العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08/07/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

حجر الزاوية في إسقاط نظام بشار

2012-07-04 12:00 AM

الوطن السعودية

مثل مؤتمر المعارضة السورية الذي اختتم أعماله في القاهرة أمس، برعاية الجامعة العربية وبحضور 250 شخصية تمثل مختلف الاتجاهات، فرصة عظيمة لتوحيد الرؤى بشأن مستقبل البلاد. ولعل الأولوية الآن تتمثل في تعزيز النسيج الوطني لقوى الثورة خاصة، وتعزيز التواصل مع الجيش الحر في الداخل وتأمين الدعم لهذا الخيار. فالصراعات القائمة بين تيارات المعارضة يجب أن تتوقف على الفور، وأن يتسامى الجميع فوق الصغائر، لأنهم يواجهون عدوا باطشا يستثمر خلافاتهم لتكريس قبضته وقمعه للمدنيين الذي يدفعون الآن الثمن سواء في المدن المحاصرة أو في مخيمات النزوح في دول الجوار.

إن التجاذبات بين فسيفساء المعارضة، لا تصب في مصلحة الثورة، بل على العكس من ذلك، تؤثر سلبا على ما تحقق سواء على الصعيد الميداني الداخلي من إنجازات عسكرية حققها الثوار على الأرض، أو ما تحقق خارجيا من خلال الحراك الدولي الرامي للضغط على نظام بشار، ومن ثم فإن من المؤمل أن تنجح المعارضة في تفادي الانقسام والتشرذم، وأن تستجيب للدعاوى العديدة لتوحيد صفوفها وإيجاد كيان جدير بالثقة يكون بديلا محتملا لحكومة الأسد.

لا يخفى على فصائل المعارضة، أن استمرار الخلافات وبعد 16 شهرا من الانتفاضة سيقوض الآمال في نيل اعتراف دولى واسع، أو في الحصول على أكثر من مجرد دعم أجنبي محدود.

فصائل المعارضة تعلم ـ أكثر من غيرها ـ أن التضحيات الجسيمة التي يقدمها الشعب السوري الصامد، أكبر من أي خلافات أو مصالح ضيقة.

إن نجاح مؤتمر القاهرة سيحقق عددا من الأهداف، في مقدمتها التوصل لرؤية موحدة للمبادئ الديموقراطية التي ستقوم عليها سورية الجديدة، إضافة إلى الاتفاق على خارطة طريق للانتقال من الوضع الحالي والتوصل إلى آلية لمتابعة تنفيذ نتائج المؤتمر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الانتفاضة والممثّلون

حسّان القالش *

الأربعاء ٤ يوليو ٢٠١٢

الحياة

ربّما لم يجتمع السوريون على محبّة شيء، غير سياسي، كما اجتمعوا على محبّتهم لمسلسلاتهم الدراميّة. هذه المحبّة التي بدأت تأخذ حيّزاً من الوعي العام بالهويّة الوطنيّة منذ مطلع القرن، خصوصاً بعدما تأكّدوا من الموت النهائي للحياة السياسية وآمال المشاركة فيها.

وما زال كثيرون يذكرون كيف كانت أجهزة النظام تمنع اقتناء صحون الأقمار الاصطناعية، التي بدأت الانتشار في أواسط التسعـــينات، وما سمح النظام بها إلا لاعتقاده بأنها واحدة من قنوات تصريف الكبت، تُلهي الناس عمّا يفعله في البلاد.

ولئن أدخلت هذه الصحون نشرات أخبار غير تلك الرسمية التي نفر منها الشعب واحتقرها وسخر منها، فقد فتحت، عبر الفضائيات الكثيرة مجالاً واسعاً للســـوريين ليوصلوا إنتاجهم الدرامي إلى العالم العربي وربما أبعد، ومن ثمّ معرفة كيف يتقبــــّل العالم الصورة التي ينقلها إنتاجهم عنهم، وفي ما بعد، ملاحظة انتشارهم عبرها، انتــــشار صورهم وصور شوارعهم وهــمومـــهم وآلامهم وظُــــرفهم وطريقة عيشهم ولهجاتهم. وكانت صنعة التّمثيل، باختصاصاتها الكثيرة، آخذة في الصّعود في ذاك الوقت، وتشهد إقبالاً شبابيّاً عليها، لتشكّل إحدى توجهاته المستقبليّة.

على أن هذا الخيار المستقبلي، الذي جمع ب

ين الفنّي والاجتماعيّ، يبدو أنه شكّل أحد الطرق القليلة التي صرّف فيها الشباب، ومعهم بعض النخب الثقافية، تَوقهم إلى المشاركة السياسية والعمل العام. فبدى الانخراط في التمثيل ودراسته وكأنّه شكل من أشكال التحزّب المبطّن، وهو ما أفرز مع الوقت أشكالاً مختلفة من الجماعات الفنيّة، ضمّت أشخاصاً منسجمين فنيّاً، إضافة إلى انسجامهم نسبيّاً في الرؤية السياسية وتحليل واقع البلاد. وبهذا تكوّنت حالة فنيّة اجتماعيّة أخذت تُناور أجهزة النظام الرقابيّة، وتحاول أن تقول ما لا يقال عن سورية والسوريّين. لكن النظام نفسه لن يتأخر في سعيه لتدجين هذه الحالة ومحاولة استمالتها، وسيتقرّب من بعض رموز العمل الفنّي والدرامي ويوهمهم بالدعايات الإصـــلاحيّة ومــشاركتهم همومهم الوطنيّة.

والحال أن جماهيريّة هذه الحالة الفنيّة وعلاقات بعض رموزها بالسّلطة أدّت إلى زيادة الطلب على الرأي السياسي للعاملين والمنخرطين فيها، وهذا ما تبيّن منذ بداية الانتفاضة، عندما سيق كثير من الفنانين إلى وسائل الإعلام الرسمية ليظهروا دعمهم للنظام وتحقيرهم لانتفاضة الشعب، والضغط والابتزاز الأمنيّين على من رفض المشاركة في هذه الجريمة الأخلاقيّة.

وهنا ظهر نوعان من الفنانين: من خانوا ماضيهم، أو الصورة الأيقونيّة التي رسمها لهم الناس كناطقين باسمهم ومعبّرين عنهم... ومن طوّروا طريقة تمثيلهم لأبناء وطنهم ووقفوا مع الانتفاضة، أمثال فارس الحلو وأسامة محمد وهيثم حقي ومي سكاف وفدوى سليمان وليلى عوض ولويز عبدالكريم وكثيرين ليس آخرهم جمال سليمان.

وقصارى القول إن ما قدّمه هؤلاء الفنّانون للانتفاضة يوازي ما قدّمه مثقّفو الانتفاضة وكتّابها ومدوّنوها، إن لم يكن تفوّق عليهم في المجال الدعائي، ذاك أن هؤلاء شكّلوا عنصر إلهامٍ وتحدٍّ بالنسبة الى شباب الانتفاضة، الذين أذهلوا العالم بإبداعاتهم ومبادراتهم وأساليب نشاطهم السّلمي. فلا عجب أن يغتاظ النظام من فنون الدراما والسينما ويراها جزءاً من المؤامرة الكونيّة ضدّه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العلويون والثورة السورية

علي ملحم *

الأربعاء ٤ يوليو ٢٠١٢

الحياة

تتطابق تقديرات شخصية قمت بجمعها مع تقديرات لعدد لا بأس به من النشطاء الذين التقيتهم داخل السجون السورية وخارجها، عند حقيقة مفادها: أن معتقلي الطائفة العلوية يشكلون النسبة الثانية الأكبر بعد معتقلي أهل السنة في سجون نظام الأسد. ففي فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية، والذي قضيت فيه ما يقارب الثلاثة أشهر اجتمع في إحدى المرات حوالى الستين معتقلاً في غرفة واحدة، كان من بينهم ستة علويين أي ما نسبته 1 إلى 14، في حين لم يوجد سوى معتقل إسماعيلي واحد ومعتقلين اثنين من الطائفة المسيحية، وهذه النسبة تتوافق مع النسبة السكانية للتوزيع الديموغرافي في سورية.

تعد هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق صادمة لكثير من السوريين والمراقبين للشأن السوري، وبخاصة عندما نرى هذا الكم الكبير من الترويج الإعلامي من أن أبناء الطائفة العلوية قد تحولوا بغالبيتــهم إلى شبيحة أو رجال أمن وعملاء للنظام.

بالإضافة للمغالطة التي يتم ترويجها إعلامياً حيال مشاركة العلويين في الثورة السورية، هناك مغالطة ثانية تعتبر من وجهة نظري أهم وأكثر صدماً للجمهور من الأولى.

ففي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن الشبيحة والتشبيح وعلاقتهم بالعلويين، يتم تجاهل أن النسبة الأكبر منهم هم من أبناء الطائفة السنية. فمثلاً يتم التطرق للحديث عن شبيحة قرية القبو ذات الأغلبية العلوية، وهم حقيقة لا يتجاوزون الخمسين شاباً، في حين يغفل الإعلام الحديث عن شبيحة قرية القمحــانية ذات الأغلبية السنية والتي يتجاوز عددهم المئتين.

بالإضافة إلى أن معظم شبيحة حلب هم من السنة وتحديداً من آل بري، كذلك الحال في دير الزور والمنطقة الشرقية. كما يتم تجاهل حقيقة خطيرة أخرى، وهي أن معظم ممولي الشبيحة هم رجال أعمال من الطائفة السنية من أمثال الغريواتي وحمشو وجود.

على الرغم من هذه الحقائق المخالفة لما يتم الحديث عنه إعلامياً، تبقى هناك حقيقة مركبة حيال علاقة العلويين مع النظام من جهة وعلاقتهم مع الثورة من جهة ثانـــية. فمما لا شك فيه أن نسبة كبيرة من العلويين تصطف إلى جانب نظام الأسد وهذا له جذوره التاريخــــية والسياسية والدينية، إلا أنه من المؤكد أيضاً أن نسبة لا يستهان بها من العلويين هم من أشد المعارضين للنظام السوري وقد تحملوا ويلات كثيرة جراء موقفهم هذا.

فارتباط العلويين بالنظام الأسدي يعود إلى تضليل روّجه رجالات حافظ الأسد بين أوساط العلويين من أن أبناء طائفتهم قد تعرضوا خلال القرون الماضية لمجازر وعمليات تهجير قام بها أهل السنة حيالهم، وهذه حقيقة مغلوطة بشكل كامل. فتاريخ المنطقة بأسرها لا يذكر وقوع مثل هكذا أحداث، وإنما يتطرق فقط إلى مجازر وعمليات التهجير التي شنها العثمانيون ضد الأقليات بشكل عام في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

أما الجذور الســـياسية للمــسألة العلوية فتكمن في الوضع الطبقي الذي رزح تحته أبناء هذه الطائفة خلال القرن العشــرين وبعد الاستقلال، مما أبعد الكثير من أبنائها عن المشاركة في الحياة السياسية الســورية وبخاصة في فترة الديموقراطية الذهبية التي عاشتها سورية في الخمسينات.

أما الجذور الدينية فهي تعود إلى عهد قريب جداً لا يتجاوز العقدين أو الثلاثة. فخلال هذه الفترة التي تتوافق مع الفترة التي تمكن خلالها حافظ الأسد من قمع كل أشكال المعارضة في المجتمع السوري مع بداية التسعينات، بدأت الطائفة العلوية تدخل فترة تحول في شكل رجالاتها الديني، فافتقدت الطائفة أهم رجالاتها ومشايخها التقليديين (كان آخرهم الشيخ حيدر عبود الذي توفي مع بداية الثورة السورية)، وأخذ يطفو على السطح مشايخ جدد هم بالأصل رجال أمن وضباط جيش ومخابرات تقاعدوا أو شارفوا على التقاعد، استأثروا بالتعاليم الدينية وصاغوها حسب أهوائهم وأخذوا بتلقينها للشبيبة الناشئة، فشكلوهم وفق بنية تمازج فيها الطابع الأمني المخابراتي مع الواجب الديني والتقديسي لرجالات نظام الأسد.

والآن تقف الثورة السورية أمام ضرورات ملحة جداً، تتمثل أولاً في قدرتها على تجاوز كل هذه الأجندة الإعلامية المضللة في سبيل إعطاء الصورة الحقيقة لها، وتتمثل ثانياً في قدرتها على انتزاع أبناء الطائفة العلوية من براثن آل الأسد ونظامه ودفعهم للانخراط في الفعل الحقيقي للتغير الذي يشهده وطنهم التاريخي سورية. فهل الثورة السورية وثوارها (علويون وسنة ودروز وإسماعليون ومسيحيون وأكراد...) قادرون على تجاوز ذلك؟ أعتقد أن هذا منوط أولاً وأخيراً بالشباب الســوري الذي يقود الثورة في الداخل حقاً وحقيقة، ويدفعه توقه للحرية إلى التضحية في لحظة من اللحظات بكل ما يملك وإن كان حياته.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحولات السياسة والثقافة في سوريا

شمس الدين الكيلاني

المستقبل

4-7-2012

عانت الحياة الثقافية في سورية، العديد من الاحتباسات، والاحتجازات، كان في مقدمها هيمنة الشاغل السياسي، على موضوعاتها، وتساؤلها، منذ ما سمّي عصر النهضة، وتزايد هذا الشاغل مع وقوع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، وتأسيس الدولة السورية الحديثة، إذ غدا الاستقلال وبناء الدولة، وصورة العلاقة العربية، هي المؤرق الرئيسي للفكر، لكن الاحتباس الحقيقي للثقافة، سيلازم حقبة تفرّد البعث بالسلطة، ومصادرته للحياة السياسية، فإذا كانت الثقافة كإبداع للمعنى وللأفكار، قد تشاغلت في المراحل الأولى بالسياسة ومسائلها، من موقعها المستقل عن السياسة والسلطة، فإنها في حقبة البعث، خضعت هي نفسها (لسياسة) السلطة، وخططها، فكانت النتيجة انحطاطا شاملا لها.

الحقبة الليبرالية

خضعت سورية، منذ قرنين، مثل بقية العرب، لزمن ثقافي نوعي واحد، تشابكت فيه صلاتها بالثقافة الغربية، واكتشف مثقفوها تقدم الغرب وتخلفهم، فطرحوا على أنفسهم سؤال النهضة، لماذا تقدموا وتخلفنا؟ فقدموا إجابات مختلفة حملتها: الإصلاحية الإسلامية، والتياران الليبرالي والقومي، إلا أن هذه التيارات، بما فيها الإصلاحية الإسلامية، اتفقت قبل أن تبتلى بالاستعمار المباشر على ضرورة التجديد والاقتباس من الغرب، وعلى ضرورة الحكم الدستوري فشهدت هذه الحقبة انتعاشاً للحياة الثقافية، من موقعها المستقل عن السلطة، وعن المستوى السياسي، رغم تشاغلها بالأسئلة السياسية الكبرى، وشكلت أجوبة عبد الرحمن الكواكبي عنواناً بارزاً لهذه المرحلة.

تغير الأمر بعد الاجتياح الغربي ومعه المشروع الصهيوني. تصلب الموقف تجاه الآخر، وثقافته. احتل هاجس (الهوية) مقدمة المسرح الثقافي في مواجهة الوجه الاستعماري للحداثة، وتصاعد التأكيد على (المسألة الثقافية)، والخوف على الهوية، فشهدت سوريا في الثلاثينيات ولادة السلفية تحت تأثير صفحات (المنار)، وأفكار رشيد رضا، كنواة لولادة الحركة الأخوانية في الأربعينيات، التي أعلنت القطيعة الثقافية مع الغرب، وإلى جوارها شدّد القوميون الإيديولوجيون الجدد على "الأصالة" والمعاصرة، والخصوصية الثقافية، واستنفدوا طاقاتهم الفكرية على إثبات وحدة الثقافة كعنصر جامع للأمة، أما التيار الليبرالي فكان أكثر انفتاحاً، لا سيما أنه أصبح نافذاً بحكم مشاركته في بناء الدولة الحديثة في ظل الانتداب، ثم في زمن الاستقلال، فقد شدّد على الجانب الفردي للحرية، وعلى الليبرالية الاقتصادية، أكثر من تشديده على المشاركة، والمفاهيم الديموقراطية الأخرى، أما الماركسي فقد استعار النقد الاشتراكي لنقد الوجه الاستعماري للحداثة، والتأكيد على النزعة الأممية، لكن الجميع، إذا استثنينا التيار الليبرالي، لم يفكروا بالدولة الواقعية وبتطوير عملها وتحديث آلياتها، أكثر من تفكيرهم بالدولة الطوبى. فكّر الإسلامي بدولة الشريعة، أو بدولة الخلافة، والقومي بالدولة الأمة، والاشتراكي بالدولة البروليتارية، ولا سيما أن المفكر القومي، والإسلامي لم يتعاملا مع (الكيان السوري) بجد، إذ نظرا إليه على أنه محطة مؤقتة، أو جسر لكيان أكبر (الدولة العربية)، الدولة الإسلامية، وكان لهذا التطلع السياسي الكبير، موقعه المركزي في الإنتاج الثقافي لهذه الحقبة، لهذا فإن سوريا وإن أنجبت في مجال الشعر والأدب شخصيات مهمة أمثال نزار قباني، وأدونيس، وعمر أبو ريشة، وعبد السلام العجيلي، وزكريا تامر، وحنا مينه، وفي الفنون التشكيلية أمثال المدرس والكيالي، وقشلان إلا أنها لم تقدم مؤرخين كبارا في التاريخ السوري كجمال حمدان في مصر، والعلي والعزاوي في العراق، وفيليب حتي وألبرت حوراني في لبنان، أو مفكرين اجتماعيين وصانعي أفكار، أمثال طه حسين، وزكي نجيب محمود، وأحمد أمين، غير أنها تفردت في تقديم أبرز المفكرين القوميين العرب وأشدهم تأثيراً ساطع الحصري، ميشيل عفلق، قسطنطين زريق، زكي الأرسوزي.

وعلى الرغم من سيطرة الأسئلة السياسة الكبرى، على الثقافة، إلا أنها ظلت مستقلة، عن سيطرة السلطة، والسياسي، وأكدت حضورها كفاعلية حرة لإبداع المعنى، والفكر، ومارست هيمنتها على ميدان السياسة، وعلى السلطة، وعلى الدينامية الاجتماعية، وعلى سلوك الأفراد والجماعات، واستطاع المثقفون السوريون، أن يساهموا، مع غيرهم من المثقفين العرب، في إنتاج ما يمكن اعتباره ثقافة عربية جامعة، وبلورت أهدافا كبرى للجماعة العربية في النهضة والوحدة والتقدم، وفي إيضاح الخطاب الثقافي للأيديولوجيات السياسية، وأنجزوا كثافة في التأليف تدعو إلى التبصر والتغيير، في مناخ من الحريات الديموقراطية البرلمانية والليبرالية، لا سيما في الأربعينات والخمسينات، حيث ازدهرت عشرات الصحف الحرة، والدوريات، ودور النشر.

سلطة الحزب الواحد

ثم ما لبثت (الثقافة) أن دخلت في أزمة مديدة في مرحلة حكم البعث وتفرده بالسلطة، فلم تعد الثقافة، من حينها، تقصر علاقاتها بالسياسة على الانشغال بموضوعاتها من موقعها الحر، بل غدت مسخَّرة من السياسة، ومقادة في بداية حكم البعث من النخب السياسية للسلطة، ثم لاحقاً، من مثقف أجهزتها الأمنية، فافتقدت علاقتها بالجسم الاجتماعي إلى طابعها التلقائي الحر، القائم على الاقتناع، وتحولت إلى محض إيديولوجية سياسية حزبية متصلّبة فقيرة، تُفرض قسراً على الجماعة، بواسطة (الأجهزة) الأيديولوجية للدولة. فشهدت سوريا انطفاء مُطرداً للثقافة، بعد أن احتكرت السلطة الإعلام والمنابر الثقافية، وصادرت حرية الصحافة والنشر وسخرت الدولة وأجهزتها، وهيئات المجتمع المدني لمراقبتها وهيمنتها المباشرة، فانحطت صورة مثقف السلطة مع ترسخ هيمنتة وتداخل وظائفه بالسلطة، وإن احتفظ ببعض إهاب حملة الرسالة والمبشرين بتغير العالم، وعلى مظاهر التقشف الخارجية ونظافة الكف في بداية أمره، لكن ما لبثت أن تآكلت تلك المظاهر مع شروعه في بناء صرح الدولة الأمنية العتيدة، وتطبيقه لمنهج يسراوي أفقر فيه المجتمع والدولة معاً، في خضم تنافسه مع زعامة عبد الناصر العربية، ومع الحركة الناصرية في سوريا، وقدّم اثناء بحثه المحموم للخروج من عزلته ولبناء شرعية مفتقدة، خطاباً يسراوياً علمانياً راديكالياً رثاً نفّر فيه المجتمع برمته، وحط من مستوى الثقافة والفكر، اللذين أصبحا مصادرين من قبله، عندما أغلق جميع منافذ التعبير عن الرأي، وصادر المنابر الثقافية وأجهزتها، من الصحافة إلى دور العلم، إلى المدرسة والجامعة، وسلّمها إلى الأكثر طاعة، وانقياداً، من المثقفين، الذين نقلوا ولاءهم تدريجياً إلى الأجهزة الأمنية.

لقد بلغ هذا الميل حدوده القصوى في ظل (الحركة التصحيحية)، في عام 1970 حيث أصبحت هذه الاجهزه هي المشرف المباشر على الثقافة، والسياسة، وعلى المجتمع، وهو المعنى الذي عبرت عنه، بصورة مواربة، المادة الثامنة من الدستور، بقولها، ان حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع. واستعاضت السلطة، في هذه المرحلة، عن نهج إفقار المجتمع وتقشف النخبة، الذي اعتمدته نخب المرحلة الأولى للثورة، باستراتيجية إعادة إنتاج التركيب الهرمي للمجتمع بدءاً من ذروة الهرم، أي من النخب السياسية، والدولاتية البيروقراطية التي أمسكت بالقرار السياسي والاقتصادي والإداري، وذلك بإطلاق يدها لاكتناز الثروة والنفوذ شرط طاعتها وولائها، فأصبح صعودها السياسي، والإداري متلازمين مع تنامي ثروتها، وبذخها، وانفتح بذلك الطريق أمامها لتراكم ثروتها من نهبها للمال العام أو برعايتها لصعود قطاع خاص، لا سيما التجاري الذي غدا شريكا شرعيا لها في نهب قطاع الدولة، وفي تقديم الأتاوات ثمنا لصكوك الاستيراد والتصدير، بالإضافة إلى ما تفرضه على القطاع الصناعي من (خوة) لـ(حمايته)، و(رعايتها) له من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التداول مرورا بمرحلة الإنتاج!

هكذا فتح النهج الجديد باب الثراء عبر بوابة السلطة، وأجهزتها الأمنية، أو بالولاء لهما، فارتبطت الثروة والارتقاء الاجتماعي بالولاء للسلطة وأجهزتها، ثم تحول الولاء الأمني منذ الثمانينيات إلى رافعة، شبه وحيدة، للارتقاء الاجتماعي ولتنامي النفوذ، وأيضاً الثروة، فغدا "الفساد" منهجاً معتمداً وليس انحرافاً، لإعادة صياغة التركيب الاجتماعي، وهيمن بذلك نمط ريعي طفيلي على الاقتصاد. فبدلاً من اعتماد الإنتاج كمعيار للاقتصاد دخلت سوريا في دوامة إعادة توزيع الثروة لصالح المتنفذين في أجهزة السلطة، هذا هو المعنى الحقيقي لفشل التنمية، وتراجع مستوى الإنتاجية، والدخل، وهو ما جعل "القطاع الخاص"، خاصة التجاري، وهو الشريك في النهب، الأكثر بعداً عن تطلّب الديموقراطية، وحقوق الإنسان.

وهنا يكمن السر الحقيقي لانتشار أخلاقية الطاعة والانتهاز، واقتناص الفرص، بدلاً من الاعتماد على الذات، وعلى قيم الإنجاز والفاعلية والإنتاج التي هي عماد المجتمع الحديث. وبلغ الوضع قمته في الثمانينيات، في حلبة الصراع مع "الطليعة المقاتلة" للأخوان، التكفيرية الارهابية، التي كانت بمثابة الحصيلة، ورد الفعل الخاطئين على نهج النظام الأوامري الصارم، وعلى نزعته الدهرية الكلبية (لا أقول العلمانية التي لا تصح هنا) المتهافتة للسلطة، إذ أنجزت في هذه الحقبة عسكرة المجتمع برمته، وبلغ فيها نمط الدولة الأمنية ذروة اكتماله، وجرى فيها تصفية ما تبقى من رمق لقوى المعارضة الديموقراطية، المنضوية تحت يافطة (التجمع الوطني الديموقراطي)، التي طرحت مشروعاً ديموقراطياً للتغيير يعتمد نموذج النظام الديموقراطي البرلماني، وجرى خنق أي صوت معارض، في السياسة والثقافة، التي باتت موظفة، بما فيها الادب والفنون التشكيلية لإطراء السلطة ولامتداح رموزها، أو الاشتراك في مهرجاناتها الاحتفالية، وطقوس "أعيادها"، فانتشرت الأعلام والصور الهائلة، والشعارات والتماثيل في كل مكان تسبيحاً لرموز السلطة، وكأن الشعب السوري قد تحول على حين غرة إلى الديانة الوثنية، بأن كرّس نفسه لتقديس زعامته!

لم يعد ممكنا، في ظل هذا الوضع برمته، الحديث عن حياة ثقافية حقه في سوريا، بعد أن فقدت الثقافة استقلالها وأضحت تابعة للسلطة ولسياستها، في مناخ تحولت فيه السلطة، بإدارتها الحكومية، والحزبية، والنقابية وأجهزتها البيروقراطية، المنتشرة في كل مكان إلى خيوط متشابكة تحركها الأجهزة الأمنية، بطريقة أصبح فيها الجميع، في المدينة والريف، في الوظيفة أو خارجها تحت ضغط نظام الطاعة الصارم، حينها أصبح الفرد من القماط حتى الموت، تحت المراقبة والعقاب الصارمين، وبالتالي غدا التعبير عن الاختلاف عن السلطة، ناهيك عن معارضتها، له كلفته الغالية الثمن، أقلها الأقلّ ما حدث لكاتب بوزن زكريا تامر، عندما افتتح مجلة (المعرفة) الحكومية بمقتطفات من "الكواكبي" فتم عزله، ودفعه إلى الهجرة.

كما ضاقت منافذ التعبير والنشر، إذ اقتصرت الصحافة، وهي مرآة العالم الحديث، على ثلاث صحف لها مهمة واحدة، وهي ترجمة نشاط السلطة، والدفاع عن توجهاتها، واقتصرت وظيفة الإذاعة والتلفزيون على نقل هذا النشاط إلى الصورة والصوت، وانحسرت مراكز النشر والحياة المسرحية، والفنون التشكيلية، وسيطرت (التوجهات) الرسمية على الحياة الثقافية برمتها، فوصل الوضع الثقافي إلى حد الإفلاس الشامل وتكاملت تلك الصورة السوداء، مع ما حدث من تدهور للجامعة والمدرسة، بعد أن أشرفت على حياتهما الداخلية الأجهزة الأمنية، فتدهور المستوى الأكاديمي، مع استباحة استقلالها، ولولا الترجمات التي أنجزتها وزارة الثقافة، لكان التدهور أكبر.

وقد فاقم حالات التدهور هذه، أن السلطة لم تترك للقوى الثقافية، والسياسية الأخرى حق التعبير عن النفس، حين حصرت الأجهزة الثقافية ومنابرها بها، وضيقت المجال على المجتمع الأهلي والمدني، فطال التأميم حتى الأندية الرياضية، أما ما تبقى من أندية ثقافية فكانت تحت مراقبتها وسلطتها، فحُرمت المعارضة باتجاهاتها كافة من حق التعبير، فاقتصر نشاطها السياسي على صحافة بدائية تتناقلها الأيدي بسرية كاملة، وإذا كانت قد أبقت من هامش على صحافتها السلطوية، ودورياتها، في عقد السبعينيات، في المناخ الذي أعقب حرب تشرين، فهي قد حصرته في مجالات الأدب، والتاريخ والتراث، فكانت حصيلة النقاشات النظرية بائسة، ويعود ذلك إلى سيطرة النزعة (الطبقية)، وتوظيفاتها على النص الأدبي والتراثي والتاريخي، فسيطر على النقد الأدبي البحث عن الحامل الطبقي للرواية والقصة والمسرح، فتحول النقد إلى محاكمة (طبقية) لأبطال العمل الأدبي، لينتقل بعدها (ليحاكم) الكاتب، كما سيطر على دراسة التاريخ والتراث، والمنتوج الثقافي، البحث المحموم عن الحامل الطبقي للأفكار، فتحولت الثقافة إلى مسرح عرائس لصراع الطبقات الموهوم، على خلفية حرب طبقية حقيقية بين الدولة الأمنية، والمجتمع الذي جُرّد من حقوقه، بينما كانت ترتفع فوق هذا كله، ثقافة المديح لرجال السلطة، والهجاء والتخوين لخصومها.

وقد ساعد، على ذلك أيضاً، اشتراك النخبة السورية، حتى السبعينات، في كافة مشاربها، إذ استثنينا المثقف الليبرالي الذي توارى دوره، في ثقافة سياسية واحدة، تنطلق من موقف نخبوي للسياسة تجعلها مناطة بـ "الطليعة" المعبّرة عن الأمة، أو الطبقة، أو الجماعة المؤمنة، أما "الديموقراطية" ودور الشعب الحاسم في المشاركة، فكان خارج مرمى النظر حتى بداية الثمانينيات.

فالمثقف الإسلامي، وريث الإصلاح الديني، والذي بات يتمثل في الأخوان المسلمين، نظر إلى نفسه على أنها في الموقع المدافع عن الإسلام، ودولة الشريعة، وبشّر بسلطة شبه ثيوقراطية، وبالنهاية أفرز "الطليعة المقاتلة" التكفيرية التي كانت الوجه المقلوب لاستبدادية السلطة وإطلاقيتها، فكفرت المجتمع والدولة، ودعت إلى تطبيق الشريعة بالقوة.

أما المثقف القومي (الناصري) المتمثل بـ(الاتحاد الاشتراكي) الذي كان المعارض، والمنافس الأول حتى وفاة عبد الناصر، فقد ظل ينظر الى سلطة البعث على أنها سلطة غير شرعية، تجسّد الانفصال، بل كان يشكك بشرعية الدولة السورية نفسها إلى أن تعود إلى الوحدة مع مصر، ولقيادة رئيسها جمال عبد الناصر، فكان الهدف الرئيسي لهذا المثقف، قبل ما جرى له من تحول، الاستيلاء على السلطة لإعادة الوحدة، وكان المثقف الشيوعي، قبل الانقسامات التي أصابته، يعتقد نفسه طليعة البروليتاريا وجزءاً من جيش البروليتاريا العالمية، هدفه النهائي الاستيلاء على السلطة، وقد تحالف مع سلطة البعث خوفاً من المشروع الناصري الوحدوي، ولخدمة الصداقة مع الاتحاد السوفياتي، فكان (للنخب التقدمية) حاكمة ومحكومة، مفاهيم مشتركة حول دولتها التنموية المرتقبة، ودورها النخبوي، فضحّت بمرجعية الأمة، والجماعة والطبقة لصالح النخب التي تمثلها، فتضافرت، بذلك ذهنيات النخب ومواقفها، مع ضغط النظام الأمني الشامل، كي يزيدا من تدهور الحياة الثقافية.

كان لا بد من منافذ جديدة ليطل بها المثقف السوري على العالم، فكان لبنان نافذته شبه الوحيدة ليعبر بها عن نفسه، وكان لا بد من انتظار التحولات الذهنية التي ستجري على المثقف ذاته، لإعادة انطلاق روح جديدة تحيي ثقافته، وضع نقاط انطلاق جديدة لها، ففي نهاية السبعينيات، واستمراراً في الثمانينيات، شرعت النخب المعارضة تنقل خياراتها إلى الديموقراطية، فقد توصل المثقف القومي الناصري من خلال مراجعته للتجربة الناصرية، وللتجارب المخفقة للنظم التقدمية الأخرى، إلى اعتبار الديموقراطية شرطاً مهماً للتنمية والتحرر، ولتقرير مصير الجماعة العربية، كما انحازت بعض النخب الماركسية، إلى الاتجاه نفسه، ولن يطول الوقت على المثقف الإسلامي، بعد تجربته المرة في الثمانينيات، لأن يزاوج بين مفهوم الشورى والديموقراطية، وتوسعت دائرة تأثير المثقف الليبرالي، الذي ازداد ثقة، مع الانقلابات الكبرى في العالم. وكان أبرز ملامح هذه الفترة من الثمانينيات، بروز أطروحات برهان غليون المهاجر، والأطروحات المقابلة لياسين الحافظ، وجورج طرابيشي، حيث هيأت لهما الغربة سبل الإطلالة على العالم، وهما، على اختلافهما قدما النقد الأكثر جذرية لمنظورات الحقبة (التقدمية)، وأعطيا العلامة الأبرز على بزوغ وعي جديد.

تواكب مع استمرار وتعمق تلك الاتجاهات الديموقراطية، دخول السلطة في أزمة نهاية الثمانينيات العميقة، التي ترافقت مع انهيار التجربة الشيوعية، وسلطة الحزب الواحد المروعة، فشهدت سوريا بداية تراجع قبضة الدولة الأمنية، كمحاولة للتكيف، مع هذا المناخ، فتزايدت دور النشر، وتوسعت إصداراتها الثقافية، أمام الأجيال الجديدة من المثقفين في مجال الأدب والترجمة والفكر، الذين غدوا متسلحين بالمنهجيات الجديدة، وبالموجة العالمية الجديدة للديموقراطية، وانتعشت الدراما بعد أن رفعت السلطة وصايتها عنها، ثم تعزّز هذا الاتجاه الانفتاحي بقوة الحياة والأفكار وضغط أزمة شرعية سلطة الحزب الواحد، فشهدت سوريا الإفراج عن الآلاف من المعتقلين، فوجاً إثر فوج، وهو أمر لم تنتهِ السلطة منه إلى الآن.

وفي هذا الزمن الذي تهاوت فيه مرجعيات السلطة الإيديولوجية، وغدت في موقع الدفاع الاستراتيجي عن الذات، كان مثقفها قد فقد، منذ زمن بعيد، المبادرة والقدرة على صياغة الأفكار، إذ تحول إلى مثقف جهاز وحسب، يردّد ما تأتي به (الأوامر)، فانفصل قوله عن عمله، وخطابه عن ممارسته، واكتسب، بحكم وظيفته، مهارة التبرير، واقتصرت مساهمته على تكرار ما توارثه من قوالب قديمة لإلباسها الحقائق الجديدة، يخالجه شعور مهين بأن أحداً لم يعد بحاجة لتسويغاته النظرية الباهتة، حينما صار (مقامه) معتمداً على مقدار ولائه للأجهزة، وفي زمن يلح عليه في كل اتجاه بضرورة التغيير، فاكتفى هو، مسايرة للوقت، بذكر العناوين الجديدة الديموقراطية، الإصلاح... الخ كي يمنحها مضامين قديمة تافهة !..

العهد الجديد وإخفاق الرهان على التغيير

استلم الأسد الابن السلطة، في هذا المناخ، الذي كان فيه الجميع إما منتظرا الإصلاح، أو خائفاً من ضروراته، فأطلق هذا التبدل، في الموقع الرئاسي، الآمال عند الجمهور، ولا سيما عند المثقف المستقل والمعارض بإمكانية التغيير الديموقراطي، وكان هذا المثقف، على تضاؤل مكانته، وموقعه، أمام حصار السلطة له، قد انتقل إلى تربة فكرية جديدة، هي على النقيض من إيديولوجية الدولة الأمنية القائمة، وهو على ضعف حيلته، وحجم التهديد الذي أحاط تحركه، والتكلفة الغالية التي يتوجب عليه تقديمها اذا تجاوز (حدوده)، بات يمتلك نداء المستقبل، والقوة التعبيرية عن حاجات شعبه، وفي مقدمتها الديموقراطية، وحرية التعبير، وحق الشعب في إدارة مصيره.

وعلى الرغم من عسكرة الحياة السياسية، وسيطرة النظام الأمني في الثمانينيات ومحاولة إطفاء الحياة السياسية، والثقافية، وخنق النشاط السياسي الحزبي بالاعتقالات، أو بالتهديد بها، بقيت جماعة صغيرة متحلّقة حول "التجمع الوطني الديموقراطي" الذي دعا منذ الثمانينيات إلى التحول نحو النظام الديموقراطي البرلماني، ومثل رمزاً للقوى الديموقراطية، وإلى جانبه جماعات من المثقفين الديموقراطيين المستقلين، عبروا عن تحولاتهم الجديدة، وهواجسهم في الصحافة اللبنانية، فضلا عن المثقف الليبرالي العلماني الذي زادته هذه الأيام ثقة بالذات، وقد امتلك هؤلاء على ضعف حيلتهم رصيداً من القوة، طالما أنهم باتوا يتجهون إلى الشعب ليمسك بمصيره، ويستجيبون لريح العصر.

لقد تفاعل المثقف الديموقراطي المعارض، مع الوعود التي أطلقها العهد الجديد، فبرزت في المدن السورية، ظاهرة "المنتديات"، التي مثلت مجالا جاذبا لنشاط النخب الثقافية والسياسية، والتي حولتها إلى منابر ثقافية سياسية، ما فتئت تتسع لتنضم إليها رموز جديدة، ولعلها لو استمرت، واتسع نطاق نشاطها، لشكلت مدخلاً لبعث الحياة الثقافية السياسية، وأسست مناخاً للحياة الديموقراطية، وقاعدة اجتماعية ملائمة لنجاح عملية الإصلاح أو التغيير الديموقراطي، لولا أن انقضت عليها السلطة، وخنقتها في مهدها، إلاَّ أن هذه الانكفاءة إلى الطرق الأمنية القديمة، لم تنل من عزيمة إرادة التغيير، ومن الحركية الثقافية، التي خرجت من القمقم.

