر بأن عملنا مسخّر من أجل الإنسانية جمعاء».

برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى جديدة في مستهل القرن التاسع عشر، ما شكّل التحول البنيوي الجوهري الثاني في التاريخ العالمي الحديث. إلا أن القرن العـشرين، ومـا شهده من حروب أميركا في العراق وأفغانستان، شـهد تحوّلات دولية عميـقة، وعلى المـستويين الرسـمي والـشـعبي في آن، في الموقف العام من العملاق الأميركي، انبـنت هذه التحوّلات على قصور أميركا في إدارة هذه الحروب وملحقـاتها، ما أدى إلى تهـيئ المـناخ اللازم لصعود القـوى المنافسـة للـنهج السيـاسي الأنغلوسـيكـسوني الأمـيركـي واحـتدام صدام هذه القوى مع أرباب البيت الأبيض على اقتسام كعكة إدارة النزاعات والقرار في العالم.

وانقسم المفكّرون بين من تبنّى فكرة انحسار «الإمبراطورية الأميركية» كما اجتهد المؤرخ البريطاني بول كينيدي في كتابه «صعود وسقوط القوى العظمى»، وبين من يرى أن الولايات المتحدة ستظل فاعلاً أساساً في أي نظام دولي مستقبلي، كما يرى الديبلوماسي الأمـيركي ريتشارد هاس في «عالم بلا أقطاب». أما فريد زكريا، الكاتب الأميركي من أصل هندي، فيفيد في كتابه «ما بعد العالم الأميركي» أن دور أميركا سيستمر في تحديد الأجندة الدولية، وترتيب أحجار شطرنج التحالفات لمواجهة الأزمات المعولمة، وتعبئة الموارد، والقيام بدور الوسيط العالمي في عالم يحاول أن ينأى بنفسه عن مشهدية القطب الأحادي.

بالنظر إلى خريطة النمو الاقتصادي العالمي نجد أن دولاً كبرى مثل الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا، قد تمكّنت من تحقيق نتائج لم تكن مرتقبة على صعيد النمو المالي والتنموي والعمراني. فبينما انهار مبنيا التجارة العالميان في نيويورك في هجمات أيلول (سبتمبر) 2001 يرتفع أعلى مبنى في العالم اليوم في مدينة تاي بي، والذي فقد ريادته العالمية بعد تطاول برج دبي في سماء الإمارة الخليجية. كما أن الرجل الأكثر ثراء في العالم مواطن مكسيكي من أصل لبناني ويدعى كارلوس سليم الحلو وهو ليس أميركياً، وأكبر مجموعة تجارية (سي تي جي) مؤسسة صينية. إلا أن هذه المعطيات مجتمعة لا تعني، بالضرورة، أن الولايات المـتحدة الأمـيركـية ستـفقـد ريـادتـها العالميـة. والأمـر الـذي يرجّح هذا الاحـتـمال هـو أن القـوى الصـاعـدة ضـمن التـحوّل الـعالمي الـحـالي ليست جـميـعها قـوى معادية للولايات المتـحدة.

هذا ناهيك عن أن الفضل الأكبر في صعود القوى العالمية الجديدة يعود، في جزء كبير منه، إلى السياسة الأميركية نفسها. فخلال العقود الستة الماضية، لعبت الديبلوماسية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة دوراً كبيراً في نشر آليات اقتصاد السوق، وتمكين الحريات السياسية، وتوسيع التجارة العالمية، وتطوير التكنولوجيا وعالم الاتصالات، علاوة على اتسام الاقتصاد الأميركي بالدينامية، وعلى كون الولايات المتحدة من أكثر بلدان العالم «شباباً» من الناحية الديموغرافية، وأعظمها استقطاباً للأدمغة والخبرات والروافد البشرية من أرجاء الأرض كافة. بالمقابل، فإن قوة من حجم الاتحاد الأوروبي ما زالت تنقصها الوحدة القومية اللازمة للعمل القيادي الدولي، وهي لا تحرك على الساحة الدولية كدولة واحدة، كما أن روسيا تواجه تحدّيات اقتصادية وسياسية داخلية تمنعها من لعب أي دور حالي في قيادة العالم.

فصل المقال أن الولايات المتحدة لم تزل تحمل في جيناتها ما يلزم من كروموزونات الصبا الدائم والحيوية السياسية، وما زالت منيعة عن الإصابة بوهن وترهل الدول الشائخة، وهي ستبقى تدير الدفة الدولية لزمن لا يستهان بامتداده في شريان عالم الألفية الثالثة. أما الانحسار الأميركي عن لعب الدور المطلوب منها في الشرق الأوسط في ظل التغييرات والانقلابات الحالية المسيطرة على المناخ السياسي في دول الربيع العربي العسير الولادة، وفتح الأميركيين طوعاً الطريق لروسيا لتتعاطى، بشكل شبه أحادي، مع بعض الملفات هناك، فليس في تقديري سوى فعل تكتيكي عابر يهدف إلى «توريط» روسيا للانغماس بعيداً في دعمها للنزعات السياسية البوليسية التي تشكّل بذور «دولة عميقة» تنقلب على طموح وإرادة شعوب الربيع العربي في بناء مؤسساتهم المدنية الدستورية الديموقراطية في غير دولة عربية، ولتنفرد هي في إدارة الملف الإيراني الذي سيحدّد، إثر تسويته، شكل وتوزّع وتأثير القوى المتنامية في المنطقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجربا: سوريا الجديدة قلب العروبة النابض بالانفتاح

أي نظام.. بعد الأسد؟ (1)

جورج بكاسيني

المستقبل

26 تشرين الثاني 2013  

"سوريا الأسد" انتهت. السؤال الآن: كيف ستكون "سوريا المستقبل" التي ستولد من رحم ثورة مستمرة منذ 33 شهراً؟ وأي نظام سيقوم بعد "العقود الأسدية" التي حَرَمت السوريين من حق الحرية والعدالة والمساواة بل ومن أبسط حقوقهم الانسانية؟

"أي نظام بعد الأسد؟" سؤال يطرحه العالم ويشغل العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً وهم أكثر المعنيين والمتأثرين بأي نظام في سوريا وقد خبروا ذلك، بمرارة أحياناً كثيرة، منذ الاستقلال.

"المستقبل" طرحت هذا السؤال على مجموعة من أركان المعارضة السورية في محاولة لملامسة أجوبة يمكن أن تبدّد سواد الصورة المشوّهة لمستقبل سوريا، التي يروّجها النظام وحلفاؤه لتعميم كذبة الخوف أو التخويف على مصير الأقليات وعلى مصير سوريا كلها، في حال سقوط النظام.

"أي نظام بعد الأسد؟"... ملف جديد يحاول الاجابة من خلال حوارات ونقاشات مع أركان الائتلاف الوطني المعارض وخبراء اقتصاد وأمن يدورون في فلك الثورة السورية، إضافة الى نصوص حصلت عليها "المستقبل من "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" التي أعدّها "بيت الخبرة السوري"، وهي وثيقة وضعت بعد أبحاث ونقاشات مستفيضة حدّدت رؤية للمرحلة الانتقالية في سوريا بعد الأسد، انطلاقاً من مبادرة أطلقها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية.

في الحلقة الأولى اليوم يتحدث رئيس "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" أحمد الجربا عن النظام السياسي المنشود و"الأصلح" بعد سقوط النظام، وصلاحيات الرئيس والتوازن بين السلطات، وإصلاح الدستور خصوصاً "ما يؤرق السوريين لجهة نموذج الحزب الواحد"، مشدداً على أن سوريا الجديدة "ستلعب عن حق دور قلب العروبة النابض بمعناها الحقيقي المنفتح والمعتدل".

يقول الجربا: "النظام السياسي الصالح لسوريا هو أولاً وقبل أي شيء، النظام الذي يحظى بأصوات أغلبية السوريين خلال عملية استفتاء عام. وبالنسبة لي أعتقد أن النظام الأصلح هو النظام المدني التعددي الديمقراطي الذي يكفل حرية التعبير والذي يراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للشعب السوري بعيداً من الاستحضار التعسفي أو الإسقاط المباشر لأي نوع من الأنظمة الغربية الجاهزة. فالنظام السياسي هو في اعتقادنا عملية انتاج يفرزها الجسم السوري بكل مكونات شرائحه، مستعيناً بالنماذج المتّبعة في الدول المتشابهة مع سوريا في تركيبها السياسي وتنوعها. أما بالنسبة للنموذج السوري الأفضل في تاريخنا المعاصر، فأتفق مع الرأي الذي يقول بأن الدستور البرلماني الرئاسي هو الأنسب بعد اجراء تعديلات عدة عليه ليتماشى مع العصر ويراعي المتغيرات التي أفرزتها التجربة السورية المريرة مع نظام آل الأسد، اضافة الى المتغيرات الجذرية التي أحدثتها الثورة".

أما في اصلاح الدستور فيقول الجربا: "إننا في صدد رعاية ورشة عمل قضائية قادها وأشرف عليها كوكبة من الحقوقيين والقضاة الذين تعاونا معهم بكل قوانا. وأنجزوا مسودتين للدستور. وقد وضعنا هذا الجهد الجبار في إطار العمل على إيجاد أرضية لمناقشة الدستور القادم مع كل القوى التي بدأنا استمزاج رأيها وتسجيل ملاحظاتها. وعندما ينتهي العمل سيكون مطروحاً كمسودة للنقاش مع مختلف القوى تمهيداً للخروج بمشروع دستور لعرضه على الاستفتاء العام".

ويؤكد أن "ما يؤرق السوريين ويقضّ مضاجعهم هو نموذج الحزب الواحد الحاكم بأمره، والذي أوصلنا الى خراب سياسي واجتماعي واقتصادي، ودمّر حياتنا الثقافية. من هنا اعتقد بل أجزم أن السوريين سينحازون بغالبيتهم الساحقة الى نظام التعددية الحزبية الحقيقية، التي تسهم في عملية تداول السلطة، انطلاقاً من مبدأ المشاركة التي تحفظ الاختلاف والمختلف، بعيداً عن أي نوع من الاقصاء الذي مورس على الشعب السوري باسم حزب "البعث".

لذلك يعتقد الجربا أن "المفتاح العجائبي الذي يثلج قلوب السوريين، سيكون انتخاب رئيس للجمهورية، بعدما نسينا هذه العادة ما يزيد على 40 سنة، حيث حلّت المبايعة العمياء بديلاً من الانتخاب الحر. وبالنسبة لمن ينتخب الرئيس فشكل الدستور الذي سيتم اعتماده بالاستفتاء هو الذي يحدده وان كنت أميل الى الانتخاب الحر المباشر من المواطنين. أما في ما يخص صلاحيات الرئيس فهي أيضاً منوطة بالدستور العتيد، ولكنني ممن يعتقدون بأن صلاحيات الرئيس اذا كان النظام رئاسياً يجب أن تكون واسعة وتشمل الدفاع مع الأخذ في الاعتبار صلاحيات البرلمان وسلطاته التشريعية والرقابية، اضافة الى المحافظة على صلاحيات مجلس الوزراء وحدود اختصاصات وزاراته".

ويشدد على أهمية "التوازن بين السلطات وفصلها مع وجود هامش موسّع للرئيس هي برأينا المعادلة التي ترسم الصلاحيات الرئاسية ونظام الحكم".

ويتحدث الجربا عن دور سوريا ووظيفتها الاقليمية بعد سقوط النظام فيؤكد أن الشعب السوري هو الذي سيحددها عند اختيار نظامه ودستوره. ولكن مما لا شك فيه ان هذا الشعب يحمل في وجدانه وثقافته العروبة بمكوناتها الثقافية والسياسية وبمختلف شؤونها وشجونها. لذلك اعتقد ان سوريا الجديدة ستلعب عن حق دور قلب العروبة النابض، لكننا سنكون أمام العروبة بمعناها الحقيقي أي المنفتحة والمعتدلة التي تفرد مساحة للاختلاف وتحمي التنوع والتعددية وتشكل مظلة حضارية لتفاعل الثقافات والأديان والعرقيات بحرية كاملة. وعندما نقارب هذا النمط من العروبة النابضة في القلب السوري يصبح واضحاً التموضع الطبيعي لسوريا التي ستنحاز إلى عروبتها آخذة في الاعتبار تجربة الثورة التي أفرزت مواقف واضحة من قبل الأشقاء العرب الذين أبدوا دعماً واضحاً في مقابل دول استجدّت كعدو للشعب السوري في المنطقة وأولها إيران. أما بالنسبة لإسرائيل فموقف السوريين لم ولن يتغير منذ النكبة ما لم تلتزم اسرائيل بمتطلبات السلام التي أدرجت في المبادرة العربية وما زالت اسرائيل تتنصل منها".

