العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08/04/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الثورة السورية بين لعم بشار وتشاؤل المعارضة ... د. محمد أحمد الزعبي

1.

نشير بداية إلى أن كلمة " لعم " الموجودة في عنوان هذه المقالة ، إنما تعني هنا ، المراوغة الثعلبية بين ال "لا" و ال "نعم" ، بحيث لايستطيع السائل ( نبيل العربي ، كوفي عنان ) أن يعرف ، بل أن يخمّن الموقف الحقيقي للمسؤول ( بشار الأسد ) ، وسيجد نفسه ، كوسيط محايد ، أميل إلى ترجيح كفة ال "نعم" على كفة ال "لا" ، وذلك قبل أن تذوب الثلجة وتظهر المرجة ، أي قبل أن نصل إلى العاشر من أبريل ويكتشف السائل أكاذيب المسؤول .

أما كلمة " تشاؤل " ، فهي منحوتة بدورها من كلمتي " تشائم " و " تفائل " ، بيد أن خبرة المعارضة السورية ، ومعرفتها بطبيعة نظام بشار الأسد الثعلبية المراوغة ، تجعلها أقرب إلى التشاؤم منها إلى التفاؤل ، وإلى تحذير كل من نبيل العربي وكوفي عنان ( وأضيف إليهم الآن صديقي رياض الترك / ابن العم ) من الوقوع في فخ مراوغة وأكاذيب بشارالأسد .

2.

لاشك في أن كلاًّ من خطابات بشار، وتصريحات شبيحته ، والفيتو الروسي الصيني ، وسلسلة القرارات التي صدرت حتى الآن عن كل من جامعة الدول العربية ، والأمم المتحدة ، ومؤتمري أصدقاء سورية اللذين انعقدا في كل من تونس واستنبول ، إنما تصب جميعها علم أصحابها أم لم يعلموا في طاحونة " المهل " التي سمحت لنظام الأسد أن يدمر كل المدن والقرى المطالبة بالحرية والكرامة ، وبالتالي أن يقتل ويذبح ويغتصب ويسجن ويخفي في المقابر الجماعية ، عشرات الألوف ، من شباب ونساء وأطفال هذه المدن والقرى ، دون أن يحسب أي حساب لاللرأي العام العربي ، ولا للرأي العام الإسلامي ، ولا للرأي العام العالمي ، وبطبيعة الحال ، ولا للرأي العام السوري .

هذا مع العلم ، أن الانتقال من مهلة زمنية إلى أخرى ، غالباً ماتصاحب بتنازلات مجانية من قبل كل من الجامعة العربية ، ومجلس الأمن ، ومؤتمري أصدقاء سورية في تونس واستنبول ،ترى أهي" لعبة أمم " جديدة ؟، أم " صراع على سورية " جديد ؟ ، أم أنها هذا وذاك معاً ؟، وفي كل الحالات فإنها مواقف ، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، ظاهرها الوقوف مع الثورة ، وباطنها الوقوف للتفرج عليها ، وذلك كمكافأة من الجميع لبشار، ثمناً لسكوته طوال أربعة عقود على احتلال اسرائل لهضبة الجولان .

3.

إن لعبة الأمم الجديدة حول سورية ، وإن الصراع الجديد على سورية ، لايتعلق كما نشاهده يومياً لابحقوق الإنسان ، ولا بحقوق الطفل ، ولا بحقوق المرأة ، ولا بالديموقراطية ، وإنما يتعلق أساسا وقبل كل شيء ب " إسرائيل " من حيث عدم التضحية بنظام عائلة الأسد ( الممانع !!) قبل العثور على بديل غير وطني ، يتابع مسيرة هذا النظام، في السكوت عن الجولان المحتل ، وفي العمل على التطبيع الكامل مع إسرائيل ، تحت شعار تدليسي كاذب هو : " السلام الكامل ، مقابل الإنسحاب الشامل ! "،وتطبيقه

العملي، المتمثل بشعار( السلام كخياراستراتيجي ) لنظام " سوريا الأسد ! " ، ولجيشها المغوار ، الذي لم يحتج في ظل وزير دفاعه حافظ الأسد سوى لبضع ساعات كي ينسحب من الجولان ، عام 1967 ، بينما هو يحتاج اليوم ( 2012 ) ، إلى بضعة أسابيع للانسحاب من المدن السورية العزلاء ( ياحيف !! ) .

4.

لقد خيل لبعض الدول العربية ، أن الحل اليمني ( تنازل الرئيس لنائبه ) هو الحل المناسب للحالة السورية أيضاً ، وهو مانصت عليه إحدى فقرات المبادرة العربية ، التي تم ترحيلها إلى مجلس الأمن ، بسبب عجز

الجامعة العربية عن تنفيذ مبادرتها على الأرض ، أو والله أعلم بسبب معرفة أصحاب العلاقة من العرب وغير العرب ، أن الفيتو الروسي كفيل بتنفيذ ماعجزوا هم عنه ، وأن مسؤوليتهم قد دخلت بعد هذا الترحيل في إطار " حادت عن ظهري بسيطة " .

إن محاولة تطبيق الحل اليمني على الحالة السورية ، إنما يدخل في باب جهل أوتجاهل أصحاب هذا الرأي الفارق الموضوعي والذاتي بين الحالتين ، من حيث " علاقة الرأس بالجسد " في كل من اليمن وسورية . ففي الحالة اليمنية تم الاستغناء عن الرأس ( علي عبد الله صالح ) ، ولكن الجسد ظل إلى حد بعيد على حاله ، ولا سيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ، التي هي من حسم الأمر في اليمن ، كما هو معروف ( أمريكا والسعودية ) ، في حين أن الوضع في سورية ، يشيرإلى التلاحم المصيري بين الرأس والجسد ،وذلك في إطار مانطلق عليه " أسيجة الحكم السبعة " ، والتي تترابط مع بعضها ترابطاً مصيرياً ، بحيث أن التضحية بالرأس ستعني التضحية بالجسد أي بأسيجة الحكم السبعة ( ولكن انتبه ليس بالدولة كما يروجون) ، والتي هي :

1) الشرعية الشكلية المرتكزة على مربع : التطييف ، التوريث ، التضليل ، والتزوير ،

2) حماة النظام (وليس حماة الديار) ومختلف الأجهزة الأمنية ، والحرس الجمهوري ،

3) الحكومة ومؤسسات الدولة ، التي تم مسخها وتوظيفها في خدمة النظام بدلاً من خدمة المواطن ،

4) المرتزقة من شبيحة السيف ، والقلم ، والمال ، وشبيحة فوبيا الديموقراطية والإسلام ،

5) التضليل الإعلامي والشعارات الكا ذبة عن التصدي والممانعة ودعم المقاومة ،

6) حزب البعث ( الذي يمثل بنظرنا الإسم الحركي للفئة العسكرية الحاكمة ) وجبهته التقدمية !

7) الموقف العربي والدولي المتردد والملتبس لكل الخائفين على أمن " إسرائيل " من البديل

الديموقراطي ، الذي سيخلف نظام بشار الأسد .

ولذلك فإن من كان متحمساً للتغيير في اليمن ، نجده متردداً وحائراً بخصوص التغيير في سورية ، ذلك أن سورية غير اليمن ، ودور عائلة الأسد في سورية غير دور عائلة علي عبدالله صالح في اليمن .

5. إن مايؤكد صحة وجهة نظرنا عن الفارق بين الحالتين ، اليمنية والسورية ، هو أن النظام السوري قد أعلن على الفور رفضه لمبادرة الجامعة العربية ( سداسية نبيل العربي ) ، وذلك بسبب نصها ، على غرار الحل اليمني ، على [ ثانياً : تفويض رئيس الجمهورية نائبه الأول، بصلاحيا ت كاملة للقيام بالتعاون التام مع حكومة الوحدة الوطنية ( الفقرة الأولى من المبادرة ) ، لتمكينها من أداء واجباتها في المرحلة الانتقالية ] . هذا مع العلم أن تفويض الرئيس لنائبه بصلاحيات كاملة ، لايعني نظرياً وعمليّاً تنحي هذا الرئيس عن السلطة ، لأنه يستطيع في أي وقت يشاء إلغاء هذا التفويض ، والعودة إلى كرسي الرئاسة ، ولا سيما إذا ماكان " حماة الديار/حماة النظام " مؤيدين له ، وليس لنائبه .

أما سداسية كوفي أنان ، فقد نأت بنفسها عن هذه الفقرة الإشكالية أصلاً ، حيث أثبتت في بندها الأول ، ماطرحه ويطرحه النظام نفسه على " معارضته الخاصة " من ضرورة الجلوس مع النظام ، والتحاور معه على الإصلاحات ، والتي قد بدأها النظام أصلاً ، وهوعلى وشك الانتهاء منها !!. أما نقاط عنان الباقية فهي لاتعدو أن تكون من نوع مطالبات منظمات حقوق الإنسان المتعلقة ، بضرورة وقف العنف ( من قبل جميع الأطراف !! ) ، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين !! . وحتى أن النص المتعلق بالإفراج عن المعتقلين جاء ملتبساً وغامضاً ، حيث نصّ على [ تكثيف أعداد ووتيرة الإفراج عن المعتقلين والمحتجزين بصورة تعسفية ...الخ ] في حين كان من المفروض أن يطالب عنان النظام بضرورة الإفراج الفوري عن كافة هؤلاء المعتقلين والمحتجزين بصورة تعسفية ، هذا مع العلم أن البند الأخير في سداسية عنان والذي يشير إلى [ احترام حرية التجمع والتظاهر السلمي المكفولة قانوناً ] كان أمراً إيجابياً في هذه السداسية.

6.

لاشك أن الموقف العربي من الثورة السورية ، كان أكثر تجاوباً ، بصورة عامة ، مع مطالب هذه الثورة ، ولاسيما ، مع مطلبها الرئيسي" الشعب يريد إسقاط النظام " ، من الموقف الإقليمي والدولي ، الذي كان يلتقي تطبيقياً مع موقف نظام بشارالأسد في دفع الأمور في سورية نحو الحرب الأهلية ، وذلك من خلال تخوفهم وتخويفهم المتواصل من وصول الثورة السورية إلى هذه النقطة ( الحرب الأهلية ) عبر دعم وتسليح " الجيش السوري الحر "، وأيضاً من خلال طرحهم المستمر لمسألة الأقلية والأكثرية في سورية مابعد عائلة الأسد ، ولقد كان رد الثورة على مثل هذه المخاوف وهذا الطرح المشبوه ، حاسماً ، عبر شعارها المدوّي والرئيسي الثاني " واحد واحد واحد الشعب السوري واحد " .

لا ، ياأيتها الدول العظمى ، ولا ، ياأيتها الدولة المسلمة والجارة إيران ، ولا يا أيها السيد حسن نصر الله إن الثورة السورية ، ثورة 15 18 آذار 2011 ، لن تسمح لأحد أن يشوه وجهها الوطني والوحدوي الجميل ، وكما سبق لشعب سورية العظيم ، أن أفشل مخطط فرنسا في عشرينات القرن الماضي ، فإنه سوف يفشل اليوم أيضاً مخططات ، بشار الأسد في سورية ، وكل من يدق معه طبول الحرب الأهلية ، في محالاتهم البائسة واليائسة لشق صفوف الشعب السوري والثورة السورية ، وهو ( الشعب السوري ) لن يمل من إسماعكم صباح مساء هتافاته الوطنية المدوّية في كل أنحاء سورية ، والمنادية بوحدة سوريا أرضاً وشعباً ، وبأنها جزء لاتجزأ من الأمة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج .

ليتراجع المخطئون عن خطأهم ، فالرجوع إلى الحق (يا أيها المعنيون بهذا الكلام ) خير من التمادي في الباطل . أما إذا أصررتم على التمسك بمواقفكم المعادية للشعب السوري ، ولمطالبه المشروعة في الحرية والكرامة ، فإن جواب الثورة سيكون أيضاً حاسما ، وذلك عبر شعارها الثالث : " مالنا غيرك ياألله " ، أي أن الثورة سوف تعتمد على نفسها ، وسيكون حليفها الوحيد هو " النصر " ، وستذهب " لعم " بشار الأسد معه إلى الجحيم ، إن لم يكن اليوم فغداً ، وإن غداً لناظره قريب .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا..العلة في التنفيذ ... رأي البيان

التاريخ: 04 أبريل 2012

البيان

لم يُغلق باب الأمل على حل سلمي للأزمة في سوريا، فموافقة دمشق على خطة المبعوث الدولي العربي كوفي أنان وتعهدها بسحب كل وحداتها العسكرية من المدن بحلول العاشر من ابريل الجاري، خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، فالشعب السوري دفع الثمن غالياً للحفاظ على استقلالية سوريا كدولة، بعيداً عن التدخل العسكري الخارجي، وهو بموقفه هذا يستحق طريقة سلمية لتحديد مصيره ومصير بلده.

الأنظار تشخّص الآن إلى تاريخ العاشر من أبريل باعتباره «نافذة الحل الأخيرة»، فالتوافق الدولي الذي حظي به أنان بخطته التي تتضمن ست نقاط، من الصعب ان يتكرر في ظل الانقسام الحاد في المواقف الدولية والإقليمية حول «اجتهادات» الحل المناسبة.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن إنكار أن أنان نجح في توسيع الثقوب الصغيرة في جدار الاستعصاء السياسي في سوريا، وانبعاث الأمل حول مخرج سلمي للأزمة يعد من نجاحات ما قبل الحل الحقيقي.

لكن الخطة دونها عقبات لا يمكن التقليل من شأنها، حيث أثبتت تجارب عام كامل من المبادرات والدعوات الموجهة لدمشق بهدف الانحياز إلى صوت الحكمة والعقل بعيداً عن الحل الأمني لا تجعل من موافقة النظام السوري الأخيرة على خطة انان اتجاهاً قطعياً للحل السلمي، فسابقة تجربة السلطات في دمشق مع مهمة المراقبين العرب تشير إلى أن العلّة تكمن في التنفيذ وليست في الموافقة.

لكن لا يبدو أن هناك فرصة أخرى تلوح في الأفق، فخطة أنان وفقاً للمعطيات الدولية والإقليمية والداخلية تبدو بمثابة «الفرصة الأخيرة» التي سيعني فشلها خلق اتجاه مشروع بتسليح الجيش الحر وانتقال السلاح إلى المدنيين من الطرفين، المعارضة والنظام، وهو ما قد يفتح أبواب سوريا أمام نموذج من الاقتتال الداخلي يفوق ما شهده العراق ولبنان.

إن دمشق مدعوة إلى الاحتكام لسوريا، والإخلاص لسوريا التي تحولت نتيجة الحلول الأمنية إلى ساحة صراع إقليمية ودولية، وهذا الصراع لا يأبه لمصالح الشعب السوري الذي سعى جاهداً للإبعاد، والابتعاد، عن التدويل والانزلاق إلى لعبة السلاح. وهذا الصراع بالضرورة لا يأبه لمصالح النظام السياسي، مما يستدعي تجاوباً صادقاً من دمشق في تنفيذ بنود الخطة من دون تلكؤ للحفاظ على النسيج الاجتماعي المتنوع في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كتب مدافعا عن الاستبداد : لا ديمقراطية بلا وطن ... فأجبته : لا وطن بلا ديمقراطية ... زهير سالم*

ينوح اليوم كهنة الاستبداد في حضن الربيع العربي بكاء على الأوطان ، كما ناح بالأمس كهنة الشرك بكاء على ( اللات والعزى ) . يوم وقّع رسول الله صلى الله عليه وسلم عهده مع ثقيف ، بادر بعض الكهنة العرب يتساءل : واللات والعزى ؟! أجابه أحد الصحابة الكرام يومها بالعربي الفصيح ( ت خ ... عليها ).

 

اليوم وشعوبنا تهز عروش الاستبداد بدمائها وآلامها وتضحياتها ما زال كهنة الاستبداد ينفثون ويبخرون ويخلطون أصفر وأحمر بعزائم ودمدمات لا تكاد تنقطع.  يمزج هؤلاء الكهنة ،عن غير غباء ، الوطن بالمستبد ، ويقرنون سيادة الوطن بذلة أبنائه ، ومجده بضياعهم ، وبقاءه باستباحتهم . ومازالوا مذ  كانوا نقرؤهم ونسمعهم فنعرفهم بلحن القول ، ما زالوا يرون في عبادة الفرد تحررا ، وفي الطواف حول شخصه تقدما ، وفي التسبيح بحمده إنجازا وإنتاجا وريا وشبعا .

 

كهنة الاستبداد هؤلاء يؤمنون بنظرية ( الوطن الوثن ) الذي يتقمص شخصا فيجمع في أقنوم واحد الناسوت واللاهوت والماضي والحاضر والمستقبل ، والأول والآخر والظاهر والباطن . ويبلغ الجزع والفزع بكهنة الاستبداد العربي مبلغه وهم يرون بَدهم الأعظم ( البَد : الصنم العظيم بلغة أهل الهند ) الجاثم على صدر الشعب السوري ، الذي طالما تلذذوا في وطأ رؤوس أبنائه في حلقات الزار العربي ؛ يهتز بعنف فيكادون يخسرون عاصمهم الأخير ، في حاضر أمة شاركوا في سومها سوء العذاب على مدى ستة عقود وما يزالون . ستة عقود من الاستبداد الثوري العربي استبيح فيها الإنسان ، وهتكت الحرمات ، وصنعت الهزائم والنكبات؛ وسكارى حفلات الإثم هؤلاء لا همّ لهم إلا المكاء والتصدية تحت أقدام الخوارين الجبارين وفوق جراح الشعوب المسلوبة الإرادة بقوة الحديد والنار ..

 

ستة عقود مرت وهؤلاء المتسلطون على شعوبنا بعنواين وشعارات شتى يشاركون في سلخ جماجم أبناء أمتنا في أقبية سادتهم . وكان الأبشع من سلخ الجماجم حشوها بالمقولات الفاسدة عن الوطن وحقيقته وسيادته ومجده وعظمته ، وخلط كل ذلك بخبث وبيء بالفرد الذي لم يحمل يوما ( طهر الوثن ) كما هتف به منذ نصف قرن عمر أبو ريشة :

وطني كم وثن مجدتـه    لم يكن يحمل طهر الوثن

والمطلوب أولا في حضن الربيع العربي تدمير الهيكل على رؤوس كهنته . وطردهم إلى الأبد بوجوههم الصفر الممتقعة لؤما وخسة وانحطاطا إلى حيث يليق بهم من هوامش التاريخ .

 

وفي حضن الربيع العربي  المطلوب ثانيا نسف كل مقدمات منطق الاستبداد . وإسقاط كل وسائل استنباطه واستدلاله وحجاجه ، ومعايير صدقه وكذبه وقبحه وجماله ...

كتب سيد قطب رحمه الله يوما : كان الإنسان الجاهلي إذا دخل الإسلام خلع عنه كل أسمال جاهليته .  والمطلوب اليوم ونحن نعيش ربيع أمة تريد أن تخرج من عصر الاستبداد أن ننقض كل المقدمات  التي خدمت المستبد ، وسهّلت له سبيل السيطرة على العقول والقلوب، وعلى الدماء والأعراض والأموال ...

 

وأولى هذه المقدمات التي يجب نقضها إجراء المفاضلة بين القتلة على أساس هويتهم وانتمائهم . بل المطلوب في معايير الربيع العربي أن تكون الإدانة للقاتل القريب أشد وأبلغ ، وأن يكون إعلان البراءة منه أصرح وأوضح .

منذ عام واحد فقط لم أكن أقبل أن أقول ، أو لم أكن أقبل من أحد أن يقول : إنّ ما فعله بشار الأسد بنا في حمص وفي بابا عمرو وفي كرم الزيتون وفي كفر عويد وفي سراقب وفي تفتناز  لم يفعله بنا غورو يوم جاس بقدمه الهمجية  أرضنا ....

 

منذ عام فقط لم أكن أقبل أن أقول أو أن يقال :إن الطريقة التي تعامل بها  بشار الأسد مع أطفالنا في درعا وفي حمص وفي دوما  وفي كل الأرض السورية، قد ترفع عنه الجزار شارون ومن قبله زعماء عصابات الإثم من بني صهيون. ولكنني اليوم أقول هذه هي الحقائق القائمة الناطقة على الأرض . وهي التي يجب أن تقال ، وفي الإمساك عنها كتم للشهادة . وكل ما يقال خلاف ذلك هو من تعاويذ كهنة المستبدين ، أو بعض عبث سحرة فرعون الذين (( سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. )) نعم في أحضان الربيع العربي يجب أن يسقط السحر والساحر .

 

جسد الطفل الحبيب حمزة الخطيب وثامر الشرعي وكل الصور التي وصلت من كفر عويد وبابا عمرو وكرم الزيتون تحتم علينا أن نقول ذلك . و أن نصنف كل الذين لا يقولونه في عداد كهنة الاستبداد وأتباع المستبدين

 

إلى المسكين الذي كتب إلي ناصحا : لا ديمقراطية بلا وطن فأطنب وأطال واهتز وارتج ، وإلى دواسي الظلمة الذين اجتمعوا ينفثون وينفخون في عمان أقول : بل ... لا وطن بلا ديمقراطية .. بل فرد تعودتم على عبادته ، فـ (( أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ )) ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا بعد "فرصة" عنان للنظام السوري؟ ... محمد الحمادي

تاريخ النشر: الأربعاء 04 أبريل 2012

الاتحاد

إيران تدفع وروسيا تدافع والمجتمع الدولي والعرب يتدافعون أما المدفوع إلى المجهول فهو الشعب السوري. ذاك هو المشهد التراجيدي الذي يعيشه السوريون وأصدقاؤهم ومن يتمنون الخير لسوريا، فأكثر من عام وهذا الشعب يعيش انتفاضته الشعبية المشروعة ضد نظامه، والعالم من حوله يتدافع متخبطاً، يخرج من اجتماع ليدخل في اجتماع آخر، ويتبنى قرارات لتأتي بعدها قرارات أخرى لا تختلف عن سابقتها، ويشكل لجاناً ووفوداً لتأتي لجان غيرها ووفود أخرى تحل محلها.

آخر تلك التحركات كانت محاولة عنان المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، والذي أبلغ مجلس الأمن أن سوريا أبلغته أمس الأول بالموافقة على وقف القتال في العاشر من الشهر الحالي، وأن الوقف الكامل لأعمال العنف يجب أن يتم خلال الساعات ال48 التي تلي هذا الموعد. وتتكون خطة عنان من ست نقاط هي: الالتزام بالعمل من أجل عملية سياسية شاملة يقودها السوريون، وقف جميع عمليات القتال، هدنة لإدخال المساعدات الإنسانية، الإفراج عن كل المعتقلين تعسفياً، ضمان حرية الحركة للصحفيين، واحترام الحق في التظاهر السلمي.

