العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 8/9/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الحرية أم إسقاط النظام؟

ميشيل كيلو

السفير

السبت 31/8/2013

لم يطالب الشعـب في بداية الثــورة بإسـقاط النظام بل طــالب بالحــرية، تاركاً الــباب مفــتوحاً أمام اسقاط النظام كواحدة وحسب من المفردات الكثيرة والمتنوعة اللازمة لبلوغها. هكذا، كان اسقاط النظام جزءاً من طريقه المتشعبة والصعبة إلى الحرية ولم يكن هدفاً قائماً بذاته ينتهي بتحقيقه نضاله.

بالمقابل تفنن بعض المعارضة، وخاصة تلك التي انتظمت في صفوف المجلس الوطني السوري، في تركيزها على المطالبة باسقاط النظام، ووجدت صيغة تقول باسقاط رموزه واركانه كافة كهدف وضعته أمام الحراك والشارع. ذلك اقنع كثيرا من المنخرطين فيه بضرورة قبول اسقاط النظام باعتباره هدفا في متناول اليد وقابلا للتحقيق، سيجلب الحرية معه بصورة لا شك فيها ولا لبس، جعلت قبوله هدفاً اعلى للنضال نقطة فاصلة في فرز المواقف. كما واعتبرت مَن قبله ثوريا ومَن رفضه خائنا أو رافضا للثورة، بمن في ذلك من قالوا من امثالنا إن النظام لن يسقط لمجرد أن هناك من يطالب بإسقاطه، وأن سقوطه يتوقف على انجاز مجموعة متنوعة ومعقدة من المهام كالنجاح في منعه من استعمال الورقة الطائفية لتحويل ثورة الحرية إلى اقتتال مذهبي أو فئوي بين افراد ومجاميع الشعب الواحد.

قال الشعب: الحرية هي الهدف، يمر باسقاط النظام. وفصلت المعارضة بين الشعار والهدف واعتبرت الاول هدفا قائما بذاته، بينما غاب الهدف الاصلي عن خطابها او اعتبر متضمَّناً بالبداهة فيه، او لم يتم الربط بينهما بطريقة صحيحة. هذا الواقع، الذي ساوى لدى المعارضة الحزبية بين اسقاط النظام والحرية، رغم انهما لا يتساويان اطلاقاً، وفصلهما لدى الاصوليين، ترتبت عليه نتيجتان:

امّحت تدريجياً الفروق بين المطالبين باسقاط النظام، رغم اختلاف مواقفهم وآرائهم واهدافهم وطبائع وابنية تنظيماتهم واحزابهم، وصار الاسقاط معيار الثورية الوحيد او ساحة المزايدة والتشدد، وتم القفز التام عن تلك المستلزمات السياسية والعملية، التي تجعل سقوط النظام حتمياً. وصار الاكثر ثورية هو من يتمسك بالشعار اكثر من سواه، وغابت السياسة اكثر فاكثر عن العقل السوري المعارض السائد، الذي اعتقد ان مرحلـة اسقــاط النــظام برموزه واركانه كــافة ليست مركبة ومعقدة، بل هي مرحلة بسيطة تذهب من الوضع القائم الى وضع جديد يقوم نتيجة سقوط النظام وأركانه. فلا حاجة لإعمال الذهن ووضع خطة سياسية للثورة تبين المحطات التي سيمرّ نضالها فيها وستجعل سقوطه محتماً. هذا البؤس السياسي ترتبت عليه نتــائج عملــية ونظــرية شديدة السوء، أقله بالنسبة الى الشعب الثائر، الذي وجد نفسه منجذباً إلى شعار بدا تحقيقه في متناول يده، أراحه حين أفقده القدرة على التمييز بين القوى التي تبنته وخال أنه وحدها في الاتجاه والهدف، وخاصـة بين تلك القــوى الــتي لعبت دوراً متعاظماً في الصراع المسلح ضد النظام، وأيدها لاعتقاده أنها تنفذ خطة عملية لا تتطلب الكثير من الكلام في زمن تحركه الافعال ويساوي اسقاط النظام فيه تحقق الحرية، التي ستأتي بصورة حتمية بعد زواله، او أنها ستتحوّل الى تفصيل صغير ما دام النظام هو الكارثة التي يريد إزاحة صخرتها عن صدره، فإن زالت أمكن تدبير بقية الامور، خاصة أن زوالها هو شرط لازم لتحقيق أي مطلب يتخطاه. هذا الاختلاط كان وراء تحوّل سياسي خطير أنتج فهماً إجمالياً خلا من وعي الواقع الذي تذهب اليه الثورة، وعتم على مسألة فائقة الخطورة هي أن هذه صارت مهددة من قوى تعاظمت قوتها واتسع باضطراد انتشارها، قالت باسقاط النظام كهدف اول وأخير، ورفضت الحرية كمطلب اعلى للشعب. ذلك من دون ان تتوفر امكانية شعبية او ثورية لانتقادها أو التصدي لاطروحاتــها او كـشف ما سيترتب على خطها من مخاطر على وحدة الشعب والدولة، ومن دون أن يفتضح ايضاً دور النظام وسياساته الأمنية في تنــشئة تنظيــماتها، أو تجري تمييزات نظرية وعملية تتصدى للتعارض الخطير النتائج على الثورة بين النضال ضد النظام وبين رفض مبدأ الحرية كهدف للشعب والثورة. هكذا حجبت المآلات التي نجمت عن فــصل الحرية عن اسقاط النظام، الهدف عن الشعار، وترتبت على قلب الشعار إلى هدف حلّ محل هدف الشعب الأصلي، وانطمست الحاجة الى سياسات تنصب على نمط الخطوط التي يجب اعتمادها ونمط العلاقات التي تحب إقامتها في حقل العمل العام المعارض.

فقدت القوى المدنية والحراكية التي اطلقت الثورة مكانتها فيها وتحولت الى قوى هامشية او قليلة الشأن والدور. زاد انفصالها او فصلها اللاحق عن الواقع وعجزها عن التأثير في الأحداث من عزلتها، وقلص ساحة أنشطتها التي تركزت اكثر فاكثر على خلافاتها ومشكلاتها الذاتية، المفتعلة في حالات كثيرة، التي أخذتها ألى سياسات تجاهلت اهمية الرابطة الوطنية وضخمت مكانة الرابطة التنظيمية، حزبية كانت او ايديولوجية. ما رفع تناقضات ثانوية نشأت عن خلافات في الرؤى والمواقف إلى مرتبة تناقضات عدائية ورئيسة، ادى الاشتغال عليها إلى تقليص فعلي لحدة التناقض مع السلطة. وأسهم في تمكين قوى الإسقاط بالقوة من السيطرة على الساحة وثلم قيمة السياسة كأداة فاعلة تستطيع لعب دور رئيس في نمط من اسقاط النظام يكون مرحلة على طريق الشعب والحراك نحو الحرية للشعب السوري الواحد. والذي سيبنى وجوده السياسي على المواطنة، وسينضوي في مجتمع مدني هو حامل الدولة وضامن العدالة والمساواة والكرامة.

هل انقلب السحر على الساحر وانتقمت الحرية لنفسها من الذين غرقوا في اسقاط النظام من دون ان يفكروا بمرحلته ومستلزماته السياسية والعملية، فبدأ الشعار يسقطهم بدلاً من ان يسقط خصمهم كما تنبأت لهم في مقالة نشرتها «السفير» قبل اكثر من عام، بعد هيمنة الشعار على عقل المعارضة السياسية، قلت فيه إنه سيتحول الى سعار سياسي سيسقط بالأحرى الحراك والثورة، وها هي الوقائع تؤكد أنه يلعب دوراً خطيراً في إحداث تحولات ميدانية تبدل حال المعارضة وتهمش قواها الحزبية وتبرز قوى مناوئة لها معادية بجذرية لمبدأ وفكرة الحرية، تعمل من خارج النسق السياسي المعارض الذي تخلق خلال خمسين عاما من حكم البعث.

ما العمل لتصحيح اوضاع الثورة؟ الجواب جلي وبسيط: نستعيد رهانها الأول: الحرية لشعب سوريا الواحد، والمواطنة كأساس تقام عليه الحياة العامة، واسقاط النظام كشعار نحققه على مراحل، نعالج خلالها بنجاح قضايا عملية معقدة، بينها قضية التنظيمات القاعدية التي تسقط اليوم المعارضة وثورة الحرية بدلاً من ان تسقط النظام، وكذلك النضال ضد النظام بدلالة الحرية، والخروج من حقبة حولت شعاراً الى هدف استراتيجي للثورة. وكذلك وضع افكارنا وخططنا وخطواتنا العملية تحت حيثية الحرية للشعب الواحد، واستعادة طابع الحراك المدني والمقاومة السلمية، التي اعتبر المقاومة الوطنية المسلحة جزءا تكوينيا منها، واخيراً لا آخراً اقامة نمط من الادارة يكون دولة بديلة بكل معنى الكلمة تتولى ادارة المناطق الخارجة من قبضة السلطة بالديموقراطية والحكم النزيه والمشاركة الشعبية اليومية، وتؤسس جيشاً وطنياً يحمي الشعب من قطاع الطرق ومدّعي الجهاد. بغير هذا لن تعود الثورة الى اصحابها وتستعيد هويتها كثورة شعبية هدفها الحرية، ولن يتم فرز جديد، ومن أخذ سوريا إلى الحرية، ولا شيء غير الحرية لشعب الثورة الواحد.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية واليساري إذ يخذل شعبه!

أكرم البني *

الحياة

السبت 31/8/2013

لم تعد الاستقطابات الحادة والانتهاكات المرعبة تثير الغرابة في المشهد السوري بعد صراع دموي طويل أخرج الأبشع والأكثر بربرية من احشاء المجتمع، فكيف وإن تم شحنه بنزعات طائفية انتقامية وبإلغاء الآخر المختلف، وكيف وإن تمت تغذيته بأفكار يسارية تسوغ ما يجري وتطالب أحياناً، بدفع الأمور إلى الأقصى والأعنف.

جاءت النتيجة مخيبة للآمال حين أخضع الحراك الثوري حملة الفكر اليساري للامتحان مختبراً مدى وضوح خيارهم الديموقراطي وعمق التزامهم بمصالح الناس وحقوقها، وبدت غالبيتهم، وبرغم فظاعة ما يحصل، عاجزة عن إحداث قطيعة مع الماضي والتحرر من دور التعبئة الوطنية الإيديولوجية وأولوية مواجهة المخططات الامبريالية، بل وبدت من أشد المتحمسين لفكرة المؤامرة في تفسير الحراك الشعبي، ودعم الدعاية الرسمية بأنها أفعال متآمرين ومندسين يرتبطون بأجندة خارجية، لم لا، وأمام عيونهم اصطفاف «استعماري» واسع مناهض للسلطة، يضم أهم البلدان الغربية والعربية المدرجة في قائمة أعدائهم!

ولا يغير من هذه النتيجة إدراك بعض اليساريين بأن روسيا اليوم التي يحتفى بمواقفها هي ليست الاتحاد السوفياتي نصير الشعوب، وأن قيادتها تمثل مصالح الرأسمال الباحث أيضاً عن تعزيز نفوذه في المنطقة، أو إدراكهم بأن ثمة «أكثرية شعبية حقيقية» تطالب بحقوقها وكراماتها، أو اعترافهم بالدوافع الموجبة التي حركت الناس ضد قهر وإذلال مديدين، أو تحفظهم على العنف السلطوي المفرط وتحسرهم على أسلحة «الصمود والتصدي» وهي تقصف أماكن السكن وتدمر المدن والأرياف.

بداية، هلل اليساري السوري لثورتي تونس ومصر، حيث الأنظمة حليفة لأميركا، متوهماً أن الشعوب ثارت هناك ضد الامبريالية وأعوانها في المنطقة، حلم بسماع هتافات وطنية كفاحية انتظر سماعها طويلاً، لكنه بدأ يستخف بحراك الجماهير التي يدعي انحيازه لها ودفاعه عنها، حين خذلته ورفعت شعارات الحرية والكرامة الانسانية كقيمتين أهم، إلى أن صدمته الثورة في بلده حين اجترحت الشعارات ذاتها من رحم منظومة تحكمها شعارات مواجهة الامبريالية والصهيونية وتحرير الأرض المحتلة.

لا يعرف هذا اليساري التردد في دعم سلطة عنوانها الشعارات الوطنية، فهي شعارات حياته وأهم مكونات شخصيته، ومن أجل ذلك تدرب جيداً على طمس حقائق مؤلمة تكشف حجم الظلم والاستئثار والفساد وتثير الشكوك بصدقية ما تدعيه السلطة عن المقاومة والممانعة، وتالياً إهمال الدرس الأهم المستخلص من هزائمنا وانكساراتنا بأن مواجهة مخاطر الهيمنة الخارجية لا تستقيم طالما يقهر الإنسان وتدمر روح المبادرة والمساواة لديه، ويفقد إحساسه بأنه يبذل ويضحي من أجل وطن حر كريم وليس من أجل دوام الفساد والقهر والتمييز.

لم يكن سهلاً عليه التنصل من ثورة شعبية واسعة وممتدة في كل مكان تطالب بالحرية والكرامة، لكن ثمة ما يمكنه للطعن بمشروعيتها، فهي لا تشبه ما رسمتها مخيلته، عن طبقة عاملة وفلاحين فقراء يتمردون على الاستغلال والاستعمار في آن، وهي ترفع الشعارات الليبرالية عن الحرية والكرامة، وتجعل المساجد مراكز انطلاقها وتحمل أسماء ورايات إسلامية، ويكتنفها اختلاط طبقي مريب، يضم فئات اجتماعية تتعارض مصالحها الاقتصادية، فقد علمته المدرسة اليسارية أن طبقة المستغلين والأغنياء هي ربيبة الاستعمار، وعلمته أيضاً أن المعيار الأساسي لـ «الثورة الحقيقية» هو الشعارات المناهضة للامبريالية ورأس المال، وبأن هناك شعوباً تثور لكنها لا تعرف مصلحتها ولا اتجاه حركة التاريخ، ليتساءل بحرقة، هل يعرف هؤلاء الى أين هم ذاهبون، هل يريدون التفريط بما حققته الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين من مكاسب، أم إعادة الاستعمار بحلة جديدة أم تمكين الاسلام السياسي من تدمير حضارتنا أم استرجاع عهود الاقطاع والبرجوازية؟!

يلوم اليساري وجدانه الانساني حين يضعه في كل لحظة عنف مفرط تفيض بالضحايا والخراب، أمام الاختيار بين الانحياز إلى الناس والتعاطف مع معاناتهم واستغاثاتهم، وبين الوقوف مع أهل الحكم والعمل على تبرير ارتكاباتهم ونشر ذرائعهم عن المؤامرة الكونية، وحين تعجز فكرة المؤامرة عن إراحة ضميره، يستحضر فكرة الفوضى الخلاقة المدانة لأميركيتها، مستشهداً بما يحصل في المشهد السوري وغيره من بلدان الثورات العربية كي يطعن بمشروعية هذه الثورات وبأنها جالبة للاضطرابات والتفكك، ولا ضير هنا من شيطنة المعارضة، والاتكاء على خلافاتها والنزعات الأنانية والانفعالية لبعض قواها، للطعن بصدقيتها وبقدرتها على النهوض بالمستقبل، وجاءه الحضور المتنامي للجماعات المتطرفة بالمدد، ففي بطشها بالآخر المختلف، وإرهاب الناس لفرض أجندتها ونمط حياتها عليهم، أمثلة دامغة للتحسر بخبث على ما يحصل في مناطق خرجت عن سيطرة السلطة، كي يعزز خياره في الدفاع عن الواقع القائم ضد إمارات إسلامية لا تهدد وحدة المجتمع والدولة فقط، بل مسار الحياة الانسانية الطبيعية.