ويشدد على أن الاعلام والحريات العامة "ستكونان موضع عناية خاصة، كون هذه القضية موضع حساسية عالية من قبل السوريين. فقد تلوّعنا من الرأي الواحد. لذلك ستكون التعددية وصيانة حرية التعبير، الرد الطبيعي على الحالة الكارثية التي سبقت الثورة. ولن نرضى بأي قيد على حرية الاعلام والتعبير، من دون أن يعني ذلك تجاوز حدود القانون التي تحمي الاعلام من التحول الى فوضى باسم الحرية".

أما الحركات التكفيرية فيقول إنه "عندما يتم الحديث عنها ينصرف الذهن الى جماعات معينة تنتمي الى الاسلام السياسي. أريد أن ألفت النظر الى أن التكفير كنزعة إلغائية لا ينحصر في جماعية معينة أو دين معيّن، ولا أعفي العلمانيين أو من يدعون العلمانية من التكفير بمعنى الالغاء، وإلا كيف نفهم عمليات الإلغاء والاقصاء والمجازر الجماعية التي مارسها نظام البعث "العلماني" بحق الشعب السوري.

التكفير أو الإلغاء هو نزعة مدمّرة لأي شعب ولا يمكن للشعب السوري أن يتسامح بعدما اختبرها مع نظام الأسد بأبشع ألوانها وما زال يعانيها بعنف من الأسد وأدواته وبعض الغرباء أو المتغربين عن ثقافة وقيم الشعب السوري".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي نظام.. بعد الأسد؟ (2)

صبرة: السوريون لا يُسألون عن مصير الأقليات

جورج بكاسيني

المستقبل

27 تشرين الثاني 2013

"مصير الأقليات" بعد سقوط نظام بشار الأسد تحوّل إلى لازمة لم يقتصر تردادها على أبواق النظام وحلفائه في لبنان ودول الجوار وحسب، وإنما صار جزءاً من "هواجس" بعض الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية التي لا يتورّع ديبلوماسيوها عن إثارة هذا الموضوع في كل لقاء يعني مصير سوريا.

لم يترك النظام ذريعة إلا واستخدمها لتخويف خصومه قبل حلفائه على مصير هذه الأقليات، بدءاً من فزّاعة التكفيريين التي اخترعها النظام نفسه ورعاها وأفرج عنها من سجونه لتعبث بالثورة السورية وتعطي انطباعاً لدى القاصي والداني أنّ البديل من النظام الحالي هم التكفيريون، الذين ستقود سيطرتهم المفترضة على الحكم إلى التنكيل بالأقليات السورية وتهجيرها.

هذا التضخيم للحالة التكفيرية في سوريا من جهة، وللخطر الداهم على الأقليات من جهة ثانية، نجح نظام الأسد في تعميمه على دوائر كثيرة ومتعدّدة في العالم، فيما لم تأتِ ردود المعارضة السورية متكافئة مع هذه الحملة اعتقاداً منها أنّ تجربة الأقليات الغنيّة بالأدوار الكبرى والبارزة في تاريخ سوريا "خير ردّ" على هذه الحملات.

رئيس المجلس الوطني السوري المعارض جورج صبرة مجرّد السؤال عن مصير الأقليات بعد سقوط النظام، ليسأل هو نفسه: "أيجوز طرح مثل هذا السؤال عن بلد ترأسه أكثر من رئيس كردي ومسيحي وتزعّم ثورته التاريخية درزي؟". ويذكّر صبرة بأنّ سوريا "عرفت أكثر من رئيس كردي، مثل محمد علي العابد ويوسف العظمة، كما ترأس جمعيتها التأسيسية (بالانتخاب) الكردي ابراهيم هنانو الذي أضربت سوريا مدة 40 يوماً بمناسبة وفاته، بالإضافة إلى أنّ حسني الزعيم كان كردياً أيضاً".

 

[مسيحي رئيساً للجمهورية

ويضيف أنّ مسيحياً ترأس الجمهورية العربية السورية أيضاً العام 1951 هو سعيد إسحق الذي كان نائباً لرئيس مجلس النواب، حيث أنّ رئيس مجلس النواب ناظم القدسي استقال من منصبه قبل فترة وجيزة من استقالة رئيس الجمهورية، إثر تشكيل حكومة لم تنل الثقة، فقدّم رئيس الجمهورية استقالته إلى نائب رئيس مجلس النواب (أي سعيد إسحق) ومنحه وفقاً للدستور صلاحيات رئيس الجمهورية، واحتل هذا المنصب إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وما زال نجل إسحق بسام (وهو أحد أعضاء الائتلاف السوري المعارض حالياً) يحتفظ بصورة تسليم صلاحيات رئيس الجمهورية لوالده في صدر منزله في دمشق. هذه عيّنة معبّرة عن عمق الحياة الدستورية في المجتمع السوري، مع العلم أنّ المذهب الذي كان ينتمي إليه إسحق (سرياني) كان يمثّل أقلية صغيرة جداً في سوريا التي كانت لا تتجاوز كلها ثلاثة ملايين نسمة في ذلك التاريخ".

 

[.. ووزيراً للأوقاف الإسلامية

وكذلك فارس الخوري، يضيف صبرة، المسيحي الذي تولى منصب رئيس مجلس الوزراء تارة ومنصب رئيس مجلس النواب تارة أخرى، إضافة إلى أنه تولى حقيبة وزارة الأوقاف الإسلامية في إحدى الحكومات، ما دفع أحدهم إلى مساءلة مفتي دمشق كيف وافق على إسناد حقيبة الأوقاف الإسلامية إلى مسيحي، ليجيبه: "نأتمن فارس الخوري على أعراضنا وأولادنا وأرزاقنا".

ويستطرد صبرة: "سوريا ليست اليمن ولا الصومال، هي عرفت الأحزاب السياسية منذ القرن التاسع عشر. في دمشق كلية للحقوق عمرها أكثر من 110 سنوات، وعرفت الحياة الديموقراطية لفترة طويلة من الزمن خرقتها أربعة عقود من الزمن مع حكم آل الأسد لكنها مجرّد صفحة سنقلبها ونستعيد وجه سوريا المدني والتعدّدي".

لذلك يعتبر أن المطالبة اليوم بدولة مدنية في سوريا، بعد سقوط النظام، ليست غريبة على تاريخ سوريا وجذورها، مذكراً بأنها نشأت العام 1919 "ولما أرادت أن يصبح فيصل ملكاً عليها أبت إلا أن يحتل هذا الموقع بالانتخاب، فانتخبه المؤتمر السوري ملكاً على سوريا في ذلك العام".

ويضيف أن سوريا شهدت 15 دستوراً في تاريخها أبرزها دستور العام 1950 الذي بُنيت عليه الفترة الديموقراطية حتى العام 1958 حيث ولدت الوحدة مع مصر ومن ثم تلتها الانقلابات المتعاقبة: "سوريا لم تكن تكلف الذين يريدون إنشاء أحزاب سياسية أكثر من علم وخبر إلى وزارة الداخلية. صحافتها كانت مماثلة تماماً لحرية الصحافة اللبنانية وشكلت مورداً مهماً للديموقراطية، حيث كان يصدر في دمشق صحف صباحية ومسائية أيضاً كـ"دمشق المساء". كما نالت المرأة السورية حق الانتخاب قبل المرأة الفرنسية العام 1945. تخيّل المرأة في الدولة المستعمَرَة نالت حق الانتخاب قبل المرأة في الدولة المستعمِرة التي لم تحصل عليه إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية".

ويعود صبرة إلى لازمة الخوف على الأقليات في سوريا الجديدة التي تحتل كليشيهات المواقف السياسية للنظام ومؤيديه في هذه الأيام: "هؤلاء الرؤساء الذين أشرت إليهم انتخبهم المسلمون، فلِمَ الخوف على الأقليات الآن؟ بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس غريغوريوس حداد رفض العام 1920 استقبال الجنرال الفرنسي هنري غورو لأنه قتل يوسف العظمة. وعندما قامت الثورة السورية بين العامين 1925 و1927 كان البطريرك حداد يموّن ثوار الغوطة بطنابر القمح والفاكهة. وفي نهاية الثورة تعهّد رعاية أبناء شهداء الثورة للدراسة في ثانوية البطريركية (الآسية). هكذا كان مسيحيو سوريا بالأمس، أيمكن أن يؤيدوا الاستبداد اليوم؟ هذا مستحيل".

 

[درزي قائداً للثورة

أما على ضفّة الموحّدين الدروز فحدّث ولا حرج، يضيف صبرة: "العام 1925 ذهب أعيان دمشق وتجارها من المسلمين السنّة (أولاد البكري، شكري القوتلي وعبدالرحمن الشهمندر) إلى جبل العرب ونصّبوا درزياً، هو سلطان باشا الأطرش زعيماً للثورة السورية. كان الشهمندر خريجاً من الجامعة الأميركية فكان يجلس كتلميذ إلى جانب الأطرش لينص له بياناته ومن ثم يختمها الأطرش بالختم النحاسي، مع العلم أن الإخوان الدروز كانوا أقلية صغيرة في ذلك الزمن".

ويعود صبرة إلى التاريخ البعيد ليذكّر بأنّ بولس الرسول نفسه، الذي بشّر بالمسيحية في كل العالم "صار مسيحياً في الشام وتحديداً في كنيسة حنانية التي خرج منها بالبشارة إلى كل أنحاء العالم. فكيف يمكن الخوف على المسيحيين أو الدروز أو أي أقلية أخرى في بلد مثل سوريا تجاور فيها المسيحيون والمسلمون ولم يغلق فيها باب كنيسة يوماً منذ 1500 عام".

 

[النظام اضطهد الكرد

ولا يغفل صبرة ما يعانيه الكرد من "نقص في حقوق المواطنة"، لكنه ينسب هذه المعضلة إلى تراكمات سنوات الاستبداد الطويلة مع حكم آل الأسد، التي انعكست سلباً على العلاقات الاجتماعية بسبب التمييز والتعصّب القومي، مما جعل جزءاً من المواطنين الأكراد يعانون من هذا النقص"، لكنه يؤكد أن في سوريا الجديدة "سيجري سدّ هذه الثغرات وضمان حقوق المواطنين الكرد والأشوريين والتركمان وبقية المكونات الكردية بالتساوي التام مع المكوّن العربي باللغة والثقافة والفنون والجنسية. وأن "خطة التحوّل الديموقراطي في سوريا" تفرد حيزاً مهماً لهذا الغرض لمعالجة مشكلة مئات آلاف الأكراد الذين لا يملكون هويات سورية".

 

[.. والعلويين

وكذلك الحال بالنسبة إلى العلويين الذين يؤكد صبرة أنهم "أبناء شعبنا ونحن وإياهم نشكّل نسيجاً وطنياً واحداً، وهم من أكثر الفئات التي تعرضت للاضطهاد في عهدَي آل الأسد". ويقول: "جاورت المئات من الرفاق العلويين في سجون النظام، بعضهم أمضى أكثر من ربع قرن في السجن، وبعضهم فَقَدَ حياته هناك، لكن النظام بسياسته الفئوية وضعهم في المكان الخطأ لخدمته وخدمة الأسرة الحاكمة والديكتاتور الفرد، مستغلاً فقرهم وطيبتهم. هؤلاء جزء من البنية الوطنية السورية لا تستغني عنهم سوريا في الحاضر وفي المستقبل كما كانت على مدى تاريخها في الماضي. ورغم الحماقات التي ارتكبت من بعض الجنرالات العلويين إلاّ أن السوريين يعرفون أن "لا تزر وازرة وزر أخرى"، ولن يتحمّل الأبرياء نتيجة أعمال المرتكبين، وستبقى الطائفة العلوية جزءاً من البنيان المجتمعي السوري تغنيه بثقافتها وعناء شعبها، والمرتكبون من صفوفها سيلقون الجزاء العادل مثلهم مثل بقية المرتكبين من الطوائف الأخرى. إنّ التاريخ السوري ولا سيما الثقافي منه لا يستطيع أن ينسى أسماء أعلام الثقافة الوطنية التحررية والديموقراطية التي قاومت الاستبداد طويلاً وعلى رأسهم سعدالله ونّوس وممدوح عدوان ومحمد الأحمد وغيرهم كثر".

أما اليهود فهم الآخرون نالوا أيضاً حصتهم من الديموقراطية السورية، كما يضيف صبرة، مع انتخاب دمشق "نائباً يهودياً العام 1947 إثر الجلاء، وقد سُجِّل له خطاب شهير ضد نشوء إسرائيل العام 1948".

