العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08 /05/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الدرس الحموي الذي تعلّمه المجتمع ولم تتعلّمه السلطة

 محمد علي الأتاسي : الحياة

 من يغامر اليوم ويصعد التل الصغير الذي تقع عليه قلعة مدينة حماه السورية، ويلقي بناظره باتجاه نسيج المدينة القديمة المترامي الأطراف، لا بد أن يثير انتباهه عديد المساحات الفارغة التي تتفشى كبقع الزيت في النسيج العمراني للمدينة القديمة. هذه كانت قبل ثلاثين سنة أحياء تاريخية نابضة بالحياة داخل حماه القديمة، إلى أن جاءت جرافات وسوّتها بالأرض، في محاولة لإخفاء آثار الدمار والقصف المكثف الذي تعرضت له تلك الأحياء أثناء المعارك بين بعض وحدات الجيش السوري ومقاتلي الإخوان المسلمين الذين أعلنوا الجهاد وقتلوا بغير حق رجال السلطة وسيطروا على المدينة في تموز (يوليو) 1982.

 لا شيء يشبه فعلياً «بقع الزيت» في هذا النسيج العمراني إلا البقع السوداء في الذاكرة الجماعية السورية. ففي مجزرة حماه بحق أهالي المدينة، لم يتمّ فقط القضاء النهائي على أي وجود عسكري أو سياسي لجماعة الإخوان، بل جُعلت مأساة حماه نقطة البداية لعقود طويلة زُرع فيها الخوف في قلوب كل أبناء الشعب السوري واستبيح مختلف قطاعات المجتمع المدني وأُحكمت القبضة البوليسية الغليظة على كل مناحي الحياة السياسية والنقابية.

 لم تجد مجزرة حماه مكانها المشروع داخل الذاكرة الجماعية السورية، لأنها لم تدخلها أصلاً في إطار أي عملية للمراجعة والمصارحة وإعادة كتابة التاريخ وأخذ العبر. فهي ظلت بقية الحاضر الغائب الأكبر في هذه الذاكرة. والأبشع أن المجزرة تأبى أن تغادر الحاضر السوري، ولا تزال ماثلة فيه كجرح نازف لا يجد طريقه إلى الالتئام. فهناك إلى اليوم، وبعد ثلاثين عاماً عليها، آلاف الأسر غير القادرة على معرفة مصير أولادها واستصدار شهادات الوفاة لهم، وآلاف الأسر غير القادرة حتى على البوح بآلامها والتعبير عن مصابها والتصالح مع حاضرها. وكيف لها أن تفعل والسلطة، كانت، ولا تزال، تعتبر أحداث حماه نصراً مبيناً قضت من خلاله على المؤامرة وحققت الاستقرار للبلد.

 من هنا لم يكن غريباً، أن تكون حماه المدينة الوحيدة بين كبريات المدن السورية، التي استنكف أهلها عن مجاراة ظاهرة المنتديات السياسية التي انتشرت في كل سورية في تلك البرهة التي سميت «ربيع دمشق» وأعقبت وصول بشار الأسد إلى الرئاسة في 2000. وكيف يمكن أهل حماه، أن يعطوا لأنفسهم نعمة التحدث بالسياسة، وهم كانوا ولا يزالون ممنوعين من المطالبة أصلاً بمعرفة مصير أولادهم المفقودين والسماح بعودة أفراد عائلاتهم المنفيين وإعادة أملاكهم المهدمة أو المصادرة؟

 لقد تصورت السلطة، وعلى مدى عقود، أن أحداث حماه عمادة الدم والنار التي استطاعت عبرها تلقين كامل المجتمع درساً لن ينساه، مفاده: أن لا رادع يقف أمام عنف السلطة، وهي مستعدة للذهاب إلى النهاية إذا ما سوّل المجتمع لنفسه أن يتمرد على حكمها المطلق مجدداً.

 لكن رياح التغيير التي تجتاح المنطقة العربية، ما كان لها أن تتوقف على أبواب السجن السوري الكبير، والعقود الثلاثة من القهر والذل ما كان لها أن تطفئ جذوة الكرامة والحرية من الضمير الجمعي السوري. وكان يكفي أن يسقط حاجز الخوف وتهز الأحداث الأخيرة سورية من شمالها إلى جنوبها، وأن تندلع المظاهرة السلمية في مختلف مدنها، بما فيها حماه، لنكتشف أن ما غاب عن السلطة هو أن أي تكرار لتلك المأساة بات اليوم أمراً مستحيلاً.

 لقد تبدل العالم والمنطقة العربية والشعب السوري، إلا أن سلطته لا تزال عاجزة بنيوياً عن التبدل. لقد بتنا نعيش في قرية إعلامية كبيرة، وأصبح من المستحيل على السلطة أن تخفي عن أنظار العالم آثار جريمة أو عقاب جماعي تنزلهما بالمدنيين.

 نعم، تبدل العالم وتبدلت سورية معه. كان الإسلامي المتشدد يتظاهر في الثمانينات رافعاً عالياً بيده السلاح أو القرآن. أما اليوم فالمواطن السوري الجديد يتظاهر في مواجهة المدافع والدبابات، منادياً بالحرية ورافعاً في يده سلاحه الفعال، الذي هو كاميرا هاتفه الجوّال، لا أكثر ولا أقل. أما السلطة فنراها في مواجهة هذا المواطن الأعزل تعود مجدداً إلى ذات الأساليب البائدة من حصار المدن وتجويعها وقطع الماء والكهرباء والاتصالات عنها واقتحامها بالدبابات والتنكيل بأهلها والاعتقال الجماعي لرجالها وشبابها كما حدث في قرية البيضا.

 لقد حاولت «الطليعة المقاتلة» للإخوان المسلمين في بداية الثمانينات، وعبر استخدام العمليات الإرهابية والاغتيالات الموجهة مذهبياً، أن تفجر التوتر الطائفي وتستثمره لتحشد الطائفة السنية خلفها. لكنها فشلت في هذا فشلاً ذريعاً، واستطاع النظام أن يكسب قطاعات واسعة إلى جانبه، ليس حباً به ولكنْ خوفاً من البديل الذي يشكله التيار الديني المتشدد. وظهرت جلية يومها استحالة حشد الطائفة السنية ككتلة سياسية واحدة، كون تركيبتها السوسيولوجية على شاكلة تركيبة البلد، تعبرها كل التمايزات الطبقية والمناطقية والإثنية، بين العرب والأكراد، بين دمشق وحلب، بين أهل الريف وأهل المدن، بين مدن الداخل ومدن الفرات، بين الفقراء والأغنياء.

 اليوم باتت الثورة السورية، بطبيعة القوى الشبابية والمدنية المنخرطة فيها، والشعارات التي يرفعها المتظاهرون والمطالب التي يبلورها الناشطون، تعبر عن هوية وطنية جامعة وحرص على وحدة النسيج الوطني السوري وتمسك بالمطالب الديموقراطية المشروعة. أما السلطة، في المقلب الآخر، فلا تألو جهداً في إعادة إحياء شبح حماه ورد المجتمع إلى انقساماته الطائفية والمذهبية، والتلويح له بخطر الحرب الأهلية وتذكيره بأنها هي وحدها القادرة على ضبط الأمور وضمان السلم الأهلي.

 نعم، مأساة حماه اليوم مستحيلة، لأن الشعب تعلم الدرس جيداً، ولكنْ بالتأكيد ليس بالطريقة التي أرادها النظام. لقد تعلم أن استخدام العنف سيؤدي بهم إلى الطريق المسدود ويعطي السلطة كل المبررات التي تبحث عنها لسحق التحرك الشعبي السلمي، وأن مصدر قوته الأساسي في وحدته الوطنية وسلمية تظاهراته وإصراره على نيل حريته. أما السلطة، فكما يبدو، لم تتعلم شيئاً من التاريخ، وها هي تحاول عبثاً أن تفرض على الشعب السوري مجدداً الدرس الحموي القديم.

 وقد لا تكون أجساد الضحايا في المقابر قادرة اليوم على سماع دبيب أقدام المتظاهرين تضرب مجدداً أرض الشوارع والأزقة في حماه وغيرها من المدن. لكن باطن الأرض بالتأكيد يرتعش على إيقاع سورية وهي تنهض من سباتها العميق.

--------**********----------

و«المثقف» يقتل أيضاً!

زين الشامي

الرأي العام

28-4-2011

إذا ما أجرينا مقارنة بين الدور الذي لعبه الجيش المصري خلال الثورة حين وقف على الحياد ورفض قادته إطلاق النار على المحتجين في ساحة التحرير، وما بين الدور الذي يلعبه الجيش السوري اليوم حيث يستخدم من قبل النظام في قتل وقمع المحتجين، لتبين لنا بشكل جلي حجم التخريب الذي طال هذا القطاع. باختصار شديد لا يمكن اليوم اعتبار الجيش مؤسسة لها شخصيتها الوطنية الاعتبارية بل مجرد أداة للقمع، وطبعاً لا يعني هذا أن ليس هناك شخصيات وقادة وطنيون في صفوف الجيش، لكنهم قلة ومحاصرون ومغلوب على أمرهم ومبعدون عن المواقع القيادية.

الحالة الأخرى اللافتة في المشهد السوري والثورة الشعبية ضد نظام حزب «البعث»، هي حالة وموقف بعض المثقفين الذين أيدوا بشكل علني وأحياناً مبطن النظام في قمعه للمحتجين، وأحيانا، وهو حال الغالبية منهم، من خلال صمتهم المخجل في وقت كان المئات من الشبان والأطفال يقتلون في الشوارع كما حصل يوم الجمعة الحزينة.

إن مواقف بعض المثقفين السلبية أو الصامتة تجاه حركة الاحتجاجات خلقت على مدار الأيام الماضية جدلاً كبيراً في الشارع السوري، ولعل أبرز تجليات هذا الجدل، تركزت على مواقف شخصيتين بارزتين ومؤثرتين هما الناشط السياسي والمعتقل السابق ميشيل كيلو إضافة الى الشاعر أدونيس.

فميشيل كيلو الذي لم يتعاف بعد من جروح سجنه الظالم، والذي شارك في شرف الموقف إلى جانب عارف دليلة ورياض سيف وأنور البني وكوكبة من خيرة عقول وضمائر و خبرات المجتمع، كانت له آراء مختلفة عن الكثير من المثقفين والناشطين الذين أيدوا الثورة ضد النظام واعتبروا أنها فرصة تاريخية للتخلص منه، حين رأى كيلو انه ليس الوقت المناسب لطرح مقولة اسقاط النظام وأنه من الممكن أن يقوم هذا النظام بإصلاحات حقيقية، وكل ذلك تحت عنوان «التعقل والحكمة».

هذا الموقف تسبب بألم كبير للبعض وهو الذي دفع ببعض أصدقائه لنقده. إن هذا النقد واللوم ينبع من هنا، من إحساسهم بظلمه لهم وللشبان الذين خرجوا الى الشوارع، بينما لا يزالون يواجهون الموت عراة. ورأى منتقدو كيلو أن الأجدر به أن يسجل اعتزازه وفخره بأناس خرجوا سلمياً لتلبية المطالب التي طالما تعرض كيلو للسجن و التعذيب في سبيلها!

أما فيما يخص الموقف من الشاعر السوري أدونيس، فقد تأسف البعض حيث لم يسمعوا منه سوى بعض الجمل عن حركة الاحتجاجات بعد صمت دام أكثر من شهر على مقتل المئات من السوريين. وكان لافتاً أن أدونيس خلال مقابلة تلفزيوينة أعرب عن رفضه الواضح لخروج المظاهرات من الجوامع «لما له من محمولات سياسية ودينية، تختزل التنوع والاختلاف الذي يحفل به المجتمع إلى مكون واحد دون سواه» أما البديل برأيه فهو الساحات العامة، التي تحتضن الجميع. ولقد أثار هذا الموقف انزعاج الغالبية من المثقفين السوريين لأن أدونيس أخذ دور المستشرق بإغفاله استحالة ذلك لأن النظام القمعي وبسبب قانون الطوارئ منع السوريين من الاجتماع إلا في الجوامع ولم يترك لهم فرصة للقاء والتواصل الا في بيوت الله، ليس لإيمان النظام وخشيته الله بل بسبب اضطراره لذلك.

الظاهرة الأخرى تمثلت في ما يمكن وصفهم بالطابور الخامس حسب وصف الكاتب ياسين الحاج صالح وهم فئة من الكتاب والصحافيين والمراسلين وأصحاب المواقع الالكترونية ورجال الدين الرسميين اللذين يقدمون خدمات جليلة للاستبداد حين قاموا عن «سابق تصور وتصميم» بدعم النظام، لا بل إنهم شكلوا أحد ألويته المقاتلة المناط بها قمع ثورة تطالب بالحرية والعدالة والكرامة لجميع السوريين، وهم بذلك انضموا إلى الأجهزة الأمنية مع ملحقاتها من الشبيحة وعصابات تم انتاجها من قبل تلك الأجهزة وساعدوا في قتل السوريين.

كاتب سوري

--------**********----------

هؤلاء المحامون عن "سورية الأسد"!

جواد البشيتي

29-4-2011

العداء (الشعبي العربي المتأصِّل في النفوس) لإسرائيل هو دائماً الكامِن المستتر في كثيرٍ من دوافع وحوافز وأسباب وقوى "الحراك الشعبي الديمقراطي" في كل البلاد العربية التي عرفته وشهدته؛ وهذا العداء (المبرَّر واقعياً، والمفيد والضروري لشعوبنا العربية كافة) هو السبب الأهم لسلبية الموقف الشعبي العربي من الولايات المتحدة، ومن سائر حلفاء إسرائيل الغربيين.

وإلى هذا العداء يمكن أنْ نَنْسِب، أيضاً، بعضاً مِمَّا تحظى به أنظمة حكم عربية دكتاتورية؛ لكن "معادية" لإسرائيل، من تأييد شعبي عربي "خارجي"، أي من خارج حدود دولها، ومن تأييد قوى وأحزاب سياسية عربية "خارجية" أيضاً.

قُلْتُ إنَّ الاحتفاظ بجذوة العداء لإسرائيل هو أمْر ضروري ومفيد للشعوب العربية؛ لكنَّ هذه "القاعدة" لها أيضاً استثناء؛ فإنَّ بعضاً من العداء لهذا العدو القومي الأوَّل للعرب يعمي الأبصار والبصائر، وقد يجعلنا معادين حتى لأنفسنا، أي لحقوقنا الديمقراطية؛ ولقد رأيْنا هذا واضحاً جلياً في مواقف بعض قوى وأحزاب المعارَضة العربية من نظامي الحكم في ليبيا وسورية.

رأيْنا هؤلاء يقِفون مع ثورتي تونس ومصر، وضدَّ ثورة الشعب في سورية على نظام الحكم البعثي الدكتاتوري؛ فالثورة في مصر "حلال"؛ لأنَّها ضدَّ نظام حكم ترضى عنه إسرائيل والولايات المتحدة؛ أمَّا في سورية فهي "حرام"؛ لأنَّها ضد نظام حكم "معادٍ" لإسرائيل، يَقِف إلى جانب "قوى المقاوَمة العربية" في فلسطين ولبنان (والعراق).

بعضٌ من هؤلاء الحزبيين "القوميين"، "المعادين" لإسرائيل، ولحليفها الدولي الأوَّل، قد يتَّفِق معك على أنَّ نظام الحكم الأسدي في سورية هو، في طبيعته وجوهره، نفي للديمقراطية بأوجهها كافة؛ لكن ثمَّة "ضرورة"، هي "العداء" لإسرائيل، تبيح هذا "المحظور"، أي نفي الديمقراطية. وبعضٌ آخر يُحْسِن الظنَّ، ديمقراطياً، في نظام الحكم السوري، فيزعم أنَّ نظام الحكم هذا ليس في طبيعته منافياً للديمقراطية، ويُمْكِنه أنْ يأتي للشعب السوري بكثير من الإصلاح السياسي والديمقراطي؛ لكنَّ "ضرورات الصراع (القومي بينه وبين إسرائيل)" تمنعه من ذلك.

هل ثورة الشعب السوري هي "ثورة شعبية سورية ديمقراطية خالصة"؟

جوابنا هو "كلاَّ"؛ فأوَّلاً، ومن حيث المنطق، لا وجود أبداً ل "الخالص" من الأشياء؛ وهذه الثورة، من ثمَّ، عكَّرت المياه السورية؛ وليس ثمَّة ما يمنع قوى عدة، إقليمية ودولية، ومن داخل سورية أيضاً، معادية، بمصالحها وأهدافها، لسورية، ولثورة شعبها على وجه الخصوص، من الاصطياد في هذه المياه.

لكن، هل هذا يعني أنْ نقف ضدَّ ثورة الشعب السوري على نظام الحكم الدكتاتوري، أو أنْ نقف مع نظام الحكم هذا ضدَّ ثورة شعبه عليه؟!

لا بدَّ لنا من أنْ نميِّز هذا من ذاك، ومن أنْ نبتني موقفاً من هذا التمييز، وإلاَّ أسأنا الفهم، وفهمنا الوجود القتالي للدبابات السورية في درعا على أنَّه شيء لا يختلف جوهرياً عن وجودها المماثِل في الجولان التي تحتلها إسرائيل.

"القوميون العرب" من هذا الصنف، الذي حان له أنْ يختفي من الوجود السياسي والفكري العربي، هو، في بقائه وخطابه ومنطقه وموقفه، خير دليل على أنَّه لم يَخْرُج من تجربة صراعنا القومي المديد ضدَّ إسرائيل بالدروس والعِبَر الأساسية والجوهرية، والتي في مقدَّمها أنَّ "العداء الدكتاتوري"، أي الذي تُظْهِره أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية، لإسرائيل هو عداء زائف، عاجِز، وغير مُجْدٍ لشعوبنا في صراعها القومي ضدَّ هذا العدو؛ فأنتَ لا يُمْكِنك أنْ تكون صادقاً في عدائك القومي لإسرائيل إذا لم تقف، في الوقت نفسه، ضدَّ أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية، ومع الحقوق الديمقراطية لكل شعب عربي؛ وليس من "التزام قومي"، أو "التزام ديني إسلامي"، يحقُّ لأصحابه أنْ يتَّخِذوه سبباً، أو مبرِّراً، للتصالح مع أنظمة الحكم الدكتاتورية العربية، وللوقوف ضدَّ الثورات الشعبية الديمقراطية عليها، مهما كَثُر، وتكاثر، المصطادون، أو الذين لديهم الرَّغبة في الاصطياد، في المياه العربية التي عكَّرتها، وتُعكِّرها، هذه الثورات.

إنَّ نظرية "المياه العكرة والمصطادين فيها" هي نظرية لتبرير التصالح مع الدكتاتورية العربية، وتتنافى تماماً مع حقيقة موضوعية بسيطة هي أنَّ لدى الشعب السوري من أسباب العداء لدولته الأمنية الاستبدادية الإرهابية ("المعادية"، لساناً، لإسرائيل) ما يشدَّد الحاجة لديه إلى "ثورة تَلِد ثورة" ضدَّ هذه الدولة، التي لا عدوَّ حقيقياً لها إلاَّ شعبها.

حتى من تجربة الصراع التي خاضها، ويخوضها، ضدَّنا عدونا القومي الأوَّل وهو إسرائيل لم نتعلَّم ما ينبغي لنا تعلمه؛ فهذا العدو خاض الصراع ضدَّنا، وهزم دولنا وجيوشنا شرَّ هزيمة، من غير أنْ تكون دولته معادية للحقوق الديمقراطية لشعبها؛ ولقد أقام لنا الدليل على أنَّ "الديمقراطية التي ينعم بها شعبه فحسب" هي "جيش الدفاع الإسرائيلي الأوَّل والأهم".

وفي سورية، فَهِم نظام الحكم الأسدي "التوازن الإستراتيجي" مع إسرائيل، والذي هو، بمعيار السعي الحقيقي إليه، كذبة كبرى، على أنَّه هدف يمكن الوصول إليه، وتحقيقه، من خلال "إخلاء الميدان" من الشعب السوري، وجَعْل هذا الشعب "صفراً" في "وجوده السياسي"، عبر حرمانه حقوقه الديمقراطية كافة؛ وكأنَّ الشعوب المحرومة ديمقراطياً يمكنها أنْ تجيد القتال في المعارك القومية!