والسؤال هو من اليوم وحتى يوم الخميس بعد المقبل، ما الذي يضمن التزام النظام السوري بهذا الوعد، خصوصاً أنه لم يعد خافياً على أحد "شراء" النظام السوري للوقت لتصفية أكبر عدد من معارضيه؟ لا شيء يضمن، وبالتالي فالسؤال التالي هو: ما الذي سيقوم به العالم تجاه عدم تنفيذ خطة عنان؟ هل سنكون على موعد جديد لمؤتمر أصدقاء سوريا ليؤكد العالم ما سبق وأكد عليه؟!

إن المجتمع الدولي بتباطئه في التعامل مع أزمة الشعب السوري يكون شريكاً في كل قطرة دم تُسال على تلك الأرض، فالعالم بتباطئه يعطي النظام فرصةً أكبر لتصفية معارضيه. وروسيا التي لا تتوقف عن الدفاع عن النظام السوري وحمايته من أية عقوبات دولية ترتكب خطأً في حق هذا الشعب الأعزل.

والأمر المثير في هذه القضية هو تباطؤ العالم في إنقاذ الشعب السوري الذي قتل منه إلى الآن -حسب أرقام المنظمات الدولية- أكثر من عشرة آلاف شخص بينهم كثير من الأطفال والنساء، ولا يزال النظام السوري يقول إنه يحارب إرهابيين ومجرمين. والملفت أكثر في القضية السورية أن العالم الغربي الذي يتكلم عن حرية الشعوب يقف عاجزاً أمام ما يقوم به النظام السوري من جرائم في حق المدنيين، وهذا موقف غريب يثير اشمئزاز أي عاقل في العالم.

إذا كانت إيران -حسب التقارير الغربية- تدفع فواتير حرب النظام السوري ضد شعبه فلماذا يتردد العالم في دعم فواتير مقاومة هذا الشعب ضد نظام لم يرحمه عندما طالب بحقوقه بل ظلمه طوال سنوات كثيرة وأمعن في ظلمه؟! وإيران تفعل ذلك حفاظاً على مصالحها في المنطقة، فلماذا لا يقاتل العرب من أجل المحافظة على حقوقهم المشروعة؟!

الدول العربية مطالبة بالخروج من عباءة ردة الفعل والانعتاق من انتظار الموقف الغربي والدولي، فالغرب له مصالحه المادية التي اتضح أنها تحركه أكثر مما تحركه أية مبادئ أخلاقية أو إنسانية، لذا فإن الانتظار أكثر لا معنى له.

الحكومة التركية أثارت غضب المعارضة السورية واستياء الكثيرين بسبب موقفها المتقاعس واكتفائها بترديد الشعارات والالتزام بالكلام بما لا تفعله في هذه القضية السورية، وفي مقابل ذلك تصر تركيا على أنها تبذل ما بوسعها وأنها لن تتخلى عن الشعب السوري.

والواقع أن تركيا تكتفي بلعب الدور البروتوكولي في هذه الأزمة فموقفها المتردد بين عدم وضوح توجهها في هذه الأزمة، وفي مؤتمر أصدقاء سوريا الذي عقد في إسطنبول منذ أيام وشارك فيه ممثلو أكثر من سبعين دولة وناقش تقديم الدعم للمعارضة وزيادة الضغط على حكومة الأسد لتطبيق بنود خطة السلام التي اقترحها عنان. أما رئيس "المجلس الوطني السوري" برهان غليون فطالب بتسليح الجيش السوري الحر. وبينما لا يتوقف أصدقاء سوريا عن المطالبة والكلام الدبلوماسي المنمق فإن النظام السوري لا يتكلم إلا بلغة السلاح التي تفتك بكل شيء على وجه الأرض.

وإذا كان العالم الحر لا يريد الوقوف مع هذا الشعب فعليه أن لا يعده بأي شيء ولا يدفعه إلى الأمام أكثر فأكثر إلى أن يسقط في الهاوية، كل ما يريده الشعب السوري اليوم هو المال لشراء السلاح دفاعاً عن نفسه، فهل لدى العالم الغربي أو العرب أي شك في أن هؤلاء مواطنين سوريين يطالبون بحقوقهم وبالتالي يستحقون الدعم أم أن هناك شكاً في أن تلك الأموال وذلك السلاح قد يقع بأيدي الإرهاببيين أو الجماعات الإسلامية المتطرفة؟!

العالم بحاجة إلى قليل من الصدق مع شعب يريد الخلاص من نظام جثم على صدره لأكثر من أربعين عاماً، يريد الخلاص من نظام حول البلد إلى إقطاع لعائلة الرئيس وأصدقائه وأفراد حزبه. إنه حق مشروع في زمن أصبحت فيه كلمة الشعب هي العليا. والسؤال الأخير: هل من المجدي الحديث بالسياسة مع نظام لا يفهم إلا لغة السلاح؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متى ينتهي القتل في سورية؟ .. محمد كريشان

2012-04-03

القدس العربي

لم يمض الكثير جدا على مهمة كوفي عنان في سورية حتى بدأ المبعوث الدولي والعربي يشير إلى أنه ليس هناك تقدم على الأرض لوقف العنف هناك. طلب الرجل من مجلس الأمن أمس الأول دعم تحديد مهلة تبدأ في العاشر من هذا الشهر للتطبيق الجزئي لخطة السلام التي وافقت عليها الحكومة السورية، كما طلب منه الشروع في التخطيط لبعثة مراقبة وقف إطلاق النار هناك.

يبدو أن عنان بدأ يواجه الآن ساعة الحقيقة في سورية التي سعى بحنكته الدبلوماسية إلى الظهور بمظهر من لا يستعجل الاصطدام بها. لقد بدأ التعثر في أول نقطة من خطته السداسية و أكثرها إلحاحا وهي وقف إطلاق النار. دمشق لا ترى ذلك ممكنا قبل أن يتوقف الطرف الآخر عن أي عمل عسكري ضدها فيما يرى هذا الأخير بدوره نفس الشيء رافضا المساواة بين قوتي نار لا مجال للمقارنة بينهما.

وإذا كان التعثر بدا يتجلى من الآن في تطبيق النقطة الأكثر بداهة لتمهيد الطريق لباقي النقاط وفتح مسلسل التسوية السلموية فكيف يمكن التقدم أصلا في تطبيق باقي النقاط؟!.

نظام الرئيس بشار الأسد بدأ يميل هذه الفترة إلى الاعتقاد بأن إحجام الدول الكبرى على مباركة أي تدخل عسكري ضده وعدم تحمس الكثيرين لتسليح معارضيه أمران يجب استغلالهما للقضاء النهائي على موجة الاحتجاجات ضده. لم يفلح في ذلك فاستمرت الحصيلة اليومية لسقوط القتلى مفجعة، وإن بدأ البعض يتعود عليها للأسف. مع ذلك لم ير هذا النظام ما يحول دون التظاهر بأنه تقريبا 'انتصر' في هذه المعركة. تجلى ذلك في تصريحات المتحدث باسم الخارجية السورية جهاد المقدسي الذي اعتبر أن 'معركة إسقاط الدولة (لم يقل النظام!) قد انتهت و بلا رجعة'، وأن 'العمليات العسكرية يمكن إيقافها لكن بعد إحلال السلام والأمن فقط' (وهذه عودة لنقطة البداية من جديد!)، وأن 'معركة سورية اليوم هي تثبيت الاستقرار وحشد الرؤى خلف مسيرة الإصلاح' (أي خلف الرئيس!!). تزامن هذا الخطاب السوري المحتفي ب'النصر' بموجة تصريحات لجوقة سورية في لبنان رأى أحد أبرز الناشطين فيها بأنه 'أصبح واضحا أنه لا يمكن إسقاط سورية (وليس نظامها!!) عبر الخطب الرنانة التي كان يقوم بها البعض أكان محليا أو إقليميا أو دوليا'.

ما لا يستطيع قوله الآن المسؤولون السوريون البارزون من كلام ينسف تحركات كوفي عنان ويتغنى بالتراخي الدولي لوقف آلة القتل ضد المحتجين، سلميين كانوا أو مسلحين أو حتى مدنيين في الشوارع والبيوت، أوكلوه لجماعتهم في لبنان حتى يشرعوا في ترويجه سواء بعباءة السياسيين المتحمسين لنظام الأسد أو بعباءة المحللين السياسيين، وما أكثرهم. و مع ذلك، فإن ما يقوله بعض المسؤولين السوريين الصغار هو من يعبر أصدق تعبير عن مزاج القيادة الحقيقي والذي يفضل قادة الصف الأول تجنبه من باب تجنب الاستفزاز الفج لتحركات عنان.

لنمعن النظر مثلا في ما قاله شخص لم نسمع باسمه من قبل هو محمد ضرار جمو رئيس ما سمي الدائرة السياسية للمغتربين العرب في سورية لتلفزيون لبناني اختار الوقوف بدوره مع النظام السوري ضد شعبه.

يقول هذا الرجل إنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار من جانب واحد في سورية وأن خطة كوفي عنان لن تنفذ إلا وفقا لنقاط أربع، جازما أن هذا هو كلام السوريين والقيادة السياسية والرئيس بشار الأسد. تقضي هذه النقاط الأربع (مقابل نقط عنان الست!!) بأن 'توقف مجموعة الأعراب المتآمرة على سورية تصدير الدعم المالي والعسكري وأن تتعهد بذلك، ويمنع التدخل في الشؤون السورية منعا باتا عبر قنوات التحريض الإجرامية والإعلام الكاذب وتمويلها، وأن يفهم الجميع بأن الحل لن يكون بأن يسلم الرئيس صلاحياته لنائبه فهذا لن يحدث إلا في الأحلام، و لن تجري انتخابات رئاسية قبل انتهاء ولاية الأسد عام 2014 بدقيقة واحدة'.

صحيح أن هذا الرجل قد لا يلزم القيادة السورية في شيء ولكنه عبر بأوضح الكلمات على ما تفكر فيه هذه القيادة حقيقة والتي تحاول حاليا مداراته بمراوغات وفذلكات يبدو أن صبر كوفي عنان عليها ليس طويلا.

إن التعثر الحالي في مجرد التوصل إلى وقف القتل اليومي في سورية، ناهيك عن المضي إلى غير ذلك من نقاط خطة التحرك الدولي تجاه نظامها، يعني أن 'المجتمع الدولي' لم يقم بأي خطوة خارج المربع الأول. وطالما ظل الجميع يراوح في هذه النقطة دون تقدم فمن حق السلطات في دمشق وجماعتها في لبنان وبعض أنصارها القليلين هنا أو هناك أن يحتفوا ب'نجاة نظام الممانعة' و'إفشاله المؤامرة الدولية ضده'... أما سقوط عشرات السوريين الأبرياء يوميا فمجرد تفصيل يترك للصحافة و نشرات التلفزيون ليجدوا ما ينشغلوا به قليلا!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المالكي والتدخل الخارجي في سورية .. رندة تقي الدين

الاربعاء, 04 أبريل 2012

الحياة

يظهر أن ذاكرة نوري المالكي خانته عندما صرح أنه لا يريد أي تدخل في شؤون سورية كأنه نسي أن وجوده في رئاسة الحكومة العراقية لم يكن لولا التدخل الأميركي لإطاحة الديكتاتور العراقي صدام حسين. إن موقف المالكي من النظام السوري الذي كان في بداية عهده على خلاف عميق معه يندرج في إطار مثلث بين العراق وإيران و «حزب الله» يدعم نظاماً يستخدم جيشه لقتل أبناء شعبه. وروسيا تحمي هذا النظام حتى إشعار آخر لأنها تريد استعادة نفوذها الماضي في فترة الاتحاد السوفياتي.

صحيح أن التدخل الأميركي في العراق أسفر عن كارثة للمنطقة ولكن في نفس الوقت لولا هذا التدخل لما انتهى حكم صدام حسين. ولكن إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أساءت في شكل كبير في دخولها إلى العراق عندما فكك بول بريمير الجيش العراقي الذي كان بإمكان الإدارة الأميركية أن تعتمد عليه. ثم أكملت إدارة الرئيس أوباما الحالية تسليم العراق إلى إيران. وموقف المالكي من النظام السوري يعكس ذلك بشكل واضح. فقوله إنه إلى جانب الشعب السوري مضحك مبكٍ أن يكون مسؤول عراقي حالي ناضل ضد البعث وقاوم حكم صدام حسين لعقود ويتمنى للشعب السوري الذي يدعي أنه يقف إلى جانبه أن يبقى تحت نفوذ حزب البعث الذي كان يكرهه. إن مؤتمر أصدقاء سورية في إسطنبول وقبله في تونس وبعده في باريس لن يؤدي إلى نتيجة على الأرض في سورية طالما أن الجيش السوري يقصف شعبه بمباركة روسيا لأسبابها الخاصة. وتؤكد المعلومات الفرنسية أن روسيا تملك منظومة مراقبة واستماع لكل الشرق الأوسط في سورية وقاعدتها العسكرية في طرطوس أساسية. فهل يرى المالكي أن هذا التواجد الروسي ليس تدخلاً خارجياً في سورية؟ وكذلك دعم إيران و «حزب الله» للنظام السوري فهو ربما في رأي المالكي ليس تدخلاً خارجياً في شؤون سورية.

غريبة انتقائية المسؤول العراقي الذي لم يصبح مسؤولاً منتخباً في بلده إلا بعد تدخل الولايات المتحدة سواء كان تدخلاً كارثياً أم لا. أما السياسة الأميركية للرئيس أوباما الذي لا يريد أي تدخل عسكري أينما كان فهي أيضاً غير مفهومة وفيها تناقض. ويقول ذلك بوضوح السناتور الأميركي الجمهوري المعارض جون ماكين الذي ينتقد ضعف الموقف الأميركي إزاء الوضع في سورية، فمن ناحية يقول أوباما إن على الرئيس السوري أن يرحل ومن ناحية أخرى فسياسة الإدارة الأميركية غير فاعلة لا على صعيد الضغط على روسيا ولا حتى على الحليف العراقي. إن الرئيس أوباما أعطى شعوب الشرق الأوسط آمالاً كبرى بالنسبة لملفات الشرق الأوسط وخصوصاً المسار السلمي الفلسطيني الإسرائيلي ولم يفعل شيئاً، حتى أن الوضع السوري يناسب إسرائيل حيث تحول التركيز من المسار الفلسطيني إلى الملف السوري. فالإدارات الأميركية المتتالية مخيبة للأمل حتى أن النفوذ الروسي استطاع أن يفرض نفسه على موقف أميركي ضعيف ومتراجع. إن الرئيس الروسي ميدفيديف وعدنا بأن خطة أنان هي الفرصة الأخيرة من دون تحديد فترة أقصى لهذه الفرصة الأخيرة. والأسرة الدولية والدول العربية ضائعة أمام الوضع الكارثي في سورية. فهل سيوافق النظام السوري على دخول 240 مراقباً أممياً ليتأكدوا من وقف إطلاق النار في سورية؟ كل ذلك سيأخذ وقتاً لأن النظام السوري يعمل لكسب الوقت ويستمر في قصف شعبه. واعتراف 80 دولة في إسطنبول بشرعية المجلس الوطني السوري أمر إيجابي في وجه نظام سوري غير شرعي لا يبقى للاعتراف به إلا مثلث إيران - «حزب الله» - العراق، إضافة إلى الروس حتى إشعار آخر لأن الروس ليسوا معروفين بوفائهم للحلفاء وقد يتخلون عن النظام السوري إذا رأوا أن مصلحتهم مع الشعب السوري والأسرة الدولية. فالأفق ليس مسدوداً كلياً بالنسبة للتغيير في سورية خصوصاً أن الشعب على الأرض شجاع ولن يتراجع عن كسب حريته. والعقوبات على سورية مؤثرة وموجعة ولكن في نفس الوقت بحسب ما يقوله بعض المسؤولين السوريين السابقين إن الموسم الزراعي في سورية كان جيداً والاكتفاء الذاتي بالمواد الغذائية يساعد النظام على التخفيف من تأثير العقوبات. ولكن هل يمكن للنظام أن يستمر على هذه الوتيرة من القمع والقتل مثلما يحدث في حمص وفي ادلب مع انتشار العنف أينما كان؟

إن ما تشهده سورية حالياً يعيدنا إلى ذاكرة أليمة في لبنان في الحرب الأهلية حيث كان لنظام البعث السوري دور أساسي فيها. والأمل ألا يسمح الشعب السوري للنظام أن يقسمه ويلعب على الطوائف المختلفة مثلما فعل في لبنان. فعلى الشعب السوري أن يعيد إلى الذاكرة الأخطاء التي ارتكبت من اللبنانيين الذين وقعوا في فخ مناورات نظام البعث لتقسيم الطوائف ودفعها إلى الاقتتال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التوازن الإقليمي ما بعد الأسد .. عادل الطريفي

الشرق الاوسط

4-4-2012

خلال الأسبوعين الماضيين حدث تحول مهم في مسار الأزمة السورية؛ فمن جهة توحدت المجالس العسكرية التطوعية تحت منظومة «الجيش الحر»، ثم قادت كل من السعودية وتركيا مع دول الخليج مبادرة «أصدقاء سوريا» التي خرجت باعتراف شرعي بالمجلس الوطني السوري، وتعهدت فيه بعض الدول بإنشاء صندوق لدفع رواتب الجيش الحر، وتمويل عمليات الإغاثة للاجئين. هناك أيضاً، تطور لا يقل أهمية، وهو إعلان إخوان سوريا الذي تعهد بدولة ديمقراطية مدنية تتساوى فيها كل الطوائف والقوميات. ففي خطوة غير مسبوقة بالنسبة للتيارات الإسلامية في المنطقة، أعلن «الإخوان» بأنهم لن يعارضوا أن يصل إلى الرئاسة امرأة أو غير مسلم مما يمثل موقفاً متقدماً على أقرانهم من الإسلاميين، لا سيما الجماعة الأم في مصر، التي لا تزال غير قادرة على الخروج من عباءتها الآيديولوجية والحزبية الضيقة. أمام هذه التحولات ثمة سؤال مهم: هل يقود التغيير في سورية إلى توازن إقليمي جديد؟ أي بعيداً عن محور «الممانعة والمقاومة» الذي كانت ترعاه إيران وسورية، وتستظل تحته حركات راديكالية مسلحة كحزب الله وحماس وغيرهما من الجماعات الموالية للتيار الإمامي؟ وهل يدفع وصول بعض التيارات الإسلامية إلى السلطة تلك الجماعات إلى الاعتدال في رؤيتها للسلام الإقليمي؟ في مقالته الشهيرة «الأمن في الخليج» -التي نشرت عقب الثورة الإيرانية في فصلية«فورن أفيرز» - أشار البروفيسور روحي رمضاني (1979) إلى أن توازن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط تشكل مع نهاية الحرب العالمية الثانية من ثلاث دول رئيسة وقتئذ: مصر، وإيران، والسعودية. في وقت لاحق من بدايات السبعينات انضم كل من العراق وسوريا إلى منظومة القوى الإقليمية. لكن المثير للانتباه أن كل الدول السابقة- باستثناء السعودية- سعت في وقت من الأوقات إلى إعطاء الأولوية للتوسع العسكري على حساب التنمية الداخلية، وانخرطت في تضخيم ترسانتها- بل وسمعتها- بمشروعات حقيقية وأخرى متخيلة، حتى تفرض نفسها كرقم صعب في معادلات المنطقة، ولكن النتيجة كانت دائما تنتهى إلى الفشل. حاول الرئيس جمال عبد الناصر، الاستعراض بقوة مصر السياسية والمغامرة في مشروعات ثورية لدعم ضباط عقائديين، ولكن تلك التجربة قادت إلى خسارة مصر لكل حرب دخلتها، ثم جاء بعده شاه إيران الذي سعى لبناء مؤسسة عسكرية ضخمة ليفرض نفسه ك «شرطي المنطقة»، ولكن لم تنفعه تلك القوة في وجه المد الأصولي الديني الذي حرك الثورة ضده، ثم دخل كل من العراق وإيران في صراع عبثي دمر مقدرات كلا البلدين، وحين وضعت الحرب أوزارها، اتجه صدام حسين إلى ابتزاز جيرانه، وغزو دولة جارة لكي تتحطم قواته الهاربة في وجه تحالف دولي متفوق، ويعيش حالة حصار انتهت بتقويض نظامه، ودخول العراق في نفق الانقسام الطائفي. أما سوريا التي أمضى جيشها ثلاثين عاماً في لبنان، فقد خرج مكسوراً، ثم انتهى الحال به إلى التفكك في حرب داخلية ما بين نظام الأسد والثوار ضد حكمه المستبد. حتى الجيش المصري الذي استطاع ترميم جزء من صورته في حرب أكتوبر 1973، تورط منذ أكثر من عام في إدارة العملية الانتقالية بمصر ما بعد الثورة، ففقد تركيزه وتراجعت جاهزيته أمام استحقاقات الحكم، في بلد ما زال يعيش حالة من اللااستقرار. حالة أخرى من الحصار الاقتصادي، والشعارات الخادعة، يمثلها خطاب النظام الإيراني المتشدد، والذي يبدو للخارج في صورة المتحدي القوي العازم على تطوير صواريخه البالستية، والاستعراض العسكري المضخم في مياه الخليج، ولكن خلف غلالة القوة المتوهمة، هناك نظام فاقد لشرعيته عند قطاع واسع من الناخبين الإيرانيين، وحرس ثوري أقرب إلى عقلية الميليشيا التخريبية، منه إلى مؤسسة عسكرية محترفة، تمتلك التكنولوجيا والخبرة القادرة على مواجهة العالم الخارجي. صحيح أن النظام يعتمد على تكتيكات حرب العصابات والإرهاب، ولكن ذلك لا يكفي لتأمين أمن الدولة ضد أي تحد خارجي. في بحر الاضطرابات هذه، تبرز القوة العسكرية السعودية قوة باقية وحيدة تمتلك الجاهزية والكفاءة، وأهم من ذلك كله، قيادة سياسية معتدلة وحكيمة في التعاطي مع الواقع الإقليمي. الحديث عن التفوق العسكري السعودي- لا سيما الدفاع الجوي- لا يقلل من أهمية وحجم الجيوش الأخرى في المنطقة، ولكنه يوضح أن فرص السعودية في تعزيز موقعها الإقليمي واستقرارها الداخلي أفضل من الآخرين. في مقالة علمية مهمة نشرها الباحثان جوشوا شفرنسون وميراندا بريب من معهد ماساتشوسيتس (MIT) بعنوان: »تهديد الخام: حدود القدرات الصاروخية الإيرانية ضد منشآت النفط السعودية « خلصا فيه إلى أن إيران - وغيرها من القوى الإقليمية- تفتقر إلى الكفاءة العسكرية اللازمة لتنفيذ تهديداتها. كما يشير الباحثان أن لدى السعودية قوة كافية وجاهزية لردع أي اعتداءات، وأن مشروعات تسليحها خلال الأعوام العشرة القادمة، ستتجاوز كمياً ونوعياً، ما لدى منافسيها الإقليميين. أحداث العامين الماضيين برهنت على أن السعودية تواجه تحديات غير مسبوقة لأمنها الإقليمي، مما يستدعي وضع استراتيجية جديدة للدفاع تتواكب مع المتغيرات. السعودية تجد نفسها اليوم مضطرة لمواجهة تلك التهديدات وحدها لتأمين مصالحها، والدفاع عن شركائها الخليجيين. اعتداءات الحوثيين على الحدود اليمنية في 2009، استدعت تحركاً سعودياً منفرداً لمواجهة الأزمة، وحين أرادت بعض القوى الطائفية - المحسوبة على إيران- استهداف أمن واستقرار مملكة البحرين، كان الدور السعودي السريع والمباشر عبر قوات «درع الجزيرة»، مهماً لاستعادة مبادرة الوحدة الوطنية البحرينية في وجه العناصر المتطرفة. في كلتا الحالتين أخذت السعودية قرارها من دون الرجوع إلى أحد، وأثبتت أن لديها القدرة على حماية مصالحها بنفسها. وخلال الانتفاضات الشعبية التي ضربت عدداً من الدول العربية في 2011، كانت السعودية واضحة في موقفها من تسييس الشارع في المنطقة، وأظهرت تماسكاً وحزماً في الوقت الذي ارتبكت فيه حتى دول عظمى أمام المتغيرات الجديدة. وقد حاول البعض تصوير السعودية بوصفها معارضة لما اصطلح على تسميته ب»الربيع العربي«، ولكن تبين بعد ذلك، أن السعودية كانت محقة بشأن مخاوفها من الفوضى والغرق في المجهول الذي يواجه تلك الدول، وفي الوقت ذاته كانت حازمة في رفض العنف من قبل السلطة أو الثوار. لقد أثبت الموقف السعودي من »آلة القتل« السورية صحة تصورها للأزمة، ولولا ذلك لتراجع الدعم والتأييد لقضية الشعب السوري.