فعلى الرغم من مظاهر استعراض القوة، فإن إيديولوجية "حكم الحزب الواحد والدولة الأمنية" تهاوت، والنظام الأمني برمته بدأ يصيبه التفكك، وثراء الحياة السياسية، والثقافية شرع يؤكد نفسه، في شتى المجالات، وأغتنت الحياة الثقافية في سوريا بذلك الجدل الصاخب، بدلالة مفهوم "المجتمع المدني"، وإن كانت بعض حلقات ذلك النقاش، قد فتحت محوراً ثانويا "للاختلاف" على حساب الاتجاه نحو الحريات الديموقراطية، والتي عبرها يمكن للمجتمع أن يشكل هيئاته المجتمعية الحرة، إلاَّ أن الإنجاز المهم الذي حققته النخب السياسية والثقافية، على تنوعها، من الاتجاه الإسلامي إلى العلماني، فضلاً عن المثقف اليساري والقومي، هو وصولهم إلى قناعة مفادها، أن آليات النظام الديموقراطي، هي المدخل المناسب لتصحيح علاقات الاجتماع السوري، ولمواجهة مخاطر الخارج، والمفتاح الحقيقي لحل المسألة الوطنية، وللعمل العربي الموحد، فضلاً عن رفضهم الاستقواء بالخارج والدخول بأجندته، وهو ما يسهل عملية الإصلاح الديموقراطي، والمصالحة الوطنية، ويضع الإطارات اللازمة لانتعاش الثقافة الوطنية، التي لم يعد يقتصر مسرحها على المثقف التغييري الديموقراطي، فهناك المثقف الليبرالي العلماني، وإلى جانبه المثقف الإسلامي الذي انحاز إلى الديموقراطية، والذي جمع بين توجهات الأخوان الجديدة، وتوجهات الجيل الجديد من الإسلاميين، الذين اغتنوا بالمنهجيات المعاصرة، وانفتحوا على الثقافة العالمية، كما شهدت الساحة الثقافية ظهور المثقف/ الباحث، الذي اهتم بالدراسات الاجتماعية والسياسة الميدانية، وهو ما يشي باغتناء الحياة الثقافية السورية إذا قيض لها المناخ الديموقراطي، وما يلازمه من حرية تعبير، حينها يمكن أن نتحدث عن ولادة علاقة حية بين الثقافة والاجتماع السياسي السوري، بتأكيد استقلالية الثقافة عن السلطة، وعن السياسة المباشرة، وذلك بعودة ارتباط الثقافة مجدداً بالإنتاج الحر للفكر والمعنى، وهو ما يتيح لها أن تعرض (بضاعتها) في (سوق) الأفكار والقيم، والمعاني برهافة حرة من دون وساطة، أو قهر أو وصاية، فيتداولها أفراد المجتمع ويقتنونها باختيارهم الحر، وهو ما يعيد للثقافة مهابتها وقدرتها على التأثير الاجتماعي، ويتيح للأفكار أن تندمج في الكتلة الاجتماعية، في إطار تبادلية حرة شفافة، بعيدة عن القسر، والتوظيفات السلطوية، اللذين يقتلان الثقافة، والاجتماع السياسي معا. ولعل الكثير من المسائل السياسية والثقافية يتوقف على المآل النهائي للثورة السورية الراهنة،التي تختزن إمكانية فتح الأبواب الواعدة أمام رياح الإبداع والتنوع والثراء الثقافي، وأن تضع الأرضية الصلبة لمستقبل الثقافة والسياسة في سوريا تستعيد فيه نشاطها وحيويتها وصخبها وتأثيرها المشهود الذي ألفته في العهد الليبرالي قبل أن تبتلى بحكم الأجهزة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإسلاميون يخشون تآمراً على ثوار سوريا!

سركيس نعوم

2012-07-04

النهار

تتساءل أوساط اسلامية لبنانية إذا كان الثوار السوريون يتعرضون لمؤامرة بسبب إحجام العالم العربي عن التحرّك بفاعلية لدعم هؤلاء بالسلاح والمال والتدريب، وبسبب عدم ممارسته الضغط اللازم على المجتمع الدولي الحليف لكي يخلِّص السوريين من الظلم الذي يتعرضون له، وأخيراً بسبب امتناعه عن معاقبة الدولتين العظميين اللتين تخالفان ومنذ اشهر عدة الإجماع الدولي والعربي المؤيد للثورة السورية.

هل هذا التساؤل في محله؟

العارفون من لبنانيين وعرب وأجانب جراء متابعتهم الأوضاع العربية والاقليمية والدولية يكادون ان يجزموا بعدم وجود مؤامرة على الثورة السورية حتى من الأعداء التقليديين للعرب والعروبة مثل اسرائيل. فهي ورغم افادتها من النظام السوري على مدى عقود واعتبارها اياه اقل خطراً عليها من غيره، وخصوصاً في ظل استشراء الاسلاموية التي لبعضها مواقف تكفيرية متشددة، مقتنعة بأنه لن يستطيع الاستمرار. ولذلك فإنها ترحّب، وربما تساهم مباشرة او مداورة، بتأجيج الحرب الاهلية لأنها تنهي سوريا الكيان والدولة والجيش والشعب، وباختصار لأنها تزيل وربما لـ50 سنة مقبلة أو اكثر عدوّاً يمكن ان يكون خطراً جدياً عليها. أما المجتمع الدولي الحليف للعالم العربي والمؤيد للثورة السورية فإن زعيمته اميركا ترفض عملاً عسكرياً يقود الثوار الى النصر، لأنها في سنة انتخابات رئاسية، ولأن شعبها قرِفَ من التدخل العسكري الذي كلّف آلاف القتلى والجرحى والمعوقين ومليارات الدولارات أو ربما تريليوناتها، ولأن الغطاء الدولي الجماعي لتحرّكها غير متوافر، ولأنها غير مستعدة لتوفّره بتقديم تنازلات الآن للجهات التي تريدها وفي مقدمها روسيا والصين. أما الشقّ الاوروبي من المجتمع الدولي المذكور فكان صادقاً في تأييده ثورة سوريا لكنه لا يمتلك الادوات العسكرية والمالية لنجدتها، علماً ان حمايته العسكرية الفعلية قدمتها اميركا مباشرة او بواسطة حلف شمال الاطلسي. ولذلك فإنه يكتفي بالدعم السياسي. يبقى العالم العربي وهو ليس مقصِّراً في دعم ثورة غالبية الشعب السوري. إذ اتخذ ومن زمان عبر جامعة الدول العربية موقفاً مؤيداً لها، وهو يحاول ترجمته بأكثر من طريقة. وهو لا يمل من تكراره، فضلاً عن انه يحاول مع معسكر الحلفاء كما مع معسكر الاخصام في العالم الحض على دعم الثوار. لكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فهذه الامة العربية او بالأحرى دولها التي اعطاها الله عز وجل إمكانات هائلة فإنه حرمها حتى الآن على الاقل نعمة الانظمة القوية والقادرة والعادلة والحرة والديموقراطية، الامر الذي ابقى شعوبها اسيرة تخلّف لا يطاق وجهل يكاد ان يكون مطبقاً وطاعة عمياء لأولي الامر سواء استجابة لدواع دينية او عشائرية او طائفية او مذهبية.

هل يُقنِع الكلام المفصّل اعلاه الأوساط الاسلامية اللبنانية التي تخشى ان يكون ثوار سوريا عرضة لمؤامرة خارجية من الذين يفترض ان يكونوا حلفاءها؟

جوابها عنه كان انه ممكن ومعقول. واضافت: ان قرار اميركا كما هو معلن، ونحن نعتقد انه جدي ونهائي، هو ضرورة تنحّي بشار وتغيير النظام، والثوار وداعموهم من العرب والمسلمين والإسلاميين يرحبون بذلك. لكن الثوار يحتاجون الى اسلحة وتدريب ومال كي ينجحوا. وإذا لم يوفر الاميركيون وحلفاؤهم لهم ذلك فإنهم يكونون ينحرونهم. ولفتت الاوساط المذكورة الى عدم صحة القول ان تزويد الثوار ما يحتاجون اليه من اسلحة يشعل حرباً اهلية. ذلك انها "شاعلة" الآن وبشار هو الذي يغذيها لأنه لا يزال ممسكاً بمفاصل السلطة رغم خسارته السيطرة الكاملة على 60 في المئة من اراضي بلاده، ولأن جيشه رغم تعبه لا تزال غالبيته معه.

لماذا لا تقدم تركيا السلاح والتدريب والمال الى الثوار السوريين؟

أجابت الأوساط اياها بالقول ان عند تركيا مشكلات داخلية مهمة دفعتها الى التراجع عن مواقفها الداعمة بحماس مفرط للثوار السوريين. لكنها لا تزال تغض النظر عن تدريبهم وتسليحهم. وهناك "جنرالات" عرب واتراك بعضهم في الخدمة وبعضهم متقاعد يقومون بالتدريب. والتمويل تقدمه دول الخليج ولكن مداورة اي عبر تشجيع الجمعيات ورجال المال والأعمال على التبرّع. ويوما ما ستضطر تركيا الى العودة الى فرض مناطق آمنة داخل سوريا للثوار. علماً ان سوريا لا تعتقد ذلك لأنه سيفجّر حرباً تركية – سورية. لكن تركيا لا تظن ان سوريا ستغامر بحرب مع تركيا رغم استفزازها الاخير لها (اسقاط طائرة تركية).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قراءة في خطاب الأسد!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

4-7-2012

في خطابه بمناسبة افتتاح الدور التشريعي الأول لمجلس الشعب السوري الذي تم «انتخابه» مؤخرا، اعترف الرئيس بشار الأسد بأن الدكتور نبيل العربي والسيد كوفي أنان لا يريان الوضع السوري بأعين تخدعهما، لأنهما يفرطان في رؤية وتصديق تلفازي «الجزيرة» و«العربية»، اللذين يفبركان صورة لا وجود لها في سوريا الهادئة والموالية للنظام، تصنعها استوديوهاتهما بالتعاون مع جهات داخلية مأجورة متواطئة معهما ومرتبطة بمؤامرة على الدولة السورية. قال الرئيس لنبيل العربي في أول لقاء جمعهما: «البلد هادئة وليس فيها شيء مما تتحدث عنه». وأضاف: «أنت لا ترى الواقع السوري على حقيقته، بل تشاهد (الجزيرة) و(العربية) وتصدق ما تقولانه من أكاذيب». وكرر الشيء نفسه أمام كوفي أنان، بينما كان يؤكد أن سوريا هادئة، وأن مطاعم دمشق مليئة بالزبائن ومقاهيها مفتوحة في الليل والنهار، وأن كل شيء على ما يرام.

تتسق مع هذا الكلام الرئاسي تصريحات كان الأسد قد كررها في أكثر من خمس مناسبات، أكد خلالها أن الأزمة صارت وراءنا، وأن الواقع يعاكس تماما الصورة التي يقدمها «الإعلام المأجور» عن البلد، وأن الأمر يقتصر الآن على عمليات تنظيف وتطهير محدودة تتم في بعض المناطق، حيث تموضعت خلايا متطرفة تقتل المواطنين، فلا مفر من القضاء عليها كي ينعم المواطنون بالأمان ويواصلوا حياتهم في رعاية النظام المحب، الذي لا هم له غير خدمتهم.

غريب أمر العقل السياسي الذي يدير أزمة سوريا، إن كان هناك حقا عقل سياسي يديرها. عندما كانت الأحداث في بدايتها، وكان من الممكن حلها سلميا وحواريا بكل بساطة، قرر مواجهتها بالحل الأمني، بينما كان واضحا أن الحل السياسي هو السبيل الوحيدة لتلبية مطالب الشعب. وعندما تصاعدت المظاهرات، وكانت جميعها سلمية باعتراف الرئيس في خطابه الأخير، الذي أقر خلاله أن العمليات المسلحة لم تبدأ إلا في رمضان، أي بعد ستة أشهر من انطلاق انتفاضة الحرية، طلع هذا العقل علينا بنظرية غريبة قدر ما هي مضحكة ولا أساس لها من الصحة، تزعم أن الشعب موال للنظام، لكن مدسوسين يرغمونه على الخروج في المظاهرات، فلا مفر من القضاء عليهم لتحريره منهم. هكذا ارتكبت مجازر مريعة استهدفت الشعب باسم حمايته، في حين كان اللسان الرسمي ينكر وجودها وينسبها إلى دعايات «الإعلام المأجور» والمؤامرة الخارجية.

واليوم، وبعد تشكيل حكومة جديدة برئاسة شخص لا يعرفه السوريون، ومشاركة وزيرين من لون سياسي لم يسبق له أن دخل الحكومة، تولى أحدهما «وزارة المصالحة الوطنية»، يبدو التخبط في واقعة أن السلطة انتقلت من سياسة ذات توجه عنيف لا يخالطه أي توجه آخر، إلى سياسة تقوم على مسارين: من جهة وزير يعمل في سبيل مصالحة وطنية لا تعريف ولا حامل لها، لا يدري هو نفسه مع من ستكون وما هي مفرداتها وما مدى قدرته على تطبيقها، وإذا كان النظام وأركانه يريدانها فعلا، ومن جهة أخرى جيش مدجج بالسلاح تشرف على عمله قوى أمنية يساندها شبيحة يشكون كثيرا في أمانته وإخلاصه للسلطة، تطلق بعض وحداته النار من جميع الأسلحة الثقيلة على الشعب، بينما تتصاعد عملياتها ويشتد بطشها وخروجها على أية أعراف وقواعد عسكرية، بقدر ما تتسارع خسارتها في مختلف مناطق البلاد وتكاد تفقد سيطرتها حتى على العاصمة وضواحيها، التي خرج كثير منها عليها ومن يدها.

في مثل هذا الوضع، وخلال يومين من إعلان تشكيل وزارة استغرق تشكيلها وقتا طويلا بالنسبة إلى نظام استبدادي متحكم، لم يلغ الرئيس في كلمته عن «الحرب التي يجب توجيه جميع الجهود من أجل الانتصار فيها» وظيفة الوزارة العتيدة وحسب، بل دمر تماما نظريته عن الأزمة التي صارت وراءنا، وعن «الجزيرة» و«العربية» اللتين تفبركان صراعا لا وجود له في سوريا، مع أن حديثه يؤكد حقيقة مهمة لا أعرف كيف يمكن أن تفوت شخصا يخوض صراعا مصيريا، هي أن الانتقال من الحديث عن الهدوء إلى الحديث عن «الحرب التي يجب الانتصار فيها»، يمثل اعترافا بانهيار سياساته التي اعتمدها خلال الأزمة، ويتجاهل واقعة رئيسية هي أنه لو كان قد انتصر بفضل الحل الأمني لما كان مجبرا الآن على الاعتراف بالحاجة إلى شن حرب، ولاحظ أن تصعيد سياسات القتل ليس ولا يمكن أن يكون نجاحا، بل هو فشل يؤكده إقراره الصريح بأن هناك حربا في البلاد يجب توجيه جميع الجهود نحو الانتصار فيها، بما في ذلك جهد المصالحة الوطنية! وهو أمر أكدته قبل اعترافات الرئيس أرقام القتلى المتصاعدة في كل مكان، مع تعاظم استخدام الأسلحة الثقيلة بصورة كثيفة ومفتوحة ولا قيد عليها ضد مواطنين آمنين ينتشرون في جميع مناطق البلاد، الأمر الذي ينقض بصراحة نظرية أخرى من نظريات النظام وهي أن الشعب موال له ولا يشارك في المظاهرات ضده بل معه. في حديث الحرب إقرار جلي بأنها حرب ضد الشعب وليست ضد عصابات مسلحة صغيرة، فهي حرب على شعب تبين خلال عام ونصف العام أنه عصي على الإخضاع عبر حل أمني، ولم يعد ينفع معه غير الحل الحربي، الذي يعلن اليوم بلسان أعلى رجل في السلطة.

ليس حديث الحرب غير حديث الإقرار بالفشل. الغريب أن الرئيس أجرى عدة مراجعات لسياساته ذهبت جميعها في اتجاه تصعيدي، رغم أن التصعيد كان يعني شيئا واحدا: عدم كفاية العنف لإخضاع الشعب وانعدام قدرته على تحقيق هذا الهدف. والأغرب من ذلك أن لا يكون هناك أي موقف من أهل النظام ومؤسساته تجاه هذه الإقرار بالفشل، الذي يهدد وجودهم وتتطلب مواجهته حلا وطنيا يخرج سوريا من مأزق هم أول من سيفيد من الخروج منه، ويجب أن يكونوا بالتالي أو من يسهم فيه، بعد أن ذاب الثلج وبان المرج كما يقال، وتأكد أن سياسات الرئيس لن تقود إلا إلى مزيد من الفشل، وإلى هزيمة محتمة في زمن غير بعيد، تلوح بوادرها في أربع جهات سوريا الجديدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. هل العراق أول الدول المنشقة!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

4-7-2012

تصريحات وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الأخيرة بالقاهرة عن النظام الأسدي، ووصفه إياه بالنظام الشمولي الطاغي، تعني عمليا أن العراق هو أول الدول المنشقة عن دعم النظام الأسدي، ولو إعلاميا، وبالتالي لم يتبق للأسد إلا إيران، وحكومة لبنان، وهنا قد يقول قائل: وماذا عن روسيا؟

والحقيقة أن موقف موسكو أشبه بمن يضع قدما هنا وقدما هناك اليوم. فبعد موافقة روسيا على بيان جنيف الأخير، يبدو أن قوة موقف موسكو تكمن بالتعطيل في مجلس الأمن وليس بالحل، أي مقدرة إجبار الأسد على الخروج من دمشق. وبالتالي فإن موسكو هي أشبه بمن يضر ولا ينفع، وهذا دأبها في منطقتنا، سواء بمصر عبد الناصر، أو عراق صدام، أو مع طاغية دمشق اليوم. فبعد موقف روسيا بجنيف، لا يمكن القول بأن موسكو تقف مع الأسد، أو ضده، وهي حالة محيرة فعليا، ولذا فإن اللافت الآن هو تصريحات وزير الخارجية العراقي حول سوريا وتشبيهه الأسد بنظام صدام حسين، وقوله - أي زيباري - بأن موقف العراق هو الوقوف مع الشعب السوري!

أهمية تصريحات زيباري تكمن في أنها صادرة عن وزير خارجية الحكومة العراقية الحالية الواقعة تحت وطأة النفوذ الإيراني، وبالتالي فإن تصريحاته تكون لافتة، فهل أدركت الحكومة العراقية اليوم أن الأوضاع بسوريا ليست في مصلحة الأسد. ولذا فإن بغداد اليوم تشن هجوما لاذعا، وعلى لسان وزير خارجيتها المخضرم وصاحب اللباقة والكياسة السياسية التي افتقد إليها العراق كثيرا في ظل حكومة نوري المالكي، على مجرم دمشق؟ ربما، وعلى عكس الحكومة اللبنانية التي بررت في بيان مخجل، ومؤسف، اختطاف قوات النظام الأسدي لجنود لبنانيين من داخل الأراضي اللبنانية، فبدت في حالة خنوع فاضحة تدل على أن حكومة لبنان ليست سيدة قرارها، ولا تنوي أن تكون كذلك!

ولذا فلا بد من التدقيق طويلا أمام موقف وزير الخارجية العراقي تجاه الأسد، فهو موقف لا يقل أهمية عن انشقاق خمسة وثمانين جنديا سوريا مساء أول من أمس، وبقيادة أحد كبار الضباط. فموقف السيد زيباري لا يمكن أن يكون منفصلا عن موقف الحكومة العراقية، وحتى ولو بحجة أن العراق يرأس الدورة الحالية للجامعة العربية، بل إنه، أي الموقف العراقي، يوحي بأن تغير المواقف على الأرض في سوريا هو ما جعل العراق أول الدول الحليفة المنشقة عن الأسد، ولو إعلاميا. ومن هنا يتضح أن نظام الأسد بات يتفسخ عن جلده يوما بعد آخر، وحتى أقرب حلفائه بات لا يجد مناصا من مهاجمته علنيا، مما يعني أن هذا النظام ينهار يوما بعد آخر. فالسيد زيباري، مثلا، لم ينتقد الأسد هذا الانتقاد الحاد حتى حين هدد المالكي قبل أعوام الأسد باللجوء لمجلس الأمن عقب التفجيرات الإرهابية التي عصفت ببغداد وقتها، واتهم المالكي حينها نظام الأسد بالوقوف خلفها!

وعليه، فالواضح اليوم أن العراق، ورغم النفوذ الإيراني عليه، لم يعد يحسب حسابا للأسد، ولهذا بالطبع مدلولات كبيرة، أهمها قد يكون أن العراق هو أول الدول المنشقة عن التحالف مع الأسد الذي لم يعد يخيف أحدا ببغداد، وأن طاغية دمشق تحول إلى أسد من ورق في نظر العراقيين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إسرائيل تخشى من مجهول سـوريا وإشعـال الجولان!     

كتب مكتب الجيل للصحافة*

*مكتب للصحافة في قطاع غزة.

المصدر : موقع "قاوم" 28/06/2012

"قاوم" خاص - صعدّت "إسرائيل" في الأيام القليلة الماضية من لهجتها تجاه نظام الرئيس السورى بشار الأسد؛ واصفـةً ما يجري في سوريـا بالمجازر، وأن ما يجري هناك جرائم تكشف الوجـه القبيح لسوريا ومن يدعمها، وهو الأمر الذي رأي فيه محللون وخبراء في الشأن "الإسرائيلي" تغييرًا في الهجة والخطاب وليس في المـوقف.

وقال هؤلاء الخبراء في أحاديثـهم لـ"قاوم" إن "إسرائيل" غيّرت من لهجتها تحت الضغط الأوروبي والدولي، أمام المجازر التي يرتكبها النظام السوري بحق الأطفال والنساء، وما تكشفه يوميًا منظمات حقوقيـة وإنسانية من جرائم تصل إلى حد الإبادة في المدن السوريـة.

ورأى هؤلاء أن "إسرائيل" لا تريد للنظام السوري أن يسقط خوفًا من البديل القادم، سواء أكان البديل هو الفوضى أو صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم، وهو ما تخشاه الأوساط السياسية والعسكرية "الإسرائيلية" التي تمتعت بحدود سورية هادئة طوال العقود الماضية, وأنها تعتبر أي تطور في سوريا خسارة لها ولمرحلة الاستقرار.

الخطاب تغيــر:

ولأن "إسرائيل" حافظت منذ اندلاع الثورة السورية على موقف "النأي بالنفس" وعدم التدخل الظاهري على الأقل، بتأكيد الخبير في الشأن "الإسرائيلي" الدكتور عدنان أبو عامر فإن هذا الموقف في الأيام القليلة الماضية، تغير تمامًا وبدأت وتيرة الخطاب تعلو مطالبة بضرورة إسقاط النظام السوري.

هذا الأمر المفاجئ فسره أبوعامر بالقـول: "ليس سرًا أن حاجة إسرائيل للنظام السوري طوال العقود الأربعة الماضية لم تضاهيها حاجتها لأنظمة عربية عديدة، وقعت معها اتفاقيات تسوية، وتبادلت معها السفراء، ليس بالضرورة لأن حكام دمشق مرتبطون بتل أبيب وفق الصورة النمطية بين أجهزة استخبارات متبادلة، لكن الطرفين أقاما بينهما عقدًا غير مكتوب، يقضي باستراتيجية (البقاء مقابل البقاء)... بمعنى الرضا الإسرائيلي بـ(بقاء) الأقلية الطائفية تحكم الأغلبية السورية، مقابل (بقاء) الهدوء مخيمًا على هضبة الجولان، بحيث لا يسمح لطائر أن يغرد في سمائها دون أخذ الإذن من القصر الجمهوري، وقد قرأ الساسة والعسكر في الجانبين هذه الاستراتيجية، وارتضياها لنفسيهما".

وفي معرض تحليله للموقف "الإسرائيلي" أكد أبو عامر أن دمشق أزعجت تل أبيب كثيرًا باحتضانها حركات المقاومة الفلسطينية، ووفرت لها ما لم توفره عاصمة عربية، ومنحت حزب الله أنبوب أوكسجين عزّ نظيره، لكن ذلك لم يكن يضاهي أن تعود جبهة الجولان لتشتعل من جديد، وهو سيناريو يجتهد "الإسرائيليون" في عدم تخيله، لأنه حينها سيصبح كابوسًا لا يطاق، وهو الأمر الذي حذا بقادة "إسرائيل" إلى تغيير لهجاتهم ومواقفهم.

ومؤخرًا قال رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتانياهو بأن ما يحدث فى سوريا هو مجزرة بحق المدنيين العزل، وأن النظام السورى لا يقف وحده وراء هذه المجزرة وإنما تساعده إيران وحزب الله.

من أجل الغـرب

وفى السياق نفسه أعرب الرئيس "الإسرائيلي" شيمون بيريز عن اعتقاده بأن المجتمع الدولى لا يعمل ما فيه الكفاية لوضع حد لسفك الدماء فى سوريا، واصفًا ما يحدث هناك بأمر فاضح لم يسبق له مثيل.

ويرى أبو عامر أن تغير الموقف "الإسرائيلي" من الأحداث السورية يأتي في ضوء اعتبارات جيواستراتيجية غاية في الأهمية والخطورة، تتمثل بضرب المحور المعادي لها، البادئ بطهران والمنتهي ببيروت مرورًا بدمشق، وهو ما اعتبرته تل أبيب مقدمة أساسية لتوجيه الضربة المفترضة للبرنامج النووي الإيراني.

وشدد على أنّ القلق "الإسرائيلي" يكمن في تبعات التطورات السورية على الحدود في هضبة الجولان، وعدم معرفة أحد بما سيكون عليه الحال إذا تغير النظام وأضاف: "ما زالت دوائر صنع القرار، ومراكز البحث والدراسات الإسرائيلية، منشغلة على مدار الساعة بإعداد سيناريوهات وتقديرات موقف لما بات يسمى (اليوم التالي لسقوط الأسد)، بعد أن كان الموقف السائد لدى أجهزة الاستخبارات بصموده طويلاً في مواجهة الثورة القائمة ضده...".

وبحسب قراءته التحليلية فإن السيناريو الأفضل لـ "إسرائيل" هو بقاء الوضع في سوريا على ما هو عليه أطول فترة ممكنة، لأنه إذا سقط النظام، وصعد الإسلاميون إلى الحكم، سيكون تأثيره سلبيًا على "إسرائيل" وعلى طول الحدود معها.

رعب القادم

ومن حيث انتهـى أبو عامر أكّد الخبير في الشأن "الإسرائيلي" نظير مجلي أن قادة الاحتلال لم يغيروا مواقفهم إنما لهجاتهم وخطابهم الإعلامي وأضاف: "لا شيء تغير.. إسرائيل تريد حدودًا هادئة مع سوريا، ونظامًا ثابتًا لا يهدد أمنها، ويفكر أبدًا في قضية الجولان.. ولكن لهجة الاحتلال تغيرت لأن الغرب والمجتمع الدولي قام بتغيير لهجته ومواقفه من النظام السوري فباتت إسرائيل أمام هذا الخطاب الجديد فهي لا يمكن أن تقول للغرب لا ..".

ورأى مجلّي أن الدماء السورية والمواقف الإنسانية لا تحرض الاحتلال بتغيير مواقفه، واستدرك بالقول: "هي الآن اتخذت موقفًا ناجمًا من الضغوط الدبلوماسية، فلماذا لم نكن نسمع هذه الآراء من قبل... فقط باختصار إسرائيل تشعر الآن برعب من المجهول، والبديل القادم في سوريا... بالتأكيد لها حسابات مع إيران ومع حزب الله، وهي تريد أن توجه ضربة لإيران لكن أكثر ما يعني الاحتلال هنا هو بقاء الحدود الإسرائيلية ثـابتـة لأنها لا تريد أبدًا لثورات الشعوب أن تقترب من حدودها".

حدود هادئة

وأشار مجلّي إلى أن وسائل الإعلام العبرية انشغلت في الأسابيع الماضية برصد التداعيات المرتقبة للثورة السورية؛ مؤكدًا أن كافة التحليلات أجمعت على أن سقوط نظام الأسد سيدخل "إسرائيل" في حال من الغموض والمجهول.

ويرى الخبير والمحلل السياسي ناجي البطـة أن "إسرائيل" تخشى أكثر ما تخشاه هو البديل وأضاف: "الحديث هنا لا يدور عن إيران ولا عن نظام موالي للاحتلال أو نظام معتدل أو محور شر... اليوم كل الأوساط الإسرائيلية تريد جبهة حدود هادئة مع سوريا... ففي حال انهار نظام الأسد أو تطورت الأحداث في سوريا فإن إسرائيل لن تحتمل رؤية حدود مشتعلة... فجميع الأوساط الإسرائيلية الإعلامية منها والسياسية والعسكرية تجمع أن الأسد حافظ على حدود هادئة وأجواء سلمية مع إسرائيل".

واستدرك بالقول: "عينها وموقفها على حدودها مع سوريا، كما أن أكثر ما تخشاه إسرائيل هو انتقال الحكم في سوريا إلى جماعة (الإخوان المسلمين)، التي رأت كثير من التحليلات الإسرائيلية أنها تمثّل القوة الأكثر تنظيمًا في المعارضة السورية، والجهة الأكثر تأثيرًا في تحريك الاحتجاجات، وهي بالتالي الجماعة الأوفر حظًّا لاستلام الحكم إذا ما انهار النظام السوري... وهو ما يجعل قادة الاحتلال يتمنون بقاء الوضع السوري على ما هو عليه لأطول مدة ممكنـة ..".

وقال البطة أن "إسرائيل" تخشى المجهول وتريد فقط أن يبقى الهدوء على الحدود مع سوريا هو سيد الموقف؛ لكن: "الأيام القادمـة قد تأتي بتـوقعات وإجابات لا ترضي قادة الاحتلال..".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«شوارعنا ملوّنة» في سورية لتمجيد الاختلاف قبل الموت

عامر مطر

الحياة 2012/07/02

يتمايل «مهند الحريّة» وسط الشارع على وقع الأغاني. الشاب الذي يعتبر أن الحريّة هي اسمه الثاني، يحمل لافتة مكتوب عليها: «شوارعنا ملونة»، نكاية باللون الأسود الذي يمثل الدكتاتورية بالنسبة له. يُغنّي مع المئات. يرفعون أصواتهم عالياً في وجه المدفعية. يرقصون حاملين اللافتات، قبل أن تسرق القذائف أرواحهم... قرر مهنّد مع مجموعة من الناشطين في الثورة السورية، الاحتفال باليوم السوري للتعددية من خلال الفن. فأطلقوا حملة بعنوان «شوارعنا ملوّنة»، ونزلوا إلى شوارع بلدتهم مارع قرب مدينة حلب، متحدّين كل أشكال القمع والقتل.

يرى المشرفون على الحملة أن هذا الوعي الوطني الذي أثبته الشعب السوري طوال أكثر من سنة على عمر ثورتهم، يستحق الاحتفال باليوم السوري للتعددية، لمواصلة طريقهم نحو الحرية. وللوقوف في وجه الإعلام الذي يعتبرهم طرفاً في «حرب طائفـــية»، عوضاً عن وصفهم بمواطنين يطالبون بالتغيير وبالحريات، جاءت فكرة تنظيم حملة «شوارعنا ملوّنة» في مناطق سورية عدة تبدأ من مارع وتنتقل خلال الأسابيع المقبلة إلى مناطق أخرى.

نظّمت «شوارعنا ملوّنة» حملة رسوم غرافيتية على الجدران، اعتمدت الأعمال فيها على عبارات تدين السلوك الطائفي، إضافة لاستخدام وجوه شهداء من طوائف مختلفة، كالسينمائي الشاب باسل شحادة الذي قتلته قذائف الجيش السوري في مدينة حمص، والمعارض الكردي المعروف مشعل تمو. وأثناء تلوينه أحد جدران بلدة مارع، قال عسكري منشقّ عن جيش النظام، أنه لا يستطيع قتل الأبرياء، لذلك «تركت سلاحي وجئت إلى مارع لأساهم في تلوينها قبل هروبي إلى خارج البلاد». وقدّمت الحملة عروضاً غنائية على مسرح البلدة «المحررة» كما يصفها سكانها، غنت فيها فرقة «تمرّد» مجموعة أغاني الثورة مثل «يالله ارحل يا بشار» للشهيد إبراهيم القاشوش و»جنة جنة» لمغني حمص عبد الباسط الساروت. خلال الحفلة، عُرضت رسالة مصورة للمغني سميح شقير من باريس حيّا فيها المحتفين باليوم السوري للتعددية في مارع، كمشاركة رمزية في حدث وصفه بالتاريخي. كما عرضت مجموعة أفلام من إنتاج مؤسسة الشارع للإعلام، مثل «تهريب 23 دقيقة ثورة»، وفيلم «آزادي»، وفيلم الكرتون «إيد وحدة» الذي أنتجته مؤسسة «آفاق».

لم ينشر المكتب الصحافي للحملة برنامج العروض، خوفاً «من صواريخ قد تسقط لتمنع عرض فيلم عن وحدة الشعب السوري في مواجهة الطاغية في ساحة ما، أو من رصاص قد يخترق قماش لوحة رسم عليها حلم طفل سوري»، بحسب البيان الذي وزّعته الحملة.

ويؤكد منظمو الحملة أنها «مبادرة تأتي الآن لتأكيد أهمية سلميّة الثورة، وإبراز الوجه الجميل لتضحيات الشعب السوري خلال محاولاته لكسر حواجز الخوف والظلم والصمت». يذكر أن الحملة، هي امتداد لـ «احتفالية الشارع السوري» التي قدمت مجموعة من التظاهرات الفنيّة والثقافيّة داخل وخارج سورية، وهي من تنظيم تنسيقية مارع ومؤسسة الشارع للإعلام بالتعاون مع لجان التنسيق المحليّة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل الحرب باتت قريبة؟!

الرأي الاردنية

3-7-2012

صالح القلاب

كل المؤشرات باتت تدل على أن الأزمة السورية ذاهبة وقريباً الى تطورات حاسمة وإن مؤتمر جنيف، الذي انعقد يوم السبت الماضي بمشاركة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة الى تركيا وثلاث دولٍ عربية هي قطر والكويت والعراق، قد انتهى الى فشل ذريع كفشل خطة كوفي أنان نفسها التي، كما هو معروف، تضمنت ست نقاط لم ينفذ منها ولا نقطة واحدة رغم مرور شهرين منذ بداية وضع هذه الخطة موضع التنفيذ التي بات واضحاً ومؤكداً أن مصيرها سيكون مصير المبادرة العربية البائسة والشؤومة.

أمس الإثنين انعقد مؤتمر جديد في القاهرة وبدعوة من الجامعة العربية للمعارضة السورية بكل فصائلها وبكل رموزها حضره مائتان وخمسون معارضاً سورياً بهدف توحيد صفوفها وتوحيد مواقفها والخروج برؤية مشتركة تجاه هذه الأزمة التي تحولت الى حرب شاملة نظراً لإصرار نظام بشار الأسد على حلول العنف والقوة العسكرية ورَفْضِ كل محاولات وسطاء الخير وآخر هؤلاء كوفي أنان الذي جاء بالخطة المعروفة باسم العرب وباسم مجلس الأمن الدولي والأمم المتحـدة.

في مؤتمر القاهرة الذي حضره عدد من وزراء الخارجية العرب وعدد من نظرائهم من المعنية دولهم بالأزمة السورية والذي انعقد تحت شعار :»توحيد قوى المعارضة والخروج برؤية مشتركة تجاه أزمة سوريا الراهنة» قال الأمين العام نبيل العربي :»الحكومة السورية تتحمل مسؤولية حماية الشعب السوري لا أن تقدم على قتله.. وإنه لا يمكن مساواة ما تقوم به القوات الحكومية من انتهاكات بما تقوم به جماعات أخرى.. كما انه لا يمكن لجامعة الدول العربية ومعها المجموعة العالمية التغاضي عن عمليات القتل اليومية».

وهذا كلام لم يقله نبيل العربي بكل هذا الوضوح وبكل هذه الصراحة من قبل ولعل أخطر ما قاله هو :»أن الوقت ليس لصالح الهدوء والاستقرار.. وأنه كلما زاد الوقت كلما زاد القتل.. كما أنه لا توجد إشارة صريحة للجوء الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة لمعالجة هذه الازمة.. كما أن اجتماع جنيف لم ينجح بإصدار قرار ملزم وتحت الفصل السابع كما يرغب العرب».

وحقيقة أن كل هذه التطورات المتلاحقة، من وصول مياه الغرق الى ذقن النظام السوري الى أزمة اسقاط الطائرة التركية بمشاركة روسية الى فشل خطة كوفي أنان وقبل فشل كل المبادرات وعلى رأسها مبادرة الجامعة العربية الى تزايد التدخل الروسي في الشؤون السورية الذي تجاوز كل الحدود الى خروج معظم أراضي سوريا من قبضة النظام، تدل على ان نهاية هذه «اللعبة» باتت قريبة وان الختام قد يكون بافتعال هذا النظام ومعه روسيا وإيران.. وأيضاً الصين وللأسف لحرب إقليمية من غير المستبعد أن تتحول الى حرب دولية سيكون هدفها، إن هي اندلعت، إظهار بشار الأسد على أنه أُسقط بتدخل أمبريالي صهيوني وأن المعارضة الداخلية عبارة عن زمرٍ عميلة للإمبرالية الأميركية والصهيونية العالمية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأمن والفساد في «دولة» الأسد

سعدو رافع *

الثلاثاء ٣ يوليو ٢٠١٢

الحياة

سبعة عشر جهازاً أمنياً أنشأها حافظ الأسد كانت كفيلة بتثبيت حكمه ونقل السلطة إلى ولده بعد مماته من دون أن يعكر صفو هذه اللحظة الحرجة شيء.