وإنِّي لأستطيع أنْ أؤكِّد لكم أنَّ سورية الحُرَّة الديمقراطية التي تحكمها حكومة تمثِّل شعبها حقاً هي الأكفأ والأصدق في العداء لإسرائيل، وفي مواجهتها، ولو أصبحت بلا جيش؛ فإنَّ الدولة الأمنية الدكتاتورية الإرهابية هي التي صنعت للجيش الإسرائيلي أسطورة الجيش الذي لا يُقْهَر؛ وكلَّما قُهِرَت شعوبنا العربية ازداد الإسرائيليون اقتناعاً بأنَّ جيشهم لا يُقْهَر.

نظام الحكم الأسدي الذي لا يتورَّع عن إنكار كل بديهية إذا ما رأى أنَّها تتعارض مع مصالحه (المنافية، على وجه العموم، لمصالح شعبه) يحاوِل إقناعنا (وكأنَّنا قوم من الأغبياء) بخرافة سياسية له على أنَّها بديهية، فهو يريد لنا أنْ نفهم نَيْل الشعب السوري لحقوقه الديمقراطية كاملةً على أنَّه ضربة في الصميم للأمن القومي لسورية، وإغراء لإسرائيل باحتلال دمشق في ساعات معدودة؛ وكأنَّ "الدولة الديمقراطية" لا "الدولة الأمنية" هي التي تُمَكِّن لإسرائيل في الأرض (السورية والعربية)!

ولو كان لأنصار نظام الحكم السوري من العرب من قوَّة البصر والبصيرة، أو مِمَّا يجعلهم في حاجة إلى قوَّة البصر والبصيرة، لرأوا نظام الحكم هذا على حقيقته القومية العارية تماماً من الأوهام، فحقائق الواقع ما انفكت تحاوِل إقناعنا بأنَّ "الالتزام القومي" لنظام الحكم الأسدي لا يعدو كونه "موقفاً قومياً" يقفه نظام الحكم هذا إذا ما تبيَّن له، وتأكَّد، أنَّ هذا الموقف، مع نتائجه وعواقبه التي يتوقَّع، يمكن أن يفيده كثيراً في تقوية، وإطالة عُمْر، الدولة الأمنية الدكتاتورية الإرهابية في سورية؛ فبقاء هذه الدولة (ولو لم يُبْقِ على الشعب السوري نفسه) هو وحده التفسير والتعليل لسياسة نظام الحكم السوري في مَدِّها، أو جَزْرِها، القومي.

--------**********----------

 لماذا يظل العنف جواب الأنظمة على مطالب الاصلاح؟

الجمعة, 29 أبريل 2011

خالد غزال *

الحياة

تثير الانتفاضات الجارية راهناً في اكثر من مكان في العالم العربي اسئلة مؤرقة عن الاسباب التي تتحول فيها تظاهرات سلمية تدعو الى الاصلاح والتغيير المشروع، الى حمامات دم تُغرق فيها الاجهزة الامنية جموع المحتجين، وتتسبب في ضحايا واضطرابات تجعل من تصعيد المطالب ممراً حتمياً يصل الى المطالبة بإسقاط النظام.

يبدو السؤال مشروعاً في ضوء مقارنة بما حصل في بلدان اوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، حيث أمكن تغيير النظام في معظمها من دون تحوّل مطالب التغيير الى حمامات دم فيها. تفتح المقارنة على ضرورة التدقيق في طبيعة بنى الدولة وتكوّن المجتمع وموقع السلطة والتراث الموروث في ممارستها.

تتشابه انظمة المعسكر الاشتراكي السابق في اوروبا مع الانظمة العربية في عدد من المفاصل الجوهرية. فهي انظمة استبدادية تهيمن فيها اجهزة الامن على مؤسسات الدولة والمجتمع، وتلتقي في احتكار السلطة من حزب واحد يمنع القوى السياسية الاخرى من الفعل إلا اذا كانت تابعة له، وتقيّد حرية الرأي والتعبير وتهيمن على اجهزة الاعلام والتوجيه، وتضع معارضيها في السجون او المنافي او القبور... فلماذا امكن مجتمعات اوروبا هذه ان تجنّب بلدانها كأس الحروب الاهلية والعنف عندما دقت ابواب التغيير بعد عقود من التسلط، فيما تتحول الانتفاضات العربية الى عنف يومي والى شلالات انهر من الدماء تسقط هنا وهناك؟

منذ ان انطلقت الانتفاضات العربية بدءاً من تونس وصولاً الى سورية، يبدو العنف عنواناً موحّداً لمسلك الانظمة في الجواب على التظاهرات السلمية التي انطلقت. في تونس سقط حوالى 423 مواطناً، وفي مصر اظهرت التحقيقات الاخيرة مقتل 864 مواطناً، على رغم اعتبار الانتفاضة في هذين البلدين اقرب ما تكون الى عملية سلمية.

اما في اليمن وليبيا وسورية، فإن العنف هو اللغة الوحيدة في الجواب، وهو عنف حصد حتى الآن آلاف الضحايا ولا يتوقع له ان يرتوي في امد قريب. بعيداً من ديماغوجيا الانظمة ولغتها التي تحيل فيها التظاهرات الى مؤامرات خارجية تستهدف هذا البلد او ذاك، ومع التأكيد المعروف ان التظاهرات انطلقت في كل البلدان العربية في وصفها تظاهرات سلمية، وليس تمرداً مسلحاً كما ترغب وسائل إعلام الانظمة في تصويره، لكن جواب اجهزة السلطة في كل مكان كان جواباً مسلحاً في شكل مباشر، وهو ما دفع بعض الانتفاضات لأن تسلك في مسارها الى نوع من العنف المقابل، وإن كان لا يوازي او لا يقاس بحجم العنف المستخدم من اجهزة السلطة، والمقصود ما يحصل في ليبيا واليمن.

يمكن الناظر الى بعض المؤشرات السياسية السائدة في العالم العربي ان يفسر لماذا تتحول مطالب الاصلاح الى اعمال عنفية، فالدساتير العربية في معظمها لا تنص على زمن محدد لتداول السلطة من نوع تعيين فترة محددة، مرة او مرتين، لا يعاد فيها انتخاب الحاكم، بل تبدو الدساتير مفتوحة لسلطة لا حدود زمنية لانتهاء الولاية فيها سوى موت الحاكم.

حتى في بلد مثل لبنان حيث يحدد الدستور ولاية واحدة للرئيس غير قابلة للتجديد، فقد عمدت سلطة الوصاية السورية على نسفها مرتين عبر فرض التجديد لرئيسين للجمهورية، وذلك تيمّناً بما هو حاصل عربياً. أما طبيعة السلطة ومؤسساتها، فقد غلب عليها الطابع الامني، بحيث جرت تقويتها الى اقصى الحدود، وتسليطها على الشعب وتحوّلها الى السلطة الحقيقية التي تفرض على المؤسسات الشرعية طبيعة القوانين المفترض وضعها.

نجم عن هذا التكوين نشوء سلطة افرزت قوى ونخباً حاكمة اعتبرت الدولة مجرد ملكية مطوّبة لها، يحق لها نهب اموالها وثرواتها، والتسلط على الشعب وقهره من خلال الدولة الامنية الموضوعة في خدمتها. هكذا انتشر الفساد والمحسوبية والزبائنية، وتحول الولاء الى هذه الزمر بديلاً من الوطن والمؤسسات الشرعية. في مقابل ذلك، كان القهر والقمع السياسي والفكري وتقييد الحريات والتنكيل بالمعارضات طريق هذه النخب لإدامة سلطتها والاحتفاظ بها.

ترافق ذلك كله مع سياسات إفقار وتجويع للغالبية العظمى من الشعوب العربية، بما جعل أقساماً واسعة منها تعيش تحت خط الفقر، مقرونة ببطالة واسعة تطاول أجيالاً من الشباب المتخرج في الجامعات والعاجز عن تأمين فرص عمل، وعجز عن بناء تنمية تنتشل هذه الشعوب من حال البؤس.

يحدث ذلك وسط مشاهد صارخة على نهب ثروات البلاد من جانب نخب فاسدة، وتحويل هذا الفساد عملية واسعة لكسب مراكز القوى. لعل ما قدمته الاحداث من كشف عن حجم ثروات الحكام ونهبهم لأموال الدولة يعبّر عن القليل مما هو سائد.

عندما تتركز مطالب الاصلاح على تداول السلطة وتحديد فترة زمنية يتغير فيها الحاكم، وعندما تتوجه الى تحقيق الديموقراطية بما تعنيه من حرية تكوين احزاب سياسية وحق المعارضة في العمل وإطلاق حرية الرأي والتعبير، وعندما تدعو الاصلاحات الى كف يد الاجهزة الامنية عن قمع المعارضين وكمّ الافواه، وعن تحسين مستوى الحياة المعيشية للمواطن وتوظيف ثروات الشعوب لمصلحتها... فإن هذه المطالب الاصلاحية تكون لدى هذه النخب الحاكمة بمثابة نفي لذاتها وقضاء على مواقعها الابدية في السلطة، وأن الرد على ذلك يستحيل ان يكون بالاحتكام الى الشرعية الدستورية، بل باستخدام اقصى انواع العنف والترهيب وإعادة الشعوب الى القمقم الذي سُجنت فيه.

في عالم عربي تهيمن فيه ثقافة الاستبداد والقهر من جانب الحاكم، وتبتعد ثقافة الديموقراطية وتداول السلطة عن عقول النخب الحاكمة، وفي ظل عقود من القمع الدامي، يبدو السؤال الدائر لدى اهل النظام عن سبب قيام الانتفاضات ووصمها بالمؤامرة غريباً، لأن السؤال الفعلي هو: لماذا تأخرت هذه الانتفاضات في الاندلاع الى هذا الحد من الزمن المديد؟ مع هذه الاحداث الجارية التي تبشر بأمل في التغيير، وبالنظر الى الاجوبة العنفية المقدمة من السلطات، سيكون على الشعوب العربية دفع أثمان غالية تحقيقاً لحريتها ولإصلاحاتها، وسيرتفع منسوب الدماء كلما اصرّت هذه الشعوب على مواصلة النضال من أجل التغيير.

* كاتب لبناني

--------**********----------

النصر للحق والشعب وحرية الشعب

عصام العطار

نَعَمْ نَعَم نفيدكِ بالروحِ والدّم يا بانياس

نعم نعم نفديك بالروح والدم يا حمص

ونفدي بالروحِ والدم كلَّ مدينةٍ أو قريةٍ سوريةٍ ترفعُ صوتَها بالثورةِ على الاستبدادِ والاستبعاد ، وتشتري لنا بدمها الحريةَ والديمقراطيةَ والمستقبلَ الكريم

ونفدي بالروح والدمِ إخوتَنا وأخواتِنا ، وأبناءنا وبناتنا الذين ردّوا بإيمانهم وشجاعتهم وتضحيتهم لأمتنا وبلادنا روحَها وشخصيّتَها وعِزّتَها وكرامتَها وتاريخها المشرقَ العظيم ، فرأينا في مدننا وقُرانَا كَرَّةً أخرى سُمَيّةَ وياسر وبلال الذي كان طواغيتُ الشركِ يُضْجِعونهُ في مكّةَ على الرملِ الملتهبِ كالجمر ، ويطالبونه بكلمةِ الكفر ، فيجيبهم بكلمةِ الإيمان : أَحَد أَحَد

وهكذا شعبُنا العظيمُ كلُّهُ الآن : يَسُومهُ الطغيانُ والاستبدادُ ألوانَ القمعِ والعذاب ، والتهديدِ والإرهاب ، ويسقط منه الشهداءُ بعدَ الشهداء ، ويُطالبهُ الطغاةُ البغاةُ المستبدّون بالخضوع والخنوع فيجيبُهم بصوتٍ واحد ، وقلبٍ واحد ، وإرادةٍ صارمةٍ لا تَهْتَزّ : حريّه حريّه ، وما أجدرك بهذه الحرية الآن يا شعبنا الحبيب

يا حكام سورية !

لقد انتهى الأمر

شعبُنَا لن يعودَ أبداً أبداً إلى القيود والأغلال ، لن يعودَ إلى العبوديةِ والذلّ

ذَلَّ مَنْ يَغْبِطُ الذليلَ بِعَيْشٍ رُبَّ عَيْشٍ أَخَفُّ منهُ الْحِمَامُ

السبيلُ الوحيدُ أمامَكُمُ الآنَ أن تنتقلَ السلطةُ تماماً من النظام الذي رفضه الشعب ، إلى النظام الذي يريده الشعب ، بطريقٍ سلميٍّ توافقيّ ، ففي ذلك مصلحتكُم ومصلحةُ الأمةِ والبلاد

أناشدُكم أن تبادروا إلى ذلك قبل فوات الأوان

واللهُ أكبر ، والنصرُ للحقِّ والشعبِ وحريةِ الشعب

--------**********----------

نقاش على هامش الحراك السياسي في سورية

الخميس, 28 أبريل 2011

بشير عيسى *

الحياة

أسئلة كثيرة تدور وتُطرح للنقاش تسبق كل نزول إلى الشارع، فيما المؤشر ينوس بين اتجاهين، الأول متخوف، والثاني أكثر من متفائل.

فبينما يرى المتخوفون في السياسة المتَّبَعةِ مكيافيليةً موفَّقة إلى حدٍّ ما، تطيل من وجود النظام وعمره، وتبقيه متحكماً، لا سيما بعد مجاراته لدور بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط، والتي يريد من خلالها نافذة إلى المجتمع الدولي، وتحديداً الولايات المتحدة، للإبقاء على أمن المنطقة واستقرارها، وكي لا يحرج هذه الأطراف ومعها بعض المكونات الداخلية، فقد بدأ أولى خطواته الإصلاحية، رغبةً منه في كسب تأييدهم، كما أنها تأتي في سياق ترميم شرعيته المتآكلة، مستفيداً في الوقت ذاته من تراخي قبضة التحالف الدولي، بعد التبدل الذي طرأ على المشهد الليبي، حيث بدا هذا الأخير وكأنه يخدم هذه النظم، فالنظام يملك من الدهاء والحنكة السياسية مع الكثير من الأوراق الضاغطة في المنطقة، تمكِّنه من أن يكون لاعباً ليس بالضعيف ومتقدماً على النظام في طرابلس، الشيء الذي يزيد الأمور تعقيداً.

يبقى ان المشهد في الداخل السوري لا يبعث على الارتياح، إذ يرى الكثيرون أنه ما لم تتحرك دمشق وحلب ستبقى الاحتجاجات في الريف كجزر يسهل عزلها وتطويقها من خلال الجيش والأجهزة الأمنية الموالية بشكل كامل للنظام، وأن ما قدمته وتقدمه درعا هو أكثر من شرارة، فيما الإصلاح السياسي والاقتصادي على أرضية الاستقرار الأمني هو جُلُّ ما تريده دمشق وحلب.

يبقى ان الجهد الذي قام به النظام، بتأييد ودعم من الأتراك، بمنح الجنسية لحوالى نصف مليون كردي مقيم في سورية، قد خفف من نزق العصب الكردي ولو قليلاً، فالتظاهرات التي خرجت في الحسكة والقامشلي وعامودا يمكن فهمها على أنها تضامن مع الشعب السوري وإبقاء خطوط رجعة في حال سقوط الحكم في دمشق. فالكرد لو كانوا جادين حتى النهاية، لتحركوا بشكل يستطيعون من خلاله إرباك النظام في حلب ودمشق، مرجِّحين الكفة لجهة المعارضة، إذ ربما ينتظر الأكراد، شأنهم شأن الكثيرين، تحركَ العاصمة، حيث مازال لدى بعضهم عتب على باقي الشعب السوري الذي لم ينصرهم حين تحركوا عام 2004.

كما يعزز من المخاوف، تقديمُ التنازلات لصالح التيار السلفي الذي يمثل البوطي أحد رموزه، وذلك بإقرار عودة المنقبات، وإحداث فضائية دينية، إضافة إلى مطالبة بعض المناطق بفصل التلاميذ الذكور عن الإناث في المدارس الابتدائية. هذا التراجع عن «علمانية النظام» يؤكد هواجس المتخوفين من أن النواة الصلبة في الحراك السياسي ذات طبيعة إسلامية راديكالية من جهة، وعشائرية من جهة أُخرى، لا تخدم المنحى الوطني الذي يُراهَن عليه، حيث القوى التنويرية لا تمثل أيَّ ثقل حقيقي في الشارع الذي تجاريه، وهو ما يحيلنا إلى الثورة الإيرانية، فبعد أن استقر لها الحكم انقلبت على القوى اليسارية والليبرالية كتطهير للثورة والمجتمع. ولعل ما جاء على لسان المجلس العسكري في مصر مؤخراً، بأن الجيش لن يسمح بخميني آخر في مصر، يحمل الكثير من الدلالات والمخاوف إلى ما ستؤول إليه الأحوال في مصر بعد الثورة، وذلك على خلفية الحضور الطاغي للإسلام السياسي والسلفي.

فهل تكفي الشعارات المرفوعة لجعل الثورة كقوة تغيير إلى الأمام تمنع نكوصها في ما بعد؟ أمام هذا المشهد الذي تتخوف منه الأقليات، تتمسك هذه الأخيرة بنظام مستقر يقوم على إعطاء فرصة للقيام بإصلاحات تجنِّب البلد خضات وصراعات قد تفضي إلى حرب أهلية، نظراً لإصرار النظام على تمسكه بالسلطة حتى النهاية.

ضمن هذا الواقع المعقد يتحرك الشباب والمثقفون، مدركين أن عليهم أعباء إضافية تفرضها خصوصية المجتمع السوري، المشكَّل من فسيفساء تستوجب قوى خارقة للحفاظ على نسيجه الوطني من التهتك، فهل تكفي الحماسة الوطنية للحؤول دون السقوط في مطب النزاعات والانقسامات العمودية التي يراهن عليها النظام؟ فالشارع على قناعة، بخلاف المعارضة، أن إمكانية حدوث انقسام حقيقي في المؤسسة العسكرية أقرب إلى المحال، لذلك ينصبّ الرهان عند المتحمسين على استمرار الزخم كي تصل الشرارة إلى العاصمة، فإن انطفأت سيكون بمثابة قطع الهواء عن القلة التي تحاول أن تفعل شيئاً بداخلها.

معلومٌ أن العواصم هي الحصون الأقوى التي تقف عليها الأنظمة، ففي السودان لم يستطع جنوبه ومعه إقليم دارفور، اللذين ارتكب فيهما نظام البشير جرائم ضد الإنسانية، من زعزعته، لأن الخرطوم لم تقف في وجهه. أما في اليمن، فحرب مع الجنوب وستة أُخرى مع الحوثيين في الشمال، لم تخلخل أركان النظام، إلا بعد أن تحركت عليه العاصمة صنعاء، بينما في ليبيا يبقى القذافي محصناً إلى أجل، ما بقيت طرابلس في قبضته. في سورية تحركت حماه في الثمانينات، ثم تحرك الكرد في الشمال ولم ينكسر النظام، لأن العاصمة بالمعظم وقفت إلى جانبه. فهل يعيد التاريخ ذاته؟ أم أن حراك الشارع الذي يعيد تشكيل المشهد السوري هو من سيقول الكلمة الفصل؟

--------**********----------

مكالمة الطبيبة بدرعا التى اشعلت الثورة في سوريا

ياسر أبوهلالة

نقلا عن موقع وطن

http://www.watan.com

27/4/2011

القصة بدأت بترصد أجهزة الأمن السياسي لمكالمة لطبيبة من درعا مع زميلتها يوم رحيل مبارك، هنأت زميلتها من خربة غزالة برحيل مبارك وعقبت "عقبال عنا"، فاعتقل الأمن السياسي المتحدثتين، خرجت الطبيبة بعد وساطات في اليوم التالي وخرجت زميلتها بعد ساعات. الطبيبة عذبت وحلق شعرها على الصفروأهينت.