لهذا فإن المعركة ضد نظام الأسد باتت ضرورية لضمان مصالح دول الخليج، بل ولتخليص السوريين من نظام أسرف في استخدام القوة المفرطة. الرسالة السعودية واضحة، ففي حين راهن الآخرون على التغيير الفوضوي ومحاباة الشارع الثائر والمنفلت في أميركا وأوروبا، كان الموقف السعودي أكثر حكمة واتزاناً في التعاطي مع الأزمة، ولهذا فإنه ليس غريباً أن يجد المسؤولون الغربيون أنفسهم مضطرين للذهاب إلى الرياض لأن بوسعهم أن يجدوا شريكاً، ولكن في تلك الدول التي تلفها الفوضى سيتكلمون مع من؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الثورة .. وأصدقاء سورية ..عقاب يحيى

فرض صمود الثورة السورية على الجميع التعاطي معها كأمر واقع لا يمكن التهرب منه، وإن كان الهروب من الالتزامات العربية والدولية مر بأطوار وتعاريج مختلفة، وعبر مهل، إثر مهل كان النظام يوظفها لمزيد من القتل وعمليات الإبادة، ومما يزال طور الانتظار هو السمة الغالبة في مواقف أصحاب القرار الذين لم يطوروا مواقفهم إلى المتوقع والمطلوب .

البعض يضع اللوم على( سنة الانتخابات) في كل من الولايات المتحدة وفرنسا، وحسابات المصالح الشخصية للمرشحين، والبعض يذهب أبعد من ذلك إلى وجود أجندات ومشاريع تطبخ على نيران هادئة.. حتى إذا ما نضجت شروطها جميعا يقررون وقتها بطريقتهم، وأسلوبهم، ومستوى الأهداف التي يريدون تحقيقها .

لا شكّ أن حسابات الانتخابات مهمة لأوباما المثقلة إدارته بالمشاكل الاقتصادية والداخلية، ومن خلفها نتائج المغامرات العسكرية(الاستباقية) لسلفه بوش في أفغانستان والعراق، وبالتالي تحفظ دوائر القرار في الإدارة الحالية، ومن خلفها رأي عام عن القيام ب(مغامرت) جديدة.. مهمما كان نوعها، ولذلك تعيش هذه الإدارة على لائحة الانتظار للانتخابات دون القيامم بأي خطوات يمكن أن تؤثر على مجرياتها لصالح المرشح أوباما. دون أن نغفل أن اتجاهات كثيرة في الإدارة متأثرة بالضغط الصهيوني الذي يسير باتجاهين متكاملين : اتجاه المزيد من تدمير البنى التحتية السورية . المزيد من الخراب والقتل . المزيد من التوترات الطائفية المهددة بأشكال مختلفة من الحرب الأهلية . المزيد من المثقلات التي ستواجه النظام الديمقراطي القادم إثر ما سيواجهه من تركات متلتلة في عموم الميادين، وبالوقت نفسه محاولة الحفاظ على نظام الطغمة أكثر هلهلة وضعفاً، وقابليثة للانصياع للشروط الصهيونية .

في هذا المجال لا يمكن إغفال وجود مخططات شريرة تستهدف بلدنا لتدميره، وشعبنا لإيصاله إلى مستوى الاستغاثة بطلب النجدة من الخارج، كسبيل وحيد للخلاص من الموت وعمليات الإبادة، حين يصبح كالغريق الذي يتعلق بأية قشة يجدها، وحينها لن يكون بقدرة التمسّك بأية شروط، أو بموقع الحفاظ على سيادته وقراره الوطني واستقلاليته.. وهي حالة مختلطة يشارك بالدفع فيها وإليها نظام الطغمة القاتل ويتلقفها عديد من المستفيدين، وأصحاب الأجندات الخاصة .

الأوربيون، وإن أبدى بعضهم حماساً أكبر من الأمريكان، أو من بعضهم، كما هو حال الموقف الفرنسي ممثلاً بوزير الخارجية بشكل خاص، فإنهم لا يمكن لهم أن يذهبوا وحيدين باتجاه قرارات حاسمة دون دعم أمريكي.. لذلك تتباين المواقف في مروحة من التقدمات والتراجعات.. بينما يحكم الموقف التركي عديد الاعتبارات الداخلية والإقليمية والدولية . الموقف التركي يتصف حتى الآن بعدم الاندفاع، وبوجود تصريحات قوية لا تجسدها مواقف على الأرض . هناك من يتحدث عن المركبات الداخلية التركية ودورها( الأكراد وإمكانية تحريكهم العلويون الأتراك وقابلية اللعب بهم..)، وحسابات منسوب الاندفاع الدولي وحقيقة قراراته بحيث لا تكون تركيا وحيدة .

بنما يذهب الموقف القطري إلى مدى أبعد في إعلان وقوفه الصريح إلى جانب الشعب السوري والاستعداد لتقديم كل أشكال العون، بما في ذلك السلاح، في وقت يريد البعض أن يقول : أن الرهان القطري ينحصر بالدرجة الأساس على الإخوان المسلمين خصوصاً، والإسلاميين عموماً، الذين ترى فيهم الحليف الأفضل، والقوة الأضمن لقادم سورية، بينما تصبح المواقف السعودية الأجرأ محط ترحيب وتساؤل..خاصة حول خلفيات التشديد على تسليح المعارضة . البعض يريد أن يصطاد في الموقف السعودي باتجاهين : اتجاه تصفية الحساب مع الخطر الإيراني على الساحة السورية، حيث أن قطع هذه الحلقة في السلسة الإيرانية ستعني ضربة قاصمة تمتد من العراق إلى لبنان وعموم المنطقة، بما فيها التركيبة السكانية في بلدان الخليج ومحاولات اللعب بالنسيج المذهبي فيها، وبالتالي : إجهاض المشروع الإيراني عبر سورية، واتجاه آخر يعتبر أن سرّ الموقف السعودي يكمن في الخوف من امتداد شرارة التعبئات المذهبية إليه، حيث تتواجد في السعودية نسب عالية من الشيعة تصل الثلاثين في المائة(وإن كانت الدراسات تتحدث عن توازعهم في عدد من الفرق التي لا يتبع بعضها للإثني عشرية، ولا يخضع لتأثيرات التعبئة الإيرانية )، ويتحدث هؤلاء عن دعم السعودية للاتجاهات الليبرالية السورية، وحتى اليسارية والقومية تحاشياً لتقوية الإسلاميين وما يحمله ذلك من مخاطر قادمة عليهم، وعلى عموم بلدان الخليج .

الحصيلة، وبغض النظر عن الدوافع والاحتمالات، ان تقدماً ملحوظاً، بل وكبيراً حدث في المواقف العربية والدولية باتجاه مناصرة ودعم الشعب السوري ... صحيح أن معظمها لم يصل الحد المطلوب في تلبية مطالب الثورة : حماية المدنيين الممرات الآمنية المناطق العازلة وصولاً للحظر الجوي واعتماد الجيش السوري الحر وتسليحه، لكن الأمور تتطور باتجاه الحشد الأكبر والضغط على نظام الطغمة لتلبية الشروط المحددة في مبادرة عنان، وإلا الذهاب للفصل السابع، ومستوى الحشد الذي حضر، والقرارات التي اتخذت بشأن قابلية إيجاد المناطق العازلة، والاعتراف بالمجلس الوطني، وما يقال عن دعم مالي مهم، وعن اتفاقات شهدتها الجلسات الخاصة الثنائية وغيرها .

في كل ذلك يجب الاعتراف بأن بطولات الشعب السوري، وصمود الثورة المعمّدة بشلالات الدماء، وحجم جرائم الإبادة والقتل والاغتصاب والاستهتار بالحياة البشرية التي يمارسها نظامم الطغمة الفئوي.. هو الذي يقف خلف تلك التطورات، وهو الذي يصنعها، ويدفع بها نحو مواقف أكثر وضوحاً .

بقي أن نقول أن كرات عديدة في الملعب السوري.. وبشكل خاص في ملعب المعارضة على العموةم، والمجلس الوطني والحراك الثوري على وجه الخصوص .

إن ومحدة عمل المعارضة في إطار جمعي واحد، ولو عبر صيغ من التحالف والتنسيق، والابتعاد عن لغة الأنا والفردية والاتهام والتمزيق والتشتت والبعثرة، أو محاولات التطهر والتمايز، ومبادرات المجلس الوطني المدروسة لتحويل مواقف الدعم إلى واقع، وممارسته حقه المشروع في الضغط على أصحاب القرار كي يرتقوا بمواقفهم نحو تلبية مطالب الشعب السوري، ووحدة أطر، أو عمل، أو صيغ التنسيق بين قوى الحراك الثوري، وضبط عمليات التسلح الفوضوي وربط كل تسليح، وكل عمل بالجيش السوري الحر، وما يتطلبه ذلك من استحقاقات راهنة لدعم الجيش السوري الحر بكل الوسائل المتاحة، وتنظيم مهماته وعلاقته بالمجلس الوطني وبالحراك الثوري، ووضه برناكج عمل له يحدد الوسائل التي ستعتمدها الثورة لإسقاط نظام الطغمة الفئوي.. كلها كهمات ترتقي إلى مصاف عاجلة، وتتطلب من المعنيين جميعاً الارتقاء إليها بعيداً عن الحسابات الذاتية، والعنعنات والتبريرات، أو الرضا عن الأوضاع القائمة في المجلس الوطني، أو في واقع المعارضة وخندقاتها .

الثورة السورية العظيمة تطالب جميع المؤمنين بها فعلاً لا تبجحاً وركوباً لوضعها نصب أعينهم في حركتهم ومواقفهم وتضحياتهم، وواجب تنازلهمم عن كل ما يعيق ويؤخر توحدهم، والقيام بالواجب المناط بهم .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تأملات في وثيقة إخوان سوريا .. محمد علوش

تعد الوثيقة الأخيرة التي أطلقتها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في 25 مارس/آذار في تركيا من أبرز ما تقدمت به تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي منذ تأسيسها على الصعيدين الفقهي والسياسي. وقد جاءت متفوقة في نضجها السياسي على طروحات حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي، خلافا لما كان يشاع عن تقدم الفكر الإخواني في المغرب العربي على نظيره في المشرق.

ويتملكني الشك حيال قدرة الأحزاب الليبرالية وغيرها على مجاراة هذه الوثيقة في كل بند من بنودها، إذ تتقدم في مضمونها، إذا ما طبقت يوما، على أرقى ما تطرحه الأحزاب السياسية في العالم العربي حتى إن البيان الختامي للمعارضة السورية فيما عرف بوثيقة "العهد الوطني لسوريا المستقبل" لم يأت بأفضل مما قدمته جماعة الإخوان.

ولعل ابتعادهم القسري -أي إخوان سوريا- عن المجالين الاجتماعي والسياسي في الداخل السوري، وتفرقهم بين دول العالم واحتكاكهم بمجتمعات وأفكار مختلفة ومتنوعة، منحهم وقتا كافيا للمراجعة والنقد الذاتي، ما ساعدهم على تطوير طروحاتهم الأيديولوجية بما يجمع بين الحداثة والهوية الإسلامية.

وإذا كانت العبرة تكمن في الالتزام والتطبيق فيما بعد فإن المنصف لا يسعه إلا النظر بعين التقدير للوثيقة لما تحمله من أهمية على صعيد التطور لأحزاب الإسلام السياسي.

إخوان سوريا ودورهم

تأتي أهمية الوثيقة لصدورها عن جماعة إخوان سوريا، حيث إن الجماعة، وإن كانت توافق على أنها مكون واحد فقط من مكونات المجلس الوطني السوري، ولا وجود تنظيميا لها على الأرض في سوريا، فإنها تمثل لاعبا أساسيا ومحوريا في الحدث السوري، أو قدر لها أن تكون كذلك، سواء من قبل النظام السوري الذي بادر منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة إلى اتهام الإخوان بتشكيل عصابات مسلحة مع تنظيمات أصولية سلفية برعاية خليجية تعيث فسادا في حاضرة الأمويين، أو من قبل دول الغرب التي تنظر بعين القلق بعد اجتياح تسونامي الإخوان البلدان التي شهدت ثورات شعبية في المنطقة، حيث بات من الأهمية بمكان معرفة ما الذي تخبئه جماعة إخوان سوريا في جيبها لسوريا ما بعد الأسد، وتزايد القلق مع تعثر بناء الثقة بإخوان مصر المتهمين بمحاولة الهيمنة على كل مفاصل الدولة المصرية.

يضاف لذلك أن إخوان سوريا ربما هم الفصيل الوحيد المؤطر حزبيا بين كل أطياف المعارضة السورية، اللهم إذا استثنينا الأحزاب الكردية التي في الأصل ينصب هدفها الأساسي على حماية الهوية الكردية والدفاع عن حامليها داخل الدولة والمجتمع.

وبسبب تنظيمها وحضورها التاريخي في نسيج المجتمع السوري المتألم لأحداث حماة عام 1982، هي قادرة على جمع غالبية الشخصيات الإسلامية المستقلة في برنامجها، لأن ما تحمله من فكر معتدل ينسجم تماما مع تدين الشعب السوري الغالب عليه الاعتدال والرغبة في التعايش مع الآخر.

ومن هنا يمكن القول إنه بعد طرح وثيقتها التي يلتقي عليها الجميع، من المرجح أن تستقطب الجماعة غالبية الشرائح الشبابية المعارضة على الأرض، وتحد من انتشار التطرف والتشدد الإسلامي في بلد تحولت أرضه إلى تربة خصبة لانتشار الفكر القاعدي بفعل آلة القتل الممنهج والطائفي أحيانا.

ماهية الوثيقة وأهميتها الفكرية

اعتبرت الجماعة الوثيقة أساسا لعقد اجتماعي جديد يكون الشعب فيه "سيد نفسه وصاحب قراره من دون وصاية من حاكم مستبد" في "دولة مدنية حديثة، تقوم على دستور مدني... يحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع... دولة ديمقراطية تعددية تداولية، ذات نظام حكم جمهوري نيابي، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه، عبر صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة نزيهة شفافة". دولة يكفل فيها "حرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والعبادة، وحرية الإعلام، والمشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية".

وتتحدث الوثيقة عن دولة "تحترم المؤسسات وتقوم على فصل السلطات... دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعا، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، يحق لأي مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استنادا إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة. كما يتساوى فيها الرجال والنساء، في الكرامة الإنسانية، والأهلية، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة".

وفي هذه الفقرة خاصة نكاد نجزم بأن جماعة إخوان سوريا تقدمت في أدبياتها بأشواط على نظيراتها حين ساندت وصول غير مسلم إلى الرئاسة في بلد 90% من سكانه مسلمون، متقدمة في ذلك حتى على الدستور الجديد الذي أجري الاستفتاء عليه قبل أيام، ونص على وجوب أن يكون الرئيس مسلما.

والحقيقة أن هذا الرأي ليس جديدا على إخوان سوريا، إذ إن مؤسس الجماعة الدكتور مصطفى السباعي كان قد اقترح على الدستور الذي كتب عام 1959 مادة "مفادها أنه لا يجوز أن يحال بين أي مواطن والوصول إلى أعلى المناصب بسبب دينه أو عرقه أو جنسه"، وفقا لما يورد عنه القيادي في الحركة صدر الدين البيانوني.

وما تقدمه جماعة إخوان سوريا في خاصيتي الجنس والدين لرئيس الدولة في بلد مسلم يعد فهما جديدا للنص الديني ومناطه وظروف تطبيقه، خلافا لكل الاجتهادات الفقهية التي تقول بوجوب أن يكون الإمام (الرئيس) ذكرا عاقلا مسلما عالما عدلا، التي هي واردة في كتاب الإمام الماوردي حول الإمام والإمامة.

واللافت أكثر في الوثيقة أنها لم تتحدث عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى وجوب أن يكون دين الدولة الإسلام، أو أن يكون الإسلام المصدر الأساسي للتشريع، وهي بهذا الطرح تكون أقرب ما تكون إلى طروحات حزب العدالة والتنمية التركي رغم الخلافات والظروف بين الوضع التركي المحكوم بسياقات تاريخية وعلمانية متعصبة والوضع السوري.

ويزداد الأمر غرابة حين نعلم أن مجلس شورى الإخوان قد اطلع عليها وبارك ما جاء فيها، وهذا ما أشار إليه لصحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر في 27 مارس/آذار مسؤول التنظيم العالمي للإخوان في الغرب إبراهيم منير من أن الوثيقة لم تكن مفاجئة، "وقد جاءت في رؤية إخوان سوريا التي صدرت عام 2004، ووافق عليها مجلس شورى الإخوان".

وإذا ما أخذنا في الاعتبار حسم حركة النهضة موضوع مدنية الدولة التونسية، وأن الإسلام لن يكون المصدر الأساسي للتشريع في الدستور الجديد وفقا لما صرح به القيادي في الحركة عامر العريض فإننا نتساءل إذا ما كنا أمام نقض إخواني جذري لكل أدبياتهم السابقة، بدأ في سوريا ومر بكل من تونس والمغرب، ولا ندري متى ينزل بأرض الكنانة!

الوثيقة على المستوى السياسي

من نافلة القول إن الوثيقة سددت ضربة للنظام السوري الذي سوق، عبر عقود من حكمه، أن حركة الإخوان في سوريا هي جماعة أصولية تنتهج العنف، وأنه في حال وصولها إلى الحكم فإنها ستحول سوريا إلى دولة دينية متشددة لا مكان فيها لحرية المعتقد والفكر، وأن أقل ما سيصيب الأقليات الدينية والعرقية فيها هو التنكيل والتهجير.

ومنذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة أخذ النظام زمام المبادرة، وأعاد إنتاج خطابه القديم خطاب الثمانينيات، من أنه يواجه الإرهاب الإخواني، وأنه بفضل ما قام به في حماة عام 1982، فإنه حمى الأقليات الدينية والعرقية في سوريا وخارجها من الاندثار والتهجير، وقد وجد هذا الخطاب آذانا صاغية لدى بعض القيادات في هذه الأقليات التي ما فتئت تظهر مخاوف غير مبررة على هويتها في حال تغير الحكم في سوريا.

ومع صدور هذه الوثيقة تكون جماعة إخوان سوريا قدمت ردا واضحا ومباشرا على منطق النظام التخويفي من الإسلاميين، كما قدمت رسالة تطمين للداخل السوري بما فيها الأقليات الدينية والعرقية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي تطرقت الوثيقة باقتضاب إلى ورقتين أحسن النظام استعمالهما على خطين، خط التفاهم مع القوى الدولية على مصالحه وطموحاته، وخط كسب الشرعية الداخلية في الشارع السوري، وتمثل خط الشرعية الداخلية برفع شعار المقاومة والممانعة وحماية القضية الفلسطينية، في حين كان خط التفاوض الدولي من نصيب الورقة اللبنانية.

وبتأكيد الوثيقة على حق الدولة في "استرجاع أرضها المحتلة بكل الوسائل المشروعة، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق" وهو ما يحمل ضمنا حق استخدام "المقاومة المسلحة"، تكون بددت كل الأراجيف التي يسوقها بعض المنظرين من أن تفاهما أميركيا تركيا إخوانيا يفضي إلى إيصال الإخوان إلى السلطة مقابل الترويج لإسلام سياسي مطبع مع الاحتلال الإسرائيلي منزوع عنه دسم المقاومة العسكرية على شاكلة إسلام حزب العدالة والتنمية التركي، ذاك الإسلام النقيض للإسلام المقاوم الذي ترفعه ايران في المنطقة، إسلام تركي متماه مع التوجهات الغربية في المنطقة مثل قبول الحل السياسي للقضية الفلسطينية وتقبل إسرائيل كيانا بين أضلاع العالم العربي وتقبل القيم الغربية على ما فيها من علات.

في الشق اللبناني تسلط الوثيقة الضوء على الجرح النازف وقصة الحب القسري بين النظام السوري ولبنان، ولتصحيح مسار العلاقة التاريخية بين الجارين فإنها تعد بأن تقيم الدولة الحديثة "أفضل العلاقات الندية مع أشقائها، وفي مقدمهم الجارة لبنان". ومعلوم أثر إخوان سوريا تاريخيا على الوضع الحركي في لبنان، حيث تمأسس على يديهم العمل الإسلامي حين قدم إلى طرابلس وبيروت مؤسس الجماعة ومراقبها العام المرحوم الدكتور مصطفى السباعي. ولعل التحول القادم في سوريا سيكون من أبرز تداعياته الخارجية إعادة رسم الخريطة السياسية في لبنان، وهذا يثير قلق القوى والأقليات المؤيدة للنظام السوري في لبنان.