ربما يصح إرجاع تخاذل بعض اليسار السوري وتنكره لثورة شعبه إلى حساسية المسألة الوطنية تاريخياً في وعيه ومواقفه، وربما إلى ما طرأ على مشهد الصراع من تشوهات جراء عسكرته وتطييفه، وربما لأن غالبية كوادره وقادته ترجع في أصولها ومنابتها إلى الأقليات القومية والطائفية، ولهذه الخصوصية دور مهم في تفسير مستوى المشاركة في الثورة وسقف الاشتراطات المرتفع على البديل القادم.

والحال، ليس يسارياً من يتنكر لحراك الشعب حين يطالب بحقوقه وحريته ويقدم التضحيات الغالية في سبيل ذلك، وليس يسارياً من لا يحمل ضميراً إنسانياً يقف بداهة مع الضحية ويرفض العنف والقتل وإهدار الكرامات مهما تكن الذريعة، وليس يسارياً من يخون الموقف الصائب من الاستبداد بوصفه المسؤول الرئيس عما نعيشه الآن، ومن لا يستند إلى ما يجري كي يؤسس ليسار جديد ينطلق من حرصه على الآدمية وليس على الايديولوجية، ويشدد من دون كلل على أن الأعلى والأنبل في دنيانا هو الكائن الإنساني الحر، وليست الشعارات البراقة والأفكار مهما تبلغ من رقي ونبل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الفاتيكان وسورية: عن ‘دينونة لا يمكن الفرار منها’

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 6/9/2013

دعا بابا الفاتيكان، فرنسيس الأول، إلى تخصيص يوم غد السبت، السابع من أيلول (سبتمبر)، للصوم والصلاة من أجل السلام في سورية، والشرق الأوسط، وسائر أنحاء العالم. وقال: ‘أعيش بألم بالغ وبقلق حالات الصراع الكثيرة الموجودة في أرضنا هذه، ولكن قلبي، في هذه الأيام، مجروح بعمق بسبب ما يحدث في سورية، ومهموم من التطورات المأساوية الماثلة أمامنا’. وإذْ أوضح بأنه يدين، ‘بحزم شديد’، استخدام الأسلحة الكيميائية؛ فإنّ الحبر الأعظم للكنيسة الجامعة تفادى تحميل المسؤولية لأيّ طرف، وكأنه يضع النظام والمعارضة في سلّة اتهام واحدة، وفضّل بالتالي الاستقرار على صيغة أخلاقية فضفاضة: ‘اللجوء إلى العنف لن يقود مطلقاً إلى السلام. فالحرب تجلب الحرب، والعنف يجلب العنف’.

ويلفت الانتباه طرازان من ردود الأفعال على مبادرة البابا، واحد مأساوي والاخر كاريكاتوري؛ لكنهما، حين يوضعان على محكّ البُعد الوظيفي، ينتهيان معاَ إلى مقدار عالٍ من التكامل، وأداء الغرض المتماثل ذاته. وهكذا، قال بيان أساقفة دمشق إنّ ‘دعوة بابا الفاتيكان من أجل السلام في سورية والشرق الأوسط تعكس التعاليم المسيحية الصافية، التي تعمل في الضمير الانساني لنشر السلام في الارض’؛ وهذه خلاصة لا جدال فيها، من حيث روحية دعوة البابا على الأقلّ. مدهش، في مستوى ثانٍ من البيان، أنّ الأساقفة أعادوا إنتاج خطاب النظام، ذاته، حول نظرية المؤامرة الخارجية، ليس على سورية وحدها هذه المرّة، بل على المنطقة بأسرها: دعوة البابا ‘تأتي فى وقت تتعرض فيه سورية إلى حرب من قبل دول وأنظمة جلّ همها القضاء على سورية وتاريخها ومستقبلها، إضافة إلى خلق حالة من الفوضى والرعب في جميع دول المنطقة’!

ردّ الفعل الثاني، الطراز الكاريكاتوري، صدر عن الشيخ أحمد بدر الدين حسون، مفتي النظام السوري؛ إذْ نقلت وكالة ‘فيديس، التابعة رسمياً للفاتيكان، أنّ الأخير ‘تأثّر’ بنداء البابا فرنسيس الأول من أجل السلام في سورية، فأعرب عن رغبته في المشاركة بأمسية الصلاة، التي ستُقام من ساحة القديس بطرس، قبالة الصرح البابوي، في روما. وقالت الوكالة إنّ السّفير البابوي في دمشق، المونسنيور ماريو زيناري، ‘سوف يدرس إمكانية تحقيق هذه الرغبة’؛ وإلا، في حال تعذّر سفر حسون إلى روما، فإنّ ‘جماعته في دمشق’، حسب تعبير وكالة ‘فيدس، سوف تلبّي نداء البابا؛ وأنّ ‘المسلمين السوريين مدعوّون للمشاركة بالصلاة مع البابا في جوامع دمشق وفي سائر المناطق الأخرى’. ولم يعدم المرء جهات إعلامية مرتبطة بالنظام، سارعت إلى إسباغ الدراما الإضافية على الخبر، فأشارت إلى أنّ ‘الفرق الإسلامية، الجماعات القبلية، الدّروز، الإسماعيليّون وغيرها من مكوّنات المجتمع السوري سينضمون الى أمسية الصلاة’!

قبل هذا وذاك، ومنذ افتضاح أخبار المجازر الكيميائية في الغوطتَين الشرقية والغربية، دعا الفاتيكان إلى ‘الحذر في التعامل مع الادعاءات والمزاعم’ حول مسؤولية جيش النظام عن استخدام أسلحة كيميائية هناك؛ كما حضّ على ‘عدم إطلاق أحكام إلا بعد الحصول على دليل واضح’، حسب الأسقف سيلفانو توماسي، المراقب الدائم للفاتيكان لدى مقرّ الأمم المتحدة في جنيف. أيضاً، في مقابلة مع إذاعة الفاتيكان الرسمية، اعتبر توماسي أنّ ‘السؤال الحقيقي المطروح بهذا الصدد هو من المستفيد الحقيقي من هذه الجريمة اللاإنسانية’. ولكي لا يظلّ المشهد خالياً من هوية المذنب، أشار الأسقف إلى أنّ ‘التسرّع في إصدار الأحكام خلال أزمنة الحرب والنزاع، خاصة من جانب وسائل الإعلام، لا تقود دائماً إلى الحقيقة، ولا تجلب السلام’!

الأب أدولفو نيكولاس، الرئيس العام للرهبانية اليسوعية، أدلى بدلوه أيضاً، ضمن توجّه مماثل لا يتعمد تبرئة النظام السوري من المجازر الكيميائية، فحسب؛ بل يلقي باللائمة على الآخرين، في صفوف المعارضة السورية أو خارج البلد. لقد انتقد الضربات التي تعتزم الولايات المتحدة وفرنسا توجيهها إلى النظام السوري، وهذا حقّه بالطبع، وثمة كثيرون يوافقونه الرأي من منطلق التعاطف مع الشعب السوري، ضحية كلّ تدخل أجنبي، وليس بسبب أيّ تعاطف مع النظام. غير أنّ نيكولاس اعتبر أنّ الضربات هذه ـ وليس المجازر الكيميائية، البتة! ـ هي التي تدفع البشرية إلى ‘ردّة نحو الهجمية’؛ فتخسر فرنسا موقعها كـ’مرشد حقيقي للفكر والذكاء، له إسهام كبير في الحضارة والثقافة’، وتفقد الولايات المتحدة ما كان الأب اليسوعي يكنه لها من إعجاب بالغ!

والحال أنّ هذا المشهد الفاتيكاني ـ البائس سياسياً والمتعامي أخلاقياً عن رؤية الحقائق الدامغة، والمرتاح إلى مساواة الضحية بجلاّدها… ـ ليس جديداً على مواقف الصرح البابوي من الملفّ السوري، ولا يلوح أنه سيكون خاتمة التعامي. وثمة مقدار فاضح من التشويه، فضلاً عن التهويل، طبع تغطيات وكالة أنباء الفاتيكان للوقائع السورية منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية؛ يشدد، بالطبع، على أوضاع مسيحيي سورية، ويكيل شتى التهم إلى المعارضة عموماً، والفصائل الإسلامية بصفة خاصة؛ بحقّ نادراً، ودون وجه حقّ غالباً. وثمة، في هذا المضمار، سوابق كثيرة سارت على المنوال ذاته، واتضح أنها عارية عن الصحة تماماً، في المقام الأوّل؛ كما أنها، في المقام الثاني، تكشف تلك المنهجية القصدية التي تتوخى التضخيم، وتتلقف التقارير المغالية، أو الكاذبة عن سابق قصد، وتتبناها كحقائق مسلّم بصدقيتها.

ففي أواخر العام الماضي، 2012، وزّع القسم العربي لوكالة ‘فيديس خبراً مسهباً، قيل إنه صادر من مدينة حلب، يبدأ هكذا: ‘هناك حوالي ألف مسيحي من الكاثوليك والروم الأرثوذكس محاصرون في قرية اليعقوبية المسيحية الصغيرة الواقعة في شمال حلب. إنهم منهكون، ويفتقرون إلى الغذاء والكهرباء والاحتياجات الأساسية، ويجدون أنفسهم وسط قتال عنيف بين القوى الموالية والقوى المعارضة. لا يستطيعون مغادرة القرية ويعيشون في أوضاع رهيبة ويواجهون خطر الزوال.

هذا هو الإنذار الذي أطلقه عبر ‘فيدس الأخ الفرنسيسكاني الأب فرنسوا قصيفي، راعي كنيسة القديس فرنسيس في الحمرا (بيروت) الذي يعتني ويهتم بحوالي 500 لاجىء سوري’.

لافت، في البدء، أنّ الوكالة تعلن نقل الوقائع من حلب، ثمّ لا يحتاج المرء إلا إلى حفنة كلمات بعدها كي يكتشف أنّ الناقل يقيم في بيروت، وهو مطلِق الإنذار الرهيب، المنضوي أيضاً في موقع الخصم والحكم. جديرة بالانتباه، ثانياً، تلك اللغة التهويلية، والتهييجية استطراداً، التي تذهب إلى حدود قصوى مثل ‘الإنذار’، و’خطر الزوال’ (Extinction باللغتَين الإنكليزية والفرنسية!)، و’الحصار’، و’المأساة الرهيبة’ و’المسار الخطير’… في فقرات الخبر الأخرى. مدهش، ثالثاً، أنّ الوكالة بدت وكأنها تضع مسيحيي سورية في مصافّ افتراقية عن بقية السوريين، إذْ يتوجب ألا يفتقروا إلى الغذاء والكهرباء والاحتياجات الأساسية، أسوة بحال مواطنيهم عموماً؛ وهم أشبه بفريق محايد، مستقلّ، منفصل، لا هو ‘قوى موالية’ ولا ‘قوى معارضة’!

وفي حزيران (يونيو) 2012، نقلت الوكالة ذاتها تقريراً عن اضطهاد المسيحيين في مدينة حمص، نسبته إلى أسقف فرنسي يدعى فيليب تورنيول دو كلو، ادّعى النطق باسم كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، وتحدث عن كنائس دمرها المعارضون المسلحون، وعن مقتل كاهن، وفرار عدد كبير من المسيحيين تحت تهديد ‘الإسلاميين’.

خطأ الوكالة الأوّل كان إضفاء مرتبة الأسقف على دو كلو، في حين أنه ‘أرشمندريت’، وهي مرتبة دينية أدنى. وأمّا الخطأ الثاني، الذي عُدّ فضيحة مهنية وأخلاقية، فقد كان تأكيد مجلة ‘مسيحيو المتوسط’ الفرنسية، ومدوّنة ‘إل موندو دي أنيبال’ المتخصصة بالعالم العربي، أنّ دوكلو شاهد زور، ببساطة: لم يسبق له أن زار سورية، كما أنه مقرّب من أوساط اليمين الفرنسي المتطرف! وتساءلت المدوّنة: كيف وقعت في الخطأ وكالة مثل ‘فيدس، يتوجب أن تمثّل مجمع التبشير الإنجيلي للشعوب؟

وبين الانخداع، الذي وقعت فيه الوكالة؛ والخداع، الذي مارسته عامدة، كما يتوجب القول؛ ثمة تلك الأمثولة القديمة، المتكررة والمكرورة، عن الكيل بمكيالين. فالكنيسة الكاثوليكية اعتذرت، في مناسبات شتى، عن مواقف الصمت، أو التواطؤ، أو المباركة الضمنية، التي اتخذتها بعض المؤسسات الكاثوليكية إزاء الجرائم النازية. ولكنها ما تزال تلتزم الصمت المطبق إزاء عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها الفاتحون الإسبان ضدّ الأقوام الأصلية الأمريكية (‘الهنود الحمر’، في تسمية كريستوفر كولومبوس)، وسط لامبالاة الكنيسة، ولكن، أيضاً… وسط مباركتها للمذابح في أمثلة عديدة!

والتاريخ يسجّل أنّ المبشّر ورجل الدين كان العمود الرابع في تنفيذ الفتح، بعد الملاّح، والكاتب المؤرّخ، والفاتح العسكري. وفي كتابه الشهير ‘دموع الهندي’، يشرح الأب الدومينيكاني بارتولوميو لاس كاساس الفظائع الرهيبة التي سكت عنها الآباء والمبشّرون، بل شجّعوها تحت دعوى التنصير الإجباري لهذه ‘الأقوام الهمجية’. وفي موازاة دفاع الأب لاس كاساس عن المساواة بين البشر، توفّر الفقيه الإسباني خوان دي سيبولفيدا، الذي دافع عن التمييز الصريح بين البشر، وتساءل بقحة: ‘كيف يمكن لأحد أن يعتبر غزوهم، وإبادتهم في حالة الضرورة، أمراً غير مبرر، وهم على ما هم عليه من همجية وبربرية ووثنية وكفر ودعارة’؟

كذلك سجّل التاريخ تلك العبارة/المسمار، (‘الماريشال بيتان هو فرنسا، وفرنسا هي الماريشال بيتان’)، التي هتف بها الكاردينال بيير جيرلييه، أسقف مدينة ليون، ورددت أصداءها جدران كاتدرائية بوردو العريقة أثناء قيام الماريشال ـ زعيم حكومة فيشي، المتعاونة مع الاحتلال النازي ـ بزيارة الكاتدرائية. وثمة ذلك النداء، الرهيب بدوره، الذي أطلقه الكاردينال الكاثوليكي بودريار، عام ، 1941، في امتداح النازية: ‘لأنني قسّ وفرنسي يمرّ بمرحلة حاسمة، هل في وسعي أن أرفض إقرار المشروع النبيل المشترك الذي تقوده ألمانيا، والذي يسعى إلى تخليص فرنسا وأوروبا والعالم بأسره من الهواجس الأشدّ خطورة، وإقامة تآخٍ صحي بين الشعوب على خلفية تجديد مسيحية القرون الوسطى؟ ها قد حان الوقت لحملة صليبية جديدة. وأؤكد لكم أنّ ضريح المسيح سوف يتحرر. ومن خلال أحزان اللحظة، سوف ينبلج فجر جديد’!