ثار أقارب الطبيبة من طلاب المدارس، وكتبوا على الحيطان "الشعب يريد إسقاط النظام"، فما كان من الجهاز الساهر على أمن الوطن إلا ان اعتقل الأطفال. وفي سورية، لا يجوز سؤال الأمن عمّن عنده. وعندما طال الاعتقال، توجه وفد من الوجهاء لسؤال مدير الأمن السياسي عن الأولاد، فكان جوابه "اليوم أخذنا أولادكم، إن سألتم ثانية أخذنا نساءكم"! ثارت الثائرة ولجؤوا إلى المحافظ فيصل كلثوم، وهو من الجلاوزة الذين حصلوا على مسدس "شرف البعث" في تكريم حافظ الأسد لمن أبلوا في أحداث حماة. فأهانهم وردوا عليه بضربه بعد صلاة الجمعة، فما كان من حرسه إلا أن قتلوا اثنين، ثم قُتل آخران متأثرين بجراحهما. بعدها اعتصموا في الجامع العمري واقتحم الجامع وامتدت المجزرة زمانا ومكانا. فالقضية ليست عاطف نجيب ولا فيصل كلثوم إنه سلوك يومي لنظام بدائي.

إن أطفال درعا ونساءها هم الرجال الذين هزوا نظام الفساد والإفساد، وجبن النظام المعهود في الجولان ولبنان بانتظار الرد في" التوقيت المناسب" منذ أربعين عاما، لا نلمسه في الصبر على أبناء الشعب أربعين يوما. وقد كانت مطالبة الناس إقالة فيصل كلثوم وعاطف نجيب ، أما اليوم فالمطالب هي المطالب الحقيقية: إقالة النظام كله! فهو غير قابل للاستمرار".

ويعتبر الكاتب أن "الشعبين التونسي والمصري قد يفكران بالاعتذار من بن علي ومبارك، فهما وأجهزتهما الأمنية رحيمان بشعبيهما مقارنة بالشبيحة وأجهزة الأمن السورية. حتى كتائب القذافي بالنهاية في جلها مرتزقة تعمل بالمياومة، ولم تحمل السلاح إلا بعد أن تمردت القوات المسلحة.

في سورية لم يعرف التاريخ العربي أبشع من هذا النظام، وكأن عمر أبوريشة كان يعنيه في قصيدته الشهيرة بعد حرب 48 "عجزت أرحام أن تلد مجرما في قبح هذا المجرم".

إن درعا لا تعيش الفصل الأخير بدخول الدبابات، ستعيش الفصل الأخير عندما يخرج شعبها مبتهجا أمام المسجد العمري محتفلا برحيل النظام، ولن يكون ذلك بعيدا.

--------**********----------

ثورة و قمع في سوريا :

هل يمكن لنظام الأسد أن يسقط؟

الإيكونومست

28/4/2011

ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي

بعد التأرجح ما بين الإصلاح و القمع, قام الرئيس بشار الأسد بقمع المتظاهرين المعارضين للحكومة بقوة متجددة. في 22 أبريل قتل ما يزيد على مائة سوري في مدن مختلفة, حيث تشير التقديرات إلى مقتل ما يزيد على 450 متظاهرا منذ بداية الإحتجاجات التي بدأت منذ ما يزيد على شهر. في 25 أبريل بلغ القمع مستوى كبيرا عندما زحفت الدبابات إلى مدينة درعا الجنوبية, مهد الإحتجاجات. إن أعداد القتلى قد تتزايد بصورة حادة جدا, و ذلك مع سقوط شرعية السيد الأسد بصورة سريعة.

قبل أن يشن الجيش هجومه على درعا, تم فصل الكهرباء و الإتصالات و منع القادمون إلى المدينة من الدخول إليها. إن الماء و الخبز ينفذ الآن. وقد منع المصابون من المحتجين من تلقي الرعاية الصحية. كما أن أعدادا كبيرة من الأشخاص في مناطق أخرى بما فيها ضاحية دوما في العاصمة دمشق محاصرون أيضا. و قد انتشرت نقاط التفتيش. و يشعر جزء كبير من البلاد و كأنه تحت الحصار.

بعد رفع حالة الطوارئ و التي كانت مهيمنة على سوريا منذ ربع قرن على الأقل, يبدو أن السيد الأسد قد فقد كل التنازلات التي يمكن أن يقدمها للمحتجين, الذين يطالبون بمزيد من الصخب أكثر من أي وقت مضى إضافة إلى مطالبتهم برحيله. و لكن السيد الأسد قد يعقتد بأنه من الممكن استنساخ الطرق التي حافظت على بقاء والده حافظ في السلطة لمدة 30 عاما حتى وفاته عام 2000. عندما ثار الإسلاميون عام 1982 في مدينة حماة, أمر الأسد الأب جيشه بقصف المدينة مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 20000 شخص. و الآن فإن الرئيس الحالي يظهر أن بإمكانه أن يكون قويا؛ و ذلك عندما قام بقمع الإنتفاضة الكردية في شمال شرق سوريا عام 2004, حيث قتل ما يقرب من 30 شخص. و لكن يبدو أنه الآن مستعد لقتل أعداد أكبر من هذا بكثير.

إن الرئيس الأسد لا زال يراهن على ولاء قواته المسلحة و شرطته. وقد تم دفع البلطجية المدفوع لهم إلى الشوارع مزودين بالعصي الكهربائية و المسدسات. في المدن الساحلية, مثل اللاذقية فإن عصابات التهريب التي تعرف بإسم الشبيحة و المرتبطة بالأقلية العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد , قامت بعمليات إطلاق النار على المحتجين. إن الجيش يدار من قبل العلويين والسنة الموالين. و بالمثل فإن المخابرات تملأ سوريا.

إن أجهزة الأمن, التي يعتقد أن عددها يصل إلى ما يقرب من 65000 فردا , هي المسئولة عن أكثر عمليات العنف. إن هذه الأجهزة هي من صنع الرئيس حافظ الأسد مباشرة بعد انقلابه عام 1970, و فروعها ال 15 تقع تحت أربعة عناوين رئيس : عامة و سياسية و عسكرية و جوية. و هي لا تتصل بأي مؤسسة مدنية, و هم فوق القانون و يقومون بالتوقيع على جميع القرارات الكبيرة تقريبا. و رؤساء هذه الأجهزة مرتبطون مباشرة بالسيد الأسد. يقول أحد الشخصيات في سوريا " إنهم يوفرون الأمان للنظام, و ليس للدولة" كما أنهم يتجسسون على بعضهم البعض. وفي بعض الحوادث خلال عمليات القمع الحالية فإن أعضاء هذه الأجهزة قاموا باعتقال أو إطلاق النار على أجهزة أمنية منافسة .

إذا كان الرئيس الأسد واثقا من أجهزته الأمنية, فإن عليه أن يشعر بالقلق من التقارير التي تشير إلى أن بعض الجنود, و ربما كانوا من المجندين الجدد قد قتلوا بسبب رفضهم إطلاق النار على المتظاهرين. و قد قال البعض أن بعض الوحدات العسكرية في درعا قد انقلبت ضد بعضها البعض. و لكن حدوث انشقاق كبير أمر مستبعد. إن العديد من الضباط ينحدرون من الطائفة العلوية و من أقليات أخرى, إن وزير الدفاع عادة ما يكون سنيا. و لكن في عام 2009 فإن حبيب محمود قد أصبح أول علوي يتقلد هذا المنصب منذ عدة سنوات.

في الماضي فإن حالة عدم الثقة قد وقعت ما بين الحرس الرئاسي و الفرقة الرابعة في الجيش السوري. و يعتقد أن كلا الطرفين الآن يتبعان لماهر الأسد شقيق الرئيس القوي. إن الفرقة الرابعة تعتبر ميليشيا خاصة. إن العديد من ضباطها هم أبناء لمحاربين قدامى كانوا موالين في يوم من الأيام لشقيق حافظ الأسد الأصغر رفعت, الذي كان يقود القوات المسئولة عن مذبحة حماة عام 1982 و الذي يعيش حاليا في المنفى.

على الرغم من أن جميع الأدوات الرئيسة تمسك بها مجموعة من العلويين (وهم مقربين أو أقرباء) لعائلة الأسد, فإنه من غير الواضح ما إذا كان الرئيس نفسه ممسكا بالسلطة. يقول البعض أن ماهر هو الذي يقود خلف الكواليس. كما أن هناك تقارير مختلفة حول وجود جدل غاضب داخل دائرة الحكم ما بين الذين يريدون الإصلاح و أولئك الذين يريدون التمسك بالنظام القديم. لقد كان الرئيس يصور دائما على أنه إصلاحي أقل ميلا لإستخدام القوة.

لكنه أثبت على انه قادر على أن يكون قاسيا. بعد أن انشق نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام عام 2005 و اصطف مع المعارضة في باريس, فإن الرئيس الأسد قد نظف نظامه. و قد قام بإقالة العديد من مسئولي الأمن من حوله. وبعد اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005, الذي كان رئيسا لوزراء لبنان خمس مرات , فإن العديد ألقوا باللوم على الأسد أو على الأقل على الأشخاص المحيطين به. و بعد هذا الفصل, انتحر غازي كنعان و هو وزير داخلية سوريا السابق و الذي كان يقود أجهزة الأمن في لبنان في ظروف غير واضحة.

في أي حال, فإن الدائرة الداخلية تتضمن اليوم ماهر الأسد و آصف شوكت و هو صهر الرئيس و الذي كان يقود المخابرات العسكرية و هو الآن نائب لرئيس أركان الجيش السوري و رامي مخلوف ابن خال الرئيس و الذي يعتبر من أغني رجال الأعمال في سوري. وراء هذه الترويكا فإن هناك مجموعة من الرجال الأغنياء الذين يعرفون بأبناء السلطة و الذين ينحدرون من عائلات رجال عسكريين كانوا مقربين من حافظ الأسد. و هؤلاء الأشخاص لديهم نفوذ في مجال النفط و الغاز و السياحة و الإتصالات. إن ابن رئيس المخابرات السابق بهجت سليمان قطب في الإعلام كما أن احتكار السكر مضمون لإبن مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري السابق و الذي شغل هذا المنصب لوقت طويل. لقد كان للرئيس االحالي حتى وقت قريب شعبية أكبر من الشعبية التي تتمتع بها ترويكا العائلة كما أن أصدقاءه من بين السوريين العاديين.

القفز على السفينة:

و لكن النظام ليس علويا بالكامل. إن السيد الأسد يعتمد أيضا على تجار سنة موالون له في دمشق و حلب المدينة الثانية في سوريا, و هناك العديد من الدروز و المسيحيين في مناصب عليا في البلاد. إن هناك إشارات على أن هذا التحالف الواسع قد يتزعزع. إن هناك اثنين على الأقل من النواب الشكليين و زعيم قبلي و عدد كبير من أعضاء حزب البعث في درعا قد انشقوا مؤخرا. في 27 أبريل وردت تقارير أن 200 عضوا من أعضاء حزب البعث أغلبهم من درعا قد استقالوا من الحزب أيضا. و يشك البعض في أن فاروق الشرع نائب الرئيس والمنحدر من مدينة درعا قد انفصل عن النظام.

إن قاعدة الأسد القوية و التي و على الرغم من أنها تعتمد على الطائفة العلوية, إلا أنها قد تمددت. يقول دبلوماسي مرموق " لقد كان النظام علويا في البداية, و لكنه قوى نفسه من خلال شراء دعم قطاع كبير من باقي مكونات الشعب. و إذا قرروا أن لا شيء يخسروه , فإن هذه الحيلة قد تتحول إلى أن تكون نقطة ضعف" .

علاوة على ذلك, فإن هناك إشارات على انشقاق داخل الطائفة العلوية نفسها. على طول الساحل قرب اللاذقية و على التلال العالية, فإن الفلل الفاخرة تشهد على ثروة العلويين الطائلة. و لكن المجتمع السري منقسم إلى طوائف و عشائر, حيث أن هناك طبقات مختلفة داخل هذه الطائفة. إن المستويات الدنى تلقي باللوم في الظلم الحاصل على العلويين الحاكمين . إن العديد من العلويين قد انتقدوا النظام مؤخرا, و تم اعتقال مجموعات منهم.

على أي حال فإن النظام قد اعتمد منذ زمن طويل على أسلوب فرق تسد. إن المحافظين يرسلون إلى محافظات من غير محافظاتهم ؛ كما أن المجندين يعملون في مناطق غير مألوفة بالنسبة لهم . لقد ظهرت ملصقات على الجدران, تحذر من الفتنة.

ولكن الشق الأكبر و السبب الأهم لحالة الإضطراب التي تسود البلاد حاليا, هي الإمتلاك و عدم الإمتلاك و هي لا تتعلق بالمجموعات الدينية أو الإثنية. إن الشعار السائد حاليا بين المتظاهرين هو " واحد واحد واحد الشعب السوري واحد" إن غالبية الشعب السوري مسلم و لكن الشباب المسيطرين على المظاهرات متصلون أكثر بحواسيبهم و باالإنترنت أكثر من صلتهم بالدين.

تقول ريم علاف, و هي خبيرة بالشأن السوري في كعهد كاثام و هو مركز أبحاث في لندن "إن الخوف من اندلاع نزاع طائفي أمر مبالغ فيه, ليس هناك أي أحد يدعي أن كل الطوائف تحب بعضها ولكن ليس هناك تاريخ للصراع الطائفي في سوريا و ليس هناك محبة لذلك الآن". إن الأمر الجيد أن ثلاثة أرباع المجتمع هو من المسلمين السنة و الثمن علويون بينما يشكل المسيحيون عشر السكان.

إن المشكلة الأكبر التي تواجه المعارضة أنه ليس هناك أي قيادة أو تبعية واضحة. إن الأحزاب السياسية كانت طوال الوقت خارجة عن القانون. إن السوريين الذين بدأوا بالجماعات المدنية كانوا غالبا ما يواجهون السجن. في عام 2001 , و بعد أن تنشق الناس طعم الحرية لفترة وجيزة بعد موت حافظ الأسد فيما عرف بربيع دمشق فإن الرئيس الجديد قد انقلب مرة أخرى على المعارضين. في عام 2005 كان هناك موجة جديدة من النقاش, حيث تم إطلاق سراح بعض أهم المعارضين, و لكن مرة أخرى فإن الأمر لم يطل كثيرا.

المعارضون المنفيون بما فيهم السيد خدام في باريس و حركة العدالة و التنمية الإسلامية في لندن و حزب الإصلاح بقيادة فريد الغادري في واشنطن, لم يقوموا بأي عمل يذكر. و لكن داخل سوريا فإن بعض الموقعين على إعلان دمشق, و هو تحالف من السوريين العلمانيين و الأكراد و الإسلاميين الذين اجتمعوا مع بعضهم عام 2005 تكلموا بشكل أكبر و كانوا معروفين. إن هناك ما يزيد على 150 شخصا قد وقعوا على "المبادرة الوطنية للتغيير الديمقراطي" الجديدة.

بعض منهم أعضاء سابقون في إعلان دمشق. و هم يضمون أشخاصا علمانيين و إسلاميين و أكراد و شبابا نشطاء الذين خرجوا حديثا من شوارع المدن في جميع أنحاء سوريا. لقد دفعت شبكة من النشطاء الشباب بما فيهم الناشطة سهير الأتاسي من أجل اتخاذ أدوار سياسية أكثر علانية. إن كتابا شبابا و ناشطون في مجال حقوق الإنسان الذين يتجمعون من أجل قضايا من مثل قضية اللاجئين العراقيين قد خرجوا إلى الصدارة. رياض الترك, و هو رجل أعمال سني قضى 25 عاما في السجن داعم كبير و محترم. لأول مرة منذ أعوام, فإن الإحتجاجات أعطت فرصة للسوريين من أجل مناقشة مستقبل سوريا خارج حزب البعث. و قد اتفقوا جميعا على أن حكم الحزب الواحد يجب أن ينتهي.

إن جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبر العضوية فيها جرما يستحق الموت, سوف تستفيد بالتأكيد من سقوط الأسد. و لكن قادتها المنفيين وكما هو الحال في أي مكان في الشرق الأوسط تسعى جاهدة لتقديم رؤية مسالمة و غير عنيفة. محمد رياض شقفة و هو المراقب العام للجماعة و المقيم في لندن, يقول بأنه لا يريد دولة إسلامية . ولكن الإسلاميين السوريين مختلفين. كما أن السنة مختلفون أيضا. إن معظمهم لا يريد الإسلام السياسي. الأحزاب السنية الراديكالية لا تزال تعمل تحت الأرض. و لكن معظم المراقبين يشككون في أن يكون لهم أي شعبية لو سمح لهم بأن يعملوا بصورة شرعية.

في حين أن الولايات المتحدة و الحكومات الغربية قد انتقدت الحكومة السورية بسبب إطلاق النار على المتظاهرين, فإن جميع الحكومات العربية تلتزم الصمت, خوفا من تفجر الطائفية إذا استمر الصراع و انتشر. تركيا و التي تتشارك مع سوريا في حدود طولها حوالي 900 كلم وتخشى من تدفق اللاجئين و خصوصا الأكراد, كانت الجار الغريب لسوريا. إن حكومتها تتمتع بعلاقات جيدة مع سوريا في السنوات الأخيرة. و لكن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد خاطب الأسد علانية من أجل استخدام "أعلى درجات ضبط النفس" في التعامل مع الاحتجاجات. و لكن لا يبدو أن السيد الأسد سوف يستمع لكلماته. و لكن حتى لو قتل عددا كبيرا من المتظاهرين, فإن الزخم يتجه ضده.

--------**********----------

إيران وموقعها من ثورة سورية.. تحالف قديم.. وأبعاد جديدة

نبيل شبيب

مداد القلم

كيف يبدو الموقف الإيراني والموقف التركي تحديداً بمنظور ثورة شعب سورية على الاستبداد والفساد؟..

وبالمقابل: كيف تبدو الثورة بمنظور من لا يراها إلا بمنظور إقليمي عموماً؟..

يتطلب الجواب على هذين السؤالين وضعهما في إطار أوسع يتناول العوامل الحاسمة التي يتردّد ذكرها في محاولة الإجابة الموضوعية، بل حتى في الحكم المسبق على الثورة نفسها. وتتناول الفقرات التالية الموقف الإيراني، ويُخصص للموقف التركي موضوع آخر.

وبادئ ذي بدء يجب التأكيد:

مهما كانت حصيلة ثورة الشعب في سورية سلبيةً على الصعيد الإقليمي، فلا مشروعية لمطالبة الشعب بأن يتخلّى عن ثورته، وبالتالي عن حقه في التحرّك – مع المخاطرة والتضحية- لاسترداد وطنه وكرامته ووحدته وحريته وسائر حقوقه.. وإن صدرت المطالبة بذريعة تجنّب خسارة هذا الطرف أو ذاك من الأطراف الإقليمية، أو بحجة تجنّب سلبياتٍ ما تلحق بقضية من القضايا المشتركة إقليمياً.

هذا صحيح.. ولكن لا ينفي –رغم ذلك- وجودَ خطأ جسيم في صياغة العبارة، وله أهمية كبيرة في تحديد "منظور" مَن يتخذ موقفاً موضوعياً من ثورة شعب سورية أو يصدر حكماً مسبقاً عليها، والمقصود بالخطأ الجسيم: لا مجال أصلاً لوصف حصيلة ثورة شعب سورية بالسلبية، ولو على وجه الاحتمال، لا داخلياً ولا إقليمياً. والسبب:

إنّ جوهر ما تحققه ثورة الشعب هو تحرير إرادته، لتصبح هي النافذة في صناعة قراره وطنياً وإقليمياً وعلى مستوى العلاقات الخارجية لدولته.. بعد استردادها، ولا مجال لإلصاق وصف السلبية بتحكيم إرادة الشعوب، حتى وإن ظهرت على صعيد الممارسات سلبياتٌ ما، في البداية أو بين حين وآخر، فالأمر الحاسم هو الحصيلة النهائية.