وفي المحصلة يؤخذ على الوثيقة أنها لم تشر إلى النهج أو المذهب الاقتصادي في الدولة الحديثة إذا ما أصبح الإخوان فيها أكثرية سياسية، ولعل الهواجس التي تنتاب الدول الغربية والأقليات على أنواعها في المنطقة والأحزاب السياسية على مذاهبها في سوريا وخارجها من الإسلام السياسي كانت السبب في ولادة الوثيقة على هذا النحو الذي تتحدث فيه الجماعة عن مفهوم الدولة وشكلها ودورها وطبيعة السلطات داخلها ومفهوم المواطنة وحق المواطن وواجباته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

دفاعا عن النفس وليس انتقاما .. سمر يزبك

الوطن السعودية

3-4-2012

لم يعد خافياً أن الحديث عن عسكرة الثورة السورية، أمر لا يدخل من باب السجال واختلاف الآراء

لم يعد خافياً أن الحديث عن عسكرة الثورة السورية، أمر لا يدخل من باب السجال واختلاف الآراء، بل من باب الحديث في أمر واقع أجُبر الناس عليه، فالناس الذين بدؤوا ثورتهم السلمية، ورفعوا اللافتات الوطنية المدنية لشهور طويلة، لم تصمد أمام القصف المدفعي العنيف على المدن، ولا أمام المجازر الوحشية التي لم يتوقف النظام يوماً عن ارتكابها في المدن المنتفضة، واضطروا لحمل السلاح، ليس للدفاع عن أنفسهم فقط، بل لتشكيل حماية عسكرية للمتظاهرين السلميين.

وإن كانت سلمية الثورة تسير جنباً إلى جنب مع العسكرة، فلا بد من الاعتراف أن مظاهر الثورة السلمية تتراجع كل يوم، أمام وحشية ما يقوم به النظام، والنشاطات المدنية السلمية الثورية، رغم قلتها ما يزال لها التأثير الكبير على الرؤية الأخلاقية، التي بدأت منها الثورة.

وإن كان حمل السلاح أمرا حاصلا لا بد منه، بعد انشقاق الجنود، وانقسام الجيش إلى جيشين: الحر والنظامي، فلا بد من الاعتراف أيضاً أن هناك مشكلة أكبر يعاني منها الجيش المنشق، وتحتاج إلى تأمل وحل سريع، لا تتمثل فقط في التحولات النوعية في مسار الثورة، بل تتلخص في إعادة مآلات هذه الثورة، إلى خطها الصحيح، حتى بوجود السلاح، بعيداً عن الانقسام والاقتتال الأهلي والطائفي، الذي يسعى إليه النظام بشكل ممنهج.

أهم هذه الخطوات الإقرار بحقيقة الفوضى الناجمة عن الانشقاق المتزايد في الجيش، وانضمام الكثير من المدنيين غير المدربين إلى صفوف الجيش الحر، ومنهم جماعات في غالبيتها تم قتل عائلاتها وتهجيرها وقصف بيوتها. هذا الانضمام لا يشكل تكتيكاً منضبطاً واستراتيجياً في حلقات الجيش المنشق، بل هناك جماعات مسلحة تعمل بشكل منفرد بعيداً عن مركزية الجيش الحر، وقرارات قياداته، وتقوم بأعمال عسكرية غير خاضعة لرقيب وحسيب.

تشكل هذه المجموعات سؤالاً مخيفا للكثيرين من أنصار الثورة السورية، بعيداً عن حالات رفض العسكرة، وحمل السلاح التي ينادي بها البعض ، لكن وجود هذه الجماعات يجعل من إمكانية الفوضى التي تترافق مع السلاح بمزيد من القتل، وحالات الانتقام، فالعنف ينتج ثقافته المضادة العنيفة التي يجب ضبطها ورفضها وتحليل آلياتها، للتخفيف منها ما أمكن.

وبغض النظر عن الأهداف التي تسعى إليها هذه الجماعات المسلحة من دفاع عن المدنيين، أو محاولة استرداد المخطوفين من قبل عصابات الأمن والشبيحة،، فهناك ما يخيف في تركها بعيدة عن مركزية وسلطة الجيش الحر، خاصة بعد حالات التجييش الطائفي التي يقوم بها النظام، كما يحصل في "حمص" حيث أدت الهجمات الوحشية والمجازر، التي يرتكبها النظام في الأحياء ذات البعد الطائفي الواحد، إلى احتقان وكراهية بين الأهالي، وبرزت بعض ردات الفعل الانتقامية المسلحة، قد يكون من الخطورة عدم الإشارة إليها، أو الإقرار بوجودها ومعالجتها بشكل سريع، وهذا يتطلب الانتباه إلى بنية الجيش الحر نفسه، وتنظيم صفوفه وترتيبها، على أساس أنها النواة المستقبلية للجيش الوطني السوري، بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو الانتقامية، وربط خطة الجيش الحر، بأعمال المعارضة السياسية والمتمثلة في الغالب بالمجلس الوطني، وهو ما حصل مؤخراً في "مؤتمر أصدقاء سورية" الأخير في إسطنبول، حيث تمت الإشارة بشكل واضح إلى ارتباط المجلس بالجيش الحرّ، والدعم الذي يقدمه له، وهي خطوة إن كانت حقيقية وفعلية، وذات منهجية واضحة الخطوات والتنفيذ، ستكون لها نتائجها الإيجابية، بغض النظر عن الاتفاق مع سياسة واستراتيجية المجلس الوطني أو الاختلاف معها، لكن الغطاء السياسي للجيش أمر لا بد منه، ليجتمع العقل والقوة معاً، هذا في حال اعترفنا فعلاً، بأن الجيش الحر يشكل قوة، وليس حتى الآن مجرد جماعات رفضت أوامر القتل وتحمل سلاحاً بسيطاً، وتقوم بالدفاع عن النفس وعن المتظاهرين، وأحياناً تقوم بغارات هجومية على بعض المواقع العسكرية النظامية.

ومن المبكر الحكم على نتيجة هذا التحالف بين العسكر المنشق والمجلس الوطني، لأنه ما يزال تحالفا لفظياً، ولم نشهد أي واقع له، سوى التصريحات المؤيدة، لكن أي خطوة من شأنها ضبط الحركة العسكرية للجنود المنشقين وفق رؤية سياسية، ودفعها باتجاه الدفاع عن النفس والسلمية، هو أمر محمود ولصالح الشعب السوري.

ربما يبدو هذا الكلام ضرباً من الخيال والرومانسية، بعد سنة من القتل والتشريد والتهجير، أن نطلب الانضباط من الناس، الذين يريدون أن يحتموا بما يجعلهم وأطفالهم على قيد الحياة، ولكن أن تبدأ الثورة بالتغاضي عن مشاكلها، أمر سوف ينهيها، ويؤدي بها إلى مآلات لا تحمد عقباها، ليس على صعيد السلم الأهلي فقط، بل وعلى صعيد مستقبل هذه الثورة، التي بدأت من أجل كرامة وحرية الشعب، ويجب أن تنتهي بإسقاط النظام، وبداية الطريق نحو هذه الحرية والكرامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنان: مهلة جدية للقتل .. علي حماده

2012-04-03

النهار

بالامس ابلغ الموفد الدولي - العربي لحل الازمة السورية كوفي انان اعضاء مجلس الامن بمهلة زمنية تنتهي في العاشر من نيسان الحالي كي تنسحب قوات النظام من المدن وتوقف تقدمها في المناطق المأهولة، على ان تتبعها مهلة ٤٨ ساعة لوقف كامل لاطلاق النار. وحسبما نقل عن ديبلوماسيين في نيويورك، فإن انان تلقى رسالة من وزير خارجية النظام وليد المعلم تضمنت عبارة "اعادة الانتشار" لوصف حركة القوات، على ان تبدأ فورا. وفي المقابل جاء في معلومات متصلة ان النظام طالب انان بالاستحصال على موافقة من المعارضة السورية بوقف النار فورا. بمعنى آخر، جرى ربط الالتزام الجديد بمعارضة ما حملت السلاح إلا دفاعا عن النفس، وهي لا تقارن عددا وعدة بجيش النظام. ولا بد هنا من الاشارة الى موقف روسيا الجديد في ما يتعلق بخطة كوفي انان، وقد جرى فيه رفض وضع اي مهل زمنية او انذارات لتطبيق خطة انان.

في استنتاج اول نتوقف مليا عند موقف الروسي الرافض للمهل الزمنية لتطبيق الخطة، لانه يشير ضمنا الى ان النظام مدعوم من روسيا والصين وهو غير جاد في تطبيق خطة انان ولا سيما لجهة وقف النار، ومن هنا مسارعة الروس الى تأمين شبكة امان للنظام باجهاض المساعي لوضع مهل زمنية من مجلس الامن. فموسكو تعرف جيدا ان النظام غير قادر على وقف النار، ولا هو قادر على الانسحاب جديا من المدن والقرى والمناطق ذات الثقل الثوري، علما ان سوريا كلها، باستثناء مناطق الساحل العلوية الطابع، هي في حالة ثورة ضاعف القتل المتمادي والوحشية بكل صنوفها تصميم الشعب على مواصلتها. و بالعودة الى المهلة التي جرى الاتفاق بشأنها بين انان ونظام سوريا، يستوقفنا طول المدة التي يطلبها النظام لوقف القتل. بمعنى آخر، انه يطلب رخصة جديدة لمواصلة قتل السوريين في ظل "شرعية" يمنحها له قبول المجتمع الدولي بالمهلة. ومن جهة أخرى، يكون حاول افراغ نتائج "مؤتمر اصدقاء الشعب السوري بطبعته الثانية في اسطنبول من زخمه، ولا سيما انه شكل منطلقا رسميا لولادة معارضة سورية معترف بها رسميا، وكذلك لانطلاق عملية دعم الجيش السوري الحر علنا وبمباركة ضمنية حتى من الدول التي عارضت كالولايات المتحدة او الاحلاف كبرى كحلف شمال الاطلسي الذي اعاد امينه العام تأكيد معارضة تسليح الثورة السورية، فيما بدأت روسيا الكشف عن انيابها بإرسال مدمرة حاملة صواريخ، في ما يبدو انه رد على اعلان دول مجلس التعاون الخليجي تمويل الجيش الحر بالرواتب والتسليح.

ان الصورة الراهنة حول سوريا تشير الى أن خطة انان لن تنفذ، وان مجلس الامن سيبقى معطلا، وان الحرب على الارض لاسقاط النظام سوف تُخاض تحت دخان المواقف المعلنة الرافضة تسليح معارضة. لقد بدأت مرحلة المواجهة الحقيقية.

و في الانتظار ستكون خطة كوفي انان والمهلة الزمنية الجديدة مهلة لمزيد من القتل تحت انظار مجلس الامن: مهمة الثورة السورية تغيير موازين القوى على الارض، هذا هو الاهم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الميثاق السياسي: وثيقة العهد لإخوان سورية نموذجا  .. صلاح الدين الزبير

2012-04-02

القدس العربي

تعتبر وثيقة الإخوان المسلمين في سوريا التي تم الإعلان عنها في 25 آذار/ مارس 2012 نقلة نوعية في مسار الحركة الإسلامية بما هي آلية حوارية لتوحيد الصف السياسي للمعارضة السورية بالخارج وتنسيق جهوده. وهي بلا شك مبادرة لها إسقاطات وتطمينات على المواطن السوري بالداخل، كما أنها كغطاء سياسي توازي مجريات الحل الميداني الذي انخرطت فيه كتائب الجيش السوري الحر دفاعا عن المدنيين الذي استباحتهم الآلة الدموية للنظام الأسدي.

وإذا كانت هناك بعض القراءات التي تعتقد بأن وثيقة الإخوان هي رسالة للالتواء، أو مزايدة 'للاحتكار السياسوي' و'الاحتواء الشعبوي'، أو رسائل مشفرة للدول الغربية أكثر منها مبادرة للدفع بعجلة توحيد صفوف المعارضة سياسيا، فإن الأمر لا يعدو أن يكون إلا حكما استباقيا ومحاكمة للنوايا أكثر من أنه قراءة متمهلة ومنح فرصة الإنصات لطرف سياسي له حضوره في الساحة السياسية السورية.

صحيح أن جزءا مهما من النخبة السياسية السورية يخشى من عنف الإسلاميين وإحتكارهم للمشهد السياسي، وإقصائهم لمن يعارضهم على ضوء ما حدث بالتجربة الإيرانية والسودانية والأفغانية، وعلى غرار ما يسوقه الإعلام، ويرى بأنهم تهديد للحياة السياسية ولقيم الحرية والديمقراطية، وامتداد للرجعية التي تهدد بتفجير المجتمع، غير أن هذه رؤية تجاوزها الدهر ولا تتجاوب مع تطورات الأحداث الجارية.. لأن الإسلاميين ببساطة رقم مهم في معادلة التغيير داخل الأنظمة العربية لا يجب تجاهلهم.

ويبقى المشكل المطروح بحدة على رأس الأولويات لدى هذه النخبة السياسية هي قضية موقف الإخوان المسلمين من المسألة الديمقراطية، وتأثير ذلك على مجموع الحياة الاجتماعية بما لا يفتح مجالا للرجعية ولا يقيد من أبواب الحرية. حتى يتسنى لهم خوض غمار أي تجربة تواثقية مع الإخوان المسلمين موثوق بها، ولعل هذه المسألة تم الإجابة عنها في وثيقة العهد السورية التي طرحها الإخوان.

الانخراط في مشروع الميثاق السياسي كأولولية ملحة للفرقاء السوريين الذين يمثلون كافة التوجهات السياسية والطائفية والعقدية يجب أن تكون له قضية مصيرية واحدة، شقها الأول مرتبط بخلاص الشعب السوري من حمام الدم الذي يعيشه اليوم تحت نيران القصف والتقتيل، ومن محنة الحكم الأحادي والمستبد الذي لا يعترف بوجود الآخر إلا من منطوق نظرية 'إما أن أحكمكم أو أن أقتلكم'. وشقها الثاني مرتبط بإعادة بناء ما هدمته معركة إسقاط النظام.

ويبقى توافق الفرقاء على قضية تحرير وتطهير البلاد بكافة الوسائل المشروعة كنقطة أولى، لأنها أصل الداء، وأهم ما يجب الوقوف عليه، ثم تصفى الأجواء في أفق صياغة الحل لنقاش القضايا الملحة، وهي إعادة الإعمار وخلق أليات لانتشال المدن والقرى التي تضررت جدا من عدوان النظام البائد، وبحث سبل التحديث، وفتح أفاق الاستثمار، حتى لا يتم الوقوع في الفراغ الاقتصادي لبلاد تضررت بنيتها التحتية بشكل كارثي، ثم يتم الانتقال لبحث إمكانات التحرر من التبعية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

لا بد من صيانة حقوق الأقليات كأولوية والاعتراف بهوياتهم ضمن وحدة البلاد بما لا يفتح أي مجال للتفرقة أو المحاصصة الطائفية على غرار ما يحدث الآن في ليبيا.

الميثاق السياسي يقوم على أساس المحاسبة المتبادلة لأطيافه على ضوء الالتزامات التي طرحت فيه أمام الشعب، ولمصلحة الشعب. وهي مسؤولية محاسب عليها، تمثل رأي الشعب واختياره بعيدا عن اختيارات نخبوية قد تكون نشازا على المجتمع السوري.

الميثاق السياسي يجيبنا عن السؤال المحوري لقضايا التحرير وما يتبعها من إشكالات مرتبطة بإعادة الإعمار والتنمية وبناء المشروع المجتمعي السوري المتناسق سياسيا، المتسامح عقديا، المتنوع طائفيا.

وبعيدا عن الحسابات الخاصة والإقصاء والاستفراد بالقرار؛ ننتقل جميعا كشعب واحد بكل ثقة وعزم من مرحلة المحاصصة والأجندات الخاصة، إلى النظر صوب الأفق الواسع والنقلة البعيدة، ومنها إلى مرحلة الانخراط في الواقع بكل إيجابية بسواعد متراصة تريد البناء من الأساس وعلى أمتن أساس.

احترام أطراف الميثاق كفيل بإنجاحه، ومعالم الاحترام تتضح من بداياته والصيغ المطروحة لذلك.

لما بعد النظام الأسدي نقول:

'لا خلاص للشعب السوري إلا بإشراك كافة أطيافه بصغيرها وكبيرها كقاعدة عريضة للزحف نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فكل حديث عن التغيير هذر بدون قاعدة يتفق عليها السواد الأعظم. وينهض لإخراجها من حيز الأمل إلى حيز التطبيق أطياف الميثاق السياسي'.

سوريا دولة مسلمة مسألة متفق عليها من الأصل بحكم التاريخ والحاضر، وهي على ذلك لا يجب أن تقصي حقوق الأقليات بقدر ما تحافظ على حقوقهم المنتهكة من قبل النظام البائد، ولا أن ترفع شعارا إسلاميا يلخص في أن 'الإسلام هو الحل'، قد يحسبه باقي الشركاء إقصاء لهم مادام يسوق اليوم كفزاعة القرن 21. كما لا يجب اتهام من يزعم أنه مسلم في دينه ما دام حلف الفضول يجمع العلماني بالإسلامي، ويوفي المروءة حقها.

ميثاق سياسي على ملأ من الناس لا يُتهم فيه أحد في دينه ولا في فكره، وللشعب الحكم الفصل.

أين توضع وثيقة العهد للإخوان المسلمين من تحديات الميثاق السياسي؟ وكيف سيتفاعل معها باقي أطياف المعارضة السورية بكافة ألوانها وطوائفها؟

' كاتب وباحث مغربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اعلان مبكر لانتهاء الازمة السورية .. رأي القدس

2012-04-02

القدس العربي

حدد كوفي عنان مبعوث الامم المتحدة والجامعة العربية يوم العاشر من الشهر الحالي، اي بعد اسبوع من الآن تقريبا، مهلة للنظام السوري لتطبيق النقاط الست التي وردت في مبادرته لحقن الدماء ووقف اعمال القتل، وبدء الحوار من اجل الوصول الى تسوية سياسية سلمية للازمة السورية، ولكن السيد عنان والمؤسستين الداعمتين له، لم يحددوا جميعا الاجراء الذي سيتم اتخاذه في حال فشل النظام في تطبيق هذه النقاط.

السيد عنان يريد من مجلس الامن الدولي دعم قرار المهلة هذا الذي وافقت عليه سورية وينسى في الوقت نفسه، وهو الامين العام، ان هناك عضوين في المجلس هما روسيا والصين تقفان بقوة في وجه اي قرار يمكن ان يأتي في غير صالح النظام السوري.

السيد جهاد مقدسي المتحدث باسم الخارجية السورية قال ان الازمة في سورية انتهت، وان السلطات الحاكمة قضت على 'الجماعات الارهابية' وسيطرت على الاوضاع في مختلف انحاء البلاد، الامر الذي يذكرنا بتصريحات مماثلة للرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن، بعد اكتمال احتلال بلاده للعراق في نيسان (ابريل) عام 2003، مع الفارق الكبير بين المنصبين والرجلين والبلدين.

تصريحات السيد مقدسي قد تكون سابقة لاوانها، واذا كان ما قاله دقيقا، فانه لا حاجة لمبادرة السيد عنان اساسا وتطبيق نقاطها الست بالتالي، ما هو مطلوب فقط هو نصب طاولة المفاوضات بين السلطة والمعارضة التي اعتمدها مؤتمر اصدقاء سورية في اسطنبول كممثل للشعب السوري.

لا نعتقد ان السيد عنان قد اصاب بتحديد اسبوع فقط كمهلة لتطبيق مبادرة على هذه الدرجة من الاهمية والتعقيد، ولا نؤمن ايضا بان موافقة النظام السوري عليها تتسم بالجدية، لان الطرفين، اي السيد عنان والنظام، يبحثان عن مهلة جديدة لكسب الوقت لا اكثر ولا اقل، كل لاسبابه، فالسيد عنان يريد ان يطيل من امد مهمته المتعثرة، والنظام يريد ان يكمل خطته للقضاء على الانتفاضة.

نفهم مهلة السيد عنان لو انه حدد الخطوات التي يمكن ان يقدم عليها في حال فشل النظام في تطبيق خطته، وانجاح مهمته بالتالي، ولكن لم يفصح المسؤول الاممي مطلقا عن اي اجراءات عقابية ضد النظام السوري في حال نكوصه عن تعهداته الجديدة في وقف اطلاق النار.

من المرجح ان السيد عنان لا يملك في جعبته اي اجراءات عقابية، خاصة بعد ان اعلن اندريس فوغ راسموسن الامين العام لحلف الاطلسي امس ان حلف الناتو ليس لديه اي خطط للتدخل عسكريا في سورية مهما كان الامر. وذهب الى ما هو ابعد من ذلك عندما اكد معارضته تسليح المعارضة السورية، محذرا من خطر انتشار الاسلحة في المنطقة، مشددا على رغبته في رؤية 'حل سلمي سياسي' للازمة في سورية.

فاذا كان حلف الاطلسي الذي حسم الامر في ليبيا لصالح المعارضة لا يريد التدخل، والادارة الامريكية تعارض ارسال اي اسلحة للمعارضة ايضا خشية وقوعها في ايدي تنظيمات متشددة مثل تنظيم 'القاعدة'، ومصر اكبر دولة اقليمية عربية تشاطرها الرأي نفسه، فكيف ستكون مهلة السيد عنان فاعلة وتحظى بالاحترام من قبل النظام السوري؟

الانتفاضة السورية يجب ان تطلق على جمعتها القادمة جمعة الخذلان الدولي والعربي للمرة الثانية او الثالثة، او جمعة فشل مهمة كوفي عنان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السرّ الذي كشفه وزير الخارجية الروسي! .. عبدالعزيز التويجري *

الثلاثاء, 03 أبريل 2012

الحياة

لم يلق كلامٌ قاله أخيراً السيد سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي حول الوضع في سورية، ردودَ الفعل التي تتناسب مع ما انطوى عليه من خطورة بالغة على المستويين الأمني السياسي والاستراتيجي الثقافي. فقد قال الوزير الروسي: «إن الوضع سيكون خطيراً إذا ما وصل إلى الحكم في سورية قادة من السنّة». ولعل هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها وزير خارجية دولة كبرى بكلام يعدُّ، بالمقاييس الديبلوماسية، كلاماً خارج حدود اللياقة والحصافة، وبالمقاييس الموضوعية، كلاماً مغرضاً ومتحيزاً لا سند له في الواقع. ذلك أن التحذير من وصول السنّة إلى الحكم في سورية، يُوحي بأن الخطر الكبير إنما يكمن في السنّة تحديداً، ما يعني أن دول المنطقة كلها، باستثناء إيران والعراق وسورية، هي دول تشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين لأنّ حكامها من السنّة. وفي ذلك تطاولٌ على دول ذات سيادة كاملة، وعلى مئات الملايين من المسلمين الذين يشكلون الغالبية العظمى لمسلمي العالم، الأمر الذي يتعارض كلياً مع الأعراف الديبلوماسية، بل يتعارض في المقام الأول، مع القانون الدولي، ومع ميثاق الأمم المتحدة.

