العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08/01/ 2012


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

بين حمص ..وغزة .. د.جهاد عبد العليم الفرا

شهد العالم في مثل هذه الايام قبل ثلاث سنوات حربا وحشية واعتداء غاشما من قبل قوات الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة حرك ضمير العالم، وهز قلوب الملايين من البشر بدمويته وساديته وفظائعه ومشاهده المؤثرة ومواكب شهدائه اليومية التي لم تستثن طفلا أو شيخا أو امرأة ، ففي السابع والعشرين من شهر يناير من عام 2008 للميلاد، الموافق للتاسع والعشرين من شهر ذي الحجة من عام 1429 للهجرة شرعت القوات الصهيونية بمجزرة جديدة من المجازر التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني وأضيفت إلى السجل الحافل للمجازرالتي ارتكبت بحق هذا الشعب الصابر المصابر حيث أغارت قوات الغدر الصهيونية الجوية والبرية والبحرية المزودة بأحدث الأسلحة على قطاع غزة موقعة الهدم والتدمير والقتل في عشرات المؤسسات والمساجد والبيوتات الفلسطينية والآلاف من الشهداء والجرحى وخلفت الآلاف من المعاقين والأرامل والثكالى والايتام .

وقد كنت من كوبنهاجن عاصمة الدانمرك، شأني شأن الناس في أنحاء الأرض أتابع الإنتهاكات الوحشية على البشر والحجر والشجر في القطاع الجريح من أرض فلسطين السليبة، مسمرا أمام شاشات الفضائيات وما تنقله من فظائع وجرائم دموية تقشعر لها الأبدان. وهي مهما نقلت فلن تستطيع أن تغطي كل الحقيقة بل نبذة عنها، فالحقيقة كما رأيتها فيما بعد أمر وأفظع بكثير من الصور والمقاطع التي بثتها وسائل الإعلام. شاركتُ في التجمعات والمظاهرات والاعتصامات التي أقامها العرب والمسلمون في الدانمرك، لكن كل ذلك لم يصل إلى الآذان الصماء في المجتمع الدانمركي أو الإقليمي أو العربي أوالدولي، ولم يكن ليرقى ليقنعني بأني قدمت شيئا لإخواني وأخواتي في غزة العزة يرقى إلى عظيم صبرهم وصمودهم وتصديهم للظلم وتضحياتهم العظام، ولم يكن ليشفي القلب من الشوق إلى أولئك الأحبة الأفذاذ في تصديهم لأعدائهم وفدائهم ودفاعهم عن شرف أمتهم ووطنهم وأهلهم وعقيدتهم ودينهم. فكان لابد من العزم وتلبية نداء الواجب .الواجب الإنساني والواجب القومي والواجب الديني فذهبت إلى هناك وتمكنت مع من تمكن من الطواقم الطبية والقوافل الإغاثية من الدخول إلى قطاع غزة الحبيب بعد رحلة شاقة عسيرة اعترضتها كل عوائق الحصار المطبق الخانق الكثيرة التي تحيط بالقطاع الجريح، وشاركت مع من شارك في إسعاف الجرحى والمصابين ومواساة أهل غزة الصابرين المحتسبين.

ثلاث سنوات مرت ليشهد العالم اليوم اعتداء وحشيا آخر، وقمعا دمويا آخر، وقصفا وقتلا وحصارا آخر من قبل نظام يدعي المقاومة والممانعة والصمود والتصدي ضد شعب ثار ضد ظلم هذا النظام بسبب مانال منه من إجرام وقهر وفساد واستبداد وخلف أكثر من ستة آلاف شهيد وعشرات آلاف أخرى لم تحص إلى الآن من الجرحى والمعتقلين والمهجرين والارامل والثكالى والأيتام والمعاقين ومن فقد المعيل والتي تزداد اعدادهم مع كل ساعة تمضي ومع كل يوم يمر، كل هذا والحصار مطبق أكثر بكثير من حصار غزة، وخانق أكثر بكثير من حصار غزة فلا وسائل إعلامية تغطي فداحة الخطب وعظيم المصاب كما حصل في غزة خلا الهواتف النقالة البسيطة التي يستعملها الثوار الابطال لنقل جزء بسيط مما يجري على الارض، وبث قسط ضئيل من معاناة الناس وصراخاتهم ونداءاتهم واستغاثتهم وآلامهم في حمص بكل أحيائها المنكوبة، ودرعا بكل مناطقها الجريحة، وإدلب وكل مناطقها المحاصرة، ودير الزور وكل قراها المكلومة بل سوريا كلها من القامشلي إلى بانياس ومن الحسكة إلى السويداء من اقصى شمالها إلى اقصى جنوبها ومن أقصى شرقها إلى أقصى غربها تحاصرها الدبابات تقصف مدنها وقراها وتعبث بها قوى النظام من جيش وشبيحة تعتقل رجالها وشبابها وتروع نساءها وأطفالها وشيوخها وتقصف بيوتها ومساجدها وأحياءها وتحاصر كل مناطقها ولا من طواقم طبية ولافرق إسعاف دولية ولا قوافل إغاثية.

وأتحرق على مدينتي الجميلة حمص العدية، حمص البطولة والعزة والفخار والمجد، أتحرق على مرابع الطفولة ومروج الصبا وبساتين الفتوة ،وأتشوق إلى ضفاف العاصي وساقية الري في بابا عمرو كم قضينا عليها من نزه جميلة وسيارين " السيران باللغة الحمصية : الرحلة مع الاصدقاء" ممتعة في بساتينها الخضراء، نتعلم فيها اللغة والأدب ومعاني الاخوة والرجولة والبطولة والفداء ، أتحرق على اهل حمص أرحامي وعشيرتي وأقربائي ماذا حل بهم تحت الحصار والقصف والدمار، وأتحرق على الجرحى المساكين والمصابين المتألمين من يداوي مصابهم ويضمد جراحهم ويواسي مصابهم . أتحرق أن أكون بينهم أداوي جرحاهم وأواسي مرضاهم لكن مامن سبيل وما من طريق.

وتصمد حمص كما صمدت غزة، وستنتصر حمص كما انتصرت غزة، وسيعلو فيها صوت الحق والقوة والحرية كما علا بغزة، وسينتشر فيها العدل والاخوة والمساواة والتسامح بعد أن نشرفيها نظام البغي العداوة والتفرقة والأحقاد، ومن حمص إلى كل سورية ستنتشر الحرية والعزة والكرامة ليعيش السوريون كل السوريين في ظل نظام عدل تعددي مدني ديمقراطي يحقق العدالة الاجتماعية وينشر الخير والرفاه لكل مواطن سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

جمعة الزحف إلى ساحات الحرية .. محمد فاروق الإمام

نعم صدق أحرار سورية في دعوتهم إلى الزحف نحو ساحات الحرية.. واستجابت الجماهير لنداء الأحرار شيباً وشباباً.. نساء وأطفالاً.. ملأت ساحات الحرية بمئات الآلاف كالموج الهادر تصدح حناجرها بأهازيج الحرية والكرامة والديمقراطية، متحدين جرذان النظام وجراثيمه ومندسيه وشبيحته وعصاباته المسلحة وكتائبه العسكرية ودباباته ومدرعاته التي ضلت الطريق وخلفت وراء ظهرها الجولان، مصوبة فوهات مدافعها إلى صدور الأحرار في حمص وحماة ودرعا واللاذقية وإدلب وبانياس ودير الزور وجبل الزاوية ودوما وحرستا والمعضمية والقامشلي والبوكمال، ممزقة صدور الأحرار العارية إلا من التصميم والإرادة والشجاعة والثبات والإقدام، لا يثنيها عن ثورتها رصاص غادر جبان يقطع الأوصال ويخترق الأحشاء، وقد عاهدت الله والشعب على تحرير سورية من قتلة الحياة ومصادري الحرية والعابثين بالكرامة والناهبين لثروات الوطن والفاسدين للدولة والمجتمع والمستبيحين لمقدسات الأمة وحرمات البيوت، والحاقدين على إنسانية الإنسان ومجففي ينابيع الأمل واستشراف المستقبل والقادمين من ظلمات الكهوف الغابرة.

شهد العالم يوم أمس في جمعة الزحف نحو ساحات الحرية عبر الشاشات الفضائية العربية والأجنبية هذه الحشود البشرية الهائلة تتقدم نحو هذه الساحات كموج البحر الهادر بكل عنفوان وكبرياء، فساحات الحرية وجدت للأحرار وليس لعبيد السلطان من المصفقين والمطبلين والمزمرين والصداحين والهتافين والوصوليين والمتسلقين والجبناء والإنمعات، الذين تجمعهم عصا السلطان وتفرقهم كما تجمع عصا الراعي قطيع الأنعام وتفرقهم!!

جمعة الأمس كانت مميزة بكل المقاييس والمعايير فقد كانت بحق جمعة الأحرار الذين توجهوا إلى ساحات الحرية ليثبتوا للعالم أن سورية اليوم ليست سورية الأمس وأن ما بعد الخامس من آذار ليست ما كانت عليه قبله، فقد انكسر حاجز الخوف ودكت قواعده وتحطم بنيانه وإلى الأبد من صدور السوريين الزاحفون نحو قصر الفساد والظلم والاستبداد قريباً، ليقتلعوا أشباحه ويبددوا ظلمته ويعيدوا إليه ألقه وتوهجه ليعود بيتاً للشعب كما كان.. وإن ذلك اليوم ليس ببعيد.. (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تفجيرات دمشق وإرهاب النظام .. بدرالدين حسن قربي

تفجير سيارتين مفخختين من قبل القاعدة حسب الرواية الرسمية،صباح الجمعة 23 كانون الأول/ديسمبر بالقرب من مركزين أمنيين في قلب العاصمة دمشق، وذلك في اليوم الأول لوصول طليعة بعثة المراقبين العرب لتطبيق مبادرة الجامعة العربية، أمر يبعث على الألم من جهة، والسخرية من جهة أخرى أياً كان المنفذون والمتهمون، لأنه يظهرهم بمثابة دروايش يريدون بيع الماء في حارة السقايين، فالإرهاب اغتيالاً وتفخيخاً أصله أَسَدي، ومثل هذه الأعمال هي من تخصص نظامه على امتداد أكثر من أربعين عاماً بما يمتلك من أجهزةٍ أمنية متغوّلة متوحشة، وشبكات من رجال مالٍ وأعمال أشبه ماتكون بمافيات، وشركات ومكاتب تغطي الأعمال والمهمات والعمليات، تتعدد جنسياتهم بتعدد الحلفاء والمحازيب، بعضهم يعرف الدور القميء المطلوب منه وبعضهم من المخدوعين بشعارات زائفة من المقاومة والممانعة.

ولئن اتّهم النظام تنظيم القاعدة، فإن الملاحظ أنها المرة الأولى التي لم يُعلِّق مثل هذا العمل على المشجب الإسرائيلي، بل حتى حزب الله تجنّب ذلك واتّهم أمريكا، والشيخ البوطي لحق به مخالفاً أيضاً فاعتبرها هدية غليون المعارضة للسوريين.

ولئن كان العمل الإرهابي مداناً مهما كان حجمه وشكله ومكانه وفاعله، فإننا بدورنا ندين تفجير السيارتين كما ندين الأعمال الإجرامية للنظام، التي كانت قبلها بيومين في جبل الزاوية والتي نتج عنها مئات الضحايا، وغيرها من آلاف الجرائم التي تشكل كربلائيات السوريين على امتداد الأشهر الماضية لثورتهم الموت ولا المذلّة. وندين أيضاً مرسوماً إرهابياً رسمياً تشريعياً برقم 14 لعام 1969 لدى النظام يقضي بعدم جواز ملاحقة أي من العاملين في إدارات المخابرات وأجهزة الأمن عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات الموكلة إليهم، لأنه يحصّنأجهزة قمعه واستبداده ويمنع مساءلتهم مهما قتلوا ومهما ارتكبوا من جرائم، وهو شكل من أشكال التوحش والوحشية التي أقام بها النظام قلاعاً للرعب وجدراناً للخوف، أصلها ثابت في قلب كل مواطن معتّر غلبان يتجاوزه أيضاً إلى شقيق لبناني وآخر عراقي ليس له من حياته مع النظام الأسدي إلا القمع والذلّ، وفروعها في جهات الوطن الأربعة تمنعه من الاقتراب إلى محرمّات النظام السياسية باعتبار لا صوت يعلو على صوت المعركة.

جديد الوضع مع مستجدات الربيع العربي وخروج المارد السوري من قمقم القمع والإرهاب والبطش، هو تحطّم هذه الجدر التي تعب عليها النظام وشقي فيها عقوداً ظناً أنها مانعته من الناس، باستمرار التظاهرات والاحتجاجات السلمية بمئات الألوف يومياً لمتظاهرين،الواحد فيهم بمثابة استشهادي لما يواجهه من توحش القمع والقتل بتهمٍ تتغير من مندسيين إلى سلفيين وعرعوريين، أو إرهابيين طائفيين ومسلحين، رغم أن حقيقتهم طلاب حرية وكرامة، حطّموا أصنام الوهم وتماثيل القمع، وكسّروا جداريات القهر وهتافاتهم اليومية للحرية ورحيل النظام.

إن بلداً محكوماً بآليات شمولية، وتدار أموره بنظام العصابة والمافيا، وطرق التشبيح على كافة الأصعدة، ويرتكب كل الموبقات في شعبه الثائر، فبالله عليكم ماذا يعني أن يذهب العشرات فيه ضحايا تفجير نسبه النظام إلى القاعدة في حين يعتقد الناس أنه من فعل النظام الإرهابي نفسه؟ دعونا نصدّق النظام الكاذب ولو مرة أن من قتل هؤلاء هو تنظيم إرهابي، ليكون سؤالنا عن الإرهابي قاتل الآلاف على مدار الشهور الماضية، والذي يحرك عشرات الآلاف من قوات أمنه وقمعه ومئات الدبابات في طول الوطن وعرضه توحشاً في القمع وقتلاً لجماهير الثائرين...!!؟

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=r7mbohe7UFI

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=5qVwZ6kPE1Y

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=GZgeYVdceV4

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=tMVIeGcg7Do

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=zAmR5Q1O0to

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=2K6PhKs8dtY

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=kXEsFv9paaU

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة إذ تبعث الروح في الاندماج الوطني .. علي العبدالله*

الجمعة, 30 ديسيمبر 2011

الحياة

انطلقت الثورة السورية واتسع نطاق فعلها، امتدت أفقياً حتى شملت مساحة الوطن، وزاد عدد المشاركين في فعالياتها حتى بلغ الملايين فشمل رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً، وتطور شعارها وهدفها ليبلغ سقفاً واضحاً: إسقاط النظام.

أفرزت المواجهة المحتدمة مع النظام ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية أخذت تتعمق وتتمدد في طول البلاد وعرضها. مع بداية الثورة نشأت ظاهرة التضامن بين المواطنين في المحافظات مع المدن والبلدات والقرى التي تتعرض لبطش النظام ووحشيته، فكانت أهزوجة سكان محافظة درعا تضامناً مع سكان محافظة حمص الذين تعرضوا لقمع وحشي لردعهم، بدورهم، عن المشاركة في الثورة تضامناً مع سكان درعا الذين تعرضوا للبطش والتقتيل لأنهم تظاهروا يطالبون بأولادهم.

ومع امتداد الثورة وانتشار سناها الأخّاذ استعاد المواطنون ذاكرتهم الوطنية بتحرير تاريخهم ورموزهم الوطنية الكبيرة، التي طمسها الاستبداد ومنعها من الحضور في الحياة العامة لمصلحة تكريس عبادة الرئيس الذي غلبهم على أمرهم، من الأسر، واستعادوا صورة البلاد وجغرافيتها من خلال متابعة أخبار الثورة وتضامن المتظاهرين مع الثوار في مناطقهم البعيدة بذكر أسماء المناطق في هتافاتهم وأهازيجهم. وهي مناطق ومدن وبلدات لم يكونوا قد سمعوا بها أو عرفوا عنها شيئاً. لقد انتشت الذاكرة وعادت أسماء المدن والبلدات، وحتى القرى النائية، إلى التداول، مغادرة كهوف النسيان المميتة، كما خرجت إلى العلن شخصيات ومدن وبلدات وقرى واتسعت الذاكرة لسلطان باشا الأطرش وصالح العلي وإبراهيم هنانو وحسن الخراط ومحمد الاشمر وشكري القوتلي وعبدالرحمن الشهبندر... الخ، ومدن وبلدات وقرى مثل درعا وبصر الحرير ونمر وطفس وحماة وكرناز وإدلب وجرجناز وحمص والقامشلي وسواها، التي لم تكن تحضر في حياة السوريين. لقد ضجت الذاكرة وتزاحمت بالأسماء والمسميات وصور الشهداء، وعمت البلاد أغنيات مغني الثورة الشهيد إبراهيم القاشوش وأهازيج ورقصات الحماصنة وساد بين الناس حديث حميم عن إبداعات الحماصنة وصلابتهم، وغاب التلاسن الحمصي الحموي والحديث عن يوم الأربعاء ليحل محله التضامن والتأسي والسعي لتقديم يد العون لأهل حمص المحاصرين، كما استقبال الفارين منهم من جحيم القصف واحتضانهم في البيوت والقلوب. وعندما انغرست موسى الجلاد في صدور أهل حماة تحركت السلمية لتصب دماءها في أوردة جرحاهم، وذابت في وهج الثورة حساسيات قديمة بين أهل حماة وريفها على خلفية التباين المذهبي ولم يعد هناك حديث عن إسماعيلية السلمية وعلوية الغاب أو مرشديتهم، فقد وحدهم البطش وشلال الدم الهادر من عروقهم جميعاً.

وتوالت المتغيرات تزيح قيماً نبتت في سورية في ظل الاستبداد والقهر وتزرع قيماً بديلة لها نكهة جديدة، نكهة الحرية الآتية على جناح الثورة حيث لم يشعر الثوار بالدهشة أو الغرابة عندما اختار المصوتون اسم «آزادي» (كلمة كردية معناها بالعربية الحرية) لجمعة من جمعهم المجيدة، بل إن لافتات رفعت في مدينة حمص، التي ليس فيها مواطنون كرد كثيرون، كتبت باللغة الكردية، كما صدحت حناجر الكرد في تظاهراتهم العارمة بدعوات الحرية وإسقاط النظام باللغتين الكردية والعربية، ورفعت لافتات كتبت بالكردية والعربية والسريانية. لقد أسقط الشعب الاضطهاد القومي والإقصاء السياسي الذي مارسه النظام على الكرد والأشوريين - السريان بلفتة ذكية ومباشرة وأعاد إلى سورية رونقها ونكاتها التي افتقدتها طوال عقود الاستبداد والقمع. ولعب النظام بمصير البلاد وأقدار العباد عبر تحفيز المخاوف والهواجس الطائفية بالاعتداء على المواطنين بالقتل والخطف والتنكيل والاغتصاب، لاستدراجهم إلى ردود أفعال من الجنس نفسه وإدخال البلاد في أتون حرب طائفية كي يدنس الثورة ويشوّه صورتها الأخلاقية والوطنية ويضرب شرعيتها. واستعان النظام ببعض شياطينه وشياطين حلفائه وبعض المطبّلين من اللبنانيين لتوسيع ساحة الهواجس والمخاوف الطائفية لتشمل المسيحيين. عندها رد الشعب السوري بشعاره العظيم «واحد... واحد... واحد... الشعب السوري واحد»، صدحت به حناجر الملايين وأنشدته فدوى سليمان وهي تستند إلى كتف عبدالباسط الساروت في أحياء حمص عاصمة الثورة وساحة نصرها الآتي، وحمل راية مواجهته محمد صالح حفيد المجاهد السوري الكبير صالح العلي بشجاعة وإصرار على رغم اعتقاله مرات ومرات.

لقد نجح النظام في استدراج بعض من ذاقوا مظالمه وإجرامه إلى الشرب من كأس الطائفية البغيض وانزلق بعضهم إلى ردود فعل على الخطف والاغتصاب بالقيام بالمثل، لكنها بقيت استجابة محدودة ومرذولة لم تستسغها جماهير الثورة أو تقبلها، على رغم تفهمها للظروف التي قادت إليها حيث رفعت اللافتات الرافضة للممارسة الطائفية وحمل الناطقون باسمها النظام مسؤولية أي انزلاق نحو الحرب الطائفية التي تدفع إليها سياساته وممارساته.

إنها سورية الجديدة بنت الثورة وحفيدة ثوار العشرينات الذين هبوا لطرد المستعمر الفرنسي ورسموا حدود البلاد وهويتها من سلطان باشا الأطرش الدرزي إلى صالح العلي العلوي وحسن الخراط ومحمد الأشمر السنيين وإبراهيم هنانو الكردي، ممن لم يجدوا غضاضة أو حرجاً في تسمية الأطرش قائداً لثورتهم.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وماذا عن الجامعة العربيّة؟ .. الياس الديري

2011-12-30

النهار

يدرك الزعماء العرب من قدامى وجدد وبَيْن بَيْن، كما تدرك واشنطن وموسكو والعواصم الأوروبيّة، أنّ سيف الجامعة العربيّة لا يختلف عن سيف السلطنة العثمانيّة في آخر أيّامها.

أما باعها فغير فعّال، على ما تنبئ السوابق من الأيّام والأزمات.

ولا هي تملك من النفوذ العملي والمعنوي ما يمكّنها من لعب أدوار أساسيّة في الأزمات والخلافات بين الأشقّاء "الأعدقاء"، فكيف بها وبقراراتها ومراقبيها في هذا الخضم من الثورات والمواجهات التي تجري فيها الدماء أنهاراً؟

وبأي "سلاح"، وبأي نفوذ، وبأيّة قوّة، تواكب متطلّبات ومقتضيات "ربيع العرب"، وثورات التغيير، والأعاصير الهادرة التي تطيح الأنظمة الديكتاتوريّة الظالمة تباعاً؟

وخصوصاً حيث لا تزال الجماهير الثائرة تزمجر، سواء في فيافي اليمن السعيد، أم حيث تشهد المدن السوريّة فيضاً لا يهدأ من التظاهرات والاصطدامات، ومنذ عشرة أشهر على التوالي، وحيث تدلُّ المؤشّرات كلّها على السير قدماً في اتجاه الأسوأ والأقسى.

والخبر اليقين الذي يجيب عن معظم الأسئلة تكشفه لنا المحنة اللبنانيّة، الممتدّة على مسافة زمنيّة تكاد تلامس العقود الأربعة... ويوم حاولت الجامعة العربيّة أن تدلي بدلوها وبمبادراتها التي بقيت حبراً على أرض الواقع.

بالطبع والتأكيد تستحقّ هذه الجامعة الثناء على محاولاتها ومساعيها الحميدة، وإن كانت تصطدم دوماً بتطوّرات دراماتيكيّة لا تستطيع القرارات الورقيّة والنيّات الحسنة التأثير عليها، أو إيقافها، أو حتى لعب دور الوسيط والحكم بين أفرقائها.