تحرير المنطقة بتحرير إرادة الشعوب

لم تشهد أيّ قضية من القضايا المحلية والمشتركة، على امتداد الأرض العربية والإسلامية، أضراراً لحقت بها ذاتياً، أو أصابت المصلحة القطرية أو العليا المشتركة للشعوب، إلا وكان للاستبداد والفساد النصيب الأكبر من تسبيب تلك الأضرار.

هذا ممّا يشهد عليه تاريخ تركيا الحديث بالمقارنة مع واقعها الراهن.. ويشهد عليه تاريخ إيران الحديث وواقعها الراهن أيضاً.

هذا ما يسري على الدوام ويسري أيضاً على ما يرتبط بأي حديث عن "الممانعة" تجاه الهيمنة الأجنبية في كل مكان، وعن "المقاومة" على صعيد قضية فلسطين وسواها.

لم تُفتح الأبواب أمام هيمنة أجنبية عاتية.. إلا عبر تغييب إرادة الشعوب واستنزاف طاقاتها داخليا نتيجة ممارسات أنظمة الاستبداد والفساد، ونتيجة تلاقي هذه الممارسات مع الهيمنة الأجنبية.

لم تقع النكبات والهزائم على صعيد قضية فلسطين، الأهم من سواها بمختلف المقاييس، ولم تتخذ التطورات المتتابعة مجراها على منحدر التنازلات، إلا نتيجة استبدادٍ وفساد، وتجزئةٍ رسّخها حكم الاستبداد والفساد، وهدرٍ للطاقات الذاتية الكبرى لحساب استمرار الاستبداد والفساد.

إنّما يوجد من يقول بذلك دون تحفظ.. ثمّ يغيّب ما يقول هو نفسه عند الحديث عن ثورة شعب سورية، كما لو كان الأصل حرمانه من تحرير إرادته!..

وما يقال بشأن الهيمنة.. وبالتالي الممانعة، أو بشأن قضية فلسطين.. وبالتالي احتضان المقاومة ودعمها، يقال بشكل مباشر أيضاً على صعيد قضايا التخلّف والضعف والعجز على كل صعيد.. وقضايا كبرى أخرى مثل احتلال العراق، وتمزيق السودان، ووأد قضية الصومال، والصراع باسم لبنان.

يمكن -على صعيد القضايا الجليلة الكبيرة- ممارسة سياسة ما في ظلّ حكم الاستبداد والفساد، تصبّ في مصلحته الذاتية –وإلاّ.. فمن حتميات تكوينه وطبيعته ألا يمارسها- ولكن تنطوي في الوقت نفسه على تحقيق أهداف جزئية محدودة لصالح تلك القضايا (بما في ذلك الدعم في مواجهة العدو.. وليس مواجهته مباشرة) كما هو الحال مع نظام الحكم الاستبدادي الفاسد في سورية، بل تبدو تلك السياسة متميّزة ومطلوبة.. ولكن بالمقارنة مع سياسات "التفريط" الأكبر، بينما يستحيل في ظل الاستبداد والفساد –وهذا ما يسري على سورية أيضاً- تحقيق هدف جليل كبير واحد.. مجرّد هدف واحد من الأهداف الجليلة الكبيرة نفسها، كتحرير فلسطين، أو تحرير العراق، أو النهوض ووحدة الأمة.

إن كل جانب يصنعه الاستبداد الفاسد، من جوانب التخلّف والضعف في كل قطر على حدة، وفي معظم الأقطار العربية والإسلامية مجتمعة، أصاب بعواقبه الوخيمة القضايا المصيرية، وفي مقدمتها قضية فلسطين.

لهذا.. ولأسباب عديدة أخرى، لا يمكن السؤال عن ثورة شعب سورية بصيغة:

هل يمكن أن تزعزع الثورة محور "الممانعة والمقاومة"؟.. بل بجب طرحه بصيغة:

كيف سيتحقق عبر الثورة ونتائجها، الارتفاعُ بمستوى الممانعة إلى تحرير سيادة الدولة وبالتالي الاستقلال الناجز، ويتحقق الارتفاع بمستوى المقاومة، من مجرد احتضانها ودعمها، إلى صناعتها وإلى مستوى تحقيق هدف التحرير المشروع.

يمكن استشراف تحقيق ذلك –بإذن الله- عبر انتصار شعب سورية في ثورته، مع انتصار الثورات الشعبية العربية الأخرى، المتلاقية على قاسم مشترك واحد: تحرير إرادة الشعوب وتحرير المنطقة من الاستبداد والفساد وتحرير الأمة من ركائز الهيمنة الأجنبية، المعتمدة على التبعية المكشوفة وكذلك على المساومات المكشوفة والمستترة.

ويكفي مؤشراً على ذلك أن نعايش في وقت واحد تباشير فك الحصار على قطاع غزة بعد سقوط الاستبداد في مصر.. متزامنة مع ويلات الحصار على درعا وأخواتها قبل تحقيق هدف الثورة الأول: سقوط الاستبداد.

على هذه الخلفية يُطرح السؤال عن الموقف الإيراني (وكذلك الموقف التركي في موضوع آخر) من مجرى ثورة شعب سورية، وقد مضى على انطلاقتها زهاء شهرين ساعة كتابة هذه السطور، ولا يبدو أنّ مسيرتها ستنقطع قبل تحقيق أهدافها المشروعة على كل حال.

إيران.. والتحالف مع الاستبداد في سورية

ليس التحالف القائم بين نظامي الحكم في إيران وسورية حديثاً، ولم ينطلق أصلاً من منطلق من يتساءلون عن مصيره الآن، أي لم ينطلق ممّا يمكن صنعه لقضية فلسطين تحديداً، ولا ما ينبغي صنعه معاً لمواجهة الهيمنة الأجنبية.. بل لم يكن هذا التحالف -كما يتردّد أحياناً- نتيجة منبثقة عن انفراد الحكم القائم في سورية عربياً بالانحياز لإيران في الحرب بين العراق وإيران، في حقبة الصراع بين جناحي البعث الحاكمين في سورية والعراق آنذاك.

لقد بدأ التحالف الرسمي الثنائي على خلفية أخرى، وكانت بدايته "فور" قيام الثورة الإيرانية، وتزامنت مع الأحداث التي شهدتها سورية (1979-1982م) ومع عملية القمع غير المسبوقة للتيار الإسلامي بذريعة حمل أحد أجنحته السلاح في مواجهة الاستبداد والفساد.. مع ملاحظة أنّ استخدام السلاح آنذاك جاء ردّاً على ما مارسه الاستبداد والفساد في سورية، وعلى وجه التخصيص ما كانت "سرايا الدفاع" تمارسه وهي ترتكب آنذاك شبيه ما ترتكبه اليوم "الفرقة الرابعة" الوريثة لها.

كانت أخبار القمع الدموي في سورية آنذاك تنتشر في كل مكان، وتستثير على وجه التخصيص التيار الإسلامي، وكان يُفترض أن إيران التي بدأت تتحدّث عمّا سمّي "تصدير الثورة ضد الاستبداد" أوّل من يبادر إلى تأييد الثائرين على الاستبداد في سورية. آنذاك كانت إيران تؤكّد ما سبق أن رفعته من شعارات إسلامية من خلال ثورتها، ولكنّها في احتفالات مرور العام الأول عليها، ودعوتها لممثلي الحركات والجماعات الإسلامية في كل مكان من العالم، اختارت "سورية" بالذات، وفي تلك الظروف الداخلية الدامية تحديداً، لتكون "ضيف الشرف" في تلك الاحتفالات.. وهذا من قبل أن تبدأ الحرب مع العراق، ومن قبل أن تتحوّل المخاوف قي كثير من الدول الخليجية من "تصدير الثورة" إلى مستوى عداء مفتوح (انظر: ذاكرة قلم.. كلمة حول موقف ثورة إيران من أحداث سورية).

آنذاك بدأ التحالف الثنائي.. بين حكم "إسلامي" في دولة أسقطت ثورتها الاستبداد الفاسد.. وبين حكمٍ إن لم يوصف –جدلاً- بالمعادي للإسلام فلا ريب في صحّة وصفه –على الأقلّ- بأنه استبدادي غير إسلامي، ويوجّه ضرباته لكلّ ما هو إسلامي بذريعة البطش بمن أعلن "ثورة مسلّحة" تحت عنوان إسلامي!.

بينما كان يُنتظر من الثورة الإيرانية التي أسقطت آنذاك الاستبداد والفساد في عهد "الشاه" وتمرّدت على الهيمنة الأجنبية، أن تقف موقف رفض الاستبداد وفساده وممارساته القمعية في سورية.. كسواها، ولم تصنع ذلك.. بل تحالفت مع الحكم القائم.

إن الاعتراض المعروف على السياسات والممارسات الصادرة عن قوى الهيمنة الدولية، بما يشمل رفض "كيلها بمكيالين" لقضايا الإنسان وحقوقه وحرياته والقضايا العادلة كقضية فلسطين، يفقد مصداقيته ما لم يقترن برفض الكيل بمكيالين عبر سياسات وممارسات صادرة عن أي دولة عربية أو إسلامية، وهذا ما يسري على إيران وسواها، لا سيما على صعيد التعامل مع الأنظمة الاستبدادية، كالنظام الحاكم في سورية، أي في الميدان الذي كان هو بالذات مسوّغ مشروعية قيام الثورة الإيرانية، ولا شكّ أنّها مشروعية تضمحلّ، عندما يتحوّل الحكم بعد الثورة إلى ممارسة ألوان من الاستبداد، الذي قامت الثورة بسببه، وهو مرفوض في كل مكان، وتحت أيّ عنوان، في مختلف الظروف وبمختلف الذرائع.. بل إنّ ممارسة الاستبداد تعطي المشروعية للثورة على نظام حكم مستبد.. وإن بدأت نشأته الأولى بثورة على الاستبداد أيضاً.

كان التحالف مع النظام الحاكم في سورية أثناء أحداث الثمانينيات الميلادية سبباً في خسارة ثورة إيران قسطا كبيراً من التعاطف "الشعبي" في أوساط المسلمين لأنّها أسقطت الاستبداد والهيمنة"، ويتكرّر ذلك الآن، وهي تتعاطف.. أو تدعم.. نظام الحكم القمعي القائم الآن في سورية، سيان كم يتوافر من التعاطف "الشعبي" مع السياسات التي تحمل عنوان "مواجهة الهيمنة ودعم المقاومة".

إنّ دعم القضايا العادلة، لا يعطي أحداً "صكاً مفتوحاً" لدعم الاستبداد والفساد –ناهيك عن ممارستهما- وإنّ جريمة دعم الاستبداد والمستبدين محلياً لا يهوّن من شأنها إطلاقاً رفضُ الاستبداد والمستبدين دولياً.

إيران والثورات العربية

إنّ الشعوب العربية والإسلامية بلغت من الوعي ما يكفي لترى القاسم المشترك الأعظم بين ثورة أسقطت الاستبداد الفاسد في تونس أو في مصر وثورة انطلقت لإسقاط الاستبداد الفاسد في بلدان أخرى مثل سورية..

ولدى الشعوب ما يكفي من الوعي، لمتابعة طريق المقاومة والصمود والتحرير ومواجهة مختلف أشكال الهيمنة والعدوان والاستغلال من جانب القوى الدولية، انطلاقاً من إرادة الشعوب المتحررة.. بل يمكن أن تمضي على هذا الطريق، بقوة أكبر، وحصيلة أعظم، نتيجة تحرير إرادة الشعوب وقرارها وطاقاتها الذاتية من الاستبداد الفاسد بمختلف أشكاله ومواقعه.

وسبقت الإشارة إلى أن السلطة الحاكمة في إيران باسم الثورة، ابتعدت عن تمكين شعب إيران من صناعة قراره وفق إرادته المتحررة عبر الثورة، إلى درجة تكاد تعطي مسوّغ الثورة عليها، مثلما سبق أن كان الاستبداد هو مسوّغ الثورة على شاه إيران. وبغض النظر عن تأييد جوانب عديدة من سياسات إيران الرسمية تجاه قوى الهيمنة الدولية ابتعدت إيران أيضاً عن ممارسة سياسات إقليمية تعبّر عن الشعارات التي قامت الثورة عليها، ومن ذلك على سبيل المثال دون الحصر:

- شعار: ثورة سلمية شعبية رمزها الوردة البيضاء.. فهل يمكن التمييز بين ثورة سلمية شعبية في مصر وأخرى في سورية، لتتخذ حكومة إيران –وجهات أخرى- موقفين متناقضين من الثورتين؟.. أم يحق إسقاط استبداد خصم ولا يحق إسقاط استبداد حليف؟..

- شعار: لا سنية.. ولا شيعية.. إسلامية إسلامية.. فهل يمكن التمييز بين ثورة شعبية جامعة لمختلف الطوائف والفئات الشعبية في اليمن، وأخرى مثلها في سورية، لتتخذ حكومة إيران –وجهات أخرى- موقفين متناقضين من الثورتين؟.. أم يحق التمييز بين إسلام هنا وإسلام هناك؟..

لا بد من التنويه في هذا الموضع بثورة البحرين.. إذ ينبغي التأكيد أنّ انحياز سلطات إيران لطرف دون آخر من شعب البحرين، أو صدور سياسات رسمية مرفوضة، تُتّهم بها أو تمارسها فعلاً –سيّان من حيث النتيجة- جميع ذلك لا يسوّغ الامتناعَ من المنطلق الإسلامي والإنساني عن تأييد حقّ أهل البحرين الأصيل، سنّتهم وشيعتهم، في الحصول على مختلف الحقوق والحريات الأساسية التي حُرموا منهم كشعوب أخرى في المنطقة، مع رفض التمييز على هذا الصعيد بين فرد وفرد أو طائفة وطائفة رفضاً مطلقاً.

إن في مقدمة ما يسيء إلى مطالبة أهل البحرين بالحصول على حقوقهم، إعطاء أرضية "التمييز" بين فريق وآخر بين طائفة وأخرى من الشعب الواحد، فهذا ما يثير إشكاليات تنصب العراقيل في وجه تأييد الحق المشروع، خشية من يصبّ في الطريق الخطأ ولأهداف أخرى، إنّما هي إشكاليات لا ينبغي أن تمنع من تأييد الحق المشروع من حيث الأساس جنباً إلى جنب مع المطالبة بعدم استغلاله، وعدم الجنوح إلى طريق مرفوضة في تحصيله.

مستقبل "الممانعة واحتضان المقاومة"

يمكن القول أيضاً:

إنّ في مقدمة ما يسيء إلى واجب "الممانعة واحتضان المقاومة" –وإن بقي أداؤه دون الحدّ المفروض والممكن- أن يصدر عمّن يؤيّدون هذا الواجب أو يساهمون في أدائه، تأييدُ الاستبداد والفساد في سورية تحديداً، ويتخذون موقفاً سلبياً أو معادياً من ثورة شعب سورية.

ويسري هذا بصورة أشدّ على تأييد السلطة في إيران للسلطة في سورية، أثناء ممارستها القمع الدموي لثورة شعب سورية.

لا ريب أن هذه الإساءات تثير الإحساس بالمرارة -وما هو أبعد من المرارة- لدى ثوار سورية وهم يقدّمون التضحيات يومياً ويمثلون في ذلك القطاع الأعظم من مختلف فئات الشعب وطوائفه، إنّما لن يؤثر في مجرى الثورة نفسها.. فانتصار الثورة بات حتمياً من لحظة اندلاعها الأولى رغم الاستبداد الفاسد القائم منذ عقود.

ولكن من المؤكّد أيضاً أنّ الإساءات لن تؤدّي -بعد تحقيق أهداف الثورة- إلى انحراف سورية الوطن، سورية الشعب، سورية الحق والعدالة والحضارة، عن أداء دورها الإقليمي، فهو مرتبط بسورية.. وليس بأي نظام حكم فيها، وستؤدّيه حتى وإن أوصلت ممارسات السلطة في إيران تجاه الثورة إلى استحالة متابعة طريق "محور الممانعة والمقاومة" كما هو عليه الآن، فآنذاك تلحق الخسارة الأكبر بالنظام القائم في إيران، وستبقى سورية بعد الثورة القلعة الأولى لِما تستهدف شعاراتُ "الممانعة والمقاومة" تحقيقه، بل ستزيد قدرتها العملية على التحرّك من أجل الأهداف الأصيلة: مواجهة الهيمنة الأجنبية العدوانية وتحرير فلسطين وأخواتها، وهذا ما يحققه "تحالف" الأقطار والشعوب المتحررة من الاستبداد والفساد، بما يعادل أضعاف ما يؤدّيه حتى الآن "محور الممانعة والمقاومة" أو ينسبه لنفسه، وإن شمل مواجهات لا يستهان بقيمتها، فالأهم هو ما لا يمكن لهذا المحور الوصول إليه، من الأهداف الجليلة، لأن من المستحيل تحقيقها عبر بوابة الاستبداد والفساد.

 

--------**********----------

الإسرائيليون إذ يعدِّدون مناقب النظام السوري

صالح النعامي

كان بالإمكان ملاحظة وقع الدهشة التي اعترت مقدِّم الفترة الإخباريَّة الصباحيَّة في الإذاعة الإسرائيليَّة باللغة العبريَّة عندما أبدى الجنرال المتقاعد إيفي إيتام، رئيس حزب "الوطني الديني" سابقاً ووزير الإسكان الأسبق، قلقه من إمكانيَّة سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، فإيتام ليس فقط أحد أكثر الشخصيات تطرفًا في اليمين الإسرائيلي، بل إنه شخصيًّا يقطن في مستوطنة "كاتسرين"، الواقعة على هضبة الجولان السوريَّة، التي احتلَّتها إسرائيل عام 1967.

كان إيتام قاطعاً وحاسماً في حكمه عندما علَّق على الاضطرابات التي تجتاح سوريا حاليًا، قائلًا: "النظام السوري الحالي هو أفضل صيغة حكم بالنسبة لإسرائيل"، معتبرًا أنه على الرغم من المواقف العدائيَّة تجاه إسرائيل التي يحافظ عليها النظام السوري، إلا أنه يبقى أفضل من كل الخيارات الأخرى التي يمكن أن تحلَّ مكانه في حال سقط، وقد فاجأ إيتام المستمعين عندما قال: إنه لا يؤمن بأن النظام الحالي في سوريا "جاد" في مطالبته باسترداد الجولان، وحاول إيتام تقديم تفسير سياسي لحكمه هذا قائلًا: "مشكلة النظام القائم في سوريا أن شرعيته تستند إلى تأييد الأقليَّة الدينيَّة العلويَّة، وبالتالي فإنه معني دائمًا بوجود حالة صراع ظاهريَّة مع إسرائيل تبرِّر بقاءه وديمومته، وبالتالي فإن هذا النظام غير معني باسترداد الجولان في أي تسوية سياسيَّة؛ لأنه يعتقد أن التوصل لتسوية سياسيَّة يعني فتح الحوار من جديد حول شرعيَّة نظام الحكم وإثارة التساؤلات على مستقبل سيطرة الأقليَّة العلويَّة على الأكثريَّة السنيَّة"، على حد تعبيره.