نعم لقد استطاعت هذه الأجهزة تثبيت حكم عائلة الأسد لما يقارب الأربعين عاماً، لكنها أيضاً وخلال سعيها لتثبيت الحكم ثبتت قيم الرشوة والفساد والتبعية في كل مناحي الحياة السورية.

أولى المهمات التي كان يعرف بها كبار رجال الأمن هو ترشيحهم للأسماء التي ستتشكل منها الوزارات وقيادات الحزب العليا. فلم يكن لوزير أو أمين فرع لحزب البعث أن يكون ما كانه لو لم يكن سجله «نظيفاً» من وجهة نظر الجهاز الأمني المعني بالترشيح. وكثيراً ما تداول السوريون النكات حول أشخاص تم «شحطهم « من منازلهم ليلاً بلباس النوم ليبلّغوا أنهم سيكونون غداً ضمن تشكيلة الوزارة الجديدة أو مديرين عامين لإحدى مؤسسات الدولة، ولم تكن مهل الاستشارات لتشكيل الحكومة أو قرارات تعيين المديرين العامين المذيلة بتواقيع الوزراء سوى لزوم ما لا يلزم لإعطاء العملية طابعاً بروتوكولياً حرص النظام على عدم الإخلال به أمام الإعلام و «الجماهير الكادحة».

كان الجميع مرتهناً للأجهزة الأمنية، وكل المسؤولين يعلمون أن من «شحطهم» ليبلغهم بمناصبهم الجديدة قادر على «شحطهم» مرة أخرى لجزهم في أقبية الأمن بتهمة الفساد وزعزعة أمن الوطن. لذا فقد كانت طلبات رجال الأمن (وهي شفاهية دائماً) بمثابة الأوامر ذات الضرورة القصوى والأولوية لتنفيذها، بدءاً بطلبات تعيين الموظفين، وليس انتهاءً بالتوقيع على المناقصات والعقود التي لا بد أن لأحد رجال الأمن المصلحة الكبيرة فيها. وبالمقابل فإن كل عقد وكل إجراء قام به مسؤول، وزيراً كان أو مديراً عاماً، هو بحد ذاته وثيقة دامغة لدى الأمن بتورطه بالفساد وباستخدام منصبه للتربح والمنفعة الخاصة وبإهدار المال العام.

ولم يكن أمام هؤلاء المسؤولين سوى خيار القبول، فمنهم من قبل بتنفيذ الطلبات من دون أن تمتد يده «للمال العام» وهم قلائل، ومنهم من سارع للتنفيذ، وبدأ «بلحس أصبعه» من مغانم الصفقات.

كانوا جميعهم متورطين وغالبيتهم مستفيدين.

أما بالنسبة للأمن فقد كان هؤلاء المسؤولون أشبه «بخراف العيد» المعتنى بها لساعة الحاجة. وساعة الحاجة هذه موقوتة على ساعة رأس النظام، الذي بيده وحده قرار تبييض الوجه الحكومي وتبييض السجون.

لقد عرفت سورية على مدار حكم الأسد الأب ومن بعده الابن، الكثير من حالات محاكمة مسؤولين وعزل مسؤولين والحجز على ممتلكاتهم وأموالهم، وحتى انتحارهم بعد أن بان «فسادهم» كما حصل مع رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي، الذي عاش في كنف النظام طيلة عمره المهني وكان رئيس المؤسسة التشريعية والمؤسسة التنفيذية بعدها لقرابة العشرين عاماً. لكنها نادراً ما سمعت عن عزل مسؤول أمني أو محاكمته بتهمة الفساد أو الإفساد.

ومن باب التكامل فقد كان لا بد من ربط العمل الحكومي بالاقتصادي من وجهة نظر أمنية، ضماناً وحماية من أي تحالف قد يشذ عن نظرة «القائد».

لا يعمل مع هذه الشريحة سوى رجال الأمن المحظوظين والمرضي عنهم من القيادة في شكل كامل، فهنا المال والمتعة، هذا المكان هو مكان حصد نتائج الولاء، وبناء مستقبل زاهر للأولاد بعد ضمان تقاعد يشبه تقاعد الأمراء.

كان على كل رجل أعمال أن يبني أفضل العلاقات مع رجال الأمن فهم حماة أعمالهم وهم الجهة الوحيدة القادرة على طي ملفات هيئة الرقابة والتفتيش أو فتحها حسب الحاجة، وهم من يحدد الفائزين بالمناقصات الكبيرة.

بل إن دائرة نفوذهم قد توسعت بعد ولوج سورية في ما بات يُعرف اقتصاد السوق الاجتماعي وانفتاح الاستثمار في قطاعات الاتصالات والمصارف وشركات التأمين، التي كانت جميعها تحت رقابة الأجهزة الأمنية تحت ما يسمى هيئة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

وخلال سنوات قليلة تحول ضباط الأمن إلى مستثمرين وشركاء لكبار رجال الأعمال مقابل خدماتهم التي لا تعدو كونها درء الأذية عن العاملين في هذا القطاع.

وبمراجعة بسيطة نجد أن معظم ضباط الأمن الكبار، أصبح أبنائهم هم رجال الأعمال الجدد، حيث شكلوا أقوى تحالف مع النظام تحصد سورية وشعبها نتائجه اليوم في ظل الثورة، وقدرة النظام على الاستمرار حتى الآن.

أما الشريحة الأكبر عدداً والأوسع انتشاراً وهي شريحة «الكادحين وصغار الكسبة» حسب أدبيات البعث في تعريفه لشرائح المجتمع، فقد كان يكفي لقمع هذه الطبقة من قبل الأمن هو تركها لتماثيل «القائد» والمخبرين وأمناء الفرق والشعب الحزبية. فقد كانت هذه التشكيلة قادرة على حبس أنفاس المواطنين إلى أبعد حدود، وفي حالات الضرورة يمكن لجهاز الأمن أن يتدخل مباشرة.

والأمن في هذه الحالات لا يتدخل إلا لهدفين، الأول تأديبي عقابي يطاول الشخص المعني، والثاني هو منفعة (على مستوى العناصر وصف الضباط) قد يحصلون عليها بطرق ابتزازية.

ومن المفارقات الغريبة في سورية هو أن معظم المخبرين (إن لم يكونوا كلهم) الذين يعينهم الأمن، معروفون من قبل الأهالي. إذ لم يكن الأهم هو ما يقوم به هؤلاء المخبرين من كتابة التقارير عن كل شاردة وواردة، بل كان هو إظهار حضور السلطة الأمنية في كل زاوية وتحت كل حجر في سورية.

في كل ما ذُكر فإن الجهة الوحيدة التي كانت معفية من الملاحقة والعقوبة (إلا بعد موافقة القائد) هم «طبقة الأمن» ولا أحد غيرهم، وفق قانون سنّه لهم «القائد» تعزيزاً لدورهم الرائد في بناء نظامه المغلق، نظام «سورية الأسد».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حرب أهلية في سورية؟

سلامة كيلة *

الثلاثاء ٣ يوليو ٢٠١٢

دار الحياة

النغمة التي بدأت تسود هي أن سورية دخلت مرحلة الحرب الأهلية. فهل دخلت سورية مرحلة الحرب الأهلية؟

الموفد الدولي أشار إلى ذلك، وقالها بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وباتت العنوان الرئيس في كبريات الصحف العالمية، ويروّج لها في الإعلام العربي.

أولاً مطلوب أن نعرف معنى الحرب الأهلية، حيث كما يجري عادة تلقى الكلمات من دون تحديد المعنى المقصود، أو يجرى تداولها بمعانٍ مختلفة. فالحرب الأهلية عادة ما ترتبط بالصراع ليس بين الشعب والسلطة الحاكمة بل بين فئات الشعب ذاتها. الحرب الأهلية اللبنانية كانت بين طرفين قيل إن كلاً منهما يمثّل طائفة (مسيحيون/ مسلمون)، والحرب الأهلية الإسبانية كانت بين من هم مع الجمهورية ومن هم مع الملكية من الشعب ذاته. بمعنى أن الحرب هنا تتحوّل من حرب بين فئات من الشعب والسلطة الحاكمة إلى حرب بين فئات من الشعب ذاته، أو تبدأ أصلاً بصراع بين فئات من الشعب.

في سورية، كل ما يشار إليه هو أن الصراع يتحوّل من صراع بين الشعب والسلطة الحاكمة إلى صراع بين فئات من الشعب ذاته. والقصد هنا هو أن الصراع يتحوّل إلى صراع طائفي (سنّي/ علوي) بالتحديد. والمبرر الذي يجرى الاستناد إليه هو المجازر التي ترتكبها «قوى» من السلطة (الشبيحة)، وردود الفعل عليها. آخرها مجزرة الحولة (ومجازر أخرى لحقتها). أو تجرى الإشارة إلى توسّع نشاط الجيش الحرّ للقول إن الصراع يتحوّل إلى حرب أهلية.

على الأرض لا يزال الصراع بين الشعب والسلطة مستمراً، حيث توسعت الفئات المشاركة في الثورة وأصبحت السلطة بلا قاعدة شعبية، أو حتى اجتماعية بعد أن تحوّل التجار من داعم للسلطة، وبعضهم ممول للشبيحة، إلى مقتنع بضرورة رحيل السلطة التي ظهر أنها عاجزة عن حسم الصراع وتحقيق الاستقرار الضروري للحركة الاقتصادية. ومن ثم انتقل بعضها خطوة عبر اعلان الإضراب. وعلى رغم كل محاولات السلطة تسعير الصراع الطائفي منذ أشهر، خصوصاً في حمص، فقد ظلت ردود الفعل الشعبية تتسم بالتركيز على الصراع مع السلطة وليس مع طائفة تريد السلطة زجّها في صراع طائفي (وأقصد العلويين) من أجل ضمان تماسكها حول هذه السلطة نتيجة أن «البنية الصلبة» التي تعتمد عليها هي من هذه الطائفة تحديداً. ولم تحدث سوى ردود أفعال لحظية تجاوزت ذلك. لهذا ظل الصراع مركزاً على الأشكال التي بدأت الثورة بها واستمرت، ولم تنحرف نحو صراع طائفي تريده السلطة.

في المقابل، لا نستطيع أن نقول إن العلويين يخوضون صراعاً طائفياً. هناك شبيحة يمارسون القتل، وهم مدربون في إطار شبكة المافيا التي تأسست مع جميل الأسد وورثها رامي مخلوف وماهر الأسد، بالتالي فهؤلاء جزء مافيوي عسكري مرتبط بمصالح من يتحكم بالسلطة. أما العلويون، وعلى رغم ما يبدو من تمسك بالسلطة من جانبهم، فإنهم في كثير من القرى والبلدات يميلون للانكفاء خوفاً من ردود الأفعال التي يمكن أن تنتج من مجازر السلطة وممارسات الشبيحة.

بهذا، لا نلمس أن الوضع قد وصل إلى مرحلة الحرب الأهلية، ولا يبدو أنه سيصل نتيجة تمحور الصراع حول مطالب الشعب ومواجهة السلطة التي أوصلته إلى الوضع الذي هو فيه. لهذا تستمر التظاهرات، ويتوسع نشاط الجيش الحر ضد السلطة، ويبقى الهدف المركز حاضراً، أي إسقاط السلطة وليس التوهان في صراع طائفي. الشباب الذي يلعب الدور المحوري في الثورة يعي أن صراعه هو مع السلطة، ومع هذا يدافع عنها فعلياً، وأن هدفه هو إسقاط السلطة. لهذا، وعلى رغم حدوث تجاوزات، فإن الصراع ظل صراع شعب ضد سلطة. وسيظل كذلك نتيجة وعي هؤلاء.

لهذا يمكن القول ان كل الكلام عن حرب أهلية هو إما نتيجة سوء فهم (وأحياناً نتيجة تشوش المفاهيم، أو استعجال الأحكام) أو نتيجة سعي لتحويل الصراع إلى حرب أهلية. هذا الأخير يبدو واضحاً في سياسة بعض البلدان التي تقول انها تدعم الثورة، وتدفع نحو التسليح لتحويل الثورة الشعبية إلى حرب مسلحة مختلّة القوى منذ البدء، وتقوم على أكتاف قوى أصولية ربما تسعى للانجرار إلى حرب طائفية على أمل استجرار التدخل الإمبريالي. وبالتالي، فإن الكثير مما ينشر في الإعلام الغربي والعربي ليس بريئاً، ولا هو نتاج رؤية واقعية أو خطأ «معرفي». فما يبدو واضحاً هو أن هناك من لا يريد للثورة السورية أن تنتصر، ويعتقد أن أفضل الطرق لإفشالها هو تحويلها إلى حرب مسلحة تتخذ منحى طائفياً. وهذا ما أرادته السلطة منذ البدء.

ليس في سورية حرب أهلية، ولا أظن أنها ستكون، لأن الشعب صمم على إسقاط النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة الباهظة الدم ... أوباما الذي يتفرج

الرأي العام

3-7-2012     

أصبح جليا لغالبية من السوريين والعرب بعد سقوط نحو عشرين الف شخص برصاص ونيران قوات الأمن والجيش وعناصر الشبيحة الموالين للرئيس بشار الاسد، وبعد فشل كل الاجتماعات واللقاءات الديبلوماسية بين القوى الكبرى المتعلقة بالأزمة السورية لوضع حد لإراقة الدماء وللنظام المتمادي في القتل والوحشية ضد شعبه، اصبح واضحا ان السوريين سيبقون لوحدهم لفترة من الزمن قد تكون طويلة، بانتظار ان تحسم الامور على الارض اما لصالح الشعب الذي خرج هاتفا «الموت ولا المذلة» او للنظام الذي رفع شبيحته شعار «الاسد او نحرق البلد»... حقا لا يوجد في سورية اليوم سوى هذين الطريقين في ظل عالم وقوى كبرى عاجزة عن المساعدة في التوصل الى حل حاسم يوقف إراقة الدماء.

مع بدء موجة الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن، كان السوريون قد تأخروا قليلا وسط استغراب الكثير من المراقبين، ووقتها قال البعض انه من شبه المستحيل ان ينتفض السوريون على نظام شبه حديدي يراقب مواطنيه في غرف نومهم ويعد عليهم أنفاسهم، لكن ما هي الا اشهر قليلة حتى بدأت الهتافات تعلو هنا وهناك، في سوق الحميدية وسط دمشق ثم درعا فبانياس واللاذقية ثم إدلب وحمص وجسر الشغور وداريا ودوما وصولا الى غالبية المناطق والبلدات السورية، طبعا كان يترافق مع خروج السوريين السلمي الى الشوارع عمليات بطش وتنكيل رهيبة بحق المتظاهرين الذين قرروا رغم كل ذلك البطش والقتل ان يستمروا في خيارهم السلمي.

وما هو محزن ان الرئيس الاميركي باراك اوباما احتاج الى اكثر من خمسة اشهر ليطلب من الرئيس السوري التنحي رغم مقتل الآلاف من المنتفضين، ومنذ تلك اللحظات التي طالب بها أوباما الاسد بالتنحي، لم تقم الولايات المتحدة بخطوة جدية او حاسمة تساعد في التخلص من النظام السوري او تعجل في إسقاطه، وبدت روسيا تلعب دورا يفوق دور وقوة الولايات المتحدة، وبدت ايضا انها تتحكم في مجلس الأمن الدولي وتفرض رأيها وتقرر ما تريد في الشأن السوري، وسط ذهول كثير من المراقبين الذين عادوا واستذكروا كيف ان الولايات المتحدة قادت الحملة الدولية لوقف حرب الإبادة الصربية ضد البوسنيين في اوائل ومنتصف التسعينات ووقتها لم يكن من بد امام روسيا سوى القبول والإذعان لما يحصل على مقربة من حدودها وضد حليف اقرب اليها من بشار الاسد ونظامه بكثير.

قد يقول قائل ان الولايات المتحدة فرضت كثيرا من العقوبات الاقتصادية ضد النظام السوري ومسؤولين كبار فيه، نعم هذا صحيح، لكن علينا ان نعرف انه لا توجد علاقات اقتصادية ثنائية بين الولايات المتحدة وسورية ولا يفضل المسؤولون السوريون وضع أموالهم وارصدتهم في بنوك أميركية، لا بل تكاد تكون العلاقة بين البلدين شبه مقطوعة.

اما بالنسبة للدول الاوروبية وغير الاوروبية التي فرضت مثل تلك العقوبات، فيمكن القول انها لم تؤثر ولن تؤثر كثيرا على النظام الذي يوجد من الدول الحليفة والمجاورة ما يجعله يتجاوز تلك العقوبات ويلتف عليها، بدءا من الحكومة والسوق العراقية ومرورا بالمصارف اللبنانية وانتهاء بالتمويل الإيراني والتسليح الروسي. وعليه فإنه وان كان هناك متضرر من تلك العقوبات فهو الشعب السوري نفسه الذي كان يعتمد على بعض المنتجات الغربية التقنية والطبية ربما.

لقد كان لافتاً للنظر كما اسلفنا ان الرئيس الاميركي باراك أوباما احتاج اكثر من خمسة اشهر ليطلب من الرئيس بشار الاسد التنحي رغم قتله للآلاف من السوريين، وقد كان لافتاً اكثر تلك العبارات الديبلوماسية الأنيقة والمحسوبة جيدا للمسؤولين الأميركيين حين تناولهم للمسألة السورية وقضية الحرية في سورية، لقد كانوا يتحدثون عن التعقيد والخطر الاقليمي الذي يلقي بظلاله على التدخل لصالح المنتفضين بعكس ليبيا حيث كانت جميع الدول الغربية متحمسة لمساعدة الثائرين فيها ضد نظام القذافي، ثم من ناحية اخرى كانوا يتحدثون عن ضعف المعارضة السورية وعدم وحدتها وعن ضمانات يجب ان تعطى للأقليات وعن الفراغ الذي سينجم عن مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، وايضا كانوا يتحدثون عن قوة الجيش ودفاعاته الجوية وعن الديموغرافية السورية والحدود الاسرائيلية والاستقرار الاقليمي وغيرها الكثير من الحجج والذرائع في وقت كان فيه النظام يفتك بمعارضيه ويقتلهم بوحشية.

واليوم وعلى الرغم من ان المحتجين تخلوا عن سلميتهم والتفتوا لحمل السلاح لحماية انفسهم من قوات وشبيحة النظام ودباباته ومدفعيته ومروحياته، فإن الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لم تفعل شيئا سوى التأكيد على ان نظــــام الاســــد «ســيــسقط عاجلا ام آجـــلا» او انـــها «مسألة وقت»...

حتى تركيا التي اسقط لها النظام السوري طائرة حربية لم تفعل شيئا سوى التلويح والتهديد والتحذير...

حلف الناتو أيضا، ورغم ان تركيا تعتبر عضوا أساسيا فيه، الا انه لم يفعل ولم يرد على ما حصل الا بالشجب والاستنكار والإدانة.

ومنذ صرخة «الموت ولا المذلة» وحتى مؤتمر جنيف للقوى الكبرى، ما زال الشعب السوري وحيدا لكنه مصمم على المضي الى نهاية الطريق رغم فداحة الثمن ورغم صمت وعجز الولايات المتحدة والعالم الغربي الذي لطالما تشدق وتغنى بدعمه لقضايا الحريات وثورات الربيع العربي.

لقد صدق من قال ان الولايات المتحدة غير مستعجلة للهرولة الى سورية طالما لا توجد فيها حقول نفط تُسِيل لعاب الادارة الاميركية والدول الغربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيرالله خيرالله / تركيا والنظام السوري ... والحسابات القديمة

الرأي العام

3-7-2012

هناك حسابات قديمة، من نوع الحسابات الجارية، بين تركيا والانظمة المختلفة التي توالت على الحكم فيها من جهة والنظام السوري الحالي، المقيم في دمشق منذ العام 1970، من جهة اخرى. الجديد في هذا المجال انّه للمرّة الاولى، منذ خلف والده رئيسا للجمهورية العربية السورية، يصف الرئيس بشّار الاسد الوضع في بلده على حقيقته وذلك انطلاقا من اسقاط الجانب السوري لطائرة عسكرية تركية.

اخيرا، قال الرئيس السوري ان سورية في حال «حرب حقيقية». نعم ان سورية في حال حرب حقيقية ولكن ليس مع تركيا، كما يريد تصوير الامر. انها حرب بين الشعب السوري الذي يرفض الذل والاستعباد من جهة ونظام عمره اثنان واربعون عاما من جهة اخرى. هذا كلّ ما في الامر. هناك حرب بين نظام يرفض الاعتراف بانّه انتهى بعدما ادى الغرض المطلوب منه وشعب يعتبر ان من حقه استعادة حرّيته وكرامته ليس الاّ.

يسعى النظام منذ بدأت الثورة الشعبية في سورية، وهي امّ الثورات العربية وذروة الربيع العربي وجوهرته، الى تصوير الامر بأنّه مؤامرة على سورية. هناك بالفعل مؤامرة على سورية. يقف خلف هذه المؤامرة النظام القائم الذي حرم السوريين من حق العيش بكرامة واخذهم من عملية هروب الى الأمام الى اخرى تفاديا للتعاطي مع الواقع المتمثل في حقوق المواطن السوري. انها الحقوق الطبيعية التي يفترض بأيّ مواطن في اي بلد كان التمتع بها او بالحد الادنى منها.

يعطي تطور العلاقات السورية- التركية في السنوات الاربعين الماضية فكرة عن عجز النظام السوري عن التعاطي مع الواقع، اضافة بالطبع عن العالم الخاص الذي يعيش فيه هذا النظام والذي يجعل منه حالة فريدة من نوعها على الكرة الارضية. لا يزال الدخل الفردي في سورية يتراجع باستمرار منذ تولي حافظ الاسد السلطة في العام 1970 من القرن الماضي، في حين ان تركيا قصة نجاح اقتصادي جعلها بين الدول العشرين الاولى في العالم، في المقابل ان دخل الفرد السوري دون دخل الفرد اللبناني او الاردني. يحصل ذلك فيما لبنان بلد فقير بكلّ المقاييس بينما الاردن من بين افقر دول العالم نظرا الى افتقاره لأي ثروات طبيعية باستثناء ثروة اسمها الانسان...

بدل استفادة النظام السوري، الذي يتمتع بثروات كثيرة، من حال الجوار مع تركيا اذا به يسعى في كلّ وقت الى ابتزاز هذا الجار بكلّ الوسائل المتاحة وكأن الدور الاقليمي لسورية يمكن ان يتحقق على حساب تركيا ومن القدرة على الاساءة اليها. ولذلك، كان رئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان في غاية الصراحة والوضوح في خطابه الاخير الذي تطرّق فيه الى حادث اسقاط الجهات السورية للطائرة التركية. لم يخف اردوغان خيبته من عدم حصول تغيير في السياسة السورية تجاه تركيا في عهد الاسد الابن. بدا كأنّ التاريخ يعيد نفسه وان النظام السوري لم يتعلّم شيئا من تجاربه السابقة مع تركيا التي تعرف جيّدا طبيعة هذا النظام وكيفية التعاطي معه واللغة الوحيدة الصالحة لذلك.

الاكيد ان اردوغان اعاد فتح ملفّ الدعم السوري لما يسمّى «الجيش الارمني السري» الذي كان يعمل ضد تركيا انطلاقا من الاراضي السورية واللبنانية وبلدان اخرى. الاكيد ايضا ان رئيس الوزراء التركي استعاد سجلّ العلاقات السورية- التركية ابان الحرب الباردة. على سبيل المثال وليس الحصر، وقعّت سورية معاهدة صداقة وتعاون مع بلغاريا في ابريل من العام 1985 بعدما توترت العلاقات التركية- البلغارية لاسباب مرتبطة باجبار النظام الشمولي في بلغاريا ابناء الاقلية التركية في بلغاريا على تغيير اسمائهم. بدا وكأنّ لا هدف للسياسة السورية في تلك المرحلة سوى تطويق تركيا وانهاكها بكلّ الوسائل الممكنة.

لنفترض انّ الحملة السورية على تركيا كانت مرتبطة بالحرب الباردة، لماذا استمرّت هذه الحملة بعد انتهاء تلك الحرب وانهيار الاتحاد السوفياتي الثابت انه لم تكن لدى النظام السوري في ايّ يوم من الايام سياسة اخرى يمارسها مع جيرانه من عرب وغير عرب سوى الابتزاز وتصدير الارهاب الذي يسميه «الامن».

لم يتغيّر شيء في طريقة التعاطي مع تركيا او العراق او لبنان او الاردن...او البحرين. تركيا ادركت ذلك اواخر التسعينات من القرن الماضي. ما ادركته خصوصا انه كان عليها توجيه تهديد مباشر الى دمشق في حال كان مطلوبا الانتهاء من عمليات «حزب العمال الكردي» الذي كان يتزعمّه عبدالله اوجلان المقيم بين سهل البقاع اللبناني والعاصمة السورية.

كان التهديد المباشر كافيا كي ينتهي اوجلان في سجن تركي. اكثر من ذلك، تخلت سورية نهائيا عن «اللواء السليب»، اي لواء الاسكندرون. اعتقدت تركيا ان النظام السوري تغيّر وانّه على استعداد لسلوك نهج مختلف يقوم على الانفتاح والتعاون والحوار والمصالح الاقتصادية المشتركة وليس على استخدام العلاقة مع تركيا للتفرّغ للبنان في مرحلة معيّنة ثمّ لقمع الشعب السوري، خصوصا منذ اندلاع الثورة الشعبية قبل ستة عشر شهرا.

ما اكتشفه المسؤولون الاتراك اخيرا يتمثّل في ان النظام السوري غير قابل للاصلاح بأيّ شكل. تلك خلاصة الخطاب الاخير لاردوغان. لو كان ذلك ممكنا، لكان الرئيس السوري اعترف بانّ الحرب الدائرة في سورية لا علاقة لها بالخارج وانّ كلّ ما عليه عمله هو الرحيل اليوم قبل غد، لا لشيء سوى لانّه ليس في استطاعة نظام، ايّ نظام، الانتصار على شعبه.

لو كان في استطاعة ايّ نظام الانتصار في حرب على شعبه، لكان النظام البلغاري، بزعامة تودور جيفكوف، الذي وقّع معه الرئيس الراحل حافظ الاسد معاهدة الصداقة والتعاون منتصف الثمانينات من القرن الماضي حيّا يرزق. ربّما كان الامر الوحيد الذي تختلف فيه سورية عن غيرها انّ تأخّر النظام في اعلان نهايته ستكون له انعكاسات على الكيان السوري بشكله الحالي... وهذا ما تدركه تركيا قبل غيرها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أميركا وروسيا وبورصة الدم السوري!

راجح الخوري

الحياة

2012-07-03

انتهى مؤتمر جنيف حول الازمة السورية بمفارقة فاجعة لأنها تعطي فرصة طويلة لاستمرار القتل، لكنها على ما يبدو فرصة تم التفاهم عليها بين الاميركيين والروس في لقاء باراك أوباما وفلاديمير بوتين في المكسيك ثم في محادثات هيلاري كلينتون وسيرغي لافروف في سان بطرسبرج.

ما حصل في جنيف هو الاتفاق على "الانتقال السياسي" الذي تقول كلينتون انه يمهد الطريق لما بعد الاسد، بينما يرى لافروف انه يجب ان يأتي على يد الشعب السوري. لكن عندما يتحدث كوفي أنان عن الحاجة الى سنة لتنفيذ هذا الانتقال، فذلك يعني "وصفة متوحشة"، فاذا كان معدل عدد القتلى قد وصل الى مئة في اليوم الواحد فقد يسقط أربعون ألفاً في تلك السنة الكارثية!

بعدما قرأ أنان نص البيان الذي يدعو الى "وجوب تشكيل حكومة انتقالية تملك كل الصلاحيات التنفيذية للعمل على تطبيق النقاط الست والتي يمكن ان تضم أعضاء في الحكومة الحالية والمعارضة على قاعدة التفاهم المتبادل بين الاطراف"، لاحظنا ان السيدة كلينتون صفّقت في حماسة لافتة بينما انطلقت أسئلة مؤلمة:

مَنْ سيتفاهم مع مَنْ لتشكيل هذه الحكومة بعد سقوط ما يقرب من 19 ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى وتدمير المدن على رؤوس أهلها؟ بشار الأسد الذي أعلن انه يخوض حرباً ضد "الارهابيين" وسينتصر فيها أم المعارضة التي تكرر منذ شهور أنها لن تفاوض إلا على رحيل نظام القتل؟

هذا السؤال وغيره كان محور نقاش طويل وحاد بين رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم ووزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو من جهة ولافروف من جهة اخرى، على خلفية انه من غير المعقول إعطاء سنة لحل غير قابل للتنفيذ ستتحول فرصة للقتل وحمامات الدم!

كثيرون ومنهم وزير خارجية العراق هوشيار زيباري اشتمّوا رائحة تفاهم ضمني بين الروس والاميركيين سبق لقاء جنيف، فحواه ان الطرفين متفقان على حتمية التغيير بما يعني ان موسكو تخلت أخيراً عن الأسد شرط ان يتم بطريقة مدروسة.

واضح ان في خلفيات الموقف الغربي رغبة آنية في عدم التدخل لوقف المذابح، وخصوصاً في ظل الموقف الروسي الذي يوفّر ذريعة لأميركا والدول الأوروبية لعدم التدخل بانحيازه الغبي الى جانب النظام، فأميركا الغارقة الآن في السبات الانتخابي تحتاج الى سنة تقريباً لتعيد تحريك ماكينتها الخارجية، والدول الأوروبية غارقة في أزمة اقتصادية ثقيلة.حكومة انتقالية تملك كل الصلاحيات [بما فيها صلاحيات الأسد المطلقة؟] تشكل بالتفاهم بين النظام والمعارضة؟ لكن لو كان من الممكن حصول هذا التفاهم هل كان السوريون في حاجة الى خطة أنان وقد باتت مجرد جثة لكنها توفر تغطية ديبلوماسية لمسلسل المذابح المتنقلة في سوريا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصير سوريا تحسمه الثورة قبل المؤتمرات

علي حمادة

النهار

3-7-2012

بين اجتماع مجموعة الاتصال الدولية حول سوريا الذي عقد يوم السبت الفائت في جنيف، والاجتماع الموسّع لفئات المعارضة السورية الذي عقد امس الاثنين برعاية الجامعة العربية في القاهرة، ومؤتمر اصدقاء سوريا الثالث المفترض انعقاده في الخامس من تموز الجاري في باريس، رابط أساسي يجمع بين هذه التظاهرات الدولية الكبيرة والأزمة السورية المستعصية: انها الثورة التي أثبتت رسوخها على أرض الواقع بحيث صار البحث على المستوى الدولي (حتى بوجود روسيا الاتحادية وقبولها الشكلي) بما يسمى المرحلة الانتقالية في سوريا، وهي تعني من الناحية العملية ان النظام في سوريا انتهى وان بشار لم يعد جزءاً من مستقبل سوريا، وان يكن جزءاً من حاضرها الدموي المقيت. هذه نقطة مهمة تسجل للثورة وللثوار الى اي جهة انتموا. فالصمود الاسطوري للشعب في كل مكان من سوريا أنهى عملياً كل إرث لحافظ الأسد، ودفن جمهوريته، ودمّر كل رموزه الحيّة والصنمية.

انطلاقاً مما تقدم، يمكن القول ان الثورة التي يواجهها بشار وبطانته بالحديد والنار والمجازر وقتل الاطفال واغتصاب النساء، أثبتت أنها لن تتوقف قبل إسقاط النظام بكل رموزه. وما الانقسامات الظاهرة على مسارات الثورة والثوار بالامر الذي يمكن ان يهدد بتغيير قدر النظام المحتوم، أي السقوط المدوّي. نقول هذا وكلنا ايمان بأن الشعب الذي خرج من البيوت لن يعود إليها قبل إخراج بشار من القصر الجمهوري، كما أن الذين حملوا السلاح رغماً عنهم بعد سقوط عشرة آلاف شهيد لن يلقوا البندقية قبل اللقاء الكبير في دمشق على جبل قاسيون في ما يسمى "قصر الشعب"، الذي كان رفيق الحريري بناه وقدمه للشعب السوري في تسعينات القرن الماضي قبل أن يفجره بشار و"حزب الله" في قلب بيروت بطنّين من المتفجرات! بالعودة الى الحراك الدولي المكثّف حول سوريا، نعتبر ان ما يحصل معناه ان القضية السورية باتت بيد المجتمع الدولي، وان قول حاكم القرداحة انه لا يقبل سوى بحل يأتي من سوريا نفسها، لا قيمة له، اللهم الا اذا كان يريد القول ان الحسم العسكري هو الحل الوحيد الذي يرتئيه للأزمة. والحال ان الواقع يشير بما لا يقبل الشك الى ان التفوّق العسكري للنظام لم يمكنه حتى الآن من حسم المعركة في أي بقعة من البقاع الساخنة من سوريا. والثوار يدقون أبواب دمشق نفسها. وبالرغم من فداحة الثمن الذي يدفعه الشعب السوري، فإن البطولات الأسطورية التي نشهدها ويشهدها العالم بأسره لا تدع مجالاً للشك في المآل النهائي للصراع في سوريا. بهذا المعنى يمكن القول ان الحل لن يكون الا سورياً ما دام المجتمع الدولي يحجم عن التدخل ضد سفاح الأطفال، فالثورة آيلة الى انتصار في ساحة المعركة، ومن يدعمون النظام مثل "حزب الله" مدعوون الى التواضع، لان ما بعد سقوط حاكم القرداحة لن يكون كما قبله، إن في سوريا أو لبنان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر جنيف.. وماذا بعد؟

جامعة الدول العربية عليها أن تصدر قرارا ملزما بطرد جميع السفراء الصينيين والروس من جميع الدول العربية إذا استمرتا في دعم نظام الأسد ووقف التعاملات التجارية والاقتصادية

د. سلطان عبد العزيز العنقري

الثلاثاء 03/07/2012

المدينة

من ينظر إلى المؤتمرات والاجتماعات ومؤتمرات أصدقاء سوريا في كل مكان يقل ان العرب والمسلمين عاجزون عن عمل أي شيء لشعب يذبح بل هم فقط يتفرجون على المجازر والإهانات لبني آدم في سوريا!!جامعة دول عربية تعطي المقاولات بالعظم للجنرال السوداني الفاشل الدابي، ثم بعد فشله تسلم المقاولات لكوفي عنان الفاشل الآخر بالمفتاح لتترك دولاً فاشية كالصين وروسيا، لا تضع في الأصل وزناً لحقوق الإنسان في بلادها، تفعل بنا ما تشاء بل قامت بتركيع الشعب السوري حتى يرجع إلى بيت الطاعة؟!!هذا هو التفسير الحقيقي لمهازل المجتمع الدولي الذي يتحمل المسؤولية بالكامل لشعب ينحر كالخراف.ولنكن أكثر دقة فإن المجتمع الدولي هو من يملك المقاعد الخمسة في مجلس الأمن الذي يعنى بالأمن والسلم العالميين وتحديدا الصين وروسيا اللتين كشفتا عن وجهيهما القبيح كمتحدثتين رسميتين باسم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والتي بإمكانها في أقل من دقيقة واحدة إيقاف حمامات الدم التي يرتكبها نظام بعثي فاشي مذهبي عنصري لم يشهد التاريخ لا القديم ولا المعاصر على الإطلاق وحشية مثله.روسيا الفاشية يتبختر فيها مختطف الرئاسة الروسية من صندوق انتخابات عصفت به وحزبه.فلاديمير بوتين نجح بامتياز بإشغال الرأي العام العالمي به بعد أن أطاح بشعبه بضربة كاراتية التي يجيد استخدامها . بوتين زعيم الكي جي بي في عهد الاتحاد السوفيتي سابقا المنحل نجح في إشغال شعبه حتى ينسوا تزويره لانتخابات بشهادة ميخائيل جورباتشوف الذي دمر الاتحاد السوفيتي بنظريته الفاشلة «البروستوريكا»،أي نظرية التحول من النظام الشيوعي الفاشل إلى النظام الرأسمالي في يوم وليلة.جورباتشوف هو من خلف تركة ثقيلة أتت بعدها عصابات الكي جي بي المنحل لكي تدير روسيا والعالم بزعامة بوتين وفق مفهوم لعبة الكاراتية التي يفترض أنها لعبة للدفاع عن النفس وليست لعبة للهجوم على الآخرين!! .بوتين أتى بزيارة خاطفة لإسرائيل لقبض الثمن السياسي والاقتصادي وغيره من الأثمان الباهظة من حكام إسرائيل بعد أن خسرت إسرائيل أنظمة كانت تدعمها بل إنها أنظمة تنفيذية لإسرائيل التي تشرع لتلك الأنظمة. واقع الحال يقول لنا أن إسرائيل تتخبط وتعيش أزمة حقيقية لا قبلها ولا بعدها وبخاصة بعد ما يسمى بالربيع العربي وفوز الإخوان المسلمين في مصر والأحزاب الإسلامية الأخرى في تونس وليبيا والأدوار قادمة. إسرائيل وروسيا والغرب يعرفون جيدا أن من يوحد الشعوب هو عقيدتهم الدينية وليست الأنظمة.ثم يأتي بوتين لزيارة محمود عباس ليقدم له الوصايا العشر بعدم القيام بأية إجراءات أحادية الجانب تضر بإسرائيل، أي عدم القيام من جانب واحد بإعلان دولة فلسطين ودخولها كعضو في منظومة الأمم المتحدة ولم نر هذا الروسي المسمى بوتين ينصح إسرائيل بإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين،وهم بالآلاف،وبوقف الاستيطان وبناء المستوطنات في القدس والضفة الغربية، والتوقف عن تهويد القدس وإزالة معالمه العربية والإسلامية هذا هو الإجراء أحادي الجانب من قبل إسرائيل الذي نافقها بوتين عند ساحة البراق (حائط المبكى) وقال: «هنا نشاهد كيف أن التاريخ اليهودي محفور في حجارة القدس» متحديا لمشاعر العرب والمسلمين؟!!.روسيا وشرها لم يطل فحسب الشعب السوري من أجل الإبقاء على مصالحها ووجودها العسكري وقاعدتها البحرية في طرطوس بسوريا وغيرها من المصالح الخفية والعلنية بل طال شرها الشعب الفلسطيني. توقيت زيارة بوتين أتت قبل مؤتمر جنيف بعدة أيام لكي يسأل إسرائيل المتورطة ماذا تريد بالضبط؟!! والتي ورطت روسيا وجعلتها تكسب عداوات العالمين العربي والإسلامي وتخسر مصالح لها في الشرق الأوسط لا يمكن تعويضها .نعود إلى مؤتمر جنيف الذي يعارض التنين الصيني والدب الروسي انتقال سلمي للسلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية يستبعد منها رموز النظام والظلام ومصاصو الدماء في حزب البعث الفاشي الدموي .جامعة الدول العربية عليها أن تصدر قرارا ملزما بطرد جميع السفراء الصينيين والروس من جميع الدول العربية إذا استمرتا في دعم نظام الأسد وحزب بعثه الذي يذبح شعبه بل ووقف التعاملات التجارية والاقتصادية بل أن الشعوب العربية والإسلامية عليها عدم شراء أية منتجات صينية أو روسية فآخر دواء هو الكي للتنين الصيني والدب الروسي .إنها بالفعل مهزلة اسمها المؤتمرات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية الضائعة بين محاصصات الدول

الوطن اون لاين

2012-07-02

اجتماع جنيف الذي دعا له كوفي عنان المبعوث المشترك لجامعة الدول العربية والأمم المتحدة لم يثمر عن شيء سوى عن إعادة تقديم ورقة مقترحاته بصورة مختلفة وبإخراج مسرحي جديد، ورغم بعض التقدم الظاهر في هذا الاجتماع وما صرح به وزراء خارجية دول مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا إلا أن حقيقة الأمر هي أن سورية باتت ورقة تفاوض وتنازل من هذه الأطراف لبعضها بدلا من كونها قضية حقيقية بحاجة إلى حل.