وها هم مراقبوها وموفدوها إلى سوريا يكتشفون صعوبة مهمّتهم، وربما استحالة قيامهم بأيّ دور حتى في مجال المراقبة العمليّة الشاملة، والإحاطة بكل العوامل والظروف التي يتخبّط فيها الوضع المتأجّج، وعلى الأخصّ بالنسبة إلى الوسائل والأدوات القمعيّة، التي يلجأ إليها رجال النظام، في محاولات قمع المتظاهرين والمطالبين بالتغيير الشامل، واستبدال النظام القمعي بنظام ديموقراطي، وإلى آخره.

وفي هذا الصدد يمكن التوقّف عند تأمّلات دقيقة لوزير خارجيّة فرنسا السابق أوبير فيدرين، الذي يعلن صراحة أنه لا يدري "إلى متى سيتمكّن النظام السوري من البقاء".

ولا يستبعد فيدرين أن "يحاول هذا النظام تثبيت نفسه بقوى القمع والقسوة البالغة، كونه يفتقد أي قاعدة شعبيّة".

إذاً، في وضع بهذه الخطورة، وبهذه التعقيدات، ماذا يمكن هذه الجامعة أن تفعل؟ تضع تقريراً لن يختلف بشيء عمّا يُقال ويذاع بالصوت والصورة يوميّاً؟ أم تفسح في المجال لتدخّل دوليّ؟

كل الاحتمالات واردة، ومفتوحة كذلك على تطوّرات خطيرة، ليس من السهل التسرّع في الاستنتاج والتكهّن إزاءها.

كما ليس من السهل على لبنان، بحاله المزرية، أن يستمر في تقليد النعامة، فيما الرياح السموم بدأت تهبّ صوب تخومه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصداقية المراقبين العرب على المحك

صحيفة المدينة

التاريخ: 30 ديسمبر 2011

ربما أن سقوط العشرات من القتلى في سوريا أمس وأمس الأول رغم انتشار المراقبين العرب في حمص والعديد من المدن السورية الأخرى يثير العديد من التساؤلات التي لا يمكن التهرب من الإجابة عليها، لكن قد تحمل بعض الإجابات أحد الاحتماليين: إما أن النظام السوري يحاول إخفاء جرائمه من خلال تضليل بعثة المراقبين العرب، أو أنه يهدف إلى توريط الجامعة العربية والطعن في مصداقيتها وتشويه دورها ومواقفها، وبالتالي توجيه ضربة للنظام العربي ككل.

لذا فإنه قد يكون من غير المناسب إصدار تصريحات استباقية أو متسرعة، مثل تلك التي صدرت عن رئيس البعثة بقوله إنه لم يشاهد دبابات في حمص وإنما عربات مدرعة، أو قوله إنه «لم يشاهد حتى الآن ما يثير الخوف» و»أن الوضع في حمص يبعث على الاطمئنان»، في الوقت الذي كان يسقط فيه المزيد من الضحايا في حمص وغيرها من المدن السورية، وذلك بجانب حملات الاعتقال، وقصف المدن بالأسلحة الثقيلة وكأنه عدوان خارجي، الأمر الذي يتطلب من المراقبين العرب التحقق من حملات القتل والمداهمة والاعتقال، والتنقل بحرية في كافة الأماكن بما في ذلك المستشفيات والمعتقلات، وإجراء الاتصالات اللازمة مع كافة السكان وذوي الضحايا والمعتقلين.

هناك العديد من المؤشرات التي تدعم فرضية محاولة النظام السوري تضليل بعثة المراقبين العرب. أبسط مثال على ذلك اتهام منظمة هيومان رايتس ووتش السلطات السورية أمس بتعمد إخفاء المئات من المعتقلين عن أنظار المراقبين، حيث تأكد أن المعتقلين نُقلوا إلى مواقع عسكرية يحظر على المراقبين الوصول إليها.

لاشك أن المصلحة العربية والمصلحة السورية بخاصة تقتضي الحفاظ على مهمة بعثة المراقبين العرب، لكن دون الإخلال بقواعد وأسس عمل هذه البعثة سواءً من قبل الحكومة السورية أم من قبل البعثة نفسها. إن أي إخلال بجوهر تلك المهمة وأهدافها يعني سحب البساط من تحت أقدام الحل العربي وبالتالي اللجوء إلى التدويل الذي لا يعني فقط تعريض وحدة واستقلال سوريا للخطر، وإنما أيضًا تهديد الأمن القومي العربي ككل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية على مفترق طرق .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

30-12-2011

وصل المراقبون العرب إلى سوريا كما هو معروف، وهم يحاولون منذ ثلاثة أيام البدء بتنفيذ «البروتوكول» الذي يقتضي إيقاف القتل وسفك الدم، وسحب الجيش والقوى الأمنية من المدن والبلدات، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، والتفكير في طرائق لإغاثة الشعب السوري في المحنة الهائلة التي نزلت به نتيجة حروب الإبادة التي يشنها عليه نظامه منذ عشرة أشهر.

ولست مهتما هنا بهل ينجح المراقبون في مهمتهم أم لا، وهل يستجيب النظام أخيرا أم لا. فكل ذلك لم يعد مهما ولا ممكنا. إذ لو تجاوب النظام، وحل نوع من الهدنة يتيح الانصراف لإغاثة الناس؛ فإن هم الناس لن يكون الأكل والشرب والكهرباء ومداواة الجراح، والسؤال عن المعتقلين. بل ما سيفعله الباقون على قيد الحياة بحمص وريفها، ودرعا وريفها، وإدلب وريفها، ودمشق وريفها، وحماه وريفها، وكل البلدات والقرى - سيكون النزول إلى الشارع وبسلاح ومن دون سلاح، لمقاتلة النظام القاتل ولو بالأيدي والأذرع العارية. فنحن نتحدث عن نحو السبعة آلاف قتيل، والأربعة عشر ألف مفقود، والسبعين ألف معتقل، وما يزيد على المائة ألف مشرد من مكان إلى مكان. وهذا فضلا عن الذين لجأوا إلى تركيا ولبنان والأردن والعراق. فقد كان في سوريا قبل عام أو بقي فيها نحو المليون عراقي، أما اليوم فإن أعداد العراقيين اللاجئين لا تكاد تذكر، وبدأ السوريون أنفسهم يهربون إلى العراق!

فلو أن النظام عاد إلى رشده - وهذا أمر مستبعد جدا - فمعنى ذلك أن ممثليه خلال شهر سيجلسون مع المعارضين بالداخل والخارج بالجامعة العربية، للتفاوض حول «حل سياسي». ولو أن المعارضين فعلوا ذلك (هم يقولون إنهم لن يفعلوا)، فلا شك أن الجمهور سينبذهم، ولن يقبل بالبقاء دقيقة واحدة تحت سلطة هذا النظام القاتل. فما مات من اليمنيين خلال عام لا يزيد على الأربعمائة، وها هي ملايينهم تخرج إلى الشارع فيما بين تعز وصنعاء لتطالب بمحاكمة علي عبد الله صالح، بدلا من إعطائه ضمانات قانونية هو وأقاربه ورجالات نظامه! ولذا فالواضح اليوم، وبل ومنذ ثلاثة أشهر أن الثائرين الذين وطنوا أنفسهم على عدم الخضوع مهما كلف ذلك، سيمضون قدما في ثورتهم، وسيزداد استعمالهم للسلاح للدفاع ثم للهجوم، وسيقاتلون مع «الجيش السوري الحر» لحين بلوغ القدرة على إسقاط النظام من طريق المقاومة الداخلية، والعقوبات العربية والدولية. فالحرب الأهلية بين السنة والعلويين مثلا لن تقع. أما الذي سوف يقع أو بدأ يقع فهو أن قسما من الشبان الريفيين المشاركين في الاحتجاجات، يحملون السلاح الآن. والنزاع الداخلي الذي يكثر الحديث عنه سيكون بين الشبان الثائرين والمنشقين عن الجيش من جهة، والجيش والقوى الأمنية من جهة أخرى.

وإذا كانت هذه هي مآلات الثورة والثوار، فكيف يفكر النظام، والذي يفعله أو سيفعله. ما تزال لدى النظام آمال داخلية وخارجية. أما الآمال الداخلية فتتمثل في اعتقاد القدرة على إخماد الحراك. ورجالات النظام يقولون إن ذلك ممكن لأن مناطق الالتهاب الحقيقي محدودة أو أنها لم تتطور منذ ثلاثة أشهر، وهي تتمثل في درعا وريفها، وإدلب وريفها، وحماة وريفها، وحمص وريفها. ويبلغ حجم هؤلاء أكثر من مليونين، لكنهم الآن متعبون جدا، ويمكن أن ينكسروا؛ أو أن هذه هي آمال النظام. أما في الخارج فهناك إيران والمالكي بالعراق وحزب الله بلبنان، وهذه جهات معروفة دوليا، وقد توحدت الآن تقريبا في جهد مشترك استماتةً في الدفاع عن نفسها ونظام حليفها الرئيس الأسد. وقد ظل حزب الله على لسان أمينه العام ولعدة أشهر يعلل هذه «النصرة» الشرسة للنظام السوري بأنه نظام ممانعة ومقاومة. وقد كان الحزب بالاتفاق مع النظام السوري قد انقلب على حكومة سعد الحريري وأتى بميقاتي رئيسا للحكومة بلبنان. ومنذ ذلك الحين صار يعد لبنان وليس الحزب فقط ضمن محور الممانعة الذي فيه طهران والعراق وسوريا وحزب الله. وميقاتي ينكر ذلك بالطبع، لكن التركيبة التي أتى بها خاضعة للحزب والجنرال عون، ويشكل لبنان في وضعه الحالي منفذا ماليا وتجاريا للنظام السوري المعزول، ويستطيع أركانه ورجال أعماله أن يتنفسوا من خلال نظامه المصرفي الذي بدأ يتعرض للرقابة الأميركية والدولية الشديدة.

وشأن المالكي رئيس الوزراء العراقي مع النظام السوري، لا يختلف عن شأن حزب الله. لكن موقفه لم ينكشف إلا عندما تفاقم الأمر وتدخلت الجامعة العربية، وظهر موقف لبنان والعراق متمايزا أو مناقضا للموقف العربي العام. وفي حين صمت رئيس الوزراء اللبناني في أكثر الأحيان، كان المالكي قبل انفجار صراعه مع السياسيين السنة بالعراق، أكثر كلاما وفصاحة. وقد تظاهر بالوساطة، وأرسل وفدا بالفعل إلى دمشق. وقال إنه على استعداد لاستقبال وفد من المعارضة. إنما الطريف كان ما علل به موقفه الداعم للنظام. قال المالكي: أنا قضيت في سوريا 16 عاما (أي إن النظام له عليه جمائل)، والنظام هناك قوي وليس إسقاطه سهلا، ثم إن الوضع هناك معقد، وعدم الوصول إلى إجراء الإصلاحات بالتوافق سيؤدي إلى مشكلات كبرى. وهو يقصد بتعقيد الوضع الطبيعة الطائفية للنظام السوري، وأن العلويين (والأقليات الأخرى) لن يتخلوا عن النظام الحالي دونما قتال، فتنجم عن ذلك نزاعات طائفية تشبه الحرب الأهلية. وتحليل المالكي هذا يبدو مبالغا فيه إلا إذا وضعناه في السياق الكامل الذي يقصده، والذي عبر عنه الإيرانيون وبعض السياسيين العراقيين، وهو النزاع السني/ الشيعي. فهؤلاء يرون أن الثورات العربية تمثل صحوة سنية، ولدى بعض تيارات تلك الثورات (-* السلفية) عداء للشيعة، وهذا فضلا عن البعد السياسي والاستراتيجي، فالمحور الإيراني محور شيعي، والعلويون بالمعنى الاستراتيجي، وليس الديني أو المذهبي، صاروا جزءا من الامتداد الإيراني بالمنطقة مثل شيعة لبنان أو بعض شيعة الخليج. فإذا كان حزب الله قد تغطى (دونما نجاح كبير) بورقة توت المقاومة؛ فإن المالكي مضطر للإفصاح أو الغمغمة بما يتجاوز واجبات الجوار والصحبة. ولا شك أن النظام السوري تلقى مساعدات من عند المالكي وبواسطته (من إيران)، أكبر مما تلقاه من جهة لبنان. فالطائرات الإيرانية مراقبة من تركيا، ولذلك هناك الجهة البرية من طريق العراق، والجهة البحرية الأكثر تعقيدا لتعرضها للمراقبة الإسرائيلية والأميركية. ويقال إن مقتدى الصدر أو الخزعلي المنشق عنه (في الحضن الإيراني)، أرسلا عناصر لمساعدة النظام السوري في محنته مع شعبه.

لقد أطلت بعض الشيء في إيضاح «المنظومة» التي يستند إليها النظام السوري من الناحيتين المذهبية والاستراتيجية. ويمكن أن نضيف إليها هنا روسيا الاتحادية التي تورد إليه السلاح، والتي تدعمه في الأمم المتحدة. كما يمكن أن نضيف إلى عوامل دعمه الخوف الإسرائيلي من نظام ديمقراطي في سوريا يكون عدوا لها بالفعل وليس بالشكل مثل نظام الأسد، ودعك من خنزوانات حزب الله بشأن المؤامرة الأميركية على النظام المقاوم! إذ من أسباب تطور الأزمة إلى هذه الأبعاد الخطير التردد الأميركي الشديد في التدخل، ليس بسبب الموقف الروسي فقط، بل وبسبب الموقف الإسرائيلي!

لقد كان منتظرا إذا طالت مدة الأزمة دونما مخرج عربي أو دولي أن تتطور خصومة الشعب السوري مع النظام إلى صراع مسلح. وفي هذا الصراع يقف نحو المائة ألف مقاتل مع النظام بتسليح وتدريب جيد، في مواجهة نحو المليوني متظاهر ومحتج وثائر، بينهم تقديرا خمسة عشر ألفا ينتمون إلى الجيش السوري الحر، وخمسة عشر ألفا آخرون حملوا السلاح. وليس لدى هؤلاء تسليح جيد ولا تدريب أو انتظام حقيقي كما في الجيوش، لكنهم قد لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم يشنون حرب عصابات اقتصرت حتى الآن على الدفاع عن النفس بقدر الإمكان، لكنها تتطور إلى الهجوم إذا انهارت المبادرة العربية علنا، بملاذات آمنة أو من دون ملاذات!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

النظام السوري...والقراءات الخاطئة .. منصور الخنيزان

الخميس, 29 ديسيمبر 2011

الحياة

من منطلق التقاليد العربية والإسلامية الراسخة، وهدياً بقول النبي الكريم «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، بذلت الجامعة العربية جهوداً حثيثة لإنقاذ الوضع المتدهور في سورية، ونصرة الشعب السوري الأعزل برد الظلم عنه، ونصرة النظام السوري برده عن ظلمه، بعد أن أصبح القتلُ والسحلُ والتنكيلُ شرعةً ومنهاجاً للنظام الحاكم في سورية، إذ تناقلت وسائل الإعلام المختلفة، على رغم التعتيم المتعمد، التقارير المصورة عن مجازر ترتكبها قوات الأمن والجيش وأعوان النظام الموالون له بحق المدنيين العُزل، تشجبها وتستنكرها كل المواثيق والأعراف، فكان لزاماً أن تتحرك الجامعة العربية وتضطلع بمسؤولياتها بإجراءات ملموسة لتضع نهاية لهذا الوضع المتدهور، وتكف يد التهور والبطش عن الشعب السوري.

تكررت محاولات الجامعة، وجولات أمينها العام إلى العاصمة السورية دمشق لإثناء النظام عن المعالجة الأمنية للأحداث، وتدشين إصلاحات مجتمعية سياسية واقتصادية، فلم تحصد تلك المحاولات إلا التسويف والمماطلة والإمعان في التنكيل، وارتفعت حصيلة القتل وزادت بشاعته ووحشيته، فما كان من الجامعة العربية إلا أن عقدت اجتماعاً على المستوى الوزاري في مقرها بالقاهرة في 2 - 11 - 2011 وأصدرت ما عُرِف بالمبادرة العربية لتسوية الأزمة السورية، وتقضي الخطة العربية بوقف إطلاق النار، وسحب الآليات العسكرية من المدن والمناطق السكنية، وإطلاق سراح المعتقلين، وإيجاد آلية لمتابعة وقف العنف على الأرض من خلال المنظمات العربية، والسماح بدخول الإعلامين العربي والدولي، ثم بدء حوار وطني برعاية الجامعة العربية بين النظام السوري وكل مكونات المعارضة السورية.

وعلى رغم أن تلك المبادرة كانت تحمل طوق النجاة للنظام السوري الغارق لا محالة، فإنه أبدى مراوغة عجيبة ولم يتجاوب معها في حينه، إلى أن اتخذ المجلس الوزاري لوزراء الخارجية العرب في جلسته المنعقدة يوم السبت 16 - 11 - 2011 قراراً بما يشبه الإجماع، إذ اعترضت دولتان وامتنعت ثالثة عن التصويت، بتعليق عضوية سورية في الجامعة العربية لحين قيامها بتنفيذ الخطة العربية لحل الأزمة السورية، كما دعوا إلى سحب السفراء العرب من دمشق.

وعلى رغم أن التحرك سياسي بحت، والساحة هي جامعة الدول العربية، بيت العرب، والحاضرين ممثلون ديبلوماسيون، إلا أن مندوب سورية خرج على كل الأعراف والتقاليد الديبلوماسية ووجه ألفاظاً وصفت بالنابية لبعض زملائه من الوزراء.

وعلى صعيد الداخل السوري تحركت جحافل الشبيحة (جناح النظام) التي تأتمر بأوامره، وتنفذ مخططاته بالهجوم والتعدي على مقار البعثات الديبلوماسية لبعض الدول العربية والإسلامية في دمشق، وروعت من فيها من العاملين، وعبثت ببعض محتوياتها، بما يُعد انتهاكاً صارخاً للتقاليد والأعراف والقواعد الديبلوماسية والقانون الدولي، خصوصاً اتفاقيتي فينا «1961 و1963» بشأن العلاقات الديبلوماسية والقنصلية، اللتين ترتب أحكامهما التزاماً قانونياً بحماية مقار البعثات الديبلوماسية والقنصلية، وكذلك الأشخاص العاملين بها، وهو التزام عام ودائم حتى في أوقات الحروب التي تنشب بين الدول لا تستطيع الدولة المضيفة أن تعرض للخطر أفراد ومقار البعثات الأجنبية، بل إن عليها التزام توفير الحماية الأمنية وتسهيل إجراءات المغادرة الآمنة لأراضيها في أسرع وقت، حتى تدرأ عنهم الخطر وعن نفسها المسؤولية في مواجهة الجماعة الدولية، وما يحكم علاقاتها من قواعد وتقاليد.

إذ تنص المادة 59 من اتفاقية فيينا 1963 على التزام الدولة المضيفة بحماية مباني القنصلية: تتخذ الدولة الموفد إليها التدابير اللازمة لحماية المباني القنصلية لبعثة قنصلية يرأسها عضو قنصلي فخري ضد أي اقتحام أو إضرار بها ولمنع أي اضطراب لأمن البعثة القنصلية أو الحط من كرامتها.

كما تنص المادة 44 من اتفاقية فيينا بشأن العلاقات الديبلوماسية: على الدولة المعتمد لديها، حتى في حال قيام الحرب أن تمنح التسهيلات للأشخاص المتمتعين بالمزايا والحصانات، بخلاف من هم من رعاياها، وكذلك أعضاء أسر هؤلاء الأشخاص، مهما كانت جنسياتهم، لتيسير لهم مغادرة أراضيها في أسرع وقت، ويجب عليها إذا ما استدعى الأمر، أن تضع تحت تصّرفهم وسائل النقل اللازمة لأشخاصهم ولمتعلقاتهم. كما تقرر المادة 45 من الاتفاقية ذاتها أنه «في حال قطع العلاقات الديبلوماسية بين دولتين، أو إذا ما استدعيت بعثة بصفة نهائية أو بصفة وقتية، تلتزم الدولة المعتمد لديها حتى في حال نزاع مسلّح أن تحترم وتحمي مباني البعثة، وكذلك منقولاتها ومحفظاتها».

أمام هذه القواعد القاطعة، ووفقاً لما استقر عليه العمل بين الأسرة الدولية والقانون الدولي العام، ما كان ينبغي للنظام السوري أن يحتكم خارجياً لقانون «الشبيحة»، الذي يطبقه على شعبه، رداً على طلباته المشروعة في تحسين المعيشة، بل كان ينبغي عليه أن يتصرف تصرفاً لائقاً بدولة عضو مؤسس في كثير من المنظمات الدولية، موقعة على مواثيقها، ومن ثم ملتزمة بأحكامها، هو ما يؤشر بوضوح إلى أن النظام السوري إما أنه يريد أن يفرض قانونه الخاص وتصوراته على العالم، أو أنه فقد التركيز والمنطق في إدارة أزمته التي خلقها في الداخل والخارج، وفي الحالتين يكون سار عكس الاتجاه، وله أن يواجه ما هو أكثر سياسياً واقتصادياً، إذ أمهل وزراء الخارجية العرب، في ختام اجتماعهم بالعاصمة المغربية الرباط الأربعاء 16 - 11 - 2011، سورية ثلاثة أيام للتوقيع على بروتوكول لاستقبال مراقبين على أراضيها، للتأكد من وقف العنف ضد المدنيين في البلاد وتطبيق المبادرة العربية.

كما أكد الوزراء العرب على «ضرورة اعتذار سورية عن الاعتداءات التي تعرضت لها السفارات العربية في دمشق، وعلى التزامها بحماية البعثات الديبلوماسية».

فهل يسعى النظام السوري لاغتنام الفرصة وينقذ نفسه أولاً ويجنب بلاده الدخول في أتون حرب أهلية تُسفك فيها مزيد من الدماء، أم يستخدم السبل ذاتها التي تراهن على عنصر الزمن، ولا تلتقي فيها الأقوال والأفعال؟

سؤال ستفصح عنه الأحداث عما قريب.

* محامٍ سعودي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المراقبون في حمص .. ماذا بعد؟ .. عريب الرنتاوي

الدستور

29-12-2011

مرّ اليوم الأول لبعثة المراقبين العرب في سوريا بسلام، لكن ذلك لا يكفي أبداً للحكم على مستقبل هذه البعثة والجزم بأنها ستنهي مهام عملها بنجاح، الصورة تبدو شائكة ومعقدة بعض الشيء.

للنظام مصلحة في البرهنة على أنه يواجه “عصابات مسلحة”، وتفجيرات دمشق أعطت للرواية الحكومية الرسمية بعضاً من “الصدقية” التي كانت تفتقر إليها، وفي حمص، ثمة رهان حكومي على أن المراقبين، سيخرجون بدليل إضافي على وجود جماعات أصولية مسلحة، فضلاً عن “العصابات الجرمية”.

وللمعارضة مصلحة حقيقية في إسقاط الرواية الرسمية، ونسف إدعاءاتها من جذورها، أمس كان الاختبار الأول، تظاهرة سلمية شارك فيها عشرات ألوف الحمصيين، ودعوات للمراقبين لزيارة “المستشفيات الميدانية”، والاطلاع على نتائج حرب التدمير التي شنّها النظام على المدينة.

