العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-09-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل حاربت أمريكا «داعش» وأضرابها: أين… متى… وكيف؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 5-9-2014

سخر نقّاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما من عبارته، غير الموفقة بالطبع، من أنّ إدارته لا تملك، بعدُ، ستراتيجية محددة لمحاربة «داعش». وثمة، لا ريب، مبررات كثيرة للسخرية من رئيس القوّة الكونية الأعظم، وقائد الجيش الأكثر جبروتاً وتطوّراً وفتكاً على مدار التاريخ؛ إذْ يعلن افتقاره إلى خطة ستراتيجية متكاملة في مواجهة تنظيم إرهابي عمره ـ في تكوينه البنيوي التنظيمي والعسكري الراهن، على الأقلّ ـ أقلّ من ثلاث سنوات. وكيف لا ينتقل الساخرون إلى درجة أعلى في النقد، إذا كانت جعبة أوباما، في هذا الملفّ وما يقترن به، سورياً أوّلاً ثمّ عراقياً بعدئذ، غاصة بمواقف الحيرة والتردد والتقلّب والتفرّج…

والحال أنّ أوباما لا يملك تلك الستراتيجية، بالفعل، وبالمصطلحات الابتدائية للمنطق العسكري الأبسط: صحيح أنّ الضربات الجوية الأمريكية، ضدّ قوّات «داعش» في العراق، يمكن أن تُلحق بالأخيرة خسائر ملموسة، كبيرة أو صغيرة، على نطاقات محدودة أو واسعة؛ ولكن أية جدوى، على صعيد «دحر» التنظيم كما تطمح واشنطن، إذا ظلّت «داعش» قادرة على الانكفاء إلى قواعدها داخل سوريا، وإعادة تنظيم صفوفها، والعودة إلى العراق مجدداً، بتكتيك الكرّ والفرّ؟ وما الجدوى، على صعيد آخر، من تسليح قوات «البيشمركة» الكردية، في كردستان العراق؛ إذا كانت المواجهات العسكرية مع «داعش» تقتصر جغرافياً على المناطق الكردية، ولا تخضع لتنسيق كافٍ بين القوّات العراقية النظامية و»البيشمركة»؟

من جانب آخر، ما يثير الضحك حقاً، بل القهقهة العالية، وليس السخرية وحدها؛ هو تصريح الأدميرال جون كيربي، السكرتير الصحافي لوزارة الدفاع الأمريكية، الذي اعتبر أنّ «الدولة الإسلامية في العراق والمشرق»، حسب التسمية المفضّلة لدى الإدارة، لن يشكّل خطراً على المدى البعيد: «سوف تفشل في نهاية المطاف، بل الحقيقة أنها فشلت لتوها بطرق عديدة. إنهم اليوم أشدّ وحشية، وأفعالهم كانت فظيعة، وهم لا يكسبون الكثير من الدعم. وبالتالي لا أعتقد أنّ هذا سيشكل تهديداً بمصطلح سنوات وسنوات وسنوات»!

ألا يعلم الأدميرال أنّ «داعش» تسيطر الآن، في سوريا والعراق، على أراضٍ تكاد تساوي مساحة بريطانيا؛ وتبسط نفوذها على قرابة أربعة ملايين مواطن، سوري وعراقي؛ وفرغت، قبل أيام من إسقاط مطار الطبقة، شمالي سوريا، حيث ارتكبت مذابح وحشية بحقّ الجنود السوريين، وتزحف على مطار دير الزور الذي فرّ منه ضباط بشار الأسد، وقد تتكرر فيه مذابح لا تقلّ فظاعة؟ هل نسي الأدميرال أفعال «داعش» في سنجار، بعد الموصل ومحيطها، واستمرار سيطرة التنظيم على مواقع بالغة الحساسية عسكرياً، رغم أنّ الجيش العراقي و»البيشمركة» والقاذفات الأمريكية و»خبراء» البنتاغون… اجتمعت عليها؟