البيان الصادر عن الاجتماع لم يلمح صراحة لرحيل الأسد، وهو الأمر الذي قيل إنه مفهوم ضمناً، كون خطة عنان تعتمد على فكرة إنشاء حكومة وحدة وطنية تدير مرحلة انتقالية، ولكن كل التجارب السابقة مع نظام الأسد تظهر بجلاء أن نظامه يناور ويتلاعب ويحاول شراء الوقت باستمرار دون الالتزام بأي من القرارات المتعددة التي صدرت والتي أقرها وألزم النظام السوري نفسه بها.

ميدانيا لا يزال العنف على أشده ولا يزال النظام السوري يستخدم كل الوسائل العنيفة لقمع انتفاضة السوريين، وأعداد القتلى اليومية لم يكن لها على طاولة الاجتماع أي وزن. فاجتماع مجموعة الاتصال في جنيف بدا اجتماع محاصصة بين الدول الغربية وروسيا، والتي يتحجج كل منهما بالآخر من أجل رسم خريطة لمرحلة انتقالية قد تبدو ممكنة على الورق في قاعات الاجتماع ولكنها بعيدة كل البعد عن الواقع اليومي للسوريين الذين يعانون من القتل والتشريد، وهو ما يجعل التساؤل حقيقة حول إمكانية صمود مثل هذه الخطة على الأرض في ظل رفض المعارضة لأي فكرة تتضمن بقاء النظام، وفي ذات الوقت رفض الأسد التام لأي حل يأتي من الخارج وإعلانه رسميا إصراره على "تدمير الإرهابيين" كما وصفهم.

انتهاء اجتماع جنيف بدون نص واضح وصريح على خروج الأسد من السلطة كخطوة أولى لحل الأزمة هو فشل واضح، فأي حل لا يمكن مناقشته أو التفكير فيه مع استمرار بشار ودائرته المقربة في السلطة، وهذا لا يعني سوى إعادة تدوير للأزمة بصورة مختلفة. ولذلك فإن كل مقررات اجتماع مجموعة الاتصال بجنيف ليست سوى محاولات لتحريك الأمر دبلوماسيا وفتح مجالات للتحرك الإعلامي والسياسي التي ستنتهي كما انتهت المبادرات التي سبقتها.

خطة عنان بحاجة لأنياب، وهو ما لن يحدث دون إعطاء الخطة قوة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وطالما ظلت روسيا والصين داعمتين للأسد فإن الأزمة ستستمر، ومن المرجح أن يزداد معها العنف نتيجة سعي الأطراف المختلفة لحسمها على الأرض وليس بين جنبات قاعات الاجتماعات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بقاء الأسد يصعّب ال حل الانتقالي

روزانا بومنصف

2012-07-02!

النهار

أسقطت الدول الكبرى التي شاركت في اجتماع جنيف مواقفها المستمرة من الوضع السوري على نتائج الاجتماع. فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعلن على الاثر أنَّ وثائق الاجتماع لا تتضمن اقصاء الرئيس السوري بشار الاسد وشنّ حملة متكررة على المعارضة السورية منتقداً داعميها، في حين اعلنت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ان لا مكان للاسد في العملية الانتقالية وكذلك الامر بالنسبة الى وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس. هل نجح اجتماع جنيف ام فشل؟

ساد الترقب الاوساط السياسية والديبلوماسية المعنية في الساعات التي تلت الاجتماع في انتظار معرفة تفاصيل الاتفاق ودقته وجديته، لكن المواقف الديبلوماسية الغربية العلنية بدا انها تعكس وفق مصادر متابعة استمرار الخلاف على تفسير ما اتفق عليه في موضوع بقاء الاسد او عدم بقائه، وسارع كل منها الى الايحاء ان تقدماً حصل انما وفق وجهة نظره ومع بقاء كل طرف على موقفه وتحقيقه ما يريده منه. فالأميركيّون اوحوا انهم حققوا تقدما على خط عدم احتمال بقاء الاسد، بينما عكس الروس وجهة نظر مناقضة. علما ان ما ورد في بيان جنيف ان الحكومة الانتقالية تتشابك بتوافق الاطراف الداخليين يترك مجالا كبيراً لدور للاسد ترفضه المعارضة ومعها الغرب، لأن الاسد بات مسؤولاً عن قتل أكثر من 15 ألف سوري خلال ما يزيد على سنة من الثورة.

وتخشى المصادر المعنية ان تنسحب عملية اسقاط الدول مواقفها على اجتماع جنيف على التفسيرات اللاحقة له تماما على ما كان سائداً ابان خطة المبعوث المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي انان حول موقع الاسد في معادلة الحل. وفي حين كان يفترض باعلان جنيف ان يعبر عن موقف دولي واحد وصوت دولي ضاغط وموحد من الوضع السوري وفق ما اراد انان، فان ما اعلن في المؤتمرات الصحافية لوزراء خارجية الدول الكبرى التي عقدت بعد الاجتماع اظهرت استمرار تعدد الاصوات وعدم وجود رؤية موحدة حتى للقرارات الجديدة التي اتخذت، الامر الذي يدعو الى التساؤل عن سبل ترجمة التفسيرات على خطة انان وتأليف حكومة انتقالية تضم السلطة والمعارضة والقدرة على ذلك في ظل استمرار وجود الاسد في السلطة. فمن المحبط ان تدور الحلول في الاطار نفسه الذي انطلقت منه مع الدول العربية من دون قدرة على الاختراق على نحو يعطي رسالة قوية حول وجود اتفاق دولي. وتخشى هذه المصادر ان يكون اجتماع جنيف تجنب الايحاء بانفجار ازمة دولية كان نبّه اليها انان في حال عدم التوافق في حين ان خطة الحل قد لا تكون هي الجواب لحل الازمة فعلا في الظروف الحالية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهلة جنيف الدموية

السفير

2-7-2012

ساطع نور الدين

أي نص سياسي هو نتاج تسوية بين طرفين مختلفين، وظيفته ان يعبر عن موازين قوى جديدة على الارض، وان يعكس رغبة مشتركة في انهاء الصراع والجلوس الى طاولة مفاوضات. وثيقة مؤتمر جنيف ليست استثناء لهذه القاعدة، لكن غموض فقراتها والتباس مفرداتها يزيدان من صعوبة إدراجها في اي سياق سياسي محدد، يقود الى هدف سياسي معين.

الوثيقة لا تأتي نتيجة ضغوط سورية، مصدرها تعب النظام او ضجر المعارضة. فكلاهما ما زال يؤمن بانه قادر على الانتصار في معركته وفرض شروطه، وان اختلفت درجات الحماسة والثقة بذلك النصر بينهما. وهما لذلك يعتبران الان على الاقل ان التسوية مستحيلة، او غير واردة في المرحلة الراهنة. هذا هو القاسم المشترك الوحيد بينهما، الذي لا يمكن ترجمته الى اي نص سياسي وبأي لغة كانت.

لعل المشاركين في مؤتمر جنيف تعمدوا ذكر مهلة عام لتنفيذ وثيقتهم، وكأنهم بذلك يمارسون الضغط غير المباشر على النظام والمعارضة في آن معا، من خلال إبلاغهما ان المجتمع الدولي بلغ اقصى ما يمكنه من اجل العثور على حل يوقف المذابح وينهي الأزمة.. التي لم تعد تحتمل التسويات والحلول الوسط، ولن تشهد بالتأكيد التزاما بمهلة الأشهر الـ١٢ المقبلة من اجل حسم الصراع، لا من قبل النظام ولا طبعا من قبل معارضيه.

وعلى هامش تلك الفرصة الزمنية الجديدة التي حددها مؤتمر جنيف لاستمرار الصراع، ستستمر عملية القياس الدقيقة للتحولات التدريجية البطيئة في المواقف الاميركية والأوروبية والروسية والتركية، التي لم تنطلق في الاصل من تجربة الحرب الباردة حسبما رأى بعض الحالمين، ولم تعكس حتى الان تناقضات جذرية بين واشنطن وموسكو وحلفائهما، لا حول التدخل العسكري الدولي غير المطروح، ولا حول الحل السياسي الذي بات الجميع يدرك أفقه النهائي.

ولعل ابرز واهم تحول سياسي يمكن تسجيله في مؤتمر جنيف ووثيقته، ان الروس قطعوا مسافة جديدة نحو الانضمام الى التشكيك الغربي بشرعية النظام السوري وصفته التمثيلية وبمصداقية الانتخابات التي أجراها والحكومات والمجالس المحلية التي شكلها في خلال الأشهر الـ١٦ الماضية. وهذا هو جوهر الوثيقة التي تدعو، بالإجماع الدولي الاول من نوعه، الى اعادة تشكيل هيكلية الدولة السورية ومؤسساتها.. وهو أقوى من كل ما قيل عن ان موسكو وافقت على ذلك النص بعد ان حصلت على تنازل غربي يقضي بشطب فكرة تنحي الرئيس بشار الاسد، التي لم تكن واردة في الصياغة اصلا.

باختصار، الوثيقة هي إشارة الانطلاق لطور جديد من الأزمة السورية اكثر دموية من اي وقت مضى، وأخطر من ان يحتمل الانتظار عاما اضافيا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تركيا والنظام السوري.. و"الحرب الحقيقية"

خيرالله خيرالله

المستقبل -

الاثنين 2 تموز 2012

للمرّة الأولى، منذ خلف والده رئيساً للجمهورية العربية السورية، يصف الرئيس بشّار الأسد الوضع في بلده على حقيقته. قال الرئيس السوري أخيراً إن سوريا في حال "حرب حقيقية". نعم إن سوريا في حال حرب حقيقية. إنها حرب بين الشعب السوري الذي يرفض الذل والاستعباد من جهة ونظام عمره اثنين وأربعين عاماً من جهة أخرى. هذا كلّ ما في الأمر. هناك حرب بين نظام يرفض الاعتراف باأّه انتهى بعدما أدى الغرض المطلوب منه وشعب يعتبر أن من حقه استعادة حرّيته وكرامته ليس إلاّ.

يسعى النظام منذ بدأت الثورة الشعبية في سوريا، وهي أمّ الثورات العربية وذروة الربيع العربي وجوهرته، الى تصوير الأمر بأنّه مؤامرة على سوريا. هناك بالفعل مؤامرة على سوريا. يقف خلف هذه المؤامرة النظام القائم الذي حرم السوريين من حق العيش بكرامة وأخذهم من عملية هروب الى أمام الى أخرى تفادياً للتعاطي مع الواقع المتمثل في حقوق المواطن السوري. إنها الحقوق الطبيعية التي يفترض بأيّ مواطن في أي بلد كان التمتع بها أو بالحد الأدنى منها.

يعطي تطور العلاقات السورية- التركية في السنوات الأربعين الماضية فكرة عن عجز النظام السوري عن التعاطي مع الواقع، إضافة بالطبع عن العالم الخاص الذي يعيش فيه هذا النظام والذي يجعل منه حالة فريدة من نوعها على الكرة الأرضية. لا يزال الدخل الفردي في سوريا يتراجع باستمرار منذ تولي حافظ الأسد السلطة في العام 1970 من القرن الماضي، في حين أن تركيا قصة نجاح اقتصادي جعلها بين الدول العشرين الأولى في العالم. في المقابل إن دخل الفرد السوري دون دخل الفرد اللبناني أو الأردني. يحصل ذلك فيما لبنان بلد فقير بكلّ المقاييس بينما الأردن من بين أفقر دول العالم نظراً الى افتقاره لأي ثروات طبيعية باستثناء ثروة اسمها الإنسان...

بدل استفادة النظام السوري، الذي يتحكم بثروات كثيرة، من حال الجوار مع تركيا إذا به يسعى في كلّ وقت الى ابتزاز هذا الجار بكلّ الوسائل المتاحة وكأن الدور الإقليمي لسوريا يمكن أن يتحقق على حساب تركيا ومن القدرة على الإساءة اليها. ولذلك، كان رئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان في غاية الصراحة والوضوح في خطابه الأخير الذي تطرّق فيه الى حادث إسقاط الجهات السورية للطائرة التركية. لم يخف اردوغان خيبته من عدم حصول تغيير في السياسة السورية تجاه تركيا في عهد الأسد الابن. بدا كأنّ التاريخ يعيد نفسه وأن النظام السوري لم يتعلّم شيئاً من تجاربه السابقة مع تركيا التي تعرف جيّداً طبيعة هذا النظام وكيفية التعاطي معه واللغة الوحيدة الصالحة لذلك.

الأكيد أن اردوغان أعاد فتح ملفّ الدعم السوري لما يسمّى "الجيش الأرمني السري" الذي كان يعمل ضد تركيا انطلاقاً من الأراضي السورية واللبنانية وبلدان أخرى. الأكيد أيضاً أن رئيس الوزراء التركي استعاد سجلّ العلاقات السورية- التركية ابان الحرب الباردة. على سبيل المثال وليس الحصر، وقعّت سوريا معاهدة صداقة وتعاون مع بلغاريا في نيسان من العام 1985 بعدما توترت العلاقات التركية- البلغارية لأسباب مرتبطة بإجبار النظام الشمولي في بلغاريا أبناء الأقلية التركية في بلغاريا على تغيير أسمائهم. بدا وكأنّ لا هدف للسياسة السورية في تلك المرحلة سوى تطويق تركيا وإنهاكها بكلّ الوسائل الممكنة.

لنفترض أنّ الحملة السورية على تركيا كانت مرتبطة بالحرب الباردة، لماذا استمرّت هذه الحملة بعد انتهاء تلك الحرب وانهيار الاتحاد السوفياتي؟ الثابت أنه لم تكن لدى النظام السوري في أيّ يوم من الأيام سياسة أخرى يمارسها مع جيرانه من عرب وغير عرب سوى الابتزاز وتصدير الإرهاب الذي يسميه "الأمن".

لم يتغيّر شيء في طريقة التعاطي مع تركيا أو العراق أو لبنان أو الأردن... أو البحرين. تركيا أدركت ذلك أواخر التسعينات من القرن الماضي. ما أدركته خصوصاً أنه كان عليها توجيه تهديد مباشر الى دمشق في حال كان مطلوباً الانتهاء من عمليات "حزب العمال الكردي" الذي كان يتزعمّه عبدالله اوجلان المقيم بين سهل البقاع اللبناني والعاصمة السورية.

كان التهديد المباشر كافياً كي ينتهي أوجلان في سجن تركي. أكثر من ذلك، تخلت سوريا نهائياً عن "اللواء السليب"، أي لواء الاسكندرون. اعتقدت تركيا أن النظام السوري تغيّر وأنّه على استعداد لسلوك نهج مختلف يقوم على الانفتاح والتعاون والحوار والمصالح الاقتصادية المشتركة وليس على استخدام العلاقة مع تركيا للتفرّغ للبنان في مرحلة معيّنة ثمّ لقمع الشعب السوري، خصوصاً منذ اندلاع الثورة الشعبية قبل ستة عشر شهراً.

ما اكتشفه المسؤولون الأتراك أخيراً يتمثّل في أن النظام السوري غير قابل للإصلاح بأيّ شكل. تلك خلاصة خطاب اردوغان. لو كان ذلك ممكناً، لكان الرئيس السوري اعترف بأنّ الحرب الدائرة في سوريا لا علاقة لها بالخارج وأنّ كلّ ما عليه عمله هو الرحيل اليوم قبل غد، لا لشيء سوى لأنّ ليس في استطاعة نظام، أيّ نظام، الانتصار على شعبه.

لو كان في استطاعة أيّ نظام الانتصار في حرب على شعبه، لكان النظام البلغاري، بزعامة تيودور جيفكوف، الذي وقّع معه الرئيس الراحل حافظ الأسد معاهدة الصداقة والتعاون منتصف الثمانينات من القرن الماضي حيّاً يرزق. ربّما كان الأمر الوحيد الذي تختلف فيه سوريا عن غيرها أنّ تأخّر النظام في إعلان نهايته ستكون له انعكاسات على الكيان السوري بشكله الحالي... وهذا ما تدركه تركيا قبل غيرها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمة أنان حيّة ما بقي في سورية... أحياء!

الإثنين ٢ يوليو ٢٠١٢

الحياة

جورج سمعان

لعل أهم ما انتهى إليه لقاء «مجموعة العمل حول سورية» في جنيف هو الإبقاء على مهمة المبعوث الدولي – العربي كوفي أنان حية ما بقي في سورية أحياء! ولأن المطلوب تحاشي إعلان فشل هذه المهمة كان لا بد من الهرب إلى أمام مرة ثُانية وثالثة... كان لا بد من التفاهم على صيغة اتفاق فضفاضة، غامضة نصاً وواضحة روحاً. وتتيح لجميع المشاركين - باستثناء السوريين طبعاً - أن يفسروا ويضعوا النقاط فوق الحروف بما يناسب هواهم ومواقفهم المعلنة وعلاقة كل منهم بأطراف الصراع.

لم تعد مهمة كوفي أنان مرتبطة بجدول زمني. لن ينتهي انتدابه منتصف هذا الشهر. بل منحته الخطة الجديدة سنة كاملة وربما أكثر لاجتياز خريطة الطريق والمرحلة الانتقالية. اما وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون فقرأت الصيغة كما يقرأها نظيراها البريطاني والفرنسي. بشرت بأن أيام الرئيس بشار الأسد باتت معدودة. لكنها لم تشرح سبب تراجعها بعدما اشترطت النص على استبعاد الأسد عن هذه المرحلة والحكومة الموعودة. في حين نجح نظيرها الروسي سيرغي لافروف في جرّ الجميع إلى موقف بلاده التي يمكنها ادعاء الحصول على حصة الأسد من اتفاق جنيف الذي تحاشى الإشارة إلى إبعاد الرئيس السوري، وساوى بين المتصارعين بدعوة الجميع إلى وقف العنف والكف عن عسكرة الحراك، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى احتمال لجوء مجلس الأمن إلى الفصل السابع لفرض التنفيذ.

هذا الغموض المتعمد في صيغة الاتفاق شكل مخرجاً لجميع الأطراف. سيمنح روسيا والولايات المتحدة خصوصاً مزيداً من الوقت. فالمهم أن يبقى الخيار السياسي هو الخيار الوحيد في هذه المرحلة. هذا هو التفاهم الحقيقي بين واشنطن وموسكو. فإدارة الرئيس باراك أوباما لا تريد ما يعكر عليها صفو الانتخابات الرئاسية بعد أشهر. ولا تريد مزيداً من التعقيدات في أفغانستان، بعد توتر العلاقات مع باكستان فيما يقترب موعد الانسحاب من كابول. ناهيك عن المتاعب الاقتصادية التي تعانيها هي وشركاؤها الأوروبيون والتي لا تسمح بمغامرات عسكرية. أما الكرملين فيراهن، في غياب أي بدائل، على امكان حل يسمح لروسيا بالحفاظ على مصالحها العسكرية والاقتصادية في سورية، وبالتقدم خطوة على طريق استعادة دورها المفقود في إدارة الشؤون الدولية. لذلك لم تبالغ موسكو عندما اعتبرت أن النظام الدولي يتشكل من سورية. أو أقله النظام الإقليمي وارتباطه الحيوي بصراع الكبار في «الشرق الأوسط الكبير».

ويدرك الرئيس فلاديمير بوتين أن انتهاء مهمة أنان في سورية يعني سقوط ورقة كبيرة من قواعد اللعبة الروسية في هذا البلد. من دون أن يعني ذلك أن خصومه في واشنطن جاهزون للإمساك بكل الأوراق والتحكم بقواعد الاشتباك. أحرقت موسكو حتى الآن المبادرة العربية الأولى ثم الثانية. وأحبطت تحرك مجلس الأمن. ولم يبق أمامها سوى التمسك بمهمة المبعوث الدولي - العربي غطاء لسياستها في الأزمة السورية. خصوصاً ان شركاءها وخصومها في مجلس الأمن وخارجه سلموا لها بالبحث عن تسوية. سلموا لها أمر ابتداع صفقة تراعي لها مصالحها التاريخية ولكن في الوقت نفسه تلبي طموحات المعارضة السورية.

ولا شك في أن كوفي أنان برع في أداء دوره. كان عليه أن يجمع ما لا يجتمع من أضداد. فالمنطقة ليست جاهزة لوضع لبنات النظام الإقليمي الجديد. فلا تداعيات «الربيع العربي» هدأت وتوقفت مفاعيلها، ولا الصراع على الملف النووي الإيراني رست تشعباته على سكة تفاهم أو بداية حل. فاللقاءات الثلاثة التي عقدت بين طهران والدول الخمس الكبرى والمانيا في اسطنبول وبغداد وموسكو لم تنجح في فتح كوة في جدار الأزمة. نجح الأمين العام السابق للأمم المتحدة في جر موسكو إلى خطته نحو إطلاق مرحلة انتقالية تنتهي في نظر الغرب بإخراج الرئيس الأسد وحلقات إدارته من الحكم. عرف كيف يتماهى مع الموقف الروسي إلى حد الخناق! عرف كيف يقدم مهمته على أنها آخر المحاولات. فالمراقبون توقفوا عن أداء دورهم. ولوح هو بتنحيه إن لم تلق خطته التجاوب المطلوب. بات الورقة الأخيرة التي تغطي دور موسكو في الأزمة.

في المقابل تواجه موسكو معضلات في سعيها إلى استعادة دور مفقود على الساحة الدولية لا يقل عن المعوقات التي تعترض إنفلاش الدور الأميركي وتحدياته وكلفته. ويدرك بوتين أن إمساكه الكامل بالورقة السورية دونه عقبة كبرى هي إيران. من هنا ربما تشديده الدائم على وجوب إشراكها في الحل، ورفض الإشارة إلى وجوب تنحية الرئيس الأسد لئلا يستفزها... وربما لعدم ضمانه القدرة على اقناع الأخير والدوائر المحيطة به بالتنحي. وهذا ما أعاق انخراطه الكامل مع الغرب وراء خطة كوفي أنان.

لقد استحوذت روسيا على الورقة السورية وباتت العنوان الأول للتفاوض في شأنها. لكنها تعرف أن للجمهورية الإسلامية حسابات مختلفة في دمشق لا تقل عن الحسابات المتعارضة بين البلدين في الملف النووي. فعلى رغم ما بين موسكو وطهران من تفاهم على طريقة معالجة هذا الملف، إلا أن هذا التفاهم يبقى مرحلياً، ولا يرقى إلى حد التماهي والتطابق. المسؤولون الإيرانيون وجهوا أقذع التصريحات إلى القيادة الروسية في السنوات الأخيرة في ضوء مواقفها من العقوبات الدولية التي أقرها مجلس الأمن والمماطلة في تنفيذها عقود تسلح ومنشآت تتعلق بالبرنامج النووي. وثمة من يعزو الموقف المهادن لواشنطن إلى رغبتها في إبقاء الورقة السورية في يد روسيا.

لكن مجرد قبول موسكو الجلوس مع خصومها للبحث في مرحلة انتقالية في سورية يعني أنها تقدمت خطوة على الطريق الطويل الذي رسمه كوفي أنان. ومهما تشددت في الإيحاء بتمسكها بحكم الرئيس الأسد فإنها تدرك في النهاية أن الوضع لن يستقر ما لم يخرج من سدة الحكم. لكنها قبل التقدم خطوة في هذا المجال تريد أولاً ضمان موافقة ضمنية من إيران المتمسكة بالأسد والتي ترى إلى ضمانتها في حكومة بغداد بدأت تهتز، وإلى «ضمانتها الصاروخية» في لبنان تعود إلى أكثر من طاولة بحث وضغوط. هذا من دون الحديث عن متاعبها الاقتصادية التي ستتافقم في ضوء بدء تطبيق العقوبات الجديدة وعلى رأسها حظر استيراد النفط الإيراني. ومن دون الحديث عن بدء ابتعاد أنابيب النفط الخليجي عن مضيق هرمز إلى بحر العرب جنوباً والبحر الأحمر غرباً. أي ابتعادها عن مجال قبضة التهديدات اليومية.

وتريد موسكو ثانية قبل الموافقة على بدء العمل على ترحيل حكم الأسد أن تضمن بقاء هيكل النظام وإن بوجوه مختلفة. لا يروقها أن تنتهي سورية إلى ما انتهت إليه مصر. فهي لم تنظر مرة إلى «الربيع العربي» حركة شعوب تثور على حكامها وإداراتهم. كانت تشير بأصابع الاتهام إلى الغرب، والولايات المتحدة خصوصاً، في تحريك الشارع العربي. وترى إلى تقدم الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم، من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط خطوة في مشروع سينتهي بقيام «بساط إسلامي سني» يكون عنصراً فاعلاً في تحديد وجه النظام الإقليمي الجديد. مع ما سيتركه ذلك من تداعيات تحرك أحلاماً وطموحات في أوساط مسلمي روسيا ودول آسيا الوسطى المحيطة.

لذلك لم تعدم موسكو الحجة لدعم تشددها في الملف السوري. كانت ولا تزال تشير بإصبع الريبة إلى «أخوان» سورية الذين بدورهم لم يخفوا رفضهم القاطع أي صيغة حل أو تفاهم على صفقة يتقاسمون هم وباقي أطياف المعارضة الحكم فيها مع رموز من نظام الأسد بعد كل الدماء التي أريقت والدمار والتهجير و»التطهير». وربما ارتأت روسيا، عشية لقاء جنيف، ألا تتنازل عن موقفها المتمسك بالرئيس السوري قبل أن تتفحص جيداً ما سيخرج به لقاء أطراف المعارضة في اجتماعهم اليوم وغداً في القاهرة. إذ يفترض أن يخرج هؤلاء بورقيتن واضحتين: الأولى تتناول رؤيتهم لمستقبل سورية، والثانية عناصر الحل الذي يتوافقون عليها. فضلاً عن تشكيل هيئة تمثلهم في اي حوار تفرضه التطورات. وأبعد من هذا يدرك بوتين أن إدارة الأزمة في سورية ليست في يده ولا في يد خصومه. تبقى في أيدي المتصارعين في الداخل. وهؤلاء وحدهم سيقررون في النهاية مآل الأحداث ومستقبل البلاد والمنطقة.

سياسة كسب الوقت و»الغموض البناء» حتمت على اللاعبين الكبار التفاهم في جنيف. لكن مواقف الأطراف السوريين لا تحتمل مزيداً من «الوضوح المدمر». فلا «تغييب» الأسد سهل المنال، ولا خصومه يمكنهم الجلوس مع رموز حكمه. كانت الثورة لترحيله فكيف يغامرون في إعادة تعويمه وانتاج نظامه؟ ربما فات أوان الحل على طريقة مصر أو اليمن. فالصراع في هذين البلدين لم يأخذ منحى الإلغاء ولم يصطبغ «ربيعهما» بما يصطبغ به «الربيع» السوري. والسؤال هل تستهلك سورية هذا الكم من الاتفاقات والتفاهمات التي استهلكها لبنان في حروبه، أم يراهن الروس وخصومهم على تعب الأطراف واللاعبين الإقليميين ليسهل جرهم إلى تسوية موقتة إلى أن يحين زمن التفاهمات الكبرى في الإقليم وخارجه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة

فايز سارة *

الإثنين ٢ يوليو ٢٠١٢

الحياة

عقدت المعارضة السورية على مدار نحو عام ونصف عشرات المؤتمرات والاجتماعات داخل سورية وخارجها، وكان الهدف الرئيس لهذه المؤتمرات والاجتماعات البحث في واقع الأزمة السورية وآفاق حلها. وبمقدار ما تعددت المؤتمرات والاجتماعات، تعددت التحليلات التي تناولت الأزمة من حيث أسبابها وتجلياتها، وتعددت السبل والطرق المطروحة للخروج من الأزمة، كما تنوعت الصيغ التنظيمية والإجرائية، التي رأى المؤتمرون والمجتمعون أنها كفيلة بإخراج سوريا والسوريين من الأزمة، وتجاوز ما يمثله نظام الاستبداد والدكتاتورية وممارساته الدموية، والذهاب إلى فضاء الحرية والكرامة وإقامة الدولة الديموقراطية التعددية، التي تضمن الحق والعدالة والمساواة لمواطنيها جميعاً.

ولأسباب متعددة ومعقدة، يتعلق أهمها بتنوع وتعدد خلفيات قوى المعارضة واتجاهاتها، وبالظروف والشروط التي تحيط بها سواء في داخل البلاد أو خارجها وفي العلاقة معهما، فإن مؤتمرات واجتماعات المعارضة، ما استطاعت الوصول إلى صيغ سياسية ولا تنظيمية، تساعدها في وصول صائب إلى تحليل طبيعة الأزمة وتجلياتها وسبل حلها والأدوات والآليات، التي سيكون لها دور فاعل ومؤثر في ذلك، ولا استطاعت رسم الطريق الذي ستمضي إليه سورية في ظل واقع معقد، ويزداد تعقيداً.

لقد انتجت المعارضة السورية في حراكها العام هيئات ومؤسسات، قاربت بدرجة أو بأخرى احتياجات السوريين، لكنها لم تستوفها لا سيما لجهة وحدة الأفق والأداة السياسية، وهو أمر ترتب عليه تواصل ضغوطات داخلية وإقليمية ودولية على المعارضة للذهاب نحو وحدة توفر لها أفقاً وأداة سياسية، تساعد في معالجة الأزمة السورية وولادة بديل للنظام الحاكم في سورية.

وسط هذه الروح من الحاجة ينعقد مؤتمر المعارضة السورية بالقاهرة، لكن ثمة عوامل أخرى تدعم انعقاد المؤتمر، أولها أن اغلب كتل وجماعات المعارضة السورية ستحضر أو تكون ممثلة فيه، وسيحضر ممثلون عن الحراك الشعبي ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة، وهذا تطور جديد يعني تجاوز ادعاءات التمثيل التي ظهرت في الفترة السابقة والسعي لإقامة تمثيل له قاعدة أوسع. والأمر الثاني في عوامل دعم المؤتمر، أن اجتماعات تمهيدية قد سبقته، كان أبرزها اجتماع عقد في إسطنبول، وآخر في بروكسل، وتمت في الاجتماعات مناقشة أوضاع المعارضة وضرورة الوصول إلى توافقات بين أطرافها، تستجيب للاحتياجات التي تفرضها الأزمة القائمة وتداعياتها على المستويات المختلفة، مما يعكس الاهتمام الجدي بإنجاح المؤتمر. والأمر الثالث من عوامل دعم المؤتمر يمثله تحضير جدي ومنهجي لأعمال المؤتمر، تقوم به لجنة من المعارضة، أعطيت الوقت الكافي لإنجاز عملها، لضمان نجاح ووصوله إلى نتائج افضل. وقد عكست النقاشات التي تمت داخل اجتماعات اللجنة حرص أعضائها على إنجاز مهمتهم بأعلى قدر من المسؤولية لجهة أمرين اثنين، أولهما اختيار المشاركين بالمؤتمر وفق قواعد رصينة تراعي الواقع السياسي، و

لثاني مناقشة كل الآراء والمواقف المطروحة بصورة موضوعية، والعمل على إجمالها بحيث تكون الأوراق الأساسية للمؤتمر معبرة عن الطيف الأوسع للمعارضة من جهة، والأقرب إلى احتياجات الواقع السوري، وقد أضافت اللجنة إلى جهدها، تعميمها أوراقاً من مختلف الكتل والجماعات والشخصيات، تتناول موضوعات هي في صميم الاهتمامات والاحتياجات السورية الراهنة والمستقبلية، وكلها ستكون في متناول أعضاء المؤتمر ليطلعوا عليها، وقد يتم تبني بعضها في إطار ما يطرح في المؤتمر من أوراق.

وسط تلك الظروف يفتح مؤتمر المعارضة السورية أبوابه، ليواجه ثلاثة أمور أساسية، الأول فيها إثبات أن المعارضة السورية على قدر من المسؤولية يتناسب مع زخم وتضحيات الحراك الشعبي السوري المستمر والثابت على قوته وزخمه طوال ستة عشر شهراً، والواضح في أهدافه وإصراره على تحقيقها، والأمر الثاني تأكيد أن المعارضة السورية ذات أهلية، تجعلها قادرة على تجاوز عوامل فرقتها الذاتية والموضوعية، والمضي في طريق صياغة روح سياسية وتنظيمية تفرضها المرحلة التي تعيشها سوريا، والأمر الثالث، أن المعارضة السورية قادرة على الوفاء بالتزاماتها إزاء الأطراف المختلفة، وبخاصة لجهة تحمل مسؤولياتها في التعاطي مع الشأن السوري من حيث إخراجه من الأزمة الراهنة، ثم الانتقال إلى التصدي لمهمات مرحلة مابعد نظام الاستبداد والدكتاتورية ومعالجة ما تركه من جروح عميقه في الجسد السوري، وقد بات يحتاج بالفعل إلى غرفة عناية مشددة تديرها معارضة توازي في قدرتها وقوتها قدرة وقوة الشعب السوري المصر على الحياة والحرية وتجاوز ما أصابه من أضرار وكوارث. انه مؤتمر تحدي الحقيقة، فهل تثبت المعارضة السورية أنها على هذا المستوى من التحدي؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا ماذا تريد.. أم الولايات المتحدة؟

الشرق الاوسط

منذر الزملكاني

2-7-2012

السياسة الخارجية لبلد ما كانت وما زالت تبعا للمصالح القومية لذلك البلد سواء أكانت مصالح قريبة أم بعيدة الأجل، فالعمل الخيري مفقود والأخلاق والتضحية في سبيل الآخرين قيم غائبة تماما في عالم السياسة الخارجية.

هناك خمسة عوامل رئيسية تؤثر في قرارات القادة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية في كل بلد، حسب ما بينه البروفسور البريطاني الراحل والخبير في شؤون الشرق الأوسط فرد هاليدي.

أولها: الأمن القومي للدولة وما ينضوي تحته من أمن غذائي ومائي واقتصادي، فالمتطلبات الاقتصادية للدولة تحدد بشكل كبير طبيعة سياستها الخارجية، وهذا ما يفسر السياسة الخارجية الأميركية تجاه المناطق الغنية بالنفط. فالسيطرة على النفط ومنابعه يعزز الأمن القومي الأميركي ويكرس الهيمنة الأميركية على العالم.

ثانيا: المصالح البيروقراطية لمكونات الدولة، فالدولة تحتوي على مؤسسات مدنية وعسكرية، عامة وخاصة، ولكل منها مصالحه الخاصة والمتعارضة أحيانا تدفع باتجاه تحقيقها من خلال عوامل ضغط تمارسها على الحاكم.

ثالثا: الرأي العام في البلد، وأهمية الرأي العام في السياسة الخارجية تتمدد وتنحسر تبعا لبنية النظام الحاكم وطبيعته وشرعيته الشعبية. وإذا كان الحاكم لا يعبأ ولا يهتم كثيرا برأي الشعب إلا أنه في النهاية لا يستطيع أن يتجاوز حدودا يرسمها الرأي العام. وهذا هو السبب الرئيسي للتدليس على الشعوب وإخفاء الحقائق والتظاهر بما هو غير الواقع بل عكس الواقع تماما في بعض الأحيان. لذلك، كان لا بد من السيطرة على الإعلام وتجييشه حسب المصالح لا حسب الحقائق. وهنا، يخطر على البال مباشرة كيف عملت الإدارة الأميركية في عهد جورج بوش الابن بجهد منقطع النظير على تسويق رواية أسلحة الدمار الشامل من أجل تبرير احتلال العراق، أمام الرأي العام.