وبين هاتين المصلحتين المتناقضتين، سيجد المراقبون أنفسهم أمام تحدٍّ كبير، لن تكون مهمة سهلة أبداً، وقادمات الأيام قد تكون حبلى بالمفاجآت، لا سيما في ضوء التقارير الروسية التي تحدث عن “اختراقات” في صفوف أجهزة الأمن السورية، تسمح بالاعتقاد بأن مهمة المراقبين وحيواتهم، قد لا تكون آمنة بالمرة، وما ينطبق على مهمة هؤلاء في حمص، ينطبق بالقدر ذاته على مهام زملاء لهم توجهوا إلى درعا وادلب وغيرهما من بؤر الاشتباك وخطوط التماس المشتعلة.

وبعيداً عن التعقيدات التي تواجه مهمة المراقبين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: ماذا لو خرج هؤلاء بمعلومات موثقة عن جرائم قارفها النظام، أو بعض أركانه، ماذا لو أوصوا بمحاسبة ومحاكمة المتسببين عنها، كيف سيتعامل النظام مع توصيات كهذه، وهو الذي لم يحاسب أي جندي أو ضابط حتى الآن، ممن قارفوا بلا شك، جرائم بحق أبناء شعبهم، بمن في ذلك مقترفي الجريمة الأولى، شرارة الانتفاضة السورية، والتي راح ضحيتها أطفال درعا؟، من الذي سيقدم هؤلاء للقصاص، من الذي سيجبر النظام على الاضطلاع بمسؤولياته؟ ثم، أن العالم يبدو منهمكاً بتطبيقات بروتوكول المراقبين، لكأن المبادرة العربية تكاد تختزل بهذا البروتوكول، مع السؤال المُلحّ هو: وماذا عن جوهر المبادرة وبقية بنودها السياسية والإجرائية؟، ماذا يعني الإفراج بالأمس عن زهاء سبعمائة معتقل، وبقاء ألوف غيرهم خلف القضبان (البعض يقول عشرات الألوف)؟، ماذا إن ترتب على سحب الجيش، خروج تظاهرات جماهيرية واسعة في المدن المحاصرة والمنكوبة؟، ألم توفر تظاهرة حمص بالأمس، مؤشراً على ما يمكن أن يحدث في حال سحب الجيش قواته ودبابات و”شبيحته” من المدن السورية؟، أليس هناك احتمال أن تنتقل شرارة التظاهرات الجماهيرية السلمية إلى حلب ودمشق، “مستقوية” بوجود المراقبين، ومستظلة ببعثة الجامعة العربية؟، كيف سيتصرف النظام، كيف ستتصرف الجامعة والمجتمع الدولي، وما هو سيناريو اليوم التالي؟.

ثمة جدل في معظم عواصم القرار الإقليمي والدولي حول هذه الأسئلة والتساؤلات، البعض يعتقد أن مهمة المراقبين، ستطيل عمر النظام، والبعض (الأقل) يعتقد أنها ستعجل في رحيله وكشف أزماته وتناقضاته، البعض يرى أنها تمثل “خذلاناً” للثوار السوريين، والبعض يعتقد أنها ستوفر حماية للمتظاهرين الذين سيعودون للساحات والميادين، ما أن يتسرب إلى نفوسهم القليل من الطمأنينة والاطمئنان، البعض يرى أنها ستقوي شوكة “الجماعات المسلحة” و”الفصائل العنفية”، والبعض الآخر يرى نقيض ذلك، فأين هي الحقيقة؟ في ظني أن أهمية تجربة المراقبين، تكمن في أنها -قد- توفر لأول مرة، فرصة إطلاق عملية سياسية لإحداث الإصلاح المُفضي إلى لتغيير في سوريا، أمس ذهبت الجارديان في هذا الاتجاه، دعت لحوار وعملية سياسية، ولم تنزع عن رواية النظام عن “العصابات المسلحة” الصدقية الكاملة، وفي ظني أن أطرافاً دولية وعربية عديدة، وبعض أصدقاء سوريا (حماس، روسيا) هم أيضاً مع البحث عن عملية سياسية، التي هي في الأصل، مطلب قطاع من المعارضة السورية في الداخل (هيئة التنسيق) وبعض شخصياتها الوازنة.

أمام سيناريوهات التدخل الأطلسي والانزلاق إلى حرب أهلية وانقسام سوريا وتقسيمها، تميل أطراف متزايدة للحديث عن “حل سياسي”، وإذا كان لا بد لهذا الحل أن يرى النور، فإن من شروط نجاحه، أن يكون جذرياً، وأن ينطوي على آليات وديناميكيات، من شأنها إحداث التغيير المطلوب في سوريا، وإلا كان الحل السياسي “تقدمة مجانية” للنظام، وجرعة لتمديد عمر الفساد والاستبداد.

النظام يخشى هذا السيناريو، لأنه مُحمّل بفرص تقويضه من الداخل، وبعض المعارضة (بعض الخارج) يرفض هذا السيناريو، لأنه يقوم على أجندة زمنية طويلة نسبياً للتغيير، هؤلاء يستعجلون التغيير الذي سيأتي بهم إلى سدة السلطة والحكم، بصرف النظر عن الوسيلة والكلفة والأثمان، لكن تطور الأحداث السورية في الأيام والأسابيع القليلة، أخذ يدفع في هذا الاتجاه، وفي ظني أن على المعارضة السورية، بالذات في الخارج، أن تأخذ ذلك بنظر الاعتبار، وأن تفكّر باجتراح المقترحات الكفيلة بجعل أي “حل سياسي” للأزمة، بوابة للإصلاح والتغيير، لا وسيلة لتهدئة الخواطر وإدارة الأزمة وإراحة الضمير وتأجيل الاستحقاق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا تقتل أبناءها .. د. محمد ناهض القويز

الرياض

29-12-2011

أتذكر أنني في الابتدائي كنت أكره الشام لأنه كان عقبة كأداء أمام انتشار الإسلام. وقد تجلى ذلك في العدد الكبير من قتلى الصحابة في معركة مؤتة.

ثم أدركت أن الشام مهد الحضارات؛ الفينيقية والإغريقية والرومانية والعربية ثم الإسلامية. ثم أصبح الشام من الأماكن المقربة إلى قلبي لا يشاركه تلك المنزلة إلا قليل من الديار. ومع ذلك لم أزره لأسباب أظن أنها الآن أصبحت واضحة للجميع.

فما الذي يحدث للشام؟

في السابق كنت أتمنى لو عاد لواء اسكندرونة عربياً واليوم أحمد الله أن أهله بمنأى عن الجرائم التي يقترفها النظام السوري.

غضبنا لمجازر الفرنسيين في سوريا برغم أننا لم نعايشها. ولكن مايحدث اليوم في الشام على يد النظام هو أسوأ من كل المجازر التي مرّت على الشام بما في ذلك الحروب الصليبية.

الشعب الأعزل يقتل.

النظام لازال يلقي الدروس الممجوجة.

حتى ان حلفاء دمشق التاريخيين ضاقوا بجرائمها ذرعاً.

الدول الغربية استنكرت.

الدول الشرقية استنكرت.

الأمم المتحدة استنكرت.

منظمات حقوق الإنسان استنكرت.

كل ضمير حي استنكر.

الجامعة العربية تعطي المهلة تلو المهلة.

كنت أسمع تصاريح دولة الصمود والتصدي عندما تدك الطائرات الإسرائيلية مواقع داخل أراضيها تؤكد أنها ستختار الوقت والطريقة المناسبة للرد على العدو.

كنا نسمع عن سلام الشجعان.

فإذا الدبابات السورية والطائرات السورية التي جبنت عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية تدك المدن السورية.

أصبحت دولة القتل والتعدي بدلاً من الصمود والتصدي.

تقتل المدنيين العُزّل.

تقتل الأطفال السوريين.

المحرق طفلٌ عربي...أُسرٌ عربية.

والصامت أيضا عربي...دولٌ عربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وفد المتكبرين العرب في حمص .. أمل عبد العزيز الهزاني

الشرق الاوسط

29-12-2011

زيارة وفد المراقبين العرب إلى سوريا مثل الصدقة التي يتبعها أذى، بل إنها أسوأ، لأن الأذى سبقها وتبعها.

مشهد سير المراقبين في حمص يعكس، والمفترض أن يعكس، موقف الجامعة العربية من نداءات الاستغاثة التي نسمعها كل يوم على الفضائيات: الكثير من اللامبالاة، والاستنكاف عن الإنصات لصيحات الاستغاثة وطلب المعونة.

ليس المهم ما قيل حول ماضي رئيس وفد المراقبين العرب، وأن لديه سجلا ضد حقوق الإنسان، ذلك لأنه لا يمثل نفسه في هذه الرحلة ذات الزخم الإعلامي، بل يقوم بمهمة كاميرا الرصد، يراقب ويسجل، ولكنه ظهر على شاشات التلفزة وكأنه مأمور سجن، وليس مراقبا لانتهاكات إنسانية مريعة لم يشهد العالم مثيلها منذ الحرب العالمية الثانية.

مر بمخيلتي وأنا أراقب المراقبين مشهد قديم للممثلة الأميركية أنجلينا جولي عندما زارت مخيمات للاجئين في دارفور. رغم الاختلاف في الظروف، فإن المقارنة تجلي البصر، وعسى أن تجلي البصيرة. جولي أبدت تعاطفا كبيرا مع حقائق مأساوية موجعة في أحوال أبرياء ذهبوا ضحية صراعات الساسة، حيث احتضنت ضحايا الحرب والجوع بكثير من التفاعل العاطفي، وحري بها أن تفعل، فما رأته يدمي القلب، هي لم تسجل موقفا رسميا يخص مضمون الصراع السياسي، كانت مهمتها محددة بإبراز مشكلة هؤلاء أمام الرأي العام العالمي. أنجلينا جولي لم ترتد شالا من الحرير البنفسجي وتضع أقراطا من اللؤلؤ أو الماس رغم أنها فاحشة الثراء، بل ذهبت برداء أسود، وبلا مساحيق، وأضفت نحافتها الشديدة بالصدفة مزيدا من المصداقية على المشهد، الأميركية تفهمت مآسي الناس وآلامهم وتجاوبت معها، فلم يشعروا بأنها غريبة جاءت من النصف الآخر من كوكب الأرض، لأنها تلقفتهم بكثير من الحس الإنساني واستمعت لهم بقلبها قبل أذنيها.

عمليا لا تختلف مهمتها عن مهمة المراقبين الذين توجهوا لحمص للوقوف على أثر الجرائم التي يعرفون ونعرف ويعرف العالم أنها تحصل كل ساعة من كل يوم منذ تسعة أشهر، وليتابعوا تطبيق النظام السوري للمبادرة العربية من حيث إطلاق المعتقلين ووقف العنف ومظاهر التسلح. المراقبون العرب استكبروا على الاستماع للمستهدفين من الزيارة، فظهروا كالإنسان الآلي بلا مشاعر وكأنما يسيرون بالريموت كنترول، حاول المستغيثون حملهم على الإصغاء ولكن بلا جدوى. المراقب يقف بسيجارته يمتنع عن تهدئة الناس الجياع الذين يفتقرون للطعام والماء والوقود والكهرباء.

ربما آثر الوفد عدم الإدلاء بأي تصريح حتى يقدموا تقريرهم الأخير للجامعة العربية، وهذا من حقهم، لكن من حق متظاهري الشارع أن يشعروا بقليل من التقدير والاحتواء والتفهم من وفد عربي منتظر منذ أكثر من شهر، من حقهم أن يشعروا أن 30 قتيلا يوميا منذ شهر خسروا حياتهم في انتظار أن يطل عليهم الوفد العربي لم تهدر دماؤهم هباء.

ماذا لو خرج وزير الخارجية السوري وليد المعلم غدا ليعلن في أحد مؤتمراته الصحافية أن إطلاق الرصاص الذي سمعه المراقبون أثناء جولتهم الخجولة هي تأكيد على وجود مسلحين يتربصون بالناس من سقوف الأبنية، وأن هذا بالضبط ما كان يردده النظام السوري طوال هذه الشهور الماضية، ولم يكن العرب يصدقون؟ كيف سيثبت المراقبون خلال دقائق من جولات متواضعة هوية مطلقي النيران؟ لو كان البروتوكول اشترط على الأقل دخول المراقبين مع وفود إعلامية لربما كان لهذه الجولة قيمة، لأن المراسل الصحافي سيكون أكثر شجاعة في الحصول على المعلومة من مراقب يمشي الخيلاء.

الأمين العام للجامعة العربية يعرف تماما أن من يستهدف المتظاهرين هي قوات النظام السوري، وكل من هم حول طاولة الجامعة العربية يعرفون ذلك، الحقيقة لا تحتاج بضعة أشخاص لإثباتها أو نفيها، وهذه الخطوة من الجامعة العربية التي أصرت عليها آملة وقف العنف وإطلاق المعتقلين هي باهظة الثمن حتى لو كانت تمهيدا لأن تنفض يدها من القضية السورية استعدادا لتدويل الملف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

آن الأوان للزحف الكبير .. جان كورد

قد يتساءل البعض منا عن الاسباب التي حالت دون سقوط نظام الأسدي السوري رغم إيغاله العجيب في الانتقام الوحشي من شعبنا البطل، منذ بداية الثورة السورية الكبرى في آذار 2011 وإلى الآن، والجواب هو أن هذا النظام قد بنى له خلال عقودٍ طويلة من الزمن ترسانة عسكرية – أمنية عظيمة، وابتكر مختلف الحيل السياسية والإعلامية لايهام العالم بأنه لا يزال "عنصر أمن واستقرار!" في المنطقة، وكما كتبنا في مقالنا السابق "المستضعفون في الأرض...والعولمة" فهناك أسباب عديدة أخرى تتعلق بأنماط التفكير السياسي والتبعية النفسية التي تخلقها النظم الفاسدة والعنفية في نفوس "التابعين"، مما يعزز بقاءها واستمرارها... ولكن أحد أهم هذه الاسباب هو عجز المعارضة حتى الآن عن انتهاج أساليب أشد تأثيراً في التصدي والتحدي للنظام

ومن سمات عجز المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية، هو تواجد وتوزع رجالاتها على مساحة الكرة الأرضية كلها، مما جعل لقاءاتها وتمركزها في نقطة ما قصيرة الأمد زمنياً ومحدودة كماً وضعيفة نوعاً، واضطرارها لقبول "النصائح!" المختلفة من قبل حكومات الدول المضيفة لمؤتمراتها، وهذا يعني خضوع سياسات المعارضة السورية بمختلف فصائلها ومجالسها وهيئاتها لضوابط وقيود وإطارات معينة، ربما لا تريدها أصلاً، ولكنها مضطرة لقبولها على مضض. ولا ينفع عقد هذه المؤتمرات في أماكن مختلفة من العالم، وانتقال رموزها وقادتها بين استانبول والقاهرة وتونس، للايحاء بالاستقلالية المنشودة، فالشعور العام لدى السوريين هو أن مجرد التواجد على مقربة من مبنى الجامعة العربية في القاهرة يعني الاقتراب من سياسات هذه المنظمة التي تنفذ سياسات أنظمة عربية، منها النظام السوري أيضاً، وتخضع لتوجهات عربية واقليمية ودولية معينة، قد تعرقل أي تقدم حقيقي كان، للمعارضة السورية على طريق نضالاتها

ومن ذلك الرضا بأن ترسل الجامعة العربية بعد شهور من التقتيل والتدمير في سوريا، من قبل النظام وشبيحته على مرأى العالم أجمع، بهدف التحقق لشهرٍ كامل، عما إذا كان السوريون والمعارضون السياسيون يكذبون بحق نظامهم السياسي هذا أم لا. وبمجرد قبول المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطني وسواهما من تحالفات المعارضة هذه الإهانة لها وللشعب السوري، بدا شعبنا الأبي رغم كل الدم الذي نزف من جثامين شهدائه، مشكوكاً في اتهاماته للنظام المجرم، وتستدعي هذه الاتهامات التحقق على أرض الواقع، بعد سقوط ما لايقل عن 6500 إنسان ضحية القنص والتعذيب حتى الموت في شوارع مختلف المدن السورية. وهنا لم يتمكن المجلس الوطني السوري، المفترض فيه امتلاك مصداقية كبيرة، اقناع الجامعة العربية بضرورة الكف عن خطوتها التفتيشية والتحقيقية والانتقال مباشرة إلى ممارسة حقها كمنظمة عربية عليا في ردع الظالم عن الاستمرار في جرائمه ضد الإنسانية

ومن سمات العجز الصارخ ل"حكومة السيد غليون!" حتى الآن، هو أنها تبدو كهيئة تنسيق مع "الجيش السوري الحر" الذي يجب خضوعه بكل مؤسساته وتراتبه العسكري إلى سلطة المعارضة الغليونية وليس تحركه وكأنه طرف معارض آخر، أو رديف نهري آخر، طالما أقسم اليمين على حيادية الجيش السوري واعتكافه عن السياسة

في الشارع الثائر لايكفي أن يحمل المتظاهرون مشكورين لافتات عريضة تقول بأن "المجلس الوطني السوري" ممثلهم، بل من الضروري تصعيد وتيرة التعامل السياسي والتنظيمي للمجلس مع الشارع السوري، وايجاد الوسائل وابتكار الخطط وانتهاج التاكتيكات التي تصعد من حالة الثورة الشعبية، فمن الضروري – مثلاً- تحويل هذه المظاهرات التي تحدث في مئات النقاط وفي مختلف المدن إلى مسيرتين حاشدتين في دمشق وحلب فقط، لاظهار قوة الشارع السوري في هاتين النقطتين اللتين يعتمد عليهما النظام حتى الآن، وذلك عن طريق التنسيق التام مع اتحاد التنسيقيات وهيئة قيادة الثورة وكل الروابط والمجموعات التي تساهم في بذل دماء أعضائها ومناصريها بهدف دعم الثورة وتطويرها، وعدم استثناء أي قوة مؤمنة بأهداف هذه الثورة حقيقة وعملياً

لابد من الزحف على دمشق وحلب من خارجها، فذلك يرغم النظام على الرحيل المفاجىء والسقوط الحر، وعدم حدوث مثل هذا الزحف حتى الآن، مهما كانت العراقيل والعوائق كبيرة، هو تقصير رموز المعارضة في إدارة الأحداث، والاكتفاء بلعب دور المشجع على الفعل المنتج، كمل لكل فريقٍ رياضي مناصروه، وهذه نقطة سلبية كبيرة في سجل المجلس الوطني السوري قبل غيره

آمل أن يكون الشهر الأول من هذا العام الجديد، الذي يدخله السوريون بقلوبٍ ملؤها الحزن والأسى لما لاقوه من ظلم وإرهاب لنظامهم السياسي القائم، شهر الزحف الكبير لدحر النظام في عقر داره وارغامه على السقوط نهائياً، وهذا يجب أن يكون أحد أهم أهداف المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية، وليس فقط بعث المناشدات على الصعيد الدولي وترتيب الكراسي داخل المجلس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سيكون عام التغيير.. بالتأكيد .. عقاب يحيى

يصعب علينا عاطفياً أن نودع العام 2011 دون أن نتوقف عنده طويلاً وقد حفر عميقاً في ذاكرة التاريخ العربي كمنعطف نوعي سيقتحم ذلك التاريخ بقوة ليفتح فيه صفحات جديدات تنبئ بنهاية أحقاب الاستبداد المكين في عدد من الأقطار، وتدشين عالم جديد تأخر قروناً في وطننا : عالم الحريات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وعالم كينونة البشر وانطلاق مَلَكاتهم لتبدع وتنتج بعيداً عن التسلط والفرض والتعليب والتدجين، والأرنبة ..فحق له أن يعلو بقامته على كل الأعوام، والعقود، والقرون ..

قرون طويلة واحتقان مفاعلات الاستبداد تصطدم بالقمع المنهج، والقتل المنظم للأفكار والآمال، فتتراجع الأمة ويتقدّم بديلها أفراد يلبسون القداسة، ويدوسون على أعناق البشر وحقوقهم وأحلامهم فتسقط مشاريع النهوض، وتتجوف البرامج السياسية لمرحلة التحرر، وتداس بالبساطير السميكة الشعارات والآمال الجميلة وقد علكت وعجنت لتناسب الفرد، والأحد، ومطايا الحزب الواحد، والذهن الشمولي، وكل ما في تلك الجعبة من قضايا أثبتت الوقائع أنها مزيفة، وأنها حمير ركوب للوصول إلى الحكم، ووسائل لتحويل البشر إلى قطيع ورعايا، ودجاج مداجن.. ويتسع الفارق بيننا وبين الغرب إلى درجة سحيقة، وبوتائر تشبه سريعة جداً تقضي على كل أمل باللحاق ولو بذيولهم طالما أن الاستبداد ومفرخاته هو القابض على الرقاب والرؤوس والأوطان والمقدرات.. حتى وصلت الأمة قاع القاع، وتهشّم ذلك المشروع النهضوي هباء منثوراًن وتهددت الأقطار بمزيد من التفتيت والتشظية على أسس عرقية ومذهبية وكل ما يخطر على البال، وفعست مشاريع إقامة الدولة المستقلة لصالح جبروت الطغم الحاكمة فأجبرت على الدخول قمقم الحاكم ومزرعته وعائلته وطائفته وعصاباته، ثم برك فوق الجماجم لا يحول ولا يزول إلا بالموت..

في بداية الخمسينات، ومع تلك التجارب الديمقراطية الوليدة التي نهضت في أعقاب انتهاء الاحتلال الأجنبي بدت الفجوة منظورة بيننا وبين الآخر المتقدم، ويمكن ردمها، أو اللحاق بركب الحضارة ليكون لنا موقعنا، وحين أقحمنا التجزيء المفروض، وجرى اغتصاب فلسطين(قلب القلب) بالقوة الجبرية والتآمر.. اعتلت الدبابات السياسة وتزاحمت للوصول إلى القصر الجمهوري، وانتفخت المؤسسة العسكرية وهي تستنزف الموارد والجزء الكبير من الدخل الوطني، والراية فلسطين وتحريرها، والبلاغ رقم واحد ينثر الوعود بالمنّ والسلوى، والضباط الكبار ينفذون من ثغرات تلك التجربة الديمقراطية لإقامة ممالكهم الخاصة : دكتاتوريات مصغرة لم يكتب لها الحياة للموضعة.. حتى كان ما يعرف بانقلابات شعارات الثورات التي تمتطي الأحزاب وتصدّرها واجهة وقاعدة، مستفيدة من سمات المرحلة، ومن حالة ما يعرف بحركات التحرر الوطني والقومي لإحداث انعطافة شاملة في المسار والعمق والنظام والبلد والدولة ..