وإذا كان رئيس الديبلوماسية الروسية قد سقط هذه السقطة التي لا تُغتفر لمثله، فإنه من جهة أخرى، كشف عن خبايا ظلت محجوبة، أو لنقل بقيت مغيَّبة ردحاً من الزمن بفعل فاعل، بينما هي من صميم السياسة الخارجية – والداخلية أيضاً - التي تعتمدها الدولة الروسية، ليس اليوم فقط، وليس في عهد الاتحاد السوفياتي المنهار فحسب، بل في عهد الإمبراطورية الروسية التي كانت تعامل الشعوب الإسلامية في المنطقة، معاملة الدولة المستعمرة الطامعة في جيرانها والمحتلة لمناطق مجاورة لها، بدافع من الكراهية للإسلام لا أقل ولا أكثر. وهي السياسة التي لا تزال تفرض نفسها على الاختيارات الروسية منذ القرن السابع عشر وحتى اليوم، على رغم تغيّر الظروف والأنظمة والخريطة الجيوسياسية في الإقليم.

إن الكراهية للإسلام في هذا المقام، تعني الكراهية للسنّة لا للشيعة. ذلك أن المنطق الذي يحكم السياسة الروسية في كل المراحل المتعاقبة، هو أن الخطر يأتي من المسلمين السنّة، ولا يأتي من المسلمين الشيعة. وهذه مسألة دقيقة قد لا يتنبَّه اليها المراقبون، خصوصاً تلك الفئة منهم التي تنظر إلى الأحداث من خلال رؤية محدودة قاصرة عن استيعاب كل جوانب الصورة واستبطان الدوافع التاريخية والعوامل الثقافية والنوازع الدينية التي تتجمع في الحدث موضع التصريح أو التعليق أو التحليل.

ولذلك كان رئيس الديبلوماسية الروسية، حين حذر المجتمع الدولي من وصول السنّة إلى الحكم في سورية، واقعاً تحت تأثير هذه العناصر الضاغطة والعوامل المؤثرة في الفكر الروسي الحديث والمعاصر، والتي لها انعكاسات في القرارات التي تتخذها الدولة المركزية في موسكو. فمن أين يأتي الخطر على سورية وعلى دول الإقليم، كما قال وزير خارجية روسيا، في حال إذا ما وصل المسلمون السنّة إلى إسقاط النظام وتولي الحكم؟ فهل لمجرد أنهم ليسوا شيعة وإنما هم سنّة؟ أم أن المقصود هو اعتلاء الإخوان المسلمين سدة الحكم؟ فمن هم الإخوان المسلمون السوريون إذاً؟ هل هم أجانب ينتمون إلى شعب آخر غير الشعب السوري؟ أم هل هم «إرهابيون» يسعون في الأرض خراباً، كما يدّعي النظام الطائفي، ولذلك وجب الحذر منهم والحيلولة دون وصولهم إلى حكم سورية؟ أم أن المقصود تحديداً هم السنّة على الإطلاق، سواء أكانوا من الإخوان أم من غير الإخوان، وهم غالبية الشعب السوري كما يعلم الجميع إلا السيد سيرغي لافروف؟

إن التلويح بخطر المسلمين السنّة في المسألة السورية، يخدم النظام القمعي الطائفي الجاثم على صدر الشعب السوري، كما يخدم في الوقت نفسه، الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل التي تبيَّن تماماً، أنها تحمي هذا النظام، كما يخدم هذا التلويح بالخطر المهدد للمنطقة، المشككين داخل القوى العظمى الغربية التي لم تحسم أمرها حتى الآن وتتخذ الموقف المطلوب منها أن تقفه إزاء ما يجري في سورية من انتفاضة شعبية عارمة ضد هذا النظام الذي يرتكب الجرائم البشعة في شكل يومي لا مثيل له في الأنظمة الديكتاتورية القمعية.

إن الشعب السوري بجميع أطيافه السياسية وطوائفه الدينية، ينتفض منذ أكثر من سنة، ضد النظام الاستبدادي الذي يلقى الحماية من إسرائيل ومن روسيا والصين وإيران وأتباعها في المنطقة. فليست المسألة إذاً مسألة متعلقة بفئة محددة أو جماعة معينة، ولكنه الشعب السوري المنتفض الرافض للظلم وللقهر وللقمع ولمصادرة الحريات ولاستحواذ فئة محدودة جداً من المنتفعين، على مقاليد الحكم والمال ورقاب العباد. فما الإخوان المسلمون إلا طيف سياسي واحد وجماعة دينية واحدة، وهم جزء من المعارضة، وليسوا هم كل المعارضة. ولذلك فإن مَن سيحكم سورية في المستقبل القريب، سيكون ممثلاً لمجموع الشعب السوري، وليس ممثلاً لجماعة موصوفة وفصيل سياسي واحد. ولعل البيان الذي أصدره الإخوان المسلمون في سورية وتعهدوا فيه بإقامة دولة ديموقراطية مدنية تعددية بعد رحيل نظام القمع الطائفي، واحترام حقوق الإنسان والحريات وإقرار دستور مدني يحمي حقوق الأفراد والجماعات، لعل هذا البيان جاء ردّاً مفحماً وصادماً لرئيس الديبلوماسية الروسية. وهو البيان الذي لقي ترحيباً دولياً واسعاً، مما أحرج المسؤول الروسي الذي من المؤكد أنه لا ينطق عن هوى نفسه، وإنما يعبر عن حقيقة ثابتة من حقائق الياسة التي تتبعها بلاده عبر الأزمان المتعاقبة. وهو بذلك كشف عن سر من الأسرار الكامنة وراء الديبلوماسية الروسية التي خرجت عن الإجماع الدولي، وتنكرت لمبادئ حقوق الإنسان ولميثاق الأمم المتحدة، حين وقفت إلى جانب النظام الطائفي الاستبدادي في سورية، ورفضت الاعتراف بالمعارضة السورية والإقرار بحق الشعب السوري في الحياة الحرة الكريمة.

فهل نقول إن الكراهية للمسلمين السنّة، هي الدافع وراء الموقف الذي تتخذه موسكو حيال الوضع المأسوي المتفجّر في سورية؟ وهل يعقل أن تكون هذه الدولة العظمى تتصرف في المسائل الدولية، تحت تأثير هذه النزعة المتوارثة من عهد الإمبراطورية الروسية التي كانت تناصب الدولة العثمانية العداء السافر؟ وهل ثمة من علاقة بين الموقف الروسي والموقف الإيراني والموقف الإسرائيلي مما يجري في سورية؟

إذا كانت طهران تتصرف بدافع طائفي بالدرجة الأولى، لدعم النظام القمعي في دمشق، وكانت إسرائيل تنحاز إلى هذا النظام لأنه يحمي مصالحها، فإن موسكو تتصرف هي الأخرى بدافع الكراهية للإسلام الذي يمثل السنّة فيه الغالبية العظمى. وذلك هو السر الذي كشفه وزير خارجية روسيا بقصد أو بغير قصد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أصدقاء غير صادقين!! .. يوسف الكويليت

الرياض

2-4-2012

لم ينتج مؤتمر أصدقاء الشعب السوري المنعقد بتونس إلا مضاعفة أعداد القتلى وتمادي روسيا في حماية النظام بتسخير قاعدتها العسكرية ووسائل تجسسها التقنية، وتدريب وتسليح القتلة، إلا استهتاراً بالمجتمع الدولي من دولة عضو في مجلس الأمن، وقد لحقتها الصين بموقف سياسي كداعم معنوي، وإيران دخلت المعركة بإرسال عناصر من حرسها الثوري وتوظيف إمكاناتها أن تأخذ دور الفاعل المباشر في قتل الشعب السوري، بينما الآخرون مجرد أصوات بلا صدى..

اجتماع اسطنبول، رغم وجاهة الحضور العربي والدولي، إلا أن اللهجة عامة باستثناء موقف المملكة وتركيا ودول الخليج، وأقل الواجبات المفترض أن يعتمدها الاجتماع الاعتراف، دولياً، بالمجلس الوطني، وسحب السفراء، والتضييق الاقتصادي، وتسليح المعارضة، وهي مطالب مشروعة أمام عمليات القتل المستمرة، والمعالجة لا تتم بمنح رخص للنظام يجد فيها ميوعة للموقف الدولي تعطيه حق التصرف المطلق، وقضية التعويل على مشروع عنان لن تكون أكثر من حوار سياسي قابل للتمطيط والمماحكات على الطريقة الإيرانية بحواراتها مع القوى الكبرى حول مشروعها النووي، وسوريا تجاه مثل هذه المواقف بارعة بالتسويف والتنصل متى رأت أن الاتجاه يعاكس أهدافها..

لقد وضع العراق تحت الفصل السابع زمن صدام بصدور قرار من مجلس الأمن، ويمكن تطبيق القرار على سوريا بنفس الكيفية، ويحتاج فقط إلى تصميم يوازن بين حماية الشعب السوري من سلطته بإرادة دولية تطبق قراراتها بحزم، وإلا فإن الاجتماع مجرد شكل سياسي ينتقص قيمة المواثيق التي تؤكد على وضع آليات تراعي المبادئ، وإلا لماذا أعد الاجتماع وتم الحضور بهذه الكثافة الدولية، إذا كانت النتائج مجرد تمرير أقوال دبلوماسية لا ترقى للمسؤولية الأدبية والأخلاقية تجاه شعب يواجه الموت بسبب مطالب مشروعة..

سوريا ليست بلداً عاش في الظل، بل ظلت أساساً تقاس عليه معايير الأمن القومي العربي برمته، وبالتالي إذا كانت بذات الأهمية، استراتيجياً، فإن تركها لفوضى نظام بربري وغير إنساني، سوف يخلق وضعاً أكثر خطورة، لأن عمر النظام، مهما تمدد أو عاش منته من ذهن الإنسان السوري والعربي، لأن الدمار والقتل والتهجير شهادات إدانة، وحافز يجعل الرد، حتى لوسيط الحكم، خلق بدائل انتقام جديدة سوف تطال كل الرموز التي مررت أو تعمدت الجريمة، ومن الوهم أن عشرات الآلاف من الشهداء وأضعافهم من السجناء، ومن خربت ونهبت منازلهم ومحلاتهم، سوف يكتفون ب«عفا الله عما سلف» لأن طبيعة الحكم ستخلق الثارات بأساليب مواجهة مختلفة، وهي طبيعة أي حكم قمعي تجدد المواجهات معه وفق أساليب مبتكرة..

المجتمع الدولي، لا يهمه عدد القتلى، وخلاف أعضاء مجلس الأمن أعطت روسيا، ما بعد الاتحاد السوفيتي، موقع قدم، وكذلك الصين، لكن الغرب صاحب الاختبارات الكثيرة في إحراج الدولتين بتدخلات سابقة، ليس لديه الرغبة أصلاً بحماية الشعب السوري ووجد في (الفيتو) ذريعة تتوافق مع الموقف المعارض، وتعطيه حق التخلي عن أي رد فعل إيجابي، والضحية، في كل الأحوال الشعب السوري!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدور الروسي في دعم النظام السوري .. د. عبدالإله محمد جدع

الإثنين 02/04/2012

المدينة

تتخذ الأزمة السورية التي ألقت بظلالها الكئيبة منحى خطيراً..، ففي الوقت الذي ما تزال فيه مجازر النظام السوري تستشري وتمارس أبشع أنواع القتل والتعذيب للشعب يتخلى المجتمع الدولي عن مسؤوليته التي يفترض أن يضطلع بها في هذا المشهد الأليم .، غير أننا كمسلمين وعرب لابد أن نستوعب الدروس التي يلّقنها الغرب في كل حين لنا دون أن نستفيد منها وما موقفه التخاذلي بل والداعم للعدو الصهيوني وانتهاكاته ببعيد..وما هذا على الغرب والشرق بجديد أو غريب !!فما هو إذن البارق الخطير الذي يلوح في سماء المنطقة؟! إن القراءات للمشهد الدرامي المتسارع تؤكد أن ثمة ما يحاك ضدها فعلى الرغم من رد الحكومة السورية على خطة المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية (كوفي عنان) وعزمه دراسة الرد إلا أن (روسيا) الحليف لنظام سوريا تلقي بثقلها مجدداً وراء خطة عنان ذات النقاط الست وتعتمد عليها دون غيرها تسويفاً ومماطلة..فقد اعتبر الرئيس الروسي (ديمتري مدفيديف) أن مهمة المبعوث قد تكون هي الفرصة الأخيرة لتجنب هذا البلد حرباً أهلية دموية طويلة ..في الوقت الذي يعبر فيه نائب وزير خارجيته (غينادي غاتيلوف) عن ارتياح بلاده لعمل المبعوث والمطالبة بمنحه الفرصة وسيتم النظر مستقبلا فيما إذا لزم الأمر لأي فعل إضافي من قبل مجلس الأمن..، كل ذلك دون وضع سقف زمني محدد..مما يؤكد مدى التسويف الذي يمارسه الروس..، فضلاً عن نوايا (بكين)التي يزمع المبعوث زيارتها ..مما يطيل أمد المعاناة وقد أثبتت التجارب في الصراعات السابقة والمستمرة لعنف واستبداد إسرائيل أن ليس ثمة أمل في تلك المساعي وأن الغرب متى شاء اتخذ القرار للتدخل وحسم الأمر كما فعل في العراق ثم في ليبيا التي التقت فيها المصالح مع توجهاته !!..أما المؤشر الآخر في المنحى الخطير الذي تشهده الأزمة..فهو اللعب من قبل (الروس) على وتر الحرب الطائفية لتأجيج الصراع فهم يثيرون الفتنة بالتحذير من أن سقوط النظام السوري العلوي سوف يهدد بظهور نظام إسلامي سني في سوريا الأمر الذي يضر بالفئات الأخرى ومنها العلويون في الشام والمسيحيون والدروز في لبنان والمنطقة حولها وهي بمثابة شرارة يحاول الروس إطلاقها لتأجيج فتنة طائفية وبالتالي إشعال حرب طويلة في المنطقة وهي وسيلة ضغط على الدول العربية المعتدلة التي تريد إنقاذ الشام من براثن المجازر ..حتى تخشى المضي قدماً في مساعيها..الأمر الذي ينذر مجدداً بأن ثمة خطة لبث روح الفتنة ..ولابد من استدراك المنطقة لما يحاك في الخفاء ضدها..رغم إعلان الرئيس (أوباما) ورئيس الوزراء التركي عن تأييدهما لتقديم مساعدة غير عسكرية للمعارضة السورية ودعوتهما للانتقال إلى حكومة شرعية في سوريا وتلك مسوّغات لإطالة أمد الأزمة ..ويبدو أن جماعة الإخوان المسلمين قد استشعرت خطورة ما يحاك فقد أعلنت قبل أيام من اجتماع أصدقاء سوريا في اسطنبول في وثيقة سمّتها (عهد وميثاق) تُعدّ بمثابة مشروعها السياسي لما بعد مرحلة النظام السوري الحالي ..تعهدت فيها الالتزام بقيام دولة مدنية تعددية وديمقراطية مع المساواة بين جميع المواطنين بكل أطيافهم ومذاهبهم أو تياراتهم الفكرية..وهي تطمينات محمودة في ظل تأجيج الروس لنار الفتنة الطائفية.. فهل يريد الروس الانتقام من المسلمين السنة لقاء مواقفهم المتعددة السابقة في أفغانستان والشيشان وغيرهما؟! أم إيجاد مقعد جديد تريد السياسة الروسية الجديدة أن تحتله في المجلس العالمي يحقق لها الدور المفقود الذي خسرته في الماضي؟..إن الموقف والمؤشرات تقتضي المزيد من اللحمة الوطنية في شعوبنا العربية الإسلامية والحذر من أي فتنة تطال المنطقة يسعى إليها الغرب والشرق بكل توجهاته الأيديولوجية والسياسية لإعادة رسم الخريطة خاصة وأن تصريحات كيسينجر الأخيرة عن الحرب الكبرى قد جاءت بمثابة تحذير يرعب الشعوب العربية ويفت من عزمها وتحالفها..

دوحة الشعر...

هم العدو فهل نصغي..،فنحذرهم..؟

فالوهم في يدهم..والحقد..والشرر

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مَنْ بيده قرار دمشق؟! .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

2-4-2012

في سنوات سابقة ،تعود لفترة ما بعد بدايات ثمانينات القرن الماضي نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» رسماً «كاريكاتورياً» للفنان اللبناني المبدع محمود كحيل، الذي رحل عن هذه الدنيا وهو في ذروة عطائه، يُظهر فيه الرئيس اللبناني وهو يصافح ظلّ يد وزير الخارجية الأميركي وهو يمدها ليصافح الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وكانت وقتها السيطرة السورية على لبنان ،عسكريا وأمنياً وسياسياً، مُحكمة وشاملة.

كانت الولايات المتحدة تكتفي في تلك الفترة ،التي امتدت منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي وحتى إخراج القوات السورية من بيروت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في عام 2005 وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، بإرسال مبعوثيها إلى دمشق حتى وإن كان الأمر يتعلق بالدولة اللبنانية فقرار هذا البلد كان في العاصمة السورية وفي يد حافظ الأسد وبعد وفاته انتقل إلى يد ابنه بشار وقد جرت العادة أن يذهب إلى بيروت بعد كل زيارة من زيارات أحد المسؤولين الأميركيين إلى العاصمة السورية موظف سوري إلى بيروت ليبلغ المسؤولين اللبنانيين ومن بينهم رئيس الجمهورية ببعض ما يرى الرئيس السوري أن هناك ضرورة لإبلاغهم به وإطلاعهم عليه.

كانت الدولة اللبنانية في تلك الفترة وبكل ما فيها جزءاً من سورية وكان قرار لبنان في دمشق وكان الرئيس اللبناني مجرد موظف من الدرجة الأولى لدى دوائر المخابرات السورية وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الوزراء وكل وزرائه بمن فيهم وزير الخارجية وهذا من المفترض أن يكشف النقاب عنه وبكل تفاصيله نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام ،الذي انتهت به الأمور إلى حياة المنافي في باريس، في مذكراته عن لبنان التي يقال أنها وصلت إلى الألوف من الصفحات.

الآن دارت الدوائر وانقلبت الأمور وغدا قرار «دمشق العرب» في طهران وبات اللاعبون الدوليّون ،المعنيون بالأوضاع السورية المتفاقمة، يذهبون إلى إيران للتحاور مع الولي الفقيه وكبار المسؤولين الإيرانيين هناك ويذهبون أيضاً إلى موسكو والى بكين مما يؤكد أن قرار مستقبل هذه الدولة العربية الفعلي لم يعد في يد رئيسها بشار الأسد بل في يد إيران وروسيا والصين وأن من أراد التعاطي الفعلي مع هذا الأمر فإن عليه الذهاب إلى عواصم هذه الدول كما فعل المبعوث الدولي والعربي كوفي أنان وكما فعل رجب طيب أردوغان.

والمستغرب أن كبار المسؤولين السوريين وفي مقدمتهم الرئيس بشار الأسد نفسه لا زالوا يُصرون على رفض تدويل الأزمة السورية المتفاقمة والمستفحلة وكل هذا رغم ترحيبهم بمهمة أنان واستعدادهم للتعاون من اجل تطبيقها وإنْ من قبيل إفراغها من محتواها وجعل نهايتها كنهاية المبادرة العربية التي أغرقتها دمشق في التفاصيل المملة وجعلت نهايتها هذه النهاية المأساوية.

لقد اتضح أن إيران لاعب رئيسيٌّ في دمشق حتى قبل انفجار هذه الأزمة التي تحولت إلى هذه الثورة المشتعلة في البلاد من أقصاها إلى أقصاها ففي ثمانينات القرن الماضي كان السفير الإيراني في العاصمة السورية محمد حسن أختري ،الذي كان أيضاً ممثلاً للإمام الخميني أيضاً، هو الذي «يحكم ويرْسم» وكان هو صاحب القرارات الصعبة إن بالنسبة لشؤون المنطقة ومن بينها الشأن الفلسطيني والشأن اللبناني والشأن العراقي وإن بالنسبة للقضايا الدولية المتعلقة بالأوضاع في الشرق الأوسط ولهذا وعندما يقول مرشد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي الآن أن بلاده ستدافع عن النظام السوري فإنه يقصد أنها ستدافع عن نظامها وعن قرارها وعن مشروعها الإقليمي وعن مصالحها الإستراتيجية المتعددة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا حصد كوفي عنان في موسكو وبكين .. د. ضرغام الدباغ

من حق الناس في سوريا والبلاد العربية، بل في العالم بأسره ممن يتابعون المأساة السورية أن يتساءلوا ماذا سيكون حصاد مهمة مبعوث الامم المتحدة والجامعة العربية إلى موسكو وبكين، بل في مهمته بأسرها.

ومن حق الناس أيضاً أن يقارنوا بين هذه المهمة وبين الدعوات التي تقدمت بها الجامعة العربية ومصيرها. لقد غدا واضحاً كل الوضوح أن النظام سوف لن يتراجع قيد أنملة واحدة، تحت نظرية: أية حرية تريدون ..؟ فالقليل المشوه من تشريع للطغيان يطلق عليه إصلاحات، مع مزيد من القتل، والكثير الكثير من الاعتقالات، والإصلاحات هي في نهاية المطاف بقدر ما يرسخ قبضة النظام وليس شيئ آخر. حتى يحق للمرء أن يطلق تساؤلاً ساذجاً: ترى أين يضعون هذه الألآف المؤلفة من البشر، أية سجون تتسع لهم، ولكن لا عجب، فوتيرة القتل ارتفعت بإعدامات عشوائية ميدانية.

المسألة الجوهرية في تقديري، أن النظام يرى الأمر هكذا: أنا أريد المكوث في الحكم، البلاد بأسرها مزرعة لنا، فلنطوع كافة المصطلحات والإصلاحات في خدمة هذا الشعار شرط أن يكون المؤدى النهائي لهذه العملية في الواقع المادي هو لا شيئ البتة. لقد أكتسب النظام مهارات عجيبة في اللعب على الحبال، بل هو أصبح جزء من لعبة خطيرة تمارس في سوريا، وفي المنطقة العربية، بل وعلى الصعيد الدولي، نظام أرتهن كل شيئ من أجل بقاؤه.