لكن إن كان الموقف الصادر عن الجنرال إيتام مفاجئاً لأنه عكف في الماضي دائماً على مهاجمة النظام السوري الحالي، فإن هناك الكثير من النخب الإسرائيليَّة الحاكمة في إسرائيل ترى أن بقاء النظام الحالي في سوريا هو أفضل الخيارات بالنسبة لإسرائيل؛ فعلى الرغم من أن وزير التعليم جدعون ساعر يرفض انسحاب إسرائيل من الجولان، ويطالب بتكثيف الأنشطة الاستيطانيَّة فيها، إلا أنه يرى أن بقاء النظام الحالي في سوريا يمثِّل مصلحة إسرائيليَّة، وخلال لقاء مع نشطاء من حزب الليكود الحاكم، أشار ساعر إلى أن أهم عامل يجعله يؤمن بضرورة بقاء النظام السوري الحالي هو الهدوء التام الذي عرفته الحدود السوريَّة الإسرائيليَّة منذ انتهاء حرب عام 1973، ويقول ساعر: إن "التجربة العمليَّة قد دلَّت على أن النظام السوري هو الأكثر التزامًا باتفاقات وقف إطلاق النار والهدنة، لقد التزم السوريون ووفَّوْا بتعهداتهم بشأن تأمين الحدود المشتركة، لم يكن من الفراغ أن يسمح الهدوء بتعاظم البناء في المستوطنات اليهوديَّة على هضبة الجولان، والذي أدى إلى تضاعف عدد المستوطنين فيها عدة مرات خلال أكثر من ثلاثة عقود" ويرى وزير الدولة الجنرال المتقاعد يوسي بيليد أن النظام السوري خلال عهدي حافظ الأسد ونجله بشار، لم يبذلْ جهوداً حقيقية لتغيير موازين القوى العسكريَّة التي تميل لصالح إسرائيل، مشيراً إلى أن تسليح الجيش السوري لا يناسب الحروب الحالية، وبعيد كل البعد عن متطلبات أي مواجهة مع إسرائيل، منوهاً إلى أن ميزان القوى لم يزددْ خلال العقود الأربعة الماضية إلا ميلاً لصالح إسرائيل.

من ناحيته يرى المعلِّق الإسرائيلي أمنون أبراموفيتش أن أهم ميزة "إيجابيَّة" في النظام السوري القائم، هو حرصه على عدم تغيير قواعد اللعبة القائمة بين الجانبين، بحيث أن سوريا لم تحاولْ خلال العقود الثلاثة الماضية تحدي إسرائيل والرد على الاستفزازات الكثيرة التي قامت بها ضدها.

وأضاف: "إن أكثر الأطراف العربيَّة التي نجح في مواجهتها الردع الإسرائيلي هي سوريا، بلا شك، فقد قمنا بقصف المنشأة النووية شمال شرق سوريا في ديسمبر 2006 وتم اغتيال عماد مغنية، قائد الذراع المسلَّح لحزب الله في قلب دمشق، إلى جانب قيامنا باستهداف مواقع للفصائل الفلسطينيَّة داخل سوريا، دون أن يتجرَّأ نظام الأسد الأب والابن على الرد". ويحذِّر أبرامفويتش أنه لا يمكن بالمطلق ضمان أن يسلك نظام آخر غير النظام الحالي هذا السلوك.

عاموس هارئيل، المعلِّق العسكري في صحيفة "هآرتس" يتبنَّى وجهة نظر مخالفة، ويعتبر أنه يتوجب "عدم ذرف دمعة واحدة في حال سقط نظام الأسد"، مشيراً إلى التحالف بين سوريا وحزب الله وإيران، بالإضافة إلى السماح بتواجد قيادات التنظيمات الفلسطينيَّة على الأرض السوريَّة، ويضيف: "النظام السوري يسمح بتسليح حزب الله، ويمنح إيران موطأَ قدمٍ في المنطقة، ويسمح بتهديد المصالح الاستراتيجيَّة لإسرائيل".

ويشير هارئيل إلى أنه على الرغم من التفوق الإسرائيلي الكبير في المجال العسكري، إلا أن النظام السوري ركَّز على الاستثمار في مجال اقتناء الصواريخ، مشيراً إلى أن الصواريخ السوريَّة بإمكانها أن تصيب كل نقطة في إسرائيل، مما يجعل سوريا تحت نظام الأسد دولة "خطيرة" لكنَّ يرون فريدمان، أستاذ العلوم السياسية في معهد التخنيون يرفض مقاربة هارئيل، ويشير إلى أنه على الرغم من أن هناك احتمالًا أن يتخلى أي نظام جديد في سوريا عن التحالف مع إيران وسوريا، إلا أنه في المقابل سيعزِّز علاقاته مع حركة حماس، وفي مقال تحليله نشرته النسخة العبرية لموقع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نوَّه فريدمان إلى أن كل السيناريوهات التي وُضعت لمرحلة ما بعد نظام الأسد تؤكِّد أن جماعة الإخوان المسلمين سيكون لها تأثيرٌ واسع وكبير على مجريات الأمور في سوريا "وهذه الحركة بكل تأكيد ستمدُّ يد العون لحركة حماس التي تنتمي إلى نفس العائلة".

بن كاسبيت، كبير المعلقين في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يصبُّ جام غضبه على المنادين بدمقرطة العالم العربي، ويعتبر أنه بخلاف كل ما يقال، فإن التحول الديمقراطي في العالم العربي لا يخدم المصالح الإسرائيليَّة؛ على اعتبار أنه سيجلب حتمًا أنظمة حكم أكثر عداءً لإسرائيل، وينتقد كاسبيت بشدة بعض الأصوات التي تنطلق داخل الولايات المتحدة للمطالبة بمساعدة الجماهير السوريَّة على التخلص من نظام الأسد، وأضاف: "مع كل الاحترام لدعاة الديمقراطيَّة، فإن ما سينتظرنا هنا مواجهة اتجاهات دينيَّة وعلمانيَّة تعبِّر عن الرأي العام السوري بشكلٍ حقيقي، ونحن ندرك موقف الرأي العام السوري، كما هو الحال بالنسبة لموقف الرأي العام العربي بشكلٍ عام، فالجماهير العربيَّة ترفض وجودنا، وتساند خيار المقاومة ضدنا، وبالتالي فإن الحديث عن نظام يعبِّر عن الرأي العام السوري، يعني بالضرورة جلب نظام معادٍ لإسرائيل" ويرفض كاسبيت الرأي القائل بأن العلمانيين العرب سيكونون أقلّ عداءً لإسرائيل من الإسلاميين، مشددًا على أن الطرفين سيعاديان إسرائيل استجابةً لرغبة الرأي العام العربي.

مما لا شك فيه أن الذي يجعل التطورات في سوريا بالغة الخطورة بالنسبة للكثير من النخب الحاكمة في تل أبيب حقيقة أنها تترافق مع تحركات قد تؤدي إلى تغيير صيغة نظام الحكم في الأردن، الذي لا خلاف داخل إسرائيل على أنه "أوثق" حلفاء إسرائيل الاستراتيجيين في المنطقة، ويخشى الإسرائيليون من أن تغيير صيغة الحكم في الأردن وسوريا بعد مصر قد يُفضي إلى بلورة ما يوصف في تل أبيب ب"الطوق السني"، الذي سيجد ترجمته في تعاظم تأثير جماعة "الإخوان المسلمين" على مجريات الأمور في المنطقة.

من هنا فإن النخب الحاكمة في تل أبيب تقبض أنفاسها بصمتٍ إزاء ما يجري خلف الحدود مع سوريا، وكلها أمل ألا تتغير البيئة الإقليميَّة من ناحية استراتيجيَّة على النحو الذي يخلط الأوراق بشكلٍ يضاعف الأعباء الاستخباريَّة والعسكريَّة على كاهل الكيان الصهيوني؛ فلسان حكام تل أبيب يقول: "مهما كانت طبيعة العلاقات مع النظام السوري القائم حالياً، فإن إسرائيل تمكَّنَت من إدارة هذه العلاقات بشكلٍ يخدم المصالح الإسرائيلية حتى الآن، ولا يوجد ضمانة أن تحافظ تل أبيب على إنجازاتها في حال تغيَّرت صيغة الحكم الحالية في دمشق".

__________

صالح النعامي: صحفي فلسطيني متخصص في الشؤون الإسرائيلية

--------**********----------

هل يحل القمع مشكلة الحرية؟

آخر تحديث:الأربعاء ,04/05/2011

ميشيل كيلو

الخليج

هناك من يحاول اليوم أيضاً، في القرن الحادي والعشرين وزمن التحول العربي والعالمي الجارف والعميق، حل مشكلة الحرية بوسائله القمعية التقليدية، التي لو كانت صالحة وفاعلة لما وصلت أحواله إلى ما هي عليه من تهافت وبؤس، ولما عفا عليها وعليه الزمن . يتصدى من يفعل ذلك للحرية بالقمع، ويعتقد أن الأخير كفيل بتخليصهم منها أو من المطالبين بتحقيقها، كأن الحرية شيء يمكن قمعه، أو كأن القمع ينفع معها .

ومع أن معارضي الحرية يبررون موقفهم منها باعتبارات تبدو في أحيان كثيرة جذابة، منها أسبقية المهام الوطنية على أي شيء عداها، وبالتالي ضرورة إرجاء مسألة الحرية إلى ما بعد إنجاز هذه المهام والانتهاء منها، فإن تبريرهم غالباً ما يكون مضحكاً وسخيفاً، أقله لأنهم يقيمون تعارضاً بين الوطنية والحرية، ويجعلون للأولى رجحاناً على الثانية، كأن الوطن والمواطن يمكن أن يوجدا، إذا كانا غير حرين أو ناقصي حرية، أو كأن الحرية تقبل الإرجاء والتأجيل والتعطيل بقرار يتخذه أحد، أو كأنه يمكن، أخيراً، استعادة استقلال ضائع أو أرض محتلة أو وطن فقد سيادته بمواطنين عبيد .

وبما أن مبدأ المفاضلة بين القيم التي تنهض عليها الدول والمجتمعات ليس صحيحاً جملة وتفصيلا، فإنه لا بد من التذكير بأن نقصان أية قيمة من هذه القيم أو الافتقار إليها يقوضها جميعها، فلا وطنية حيث لا توجد حرية، ولا عدالة حيث تغيب المساواة، ولا مساواة حيث تنتهك المواطنة . . إلخ، ولا مفر من اعتبار القيم الناظمة للوجود الإنساني رزمة واحدة تكون ناقصة وبلا فاعلية في غياب أي منها، أو إذا تم وضع بعضها في مواجهة بعضها الآخر، أو وقع تلاعب فيها، أو تحولت من قيم إنسانية سامية إلى شعارات سياسية ظرفية أو آنية يسهل الحد منها باسم ضرورات عابرة تسوق وتباع للشعب باعتبارها أساسيات حياته ومقومات وجوده، التي لا يبقى شعباً إن هو فقد أياً منها، أو رفض الانصياع الأعمى لها، بالطريقة التي تراها السلطة القائمة .

مرّ العرب المعاصرون في معظم بلدانهم بهذه الأنواع المختلفة من الاحتيال واللعب السلطوي، الذي وضع لفترة طويلة الحرية في مواجهة الوحدة، والوحدة في مواجهة العدالة الاجتماعية، وفشل بسبب هذه الألاعيب في تحقيق أي واحد من هذه الأهداف، حتى أن أستاذاً كبيراً هو الراحل أنطوان المقدسي كان لا يكل من تكرار التحذير مما كان يسميه “اللعب النجس بالقضايا المقدسة”، في إشارة إلى نسخ الحرية بحجة الوطنية، وتقويض القومية باسم الاشتراكية، والفصل بين العدالة والمساواة بذريعة التنمية، واضطهاد الفرد باسم الدفاع عن الجماعة . . إلخ . وها هو هذا النهج المدمر يبلغ اليوم نهاية الشوط بتفاهاته التي كانت تسمي نفسها سياسة، بعد أن انكشف الستر وبان المخفي، وهو أنه لم يكن يريد الدفاع عن الوطن أو تحقيق الوحدة، وكان همه الوحيد الدفاع عن أمره القائم المرفوض، الذي استباح كل قيمه وأباح ارتكاب جميع أنواع القبائح والجرائم من أجل حماية وإدامة مصالح جزئية أفاد منها نفر قليل من اللصوص، ضربوا عرض الحائط بأي عرف أو تقليد أو قانون أو أخلاق، وتدثروا برداء لا يناسبهم هو المصلحة العامة والوطنية، وحين تبين للشعب كذبهم ودجلهم شرعوا يقمعونه باسم الأمن والنظام، ويتهمونه بالعمالة والسلفية، بدل أن يقروا بأن العميل لا يقاوم الظلم بل يسعى إليه بيديه ورجليه، ولا يثور ضد الاعتداء على كرامته لأنه بلا كرامة، ولا يطلب حقاً لأن حقه الوحيد يكمن في انتهاك حقوق غيره، وفي العيش في مجتمع لا تحكمه القيم، كالذي عاش معظم العرب فيه خلال نصف القرن الماضي، وذاقوا الأمرين من ظلمه وجوره .

واليوم، لم يعد أحد يشك في أن مشكلة الحرية لا تحل بالقمع بل بالحرية ذاتها، وأنها مسألة لا بديل لها ولا تعويض عنها، بدلالة أن إنساناً لا يستطيع العيش من دونها أو الاستغناء عنها، وأنها روح الحياة وجوهر الوجود، من يفقدها لا يبقى له كرامة أو حق أو خلق، ومن يتنازل عنها يخسر معها كل شيء، بما في ذلك شرفه الشخصي ومصالحه والنبيل من عواطفه . لذلك كان حل مشكلتها عصياً دوماً على القمع أو بواسطته وفي إطار نظمه، ونسف تحققها سائر العقبات والعراقيل التي وضعت في وجهها أو حاولت الحيلولة بينها وبين الإنسان، الكائن الوحيد الذي يعرف قيمتها ويحيا منها ولها، ولم يصمد في وجهها أحد أو شيء، حتى صار مسار الإنسان في الوجود مسار حرية، وغدا مطلبها محور جميع مطالبه الأخرى، وفشل كل ما ابتكره الحكام على مر العصور من قمع روحي ومادي في وقف تقدمها، وانطلق موكبها مخترقاً الأزمنة متوطناً النفوس والعقول، فتبدت في شتى الصور والأشكال خلال شتى الأزمنة والظروف، حتى ليمكن القول إنها نقطة البداية التي انطلق منها كل سعي بشري إلى الكرامة والتفتح والعقل، والضوء الذي اهتدى بنوره الضائعون والمظلومون والمغيبون عن الوجود، ونقطة النهاية التي قصدها بشر بلا عدد ضحوا في سبيل بلوغها بالغالي والنفيس، فالتقدم البشري ليس غير سعي إلى الحرية وابتعاد عن العبودية والذل والعنف، والقمع هو آخر شيء يستطيع حجب المطالبة بها أو الحيلولة بينها وبين التوطن في حياة ووعي الإنسان، ومنعها من التحول إلى هدف له، يرى في تحققه خلاصه إن كان مظلوماً، واستعادة إنسانيته إن كانت منتهكة أو منتقصة .

لو شاء المرء القيام بدراسة إحصائية للكلمة الأكثر جرياناً على ألسنة الخلق عبر التاريخ كله، لوجد أنها كلمة الحرية . ولو أراد معرفة مضمونها، لوجد أنها شكل أي مضمون ومضمون أي شكل، وأن الحرب ضدها هي حرب ضد الحياة والعقل بأوسع وأنبل معانيهما، وأن كل من قاومها جرفته أمواجها، حتى صار ممكناً القول بوجود نوعين من الساسة: واحد ملعون لأنه حاربها وقمع المطالبين بها، وآخر مبارك ومحبوب، لأنه سعى إليها مع الساعين وناضل في سبيلها مع المناضلين، فكان جزاؤه التكريم والخلود في ذاكرة بني البشر، بمن فيهم أولئك الذين لا ينتمون إلى قومه أو جنسيته .

واليوم، والعرب يذهبون إلى حال جديدة لحمتها وسداها حريتهم، التي غدت مطلب البسطاء والمظلومين وقطاعات واسعة جداً من غير المهتمين سياسياً، يعتقد بعض أهل الحل والعقد أن بوسعهم الإبقاء على أوضاعهم المانعة للحرية، وحجر شعبهم في معزل قمعي لن يكون غير سجن كبير، يعرفون هم أنفسهم أن جدرانه ستغريهم بتحطيمها، وأنهم سيحطمونها في أقرب فرصة تتاح لهم، وأن هناك مشكلات تكوينية تتصل بقيام ووجود الدول والشعوب والمجتمعات، وتتخطى في مجالها وطابعها المجال السياسي، الذي ينهض عليها بينما لا تنهض هي عليه، فالدولة نتاجها وتعبير عنها في آن معاً، لذلك يستحيل حل مشكلاتها بغير وسائل سياسة محددة يجب أن تفهم كفاعلية تكثف علاقات المواطن التعاقدية مع المجتمع والدولة، والتفاعلات التي تترتب عليها انطلاقاً منه وبالعكس، ضمن حاضنة تمد هذه العلاقات والتفاعلات بالروح الضرورية لاستمرارهما وارتقائهما يسمونها الحرية، فمن يسعى إلى قتلها يكون كمن يريد قتل المواطن والمجتمع والدولة جميعاً، علماً بأنه لن ينجح على الأمد الطويل مهما فعل، بدلالة تاريخ وواقع البشر، الذي هو أيضاً تاريخ تفتح الحرية وتحققها الواقعي .

ليست الحرية ترفاً يمكن التخلي عنه، وليست مسألة يمكن القفز عليها أو تأجيل تحققها بقرار أو سوط . إنها الزاد الذي لا يكون الإنسان إنساناً من دونه، والروح التي تبعث الحياة في بؤس وجوده فتجعله قابلاً للعيش والتطور، فلا علاج لمشكلاتها الكثيرة والمتشعبة بغير المزيد من الحرية، كما قال معظم الفلاسفة والمفكرين عبر الزمن .

كان أحد كبار مساعدي هتلر يقول: “كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي” . وربما كان لسان حال المستبدين العرب يكرر القول نفسه، ولكن بعد استبدال كلمة ثقافة بكلمة حرية . مشكلة هؤلاء أن الحرية لا تعالج بالقمع، وأنها هي التي تقضي عليه وتطيح رموزه وحملته .

--------**********----------

الحزب والسلطة في سورية

الثلاثاء, 03 مايو 2011

شمس الدين الكيلاني *

الحياة

لم يكن حزب البعث دائماً على هذه الحالة من التبعية المطلقة للسلطة، إذ مرّ بمراحل ومحطات، فقد ولّى الزمان الذي كان فيه لحياة الحزب الداخلية دورها الحاسم في تطور استراتيجيته، بعد أن تآكلت هذه الحياة تدريجياً بعد استلامه السلطة لحساب أجهزة الاستخبارات النافذة، وتحول إلى غطاء أيديولوجي، وأداة للضبط الاجتماعي، شأنه في ذلك شأن النقابات المختلفة، على تعدد وظائفها، التي رعت السلطة بناءها، فكانت في جوهرها آلات مراقبة وضبط اجتماعي.

كانت حقبة الخمسينات هي العصر الذهبي للبعث، تحول فيها إلى حزب جماهيري بالفعل، إثر اندماجه مع حزب أكرم حوراني (الاشتراكي العربي)، وملاقاته لعبد الناصر، ثم سطع نجمه في خضم التحرك باتجاه الوحدة مع مصر، مدعوماً باندفاع وحدوي هائل من السوريين. لكنهم ابتعدوا عن قيادة عبد الناصر، وزادوا من تحفظاتهم على الوحدة، واستقال وزراؤهم عام 1959، ولكن في ذلك الوقت كانت قواعد الحزب وقياداته من الصف الثاني قد نقلت ولاءها إلى زعامة عبد الناصر. من هنا فعندما عقد الحزب مؤتمره القومي الثالث في بيروت عام 1959عقب استقالة قادته من حكومة دولة الوحدة، خرج منه ثلث أعضاء المؤتمر بقيادة القيادي الأردني عبد الله الريماوي، متهمين ميشيل عفلق والمؤتمر بالتآمر على الوحدة، وهذا ما يفسر تراجع الحزب تنظيمياً وشعبياً في سورية.

وعندما قامت حركة الانفصال في سورية عام 1961 عن مصر، أبدى قادة حزب البعث تعاطفهم مع الحركة، بينما ذهبت قواعده باتجاه مضاد. أيدها صلاح البيطار وأكرم الحوراني علناً، بينما استغرق ميشيل عفلق في صمته سبعة أيام حتى خرج بموقف ضبابي دان الحركة الانفصالية من جهة، وحمَّل عبد الناصر، من جهة ثانية، مسؤوليتها. قبالة ذلك وقفت كتلة الحزب الأساسية في صف (الحركة الناصرية) الداعية لعودة الوحدة، فانحسرت عضوية الحزب المؤيدة لقيادته القومية الممثلة بعفلق والبيطار بعد خسارته الكتلة الناصرية إلى ما يقارب الثمانين عضواً عشية انقلاب 8 آذار (مارس) 1963.