وفي غمار انقسام العالم إلى معسكرين متناحرين كان الانتماء للمعسكر الاشتراكي نتاجاً طبيعياً محمّلاً بأطنان الوعود والطموحات والمهمات، وفي الجوهر منها : مشروع النهوض الوحدوي، التحرري، الاستقلالي ببعد العدالة الاجتماعية، أو ما يعرف بالاشتراكية وبحركية تقوم على خيارات تقدمية، شبه علمانية، شبه حزبية، شبه ما يجري هناك في بلدان ذلك المعسكر مع فوارق كبرى لجهة مستوى نضج البنى، والأحزاب، ودور وموقع المؤسسة العسكرية، وتعضدي التخلف، وفيسفساء التكوينات المجتمعية الماضوية، والتي يعيش كثيرها مرحلة ما قبل الدولة، وما قبل الوطنية والقومية، وما قبل الحداثة، وسمات العصر الذي نعيش فيه.. وجاءت أفكار حرق المراحل قفزاً أمنياتياً لا يراعي قابلية تلك البنى، ولا إفرازاتها، وطبيعة الأداة ومدى صلاحياتها، والوعي، والقيادات، والنخب، والعسكر وأثرهم، والخاص والعام، والوطني والقومي وموقعها، والاجتماعي المهروس لصالح القومي والوطني، وعلى حساب ضجيج الشعارات، وفلسطين الحاضر الغائب الأكبر ..وقد فرّخت نتاجها المألوف في الحزب الواحد، والتخطيط الشمولي والمركزة والفرض، فالقولبة المنهجة للمجتمع من فوق لتحت وبالعكس حتى يتمّ إمساكه بقبضة الحكم وأذرعه الأمنية، والمنظمات الشعبية : أفرعه الموضّبة، بينما اختنقت الديمقراطية واغتيلت آلاف المرات، ثم حنّطت جثتها للاستخدام اللفظي ضمن ما يعرف ب"الديمقراطية الشعبية"... حتى إذا ما انقلب الطاغية الأسد على رفاقه، والحزب ركل كل شيء بقدم نرجسيته وفئويته لإقامة مملكة التوريث المرعبة، وعمادها الأهل والعشيرة والطائفة ولفيف انتهازي يتعشبق على اللهط والمَظهرة ونهب البلاد، وتعميم الإفساد بشكل منهجي، وقولبة المجتمع وقتل روحه وأي اهتمام بالشأن العام.. والخلط المريع بين الدولة والسلطة ثم تأميمهما لصالح الفرد الذي نصّب نفسه قائداً للأبد تنهال عليه الصفات كما الصلاحيات، فيتضخم النرجس فيه وقد بلغ حد المرض النرجس، ومستوى إبادة كل من يعارض ..

كثيرة بلاوي غياب الديمقراطية ومفرزات الاستبداد وقد أرجعت بلادنا قروناً للخلف، فعلا الركام خراباً صفصفاً تنعق فيه المافيا الجديدة وترتع بثروات منهوبة من المال العام، وتعلو جدران مملكة الرعب بآلاف آلاف أجهزة الأمن والمخبرين والشبيحة المأجورين، والطاغية ينام على جماجم الشعب وأحلامه، حتى إذا ما فرض التوريث المشوّه الذي زاد ما بقي من أطلال الجمهورية نخراً وفحشاً.. انتشى العته جنوناً بكؤوس القاعدة الذهبية التي فرضت على الشعب : الإخضاع والإذلال والقتل والترويع لكل من يفكر بقول كلمة لا، أو الخروج عن مألوف التوضيب..

********

وأحرق البوعزيزي بجسده عقوداً من الاستنقاع، وإذ بالبركان العربي ينبثق من تحت النار.. لهيباً ثائراً بكل احتقان الأزمان، وعبر شباب جديد أحدث المفاجأة، وعاكس كل تلك التوقعات البياتية عن الجيل الخنوع، والجيل المبتعد عن السياسة، والجيل الخانع.. وتدفقت الجموع ثورات متنقلة.. لتحطّ في بلدنا الحبيب ..

أشهراً عشرة والثورة السورية تسجل بصمتها كأهم تلك الثورات : معجزة الشباب والشعب.. ونهر الدماء يرويها فما بخل الشباب عن العطاء..وما زال التصميم أقوى على تهديم تلك المملكة النتن وإقامة البديل الذي يليق بسورية وشعبها ...

ويمر الانتظار والتوقعات كبار بالنصر الحاسم، وتقف التعقيدات السورية في حلق العالم والوضع العربي الرسمي المتآكل، والمذعور، واليتم عنوان الثورة وفحواها، والعامل الذاتي يمتشق يمين القسم : أن لا تراجع إلا والنصر بين الأيدي ..

يودعنا عام التغيير وما زالت بلادنا على الجدول، فنستعيد الأشهر أياماَ وساعات ومعطيات، ونقف إجلالاً لأرواح الشهداء، نرفع رايات المجد في المعتقلات، وننحني إكباراً أمام شبابنا وشعبنا المكابد، المصمم على البذل، حامل الحلم والأماني لسورية كلها : سورية الشعب والتاريخ والغد، وسورية بكل فئاتها ومكوناتها.. بما في ذلك (الكتلة الصامتة)، والمتفرجون، والمؤيدون، وحتى المشاركين بدرجاتهم الدنيا في عمليات التجييش.. لأن شعبنا متسامح، حضاري، ويدرك أن الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة لا تخص فئة دون الآخرين، وأن المواطنة المتساوية للجميع لترتفع سورية بناء يليق بمكانتها وقدراتها.. تتناغم فيها الأطياف والمكونات وحدة وطنية قائمة على التعددية، والتداول السلمي على السلطة ..

له العام 2011 آيات التبجيل والتكريم..

وعام النصر الأكيد أمنيات الخير، والحب، والتآلف.. وكل عام وبلدنا حراً، ديمقراطياً..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الخيارات العربية في الأزمة السورية .. د. صالح بن سبعان

عكاظ

31-12-2011

وصلت إلى دمشق بعد تلكؤ طويل بعثة المراقبين التابعة للجامعة العربية، وقد سبق وصول هذه البعثة إرسال فريق لوجيستي لتسهيل أعمال البعثة. وكانت أولى أعمال المراقبين هي زيارة مدينة حمص للتأكد من التزام النظام السوري بسحب قواته من شوارع المدن، ووقف العنف ضد المدنيين، وإطلاق سراح السجناء السياسيين. ولم يلتزم الجانب السوري بهذه الشروط التي فرضها على نفسه كجزء من الاتفاق.فالدبابات السورية ظلت في الشوارع وإن غيرت أعلامها واستبدلتها بأعلام الجمهورية السورية الخضراء القديمة، ولم يتوقف القناصة والشبيحة عن قتل المواطنين. ففي اليوم الأول لوصول هؤلاء المراقبين، سقط اثنان وأربعون مدنيًا سوريًا معظمهم في مدينة حمص، بالرغم من التطمينات التي أطلقها رئيس الفريق العربي، محمد أحمد الدابي. يتساءل الكثيرون عن مهمة المراقبين العرب الموفدين إلى سوريا، وهل ستكون من مهامهم تهدئة الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، أم السماح بالاحتجاجات السلمية ومنع قيام الشبيحة وعسكر النظام بقتل هؤلاء المحتجين، أم كتابة تقرير يقدم فيما بعد الى مجلس الجامعة؟ بل ما هي بالضبط مهام هؤلاء المراقبين. وللإجابة على هذا التساؤل، ينبغي ألا نتوقف عند آليات الإجراءات، بل أن نذهب بدون مواربة إلى الأهداف السياسية. فالهدف الأساس من إرسال المراقبين العرب إلى سوريا، هو إيجاد مناخ مناسب لتحويل النظام من نظام أمني شبه عسكري إلى نظام ديموقراطي، أو قريب من الديموقراطية، بدون سفك المزيد من الدماء. ويعني مثل هذا التحول تحييد دور الجيش والمؤسسات الأمنية في سوريا، والتي أصبحت، أو أصبح معظم منتسبيها، ما عدا أفراد الجيش السوري الحر، أداة للقسر في يد السلطة الحاكمة. وربما أتاح وجود هؤلاء المراقبين على الأراضي السورية ضغوطًا أكبر على النظام السوري، وأحداث بعض التصدعات بين أفراد النخب السياسية، كما كان الحال في ليبيا. وتذهب بعض الطروحات إلى أن تزايد حجم العنف في سوريا قد يقود إلى انقلاب عسكري، فالتاريخ السوري حافل بمثل هذه الانقلابات، خاصة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. والمطلب الأول هو وقف حمام الدم اليومي، وسماح أجهزة الأمن السورية للمواطنين بالتظاهر السلمي. غير أن القمع المتواصل قد أدى حتى الآن إلى انفلات زمام الأمور، وشاهدنا تفجيرين ضخمين في مؤسستين أمنيتين في الأسبوع الماضي، راح ضحيتها العديد من الناس. وإذا ما زاد تعنت النظام وعنفه فقد يؤدي ذلك إلى حرب أهلية هوجاء. لذلك فإن نظام التهدئة الذي تنتهجه الجامعة العربية في الوقت لن يكون العلاج الساحر لإنهاء الأزمة السورية، طالما لم تكن الرؤية في نهاية النفق واضحة. من الواجب إذاً ألا يقتصر عمل الجامعة العربية على النوايا الطيبة والآليات المحدودة، بل أن يشمل ذلك رؤية مستقبلية تضمن انتقالا سلميًا للسلطة، بحيث تصبح الجامعة العربية وصية على النظام خلال المرحلة الانتقالية، وأن يُدفع بمبادرة تشبه المبادرة الخليجية في اليمن، على مستوى عربي شامل. وأن تكون هناك جداول زمنية محددة لتنفيذ المبادرة العربية، وأن يكون لها دعم ومساندة من مجلس الأمن والقوى الكبرى، بحيث يشعر النظام السوري بأنه لن يتمكن من التخلص من استحقاقاته أمام شعبه، وأمام الرأي العام العربي والعالمي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العوامل الداخلية والخارجية للثورات: سورية مثالاً .. م. ربحي خلف

2011-12-30

القدس العربي

ما أن بدأت رياح التغيير في العالم العربي مع بدايات العام الجاري واتخذت شكل ثورات شعبية حتى وضعت كل التحليلات عن احتمالات الحرب والسلم في المنطقة جانباً وحظيت الثورات بنصيب وافر تستحقه من التحليل والدراسة لأسبابها والعوامل التي أدت إلى قيامها في بلدان عربية دون أخرى، واتجهت إحدى نظريات التفسير لها أن الدول التي تحمل في تربتها أسباب الثورة الداخلية من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ( دخل محدود، بطالة، تضخم وغلاء أسعار، تفاوت طبقي، تمييز اجتماعي في الخدمات، فساد مالي، تضييق في الحريات العامة، إعلام مقيد، نظام حكم مستبد وغياب للتداول السلمي للسلطة ... الخ).

فإن ذلك قد لا يعتبر كافياً لتنبت ثورة الشعب إذا ما كانت الدولة تنتهج سياسة خارجية توصف بالمستقلة والممانعة في وجه السياسات الأجنبية في المنطقة، واستدلوا على ذلك أن رياح التغيير الثوري هبت على دول الإعتدال العربي وهي على الترتيب (تونس، مصر، البحرين، اليمن وأخيراً ليبيا التي تحالفت مع الغرب منذ 2003 وربطت نفسها به اقتصادياً) دون أن تستثير شعوب دول الممانعة العربية وعلى رأسها سورية.

يعتقد أصحاب هذا التفسير أن الشعوب تحسب لأنظمتها أنها تقف في مواجهة السياسات الغربية والأمريكية خصوصاً في منطقتنا وعلى رأسها سياسات الإحتلال والتدخل الأجنبي وحماية أمن إسرائيل، كما يحسب لهم أيضاً أنهم يدعمون قوى المقاومة العربية والتي تشكل رأس الحربة في مواجهة هذه السياسات المكروهة شعبياً.

فيما يبدو للناظر من الخارج تناغماً بين تطلعات الشعب وسياسات النظام الخارجية تجاه هذه القضايا، وهو كذلك ولا يمكن نكرانه. ومما لا يمكن نكرانه أيضاً أن الثورات التي قامت حتى الآن في العالم العربي لم تكن سياسات الدول الخارجية محركها الرئيس بأي شكل من الأشكال، بل كانت عناوين الثورة تعبر عن مضمونها بأنها كانت ثورات حرية وكرامة، فأول مطالب الثورة هي أن يكون الإنسان حراً على ثرى بلده يعبر فيها عما يشاء ويختار من يشاء ليحكمه كما يريد ويرتضيه عقد الحكم بين الحاكم والمحكوم والذي يتضمن بين بنوده رضا المحكوم بحكم الحاكم، لا أن يحكم الحاكم بقوة الحديد والنار.

كل ما سبق يؤسس لحقيقة أن السياسة الخارجية للدولة - سوريا مثلاً - وإن كانت عامل استقرار داخلي فإنه لن يستطيع بحال من الأحوال إلغاء عوامل الثورة الداخلية الأخرى، وأقصى ما باستطاعته هو تأخيرها لبعض الوقت لحين انهيار حاجز الخوف الذي اعتنى النظام ببنائه ليصمد أطول فترة ممكنة في نفوس الشعب، ولكن تاريخ الثورات في العالم يشي لنا بأن أعتى جدران الصمت والخوف بناءً أسرعها تهاوياً أمام قوة الحق الذي صدحت بها الشعوب في وجه نظم الاستبداد التي تاجرت بقضايا الأمة الكبرى لتطيل بها أعمارها التي يبدو أنه قد دنى أجلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من تراقب؟ .. عبدالعزيز السويد

السبت, 31 ديسيمبر 2011

الحياة

رئيس بعثة المراقبين العرب في سوريا اقترف خطأً جسيماً حينما تحدث للإعلام! ليس مهام مراقب في شأن متفجر مثل الأزمة السورية، أن يتحدث، مهما بلغت شهوة للكلام وضغوط مراسلين ورصد مراقبين بثياب سائقين ومرشدين.

حديث رئيس البعثة الباعث على الاطمئنان، تحول إلى حكم لصالح طرف ضد الآخر. ومن الواضح أن الجامعة لم تكن مستعدة ولا مراقبيها لأمر من هذا النوع ، لوحظ ذلك من حالة «التوهان» وتصوير بأجهزة الجوال، والقصد من نشر المراقبين - بحسب فهمي- تقصي حقائق الأوضاع على الأرض، بين متظاهرين يتهمون السلطات السورية بقتلهم والفتك بهم رغم سلمية خروجهم الى الشارع، وسلطات تقول إنها تلاحق مجموعات إرهابية هي من يقتل المدنيين ومنهم المتظاهرون.

في هذه الجولة حققت السلطات السورية انتصاراً بعد انتزاعها ذلك التصريح من رئيس مراقبي الجامعة العربية، أو تبرعه به. وفكرة نشر مراقبين مدنيين في أزمة من هذا النوع غير مسبوقة في ظني، لهذا لم يكن مفاجئاً أن الجامعة لم تكن مستعدة، كان الأولى- بديهياً- التشديد على عدم الاتصال بوسائل الإعلام منذ ما قبل وصول دفعات المراقبين، وتعيين متحدث باسمهم في الجامعة أو الإعلان ان أمين الجامعة هو المعني بالحديث عن نشاطهم، ولا يتوقع من المراقبين حسم أي أمر، لذا يستغرب الهجوم عليهم من الطرفين، مهمتهم تنحصر في نقل الصورة إلى مرجعيتهم، اللجنة الوزارية، والأخيرة ستصدر رأي الجامعة لاحقاً.

والواقع يقول ان السلطات السورية فرضت أسلوبها «في الكر والفر الحاصل الآن» على الجامعة العربية، فهي من يشغلها أكثر من الثوار، مع فتيل التدويل، والغرض تحقيق هدف إعلامي وسياسي كبير يتولد عنه أهداف على الأرض. استطاعت دمشق تجيير حضور المراقبين لصالح وجهة نظرها المعلنة، ولو مؤقتاً على الأقل، من هنا تحولت الجامعة إلى أداة لتزويد الحكومة السورية بمساحة زمنية أطول «للتعامل» مع الأزمة...الثورة، وهو ما يتناقض مع لهجة حازمة دشنت الجامعة بها تدخلها في الأزمة السورية، وتكاد الجامعة بأسلوبها المرتجل أن تتحول إلى جزء من المشكلة لا جزءاً من الحل. فمن عدم وضوح الرؤية لدى الجامعة العربية واللجنة الوزارية» أيضاً» اختفاء الحديث عن العقوبات الاقتصادية، هل تم تفعيلها وأي من الدول التزم بها، أم أنها بقيت حبراً على ورق الجامعة، وتلاشت، ومع قصور نفس الجامعة ونظام في سوريا تعود على طول النفس مهما تصاعد عدد القتلى، يبدو أفق الحل بعيد المنال.

www.asuwayed.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أضعف الإيمان - سيذهب عام 2012 .. داود الشريان

الأحد, 01 يناير 2012

الحياة

في حوار مع «الحياة»، نُشر أمس، قال إليوت أبرامز، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية: «لا أتوقع خطوات كبيرة» من الإدارة الأميركية تجاه ما يجري في سورية. وزاد: «علينا العمل لذهابه (الرئيس بشار الأسد) في شكل أسرع». وهو توقّع ان يسقط النظام السوري عام 2012. ولكن ما الذي يجعله متأكداً من ذلك، سألت «الحياة» أبرامز، فأشار الى جملة عناصر منها «انشقاقات عسكرية متزايدة، تمسك النظام بسياسة واحدة هي إطلاق النار، وموقف تركيا اللافت، وتدهور الاقتصاد السوري، إضافة الى ان سورية تحكم بنظام أقلية».

المسؤول الأميركي السابق قدّم تحليلاً للوضع السوري، ولم يتحدث عن معلومات: وهو كشف ان واشنطن مرتبكة، فضلاً عن ان الوضع، بحسب رأيه، ماضٍ الى نهاية النظام السوري بتدخل أميركي، أو من دونه، واعتبر أن ما يجري في سورية اليوم دليل على صواب تحليل الرئيس بوش الابن ومفاده أن «الاستقرار في المنطقة خاطئ ومبني على القمع». كل هذا كلام لا جديد فيه، لكن أبرامز قال رداً على سؤال عن دور إيران في الأحداث التي تشهدها المدن السورية: «لا اعتقد ان بإمكانهم فعل الكثير حول ذلك. يمكنهم إعطاؤه (النظام السوري) المال وليس أكثر».

لا شك في ان تقليل الأميركيين حجم الدور الإيراني المحوري والفعّال في تغيير مسار الأحداث في سورية، يفتقر الى الواقعية، ويتسم بالغموض، وينبغي أخذه بحذر وشك كبيرين. فالإدارة الأميركية ردَّدت كلاماً مشابهاً حول نفوذ طهران المتزايد في العراق، في بداية الاحتلال، وكذّبت توقعاتنا على لسان مسؤولين، وفور انسحاب القوات الأميركية من الأراضي العراقية تبيّن ان الاحتلال الأميركي رتّب شؤون العراق للوجود الإيراني، وكأن واشنطن تسلمت عقداً من الباطن لخطف هذا البلد العربي وتقديمه للإيرانيين. والنتيجة أن الاحتلال الأميركي جعل العراق ذراعاً للنفوذ الإيراني في المنطقة.

الأكيد ان إيران موجودة وبقوة على الأرض السورية، وطهران قادرة من خلال نظام نوري المالكي في بغداد، و «حزب الله» في لبنان على تقديم ما هو أكثر من المال لدمشق، وتستخدم أحداث سورية في شق صفوف العرب بالحس المذهبي، وتطيل أمد معركة النظام السوري، وتسعى إلى رسم نهاية لا تختلف كثيراً عن النهاية التي وصل إليها العراق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين يكمن “الحل” في سورية الجديدة؟! .. د. وائل مرزا

الأحد 01/01/2012

المدينة

منذ بضعة عقود، بدأ الإسلاميون في رفع شعارٍ يقول: (الإسلام هو الحل). وكما هو معروف، فإن المشكلة أن رفع ذلك الشعار ثم الالتفاف حوله أصبح هدفاً بحدّ ذاته عند البعض، بل وأصبح عند البعض الآخر بداية الطريق ومُنتهاه.. وكان واضحاً من خلال الأدبيات ومن خلال الممارسات أن كثيراً من الإسلاميين كانوا يظنّون، ويوحون للآخرين بلسان الحال وبلسان المقال، أن كل ماكان مطلوباً هو أن يتمَّ تبنّي الشعار من قبل أي نظامٍ سياسي، لتظهر على أرض الواقع بعد ذلك فوراً حلولٌ سحريةٌ تُعالج جميع مشكلاتنا وأزماتنا المستعصية.

لكن التاريخ يكرر نفسه فيما يبدو هذه الأيام. فإضافة إلى وقوف البعض عند ذلك الشعار، يقف البعض الآخر عند شعارات مشابهة مثل (الليبرالية هي الحل) و(العلمانية هي الحل) وماإلى ذلك..

وإذا ما كان لهذه الظاهرة من مغزى، فإنه يتمثل في توضيح حقيقة أن المشكلة الأصليّة لإنسان المنطقة هي مشكلة طريقته في التفكير، قبل أن تكون مشكلة انتمائه الأيديولوجي المعيّن. أو بمعنى آخر، أن المشكلة هي مُشكلة منهجٍ عقليٍ معين في فهم الحياة وفي إدراك كيفية التعامل معها، من خلال الشعارات والعواطف والأمنيات والنيات (السليمة). وبالتالي فإن من الممكن لتلك المشكلة أن توجد عند كثيرٍ ممن يسمون أنفسهم إسلاميين، بنفس القدر الذي يمكن أن توجد فيه عند كثيرٍ ممن يسمون أنفسهم ليبراليين أو قوميين أو حداثيين أو ما إلى ذلك من التصنيفات الشائعة..

ثمة قصر نظر سياسي وحضاري عند أي إنسانٍ يُدرك ألف باء العلاقة بين التاريخ والحاضر، ويعرف شيئاً عن أساسيات التفاعل بين مقومات الهوية ومقومات المعاصرة، حين يُعارض، مثلاً، الليبرالية في منطوقها الواقعي المتوازن.. تماماً كما أن من قصر النظر السياسي معارضةُ الإسلام في فهمه الواقعي المتوازن.. لا بل إن النظر إلى هذه التصنيفات أصلاً على أنها تصنيفاتٌ حدّية تُعبّرُ عن منظومات متضاربةٍ كلياً هو أمرٌ بات أبعد ما يكون عن النظرة العلمية المنهجية للتطور الثقافي والسياسي للمجتمعات..

فالواقع الثقافي والسياسي الراهن حتى لكثيرٍ ممن كان يمكن حصرهم في السابق في إطار أحد هذه التصنيفات الحدّية يؤكد بأنهم تجاوزوا منذ زمن نظرة التضارب الكامل التي كانت سائدةً في وقت من الأوقات. وأن هؤلاء باتوا يرون الحجم الكبير لما هو (مُشترَك) بين تلك المنظومات الفكرية، ودرجة (التكامل) العالية بينها على عدة مستويات. وهو تكاملٌ سيراه كل مثقف يمتلك القدرة على تجاوز مرحلة الطفولة الأيديولوجية، التي تنظر إلى العالم من خلال أحادية الانتماء إلى الدوائر الضيقة المُحيطة بالإنسان، إلى مرحلةٍ أخرى ينفتح فيها العقل والقلب على ذلك العالم ليرى ما فيه من فُسحةٍ هائلة للتنوّع والتعددية والاختلاف الإيجابي.