والأمر بالطبع مدهش لأقصى درجة، حتى يكاد الكثير أن لا يصدق، أيعقل أن يخطف شخص أو أسرة أو عصابة تحت أي مسمى كان بلداً كاملاً له علم ونشيد وطني وقوات مسلحة ودوائر تسجيل مدني وعقاري، يختطفه ويصبح ملكاً صرفاً له، بل وتشير تسريبات جديدة أن النظام كان يعتبر لبنان أيضاً من ممتلكاته العائلية، ومن حق الأوربيين أن لا يصدقوا ذلك لهوله، فمثل هذا النظام لم يتواجد على مر العصور لا في أوربا ولا في غيرها.

ترى ماذا سيطلب كوفي عنان من النظام في دمشق، بعد أن تحدث مع ولي أمر النظام في طهران ..؟

كوفي عنان سيطالب النظام بإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين والمغيبين، ولا أظن أن دفاتر وقوائم السيد عنان ستفيده كثيراً فالأمر على نحو ما بلغ التعقيد ويحتاج لتحقيقات ميدانية معمقة، ثم سيطالب السيد كوفي عنان بوقف العنف وسحب القوات المسلحة من المدن، النظام سيرد لكن لابد أن ينسحب الشعب أولاً..... وسيسأل عنان إلى ولكن إلى أين ينسحب الشعب .. ؟

آنذاك ستبلغ اللعبة نهايتها وسيقول له النظام بلا خجل يا سيد عنان أذهب من حيث أتيت ونحن نعرف كيف ندير الأمر. فالأمور أضحت واضحة هكذا: النظام يضع نفسه في كفة، والشعب كله في كفة أخرى، بالطبع لدى النظام ما يقوله ولكن ثبتت للجميع عربياً ودولياً أنها محض ثرثرة فالنظام لا يجد حتى من يصيغ له موقفاً سياسياً نصف محترم ونصف مهلهل يمكن قبوله ويتماسك أمام دماء الشعب، فحتى دبلوماسيوه أصبحوا مهرجين ورجال دعاية وإعلام ..!

النظام سيواصل المناورات سيظهر نفسه وديعاً كعصفور مطيعاً لأوامر الروس والصينيين بعد أن سمع منهم الإنذارات القاسية، وكوفي عنان بعد أن يحاول أن يقنع الروس، سيتوجه إلى الصين في محاولة لإقناع القادة هناك أن مصالح الشعب الروسي والصيني تكمن في إقامة علاقات طيبة مع الشعب السوري وليس مع حكامه وطغاته، ثم لينبه ولاة أمر النظام في طهران أن درجة الغليان بلغت حدوداً خطرة، والأحداث هي بحجم تاريخي يفرض مستحقاته، وهنا أجد نفس مضطراً لأن أقول ما قاله وزير الخارجية الألماني قبل أيام، أن روسيا ستدرك في وقت لاحق أنها تقف على الجانب الخاطئ من التاريخ.

من المرجح أن هناك تحول بطيئ في الموقف الروسي والصيني، ولكن في السياسة ليس هناك جمل يراد إمراره من خرم الابرة، فالسياسة هي تحليل مادي ملموس للواقع المادي الملموس، وسيدرك الروس والصينيون حجم خطأءهم ولكني لست متأكداً إن كان إصلاح هذا الخطأ ممكناً.

المسألة اليوم هي ليست الرئيس الفلاني، ولا الحزب الفلاني، وبنفس الدرجة يمكن القول ليست الشخصية القيادية والحركة الفلانية من المعارضة أو تلك، لم تعد الأسماء مهمة بعد الآن، فالأمر تجاوز كل ذلك، وبعد نهر الدماء الغزيرة هذه لابد من الاقرار أن سوريا كبلاد بحاجة إلى وقفة، والوقفة مهمة وذات طابع شمولي عام. فالبلاد بحاجة قبل كل شيئ إلى:

*دستور يليق بحكم شعب في القرن الواحد والعشرين.

*لابد من تفكيك أجهزة قمع والقتل التي مارست التصفيات على مدى أربعين عاماً .

*استبعاد ومحاسبة ومحاكمة كل من مارس مص دماء الشعب، ومارس الذئبنة والثعلبة على الشعب الاعزل.

*القتلة ينبغي محاسبتهم، فمن مارس وأعتاد على أكل لحوم معارضيه لن يصبح حملاً نباتياً في يوم وليلة لا بقرار عربي ولا بقرار دولي.

ولماذا كل هذا الهم، الشعب يريد أن يمارس حقوقه كشعب يستحق الاحترام. هل يخالف هذا الدساتير والأعراف ؟

من يريد التعامل مع سورية فليتعامل مع سوريا الشعب الوطن، فهذا النظام لا يمثله لا في الواقع ولا في الفنتازيا، والسوريون شعب ذكي يعرف كيف يصل لأهدافه. ومثلما قلب الشعب السوري الطاولة في كل مكان، وبلغ بقضيته إلى المؤسسات العربية والدولية وأوصل صوته لها، فهذا الشعب قادر أن ينال حقوقه بإرادته ولو بمزيد من الدماء.

النظام سيسقط ...... فقط الفواتير المستحقة سوف تتضاعف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار الأسد إلى أين؟! .. د. محمد أحمد الزعبي

عرف ( بتشديد الراء) افلاطون ( ق مPlato 428 – 347 ) الإنسان لطلابه ذات محاضرة بأنه " حيوان يسير على قدمين " ، فما كان من طلابه النجباء ، إلاّ أن أحضروا معهم في المحاضرة التالية " ديكاً " وعلقوه على السبورة أمام افلاطون ، وكتبوا تحته ( إنسان أفلاطون ) .

تذكرت هذه القضية ، بينما كنت وأحد أصدقائي نتابع على إحدى الفضائيات يوم أمس ، مذابح بل قل فضائح بشار الأسد في كل من حمص وحماة وإدلب ودرعا وديرالزور وكفرسوسة و...و... وذلك في جمعة " خذلنا المسلمون والعرب " ، حيث دار بين صديقي وبيني الحديث التالي :

سالني صديقي :

 ترى ألا يرى بشار الأسد بنفسه هذه المذابح / الفضائح ، التي يرتكبها ، حماة دياره وشبيحته ، والتي نراها نحن الآن ؟!

 طبعاً يراها !! ،

 كيف له ، كإنسان أن يقبل أن يقوم بهذه المهمة القذرة ، التي لايمكن لبشرٍ سويٍ أن يتحمل رؤيتها ناهيك عن ممارستها ؟ ،

 أتفق معك أيها الصديق ، في أنه كان على بشارالأسد ، لو كان إنساناً سوياً ،عندما يرى مانراه الآن أنا وأنت على شاشة التلفاز أن يهرول مسرعاً إلى التلفون ويعطي أوامره بوصفه القائد العام للجيش والقوى المسلحة (!!) ، بأن يتوقف " حماة دياره وشبيحته " عن قتل إخوتهم وبني وطنهم ، وعن تدمير بيوت من دفعوا لهم ثمن تلك الدبابات والمدافع التي يدمرون بها دون شفقة أو رحمة ، بل ودون أي حس إنساني، تلك البيوت .

 ولماذا لايقوم بشار الأسد بذلك إذن ؟

 هنالك احتمالان : الأول أنه ليس إنساناً سوياً ، أي أنه مريض نفسيّاً وخلقيّاً ( بضم الخاء واللام ) ، ألا ترى ضحكته البلهاء ، التي تنم عن مثل هذه الخاصية المرضية ؟!، والاحتمال الثاني هو أنه ليس إنساناً أصلاً ، إنه مجرد وحش كاسر يسيرعلى قدمين لاأكثر ولا أقل . ألم تسمع بتعريف أفلاطون للإنسان في أنه " حيوان يسيرعلى قدمين " ؟

 تقصد أن أفلاطون كان يعني بشار الأسد ،

 لا ياصديقي ، إن أفلاطون مات قبل أن يخلق بشار الأسد ، إنه كان يعني ( وبالاعتذار من أفلاطون عن هذا التفسير الخاص لمقولته الفلسفية ) ، كل الوحوش البشرية الكاسرة من أمثال بشار الأسد ،

 ألا يوجد احتمال ثالث ، لتفسير سلوك بشار الأسد ؟

 نعم ، إنه الأمرين معاً ، أي أنه وحش كاسر يسير على قدمين من جهة ، ومريض نفسيّا وخلقياً ، من جهة أخرى ، وأنا شخصياً أميل إلى هذا التفسير الواقعي ، الذي لايحتاج إلى مزيد من التفسير .

وأريد هنا أن أخاطب أهلنا وإخوتنا في حمص وحماة وإدلب ودرعا ودير الزور ، وكافة مدن وقرى سورية الحبيبة ، اصبروا وصابروا أيها الأبطال ، واصمدوا في وجه هذا الوحش الكاسر الذي يسير على قدمين ، الخالي من أي ضمير أو وجدان ، واعلموا أن النصر إن هو إلاً صبر ساعة .

وياإخوتنا وأحباءنا ممن يدعمون هذا النظام الهمجي المتغول والمتوحش ، من عسكريين ومدنيين ، نناشدكم باسم العروبة والإسلام ، أن اتركوا عائلة الأسد تعمه في غيّها ، وانضموا إلى ثورة شباب آذار المجيدة ، ثورة الحرية والكرامة ، فهم منكم وإليكم ، وأنتم منهم وإليهم ، مهما حاولت تلك العائلة أن تبعدكم عنهم ، وتبعدهم عنكم ، إننا جميعاً إخوة في الوطن والمواطنة ، نؤمن بالديموقراطية وبالعدالة وبالمساواة ، وينبغي أن نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا . الوطن باق أيها الإخوة ، والمواطن باق أيها الأحبة ، وعائلة الأسد إلى زوال ، إن لم يكن اليوم فغداً ، وإن غداً لناظره قريب .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«إخوان» سورية وعهد جديد .. د. محمد علوش

الرأي العام

1-4-2012

وثيقة «العهد والميثاق» التي قدمتها جماعة اخوان سورية يوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري في تركيا لم تكن مفاجئة من حيث توقيتها، وانما كانت مفاجئة ببعض البنود التي قدمتها. ومن المجحف نقد الوثيقة في مقالة واحدة، إلاّ أني أرغب في تسليط الضوء في عجالة على بعض بنودها التي أعتقد ان فيها تطوراً نوعياً لجهة خطاب الإخوان عموماً.

الجماعة تتحدث في وثيقتها عن «دولة مدنية حديثة، تقوم على دستور مدنيّ... يحمي الحقوقَ الأساسية للأفراد والجماعات، من أيّ تعسّفٍ أو تجاوز، ويضمن التمثيلَ العادل لكلّ مكوّنات المجتمع... دولة ديموقراطية تعددية تداولية، وفق أرقى ما وصل إليه الفكر الإنسانيّ الحديث، ذات نظام حكم جمهوريّ نيابيّ، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه، عبر صناديق الاقتراع، في انتخاباتٍ حرة نزيهة شفافة».

واللافت في ما تقدم أن الجماعة لم تتحدث عن «دولة مدنية بمرجعية اسلامية» على غرار ما تنادي به جماعات الإسلام السياسي بما فيها حركة الاخوان الأم في مصر. ولم نعثر في «العهد والميثاق» على أثر لشعار «الإسلام هو الحل».

وتعلن الجماعة التزامها قيام «دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعاً، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، يحقّ لأيّ مواطنٍ فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة. كما يتساوى فيها الرجالُ والنساء، في الكرامة الإنسانية، والأهلية، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة». وانسجاما مع هذا الطرح فقد رفعت الجماعة من شأن المواطنة لتصبح المعيار الاساسي والوحيد للوصول للسطة في اطار التداول السلمي والديموقراطي، حيث لا اعتراض في وصول لرئاسة الدولة مسيحي أو امرأة طالما كان ذلك خيار الشعب أو من ينوب عنه في البرلمان. وهذا تقدم ملحوظ في فكر جماعات الإخوان الذين يشترطون في أدبياتهم التاريخية أن يكون المرشح للرئاسة ذكراً مسلما عاقلاً بالغاً، مشهود له بالعدالة والالتزام، نزولاً عند الشروط التي حددها فقهاء الأمة.

نقطة أخرى ينبغي التوقف عندها، إذ تلفت الجماعة على لسان المراقب العام السابق صدر البيانوني الى أنه ليس من حق الأكثرية السياسية، أي تلك التي تصل الى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع في سورية الحديثة، أن تجهز على الأقلية السياسية الخاسرة كما هو معمول به حتى في اكثر الدول الغربية ديموقراطية، حيث لا ينبغي تهميش أي من فئات المجتمع السياسي، إذ ان بناء الدولة يحتاج لكل أطياف المجتمع.

وكأننا، إزاء ما تقدم من طروحات، أمام جماعة تشابه في ايديولوجيتها حزب الحرية والعدالة الحاكم في تركيا ذا الجذور الإسلامية أكثر مما هي متماهية مع جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي وسواء كنّا نتفق معهم في هذا الطرح أم لا، إلا اننا نلاحظ أن جماعة اخوان سورية تلحظ بعمق الواقع السوري المتنوع طائفيا ومذهبيا وعرقيا وتدرك حاجاته الى عقد اجتماعي يتناسب مع خصوصيته، وهي تتخطى على ما يبدو نضوج جماعة الإخوان الأم في مصر التي لم تستفد من التجارب التي مرّت بها خلال حقبتي السادات ومبارك على ما يبدو.

وبما أننا لا نستطيع أن نحكم على النوايا أو التكهن بمدى التزام الإخوان مستقبلا بهذه الوثيقة في حال وصولهم للسلطة، إلا أنهم في ما يقدمونه من تعهد حالياً ينبغي أن يزرع الطمأنينة في قلوب أطياف ومكونات المجتمع السوري كافة، إذ لم تصدر جماعة معارضة في سورية حتى اللحظة أي وثيقة سياسية تشرح فيها الدولة المراد بناؤها بعد دولة الأسد اذا ما استثنينا التصريحات والشعارات التي ترفع في اجتماعات المعارضة السورية التي في الغالب ما تكون جواباً عن سؤال طُرح عليها، وليس في إطار دراسة متأنية تراعي الواقع السوري وخصوصيته الداخلية والإقليمية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر اسطنبول واولية تسليح الجيش الحر .. علي حماده

2012-04-01

النهار

ينعقد "مؤتمر اصدقاء سوريا" الثاني اليوم على ضفاف البوسفور في اسطنبول حيث الأمل بأن تسير أعماله بشكل أفضل من المؤتمر الأول الذي عقد في تونس فيتم تظهير مشهد جديد للمعارضة السورية اكثر توحداً بأجندة اكثر وضوحاً. ولعل التحدي الأكبر الذي يواجهه المؤتمر اليوم هو تزامنه مع اعلان النظام في سوريا "الموافقة" على خطة المبعوث الدولي - العربي كوفي انان لحل الأزمة السورية. وبالتالي فمن الناحية المبدئية ينعقد المؤتمر في مرحلة ضبابية نوعاً ما حيث يبدو المجتمع الدولي وكأنه علّق اندفاعه لتقويض النظام في سوريا الى أن تتوضح المواقف التنفيذية من خطة انان. وعليه سيتعين على المؤتمرين ان يخرجوا بصورة نتائج ينبغي ان تصب في اتجاه تعزيز المعارضة ودعمها ومساعدتها على رصّ صفوفها. ولعل الموقف الأكثر بروزا في الآونة الاخيرة هو ما يكرره المسؤولون السعوديون والقطريون من انه لا بد من تسليح المعارضة السورية كي تقف في وجه آلة القتل النظامية. وقد عاد وزير الخارجية الامير سعود الفيصل وكرر الموقف خلال مؤتمر صحافي عقده مع وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون التي لا يبدو انها تجاري الموقف السعودي في ما يتعلق بتسليح الجيش السوري الحر.

ولكن ووفقا لقراءة نظام بشار الاسد فإن تطبيق الخطة بأمانة وسرعة ليس بالبند الموضوع على اجندة النظام. فالمتحدث باسم وزارة الخارجية جهاد مقدسي قال بالأمس ان انسحاب الجيش الاسدي من المدن "يتم عندما يتاح لأي منطقة العودة الى الحياة الطبيعية وعندما يستطيع المواطنون ارسال اولادهم الى المدارس واستعادة حياتهم الطبيعية..." ويستنتج من هذه القراءة ان الهجوم العسكري على الثورة باجتياح المدن والقرى والبلدات السورية مستمر في ظل الجدل البيزنطي في شأن من يوقف القتال اولاً جيش النظام أو الجيش الحر والثوار. والجدل هذا يثيره النظام على هامش الموافقة على خطة انان فيما يستمر القتل بلا هوادة.

بناء على ما تقدم المطلوب من مؤتمر اسطنبول اليوم البحث في خطوات وكأن شيئا لم يتغير، بمعنى انه ينبغي التطرق الى امر دعم المعارضة وتمويلها وتسليح الجيش الحر بشكل جدي بالتزامن مع توسيع مروحة العقوبات والضغوط على النظام.

اننا نرى ان السعودية وقطر مدعوتان الى فرض بند تسليح الجيش الحر على المؤتمر ليتخذ في شأنه قراراً ايجابياً يمنح المعارضة والجيش الحر شرعية واسعة. وفي غياب اعتماد القرار علينا ألا نضيع مزيداً من الوقت ونعمل بجدية على تدريب ودعم الجيش الحر ليتحول بسرعة الى قوة مقاتلة حقيقية مهمتها قلب النظام بالقوة. فالأولوية تبقى اسقاط النظام بكل الوسائل الممكنة وبينها القوة المسلحة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. والحلول المؤجلة! .. د. محمد ناجي عمايرة

الرأي الاردنية

1-4-2012

كان من الطبيعي ان تخرج قمة بغداد العربية بالقرارات التي تضمنها البيان الختامي وخاصة في المسألة السورية، وعلى الشكل الذي أعلنت به نظرا لسعيها الى تحقيق توازن بين اطراف عربية مختلفة، بين من هواه مع النظام السوري وبين من قلبه على الشعب السوري، وبين من يريد ان ينأى بنفسه وبلده عن مغبة الصراع والنزاع لاسباب معروفة!!

غير ان اللجوء الى هذه التسوية لن يساعد على حل الازمة السورية بل سيعني تركها تتفاقم وتزداد سوءا، ويعني استمرار القتل والتدمير والعنف الممنهج.

واذ يواصل النظام عملية القمع والاعتقالات ومحاصرة المدن والقرى الثائرة، تجد المعارضة نفسها في موقع لا تحسد عليه حيث لا تقوى على المواجهة العسكرية وتفتقد الى مقومات ذلك، ويبقى «الجيش الحر» عاجزا عن حماية الانتفاضة الشعبية ولا يستطيع ان يستمر في التصدي للقوات النظامية الاكثر عددا وعدة وتنظيما وتسليحا بينما يزداد وجود عصابات مسلحة ليست من المعارضة في شيء!

والخلافات العربية الموجودة منذ بدايات الانتفاضة السورية تزداد والانقسام لم يحسم حتى الان، وهذه الخلافات تندرج تحتها الخلافات والانقسامات التي اصابت الحركة الشعبية فهي غير موحدّة، وواضح جدا مدى تباين الاراء بين جماعات الداخل ومعارضي الخارج على الرغم من المؤتمرات التي عقدت في الخارج لتسوية الامر والخروج بموقف موحد، لكن فاقد الشيء لا يعطيه!

وعلى الرغم من ان تنظيم «الاخوان المسلمين» يحاول ان يعطي صورة لنفسه اكبر مما هي في الواقع، فان بيان «الجماعة» الاخير الذي اخذ اسم «وثيقة دمشق» كان مهما جدا فيما طرح من تصورات ووجهات نظر بشأن مستقبل سورية على انه كان شديد التفاؤل بقدرته على الحسم والامساك بمفاتيح الحلول والقفز الى المستقبل.

وثمة خلافات اشد في الموقف الدولي تعكس نفسها عربياً وسورياً، وعلى النظام وعلى المعارضة، مما لا يعطي المبادرة العربية ولا خطة المبعوث الاممي والعربي كوفي عنان فرصة النجاح او الضوء الاخضر للمرور الهادئ.

وبين المواقف الاوروبية (الفرنسية - البريطانية) المتشددة المطالبة بعمل عسكري بتدخل خارجي مباشر، والموقف الاميركي غير الواضح الذي لم يصل بعد الى حد القبول بتسليح المعارضة وتقديم العون العسكري المادي للقوات المنشقة عن الجيش السوري النظامي.. وبين المواقف الروسية والصينية المترددة والممانعة معاً.. يبقى الموقفان الايراني الداعم للنظام بقوة والتركي الداعم للمعارضة بقوة، هما عنوان ميزان القوى، ومن ثم مؤشر المستقبل.

ثمة دماء تسيل وارواح تزهق وقرى تدمر ومدن تنزف ألماً وجوعاً وخوفاً ورعباً، وشعباً يعاني بالجملة من الاضطهاد والقهر والموت اليومي.. وثمة حاجة الى عمل ما، يبعد شبح التدخل الاجنبي والحرب الاهلية والطائفية.. ثمة حاجة ماسة الى حل، يخرج سورية من تحت الركام؟ فمن يجترح هذه المعجزة؟! من يفتح القمقم ليخرج الينا مارد الحلول المؤجلة؟ ومتى؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل حقا ماتت الثورة السورية؟ .. عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

1-4-2012

إن «معركة إسقاط الدولة في سوريا انتهت بلا رجعة»، كان هذا بيانا مدروسا صدر عن حكومة الرئيس بشار الأسد، أعلنه، أمس، الناطق باسم وزارة الخارجية السورية، جهاد مقدسي، ليسبق به مؤتمر إسطنبول الذي ينعقد اليوم تحت شعار «أصدقاء سوريا»، والذي يمثل أكبر تجمع دبلوماسي لمواجهة النظام، وتشارك فيه أكثر من 70 دولة. وما قاله مقدسي يعززه تقرير نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية التي نقلت عن نشطاء الثورة السورية التقتهم في تركيا قولهم إنهم «فقدوا الأمل في إسقاط بشار الأسد»!

فهل الأسد باستعجاله إعلان الانتصار يناور لإضعاف التجمع الدولي في إسطنبول وإفشاله، حيث سبق أن أعلن، قبل أسبوع، عن قبوله بالنقاط الست التي تضمنتها مبادرة المبعوث الدولي، كوفي أنان، لكنه لاحقا وضع شرطا يطالب بإيقاف تسليح المعارضة، طلب هلامي لم يثبت أنه حقيقي وموجود حتى يمكن إثبات وقفه. ولجأ لمثل هذه الحيلة الناطق مقدسي، أمس، الذي قال إنهم انتصروا لكن حتى يسحبوا آلياتهم العسكرية (على اعتبار أن المعركة انتهت)، فإن الأمر يستغرق بعض الوقت. مجرد تبديد للوقت لاستمرار القتل والتدمير والقضاء على الثورة، وقد بدأ هذه المماطلات لخدمة نظام بشار الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، بفكرة إرسال مراقبين عرب، ووسطاء عرب، ثم وسطاء دوليين، ولا نزال نتفرج على نفس اللعبة المستمرة كرخصة للقتل.