لكن انقسام الحياة السياسية السورية في شكل صارم حول مسألة الوحدة والانفصال، لم يترك للقوى الوسطية كحزب البعث وزناً، فكان على تنظيمه العسكري أن يعوض هذا الفراغ والقوة، لا سيما في ظل وضع سياسي دراماتيكي، إذ قامت خلال سنتين ثلاث محاولات انقلابية لاستعادة الوحدة. استبق (التنظيم العسكري) البعثي تحرك الناصريين، في التوقيت الانقلابي. وهو ما اضطر الأخيرين لمساندته، من موقع الصف الثاني، في انقلاب 8 آذار، ومهد هذا لحزب البعث للتفرد بالسلطة، وإزاحة شركائه. فكان لا بد، في ظل عزلة حزب البعث الجماهيرية والتنظيمية، أن تغدو الأرجحية لتنظيمه العسكري، الذي حرِص على إبقاء القيادة التاريخية (عفلق- البيطار) في واجهة المسرح الحزبي السياسي، ليتفرغ هو لبناء قواعد السلطة وأجهزتها الأمنية الضاربة، وإلحاق النقابات وهيئات المجتمع المدني بالسلطة وإخضاعها لها. ومن ثم توج ممارسته السلطوية بطرح خطٍ يساري في الداخل عاكساً عزلته، كما أنه، كي يستولي على القاعدة الاجتماعية للناصرية، ولينافس عبد الناصر عربياً، ولإسكات المد الناصري المحلي المطالب باسترجاع الوحدة والتنمية للوصول إلى تحرير فلسطين، رفع حزب البعث شعاره المدوي: عبر تحرير فلسطين (بحرب التحرير الشعبية) نحو الوحدة، وهو ما قاد في النهاية إلى هزيمة 1967 المُدمِرة.

استمر التعايش الصعب بين القيادة التاريخية المؤسسة للحزب والانتليجنسيا العسكرية المتطرفة، حتى عام 1966، عندما أطاحت حركة شباط العسكرية بهذه القيادة، وصوَّبَت عليها أحكام الإعدام. وعلى رغم ذلك الانقلاب الدراماتيكي، بقيت الحياة الداخلية للحزب مفتوحة نسبياً أمام تبادل الأفكار والسياسات، وحرص قادة هذه المرحلة على إبقاء الحزب منظمة طليعية.

دخلت السلطة بعد (الحركة التصحيحية) عام 1970، مساراً جديداً، أصبحت فيه الأجهزة الأمنية هي المشرف الحقيقي على الحياة الداخلية للحزب، وبالتالي غدا الارتقاء الحزبي والاجتماعي مرتبطاً بالولاء لها، وأصاب الجمود دورة تجديد النخب في الحزب وخارجه، وتعزّز الدور المحوري للأجهزة الأمنية، وقيادتها الفعلية للدولة والمجتمع تحت يافطة «قيادة الحزب للدولة والمجتمع»، وتم تقنين ذلك بالدستور الدائم، والقوانين الاستثنائية المتكاثرة.

وعوضاً عن النزعة التقشفية السابقة، انفتح الباب أمام تراكم الثراء والارتقاء الاجتماعي بالولاء للسلطة، وتحولت هذه الآلية نفسها إلى رافعة لإعادة بناء الهرمية الاجتماعية، فصار الفساد والحالة هذه قاعدة أساسية للنظام ولمفاعيله.

لم تتبدل صورة العلاقة بين الحزب والسلطة أو بين الحزب والشعب، في العهد الجديد بعد عام 2000. فقد أطلق هذا العهد، في بداياته، إشارات التغيير وآمالاً لشعب كاد يفقد ثقته بالحاضر والمستقبل. لكن هذه الآمال ومعها الإشارات تراجعت مع الأيام، عقب تطويق ظاهرة (المنتديات)، واعتقال أبرز نشطائها، فخلق هذا انطباعاً وكأننا أمام دورة جديدة للركود، ولتعويم منطق الدولة الأمنية الصارمة!

--------**********----------

نصائح شاب من الثورة

المركز الإعلامي

أنا شاب في العشرين من عمري أعيش في مدينة دمشق، وقد قمت والحمد لله بهدم جدار الخوف، لذلك أحببت أن أشارك تجربتي في المظاهرات داخل مدينة دمشق مع باقي الشباب حتى أشجعهم على النزول، وأبين لهم كيفية التظاهر والهرب.

أولاً: أريد أن أعطيكم نقاط ضعف الأمن داخل محافظة دمشق

احتمال إطلاق النار داخل مدينة دمشق هو 1% فقط لوجود السفارات والهيئات الدولية، لذلك في معظم المظاهرات التي شاركت فيها تم تفريق المظاهرة بالضرب من قبل البلطجية (لباس مدني) أو فرقة حفظ الأمن (لباس نظامي) باستخدام العصي والهراوات بشكل أساسي والعصي الكهربائية بدرجة أقل، وذلك كما حدث في جامع الرفاعي أو مظاهرات حي برزة (في البداية طبعاً)، ويعتمد الأمن هذه الطريقة عندما يكون عدد المتظاهرين قليلاً. ويكون عدد رجال الأمن والبلطجية أكثر، ويعود ذلك لخوف رجال الأمن من المتظاهرين العزل فلا تجد عنصراً أو عنصرين يهجمون على المحتجين، إنما يقومون بهجوم جماعي.

أما الطريقة الثانية فهي استخدام الغاز المسيل للدموع، كما حدث في مظاهرات الميدان بشكل عام، يتم استخدامها عندما يكون عدد المتظاهرين كبيراً (يفوق الألف أو الألفين)، الغاز غير مضر فقط تشعر بضيق في التنفس وسيلان الدموع من العينين واحمرارهما. يمكن التخلص من القنبلة بسهولة بإعادة رميها على الأمن وهو الحل الأفضل، أو تغطيتها بسطل أو قطعة قماش إلخ….

مفعول الغاز دقيقة على الأغلب بعد الابتعاد عن القنبلة ويتم التخلص من الحالة فوراً باستخدام الكولا، قم بجلب قطعة شاش وضع عليها الكولا وقم بمسح عينيك بالشاش وستذهب الأعراض فوراً بإذن الله. المهم بالدرجة الأولى هو التخلص من القنبلة، والتخلص من القنبلة أفضل من الهرب منها، إذا لم يتم التخلص منها سوف تستمر الأعراض.

بعض المناطق في دمشق لا يجري فيها اعتداء على المتظاهرين، فقط يتم تطويق التظاهرة وجعلها لا تغادر المنطقة التي حدثت فيها، حصل هذا الأمر معي في مظاهرة مسجد سعيد باشا في أسد الدين خلف مخابز ابن العميد. حيث قام الأمن بتطويقنا دون الضرب. ومنعنا من المسير في شارع أسد الدين، وتركنا نتظاهر براحتنا في الجبل في أحياء الأكراد. طبعاً الأمن لم يقم بملاحقتنا لأنه لا يملك القدرة على التجول في حارات الصالحية وهي نقطة سوف نتحدث عنها فيما بعد.

ملاحظة أخيرة: عناصر قوات الأمن في دمشق جبانة بشكل عام، وهي نقطة لصالحنا. فعندما يقوم المتظاهرون بالصمود في وجه الهجمة، تفر قوى الأمن. لذلك من المفضل تجمع المتظاهرين وتكاتفهم وليكن الشجعان وأصحاب الأجسام القوية في الصفوف الأولى ويكون باقي المتظاهرين خلفهم، لا نريد أي تراجع في التجمع، فأي خلخلة في الصفوف تؤدي إلى الهزيمة والفرار. طبعاً نريد من الأخوة عدم ترك أي شخص خلفاً للأمن لأنهم سوف يتكاثرون عليه وينهالون عليه بالضرب.

ثانياً: كيفية التجمع والتظاهر

بشكل أساسي، معظم مظاهرات مدينة دمشق وأكبرها وأكثرها فعالية انطلقت من المساجد (الرفاعي – الحسن – سعيد باشا – الركنية "ساحة شمدين الجمعة الماضية")، لذلك فالمساجد وخاصة يوم الجمعة هي من أفضل الفرص للتظاهر. معظم الناس يوم الجمعة تخرج من الجامع وتنتظر الشرارة، يمكنك رؤية ذلك في أعينهم، ينتظرون قليلاً وإذا لم يحدث شيء يعودون إلى بيوتهم. لذلك كل جامع يحتاج إلى شخص شجاع يبدأ بالهتاف، وأنا أضمن لكم أن المسجد سينتفض معه. نريد التركيز على المناطق التي لم تخرج بعد، التي لا تحوي على حشود أمنية كبيرة، بعكس المساجد التي خرجت عدة مرات والتي تحوي على حشود أمنية ضخمة. نريد من حي الصالحية الانتفاض، هناك العديد من الجوامع في الجبل، إذا انتفض مسجد نريد أن يسير إلى الجوامع القريبة ليحشد المتظاهرين، وفي حال أصبح عدد المتظاهرين كبيراً، على المتظاهرين النزول إلى الساحات القريبة مثل الميسات أو الجسر الأبيض أو شمدين. ولهذا الحي ميزة ممتازة وهي عدم قدرة الأمن على تفريق التظاهرة لأنه لا يملك سلطة أمنية على هذه المنطقة من دمشق. والعناصر الأمنية لا تعرف الحارات والباصات لا تستطيع الوصول أيضاً، لذا أنت حر في التظاهر في هذا الحي. وبصراحة لا أعرف لماذا لم تخرج أي مظاهرة من هذا الحي عدا إشاعة عن مظاهرة واحدة نزلت إلى ساحة الميسات وفرقها الأمن وبصراحة لم أتأكد من هذه المعلومة، المهم أطلب من أهل الصالحية الشرفاء التظاهر يومياً لأن لديهم حرية التظاهر والحركة في حاراتهم. من يوم يومكم يا أهل الصالحية معودينا على الشجاعة، وين النخوة يا صوالحة، وين النخوة يا أكراد.

كما أطلب من الشباب والرجال أن يصلوا الصلوات الخمسة في المساجد، وإذا حدث تجمع كبير في مسجد من المساجد تصبح الأمور سهلة، وبهذا الأمر نكون قد حققنا ثلاث فوائد: رضا الله عز وجلّ وتوفيقه، التظاهر إذا سنحت الفرصة، إنهاك قوى الأمن التي سوف تضطر إلى التواجد عند معظم الجوامع في جميع الأوقات وقد يرغمون على التواجد حتى وقت صلاة الفجر. ونكون بذلك قد أنهكنا قوى الأمن حتى وإن لم نتظاهر، وبذلك تصل إلى يوم الجمعة خائرة القوى.

يجب الابتعاد عن الساحات والشوارع الرئيسية والأماكن المفتوحة عند البدء بالمظاهرة، لأن ذلك لا يجلب إلا الضرب والاعتقال. يتم النزول إلى الساحات عند التجمع بأعداد كبيرة. لا نريد لأي فرد منا أن يذهب بثمن رخيص.

طبعاً يجب التنسيق بينك وبين أصحابك لإشعال تظاهرات لا علاقة لها بالمساجد، انت وعشرين من أصحابك بتبلشو بحارتكن، وبعد شوي بتصيرو مية، بتمشو بين الحارات، بعد بعشر دقايق بتصيرو خمسمية وهكذا…. ويمكن الله يوفقكن وتكبر المظاهرة كتير وقتها بتنزلوا على شي شارع أو ساحة. هذا النوع من المظاهرة يتميز بعنصر المفاجئة، يعني الأمن ما بيكون محضر حالو ويمكن تكترو وتنزلو على الشارع ومايكون واصلهن بلاغ أصلاً.

نقطة مهمة: إذا لم يكثر عدد المتظاهرين الإلتزام بالحارات، لا تنزلوا إلى الشوارع وعددكم قليل لأنكم تعرضون أنفسكم إلى الضرب والاعتقال، يعني الشغلة مو مرجلة، الشغلى بدها ذكاء. "الحرب خدعة" يعني المهم بالمظاهرة هو التصوير والخبر، يعني خبر عن مظاهرة بدمشق عم يزلزل أركان النظام الي هو بالأصل هم يتباهى أنو المدن الكبرى دمشق وحلب مافيهن مظاهرات. بعدين لما بتزن بالحارة بتكون طرق الهريبة مفتوحة إدامك، ولا تنسى إنو الأمن ما بيعرف الحارات ولا بيجازف وبيفوت لأنو بيعرفو حالهن إذا فاتو لح ياكلو أتلة.

ثالثاً: نهاية المظاهرة

معظم المظاهرات في مدينة دمشق تُفض بالقوة ولو بعد حين، المهم في هذه الفترة هو التظاهر اليومي وأهم شيء هو التصوير والتوثيق. المظاهرة ما بتسوى شي بدون التصوير، يعني مالها طعمة، يحبذ التصوير بكاميرات عالية الدقة. كن ذكياً في اختيار موقع التصوير بحيث تظهر حجم المظاهرة والمنطقة بوضوح بشكل لا يقبل التشكيك من الدولة ولا تنسى ذكر اسم المنطقة والتاريخ خلال التصوير. حاولوا إطالة المظاهرة قدر المستطاع، والتحرك لحشد المتظاهرين.

في حال تدخل الأمن، نطلب من الجميع الثبات والتصرف بما وضحته في البداية، وهو أفضل ما يمكن فعله. أما إذا زاد العنف فعليكم بالهرب دون أن تتركو رجالاً خلفكم. لا تنسوا يا جماعة يمكن يكون أخوكم أو أحد أقاربكم علقان بأيدي الأمن، هبو للدفاع عن أخوتكم، لأنو لما بتهجموا على الأمن لح يهربو وهادا الشي نابع من تجربة، بمظاهرة مسجد سعيد باشا قام الأمن بسحب عدة أشخاص أثناء المظاهرة ومنهم من أشعلها، فقمنا بهبة على الأمن وبعض الأخوة صاحو "يا باطل"، فترك الأمن الأشخاص الذين سحبوهن وفروا.

اهربوا إلى الحارات، وإذا تمكنتم أعيدوا التجمع وارجعوا إلى الشارع، أما إذا تفرقت المظاهرة فعليك بالتجول بالحارات، وإياك أن تخرج إلى الشارع أو تعود إلى المنطقة التي حدثت فيها المظاهرة. ومن الأفضل أن تهرب وحيداً وأن تتفرق عن أصدقائك. في الجمعة الماضية عندما تفرقت مظاهرة الميدان عند قيادة شرطة دمشق، قمنا بالدخول إلى حارات القنوات، وأعدنا التجمع ولكن بشكل محدود وعندما هممنا بالخروج وجدنا بلطجية الأمن "لاطيلنا" فتفرقت المظاهرة تماماً بعد هذا الكمين، فقمت بالتجول وحيداً في حارات القنوات، ثم خرجت أمام سوق مدحت باشا تقريباً، طبعا الأمن كان متواجداً بكثافة في تلك المنطقة ولكن لم يلاحظني أحد لأنني كنت وحيداً وأمشي بشكل طبيعي. هناك بعض الأخوة سامحهم الله أمام عيني قاموا بالخروج إلى شارع خالد بن الوليد وكأن شيئاً لم يكن، فقام الأمن بالتقاطهم واحداً واحداً.

أخي الكريم، لا تقف أبداً في منطقة المظاهرة وحيداً، وإذا هرب المتظاهرون فاهرب أنت أيضاً، يعني مو مرجلة انك تضل واقف ويجي الأمن وياخدك.

أما في حالة ثبات المظاهرة، فاثبت مع أخوتك ولا تهرب، فأي شخص يهرب سوف يؤدي إلى خلخلة صفوف المتظاهرين وهروبهم أيضاً. طبعاً هذا الكلام إذا كانت المظاهرة كبيرة وتفوق رجال الأمن، أما إذا كانت المظاهرة محدودة فعليكم بالهرب فور وصول قوات الأمن.

قاعدة ذهبية: انظر خلفك، يعني يمكن تكون هربان ومفكر أنو وراك ألف واحد وبيطلعو عشر زلم. في عدة مظاهرات تفرقت بهالطريقة، يعني بيكون رجال الأمن معدودين على الأصابع، بيصرخو صوت واحد بشي خمسمية متظاهرة وبتبلش الفريكة. طيب اطلع قدامك قبل ما تهرب.

ورجال الأمن بهالحالة ما بتهجم على المتظاهرين لأنو بيعرفو إنو بياكلو أتلة، ونحنا منأكد على سلمية المظاهرات بس إذا هجموا علينا البلطجية بدنا ندافع عن حالنا.

ملاحظات عامة:

قم بالتجهيز للمظاهرة بشكل جيد، البس لباساً مريحاً وحذاءاً رياضياً يساعدك على الهرب. لا تلبس حذاءاً يمكن أن يخرج من قدمك مثل ما حدث مع بعض الإخوة.

قم بجلب كمامة وقطعة شاش وعلبة كولا لمقاومة الغاز المسيل للدموع أو أي غازات سامة أخرى، خبئها جيداً قبل المظاهرة وقم بالتخلص من هذه الأشياء بعد انتهاء المظاهرة فوراً في حاويات القمامة.

لا ترجم قوات الأمن بالحجارة لأن ذلك يؤدي إلى التخريب وتكسير سيارات المواطنين.

لا تستفز قوات الأمن ولا تحتك معها وتجعلها تهجم على المظاهرة إذا التزمت قوات الأمن بالسلمية.

لا تقم بأي تخريب في المظاهرة، نريد أن نتظاهر ونذهب إلى بيوتنا وكأن شيئاً لم يكن.

إذا حوصرت ولم تجد طريقاً للهرب، اقرع أي باب تصادفه واسأل أهله الحماية، إذا لم يُدخلوك جرب باباً أخراً، بمظاهرة الجمعة الماضية ما نلاقي غير أبواب القنوات عم تنفتحلنا مشان نفوت، وفي ناس فاتو على بيوت واتخبو على بين ما هديت الأوضاع، الله محيّ أهل الشام.

أتمنى في النهاية أن أكون قد وفقت في توضيح جميع الأفكار، وإن شاء الله رجال الشام وشبابها بينتفعوا من هالحكي، وما بيروح هباءً.

 

--------**********----------

الخصوصية السورية

تاريخ النشر: الأربعاء 04 مايو 2011

برهان غليون

الاتحاد

كنت دائماً أقول إن مشكلة النظام السوري هو أنه يفتقر إلى الحلقة الرئيسية التي تجعل من أي حكم حكماً سياسياً. وكل سياسة قائمة، بعكس الحرب، على تفاعل بين أطراف يعترف كل واحد منهم بالآخر، حتى لو فرض عليه صورة مشوهة لهويته، أو تعامل معه بأقل مما هو عليه بالفعل. وكل تفاعل يفترض الأخذ والعطاء، أي حد من المرونة لا يمكن من دونها التوصل إلى حلول سياسية، أي سلمية لا تستدعي استخدام العنف والقوة. وكل مرونة قائمة على قدر من الاستعداد للتراجع والتقدم، كما وصفها معاوية عندما تحدث عن الشعرة التي لو كانت بينه وبين الناس، أي الطرف الآخر، وبشكل خاص معارضيه في ذلك الوقت، لما انقطعت. باختصار السياسة تقدم للحكم القائم بالضرورة على هيمنة طرف على طرف آخر والتحكم بالقرار المتعلق بحياة المجموع أو المجتمع أو الشعب، استعدادات ومبادئ وقواعد ومؤسسات للتوسط بين الأطراف، وللمناورة والمداورة بحيث يصل فيه كل طرف من الأطراف المتنافسة إلى أهدافه، كلها أو بعضها، من دون الاضطرار إلى استخدام القوة أو تعريض نفسه لسيف العنف. وهي تفترض قبل هذا وذاك الاعتراف بأن هناك أطرافاً مختلفة، أي اعتراف الطرف السائد والحاكم بوجود الطرف الآخر، وأن له حقوقاً ومصالح مشروعة، حتى لو كان هدفه إخضاعه وفرض تسويات مجحفة بحقه.