وقد تكون الثورة السورية وأصحابها الحقيقيون في الداخل خير من يُعبّر عملياً عن هذه الحقيقة. فمن ينظر إلى المشهد سيخرج بنتيجةٍ مؤداها أن هؤلاء تجاوزوا بالتأكيد تلك الحدود المصطنعة التي يرى البعض أنها تُحيط بالمنظومات الفكرية، وتجعلها قواقع ثقافية أو جُزًراً فكريةً مُنعزلةً لا تَمِتُّ الواحدة منها إلى الأخرى بِصِلة.

من هنا، فإن رسالة هذا المقال ليست الدفاع عن أحد أو الهجوم على أحد، وهي تحديداً أبعدُ ما تكون عن الخوض في مداخل الفرز والتصنيف. لأنها، على العكس من ذلك تماماً، دعوةٌ للخروج من الحصار الذي تفرضه على الواقع العربي والإسلامي عقليةُ الفرز والتصنيف، مهما أُطلقَ عليها من تسميات.. وفضلاً عن ذلك فإن الرسالة تتلخص في الإشارة إلى أن التحديات الكبرى الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نواجهها وسنواجهها في سورية الجديدة هي تحديات معقّدة وكثيرة. لهذا، فإنها تتطلب نظرةً أكثر واقعيةً وشمولاً إلى الأمور تتجاوز مجرد استبدال منظومةٍ فكريةٍ بمنظومةٍ أُخرى أو استبدال شعارٍ بشعار..

إن هذا الواقع الذي نتحدثُ عنه بحاجةٍ إلى برامج عملية تعمل على معالجة إشكالياته، وهي برامج تنبني في المقام الأول على فهمٍ علمي للتشابك الحاصل تاريخياً وآنياً بين مقوماته العديدة، بعيداً عن ردود الأفعال، وبعيداً عن محاولات الفرز والتصنيف، وبعيداً عن رفع الرايات والصَّخَب والضجيج تحت الشعارات المكتوبة عليها.. وإذا كانت المنطقة العربية قد جرّبت حلّ مُشكلاتها في الخمسينيات والستينيات من القرن السابق من خلال شعار (القومية هي الحل)، ثم جرّبت حلّها منذ السبعينيات تحت شعار (الإسلام هو الحل)، فإن من المُحزن أن يعتقد البعض أن مجرد رفع شعارات أخرى بديلة سيكون كافياً لتجاوز واقع التخلف والتبعية والوهن والأزمات.. ليس في سورية الجديدة بكل تأكيد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: اكتشفنا مراقبا عربيا! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

1-1-2012

يبدو أننا في صدد اكتشاف أول مراقب عربي حقيقي في سوريا، وربما أكثر، من بين جملة من سميتهم من قبل بوفد المتفرجين العرب، وهو على عكس رئيس البعثة العربية بسوريا، كما أنه، أي المراقب الحقيقي، قد نسف كل جهود أمين عام الجامعة العربية الذي حاول «ترقيع» تصريحات الجنرال السوداني.

فقد بثت قناة «العربية» شريطا يظهر أحد المراقبين العرب، ويتحدث بلهجة مغاربية، يقول فيه إن قناصة النظام الأسدي موجودون بدرعا، ويطالب بانسحابهم، وبكلام واضح، ومباشر، ينسف كل ما قاله الجنرال السوداني عن الأوضاع الجيدة بسوريا، وينسف أيضا التوضيح، أو «الترقيع» الذي قام به أمين عام الجامعة العربية، نبيل العربي، على خلفية تصريحات الجنرال السوداني، حيث قال العربي إن ما قصده رئيس البعثة العربية بالأوضاع الجيدة بسوريا لم يكن المقصود به الأوضاع على الأرض، وإنما تعاون النظام الأسدي، والحقيقة أن الشريط الذي بثته قناة «العربية» للمراقب العربي الحقيقي الذي شكا من القناصة الأسديين، ينفي كلام العربي، ويجعله غير ذي قيمة، مما يظهر جديا أن الجامعة العربية مرتبكة، ومتناقضة.

فما يحدث بسوريا لا يتطلب وفودا، ومراقبين، وإنما يتطلب جهدا حقيقيا لوقف آلة القتل الأسدية هناك؛ فما يفعله نظام الأسد بالسوريين جريمة حقيقية، ومجرد الصمت عنها يعد شراكة حقيقية مع أداة القتل الأسدية، فالقصة ليست عاطفة، أي الدفاع عن السوريين وإدانة بشار الأسد، كما أن الفذلكة العربية تعتبر عجزا، وليس عقلانية.

فما يحدث بسوريا من قبل الطاغية وآلته القاتلة، ليس بحاجة إلى وفود ومراقبين، بل هو أمر مثبت، ومن دون الحاجة لجنرال سوداني أعظم إنجازاته خدمة نظام البشير، أو وفد من المتفرجين العرب، الذين لم نجد بينهم إلا مراقبا حقيقيا واحدا، حتى الآن، امتلك الجرأة للتحدث أمام كاميرا من سوريا، وقال إن قناصة الأسد موجودون بالفعل، فكم كانت لافتة تلك اللوحة التي حملها المتظاهرون بحماه تقول: «المراقبون كالأشباح فلم نر منهم أحدا في حماه»!

فالمطلوب اليوم، وهو ما قلناه مرارا وتكرارا، أن يتم منح السوريين منطقة عازلة، وفرض لحظر الطيران، سواء تحت مظلة مجلس الأمن، أو خارجه، ودون الاكتراث بما يقوله، أو يفعله، الروس الذين هرعوا لإصدار بيان يشيد بجهود النظام الأسدي، وتعاونه مع المراقبين العرب، وذلك عطفا على تصريحات الدابي التي حاول الأمين العام للجامعة «ترقيعها»، حيث تقول الخارجية الروسية في بيانها إنه «بالنظر إلى التصريحات العلنية التي أدلى بها رئيس البعثة، مصطفى الدابي، الذي ذهب في أولى زياراته إلى مدينة حمص.. يبدو الوضع مطمئنا»، هكذا وبكل بساطة! فموسكو لا تكترث بالضحايا السوريين، وإن بلغ عددهم الستة آلاف قتيل، ولذا فلا بد من تحرك حقيقي لمساعدة السوريين على طي صفحة سيئة بتاريخ سوريا، والمنطقة كلها، نحتاج إلى موقف عربي شجاع، مثل موقف ذاك المراقب العربي الحقيقي، والشجاع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسرحية بائسة.. تدين صانعيها .. ثوار سورية يحرقون وثيقة مرفوضة لاتفاق مزعوم دون تفويض مشروع .. نبيل شبيب

شهد آخر أيام سنة 2011م مسرحية بائسة تحت عناوين غليون والمجلس الوطني، أو منّاع والهيئة التنسيقية والوثيقة/ الاتفاق، أو الاتفاق الفعلي/ المزعوم، أو التوقيع دون تفويض، أو الشجب والتنديد والانسحابات العلنية رغم التفويض.. وجميع ذلك -سيّان ما حجم الحق فيه عند هذا الطرف أو ذاك وما حجم الباطل- يمثل وصمة عار على الجميع.. بين يدي ثورة شعبية أبية بطولية، وواعية بما يجري، وماضية إلى غايتها رغم ما يجري، كما يكشف عن غياب حدّ لا غنى عنه في الأصل (حتى في الحالات الاعتيادية وليس في التعامل مع ثورة شعبية فحسب) من الحنكة أو المهنية السياسية، والقدرة على خوض "اللعبة" السياسية، مع إدراك أنّها ليست مجرّد لعبة.. فمداد ما يكتبون باسم الثورة وشعبها ووطنها هو دماء الضحايا، والأصوات التي يتبادلون بها الاتهامات الجارحة إلى درجة الشتيمة لا تنتمي إلى أنين الجرحى والمعذبين والمنكوبين في أرض الوطن.

لا يجهل أحد -وإن قال سوى ذلك لغايات تخصّه- أن المجلس الوطني يمثل قطاعات كبيرة من "المعارضة" ولا يمثل قطاعات عريضة من "الثوار"، كما أن وجود "أطياف الشعب" فيه غير مكتمل كما ينبغي.. ورغم ذلك هو الأقرب بالمقارنة مع سواه إلى تمثيل مصالح الشعب الثائر في هذه المرحلة، لفترة محددة من الزمن، تنتهي ببداية مرحلة أخرى في مسار الثورة، والحد الفاصل هو اكتمال إسقاط بقايا النظام.

هذا تفويض لا يملك المجلس الوطني في إطاره -ولا يملك سواه- حق التصرف بمستقبل سورية بعد الثورة، سواء فيما يتعلق بالدستور، أو مرجعية الحكم، أو تشكيلة الأجهزة الانتقالية التي توصل إلى تثبيت دستور ومرجعية وصيغة تشكيل أجهزة الدولة من جديد. وعندما يتحرك -هو أو سواه- في هذا الاتجاه رغم غياب التفويض، إنما يصنع ذلك لتحقيق الأهداف الذاتية للفئات السياسية المشاركة في تشكيلته، أو القوى العربية والدولية التي يتفاوض معها.

وما يقال عن المجلس الوطني يقال "بتأكيد أكبر" بصدد الهيئة التنسيقية التي لم ترتفع من البداية بمستوى تشكيلها ولا أهدافها الرسمية إلى درجة الحصول على تفويض جزئي أصلا.. ناهيك عن تفويض مطلق!..

. . .

يلتقي الطرفان ويقرران ما يقرران، ومعظمه خارج نطاق أي تفويض.. ويأبى الثوار، ويتحوّل ما يصنع الطرفان إلى مجرد جزء من "اللعبة السياسية" في نطاق التواصل مع قوى عربية ودولية.. لا أكثر، ولا أقل.

هذا إذا التقى الطرفان واتفقا وقررا أصلا.. ولا يتحقق مثل ذلك عبر اتفاق هذا الرأس وذاك الرأس من الطرفين. وقد توجد معايير ما في هيئة التنسيق تسمح بذلك، ولكن تركيبة المجلس الوطني، من مجموعات معارضة.. بمشارب مختلفة، تقيّد رأس المجلس بقيود، عندما يتجاوزها، قاصدا أو غير قاصد، يسبّب مثل تلك الفتنة الهوجاء التي شهدها آخر أيام سنة 2011م، فيعطي بقايا النظام الدموي القائم في سورية هدية مجانية على رأس سنة جديدة.. (مجانية بمنظور من يقدّمها.. وليس بمنظور من يبذل الدماء.. كيلا يقدّمها!)..

ربما شارك فلان أو فلان من الرؤوس الأخرى في المجلس في مفاوضات وفي صياغة بعض العبارات، ثم وجدوا أنفسهم فجأة وقد تجاوزهم أحدهم بتوقيعه على ما لا ينبغي التوقيع عليه قبل استشارتهم من جديد.. ولكن لا يسوّغ هذا أيضا طريقة الردّ العلنية الحافلة بأشد العبارات التي تتلقفها وسائل إعلام متلهّفة لها، دون مراعاة أمانة الرسالة الإعلامية التي تحملها.. وهذا بدلا من اتصال من فاجأهم الحدث بمن صنعه، هاتفيا مثلا، والاستيضاح.. مع "التهديد عند الضرورة بإجراءات وتصريحات صاخبة علنية"!..

لقد كان ردّ فعل الثوار في سورية بالمقارنة ردّا معبرا عن درجة عالية من الوعي والنضوج، وهو ما يرمز إليه ما قيل بشأن "رفع البطاقة الصفراء تجاه غليون" والامتناع عن رفع "البطاقة الحمراء".. بمعنى: أخطأتَ خطأ ذريعا، وهذا تنبيه قاطع.. أن تكرار الخطأ يفقدك البقية الباقية من أيّ تفويض شعبي ثوري، جزئي ومشروط.

الأشد من ذلك والأنكى: "كيفية" ظهور الطرف الآخر وهو يكذب الطرف الأول، وينفي النفي الذي صدر عنه بصدد أن الاتفاق اتفاق.. فقد بدأ وكأنه شديد السرور -وربما الشماتة- أن وجّه إلى المجلس الوطني ورئيسه ضربة موجعة، جعلته يظهر ممزقا متناحرا من داخله!..

أي نصر سياسي هذا النصر؟!..

وأي كفاءة سياسية يعبّر عنها الظهور بمظهر المنتصر في "جولة مساومات بين معارضين" على حساب "الثورة والثائرين"، بما يعطي "القوى الدولية" ذريعة أخرى لتجدّد تساؤلاتها الملغومة قصدا: أين البديل القادم؟.. وكذلك بما يزيد "بقايا النظام.. العدوّ أو الخصم" قدرة على الإمعان في الفتك بشعب ثائر، لا توجد من ورائه (وتزعم أنها أمامه) قيادات سياسية معارضة على مستوى ثورته البطولية!..

. . .

هي مسرحية بائسة.. ولكنها (خارج قوسين) من مجرى الحدث.. والحدث هو الثورة.. وصانعو الثورة هم أبطال الحدث.. وهم من الشعب.. والشعب لا يصدّق سواهم، ولا يتبع سواهم، ولا يقبل باتفاق أو قرار أو تصوّر أو تخطيط.. يصدر عن سواهم، ما لم يجد "مباركتهم" وينسجم مع المشروعية الثورية التي أسقطت ما قبلها.. ولن تغيب عن صناعة مجرى الحدث وتقويمه، وصناعة الزعماء السياسيين أو تغييبهم، إلى أن تنشأ على أرض الوطن المحرّر مشروعية الدولة الجديدة، على أنقاض استبداد فاسد يتفسّخ، ورغم العقبات الخارجية من جانب قوى عربية ودولية تتربّص، وكذلك رغم أساليب تقليدية متوارثة لا تزال "المعارضات" تقيّد نفسها بها، ولن تصل إلى "مستوى الثورة" وتكتسب ثقة الشعب وثواره.. إلا عندما تتخلّى عنها فكرا وتطبيقا، وتبجّحا أيضا، بأنّ محترفي السياسة أقدر على صناعة التاريخ ممّن ولدتهم أمهاتهم أحرارا.. وثوارا على كل شكل من أشكال الظلم، عبر ممارسة استبداد إجرامي، أو عبر سياسات وممارسات أشبه ما تكون بعملية اختطاف الثورات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوبرمان لن ينقذ الشعب السوري!! .. جمال بن حويرب المهيري

التاريخ: 02 يناير 2012

البيان

مرّ عام 2011 كأنه حلمٌ مزعجٌ ثقيلٌ على كثير من الناس في العالم بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية والقلاقل السياسية والثورات الشبابية وحالة الترقب الشديد لما سيحدث غداً في كل يوم منذ الثورة البوعزيزية في تونس حتى الثورة السورية التي يسقط من جرائها كثير من الأرواح البريئة بلا ذنبٍ ولا جريمةٍ سوى انهم يطالبون بحرياتهم وأقل ّحقوقهم المدنية المسلوبة بغير حقٍّ لأكثر من 40 سنة بدعوى العروبة والقومية والاشتراكية التي لم تكن إلا وبالاً على أهلها وعذاباً على أصحابها الذين نادوا بها أول الأمر ثم أصيبوا بنيرانها بعد ذلك، وأكلَ بأفكارهم ودعواتهم غيرهم من المتسلقة الأذكياء أهل البطش والقلب الحجري الأجوف.

ومن المضحك المبكي أنّ فرنسا قامت باحتلال سوريا قديماً ففزع العرب لوقائع القتل المتعمدة آنذاك وطالبوا بالجهاد المقدس ضد فرنسا، وأثارت هذه الحوادث قلوب الشعراء حتى قال أميرهم أحمد شوقي «رحمه الله تعالى» يبكي دمشق ويحث العرب على التحرك لوقف المجازر:

سلامٌ من صبا بردى أرقُّ ودمعٌ لا يكفكفُ يا دمشقُ

ومعذرة اليراعةِ والقوافي جلالُ الرزء عن وصفٍ يدقُّ

نعم كان في ذلك الوقت جلال المصيبة يلجم الألسنة عن النطق والوصف، فما ظنكم والقاتل اليوم هو من لحم ودم المقتول ماذا سيقول أحمد شوقي لو خرج علينا ورأى هذا الحال الذي نحنُ فيه؟، والله إنه أمرٌ لا يصدق: شعبٌ يقتلُ كل يومٍ بيد أهله وحكومته ولا يُفعل شيء سوى انتظار قرارات الجامعة العربية!!

*هناك من يقول: «ليست سوريا من مواضيعنا المهمة»، وبعضهم يقول: «دعِ الخلق للخالق»، وآخرون يقولون: «دعهم يسوّوا قضيتهم بينهم»، ومنهم من ينادي: «اللهم عافنا مما ابتليت به كثيراً من خلقك»، كأن هذا الأمر لا يعنيهم أو هم ينتظرون أن تقوم الدول الغربية الكبرى بالتدخل وتفعل كما فعلت في ليبيا بطلب من الجامعة العربية أو أنهم يظنون أن هناك مجموعات خارقة كسوبرمان ستأتي وتحل هذه المصيبة التي يصلى بنارها الشعب السوري كل يوم والأمر ليس كذلك فالثورة السورية لن تتوقف لأنها إن توقفت قضي على أهلها عن بكرة أبيهم وليس ثمة من حلٍّ إلا التضامن العربي الشعبي الكامل مع أهلنا في الشام بكل ما نستطيع فعله حتى تزول عنهم هذه الغمة اللعينة التي قهرتهم وكبتت على أنفاسهم من غير رحمة ولا خوف من الله.

أيتها الحكومة السورية العربية ويا فخامة رئيسها بشار يا طبيب العيون الذي قرأت لك مقابلة وأنت يومها تدرس طب العيون وقد سألك المحاور: هل تنوي الدخول في العمل السياسي؟ فقلت له: لا طبعاً أنا أحب مهنتي وسأبقى طبيب عيون!! ها قد شاء الله أن يكون مصير سوريا في يديك وقد تركت عملك السامي في مجال الطب لإصلاح سوريا من تراكم المظالم لعقود وقد تفاءلنا بك خيراً، فنرجوك أن تفعل شيئاً من أجل شعبك المظلوم وأن توقف آلتك الحربية التي اشتريتها من أموال الشعب لحماية الشعب لا لقتله، فلا تستمع إلى من يكذب عليك ويصف شعبك بأنهم يستحقون الهلاك، فهؤلاء هم لحمك ودمك وهم المظلومون الفقراء، انظر إليهم بعين الرحمة فقد تدور الدوائر وأنت لا تدري وقد تتعرض سوريا للتقسيم والتمزق إذا لم تتدارك الأمر وتذكر قول الشاعر:

من يفعلِ الخير لا يعدمْ جوازيهُ لا يذهب البرُّ بين اللهِ والناسِ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مراقبون تحت الرقابة .. ياسر الزعاترة

الدستور

2-1-2012

من الواضح أن المتغيرات التي طالت المواقف العربية من الثورة السورية هي التي سمحت بمرور مهزلة المراقبين العرب على النحو الذي نتابعه منذ أيام، أعني المتغيرات التي أصابت المواقف العربية، وربما الأمريكية والغربية تبعا لحسم الموقف الإسرائيلي في تجاه الحفاظ على نظام الأسد الذي يشكل بقاؤه معادلة أفضل من رحيله بالنسبة لأمن الدولة العبرية التي باتت تتفق (إضافة إلى ذلك) مع عدد من الأنظمة العربية التقليدية التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة لوقف مد الثورات العربية، لاسيما بعد أن أضافت تلك الثورات إلى مخاطر عدوى التغيير وصول الإسلاميين إلى السلطة

كل ذلك يصفع بقوة نظرية أبواق الأسد وشبيحته المنبثين؛ ليس في شوارع المدن السورية فحسب، وإنما في طول الإعلام العربي وعرضه، فضلا عن قوى وتيارات سياسية تحاول تبرير انحيازها إليه بالحرص على المقاومة والممانعة، فيما الحقيقة أنها تفعل ذلك لأسباب حزبية وطائفية ومذهبية وأيديولوجية، ربما باستثناءات محدودة لا تغير القاعدة العامة.

منذ البداية تأكد أن قصة المراقبين العرب هي محض مهزلة تسعى إلى التقليل من بشاعة الجريمة التي يرتكبها بحق الشعب السوري، وإلا فأي منطق يبرر موافقة الجامعة العربية على الشروط التي وضعها النظام لتمرير دخول البعثة والشروع في تنفيذ برنامجها؟!

بالله عليكم كيف لبعثة مراقبين تتحرك بحماية جحافل من ضباط الأمن السوري الأكثر حنكة وولاءً للنظام (تحت رقابتهم بتعبير أدق)، كيف لها أن تصل إلى حقيقة الوضع على الأرض بكل حيثياته التي تكشف بشاعة النظام ومستوى إجرامه؟!

يعلم الجميع أن الرعب وحده ولا شيء غيره هو الذي يحول بين الملايين وبين النزول إلى الشوارع في سائر المدن السورية، بما فيها دمشق وحلب، ومن يعتقد أن هناك من أهل السنّة في سوريا من يؤيد النظام باستثناء حفنة لا قيمة لها في السياق العددي إنما يتجاوز الحقيقة ويفتئت عليها، مع أن تأييد الفئات الباقية للنظام ليس شاملا ولا محسوما بالكامل، أعني لجهة استعدادها للدفاع عنه حتى الرمق الأخير.

ما يحول بين الناس وبين النزول إلى الشوارع هو انتشار الجيش في الشوارع وسياسة القتل بالتقسيط ومعها الاعتقال والتعذيب التي يتبعها النظام، إذا لا يستوي الناس في سائر الأمم والشعوب من حيث قابليتهم للتضحية بأبنائهم في صراع مع الأنظمة الدموية.

المراقبون العرب يتحركون وفق برنامج يرتبه النظام من ألفه إلى يائه، ومن غير المستغرب تبعا لذلك أن تأتي الشهادات من النوع العادي الذي لا يدين النظام، بل إن نظاما من هذا النوع سيقوم (على الأرجح) بترتيب معارضين من نوع خاص يقدمون شهادات عادية، حتى لو كانت تنطوي على بعض الإدانة المتواضعة للنظام.

من يجرؤ من الناس على التضحية بنفسه ومن تبقى من عائلته من أجل تقديم شهادة تدين النظام؟! إن أمرا كهذا يُعد أصعب بكثير من تنفيذ عملية استشهادية، لأن الأخيرة يضحي الإنسان من خلالها بنفسه، بينما يمكن للأولى أن تلقي بعائلة كاملة في فم (الأسد) ودمويته وبشاعة شبيحته.

خلاصة القول هي أن مهمة المراقبين العرب بالطريقة التي نتابعها يمكن أن تغدو نجدة للنظام أكثر مما تنتصر للمسحوقين بنيران قمعه وجبروته، أو محاولة للكشف عن الحقيقة في سوريا. ولعل من قرأ تحقيقات بعض الصحف الغربية المحترمة سيدرك أي فارق بين أن يتحدث إنسان لصحفي أو مراقب وهو في كامل حريته، وبين أن يتحدث والمسدس مصوب لرأسه وروؤس ذويه.

الجزء الثاني من مبادرة الجامعة العتيدة هو الأهم بصرف النظر عن تقرير المراقبين، اللهم إلا إذا خرج هؤلاء بتقرير كارثي يقول إن ما يجري هو حرب بين الجيش وإرهابيين ومندسين، ويبرر تبعا لذلك وجود الجيش في الشوارع، أما إذا تطلب الأمر إخراج الجيش من الشوارع والسماح بالتظاهر السلمي، فسيرى الجميع أية شعبية سيحظى بها النظام بين أبناء الشعب السوري.