لذلك يعتقد صبرة، ومعه كثيرون من أركان المعارضة السورية، أن ما يُسمّى اليوم "مسألة الأقليات"، أو الخوف على "المسيحية المشرقية" إنما ينم عن جهل بتاريخ سوريا وبطبيعتها الاجتماعية والسياسية، وهي مجرد معزوفة يلجأ إليها النظام وحلفاؤه خارج سوريا للتخويف من أي نظام بديل لنظام الديكتاتور، تماماً كمعزوفة "التكفيريين" الغريبة عن تقاليد سوريا: "والدليل أن تظاهرات شعبية تواجه الحالات التكفيرية في الرقة وحلب وأماكن كثيرة أخرى لأنها تريد أن تفرض ثقافة وعادات على الشعب السوري هو غريب عنها، مع العلم أن هذه الحالات كان مصدرها سجون النظام بداية ومن ثم صارت تأتي إلى سوريا من أماكن متعددة. ولا شك في أن هذه الحالات ستمثل تحدياً للسوريين في سوريا الجديدة، لكننا سنواجهها ولن تخيفنا مستندين إلى تاريخية الإسلام السياسي في بلادنا الذي هو في جوهره وسطي ومعتدل، والعلاقات القائمة بين الاتجاهات الإسلامية والليبرالية المدنية الأخرى ستغلب حتماً على هذه الظاهرة".

لكن صبرة يستدرك ليقول إن "المشكلة الأهم هي العنف والظواهر الطائفية والمتطرفة التي استقدمها النظام إلى سوريا للقتال ضدّ الشعب السوري، أعني بذلك "حزب الله" من لبنان وميليشيا "أبو الفضل العباس" من العراق وخبراء القتل والحرس الثوري من إيران، الذين غزوا سوريا بأوراق طائفية ومذهبية معلنة ويدعمون نظام الإرهاب. لكن أعتقد أن سقوط النظام هو الكفيل بإلغاء ظاهرة التطرّف في سوريا من هنا وهناك، لأنه وعلى امتداد عقود من الزمن كان مصنعاً لتصدير التطرّف والإرهاب داخل سوريا وإلى جميع دول الجوار، واللبنانيون والعراقيون يعرفون ذلك تماماً".

ويختم صبرة قائلاً: "تكفي العودة إلى نظام أجدادنا ونحن كفيلون بدولة مدنية تعددية ديموقراطية تقوم على سيادة القانون وتجدّد حياتها عبر الانتخابات". ويسارع ليستشهد بدستور سوريا العام 1950 الذي وضع بعد سنوات من الاستقلال "وضمَنَ حرية الأحزاب ومنظومة الحريات العامة والخاصة كاملة ومبدأ المواطنة بحيث لم يكن يُسأل أي مواطن إلى أي طائفة ينتمي أو دين أو منطقة أو عرق أو قومية. تلك الجمهورية الوليدة في منتصف القرن الماضي دخلت بجدارة في بنية المجتمع الدولي كواحدة من الجمهوريات الديموقراطية، وقد شاركت في تأسيس جامعة الدول العربية والأمم المتحدة".

 

دستور 1950: حرية رأي وصحافة.. وتظاهر

 

نورد في ما يلي مقتطفات من الدستور السوري الذي أقرّته الجمعية التأسيسية العام 1950، وتحديداً من الفصل الثاني الذي جاء تحت عنوان "المبادئ الأساسية":

الفصل الثاني: المبادئ الأساسية

"المادة السابعة:

المواطنون متساوون أمام القانون في الواجبات والحقوق وفي الكرامة والمنزلة الاجتماعية.

المادة الثامنة:

تكفل الدولة الحرية والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين.

المادة التاسعة:

لكل شخص حق في مراجعة المحاكم ضمن حدود القانون وتجري المحاكمة علناً ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

المادة العاشرة:

حرية الفرد مصونة

كل إنسان بريء حتى يُدان بحكم قانوني.

لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا بموجب أمر أو قرار صادر عن السلطات القضائية، أو إذا قبض عليه في حالة الجرم المشهود، أو بقصد إحضاره إلى السلطات القضائية بتهمة ارتكاب جناية أو جنحة.

لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة. ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك.

لا يحق للسلطات الإدارية توقيف أحد احتياطياً إلا بموجب قانون في حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية أو الحرب.

كل شخص يقبض عليه يجب أن يبلغ خطياً خلال أربع وعشرين ساعة أسباب توقيفه والنص القانوني الذي أوقف بموجبه. ويجب أن يسلم إلى السلطات القضائية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة على الأكثر من توقيفه.

يحق لكل موقوف أن يقدم بذاته أو بواسطة محامٍ أو قريب طلباً إلى القاضي المختص يعترض فيه على قانونية التوقيف وعلى القاضي أن ينظر في هذا الطلب حالاً. وله أن يدعو الموظف الذي أمر بالتوقيف ويسأله عن الواقعة فإذا وجد أن التوقيف غير مشروع أمر بإخلاء سبيل الموقوف في الحال.

حق الدفاع مصون في جميع مراحل التحقيق والدعوى وأمام جميع المحاكم وفقاً لأحكام القانون.

لا يجوز إحداث محاكم جزائية استثنائية، وتوضع أصول خاصة للمحاكمة في حالة الطوارئ.

لا يُحاكم أحد أمام المحاكم العسكرية غير أفراد الجيش ويحدد القانون ما يستثنى من هذه القاعدة.

لا يحكم على أحد بسبب فعل لم يكن حين اقترافه ولا تطبق عقوبة أشد من العقوبة النافذة أثناء ارتكابه.

لكل شخص حكم عليه حكماً مبرماً، ونفذت فيه العقوبة وثبت خطأ الحكم أن يطالب الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به.

المادة الحادية عشرة:

السجن دار عقوبة وهو وسيلة لإصلاح المجرم وتربيته تربية صالحة ويكفل القانون تحقيق هذه الغاية.

المادة الثانية عشرة:

المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في حالة الجرم المشهود أو بإذن من صاحبها أو بموجب أمر قضائي.

المادة الثالثة عشرة:

المراسلات البريدية والبرقية والمخابرات الهاتفية وغيرها سرية لا يجوز مصادرتها أو تأخيرها أو الاطلاع عليها إلا في الحالات التي يعينها القانون.

المادة الرابعة عشرة:

تكفل الدولة حرية الرأي ولكل سوري أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير.

لا يؤاخذ فرد على آرائه إلا إذا تجاوز الحدود المعينة في القانون.

المادة الخامسة عشرة:

الصحافة والطباعة حرتان ضمن حدود القانون.

لا يجوز تعطيل الصحف ولا إلغاء امتيازها إلا وفقاً لأحكام القانون.

يجوز في حالة إعلان الأحكام العرفية أو الطوارئ أن يفرض القانون على الصحف والنشرات والمؤلفات والإذاعة رقابة محدودة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة وأغراض الدفاع الوطني.

ينظم القانون أسلوب المراقبة على موارد الصحف.

المادة السادسة عشرة:

للسوريين حق الاجتماع والتظاهر بصورة سلمية ودون سلاح ضمن حدود القانون.

المادة السابعة عشرة:

للسوريين حق تأليف الجمعيات والانتساب إليها على أن لا يكون هدفها محرماً في القانون.

ينظم القانون طريقة إخبار السلطات الادارية بتأليف الجمعيات ومراقبة مواردها.

المادة الثامنة عشرة:

للسوريين حق تأليف أحزاب سياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم ديموقراطية.

ينظم القانون طريقة إخبار السلطات الإدارية بتأليف الأحزاب ومراقبة مواردها.

المادة التاسعة عشرة:

لا يجوز إبعاد السوريين عن أرض الوطن.

لكل سوري حق الإقامة والتنقل في الأراضي السورية إلا إذا مُنع من ذلك بحكم قضائي، أو تنفيذاً لقوانين الصحة والسلامة العامة.

المادة العشرون:

لا يسلم اللاجئون بسبب مبادئهم السياسية أو دفاعهم عن الحرية.

تحدد الاتفاقات الدولية والقوانين أصول تسليم المجرمين العاديين".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي نظام.. بعد الأسد؟ (3)

زيادة: سوريا الجديدة.. نظام برلماني وصلاحيات فخرية للرئيس

جورج بكاسيني

28 تشرين الثاني 2013

المستقبل

يُعدّ الدكتور رضوان زيادة، مدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية، والذي عيّن مؤخراً رئيس هيئة العدالة الانتقالية، احد ابرز الباحثين في مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الاسد. بدأ ذلك في تشرين الاول من العام 2012 عندما عقد زيادة والمركز الذي يديره مؤتمراً تحت عنوان "ادارة المرحلة الانتقالية في سوريا" في اسطنبول بعد الشعور بحاجة المناطق المحررة الى ادارة تؤمن خدمات المواطنين، فصدر عن المؤتمر توصية اساسية بتشكيل حكومة في المنفى او "انتقالية".

مضى عام كامل على هذا المؤتمر ولم تشكل حكومة فتضاعفت الفوضى في المناطق المحررة ما دفع زيادة ومجموعة من الخبراء الى تأسيس "بيت الخبرة السوري" وهو يتألف من 300 شخص من قادة المجالس المحلية وقادة من "الجيش الحر" و"الائتلاف الوطني السوري" المعارض اضافة الى محامين وديبلوماسيين وقضاة منشقين ونشطاء. انقسمت هذه المجموعة الى ست فرق عمل تعنى بالاهتمامات الآتية: الاصلاح الدستوري، الاصلاح السياسي، العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، اعادة بناء الاجهزة الامنية وجيش وطني حديث، نظام الانتخابات والاحزاب، الاصلاح الاقتصادي وإعادة الإعمار.

هذه الفرق تجتمع مرتين او ثلاث مرات سنوياً. مجموعة التقارير التي وضعتها في العام الاول شكّلت ما يسمى "خطة التحول الديموقراطي في سوريا"، التي تتضمن تصوراً متكاملاً لسوريا بعد سقوط النظام من جهة، وآخر لكيفية ادارة المرحلة الانتقالية من جهة ثانية. هذه الخطة عرضها زيادة امام الهيئة العامة للائتلاف السوري في اجتماعه قبل اسبوعين في اسطنبول، وقد يتسلّح بها في مؤتمر جنيف 2، في اطار مناقشة المرحلة الانتقالية.

وكان الموفد الاممي العربي الاخضر الابراهيمي اطلع على هذه الخطة سابقاً، وسوف يقوم وفد من المعارضة السورية بعرض هذه الخطة في واشنطن وبروكسل والرياض والدوحة وانقرة للغاية نفسها.

لم يجر بناء "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" انطلاقاً من الواقع وحسب، وانما تمت دراسة تجارب مختلفة للتحول الديموقراطي في العالم، فزار رضوان زيادة 80 بلداً، آخر زيارتين كانتا لايرلندا الشمالية وللبوسنة والهرسك حيث تبين له ان نظام لبنان الطائفي، مثلا، اكثر تطوراً بأضعاف من نظاميهما: "كان همنا تجنب نظامي لبنان والعراق الطائفيين، لكن بدا لي بعد الاطلاع على تجربة المحطتين الاخيرتين ايرلندا الشمالية والبوسنة والهرسك ان نظام لبنان متقدم جداً. ذلك ان اتفاقية دايتون التي انهت الصراع في البلقان انتجت نظاماً فريداً في العالم لا مثيل له، لان في دولة البوسنة والهرسك جمهورية تدعى سيريسكيا خاصة بالصرب وفيدرالية تدعى البوسنة والهرسك، اي اننا امام جمهورية ودولة وفيدرالية في آن. في الفيدرالية نفسها ثمة ترويكا ثلثها للبوسنيين وثلث للكروات وثلث للصرب. وعلى كل مستوى هناك طبقتان: برلمان وحكومة وبالتالي من المستحيل التوافق على شيء ضمن البرلمان لان ثمة خلافا على المستويين الفيدرالي والجمهوري، ولم يتمكن هؤلاء حتى اليوم من تطوير نظامهم الذي جرى تركيبه فقط من اجل انهاء الحرب وارساء الاستقرار الامني".