تلك، بدورها، وقائع تُستدعى لفهم عبارة البابا فرنسيس، في نصّ دعوته إلى الصيام والصلاة من أجل سورية: ‘أقول لكم إن صور الأيام المنصرمة البشعة ما زالت منطبعة في الذهن وفي القلب. هناك دينونة الله، وهناك أيضا دينونة التاريخ وفق أعمالنا، وهي دينونة لا يمكن الفرار منها’. بالطبع، فإلى أين؟ وكيف، أصلاً، المفرّ؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجرد سؤال إلى الحبر الأعظم و رموز الكنيسة المسيحية

04.09.2013

زهير سالم

ما يزال الحبر الأعظم وشركاؤه في الكنيسة الكاثولكية يعلنون عن مواقف مموهة بالدعوة إلى السلام تدعم وتحمي المجرم القاتل في سوري ويعارضون في الوقت نفسه  أي مسعى لمساعدة الشعب السوري بالأخذ على يد المجرم ، ولجم عنفه وعدوانه ..

بالأمس وضع البابا فرنسيس ، وبعد عدة تصريحات عن جهات كنسية تابعة له تغطي على المجرم والجريمة في سورية ، تغريدة على حسابه على التويتر تقول : لا للحرب أبدا في سورية . لا للحرب أبدا في سورية . معلوم لنا جميعا أن الحبر الأعظم كمرجعية روحية ودينية متابع من قبل ملايين البشر ومؤثر في عقولهم وقلوبهم . ومن هنا فإنه بمواقفه المعادية للشعب السوري وتطلعاته إلى الحرية والعدل يشكل رافدا من روافد الظلم . التي تدعم اقترافات بشار الأسد بكل عنفها وكراهيتها .

ندرك أن ترجمة هذه التغريدة ( لا للحرب أبدا في سورية ) هو نعم لاستمرار سياسة الإجرام ، نعم لإبقاء المجرم طليقا ولا لأي محاولة للجم المجرم وحماية المدنيين . وأن من ترجمة هذه التغريدة : أبقوا المجرم طليقا ولا تفعلوا شيئا للأخذ على يده .

إن مشهد مئات الأطفال الصرعى لم يستفز ضمير الحبر الأعظم ليدفعه إلى المطالبة بفعل شيء لتتوقف هذه المأساة .  !!!!

هذا مجرد سؤال أطرحه على الحبر الأعظم وعلى شركائه في الكنيسة الكاثولكية والذين انضم إليهم بالأمس الانبا تواضروس بابا الأقباط : لو كان هؤلاء الأطفال السوريون الصرعى بدون دم من رعية البابا فرنسيس أو من رعية البابا تواضروس هل كانا سيقبلان بإدارة الظهر للجريمة ؟! هل كانا سيرددان دعوا المجزرة تمر بسلام ؟! دعوا المجزرة تقود إلى المجزرة بسلام ...

هل ما زال بالإمكان الصمت ..؟!

مجرد سؤال

لندن : 27 / شوال 1434

3 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الطغاة يجلبون الغزاة

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 6/9/2013

يصعب على السوري حتى وإن كان معارضاً للنظام أن يرى جيوش الولايات المتحدة وحلفائها تقصف بلده وتقتل وتدمر ما تبقى منه، وحتى الذين طلبوا من أميركا وأوروبا تدخلاً بحل عسكري، لن يكونوا فرحين وهم يشاهدون طائرات وصواريخ الغرب تنهمر على بلدهم، وحالهم مثل حال الأم التي تدعو على ولدها العاق، ولكنها تغضب ممن يقول «آمين»، وأعتقد أن هذا الشعور مفهوم، وسيردد كثير من الناس ذاك المثل الشهير «ما الذي أجبرك على المر؟ والجواب: ما هو أمرُّ منه». والأمر والأشد هنا هو ظلم ذوي القربى، وقد بلغ ذروة لا تطاق ولا تحتمل، وقد صبر السوريون عامين ونصف على كل ما لاقوه من تعسف وعنف وقتل، وتحملوا القصف اليومي بالهاون وبراميل المتفجرات التي لا تحدد هدفاً، ثم تحملوا صواريخ «سكود» التي تهدم المباني وتجعل سكانها قتلى وشهداء تحت أنقاضها، وتشرد ملايين السوريين، وتعرضوا لذل النزوح، وهدمت ملايين المنازل، وتقول الإحصاءات إن المنازل التي هدمت في سوريا تفوق ثلاثة ملايين منزل. وأخبرني أحد أصدقائي القدامى من الكاظمين الغيظ، قال «أنتم تتحدثون عن مائة ألف قتيل وشهيد، لكن العدد الصحيح بين من قضوا من المعارضين والمؤيدين ومن الجيش النظامي والشرطة ومن الشبيحة واللجان الشعبية، ومن العصابات بعجرها وبجرها، ومن اللائذين ببيوتهم من الصامتين الخائفين وهم الأغلبية يفوق أربعمائة ألف سوري، فضلاً عن مئات الآلاف من المعتقلين الذين لا يعرف أحد من أهلهم من تمت تصفيته منهم، ومن قضى تحت التعذيب. وكل ما تعرضت له سوريا من عذابات لا مثيل لها في التاريخ كان دفاعاً عن رجل يريد أن يبقى قائداً ورئيساً، غير قادر على الاعتراف بأن الشعب الذي خرج في مظاهراته الأولى لم يكن ثلة من الجراثيم، ولم يكن عصابات إرهابية، وإنما كان مجموعة من الشباب الغاضبين الذين ضاقوا بقبضة الأجهزة الأمنية التي ظلت تضغط على رقاب السورين حتى قطعتها ورمتها في مقابر جماعية. وكانت ردة الفعل الأولى على تظاهرة سلمية في درعا بداية الشر المستطير، وبوابة الدخول إلى الجحيم، ولكن شعراءنا قالوا: لكل داء دواء يستطب به، إلا الحماقة أعيت من يداويها. وكانت الحماقة نتاج صلف وغرور وتكبر وعناد.

وها هي ذي الحماقة تستدعي التدخل الأجنبي، والمسؤول عن هذا المصير هو النظام الذي أصر على الاستمرار في إبادة منظمة للشعب السوري الذي لم تتجاوز مطالبه الأولى الإصلاح وإسقاط المحافظ. ولكن العجرفة والصلف لم يسمحا بتقديم أي تلبية حكيمة سوى القتل لمن يرفع صوته مطالباً بحق، وبدا النظام غير قادر على قراءة الواقع والوقائع، مستخفاً بكل القيم والأعراف. وقد نجح في إغراق الثورة السورية بالطائفية بعد أن سمع هتافات الملايين «الشعب السوري واحد»، ونجح في إغراقها بالإرهاب يوم أطلق المجرمين من المساجين. ودهش السوريون حين رأوا بعض قادة الكتائب المتطرفة ضباط صف سابقين في بعض الأجهزة الأمنية، ومهمتهم تشويه صورة الثورة، والقيام بأعمال النهب والسلب والخطف. ثم اختلط الحابل بالنابل، وانقلب السحر على الساحر، وضاعت بوصلة الثورة حين تم اختطافها، ووصلت حماقة النظام مداها الأخطر حين استخدم أسلحة كيميائية تغافل عنها العالم حين كانت محدودة، ولكنه لم يستطع تجاهلها في الغوطة، بل رأى فيها تحدياً للمجتمع الدولي كله.

وكانت خطيئة النظام الكبرى أنه فتح الباب للتدخل الأجنبي في سوريا، فقد سارع للاستعانة بروسيا التي وجدتها فرصة لاستعادة حضورها الباهت في العالم، وللتعويض عن غيابها واستهتار أميركا وأوروبا بها في الماضي القريب، وعلى أمل أن تستعيد من خلال القضية السورية مكانة قديمة لها في زمن الحرب البادرة، وأن تعدل خصوصية النظام الدولي وسياسة القطب الواحد عبر الدم السوري، وقد بالغ الروس في تدخلهم في الشأن السوري الداخلي، لدرجة أن قال لافروف «لن نسمح لأهل السنة أن يصوا إلى الحكم في سوريا»!

وكذلك استحضر النظام إيران الدولة الدينية القائمة على المذهب الشيعي، والتي دخلت الحرب ضد السوريين تحت يافطة الحسين، والدفاع عن قبور الموتى من أربعة عشر قرناً، مع أنها في الحقيقة تبحث عن امتداد لحضورها في المنطقة، ولو على حساب الدم السوري أيضاً، وقد أمرت وكلاءها في لبنان «حزب الله» أن يدخلوا إلى سوريا غزاة محتلين، وكان إصرار النظام على الاستعانة بالأجنبي على شعبه مبرراً لكثيرين ممن ردوا بالمثل، فطلبوا استعانة بأجنبي آخر، وضاعت سوريا بين نظام يستعين بقوى الشرق ومعارضة تستعين بقوى الغرب، وبين شعب يستعين بالله، وينادي من عامين ونصف في الشوارع والساحات «يا الله ما لنا غيرك».

وليت بعض القادة الكبار في القيادة السورية التي تمتلك الصاعق يسهمون في نزع الفتيل، فما يزال بوسعهم أن يجنبوا سوريا تدمير ما تبقى منها، وتشريد من اعتصم ببيته مترقباً أن يقتل تحت أنقاضه، وهو متهيئ للموت على كل حال، فمن لم يمت بصواريخ أميركا، يتوقع أن يموت بصواريخ النظام وغازاته السامة. وبعض الناس يفضلون الموت الوطني على يد جيشهم الباسل! حتى وإن اعتبرهم إرهابيين مثل أطفال الغوطة، ويقول قائلهم «إذا كنت مقتولاً فكن أنت قاتلي»، وبعضهم الآخر يفضل أن يموت بيد الغريب الأجنبي، وأحب إلى نفسه أن يكون ضحية الغزاة بدل أن يكون ضحية الأشقاء. والمصيبة أن يرى الشعب نفسه بين نارين، فإن لم تحدث الضربة التي تغير الوقائع على الأرض، فإن ما سيجده السوريون من ضربات وطنية وإبادة محلية انتقامية قد يجعلهم أثراً بعد عين، والنظام لا يملك سوى التهديد بتدمير البلد وقد صار شعاره الرسمي «شبيحة للأبد». وإن حصلت الضربة الغربية فهي الساحقة الماحقة التي لن تبقي ولن تذر.

ويخطئ من يظن أن سوريا ستنجو إلى شاطئ الأمان بعد الضربة أو بدونها، فلا شيء مهيأ لتأمين المستقبل، وهذه كارثة كبرى أمام السوريين، ولا أرى خلاصاً أفضل من أن يغالب كبار قادة النظام عناده وجبروته، فيجنبوا ما تبقى من سوريا غير مدمر، مصيراً لا يعلم إلا الله مداه، والشعب كله يحمل النظام مسؤولية الضربة والضياع، وقد كان شعار مظاهرات الأمس «الطغاة يجلبون الغزاة». فإن أصر النظام على الاستمرار دون أي استجابة حكيمة عاقلة فلسان الشعب يقول «إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً، فما حيلة المضطر إلا ركوبها».

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

استعادة سوريا ضرورة أخلاقية واستراتيجية

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 6/9/2013

كان خطاب الأمير سعود الفيصل في اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة يوم الأحد الماضي، درسا في السياسة والاستراتيجية، فضلا عن أبعاده الأخلاقية والقومية. فهناك خمس وقائع لا يمكن إنكارها أو تجاهلها وهي: أن النظام السوري يقتل في شعبه إلى حدود الإبادة على مدى عامين ونصف العام. وقد بلغ عدد القتلى في الحد الأدنى مائة وعشرين ألفا، وتهجر سبعة ملايين إنسان بين الداخل ودول الجوار، وتخرب نحو الأربعين في المائة من عمران البلاد. وأن هذه الجرائم ضد الإنسانية ما وجدت انتباها حقيقيا، ولا تفكيرا في محاسبة وعقوبة، كما أن دعوات الحل السلمي والحوار والبعثات الدولية المختلفة ما نجحت في وقف القتل، ولا في دفع النظام للتفكير بغير الحل الأمني. وأن مجلس الأمن عجز عن اتخاذ قرارات بشأن المذبحة بما في ذلك استخدام الكيماوي، بسبب معارضة روسيا والصين. وأن العرب من خلال الجامعة، أو بالشكل الفردي، حاولوا بالسلم والتفاوض، وبالضغط على النظام القاتل بالحصار وقطع العلاقات، فاستطاع النظام الصمود في مواقعه بسبب المساعدات العسكرية والقوات المقاتلة من جانب إيران والعراق وحزب الله وروسيا. والواقعة الرابعة أن الأميركيين والأوروبيين أو بعضهم فكر ويفكر بعد دخول النظام في الحرب الكيماوية على شعبه - في ضربة «محدودة» لكي لا يبقى النظام دون محاسبة أو معاقبة. وبالطبع فإن ذلك لن يكون حاسما في وقف القتل أو إسقاط النظام، لكن الضربة، إن وقعت، واقترنت بمساعدة المعارضة بوسائل الدفاع والهجوم؛ فإن ذلك يفتح نافذة في الجدار المسدود. ولذلك فإن على دول الجامعة - تبعا لتوجه ائتلاف قوى المعارضة في سوريا - أن تدعم ضربة عسكرية للنظام، ما دامت لا تستطيع التدخل عسكريا بنفسها. وإذا قيل إن إقرار التدخل العسكري الأجنبي في بلد عربي أمر مستنكر، فماذا فعلت دول الجامعة، ودول جوار سوريا لمنع التدخل الإيراني المعلن، ما دامت حريصة على استقلال سوريا وسيادتها. فالتدخل الإيراني يعاقب ويقتل الشعب السوري، ويشرذمه طائفيا.. أما التدخل الدولي فيعاقب في الحد الأدنى النظام على استخدامه السلاح الكيماوي ضد أطفال ونساء وشيوخ البلاد.