لقد بات واضحا أن على الشعب السوري أن يتجاوز حكاية الجامعة العربية ويعتمد على نفسه في إسقاط النظام، ورفض أية دعوة للتصالح معه، تماما كما فعل الشعب التونسي والشعب المصري، ولن يتم ذلك إلا بالاستعداد للمزيد من التضحيات التي تصل بالوضع حد العصيان المدني الشامل الذي يسقط النظام، وفي اعتقادي أن ما جرى حتى الآن قد أثبت حيوية الشعب السوري وجرأته وشجاعته، الأمر الذي يبشر بالانتصار خلال وقت لن يطول بإذن الله، وليتحمل المتواطئون مع النظام وزر الجريمة التي يرتكبونها برفع عدد الضحايا إلى رقم لا يعلمه إلا الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الموت في سورية موثق وليس بحاجة إلى «الدابي»؟ .. رجا طلب

الرأي الاردنية

2-1-2012

قلة قليلة جدا من المراقبين والمتابعين للشان السوري كانوا متفائلين بمهمة الجامعة العربية في القضية السورية وتحديدا تجاه شخص امين عام الجامعة العربية نبيل العربي الذي اطلق عددا من التصريحات بعد بدء مساعيه بعد اشهر من اندلاع الثورة السورية والتى كانت منحازة تماما للنظام ، وحتى عندما جرت الانعطافة السياسية المتمثلة بقرار الجامعة اقرار العقوبات على النظام بعد تعنته في الاستجابة والقبول بالمبادرة العربية ، كان قد سارع امين عام الجامعة الى رمى طوق النجاة للنظام مبكرا وبعد ايام فقط من اقرار تلك العقوبات عندما بادر للقول انه بمجرد توقيع دمشق لبروتوكول المراقبين فان العقوبات سترفع مباشرة ، وهو ما اثار حفيظة المجلس الوطني السوري والمتعاطفين مع الدم السوري من سياسيين واعلاميين وشخصيات على مستوى الراي العام العالمي ، وكان تساؤل هؤلاء» هل من المعقول والمنطقي ان ترفع عقوبات لم تنفذ بعد دون التأكد من ان النظام اوقف ادوات القتل الممنهج التى تمارس ضد المعارضين ؟؟

ومع بداية رحلة المراقبين وتزامن ذلك مع تفجيري دمشق وما لاحق ذلك من علامات استفهام حولهما ، جاءت تصريحات احمد الدابي بعد زيارة الوفد الى حمص والتى قال فيها « ان الوضع مطمئن ومستقر « لتكشف اكثر واكثر العيوب في مجمل قصة المراقبين ، سواء طبيعة المفاوضات التى جرت بين الجامعة والنظام حول البروتوكول وسر الموافقة المفاجئة للنظام على البروتوكول بعد رفض وتعنت ، وطبيعة الاتفاق والية تنفيذه ، والتشكيلة القيادية لوفد المراقبين وبخاصة رئيس البعثة وشخصيته المثيرة للجدل واقصد اللواء الدابي الذي تبوأ منصب رئيس اركان الجيش السوداني وتدور شبهات حول دوره في قيادة الجنجويد وارتكاب مجازر في جنوبي السودان ودارفور .

فالدابي ووفق المعلومات التى تتداولها جهات معارضة سورية كان اختيارا سوريا بحتا لم يعارضه نبيل العربي من بين ثلاثة اسماء قدمت لدمشق ، وكان الاختراق الرئيسي الاول في مهمة المراقبين ، اما الاختراق الثاني فكان الية عمل اللجنة ورفع التقارير التى اتفق ان ترفع من الدابي نفسه الى نبيل العربي والى وزير الخارجية السوري وليد المعلم ، وهي الية تنزع ادني مصداقية يمكن ان تتوفر في مثل هذه التقارير ، اما ثالث هذه الاختراقات فهي المرافقة العسكرية والامنية السورية للبعثة في الاماكن التى من المفترض ان تذهب اليها للتحقق والتحقيق ، فكيف يمكن للمواطن ان يتحدث بحرية وان يكشف معاناته بوجود ضابط مخابرات تابع للنظام ؟؟ .

لقد ادركت الجامعة حراجة الموقف الذي وضعت فيه ومدى تدهور مصداقية عملها في الملف السورى ، وعندما حاولت التدخل لاعادة انتاج مصداقيتها عبر تصريح رئيس غرفة العمليات الخاصة ببعثة مراقبي الجامعة العربية السفير عدنان الخضير الذي اوضح ان ما قصده الدابي ليس الوضع الميداني في حمص بل هو التزام الحكومة السورية تجاه البعثة ، كان اشبه بالمثل الشعبي القائل « جاء ليكحلها قام عورها « ، فكيف تصمت الجامعة اسبوعا كاملا على تصريح خطير بشان وضع حمص واذا كان خضير صادقا هو والدابي فما هو وضع حمص وبقية المدن التى زاروها ؟ كما ان تصريح الدابي صريح وواضح وضوح الشمس فقد كان يتحدث عن الوضع في حمص انه « مطمئن « ، فلا المكان ولا الاجواء كانت مناسبة ليتحدث الدابي عن علاقة البعثة بالنظام السوري ، ولو افترضنا جدلا صحة ذلك ، فما هو تفسير السيد خضير اصرار الدابي ومساعديه السودانيين في البعثة برفض تقبل شكاوى المواطنيين في حمص الا بحضور مندوبي النظام الامنيين ؟ فهل هذا تصرف موضوعي وهل هذا هو دور البعثة في ان تكشف الثوار للنظام ؟؟

في كل الاحوال فان الجامعة مطالبة ولاعادة الاعتبار لمصداقيتها القيام وعلى الفور باختيار شخصية اخرى خلاف الدابي لتولى مهمة المراقبة في سوريا يكون مشهودا لها بالخبرة العسكرية والنزاهة واحترام حقوق الانسان وهناك عشرات الشخصيات في العديد من الدول العربية من تنطبق عليها تلك المواصفات ، وفوق هذا وذاك الحاجة ماسة الى اعادة التركيز على المبادرة العربية ككل وعدم الاكتفاء ببروتوكول المراقبة ، فالقتل اليومي وفي كل لحظة وفي عموم سوريا ليس بحاجة لمراقبين للتاكد منه ، فهو موت موثق بالصورة والصوت والاسم والتاريخ .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غسيل النظام السوري .. حمد الماجد

الشرق الاوسط

2-1-2012

لم يعد الغسيل محصورا على الأموال، بل حتى الأنظمة الفاسدة أيضا تحتاج وتحتال لأي غسيل لعار ممارساتها حتى ولو كان سائل الغسيل في حد ذاته قذرا، ويبدو أن النظام السوري احتاج إلى هذا الغسيل لنظامه لإنقاذه من الانهيار الذي كان وشيكا، والغاسل هذه المرة هو رئيس فريق التفتيش العربي بقيادة «العميد» مصطفى الدابي.

الفرق بين غسل الأموال وغسيل النظام السوري أن «الغاسل» للنظام كان أقل ذكاء وأكثر بجاحة، فأوراقه مكشوفة، وتصريحاته مفضوحة، وإلا فالوضع في سوريا، كما قال الزميل طارق الحميد «لا يتطلب وفودا ومراقبين، بل يتطلب جهدا لوقف آلة القتل الأسدية». وأضيف أن كل مواطن سوري تحول إلى مراقب بلا مكافأة، وإلى مراسل إعلامي بلا أجرة، كاميرته في جواله يصور ويرصد ويوثق ويحقن مادته الإعلامية عبر النت لتظهر على كبريات الفضائيات العالمية في دقائق، ولولاها ما كان العالم ليطلع على فظائع النظام وجرائمه.

لقد شاهدنا العميد الدابي لأول مرة عبر الفضائيات وهو يمشي بين المحتجين السوريين متبخترا مكفهر الوجه نافخ الصدر حاد القسمات كأنه يستعرض طابورا عسكريا، مشيحا بوجهه عنهم حتى وهم يكلمونه، بالكاد يرد على صرخاتهم واستغاثاتهم وكأنهم متوسلون وقحون، فتغشاني شعور بالنفور منه ومن مراقبته، فوبخت نفسي على تقييم متسرع من خلال «شكليات» لا يبنى عليها حكم، لكن تأكد للجميع بعد تصريحاته الاستفزازية المتغاضية عن جرائم النظام أن مشاعرنا الأولية الشكلية كانت صائبة.

اختيار عسكري لهذه المهمة الإنسانية النبيلة، وبترشيح من نظام عسكري تلطخ بالدم في مناطق كثيرة في السودان جرت فيها مجازر لا نعلم عن دور الدابي فيها، ومباركة نظام الأسد لهذا الترشيح ثم الإشادة به وبتصريحاته، هما اللتان جعلتا الشعوب العربية ومعهم وسائل الإعلام العالمية تشك في نزاهة ترشيح هذا العميد، وأن سوريا فعلا دخلت في «طبخ» هذه الترتيبات بمعاونة حكومة السودان، وبغض النظر عن صدقية نظرية المؤامرة أم لا فالحقائق على الأرض والتصريحات السيئة التي تساوي بين الجلاد والضحية تكفي لإدانة هذا المراقب، وبالتالي تفرض على جامعة الدول العربية سرعة تغيير رئيس البعثة وأي مراقب راقب الدابي ولم يراقب الله وضميره في مهمته، طبعا هذا لا يشمل عددا من المراقبين الشرفاء الذين تاهت أصواتهم الصادقة في نقل معاناة الشعب السوري الأسير بين ضجيج تصريحات العميد الدابي.

الشعوب العربية لا تريد رئيسا جديدا لبعثة المراقبة لديه أحكام مسبقة ضد نظام بشار أو متعاطفة سلفا مع معاناة الشعب السوري، بل تريد رئيسا صادقا محايدا شفافا يصف المشهد السوري كما هو من غير مكياج ولا تزويقات، غير مكترث بالحسابات السياسية المعقدة، وألا يكون مسيسا ولا مسيرا من نظام زيد أو عبيد، نريد لمشروع المراقبة العربية في سوريا أن يكون ناجحا، لأن حالات عربية مرشحة لاستنساخ المشهد السوري، لا سمح الله، وقد تتطلب مثل هذه المهمة النبيلة، ونجاحها يعني مستقبلا حل مشاكل البيت العربي بأيد عربية، والعكس صحيح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مراقبون أم سياح؟!! .. حسام مقلد *

منذ اندلاع الثورة السورية وعلى مدى عشرة أشهر كاملة أطلق بشار الأسد ونظامه أيدي زبانيته من الشبيحة وقوات الأمن للقضاء على المتظاهرين السلميين، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله تراق يوميا دماء عشرات الضحايا الأبرياء العزل من السوريين وتزهق أرواحهم لمجرد أنهم يطالبون بالعدالة والحرية والكرامة!!

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان وغيره من المصادر بلغ عدد شهداء الثورة السورية الموثَّقين (6007) حتى تاريخ (28/12/2011م) وتتحدث مصادر أخرى عن: عشرة آلاف قتيل، ونحو خمسين ألف جريح، وعشرين ألف معتقل ومفقود، وأكثر من اثني عشرة ألف لاجئ سوري، كل ذلك والجامعة العربية تعطي نظام الأسد المهلة تلو الأخرى للموافقة على خطتها لحل الأزمة السورية!!

وأخيرا وبعد نحو شهرين من المماطلة ومحاولة كسب الوقت وقَّع النظام السوري بروتوكول دخول بعثة المراقبين العرب إلى سوريا، والتي تتلخص مهمتها في تقييم التزام النظام بمبادرة الجامعة العربية التي تنص على: الوقف الفوري لإراقة الدماء، وسحب كافة قوات الجيش والدبابات والآليات العسكرية من المدن السورية، وإطلاق سراح المسجونين السياسيين، والبدء في حوار جاد مع المعارضة للاتفاق على خارطة طريق للإصلاح ونقل وتداول السلطة سلميا.

وتم تكليف قائد الاستخبارات السوداني السابق الفريق أول مصطفى الدابي بترؤس وفد مراقبي الجامعة العربية في سوريا،ولم يرُقْ ذلك الأمر لمنظمات حقوق الإنسان، بل إن منظمة العفو الدولية حذرت من أن تعيين الدابي على رأس البعثة قد يهدد مصداقيتها، كما عبَّر عدد من السياسيين عن قلقهم من الخلفية العسكرية للجنرال الدابي، وقالوا: إنهم يخشون أنه لن يكون محايدا، وأنه قد يتعاطف مع النظام السوري.

وفي تصريح لوكالة أنباء رويترز وصف الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية مهمة وفد مراقبي الجامعة في سوريا: "بأنها ليست سهلة، وأن الجامعة العربية ليست مؤهلة للقيام بها" وأضاف: "أن الأمر لن يستغرق أكثر من أسبوع لمعرفة مدى احترام الحكومة السورية لشروط اتفاق السلام".

وأمر بدهي أنه لكي تقوم بعثة المراقبين العرب بمهمتها في سوريا على أكمل وجه لوضع تقرير صادق، والخروج بتوصيات مُرضِية وكافية لحل الأزمة هناك فلابد أن تتمتع هذه البعثة بالشفافية والوضوح التام، ويجب توفير الحرية الكاملة لها وتمكينها من القيام بمعاينة أرض الواقع ومقابلة أبناء الشعب السوري بكل أريحية دون مرافقة أي مسئولين سوريين لها أثناء تجوُّلِها في المدن السورية لرصد الوقائع، والوقوف على الحقيقة، ومراقبة تنفيذ الحكومة السورية للاتفاق المبرم مع الجامعة.

لكن أن يرافق رجال النظام السوري المراقبين العرب في تحركاتهم بدعوى حمايتهم وتسهيل مهمتهم فهذا يثير الشك في عمل هذه البعثة، وينزع عنها المصداقية تماما، إذ لا جدوى من وجودها في سوريا وهي لا تتحرك إلا بإذن من النظام وبمرافقة من أجهزة أمنه ومخابراته، فمن من السوريين سيقدر على الكلام والحال كذلك؟! بل لقد قال أحد الثوار في حمص: "إنه من المستحيل أن يتحدث أي شخص مع بعثة المراقبين العرب دون علم السلطات السورية، فليس بمقدورنا التواصل معها بحرية؛ لأن أفراد البعثة مراقبون باستمرار من قبل الشبيحة ورجال النظام، وإذا شاهدوني أتكلم معهم سيطاردونني، وإذا امسكوا بي سيقتلونني لا محالة"!!

فأي بعثة مراقبة هذه التي لا تتحرك إلا بإذن من تراقبهم؟! وماذا ينتظر منها أن تقدم وهي عاجزة عن مقابلة السوريين للاستماع إلى أقوالهم بحرية دون تهديد أو ضغوط؟! ومن يضمن ألا يأخذ نظام الأسد هؤلاء المراقبين لرؤية المناطق السورية المختلفة بعد إخفاء القتلى والجرحى، وإخلائها من الدبابات والآليات العسكرية، وإزالة كل آثار المجازر والاعتداءات الوحشية التي يرتكبها زبانية النظام بحق الشعب السوري الأعزل؟!

ومع تواصل التعامل الوحشي لقوات أمن نظام الأسد مع المتظاهرين المسالمين، وقتلهم للعشرات منهم يوميا رغم وجود بعثة المراقبة العربية بين ظهرانيهم لا ندري أهؤلاء مراقبون حقا ذهبوا لوقف سفك الدماء السورية فورا، ورصد حقائق الوضع في سوريا على الأرض أم أنهم سيَّاح ذهبوا في جولة سياحية للتفرج على جثث الرجال والنساء والأطفال السوريين، والاستمتاع بمشاهدة دماءهم تغرق الساحات والشوارع؟!! ويُرَجَّح كونهم سياحا لا مراقبين أنهم لا يمتلكون أية تجهيزات فنية ولا معدات وأدوات طبية، ولا خبراء في الطب الشرعي، ولا غير ذلك من الوسائل المعِينة على كشف الحقيقة ومتابعة المجرمين، والأنكى أنهم لا يتحركون إلا بصحبة مرشدين سياحيين من قوات الأمن والشبيحة المدربين على القتل، وسفك الدماء، وتزييف الحقائق، وإلقاء الرعب في قلوب المواطنين كي لا يتفوهوا بكلمة حق واحدة أمام هؤلاء السائحين!!

إن تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية تحدثت عن آلاف القتلى السوريين، وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين، وذكر نشطاء الثورة السورية أن قوات الأمن والشبيحة يقتحمون البيوت ويغتصبون النساء ويذبحون الأطفال ويقتلون الرجال، ويؤكد شهود العيان أن الدبابات والمدرعات والآليات العسكرية تحاصر بعض المدن السورية كحمص وإدلب وحماة ودير الزور والبوكمال... وغيرها، كما ذكرت التقارير أن الجيش السوري في مراحل سابقة من الثورة السورية قصف المتظاهرين بالطائرات والسفن الحربية، وبدلا من أن يحقق المراقبون العرب في كل ذلك ليخبرونا بالحقيقة خرج علينا رئيسهم بعد ساعتين فقط من مروره في حمص ليقول: إن الوضع فيها مطمئن، وأنه لم يلاحظ ما يثير القلق!!

وفي الواقع لا ينتظر من بعثة المراقبين العربية والحال كذلك أن تقدم شيئا مفيدا يساهم جديا في الخروج الآمن من هذه الأزمة، والمتوقع أن يناور نظام الأسد لكسب المزيد من الوقت، لكنه لن يقدم شيئا حقيقيا لشعبه؛ فالمسألة بالنسبة لهذا النظام وأركانه مسألة حياة أو موت، وإزاء كل هذه الملابسات والتعقيدات المحلية والإقليمية والدولية، ومع إقرارنا بعجز الجامعة العربية وأمينها العام عن فعل أي شيء ذي بال على الأرض لا ندري ما هي الخطوة القادمة التي يتعين على الجامعة اتخاذها لوقف حمام الدم السوري، وإنقاذ السوريين من الخراب والدمار الذي يتوعدهم به بشار الأسد ونظامه الذي يقول لسان حاله للشعب السوري إما أن أحكمكم أو أقتلكم وأجركم إلى حرب طائفية أهلية لا تبقي ولا تذر!!

وبعد كل هذه المجازر الوحشية والجرائم البشعة التي ارتكبها نظام الأسد بحق شعبه الأعزل، وبعد كل هذه الدماء التي سالت، وكل هؤلاء الضحايا الذين استشهدوا، وبعد التأكد من عجز الجامعة العربية ودولها عن فعل أي شيء لوقف هذه المذابح وحماية أشقائهم السوريين بعد كل ذلك لا يجد الكثيرون بدًّا من تدويل المسألة، ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى التدخل السريع والفاعل لحمايتهم؛ فهؤلاء السوريون هم جزء من البشرية على أية حال وليسوا غزاة قدموا إلينا من كوكب آخر، ولم يعد مقبولا الاستهانة بدمائهم وحياتهم أكثر من ذلك، وعلى كل الشرفاء في هذا العالم أن يتحركوا قبل فوات الأوان، وإذا كان الساسة لا تحركهم إلا المصالح، فليعلموا أن مصالحهم ومصالح دولهم وشعوبهم ليست مع نظام بشار الأسد القمعي الفاسد، وإنما مصالحهم الإستراتيجية الحقيقية مع الشعب السوري والشعوب العربية والإسلامية التي لن ترضى عن حريتها وكرامتها بديلا بعد الآن!!

* كاتب مصري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لكيلا يحكمَنا دكتاتورٌ جديد .. مجاهد مأمون ديرانية

يا أيها الأحرار، يا ثوار سوريا العظماء: لقد خضتم في بحار الدماء وقدمتم القوافلَ الطويلةَ من الشهداء بسبب داء واحد هو من أفتك وأسوأ الأدواء: داء الاستبداد. فأعلنوها على كل منبر وارفعوا بها الصوت عالياً حتى يسمعَه كل قريب ويسمعه كل بعيد: لا استبداد بعد اليوم، لا طغيان بعد اليوم، نموت ولا نسمح أن يحكمنا طاغيةٌ مستبدّ بعد اليوم.

إن الاستبداد داء يبدأ صغيراً ككل داء، فإذا أدركتم المستبِدّ صغيراً غلبتموه، وإذا تركتموه حتى يكبر أوشك أن يُعجِز أمة كاملة من الأمم ذوات الملايين، وانظروا إلى سوريا، ففي سوريا الدليل.

إن الشجرة العملاقة منشؤها بذرة لا تكاد تَبين، ثم هي نبتة صغيرة طريّة الساق يقتلعها الطفل الصغير لو جذبها من الأرض طفلٌ صغير، فإذا تُركت استحالت شجرةً عملاقة تمتدّ جذورُها في الأرض وتضرب أغصانُها في السماء، فيستعصي قلعُها حتى على العصابة من الأشداء الأقوياء.

وإن لكل مرض علامة، فارقبوا علامتين هما من أظهر وأدلّ العلامات التي تكشف مَن أصابه داء الاستبداد: انفراداً بالرأي وتشبثاً بالرئاسة. فإنه لا يتفرّد برأيه ويفرضه على سواه إلا مُستَبِدّ، ولا يتشبث بالكرسيّ ويحرص على السلطان إلا مُستَبِدّ.

ألا أن السلطة هي مصيدة الأشرار ومفسدة الأخيار، فأما الأوّلون فيتهافتون عليها تهافت الفراش على النور لأنهم يجدون فيها السبيل إلى إشباع رغبات الاستبداد الكامنة في نفوسهم، وهؤلاء شرّ مَحضٌ لا يصلح له إلا القلع والخلع والإبعاد. وأما الآخرون فيقعون ضحية المنصب، يبدؤون أخياراً طيّبين، ثم ما يزالون يَكبُرون في عيون أنفسهم لكبر المنصب ولإكبار الناس لهم حتى تفسد نفوسهم، ولا حل لهذه العلّة إلا بتداول السلطة وتبادل الأدوار بين رئيس ومرؤوس.

يا أيها الناس: سأقص عليكم قصة قصيرة، فاسمعوها ولا تقولوا ليس هذا وقت قصص، فإن ربنا -تبارك وتعالى- قصّ علينا أحسن القصص ثم عقّب فقال: {لقد كان في قصصهم عبرة}، لمن يا ربنا؟ قال: {لأولي الألباب}. ما أحوجَنا إلى أن نكون من أولي الألباب!