رابعا: قدرة الدولة وقوتها. كل الدول تسبح في فلك العلاقات الدولية، وسلوك كل منها مع هذا الفلك ومع بعضها البعض مرتبط بقوة وقدرة كل منها، سواء أكانت قوة عسكرية أم اقتصادية أم طبيعية مثل الثروات والقوة البشرية والموقع الجغرافي. وبالتالي، فمقومات السياسة الخارجية لفرنسا مثلا تختلف عما هي عليه بالنسبة لبلجيكا، وكذلك الفرق بين كندا وروسيا، وأيضا بين أستراليا والولايات المتحدة، وأخيرا بين تونس ومصر.

خامسا: المبادئ والقيم والأعراف التي تتبناها الدولة أو كلاهما الدولة والشعب، فالآيديولوجيا قسمت العالم إلى قسمين خلال الحرب الباردة وتركزت التفاعلات الدولية في جلها حول الآيديوليوجيا، حتى استطاع الحلف الغربي هزيمة الحلف الشرقي وتفكيكه وغزوه آيديولوجياً، وهذا يمثل أكبر أنواع الهزيمة.

ويبقى عامل آخر يتعلق بالدول النامية والعربية خصوصا وهو التأثيرات الخارجية على هذه الدول من قبل الدول الكبرى التي تمتلك مفاتيح المنظمات الدولية الحكومية منها وغير الحكومية. فالولايات المتحدة الأميركية مثلا تمسك بناصية السياسة الخارجية لكافة الدول العربية، وهذا ما يفسر عجز هذه الدول فرادى أو مجتمعة تحت مظلة الجامعة العربية عن إيجاد حل لأي أزمة عربية، ابتداء من احتلال القدس، مرورا باحتلال بيروت ثم غزو الكويت، وانتهاء بالأزمة الإنسانية الكبرى للشعب السوري.

كان لا بد من هذا التقديم النظري من أجل الوصول إلى تحليل علمي وموضوعي للسياسة الخارجية الروسية الحالية تجاه الثورة السورية ومعرفة ماذا تريد روسيا.

ولنبدأ بالأمن القومي الروسي، فسوريا لا تمثل بنظامها الحالي أي عامل تعزيز أو تكريس للأمن القومي الروسي، خصوصا إذا ما علمنا أن القاعدة الروسية في طرطوس لا تعدو كونها ورشة لإصلاح السفن، ولا تشبه بأي حال من الأحوال أي قاعدة أميركية موجودة حول العالم. وبالتأكيد، فإن زوال نظام بشار الأسد في سوريا لا يهدد الأمن الروسي في شيء، خصوصا أن المعارضة السورية لا تتبنى موقفا عدائيا مسبقا ضد روسيا، بل على العكس هناك قسم كبير من المعارضة السورية كان يعتد بروسيا وبصداقتها للدول العربية.

وسوريا في نفس الوقت لا تمثل أي احتياجات اقتصادية مهمة لروسيا، فحجم التبادل التجاري بين البلدين ليس ذا أهمية كبيرة. صحيح أن روسيا تمثل المصدر الأساسي للأسلحة السورية، إلا أن حجم هذه الصفقات لا يعتد به كعامل يمكن أن يفسر الموقف الروسي الحالي.

أما في ما يتعلق بالآيديولوجيا، فسوريا لا تشكل أي امتداد آيديولوجي لروسيا، خصوصا أن كلا البلدين اعتمد النهج الرأسمالي في الاقتصاد والسياسة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. ثم إن روسيا كثيرا ما يعتقد أنها تغلب مبدأ السيادة على الشرعية، بمعنى أنها لا تجيز التدخل الخارجي في الدول تحت أي ظرف كان. لكن، ما تفسير موافقة روسيا على التدخل الدولي بقيادة الولايات المتحدة في الصومال تحت القرار الدولي 794 لعام 1992؟ إذن، فالمبدأ مخدوش وغير ثابت ويستخدم عند المصلحة فقط.

أما في ما يتعلق بقوة روسيا وقدرتها، فإن انهيار الاتحاد السوفياتي قد سلب كثيرا من قدرة روسيا عالميا، وتحول العالم من ثنائي القطبية إلى عالم أحادي القطبية غير متوازن، إن كان في حالة توازن أصلا. وتشكل الولايات المتحدة الأميركية مركز هذه القطبية وإليها يعود الأمر كله في الشؤون الدولية. لكن تبقى روسيا دولة قوية وعظمى، إلا أنها لا تستطيع أن تفرض إرادتها على العالم كما تفعل الولايات المتحدة، وخير مثال على ذلك هو أن الغزو الروسي لجورجيا (الدولة الصديقة للولايات المتحدة) عام 2008 لم تستطع روسيا أن تمده أكثر من شهرين وانسحبت بسبب الضغط الدولي، في حين أن الولايات المتحدة الأميركية غزت العراق (الدولة الصديقة لروسيا) واستمرت لسنوات ولم تعبأ بأي ضغط دولي، بل كان الضغط الشعبي هو مصدر القلق. والحديث عن يوغوسلافيا وضربها وتقسيمها والقبض على ميلوسفيتش لهو أعظم وأدهش. ثم إن شبكة العلاقات الدولية للولايات المتحدة أعقد بكثير وأشد وطأة على العالم بأسره مما هو عليه الحال بالنسبة لروسيا، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط - تلك الساحة الأميركية بلا منازع. والذين يقولون بأن روسيا تدافع عن سوريا باعتبارها آخر معقل لها في منطقة الشرق الأوسط أعتقد أنهم تناسوا أن الأميركيين وليس الروس هم الموجودون دائما في الملفات السورية المهمة، فمثلا الولايات المتحدة هي من رعت مباحثات السلام بين سوريا وإسرائيل، وأن الأميركيين هم من بارك وأشرف على الانتقال السلمي للسلطة في سوريا من حافظ الأسد إلى ابنه بشار الأسد، وأن الخدمات الأمنية السرية كانت سوريا تقدمها مجانا للولايات المتحدة وليس لروسيا.

علاوة على ما سبق، فإن الموقف الروسي تجاه ليبيا أفقدها الكثير من المصالح والنفوذ في ذلك البلد، وسيكون الأمر نفسه في ما يتعلق بسوريا مستقبلا. وبما أن روسيا ما زالت تمثل الأب الروحي للمذهب الاشتراكي، فإن موقفها من الوضع في سوريا سوف يؤثر بشكل كبير على مستقبل الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في المنطقة العربية. ولو أن روسيا فعلا خُدعت في الملف الليبي كما يتم الإيهام بذلك، لكان حريا بها أن تكون أول من يساعد الشعب السوري في إسقاط نظام بشار الأسد واستحواذها على أعظم المنافع وأكبر قدر من النفوذ في سوريا مستقبلا.

وبالتالي، فإن عجز أي عامل مؤثر في السياسة الخارجية عن تفسير الموقف الروسي تجاه الثورة السورية يجعلنا نظن أولا أن روسيا تريد في هذه المرحلة الاستفادة القصوى من النظام السوري المتهالك سواء من خلال ثمن المواقف السياسية أو من صفقات السلاح الباهظة، مثلها في ذلك مثل تلك المخلوقات التي تقتات على هياكل الكائنات الميتة. ويجعلنا نعتقد ثانيا أن هناك موقفا دوليا وأميركيا بالتحديد متخفيا وراء الموقف الروسي، خصوصا عندما نرى أن الولايات المتحدة لم تلقِ بثقلها الدولي لصالح مسألة أخلاقية تتعلق برفع المعاناة عن الشعب السوري كما فعلت وألقت بكامل ثقلها في قضية غير شرعية وهي احتلال العراق. وهذا في النهاية يقودنا إلى السؤال الأهم، وهو: الولايات المتحدة ماذا تريد؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التضامن المعنوي مع ضحايا نظام الأسد

د. صالح بن سبعان

عكاظ

1-7-2012

الجمعة الماضية خصصها السوريون لاستصراخ نخوة وتعاطف إخوتهم في الشعوب العربية للتحرك والتعبير عن تعاطفهم ووقوفهم معهم في محنتهم، إلا أن حائل إمارة وشعبا سبقت صرخة إخوتهم الذين يحاصرهم الموت والدمار والتشريد في سوريا باتخاذهم موقفا نبيلا جسد فعلا لا قولا أجمل وأعمق معاني التضامن والأخوة، فقبل أسابيع قليلة على الصرخة السورية الجريحة بادرت بعض العائلات في منطقة حائل بإلغاء مظاهر الفرح التي عادة ما تتخللها العرضة النجدية والسامري والدبكة، وسط مطالبة بتعميم ذلك على جميع حفلات الزواج بالمنطقة، تضامنا مع ضحايا الثورة السورية، واقتصرت حفلات الزواج على تقديم وجبة العشاء فقط.

فيما أجمع منظمو مهرجانات الصيف السعودية على إلغاء الوصلات الغنائية في أوبريت الافتتاح، وخلت مهرجانات أخرى من مظاهر الاحتفال للسبب نفسه، وبرز خلال الأيام الماضية مهرجان الطائف كأول مهرجانات الصيف الذي ألغى أوبريته الغنائي تضامنا مع الضحايا السوريين.

وبحسب ما نشرته صحيفة «الوطن» السعودية قام منظم مهرجان الصيف في حائل بتحويل الأوبريت الغنائي الذي كان من المزمع أن يؤديه الفنانان محمد الزيلعي ونايف البدر، إلى حفل إنشادي، وفي مهرجانات صيف الجوف وعرعر والقريات، لم يعلن عن أوبريت غنائي. واقتصرت مهرجانات الصيف في السعودية على برامج ترفيهية للعائلات، ومحاضرات وندوات.

هذه الظاهرة التي تكاد تكون سعودية بامتياز من حيث اتخاذ مواقف جادة وذات طابع عملي، تجلت في العديد من المناسبات، ولعل مقاطعة البضائع الهولندية في أثناء أزمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم ليست ببعيدة عن الأذهان، لنجد اليوم قطاع الأعمال في المملكة يستبق النداء السوري بوقفة قوية عكست أصالة هذا الشعب، فقد أصدر رئيس مجلس الغرف السعودية عبد الرحمن الجريسي، قرارا بإلغاء اللقاء الذي كان مقررا عقده للمجلس مع وفد أعمال روسي، وذلك احتجاجا على الموقف الروسي تجاه سوريا ..

وأرسل خطابا عاجلا للسفير الروسي، لإبلاغه بإلغاء اللقاء، تعبيرا عن تضامن رجال الأعمال مع موقف المملكة الإنساني الأخوي تجاه الشعب السوري. وأوضح الخطاب أن إلغاء اللقاء والاعتذار عن استقبال الوفد الروسي الغرض منه إيصال رسالة للشعب الروسي عن طريق رجال الأعمال. وجاء في الخطاب: إن المملكة بشقيها الحكومي والخاص وحدة متلاحمة، ورجال الأعمال يقفون خلف توجه وقرارات قيادتهم الحكيمة. وأشار إلى أن موافقة الغرفة على طلب استقبال الوفد الروسي في البداية كانت بهدف إيصال رسالة للشعب الروسي عبر الوفد تتضمن استياء رجال الأعمال السعوديين من الموقف الروسي تجاه الشعب السوري، إلا أن الغرفة رأت أن إلغاء اللقاء أبلغ رسالة ولا سيما أن الموقف الرسمي للمملكة قد عبر عنه خادم الحرمين الشريفين، والمتمثـل بشجب واستنكار ما يتعرض له الشعب السوري الشقيق من قتل وتنكيل. وأكد الجريسي أن الشعب السعودي وحدة متلاحمة، ورجال الأعمال يقفون خلف توجه وقرارات قيادتهم الحكيمة.

هل تحتاج هذه المواقف إلى مزيد كلام ؟؟.

www.binsabaan.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قصة التكافل الاجتماعي في الثورة السورية: الواقع والمطلوب

مطلوب أن تزداد دوائر ثقافة التكافل والتضامن حتى تُصبح ثقافةً شائعةً في المجتمع السوري بشكلٍ أوسع

د. وائل مرزا

الأحد 01/07/2012

المدينة

أرسل أحد الشباب من الداخل هذه القصة (وأستميح القارىء عذراً في تركها بلهجتها العامية ونقلها بتصرفٍ بسيطٍ جداً لربط العبارات): [من اسبوعين وأنا بالجامعة تعرضت لأحقر موقف..وانا قاعد بعد فحص العملي بيجيني طفل مبين عمرو شي 7 أو 8 سنين..ودار الحوار التالي: - عمو معك 5 ورقات (بالحمصي)؟ - من وين انت عمو؟ - من بابا عمرو - وين ساكن حبيبي؟ - مو ساكن حاليا بمحلّ عم نام هون بالحارة - انت وأهلك؟ - لا عمو البابا استشهد والماما من لما أخدها الجيش مابعرف وينها وبيتنا ما لقيتو (مع غصة ودمعة).. - عمو لكن وين عم تنام؟-بعرف واحد عم يخليني نام عَباب محلَو والصبح بس يفتح بفيق عصوت الجرّار، بلعب مع رفقاتي شوي، وبس خلص اذا ما لقيت حدا يطعميني بجي عالجامعة باخد 25 ليرة وبروح باكل-طيب ليش بدك بس 5؟-لأنو معي 20 ومارضي البياع يعطيني سندويشة ب 20. انتهى الحواروما رضي الولد ياخد غير 5 ليرات، قال مشان ما فكروا عم يشحد..].

من المؤكد أن الثورة تُغير كثيراً من أساليب التفكير والحياة التي كانت سائدةً في سوريا، لكن من الواضح أن هذا التغيير يجري في أوساط الجيل الجديد أكثر منه بكثير في الأجيال الأكبر سناً. نحن في هذه القصّة بإزاء طفلٍ بطلٍ تختصر قصته ملحمة الثورة السورية بِحُكم رؤيةٍ شاملة للصورة، لكنه أيضاً بحكم الواقع المُحدد طفلٌ يتيمٌ مُشرّد يريد فقط أن يعيش. ولهذا يُضطر عملياً إلى أن يطلب ثمن طعامه من شخصٍ لايعرفه. رغم هذا،يبقى حريصاً جداً على أن ينحصر هذا الطلب فيما يؤمّن الحدّ الأدنى من بقائه حياً، لاأكثر ولاأقل.

ثمة معنىً كبير في الرسالة التي يُرسلها الطفل، فهو إذ يؤكد أنه لايُمارس عملية (الشحاذة)، يؤكد معها على أنه يرى هذه الممارسة بمثابة فعلٍ اضطراري يقوم به بنفسه لـ (يُصحّحُ) جملة أخطاء كان المفترض بـ (آخرين) أن يقوموا بحلّها، فلا يدفعوه للوصول إلى مرحلة الطلب.

تبدأ السلسلة من نظامٍ فاجرٍ لم يترك رذيلةً أو دناءةً إلاوارتكبها بحقّ شعبٍ كان المفترض أن نقول أنه شعبهُ، لكنه لم يعد يستحق حتى هذا الوصف ولو على صعيد الكتابة في مقال. ولئن بات السوريون يتوقعون من هذا النظام كل شيءٍ، بحيث لم يعد الحديث عن جوانب انحطاطه يُضيف جديداً، إلا أن سلسلة الأخطاء، في هذه الحالة المحدّدة، تمتدُّ إلى آخرين يُفترضُ أن يتحمّلوا مسؤوليتهم بشكلٍ يليق بثورة سوريا وأهلها.

ونحن نستخدم عبارة (في هذه الحالة المُحدّدة) لأننا نعرف تماماً حجم العمل الذي يجري داخل سوريا في مجال التكافل والتضامن الاجتماعي، ونعرفُ أنه عملٌ متقدمٌ جداً ويغطي تقريباً كافة مساحة البلد جغرافياً، كما يصل تأثيره الإيجابي إلى الملايين عددياً.

لكن حجم إجرام نظامٍ يستخدم طاقات دولة لإبادة شعب يبقى أيضاً كبيراً جداً، إلى درجةٍ لاتُمكّنُ العمل المنظم في مجال التضامن الاجتماعي أن يصل إلى كل فرد.

من هنا، يُصبح مطلوباً أن تزداد دوائر ثقافة التكافل والتضامن حتى تُصبح ثقافةً شائعةً في المجتمع السوري بشكلٍ أوسع، ومن هنا يأتي الحديث عن الأخطاء التي ارتكبها آخرون في قصة الطفل البطل، وهي أقربُ لـ (الخطايا) في عُرف التكوين الثقافي الجديد الذي تخلقه الثورة وتفرضهُ مقاييسُها.

إذ لم يعد يجوز مثلاً لصاحب المحلّ الذي ينام الطفل على بابه أن يكون هذا (مُنتهى) عطائه! ويقتربُ إلى حدّ الجريمة فعلُ البائع الذي رفض بيع (السندويشة) للطفل مقابل 20 ليرة؟ أما أولئك الذين أعطوا الطفل مايطلبه في الأيام السابقة لحوار صديقنا، فإنهم يحتاجون لجرعةٍ أكبر من الوعي الذي يدفع للمبادرة والفعل البشري المطلوب في مثل هذه المواقف. ويبدو غريباً أن أحداً منهم لم ينتبه من طبيعة الحدث إلى ضرورة العمل بأي طريقة لإدخال الطفل في إطار إحدى شبكات التكافل الاجتماعي التي خلقتها الثورة. فالقائمون على هذه الشبكات يحاولون الوصول إلى تغطية أكبر مايمكن من المساحات والأعداد، لكن شروط عملهم الصعبة والمعروفة لاتمكّنهم من الإحاطة الكاملة، وهو مايوجبُ على أبناء الشعب أن يكونوا في غاية اليقظة للحالات التي يجب إدماجها في تلك الشبكات، سيّما وأن الوصول إلى إحداها ممكنٌ بشيءٍ من التواصل المدروس .

سنُرجّح في هذا المقال حُسن الظنّ بمن لايزالون يرتكبون الأخطاء، لكن هذا لايمنع من تذكير كل من يحاول أن يغتني من ظروف الثورة وآلامها وتضحيات أبنائها، وإذا ما أصرّ هؤلاء على أفعالهم فإنهم سيكونون بمثابة كتائب من (المرتزقة) التي تحارب الثورة، وستكون أفعالهم وجهاً آخر لأفعال وحوش النظام وجزاريه.

اننا نؤمن أن الله في عليائه سيسحب البركة من أموال هؤلاء، وسيمحقُ أعمالهم، وسيُنزل عليهم، آجلاً أم عاجلاً، لعنةً تلاحقهم في كل شؤون حياتهم.

{فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.هكذا ربط الخالقُ العبادةَ بأمرين: أن يجد الناس ما يكفيهم من طعام، وأن يكون لديهم إحساسٌ بالأمان وعدم الخوف.

حريٌ إذاً بالبشر أن يأخذوا هذه القاعدة بعين الاعتبار، خاصةً في إطار العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف :

المواجهة بين الدم السوري والمال الإيراني

في المغارب العربية ... ؟!

زهير سالم*

أما ما أقصده بالمغارب العربية فهو مصر وما تلاها من أقطار عربية غربا وجنوبا أيضا .

لا بد للمتابع الجاد أن يلحظ الحرج الذي يفرضه الدم السوري على بعض الأنظمة العربية القديمة والمجددة . يُحرجهم أمام شعوبهم ، التي يُفظعها ما ينزل بأشقائها في سورية من قتل وذبح وانتهاك ، أن يتجاهلوا المشهد أو أن يقفزوا عليه ، ويُطمعهم في الوقت نفسه ذهب المعز يلمع أمام أعينهم فتخور النفوس الضعيفة ولا تكاد تجد سبيلا للمقاومة .

أما في الشرق العربي شمالا وجنوبا فإن شعوب هذا العالم تدرك الحقيقة المختبئة في لمعان هذه الملايين . حيث تحتدم المعارك في العراق وسورية ولبنان والبحرين واليمن . والتي يستعر لهيبها اليوم على أرض الشام مبشرة منذرة .

 

وبينما يسيل النضار الإيراني في كثير من المغارب العربية ولن يعجزك أن تراه حيث التمسته ، في أحاديث أقوام وأحيانا في مواقفهم وسياساتهم ، فقد كان بود الكثير من ساسة هذه الدول لو لم يثر الشعب السوري في هذه الأيام ، أو لو ان الطاغية السفاح أجهز بسرعة على الثورة الناهضة وانتصر عليها كما حصل في الثمانينات ؛ ليقعدوا من هذا الشعب مقعد المعلم والمؤنب ثم ليهيموا في وديان المال الإيراني تحت شعار الثورية الإسلامية الملهمة !! ودعم فلسطين والقدس والمقاومة والممانعة .

 

لقد ثار الشعب السوري في وقتهم الحرج كما يتمتون في أنفسهم ، ومع ذلك فهم لا يعجزون أن يجد كل فريق منهم مخرجا أو مدّخلا يولفون فيه موقفا من ثورة الشعب السوري ، يخادعون به أنفسهم و شعوبهم ويشبعون جشعهم ويروون طمعهم ويغترفون فيه ما استطاعوا من المال الإيراني ما استطاعوا الاغتراف ..

 

ولكي نقطع على الضالين طريق ضلالهم . ولكي نضع أمام الشعوب العربية الشقيقة التي تتنزى ألما على نصرة عائشة المنتهكة وحمزة الذبيح ، سنرسم في هذه الأسطر معالم الموقف الحق في نصرة الثورة السورية ولاء وبراء ، وسنفضح كل أساليب المرجفين والمترددين وأدعياء صداقة الشعب السوري وهم يغزلون ليل نهار للكيد به والتآمر عليه والتواطؤ مع قاتله ..

 

أما صداقة الشعب السوري فمهرها الذي لا يقبل هذا الشعب مساومة فيه ولا بديلا عنه فهو انحياز مطلق لنصرة هذا الشعب ولاء وبراء كما يقول المتكلمون . ولن يقبل دم الأطفال ولا أعراض المنتهكات في سورية موقفا متلجلجا لا على مستوى الولاء ولا على مستوى البراء .

 

المطلوب على مستوى نصرة الولاء أن يعلن هؤلاء الأصدقاء أنهم مع ثورة الشعب السوري بكل أشكال الدعم ، وكما يريد هذا الشعب حتى تحقق هذه الثورة أهدافها كاملة غير منقوصة .

 

والمطلوب على مستوى نصرة البراء أن يعلن أصدقاء هذا الشعب إدانتهم الكاملة لبشار الأسد ونظامه ، وأن يحملوه المسئولية الجنائية والأخلاقية والسياسية الكاملة عن كل ما يجري في سورية من قتل وذبح وانتهاك وعدوان ، وأن يطالبوا له ولكل شركائه في الدم السوري بالمحاكمة العاجلة العادلة ، وأن يدعموا كل مشروع للمجتمع الدولي لحماية المدنيين والأخذ على يد القتلة والمجرمين السفاحين داخل مجلس الأمن كان ذلك أو خارجه . وأن يدينوا على السواء مواقف جميع الدول والهيئات والمنظمات والقوى والأحزاب والشخصيات التي تؤيد السفاح بشار الأسد أو تدعمه بأي شكل من أشكال الدعم وتحت أي عنوان .

 

يجب أن يكون واضحا في هذا السياق أن شعبنا في سورية وبعد كل هذا السيل من الدماء ومن عمليات الانتهاك والاغتصاب سيصنف كل الذين يتحدثون حديثا روسياّ أو إيرانيّا مشبوها عن المطالبة بالإصلاح كنوع من المراوغة للتعبير المبطن عن الانحياز لبشار الأسد وتدعيم بقائه ومعاداة الشعب السوري والاستهانة بدماء الشهداء والمتاجرة بأعراض الحرائر المنتهكات .

 

على ضوء هذا التوضيح وفي معيارية ما قيل في مؤتمر ما سمي أصدقاء الشعب السوري الذي ضم الكثير من المثبطين والمعادين للشعب السوري والشانئين له والقابضين للرشى من المال الإيراني وغير الإيراني يمكن لكل مواطن عربي على الخارطة العربية أن يعيد فرز الأصدقاء من الأعداء ..

 

بإمكاننا في إطار هذا المعيار أن نفسر صمت الصامتين . وأن نلمح المال الإيراني في حديث من رأي فيما يجري على الأرض السورية – عنفا وعنفا مضادا – (( قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ )). وبإمكان المواطن العربي أن يرى المال الإيراني في ثنايا الداعين إلى الإصلاح الذي معناه المباشر بقاء بشار . أو في حديث الذين يحرضون جارة مثل تركية على ضرورة الالتزام بحسن الجوار والعمل على توفير الهدوء والاستقرار بما يعني تطويق الثورة السورية وخنقها.

 

كثيرون هم الذين تذرف أعينهم عندما يذبحون العصافير . تذكروا دائما أن تنظروا إلى ما تصنعه اليدان لا إلى ما تذرفه العينان ..

 

فتش عن المال الإيراني واقرأ الصور على القنوات الإيرانية تتفهم كل الذي يدور . ( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ) هذا حديث محمد رسول الله صلى الله وسلم عليه ..

 

أيها المسلمون في المغارب العربية اتقوا الله في دينكم واحذروا في ما يطعمونكم ويطمعونكم ليطعنوا في أمهاتكم زوجات نبيكم والله إنه لأبشع من أجر بغي أو من حلوان كاهن ..

 

المصاولة ما تزال دائرة في دول المغارب العربية بين دم أطفال سورية المسفوك وبين المال الإيراني المنثور ..اللهم ثبتنا بقولك الثابت ..

الأحد 8/7/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا فوق القصف!

عمر قدور

المستقبل

1-7-2012

ليس تصعيداً عابراً من قبل قوات النظام أن تعتمد، بشكل مكثف، أسلوب قصف المناطق الثائرة بالمروحيات أو براجمات الصواريخ، فما يمكن ملاحظته في الأسبوعين الأخيرين، هو تعميم القصف ليصبح نهجاً دائماً لا يخضع حتى لاعتبارات الضرورة العسكرية القصوى، هذا إن أقررنا أصلاً بوجود قواعد اشتباك بين القوات العسكرية والمدنيين العزّل. على مدار الساعة تقريباً، تواصل المروحيات والمدرعات وراجمات الصواريخ قصفها وقليلة جداً هي الأماكن التي لا تُسمع فيها أصوات الانفجارات أو أصوات المروحيات في ذهابها وإيابها، قليلة جداً بالقياس إلى المدن والمناطق المنكوبة، والتي لا تجد في أحسن الأحوال من يعلنها مناطق منكوبة، ويقر بحقوقها بوصفها هكذا.

بالتعبير العسكري، من الواضح أن قوات النظام غيّرت قواعد اشتباكها مع السكان المدنيين، لا لتغير طرأ على تحرك هؤلاء، ولكن لأن أسلوب القصف يخفف من أعباء العسكر، ويسد العوز المتواصل في إمكاناتهم البشرية. وإذا كانت هذه القواعد بين العسكر والمدنيين غير موجودة في القانون الدولي، لأنها حالة شاذة أن تشن سلطةٌ حربَ دمار شامل على مَن انه يُفترض إنه شعبها، فإن قوات النظام بعد تجاوزها لكافة مواثيق حقوق الإنسان تثبت "شجاعتها" في خرق كافة المواثيق الدولية، التي تُعنى بحماية المدنيين في أثناء الحروب، بخاصة بعد إعلان النظام نفسه عن أنه في حالة حرب، طبعاً من دون أن يفصح عن أنه في حالة حرب ضد السوريين.

لا يعلن النظام، الذي لا يكشف مطلقاً عن حجم خسائره الحقيقي، عن أعداد المنشقين عن قواته، ولا عن أعداد المتسربين منها لأنهم لا يريدون المشاركة في الحرب، لكن من المعلوم أن هذه الأعداد تكاثرت بحيث استنزفت جزءاً كبيراً من قواته على الصعيدين المعنوي والقتالي. في المقابل اتسعت رقعة المناطق الثائرة إلى حد تصعب معها السيطرة الميدانية المستديمة، وقد بات جلياً أن السيطرة المستمرة تقتضي وجوداً عسكرياً مكثفاً وفي كافة الأماكن دفعة واحدة. وهذا ما لا يستطيعه النظام فيستعيض عنه بالقصف المكثف دفعة واحدة. وعلى ما استطاع من أماكن. فضلاً عن ذلك، يبدو القصف أقرب إلى ما يبتغيه النظام أصلاً، فالطاقة التدميرية الضخمة، والعشوائية أيضاً، تتلاءم مع عقلية الانتقام الذي بات هدفاً محورياً، بعد عجزه عن قمع الثورة، وإفلاس تدابيره بملاحقة أبنائها بمختلف أنواع التشبيح والتنكيل الأمني المعتاد.

في الواقع يصعب تصور أن النظام يسعى إلى كسب معركته باللجوء إلى قصف المدن السورية، والأقرب إلى المنطق أنه يسعى إلى إبادة خصومه متيقناً من عدم قدرته على الانتصار. لقد افتقر وزير الخارجية يوماً إلى اللياقة الدبلوماسية عندما قال إن أوروبا لم يعد لها وجود على الخارطة بالنسبة إلى النظام. ومن المرجح أن العقلية ذاتها لم تعد ترغب في وجود مدن سورية على الخارطة فاستدعى ذلك بدء تسويتها بالأرض، وإرغام الناجين من سكانها على البحث عن ملاذ في الداخل أو الخارج. لقد أُعجب النظام بنجاحه "الساحق فعلاً" في حيي بابا عمرو والإنشاءات في حمص، فقرر تعميم التجربة على المناطق التي لم تستوعب الدرس، ولا بأس بشيء من القصف الاستباقي لمناطق يُشكّ في أنها لن تستوعب الدرس.

ثمة طرفة يتداولها السوريون مفادها أن النظام لن يدع سوريا إلا بعد أن يعيد عدد سكانها إلى ما كان عليه يومَ استولى على الحكم، وإذا كانت هذه الطرفة صعبة التحقق واقعياً، فقد لا تكون بعيدة عن تصميم النظام إن رأى ذلك يمنحه بصيصاً من الأمل بالبقاء. يدرك النظام أن وجوده ووجود البلد معاً بات من الماضي، لذا يسعى حثيثاً إلى التضحية بالبلد؛ كنا لنقول إن في هذا نوعاً من العدمية السياسية، لولا علوّ هذا التوصيف الثقافي على العقل المنحط الذي يدير عمليات الإبادة الجماعية. إن تدمير سوريا، على النحو الذي يحدث الآن، وإن ارتقى إلى مستوى الفعل الممنهج إلا أنه لا يرقى أبداً إلى السياسة بأيّ من معانيها بما في ذلك أشد تجلياتها سوءاً، لعل الحقد المطلق يقدّم لنا تفسيراً غير شافٍ بدوره ما لم يقترن بالانفصال التام عن كل ما هو إنساني.

"هذا النظام لا يتورع عن ارتكاب الفظاعات"؛ لطالما كانت هذه الفكرة راسخة في عقول السوريين، والحقّ أن مخيلاتهم كانت قاصرة عن توقع الفظاعات التي ارتكبها منذ بدء الثورة حتى الآن. لا يزال السوريون بغالبيتهم يعربون عن الصدمة والاستغراب إزاء الجرائم والمجازر التي تُرتكب بحقهم، لا يزال قسم منهم بين مصدّق وغير مصدق، لقد بزّت المجازر والمذابح أشد التوقعات سوءاً، وأثبتت أنه ليس بوسع أحد من السوريين الافتراء أو التجني على النظام. في هذا المضمار أيضاً دللت الثورة على الأخلاقية العالية للسوريين، إذ ليس بوسع مداركهم التكهن بالحدود القصوى للوحشية، وليس بوسعهم تخيّل التحلل التام مما هو إنساني. في بابا عمرو، مثلاً، ظنت إحدى العائلات أنها نجت بعد قصف مدفعي وصاروخي متواصل لمدة شهر باستثناء فقدان طفلها لأطراف أصابعه. فيما بعد أثبتت الفحوصات الطبية أن الطفل لم يفقد أطراف أصابعه بفعل شظية، لقد أكل الطفل أصابعه من الخوف حينما كان مختبئاً تحت المغسلة هرباً من القصف؛ لعل حالة هذا الطفل تشفي غليل القتلة من الناجين الأحياء!

أن يسقط صاروخ أو قذيفة كل خمس دقائق، هذا يعني اهتزاز محتويات البيوت التي لم تُدمر بعد، ويعني أن ساكنيها لن يستفيقوا من صدمة الصاروخ الأول قبل سقوط التالي، ولأن القصف يشتد ليلاً فسيصعب إقناع الأطفال بالنوم، أو بعدم الاستفاقة وهم مذعورين. لكن مَن عاشوا هذا السيناريو الرهيب يعرفون هول ما سيحدث عندما يتوقف القصف، حينئذ وبعد أن تكون الأبنية قد سُوّيت بالأرض يدخل الرعب الراجل ليتفقد الناجين من القصف، يدخل أولئك المدججون بالرشاشات والسكاكين لمعاقبة الذين عاندت أرواحهم الموت. مَن واجهوا تنكيل ما بعد القصف لم تتح لهم الفرصة أبداً ليشرحوا لنا معنى "الأفظع"، فقط تركوا جثثهم المشوهة أو المقطَّعة لتدل عليه.

التفاؤل والموضوعية يقتضيان القول إن النظام، باعتماده القصف على نطاق معمم، يدخل طور الإفلاس النهائي ويقترب حثيثاً من السقوط، لكن هذا لا يقدّم عزاء جيداً لأسر الضحايا ما دام قادراً على إيقاع المزيد من القتلى يومياً.

يتوق السوريون إلى نهاية استحقوها على الأقل منذ سالت دماء المتظاهرين في بداية الثورة. هم بالتأكيد لن يتراجعوا عن نيل حريتهم مهما كلفهم ذلك، ومع الأسف إن عبارة "مهما كلفهم ذلك" تخرج يومياً من إطار المجاز، ويتحداها النظام بقدرته المدهشة على ارتكاب ما لا يخطر في أكثر المخيلات سادية. ستأتي النهاية بعد أن يختبر أطفال سوريا أصوات القصف اليومي، وقد يحتاج الناجون منهم سنوات لاستيعاب وجود طائرات تنقل الركاب بدلاً من إلقاء القنابل، أما الطفل الذي أكل أصابعه فلا يُنصح أصحاب القلوب الضعيفة بقراءة قصته، يكفيهم رأفة بهم أن يأخذوا علماً بما يحدث على طريقة الخبر العاجل. ولأن تعداد المدن والبلدات السورية قد يطول، بوسعنا إجمال الحالة الآن بأن سوريا كلها.. فوق القصف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

.. وليس للسوريين سوى الصبر

فاروق البرازي

المستقبل

1-7-2012

على الرغم مما حصل من ويلات ومجازر بحق السوريين، إلا انّهم مازالوا يصرّون على المداومة والمتابعة في العمل على اسقاط النظام. وبدا انّ قدرهم يحتم عليهم أن يصبروا أكثر، وكما قال أحد الثوار الشيوعيين جورجي ديمتروف في القرن الماضي" تسلوا يا رفاق فانّ درب النضال طويل"، فانّ هذا الكلام وما يشبهه من الأحاديث يتحدث به فطاحل السياسة عندنا، هؤلاء الذين يقرأون التوازنات السياسيّة وانعكاساتها على السوريين.

منذ انطلاق الثورة درجت العادة بين السوريين، في المجالس وفي أماكن التعازي، وفي سيارات السرفيس، وفي المقاهي، يتساءلون لكل من يتراءى لهم بانّه يتعاطى الشأن العام:" وآخرتها؟".. ويكون الجواب غالبا: "واضح انّ قصتنا طويلة"... والحق يقال هي ليست قصة، فما يجري في سوريا أكبر من الروايّة، وأكبر من قصة ألف ليلة وليلة.

لايمتلك الناشط السياسيّ السوريّ ما يطمئن به الجمهور؛ ومن يسأله عن زمن إسقاط النظام لا يملك غير شرح تداخل المصالح الدوليّة والإقليميّة في سوريا، مرة يكرر بأنّ ما جرى مع ثورة مصر أثر في ثورتنا وصار حجة للدول أن لا يتعاملوا بالحماسة المطلوبة مع ثورتنا ومرةً، يشرح للجمهور تداخل المال والأمن في مفاصل الحكم، وكيف نتج عن هذا التداخل الفساد، الأمر الذي يعيق الكثيرين عن إعلان موقفهم من النظام، ومرة يلجأ إلى تذكير الناس بأنّ ثمّة طبخة سورية تطبخ في مطابخ صنع القرار العالمي، أو ربما يكون مؤتمر مجموعة الاتصال هو لحظة انقشاع الجليد عن صدر السوريين، وانّ هذا المؤتمر ربما يساهم في بلورة صيغة جديدة جديّة للخروج من الأزمة. كل هذه المبررات يضطر الناشط السياسي السوريّ إلى قولها لجمهور الثورة، الذي كاد صبره أن يبلغ "صبر أيوب".

هذا الجمهور هو جمهور الثورة بامتياز. انه المتعمق بالثورة وثقافتها، بل صارت الثورة ذاتها بالنسبة اليه هي النظام، وتشكل اليوم الشغف الوحيد لهذا الجمهور كما لو أنّ الثورة صارت مصلحة للناس، عدا عن انها وسيلة الخلاص من الظلم والخنوع"..