عندما كان الأمير سعود الفيصل يتحدث في مجلس الجامعة، ويرد أناس مستنكرين التدخل العسكري الخارجي، بينهم وزيرا الخارجية اللبناني والجزائري - كان عشرات من المصريين من حزب «التجمع»، والحركات «الثورية» الأخرى يتظاهرون أمام الجامعة العربية استنكارا لـ«التدخل العسكري الأميركي». وهؤلاء ما سمعنا منهم طوال عامين ونصف كلمة واحدة عن عمليات القتل وحرب الإبادة الجارية هناك. بل ونحن نعرف أن بعضا منهم هنأوا - نعم هنأوا - الأمين العام لحزب الله وبشار الأسد بالانتصار في معركة «القصير» المجيدة. وصفة «المجيدة» هذه ليست من عندياتي، فقد وصف بها الأمين العام لحزب الله عملية احتلال بيروت عام 2008 من قبل قواته عندما سمى ذاك اليوم: «اليوم المجيد»! ولذا فعندما خرج الأمير الفيصل من مجلس الجامعة، قال للصحافيين إن ما يجري في سوريا شائن أخلاقيا ودينيا، ولا يصح السكوت عنه. فالمؤسف (أيا تكن الأسباب الحقيقية) أن يلجأ الرئيس الأميركي أوباما إلى مسؤوليات أميركا وأخلاقياتها، ومصالحها القومية، في تبرير اعتزامه التدخل في سوريا، ويكون رد فعل عدة دول وعشرات المثقفين العرب، الدخول في جدالات مثل: أميركا شر مطلق، ومثل: المعارضة هي التي استخدمت الكيماوي، وهي ذريعة مؤامراتية لإحلال التدخل الأجنبي! وكنت قد قلت لرجال دين مسيحيين ومسلمين كبار قبل عام ونصف: إن لم تستنكروا ما يجري في سوريا على الناس والعمران لأسباب سياسية أو اقتصادية أو إنسانية، فلا أقل من الاستنكار باسم الدين والأخلاق! والذي ينبغي ملاحظته بالفعل أن عددا معتبرا من اليساريين والقوميين العرب السابقين، لا يزالون مع بشار الأسد. وقد تحدثت إلى عدد منهم ليس باسم الدين، وإنما باسم الأخلاق، فما كان جوابهم إلا أن قالوا إن الثوار هم في الأكثر من الإرهابيين أو من عملاء دول الخليج وتركيا! وقلت: لكن الإيرانيين وحزب الله والعراقيين والروس يقتلون في سوريا! وأجاب أحدهم: وماذا في ذلك إذا كان فيه حفظ لوحدة سوريا وتطهيرها من الإرهابيين! فلا أمل في هؤلاء، ولا في محاولة «اكتشاف» بصيص خلق أو رشد لديهم. بيد أن هذه العقلية «القرمطية» ليست قصرا على عملاء النظام وحلفائه وطائفييه في سوريا ولبنان والعراق والأردن وبين الفلسطينيين وفي اليمن (في اليمن بالإضافة إلى الحوثيين هناك القوميون واليساريون العظام الذين جاء منهم وفد لتحية الأسد بعد ضربه شعبه بالكيماوي. وهؤلاء يربطون وحدة سوريا بوجود الأسد، لكنهم يريدون فصل جنوب اليمن عن شماله!)، بل هي تداخل نفوس بعض الناشطين المدنيين الشبان في حركة «تمرد» وغيرها. وقد ناقشت بعضا منهم فعللوا ذلك بكراهيتهم أميركا وإسرائيل! وقلت: لكن الأسد ما قام بشيء ضد أميركا وإسرائيل، وإنما قتل شعبه، وأنتم الثوريون ما قلتم شيئا طوال أكثر من عامين عن قتل الديكتاتور شعبه.. بل إنكم ما قلتم شيئا أيضا عن التدخل الإيراني العسكري والأمني واستيلائه على سوريا ولبنان والعراق! فكرروا معزوفة العداء لإسرائيل والولايات المتحدة!

ولنعد إلى موقف الملك عبد الله بن عبد العزيز والمملكة من الأحداث الجارية بمصر، ومن الثورة السورية.. فبعد المواقف السلبية من جانب أوروبا والولايات المتحدة من التغيير بمصر، قال الملك: إن السعودية تقف مع مصر بشتى السبل والوسائل لكي تظل قوية ومستقرة وصانعة أساسية للقرار العربي وللمستقبل العربي. ويومها قال سعود الفيصل: إن موقف خادم الحرمين التاريخي هذا، هو مثل موقف الملك فيصل والسعودية من مصر في عام 1973 عندما قطعت البترول تضامنا مع مصر وسوريا وفي حربهما لاسترداد أراضيهما المحتلة.

ضربة عسكرية غربية ضد سوريا أم لا ضربة؟ ليس هذا هو المهم؛ بل المهم أمران: أن النصاب السياسي والاستراتيجي العربي لا يستقيم دون النصاب الأخلاقي، وأن سوريا هي مثل مصر في أهميتها للهوية العربية والانتماء العربي والمستقبل العربي. وهذان الأمران سبق لوزير الخارجية السعودي أن أكد عليهما بطريقة أخرى بمؤتمر القمة العربية في سرت عام 2010، عندما أبى الدخول في محادثات استراتيجية مع دول الجوار (وبخاصة إيران) ما لم يتوقف التدخل الأمني والعسكري الإيراني في «الخواء الاستراتيجي العربي».

لقد عادت مصر، وتعود سوريا بفضل تضحيات شعبها، ووقوف العرب القومي والأخلاقي والسياسي معها. نحن أولى من الرئيس أوباما بأن نغار على الأخلاق، وأن نخاف على سوريا ونحاول إنقاذها، وسواء أراد الروس والإيرانيون ذلك (أخلاقا وسياسة!) أم لم يريدوا! وبالإذن من أبي الطيب:

وكيف يرجي «الفرس والروس» هدمها

وذا الطعن آساس لها ودعائم

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*
الضربة الأمريكية ستطال النصرة ايضا!

عوض السليمان

القدس العربي

الاربعاء 4-9-2013

ليس الحديث هنا عن احتمال وقوع الضربة الأمريكية من عدمه، إذ نعتقد بوجود ضربة بدأت تلوح ملامحها في الأفق. إنما يؤسفنا أن تأتي هذه الضربة عن طريق تحالف دولي وليس عن طريق ‘المجتمع الدولي’ الذي طالبَنا على الدوام بحقوقه ثم أهمل واجباته تجاهنا، وترك شعبنا يذبح على مدار سنتين ونصف تقريباً.

إن قيادة أمريكا بالذات لهذه الضربة، مع ترحيبنا بها، يطرح وحده عدة تساؤلات هامّة. إشارات الاستفهام تغرق مواقع التواصل الاجتماعي، وهي برأينا تساؤلات مشروعة وحيوية.

من غير المفيد أن نطيل الحديث عن وحشية أمريكا وإجرامها منقطع النظير، ودفاعها المستميت عن الكيان الصهيوني ومدّه بكل ما يقتل العرب والمسلمين. وحمايتها للديكتاتوريات في العالم كله. إذ بالكاد نستطيع أن نجد جريمة ضد الشعوب أو ضد الحرية لم تدعمها الولايات المتحدة، ناهيك عن أن ملايين المسلمين قتلوا في أنحاء العالم بسلاح أمريكي أو على الأقل بمباركة أمريكية. ولمّا كانت الحال كذلك فإنه من الطبيعي أن نشكك بالخطوة القادمة.

لماذا تصر وسائل الإعلام الأمريكية على التذكير بأن الرئيس أوباما مع الحل السياسي، وأن هدفه النهائي معاقبة الأسد على استخدامه السلاح الكيماوي وليس إزاحة الديكتاتور عن حكم سورية. ما المقصود فعلياً بذكر ذلك إعلامياً، ثم التركيز عليه مع العلم أن الولايات المتحدة كانت قادرة على ذكر الضربة العقابية دون التركيز على مسألة إسقاط الأسد من عدمه؟ ما المغزى من إخبار الأسد عن الضربة بشكل مسبق، وتسريب قائمة الأهداف وإعطائه فرصة لإعادة نشر قواته؟ هل ستقوم القوات الأمريكية بالفعل بقصف جبهة النصرة بصواريخها، كما قال ماك ديفيد مساعد وزير الخارجية الأسبق؟

إن ما يثير هذا التساؤل، هو قيام وسائل الإعلام الأمريكية بشيطنة الجبهة حتى مرّ ذلك على كثير من السوريين، وقد التقيت بعدد منهم يقول إن الجبهة تقتل الناس الذين لا يحسنون الصلاة، وإنها تتآمر مع الأسد ضد الشعب السوري. وقد تجاهل هؤلاء أن الجبهة هي التي قاتلت الأسد ونفذت حتى اليوم مئات العمليات الناجحة ضد قواته. ولكن الإعلام الغربي بشكل عام استطاع القيام بعمليات تضليلية طالت حتى بعض أعضاء الائتلاف. وقد سألنا بعضهم فيما إذا كانوا قد اتصلوا بقيادات الجبهة وطلبوا توضيحات محددة، لكن أحداً منهم لم يجب بنعم.

بلا شك فإن القيادة العسكرية الأمريكية تعلم أن الأسد قد أعاد انتشار قواته، وأنه ملأ المدارس والجامعات بشبيحته، بينما وضع المعتقلين والمعارضين في أماكن تواجده القديمة، فهل ستراعي صواريخ كروز ذلك وتحدد أهدافها بدقة بحيث تجنب السوريين مزيداً من الدماء، أم أن النيران الصديقة ستحصد أرواح الآلاف من السوريين كما فعلت من قبل في ليبيا.

هل ستقوم القوات الأمريكية بدعم الأسد معنوياً كما يتخوف كثير، من خلال ضربة محدودة تدمر فيها بعض المواقع،

ثم يظهر الأسد على الرأي العام العالمي كزعيم قهر القوات الغازية، ثم يُعمل إجرامه من جديد في الشعب السوري.

هل صحيح أن البيت الأبيض قرر الحفاظ على بشار الأسد أو على نظامه كمحاور رئيس في مؤتمر جنيف 2.

ماذا يعني أن تسكت أمريكا على جرائم الأسد خلال عامين ونصف وتسمح له بقتل 150 ألف شهيد وتغضب من أجل استخدام السلاح الكيماوي، فهل يجوز قتل الشعوب بالأسلحة التقليدية، وهل يمكن أن يصدق الشعب السوري أن الولايات المتحدة قلقة على مصير السوريين وهي التي دعمت الأسد بملايين الدولارات للوقوف في وجه المدّ الإسلامي.

ما معنى أن يلمح الرئيس الأمريكي إلى خطر السلاح الكيماوي على ‘الكيان الصهيوني’ في الوقت الذي يحاول تصوير الضربة القادمة وكأنها مساعدة للشعب السوري؟

وأيّاً يكن من أمر، فإننا مقتنعون أن أي ضربة للأسد إذا أُحسن استغلالها من قبل الجيش الحر ستؤدي إلى إسقاطه فوراً، فهو جيش لا عقيدة له ولا وازع عنده ولا ينتمي إلى سورية أصلاً. قد يكون صحيحاً أن أمريكا تريد أن تحافظ على الأسد وترفع معنويات جيشه وتفرض طائفته على السوريين، ولكن الصحيح أيضاً أن الشعب السوري بدأ ثورته ولم يكن ليأمل بأمريكا أو غيرها، وقد استمر في هذه الثورة حتى اليوم، وشعب كهذا قادر بحول الله أن يصنع النصر في كل حال.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية من الانسداد إلى الانفجار

ماجد كيالي *

الحياة

الثلاثاء 3/9/2013

ما كان مقدّراً لسورية أن تصل إلى حال الانفجار السياسي والمجتمعي والهوياتي، لولا الانسداد، الذي تعيش فيه منذ ما يزيد على أربعة عقود، بعد أن تحوّلت إلى مجرّد «سورية الأسد»، وهي الجملة القاطعة والمطلقة، التي تختصر في معانيها ليس غياب السياسة فقط، وإنما غياب مجتمع السوريين برمّته كفاعل سياسي أيضاً.

الدلالة الأخرى، لهذه الجملة، تفيد بأن الطغمة التي حكمت سورية وتحكّمت بها لم تهيمن على السلطة السياسية، وعلى موارد البلاد فقط، وإنما هي هيمنت، فوق هذين، على المجالين الدولتي والمجتمعي، كما على التاريخ والرموز والخطاب العام، ما أدخل هذا البلد في حقبة من الانسداد السياسي والاقتصادي والثقافي.

مع اندلاع ثورة السوريين، في آذار (مارس) 2011، في شكل مفاجئ، ضمن تداعيات «الربيع العربي»، على شكل احتجاجات وتظاهرات واعتصامات شعبية وسلمية، عبّر هذا الانسداد عن ذاته بداية بإنكار النظام لهذه الثورة، واعتبارها مجرّد فبركات إعلامية، وكناية عن مؤامرة خارجية. وقد نجم عن ذلك كله، كتحصيل حاصل، إغلاق النظام أبواب الحلول السياسية، وممانعته التحوّل نحو الديموقراطية، نسبة، أولاً، لاعتباره البلد بمثابة مزرعة خاصّة، وهذا هو معنى «سورية الأسد إلى الأبد». وثانياً، بسبب تنكّره لمشروعية الثورة السورية، ولحق السوريين في الحرية والكرامة. وثالثاً، بسبب تصنيفه المتظاهرين باعتبارهم أعداء، أو أدوات خارجية.

في هذا الإطار يمكن ملاحظة أن النظام اتبع استراتيجيات متعددة لوأد الثورة، ضمنها إضعاف وتفكيك بيئاتها الاجتماعية، وتشويه مقاصدها، ورفع كلفتها السياسية والاقتصادية والبشرية والمعنوية. وقد تأسّست هذه الاستراتيجيات على اعتبار الثورة عملاً عدائياً، وليست عملاً سياسياً، كجزء من الصراع على السلطة، ما تجلى في تعامله معها باعتبارها نوعاً من حالة حرب، تسوّغ له استخدام صنوف الأسلحة كافة، في شكل مفرط، لتحقيق الغلبة والإخضاع، تماماً كما التعامل مع أعداء، وضمن ذلك أتى اعتباره الحواضن الشعبية لهذه الثورة، مناطق عدوّة.

هكذا، تمّت في الأشهر الأولى مواجهة المتظاهرين والمعتصمين والمعارضين بالشبيحة ومنتسبي الحزب ورجال الأمن (باللباس المدنية)، الذين استخدموا الهراوات والأسلحة البيضاء والرصاص، في أعمال التنكيل وإخضاع المناطق المتمرّدة، لإظهار الصراع وكأنه بين الأهالي، أولاً، وثانياً، للإيحاء بأن الصراع ليس صراعاً على السلطة وإنما هو بمثابة حرب أهليّة، مع الترويج لصورة النظام كحام للأقليات والطوائف.

وبعد توسّع الثورة، قام النظام بإقحام الجيش في حربه ضد غالبية الشعب، في تأكيد منه على نزع السياسة، وصدّ الحلول السياسية، لا سيما أننا هنا لا نتحدث عن مشاركة جنود، أو فرق خاصّة من الجيش، وإنما عن مشاركة أسلحة المدفعية والدبابات والطيران (ليس الهليكوبتر وإنما الميغ)، وهي سابقة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها من قبل.

في المحصلة، وإزاء الأهوال التي عايشها السوريون، فقد عرفت الثورة السورية باعتبارها الأبهظ ثمناً، من النواحي البشرية والمادية والمعنوية، إذ ارتفع عدد الضحايا من حوالى 600 شهيد في كل شهر من الأشهر الثمانية الأولى من الثورة، إلى حوالى ألف أو ألفي شهيد، في كل شهر بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 وحزيران (يونيو) 2012، ثم إلى أكثر من أربعة آلاف شهيد في كل شهر منذ تموز (يوليو) 2012 إلى الآن، مع ارتكاب عديد من المجازر الجماعية في الحولة والقبير وتريمسه وداريا، مثلاً. وقد نجم عن ذلك، أيضاً، تدمير البنى المجتمعية، وتشريد ملايين عدة، ممن افتقدوا اماكن سكناهم وموارد رزقهم، مع إحداث تدمير هائل في الممتلكات الخاصة والبنى التحتية.

أيضاً، فإن هذا التحوّل، المتمثّل بإدخال الجيش إلى دائرة الصراع، أدّى إلى بروز ظاهرة الانشقاقات، التي قادت بدورها إلى بروز ظاهرة «الجيش الحر»، وتالياً لذلك تشكيل جماعات الحماية الأهلية المسلّحة، ما نجم عنه انحسار البعد الشعبي والسلمي للثورة، وتحوّلها إلى ثورة مسلحة، لا سيما منذ حزيران 2012، أي بعد سيطرة وحدات «الجيش الحر»، على مناطق في مدينة حلب والشمال وريف دمشق.