العالم كله يعلم أن المعركة غير متكافئة أبدا، ومع هذا يتحدث إما عن مسلحين أو الخوف من مسلحين في المستقبل، ولا أحد يتحدث عن أكثر من نصف مليون عسكري وأمني مسلحين يمارسون يوميا القتل والتدمير ضد بضع مئات، وربما بضعة آلاف على الأكثر، من المسلحين المستقلين أو المنخرطين تحت عنوان الجيش السوري الحر. عمليات السحق بشعة لا مثيل لها في حروب سابقة، مثلا في قرية دير سنبل، في ريف إدلب، دمرت قبل ثلاثة أيام قوات الأسد ثمانين من مباني القرية البالغ عددها مائتي منزل فقط، كما روت صحيفة «ديلي تلغراف»، ونحن نعرف أن الوضع مكرر في أنحاء البلاد. هذه هي صورة الثورة السورية طوال سنة من المواجهات اليومية؛ فريق مسلح، هو النظام، وفريق ثائر أعزل، هو الشعب السوري، وعالم يتفرج ويعلن خوفه من تسليح المعارضة.

من الطبيعي أن الثوار المرابطين على الحدود التركية - السورية يشعرون بالإحباط، وهم يخاطرون كل يوم بحياتهم عابرين الحدود، ناقلين المؤن واللاجئين والمنشقين والصحافيين. إنهم أمام حالة غير مألوفة؛ حصار مطبق على ثورتهم، تجاهر روسيا وإيران بمحاربتهم، ولا توجد قوى أخرى تعلن استعدادها للرد وتعديل كفة الميزان.

للأزمة السورية زوايا متعددة سأترك الحديث عنها لوقتها من حيث ميزان القوى الإقليمي إن نجح نظام بشار في قمع الثورة، لكن اليوم يعقد مؤتمر أصدقاء سوريا على مقربة من الحدود السورية، ونحن نعرف أنه لا توجد هناك مفاجآت بل بيانات تأييد شفهية واستنكار للمذابح التي يرتكبها النظام. الجديد في مؤتمر إسطنبول ويختلف عن مؤتمر تونس، تحت العنوان نفسه، أن الجماعات المعارضة السورية أعلنت رسميا التزامها بمبادئ الحكم التعددي والديمقراطي واحترام الحريات للأديان والطوائف، نفس المبادئ التي كانت الدول المختلفة تلح على إعلانها قبل تأييدها الثورة. لا أتصور أننا سنلمس خطوة موازية لدعم ثورة الشعب السوري.

الذي نريد أن نقوله للمجتمعين اليوم في إسطنبول، إن السوريين لن يقبلوا العيش تحت نظام أذلهم أربعين عاما، نظام قتل منهم في سنة آلافا من أبنائهم، وأخفى تحت الأقبية والسجون نحو مائتي ألف. ونقول للسبعين دولة الصديقة إنهم خذلوا شعبا بأكمله، حتى في تزويده بالمعونات الإنسانية، شعب بلا أدوية ولا فرق إنقاذ وأكل ولا مياه منذ أكثر من عام في مناطق قطعها النظام بأجهزة قمع شرسة. وكلنا في استغراب مما يفعلونه في إسطنبول، أو (عفوا) ما لا يفعلونه، حيال أكبر الكوارث الإنسانية والسياسية في المنطقة. إنهم يقتلون شعبا بصمتهم وتجاهلهم، ولهذا يحق لمقدسي أن يقول لهم ساخرا، قبل أن يجتمعوا، أمس، إن «معركة إسقاط الدولة في سوريا انتهت بلا رجعة».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريو الشتات .. فايز سارة

الشرق الاوسط

1-4-2012

تتفاوت تقديرات أعداد السوريين في الشتات. وأحد الأسباب يكمن في الخلط بين السوريين الذين ما زالوا يحملون جنسية بلدهم ويعيشون أو يقيمون في الخارج، وبين ذوي الأصول السورية ممن هاجروا إلى المغتربات، واستقروا فيها لسبب ما، ثم صاروا في عداد مواطنيها، وإن كان كثير منهم على ارتباط عاطفي أو مصلحي مع سوريته السابقة.

غير أنه وبغض النظر عن الفئة الأخيرة من السوريين في الشتات، فإن أعداد السوريين في الخارج تبدو كبيرة جدا، وحسب التقديرات فإن أعداهم تصل إلى نحو أربعة ملايين نسمة، وقد زادت أعدادهم خاصة في ضوء أحداث السنة الأخيرة التي شهدتها البلاد، والتي دفعت بمئات ألوف السوريين إلى الخارج، بينهم أكثر من مائة ألف تسربوا إلى دول الجوار المباشر.

وإذا كانت الأحداث بين أسباب تزايد أعداد السوريين في الشتات نتيجة خروجهم من بلدهم، فإن ثمة أسبابا أخرى متعددة ومتداخلة، شكلت دافعا لخروج السوريين إلى الشتات، والأهم فيها ثلاثة: أولها سياسي ناجم عن الظروف التي أحاطت بالبلاد في فترة ما بعد الاستقلال، والتي غلب عليها عدم الاستقرار وخاصة مع الانقلابات العسكرية، وما شهدته البلاد من أحداث دموية تكررت بمعدل مرة كل عشر سنوات منذ أن استولى البعث على السلطة في العام 1963، وبعضها استمر سنوات كما حدث في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، وقد دفعت الأسباب السياسية حشودا من السوريين إلى الخارج فارين من عسف الأنظمة، وكثير منهم التحقت بهم عائلاتهم، وآخرين كانوا راغبين بالعيش في بيئة سياسية مناسبة، والبعض بفعل الخوف المعمم من احتمالات المستقبل، ووحدها سنوات الثمانينات دفعت بنحو ربع مليون سوري هاربين من عسف النظام.

والسبب الثاني سبب اقتصادي، تمثله ظروف حياة السوريين الناتجة عن الخيارات الاقتصادية، التي غلب عليها طابع الشعارات أكثر من الوقائع، والتي اتخذت طابعا تجريبيا لا مؤسساتيا، وقد خلفت كوارث كان بين تعبيراتها تردٍّ اقتصادي كبير في مختلف المجالات، وتضييع فرص النمو، إضافة إلى ما خلفته السياسات من فقر وبطالة وتضخم طحنت السوريين وما تزال، بل إن تلك السياسات أدت في بعض نتائجها إلى هروب الرساميل السورية مبكرا إلى الخارج، وأسست لنهج مراكمة رؤوس الأموال السورية في الخارج، حيث يوجد هناك اليوم ما بين 120 و180 مليار دولار، وهذه الأسباب الاقتصادية ونتائجها حولت سوريا إلى قوة طاردة لمواطنيها بحثا عن فرص عمل هربا من الحاجة، أو طموحا إلى حياة أخرى تليق بتطلعات الناس، وكان من نتائج ذلك وجود عشرات آلاف السوريين في أغلب بلدان الخليج العربية، بينهم كثير من العاملين والمقيمين، وبعضهم من الباحثين عن فرص استثمار خارج السياق القائم في سوريا.

والسبب الثالث لحالة الشتات السوري يكمن في أسباب حضارية وثقافية، ناتجة عن سياسات الانغلاق الفكري والثقافي التي اتبعت بصورة متواصلة منذ استيلاء البعث على السلطة، حيث جرى تعميم ثقافات تعبوية في مختلف نواحي الحياة، وتم تطبيق نظام عسكرة الحياة وضبطها على نحو ما كانت عليه منظمات الفتوة في الفترة الأولى، ثم في تجربة الجيش الشعبي، وتاليا في التدريب الجامعي، وما بينها، مختلف القطاعات والمجالات، وتم إحكام القبضة الأمنية على الحياة العامة، وكلها غيرت الطابع العام للحياة السورية في جوانبها الحضارية الثقافية والتعليمية، ودفعت كثيرين للهجرة إلى الخارج، وبينهم كادرات نخبوية وطلبة دراسات عليا وتخصصية، وكثير ممن ذهبوا في هذا الاتجاه لم يعودوا، وأرقام هؤلاء ليست بسيطة. ففي ألمانيا وحدها هناك عشرات آلاف أطباء الأسنان السوريين، وفي الولايات المتحدة أكثر من ذلك بكثير.

وزادت أحداث العام الأخير من أعداد الشتات السوري، ليس فقط بسبب العوامل السابقة، إنما بسبب تدهور الأوضاع الأمنية نتيجة السياسات والممارسات الأمنية العسكرية، التي جرى تطبيقها في إطار حل الأزمة القائمة بدل الذهاب إلى معالجات سياسية، وعلى الرغم من أن أرقام اللاجئين السوريين إلى بلدان الجوار تحت تأثير العمليات الأمنية والعسكرية، تشير إلى عشرات الآلاف ممن ذهبوا إلى تركيا ولبنان والأردن، وأغلبهم مسجلون باعتبارهم لاجئين، فإن تقديرات المغادرين إلى الخارج بصفة مؤقتة أو دائمة تزيد على ذلك بكثير، لكن لا تتوفر أرقام رسمية عن هؤلاء.

وأضافت حركة النزوح الأخيرة إلى واقع الشتات السوري ملامح جديدة، كان أبرزها حدوث تغييرات جوهرية في حياة ومواقف الجاليات السورية، بأن أعادت ترتيب علاقاتهم ببلدهم ومواطنيهم، وأخذت تتكرس ملامح جديدة للجاليات وخاصة في الأوساط الشبابية، كان من نتائجها إعادة إدماجهم مع الشأن العام، والتفاعل مع ما تشهده البلاد من أحداث، اتخذ فيها البعض مواقف مؤيدة للنظام، فيما اتخذ آخرون مواقف المعارضة، وتفاعلوا بصورة إيجابية مع حركتي الاحتجاج والتظاهر، فنظموا مظاهرات، إضافة إلى حملات الإعلام والإغاثة المالية والطبية المتواصلة لدعم ضحايا الحل الأمني العسكري، غير أن الإضافة الأهم التي ظهرت في دور الشتات، هي تحوله إلى حاضن رئيسي للمعارضة السورية بمختلف تعبيراتها، ولا سيما المجلس الوطني السوري.

لقد تغيرت على نحو واضح ملامح الشتات السوري اليوم. وبعد أن كان الأبعد عن الهموم العامة للداخل السوري، صار الأقرب إليه، وبدل ما كان عليه الحال في تركيز الجاليات على المنافع الفردية لنخبتها خاصة، صارت أغلبية الجاليات تبحث عن المنفعة العامة لأكثرية السوريين، ومن أجل تخفيف معاناتهم والتفاعل الإيجابي مع مساعيهم من أجل التغيير والانتقال بسوريا إلى بلد حر ومعاصر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا الإصرار الروسي على الانتقام من الشعب السوري؟ .. خيرالله خيرالله

المستقبل

31-3-2012

يتحدث الرئيس الروسي المنتهية ولايته ديمتري ميدفيديف عن "قصر نظر" لدى اولئك الذين يعتقدون ان تخلي الرئيس بشّار الاسد عن السلطة لن يحلّ الازمة في سوريا.

في الواقع، ان كلام الرئيس الروسي، المنتهية ولايته والذي سيعود قريبا رئيسا للوزراء، يلامس الحقيقة في حدود معيّنة. نعم ان استقالة الاسد الابن لا تحلّ الازمة، لكنها خطوة اولى لا غنى عنها على طريق الحل. ولذلك من الافضل للرئيس الروسي التخلي عن التذاكي والسعي في الوقت ذاته الى محاولة استيعاب ان هناك شيئا ما انتهى في سوريا وان النظام غير قابل للاصلاح. اكثر من ذلك، عليه الاعتراف بانّ على بشّار الاسد الرحيل اليوم قبل غد نظرا الى ان وجوده في السلطة لا يمكن ان يأخذ سوريا سوى الى حرب أهلية ستنتهي بتفتيت هذا البلد المهم. هذا البلد الذي تدعي روسيا انها حريصة عليه بمقدار ما كانت حريصة على النظام العائلي- البعثي الذي اقامه صدّام حسين في العراق!

كان مفترضا في الروس ان يكونوا اكثر إلماما بالوضع السوري. كان مفترضا بهم الاعتراف أولاً ان الشعب السوري واحد وانه لا يسعى الى اقامة حكم سنّي كما يدعي وزير الخارجية سيرغي لافروف. اذا كان من ايجابية لكلام لافروف فانه كشف مدى الجهل الروسي في سوريا.

قبل كلّ شيء، ان نسبة تزيد على خمسة وسبعين بالمئة من السوريين تنتمي الى اهل السنّة. هذا واقع ليس في الإمكان تجاهله شاء لافروف ذلك أم أبى. البقية من ابناء الشعب السوري تنتمي الى الاقليات العلوية والمسيحية والدرزية والاسماعيلية. هناك سنّة اكراد وهناك اقلّية شركسية ايضا. ولكن في نهاية المطاف، هناك اكثرية كبيرة في سوريا من العرب السنّة. ما الذي يريده وزير الخارجية الروسي عمليا؟ هل يريد القول ان ليس من حق السنة ان يكونوا في السلطة، وان المصالح الروسية تتعارض مع وجود أهل السنّة في سوريا في مواقع عليا وان ليس ما يلبّي هذه المصالح سوى بقاء الوضع في سوريا على ما هو عليه منذ ما يزيد على اربعة عقود؟

كيف يمكن لدولة مثل روسيا ان ترفض التعاطي مع الواقع السوري كما هو وان تبحث عن كيفية المحافظة على نظام انتهت صلاحيته منذ فترة طويلة؟ ربّما كان ميدفيديف ولافروف ومعهما الرئيس الجديد- القديم فلاديمير بوتين يصدقون ان الشعب السوري يعشق حياة الذلّ ويعشق معها بشّار الاسد وان لدى الاخير ما يقدّمه للشعب السوري ولسوريا غير ما فعلته القوات التابعة له في حيّ باب عمرو في حمص. هل بلغت الوقاحة بالمسؤولين الروس الترويج لنظام بائس عاجز عن حلّ اي مشكلة تعاني منها سوريا في الداخل والخارج؟

يبدو ان الروس لا يريدون ان يتعلموا شيئا من الماضي القريب. فالسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح بشكل يومي مرتبط اوّلا واخيرا بشرعية النظام الذي تدعمه موسكو. مثل هذه الشرعية غير قائمة لسبب في غاية البساطة عائد الى ان النظام القائم منبثق عن انقلاب عسكري نفّذ في الثامن من آذار- مارس 1963، اي قبل تسعة واربعين عاما. تدرّج هذا النظام الذي بدأ بعثيا مدنيا الى نظام عسكري يستبعد الضباط السنّة الآتين من المدن الكبرى على رأسها دمشق وحلب وحمص وحماة. بعد ذلك، استُبعد الدروز. وفي مرحلة معيّنة، صار مطلوبا استبعاد الاسماعيليين. انتهى الامر بسيطرة ثلاثة ضبّاط علويين على رأس هرم السلطة هم محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الاسد.

منذ العام 1970، تفرّد الأسد الأب بالسلطة. انتهى من محمد عمران ووضع صلاح جديد في السجن. عالج كل المشاكل ما عدا مشاكل سوريا التي صار عدد سكانها في السنة 2012 نحو ثلاثة وعشرين مليونا بعدما كان عددهم في العام 1970 ستة ملايين نسمة.

ليس لدى النظام السوري الذي تحول منذ وفاة حافظ الاسد الى نظام العائلة الواحدة اي خيار غير الرحيل. انه نظام غير قادر لا على الحرب ولا على السلام ولا على التعاطي مع الواقع السوري والعربي. هل يكفي ان يكون هذا النظام تابعا لإيران كي يصبح شرعيا من وجهة نظر روسيا؟

سبق لموسكو ان دعمت انظمة انتهت صلاحيتها. ايام الاتحاد السوفياتي السعيد الذكر، دعمت الصومال في عهد محمد سياد بري، ثم انتفلت الى دعم اثيوبيا في عهد منغيستو هايلي مريم. ومنذ العام 1970 حتى العام 1990، استثمرت في النظام القائم في ما كان يسمّى "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية". ورط الاتحاد السوفياتي العرب، في مقدّمهم مصر، في حروب لا طائل منها. من الواضح ان السوفيات والروس لم يتعلّموا شيئا من التجارب التي خاضوها في المنطقة، بما في ذلك تجربتهم مع نظام البعث العراقي الذي ربطتهم به معاهدة صداقة وتعاون وقعت في العام 1972.

يمكن لروسيا ان تطيل من عمر النظام السوري. لكنها لا يمكن ان تبقي النظام على قيد الحياة الى ما لا نهاية. ما تفعله روسيا حاليا يتعارض مع منطق التاريخ لا لشيء سوى لانّ قضيّة سوريا هي قضيّة شعب اوّلا. هل تفهم موسكو هذه المعادلة البسيطة ام تتمسّك بموقفها الهادف الى إدخال سوريا في حرب أهلية تنتهي بتفتيتها؟ المؤسف انه كلما مرّ يوم تزداد مخاطر الحرب الاهلية في سوريا. انها حرب بغيضة سيدفع الشعب السوري ثمنها. لماذا هذا الاصرار الروسي على الانتقام من الشعب السوري؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القمة فشلت في الامتحان السوري! .. راجح الخوري

2012-03-31

النهار

اهم ما "أنجزته" القمة العربية في بغداد ذلك المشهد المتناقض، الذي جسدته تلك الصورة التذكارية عندما جلس الحاضرون من قادة ووزراء امام جدارية فخمة تعكس خطوط "الارابيسك" في تشكيل فني بديع، يتوسطهم المشير عمر حسن احمد البشير المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بما يعكس تقريباً بؤس الحال على مستوى القرار العربي ومؤسسة القمة!

لن يجادل احد هوشيار زيباري الذي استفاض في الحديث عن "النجاح المنقطع النظير الذي حققته القمة"، فهو كوزير للخارجية العراقية مضطر الى اسباغ مثل هذه الكلمات على قمة اقل من عادية، ليس بسبب المشاركة المتواضعة للزعماء العرب فيها، بل بسبب تواضع فعالية هذه المؤسسة التي تعكس ارادة الدول العربية امام العالم، وخصوصاً الآن في مرحلة التحولات العاصفة في اكثر من بلد عربي.

كانت اكثر الكلمات تداولاً في اليومين الماضيين: "ان العراق عاد الى العرب وان العرب عادوا الى العراق بعد غياب 22 عاماً". ولكن واقع الاحوال في العراق كما في الدول العربية يستدعي القول: "عودة وبأي حال انت يا عودة"؟ ذلك ان عدداً من الدول العربية دخل مرحلة تحوّل وتغيير في الانظمة والقيادات يغلب عليها الغموض وتسودها فوضى مرحلية ليس من الواضح متى تنتهي وكيف، بينما يقف عدد آخر على ابواب تغيير ليس من المعروف كيف ومتى يبدأ، ذلك ان رياح ما سمي "الربيع العربي" لم تتوقف بعد وان كانت تعصف دماً الآن في سوريا!

قمة بغداد سقطت في الامتحان السوري وهو طبعاً الاكثر إلحاحاً في هذه المرحلة، سقطت لا لأن سوريا رفضت سلفاً اي قرار يصدر عنها، ولا لأن بعض الكلمات التي ألقيت فيها كانت على طريقة النعامة اللبنانية والنأي بالنفس، بل لأن محاولات احياء روح "المبادرة العربية" التي دعت الرئيس بشار الاسد في 22 كانون الثاني الماضي الى التنحي لصالح نائبه فشلت تماماً، بعدما تم دفنها في مقبرة كوفي انان ونقاطه الست التي فتحت مع دمشق طريقاً من الردود والرد على الردود لن ينتهي، فها هو الاسد يوافق على خطة انان لكنه لا ينفذ فيوقف النار، بل يدفع بدبابات الى المدن والاحياء في سياق الحل العسكري ثم يفاجىء انان بالقول: وافقنا ولكن لنا ملاحظات والشياطين تكمن عادة في الملاحظات!

وفي حين وقف زيباري ينفض قميص عثمان العربي من المأساة السورية مكرراً القول: "ان الازمة دخلت دائرة التدويل" وهي مدولة اصلاً على يد روسيا، كان انان يوسع خريطة زياراته الى العواصم بما يعطي الاسد مزيداً من الوقت، بينما اعلنت موسكو انه وحده الذي يقرر تمديد مهمته او عدم تمديدها، وان اجتماع "اصدقاء سوريا" في تركيا لا يمكن ان يلغي دور مجلس الامن حيث تقيم حاجز "الفيتو" في وجه اي قرار!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة أنان وتمديد القتل .. علي حماده

2012-03-31

النهار

قبل النظام في سوريا خطة المبعوث العربي - الدولي كوفي أنان المؤلفة من ستة بنود، لكنه قبلها وفق ما جاء في رسالة بشار الاسد الى قمة دول "البريكس" في نيودلهي مرفقة بملاحظاته، فضلا عن شرط "اجراء مشاورات شاملة حول التفاصيل المتعلقة بالانتقال من تطبيق عناصر الخطة وفق تفاهم شامل". ويستفاد من كلام بشار انه يحمّل خطة أنان اثقالا جديدة تمنحه مزيدا من الوقت قبل ان يبدأ بتطبيق الشرط الاول والاهم المتمثل بوقف القتل. وعلى جاري العادة التي لطالما اعتمدها الاسرائيليون في مفاوضاتهم مع الفلسطينيين بإغراق الخطط بتفاصيل وتفاصيل تفاصيل وقد تعلم حافظ الاسد من الاسرائيليين هذا النمط في التفاوض ايضا على جاري العادة يستمر القتل في سوريا والعالم يتفرج من دون ان يفعل شيئا جديا لايقاف المجزرة.