الناس في سوريا لا يرون مصلحتهم في أي شيء غير الثورة. هذه الثورة التي حررت السوريين من ثقافة الإتكاليّة (على سبيل المثال لا الحصر)، فمثلا لم يعد السوريون يرضون أن يفكر أحداً بدلاً عنهم، ولا يقبلون أن يتخذ أحد أي قرار بدلاً منهم، ولم يعودوا يتكلون على أحد مهما كان موقعه ومكانه. ونحن رأينا كيف انّ موقفهم من المجلس الوطني السوري في الأشهر الأخيرة، وكذلك كيف يقيّمون هيئة التنسيق وموقفها من الأحداث، وكيف انّه عندما حاول البعض الركوب على حصان الثورة سرعان ما انطفأ نجمه.

إذا لم نخطئ فنقول انّ غالبيّة الثوار كانوا على يقين تام انّه حتى يرحل هذا النظام فلا بد للصبر الطويل، وإن كانوا مقتنعين انّ سقوط نظام الاستبداد سيكون بشكل مفاجئ، لكن ليس قبل أن يصل السوريون إلى الذروة. ذروة الثورة، والذروة في انضاج الظروف الموضوعيّة والذاتيّة. وهم لذلك يومياً ينزلون إلى الشارع ويهتفون برحيل النظام. لا شيء استطاع ان يخيفهم لا الشبيحة ولا القدرات العسكريّة والأمنيّة. وبدا انّهم مصرّون على الاستمرار، وعلى أن يحملوا على عاتقهم مسؤوليّة حمايّة واستمرار الثورة حتى يرحل النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التدخلات الخارجية في سوريا!

فايز سارة

الشرق الاوسط

1-7-2012

يتفق كثير من متابعي الوضع السوري على قول إن سوريا صارت ميدانا لتدخلات كثير من الدول والقوى في أزمتها الحالية. وهذا الوضع يجد له ما يشبهه في تاريخ سوريا بعد الاستقلال، حيث تكثف «الصراع على سوريا» عبر انقلابات عسكرية وتدخلات مباشرة وغير مباشرة، وقد بدأ الوضع يتبدل مع الوحدة السورية - المصرية (1958 - 1961)، وتقوى لاحقا بعد أن أحكم العسكر قبضتهم على السلطة، حيث صارت سوريا لاعبا في المستوى الإقليمي، تمارس سياساتها الخاصة إلى جانب مواقف وسياسات الآخرين، قبل أن تعود في العقد الأخير، وخاصة بعد اندلاع ثورة السوريين في مارس (آذار) 2011، وتصير ميدانا لتدخلات الآخرين، ورغبتهم في أن يكونوا فاعلين في تحديد المستقبل السوري كيانا وشعبا ونظاما.

ورغم أن ثمة أسبابا متعددة ومعقدة، جلبت تدخل الآخرين في الشؤون السورية، فإن سياسات النظام في التعاطي مع حركة الاحتجاج والتظاهر، عززت فرص هذه التدخلات، ثم عملت على تكريس بعضها بصورة عملية.. ذلك أن النظام لم يكتف بجلب تدخلات دولية وإقليمية معينة إلى الشؤون السورية، إنما شجعها على الوقوف إلى جانبه في الأزمة الداخلية ومساعدته في الحرب على معارضيه، وجهد في دفع خصومه نحو علاقة مع قوى إقليمية ودولية معينة من خلال أمرين اثنين: تبنيه الحل الأمني العسكري وإصراره على المضي به نحو الحد الأقصى، مغلقا بوابة الحل السياسي، ورفض حل الأزمة باعتبارها أزمة داخلية، والإصرار على اعتبارها مؤامرة خارجية لها أدوات محلية.

لقد تبلورت التدخلات الخارجية في الأزمة السورية في اتجاهين، كان أولهما تدخل روسيا وتابعها الصيني، إضافة إلى إيران ودول أخرى محدودة العدد، وقفت إلى جانب النظام ودعمت مواقفه، بينما تمثل الاتجاه الثاني بالتدخلات الغربية والإقليمية بما فيها العربية، والتي وقفت إلى جانب الحراك الشعبي ومطالبه. ورغم التجانس العام في مواقف الطرفين وتناقضهما في الموقف من النظام ومن الأزمة، فإن تفاوتا واضحا ومتدرجا في موقف كل واحد من الأطراف المنضوين في الكتلتين. ففي الوقت الذي بدا أن موقف الكتلة المؤيدة للنظام وسياساته بقيادة روسيا إلى جانب إيران والصين تتسم بالجدية والعملية في مواقفها السياسية والإعلامية ودعمها المادي، الأمر الذي أفاد النظام بصورة كبيرة، فقد كانت مواقف الكتلة المؤيدة للحراك الشعبي من القوى الدولية والإقليمية، أقل تجانسا وضعيفة ومترددة، وتغلب عليها المواقف الإعلامية والدعائية والمتناقضة في بعض الأحيان، وهي لم تقدم مساعدة جدية وملموسة، بل إن كثيرا منها ألحق الضرر بالحراك الشعبي وبالمعارضة السورية على السواء. وهذا ما يؤشر إليه ضعف مبادراتها لمعالجة الأزمة، التي كان منها المبادرة العربية ثم خطة الموفد الدولي والعربي كوفي انان، وما كررته مؤتمراتها، التي لم تتمخض عن نتائج عملية أو تأثيرات سياسية إيجابية على الأزمة في سوريا على نحو ما كان عليه مؤتمر أصدقاء الشعب السوري بدورتيه في تونس ثم في إسطنبول.

لقد ذهبت الكتلة المناصرة للنظام وسياساته إلى الأبعد في دعمها، وخاصة لجهة رفض تغيير النظام، ومنع التدخل العسكري ضده حتى لو كان عبر الأمم المتحدة، بل هي تبنت رؤيته للأزمة وموقفه منها، وقدمت أطرافها دعما كبيرا للنظام. وعلى سبيل المثال، فإن التدخل الروسي بالتآزر مع التابع الصيني، منع تبني أي ضغوط ضد النظام في مجلس الأمن الدولي، وقدم كثيرا من إمدادات الأسلحة والذخائر والتجهيزات الروسية، وقد غطت الحكومة الروسية دعمها بالقول إنه تنفيذ لاتفاقات سابقة، وأضافت إلى تدخلاتها السابقة ثلاث خطوات أخرى: أولها تعزيز حضورها في القاعدة البحرية في طرطوس، وسيرت إلى هناك اثنتين من سفن الأسطول الروسي، والثانية بناء محطة مراقبة في كسب شمال غربي سوريا وسط أنباء عن تشغيل محطة قديمة مماثلة في دمشق، وإرسال فرقة كوماندوز روسية إلى سوريا هدفها حماية المصالح الروسية، وهو تعبير فضفاض، لا يمكن تقدير مداه ومحتواه.

وواقع الحال، فقد أفادت التدخلات الدولية النظام من جوانب مختلفة، وأضرت الحراك الشعبي والمعارضة، وكلاهما أصر لأشهر طويلة على ضرورة بقاء سوريا خارج التدخلات الخارجية، وهو إدراك بديهي وأولي للأخطار التي يمكن أن تحملها هذه التدخلات من جهة، وإصرار على فكرة ضرورة حل الأزمة في مستواها الداخلي سواء من خلال تسوية سياسية، كما كانت الأمور مطروحة في البداية، أو عبر إسقاط النظام حسب هتافات المحتجين والمتظاهرين، لكنه في ظل إصرار النظام على الحل الأمني العسكري وتصعيده، فقد انتقلت الأزمة من الداخل إلى الخارج لتصير أزمة إقليمية أولا ودولية ثانيا، وغدت التدخلات الخارجية أوسع وأكثر تأثيرا، ولا سيما مع تصاعد أصوات في الشارع السوري وفي صفوف المعارضة تدعو إلى تدخلات خارجية لحماية المدنيين ووقف القتل وإخراج السوريين من معاناتهم، وفي الأبعد من ذلك حل الأزمة في سوريا أو المساعدة في تحقيق ذلك، وكلها عززت التدخلات الخارجية في الأزمة.

لقد باتت التدخلات الخارجية في الشؤون السورية عامل استدامة للأزمة في سوريا، حيث يستفيد منها النظام بصورة مباشرة على المدى القريب، لكن المستفيد الأكبر منها مجموعة اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يجعلون من الأزمة في سوريا ساحة صراع لتأمين مصالح هي أبعد ما تكون عن مصلحة سوريا والسوريين، الأمر الذي يرتب على السوريين وأصدقاء سوريا العمل الجدي والسريع للحد من التدخلات، والذهاب بأسرع ما يمكن إلى معالجة الأزمة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا نجاح والأسد في سوريا

طارق الحميد

الشرق الاوسط

1-7-2012

جميل ما قيل في جنيف من قبل معظم القوى الدولية ذات الموقف الحاسم تجاه جرائم بشار الأسد، وحتى ما قاله السيد كوفي أنان، لكن رغم كل ذلك فلا يمكن توقع نجاح أي خطة تجاه الثورة السورية، وبما فيها مؤتمر جنيف، ما دام الأسد نفسه موجودا على الأراضي السورية، وليس في السلطة وحسب.

فحتى لو تجاوبت موسكو مع الضغوط الدولية، وقبلت بتشكيل حكومة وحدة وطنية من دون الأسد، خصوصا أن التصريحات الصادرة من بعض وزراء الخارجية الغربيين، ومنهم وزير الخارجية البريطانية، واضحة وصريحة، وحاسمة، تجاه الأسد؛ حيث يطالب ويليام هيغ بضرورة صدور عقوبات دولية من قبل مجلس الأمن تجاه نظام الأسد، وتحت الفصل السابع. نقول حتى لو تم الاتفاق على ذلك فلا أمل في النجاح ما دام طاغية دمشق لا يزال يقيم على الأراضي السورية، فالأسد يجيد تماما التلاعب بأي اتفاق كان، وتفريغه من مضمونه، فقد فعلها في العراق، وبالطبع في لبنان، والأهم من كل ذلك التسويف والمماطلة، والأكاذيب التي يقوم بها كل يوم في سوريا، منذ انطلاق الثورة.

فمنذ عام ونصف العام تقريبا، عمر الثورة السورية، لم يقدم نظام الطاغية جنديا واحدا، ناهيك من ضابط أو مسؤول، للمحاكمة تجاه ما اقترف من جرائم بحق السوريين، ولم يفِ بوعد واحد من وعوده الإصلاحية، بل إن جميع ما فعله كان تمثيليات خادعة تصب في تكريس نظام حكمه، والتنكيل بالسوريين. وبالطبع فقد قام الأسد بتفريغ مبادرة السيد أنان الأولى من كل محتواها، ولم يلتزم ببند واحد من بنودها، مثل ما فعل مع المبادرات العربية في ذات الشأن، فكيف يمكن تصديق أنه سيسمح لحكومة وحدة وطنية أن تتشكل في سوريا يستبعد هو منها، حتى لو اتفق المجتمع الدولي، وحظي الاتفاق بموافقة موسكو؟ فهل نعتقد أن الأسد سيكون علي عبد الله صالح آخر؟ أمر مشكوك فيه تماما.

ولذا، فإن أي اتفاق لا ينص على الخروج الفوري للأسد من سوريا، وقبل تشكيل حكومة وحدة وطنية أو خلافه، فإنه أمر مشكوك فيه تماما لأنه لا يمكن تخيل أن طاغية دمشق سيكون متعاونا، إلا في حال علم الأسد يقينا أنه في حال فشلت عملية خروجه فإن التدخل العسكري الخارجي سيكون هو الخيار القادم؛ وهذه أيضا مشكوك فيها؛ لأن الواضح أن الأسد رجل منفصل عن الواقع، ناهيك بمنسوب الغرور الطاغي في إدارته للأمور.

ومن هنا فإن ما يجب على الجميع التنبه إليه الآن هو واقع الأمور على الأرض في سوريا، فالواضح أن قوات الطاغية بدأت تشعر بازدياد قوة الجيش السوري الحر. وعليه، فلا بد من مواصلة دعم الثوار السوريين، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى انهيار قوات الطاغية، ناهيك بأنه يرخص الثمن الذي تطلبه موسكو في سوريا، سواء سياسيا، أو اقتصاديا، يوما بعد آخر. أما التفكير في أن الأسد سيدع حكومة وحدة وطنية تتشكل أمام عينيه وهو في سوريا، فهذا أمر يصعب تصديقه، وسيكون مفاجأة لو تحقق!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اجتماع جنيف.. ما أهمية قبول روسيا؟

2012-06-30 12:00 AM

الوطن السعودية

ما الذي سيتحقق للأزمة الدائرة في سورية منذ 16 شهرا، سواء أقبل الروس أم لم يقبلوا بمقترح المبعوث الأممي والعربي كوفي عنان الرامي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أقطابا من المعارضة ونظام الأسد؟ بل ما الذي يمكن أن يقدمه اجتماع جنيف الذي لا تزال الشكوك تدور حول انعقاده، لإنقاذ الشعب السوري من آلة القتل والدمار؟

اختزال الأزمة السورية في مسألة قبول موسكو للمقترح الجديد، خطأ كبير، لأن مرحلة ما بعد اجتماع جنيف هي الأكثر تعقيدا؛ ذلك أن من الواضح أنه لا ضمانات تلوح في الأفق من عدم مماطلة النظام الأسدي في القبول لخطة عنان ذات البنود الستة التي لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ منذ إقرارها.

هناك أسباب أخرى، تدعو لعدم التفاؤل بما يمكن أن تسفر عنه اجتماعات جنيف في حال انعقادها؛ فالمعارضة السورية كانت وما زالت ترفض أن يجمعها مع نظام الأسد أي شكل من أشكال التعاون، فضلا عن موقفها الرافض لأي عمليات تفاوضية مع النظام لا يكون أساسها تنحي بشار الأسد وزمرته عن السلطة.

إذن، ما الدافع خلف عقد اجتماعات جنيف في ظل عدم وجود ضمانات تؤدي إلى إقناع أطراف الصراع في سورية بحل الأزمة؟

من الواضح أن تحالف الدول العظمى الذي تقوده أميركا وبريطانيا وفرنسا يسعى إلى تجنيب سورية التداعيات المحتملة لأي قرار دولي تحت الفصل السابع، لما لذلك من تبعات قد تلحق الأذى بالجار الإسرائيلي، غير أن تلك المساعي لا تبدو مبررة لأنها تأتي على حساب شعب يتزايد عدد قتلاه كل يوم بل كل ساعة، في وقت لا تحرك القوى العظمى التي تباهي بأنها حامية الحريات أي ساكن تجاه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان السوري التي تنتهك منذ نحو عام ونصف العام.

المشهد في سورية يزداد ضبابية يوما بعد آخر، وفي الوقت الذي تتردد فيه أميركا وبريطانيا وفرنسا في اللجوء إلى الحل العسكري لإسقاط نظام الأسد، يتعين عليها التفكير بحلول عاجلة وآنية لحل الأزمة، فالوقت يمر والقتلى يزدادون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماهي نقطة ضعف جزار دمشق؟

د.مطلق سعود المطيري

الرياض

30-6-2012

يوجد في وزارة الخارجية الإسرائيلية واحد من أهم أجهزة الرصد والتنبؤ في العالم –قليل الشهرة- "مركز البحث السياسي" يعمل به عشرات الباحثين، يحصر اهتمامه في مجالات مدنية وسياسية واقتصادية في المجتمعات المحيطة بإسرائيل. يتابع هذا المركز الوضع في سوريا متابعة شديدة، ويرأس الملف السوري فيه واحد من السفراء القدماء خدم 11 عاماً في الدول العربية ويساعده سفير عمل أيضا في دول عربية. وتقول عنهم صحيفة يديعوت احرنوت : " ليسوا أناسا يقرأون المواد فقط بل يعرفون معرفة شخصية العاملين في المجال السياسي في الدول العربية، فإذا لم يكونوا يعرفونهم فإنهم يعرفون عائلاتهم ، ويعرفون الواقع الاجتماعي والثقافي من وراء المعلومات الاستخبارية المجردة".

ومنذ اليوم الأول للثورة السورية لم يروا في وزارة الخارجية الإسرائيلية سقوطا قريبا للأسد، فقد تنبأوا بأن تظل سوريا تنزف زمنا طويلا ولكنهم لا يشكون أن نظام بشار سوف يسقط .

يتوقعون في جميع جهات البحث في إسرائيل أن يزداد سفك الدماء في سوريا، ولا سيما إنه لا توجد في الأفق أية خطة خارجية قد تفضي إلى حل، فقد عرضت خطة كوفي عنان على إنها أداة فارغة، وانهارت الخطة الأمريكية التركية، كان اردوغان الشريك الأكبر في محاولة واشنطن استعمال ضغط عسكري على دمشق لإقناع النخبة العلوية باستبدال واحد من الطائفة بالرئيس، آمن الأمريكيون بهذه الخطة لكن الشريك التركي لم يف بنصيبه من الصفقة وتراجع عنها .

هناك انطباع في اسرائيل أن الأمريكيين فقدوا الثقة بسياستهم الخارجية في الشرق الأوسط، فالإخفاقات في ليبيا ومصر جعلتهم أشد محافظة، فهم يصرون على نظام علوي في سوريا، يكون مواليا لهم، ومتصلا بحلف مع أنقره ومقطوعا عن طهران وحزب الله ، ولذلك لم تنجح الإتصالات الأمريكية مع الروس ، بشأن تحقيق النموذج اليمني، لأن كل طرف منهما يقصد شيئاً مختلفاً، أو كما يقولون في مركز البحث السياسي: "يتحدث الطرفان بالصينية بعضهما إلى بعض ، فمعنى النموذج اليمني عند الروس هو المحادثات قبل كل شيء بين المعارضة والسلطة ، وهو عند الأمريكيين يعني تنحي الأسد وخروجه من البلاد أولا .

في مركز البحث السياسي يؤكدون إن الإتجاه العام في سوريا يسير إلى سقوط الأسد، إلا أن هذا السقوط لا يزال بعيدا، ويقولون إن صدام حسين استمر ممسكا بالحكم سنوات طويلة تحت ضغط دولي بعد حرب دمرت جيشه ، ويستطيع الأسد أن يظل يحكم ما بقيت له شرعية في الجيش وعند جزء من شعبه وعند الروس والصينيين واللبنانيين والإيرانيين .

ولهذا قد يسأل البعض، أين يمكن أن يصاب جزار دمشق، كي تؤلمه الإصابة ؟ أليس فيه نقطة ضعف ؟ نعم يوجد ، ولكنها في لبنان " يوجد حزب الله" .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة أنان تقلب الأولويات إلى الحلّ السياسي

هل يبقي لقاء جنيف الأسد في المعادلة؟

روزانا بومنصف

2012-06-30

النهار

نشرت صحيفة الواشنطن بوست في عددها امس الجمعة مقالا للمبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان حدد فيه اطر الحل الانتقالي الذي يعرضه امام المجتمعين في جنيف اليوم من ضمن ما سمي مجموعة الاتصال حول سوريا. وقد امتلك انان جرأة الاقرار بأن الحل لا يمكن ان يصنعه السوريون وحدهم على غير ما يصر عليه الروس مثلا وكما يكرر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في دفاعه عن عدم التخلي عن الرئيس السوري من "ان شكل اي حكومة سورية جديدة يجب ان يحدده الشعب السوري ولا تفرضه قوى خارجية" على رغم ان هذا الموقف يناقض جوهر ما تقوم به مجموعة الاتصال المنعقدة في جنيف، اي انها في صدد فرض حل على النظام السوري والمعارضة. كما يناقض بطبيعة الحال ما قاله الرئيس السوري بشار الاسد من انه "لا يمكن قبول حل غير سوري للصراع لان السوريين وحدهم هم الذين يعرفون كيفية الوصول الى حل" باعتبار ان سوريا باتت على مشرحة المباحثات الدولية وفق المصالح التي تمليها مواقع الدول الكبرى، علما ان كلامه يعني استمرار تمتعه بالقوة التي لا تسمح باختزاله او بدعم المطالبة برحليه تماما على ما تقول روسيا في شأنه. اذ حمّل انان هذه الدول مسؤولية ان تضغط على طرفي النزاع الذي هو بين السوريين ويقع على عاتقهم ايجاد حلول له، علما انه "من السذاجة الاعتقاد انه يمكنهم وحدهم انهاء العنف والدخول في عملية سياسية".

وفيما يكشف انان استعدادا للمجتمعين للموافقة على حل سياسي لسوريا من المرجح ان يخرج به اجتماع جنيف، فان السؤال يتصل بما اذا كان اعطاء الاولوية لمراحل الحل السياسي والبدء به بدلا من البدء بوقف العنف بعدما فشلت خطة انان المؤلفة من النقاط الست وفق اعترافه هو بنفسه بذلك، وهي التي تبدأ بوقف العنف، سيكون اكثر فاعلية ام ان شيطان التفاصيل سيقضي على هذه الخطة ايضا. مراقبون كثر ممن يعرفون النظام السوري جيدا لا يعتقدون ان الوضع السوري بات ناضجا للحلول على رغم مأسويته وحتى تهديده بتداعيات اقليمية، اذ ان النظام يعاني وضعا صعبا وصولا الى محاولته استدراج تدخل دولي ضده عبر اسقاطه الطائرة العسكرية التركية من اجل اعادة شد عصب السوريين من خلال تأكيد مزاعمه عن وجود مؤامرة دولية ضده تقول مصادر ديبلوماسية إن لا تركيا ولا الدول الغربية كانت في وارد تقديم هذه الفرصة اليه. ويعتقد هؤلاء ان الامر لا يتعدى تاليا انقاذ مهمة انان بتقديمها باطار جديد او بتغيير اولوياتها كسبا للوقت مجددا، اذ بعدما تصدر وقف النار ونشر المراقبين خطة انان وصولا الى مرحلة الحوار السياسي في نهاية الامر، فان الجديد هو بقلب هذه الاولويات عل الحوار السياسي والحكومة الانتقالية يساهمان في وقف العنف وانهاء مظاهره بدلا من الوصول اليهما في نهاية الامر. وكثر من الخبراء المعاونين لانان مروا بهذه التجربة من قبل في لبنان وفي اماكن اخرى شهدت نزاعات وحروبا ولذلك فهم يتدرجون في وضع المراحل ويبرعون في شراء الوقت او الهدنات انقاذا لمهمة دولية لا يمكن ان تعلن الدول الكبرى فشلها كيلا يسجل ذلك عليها وتتحمل المسؤولية بحيث تتلقى اتهامات بتسعير الحرب بدلا من وقفها ومحاولة لتوفير فرصة لوقف القتل. وخطة انان باتت معروفة حتى قبل ان تنشر تفاصيلها لجهة تأليف حكومة انتقالية تجري انتخابات تشريعية مبكرة واستفتاء على دستور جديد. فهذه الوصفة هي شبيهة بوصفات كل الدول التي شهدت انتفاضات مماثلة، وهي المسار الطبيعي او البديهي لاعادة بناء الدولة وليس فيها اي جديد علما ان ذلك ليس سهلا. لكن المشكلة الكبرى كانت ولا تزال منذ اشهر هي في استمرار وجود الاسد في السلطة وما طرحه من خلال الحرب التي شنها على المعارضة من تحديات طائفية حساسة. فروسيا، وفق ما تقول مصادر سياسية، تطالب بعدم المساس بالرئيس السوري حتى الآن وتطالب بان يبقى الجيش السوري موحدا اي بقيادة علوية، كما ترغب في الا تكون الحكومة المقبلة تحت سيطرة الاسلاميين. والنقطتان الثانية والثالثة قد لا تكون هناك مشكلة فيهما لكن المشكلة في استمرار بقاء الاسد وعدم القبول بذلك، فيما يتم البحث عن مشاركة علوية تمثل الطرف الحاكم وليست ضالعة في ما جرى حتى الان من اجل ان تجلس جنبا الى جنب مع المعارضة في حكومة واحدة من دون جدوى. في حين عمل الخبراء القريبون من انان على محاولة اقناع المعارضة السورية بالقبول بخطوة اولى بمشاركة علوية قريبة من الاسد في الحكومة الانتقالية تسمح بالاستغناء عن هذا الاخير، اي من خلال اجتذاب الطائفة العلوية وتطمينها الى استمراريتها جنبا الى جنب مع الطوائف الاخرى بما يمهد للتخلي عن الاسد. وتاليا فان السؤال في اجتماع جنيف يتصل بماهية المغزى من عبارة "استثناء الذين يشكل استمرار وجودهم تقويضا لصدقية العملية الانتقالية" وفق ما جاء في اقتراح انان لاجتماع جنيف ما يوحي عدم اعطاء الاسد اي دور في المرحلة الانتقالية وما اذا كانت ستحظى بموافقة المعنيين او سيتم تعديلها وكيفية ترجمتها، علما ان خروج اجتماع جنيف باتفاق سيطرح مجموعة كبيرة من الاسئلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"الارهابيون" "يردّون الجميل" للأسد!

سركيس نعوم

2012-06-30

النهار

تعرف الولايات المتحدة أن ما تشهده سوريا منذ15 آذار 2011 هو ثورة شعبية بكل معنى الكلمة. وتعرف ايضاً أنها بدأت سلمية، وان الذي دفعها نحو العسكرة كان نظام الرئيس بشار الأسد الذي استعمل ضدها الجيش النظامي و"الشبيحة" والميليشيات. وقد يكون هذا الأمر هو الذي جعلها تقبل "العسكرة" المشار اليها انطلاقاً من كونها أمراً واقعاً لا مفر منه، وتغضُّ النظر عن مبادرة حلفائها وخصوصاً من العرب والمسلمين الى مدّها بكل الدعم الذي تحتاج اليه على صعد التدريب والتسلح والتمويل. لكن الولايات المتحدة تعرف في الوقت نفسه أن جهات جهادية عدة بالغة التطرّف في إسلامها وفي اصوليته ورفضه الآخرين، مسلمين كانوا او غير مسلمين، استغلت التطورات السورية العنيفة والثغرات الكثيرة في حدود سوريا مع جوارها المتنوع، فأرسلت عبرها عناصرها لممارسة ارهابها ضد نظام الاسد مثلما كانت تمارسه بمساعدة منه في العراق قبل انتهاء الاحتلال العسكري الاميركي له. طبعاً لا تحبّذ الدولة الاعظم المذكورة مشاركة هؤلاء الارهابيين في نظرها في الثورة الشعبية السورية المُحِقة. لكن الرئيس بشار الاسد ونظامه يخطئان اذا ظنّا ان من شأن الدخول "الارهابي الاسلامي" على خط الثورة قد يساعدهما في التوصل الى نوع من التفاهم مع واشنطن ينهي الثورة ويبقي النظام ولكن مع اصلاح شكلي وطفيف، وتالياً يُنَسّي كل ارتكابه وجرائمه وضحاياه التي تُعدُّ بالآلاف. هذا ما يؤكده متابعون اميركيون عن قرب للأوضاع في سوريا والمنطقة وقريبون في الوقت نفسه من مراكز القرار، على تدرجها وتسلسلها في الادارة الاميركية. فالأخيرة، كما سابقاتها، تعرف دور الاسد ونظامه في تهريب "الارهابيين" الى العراق منذ عام2003 وحتى انسحاب عسكر اميركا منه. وتوقعت ان يعود هؤلاء لرد "الجميل" للأسد في سوريا بممارسة ارهابهم على عسكره و"شبيحته". وقد حصل ذلك منذ الشهر السابع للثورة. علماً ان واشنطن كانت نبهت في حينه دمشق، اي الأسد، الى ذلك ودعته الى عدم التغطرس والى فتح الباب جدياً امام الحلول النهائية والثابتة التي تُرضي شعبه.

ماذا سيفعل اوباما وادارته في الموضوع السوري بعد تصاعد الثورة وثبوت انها لن تعود الى الوراء، وخصوصا بعد مشاركتها "الجيش الذي لا يقهر" السيطرة على ستين في المئة من ارض سوريا؟

يقول المتابعون الاميركيون جواباً عن ذلك ان الأزمة السورية بدأت تعود الآن الى صدارة الاهتمام في واشنطن. لكن ذلك لا يعني ان الادارة فيها صارت قاب قوسين او ادنى من اتخاذ قرارات نهائية وحاسمة في شأنها. إذ أن عليها انتظار انهاء الانتخابات الرئاسية التي ستجري فيها اواخر تشرين الثاني المقبل. الا انها بدأت التحضير للعودة الى مجلس الأمن اواخر السنة الجارية لإقناعه باصدار قرار يضع الأزمة السورية أو على الاقل خطة انان العربية – الدولية الرامية الى حلها تحت الفصل السابع. طبعاً يقتضي ذلك تشاوراً مع روسيا والصين ودول اخرى. وهناك اعتقاد ان تجاوبها مع هذا الامر ممكن لاحقاً. والهدف من ذلك حرص اوباما على عدم إعطاء انطباع ان دولته تقوم بحملة ضد دولة اخرى هي سوريا. ويقتضي ايضاً مبادرة الدول العربية الى تقدم الصفوف عملياً في مساعدة الثوار السوريين، وعدم الاكتفاء بما تفعله الآن وبالاعتماد على "الاجانب". طبعاً تعرف اميركا صعوبة ذلك. لكنها مصرّة عليه وهي تتابع العمل لتحقيقه. أما بالنسبة الى الاسد، يضيف المتابعون انفسهم، فانه يفقد السيطرة تدريجاً ولكن بثبات على زمام المبادرة. وهو يعتمد حالياً سياسة قصف المدن والبلدات والقرى لأنه صار يخشى على آليات جيشه من "الجيش السوري الحر"، وخصوصاً بعدما وصل الى تخوم المدن وفي مقدمها العاصمة دمشق، بل بعدما صار في قلبها.

هل تضرب اميركا أو تسمح بضرب مدفعية جيش بشار وصواريخه لإخراجها من الصراع؟

هذه قد تكون الاستراتيجيا التي قد تُعتَمد في مستقبل غير بعيد لأنها تسمح لغالبية السنّة في الجيش بالانشقاق عنه، وتؤمن لهم الحماية والدعم والسلاح والتنظيم. والمستقبل المشار اليه يبدأ بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية. وهذا أمر لن يتغيّر سواء اعيد انتخاب اوباما او فاز منافسه رومني، لأن الاخير وحزبه يطالبان الادارة الحالية بالعمل الفاعل ضد الاسد ونظامه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثوار يقرعون بوابة القصر الجمهوري * ياسر الزعاترة

الدستور

30-6-2012

لم يكن بشار الأسد في حاجة لأن يقول لمستمعيه من الحضور وأعضاء الحكومة الجديدة إن “بلاده” تواجه حربا حقيقية. نقول ذلك لأن أصوات الرصاص والمتفجرات كانت تقرع آذانهم جميعا في حفل تأدية “اليمين الدستورية” للحكومة التي ستخرج “الزير من البير” وتقنع الناس بنهج رئيسهم الإصلاحي!!

لا نعرف بالضبط كيف كانت مشاعر السادة الوزراء في تلك اللحظة، وفي مقدمتهم المعارضين العتيدين (قدري جميل وعلي حيدر)، لاسيما الأول الذي بشرنا بعض “يساريي المقاومة والممانعة” بأن تعيينه نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية إنما يعكس إرادة النظام السوري القطيعة مع النظام الرأسمالي والعودة للنهج الاشتراكي (على اعتبار أن صاحبهم ماركسي عريق)، من دون أن يخبرونا كيف سينجح في استعادة أموال الخصخصة التي سرقها آل الأسد وابن خاله رامي مخلوف؟!

حين يدخل برهان غليون إلى الداخل السوري، وقبله محمد سرميني وسواهم، ثم يخرجون، بينما يتدفق الناس بشكل يومي دخولا وخروجا دون أن يكون بوسع النظام منعهم، فهذا يعني أن سيطرة النظام المطلقة على الأرض السورية لم تعد تتجاوز حدود القصر الجمهوري وما تطاله يد الشبيحة خلال النهار، أولئك الذين يسرقون كل ما يقع تحت أيديهم من بيوت الفقراء، حتى تحدثت الوكالات الغربية عن سوق في مدينة حمص تسمى السوق السنية (نسبة إلى أهل السنة)، يبيع فيها الشبيحة بضائعهم المسروقة، بينما يصفها بعض المشترين من غلاة العلويين بغنائم الحرب.

من يتابع تقارير الصحفيين الأجانب الذي يدخلون، أو يتسللون إلى مختلف المناطق السورية يمكنه تكوين صورة أكثر وضوحا عما يجري، بعيدا عن كلام المعارضين وإعلام النظام في آن.

في تلك التقارير، لاسيما خلال الأيام الأخيرة حديث واضح عن مدى الجرأة التي بلغها الجيش الحر، فضلا عن مدى القوة التي بات يتمتع بها، ليس فقط بسبب تكاثر أعداد المنشقين والمنضمين لصفوفه، بل أيضا بسبب التحسن النوعي في مستوى التسليح والإعداد والتخطيط، مقابل تدهور معنويات جيش النظام والشكوك التي تساور قياداته (العلوية غالبا) في العناصر، باستثناء أبناء الطائفة، الأمر الذي ينتج فرزا واضحا في الجيش، ولا يبقي للنظام سوى طائفته التي يتشبث بها، مع أن الجدل داخل الأخيرة بدأ يتصاعد أيضا حول حرب عبثية سيكون من العسير، بل ربما من المستحيل كسبها في ظل الوضع الراهن. ولا شك أن قضية إسقاط الطائرة التركية قد جاءت هدية من السماء للثوار، هي التي دفعت وستدفع الأتراك إلى تقديم مزيد من الدعم لهم على كافة المستويات.

من المؤكد أن ميزان القوى الدولي لا يزال مختلا لصالح النظام، ليس بسبب الدعم الروسي والصيني والإيراني الهائل (سياسيا وعسكريا) فحسب، بل أيضا بسبب التردد الغربي والعربي في اتخاذ موقف حاسم فيما يخص تسليح الثوار، وبالطبع لأن الطرف الإسرائيلي الذي يوجه المواقف الغريبة لا يريد حسم الصراع سريعا طمعا في إطالة أمد المعركة وصولا إلى تدمير البلد، فيما يفضل السيناريو اليمني للحل بعد ذلك، وما زيارة بوتين للدولة العبرية سوى تأكيد على هذا البعد، ويبدو أن الأخير كان يريد ترويج الحل اليمني على الإسرائيليين الذين يمكنهم ترويجه على الأمريكان والغربيين، لاسيما بعد أن طمأنهم بأنه لن يسمح للمشروع النووي الإيراني بتهديدهم بأي حال.

عندما تصل المعارك إلى ضواحي دمشق القريبة والمهمة، بينما تُستهدف قناة الإخبارية التابعة للنظام ليس بعيدا عن وسط العاصمة، وإن صنف ضمن الضواحي، عندما يحدث ذلك فهذا يعني أن النظام قد أخذ يترنح، ويبدو أن هذه الحقيقة قد باتت واضحة عند الروس والإيرانيين أيضا، والكل هنا في سباق محموم من أجل توفير حل سياسي كي لا يقع البلد بالكامل بيد ثوار سيكون من الصعب السيطرة عليهم بعد ذلك.

تلك هي المعادلة بوضوح، إذ بينما يزداد إيمان الثوار بانتصارهم الحتمي، تتسع القناعة في أوساط النظام ومؤيديه في الداخل والخارج بحتمية سقوطه، لكن المكابرة، وقوة دفع الخارج أملا في توفير حل سياسي “معقول” هي التي تمنحه القابلية للبقاء مزيدا من الوقت.

وفي سياق هذا السباق المحموم بين الحل السياسي والحسم العسكري، فإن الأمل الذي يراود السوريين الذين ذاقوا الأمرين من هذا النظام الأمني الدموي الطائفي هو أن ينجح الثوار في حسم المعركة قبل أن يُفرض عليهم حل لا يريدونه، هم الذي يقتنعون تماما بأن السيناريو اليمني لا يصلح لبلادهم، لأن المشكلة تكمن في البنية الأمنية والعسكرية للنظام، وليس في الرئيس الذي نصبته تلك البنية ذاتها بعد وفاة أبيه.

بقي القول إن خطة أنان التي ستناقش اليوم في جنيف وعنوانها تشكيل حكومة انتقالية من المعارضة ومؤيدي الأسد هي محض مؤامرة على الثورة، وكان جيدا أن ترفضها المعارضة السياسية والعسكرية، مع أن رفضا كهذا لا يعني دفنا لمسلسل التآمر على الثورة تبعا لحسابات سياسية في مقدمتها الحسابات الإسرائيلية، وجميعها تتحرك تحت وطأة اليقين بقرب سقوط النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

خالد أبو صلاح أيقونة الثورة السورية

محمد فاروق الإمام

لا أبالغ إن قلت أن البطل خالد أبو صلاح هو أيقونة الثورة السورية، وهو يستحق أكثر من هذا الوصف، ولكن العبارات خانتني والكلمات تاهت عبر دروب أفكاري فلم تسعفني في إيجاد كلمة أو عبارة تصف هذا الرجل العملاق، الذي كان على الدوام، رغم ما تعرض له من مواقف تشيب لهولها الأطفال، شجرة باسقة لا تعرف الانحناء إلا للواحد القهار.

لا أعتقد أن هناك إنسان شاهده على شاشات التلفاز ولم يتفاعل مع القضية التي نذر نفسه لها وخاض أنهار الموت حتى الحناجر في سبيلها، كان مقاتلاً شجاعاً، ومسعفاً مغامراً، وصنديداً لا تلين له قناة، ورجلاً كبيراً في ساحات الصمود قل نظيره.

دموعه في مؤتمر الأمة الإسلامية في اسطنبول يوم الأول من تموز كانت مداداً لقلمي، وحشرجة كلماته كانت وحي لروحي، وبحة صوته المدمي ستبقى اللحن الخالد يصدح في فضاء بلدي.