فمنذ هذه اللحظة، أي طوال أشهر العام الماضي، بدا أن هذه الثورة تعاني مشكلتين خطيرتين، أولاهما، بروز جماعات تنظيم «القاعدة»، كـ «جبهة النصرة» و «دولة الشام والعراق»، التي صعدت في المناطق المحرّرة تحديداً، وبتغطية من «القيادات» السياسية والعسكرية للثورة، على رغم أن هذه الجماعات لا تعترف بهيكلية الثورة، ولا بأهدافها، فضلاً عن غربتها عن مجتمع السوريين وثقافتهم. ولا شك في أن هذا التطور، الذي ساهم في النفخ فيه «الأصدقاء» والأعداء، أضرّ بالثورة، وبصدقيتها، وأضعف التعاطف العربي والدولي معها، فضلاً عن أنه نمّى المخاوف بين السوريين، لا سيما من المتردّدين والصامتين.

أما المشكلة الثانية، فنبعت من ضعف المرجعية السياسية والعسكرية لهذه الثورة، مع المشاكل التي عانى منها «المجلس الوطني» وبعده «الائتلاف»، وغيره من الإطارات، ومع استفحال تشرذم الجماعات العسكرية ذات المرجعيات المتعددة، التي هي في الأغلب مرجعيات خارجية، تتبع مصادر التمويل والتسليح.

الأنكى أن هاتين المشكلتين كشفتا، أيضاً، افتقاد الثورة استراتيجية سياسية وعسكرية، وضعف صلتها بمجتمعها وبالواقع، ناهيك عن تخبّط إدارتها للمناطق المحرّرة.

فعلى الصعيد السياسي، مثلاً، انحصرت الثورة في هدف إسقاط النظام، مرّة واحدة، وهو هدف بديهي ومشروع، ولكن المشكلة تتمثّل في عدم إدراك أن هذا الهدف يحتاج، ربما، إلى توسّطات وتدرّجات معينة، لا سيما بسبب ضعف الإمكانيات، وحال الدمار المحيقة بمجتمع السوريين، الذي باتت غالبيته خارج معادلات الصراع المباشر. وبديهي أن من غير المعقول لأية ثورة أن تغامر بطرح الحد الأقصى، من دون أن تترك مجالاً لها للتعامل السياسي، لا سيما في المحافل العربية والدولية لتعزيز قوتها، وعزل النظام، وأقلّه استثمار ذلك في تنظيم احوالها، وتمكين مجتمعها من التقاط أنفاسه، واستعادة عافيته.

وعلى الصعيد العسكري، كان واضحاً أن عمل الجماعات المسلحة، على أهميته، لم يكن مبنياً، في الأغلب، على خطة واضحة، وناضجة، ومجدية، بخاصّة أن المناطق التي تمّت السيطرة عليها باتت بمثابة حقل رماية لقذائف النظام من الجو والبر، بالطائرات والدبابات والمدفعية، فضلاً عن تحوّلها إلى معتقلات كبيرة، بتشديد الأطواق حولها.

على ذلك، يبدو جلياً أن هذه الثورة تكابد جراء غياب المرجعية القيادية التي تدرك أن الصراع ليس على الشعارات أو الحق والعدالة، فقط، وإنما هو أيضاً، على موازين القوى والمعطيات العربية والإقليمية والدولية المحيطة، وعلى صورة الثورة في الرأي العام الدولي، وبخاصّة عند السوريين. وقد اتضح، أيضاً، أن هذه الثورة افتقدت القيادة التي تعرف متى تتراجع ومتى تتقدم، ومتى تناور ومتى تحسم، في صراع طويل ومرير يمكن كسبه بالنقاط، طالما يصعب حسمه بالضربات القاضية، بالنظر الى موازين القوى. ومن الأساس لم تتوافر لهذه الثورة القيادة التي تدرك أن الصراعات قد لا تحقق كامل أهدافها دفعة واحدة، وأن ميزة القيادة الحكيمة تتمثل في حسن إدارة الموارد، وتوظيفها على نحو أمثل، وتقليل الأكلاف، لا تبديد الموارد وزيادة الأكلاف البشرية والمادية.

هكذا وصلت هذه الثورة إلى حال من الانسداد، فلا هي قادرة على تعزيز مكانتها، بتحويلها إلى مكاسب سياسية، إزاء شعبها وإزاء العالم، ولا هي قادرة على «التراجع»، أو إبداء بعض المرونة، للحفاظ على مكتسباتها وترتيب أوضاعها.

والواقع، فإن الذهاب نحو الحدّ الأقصى سياسياً وعسكرياً، مع ضعف الإمكانيات، وافتقاد الحدّ الأدنى من التنظيم والقيادة، انطوت على مخاطر جمّة، من ضمنها الارتهان الى الإرادات الخارجية (العربية والإقليمية والدولية)، فضلاً عن أن هذا وذاك جرى، على الأغلب، بسبب هذا الارتهان، والأوهام التي عزّزتها هذه الاطراف عند قوى الثورة، مبكراً، إن في شأن احتمال تدخّل خارجي، على شكل مناطق حظر جوي أو مناطق آمنة، أو على شكل زيادة التسليح، كماً ونوعاً، وهما أمران لم يحصلا بعد عامين ونصف العام، كما شهدنا.

الآن، وبعد استخدام النظام للسلاح الكيماوي، باتت سورية في حال انسداد إزاء الخارج، أيضاً، بسبب استهتار النظام بالمعايير الدولية، ما يعني أن ثورة السوريين ستدخل في حقبة جديدة، لا أحد يستطيع التكهّن بها، أو بمخاطرها، أو بمآلاتها. فمن الواضح أن النظام الدولي الذي ترك النظام يقتل في السوريين، ويدمر عمرانهم، طوال 30 شهراً، على رغم مصرع حوالى 150 ألفاً منهم، وتشريد ملايين عدة، لن يقوم للسوريين بما يفترض ان يقوموا به من أجل أنفسهم. أي أن ما ينبغي الانتباه إليه، أن رد الفعل على استخدام النظام للسلاح الكيماوي، المحظور دولياً حتى في الحروب بين الأعداء، لن يتجاوز ضربة محدودة لبعض القواعد العسكرية، ربما. وأن هذه الضربة، إن تمّت، لا تأتي لتخفيف معاناة غالبية السوريين، ولا نصرة لقضيتهم، وإنما بسبب معايير النظام الدولي ذاته، وكشكل من أشكال صراع الإرادات على الصعيدين الدولي والإقليمي لا أكثر.

لذا، ومع تأكيد أن النظام هو المسؤول الأكبر عن كل ما يجري، وما قد يجري، في سورية، وعن كل نقطة دم، وكل دمعة أم، قبل التدخّل وبعده، فربما أن تنحّي هذا النظام هو وحده الذي من شأنه وقف مسار التقتيل والتدمير في هذا البلد، والذي قد يمكّن من الذهاب نحو مرحلة انتقالية، لإحداث التغيير الديموقراطي، والتمهيد لبناء سورية جديدة.

باختصار، نحن إزاء معادلة مغلقة وحدّية وإشكالية، فإما «سورية الأسد إلى الأبد»، كـ «مزرعة» خاصّة ووراثية، أو سورية للسوريين كل السوريين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ديمقراطية أوباما: سراء أم ضراء؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 2/9/2013

فشل دافيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، في الحصول على تخويل من مجلس العموم، يتيح له مشاركة الولايات المتحدة الامريكية في توجيه ضربة عسكرية؛ هو هزيمة، بالطبع، سياسية ومعنوية وحزبية، فضلاً عن كونها شخصية تصيب كاميرون نفسه. ولكنّ صفتها الأخرى المتلازمة هي أنها انتصار للديمقراطية البريطانية، أياً كانت تحفظات المرء ضدّ أحفاد أوليفر كرومويل وميثاق الـ’ماغنا كارتا’، وبصرف النظر عن المظانّ التي قد تطعن في مصداقية هذا البرلماني الرافض، أو ذاك الموافق. الأساس، في كلّ حال، أنّ كاميرون كان ملزَماً بالرجوع إلى المجلس، على أصعدة دستورية وأخلاقية، قبل أن تكون رمزية صرفة، ولم يكن حرّاً طليق اليدين.

من جانبه، لم يكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما مجبراً على العودة إلى الكونغرس بصدد الأمر ذاته، وكان يكفيه التشاور الشكلي مع زعماء الأغلبية ورؤساء اللجان المختصة بالأمن القومي والقوات المسلحة والسياسة الخارجية؛ وثمة سابقة حديثة العهد، في هذا المضمار، هي انخراط أمريكا في عمليات الحلف الأطلسي ضدّ نظام معمّر القذافي، دون أيّ تخويل من الكونغرس. لكنّ أوباما فاجأ العالم، وغالبية معاونيه ورجالات إدارته (باستثناء رئيس أركان البيت الأبيض، دنيس ماكدونو، كما تردد)، حين أعلن أنه ينوي إرسال مشروع قرار إلى الكونغرس، مجلسَيْ النوّاب والشيوخ، يتضمن طلب التفويض بعملية عسكرية (محدودة، ضيّقة النطاق، ولا تستهدف إسقاط الأسد، أو تغيير نظامه… للتذكير الضروري!)، بعد تنظيم نقاش، وإجراء تصويت.

هل تراجع، إذاً، وصرف النظر عن الضربة العسكرية، وعَكَس تيّار الإدارة التي لم تعد تصريحات كبار ممثليها تتحدّث عن ‘هل’، بل ‘متى’ و’كيف’ سيتمّ تنفيذها؟ أم أنّ الرجوع إلى الكونغرس يستهدف تأمين غطاء دستوري، وشرعية عابرة للخلافات الحزبية، إذا تطوّرت الضربة المحدودة إلى ما هو أبعد أثراً، وأطول زمناً، وأشدّ عاقبة على القائد الأعلى للقوّات المسلحة الأمريكية؟ أم أنّ غرض أوباما هو ممارسة التمرين الديمقراطي، وتكريم رأي ممثّلي الشعب، وإظهار بلده بمظهر أقوى من الوحدة والتلاحم بين الرئيس والمشرّعين، كما قال؛ خاصة وأنّ الديمقراطية الأمريكية ليست أقلّ من نظيرتها البريطانية حرصاً على دستورية قرارات كبرى مثل الانخراط في عمل عسكري خارجي؟

الحال أنّ تصريحات أوباما لا توفّر إجابة صريحة على هذه الأسئلة، ولكنها لا تغلق احتمالاتها، أو هي بالأحرى لا تغلق أيّ احتمال؛ خاصة تلك الفقرة التي تشير إلى أنه ‘اتخذ القرار’ بالفعل، حول ضرورة معاقبة النظام السوري بضربة عسكرية، ثمّ اتخذ قراراً تالياً هو الرجوع إلى الكونغرس. المحزن، في هذه الرياضة بأسرها، أنّ بعض أقطاب المعارضة السورية الخارجية ممّن يتوجب أن يدفعهم برنامجهم السياسي والأخلاقي، من أجل سورية المستقبل الديمقراطية، إلى امتداح هذا الطراز من السلوك الديمقراطي الذي لجأ إليه أوباما أعربوا عن ‘خيبة أمل’ لأنه انحنى أمام مؤسسة التشريع الأعلى في بلده!

بيد أنّ سلوك أوباما هذا يقودنا إلى واحد من دروس التاريخ البليغة: أنّ بين أشدّ خلائط السياسة خطراً، وشذوذاً وغرابة، تلك التي تجعل الولايات المتحدة ديمقراطية داخلية وإمبريالية خارجية، في آن معاً؛ الأمر الذي تناوله شالمرز جونسون، أحد أذكى متابعي مخاطر صعود الإمبراطورية الأمريكية، على نحو ثاقب ومعمّق في كتابه ‘نيميسيس: الأيام الأخيرة للجمهورية الأمريكية’. وهذا العمل، الذي قد يكون التحليل الأعمق والأشجع والأشدّ قتامة لانحطاط الديمقراطية الأمريكية، خاصة في ولايتَيْ جورج بوش الابن، هو الجزء الأخير من ثلاثية بدأها جونسون سنة 2000 بكتاب ‘ردّ الصاع: أكلاف وعواقب الإمبراطورية الأمريكية’؛ ثمّ أعقبها بكتاب ‘ضرّاء الإمبراطورية: النزعة العسكرية، الكتمان، ونهاية الجمهورية’.

ويرسم جونسون المشهد التالي الذي لا ينطوي على أيّ تهويل أو مبالغة: ثمة خليط من جيوش هائلة منتشرة خارج البلاد، موضوعة في حالة حرب؛ واعتماد اقتصادي متزايد على المجمّعات الصناعية العسكرية، وتصنيع الأسلحة خصوصاً؛ وإنفاق خرافي على القواعد العسكرية، مع تضخّم هائل غير مسبوق في ميزانية البنتاغون؛ إذا وضع المرء جانباً ذلك الانتشار السرطاني لنفوذ وزارة الأمن الداخلي وصلاحياتها، والتدمير المنظم لبنية الحكم الجمهوري لصالح رئاسة إمبريالية أكثر فأكثر… ولا يتردد جونسون في إنذار أبناء جلدته: ‘نحن على حافة خسران ديمقراطيتنا من أجل الحفاظ على إمبراطوريتنا. وحين تسير الأمّة على هذا الدرب، فإنّ الديناميات التي تنطبق على كلّ الإمبراطوريات السالفة لا بدّ ان تنطبق علينا: العزلة، الإفراط في التوسع، توحيد العناصر المحلية والكونية المناهضة للإمبريالية، والإفلاس في الختام’.

وهكذا، إذا جاز افتراض الباعث الديمقراطي في لجوء أوباما إلى تخويل الكونغرس، حول عقاب النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيميائية؛ فإنّ ما يجوز التفكير به، استطراداً، هو أنّ هذه الديمقراطية الأمريكية هي، ذاتها، التي استخدمت القنبلة النووية، وأشكال أخرى من أسلحة الدمار الشامل؛ أو زوّدت الجيوش الحليفة بأنماط مختلفة منها، أو تغاضت عن استخدامها في حروب شتى. وهي ديمقراطية فظائع سجون ‘أبو غريب’ العراقي، و’باغرام’ الأفغاني، و’غوانتانامو’ الأمريكي، والمعتقلات الطائرة، والسجون السرّية…

وهذه، في نهاية المطاف، بعض تناقضات شخصية نيميسيس، ربّة الثأر والعقاب في الأسطورة الإغريقية، حيث السراء ضراء… والعكس!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دعوة إلى تأسيس محكمة الكذابين الدولية

07.09.2013

زهير سالم

قالت : إنهم أطفال خطفوا من قرى الساحل وقتلوا في الغوطة

في خضم أي حوار سياسي يسكتك أو يفحمك المحاور بقوله . السياسة مصالح . وأنتم ما زلتم غارقين في وهم الأخلاق . الأخلاق كذبة كبرى يخدع الضعفاء بها أنفسهم ...

وفي سياق آخر حين يصدر منك أو من أي جماعة إنسانية اعتراض على عمليات تشويه ، القيم أو الأديان أو المذاهب أو أنماط السلوك ، أو شيطنة الآخر المختلف : إنسانيا أو دينيا أو مذهبيا أو قوميا وتحطيمه ؛ يجيبك البعض بالألسنة الحداد بالحديث عن شعارات حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الإبداع ...