بهذا المعنى وجدت السياسة لتكون بديلاً للحرب في علاقة الأطراف والجماعات والطبقات والطوائف والعشائر فيما بينها.

وتبدأ المدنية عند الشعوب في الوقت الذي تبدأ هذه الشعوب بالكف عن اللجوء السريع والسهل إلى القوة لحل نزاعاتها، سواء من أجل تأمين الموارد اللازمة لمعيشتها، أو لفرض قسمة تمكنها من الحصول على حصة الأسد من الموارد المتاحة وحرمان الآخرين منها أو من القسم الأكبر منها. وهذا يفترض أن شروط الفعل السياسي (التفاوض) المختلف تماماً عن الفعل العسكري (استخدام العنف) قد توفرت، وأن الشعوب قد نضجت، بعد معاناة طويلة، في ميدان الوعي وإدراك وحدة المصالح والأهداف. وبالدخول في مشروع بناء الدولة، الممالك الصغيرة أولاً، ثم الامبراطورية الواسعة التي تعني قبل أي شيء آخر وجود سلطة مركزية مسلحة بقانون أو بشرعة مقبولة تشكل مرجعاً للسلطة والشعب معاً، تضبط من خلالها النزاعات وتنازع المصالح، وتجعل الخضوع للقانون، أي لإرادة الدولة التي تطبقه، منطلقاً للسلام والاستقرار والسلم الأهلي.

وعندما نتحدث عن القانون الذي هو أهم مقتضيات السياسة ومكوناتها فنحن نتحدث في الوقت ذاته عن الحق الذي يدور حوله الفعل السياسي بأكمله، أي حق كل فرد تجاه الجماعة وتجاه الأفراد الآخرين، ونتحدث أيضاً من ورائه عن مفهوم العدالة التي هي احترام الحق، كما حدده القانون، وهو ما ينظر إليه المجتمع، في حقبة معينة، كتجسيد للعدالة.

وكل نظام وجدت فيه أداة التوسط السياسية هذه، أي حقل سياسي متميز عن حقل الحرب ومستقل عنه، مهما كانت مساحته، قادر على التحرك والتفاعل والتطور. لأنه يملك الجهاز الذي يسمح له بقياس موازين القوى ونوعية الضغوط التي قد تقود إلى العنف وتلك التي يمكن التغاضي عنها من أجل تجنبه. من هنا لا تستقيم السياسة من حيث هي إيجاد الحلول للنزاعات والخلافات عن طريق التفاوض لا عن طريق العنف من دون تطوير نمط من المنطق والعقل السياسيين، أي من فهم شروط العمل لتوحيد المجتمعات أو ضمان استقرارها مع الاعتراف بحق كل طرف في النزاع السلمي والتنافس لضمان مصالحه والدفاع عن حقوقه، ولتحسين شروط حياته. فالسياسة وحدها هي التي تضمن الوحدة داخل التعدد، وتمنع النزاع من التحول إلى انقسام ومواجهة شاملة في مجتمع هو بالضرورة متعدد المصالح والأطراف والتشكيلات. وكلما تطورت بنية العمل السياسي في نظام اجتماعي تعمق الاستقرار، وابتعد احتمال النزاع العنيف والمسلح، ونعم أفراد المجتمع بدرجة أكبر من الثقة والأمل الضروريين لتشجيع الاستثمار وبذل الجهد والإبداع.

وبالعكس، يشكل تفكيك البنية السياسية وتفريغ الأجهزة المرتبطة بها من مضمونها الهدف الأول لأي نظام اجتماعي قائم على الاحتكار وسيطرة فئة واحدة على حساب الفئات الأخرى، وتحويل السياسة إلى استيلاء والشرعية إلى خضوع بالقوة. في هذه الحالة تعود العلاقة بين الأطراف إلى مستوى الصفر السياسي، ولا يضمن استمرارها سوى الاستخدام المنظم أو الاعتباطي للعنف، وهدم القانون أو تفريغه من مضمونه، ومعه مبادئ الحق والعدالة وأدوات التفاوض السلمية من حرية التعبير والتنظيم والتظاهر وغيرها. في هذه الحالة تتوحد السيطرة القائمة مع مصالح طرف واحد وتتطابق معها، ولا تبقى وسيلة لتنظيم العلاقات الاجتماعية سوى العنف، وأسوأ أشكاله العنف الأعمى والمجاني، أي الفوضى. وهو ما تلجأ إليه عادة سلطة النظم القهرية عندما تمر بأزمة خطيرة.

بغياب بنية سياسية تسمح بالتوسط بين السلطة والشعب وبين فئات المصالح المختلفة والمتعددة يختصر النظام إلى حلقتين مترابطتين: مركب من المصالح، وهنا مصالح فريق يجمع أصحاب السلطة مع أصحاب الثروة مع أصحاب السلاح مع أصحاب الحزب والإدارة البيروقراطية، وذراع أمنية مكونة من أجهزة متعددة الأشكال والوظائف تؤمن لهذا المركب سيطرة شاملة وكاملة ومستمرة، لا تقبل النقاش ولا المراجعة ولا المنافسة ولا الاعتراض.

هذا هو الذي يفسر المكانة الاستثنائية الطاغية التي تحتلها أجهزة الأمن أو الترويع، والجاهزية والشمولية والسرعة التي تتحرك بها أذرعها المتعددة في كل لحظة يشعر فيها النظام بالتحدي. والتحدي لا يعني هنا وجود خطر يهدد النظام، ولكن كل ما لا يصدر عن النظام أو لا يكون تحت إشرافه وسيطرته، ربما مقالة نقدية لكاتب أو انتشار خبر أو كتابة شعار على جدار، فما بالك عندما يتظاهر آلاف الناس في الشوارع. هذا في منطق النظام القائم على الحرب ومنع أي تعبير مهما كان ضئيلا ًعن الخلاف والاختلاف عما يقوله النظام، مؤامرة حقيقية. وهذا هو الذي يفسر ظاهرتين مترابطتين ومتكاملتين في هذا النوع من الأنظمة: التقديس الكلي لشخص الرئيس، يمنُ ويفرض ولا يحاور ولا يناقش، وهوس التآمر والمؤامرة الخارجية الذي رافق النظام منذ نشأته ولا يزال. فالاستقرار قائم على منع أي تعبير عن الاختلاف مهما كان حجمه، وظهور الاختلاف لا يمكن إلا أن يكون نتيجة مؤامرة، وهو ما يبرر عمليات التطهير السياسي، والتي تشكل السياسة، أو الفعل السياسي الأصيل الوحيد في النظام. فبغياب البنية السياسية كحلقة توسط بين سلطة المصالح والمجتمع، لا يبقى سوى منطق الحرب الدائمة والمستمرة كوسيلة لضبط الأوضاع وتجميدها ومنع أي طرف اجتماعي، بل حتى فرد، من حيازة أي موارد يمكن أن تقلل من احتكار النظام الحصري لموارد القوة: من الكلمة إلى المعلومة إلى المناصب الإدارية والحريات السياسية.

--------**********----------

أحداث سوريا: العقوبات الأميركية على الخط

جوبي واريك - ليزي سلاي

واشنطن

الاتحاد

تاريخ النشر: الأربعاء 04 مايو 2011

أصدرت الولايات المتحدة يوم الجمعة عقوبات على ثلاثة من كبار مسؤولي الاستخبارات السورية، وعلى الاستخبارات ذاتها كجهاز، فيما وصف بأنه طلقة تحذيرية موجهة لنظام الرئيس بشار الأسد بعد أسابيع من العنف المتزايد باطراد، والذي تمارسه السلطات السورية ضد المتظاهرين.

وهذه الإجراءات التي تستهدف أعضاء رئيسيين في جهاز استخبارات الرئيس الأسد تأتي وسط أنباء عن سقوط المزيد من الضحايا يقدر عددهم بالعشرات في المدن الواقعة بمختلف أنحاء البلاد، والتي نظم فيها السكان اجتماعات حاشدة، بما في ذلك مدينة دمشق عاصمة البلاد، وذلك للمرة الأولى بمناسبة ما عرف ب"يوم الغضب" الذي نُظم احتجاجاً على وحشية التعامل مع الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح والتغيير في الأيام الأخيرة.

وتبين أفلام الفيديو التي صورها الهواة في المدن السورية، متظاهرين يبحثون عن مكان يحتمون فيه من القنابل المسيلة للدموع التي اُطلقت عليهم من قبل قوات الأمن السورية، عندما تظاهروا مطالبين بالتغيير في العاصمة دمشق أثناء ما اصطلحوا على تسميته "جمعة الغضب". وتقول جماعات حقوق الإنسان إن 42 شخصاً على الأقل قد قتلوا، وأن هذا العدد مرشح للزيادة.

وكان عشرات الآلاف من السوريين قد تدفقوا من المساجد إلى الشوارع، عقب صلاة الجمعة، في أكبر مظاهرات من نوعها تشهدها البلاد منذ عقود طويلة. وخروج هذا العدد الكبير، بعد أيام من المصادمات الدموية، يشير إلى أن إرادة المتظاهرين لم تنكسر، على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها الحكومة السورية لسحق الانتفاضة وتحطيم معنويات المتظاهرين.

وقالت جماعات حقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 48 شخصاً قد قتلوا في مختلف أنحاء البلاد، وذلك عندما فتح الجنود النار على المتظاهرين يوم الجمعة الماضي. وقد قتل 25 شخصاً من بين هذا العدد خارج مدينة درعا الجنوبية، مركز الاحتجاجات، ونقطة التجمع والانطلاق للانتفاضة السورية الحالية، وذلك بعد أن حوصر المدنيون من قبل دبابات الجيش يوم الاثنين الماضي. ويشار في هذا السياق إلى أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أدان سوريا لاستخدامها القوة الباطشة ضد المحتجين المسالمين، كما أمر بفتح تحقيق في حوادث القتل وغيرها من الجرائم المرتكبة خلال هذه الأحداث.

وأعلنت إدارة أوباما التي تواجه ضغطاً في الداخل والخارج لاتخاذ إجراءات ضد نظام الأسد، أنها بصدد تجميد الأصول المالية التابعة للاستخبارات السورية ولمديرها "علي مملوك"، وماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، بالإضافة إلى الأصول المملوكة لقائد أحد الألوية التابعة للفرقة المدرعة الرابعة في الجيش.

وقال مسؤولو البيت الأبيض إن كتيبة الجيش المشار إليها، وجهاز الاستخبارات قد لعبا دوراً رئيسياً في الهجمات الوحشية، التي أسفرت عن مصرع مئات الأشخاص منذ السادس عشر من مارس الماضي وحتى الآن.

وجاء القرار مبرراً ب"قمع الشعب السوري واستخدام العنف والتعذيب وعمليات الاعتقال العشوائي للمتظاهرين السلميين، والذي تمارسه الشرطة وقوات الأمن وغيرهما من الأجهزة المشاركة في انتهاك حقوق الإنسان".

وتشمل العقوبات كل الممتلكات التابعة للأشخاص والكيانات المفروضة عليها، سواء في الولايات المتحدة أو خارجها.

كما أعلنت الإدارة الأميركية عن فرض عقوبة على عاطف نجيب، ابن عم الرئيس والمسؤول السياسي في محافظة درعا، وعلى ما يعرف ب" قوة القدس" الإيرانية، وهي وحدة شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري في إيران. وكان بيان صادر عن وزارة الخزانة الأميركية قد أعلن أن القرار الصادر بفرض عقوبات، قد اتهم القوة الإيرانية المذكورة بتقديم دعم مادي لجهاز الاستخبارات السوري لمساعدته على تنفيذ حملته ضد المتظاهرين السوريين.

ويشار في هذا السياق أيضاً إلى أن الولايات المتحدة كانت قد أدانت في وقت سابق، و"بأشد العبارات"، ما يجري في سوريا من أعمال قمع وحشي، في نطاق العملية العسكرية التي ينفذها الجيش وأجهزة الأمن في المدن التي تشهد مظاهرات معارضة للنظام السوري، ووصفت المصادر الأميركية ما يجري هناك بأنه "عنف وحشي تستخدمه الحكومة ضد شعبها".

وأدلى "جيك سوليفان" مدير التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأميركية، عقب إعلان العقوبات مباشرة بتصريح قال فيه: "إن ذلك يضيق الخناق على المسؤولين السوريين المتورطين في اتخاذ القرارات". إلى ذلك صرح مسؤول آخر لديه اطلاع على المناقشات التي تدور في الولايات المتحدة حول السياسة السورية بالقول: "إذا ما استمر الأمر على ذلك النحو، فإن الرئيس السوري بشار الأسد نفسه يمكن أن يكون الشخص التالي الذي تفرض عليه عقوبات مماثلة".

وكان البيت الأبيض يشعر بالإحباط بسبب الافتقار إلى الخيارات الدبلوماسية في التعامل مع سوريا، الدولة المحرومة من إجراء معظم أنواع التعاملات التجارية مع الولايات المتحدة، والموسومة بأنها دولة راعية للإرهاب من قبل وزارة الخارجية الأميركية. وما زالت واشنطن، على الرغم من ذلك، تحتفظ بعلاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع دمشق، كما أنها حتى الآن لم تطالب الأسد بالتنحي، كما فعلت في حالة الزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس المصري السابق حسني مبارك.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

--------**********----------

إذا ضاقت سورية على النظام والشعب فعلى النظام أن يرحل!

الطاهر إبراهيم

3-5-2011

القدس العربي

عندما بدأت الاحتجاجات في تونس وتلتها مصر، رفع الشعبان شعار تحسين أوضاعهما على كافة الأصعدة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. كان الشعب يقدم رجلا ويؤخر أخرى، خوفا من قمع أجهزة الأمن التي وظفها الرئيس، لا لحفظ أمن الشعب، بل لقمعه، ولحماية الرئيس من ثورة الشعب إذا ما فكر أن يثور ضده. تطورت المطالب ليصبح المطلوب هو إسقاط النظام، ومن ثم رحيل الرئيس، وهكذا كان. رحل 'زين العابدين بن علي' بمبادرة منه وأرغم 'حسني مبارك' على التنحي. هذا ما كان من أمر تونس ومصر، فماذا عن سورية؟

أنظمة الجوار العربي تعرف أن الشعب السوري مضطهد، وهي ساكتة. إما لأنها تخشى أن تصل العدوى والارتدادات إلى أرضها، أو أنها تخاف من انتقام النظام السوري منها الذي لا يتورع عن القيام بأعمال تخريبية واغتيالات في أراضي تلك الدول، كما فعل هذا النظام يوم أرسل مجموعة لاغتيال 'مضر بدران' رئيس الحكومة الأردنية الأسبق عام 1981.

المعارضة السورية الداخلية كانت من الضعف بحيث أنها ما كانت تستطيع مجتمعة - حشد مئات من المعارضين للقيام باحتجاج. لأن هذه المئات كانت ستواجهها آلاف العناصر من أجهزة الأمن المسلحة بالهراوات المكهربة، فتعتقل كل من لا يستطيع الهرب. أما معارضة الخارج فقد حيل بين عمودها الفقري جماعة الإخوان المسلمين وبين العيش في سورية، لأن القانون 49 لعام 1980 يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء للإخوان. بالمجمل، فإن المعارضة السورية ما كانت لتشكل خطرا ذا بال على النظام.

من خلال التوصيف السابق إقليميا ومحليا، فإن الشعب السوري كان يعيش إحباطا في نفوس أفراده خوفا من قمع النظام. وكان ينتظر ما يشبه المعجزة لتغيير الحال. لكنه ما كان يعرف من أين ستأتي هذه المعجزة ولا كيف؟ فعندما هبت رياح الحرية وعصفت في تونس ومصر ، تطلع السوريون، لعل وعسى أن تكون لهم ثورة، كما كان لإخوانهم في تونس وفي مصر.

أستطيع أن أؤكد أن السوريين، شبابا ومعارضة، كانوا في بدء الاحتجاجات يقبلون أن يصلوا مع النظام إلى قواسم مشتركة بحيث يلتقون في منتصف الطريق. فيبدأ الرئيس بإصلاحات، على أن تكون فعلية وعميقة، وتشمل بشكل أساس إلغاء سيطرة النظام على الحكم، ويستبدل به تعددية حقيقية في الحكم تتم من خلال صناديق اقتراع شفافة، فيمارس الشعب حريته كاملة. كان الشعب سيقبل ببقاء الرئيس 'بشار أسد' رئيسا لإكمال فترته الثانية، بحيث يبدأ التغيير بشكل تدريجي وليس بكسر عظم لأي من الفريقين، النظام أو الشعب.

على أرض الواقع وبعد أقل من شهر من بدء الاحتجاجات، شعر الشباب أن أي إصلاح أو تغيير ذي مصداقية لم يكن واردا لدى الحكم في حلقته الضيقة جدا (الرئيس السوري وشقيقه ماهر أسد وصهرهما آصف شوكت ورؤساء الأجهزة الأمنية: عبد الفتاح قدسية وعلي مملوك وحافظ مخلوف ونواب هؤلاء).وإن الإصلاحات التي أعلنها الرئيس لم تكن إلا لشراء الوقت. أكبر دليل على ذلك: أن الجمعة التي أعقبت اليوم الذي أعلن فيه إلغاء حالة الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة قامت فيها أجهزة الأمن بقتل المتظاهرين واعتقالهم في درعا وفي حمص وفي بانياس وفي المعضمية، وهو ما يتناقض مع رفع حالة الطوارئ.

شعر الشباب المحتج بشكل يقيني أن النظام ذاهب إلى آخر الشوط في قمع حركة الاحتجاج، وأن النظام قرر أن حكم سورية لا يتسع للفريقين معا. لهذا فقد رأينا دبابات الفرقة الرابعة التي يقودها 'ماهر أسد' تطوق درعا فجر يوم الاثنين 25 نيسان(ابريل) وتقتل ما يقارب 50 مواطنا وتعتقل الكثيرين. ولمن لا يعرف فإن الفرقة الرابعة تشكلت على أنقاض فرقة 'سرايا الدفاع' التي كانت تحمي الحكم ويقودها 'رفعت أسد' في الثمانينات قبل أن يعزله الرئيس حافظ أسد.

دخول الدبابات شوارع درعا وتطويق مدينة دوما وبانياس، لم يترك عند شباب الثورة مجالا للظن الحسن بأن نظام الحكم سينفذ ما أعلنه الرئيس السوري من إصلاحات، وهي بالأصل إصلاحات دون مستوى ما يطالب به الشباب الثائر. وقد وصل هذا الشباب إلى قناعة كاملة أن هذا النظام القمعي لا يمكن التعايش معه إطلاقا، وأنه لا بد من تغييره. عندها بدأ الشباب يعمل لذلك ورفع شعار: 'الشعب يريد إسقاط النظام'. فعلام يعول هؤلاء الشباب للوقوف في وجه الماكينة القمعية التي يعتمد عليها النظام الحاكم المستبد لتطويع الثائرين؟

تعتمد الخطة على أن الآلة القمعية التي تقتل المتظاهرين بدم بارد، يتكفل بها أعوان ليسوا مستعدين أن يموتوا من أجل النظام. أما الشباب الذين خرجوا في يوم 'الجمعة العظيمة'وقد لبس بعضهم الأكفان شعروا أنه لم يعد هناك ما يخسرونه أكثر مما خسروا. فحياتهم من دون حرية خير منها الموت، وأنهم مستعدون لبذل أرواحهم على أن يعيشوا حياة الذل تحت حكم نظام قمعي لا يقيم لآدميتهم أي اعتبار، وأنهم يملكون سلاح الاستشهاد الذي لا يستطيعه أعوان النظام.