يضيف زيادة: "بعد اطلاعنا على هذه التجربة ساورنا قلق من امكان تكرار هذه التجربة في سوريا بعد سقوط النظام، لان الدول الكبرى التي تواكب نزاعات معينة في دول اخرى لا تأخذ في الاعتبار الجذور التاريخية لاي نزاع، مثل السؤال عن اسباب قيام الثورة السورية مثلاً، وبالتالي لا تبحث عن حلول سياسية لهذه الازمة او تلك بقدر ما تبحث عن حلول امنية. فاذا نظرت الدول مثلاً الى الازمة السورية من منظار طائفي وتريد ضمان موقع للعلويين مثلاً تنشئ نظاماً طائفياً، وهذا ما نريد تجنبه لانه لا يعالج المشكلة. وهذا ما يفترض بنا في حال واجهنا في مؤتمر جنيف 2 اقتراحات من نوع تشكيل حكومة محاصصة ان نرفض على الفور هكذا اقتراحات".

 

[نظام "العتبة البرلمانية"

لذلك يشرح زيادة ان "خطة التحول الديموقراطي" التي تم وضعها حددت بوضوح النظام الافضل لسوريا الجديدة. ويضيف انه بسبب ان سوريا تخرج من ثورة شعبية "فمعنى ذلك ان نسبة المشاركة الشعبية عالية ويترافق ذلك مع ارتفاع مستوى الوعي السياسي عند الشرائح الشعبية ما يفترض ان ينعكس في المؤسسات القادمة كلها. وهذا يبدو جلياً من كثافة عدد المنسقيات والمجالس المحلية في المناطق التي تعكس مستوى الرغبة في المشاركة السياسية. لذلك نرى في خطتنا المشار اليها ان افضل نظام لسوريا الجديدة هو النظام البرلماني بحيث تكون الصلاحيات التنفيذية بيد رئيس الوزراء، اي رئيس الحزب الذي يحصل على اكبر نسبة من الاصوات".

يتابع: "ولان في سوريا انقساماً طائفياً واثنياً قد يفشل النظام البرلماني في تشكيل حكومة كما هو الحال في لبنان والعراق حالياً، لذلك اقتراحنا للبرلمان اعتماد ما يسمى "العتبة البرلمانية"، اي النسبة التي يفترض بأي حزب الحصول عليها كحد ادنى من المقاعد (5 بالماية) لتؤهله الدخول الى البرلمان. وهذا يضمن بقاء المرشحين ضمن احزاب وتكتلات والا تسود الفوضى. ففي تونس مثلاً كل شخصين يمكنهما تأسيس حزب، أما في سوريا فكل شخص يمكن ان يؤسس حزبين، وهذا يقود الى تذرر الحياة السياسية". ويؤكد بأن نظام "العتبة" معتمد في تركيا (10 بالماية) ودول اوروبا الشرقية (2 بالماية)".

في الاصلاح الدستوري يقول زيادة ان سوريا "عرفت منذ الاستقلال 15 دستوراً مما اضعف الثقافة الدستورية بسبب تغيير الدستور بصورة متواصلة، بخلاف مصر التي شهدت احزاباً قامت على الحركة الدستورية. لذا اوصينا بالعودة الى دستور 1950 لانه الدستور الوحيد في تاريخ سوريا الذي تم وضعه من خلال جمعية دستورية منتخبة، وتمت العودة اليه مرتين بعد انقلابين عسكريين. لكن لدى قراءتنا لهذا الدستور وجدنا ان بعض مواده لم تعد صالحة للمرحلة الراهنة. لذلك على الحكومة الانتقالية التي شكلت ان تعلن مبادئ دستورية تكون عبارة عن الموجه الرئيسي مع الاصالة الرمزية لدستور 1950".

 

[البرلمان الجديد: 290 نائباً

اما في الاصلاح الانتخابي فيقول زيادة ان "كل برلمانات العالم يمثل عدد اعضائها ما يسمى الجذر التكعيبي لعدد السكان، واذا استندنا الى احصاء سوريا العام 2010 يفترض ان يكون عدد اعضاء البرلمان العتيد 290 نائباً (حالياً 250 عضواً في مجلس الشعب). اما بالنسبة الى النظام الانتخابي فثمة ثلاثة انظمة في العالم: التمثيل النسبي، ونظام الاغلبية (كبريطانيا والهند) والمختلط، اي المزج بين الاكثري والنسبي. نحن اخترنا النظام النسبي على اساس ما يسمى القائمة المفتوحة. فالحزب المعني يضع اسم الحزب وليس اسماء المرشحين، اعتمد ذلك في العراق في اول انتخابات بعد الغزو، اي قوائم مغلقة، اما نحن فنريدها مفتوحة وخصوصا في المرحلة الانتقالية افساحاً في المجال امام الشرائح الشعبية لاختيار ممثلي الاحزاب ايضاً وليس الاحزاب وحدها".

ويضيف زيادة: بالنسبة للدوائر الانتخابية في ظل حكم البعث كانت تعتمد المحافظة دائرة انتخابية باستثناء حلب التي قسّمت الى دائرتين فكانت سوريا كلها 15 دائرة، ولم يكن التمثيل الشعبي حقيقياً بسبب الحجم الكبير للدوائر، حيث لا يمكن الفوز لغير الاحزاب الشمولية والكبرى. اما نحن في خطتنا لسوريا الجديدة فقسمنا البلاد الى 32 دائرة وفق نظام المناطق لانه كلما صغرت الدائرة كبر التمثيل. ومن خلال هذه الصيغة ضمننا تمثيل الاقليات، اي من خلال المناطق وليس من خلال نظام الكوتا لان الشعب يكره الكوتا. مع اقامة دوائر صغرى تضمن في المناطق تمثيلاً افضل للمسيحيين والارمن والعلويين وغيرهم وننقل الصراع السياسي الى داخل البرلمان. اما نظام الكوتا فسوف نطبقه على الاحزاب، بمعنى ان تسجيل لوائح الاحزاب يشترط نسبة فيها للمرأة وبذلك يكون تمثيل المرأة عادياً، وكذلك بالنسبة الى ذوي الاحتياجات الخاصة نسبة محددة بسبب وجود عدد كبير من الجرحى والمصابين ونحن فخورون بهم ويجب ان يشاركوا في الحياة السياسية".

 

[رئيس جمهورية فخري

ربما تكون صلاحيات رئيس الجمهورية في سوريا الجديدة التطور الاهم في التحول من نظام ديكتاتوري الى آخر ديموقراطي مع اقتراح ان تكون هذه الصلاحيات "فخرية"، كما يقول زيادة، لانها يفترض ان تكون بيد رئيس الوزراء الذي ينبغي هو الآخر ان يكون ممثلاً لاكبر حزب في البلاد حصل على اكبر عدد من الاصوات: "البرلمان ينتخب رئيس الجمهورية ومدة ولايته 4 سنوات، ولا يجوز أي ذكر لطائفته او لطائفة غيره في الدستور، اما السلطة القضائية فهي مستقلة ولا تعود رئاسة مجلس القضاء الاعلى مناطة برئيس الجمهورية (وفق النظام الحالي) لان في ذلك اكبر انتهاك لاستقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية. لذلك تتضمن "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" توصيات دقيقة وواضحة في ما يتعلق ببناء المجلس الاعلى للقضاء وآليات اختيار اعضائه من خلال السلك القضائي فقط ولا علاقة لرئيس الجمهورية بهذا الامر. وزير العدل يلعب دور مسهل عمل مجلس القضاء ولا يشرف عليه ايضاً وليس له اي دور وصاية عليه".

 

[جهازان أمنيان فقط

اما الاجهزة الامنية فستعاد هيكلتها، يضيف زيادة موضحاً ان "في سوريا الآن اربعة اجهزة: المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، المخابرات الجوية والامن السياسي. كلهم تأسسوا مع الرئيس حافظ الاسد. ولكل ادارة من هذه الاجهزة عدد كبير من الفروع في المحافظات وفي العاصمة، لذلك يعتقد السوريون ان في سوريا اكثر من مئة جهاز امني. مثلاً رئيس فرع الامن الداخلي الحالي اللواء محمد ناصيف يتبع ادارياً لمدير ادارة المخابرت العامة لكن بسبب صلته المعروفة برئيس الجمهورية يبدو انه رئيس جهاز مستقل لوحده، وهو لا يرفع تقريره لمديره وانما لرئيس الجمهورية الذي وضع هذه الصيغة لتبقى كل الاجهزة تحت سيطرته المباشرة ولتراقب بعضها البعض. لذلك نقترح في "خطة التحول" حل كل هذه الاجهزة وتأسيس جهازين فقط: الامن الوطني (للداخل" والاستخبارات الخارجية للخارج)، شرط ان يكون هذان الجهازان جزءاً من مجلس الامن الوطني، كما هو الحال في الولايات المتحدة الاميركية، حيث يرأس هذا الجهاز (الامن القومي) رئيس الوزراء ويضم وزيري الدفاع والداخلية. كما تشكل لجنة تشريعية في البرلمان مهمتها مراقبة هذه الفروع بحيث يتم ضمان ان تتبع هذه الاجهزة لسلطة مدنية، بالاضافة الى عرض موازنة الدفاع على البرلمان ومناقشتها وليس كما هو الحال الآن حيث يصل رقم اجمالي لموازنة الدفاع الى البرلمان ولا يعرف النواب ولا يسألون ايضاً، كيف صُرفت والى اين ذهبت الاموال، كما هو حال موازنة النفط".

 

[دور سوريا الإقليمي

يبقى السؤال: سوريا بالامس واليوم احتلت موقعاً اقليمياً بارزاً، هل يمكن ان يبقى لها هذا الدور بعد سقوط النظام؟

يجيب زيادة: "تميز حافظ الاسد ببناء دور اقليمي لسوريا بعد ان كان دورها صغيراً يصارع عليه الجوار. دشن الاسد هذا الدور منذ البداية مع تدخله في لبنان العام 1976، اي على حساب لبنان، وعلى حساب الشعب السوري الذي دفع ثمن ذلك، بعد الثورة السورية انهار الدور الاقليمي، حتى صار لبنان يتدخل في سوريا من خلال "حزب الله".

اما الدور الجديد لسوريا الجديدة فيجب بداية، اي بعد سقوط النظام، اعادة الاولوية الى الداخل السوري وبناء سياسة داخلية والتماسك الاجتماعي، مع الحفاظ على علاقة حسنة مع الجوار وخصوصا مع الذين احتضنوا الشعب السوري خلال النزوح، اي باستثناء ايران و"حزب الله". سوريا بعد سقوط النظام ستكون منهمكة بقضاياها الداخلية وبحاجة الى الاستقرار وسيكون هم احزابها التركيز على السياسة الداخلية لفترة طويلة من الزمن، ومن ثم نعود الى بناء سياسة حسن جوار مع الدول مثل الاردن الذي يخشى من النظام السوري الحالي، ولبنان الذي يفترض وقف سياسة الوصاية تجاهه او تجاه غيره وبناء علاقات احترام متبادل، ووقف المتاجرة بالقضية الفلسطينية، مع بقاء الجولان قضيتنا الاساسية".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي نظام.. بعد الأسد؟ (4)

نشّار: الثورة كسرت "مملكة الصمت"

جورج بكاسيني

29 تشرين الثاني 2013          

جاء في الوثيقة التأسيسية لـ"إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي" الذي صدر في 16 تشرين الأول من العام 2005 أن الموقّعين على هذا الاعلان يطمحون الى بناء سوريا على أساس "نظام ديموقراطي تعدّدي قائمة على الحوار والسلمية ونبذ العنف والاعتراف بالآخر، وعلى القطع مع الفكر الشمولي والاقصائي تحت أي ذريعة تاريخية أو واقعية، وأن يكون الحوار مبنياً على التوافق ما أمكن وخاصة في القضايا الوطنية التي تعبّر عن اهتمامات بعض المكونات بشكل خاص، وأن الديموقراطية كنظام عالمي حديث يقوم على مبادئ الحرية وسيادة الشعب وهو مصدر كل السلطات".

انطلاقاً من هذه الثوابت عرض رئيس الأمانة العامة لـ "إعلان دمشق" وعضو المجلس الوطني والائتلاف سمير نشّار لوجهة نظره حول سوريا الجديدة بعد سقوط بشار الأسد من منظور ليبرالي ديموقراطي، مجيباً عن مجموعة من الأسئلة: أي نظام، قانون الأحزاب، قانون الانتخابات، الدولة المدنية، الدستور، مسألة الأقليات، العروبة والعلاقات اللبنانية ـ السورية العتيدة.