وللاختصار والإيجاز لسنا ضد أي شكل من أشكال الحرية المسئولة الصادقة . والصدق معيار والمسئولية مطلب . ويجب أن يتحول من مطلب رومانسي حالم إلى مطلب قانوني ، ليس على الصعد الوطنية المحلية فقط بل على الصعيد الدولي أيضا ..

أزعم أن إعطاء الإنسان نفسه الحق في تشويه الآخرين والمخالفين ، تشويه العقائد والمبادئ والحضارات أو تحطيم الأقوام والأعراق ، إنّ تحطيم الإنسان معنويا لهو أخطر من كل ما نص عليه القانون الدولي من حروب إبادة أو جرائم ضد الإنسانية .

في معيارنا القيمي الأخلاقي الإسلامي الكذب هو كل الشر ، وهو كل الراذئل وهو الجريمة التي تكبر كل الجرائم . حتى الشرك بالله الظلم الوحيد الذي لا يغفر في العقيدة الإسلامية ، هو نوع من الكذب خاص على الله (( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا )) .

إن استكمال قيمة الحرية المسئولة أن تخول دائما المتضررين من سوء استخدامها الحق الإنساني والقضائي في محكمة دولية جادة يأخذ على أيدي الوالغين في أعراض الناس من سوء استخدام هذه الحرية ..

لقد شرع – الرحمن الرحيم - حد القذف صيانة لأعراض الناس من ولوغ الوالغين فيها . ومنبهة على القيمة المعنوية للحقيقة الإنسانية متمثلة في أشخاص أصحابها . وإن لنا في عصر اتسعت أو تفاوتت قيم عاره الاجتماعي والسياسي أن نمد مفهوم الجريمة ومفهوم العقاب لنصون وجود المجتمعات والجماعات والأفراد ولنحمي مكانتهم .

وفي عصر تكثر فيه الدول ( الحكومات والمجتمعات ) من التضجر والتسخط من انتشار قوى الإرهاب وامتداد مخالبه حول العالم ، بما يؤذي ويدمي ويشين ، فإن لنا أن ننبه إلى أن الكذب على الناس والإصرار على تشويه عقائدهم ومبادئهم وثقافتهم وتاريخهم وقواعدهم وأفكارهم هو مغذ مباشر وأساسي من مغذيات الإرهاب . إن بعض الناس لا يتسع صدره ، ولا ينطلق لسانه فيؤثر الرد على الإفك والافتراء بقول الأول :

تلق ذباب السيف عني فإني امرؤ ... إذا هوجيت : لست بشاعر

إن هذا القول لا ينقض الحق في النقد والحق في التعبير والحق في أي جدل جاد حول كل الحقائق الكبرى أو الصغرى . إنه قيد يجب أن يفرض على ما يظنه البعض حقهم ( الغوبلزي ) النازي الأصيل في الكذب والافتراء والتشويه .

إن متابعة بعض الكذب الذي يجري هذه الأيام على أرض مصر وعلى أرض سورية يفسر معنى النذارة الحقيقية التي يحملها هذا المقال ..

حين يقول وزير الإعلام في سورية عن جريمة إبادة بحجم جريمة غوطة دمشق راح ضحيتها ألف وخمس مائة إنسان : إنها فبركة معدة مسبقا تزامنا مع وصول المفتشين الدوليين ..

وحين يتابع رئيس هذا الوزير – بلاحياء – في مقابلة مع لوفيغارو الفرنسية – أن كل ما يقال عن الجريمة في الغوطة ( الاتهامات كلها تبنى على ادعاءات الإرهابيين وصور وفيديوهات عشوائية وضعت على الانترنت ..)

وحين تقول مستشارة الرئيس نفسه على قنوات فضائية دولية عن أطفال الغوطة : ( إنهم أطفال اختطفهم الإرهابيون من قرى الساحل وقتلوهم في الغوطة..) فتكذب وتتهم الأبرياء وتبرأ القتلة ، وتنشر الطائفية وتعزز الكراهية ...؛

حين يستمع المجتمع الإنساني إلى كل هذا الذي يقال على ألسنة هؤلاء وألسنة الروس والإيرانيين وألسنة الكذابين حول العالم من كل ملة وعرق ولون يجب أن يدرك معنا أن ريح الكذب أخطر من ريح الكيماوي ، وأنه يجب أن يبادر إلى الأخذ على ألسنة الكذابين قبل الأخذ على أيدي السفاحين . وأن جريمة الكذب الوقح الصريح القبيح لا تحتاج إلى لجان تفتيش . توثيق وتحقيق ..... ثم (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ )).

للاطلاع على حديث مستشارة من يوصف برئيس الجمهورية تابع اليوتيوب:

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=NiX70oYj2Mg

لندن : 29 / شوال 1434

5 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«يداك أوكتا وفوك نفخ»

حسين العودات

البيان

الاثنين 2/9/2013

عقدت الإدارة الأميركية وهيئاتها المختصة، الأسبوع الماضي، اجتماعات لمناقشة الشأن السوري، وأشارت إلى أمرين، حسب التسريبات، أولهما: أن التدخل العسكري الغربي سيكون قصفاً بالصواريخ بعيدة المدى وربما بالطائرات، ضد أهداف عسكرية محددة في سوريا، تشمل المطارات العسكرية والمدنية.

وقواعد الصواريخ، ومقرات الفرق العسكرية وبعض المنشآت الأمنية الأخرى، بما لا يؤدي إلى خسائر في المدنيين، بل يكتفي بضرب البنية التحتية العسكرية للنظام السوري، وإضعاف قدراته العسكرية على مواجهة المعارضة السورية المسلحة. والأمر الثاني: هو أن هذه الضربة لا تهدف إلى إسقاط النظام، وإنما لإضعافه أمام قوى المعارضة، وإخلال موازين القوى العسكرية معها.

ويبدو أن الاجتماع الذي عُقد في عمّان قبل أيام، والذي ضم رؤساء أركان جيوش إحدى عشرة دولة، منها رؤساء أركان الجيوش التركية والسعودية والقطرية والأردنية، بحث جوانب التدخل العسكري، وكان بمثابة مجلس حرب ينتظر القرار السياسي.

وقد شعرت السلطة السورية بجدية الموقف الأميركي والغربي هذه المرة، وبخطورة أي عمليات قصف محتملة، فوافقت على أن تقوم لجنة التحقيق المختصة بالسلاح الكيماوي، بزيارة غوطة دمشق، وإجراء التحقيقات اللازمة، وتقديم تقرير إلى الأمم المتحدة دون أية عراقيل.

وأمام احتمال ضربة عسكرية، صرح وزير الإعلام السوري (وهو مشهور بتصريحاته العنترية)، بأن أي عدوان أميركي سيؤدي إلى اشتعال المنطقة، وبدوره، قال وزير الخارجية، إن الرد السوري سيحمل مفاجآت "سوف تدهش العالم".

كما حذر حليف سوريا الإيراني، بأن ضرب سوريا خط أحمر. وكان الموقف الروسي، على خلاف عادته، أقل تطرفاً من تصريحاته السابقة، إذ قال وزير الخارجية الروسي، إن بلاده لن تتدخل عسكرياً، لكنه، لحفظ ماء الوجه، أشار إلى ضرورة احترام القانون الدولي.

يتبادر إلى الذهن سؤال هام، وربما كان سؤالاً محورياً يتعلق بالكارثة التي تحصل في سوريا، وهو: من أوصل الأزمة السورية إلى هذه المرحلة من الخطورة، بحيث صار يبدو أنها لن تحل إلا بقوة السلاح، وإبعاد أي حل سياسي عن التداول؟

يوجه كثير من السوريين أصابع الاتهام إلى السلطة السورية من جهة، وإلى الإدارة الأميركية والغرب من جهة وأخرى، باعتبارهم اشتركوا معاً في تأزيم الأمور وإيصالها إلى حافة الهاوية. فالسلطة السورية رفضت منذ اليوم الأول للانتفاضة، جميع المطالب الشعبية التي طرحت.

وكانت مطالب مشروعة، تنادي بحفظ كرامة المواطنين وحريتهم، وإجراء إصلاحات في النظام السياسي على رأسها كف أيادي أجهزة الأمن عن التسلط والابتزاز والقمع والتدخل في حياة الناس وشؤونهم، ومكافحة الفساد. وبدلاً من أن تبادر السلطة، لعقد حوار مع الفئات السورية الموالية والمعارضة، لبحث جوانب الخلل في سياستها.

وفي هيكلية النظام السياسي وآلية عمله، والوصول إلى عقد اجتماعي جديد، يؤدي إلى إصلاح النظام، وإقامة الوحدة الوطنية، وإشراك جميع السوريين في بناء بلدهم.. بدلاً من هذا، أطلق النظام أجهزة الأمن على المتظاهرين منذ الأسبوع الأول، وقتلت المئات منهم في جميع أنحاء سوريا، ورفض النظام مطلقاً، وما زال يرفض، الحوار والحل السياسي لهذه الأزمة، بل زاد استخدام القمع والإصرار على الحل الأمني.

وإشراك الجيش والقوات المسلحة في مواجهة الانتفاضة، وأوصل الأمور إلى درجة الطلاق بينه وبين شعبه، ولم تعد هناك أي إمكانية للوصول إلى حل سياسي، وكلما مر الزمن، كبرت الأزمة، وزاد النظام عسفه ودمويته وقتله واعتقالاته وتعذيبه، على أمل أن يطفئ شعلة الثورة، وزاد بذلك غضب الناس وشعورهم بضرورة تغيير النظام كلياً، واختفاء قناعتهم السابقة بإمكانية إصلاحه والتوافق مع السلطة.

هذه مسؤولية السلطة، أما السياستان الأميركية والغربية ومسؤوليتهما، فيلخصهما بعض السوريين بأنهما كانتا مترددتين لا تُعرف أهدافهما بدقة، ولذلك تركتا الأمور على غاربها، أملاً في أن يدمر السوريون بلادهم، ثم يتدخل الغربيون بعد أن يضعف النظام السوري ويسقط عسكرياً، وبعدها يشاركون في بناء دولة سورية جديدة على مزاجهم.

لذلك وعدوا المعارضة منذ البدء بالتدخل السياسي وربما العسكري، وأقنعوها بأن النصر قريب على النظام، وزادوا النار اشتعالاً، ولم يروا مسبقاً المستقبل الذي سيصل إليه الصراع في سوريا، رغم أجهزتهم الأمنية والسياسية، ورغم تحليلهم وتركيبهم أيضاً.

لم يحسب السوريون ولا الغربيون حساباً لأن الصراع في سوريا بين السلطة والمعارضة، قد يفتح الأبواب للفئات المتطرفة الخارجية (وربما الداخلية أيضاً)، بما في ذلك أنصار القاعدة، للدخول في المعمعة. كما تجاهلوا الثابت العسكري الذي يقول إنه يمكن معرفة بدء الصراع المسلح، ولكن لا يمكن معرفة نهايته، فلم يدركوا آثاره المحتملة في الدول الإقليمية وفي السلم العالمي. وقد أوجد الطرفان السوري والغربي، الشروط الموضوعية لاستمرار الصراع المسلح ووصوله إلى المرحلة التي وصل إليها الآن.

وهكذا غرق الجميع في بحر من الأوهام أعمى عيونهم وأضاعوا طريقهم، وهم جميعهم في الواقع يتحملون بدرجة أو أخرى وصول الأزمة السورية إلى ما وصلت إليه. المؤسف والمحزن أن الشعب السوري هو الوحيد الذي دفع ثمن أخطاء الغرب، وحماقة سلطته وجهلها وصلفها، وكان وقوداًَ لهذه الأخطاء، ولا تعوض الآن خسائره أي نجاحات مهما علا شأنها. فقد خسر وحدته الوطنية، ونسيجه الاجتماعي، واقتصاده، وحاضره ومستقبله..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الضربة القادمة للتأديب أم للعدالة؟

وائل السوَّاح *

الحياة

الاثنين 2/9/2013

قتل النظام السوري مائة ألف سوري وسورية، وجرح وشوَّه أضعافهم وشرَّد أربعة ملايين مواطن، واعتقل مئات الألوف وعذبهم وأهانهم، وقتل بعضهم تحت التعذيب. وزاد على ذلك تدميره للبنية التحتية وللاقتصاد الوطني وتفريغه للمصرف المركزي من الاحتياطات النقدية، وشوَّه صورة سورية والسوريين، فصار السوري مادة للإذلال والإهانة في الدول المجاورة وغير المجاورة. صار السوري، بنظر كثيرين، إما إرهابياً أو شبيحاً، وصارت المرأة السورية مشروع مومس، وقسَّم النظام السوريين طائفياً وجهوياً وقومياً، وأحلَّ التوجُّس والكراهية والحقد محلَّ التسامح والعيش المشترك. وأخرج النظام سورية من جامعة الدول العربية، وأضعف صورتها في الأمم المتحدة، وجعلها رهينة بيد الإيرانيين وحزب الله. أُغلقت المصانع وأهملت الزراعة، وتوقفت السياحة، وهاجرت رؤوس الأموال والخبرات وانحدر معظم السوريين إلى ما دون حد الفقر، حتى بلغوا حدَّ المسغبة.

كل واحدة من هذه الجرائم كانت كفيلة بمعاقبة هذا النظام الفاجر. كل واحدة منها كانت مدعاة لخطوط حمراء حقيقية، إذا ما تجاوزها النظام كان مبرراً لتدخل دولي يساهم في وقف القتل وتدمير البلاد ومحاسبة القتلة وإعادة المصالحة الوطنية بين السوريين.

ولم يكن ذلك منَّة من أحد على السوريين، بل تطبيقاً للقانون الدولي، فمنذ حزيران (يونيو) 2011، كتبت لويز أربور، رئيسة مجموعة الأزمات الدولية، أن السبيل الأمثل لحماية السوريين يتمثل في إحلال السلام وفض الصراع لإيقاف المذابح. وذكَّرت بمبدأ «مسؤولية الحماية» الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 على خلفيات أحداث يوغوسلافيا السابقة ورواندا والكونغو والصومال وكوسوفو وغيرها. ويجيز هذا المبدأ للدول التدخل في شؤون دول أخرى لمنع ارتكاب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وحماية المدنيين.

ولكن الغرب انتظر ثلاثين شهراً، متبعاً سياسة مائعة ومتلونة وغير واضحة، إلى أن أقدم النظام على استخدام الأسلحة الكيماوية في إبادة نحو 1300 من مواطنيه في غوطة دمشق، فبدأت المشاورات والاجتماعات والتصريحات والاستعدادات للتدخل العسكري وتوجيه ضربة ضدَّ النظام السوري. هذا التحرك الأخير قابله السوريون المعارضون لنظام الرئيس بشار الأسد في الداخل والخارج بالتأييد والدعم. وبدا ذلك من خلال الآراء التي صيغت على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن السؤال الملح الآن هو ما الغاية من الضربة العسكرية؟ هل هي لتأديب الرئيس السوري أم لتغيير النظام في سورية. هل هي لتقليم أظفار النظام الكيماوية وتبرئة ذمة الغرب من دم السوريين أم لمساعدة السوريين على إسقاط النظام الذي قتلهم وشردهم وهدم مستقبل أولادهم؟

ثمة من يرى أن الرئيس أوباما الذي وضع الخط الأحمر تلو الآخر وصل إلى مرحلة باتت معها صورته باهتة وهيبة الولايات المتحدة كأعظم قوة في العالم مهددة بالزوال، ما حتَّم عليه توجيه ضربة ربما لا تعدو كونها خطوة رمزية هدفها «تلقين الرئيس بشار الأسد وإيران درساً في عواقب تحدِّي الغرب وليس تغيير دفة الحرب الأهلية،» وتذكير الأسد أن الكلمة العليا ليست في نهاية المطاف له.