كما أن النظام السوري يظن أنه عندما يعتمد على قوى دولية نافذة فستحميه من ثورة الشباب الثائر. وأن واشنطن ما زالت لم تحزم أمرها على تغيير الرئيس بشار أسد كما فعلت مع 'مبارك' و 'بن علي'. وأن وزيرة الخارجية الأمريكية 'كلينتون' امتدحت الرئيس 'بشار' قبل أسبوع بأنه رئيس إصلاحي، ما يعني أن اسمه لم يوضع على أجندة التغيير. فهل ينفعه ذلك؟ ما لم يدركه الرئيس بشار أن 'حساب البيدر لا يطابق دائما حساب الحقل'، وأن واشنطن قد تتخلى عنه في أي لحظة وتتركه لمصيره كما فعلت مع 'بن علي' و'مبارك'.

على المستوى الشعبي لم يترك النظام من يأسف عليه إذا ما أطيح به. أبناء الطائفة العلوية انفضوا عنه، عندما شعروا أنه يريد أن يضعهم في فوهة المدفع في مواجهة إخوانهم الأكراد والسنة وباقي فئات الشعب. بل إن النقمة تصاعدت على النظام داخل الطائفة العلوية، فاعتقل النظام زعماء مثل 'عارف دليلة' و'فاتح جاموس' وغيرهما، وقرب إليه ضعفاء النفوس الذين لا يهمهم إلا سرقة خيرات الوطن.

يبقى أن نلفت الأنظار إلى أن النظام شعر بأن الإعلام العالمي الذي يملك بعض المصداقية لم تعد مستعدة كي تنقل فبركاته عبر شاشاتها، أو لمسايرته في قمعه للشعب السوري. لذلك ألغى النظام السماح لعدة فضائيات بالبث من داخل سورية، وكلف شهود الزور في إعلامه للدفاع عن جرائمه في مواجهة هذه الفضائيات.

--------**********----------

قراءة في الإعلام السوري... هل هم أساتذة في العلوم السياسية أم في العلوم المخابراتية؟../ م. هشام نجار

المركز الإعلامي

أعزائي القراء..

يبدو أن النظام السوري وبعد عدة اجتماعات أمنية سرية ولا أقول حزبية, فوظيفة الحزب لا تعدو عن كونها تنفيذ الخطط المخابراتية فقط. أقول أن النظام قد حسم أمره ووزع على جماعته التي تتولى مهمة الدفاع عنه إعلامياَ خطة دفاعية وتتلخص بنشر أخبار مفادها من أن الإصلاح قد بدأ ولكن المندسين من أصحاب الأجندات المتطرفة والمسلحة في الشارع تحاول إثارة الفتن وجاري التعامل معها وتصفيتها قريباً, وبعد القضاء عليها قريباً سيحصد الشعب ثمار الإصلاح المنشود, ولا ينسى هؤلاء المسمون بالإعلاميين المروجين لخطط النظام أن يحلفوا بأغلظ الأيمان من أن كل المدن السورية وقراها هادئة وأنهم على استعداد لتنظيم زيارات بباصات مكيفة إلى درعا وحمص واللاذقية وجبلة وطرطوس ومدن الجزيرة السورية ليطلعوا على هذا الهدوء وليروا بأم أعينهم صور الرئيس ووالده معلقة على جدران بيوت ودوائر الحكومة مما يدل على الحب الكبير الذي يكنه هذا الشعب الوفي لقائده.

أعزائي القراء..

ما كتبته أعلاه هو منطق لإعلاميين في النظام السوري وهو أمر طبيعي في دوله كل شيء فيها يحكمه منطق المخابرات بما فيها حصولك على رخصة لبيع الخيار على عربة متجولة, فالويل لك إن لم تحصل على إذن منهم.

والمؤسف أعزائي القراء أن بعضاً من هؤلاء الإعلاميين العشرة المبشرين بالمناصب والذين يُطلوا علينا عبر القنوات الفضائية, أقول إن بعضاً منهم يشغل منصب أستاذ للعلوم السياسية في جامعات سورية, يتخلى تماماً عن علومه السياسية ليتحول إلى بوق يشرح لنا من خلاله تحليلاً لخطط المخابرات بطريقة إنسانية مزينة ببعض التعابير السياسية بينما ينفي أي حصار لمدينة درعا والقرى المحيطة بها, بل أكثر من ذلك فإنه يستشهد لنا بطلاب له في جامعة دمشق يأتون يومياَ من درعا وهم مبتسمون يروون لأصدقائهم عن الأوضاع الطبيعية في درعا وما حولها وأن الأطفال يلعبون بالشوارع كرة القدم وبيد كل منهم زجاجة حليب طازج تقدمه لهم الوزارة الجديدة, ولا ينسوا أن يضيفوا: أن كل هذه المكاسب تتم بتوجيهات السيد الرئيس.

أعزائي القراء..

لنترك هؤلاء الذين يسمون أنفسهم إعلاميين "نظاميين" نسبة إلى النظام السوري, ولنتكلم عن حقائق واضحة موجودة على الأرض, وكوني أحد العاملين في مجال حقوق الإنسان ويصلني تقارير موثقة -وأكرر موثقة- نقوم أولاً بالتأكد من صحة الشريط بوسائل تكنولوجية وكذلك يتم التأكد من موثوقية المصدر, وبعد كل هذه الخطوات تدرج هذه الوثائق كمصدر يعتبر بمثابة شهادة ستستخدم كوثيقة إدانة للنظام في الوقت المناسب.

الوثائق التي تدين النظام السوري بدأت تأخذ خطاً تصاعدياً بشكل مخيف حيث تفوقت الانتهاكات لحقوق الإنسان السوري عن مثيلاتها في ليبيا من قبل النظام الليبي, وتشمل هذه الانتهاكات:

- محاصرة مدن كاملة بالأسلحة الخفيفة والثقيلة.

- استخدام عناصر مشبوهة تحت حماية النظام وظيفتها قتل وترويع المتظاهرين.

- محاصرة المستشفيات والمراكز الصحية وذلك لانتشال الجرحى وأخذهم لجهات مجهولة.

- إطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين دون مراعاة العمر, وهناك حالات موثقة عن عمليات قتل أطفال بحدود الخامسة عشر من العمر لم يتمكن ذويهم من إنقاذهم لقيام الأمن بإطلاق النار على كل شيء يتحرك في الشارع.

- اعتقالات بأعداد كبيرة لم تتمكن المنظمات الإنسانية حتى الآن من حصر أعدادها وتشمل هذه الاعتقالات شخصيات من مختلف المحافظات السورية ومن مختلف الاتجاهات السياسية.

- منع الهيئات الإنسانية والحقوقية والصحفية من دخول سورية لتقديم تقارير حيادية تكشف عن عمق مأساة الشعب السوري.

أعزائي القراء..

النظام السوري يمر اليوم بحالة تعرية كاملة, فالصمود الزائف وصل نهايته بسحب الورقة الفلسطينية من يديه, والوجه اللا إنساني للنظام انكشف في درعا وبقية المحافظات السورية, وعلاقة النظام الانتهازية بالجارة تركيا كشفها أوردغان على حقيقتها. وخدعة إنهاء حالة الطوارئ كشفها وجود خمسة عشر جهازاً للمخابرات يضم ١٢٠٠٠٠ عنصر مخابراتي يجوبون شوارع المدن والقرى ليلاً ونهاراً.

بقي لدي كلمه أخيرة أقولها لمن يطلقون على أنفسهم بالمحللين السياسيين التابعين للنظام والمنتسبين لحزبهم القائد: والله إني أشفق على طلاب لكم في الجامعات السورية والذين تعلموهم العلوم المخابراتية بدل العلوم السياسية. طلابكم أذكى منكم وسيأتي يوم قريب سيعلموكم كيف تكون سياسة الوطن لا سياسة المزارع الخاصة.

مع تحياتي..

* المنسق العام لحقوق الإنسان في نيويورك

--------**********----------

بسم الله الرحمن الرحيم

يا علماءنا..

د.منير محمد الغضبان

يا علماءنا..

اتقوا الله في هذه الأمة فستحملون أجرها ووزرها اليوم وغداً ويوم القيامة..

يا علماءنا..

أما قرأتم قول الله عز وجل: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون) آل عمران/ 187.

أليس بيان الحق هو رسالتكم التي كلفكم الله بها؟

أليس تعرية النظام السوري لشعبكم هو مهمتكم الأولى؟

أليس كتمان الحقيقة والمداهنة للنظام هو طمس للحق الذي كلفكم الله تعالى بإظهاره؟

وهو نقض للعهد والميثاق الذي واثقكم الله عليه؟

أليس مقتل ماينوف عن سبعمائة شهيد من أبنائكم لايستحق عندكم أن تقولوا الحق ولا تكتمونه؟

وتقولوا أن هذا إجرام في حق شعبكم وأمتكم؟

أم اشتريتم به ثمناً قليلاُ من الحفاظ على وظيفة ، والبقاء في أمان الظالمين حين تسبّحون بحمدهم وتدافعون عنهم أو تسكتون عليهم؟

أنتم الذين تعيشون في سورية ، وعندكم كل الأسرار، وعندكم الفساد الذي يقوده كل المفسدين والفجار من سدنة النظام وحماته.

هل تحسبون حساب الآخرة وأنتم تشاهدون الكفر البواح على القناة الفضائية السورية وهي تقدم الشاعر الفذ الذي يقول إن البعث ديني وبشار ربي. لقد استحى المذيع رغم كل غوصه بالنفاق أن يسكت. واعتبر هذا نفثات شاعر. وقال: مثل الذي يقول لامرأة أثيرة عنده أنا بعبدك.

هل نسيتم ياعلماءنا يوم تحرك الشعب كله. ودخل السجون حين كُتب المقال في مجلة الجندي والذي يريد أن يحول الله - تعالى عما يقولون علواً كبيرا - إلى متحف التاريخ. وقصم الله النظام بحرب 1967م ووصول إسرائيل إلى أبواب دمشق. ولو شاءت لدخلتها بعد أن كان حافظ الأسد يريد أن يرميها في البحر...

وباع الجولان ثمناً لرئاسته للجمهورية ما ينوف عن ثلاثين عاماً.

ياعلماءنا..

أنتم علمتمونا أن تغيير المنكر باللسان هو مهمة العلماء. هل هناك منكر أكبر من أن نبقى خمسين عاماً تحت حكم الأسد وابنه ؟ وتكون قيادتنا بنص الدستور للبعث العربي الاشتراكي؟

ياعلماءنا..

ألم تقرؤوا قوال الله عز وجل :

1 )- (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) البقرة/ 159.

هل ترون أنكم ناجون من هذه اللعنة. لعنة الله ولعنة التاريخ وأنتم تكتمون البينات والهدى في مواجهة الظالمين وكشف ظلمهم وجورهم وبغيهم. ولا نجاة من هذه ، اللعنة بالاستغفار والتوبة. إنما النجاة من الهلاك بتبيانه (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) البقرة/ 160.

2 ) - ألم تقرؤوا قول الله تعالى عن مجرمي أهل الكتاب: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لايعلمون) البقرة/ 101.

أليس من نَبْذِ كتاب الله وراء ظهوركم كأنكم لاتعلمون بما يجري في وطننكم وبلدكم ورمي تعاليمه خلف ظهوركم في اتباع طواغيتكم . وإسباغ التعظيم والتقديس عليهم من دون الله؟

3 ) - ألم تقرؤوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. -ومن يفعله غيركم إن لم تفعلوه؟-

"لتأمرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر و لتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم"

ياعلماءنا..

إن مكانتكم عند الله تعالى، بثقل الأمانة وجسامة الخيانة ، فأنتم شهداء الله في أرضه فلا تشهدوا شهادة الزور للطغاة والقتلة المجرمين .

وجسامة الخيانة أن تكون الأمة كلها معلقة بأعناقكم ، ُتسألون عن كل قطرة دم سقطت في هذا الشعب لأنكم لم تساندوه. وخذلتم الناس عن الشهداء ليذهب دمهم هدراً، تحت ستار الخوف من الفتنة. وأنتم أعلم بأنفسكم لم تسكتون؟ ولم لا تحضون الناس على الخروج للتظاهر وتُخذّلونهم عن ذلك ؟ وفي رقابكم كل ذرة صمت عن قول الحق ، والساكت عن الحق شيطان أخرس .

ياعلماءنا..

إن القضية ليست قضية خلاف في الرأي بمقدار ماهي اختيار بين الجنة والنار.

الجنة، وأنتم على رأس شعبكم ووراء كل واحد منكم عشرات الآلاف تطالبون بإنهاء الباطل وتغيير النظام. وبين النار تُسكتون شعبكم عن الحق وتخذلونه. وتزينون له الباطل. وتشاركون في تقديس هذا الباطل وتعظيمه ، حتى لاتفوتكم الوظيفة والراتب والمركز الاجتماعي .

 تتقدمون أمامه للشهادة أمام الناس؟ وهذه أعظم الشهادات عند الله. "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

وإما أن تختاروا النار والوظيفة ورضا الحاكم دون رضا الله. ومن التمس رضا الله في سخط الناس، رضي الله عنه، وأرضى عنه من أسخطه. ومن التمس رضا الناس في سخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه من أرضاه.

ياعلماءنا..

قودوا شعبكم إلى الصبر والنصر والجنة، ولا تقودوه إلى النفاق والكذب والرضوخ للباطل والذل، فتهوَون أنتم وإياه إلى النار.

 (واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) الأنفال/ 25.

وبين النار حين تُسكِتون أبناء شعبكم عن قول الحق.. وتخذلونه إن قاله.. وتزينون له الباطل.. وتشاركون في تقديس وتعظيم الطاغوت حرصا على الثمن القليل من الوظيفة والراتب والمركز الاجتماعي.. إرضاءً له..

إنها ليست صفقة تجارة عرضة للربح والخسارة.. إنها صفقة مع الله عز وجل عرضة للجنة إن وفيتم بها.. وعرضة للنار إن نكثتم بها.. فالله سائلكم عما أئتمنكم عليه .

يا علماءنا..

إن لكم في إخوانكم الصابرين الثابتين على الحق أسوة.. واختاروا السجون على السجود للحاكم الظالم القاتل المجرم.. وقد يكون الموت والشهادة المصير، لكن الموت خير من النار وبئس المصير..

يا علماءنا..

وأخص بالذكر علماء دمشق وحلب.. أنتم الذين تُفشلون ثورة الشعب ضد الباطل.. وسيلعن الله وسيلعن اللاعنون من يمالئ الباطل ويزينه وأنتم الذين تحملون راية القضاء على الطغيان في الأمة.. وسيحفظكم الله في عليين.. ويحفظ لكم التاريخ هذا المجد ولا طريق ثالث بينهما .. كفى.. كفى.. كفى..

لا تجعلوا الدين أفيون الشعب.. وأنتم أول من ينزل به غضب الله وسخطه قبل الظالمين والمظلومين..

واذكروا الحديث القدسي "أوحى الله تعالى إلى ملائكته أن دمروا قرية فلان.. فاهتاجت الملائكة: يارب إن فيها عبدك الصالح.. فيقول الله به فابدأوا إنه لم يتمعر وجهه لمعصيتي"..

(ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لاتنصرون) هود/ 113.

--------**********----------

حيث يرقد الكواكبي بسلام

الدستور

1-5-2011

هل كان «عبدالرحمن الكواكبي» يرى بعين بصيرته ما سيحل بأحفاده السوريين الأحرار من حيف و ظلم؟ و هل كان يدرك بثاقب نظره أنهم سينتفضون على الظلم و الظلام و انهم سيكونون بأمس الحاجة إلى دليل نظري يقود خطاهم على طريق الحرية و التحرر؟ ولد في حلب العام 1848م و تعلم فيها فلما شب أنشأ جريدة (الشهباء) التي لم يطل بها الوقت فأقفلت، ثم أنشأ جريدة (الاعتدال) فلم يطل بها الوقت أيضاً فأقفلت. و على كثرة المناصب التي اسندت إليه إلا أنه لم يغفل عن هدفه الأسمى: الإصلاح.. ثم الإصلاح.. ثم الإصلاح، و هو ما دفع بأعداء الإصلاح إلى محاصرته و سجنه و تجريده من كل ما يملك، فاضطر إلى أن يضرب في أرض العروبة و بلاد الهند حتى استقربه المقام في القاهرة، فراقه ما كانت ترفل به من حرية فكرية عز نظيرها آنذاك و بادر إلى نشر عدد من المقالات عن (الاستبداد) في جريدة (المؤيّد) تناول فيها: ماهية الاستبداد و تأثيره على الدين وعلى العلم و على التربية و على الاخلاق و على الاقتصاد، و قد أحدثت هذه المقالات دويّاً هائلاً في أوساط الشباب المصري فطالبوه بالتوسع وأجابهم لما طلبوه و زاد على ذلك مقالة في كيفية التخلص من الاستبداد، ثم جمع هذه المقالات في كتاب بديع أسماه (طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد) و أهداه للناشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بيمن نواصيها.. و لا غرو فلا شباب إلا بالشباب! بعد أن افتتحه بعبارة استشرافية مؤثرة تصف ما أودعه في كتابه من تشخيص نادر (كلمات حق و صيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غداً بالأوتاد)!! في مقالته التي أفردها للإجابة عن سؤال: ما هو الاستبداد؟ يؤكد الكواكبي حقيقة أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلاً أو حكماً، التي تتصرف بشؤون الرعية كما تشاء بلا خشية من حساب و لا عقاب محققين، أو على أمثلة تقليدية، أو على إرادة الأمة – و هذه حالة الحكومات المطلقة- و إما هي مقيدة بنوع من ذلك لكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، و هذه حالة أكثر الحكومات التي تسمي نفسها بالمقيدة! و في مقالته الختامية التي أفردها للإجابة عن سؤال: كيف نتخلص من الاستبداد؟ يعود الكواكبي لتأكيد حقيقة أن الاستبداد هو الحكومة التي لا توجد بينها و بين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم، لذلك فإنه يسترعي نظر القارئ إلى ضرورة عدم الوثوق بوعد من قفز إلى كرسي السلطة، و لا بعهده و يمينه على مراعاة الدين و التقوى و الحق و الشرف و العدالة و مقتضيات المصلحة العامة، و أمثال ذلك من القضايا الكلية المبهمة التي تدور على لسان كل (بر و فاجر) و ما هي في الحقيقة إلا كلام مبهم فارغ، لأن (المجرم) لا يعدم تأويلا و لأن من طبيعة القوة الاعتساف ولأن (القوة لا تقابل إلا بالقوة)! و في ثنايا كتابه الفذ لا يمل الكواكبي الذي التحق بالرفيق الأعلى العام 1902م من تأكيد حقيقة أن أصل الثراء هو الاستبداد السياسي و أن دواءه هو الشورى الدستورية، وان المستبد فرد عاجز لا حول له و لا قوة إلا بأعوانه من أعداء العدل وانصار الجور، و أن الإقراط في مراكمة الثروات مولّد للاستبداد ومضر بأخلاق الأفراد. لا يمل من تأكيد ذلك كله و كأنه يقرأ خريطة الشقيقة العزيزة الغالية «سورية» التي رفض أحرارها استقبال قادة المستعمر الفرنسي و لسان حالهم يقول: اليد التي ودعت فيصل حرام عليها أن تصافح خصمه، سورية التي أوقف نظامها –عشية انتصار الثورة المصرية- بث البرامج التلفزيونية المعتادة و اقتصر على إعادة بث محطة الجزيرة تحت عنوان (سقوط نظام كامب ديفيد)... فلما كتب بضعة أطفال من درعا على الحائط: (جاييك الدور يا دكتور) لم يتردد الأعوان في قطع أصابعهم، و ما علموا أن الأصابع التي قطعت مثّلت الزناد الذي قدح و ما زال يقدح شرارة الثورة على الاستبداد التي بشر بها الجد الأكبر «السيد الفراتي» عبدالرحمن الكواكبي الجد الذي لم يكتف بتشخيص (طبائع الاستبداد) فقط بل زاد على ذلك تأكيده (مصارع الاستعباد) أيضاً! و قد آن له أن يرقد بسلام بعد أن تحقق له ما أراد في تونس و مصر، و قريباً في ليبيا و اليمن و سورية.


 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com