يقول نشار: "نريد أن نبني سورية الجديدة بعد سقوط الأسد من دون تمييز بين المكونات التي يتألف منها الشعب السوري، نريد سوريا وطناً حراً يتسع لجميع المواطنين السوريين من عرب وأكراد وآشوريين وتركمان، مسلمين ومسيحيين، سنة وعلويين، شيعة، دروز، إسماعيليين، إلى باقي المكونات السورية سواء كانت عرقية أو طائفية أو مذهبية، كل ذلك لا يلغي الخصوصيات الثقافية لجميع هذه المكونات، لأننا نعتبر أن التنوع والتعدد هو مصدر غنى للجميع، خاصة أن بلاد الشام وسوريا منها هي أرض الحضارات ومهدها ومنبع الديانات الابراهيمية منذ آلاف السنين، والمحافظة على هذا التنوع هي مصدر إثراء للحضارة والثقافة وللإنسان الذي هو الغاية والهدف.

إن دولة القانون والحق والمؤسسات والمواطنة هي الأساس الصالح لبناء النظام السياسي والديموقراطي لسورية المستقبل، دولة لا تمييز فيها بين النساء والرجال ولا بين الأفراد بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو لونهم أو مذهبهم، دولة يكون فيها الأفراد أحراراً في حياتهم وممارسة نشاطهم سواء كان ذلك من حيث الحريات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية، حرية الإيمان والاعتقاد، واحترام الآخر ضرورة لا غنى عنها في جميع المجالات التي ذكرت. إن العدالة بمفهومها الواسع ومنها العدالة الاجتماعية سوف تحقق من خلال دولة الحرية والعدالة والمساواة بين الجميع وللجميع. ومن الأسس القانونية والدستورية للدولة الحديثة أن يكون هناك فصل بين السلطات التشريعية، القضائية، التنفيذية، وتداول السلطة بين القوى السياسية هو أساس النظام السياسي ويقوم على مفهوم الأكثرية والأقلية السياسية وليس على أي مفهوم آخر يتعلق بأكثرية عرقية أو طائفية أو مذهبية. إن دولة المواطنة هي التي سوف تحقق كل ذلك".

يضيف نشار: "إن مدنية الدولة، بمعنى فصل الدين عن الدولة، أو الدين لله والوطن للجميع، شرط لازم إذا أردنا أن نبني سورية دولة حديثة، إذ لا بد أن نحيّد ما استطعنا، إذا لم أقل نبعد، الدين عن السياسة وعن الدولة، وهي ضرورة إذا أردنا بناء دولة حديثة وفق مفهوم أمة/دولة، لأن السياسة في إحدى تعريفاتها هي علم إدارة الدولة، وهذا الموضوع سوف يكون مصدر خلاف كبير في المستقبل بين التيارات المدنية والإسلامية، وهو إذا كان موضوعاً مؤجلاً حالياً، بسبب ظروف الثورة، فلن يبقى كذلك بعد سقوط النظام، لأن سوريا متنوعة من حيث التركيب الاجتماعي الطائفي والعرقي والمذهبي، وهذا ما نشاهده حالياً في بلدان الربيع العربي من تونس إلى ليبيا الى مصر وهي بلدان أكثر اتساقاً من حيث التركيب الاجتماعي، بمعنى آخر أقل تنوعاً وهناك أكثرية ساحقة للمكون السني، ومع ذلك نرى الخلاف بين أهل السنة أنفسهم وليس مع المكونات الأخرى".

 

[الخلاف حول مدنية الدولة

ويعتقد "أن الخلاف حول مدنية الدولة، سوف يأخذ بعداً أشد تعقيداً مما نرى في دول الربيع العربي، لأن التيارات المدنية ذات توجهات سلمية بشكل عام ولا تحمل السلاح إلا في حالات محدودة وتحت اعتبارات وطنية، أكثر منها علمانية، أما أكثرية حملة السلاح من الثوار اليوم فهم من الإسلاميين، وإن كانوا أيضاً لا يحملون مفهوما واضحا عن طبيعة النظام الإسلامي الذي يريدون، والإيجابية في ذلك أنهم قابلون للحوار، على الرغم من تواضع المستوى الثقافي والسياسي عند أكثريتهم، وبشكل عام هم ينتمون الى بيئات محافظة في سوريا، وغالبا من الأرياف. هنا بالتأكيد لا أتحدث عن الإرهابيين أو المتطرفين أو حتى المتشددين الذين يعتنقون أيديولوجيات متطرفة، ولديهم مشروع سياسي في كثير من الحالات هو عابر للحدود، إقليمي أو دولي".

ويعود نشار الى مرحلة ما بعد الاستقلال التي "عرفت تجربة ديموقراطية كانت وليدة، غضة وطرية، لم تستطع ان تتجذر في النظام السياسي الذي كان برلمانيا، ومن خلاله استطاعت سوريا تحقيق الكثير من التقدم في مختلف المجالات، وخاصة في المجال الاقتصادي، كما أن التعليم شهد طفرة كبيرة جدا ولا سيما لدى الطبقة المتوسطة، ولن ننسى الحريات العامة وخصوصا في مجال الإعلام والصحافة تحديدا التي شهدت تطورا كبيرا في عدد الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية والدورية، وحتى الآن يتداول الذين عاصروا تلك المرحلة، أن الطبقة المتوسطة في سوريا كانت تمثل الشريحة الأوسع من الشعب السوري، على الرغم من الانقلابات العسكرية التي كانت تمثل عائقا أمام نمو التجربة الديموقراطية، نتيجة التحديات التي فرضتها حرب فلسطين العام والصراع على سوريا بين القوى الإقليمية والدولية في تلك الحقبة بعد الحرب العالمية الثانية. الكثير من السوريين يطلق تعبير العصر الذهبي على تلك المرحلة التي عاشتها سوريا، والتي أسس لها آباء الاستقلال من الكتلة الوطنية.

ويتوقف عند النظام الديموقراطي البرلماني الذي عرفته سوريا في التاريخ الحديث والذي يحدد السلطة كاختصاص لرئيس الوزراء الذي يمثل الأكثرية السياسية، والتي تنتج عن انتخابات برلمانية، وتظهر من هو الحزب أو القوة السياسية التي تملك الأكثرية في البرلمان، حيث يقوم رئيس الجمهورية بتكليفه تشكيل الحكومة التي تمارس السلطة وهي ذات صلاحيات واسعة كما هو الحال اليوم في كثير من الدول الديموقراطية، تركيا، ألمانيا، والكثير من الدول الأوروبية. رئيس الجمهورية ذو صلاحيات محدودة وهو منتخب من قبل البرلمان وليس من قبل الشعب، وتتركز صلاحياته في قضايا السياسة الخارجية والدفاع وعادة يكون هناك تنسيق مع رئيس الحكومة ولا يخلو الأمر من المنافسة والاختلاف على الصلاحيات".

ويضيف نشار ان النظام الانقلابي بتاريخ // "كان بداية التأسيس لنظام رئاسي استبدادي اعتبارا من العام ، نظام حصر أغلب الصلاحيات التشريعية والقضائية والتنفيذية في شخص رئيس الجمهورية، وأوصل سوريا والسوريين من النساء والرجال الى ما هم عليه الآن، هذا النظام هو ما ثار عليه الشعب السوري.

 

[النظام البرلماني الأصلح

بين هاتين التجربتين، نرى أن النظام البرلماني، هو النظام الأصلح المعبر عن رغبات الشعب ويسمح له بإنتاج سلطة يستطيع محاسبتها ومراقبة أدائها من خلال برلمان منتخب يلعب دوره الطبيعي في التشريع وفي مراقبة أداء السلطة التنفيذية وحجب الثقة عنها متى شعر أنها لا تقوم بوظيفتها بالشكل المطلوب. بالتأكيد الموضوع يحتاج الى لجنة مؤلفة من فقهاء في القانون والدستور والسياسة لإعداد واعتماد نظام سياسي يرتكز على دستور عصري وقانون انتخابي يلبي متطلبات المرحلة الجديدة وتطلعات السوريات والسوريين في المشاركة السياسية، الآن هناك خشية كبيرة من أي نظام رئاسي لأن التجربة الاستبدادية التي امتدت أكثر من أربعين عاما جعلت النظام الرئاسي، بنموذجه الأسدي، مكروها بغض النظر عنه كنظام من الناحية الموضوعية.

 

[دستور 1950 الأفضل

اما الدستور المقترح لسوريا الجديدة فيعتبر نشار انه يمكن الاستعانة بدستور الذي أقره البرلمان السوري المنتخب في ظل انتخابات حرة ونزيهة معترف بها من قبل أغلب القوى السياسية وأكثرية المكونات الاجتماعية، والذي يعتبر حتى الان في نظر الكثير من السوريين والخبراء من أفضل الدساتير، وهو يصلح لكي يعتمد للمرحلة الانتقالية، بالتأكيد أنه يحتاج إلى بعض التعديلات، التي تتطلبها التطورات والتغيرات منذ تلك المرحلة وحتى الآن ليتناسب أكثر مع الظروف الحالية ويلبي متطلبات العصر وطموحات السوريين والسوريات، ويحقق ما تصبو إليه جميع مكونات المجتمع السوري، وخاصة الأقليات التي لديها اليوم الكثير من المخاوف والهواجس بخصوص الحقوق المتعلقة بدورها في سوريا الجديدة والحفاظ على ميراثها الثقافي والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة. إن ما نملكه من معلومات أن جميع الأقليات وافقت على دستور عام ، وأن من وضع النصوص الخاصة بمصادر التشريع، هم ثلاثة من علماء القانون والتشريع ومن الإسلاميين، وكما تشير بعض المصادر فهم: الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين، الدكتور معروف الدواليبي، والدكتور محمد المبارك، ومن اعترض عليه هم بعض المشايخ والأئمة وجمعية الغراء الدمشقية المشهورة بنفوذها في تلك المرحلة. وظل العمل سارياً بذلك الدستور حتى العام تاريخ الوحدة مع مصر".

اما بالنسبة الى قانون الاحزاب والانتخابات فيعتبر "اننا نحتاج الى التروي في اختيار نظام معين للأحزاب والانتخابات، لأنه يحتاج الى توافق بين جميع المكونات السياسية والاجتماعية، نحن نفضّل أن تكون الأحزاب وطنية تقوم على برامج سياسية واجتماعية واقتصادية وتخوض الانتخابات على أساس تلك البرامج، وهذا ما هو معتمد في الدول الحديثة والتي شهدت نموا وتطورا في جميع المجالات وارتفع فيها مستوى المعيشة للمواطنين بشكل كبير، وتحولت طبقة كبيرة من الفقر الى طبقة متوسطة، خاصة في أميركا اللاتينية مثل تشيلي، الأرجنتين، البرازيل التي تحولت الى الديموقراطية بعد عهود من الدكتاتورية والاستبداد والفساد، وذلك خلال ثلاثين عاما تقريبا، الأمر نفسه ينطبق على الكثير من الدول الآسيوية في جنوب شرقي آسيا مثل كوريا وتايوان وماليزيا ، ولكن اعتقد ان سوريا سوف تواجه تحديات كبيرة في هذا الحقل نتيجة الحضور الكثيف للمرجعية الثقافية لبعض المكونات عند أبنائها، ورغبتها بإضفاء الصبغة العرقية أو الطائفية أو المذهبية على أسماء الأحزاب، وهو موضوع إشكالي حقاً وسوف يكون عائقا أمام تطور حقيقي لنظام للأحزاب يكون بعيدا عن التوجهات التي يراد منها حشد مكونات معينة ضمن كيان سياسي ما، بحيث يكون معبرا عن هذا المكوّن، وعليه يجب أن نحاول الحد من هذه التوجهات المعيقة لنمو وتطور الوطنية السورية التي ترتكز على مفهوم المواطنة الذي يجعل جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون.

كذلك الأمر مع نظام الانتخابات الذي سوف يواجه تحدي التمثيل الحقيقي لمختلف المكونات خاصة الأقليات أو الفئات التي تعاني التهميش، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تمثيل المرأة، تمثيل الأقليات، تمثيل بعض المناطق الجغرافية الصغيرة ـ الخ، والسؤال: هل النظام الأفضل هو الأكثري أو النسبي أو النظام المختلط؟ بشكل عام أرى أن النظام النسبي هو الذي يحقق التمثيل الأفضل من النظام الأكثري، ونحن مع النظام النسبي، وهناك أيضاً مشكلة الكوتا سواء للنساء، أم لبعض المكونات التي ليس من المتوقع أن تحصل على حقها في صحة التمثيل لأن ذلك يتعلق إلى حد كبير بالخلفية الثقافية للمجتمع، ونظرته الى المرأة التي هي عموما سلبية، أو لبعض المكونات.