ومع ان خطة أنان تشكل بمعنى من المعاني ضربة للمعارضة السورية وطعنة لشهداء الثورة بتجاهلها بند تنحي الاسد، ومنحها النظام حق تفاوض مع المعارضة وكأن دماء عشرة آلاف شهيد ذهبت سدى في كواليس لعبة الامم، فإن كل بند من البنود الستة يمثل مقتلا لبشار والنظام، اذ ان مجرد وقف القتل وادخال مراقبين دوليين، ومعهم وسائل الاعلام العالمية بحرية تامة، سيمنح السوريين فرصة ذهبية للنزول الى الشارع بالملايين ومحاصرة النظام شعبيا في كل مكان، بدءا من دمشق نفسها. هذا ما يعرفه النظام حق معرفة، ولذلك فإنه يعلن قبولا لفظيا لخطة كوفي أنان ثم يلجأ الى شراء الوقت بالتفاوض على كل بند من البنود، طارحا اشتراطات من قبيل المطالبة بتجفيف منابع دعم ما يسميه "الارهاب" تمويلا وتسليحا! ويعلم كوفي أنان ان بشار يحاول التشاطر وكسب مزيد من الوقت أملا في سحق الثورة عسكريا قبل الوصول الى طاولة المفاوضات، وخصوصا انه ربح نقطة جوهرية من خلال خطة أنان التي تعاملت مع النظام باعتباره لا يزال شرعيا، اقله حتى اللحظة. لكن هذا المكسب، على اهميته، موقت ولا يمكن البناء عليه اذا لم يتم سحق الثورة عسكريا وبسرعة، وهذا بالتحديد ما يستحيل على بشار وجنرالاته تحقيقه في ظل التوازن الذي تؤمنه البيئة الشعبية الحاضنة للثورة في معركتها ضد اعتى الانظمة المشرقية قوة وتسليحا وهمجية في القتل. فانعدام التوازن في السلاح والقدرات العسكرية يقابله مدد شعبي هائل وتصميم ملايين السوريين على التخلّص من بشار وبطانته، وانهاء مراسم دفن "جمهورية حافظ الاسد".

ان الاسابيع المقبلة مفصلية على اكثر من مستوى: بداية لجهة لملمة شمل المعارضة بشكل نهائي، ويتوقع ان يكون مؤتمر اصدقاء سوريا يوم غد مناسبة لابراز مشهد معارض جدي. ثم يأتي دور استكمال اجراءات تمويل وتسليح الجيش الحر كي يصير قوة ميدانية قادرة على منع جيش الاسد من سحق الثورة، ومواصلة شق جيشه من الداخل. وتبقى المفارقة ان كل الاطراف يوافقون على خطة أنان ويعملون على أساس أنها فشلت قبل أن تبدأ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف نكمل صنع الثورة السورية؟ .. مازن كم الماز

2012-03-30

القدس العربي

لا شك أن ما فعله السوريون طوال العام الأخير شيء خارق بالفعل وإن نسبيا، كما كل الشعوب التي ثارت وتثور على طغاتها .. لا شك أن كل الكلام عن التغيير، عن غد أو مستقبل مختلف وربما أفضل، كان مجرد هراء قبل الثورة، لا شك أن كل التنظير وكل المنظرين، كل السياسيين وكل المعارضين، الذين ينتظر أن يكون منهم سادة سورية المستقبل، كانوا أشبه بنكرات قبل الثورة، إذا كان من فعل أو حدث أقرب للمعجزة في هذا العالم فإنها الثورة ..

وحدهم الثوار، ليس فقط بتضحياتهم، بل أساسا بجرأتهم وبشجاعتهم، هم من يمنح كل الكلام عن الغد والتغيير، عن الحرية وعن العدالة، معنى واقعيا بالفعل أكثر من مجرد كلمات قيلت وتقال فقط، لكن الموضوع لا يقتصر فقط على قيم العدالة والحرية التي طالما داعبت النخب وخاصة الفقراء والمضطهدين في أحلامهم المستحيلة، اللامعقولة، بل أيضا قيم أخرى لسادة قدامى وآخرين جدد، في هذا العالم عدد هائل من الأشخاص المولعين بالسيادة ومن الخطابات المولعة بالسيادة لدرجة أنهم يطرحون المشكلة على الشكل التالي: من يستحق أن يكون السيد، أو من هو السيد الأفضل، طبعا يطرح السؤال بحيث أن هذا الأفضل يفترض أن يكون لصالح من سيخضعون لهذا السيد.. من الصعب أن ينصب المرء نفسه قاضيا على الآخرين، أو حكما عليهم، هذا ينطوي على ممارسة سلطوية واضحة، ليس فقط أنه يعرف أكثر، بل أنه يستطيع تقرير حياة الآخرين أفضل مما يمكنهم هم أن يفعلوه، ليس هذا إلا زعم سلطوي تافه رددته كل الديكتاتوريات في كل مكان وزمان.. إن هذا الحكم يصح أكثر عندما نخاطب ثوارا يصنعون التاريخ، لا أدري أي صنف من البشر يمكنه أن يمارس مثل هذه الفوقية مع الثوار لينصب نفسه سيدا 'مطاعا' على بشر يناضلون ويموتون في سبيل الحرية، لكن البعض يقول مع ذلك: إن هناك من يفعل هذا وبنجاح كبير مع الثوار السوريين، الذين يبدو أنهم لا يقدرون حقيقة وضخامة ما فعلوه ويفعلوه.

يجب ألا ننسى أننا ما زلنا نعيش في حضارة أو ثقافة أو مجتمعات الاستعراض أو الفرجة Spectacle كما كان يسميها المفكر الراديكالي الفرنسي غي ديبورد أو الإيهام كما سماها الفيلسوف جان بوريارد، حيث تبدو الصورة الافتراضية أكثر واقعية من الواقع اليومي المعاش، بل ومسيطرة أو متفوقة عليه، لقد أنتجت ثقافة الاستعراض صورها أيضا فيما يتعلق بالثورة السورية، هذه الصور الافتراضية التي قد تبدو لنا وللثوار أنفسهم أكثر واقعية من مشهد الموت الذي يلاحق المتظاهرين السوريين حتى بيوتهم، بينما هي تعبير عن مصالح وثقافة سائدة ليس إلا، إنها تعيد إنتاج الواقع وتزيفه في نفس الوقت، إنها تحاول انتزاع البطولة الحقيقية من الثوار الفعليين بجعلهم ملحق لصورها، لشخوصها (لأبطالها) الافتراضيين، وفي النهاية لأولوية مصالحها ..

أحد مشاكلنا اليوم هو أن الكثيرين باتوا يقبلون ذلك الخلط بل ذلك التشويش، بين مصالح الجماهير السورية وبين مصالح القوى المعادية لنظام الأسد أو مؤيديه الروس أو الإيرانيين، بين البطل الحقيقي للثورة السورية وبين 'الأبطال' الافتراضيين بحيث بات انتقاد الأخيرين يعتبر انتقادا للثورة ولأبطالها الحقيقيين.

إن جزءا مهما من الدفاع اليوم عن الثورة السورية وعن ثوارها يقوم على مواجهة هذا الخلط بالتحديد .. لا شك أيضا أن الكثيرين، خاصة ممن هم خارج سورية أو من 'الثوار الفيسبوكيين' يضطرون، باحثين عن خلاص 'افتراضي' أو عن كبش فداء لإحساسهم بالعجز وجزئيا بالذنب، إلى الهروب إلى الأمام عبر لعبة ذهنية يحاولون فيها التماهي مع الثورة، مع الثوار، عن طريق محاولة إظهار الثورة السورية خالية من الشوائب، شيء ما أشبه ب'كائن أسطوري' 'فعل أو حدث فوق إنساني'، 'فوق تاريخي'، هكذا يمسخون هذا الفعل الإنساني بامتياز والتاريخي بامتياز لكي يعبروا عن 'إيمانهم' به .. إن الثورة في الحقيقة ليست إلا فعل دخول الناس إلى التاريخ، إلى حيز الفعل الحقيقي، المؤثر والتاريخي، إنها فعل جماهيري بالأساس، وبالضرورة، تحدث الثورة فقط عندما تصبح مقاومة أي نظام استبدادي أو استغلالي جماهيرية أكثر ما يمكن، عندما تتحرك غالبية المجتمع مقاومة للسلطة التي تضطهدها، وأي شيء، سياسة، تكتيك أو مشروع أو خطاب أقلية فيها، يفقدها أو ينزع عنها هذه الصفة يعني اختزالها إلى صراع بين أقليات من أجل السيطرة على الغالبية السلبية، الأمر الذي لا يمكن بحال أن يسمى ثورة ..

الثوار على حق أيضا لأنهم ينهضون في وجه جلادهم لينتزعوا حريتهم، الثورة لا تجعلهم معصومين، إن عملية اكتشاف الأخطاء والنضال لإصلاحها من خلال نضالهم وبحثهم الشجاع والدؤوب عن الطريق إلى حريتهم الحقيقية هو الذي يحدد لهم هذا الطريق ... أكثر من ذلك، في وجه نظام فاشي بالدرجة التي كشف عنها نظام الأسد وفي ظل تواطؤ صامت أو مشاركة مباشرة في قمعها من قوى هذا العالم الفاعلة، لا يمكن للثورة السورية أن تنتصر على خصمها الدموي دون أن تحتفظ بطابعها الشعبي الجماهيري، دون أن تبقى وتتسع كفعل مقاومة تشمل معظم الجماهير السورية ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة المتحركة والمجلس الساكن .. د.فارس الكياخي

مركز الشام المعاصر للدراسات

أي عمل حركي يحتاج إلى قيادة فكرية واضحة المعالم معروفة النهج تتمتع بدرجة عالية من الثقة بين أطياف من تمثله ,لذا وجب أن يكون للثورة السورية وخصوصاً بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في مقارعة نظام من أكثر الأنظمة مراوغة ودموية, وجب أن يكون لها قيادة سياسية حرة الحركة ،وحرة الحركة تعني أن تكون هذه الواجهة السياسية في الخارج.

إن فكرة تشكيل المجلس الوطني كانت حاجة ملحة ومطلب متكرر نادى به ثوار الداخل كي يكتمل العمل الميداني الداخلي بالسياسي الحرة الحركة في الخارج ،ليقوم هذا الأخير بنقل حقيقة ما يجري على الأرض السورية الملتهبة إلى المجتمع الدولي ويصبح الصوت المعبر عن أوجاع المذبوحين بآلة القتل المنفلتة من جميع القيم البشرية, كما أنه سوف يقوم مقام البديل عن النظام الحالي لتجنب الفراغ الذي قد يخلفه سقوط النظام الحالي وإسقاط الذريعة التي يتذرع بها أصحاب مقولة عجز المعارضة عن تقديم البديل الحقيقي عن النظام القائم, بهذا كان عليه أن يقدم كياناَ مرحب به من قبل الخارج ومقبول من قبل الداخل ،أي ينال شرعيته من الشارع الثائر ويلاقي التراحب من قبل المجتمع الدولي على أنه قائد لمرحلة الثورة ويحمل رؤية مستقبلية تؤسس للمرحلة الانتقالية.

إن الثورة السورية التي فاجئت النظام فأحالته كالخفاش الذي اشرقت عليه الشمس دون سابق إنذار فهو يتحرك على غير هدى ،هي أيضاً أحدثت ارتباكاً في تحركات المعارضة الخارجية التي لم تكن أعدت عدتها وهيأت الأدوات اللأزمة كي تتعامل مع حالة بهذا الحجم ،أعني أن المعارضة- سوى بعض التكوينات التي قد تكون وضعت بعض الرؤى لسوريا جديدة – لم تمتلك بنيات متماسكة ومتناغمة في الحركة بالقدر الذي يسمح لها أن تنتج مشروعاً وطنياً كاملاً, هذه الحالة من فوضى المعارضة والتي ظهرت جلياً مع بدأ الثورة أدت إلى تأخر الحراك السياسي الخارجي عن الميداني الداخلي رغم الجهود المخلصة من قبل بعض تشكيلات المعارضة ذات التوجهات الاسلامية التي تعتبر الأكثر نضجاً في التعاطي مع النظام نتيجة الخبرة الطويلة في مقارعته, إلى جانب بعض الشخصيات الوطنية ذات المشارب المختلفة.

هذا الحالة لم تكن نتيجة عقم في الوضع السوري بل نتيجة طبيعية لممارسات النظام التي أدت الى تصحر في الارض السورية على متختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والثقافية وحتى شبكة العلاقات الإجتماعية ليجعل من المجتمع السوري حالة متأخرة عن الركب العالمي وقوقعة مغلقة تجاه تيارات التغيير وشتات متناقض غير متصالح مع بقية مكوناته.

في حين أن الثورة أستطاعت أن تضخ الدماء في عروق شبكة العلاقات الإجتماعية الفتية من خلال الحراك الشبابي سواء في الداخل والمتمثل بالمظاهرات السلمية التي أظهرت درجة عالية جداً من التنظيم ورقي في الشعارات التي طالبت بالوحدة الوطنية بين جميع مكونات المجتمع ونبذ الطائفية والعرقية, وكذلك الأمر بالنسبة للمجموعات التي أخذت على عاتقها حماية العزل من هجمات قطعان الشبيحة ومن شابحهم, وكذلك كان حال الحراك الشبابي الخارجي الذي لعب دوراً حيوياً في المجال الإغاثي والدعم الإعلامي.

لكن التصلب وقلة المرونة التي أصابت جسم المعارضة التقليدية جعل من وضعها حالة متأخرة عن مجارات الحراك الشبابي لهذا السبب لم تكن مواقف المعارضة منسجمة فيما بينها بالقدر الكافي الذي يمكنها من قيادة الحراك الثوري النشط بل قد تكون في بعض مواقفها من المثبطات المعطلة لتسارع الحركة وإن كان جانب من ذلك نتيجة طبيعية في ظل الحالة السورية وتحت هيمنة نظام متعدد الأذرع والأرجل قد يستطيع من خلال هذه الأذرع أن يتسلل إلى جسم المعارضة ويحدث حالة من الفوضى قد تظهر على السطح على شكل اختلافات جوهرية في طرق التوصيف والحل, لكن هذا لاينفي وجود بعض الشخصيات والهيئات ذات الارتباطات الخارجية أو المشاريع التي لاتخدم بناء سوريا حرة موحدة.

إن تشكيل المجلس الوطني في ظل تراكب تعقيدات الحالة السورية التي فرضها نظام الأب والأبن لم يكن بالمهمة السهلة ،لذا فإن الجهات التي تصدت لهذه المهمة بذلت الكثير حتى تستطيع أن تصل بالمعارضة إلى وحدة حال على شكل مجلس وطني.

طبيعة الحالة الثورية المتحركة والمتغيرة تفرض على أي مكون يقودها أن يكون دائم التجديد والتطوير، إذ أنك لن تستطيع أن تكون ثابتاً على سطح متحرك ،بل ينبغي عليك كي تستمر في ثباتك وقيادتك أن تكون في تغيير دائم, لذا من مخاطر ثورات الربيع العربي وكونها ثورية شعبية ولسيت ثورات أديالولوجية أو ثورات تتبع رموز فائقة التأثير ، أنها تحرق كل ما تقدمه إليها إن طالت فترة مكوثه على هذا الصفيح الساخن, ومن هنا يجب أن يكون للمجلس ورافديه رصيد احتياطي من النخب والكفاءات التي يجب استبدالها كلما تطلبت الحاجة لذلك حفاظا على الكفاءات الوطنية من التلف والتشويه, أما أن تلقي بجميع أوراقك في حالة بهذا الشكل من التعقيد ،أرى أنه ليس من الحكمة في شيء.

المطلوب الآن من المجلس الوطني حسب زعمي أن يعيد تجديد نفسه وبشكل متواصل وإن تطلب الأمر بعض الغربلة للتخلص من الحمولة الزائدة وتحرير الجسم من بعض الأعباء التي قد تعيق تسارعه وتحديث الرؤية السياسية وتغيير على مستوى الهيكلية القيادية وتنشيط فعالية المكاتب والهيئة المختلفة التي تعمل تحت لواءه كي يستطيع هذا الكيان المهم الاستمرار بقيادة الثورة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ما قلته لصديقي الياباني ( لقد قادونا نصف قرن في التيه ) .. زهير سالم*

بدأني الصحفي الياباني ، الذي ألقاه القدر عليّ هنا في لندن ، بالقول أنا قادم من قلب المجتمع الياباني . الناس في بلادي يريدون أن يعرفوا حقيقة ما يجري في بلادكم . هم مبهورون بشجاعة شعبكم وبثباته مع عظم التضحيات ، كيف يستهين هذا الشباب بالموت ، ولكن الأهم لماذا كل هذا ؟!

 

تشعر في مثل هذا الموطن أنك مضطر أن تشرح أكثر وأن توجز أكثر ، فهذا الصحفي الياباني ليس بريطانيا ولا هو فرنسي يعرف عن بلدك وتعرف عن بلده ما يعفيك من قول الكثير. ماذا يعرف أحدنا عن المجتمع الياباني وماذا يمكن لياباني أصر على التعريف بنفسه ( من قلب المجتمع الياباني ) أن يعرف عن سورية الحضارة والإنسان والسياسة ..

 

استحضرت بعض أدواتي المعرفية لأستعين على التواصل . فلتتواصل إيجابيا مع إنسان يريد أن يعرف عنك لا بد أن تشعره أنك تعرف عنه . وانك أيضا كنت يوما مهتما به وبقضايا بلده . تذكرت على الفور الرواية اليابانية الوحيدة التي أتيحت لي قراءتها منذ سنوات . قلت يومها وأنا أرصها في قائمة مشترياتي ، لاشيء يدخلك في تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع مثل عمل روائي اجتماعي . كانت رواية ( ضجيج الجبل ) واحدة من المصادر التي تؤكد بحق وحدة النفس الإنسانية في تطلعاتها وهواجسها وترقبها . وعزز من قرار شرائها يومئذ أن مؤلفها أحد الحائزين على جائزة نوبل لمنحاه الإنساني . وكان مجرد ذكر اسم ( ياسوناري كاواباتا ) مؤلف الرواية كافيا لكي يسترخي الرجل وهو يستمع إلي . كما استرخيت أنا بعد أن قرأت على الرواية اسم مترجمها صديقنا المثقف والمعارض السوري ( صبحي حديدي ) . الذي كان يرصف المشاعر اليابانية بأسلوبه الشيق ، فتظن أنك ، لولا فنجان الشاي في ظل شجرة الكرز، في بعض قرانا في الشام الحبيب . الحلم والنبوءة والخوف من القادم ومن الثعبان الضخم ( سيد المكان ) يقولها الياباني كما يستعيذ منه العربي . وربط ذلك ببعض مظاهر الطبيعة ، كما تؤكد ثرثرة العجوزين في الأسرة اليابانية كل ذلك هو بعض المشترك الإنساني الذي لم تستطع مادية العصر إغراقه . مع فوارق واضحة في سلوك الأجيال ، وإصرار غير محدود على النجاح ..

 

كان ما بقي في ذهني من تفاصيل الحياة الاجتماعية اليابانية جسرا مهما للانتقال إلى الحديث عن الثورة السورية بأبعادها . بدأ الحديث وانتهى عن هذا المشترك الإنساني . عن الشعوب تحلم وتأمل وتخاف وترجو تنجح وتفشل ولا يعيبها أنها تحاول من جديد المهم ألا تيأس.

 

 قلت لصديقي : هل أنت متابع للتقارير التنموية الأممية بشأن الشعوب العربية ؟ هز رأسه إيجابا . قلت له هذه التقارير هي سر الربيع العربي .أرادت الشعوب العربية أن تقول للعالم هذه التقارير ليست تعبيرا صادقا عن حقيقتنا نحن بل هي من إنجاز هؤلاء المستبدين المفروضين علينا . هي من إنجاز ابن علي ومبارك والقذافي وبشار الأسد وأبيه من قبله . هذه هي حقيقتهم وحصيلتهم.

 

ثم قلت : وهل لديك خلفية ما عن وضع وطننا سورية في إحصاءات المنظمات الإنسانية والتنموية العالمية ، قال إحاطتي بذلك تامة . قلت وهل تمتلك الأرقام المساعدة عن قدرات هذا الوطن الذاتية وعن الوضع الذي كان بالإمكان إنجازه لو وجدت هذه القدرات حسن إدارة وأمانة في الأداء قال أعرف أشياء وأحتاج إلى أخرى .

 

قلت له كانوا في الصف الخامس الابتدائي يعلموننا في دروس الحساب أمثلة عن الحوض والصنبور – هكذا كانوا يسمونه – والمصرف . ودائما كان السؤال : في كم من الزمن يمتلئ الحوض ؟ وكان المعلمون يسألوننا شفهيا : متى لا يمتلئ الحوض أبدا ؟! فنجيبهم تلقائيا وجماعيا ... فيهزون رؤوسهم ويبتسمون ، ولم نكن ندري سر ابتسامتهم ، سألته هل تعلمتم مثل هذا الحساب في المدرسة اليابانية ؟! فهز رأسه وابتسم وكانت البسمة هي الجواب.

 

ثم قلت لصديقي لتعلم أيها الصديق العزيز أن شعبنا لا يقل عظمة عن شعبكم . وقد انطلقنا معا في مضمار . وما زلت أذكر من حديث المجالس في المرحلة التي تبرعم فيها وعيي في الخمسينات ، رجالا كبارا يتحدثون عن سورية التي يجب أن تكون في حلمهم ( يابان الشرق ) .

 

أنتم خرجتم من الحرب العالمية الثانية وجرح (هيروشيما ) و ( وناغازاكي ) ما زال طريا ؛ ولكنكم صممتم أن تنجحوا ووجدتم من قيادتكم السياسية اليد الأمينة التي تساندكم وتحفظ عليكم طريق النجاح . ونحن خرجنا من عهد الاستعمار ننفض عن جناحينا غبار التعب . ونترسم الطريق الذي سلكتموه بنفس الإصرار . كان الكبار في مجتمعنا يتتبعون قصص الإصرار على النجاح يقودها امبراطوركم الذي أخذ على عاتقه القبول بوقف إطلاق النار ليس ليستسلم وإنما ليفتح لشعبه الطريق إلى المجد بالجد والعمل والمثابرة والإيثار ..

 

ومنذ الخطوات الأولى على طريق البدايات الناجحة لشعب تؤهله خلفيته الحضارية ليبدع ويتقدم مثلكم تماما ، ويؤهله موقعه القومي ليكون الرائد الذي يحتذى ؛ اختُطف شعبنا ومشروعه وحلمه على يد حفنة من الضباط المغامرين لينتهى بنا الأمر في شباك ( الأسدين ) من الأب إلى الابن ، هؤلاء الذين قادونا إلى كل ما تحفظه عنا من أرقام مخزية تطفح بها المتابعات واستطلاعات الرأي والإحصاءات الإنسانية والتنموية حتى غدونا مضرب المثل في السوء في كل شيء ..

 

إذا قلت لك لقد ثار شعبنا لأنه كان يريد أن يكون مثل شعبكم العظيم في تحديه وفي إنجازه ربما تدخلك الدهشة ؛ ولكنها الحقيقة التي ظلت حاضرة في ضمير هذا الشعب لعقود. هذه الثورة السورية الرابعة أو الخامسة حسب اعتبارك للرقم ، الشعب يثور لأنه يريد الخلاص من التيه الذي دوخه آل الأسد فيه في حرب الرايات والشعارات . ليعود إلى نقطة البداية بعد نصف قرن من الضياع . وأرجو أن تنقل تحيات الشعب السوري إلى الشعب الياباني الصديق وقل لهم إننا وإياهم والمجد على موعد .

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com