إذا كان ذلك التحليل صائباً، فإن مثل هذه الضربة يمكن أن تؤدي إلى تنازلات من النظام على صعيد الخارج، ولكنها ستزيد من مستوى عنفه وتوحشه على الصعيد الداخل، وهو أمر يستهجنه السوريون. أما إذا كانت الضربة مصممة على إسقاط النظام أو إجباره على التراجع والعمل فوراً على نقل السلطة بشكل سلمي إلى حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، تعمل قبل كل شيء على عودة السوريين من منافيهم، ومن ثم التمهيد لبناء سورية جديدة تقوم على مبدأ المواطنة والعدالة والمساءلة والمصالحة الوطنية والغفران المتبادل وبناء اقتصاد جديد قوي يؤمن العمل والكرامة لجميع السوريين.

وإذا كان لا بدَّ من معاقبة الأسد، فلا يمكن ذلك أن يكون فقط لاستخدامه السلاح الكيماوي، وإنما لاستخدامه كل أشكال العنف الممنهج ضد شعبه، ولأنه أساساً ليس رئيساً منتخباً ولأنه دمَّر مقدرات بلده وحوّله إلى مشروع دولة فاشلة: باختصار لإحقاق حق السوريين في تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية.

لا يطلب السوريون منَّة. السوريون في الملاجئ والمخيمات، في الغوطة الشرقية التي أمطرها النظام بالموت الأصفر، في حمص والقصير وأريحا وحلب، التي قصفها النظام مؤخراً بقنابل النابالم، الواقعون تحت بطش النظام أو بطش وتسلط دولة الإسلام في العراق والشام، هؤلاء جميعاً لا يريدون منَّة أو صنيعاً من أحد. هم يطالبون بما يتعين على العالم فعله لتخليص العالم كلِّه من شر نظام فاجر، لا يقتصر شره على شعبه بل يتعداه إلى العالم بأسره.

لا يطلب السوريون، إذن، تأديب الأسد، ولا يسعون إلى انتقام رخيص يحكُّ على جروحهم من دون أن يداويها. وهم بالتأكيد لا يريدون أن يحلَّ أحد محلهم في عملية إسقاط النظام. يحتاج السوريون إلى موقف دولي واضح وصلب ولا هوادة فيه في حماية المدنيين وتجريد النظام من أسلحته المتفوقة، وبخاصة سلاح الجو، وليس فقط الكيماوية، والضغط بكل الأشكال، بما فيها القوة العسكرية، لإجبار النظام على تسليم مقاليد الأمور للسوريين الذين صوتوا بدمائهم ضد الرئيس الأسد ونظامه وتحالفاته الداخلية والخارجية.

 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أمام الضربة العسكرية: السوريون بين الخوف والرجاء

برهان غليون

الشرق الاوسط

الاثنين 2/9/2013

لا يمكن لأي إنسان أن يدافع، بأي اسم كان، أو تحت أي ذريعة، عن حماية نظام سياسي يستخدم السلاح الكيماوي، بعد ثلاثين شهرا من استخدام كل الأسلحة الثقيلة، من أجل إخضاع شعبه وكسر إرادته والبقاء في السلطة، من دون تغيير، بعد نصف قرن من حكم العنف والقهر.

يدفع الشعب السوري ثمن انعدام الثقة بالسياسات الغربية في الشرق الأوسط بشكل خاص، التي نادرا ما أخذت في الاعتبار مصالح الشعوب. وهذا ما يفسر موقف الخوف والحذر، وأحيانا الرفض والتشكيك بالنوايا، عند قطاعات واسعة من الرأي العام السوري والعربي والدولي أيضا.

ويدفع الشعب السوري الشهيد ثمن صعود مطامع الدول الاستعمارية الجديدة، وتكالبها على الحلول محل القوى الاستعمارية الغربية المتراجعة، وتحويل سوريا إلى منصة للهجوم على بقية الدول العربية. وهذا على ما يبدو هو وضع روسيا بعد أن تحررت من سياسة الاشتراكية والأممية ورشحت نفسها لتكون الدولة المنافسة لأميركا في تقرير جدول أعمال السياسة الدولية.

ويدفع الشعب السوري المنكوب أيضا ثمن الجبن والتردد وضمور الشعور الأخلاقي والتقوقع حول الذات وتنامي روح الأنانية عند الكثير من الدول المكونة للمجتمع الدولي، التي تخشى من مخاطر المشاركة في المسؤولية عن أي عمل جماعي قد يكلفها بعض التضحيات أو أن يقود إلى سقوط العديد من الضحايا.

ما كان للشعب السوري أن يجد نفسه في هذا الموقف الذليل، وأن يستجدي تدخلا من أي نوع، حتى من دون تغطية دولية قانونية، وأن يراهن، من أجل إضعاف نظام همجي نادر المثيل، على نتائج ضربة عقابية أميركية - فرنسية، تعرف نفسها منذ البداية بأنها محدودة وموضعية، وتفتقر للإجماع العالمي، ولا يعرف أحد حدودها ولا عواقبها، أقول ما كان الشعب السوري سيجد نفسه في هذا الوضع لو أن المجتمع الدولي قام بواجبه، كما تنص عليه مواثيق الأمم المتحدة، ونفذ بشكل جماعي ومتسق مبدأ مسؤولية الحماية، الذي يلزم المنظمة الدولية بحماية الشعوب المعرضة لجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، وهو ما تؤكد عليه تقارير منظمات حقوق الإنسان منذ أشهر طويلة. ولا كان السوريون سيعلقون كل هذه الآمال على ضربات عسكرية يتيمة لو نجح مجلس الأمن في اتخاذ القرار الذي كان ينتظر منه، وكان عليه أن يتخذه، تحت بند التدخل الإنساني، أو التضامن مع ضحايا استخدام السلاح الكيماوي.

لكن الرد على تعطيل مجلس الأمن والمنظمة الدولية من قبل الفيتو الروسي، والجبن الذي أصبح سمة ملازمة لحكومات ضعيفة أو فاشلة وفاقدة للصدقية في عيون رأيها العام في مختلف أرجاء العالم، لا يكون برفض أي شكل من أشكال التضامن، والاستسلام أمام الجريمة المنظمة، والتسليم بتعميم استخدام السلاح الكيماوي، ولا بالاستقالة السياسية والأخلاقية الجماعية، والاستمرار في مؤامرة الصمت والسكوت على ما يجري من انتهاكات أكثر من خطيرة وفاضحة ويومية لحقوق السوريين من دون استثناء.

لن تكون الضربة للنظام من دون ثمن بالنسبة للسوريين. ولا نعرف عدد الضحايا ولا حجم الأضرار التي ستتسبب بها. وسوف يدفع الشعب السوري ثمنا إضافيا كبيرا، بعد الثمن الهائل الذي دفعه حتى الآن، من حياة أبنائه ودمار دولته وتهديم منشآته وتحطيم وطنه.

لذلك لن يكون لهذه الضربة قيمة ولا فائدة إلا بمقدار ما تساعد على الحسم، وتنهي عذابات الشعب السوري ومعاناته الطويلة. لكن البديل عنها، سواء أكان ترك الأمور تسير كما سارت منذ ثلاثين شهرا، أو السماح لنظام الأسد بتحقيق نصر حاسم، ليس خيارا محتملا بأي حال. وكلاهما إجرامي ولا أخلاقي؛ فالأول يعني استمرار القتال بما يعنيه من مضاعفة أعداد الضحايا ودمار البلاد، والثاني يقود إلى تسليم شعب كامل مقيد اليدين والرجلين لانتقام طاغية همجي، يقتل أبناءه ويذبح أطفاله ويغتصب نساءه، من دون أي رادع من قانون أو عقل أو ضمير.

لا يزال من الممكن تجنب الضربات الأميركية - الفرنسية ومعها المزيد من الضحايا والدمار. لكن ليس بتمديد الوضع الراهن والاستمرار في الحرب والقتال والدمار، ولا بتسوية لم يعد لها أي أساس ممكن، سياسي أو أخلاقي، بين النظام والمعارضة. يستدعي تجنب الضربة الاعتراف بأن المرحلة السابقة قد انتهت، وأن لسوريا الحق في الانتقال الفوري نحو نظام جديد يعبر عن إرادة شعبها، ويستجيب لتطلعاته وآماله في حكم القانون، وفي الكرامة والحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية.

مهما كانت نتيجة الضربة التي يزمع التحالف الغربي توجيهها لدفاعات النظام السوري، ومهما فعل النظام للرد عليها، مباشرة أو بعد وقت، ومهما كان موقف روسيا والصين وإيران وغيرها من الدول، وبصرف النظر عن حجم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لنظام الأسد، تشير اللحظة إلى أن الأزمة السورية بلغت ذروتها، وأنها لن تنتهي إلا بنهاية النظام الذي كان في أساسها، وصانعها.

لكن إذا لم يكن من حقنا أن نحرم شعبا روَّعته خلال سنوات البراميل المتفجرة وصواريخ السكود ومدفعية الميدان، وأخيرا الأسلحة الكيماوية، من حقه في حد أدنى من المساعدة، إن لم يكن من التضامن الإنساني الكامل الذي حرم منه بسبب المصالح القومية الضيقة والمخاوف المختلفة، المشروعة وغير المشروعة، فمن حقنا أن نحذر الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، التي قوضت سياسات الأسد مصداقية سياستها ومركزها في الشرق الأوسط، من الوقوع في الفخ الذي نصبه لها النظام وحلفاؤه، بتحويل الشعب السوري إلى دروع بشرية، ونقول لهم إنهم أمام فرصة نادرة لاستعادة بعض الثقة التي فقدوها عند الرأي العام العربي، وإثبات أنهم قادرون أيضا على العمل انطلاقا من الحرص على مبادئ التضامن الإنساني وتأكيد احترام المواثيق الدولية وصدقية المنظومة الدولية.

أما لتلك الأطراف المتعددة التي تظهر اهتماما أكبر بمصالحها وبمكاسب قومية مضمونة، أو بمخاوفها السياسية أو بسبب ذاكرتها المحنطة أو مفاهيمها الموثنة، مما تبدى من التعاطف مع شعب يذبح منذ ثلاثين شهرا أمام أعينها، من دون دعم يذكر، فليس لدينا ما نقول سوى: الشعب السوري لن ينسى، وعاجلا أم آجلا، ستنتهي المأساة وتظهر تكلفة المواقف الأنانية والجبانة. فما عرفناه حتى الآن عن المأساة السورية ليس إلا الجزء البارز من جبل جليد سيهز خروجه إلى العلن ضمير الإنسانية جمعاء.

* رئيس المجلس الوطني السوري السابق

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*
سوريا والسلاح الكيماوي

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 1/9/2013

أعادت مجزرة الغوطة الأخيرة، والتي استخدم فيها السلاح الكيماوي ضد مواطنين عزل وأبرياء، إلى الواجهة موضوع السلاح الكيماوي في سوريا وفي المنطقة عامة، ولم تكن تلك العودة من خلال وقوع أعداد كبيرة من الضحايا على أهمية ذلك باعتباره كارثة إنسانية حلت بسوريا، بل أيضا بما جرته تلك الجريمة من تداعيات سياسية وعسكرية على سوريا والمنطقة والعالم. إذ فرضت على العالم أن يتوقف عن ضعف اهتمامه بما يجري في سوريا من عنف يقوم به النظام، وما تسبب في قيامه من عنف مقابل، أو عنف بالوكالة عن النظام، تقوم به جماعات متطرفة، تلبس قناعا دينيا أو قوميا.

كما فرض استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة على الحس الإنساني والأخلاقي، وكذلك على كل من الحس الأمني والسياسي، أن يستيقظ من غفوته، التي طالت واستغل النظام السوري طولها للمضي في أبشع عملية قتل وتدمير وتهجير أصابت بلدا وشعبا في العقود الستة الأخيرة، والتي كانت مجزرة الغوطة واحدة من محطاتها، باعتبارها شكلا من أشكال الإبادة الجماعية.

وانعكست الصحوة الأخيرة في ثلاثة مظاهر أساسية، أولها نهوض للرأي العام تعاطفا مع ضحايا المجزرة من جهة، ودعوات للوقوف في وجه النظام الذي استخدم السلاح الكيماوي، والثاني تحركات سياسية لمعالجة الوضع المتفاقم في سوريا جراء استمرار سياسات النظام وتصعيده لحرب القتل والتدمير والتهجير ضد السوريين، والأمر الثالث الذهاب نحو ضربة عسكرية لمراكز القوة والسيطرة لدى النظام الحاكم، يكون في أهدافها معاقبته، ومنعه من تكرار البهجمات الكيماوية، وإجباره على الذهاب ضعيفا إلى تسوية سياسية في البلاد.

وكما هو واضح في كل مظاهر الصحوة، فإنه لم يتم طرح مستقبل السلاح الكيماوي في سوريا، الأمر الذي قد يعني إمكانية استخدامه مجددا، إذا جاءت ظروف تقارب أو تتماثل مع ظروف استخدامه الحالية من قبل النظام، وربما تجري استخدامه من قبل جماعات متطرفة بهدف تحقيق أهداف وغايات تخصها على نحو ما فعل النظام، وقد استخدم هذا السلاح أكثر من ثلاثين مرة في العامين الأخيرين، سقط بنتيجتها آلاف الضحايا في العديد من المدن والقرى السورية، قبل أن نصل إلى مجزرة الغوطة، وهو أمر مؤكد وفق تحليلات مخبرية، تمت في العديد من الدول بينها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

ويفرض هذا الوضع في الأول من ضروراته إطلاق موقف سوري قوي وحاسم من السلاح الكيماوي باعتباره هدد ويهدد حياة السوريين ومستقبل بلادهم، وأنه كان كذبة كبرى صنعها النظام، تقوم على فكرة أن السلاح الكيماوي يشكل قوة ردع في وجه احتمالات العدوان الخارجي لا سيما الإسرائيلي على سوريا والسوريين، لكنه في الواقع أصاب السوريين دون غيرهم، وأن المخاوف من استخدامه ستظل ماثلة في حال توافرت قوة حاكمة تشبه السلطة الحالية وبيئة مناسبة، تقارب البيئة الإقليمية والدولية، التي سادت منذ انطلاق الثورة وحتى مجزرة الغوطة.

كما أنه لا بد أن يستند الموقف السوري ضد السلاح الكيماوي إلى المعطيات الدولية القانونية والسياسية، التي ترى فيه سلاح تدمير شامل، يقع في دائرة المحرمات، التي لا يجوز الذهاب إلى استخدامها، وهذا يفتح باب الربط ما بين السلاح الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل الأخرى ومنها الأسلحة النووية، التي لا بد أن يكون للسوريين موقف معارض لها خاصة لجهة وجودها لدى إسرائيل، التي تحتل أرضا سورية، وقد شردت معظم سكانها، وجعلت بعضهم تحت الاحتلال، وسعت إلى فرض الجنسية الإسرائيلية عليهم، ولا بد أن يعارض السوريون المشاريع النووية العسكرية في المنطقة على نحو ما هو عليه حال المشروع الإيراني، خاصة في ضوء تدخل إيران في الشؤون السورية ولعبها دور الداعم الرئيس السياسي والعسكري والاقتصادي للنظام السوري في معركته ضد الشعب خاصة من خلال إرسالها الخبراء والجنود والأسلحة والذخائر، ودفعها أنصارها من حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية للقتال إلى جانب النظام في سوريا.