ما أريد قوله، أن النظام الانتخابي الأفضل هو الذي يضمن صحة التمثيل لجميع مكونات المجتمع بحيث لا يشعر أي مكون بالتهميش وفي الوقت نفسه يضمن تطور حس المواطنة عند جميع الأفراد من مختلف المكونات بحيث يخرج الفرد من عزلته وينحو به إلى الإحساس انه مواطن في دولة تساوي بين أفرادها ولا تميز بين مواطنيها بسبب خلفياتهم الاجتماعية أو الثقافية أو الجغرافية، من الضروري بمكان أن يكون النظام الانتخابي الجديد مقنعاً للأكثرية الساحقة من مختلف المكونات عبر توافق وطني بين الجميع وليس من خلال عملية انتخابية قد تنتج إقصاء أو تهميشاً لمكونات صغيرة، وهنا يمكن دراسة ومناقشة أن يكون التمثيل البرلماني عبر غرفتين وليس واحدة، بمعنى آخر مجلس للنواب وآخر للشيوخ كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى كثيرة".

اما بالنسبة الى انتخاب رئيس الجمهورية فيقول نشار ان انتخابه من قبل الشعب مباشرة يعني انه سوف يكون ذو صلاحيات متوازنة مع صلاحيات رئيس الوزراء، وأن السلطة الحقيقية سوف تكون موزعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وسوف يتحملون المسؤولية بشكل مشترك, وأعتقد ان هذا هو الأفضل، لأن انتخاب الرئيس من قبل مجلس النواب يخضعه لتسويات وبازارات سياسية بين الأحزاب تجعل منه رئيساً ضعيفاً لا يستطيع ان يقوم بالمهام الوطنية وخاصة خلال الأزمات السياسية الداخلية والاختلافات بين القوى والأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، ومع ذلك أعتقد أنه من الأهمية بمكان، ومنذ الآن، نشر ثقافة سياسية تعنى بتوسيع النقاش حول هذه المواضيع سواء منها الدستورية أو الانتخابية، فتحاً لباب تكوّن الاراء حول هذه القضايا لأن المجتمع السوري يشكو من حالة تصحر وفقر شديد في مجال الثقافة السياسية لعدم وجود مجتمع سياسي في سورية منذ أكثر من أربعين عاماً نتيجة ثقافة الخوف والصمت التي فرضها نظام الأسد من خلال القمع لأي رأي مختلف في المجتمع السوري، وحقاً كانت سورية مملكة الصمت خلال حكم عائلة الأسد لسوريا، الثورة سوف تصنع تاريخاً جديداً لسورية والسوريات والسوريين".

من خلال ما سبق يؤكد نشار النظر الى الأقليات "كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع الآخرين ومن دون أي تمييز، صحيح أن الإسلام هو دين الأكثرية في سورية وهو المكون الثقافي الأبرز في حياة الشعب السوري وتشكلت الحضارة العربية في إطار أفكاره وقيمه، ولكن كل هذا بالتفاعل مع الثقافات الوطنية الأخرى المتواجدة في سورية قبل وصول الإسلام إليها، تم ذلك من خلال الاعتدال والتسامح واحترام عقائد الآخرين وثقافتهم وخصوصيتها أياً كانت انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، وكما كان الإسلام منفتحاً على الثقافات في المحيط كالفارسية واليونانية، سيبقى منفتحاً على الثقافات الجديدة والمعاصرة والتي تسود العالم حاليًا.

سوريا تعتز وتفخر أن أحد أهم رجالاتها في تاريخها الحديث هو فارس الخوري الذي ينتمي الى الطائفة المسيحية الكريمة، وكان وزيراً للأوقاف الإسلامية في إحدى المراحل واصبح رئيساً للوزراء ورئيساً لمجلس النواب وكان ينتخب من الأكثرية المسلمة في تلك المرحلة. هذه هي سوريا التي نطمح إليها بعد انتصار الثورة، دولة المواطنين لا دولة الرعايا كما هي دولة الأسد، سوريا الجديدة حتى تستحق اسمها وحريتها وجب أن تكون متنوعة ومتعددة الثقافات والأديان والمذاهب، كل ذلك على قاعدة المساواة بين الجميع. الكفاءة والمؤهلات والقدرات هي المعايير المعاصرة لبناء أمة حديثة تستحق دولة وليس الانتماءات الطائفية أو المذهبية، لذلك نرى أن مصطلح الأقليات ليس جاذبا للأكثرية من السوريين على الرغم من واقعيته أحيانا.

[بناء أمة ـ دولة

الالتزام بسلامة المتحد الوطني السوري الراهن وأمنه ووحدته، من قبل جميع مكونات المجتمع السوري وقواه السياسية هو أساس المحافظة على وحدة السوريين ضمن أمة/دولة، وهو مطلب حيوي ووطني إذا اردنا المحافظة على سوريا وطنا وشعبا.

إن سوريا تنتمي بالتأكيد الى المنظومة العربية، وتريد أوسع العلاقات والروابط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، على قاعدة المصالح المشتركة والمتبادلة، ونرى ضرورة تصحيح العلاقة مع لبنان التي شُوهت خلال مرحلتي الأسد الأب والابن، ويتطلب ذلك جهوداً متبادلة من قبل السوريين واللبنانيين لإعادة رسم علاقة جديدة صحية وصحيحة على أسس من الحرية والاستقلال والسيادة بين الشعبين في الدولتين.

إن سوريا الجديدة سوف تكون عامل استقرار وتوازن في المنطقة، ونعتقد أن الحوار هو أفضل الطرق لحل جميع مشاكل المنطقة لمصلحة جميع شعوبها، وستبقى استعادة الجولان هدفا لجميع السوريين الى أن يتم ذلك، هذا على خلاف الدور الذي لعبه نظام الأسد في المنطقة والذي ساهم في عدم استقرارها واتسم بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة. إن الصراعات التي سادت في المنطقة خلال المرحلة السابقة ومن ضمنها سورية أدت إلى تراجع وتدهور أوضاع المواطن السوري إلى مستويات غير مقبولة من الفقر والبطالة وتدني مستوى الدخل وبالتالي المعيشة، حيث اصبح المواطن السوري من أفقر شعوب الشرق الاوسط، كل ذلك يعود الى السياسات الاستبدادية وسياسة التدخل في الإقليم، إن سورية الجديدة سوف تبحث عن المشترك في المصالح مع الدول المجاورة على أساس من الاحترام المتبادل".

وعن موقع العروبة في سوريا الجديدة يقول نشار: "إن العروبة، كما أعرفها وكما أظن أنها في الواقع، مكون ثقافي لمجموعة كبيرة من الشعوب منتشرة في أماكن كثيرة من العالم، لا أعتقد أن التاريخ يحفظ في ذاكرته أنه كانت هناك دولة عربية في حدود سياسية معروفة. إن الرابط الثقافي هو مكون مهم لكن برأيي لا يكفي لبناء جسم سياسي أو وطن بمعنى دولة، أعتقد أنه آن أوان الابتعاد عن التعريفات والتصنيفات الأيديولوجية لجعل العروبة شعارا قوميا وإلباسها ثوبا سياسيا، واقع الحال لأغلب المجتمعات العربية وشعوب المنطقة يقول إنها تريد التنمية والازدهار والتقدم والتعايش مع الآخر، وأنها تريد الأخذ بمفاهيم التقدم والإصلاح، وهذا تبين انه لن يتحقق إلا من خلال نظام ديموقراطي يؤمن الحرية ويزيد من المعرفة ويعطي للمرأة حقها في المشاركة والإبداع.

إن التحولات التي جرت في الربع الأخير من القرن الماضي، والتي أسقطت اغلب الأنظمة الاستبدادية في العالم، أثبتت ان المجتمعات والشعوب لا يمكن ان تتقدم وتغادر تأخرها الا إذا أخذت بالحرية معيارا أساسيا للتقدم والرفاه. إن الحريات العامة سواء الشخصية أو المدنية أو السياسية أو الإعلامية هي مدماك تقدم الشعوب، وعلى السوريين ان يحسموا أمرهم في ذلك على الرغم من جميع المعوقات، التي سوف تظهر من هنا وهناك، نتيجة التشظي التي أصاب المجتمع السوري بعد هذه الثورة، هذا هو التحدي الكبير الذي سوف نواجهه في المستقبل، وليس ذلك أمراً سهلاً، ولكن لا بد من البدء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي نظام.. بعد الأسد؟ (5)

قاضي: الحرية الاقتصادية توأم الحرية السياسية

جورج بكاسيني

المستقبل          

 

أي نظام اقتصادي ستعتمده سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الاسد؟، سؤال مهمّ واساسي يجيب عنه بالتفصيل المستشار الاقتصادي الدولي الدكتور أسامة قاضي، مساعد رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية في الحكومة السورية المؤقتة ورئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا في الامارات العربية المتحدة، ورئيس المركز السوري للدراسات السياسية الاستراتيجية في واشنطن، وقد عمل العام 2007 مع البرنامج الانمائي للامم المتحدة وساهم في الجانب الاقتصادي لتقرير مستقبل سوريا عام 2025.

قاضي الذي يُعدّ الوجه الاقتصادي الابرز للمعارضة السورية، ومنظّر الخطاب الاقتصادي للثورة وصاحب فكرة "الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة"، يفصّل في هذه الحلقة رؤيته المدرجة في خطة "التحوّل الديموقراطي" لكيفية تحويل سوريا الى اقتصاد السوق الحر وتحفيز القطاع الخاص بالتزامن مع إصلاح القطاع العام، وكيفية محاربة روح الاحتكار والفساد وإصلاح القطاع المصرفي والبنى التحتية وإعادة هيكلة القطاع العام. ويتحدث عن أفكار وخطط وورش عمل للسنوات الخمس الاولى بعد سقوط النظام وتأمين فرص عمل.

يتحدث الخبير قاضي عن النظام الاقتصادي الذي سيتمّ اللجوء إليه بعد سقوط النظام فيقول "إن بوصلة الثورة الاقتصادية واضحة منذ أن وضعنا الخطاب الاقتصادي للثورة بعد شهرين من بدء ثورة الحرية والكرامة السورية، وأكدنا عليها في البيان الاقتصادي الذي ألقيته شخصياً على مسامع 59 دولة في مؤتمر أبو ظبي لمجموعة "أصدقاء الشعب السوري" المعنية بإعادة إعمار سوريا وتنميتها في 24 أيار 2012، وفصّلنا الرؤية في خطة "التحول الديمقراطي" التي أصدرها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية والتي أعلنّا عنها في 21 آب 2013، والذي يعتمد على اربعة أسس: أولا، دعم اقتصاد السوق الحر وتحفيز القطاع الخاص المسؤول الاول عن خلق فرص عمل للسوريين ومن في حكمهم. وثانياً تبني معايير ومؤشرات الحكم الرشيد المتعارف عليها في الامم المتحدة (الفاعلية الحكومية، سيادة القانون، مؤشر مشاهدة الفساد...). وثالثاً إصلاح القطاع العام بما يضمن كفاءة الانتاج، والبحث عن سبل لتشجيع الرابح منه، وايجاد حلول آمنة اجتماعياً للخاسر منه. ورابعاً العناية بالطبقات الاقل حظاً في المجتمع (صحة مجانية وبأسعار مخفضة للطبقة الفقيرة، التعليم المجاني، تعويضات بطالة). إننا نعتبر أن المهمة الاقتصادية للدولة السورية يجب أن تكون تكثير سواد الطبقة المتوسطة الدخل وضمان تجاوز عتبة الفقر لكل السوريين.

أما عن طبيعة النظام الاقتصادي فيقول قاضي إن سوريا "لا تستطيع الوصول إلى الحرية السياسية الحقيقية بشكل منفصل عن الحرية الاقتصادية، على عكس النظام السوري البائد الذي دأب وفريقه الاقتصادي على فصل الليبرالية الاقتصادية عن الليبرالية السياسية ومعايير الحكم الرشيد المعتمدة من قبل البرنامج الانمائي للامم المتحدة، الامر الذي جعل سوريا قبل الثورة السورية - تتبوّأ مقعدها بين أسوأ الدول المتهالكة اقتصاديا وأكثر من نصف السوريين تحت خط الفقر وواحدة من أفشل خمسين دولة.

 

[الاقتصاد السوري أولاً

إن النظام الاقتصادي السوري يعمل لتأمين قطاع خاص منظّم ويعمل لتأسيس اقتصاد سوق حر يسعى الى الاندماج العالمي بشكل تدريجي من خلال شراكات اقتصادية تحقق مكاسب للنهوض الصناعي والزراعي والتجاري، وتتحاشى الانفتاح غير المحسوب على الاسواق العالمية، وتحاشي أي انفتاح عالمي دون تأمين شروط النجاح للاقتصاد السوري تحت شعار "الاقتصاد السوري أولا" داخل مثلث الاهداف الثلاثة التي رفعناها في مجموعة عمل اقتصاد سوريا: حرية الانسان و تنمية الاقتصاد والحكم الرشيد.