في يوم من الأيام سطت عصابةٌ من المغامرين على الجيش وعلى الحكم في بلد من البلاد، وكان من بينهم دكتاتور صغير لم يلتفت إليه في أول الأمر أحد، ثم بدت عليه علامات الاستبداد المبكّرة فاستكان القوم ولم يَقْدِروا الكارثةَ حقّ قدرها، وسكتوا وسكت الناس جميعاً، وما زال ذلك الدكتاتور يَكبُر وهم يصغرون، حتى جاء يوم ابتلعهم فيه جميعاً ولم يبقَ إلا هو، ثم بلع البلد ومَن فيها من والد وولد، ثم نَسَل نَسْلاً مثله في الطغيان والاستبداد وملّكهم ما مَلَك، فلما انتبه الناس أخيراً وأرادوا أن يتحرروا من أسر الطغيان لم يبلغوا غايتهم بأقلّ من عشرة آلاف شهيد ومئة ألف معذّب ومصاب، وبصراع طويل مرير عانى منه الملايين. هل أخبركم باسم هذا البلد أم تعرفون الجواب؟

يا أيها العقلاء: اقلعوا نبتة الاستبداد الطرية قبل أن تنمو وتصبح شجرة عملاقة؛ لا تسمحوا لمُستبد صغير أن يكبر بعد اليوم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية.. هل أصبح التدويل مطلوباً؟ .. د. زهير فهد الحارثي

الرياض

3-1-2012

لم يعد خافياً أن الوضع السوري بات من السوء ما يستدعي بالضرورة حلولًا أكثر حزماً وفاعلية، بدليل أن المجازر التي ترتكب يوميا قد وجدت لها مسوغا شرعيا من خلال تلكؤ الجامعة العربية وسلة المُهل الزمنية التي استفاد منها النظام السوري في المماطلة والتسويف، ولعل آخرها ما لمح به وزير الخارجية السوري من أن التوقيع على بروتوكول المراقبين لا يعني القبول بكافة بنودها فعلياً.

القراءة الموضوعية للوضع القائم تشير إلى أنها تسير باتجاه تدويل الأزمة السورية الذي قد يأتي على شاكلة الأزمة الليبية أو ربما النموذج اليمني ، وإن كان البعض لا يقلل من خطورة وتداعيات التدخل العسكري لاسيما في وجود قوات بحرية روسية في ميناء طرطوس السوري مقابل الأسطول الأميركي في الجهة المقابلة

على انه تبين وبلا مواربة صعوبة مهمة المراقبين لاسيما في ظل استمرار آلة القمع والقتل، رغم تصريحات رئيس وفد البعثة الذي لم يوفق في قراءة المشهد، وهي نقيصة تحسب على البعثة إلا إذا كان لديه مبرر مقنع في انه لا يريد استعداء النظام السوري إلى حين انتهاء المهمة. ومع ذلك فقوله بأن الوضع مرض ولا يثير الخوف، هو استعجال ورعونة في إصدار أحكام من المبكر الجزم بها، مع أنه لم يمض على وصوله سوى ساعتين، ولم يكن مضطرا للتعليق حينها ، ما أثار شكوكا حول قدرة البعثة على أداء مهمتها.

والملفت أن إطلاق النار كان مسموعاً ولم يتوقف، ولم تُسحب آليات الجيش في بعض المناطق، ولم يُسمح أيضا بدخول وسائل الإعلام لتغطية ما يحدث، ما يعني عدم الالتزام ببنود المبادرة العربية.

وبدا النظام السوري في حالة ارتباك بدليل ما ذكره شهود عيان من انه تم ترحيل معارضين لأماكن أخرى ، فضلا عن إخفاء أسلحة ثقيلة في بعض المدن. والغريب أن تحرك البعثة لم يكن مستقلًا بل انه تم بتنسيق مسبق مع النظام، وهذا فيه فقدان لعنصر المباغتة الذي يعني الكثير والكثير في هكذا موقف.

عير أن المثير للتساؤل يكمن في عدم وجود معايير دقيقة لاختيار أعضاء البعثة ، فهم كما يبدو ممثلون لمؤسسات المجتمع المدني أو موظفون حكوميون وليسوا متخصصين، ولا يستندون إلى خبرة في مهمة شائكة ومعقدة وخطرة كهذه، فضلا عن افتقارهم للإمكانات والأدوات، وقد شاهدناهم يوثقون ما يشاهدونه عبر جوالاتهم المحمولة ، مع أن الأمر يحتاج إلى أجهزة وتقنية حديثة للبحث والتدقيق والرصد ، ومع ذلك يُحسب لهم المبادرة والمشاركة، ولا ينتقص ذلك من شجاعتهم ووقفتهم الإنسانية، ولكن المراد هنا ينصب على كيفية إنجاز المهمة بأسلوب علمي ومهني يحقق الأهداف التي أنشئت من اجلها.

الحقيقة أنه لم يعد لغزاً في أن دمشق ترفض المبادرة العربية ضمنا وان تشدقت بقبولها علنا، بدليل أن بنودها تدعو إلى إنهاء المظاهر العسكرية المسلحة في المدن، وإطلاق سراح المعتقلين.إلا أن الواقع يؤكد بقاء الوضع على ما هو عليه، فالنظام يعتقد انه إذا ما استجاب لتلك المطالب فإنها ستؤدي بطبيعة الحال إلى تفاقم حدة التظاهرات، وبالتالي سلب قدرته على الإمساك بزمام الأمور.

رب قائل هنا يتساءل عن السبب الذي دفع دمشق للتوقيع على البروتوكول، وهل هذا التوقيع خطوة تكتيكية هدفها شراء الوقت، أم أنها شعرت بالقلق وتحديدا عندما تقدمت روسيا بمشروع قرار في مجلس الأمن، يطالب بوقف العنف فوراً من قبل الأطراف ووضع حد لعمليات القمع ؟ مع ملاحظة أن ذلك تزامن مع تلويح الجامعة بعد نفاد صبرها، بإحالة الملف لمجلس الأمن.

على الأرجح أن خطوة التوقيع، جاءت لتقطع الطريق على التدويل أو لنقل لتؤجله برهة من الوقت، وما هي إلا مسألة أسابيع كما يبدو، لاسيما أن المؤشرات الأولية لا تشي بتجاوب جاد من قبل النظام السوري ما يعني أن المشهد يسير باتجاه تدويل الأزمة.

ولمحاولة فهم هذا السلوك، يقول لنا التاريخ بأن الانقلابات العسكرية والتصفيات الدموية والمؤامرات المنظمة، كانت هي العنوان البارز في السياسة السورية في النصف الثاني من القرن الفائت، وكان الضحية المواطن السوري الذي عانى الويل والعذاب من جراء الأسلوب القمعي والبوليسي الذي مورس بحقه.

هذا لا يعني أن دمشق لا تعرف أبعاد اللعبة، بل تجيد فنونها، وهي تعي بأن موافقتها على المبادرة هي بمثابة انتحار سياسي، وستؤدي إلى أفول النظام في نهاية المطاف وإحلال نظام بديل عنه، إلا أنها رغم ذلك تشعر بأنه لم يعد بيدها حيلة وأنها مضطرة للسير في هذا الاتجاه معولة على تحولات سياسية أو متغيرات دولية قادمة، فالنظام السوري قد اختنق فعليا وهو في حالة غرق، وقد شعر بجدية الضغوط ولم تعد تجدي مراوغته وإيقاعه البطيء في إحداث أي اختراق في المواقف العربية والغربية.

ومع ذلك تبقى مرحلة ما بعد بشار غير واضحة المعالم لاسيما وان المعارضة السورية لم تستطع أن توحد مواقفها ورؤيتها لمستقبل سورية ولا زالت المصالح الفئوية تلقي بظلالها على المشهد خصوصا في عدم وجود رؤية مشتركة لقوى المعارضة وانقساماتها التي طفت على السطح. ناهيك عن أن تركيبة الشعب السوري الأثنية والطائفية فيهما من التعقيد ما يجعل وصول طائفة للسلطة على حساب الطوائف الأخرى أمراً ليس يسيراً على الأقل في الوقت الراهن.

غير أن القراءة الموضوعية للوضع القائم تشير إلى أنها تسير باتجاه تدويل الأزمة السورية الذي قد يأتي على شاكلة الأزمة الليبية أو ربما النموذج اليمني ، وإن كان البعض لا يقلل من خطورة وتداعيات التدخل العسكري لاسيما في وجود قوات بحرية روسية في ميناء طرطوس السوري مقابل الأسطول الأميركي في الجهة المقابلة ، ما دفع البعض للقول بأن ثمة حرباً بادرة قد بدأت فعلا.

ولعل الخشية تكمن في عدم اليقين من ثبات الموقف الغربي الذي قد يتردد في مسألة التدخل العسكري في سورية، لعدم وجود بديل من جهة، وخشيته من انتماءات الثوار السوريين من جهة أخرى، فقلقه وتوجسه مردهما إلى أن الجماعات والقوى السياسية المعادية للغرب قد تخطف هذه الثورة عن طريق الانتخابات الديمقراطية فضلا عن الضغوط الإسرائيلية على الولايات المتحدة في أفضلية بقاء النظام الحالي الذي يوفر لإسرائيل أمنا واستقرارا على هضبة الجولان كرستها دمشق عبر العقود الماضية وبامتياز. ومع ذلك تبقى هذه قراءة من قراءات ، والأيام القادمة حبلى بالإجابة على أي حال.!!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موت المبادرة العربية في سورية! .. خالد الفرم

المدينة

3-1-2013

عمليا، انتهت المبادرة العربية لحل الأزمة السورية الدامية، بدءا من اختزال سورية للمبادرة العربية في توقيع بروتوكول بعثة المراقبين فقط، ورفض تنفيذ بنود المبادرة العربية الأخرى، خاصة ما يتعلق بسحب الآليات العسكرية من المدن، وإعادة الجيش إلى ثكناته، والسماح بدخول وسائل الإعلام إلى المدن السورية، واستمرار عمليات القتل والتنكيل ضد الشعب السوري.

بل إن عدد القتلى والجرحى والمفقودين؛ ارتفع بشكل كبير بعد وصول المراقبين العرب إلى سورية، مقارنة بالفترة الماضية، ما يعني نسف المبادرة من أصلها، وتفريغها من محتواها، وازدياد الاحتقان الداخلي والغضب الخارجي.

لذلك أصبح القتل الجاري في سورية، يتم حاليا تحت مظلة الجامعة العربية، ما يعني أهمية أن تقوم الجامعة بمراجعة الموقف الحالي، واختصار فترة البروتكول ومدة عمل المراقبين العرب، إذا كان سيتم استغلال ذلك وحالة الارتباك الجاري في البعثة والجامعة، لإيقاع مزيد من القتل والتنكيل بين صفوف المواطنين.

فعدسات الهواتف المتحركة، والصور التلفزيونية، ومقاطع الإنترنت الدامية، هي البعثة الحقيقية لرصد ما يجري في سورية، من أحداث تمتهن حياة الإنسان وكرامته وحقوقه.

وبالرغم من أهمية إعطاء أولوية قصوى للحل العربي، إلا أن معطيات الواقع تشير إلى ضعف هذا الخيار، في ظل رفض النظام السوري تقديم تنازلات سياسية، وإجراء تحولات جذرية، تمكن من الانتقال السلمي إلى مرحلة جديدة، تستجيب لتطلعات الشعب السوري المشروعة، نحو العدالة والحرية والديموقراطية.

لذلك يبدو أن الربع الأول من العام الجديد، سيشهد تصعيدا دراماتيكيا في الأزمة السورية، لجهة بلورة موقف روسي جديد نحو تحول سياسي منظم، مع ازدياد الضغط الاقتصادي والعسكري على النظام، خاصة مع ازدياد التوتر القائم بين واشنطن وطهران، والذي حول المنطقة إلى بؤرة ملتهبة بشكل غير مسبوق.

alfirm@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في المسألة السورية.. سؤال الساعة هو كيف البديل؟ .. أحمد فيصل الخطاب

2012-01-02

القدس العربي

في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، كتب المفكر القومي الكبير صلاح الدين البيطار افتتاحية شهيرة في مجلة 'الإحياء العربي' التي كان يصدرها من باريس، وكانت بعنوان 'في المسألة السورية : سؤال الساعة، ما هو البديل؟ '.

'ما' هو البديل، وليس 'من' هو البديل، فالمسألة ليست في استبدال شخص أو رئيس بشخص أو رئيس آخر، إنما استبدال حالة بحالة.

بعد نحو ثلاثين عاماً، أتى جواب الشعب السوري على السؤال الكبير ممهوراً بدمه هذه المرة: البديل عن النظام الديكتاتوري الشمولي العسكري الأمني هو قيام دولة مدنية ديمقراطية تعددية تداولية.

اليوم، لم يعد السؤال المطروح ما هو البديل؟ فأكثرية الشعب بكل أطيافه تؤشر عليه بوضوح.

لكن السؤال الأصعب المطروح اليوم في رأينا هو، ودائماً في إطار المسألة السورية: كيف الوصول إلى هذا البديل؟ كيف؟ بأية أدوات ووسائل وأساليب؟

استمرار التظاهر في الشارع؟ إنه شرط لازم، لكنه ثبت أنه غير كاف لزعزعة واحد من أعتى الأنظمة القمعية في العالم.

انحياز عسكري من القوات المسلحة للثورة كما حدث في تونس ومصر إن مثل هذا الاحتمال يوفر على سورية أرضاً وشعباً الكثير من المعاناة والدماء، ولكنه احتمال يبدو وبعد مرور نحو تسعة أشهر ضعيفاً، بل مستبعداً في ظل المعطيات الخاصة بالساحة السورية.

تدخل أممي كما حصل في الحالة الليبية؟

أمر وارد، لكنه ضعيف الاحتمال. ومما يزيد من صعوبة مثل هذا الحل، الوقع الجغرافي السياسي لسورية، وشبكة العلاقات السورية الإقليمية المتداخلة والمعقدة، وكذا العلاقات الخفية للنظام السوري مع 'لوبيات' وقوى مؤثرة في العالم.

تسوية سياسية على الطريقة اليمنية؟

ربما كان هذا حلاً معقولاً، يحقن الدماء، ويوفر على الشعب السوري الكثير من المعاناة. لكن السؤال هل هذا الحل ممكن في سورية؟

لقد سالت كثير من الدماء تبحث عن هوية وهدف. وإن التجربة الحية طوال أكثر من أربعين عاماً، أشرت بوضوح على عقلية خاصة لدى الممسكين بزمام الأمور عندنا. عقلية تلخص بكلمات ثلاث: استبداد، فساد، ارتداد.

فكيف والحال هذه العبور نحو تسوية ممكنة؟

لقد كانت الإشكالية في سورية قضية عادية تتعرض لها معظم دول العالم الثالث.

لكن هذه القضية مع مرور الزمن وطول الأمد تحولت إلى مسألة. مسألة تهدد اليوم بالتحول إلى معضلة: أي مسألة بلا حل. لأن كثيراً من القوى الخارجية وبعض القوى داخل النظام تدفع بهذا الاتجاه، وهنا الكارثة.

يبقى الحل الأخير: استمرار الثورة، ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مع الحرص على طابعها الوطني الشامل والديمقراطي السلمي، مع إقناع الفئات المترددة وخاصة من الطبقى الوسطى بأن مصلحتها تكمن في التغيير والتركيز على العاصمة السياسية لسورية: دمشق، والعاصمة الاقتصادية: حلب حين ينزل الملايين في دمشق وحلب إلى الشوارع، يتغير ميزان القوى بشكل واضح لصالح قوى الحرية والتغيير.

بعد هذه المرحلة، يتم الانتقال إلى إضراب شامل في كل المدن والبلدات السورية. وفي مرحلة لاحقة يتم الانتقال إلى العصيان المدني. وهو سلاح هائل، خاصة حين يكون شاملاً ووطنياً ومنظماً.

حينذاك وحينذاك فقط، يمكن لشرائح هامة مدنية وعسكرية أن تنسلخ عن النظام وتلتحق بركب الثورة.

وهنا تكون اللحظة الفارقة، لحظة الحسم. ويتم التغيير الكبير الذي تهفو إليه قلوب وعقول الملايين من السوريين.

تغيير ستفرضه شجاعة الشعب السوري العظيم، وقوافل الشهداء الأحرار.

إن التغيير آتٍ لا ريب فيه. ودوام الحال من المحال.

لكن السؤال بأي أثمان وتكاليف سيكون هذا التغيير؟

الفكر النير لا بد أن يعثر على الحلول الملائمة. فتعريف 'السياسة'، أو قل 'الحكمة' الذي أراه الأفضل والأشمل هو 'فعل الواجب في الزمان المناسب والمكان المناسب وبالشكل أو الصيغة المناسبة'.

هذا هو التحدي الشاخص اليوم أمامنا جميعاً. فمن يرفع هذا التحدي الكبير؟

' إعلامي ومعارض سياسي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري ضحية النظام والعرب .. عبد الباري عطوان

القدس العربي 2012-01-02

من المؤكد ان النظام السوري يواجه عزلتين، عربية ودولية، وحصارا اقتصاديا خانقا، وانتفاضة شعبية لم تنجح حلوله الامنية الدموية في قمعها طوال الاشهر العشرة الماضية، ولكن من المؤكد ايضا ان اوضاع خصومه ليست وردية على الاطلاق، الامر الذي قد يدفعه الى الشعور ببعض الاطمئنان ولا نقول الاسترخاء لان الضغوط الهادفة الى تغييره ستستمر، وربما تتضاعف في العام الجديد.

الجامعة العربية التي تقود العمل العربي للتغيير الديمقراطي في سورية تعيش مرحلة من الارتباك بعد ان نجح النظام في فرض شروطه عليها، وتعديل بروتوكولاتها، واحتواء مهمة المراقبين التي راهنت على رفضه لها، ومن المفارقة ان اللعنات تنصب عليها من المتظاهرين في الداخل والخارج، ويتعاطى النظام معها ومراقبيها بنوع من الريبة والشك.

وزراء الخارجية العرب جعلوا من فريق المراقبين 'حصان طروادة' الذي سيمكنهم من اقتحام قلاع النظام السوري، وتحطيم اسوار ممانعته ومناوراته، وعندما فتح النظام قلاعه لهم بالحد الادنى من المقاومة، وبدأ المراقبون يقدمون صورة عن الواقع على الارض مغايرة 'شيئا ما' للصورة النمطية السائدة في الفضائيات، بدأت عمليات التشكيك في بعثة المراقبين، ونبش ماضي رئيسها السوداني علي الدابي، وسجله الحافل في انتهاك حقوق اهالي دارفور والمشاركة في ثورة الانقاذ السودانية التي قادها العسكر برئاسة الجنرال عمر البشير.

الجنرال الدابي ليس سويديا، وهو مثل الغالبية الساحقة من زملائه الجنرالات العرب ينتمي الى مؤسسات اغتصبت السلطة عبر الانقلابات العسكرية، ثم انه لم يكن خيارا امريكيا او امميا، وانما خيارا عربيا محضا، ومن قبل لجنة وزراء الخارجية التابعة للجامعة والمتخصصة بالشأن السوري، فاذا كان هذا الخيار خاطئا، فاللوم يجب ان لا يقع على الرجل ولا على دولته، وانما على الذين اختاروه لهذه المهمة.

لجنة المراقبين ذهبت الى حمص وحماة، ومعظم النقاط الساخنة في سورية، والتقت بالمواطنين، او من اتيح لها الالتقاء بهم، فلماذا كل هذا الهجوم الذي تتعرض له ورئيسها وهي ما زالت في بداية مهمتها، فالمنطق يقول بحتمية الانتظار حتى تكمل جولاتها، وتقدم تقريرها الى وزراء الخارجية العرب، ثم بعد ذلك يمكن التطرق لمسألة نزاهتها من عدمه، اما استباق الامور واطلاق الاحكام المتسرعة والادانات المسبقة، بل والمطالبة بسحبها فهذا اسلوب غير علمي على الاطلاق.

كتبنا، وكتب الكثيرون، عن رفض النظام السوري السماح للمراقبين، او رجال الاعلام، بالاطلاع على سير الاوضاع في البلاد، وعندما ذهبت هذه اللجنة الى هناك، بعد مراوغات ومماطلات من السلطات، تصور البعض خاصة من بعض الثائرين ضد النظام في الداخل، ان مهمة هذه اللجنة ليس تقصي الحقائق، وانما اطاحة النظام وحماية المواطنين من بطشه. فكيف يتأتى لها ذلك وعدد طاقمها لا يزيد عن ستين شخصا، ومعظمهم من المتقاعدين؟!

' ' '

من الواضح ان النظام الرسمي العربي، والقديم منه على وجه الخصوص، ارتكب جريمة كبرى في حق الشعب السوري وانتفاضته، عندما صعد آمال السوريين في قرب الخلاص من نظامهم، ورفع من سقف توقعاتهم، ثم تمخض جبلهم عن فأر صغير اسمه فريق المراقبين البائس الذي نراه حاليا في حال من الضياع.

تركيا، الدولة المجاورة، والاكثر تأثيرا في الملف السوري بحكم الموقع ومناطق النفوذ، في حلب خاصة، ادركت فضيلة الصمت في الفترة الاخيرة وفوائدها، فمن كان يتابع تصريحات السيد رجب طيب اردوغان رئيس وزرائها، وحماسة احمد داوود اوغلو وزير خارجيتها ومشاركاته الدؤوبة في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، يتبلور لديه انطباع بان الازمة السورية لن تستمر لتسعة اشهر ولا تسعة اسابيع.

وفي الوقت الذي يبدو فيه النظام السوري متماسكا، ولو الى حين، وتتجاوز نسبة تأييده 55' في اوساط السوريين في الداخل، حسب استطلاع اجرته مؤسسة قطر (Qatar Foundation) وهي برئاسة الشيخة موزة حرم امير البلاد، اي لا يمكن اتهامها بمحاباة النظام، تعاني المعارضة السورية من انقسامات حادة في صفوفها، فبعد اقل من 24 ساعة على توقيع اتفاق توحيدها او ابرز فصيلين فيها، اي المجلس الوطني وهيئة التنسيق الوطنية ظهرت خلافات حادة بين الجانبين من جهة وداخل المجلس الوطني نفسه من جهة اخرى، بسبب تباين وجهات النظر حول مسألة 'التدخل الاجنبي'. فهناك جماعات في المجلس تعترض على نص في الوثيقة يعارض هذا التدخل، لانها تريده، وتتطلع الى تكرار السيناريو الليبي في سورية.

الدكتور برهان غليون رئيس المجلس الوطني الذي وقع الوثيقة، واتخذ موقفا مشرفا بمعارضته تدخل حلف الناتو لادراكه مدى خطورة ذلك على سورية المستقبل من ناحية، وانعدام المقارنة بين النموذجين الليبي والسوري من ناحية اخرى، يتعرض لانتقادات حادة من بعض زملائه او شركائه في المجلس، الذين ينسون ان هذه الوثيقة جاءت بطلب من الجامعة العربية ولجنة وزراء خارجيتها المكلفة بمتابعة الشأن السوري.

الشعب السوري يبدو ضحية 'لعبة امم' جديدة يدفع ثمنها غاليا من دمه وامنه واستقراره، فهذا الشعب الذي صمد طوال الاشهر الماضية في مواجهة اكبر آلة قمعية في المنطقة، وقدم اكثر من خمسة آلاف شهيد وما زال من اجل كرامته وحريته لا يستحق مثل هذه المعاملة، سواء من النظام او من اشقائه العرب الذين تخلوا عنه، او جيرانه الاتراك الذين انكفأوا داخليا بعد ان استخدم النظام اوراق ضغطه بفاعلية عندما حرك ملف التمرد الكردي من ناحية وفرض رسوما جمركية تصل الى 30' على البضائع التركية والغى اتفاق التجارة الحرة وتسهيلاتها بين البلدين.