إن الجوهري في موقف السوريين في مواجهة السلاح الكيماوي وكل أسلحة الدمار الشامل ينبغي أن يقوم على منع تصنيعها وحظر تداولها، ومنع استعمالها، ثم معاقبة كل من يأمر باستعمالها، أو يكون في عداد منفذي الهجمات، بل من الضروري أن يذهب الموقف السوري إلى المساعدة في حملة دولية قوية وفعالة خاصة من موقعهم كضحايا من أجل حظر أسلحة الدمار الشامل وضمنها السلاح الكيماوي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا التي تُصر على الحياة

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 1/9/2013

سوريا التي تُصر على الحياة"صباح الخير. نحن بخير، كانت ليلةً صعبة وما زال الضرب علينا شغّالًا. ادعو لنا قد نموتُ في أي لحظة"..

هذه هي الرسالة المُختصرة التي وصلت صباح الجمعة من إحدى القريبات الرابضات على إحدى ثغور الجبهة في سوريا: الغوطة.

القريبةُ، وسأناديها (سوريا)، تعمل منذ أكثر من عام ممرضةً مع الطواقم الطبية في تلك المنطقة، بعد أن هجرت كل اهتماماتها وانخرطت في دورة تمريضٍ ميدانية في ذلك الوقت لتتفرغ للعمل في هذا المجال.

يوم الأربعاء الأسود، شاءت الأقدار أن تنجو عائلتُها من الموت لأنها صعدت، لسببٍ ما، إلى أعلى طابقٍ في البناء. "أما الذين نزلوا إلى القبو والملاجئ فلم ينجُ منهم أحد" قالت سوريا: "لأن الغاز ثقيل ويكون أقرب إلى الأرض". لكن سوريا نفسها أبت إلا أن تضع كمامتها وتهرع إلى الشوارع لإسعاف من يمكن إسعافهُ من المصابين. ولذلك، لا يزال صدرها يحرقها بشدة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم الحزين، وقد صغُر بؤبؤ العينين لديها بدرجةٍ تُتعب نظرها إلى حدٍ كبير.

رغم هذا، ورغم طلبها بأن ندعو لها وللأهل جميعًا لأنهم قد "يموتون في أي لحظة"، لا تزال سوريا تعمل مع الطواقم الطبية إلى لحظة كتابة هذه الكلمات.

لا تزال سوريا مصرةً على الحياة، ولا تزال مصرةً على أن يبقى الناسُ أحياء.

لا يحصل هذا خوفًا من الموت، فالموتُ في بلادي اليوم أسهلُ بكثير من الحياة، وهو أقصر طريقٍ للراحة الأبدية. وإنما يحصل لأن سوريا، قريبتي، ولأن سوريا، وطني، يرفضان ببساطة الاستسلام.

قَدَرُ سوريا أن تعيش.

قدرُ سوريا أن تُغالب.

قدرُ سوريا أن تدافع عن مستقبلٍ أفضل لأبنائها، ولكثيرٍ من بني البشر.

قدرُ سوريا أن تقاوم لتكون في مكان القلب من دورة ٍحضاريةٍ إنسانيةٍ جديدة على مستوى العالم، انطلقت شرارتها من الربيع العربي، والثورة السورية تقع في مركزها الحساس.

وكلُّ من لا يستطيع النظر إلى ما يجري على هذا المستوى لن يتمكن أبدًا من فهم هذه الظاهرة.

منذ عامٍ على وجه التمام صدر تصريحٌ من سوزان رايس سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة، في ذلك الوقت، تتخوف فيه من أي تدخل عسكري بدعوى أن نظام الدفاع الجوي السوري "يُعتبر من الأكثر تطورًا في العالم"!..

ومنذ عامٍ على وجه التمام قلنا ما يلي:

ثمة درجة من النفاق الدولي فيما يخصُّ الثورة السورية لا تتجاوز فقط حدود العقل والمنطق، بل إنها باتت تدخل في خانة (الاستغباء) للسوريين، بشكلٍ لا يجوز أن يبقى مقبولًا من جميع شرائحهم على جميع المستويات وفي جميع المجالات.

فمن يقرأ التصريحات عن نظام الدفاع الجوي السوري (المُخيف)، يُخيّلُ إليه أن الحديث يجري عن قوى عُظمى، وليس عن نظامٍ سياسيٍ مهترئ ومنخورٍ بالفساد أفقدته الشرعيةَ صدورٌ عارية وصرخات حناجر تُطالب بالحرية، وفقدَ سيطرته على كثيرٍ من أنحاء البلاد بأسلحةٍ خفيفة تحملها أيادٍ تؤمن بقضيتها العادلة.

أكثرَ من هذا، يعتقد من يسمع التصريح أنه يصدر عن جمهورية موز لا حول لها ولا قوة، ولا تملك من القدرات العسكرية المتطورة ما يُمكّنها من جعل النظام السوري يتردد ألف مرةٍ في القيام بما يقوم به بمجرد التلويح باستخدام تلك القدرات، ولو من خلال تحرّكات بسيطة على الحدود البرية والبحرية.

ومن يقرأ تحذيرات الدول الغربية عن إمكانية حصول مذابح في حلب يظنّ أيضًا أنها تصدر عن قوىً هامشية ليس لها وزنٌ ولا تأثير، ولا تملك عمليًا أن تقوم بأي شيءٍ يمنع حصول مثل تلك المذابح، وأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو المناشدة والمُطالبة والتحذير!..

هزُلت.

هذه هي الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تصف باختصارٍ الموقف الدولي.

قلنا هذا بالأمس. أما اليوم، فهناك حديثٌ عن (ضربة).

حسنًا، لا نعرف إن كانت الضربة ستحدث أم لا. ولا نعرف، إن حدثت، تأثيرها مع التأكيد والإصرار الذي نسمعهُ على أنها ستكونُ ضربةً محدودة، وعلى أنها لا تهدف لإسقاط النظام!

لكن ما نعرفه أن الشعب السوري الذي بدأ هذه الملحمة سيكون في النهاية صاحب القرار في تحولاتها ومصيرها. وأن المسؤولية تقع على المخلصين من أبناء سوريا ليقوموا بكل ما يجب القيام به حتى تبقى مصرةً على الحياة وعصيةً على الاستسلام.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الكيماوي السوري والإنجاز الانتحاري

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 1/9/2013

يأبى مراقبون كثيرون طرح السؤال عن أسباب استخدام النظام السوري للكيماوي بهذه الكثافة والهول في الأسبوع الماضي. فمن وجهة نظر هذا الفريق، فإن أفعال النظام الأخرى طوال عامين ونصف العام لا تقل هولًا وفظاعة وإجراماً. ومع ذلك، ما الذي دفعه -وهو في حالة مقبولة خلال الشهور الأخيرة- إلى الضرب بالكيماوي الآن، وبخاصة أن وسائله الأخرى ليست أقل هولاً ونجاعة. وإذا كان الرهان على قتل أكبر عدد ممكن من الناس في مساحة محددة، فإن النتيجة هذه (1300-1400 قتيل) كان يمكن تحقيقها بدون الكيماوي في أربعة أو خمسة أيام!

ويذكر مراقبون آخرون، عرب وأجانب، لذلك عدة احتمالات تتجاوز التعجب والاستغراب. وأول هذه الاحتمالات عجز النظام السوري وداعميه من «حزب الله» والعراقيين والإيرانيين عن إنجاز تقدم حقيقي في ريفي دمشق الشرقي والغربي. إذ خلال الشهور الأربعة الماضية أحرز النظام تقدماً في ريف حمص، وفي حمص نفسها، وفي وادي النصارى المُحاذي والمتداخل مع الساحل العلوي. لكنه ما استطاع التقدم في ريف دمشق رغم الجهود الجبارة. فحتى حي القابون والسيدة زينب، وفيهما من المقاتلين ألوف وألوف من سوريا ولبنان والعراق واليمن (الحوثيين) ما أمكن لهؤلاء جميعاً التقدم فيهما. والمعروف أن ريف دمشق الشرقي مُحاذ للحدود اللبنانية، وكذلك جزء من الغربي. وهذا يعني أن الإمداد سهل، وأن المقاتلين عندهم دوافع دينية وحوافز. فقد زعم لهم الأمين العام لـ«حزب الله» أنهم يقاتلون التكفيريين لحفظ المقامات المقدسة وميراث آل البيت. لكن رغم ذلك كله ما استطاع هؤلاء جميعاً التقدم في مواجهة مقاتلي المعارضة. وقد يكون ذلك دفع الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة (وقد أُنهكا) لمحاولة إبادة خصومهم بهذه الطريقة عبر هجمات متكررة ومتكاثفة بالكيماوي.

ويضاف إلى هذا الاحتمال احتمال آخر مكمِّل له. وهو أن الشائعات كثرت منذ شهرين، بأن هناك إعداداً عسكرياً كبيراً في منطقة درعا- دمشق. وكانت هذه الجبهة قد تحركت مطلع هذا العام، لكن الحركة أُوقفت بدعم من «حزب الله» الذي استعاد خربة غزالة وبُصرى الحرير ومناطق أُخرى. الشائعات الآن تقول إنّ هناك احتمالاً كبيراً لتجدد الحملة فيما بين الحدود الأردنية وريف دمشق في شهر سبتمبر. وربما لذلك أراد النظام قَطْع الطريق عبر محاولة استعادة ريف دمشق بأي سبيل، وذلك قبل حلول شهر سبتمبر. ولست أدري مدى صحة هذا الاحتمال، بيد أنّ بعض الإعلاميين الخبراء قالوا لي ذلك.

وإذا كان «الخبراء» قد نصحوا باستعادة ريف دمشق بأي سبيل، أفليس بين هؤلاء من الروس والإيرانيين من يعرف أن استخدام الكيماوي يمكن أن يكونَ خطِراً؟ بالطبع فإنّ الروس يعرفون هذا الاحتمال جيداً، ولا شك أنهم نصحوا بعدم استخدامه، وقالوا إنهم لا يستطيعون الدفاع عنه. لكن السوريين الأسديين والإيرانيين يمكن أن يكونوا قد قدّروا أن استعمال الكيماوي حدث قبل ذلك مراراً وما حدث شيء، ولن يحدث شيء هذه المرة أيضاً. وعلى أي حال، بعد الضربة الأولى ننتظر أياماً ثم نرى متى نستعمل الدفعة الثانية والثالثة حتى لا يبقى أحد على قيد الحياة. وقد تبين بعد الضربة الأولى أن الإصابة ما كانت إبادية، فقد وقعت على مناطق غير حصينة، فيها الكثير من النساء والأطفال. ولولا السخط الدولي لربما عاد النظام بسرعة إلى استخدام الكيماوي في أماكن أخرى يستطيع بها الإضرار أكثر بالمواطنين!

ويأتي أخيراً الاحتمال الثالث. وهذا الاحتمال يشبه المؤامرة وعقليتها، ولذا فالذي أراه أنه غير مرجَّح. وهو أنّ انقساماً وقع ضمن المعسكر الواحد، ربما بين الأسد وأخيه ماهر. وماهر غَضوبٌ ومتطرف. إنما الخلاف على ماذا؟ ليس على استخدام الكيماوي بالطبع، بل ربما لأن الأسد يريد الدخول في جنيف-2 أو إحدى صيغها الممكنة ولو للإيهام. إنما مع الدخول إلى التفاوُض ولو على سبيل التمويه، سوف يخسر فريق. لأن التفاوض يتلوه وقف لإطلاق النار، ودخول في المرحلة الانتقالية. وبذلك يصبح الفريق الذي يريد القتال للنهاية هو الفريق الخاسر. وهو بالفعل كل أو بعض آل الأسد. وهكذا فإن ماهر( وربما معه الجنرال سليماني الإيراني) هما اللذان أطلقا العاصفة الصاروخية، لإبادة الخصوم، وإغضاب المعارضة بحيث لا تُشارك. وإزعاج الروس الذين بدأوا يشعرون بالخيبة وحرق الأوراق دون نتيجة ما داموا لا يستطيعون إيقاف القتال إذا توافقوا أو تقاربوا مع الأميركيين!

ثم إنه قياساً إلى التصرفات السابقة لكلٍ من الأميركيين والروس والأوروبيين، فقد كان بوسع ماهر الأسد والإيرانيين الاعتماد على تخاذل كل تلك الجهات أو مصالحها المتناقضة. فالروس ما يزالون يربحون بالمماطلة، وقد استفادوا من ذلك في عدة ملفات كانوا يريدونها من الأميركيين. والأميركيون لا يريدون الخروج على استراتيجية أوباما مهما كلّف الأمر، وهي استراتيجية تريد الاعتماد في وجهتها على مناقضة بوش الابن، وعدم تكرار ما حدث في أفغانستان والعراق، وإفلاس عام 2008. وقد بلغ من استنامة أوباما إلى درجة قول السناتور ماكين: لو غُزينا في ديارنا لما صدّق الرئيس، وبالتالي سيعتذر بعدم العلم لعدم اتخاذ قرار! وقد كانت وقائع أُخرى غير واقعة سوريا ذات دلالة لهذه الناحية. فالجاسوس سنودن ما وجد مأوىً إلا في روسيا. ورغم ذلك ما استطاع أوباما الغضب إلى النهاية. بل سُرعان ما تراجع وقال إنه سيجتمع ببوتين على هامش مؤتمر الدول العشرين!

لقد استطاع أوباما الاستناد إلى رأي الغالبية الشعبية في أمرين: عدم مساعدة الإرهابيين على الإرهابيين، فكلاهما خطِر على مصالح الولايات المتحدة، وإن يكن إرهاب «القاعدة» أفظَع وأكثر ضرراً من إرهاب إيران ونصرالله! لكنه في مسألتي التجسس والكيماوي السوري، ما عاد يستطيع الصمت أو التجاهل. فحادثة سنودن تدل على استخفاف روسيا الكامل بالولايات المتحدة. وإصرار موسكو على عدم التوافق حتى حول الكيماوي، دليل خطير على إمكان العودة للحرب الباردة، حينما كان كلٌّ من الجبارين يعيّر الآخر ويخاصمه حتى في لون شوارعه ومحطاته! ويمكن طمأنة الداخل والخارج (والداخل قبل الخارج) أن أميركا لن تدخل في حرب مفتوحة وطويلة، وإنما هي حرب مقيدة بيوم أو يومين. ويمكن أن تُترك معالجة بقية الأزمة لبعض الحلفاء الأوروبيين! وإذا حصل ذلك فإن أوباما يكون قد حقّق هدفين: حفظ ماء الوجه، وعدم التورط في حرب مفتوحة بالفعل!

تبدو فرنسا تصعيدية أكثر مما تتحمله قواها العسكرية. وتبدو بريطانيا خبيثة أكثر مما تحتمله وسائل الإعلام المعاصرة. وتبدو الولايات المتحدة أقوى بكثيرٍ مما تحاول إخفاءه، وكأنما هي أضعف دولة. وقد كان يكفيها من قبل أن تشير، لكنها الآن لا تُصدَّق وإن ضَربت! فسبحان المغيِّر الذي لا يتغير!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com