النظام الاقتصادي السوري يكفل ايجاد آليات لتشجيع القطاع المشترك، مبنية على الثقة والشفافية ضمن فضاء الصحافة الحرة، ويعمل لخلق مناخ استثماري آمن وعادل، والعمل لان تتبوأ سوريا مكانها في المئة الاولى من الدول في العالم في السنوات الخمس الاولى بعد الثورة (تقرير أين تضع استثماراتك 2011 البنك الدولي- ترتيب سوريا الحالي قبل الثورة هي الدولة 144 من أصل 183)، كما يكفل التسهيل الحقيقي لاقامة استثمارات في سوريا (ترتيب سوريا 134/183) سواء استثمارات من قبل السوريين أو الاشقاء العرب، أو الاصدقاء.

تقوم الحكومة السورية في الشق الاقتصادي بمحاربة روح الاحتكار والفساد، وعرض فرص الاستثمار المتاحة بشفافية، وإصلاح القطاع العام، والعناية بالعمال في القطاعين الخاص والعام والمشترك من خلال رفع السوية المعاشية للعمال، ودعم القوة الشرائية للقوة العاملة السورية.(قبل الثورة 1,7مليون عامل معاشهم الشهري أقل من 200 دولار)، ووضع برامج فاعلة وعملية بالتعاون مع مؤسسات خاصة وعامة محلية وعربية وعالمية- لرفع كفاءة الموارد البشرية لرفع كفاءة العمال من أجل النهوض بانتاجيتهم. (أكثر من 70 في المئة من عمال القطاع الخاص الان يحملون الشهادة الابتدائية فقط)، كما يقوم على رفع كفاءة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للاقتراب من الحاجات الماسة للعامل والموظف السوري، والاستعانة بالقطاع الخاص لرفد الوزارة بأحدث التقنيات لاحصاء العاطلين من العمل والباحثين عنه، وإنشاء شبكة علاقات هائلة مع الشركات السورية، وهذا يقوم جنبا الى جنب مع إعادة هيئة مكافحة البطالة إلى الصدارة تحت اسم هيئة التشغيل والتمتع بكل الاستقلالية ضمن ميزانية تحددها دراسة علمية، وتقاد من قبل كفاءات وطنية، تقبل استشارات الخبرات العالمية، وتتواصل للحصول على المنح الدولية، لخلق فرص عمل للعاطلين من العمل".

 

[القطاع المصرفي والبنى التحتية

ويضيف قاضي أن النظام الاقتصادي الحرّ "يعطي للحكومة السورية أهمية لرفع كفاءة الاسواق المالية وتعزيز الثقة بأدائها كي تعكس حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي، وتنشيط عمل المصارف الخاصة، وتعزيز دورها الدولي، وتقوم بالاصلاح الحقيقي للنظام المصرفي، وتوسيع شبكاتها المحلية والعربية والعالمية، وتعطي اهتماما بالغا للنظام المصرفي الاسلامي، مع تأكيد على رفع كفاءة المصارف العقارية والزراعية والتجارية، كي تساهم بشكل حقيقي في سد حاجات السكن، وتشجع التجارة، وتنهض بالواقع الزراعي، وواقع الفلاحين السوريين بشكل حقيقي.

وهذا لا يتم دون رفع مستوى البنية التحتية الحالي بشق طرق جديدة وبناء الجسور والانفاق اللازمة، من أجل تسهيل انتقال البضائع واليد العاملة، ورفع مستوى الخدمات في الارياف للتخفيف من حدة هجرة الريف للمدن، والذي سبّب اختناق المدن، وخسارة استثمار الاراضي بشكل فعال ومنتج، ولا يتم من دون إصلاح النظام الضريبي بما يضمن العدالة الضريبية، ضمن إطار الشفافية الذي يطالب بالتصريح عن كل أملاك الموظفين الكبار في الدولة ابتداء برئيس الجمهورية إلى آخر موظف كبير في الادارة.

كما أنه من المهم تعزيز دور غرف التجارة والصناعة في تنشيط الاقتصاد، ومراقبة الانتخابات فيها للتأكد من التصدر للمناصب التداولية المحددة بسقف زمني يكون بحسب الكفاءات لا الولاءات، إضافة إلى تأكيد على دور الصناعة الحديثة، وتشجيع إدخالها لسوريا، ووضع السياسات الداعمة لها في مجال الانتاج والتسويق، بالتعاون مع الشركات العملاقة عالمياً، وهذا يتطلب تسهيل الائتمان المالي لقطاع الصناعة وخاصة الصناعات المصنعة، وبالاخص التي تخلق أكبر فرص عمل.

 

[الزراعة والسياحة والملاحة الجوية

ويؤكد قاضي أن النظام الاقتصادي الجديد يعطي أهمية للقطاع الزراعي "لذا نرى أن علينا دعم القطاع الزراعي، ورفع كفاءة سياسات الري، لرفدها بأحدث الاجهزة العالمية، والاستعانة بالخبرات العالمية للنهوض بالقطاع الزراعي، ومعالجة حالات الجفاف بشكل مسؤول، وتفعيل دور المصارف الزراعية والنهوض بكفاءة الارشاديات الزراعية. (الحكومة الحالية عالجت مغادرة 1,3 مليون شخص هجروا المناطق الشرقية بقمة اللامسؤولية ومن دون أي خطة لمعالجة الكارثة، وستجهز الثورة خطة اقتصادية لاعادة أبناء المنطقة الشرقية وخلق فرص عمل لهم مكرمين في بيوتهم)، كما يجب إصدار حزمة من القوانين الداعمة لاقتصاد المعرفة ورفدها بما تتطلبه من تقنيات حديثة، وكذلك تشجيع صناعة السياحة وتسهيل دورها التنموي، وتأمين المرافق والخدمات العامة اللازمة، وتأمين ائتمان ميسّر لضمان خطة تسويقية سياحية عالمية.

بعد تهميش قطاع الملاحة الجوية خلال خمسة عقود، فالنظام الاقتصادي عليه رفع كفاءة الطيران السوري، ورفده بأحدث الطائرات والتعاقد مع كبرى الشركات العالمية للبدء بتسويق الطيران السوري ليكون بمصاف أفضل الخطوط الجوية العالمية، عن طريق تشجيع القطاع الخاص للدخول بقوة للمنافسة على هذه السوق مما سيخلق فرص عمل كثيرة ومتنوعة، بعد تأهيل مطاراتنا التي هي دون المستوى حالياً".

 

[أقرب الى الاقتصادين الكندي والألماني

ويوضح قاضي أن النظام الاقتصادي المطلوب لسوريا الجديدة "أقرب ما يكون إلى النظام الاقتصادي الكندي والالماني بمعنى أن هناك دوراً أبوياً للحكومة في العناية بالطبقات الفقيرة، مع مراعاة عدم التدخل ما أمكن في العملية الاقتصادية، وانسحاب الحكومة من الحياة الاقتصادية. إنه نظام اقتصادي ليبرالي ولكن ليس الليبرالية المتوحشة، وهو أقرب ما يكون للتطبيق غير المجتزأ لاقتصاد السوق الاجتماعي التي تبنتها الخطة الخمسية العاشرة ولكن بحزمتها الخماسية التي تشمل: احترام حقوق الانسان، سيادة القانون وتطبيقه بحزم، المشاركة الشعبية في العملية السياسية، نظام اقتصادي على طريق اقتصاد السوق الاجتماعي، تدابير حكومية ذات توجه تنموي. لقد شوه النظام كل شيء بما فيه اقتصاد السوق الاجتماعي الذي كان وراء المعجزة الاقتصادية الالمانية.

حقيقة الامر أن النظام الاقتصادي عقب انتصار الثورة يحاكي الجوانب الايجابية في التجربة السورية الاقتصادية في بعدها المُشرق مع تحاشي سلبياتها لفترة ما بعد الاستقلال إلى قبيل الوحدة 1958، من حيث تعبئة الرأسمال الوطني أولا، بهدف أن تصل الطبقة المتوسطة محركة الاقتصاد لتشمل أكثر من ثلثي الشعب السوري".

 

[نظام "احتكار القلّة"

وكيف يمكن الانتقال من النظام الاشتراكي الراهن الى نظام السوق؟ يجيب قاضي:

"لم يكن النظام الاقتصادي السوري نظاما اشتراكيا بالمعنى الاقتصادي للاشتراكية الذي يرنو للعدالة والنهوض بالطبقة العاملة، والبعد عن الفساد، كذلك لم يكن نظاماً ليبراليا بالمعنى الليبرالي الذي لا يفصل الحرية الاقتصادية عن الحرية السياسية، بل كان نظاما اقتصاديا متخلفا أشبه بنظام الالوغابولي أو "احتكار القلة" وتلك القلة هي مجموعة من الشركات القابضة التي تمتهن الفساد والافساد وتعيّن مسؤولين لخدمة مصالحها فقط، حتى لو خالفت كل معايير الحكم الرشيد، ضمن إطار تحالف سياسي- أمني- اقتصادي- عسكري يطبّق على جسد سوريا الاقتصادي، وبالمناسبة فالقطاع الخاص وظّف ثلثي العمالة السورية، لذا فسوريا حقيقة لا تنتقل من اقتصاد اشتراكي الى اقتصاد السوق، بل إن اقتصاد سوريا بعد الثورة يحاكي طبيعة الانسان السوري التاجر والمصنّع والمهني والمحترف، إن الانسان السوري دفع أثمانا باهظة ثمنا لحريته فهو حر في السياسة وكذلك حرٌّ في اقتصاده، ولا يناسبه سوى الحرية، لانه ابن عبقرية طريق الحرير، وعراقة صناعة النسيج والاصبغة.

إن عملية التحول في النظام الاقتصادي ينبغي أن تكون تدريجية أخذا في الاعتبار الاثار الكارثية الاقتصادية للازمة السورية، ولكن وبسبب ضعف هيكلية الدولة ومؤسساتها فإنها فرصة نادرة للبدء ببناء نظام اقتصادي حر على أسس سليمة ومنهجية تحقق للمواطن السوري أفضل مستوى معاشي ممكن، وتحقق تنمية حقيقية للاقتصاد السوري.

 

[القطاع العام

وعن التصوّر لاعادة هيكلة القطاع العام يشرح قاضي:

"رغم أن القطاع العام وظّف نحو ثلث العمالة السورية، ولكن النظام أساء إدارته بتوظيف مبالغ فيه مما اضطر الادارة الى تجاهل مسألة الكفاءة الانتاجية، والتغاضي عن الخسارات الفادحة، بحيث تحول القطاع العام شبه جمعية خيرية وباباً من أبواب الفساد، خاصة أن معظم الادارات غير كفؤة حيث روعيت المحسوبيات والولاءات الحزبية في التعيين، مما جعل إصلاح القطاع العام واجباً فوريا على كل الادارات اللاحقة، خاصة مع الارقام الخيالية التي أنفقت ولاتزال عليه، والذي كلف الميزانية السورية مليارات الليرات وكان في معظمه خاسراً.

إن القطاع العام الصناعي في وضع صعب جداً، ولا يقوى على المنافسة، ولا على العمل بكفاءة، بدليل أن معظم الصناعات التي دخل فيها القطاع العام بإدارة حكومية قد انخفض انتاجها بشكل كبير. لقد دخل القطاع العام الصناعي في 93 نوعا من أنواع الصناعة التحويلية- بحسب المجموعة الاحصائية السورية 2009- انخفض انتاج 54 صناعة منها ما بين عامي 2004 و2008، مما يدلّ على حالة انتاجيتها المتدهورة، وإداراتها التي تراوح بين السيئة والفاسدة، إضافة إلى ضعف إمكاناتها التنافسية، وخسارتها للسوق المحلية فضلا عن العالمية لصالح القطاع الخاص، فلقد انخفض على سبيل المثال انتاج القطاع العام في مجال الكونسروة أكثر من النصف من 8841 طناً سنوياً إلى 3509 أطنان ما بين العامين نفسيهما، فمثلا في مجال الاجهزة التلفزيونية حدثت كارثة انتاجية ما بين العامين نفسيهما حيث انخفض الانتاج من 111 ألف قطعة إلى 19 ألفا عام 2008! والمحركات الكهربائية في وضع أسوأ فلقد انخفض انتاجها بشكل ساحق من 30 ألف محرك عام 2004 إلى 418 محركاً فقط عام 2008! وكذلك حال انتاج الاطارات والدهانات، والجلود، والكابلات، والجلود، والمحولات، والخشب وغيرها".