لقد كان البطل خالد أبو صلاح الصورة المعبرة عما يجري في حمص وسورية قاطبة وما يرتكبه هذا السادي المتوحش من جرائم بحق البشر والحيوان والشجر والحجر.

لقد تعرض خالد أبو صالح لمحن لا تحتملها رواسي الجبال، وقد ضُرب عليه وعلى إخوانه وأخواته أحرار وحرائر حمص في حي باب السباع حصار خانق، منع النظام السادي عنهم الماء والغذاء والدواء وأفسد عليهم حتى الهواء بما لوثه من غازات سامة لشهور وقد أخطأه الموت ولم يصل إليه، متحدياً مع من كان معه في هذا الحي البطل من أطفال ونساء وشيوخ ومقعدين وأحرار ومقاتلين آلة القتل الأسدية وجهنمية نيران أسلحته الروسية والإيرانية الفتاكة لنحو شهر، في تحدٍ لم يرو لنا التاريخ مثيلاً له في كل الحروب والحصارات والمعارك التي ملأت صحافه وتناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

البطل خالد أبو صلاح فاجأ العالم وخرج من حمص المحاصرة متخطياً كل حواجز النظام وترسانة أسلحته الفتاكة ورصاص قناصته المنتشرين في أعالي ما تبقى من أبنية لم يطالها التدمير الكامل، مغادراً حي الخالدية الذي تحاصره ترسانة من الدبابات والمدرعات والمدافع والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والخفيفة الروسية الصنع، وجيوش النظام السادي وشبيحته، مغادراً حي الخالدية إلى تركيا ليحضر مؤتمر الأمة الإسلامية؛ لنصرة الشعب السوري باسطنبول، ليحمل إلى علماء الأمة صورة حية لما يعانيه أهل حي الخالدية حيث هناك 800 عائلة محاصرة تعيش على الرعب والخوف بلا ماء أو كهرباء أو غذاء أو دواء أو اتصالات، وقد مُنع من دخول هذا الحي كل المنظمات الإنسانية السورية والعربية والدولية التي تريد إجلاء النساء والأطفال والشيوخ والمقعدين والمرضى والجرحى إلى أماكن آمنة تبعد عنهم شبح الموت وشيطان القتل.

وقف هذا البطل بكل الشموخ والكبرياء ليلقي كلمة أمام شيوخ المسلمين وعلمائهم ليضعهم أمام مسؤولياتهم تجاه ما يقترف سفاح سورية بشار الأسد من جرائم وموبقات لم يسلم منها لا حيوان ولا بشر ولا شجر ولا حجر.

وقف هذا البطل يلقي كلمته ببحة الرجال ودموع تسيل على خديه تعكس صورة دموع الأرامل والثكالى والأيتام.

وقف منتصب القامة يروي للحضور الحالة البئيسة والمفجعة التي يعيشها أهل حمص المحاصرين في أبنية منهارة أو آيلة للسقوط، يستنهضهم للوقوف إلى جانب حرائر سورية وأحرارها الذين استباح نظام دمشق السادي حياتهم وأعراضهم ومقدساتهم وحرماتهم ودور عبادتهم وبيوتهم، مطالباً العلماء وورثة الأنبياء أن يقفوا إلى جانبهم ويتحملوا المسؤولية التي أناطها الله في أعناقهم.

كانت دموع خالد أبو صلاح الصادقة تسيل من قلبه مروراً بعينيه، ثم تنساب على خده المحترق قهراً على ما أصاب سورية، وسط هتافات الحضور وتكبيراتهم.

أي بطل أنت يا خالد؟ أي رجل أنت يا خالد؟ وقد أعدت وأحرار سورية إلى قلوبنا نبضها وإلى صدورنا خفقها وإلى جوارحنا ارتعاشها.. وقد ظننا أن الموت السريري قد أصابنا وأصاب أهلنا بعد كل هذا الليل الطويل الذي طوى أعمارنا، فكنت وأحرار سورية الأمل الذي أعاد الروح فينا، وقد غدت أحلامنا حقيقة تزهر قناديل وتورق مصابيح تنير درب الحرية والكرامة، تسير بنا عليه بخطىً ثابتة وإيمان راسخ وعزيمة لا تلين، وفجر صبوح يلوح لنا وهو يطوي ظلمة الليل وعتمته.. حفظك الله يا خالد وحفظ أحرار سورية، وأقر أعينكم وأعيننا بالنصر المبين على هذا العدو الغاشم قريباً بإذن الله تعالى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قصة واقعية حدثت مع احد الثوار على الأرض

حدّث الثائر: من أسبوعين وأنا بالجامعة تعرضت لموقف صعب ... وأنا قاعد بعد فحص العملي بيجيني طفل مبين عمرو شي 7 أو 8 سنين..

ودار معه الحوار التالي:

- عمو معك 5 ورقات (بالحمصي)؟

- من وين أنت عمو؟

- من بابا عمرو

- وين ساكن حبيبي؟

- مو ساكن حاليا بمحلّ عم نام هون بالحارة

- أنت وأهلك؟

- لا عمو البابا استشهد والماما من لما أخدها الجيش ما بعرف وينها وبيتنا ما لقيتو (مع غصة ودمعة)..

- عمو لكن وين عم تنام؟

- بعرف واحد عم يخليني نام عَباب محلَو والصبح بس يفتح بفيق عصوت الجرّار، بلعب مع رفقاتي شوي، وبس خلص إذا ما لقيت حدا يطعميني بجي عالجامعة باخد 25 ليرة وبروح باكل

- طيب ليش بدك بس 5 ؟؟

- لأنو معي 20 ومارضي البياع يعطيني سندويشة بـ20.

انتهى الحوار وما رضي الولد يأخذ غير 5 ليرات، قال مشان ما فكروا عم يشحد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة هي من سيمنح الشعب السوري الحرية والكرامة

محمد فاروق الإمام

الآن، وبعد عام ونصف على الثورة فإن دم الشهداء يمنح جميع السوريين الفرصة الأخيرة للتمسك بأهداب هذه الثورة التي هي وحدها من سيمنح الشعب السوري الحرية والكرامة بعد نحو نصف قرن من العبودية والإذلال.

صحيح أن التغيير مؤلم ولكنه حتمي، والأفضل لكل السوريين أن يكونوا لاعبين فيه دون الانتظار من أحد أن يقدمه لهم لقاء ثمن قد يكون غالياً ومؤلماً ومنقصاً للسيادة واستقلال القرار.

عام ونصف مضى على الثورة السورية حار خلالها المحللون في تشخيصها وقد انطلقت من تراكمات سنين طويلة من الآلام والعذابات، ونهضت من حالة موات سريري بفعل الممارسات البوليسية والقمعية التي انتهجها النظام السادي، الذي أحكم قبضته على الإنسان السوري منذ ولادته وحتى موته مروراً بمسيرة حياته التي تعج بالكثير والكثير من المفارقات والعجائب التي قد لا يمكن للعقل البشري تصورها أو استيعابها أو تحليلها!!

سورية اليوم، كما يعتقد الكثيرون، تمر بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها، فكل الأبواب مشرعة على كل الاحتمالات الرعيبة والمخيفة على ضوء تجاهل العالم.. كل العالم لكل ما يجري فيها، ونظرته القاصرة والمحدودة لقراءة الحالة التي تعيشها الثورة السورية منذ سنة ونصف، هروباً منه إلى الأمام لعدم تحمل مسؤوليته الإنسانية والأخلاقية تجاه شعب يذبح من الوريد إلى الوريد بدم بارد.

لقد حار المحللون في تشخيص الحالة السورية حيث هناك على الساحة، حسب المنظور، خطان متوازيان لا لقاء بينهما يواصلان المسير بوتيرة متسارعة كل بحسب إمكاناته وطاقاته وصبره وجلده، كل منهما ينتظر من الآخر الاستسلام ورفع الراية البيضاء، وهما خط الثوار وخط النظام، وبالتالي فإنه لا يلوح في الأفق المنظور أن هذين الخطين قد وصل إلى أحدهما اليأس والإحباط للاستسلام للطرف الآخر والاعتراف بالهزيمة، ولكل منهما أسبابه الوجيهة والخاصة التي تدفعه إلى عدم الاستسلام للطرف الأخر.

فإذا أخذنا طرف النظام نجد فيه البطش والتدمير والقتل، جراء الطاقات المتجددة بفعل الدعم غير المحدود من حلفاء يشاطرونه الخوف من المستقبل إذا ما خارت قوى هذا النظام واستسلم للطرف الآخر، فهزيمة النظام يعني بالنسبة إليهم تبخر حلم سعوا إليه وبذلوا من أجل تحقيقه الشيء الكثير من السياسة والمال والدعاية، ففي سقوط النظام ضياع مصالح الروس في المنطقة، وسورية آخر معاقلهم التي ورثوها عن الاتحاد السوفييتي في مواجهة الغرب، وتبخر حلم إيران الصفوية في رسم خارطة الهلال الشيعي الذي تريده من طهران حتى الضاحية الجنوبية ببيروت مروراً ببغداد ودمشق، ليس من أجل وضع قدمها في مواجهة إسرائيل كما تدعي وتروج المحافل الصهيونية وإعلام الصمود والتصدي المخادع، بل في حماية حصن الدولة العبرية وتكريس وجودها، وقد تحقق لهم ذلك على يد حافظ الأسد ووريثه لأكثر من أربعين سنة وهي تجربة تستحق من الصهاينة الشعور بالارتياح إذا ما وصل صفويو طهران إلى حدودها، لأن ما يخشونه هو وصول أمويو الشام إلى تلك الحدود وقد غُيبوا عنها لأكثر من أربعين سنة، عاشت خلالها الدولة العبرية في أمن وأمان لم تعشه على كل الجبهات الأخرى رغم ما أبرمته من معاهدات واتفاقات مع حكومات تلك الدول!!

يقول بعض المحللين أن النظام السوري غبي لا يعرف كيف يستفيد من كل الفرص التي أتيحت له عبر المبادرات العربية والدولية والتي كان آخرها خطة كوفي عنان لينجو من المحنة التي أوقع نفسه بها، وأنا أقول أن النظام لم يكن في أي يوم من الأيام غبي في تعامله مع الشعب السوري، لأن عقيدة هذا النظام تقوم في صلبها على قهر هذا الشعب وسرقة ماله ونهب ثرواته وقتله والتمثيل في جثث قتلاه وتعذيب جرحاه، وتغييب شبابه في السجون والمعتقلات والمنافي والإخفاء القسري، وانتهاك الحرمات والمقدسات، وهذا ما فعله النظام على يد الأب في الماضي، ويفعله على يد الابن اليوم، وقد لا يختلف معي في هذا الرأي من يقرأ واقع هذا النظام قراءة جيدة منذ نشأته وخلال مسيرته من الأب حافظ الأسد حتى وصل إلى الوريث الابن بشار الأسد، وهذا حال شريكه وحليفه النظام الصفوي الذي يحمل نفس الاعتقاد ويتبع نفس الأسلوب تجاه مخالفيه من أصحاب الديانات والطوائف والمذاهب التي تخالفه، ما عدا اليهود الذين يحظون برعاية مميزة من رموز هذا النظام الصفوي الحاكم في طهران، ولذى نجده يستميت في دعم هذا النظام ويقدم له المساعدات المادية والعسكرية واللوجستية والخبراء والمدربين والمقاتلين عبر جسر جوي وجسر بحري وآخر بري برعاية رجله في بغداد نوري المالكي، وإن كان هناك من أغبياء بين حلفاء النظام فهم الروس الذين يغامرون بسمعتهم ومكانتهم الدولية، ومكاسبهم الاقتصادية التي يحققونها في العالم العربي والإسلامي، والتي تقدر بالمليارات عبر شبكة كبيرة من المشاريع الكبيرة والعملاقة التي يفوزون بها، إضافة إلى كل ذلك عدم تقدير القائمين على الدبلوماسية الروسية للدول الإسلامية الملاصقة لحدودها أو تلك التي تعيش في داخل جغرافيتها، والتي ترى شعوبها ما يحل بإخوانهم المسلمين السوريين على يد حليف موسكو بشار الأسد، بفعل الأسلحة الحديثة والمتطورة التي تزوده بها جهاراً نهاراً عبر جسر جوي وبحري على مدار الساعة، وهي تشهد عبر أقمارها الصناعية ووسائل اتصالاتها المتطورة التي زرعتها في سورية والبحر المتوسط عمليات القتل الممنهج التي يقوم بها النظام السوري ضد شعبه، وهذا دفع المتظاهرين في سورية إلى تسمية إحدى تظاهرات الجمع تحت شعار (روسيا عدوتنا)!!

الطرف الثاني، وهو جماهير الشعب السوري الثائرة التي لم تكل أو تمل في حشد التظاهرات السلمية وارتفاع وتيرتها كماً وكيفاً.. أفقياً وعمودياً، تغطي مساحة سورية مدناً وبلدات، قرى ونجوع وواحات، رغم ما تواجه به من عمليات قمع ممنهج وعنيف يصل حتى القتل والتدمير والتجويع والتهجير وانتهاك الحرمات واستباحة المقدسات، عندما تقوم مدفعية ودبابات وراجمات الصواريخ والحوامات الحربية وجنود الجيش الخائن والشبيحة بالاشتباك مع هذه الصدور العارية التي تواجهها بهتاف (الله أكبر.. شهداء بالملاين على الجنة راحين)، (الموت ولا المذلة)، (الشعب يريد إعدام البشار)، وتستقبل هذه الصدور العارية بشجاعة نادرة رصاص الغدر ونيران الحقد.

وأمام هذا المشهد الدرامي الرعيب هب نفر من جنود الوطن الشرفاء البواسل بالانشقاق عن هذا الجيش الخائن الذي أدار ظهره للصهاينة وتوجه بآلته العسكرية الجهنمية إلى المدن والبلدات والقرى السورية يدكها على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال والشيوخ دون رحمة أو شفقة، انشق هؤلاء النفر القليل ببعض ما تمكنوا من حمله من سلاح فردي وأعلنوا عن قيام الجيش السوري الحر وتكفلوا بحماية المتظاهرين والمدنيين، وكان لابد لهذه الثورة من صوت يصدح باسمها في المحافل العربية والدولية ويعبر عن مطالبها وأمانيها ويجسد أحلامها، فقامت المعارضة السورية التي تجمعت من المنافي والمهاجر، وتمكنت بعد مخاض عسير من تشكيل مجلس وطني يمثل معظم أطياف الشعب السوري، ليكون المرآة التي تعكس مطالب الشعب السوري التي تتلخص في الحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية، وصمد هذا المجلس رغم المفارقات والاختلافات والرؤى بين أعضائه، ورغم الهجمات المسعورة من النظام وبعض دعاة المعارضة الداخلية والخارجية وتشكيك البعض في رموزه، فنال ثقة الجماهير السورية الثائرة عندما خصوا إحدى الجمع باسم (المجلس الوطني يمثلنا)!!

وكانت ردة فعل النظام قوية تجاه تلك التطورات، قيام المجلس الوطني وتشكيل الجيش الحر الذي نما بسرعة وقوي عوده وأصبح هاجساً يؤرق النظام ويهز قواعده، فراح بردة فعل عمياء يحاصر المدن والبلدات والقرى ويقصفها براجمات الصواريخ والمدفعية والدبابات والطائرات الحربية والبوارج البحرية، ويرتكب الأعمال البربرية البشعة التي لم يسبقه إليها أحد من مجازر يشيب لهولها الأطفال وتتمزق لمرآها نياط قلوب الكبار والصغار، دون أن يحقق أي نجاح يذكر على الأرض، وبالعكس فإنه، كما يقول الخبراء العسكريون، لم يعد يسيطر النظام إلا على مربض دبابته، وبالتالي فإن ما يقرب من 70% من المدن والبلدات والقرى قد فقد السيطرة عليها جزئياً أو كلياً، وبالتالي وصلت عمليات الجيش الحر إلى عقر داره ومقار أعوانه في دمشق وحلب.

ولابد لنا ونحن نستعرض خريطة الوضع التي ترسم الحالة السورية من الوقوف عند ما يقدمه أصدقاء الشعب السوري من دعم لثورته، فهؤلاء الأصدقاء يقدمون جعجعة عبر العديد من البيانات المنددة والمستنكرة والمستهجنة والتصريحات النارية – باستثناء الدعم المادي المحدود لبعض دول الخليج - في إدانة النظام السوري ووضع الخطط والمشاريع والمبادرات، والتي سرعان ما تنعكس حمم وبراكين ومجازر وجرائم وقتل يقوم بها هذا النظام كردة فعل تحت مقولة المؤامرة الكونية ودعم الإرهابيين والعصابات المسلحة، مستفيداً من الفرص التي تمنحه إياها مبادرات هذه الدول سواء عن طريق الجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.

وبعكس ذلك فإن أصدقاء النظام السوري نراهم أكثر جدية من أصدقاء الشعب السوري، فهم يقدمون السلاح والعتاد والمال والمقاتلين والشبيحة والدعم السياسي والإعلامي للنظام السوري، وقد أقدمت روسيا مرتين لاستعمال الفيتو لإبطال قرارين من مجلس الأمن لإدانة النظام السوري، ولا تزال تلوح به وتفشل أي عمل لهذا المجلس الذي بات رهينة بيد روسيا.

ويوم أمس السبت 30 حزيران المنصرم قدمت الدول الكبرى التي عقدت مؤتمراً لها في جنيف فرصة جديدة للنظام كي يوغل في قتل السوريين عندما أخفقت، بفعل الموقف الروسي، من وضع برنامج عملي ومحدود لتنفيذ بنود خطة كوفي عنان التي أيدتها بقوة، دون أن تضع لها أنياب من خلال وضعها تحت البند السابع، تشعر النظام السوري بعواقب وخيمة إن لم ينفذ هذه البنود، ولعل ما سمعناه من لافروف وزير خارجية روسيا في مؤتمره الصحفي يجعلنا نفقد أي بصيص أمل من المجتمع الدولي في إيجاد طريقة توقف شلال الدم في سورية، وعليه فإن أي حديث عن تغيير في سورية لن يكون إلا بسواعد أبناء سورية الأحرار وبواسل جيشه الحر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بانتظار ما سيحدث اليوم!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

30-6-2012

من المفترض أن تلتقي مجموعة العمل الدولية المتعلقة بالأزمة السورية ،التي تم الإتفاق على تشكيلها بعد «شق الأنفس» والتي تضم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة الى كلٍ من تركيا وأيضاً قطر والكويت والعراق عن المجموعة العربية، وتسود قناعة متأرجحة أنه إذا تم هذا الإجتماع اليوم (السبت) في جنيف فإنه سيشكل محطة رئيسية لحل هذه الأزمة المتفجرة على أساس التفاهم على «خريطة طريق» لتطبيق خطة كوفي أنان ببنودها الستة وأهمها البند الذي ينص على انتقال السلطة بصورة سلمية.

لم يكن التفاهم على تشكيل هذه المجموعة سهلاً فروسيا بقيت تُصر على ضرورة مشاركة إيران بحجة أن وجودها ضروري كلاعب رئيسي بالنسبة لما يجري في سوريا وفي المنطقة ثم وبعد محاولات مضنية وافقت على استثنائها واستثناء المملكة العربية السعودية مع تجاوز إقتراح آخر يدعو الى تمثيل كل دول الجوار والإتفاق في النهاية على هذه التركيبة المكونة من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي أي الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا بالإضافة الى تركيا وكلٍّ من قطر والعراق والكويت عن جامعة الدول العربية.

ولهذا فإنه غير مضمون نجاح اجتماع اليوم نظراً لأن الموقف الروسي لا يزال على ما هو عليه ولأن الصيغة التي تم التفاهم عليها هي مجرد بنود عامة تجعلها حمالة أوجه باستطاعة أي دولة أن تفسرها وفقاً لانحيازها الى هذا الطرف أو ذاك ولأن ما أصبح مؤكداً وواضحاً أن الرئيس بشار الأسد ليس بوارد التنحي بطريقة سلمية ومن خلال تفاهم سياسي دولي ،يضمن له ولعائلته مغادرة البلاد الى أي وجهةٍ تبدي أستعداداً لاستقباله، وأنه سيواصل القتال و»عليَّ وعلى أعدائي» وحتى لو لم يبقَ حجرٌ على حجر في سوريا.

هناك كلام عن صيغة «مُواربة» لإنتقال سياسي وسلمي للسلطة ومسؤولية الحكم من هذا الرئيس الى رئيس مرحلة انتقالية لكن ما فعله الروس خلال أكثر من خمسة عشر شهراً يؤكد أنهم سيحاولون التلاعب بعامل الوقت مجدداً وأنهم سيستخدمون هذه «التفاهمات» الضبابية لإعطاء بشار الأسد مهلة جديدة للتهرب ولمواصلة حلول العنف والقوة العسكرية الغاشمة التي لجأ إليها منذ اليوم الأول واستمر بتصعيدها الى أن اتخذت طابع التطهير الطائفي والإبادة الجماعية وسحق المدن والقرى بجنازير الدبابات وقذائف المدفعية.

إنها محاولة والواضح أن كوفي أنان لديه استعداد لا حدود له للمساومة على بنود خطته وبخاصة هذا البند الآنف المتعلق بالإنتقال السياسي والسلمي للسلطة والحكم وأن الروس الذين لا زالوا يتمسكون بموقفهم الرافض لتنحي بشار الأسد كشرط مسبق لهذا الحل المطروح والرافض حتى لمجرد ذكر اسمه في صيغة التفاهم التي يجري الحديث عنها والتي من المفترض أن تجري مناقشتها في اجتماع اليوم ولهذا فإنها مغامرة كبيرة أن يتم استباق هذا الاجتماع بإضفاء أجواء من التفاؤل والذهاب بعيداً في المراهنة على أن الأزمة السورية المتفاقمة قد وضعت أقدامها على طريق بداية النهاية السياسية والسلمية.

لن يغير الروس موقفهم حتى وإن هم أبدوا بعض المرونة عشية انعقاد هذا الإجتماع الذي سينعقد اليوم وبخاصة أن ما تم الاتفاق عليه من تفاهمات بالنسبة للإنتقال السياسي والسلمي للسلطة هو مجرد خطوط عامة بإمكان أي طرف تفسيرها بما يتلاءم مع وجهة نظره ثم وأن بشار الاسد ،الذي شكل قبل أيام قليلة حكومة اعتبرها حكومة حرب، لايمكن أن يتعاطى مع فكرة تنحيه عن الحكم ولو من قبيل الرياضة الذهنية اللهم إلاّ إذا بدلت روسيا موقفها وإذا شعر بجدية المواقف الدولية وإذا لمس على نحو لا يقبل الشك بأن التدخل العسكري واردٌ وغير مستبعد وإنه إن لم يتكفِ من الغنيمة بالإياب والهروب بجلده فإن مصيره في أحسن الأحوال سيكون كمصير سيء الصيت والسمعة معمر القذافي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وحده يعلم الحل

السبت ٣٠ يونيو ٢٠١٢

حسام عيتاني

الحياة

لا أحد يعرف كيف تُحل مشكلات سورية كما يعرف الرئيس بشار الأسد. فيرفض أي حل «غير سوري وغير وطني».

يبدو الكلام الذي قيل في مقابلة تلفزيونية كجهد استباقي ضد أي صفقة بين القوى الدولية المجتمعة في جنيف الناظرة في اقتراح مبعوث الامم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي أنان التوصل الى «حل عبر عملية سياسية بقيادة سورية». أفكار أنان متأخرة كثيرا عن تطورات الأسابيع القليلة الماضية وتتجاهل التغير البطيء لكن الثابت في موازين القوى السورية لمصلحة الثورة على النظام.

المهم ان الأسد موغل في انفصاله عن الواقع المتعدد الأوجه. أحد هذه الوجوه يمثله الدور الروسي الذي يدير هذه الأيام المعركة الديبلوماسية والاعلامية لمصلحة الحكم في دمشق. لكن الروس الذين يفترض ان يكونوا على اطلاع دقيق على الوضع السوري يتجاهلون - مثلهم مثل النظام - العوامل الداخلية في الثورة ويتصورون ان في وسعهم الحفاظ على الأسد او من يعادله في قمرة القيادة السورية. وجه ثان للواقع هو ان الصراع على الموقع الجيو- استراتيجي لسورية والحرب الباردة المصغرة التي تجري حولها، يبقيان تفصيلين جزئيين إذا قورنا بحقيقة انهيار النظام وتوقف اقسام كبيرة منه عن اداء وظائفها الادارية والاقتصادية والتربوية والمعيشية. واسقاط الدفاعات السورية للطائرة التركية لا يمكن، مهما جرى تضخيم خلفياته والاستهزاء بالارتباك في الرد التركي عليه، سوى اعتباره علامة تحول في المسار الهابط للنظام.

أما الحل «السوري والوطني»، فلم يفصح الأسد عنه تاركاً تشخيصه للمشاهدين. والحق انها ليست مهمة عسيرة. ففي المقابلة ذاتها حصر الرئيس السوري كلامه في محاربة «الارهابيين» وفي اليوم السابق تحدث امام مجلس الوزراء المعين عن «الحرب الحقيقية» التي تشن على سورية وضرورة توفير عوامل الانتصار فيها.

هو اذاً «الحل» الذي لم يحد النظام عنه منذ ان قرر المسؤول الامني في درعا قلع أظافر التلامذة الذين كتبوا شعارات ضد الأسد على جدران بلدتهم. ومن درعا وأطفالها إلى دوما ومجزرتها، مسار واحد لعقل اثبت المرة تلو المرة عجزه عن تصور مخرج سياسي من الأزمة التي اوقع نفسه فيها. ورغم تجاوز المعدل اليومي للقتلى في سورية المئة، ما زال الأسد مصرا على القضاء على الارهابيين الذين يجدهم في جميع انحاء البلاد لكنه لا يجد غير اثنين من خريجي الأحزاب المتهالكة لتعيينهما في حكومته الجديدة معتبراً ذلك آية الإصلاح المنشود.

لكن المهمة الصعبة هي فهم تصور الأسد لقدرته على قيادة بلد شن حربا ضارية على مجتمعه وساهم في تدميره على مستويات القيم والعلاقات بين المكونات والموقع العربي والدولي. ومهمة صعبة أكثر ستكون ترميم ما خلفته حرب النظام من دمار طاول المدن والقرى والنفوس وشحنها بالكراهية للآخر وبالقلق على المستقبل والمصير.

ويجوز إرجاع حديث الأسد ومقابلته التلفزيونية إلى زمن ما قبل الثورات العربية، حيث تمارس السلطة إدارتها للمجتمع اعتباطياًَ ومن دون أي احترام او اعتبار لتطلعات شعبها وآماله البديهية في العدالة والحرية والكرامة. على أن الإيغال في السلوك هذا لا يبشر إلا بهول السقوط الذي يقترب، في غياب أي نظر عقلاني يقدمه النظام (وانصاره في الدول المجاورة) للمحنة الحالية. ومن هؤلاء جميعا لن يخرج إلا القيح الطائفي المغطى تارة بشعارات الممانعة والمقاومة وطوراً بكلام عن «مكافحة الارهاب وقتل الارهابيين».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليس للأسد إلا إيران

طارق الحميد

الشرق الاوسط

30-6-2012

أول أيام الثورة السورية قال بشار الأسد لأحد زواره من المسؤولين العرب إنه أيقن أن من يجلس على كرسي الحكم في دمشق لا يمكن له أن يكون وثيق الصلة بإيران وبعيدا عن محيطه العربي، ولذا يلاحظ ندرة استقبال الأسد علنا لمسؤولين إيرانيين، لكن اليوم، وبعد قرابة ستة عشر شهرا من عمر الثورة السورية نجد أن الأسد يعطي حوارا مطولا للتلفزيون الرسمي الإيراني!

ومعنى هذا أن الأسد بات يشعر بحرج موقفه، وموقف نظامه، خصوصا أن حديثه للتلفزيون الرسمي الإيراني يأتي في توقيت نجد فيه أن المجتمع الدولي بات بنقاش محموم الآن حول انتقال السلطة بسوريا، وسواء فشل الأمر أم نجح، فالأهم أن الحديث لم يعد حول إعطاء فرص جديدة للأسد، وإنما كيفية التخلص منه. كما يأتي حديثه للتلفزيون الإيراني الرسمي في وقت نلمس فيه تطورا نوعيا ملحوظا بطبيعة عمل الجيش السوري الحر ميدانيا، سواء اعتقال ضابطين كبيرين من ضباط نظام الطاغية، أو نوعية الهجمات على القوات الأسدية، ناهيك عن تزايد وتيرة الانشقاقات العسكرية بصفوف قوات الطاغية، وعلى أعلى الرتب. وبالطبع يأتي حديث الأسد للتلفزيون الإيراني في الوقت الذي تتحرك فيه القوات التركية تجاه الحدود مع سوريا، وكل ذلك يعني أن طاغية دمشق يدرك أن ملاذه الأخير هو إيران، وليس أحدا آخر، بمن فيهم السوريون، فالأسد لم يوجه حديثه للسوريين من خلال إعلامه الرسمي، أو للعرب من خلال الإعلام العربي، أو الغرب من خلال الإعلام الغربي، بل عبر الإعلام الإيراني الرسمي!

حديث الأسد ليس دليلا على استشعاره لمرحلة الخطر وحسب، لكنه دليل على أنه لا يزال يمارس غروره المعتاد، ويستخدم أساليب الأمس لحل أزمة اليوم، فهو يتحدث عما يدور في سوريا وكأنه يتحدث عن إدارة أزمة بلبنان، كما تعود! فالأسد يقول، مثلا: ليس كل الحكومة التركية ضده. وهذا ما كان يقوله دائما عن السعودية بالحالة اللبنانية، حيث يقسم السعودية إلى أجنحة وتوجهات، مما يعني أن الرجل لم يستوعب أي درس من الثورة الدائرة بسوريا.

والحقيقة أن واقع الحال في سوريا اليوم يقول إن الأسد، وإن مارس المماطلة والتسويف، فإنه بات يدرك خطورة الأوضاع بالنسبة لحكمه، وها هو يلجأ للإيرانيين، وفي الوقت الذي نجد فيه أن كثرا من ضباطه باتوا يعتبرون التحرك العسكري التركي، والحديث الدولي عن انتقال السلطة بدمشق، وكذلك التطور النوعي لعمليات الجيش الحر، بمثابة المؤشر على قرب تداعي نظام الأسد مما سارع من وتيرة الانشقاقات العسكرية، وهذا بالطبع يثبت ما كنا نقوله، وقاله غيرنا، بأنه بمجرد فرض مناطق عازلة أو آمنة على الحدود التركية السورية، أو الحدود الأردنية السورية، فإن من شأن ذلك أن يعجّل بانهيار نظام الطاغية بدمشق، وهو أمر ممكن، بل إن الجيش الحر بات يكرسه يوميا، خصوصا ونحن نرى قدرة الأسد تتداعى بالسيطرة على كامل الأراضي السورية، فها هو برهان غليون يظهر من داخل سوريا، بينما الجيش الحر يتحرك بحرية في كثير من الأراضي السورية. والأهم من كل هذا هو أن الأسد بات يلجأ للإيرانيين علنا، حيث لم يبق له إلا طهران!

-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وسياسة الهروب إلى الأمام!

أكرم البني

الشرق الاوسط

30-6-2012

لا يمكن فهم التصعيد الرسمي في حادث إسقاط الطائرة التركية وتحميله معاني وطنية إلا شكلا من أشكال الهروب إلى الأمام ومحاولة تصدير الأزمة السورية المتفاقمة بافتعال صراعات خارجية، ربما كورقة أخيرة يلجأ إليها نظام يعاني العزلة واشتدت حالة الحصار العربي والعالمي المطبقة عليه وبات مصيره على المحك بعدما فقد سيطرته على عدد من المناطق وتزايدت الانشقاقات في صفوفه وفشلت كل وسائل القمع والتنكيل في القضاء على الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات شبه اليومية.

سياسة الهروب إلى الأمام ليست جديدة بل اعتمدتها السلطة منذ انطلاق الثورة، بما هي هروب من قراءة الوقائع والأسباب الحقيقية للأزمة ومن وضع الحلول السياسية لها والاستعاضة عن ذلك بالتجييش ضد عصابات مسلحة وقوى سلفية متآمرة، وبتصعيد لغة العنف بصورة غير مسؤولة لم توفر صنفا من أصناف الأسلحة، ليغدو التنكيل المعمم ومحاصرة المدن والمناطق وعمليات القصف والتدمير أشبه بالخبز اليومي للناس!

وتعجب بعد خمسة عشر شهرا من تكرار المشهد السوري المأساوي ممن لا تعنيه النتائج الوخيمة التي ترتبت على سياسة الهروب وإنكار الأزمة والاستهتار بما يجري ولا يزال يفتنه الحديث عن وطن بخير ومجتمع معافى، بل لا يمل من الإشارة إلى حياة تسير بشكل طبيعي، ويستهزئ بالمحتجين على أنهم قلة قليلة لا وزن لها وتقوم بأعمال خارجة عن القانون وبتقليد أعمى لما حصل في تونس ومصر! وتعجب ممن لا تهمه إلى اليوم أعداد الضحايا والآلام والدم المراق فيشدد دعوته للسحق والضرب بيد من حديد، ربما لإقناع نفسه قبل الآخرين بأن ثمة قوى تملكها السلطة لم تستخدم بعد وبأن هناك جدوى من العنف في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه!

إذا كان مألوفا لجوء الأنظمة الاستبدادية المأزومة إلى افتعال معارك خارجية لربح الوقت والتهرب من معالجة الأسباب الحقيقية لأزماتها، فما يعطي هذه الحقيقة زخما إضافيا في الحالة السورية، وصول أهل الحكم إلى طريق مسدودة، وشعورهم بأن الركون إلى عامل الوقت لم يعد في مصلحتهم، وأن التوغل في أساليب القمع والعنف لم يعد يجدي نفعا، كما لن تكون النتيجة مختلفة في حال الانكفاء والتراجع، وليس أمامهم سوى خيار تصدير الأزمة ومد الصراعات إلى لبنان بداية، ثم تسخين الأجواء مع تركيا عبر تحرشات سابقة متنوعة قبل أن تصل إلى حادثة إسقاط الطائرة.

وبلا شك يحاول أهل الحكم من وراء هذه السياسة ضرب أكثر من عصفور بحجر واحدة، بدءا بتوظيف أجواء الصراع الخارجي لتحويل الأنظار عن الحدث الداخلي وتمرير ما يحلو لهم من القمع والقهر بأقل ردود، مرورا بتوظيف الشعارات الوطنية ضد العدو الأجنبي لتمييع الشعارات المتعلقة بالحرية والكرامة والعدالة التي يرفعها المتظاهرون وتاليا لتشتيت وحدة الحراك الشعبي وشق القوى المعارضة وتشويه سمعتها، ربطا بمغازلة الجماعات التي لا يزال الهم الوطني ومواجهة التدخلات الخارجية يحتل الأولوية لديها، ومرورا بتحميل ما يجري للآخر المتآمر وتحرير الذات من المسؤولية ومما آلت إليه الأوضاع، انتهاء بالتعويل على تسخين الصراع مع تركيا في خلط الأوراق والتأثير على التفاعلات السياسية الجارية في الغرب حول الوضع السوري تزيد من قلق المتشددين وتشجع المتخوفين ودعاة التريث والتعاطي الاحتوائي، والأهم الرهان على ذلك في توسيع ميادين الصراع وإكراه الحلفاء كروسيا وإيران وحزب الله وبعض القوى العراقية، على وضع ثقلهم كاملا في الميزان ومؤازرة نظام على يقين بأنهم لن يتركوه وحيدا في معركته.

صحيح أن النظام يبدو مطمئنا فيما يقوم به لثقته بحلفائه وأن مصالحهم لن تسمح لهم بالتخلي عنه أيا تكن النتائج، وصحيح أنه يستمد القوة وحرية الحركة من قناعته بأن الغرب لا يزال مترددا ومتلكئا وغير راغب في التدخل العسكري الرادع، لكن الصحيح أيضا أن هذه السياسة تبقى سياسة خطرة، تشبه اللعب بالنار أو السير على حافة الهاوية، فمن يستطيع أن يضمن خط النهاية وأن الأمور سوف تسير وفق المخطط المرسوم ولن تفضي إلى عكس الأهداف المرجوة، خاصة أن أهل الحكم فقدوا اليوم القدرة على المناورة الآمنة وعلى تصدير أزمتهم، ربطا بما تعانيه قواتهم من إنهاك وقد استهلكها القمع المستمر للناس، ولنقل غير قادرة بحكم انتشارها في مختلف المناطق والمدن السورية على تخديم معركة خارجية أيا تكن حدودها، بل قد يزيد تطور هذه المعركة من ضعف النظام ويفقده السيطرة على مواقع جديدة. ثم من قال إن حملة التعبئة الآيديولوجية ضد عدو خارجي مزعوم سوف تفضي إلى توسيع جماهيرية الحكم وتشجع الالتفاف حوله؟! ومن قال إن إحياء الهموم الوطنية وشعارات السيادة قد تطعم المجتمع «خبزا» وترده إلى السكينة والخضوع؟! لقد ملت الناس شعارات المواجهة والممانعة وعافتها أرواحهم لأنهم خير من أدرك كيف ظفت هذه الشعارات لتعزيز أسباب التسلط والاستئثار والفساد، فكيف الحال وقد رسخت في نفوسهم مشاعر الغضب والألم من مشاهد العنف والتنكيل المروعين، بل لعل إقحام هذه الشعارات اليوم سوف يسرع في كشف عمق الهوة التي تفصل بين مصالح نظام خسر شرعيته الوطنية ولم يتردد في استخدام أشنع وسائل القمع وبين مصالح مجتمع أصبح يعاني الأمرين، وتعجل تاليا من ردود فعل الفئات المترددة أو السلبية وتشجعها على حسم خيارها في دعم الثورة والتغيير.