النظام السوري يشعر بسعادة غامرة من جراء هذه الانتصارات، ولكنها تظل انتصارات مؤقتة وقصيرة المدى، فالحصار الخانق بدأ يعطي ثماره المرة، ليس فقط على الداخل السوري، وانما على الجارة والداعم الاكبر اي ايران، وتوقيع الرئيس اوباما قرارا بفرض حظر على المصرف المركزي الايراني، وعقوبات على اي دولة او شركة تتعامل معه في موازاة توقعات بفرض اوروبا حظرا على الصادرات النفطية الايرانية، كل هذا بمثابة اعلان حرب، وتكرار سيناريو العراق الذي ادى الى استنزاف الشعب العراقي وتجويعه لاكثر من 13 عاما، مما دفع العراقيين، بمن في ذلك نسبة كبيرة من مؤيدي النظام للبحث عن بديل طلبا للخلاص في ظل تجاهل الجيران لمعاناتهم، عربا كانوا او ايرانيين او اتراكا.

' ' '

المحزن ان الجناح المؤيد للحلول الدموية الامنية داخله بات يروج بان الازمة على وشك الانتهاء، وان المظاهرات والاحتجاجات باتت مقتصرة على منطقة حمص فقط، ولذلك لا بد من الاستمرار في نهج القتل نفسه، وعدم تقديم اي اصلاحات حقيقية في الوقت الراهن، وهذا استنتاج ساذج ومدمر في الوقت نفسه، ويكشف عن قراءة قاصرة للوضعين الداخلي والدولي.

الجامعة العربية قدمت طوق النجاة من خلال مبادرتها وبروتوكول مراقبيها، وهي مبادرة اغضبت معظم المعارضين لانها لم تطالب باسقاط النظام مثلما كانوا يأملون، وانما بحقن الدماء والحوار وسحب الدبابات من الشوارع والافراج عن المعتقلين، وعدم تطبيق النظام لها وفورا قد يؤدي الى تدويل الازمة، ودول الجامعة، خاصة المتشددة في معارضتها للنظام، الساعية من اجل اسقاطه، خوفا من تداعيات نجاته عليها وامنها مستقبلا، تملك المال، بل الكثير منه، وتستطيع 'شراء' التدخل الدولي مثلما فعلت في ليبيا. وتستطيع في الوقت نفسه تمويل وتسليح جماعات جاهزة لتفجير نفسها، وحرب طائفية شرسة قد تزعزع استقرار البلد لسنوات وربما لعقود قادمة.

نكتب بتعقل، وبعيدا عن المقالات الانفعالية والنارية، لاننا نحب سورية ولا نريدها ان تنجرف الى حمام دم، ولكننا لا يمكن ان ننسى او نتناسى الكم الهائل من الاذلال والهوان الذي الحقه النظام بهذا الشعب صاحب الدور المشرف في التاريخين العربي والاسلامي، فهذا الاذلال لا يجب ان يتوقف فقط، وانما يجب محاسبة كل من مارسه بسادية طوال العقود الماضية.

المنطقة مرشحة لحروب دموية، اهلية او اقليمية، وسورية قد تكون في قلبها، او محور احد فصولها، فمثلما يتحدث النظام عن مؤامرات خارجية، عليه ان يتقدم بمبادرات لمواجهتها بالتنازل للشعب السوري، او الشق الذي تمسك بالهدوء حتى الآن، ومن المؤسف ان المبادرة الوحيدة التي يطرحها النظام حتى الآن هي القتل والمزيد منه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المراقبون العرب: ماذا يراقبون؟! .. د. عبد الحميد الأنصاري

تاريخ النشر: الأربعاء 04 يناير 2012

الاتحاد

استمرار مسلسل القتل بوجود المراقبين العرب في سوريا، لا يحمل إلا دلالة واحدة، هي فشل مهمة المراقبين في وضع حد لآلة القتل السورية التي تحصد يومياً العشرات من المتظاهرين في مختلف المدن السورية. منذ وصول المراقبين العرب إلى سوريا وعدد القتلى في ازدياد، ولم يحُل وجود المراقبين دون فتح قوات الأمن والجيش النيران على المتظاهرين العزل، بل إن أعمال القمع والقنص تتواصل تحت أنظار وأعين المراقبين. صرحت الهيئة العامة للثورة السورية أن قوات الأمن والجيش قتلت منذ قدوم لجنة المراقبين الأحد 12/25 وحتى الجمعة 12/30، ما يزيد على 99 قتيلاً، غير المئات من الجرحى، أي أن أعداد القتلى استمرت بمعدل 44 قتيلاً في اليوم، فكم سيصل عددهم في نهاية الشهر -المدة الزمنية المحددة للبعثة؟ لقد كانت الجامعة العربية تراهن على أن عمليات القتل والذبح ستتوقف أو على الأقل، تنخفض بوصول المراقبين وانتشارهم في المدن السورية، وتبين أن هذا الرهان كان وهماً، وأن النظام السوري لا يأخذ موضوع المراقبين بأية جدية ولا يهتم بالمبادرة العربية، ولا بالبروتوكول الذي وقعه، إلا شكلياً. بل إن النظام يتصرف بكل لا مبالاة ولا يرى نفسه مضطراً حتى لتقليص أعداد ضحاياه اليومية احتراماً لتوقيعه وللجامعة العربية.

والتساؤل المطروح اليوم في الساحة: ما فائدة المراقبين العرب إذن؟ لقد كان الهدف الرئيسي من توقيع البروتوكول ومن المبادرة هو "حماية المدنيين ووقف القتل"، وهذا لم يتحقق بل تصاعد القتل، كما لم ينفذ النظام السوري من البنود العشرة للبروتوكول العربي إلا بنداً واحداً وهو دخول المراقبين وبشروطه: أي موافقته على جنسية المراقب وشخصه، وأن يدخلوا تحت رقابة صارمة من الأجهزة الأمنية وتحت قيود شديدة على تحركاتهم وعملهم وانتشارهم! أما بقية البنود العشرة فلم يُنفذ منها شيء، إذ لا زالت قوات الجيش منتشرة ترعب المتظاهرين، ولا تزال الدبابات تشاهد في الشوارع ويتم سحبها وإخفاؤها قبل وصول المراقبين، لتعود مرة أخرى وتحصد أرواح المتظاهرين، ولا زال 100 ألف معتقل معذب في السجون، وتتظاهر السلطات بإطلاق سراح بعضهم أمام الإعلام السوري لتعيد اعتقال أضعافهم، وتنقل بعضهم إلى حاويات في سفن في عرض البحر في طرطوس. وهناك اليوم مخاوف من أن تعمد السلطات إلى تصفيتهم حتى تقول للعالم: لا يوجد معتقلون!

لا زالت وسائل الإعلام العربية والأجنبية ممنوعة من الدخول، والمشاهد الوحيدة المصورة هي تلك المنشورة في المواقع الإلكترونية التي يلتقطها ناشطون ومواطنون خلسةً عبر كاميرات هواتفهم المحمولة. وقد عمدت الجامعة العربية إلى تخصيص بريد إلكتروني لتلقي شكاوى الإعلاميين إذا لم تسمح لهم السلطات السورية بالدخول والعمل بحرية، لكن لا قيمة له، فالنظام لن يسمح أبداً بإعلام ينقل الحقائق لأن في ذلك نهايته!

تُرى ما قيمة بروتوكول لم ينفذ النظام من بنوده العشرة إلا بنداً واحداً مثيراً للشكوك وفقدان المصداقية؟ فماذا يأمل العرب من مبادرتهم، وماذا تأمل الجامعة من بروتوكولها في ظل نظام قمعي شديد المراوغة وكثير الحيل؟! ما قيمة وجود المراقبين وماذا يراقبون، هل يستطيعون -حقيقة- نقل صورة حقيقية حول الأوضاع في سوريا؟ الواضح اليوم أن المهمة عسيرة والعوائق كبيرة ومحكومة بالفشل لعدة أسباب، من أبرزها:

1- عدم التوفيق في اختيار رئيس البعثة: إذ مع احترامنا لشخصية اللواء الدابي وتقديرنا لخبرته العسكرية، إلا أن المراقبين يجمعون على أنه ليس الشخص المناسب لهذه المهمة، فالسمعة أهم من الخبرة في هذا الميدان، سمعة اللواء عربياً ودولياً ليست فوق الشبهات، وقد وصفته مجلة "فورين بوليس" بأنه أسوأ مراقب لحقوق الإنسان، وزاد وضعه سوءاً فور وصوله سوريا واجتماعه بالمعلم وتصريحاته بأن "الموقف هادئ والأمور مبشرة وأنا متفائل"، وتصريحه الآخر الأكثر طرافة، فور عودته من حمص -معقل المعارضة، حيث قال: "لم نر دبابات وإنما مدرعات! الحالة مطمئنة! لم نر شيئاً مخيفاً"! العالم على امتداد 10 أشهر يرى بالصوت والصورة أشياء مرعبة ورئيس البعثة المفترض فيه التعاطف مع شعب يتعرض للقمع، لم ير ما يخيف! هل حرص أن يرى ما يخيف؟ هل بذل جهداً في التحقق من الوضع؟ ألا يعلم أن النظام أخفى دباباته بوجوده وتستطيع العودة في 5 دقائق؟ وهو مطلوب منه أن يرى الدبابات، ألا يرى ويسمع صرخات الشعب حوله؟ لقد استغلوا تصريحه وسارعت روسيا للقول: الوضع مطمئن! هل نشهد مسرحية "شاهد ما شافش حاجة"؟ لماذا تختار الجامعة شخصاً تحيطه الشبهات، لأخطر مهمة في تاريخها؟!

2- فريق المراقبين العرب -بخلاف المراقبين الدوليين- لا خبرة ميدانية له في هذه المهمة، فالبعثة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجامعة، فهم كما قال سمير عواد "بعثة من الهواة" لن تتمكن من التصرف باستقلالية، ولن يتاح لها أن تضع تقريراً صادقاً يعكس حقيقة الأوضاع في ظل رئيسهم الملقب في السودان ب"الثعبان".

3- النظام السوري لم يمكّن المراقبين العرب أن يتصرفوا بحرية وموضوعية، وعنده من الوسائل والألاعيب ما يكفي لتعويق مهمتهم وإفشالها، وحتى في حالة نقل أحد المراقبين ما يحصل بأمانة فإن الإعلام السوري يشن حملة عليه للتشكيك في مصداقيته، ويتلقى تهديدات بالقتل كما حصل للمقدم خالد الربيعان -السعودي الجنسية- الذي أصر على الذهاب إلى دوما من دون رفقة الأمن والشبيحة، وكما حصل للمراقب المغربي الذي شهد القناصة في درعا.

4- افتقار البعثة إلى وسائل الدعم اللوجستية المساعدة لتحركاتهم واتصالاتهم وتسجيلهم للأحداث وتصويرهم لما يحصل، وبخاصة أن النظام يشوش ويقطع الاتصالات. الوضع السوري يشبه الوضع الكوري الشمالي، حيث تتم محاكمة المواطن الذي يمتلك "آي فون"، ويحظر دخول الصحفيين المتمرسين لمصاحبة المراقبين لنقل حقيقة الأحداث.

5- عدم دراية المراقبين بجغرافية المدن السورية وأسماء المناطق، مما سهل على النظام خداعهم ووضع يافطات مغايرة لأسماء المناطق التي يريدون زيارتها وبخاصة أنه يجب على البعثة إعلام الأمن السوري قبل الزيارة بنصف ساعة، المنطقة المستهدفة بالزيارة، مما يمكن النظام من إجراء التغيير وإخفاء معالم المظاهر المسلحة.

6- قلة عدد المراقبين في بلد كبير مثل سوريا، ومن ثم عدم تمكنهم من الانتشار السريع في كل مكان.

ختاماً: على الجامعة أن تعترف بفشل مهمتها، والأكرم لها أن تسحب المراقبين فوراً، كما طالب البرلمان العربي ورئيسه الدقباسي، وإلا فهي شريكة في إسالة دماء الأبرياء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القاتل مجهول في سورية! .. محمد كريشان

2012-01-03

القدس العربي

'العربي لا يعرف من يطلق النار في سورية'... هكذا اختارت أمس جريدة 'الحياة' اللندنية عنوانا في صفحتها الأولى لتقريرها من القاهرة لأول مؤتمر صحافي يعقده الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي لتقييم أولي لعمل المراقبين العرب في سورية. عنوان موفق تماما لأن هذا فعلا أهم ما قاله الرجل على الإطلاق. وزاد في توفيق العنوان أنه لم توضع في نهايته أية علامة تعجب لأن العربي قال ما قال بكامل الجدية.

إذا كنا بعد عشرة أشهر مما يحدث في سورية ما زلنا لا نعلم من يطلق النار هناك فعلى الدنيا السلام!! ما قاله العربي لا يستقيم حتى مع ما قاله هو نفسه في ذات المؤتمر الصحافي ناهيك أن يستقيم مع حقائق الأمور على الأرض. أي معنى لكلام العربي هذا وهو الداعي في نفس المؤتمر السلطات السورية إلى وقف القتل 'فورا' فأنى لهذه السلطات أن تفعل ذلك والسيد الأمين العام غير متيقن من أن هي من يطلق النار فعلا على المتظاهرين، اللهم إذا كان يعتقد أنها 'تمون' على 'العصابات المسلحة' وكلمتها مسموعة لديها !!. العربي أوضح أن موضوع من يطلق النار على من 'يجب إثارته مع الحكومة السورية لأن الهدف من إرسال المراقبين هو وقف إطلاق النار وحماية المدنيين السوريين' فهل يتوقع الأمين العام أن تقول له الحكومة السورية أنها آسفة لأنها هي فعلا من يملك قناصة فوق السطوح ودبابات تطلق القذائف على الأحياء السكنية!!

ما يجري في سورية بين جلي لا يُمعن في إنكاره سوى نظام الحكم ومن والاه في لبنان وخارجها. لم يعد في الإمكان 'التفلسف' على هذا الصعيد إلا لمن يريد الوقوف مع النظام الرئيس بشار الأسد ظالما أو مظلوما لكنه يخشى من أن يقول رأيه كاملا غير منقوص فيختفي وراء غمغمات غير مفهومة ويهاجم غيره حتى لا يدافع عن موقفه المهزوز. أغلب هؤلاء لم تكن لهم حتى جرأة أو صراحة المطرب السوري جورج وسوف الذي لم يتوان في التعبير عن ولائه لهذا النظام حتى وإن قتل من أبناء شعبه المئات!

إذ ما سلمنا بأن العربي مدرك جيدا لما يقوله وهو فعلا لا يعرف من يطلق النار فلم لا يعتمد مقاربة علمية معروفة تقوم على استبعاد الفرضيات غير المنطقية ولا المقنعة حتى يركز تفكيره بعد إزاحتها فيما تبقى من فرضيات، إن جاز فعلا تسميتها كذلك في الحالة السورية. لنشرع قليلا في تلمس هذه المقاربة ونترك للعربي الاستنتاج اللاحق الذي يراه مناسبا.

لنفترض أن الحكومة السورية بريئة تماما من قتل المدنيين الذين تريهم كل تلفزيونات العالم إلا التلفزيون السوري ولنتجه مباشرة إلى اتهام 'العصابات المسلحة' أو المنشقين عن الجيش ولنقل أن هؤلاء هم قتلة المدنيين بمن فيهم الأطفال داخل بيوتهم أو أولئك الآباء العائدون بالخبز لأطفالهم الجائعين. بعد ذلك، نسأل لماذا يقتل هؤلاء أولئك؟ أهو لتشويه النظام السوري وهو على السمعة التي هو عليها الآن لا يحتاج إلى مزيد من التشويه؟! أم لمزيد إثارة غضب الناس ضد الحكم وهم الذين لم يبلغوا في تاريخ سورية الحديث هذا المبلغ من السخط عليه بحيث لا يحتاج منسوب الغضب عندهم إلى أية إضافة؟!! أم لتصفية شعب يدعون أنهم قاموا بالثورة أصلا للدفاع عن حريته وكرامته؟!! وإذا كان لعناصر مسلحة موالية للثوار أن تتهم بالقتل فالمنطقي هنا أن تتهم بقتل العسكريين ورجال الأمن و'الشبيحة' وليس المدنيين الذين ذهبت بعثة الجامعة لحمايتهم!

كان بإمكان المراقبين العرب أن يلتزموا جميعا فضيلة الصمت طوال مهمتهم وكذلك السيد الأمين العام على أن يتحدثوا جميعا بعد اتضاح الصورة نهائيا، أما أن يجازفوا بكلام متسرع أو غير دقيق وأحيانا غير مقبول بالمرة فأمر يدخل في خانة 'إغراق السمكة في الماء' كما يقول المثل الفرنسي. ما يخشى الآن من كل ما سبق أن تنتهي المهمة كلها بالقول: وقيدت الجريمة ضد مجهول!!.. مع أنه ليس كذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المراقبون العرب ومهمتهم .. فايز سارة

الشرق الاوسط

4-1-2012

بدأت بعثة المراقبين العرب التابعة لجامعة الدول العربية مهمتها في سوريا الأسبوع الماضي، وزار رئيس وأعضاء البعثة أغلب المحافظات السورية، ولا سيما المحافظات الأكثر سخونة ومنها حمص وحماه وإدلب ودرعا إضافة إلى محافظة دمشق ومدينتها، وفي كل الحالات التقت البعثة مسؤولين سوريين، كما التقت مواطنين ونشطاء وحقوقيين لهم صلة بتطورات الأوضاع الميدانية وبينهم مشاركون بالمظاهرات أو ممن تأثروا بالحملات الأمنية/ العسكرية التي تواصلها السلطات منذ بداية الاحتجاجات، والتي استدعت بالأصل وصول هذه البعثة بناء على اتفاق بين الجامعة العربية والسلطات السورية، هدفه تطبيق المبادرة العربية لحل الأزمة في سوريا.

والسؤال الطبيعي الذي يرافق نشاط البعثة بعد أسبوع من بدء أعمالها في سوريا، يتصل بإمكانية نجاحها في مهمتها، وهو يستند إلى أمرين اثنين أولهما طبيعة اللجنة ومهمتها، والثاني طبيعة البيئة السياسية والأمنية التي تحيط بعمل البعثة، بحيث توفر لها سبل النجاح في مهمتها، أو أنها ستفضي بالبعثة إلى الفشل.

وإذا كانت البداية من موضوع البعثة، فيمكن القول، أن الأمر في هذا يتعلق بجانبين، الجانب الأول وهو الإطار السياسي الذي تشكلت بعثة المراقبين العرب في إطاره، وهو سعي الجامعة العربية إلى المساعدة في توفير فرصة للتعاون بين الجامعة العربية والسلطات السورية من أجل تنفيذ الاتفاق المبرم بين الجانبين لمعالجة الوضع في سوريا، وفي هذا الجانب فإن ثمة تباينات بين الطرفين، حيث يسعى كل منهما ليجعل تنفيذ الاتفاق، بل ونشاط لجنة المراقبين العرب أقرب إلى رؤيته ووجهة نظره في معالجة الأزمة. أما من الناحية الفنية، فإن نشاط هذه البعثة أمر غير مسبوق في عمل الجامعة العربية، وبالتالي فليس من تجارب ولا خبرات لدى الجامعة في هذا المجال، وقد أدى الاعتراض السوري على وجود مراقبين أجانب إلى تكريس غياب الخبرات والتجارب التي كان يمكن أن تساعد في إنجاح البعثة في أداء مهمتها.

أما في موضوع البيئة السياسية والأمنية التي تحيط بعمل البعثة، فإن تأكيد تنوع بل واختلاف هذه البيئة أمر مفروغ منه. ذلك أن الطرفين السوريين المعنيين، السلطة من جهة والحراك الشعبي من الجهة الأخرى مشغولان بتوفير البيئة السياسية والأمنية، التي من شأنها جعل البعثة تعاين وتقييم أجواء تدعم وجهة نظر كل طرف، حيث تجهد السلطة لتأكيد مقولتها بوجود عصابات مسلحة، تقتل الجيش والأمن والمواطنين، وأنها مسؤولة عن تدمير الممتلكات، وإشاعة أجواء الخوف والذعر، الأمر الذي يبرر ليس نشر الجيش والقوى الأمنية في المدن والقرى فقط، بل واستمرار وجودهما وقيامها بعمليات واسعة من شأنها أن تسبب وقوع ضحايا بعضهم من المدنيين، مما سيخفف من مسؤولية السلطات عما تمخضت عنه الأحداث من نتائج في الأشهر الماضية، وبالتالي يفترض دفع جهود الحل العربي للأزمة في سوريا باتجاه مختلف عما هو عليه حاليا وخاصة لجهة العقوبات واحتمالات تحويل الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي.

أما من جهة الحراك الشعبي، فإن الجهد منصب نحو تأكيد أن كل ما لحق بالسوريين من نتائج مدمرة في المستويين الإنساني والمادي، إنما هو ناتج عن تصدي السلطات للمظاهرات ولاحتجاجات السلمية من قبل السوريين ومطالبهم بالحرية والكرامة، الأمر الذي يدين سلوك السلطات السورية، ويؤدي إلى إجبارها على وقف الحل الأمني/ العسكري الذي تتابعه في معالجة الأزمة، والاستجابة إلى المطالبة بحل سياسي، تمثل المبادرة العربية واحدا من أمثلته عبر محتوياتها التي تتضمن سحب الجيش والقوى الأمنية والمظاهر المسلحة من المناطق السكنية، وإطلاق سراح المعتقلين ووقف إطلاق النار على المتظاهرين السلميين، مما سيوفر على السوريين مزيدا ما الضحايا والخسائر المادية ويجنبهم التدخلات العسكرية الخارجية.

التباين في الأهداف السياسية لكل من السلطة والحراك الشعبي إزاء نشاط بعثة المراقبين العرب ودورها، يضيف صعوبات أخرى على طريق إنجاز مهمتها، ولا شك أن تدخل السلطات في عمل البعثة بما تملكه من إمكانات إدارية وعسكرية، يجعل عمل البعثة أقرب إلى عمل أسير للسلطات، ولعل ذلك يفسر التذمر الذي أبداه الحراك الشعبي ومناصريه في سوريا والخارج من أداء البعثة وتصريحات رئيسها، لكن ذلك لا يمكن اعتباره المؤشر الأخير على أداء البعثة وعن خلاصات عملها، وكله لن يظهر إلا في نهاية عملها في تقرير يقدم إلى الجامعة العربية والتي تؤكد أوساطها، أن البعثة في تقييمها العام لن تكون إلا موضوعية ومهنية، وأنها من خلال ذلك ستخدم قضية الشعب السوري أولا وأخيرا، وإلى أن يحين الموعد لا بد من ملاحظة أمرين حققهما وجود بعثة المراقبين العرب في سوريا أولهما أنه أتاح لسوريين كثر من ضحايا الأزمة، أن يكشفوا معاناتهم مباشرة وبطريقة موثقة، والثاني أن وجود البعثة العربية، أعطى المتظاهرين والمحتجين دعما معنويا هائلا لتجديد الحراك الشعبي بنفس القدر من الخسائر اليومية، وكلاهما سيحسب في نتائج مهمة المراقبين العرب في سوريا!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com