 

[فرص العمل

وعن التكلفة المتوقعة لنهوض سوريا اقتصاديا من جديد وكم من الوقت ستستغرق العملية يجيب قاضي:

"تقوم مجموعة عمل اقتصاد سوريا كمؤسسة استشارية اقتصادية مستقلة غير ربحية على رسم ملامح الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة والتي شارفت الانتهاء، ولان الخارطة مشروع وطني بتمويل سوري خاص، فقد تم التعاقد مع عدد من الخبراء السوريين داخل سوريا ومن الذين يتمتعون بالخبرة في مؤسسات الدولة في أكثر من عشرة قطاعات حيوية للعمل على ايجاد دليل عمل للحكومة القادمة، حيث تتم كتابة رؤية إسعافية تخص الاشهر الستة الاولى، ورؤية لسنتين ثم رؤية مستقبلية لخمس سنوات. وكذلك لوضع المواطن السوري في صورة الطاقات الكامنة لاقتصاد بلده تنفع لمعايرة أداء الحكومات القادمة حيث يصبح أداة رقابية على كفاءة الحكومات.

وقد تم نقاش ست أوراق- سياسات عملية لستة قطاعات مع خبراء سوريين ودوليين وبحضور ممثلين (مهنيين حصرا حسب الحاجة كمهندسين زراعيين ومحامين وغيرهم) عن المجالس المحلية من كل المحافظات في غازي عنتاب في 18 شباط في قطاعات الزراعة والمياه والتشريعات الاقتصادية والمالية والاسكان والسياسة النقدية والمالية والعمالة والتعليم.

وقد نشرت المجموعة سبعة تقارير وستنشر ستة تقارير تباعا إن شاء الله - وهي موجودة تحت عنوان الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة على الصفحة الالكترونية www.syrianeconomic.org، وتقوم على استكمال أوراق بقية القطاعات الاقتصادية خلال الشهرين القادمين حيث سنعقد سبع ورشات عمل في سبعة قطاعات اقتصادية أخرى، فسوريا بحاجة الى رؤية تفصيلية بعد سقوط النظام ومن ثم رؤية تنموية تشاركية مع العالم تنهض بسوريا وتضعها في مصاف الدول الصاعدة.

لدى مجموعة عمل اقتصاد سوريا ثلاثة مشاريع جاهزة من أجل خلق مليون فرصة عمل لسوريا في السنوات الخمس الاولى وبأموال سورية حتى نستطيع الخروج بسوريا إلى الحالة المدنية، فالشاب الذي حمل السلاح ليحمي أهله وعرضه علينا أن نكافئه بأن نخلق له فرصة عمل تليق به وبأهله، ومن حقه أن يكون له ولأولاده مستقبل مريح له.

إن دور رجال الاعمال السوريين حيوي في المرحلة الانتقالية، في إعمار سوريا، حيث سيكون القطاع الخاص قاطرة التنمية الاقتصادية، من دون إغفال دور القطاع العام الذي ينبغي أن يخضع لاصلاحات إدارية لرفع كفاءته، فكما أن القطاع الخاص يقوم بتوظيف ثلثي العمالة السورية لان هنالك 1,3 مليون موظف في القطاع العام، يجب أخذهم في الاعتبار، وأي إعمار وإصلاح اقتصادي قادم يجب أن يكون مدروساً بعناية بحيث يتحاشى أي كارثة اجتماعية، وأنا متأكد أنه بوجود حكومة وطنية مهنية احترافية يمكن أن يتحقق الاستقرار الاقتصادي خلال خمس سنوات، وتتحقق المعجزة الاقتصادية السورية خلال عشر سنوات على الاكثر".

 

"اقتصاد نيرون": البطالة بلغت 70 في المئة

 

المشهد الاقتصادي السوري الراهن مرعب بامتياز. لم يعد هناك إدارة مركزية تحكم الاقتصاد السوري. فقدت "الحكومة" معناها وهيبتها في سوريا فلا هي تسيطر أو تدير معظم المعابر السورية، وبالتالي فقدت إمكانية إدارتها للتجارة، ولا هي تسيطرعلى معظم الثروة النفطية، ولا الثروة الزراعية والحيوانية، فمحافظات "السلة الغذائية" السورية خرجت معظمها من سيطرة النظام، يضاف الى هذا أكثر من سنتين ونصف السنة من التدمير المنهجي للمحافظات السورية، جواً وبراً وبحراً، وتنفير المستثمرين والصناعيين، وتقطيع أوصال الطرق بين المحافظات، وتنفير اليد العاملة التي بات معظمها إما نازحاً أو مهاجراً مع أهله هربا من انعدام الامن، أو منخرطاً في صفوف الثورة العسكرية أو هارباً من السلطة الامنية، أو قابعاً في سجون النظام، أو جريحاً في أحد المشافي الميدانية أو خارج حدود سوريا. هذا المشهد الاقتصادي الكلي السريع نتج عنه ارتفاع معدل بطالة فاق السبعين في المئة، وانخفاض قيمة العملة السورية لاقل من 20 في المئة من قيمتها، وإغلاق محال الصرافة بعد سجن أصحابها وملاحقتهم. كما تمخض عن هذا الوضع البالغ السوء ارتفاع مستوى التضخم في المتوسط 200 في المئة، حيث وصل ارتفاع بعض أسعار السلع الغذائية لاكثر من 500 في المئة.

في ظل وضع مأسوي كهذا لم يعد هناك معنى للحديث عن الاقتصاد كمفهوم مركزي وطني.

فتقديرات خسائر قطاع الاسكان فقط كمبانٍ من دون حساب مقتنيات العائلات تصل لاكثر من 42 مليار دولار، ولكن الخسائر تزيد وتتغير كل يوم، فالتدمير لم يتوقف يوماً واحداً، وخسارة ناتج الدخل القومي، وخسائر الفوضى الامنية وسرقة المعامل وتدميرها، والخسارة الناجمة عن الفوضى الاقتصادية تفوق المئة مليار دولار.

لم يشهد التاريخ أن سلّط حاكم على رؤوس كل أهل البلد وليس فئة إثنية أو عرقية معينة براميل ديناميت وصواريخ سكود وأسلحة كيميائية وراجمات صواريخ ومدافع دبابات على أهل البلد، لذا يمكن تسمية هذا النوع من الاقتصاد "اقتصاديات نيرون" وهو المثال الوحيد الذي حدث العام 64 قبل الميلاد أي منذ أكثر من 2000 سنة عندما جلس المختل عقليا نيرون يتفرج على حريق سبعة أحياء في روما كي يعيد بناءها بطريقة جديدة...ومن ثم اتهم المسيحيين... على عكس وقاحة النظام السوري الذي يتغنى بإنجازات "حماة الديار" بقصفهم للمباني فوق رؤوس أهلها وللافران والمشافي وأكثر من 1400 مسجد.

في ظل "اقتصاد نيرون" انخفضت انتاجية القطاع الزراعي للربع، وتراجعت الاستفادة من الانتاج الزراعي في ظل تردد الفلاحين في بيع محصولهم الاستراتيجي للنظام الذي يقتلهم، وفي ظل تقطع أوصال المحافظات فلم تعد الطرق آمنة لا بين المحافظات، ولا ضمن المدينة الواحدة التي فيها عشرات الحواجز ما بين النظام والثوار. ورغم أنه لا أحد يستطيع أن يدّعي دقة حجم محصول القمح هذا العام مثلا لان هناك أكثر من جهة اشترت القمح ومنها بيعت للخارج، ولكن التقديرات أن المحصول انخفض مليون طن عن السنة الماضية، ولكن القادم للاسف أسوأ، بسبب عدم توفر البذار لزراعته من أجل العام القادم، ولا توفر الادوات الزراعية، ولا توفر المبيدات، وشح مادة الديزل اللازمة، وكذلك انخفاض اليد العاملة الزراعية بسبب انخراط الارياف السورية كلها في الثورة".

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي نظام.. بعد الأسد؟ (6) (ص19)

الجيش للشعب لا للأسرة

 

"سوريا الأسد" انتهت. السؤال الآن: كيف ستكون "سوريا المستقبل" التي ستولد من رحم ثورة مستمرة منذ 33 شهراً؟ وأي نظام سيقوم بعد "العقود الأسدية" التي حَرَمت السوريين من حق الحرية والعدالة والمساواة بل ومن أبسط حقوقهم الانسانية؟

"أي نظام بعد الأسد؟"، سؤال يطرحه العالم ويشغل العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً وهم أكثر المعنيين والمتأثرين بأي نظام في سوريا وقد خبروا ذلك، بمرارة أحياناً كثيرة، منذ الاستقلال.

"المستقبل" طرحت هذا السؤال على مجموعة من أركان المعارضة السورية في محاولة لملامسة أجوبة يمكن أن تبدّد سواد الصورة المشوّهة لمستقبل سوريا، التي يروّجها النظام وحلفاؤه لتعميم كذبة الخوف أو التخويف على مصير الأقليات وعلى مصير سوريا كلها، في حال سقوط النظام.

"أي نظام بعد الأسد؟"... ملف جديد يحاول الإجابة من خلال حوارات ونقاشات مع أركان الائتلاف الوطني المعارض وخبراء اقتصاد وأمن يدورون في فلك الثورة السورية، إضافة الى نصوص حصلت عليها "المستقبل" من "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" التي أعدّها "بيت الخبرة السوري"، وهي وثيقة وضعت بعد أبحاث ونقاشات مستفيضة حدّدت رؤية للمرحلة الانتقالية في سوريا بعد الأسد، انطلاقاً من مبادرة أطلقها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية.

في الحلقة السادسة اليوم يشرح الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الأعلى للجيش الحر العقيد الركن الطيار قاسم سعد الدين المبادئ الأساسية لإعادة بناء جيش وطني في ظل نظام جديد، ويشدد على أهمية أن يكون ولاء هذا الجيش للشعب وليس لنظام أو لأسرة، وعقيدته حماية الوطن، والأهم أن لا يضم من تلطخت يداه بدماء الشعب السوري، وفي الحلقة أيضاً مبادئ بناء الجيش الوطني الجديد كما وردت في "خطة التحول الديموقراطي".

 

(غداً: دولة آمنة لا دولة أمنية)

جورج بكاسيني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي نظام.. بعد الأسد؟ (7) الأخيرة (ص14)

دولة آمنة لا دولة أمنية

جورج بكاسيني

"سوريا الأسد" انتهت. السؤال الآن: كيف ستكون "سوريا المستقبل" التي ستولد من رحم ثورة مستمرة منذ 33 شهراً؟ وأي نظام سيقوم بعد "العقود الأسدية" التي حَرَمت السوريين من حق الحرية والعدالة والمساواة بل ومن أبسط حقوقهم الانسانية؟

"أي نظام بعد الأسد؟"، سؤال يطرحه العالم ويشغل العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً وهم أكثر المعنيين والمتأثرين بأي نظام في سوريا وقد خبروا ذلك، بمرارة أحياناً كثيرة، منذ الاستقلال.

"المستقبل" طرحت هذا السؤال على مجموعة من أركان المعارضة السورية في محاولة لملامسة أجوبة يمكن أن تبدّد سواد الصورة المشوّهة لمستقبل سوريا، التي يروّجها النظام وحلفاؤه لتعميم كذبة الخوف أو التخويف على مصير الأقليات وعلى مصير سوريا كلها، في حال سقوط النظام.

"أي نظام بعد الأسد؟"... ملف جديد يحاول الإجابة من خلال حوارات ونقاشات مع أركان الائتلاف الوطني المعارض وخبراء اقتصاد وأمن يدورون في فلك الثورة السورية، إضافة الى نصوص حصلت عليها "المستقبل" من "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" التي أعدّها "بيت الخبرة السوري"، وهي وثيقة وُضعت بعد أبحاث ونقاشات مستفيضة حدّدت رؤية للمرحلة الانتقالية في سوريا بعد الأسد، انطلاقاً من مبادرة أطلقها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية.

في الحلقة السابعة الأخيرة اليوم يتحدث ممثل هيئة الأركان في الائتلاف الوطني المعارض وقائد تجمّع "أحفاد الرسول" في الشمال مهنّد عيسى عن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بعد سقوط النظام، ويشدّد على أنّها تحتاج إلى جهد جبّار وإلى حل كل الأجهزة الأمنية الحالية وتشكيل جهاز أمني جديد يراعي الحقوق المدنية للمواطنين، بغية الوصول إلى بنية أمنية من نوع آخر "تحمي الناس وليس النظام". وفي الحلقة أيضاً نص عن مجموعة من الإجراءات لإعادة بناء القطاع الأمني كما وردت في خطة التحوّل الديموقراطي.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com