هي أمر خطير سياسة الهروب إلى الأمام وتصدير الأزمة وافتعال صراعات خارجية للالتفاف على الاستحقاقات الداخلية، والأخطر الاستهتار بالنتائج السلبية العميقة على البلاد ومستقبل أجيالها إن دفعت إلى معركة غير متكافئة وغير مبررة سياسيا وقانونيا، ربما هو خيار يائس، وربما هو خيار مقامر يطلب في لعبة «صولد» الحد الأقصى، إما ربح كل شيء أو خسارة كل شيء!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإرث الكارثي لنظام الأسد

كيف دمر نظام الاسد سوريا وشعبها بشكل منهجي؟

خالد الحروب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2012

مراجعة: لؤي المدهون

25/6/2012

يرى المحلل السياسي المعروف خالد الحروب أن نظام الأسد يتحمل مسؤولية الوضع الراهن في سوريا، لأنه عمل منذ انطلاق الثورة السلمية على عسكرتها وتشويه أسلوبها السلمي، كما يتحمل مسؤولية تكريس الطائفية وتدمير النسيج الوطني السوري، علاوة على التدخل الخارجي بهذه الصورة، اذ كان رده الوحيد على مطالب الحرية والكرامة هو المزيد من الدماء وسلسلة لا تنتهي من المجازر والاستئساد على الاطفال وذبحهم في أسرتهم.

سلسلة الكوارث التاريخية التي جلبها نظام الاسد الاب على سوريا وعلى العرب خلال العقود الماضية يُتوجها نظام الاسد الابن بإضافات كارثية وإجرامية سوف تدخله الصفحات السوداء في التاريخ. الآلة الدعائية للنظام وأبواقه، الذين يطبلون ويزمرون على وتر “الممانعة” و”المقاومة” وشعارات استغباء الناس يعيدون تدوير الكوارث والجرائم التي ارتكبها النظام، ثم يتهمون بها الشعب السوري نفسه وثواره.

النظام يخلق الكارثة ويقوم بتصنيع الجريمة المادية والسياسية والاخلاقية ثم يتصايح ضد معارضيه متهما اياهم باختلاقها، ويبدأ بالنواح والندب الحاراتي والتجييشي مدعيا البراءة والطهر. ليست هذه عبقرية في الأداء، بل هو انحطاط اخلاقي مطلق تنسخه الدكتاتوريات بعضها عن بعض في في تكرار يستدعي الاشمئزاز اكثر من اي شيء آخر.

لكن العبقرية التي يجب ان يُشهد للنظام فيها هي استمراره التلاعب في توظيف أصوات كثيرة ما زالت مخدوعة بقصة “ممانعة النظام” و”المخطط الاستراتيجي”، الذي يستهدف إسقاطه. لنتأمل جردة الكوارث التي “ابدع” الاسد الابن في جلبها على سوريا والعرب في زمن قياسي ويصر مناصروه على ادارة ظهورهم لها وغض النظر عنها، وهي حقائق سجلها الواقع ولا يزال.

نظام الأسد أراد عسكرة الثورة السورية

الكارثة أو الجريمة الاولى، التي ارتكبها النظام تتمثل في عسكرة الثورة السورية ودفعها دفعا الى السلاح. لا أحد عنده ذرة من الاخلاق يمكن أن يجادل في اصرار الثورة وعلى مدار اشهر طويلة على سلمية الاداء وسلمية الادوات.

كان السوريون وببساطة يستلهمون التجربتين التونسية والمصرية حيث اسقطت الثورات هناك النظامين الديكتاتوريين عبر الاحتجاج السلمي والمظاهرات ومن دون اللجوء الى السلاح. الحس الشعبي العام، فضلا عن الوعي النخبوي، كان يدرك في كل هذه الحالات وعلى رأسها الحالة السورية ان استخدام السلاح هو امنية النظام والاجهزة الامنية، وهو ما تريد هذه الاجهزة توريط الناس فيه. فما أن يتم استخدام قطعة سلاح واحدة حتى تنطلق فيالق وفرق الامن والجيش والدبابات لتسحق “العصابات الارهابية المسلحة”، كما يدعي اعلام النظام وأبوقه.

ومرة اخرى تنسخ الدكتاتوريات عن بعضها البعض هنا إذ تستفزها حركات الاحتجاج السلمي لأنها تكبل يدها الأمنية المتوحشة وتسحب منها مسوغ “الضرب بيد من حديد”. ولها فإن الممارسة التقليدية هي توفير السلاح في الشارع واغراء اية عناصر باستخدامه وسط الاحتجاجات السلمية، وإن لم ينجح هذا فلا بأس من قتل بعض عناصر الامن هنا أو هناك واتهام “العناصر الارهابية” و"المتسللين" بذلك، وبهذا يتم قمع الثورة السلمية بأعتى قدر من البطش المسلح. النظام السوري اتبع هذا النص حرفا بحرف، وعلى مدار اشهر طويلة من الاحتجاج السلمي امعن في القتل والبطش وفي عسكرة الاحتجاجات، حتى صارت الثورة مسلحة فعلا.

وهنا دخلت سوريا والشعب السوري نفقا مظلما، لأن فتح الساحة السورية للعمل المسلح كما هو الوضع حاليا يعني خروج السيطرة عليه من يد الدولة الباطشة نفسها، ومن يد الثوار. نظام الاسد هو الذي يتحمل هذه الجريمة الكبرى، وهو الآن وابواقه يتصايحون بأن هناك جماعات مسلحة وقاعدة وسلفيون جهاديون يقاتلونه في سوريا. النظام ولا احد غير النظام هو الذي تسبب في الوضع الراهن.

نظام الأسد كرس الطائفية ودمير النسيج الوطني السوري

الكارثة أو الجريمة التاريخية الثانية التي ارتكبها نظام الاسد الابن هي اعادة انتاج جريمة من ذات الصنف ارتكبها الاسد الاب، وهي تكريس الطائفية وتدمير النسيج الوطني السوري. ومرة أخرى هناك سوف تسجل الوقائع التاريخية على الارض كيف أن الثورة والناس العاديين كانوا يضعون يدهم على قلبهم في كل خطوة يخطوها في الشهور الاولى، نافيين عنها أي بعض أو شعار طائفي.

كان الجميع مستحوذ بالتركيز على سوريا والسوريين وبأن الثورة فيها الكل وتعبر عن الكل، وهو ما كان ولا زال الواقع وكل ذلك هروبا الى آخر الشوط من اية تصنيفات طائفية. لكن النظام الذي ترعرع على سياسة فرق تسد وتوظيف هذا الطرف السياسي او الطائفي ضد ذاك، سواء في سوريا أو لبنان، سحب من الرف وسيلة التسعير الطائفي والاحتماء بالطائفة.

وهكذا ومرة أخرى بدت العقلانية والحرص الشديد النابع من حس السوريين وخشيتهم على بلدهم في واد لا علاقة له بواد العفن السياسي الذي يرتع فيه النظام. شغّل النظام شبيحته لإمعان القتل والتقتيل الطائفي في المدن والقرى المختلطة طائفيا. وسرعان ما برزت وتجذرت خطوط التماس الطائفي.

وبطبيعة الحال تفاقم الخطاب الطائفي، لأن هناك جماعات أصولية تقف على الحدود الجغرافية والفكرية تفرك يديها كي تنزلق الامور في سوريا على ذلك النحو لأنها وإن كانت تختلف مع النظام طائفيا وايديولوجيا، إلا أنها تلتقي معه في العفن العقلي والطائفي وتقسيم الناس والاوطان بحسب التفاهات الطائفية. نظام الاسد مسؤول تاريخيا عن مستنقع الطائفية الذي يدفع الجميع اليه في سوريا، ومع ذلك يتصايح هو وأبواقه متهمين الاخرين بالطائفية واستخدامها.

الأسد يتحمل مسؤولية استدعاء التدخل الخارجي

الكارثة أو الجريمة التاريخية الثالثة التي يرتكبها نظام الاسد الابن هو استدعاء التدخل الخارجي بهذه الصورة او تلك. لم يستمع النظام للإحتجاجات السلمية، ولم يلق بالا لأية مبادرات سياسية إن من قبل الجامعة العربية او الامم المتحدة، ولم ينظر بأي قدر من الجدية للمعارضين والثورة بملايينها واعتبرهم عملاء للغرب وارهابيين وسوى ذلك.

كان رده الوحيد على مطالب الحرية والكرامة هو المزيد من الدماء وسلسلة لا تنتهي من المجازر والاستئساد على الاطفال الرضع وذبحهم في أسرتهم. يحتمي النظام بنظام نظير له في انعدام الحس الانساني والاخلاقي وهو نظام موسكو.

لكن هذا الاحتماء لا يمكنه بطبيعة الحال منع سيل الصور اليومية التي تنقل مستوى الجرائم والمجازر التي يرتكبها النظام, ولا يأبه لها. عدم الاكتراث بأثر الاعلام يدلل على غباء اضافي عند نظام الأسد الفاشي إذ يظن ان بإمكانه النجاة من الثورة والبقاء في الحكم رغم كل الدم الذي اريق. ثم يظن ان الرأي العام العربي والعالمي سوف يظل صامتا أمام هذه الجرائم بسبب الحماية الروسية.

العالم لا يعيش في زمن الحرب الباردة حيث يستطيع دكتاتور مثل بول بوت أن يقتل مليونا أو اثنين من شعبه في ما العالم مشلول الحركة يراقب ولا يستطيع التدخل. سوف تنتهي الامور في سوريا بتدخل خارجي بسبب اجرام النظام وتعنته ورفضه لكل الحلول والمبادرات السلمية. نظام الأسد هو المتسبب في ذلك، لكنه يدور اعلامه وابواقه في كل مكان ويتهم الاخرين بما اقترف من جرائم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طهران وموسكو.. و«المقاتلة» التركية

حبيب فياض

السفير

29-6-2012

كان من المتوقع ان يبدو المشهد بين دمشق وأنقرة أكثر خطورة على خلفية إسقاط المقاتلة التركية من قبل الدفاعات الجوية السورية. أنقرة التي تعاملت مع الحادثة وفق جرعة مدروسة من المواقف التصعيدية، لم ترد الذهاب بالتصعيد إلى حده الأقصى برغم ان الافتراضات الأولية والتلقائية كانت تستبعد خلو الموقف التركي من رد سريع ومباشر. الحادثة هذه شكلت اختبار نيات وقدرات لدى الجانبين وكشفت النقاب عن عناصر جديدة في ميزان القوى بينهما. الفعل السوري بإسقاط الطائرة، حشر رد الفعل التركي بين العمل على حفظ ماء الوجه او الذهاب نحو مواجهة عسكرية مباشرة. فسوريا مستعدة للدفاع عن نفسها وقادرة على إيلام الخصم حتى لو اضطرها الأمر إلى الخروج على المألوف واللجوء إلى القوة العسكرية. فيما تركيا التي مُست هيبتها تمتنع عن القيام بإجراء ما ضد نظام استنفدت كل أوراقها في العمل على إسقاطه.

ما تقدم، لا يمنع من القول بأن حادثة الطائرة قد نقلت التدخل العسكري الخارجي في الأزمة السورية من خانة الاحتمال المستبعد إلى خانة الاحتمال الممكن. تركيا ومن ورائها حلف شمالي الأطلسي سيعمدون إلى وضع الحادثة في سياق مسار تراكمي من المبررات التي قد يحتاجون إليها إذا ما قرروا يوما الدخول عسكريا على خط هذه الأزمة. موقف هؤلاء الذي ما زال يتلافى الخيار العسكري يعكس رهانهم المتمادي على إمكان تغيير النظام السوري بأدوات محلية. فأنقرة ما زالت تراهن على الوصول إلى أهدافها في سوريا بأقل الاثمان ومن دون ان تنفق من رصيدها. فيما حلفاؤها الغربيون ما زالوا يراهنون على تحول ما في الموقف الروسي من دون ان يغيب عنهم ان التعامل عسكريا مع الملف السوري قد يؤدي إلى حرب إقليمية لا يريدونها أو لم يحن وقتها بعد.

طهران، من جهتها، تعاملت بأهمية استثنائية مع حادثة الطائرة التي شكلت عاملا إضافيا في تسريع وتيرة علاقاتها المأزومة مع أنقرة. الحادثة هذه كان من الممكن ان تنقل الاشتباك الإيراني - التركي على خلفية الأزمة السورية من حالة الخفاء إلى العلن. مصادر إيرانية مطلعة رأت ان وقوف طهران إلى جانب دمشق لعب دورا حاسما في امتناع أنقرة عن قرع طبول الحرب، وأن اختباء الأخيرة خلف الاحتفاظ بحقها في الرد في الزمان الذي تراه مناسبا إنما هو هروب لمنع مواجهة محتملة مع إيران. المصادر ذاتها اعتبرت ان استبعاد الجمهورية الإسلامية عن مؤتمر جنيف الدولي قد جاء نتيجة إصرار تركي ردا على ما قيل عن دور إيراني إجرائي في إسقاط الطائرة التركية. ولم تستبعد المصادر ان يؤدي التوتر المتصاعد بين الجانبين إلى تغيير مكان المفاوضات القادمة بين إيران والدول الست. فمن المرجح، بحسب المصادر، ان يتم نقل تلك المفاوضات من اسطنبول إلى كازاخستان التي ابلغت طهران، خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني للعاصمة الكازاخية آستانة، استعدادها لاستضافة الجولة المقبلة من التفاوض. ووفق المصادر عينها، فإن زيارة وزير الخارجية الروسي الأخيرة إلى الجمهورية الإسلامية قد أسست لتحالف هو الأول من نوعه بين الجانبين الإيراني والروسي، وان من موجبات هذا التحالف دعم موسكو لموقف طهران في مفاوضاتها النووية، ودعمهما معا لحق دمشق في الدفاع عن نفسها مقابل الحملة الغربية - الإقليمية التي تتعرض لها. وإذ أكدت المصادر ان عدم تنازل إيران عن أي من حقوقها النووية خلال مفاوضات موسكو الأخيرة هو المؤشر الأول على فعالية هذا التحالف، اعتبرت ان إسقاط الطائرة التركية هو المؤشر الثاني على ذلك، من دون ان يقف الأمر عند هذا الحد، بل من المرجح ان تحمل الأيام القادمة مزيدا من المؤشرات التي ستشكل بمجموعها مخاضا لولادة نظام إقليمي جديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : انتظرنا رسائل التطمين طويلا .. فوصلتنا مخطوطة بنجيع أطفالنا .. زهير سالم

باختصار شديد ومكثف نعيد السؤال على المتخوفين على بناء الدولة : على أي شيء تريدوننا أن نخاف ؟!

وإذا كان البعض قد بقي له ما يخاف عليه في كنف هذا النظام فإن ما وقع على الشعب السوري خلال عام انصرم من ترويع واعتقال وقتل وانتهاك للحرمات وتجاوز للحدود ، وما توج به في بابا عمرو وكرم الزيتون والحولة والقبير والحفة من ذبح للأطفال ، وانتهاك للحرمات ؛ جعل هذا الشعب يعتقد أنه لم يبق لديه ما يخاف عليه ، ولا ما يرتبط به ، ولا ما ينتمي إليه ..

 

ومهما يكن اختلافنا على أسباب الصراع ، ومسوغاته ومنطلقاته وآفاقه ؛ فإن مما لا يجوز أن نختلف عليه بحال هو تقويم أخلاق المحاربين ، القابضين منهم على ناصية سلطة يخصها البعض بحقها باستخدام العنف الوازع ، والاستبداد بأدوات القتل المنظم ..

 

ومهما كانت تجاوزات الأفراد والجماعات والأحزاب فهي لا تسوغ بحال جريمة المتذرع بمتراس الشرعية القانونية ، المتجلبب بجلبابها ، وجرائم كل الذين يتحركون باسمه ، أو يضربون بسيفه ، أو يلهجون بتأليهه وأمر الناس بالسجود له. إن اعتبار كل الفظائع التي يرتكبها حاملو سيف السلطة أو المتجلببون بعباءتها من ضرب الأخطاء الفردية التي لا يأبه بها من يدعي الشرعية ، ولم يجرؤ حتى اليوم على إعلان نتائج التحقيق في جريمة قتل طفل مثل حمزة الخطيب .

 

ثم إن الاختباء وراء رد التهمة على الآخر أو مواجهة الواقع بحالة الإنكار . واتهام العالم أجمع بالتواطؤ والمؤامرة بما فيها المنظمات الحقوقية والإنسانية تنبي عن قلوب قدت من صخر ونفوس تسفلت فبلغت أسفل سافلين . إن التقارير الحقوقية عما يواجهه أطفال سورية بين أيدي الجزارين رسالة واضحة إلى كل صاحب ضمير في صفوف المتواطئين والصامتين إن كان قد بقي في صفوف هؤلاء صاحب ضمير . وما نصنع لهؤلاء إن كان الله قد نزع منهم إنسانيتهم وجعلهم في رتبة أدنى من الذين قال فيهم (( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )) وأكثرُ المفسرين على أن المسخ في العقول والقلوب والنفوس أشد نكالا وأبعد في العقوبة من المسخ في الأجساد .

 

حين يخلو سجان بسجين حيث تغيب عين الرقيب ولائحة الممنوعات يبقى فقط الخلق النفسي الذي جبل عليه من يفترض فيه أنه إنسان . الرسائل التي ترويها المنظمات الحقوقية – وليس نحن – تقتضي جوابا من كل من يريد أن يبرأ من البهيمية المتسربلة في إهاب بشري رجيم. والمشاهد التي تثقل كاهل عدسات التصوير أصبحت ذات دلالة لا يمكن لإنسان أن يتجاهل دلالاتها.

 

حين تنفلت مجموعة من البشر المردودين إلى أسفل السافلين المتمتعين بكل أدوات القهر والقتل في حي من الأحياء السكنية فهم في ذلك الحال يجسدون أهليتهم الآدمية ، و تطورهم الأنثربولوجي ، وحقيقة ارتقائهم عن مراتع الوحوش إلى مرابع الهمج من الناس أو ارتدادهم إليها . والإنسان المتسفل أشد همجية من الوحش في غابته كل علماء الأنثربولوجيا يؤكدون أن أخلاق الهمج في تسفلهم هي أكثر انحدارا من سلوك وحوش الغابات فسلوك تلك منضبط بضوابط الغريزة التي تنظم قوانين الصراع بما يحفظ البقاء . ..

 

من بين كل الرسائل التي وصلت وما تزال تصل من بين أشلاء الأطفال المبعثرة سواء في الأحياء والبلدات أو في زنازين السلطة حيث يتسيد غيلان الأسد ..

 

مرت أشهر طوال ونحن نعيش الفجيعة ما نخرج من غماء إلا وندخل في أخرى ، وليست فجيعتنا بما يقع على أهلنا فقط ، وإنما فجيعتنا الحقيقة بمن ينبغي أن يكونوا نظراء في الخلق ، أو شركاء في الوطن ، أو إخوة في الانتماء . لقد انتظرنا طويلا أن نسمع كلاما يخفف من وطأة الصور الرهيبة على الحس والضمير فحاصرنا دائما صمت الرضا يؤكده قول العقلاء : والصمت في معرض البيان بيان . وفي طوفان الدم هذا بين أهرامات الأشلاء يرتدي أحدهم حذاء مطاطيا يخوض به في دماء أطفالنا لحد الركبتين ليحدثنا عن جذور الشجرة الخبيثة وفروعها: كيف نحافظ عليه ؟!

 

نعم لقد وصلت رسائل التطمين الوطنية يراعها أصابع أطفالنا ، ومدادها نجيع دماؤهم !!!!

 

ويحكم إذا كنتم واثقين من النصر بما لا يستدعي الدفاع في الوطن عن شراكتكم ، فلا أقل أن تدفعوا الطفرات المنتكسة في التاريخ البيولوجي عن آدميتكم..

 

لا ننتظر تطمينا عن شراكة وطنية قد عايناها لخمسين سنة كالحات عجاف ؛ وإنما عن أهلية البعض الآدمية ننتظر التطمين ..

الخميس 5/7/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مفاوضات جنيف: رعاية روسية للحل السياسي في سورية؟

الجمعة ٢٩ يونيو ٢٠١٢

راغدة درغام

الحياة

غداً السبت، وبحضور وزراء خارجية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وتركيا والعراق والكويت وقطر وأمين عام كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ينطلق في جنيف السباق الجدي بين سكة الحل السياسي في سورية القائم على عملية انتقالية الى ما بعد رئاسة بشار الأسد وبين سكة المواجهة وشد الحبال بين لاعبين كبار على الساحة الدولية. المبعوث الأممي والعربي كوفي أنان سيبذل قصارى جهده ليعلن استمرارية خطته ذات النقاط الست مهما حدث من تفاهم أو خلاف وافتراق. بإمكانه أن يأخذ نصيبه من التقدير والامتنان لو أدى اجتماع «مجموعة العمل» على هذا المستوى الرفيع الى إيضاح معالم «خريطة الطريق» التي يبلورها أنان والى إطلاق التفاهم الدولي والإقليمي على آليات العملية السياسية الانتقالية في سورية. وهو في هذا المسعى في حاجة ماسة الى مواقف وإجراءات روسية تكف عن أسلوب تقطير الاستعداد للحل السياسي بالأقوال يرافقه التصعيد بالأفعال عبر إيفاد السفن المحملة بالسلاح والمروحيات الى النظام في دمشق. أي ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف هما من يضع الآن كوفي أنان على المحك ويهددان مهمته بالفشل، إذا استمرا في تسخير مهمة أنان لخدمة موقف روسيا التفاوضي بإفراط وبلا أفق زمني. وكوفي أنان نفسه يعرّض خطته ومهمته الى الخطر اذا استمر في الإبحار لصياغة علاقات الدول الكبرى فيما الأوضاع الميدانية في سورية تتدهور وتستمر المجازر ويزداد الحل الأمني دموية. ثم ان التطورات الميدانية أتت هذا الأسبوع بعنصر جديد ليس فقط في العلاقة التركية – السورية وانما أيضاً في تطور العلاقة التركية – الروسية في اتجاه الاختلاف وليس في اتجاه التفاهم. كل هذا التصعيد يمكن ان يكون جزءاً من بدء العد العكسي الى التفاهمات والصفقات الكبرى بين كبار اللاعبين الدوليين والإقليميين. انما هذا لا يلغي إمكانية انهيار السكة الديبلوماسية للحل السياسي عبر عملية انتقالية منظمة وترجيح كفة السكة العسكرية للحسم العسكري عبر حرب استنزاف وتكثيف الاستعدادات الجارية لنقلة نوعية في الأدوار الخارجية دعماً للمعارضة السورية في مواجهة الدعم الروسي للمؤسسة الحاكمة في دمشق. فشراء الوقت عبر المماطلة والمراوغة أو عبر خطة أنان المطاطية كان مطلباً شبه متفق عليه بين واشنطن التي تريد تجميد كل شيء وإيقاف الزمن الى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية وبين موسكو التي تريد إطالة عمر النظام في سورية وتسعى وراء تنازلات جذرية من أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية. لكن الزمن يداهم صنّاع القرار رغم أنفهم ويفرض عليهم الكف عن التنزه في حدائق الديبلوماسية فيما شوارع سورية تزداد تكديساً للجثث وتدميراً للنسيج الاجتماعي.

كوفي أنان، منذ البداية، اعتبر ان المهمة الموكلة اليه كمبعوث للأمم المتحدة ولجامعة الدول العربية لمعالجة الأزمة السورية أنها ليست محض محلية أو إقليمية. فهو نظر الى ولايته من منظار أوسع يرقى الى منصبه ومكانته كأمين عام سابق للأمم المتحدة. وعليه، قرر كوفي أنان ان مهمته الأولى هي التوفيق بين المواقف الأميركية والروسية أولاً ثم بين روسيا والصين والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بصفتها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. كذلك، ومنذ البداية، حرص كوفي أنان على الاّ يُعامَل كمجرد مبعوث وهو الرجل الذي عيَّن المبعوثين وكانوا يأتون اليه كأمين عام للأمم المتحدة، وأراد أن يكون مبعوثاً فوق العادة.

وبالتالي، خلق كوفي أنان لنفسه مهمة فوق العادة وأخذ الى ترجمة وتفسير ما أوكل اليه ليتناسب مع ما قرر أن يكون نهجه. فالعملية السياسية الانتقالية كانت أساساً في صلب المهام الموكلة اليه، علماً أن ولاية كوفي أنان مبنية أيضاً على قرارات جامعة الدول العربية بما فيها القرار الذي دعا الرئيس بشار الأسد لتسليم السلطة الى نائبه فاروق الشرع في عملية انتقالية سياسية تؤدي الى انتخابات ونظام جديد في دمشق. كوفي أنان وضع هذه الناحية من ولايته مؤقتاً في الثلاجة الى حين تمكنه من المساهمة في صياغة تفاهم بين الدول الخمس على نهج في هذا الاتجاه باعتبار الفيتو الروسي – الصيني عائقاً أساسياً أمام تنفيذه.

لذلك، عكف كوفي أنان على نسج علاقة توافقية بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، كأولوية، وفي خضم هذا النسج، بل وكأساس له، ركّز كوفي أنان على إرضاء واسترضاء روسيا لدرجة ان السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين قال ذات مرة ان خطة كوفي أنان خطتنا ونهجه هو النهج الصحيح الوحيد.

يمكن كوفي أنان أن يقول اليوم إن أسلوبه هو الذي أدى الى التغيير الجذري في الموقف الروسي من داعم قاطع لاستمرارية النظام وبقاء بشار الأسد في السلطة الى مُوافِقٍ على العملية السياسية الانتقالية والباحث عن حل على نسق النموذج اليمني القائم على التنحي طوعاً بحماية وحصانة وضمانات. هذا ادعاء في محله. بل وقد يصيب كوفي أنان ويدخل التاريخ كصاحب الحل الديبلوماسي في سورية، إذا أسفرت مفاوضات جنيف وما سيليها عن رعاية روسية للحل السياسي وقيامها بلعب دور العراب للمرحلة الانتقالية وما يتبعها.

أما إذا خذلت القيادة الروسية التوقعات والرهانات على صدقها وعزمها على تنفيذ ما توحي به منذ أسابيع عدة، عندئذ تكون ورّطت كوفي أنان. وعليه ان يختار بين الاستمرار في الإبحار وبين ما تستدعيه القيادة الأخلاقية المنوطة به إذا استنتج أنه وديبلوماسيته استخُدِما. وكل هذا لن يُحسَم في أول لقاء لـ «مجموعة الاتصال» التي أنشأها أنان واستدعاها الى مقره في جنيف. فهذه بداية عملية أخرى، وليست النهاية. ولذلك تمضي الاستعدادات في سكة اتخاذ الإجراءات اللازمة في حال وقوع سورية في أحضان «عملية» مفتوحة الأفق رهن المساومات والمقايضات.

المفاوضات عسيرة، بالتأكيد، لا سيما انها لا تنحصر سورياً وإقليمياً بل هي أيضاً ثنائية ودولية. إيران تتصدر مرتبة التقاطع بين المقايضات والمساومات الدولية والإقليمية والمحلية. فلاديمير بوتين يريد حضور إيران طاولة «مجموعة الاتصال» وكوفي أنان يؤيده في ذلك لكنه يحاول ألا يقع في مواجهة مع الولايات المتحدة والدول الغربية والعربية التي ترفض وجود إيران لأسباب متعددة.

بوتين وأنان يعتبران ايران جزءاً من الحل في سورية ويجب إشراكها في المحادثات على هذا الأساس. الغرب والدول الخليجية النافذة تعتبر إيران جزءاً من المشكلة وتشير الى دورها المشارك مع النظام في دمشق في قمع الانتفاضة السورية بدموية.

إصرار بوتين ورغبة أنان في إشراك إيران في الحل السياسي يلقيان الرفض الغربي والعربي لأسباب عدة أبرزها: أولاً: الخشية من ان تصبح إيران أداة أخرى إضافية من أدوات المماطلة والمساومة دعماً لاستمرارية النظام ومن ان يستخدمها اللاعب الروسي للتراجع عن التزاماته وإيحاءاته بالتغيير نحو عملية انتقالية سياسية. ثانياً، إضفاء الشرعية الدولية على إصرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أن تكون لاعباً إقليمياً كبيراً خارج حدودها وبالذات على الساحة العربية لتخوض معارك نفوذ وتأثير وتجييش لصالحها عقائدياً وهيمنة. وهذا مرفوض خليجياً وسعودياً بالذات لما ينطوي عليه من دلالات وأبعاد تتعدى سورية التي أصبحت أهم حلبة حالياً للتنازع السعودي – الإيراني حول هوية المنطقة العربية والتنازع على النفوذ الإقليمي. ثالثاً، تخشى الدول الغربية والعربية من ان تكون دعوة إيران الى «مجموعة الاتصال» المعنية بسورية عبارة عن تشريع لدورها داخل سورية بكل ما ينطوي عليه من تحالف عسكري وسياسي مع النظام ومكافأة لطهران على الدور الذي لعبته في دعم النظام والدور الذي تريد ان تلعبه في منع تنحيته أو إسقاطه.

فلاديمير بوتين حريص على ان تكون إيران في صميم صياغة النظام الإقليمي الجديد لتكون عوناً له في التصدي لكل من حلف «الناتو» ومجلس التعاون الخليجي. ولأنه يرى في سورية ساحته الأهم لفرض نفوذه وجبروته، يرى بوتين ان مصلحته تقتضي إدخال إيران عضواً في «مجلس الأمن الدولي فوق العادة» الذي أعدّه كوفي أنان عبر «مجموعة الاتصال» المكلفة بالملف السوري.

روسيا بوتين تسير على حبلين مشدودين: احدهما في اتجاه التفاهم مع أعضاء حلف شمال الأطلسي حول سورية والنظام الإقليمي الجديد حتى لو أدى الى قليل من الاستغناء عن إيران وطموحاتها الإقليمية. والآخر في اتجاه العناد في المواجهة مع كل من حلف الناتو ومجلس التعاون الخليجي بما في ذلك المواجهة مع تركيا العضو في الناتو والتي تنسق مواقفها حالياً مع مجلس التعاون الخليجي..

القيادة الروسية تعلم جيداً ان سكة التجهيز والاستعداد للحسم العسكري جارية بالموازاة مع استمرار موسكو في توفير المعونات العسكرية للنظام في دمشق بحجة تنفيذ العقود المبرمة. حادثة إسقاط الطائرة التركية في المياه الإقليمية فتحت العيون على احتمال قيام روسيا وليس سورية بإسقاط الطائرة بتحدٍ لكل من تركيا وحلف شمال الأطلسي استباقاً وانذاراً وأيضاً كورقة استقواء عشية الدخول في المساومات والمقايضات.

المرحلة الحالية من التداخل بين التفاوض والمواجهة دقيقة وحرجة بسبب استمرار التشكيك وافتقاد الثقة. حتى الآن، الأمل أكبر بانطلاق ملموس للسكة السياسية بناءً على مؤشرات قوية في هذا الاتجاه. انما لا شيء مضمون قبل حدوثه حقاً. لذلك فالسباق مستمر بين السكتين السياسية والعسكرية في صياغة المستقبل في سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خرافة الصراع الطائفي في سوريا

منذر خدام

الشرق الاوسط

29-6-2012

رغم كل الأعراض الطائفية التي برزت في سياق انتفاضة الشعب السوري في سبيل حريته وكرامته وبناء نظام ديمقراطي بديل لنظام الاستبداد القائم، فإن الصراع الطائفي ليس خيارا واقعيا، وبالتالي فإن تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية لن يحصل. يؤكد ما ذهبنا إليه مجريات الأحداث على الأرض، خصوصا مجريات الأحداث في منطقة الحفة وجوارها في ريف اللاذقية. الصراع الطائفي في سوريا لم يخرج عن نطاق الخطاب الإعلامي والسياسي النخبوي إلا بحدود ضيقة جدا، أما على الأرض فالمسألة مختلفة كثيرا. لقد استغل النظام واقعة كون أغلب المشاركين في الثورة هم من السنة لكي يؤسس لخطاب طائفي تجاه الأقليات يخوفها من البديل القادم، من أجل أن يكسبها إلى صفه، وقد حقق بعض النجاح في البداية، لكن مع استمرار النظام في خياره العسكري الأمني وعدم القبول الجدي بفتح أي خيار سياسي تفاوضي لإنهاء الأزمة، خصوصا بعد أن تسببت حربه المجنونة على شعبه في سقوط آلاف الشهداء من العسكريين وعناصر الأمن، وغالبيتهم من الطائفة العلوية، بدأ مزاج الطائفة العلوية يتغير بعض الشيء تجاه دعم النظام.

لقد صار نقد العلويين للنظام مسموعا في كل مكان في ريف اللاذقية، حيث انتشارهم الرئيسي، وذلك مع تزايد سقوط القتلى من أبنائهم في معارك ليست معاركهم، وقد برز تغير مزاجهم تجاه النظام بصورة واضحة من خلال الأحداث التي جرت في الحفة. فمن المعلوم أن مدينة الحفة تمثل جيبا تحيط به قرى علوية من جميع الجهات تقريبا، وقد خشي كثيرون من حدوث صراع طائفي فيها، يمكن أن يفجر مجمل الأوضاع في الساحل السوري، غير أن الوقائع على الأرض قد كذبت مقولة الصراع الطائفي في سوريا. لقد أسهم كثير من العلويين في تأمين خروج المدنيين من المدينة، واحتضنت أسر علوية عديدة في مدينة اللاذقية مئات الأسر التي فرت من منطقة الاشتباكات، واقتسمت معها كل شيء من لقمة الأكل إلى السكن إلى الحلم بإسقاط النظام.

وفي الجهة المقابلة، لم يعرف عن المسلحين الذين سيطروا على المدينة وهم في غالبيتهم العظمى من سكانها أن اعتدوا على أحد من العلويين، حتى من أنصار النظام والبعثيين المسلحين الذين كانوا في مقر الحزب أو في المؤسسات الحكومية. سمحوا للجميع بالخروج، وكان خطابهم لهم وكذلك لسكان القرى التي مروا بها عند دخولهم الحفة «إننا لسنا في صراع معكم، بل مع النظام الذي يستعبدنا نحن وإياكم».

ومن اللافت أن بعض مشايخ العلويين الذين كانوا يتخوفون من حصول اقتتال طائفي بين العلويين والسنة في المنطقة بدفع من بعض أتباع النظام قد أسهموا في منع ذلك من خلال جولات قاموا بها على القرى المجاورة لمدينة الحفة واجتمعوا خلالها مع أهلها ودعوهم لعدم الانجرار إلى أي صراع طائفي مع جيرانهم. ومن الحوادث التي تروى اليوم على كل لسان في المنطقة وخارجها، والتي تكثف في مغزاها القضية برمتها، أن المسلحين طلبوا من أحد أسراهم أن يتصل بوالدته ويخبرها بأنه أسر اثنين من الإرهابيين ويسألها النصح في ما يجب عمله بهما، فجواب الأم سوف ينفذونه عليه. فجاء جواب الأم قاطعا بأن عليه أن يتركهما، لأن لهما أهلا وأمهات، وقد يكون لديهما أبناء، فما كان من المسلحين إلا أن أخلوا سبيله طالبين منه أن يوصل سلامهم إليها. لقد شكل التضامن بين العلويين والسنة في منطقة الحفة درسا في الوطنية السورية سوف تذكره وتتعلم منه الأجيال القادمة.

هذه هي الوقائع على الأرض، رغم ما يعكرها بين الحين والآخر من الحوادث الفردية غير الواعية، لتجيء من ثم لقاءات المعارضة السورية في القاهرة والاتفاقات المهمة التي توصلت إليها اللجنة التحضيرية للمؤتمر المزمع عقده في القاهرة بتاريخ 2 و2012/7/3 لتدعم هذه الوقائع. لقد اتفق المجتمعون في القاهرة على أن الدولة التي ينشدونها سوف تكون دولة مدنية ديمقراطية، يتساوى فيها المواطنون أمام القانون بغض النظر عن الدين والمذهب والجنس والعرق. وأكثر من ذلك فقد تم النص على المساواة التامة بين الرجل والمرأة في كل شيء، وعلى حق المرأة في تبوؤ جميع المناصب في الدولة بما فيها منصب رئيس الجمهورية. لم يرد في الوثائق الثلاث التي سوف تقدم إلى مؤتمر المعارضة القادم ما يشير إلى أي اعتبارات طائفية أو مذهبية يمكن أن تلحظ سواء على مستوى بناء النظام السياسي أو على صعيد الدولة المنشودة.

ان الوقائع على الأرض، إضافة إلى ما اتفقت عليه المعارضة السورية بكل أطيافها في القاهرة، سوف تشكل إعاقة جدية لجميع المشاريع الخارجية التي تدعو إلى اعتماد النظام السياسي الطائفي وفق النموذج اللبناني أو العراقي أو البوسني، بذريعة حماية الأقليات والمساواة بينها.

باختصار، الصراع في سوريا ليس صراعا بين طوائف أو مذاهب أو مكونات عرقية، وإنما صراع سياسي ساخن بين النظام وأجهزته العسكرية والأمنية (وهي مكونة من جميع طوائف سوريا وإثنياتها)، وبين المسلحين الذين انشقوا عن قوات النظام، والمسلحين المحليين الذين أرغموا على حمل السلاح دفاعا عن أنفسهم وأهلهم، إلى جانب مجموعات مسلحة مختلفة لا تُعرف لها هوية محددة بدأت في الظهور والانتشار مؤخرا في جميع مناطق سوريا، وهي أيضا من جميع طوائف سوريا وإثنياتها.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com