الكارثي، لأنه ليس مثيراً للسخرية ولا مضحكاً، في المقابل؛ هو أنّ هذه الإدارة، على منوال سابقاتها، تتعامى عن السبب الأوّل، والأكبر والأسبق، وراء صعود «داعش» وأضرابها؛ أي أنظمة الاستبداد والوراثة والفساد العربية، التي لم تمتهن كرامة المواطن العربي وتسلبه حقوقه في الحياة والحرية والرأي والهوية، فحسب؛ بل دفعته، منهجياً وباضطراد، نحو السوداوية واليأس والمرارة والانكسار، ثمّ التطرّف والعنف والإرهاب في نهاية المطاف. وأمّا التفريع الأدهى، لهذا السبب الأوّل، فهو أنّ محاربي «داعش» هذه الأيام، وقبلها «القاعدة»، هم ذاتهم ساسة الديمقراطيات الغربية، في أمريكا وأوروبا، الذين رعوا أنظمة الاستبداد والفساد، وسكتوا عن ممارساتها ـ الوحشية، والبربرية، والهمجية… بدورها ـ تحت مبرر «الاستقرار»، وضمان المصالح القومية.

السبب الثاني، الذي لا يتعامى عنه الغرب فقط، بل يوغل فيه أكثر، كلما اقتضت الحال؛ هو العربدة الإسرائيلية في فلسطين، وفي الأراضي العربية المحتلة عموماً، والترخيص الذي تحصل عليه إسرائيل من الديمقراطيات الغربية كلما شاءت شنّ حرب في فلسطين، أو ضدّ الجوار؛ أو كلما أرادت أن تتوسع أكثر، وتستوطن، وتصادر الأراضي، وتهدم البيوت وتقتلع الأشجار وتدمّر المرافق العامة. الألسنة في الغرب طويلة حين تنخرط في تشخيص «الإرهاب الإسلامي»، بكلام حقّ يُراد الباطل من تسعة أعشاره؛ ولكنها ألسنة قصيرة، بل خرساء بكماء، وعمياء طرشاء أيضاً، حين يتوجب التعليق على القرار الإسرائيلي الأخير، الذي قضى بالاستيلاء على 28 ألف دونم لإقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.

خذوا ما قاله أوباما، قبل يومين فقط، بصدد ذبح الصحافي الأمريكي ستيفن سوتلوف، وكذلك حول «فلسفة» الفوارق الأخلاقية بين «داعش» وأمريكا، ويا لبؤس المقارنة أصلاً، وأوّلاً: «مثل جيم فولي قبله، كانت حياة ستيف تمثّل التضاد الحادّ مع أولئك الذين قتلوه بوحشية. يطلقون الزعم السخيف بأنهم يقتلون باسم الدين، ولكن ستيف، كما يقول أصدقاؤه، كان هو الذي أحبّ العالم الإسلامي بعمق.

قتلته يحاولون الزعم بأنهم يدافعون عن المضطهدين، ولكن كان ستيف هو الذي تجوّل في أرجاء الشرق الأوسط، وغامر بحياته ليروي قصة المسلمين من الرجال والنساء، المطالبين بالعدالة والكرامة». وأيضاً: «أياً كان ما يظنّ هؤلاء القتلة أنهم سيحققونه من وراء قتل أمريكيين أبرياء مثل ستيفن، فإنهم فشلوا لتوّهم. لقد فشلوا لأنّ الأمريكيين، مثل الشعوب على امتداد العالم، يشعرون بالاشمئزاز من هذه البربرية. سوف لن نذعن لهم».

ثمّ قارنوا، إذْ أنّ المقارنة ليست جائزة فقط، بل واجبة؛ مع ما قاله سلف أوباما، جورج بوش الابن، قبل ثماني سنوات من الآن، في «المعهد الوطني للديمقراطية»، خلال خطبة لم تجانب أسبوعية «نيوزويك» الصواب حين اعتبرتها «قنبلة عقائدية». وبعد استهلال يمزج المقدّمات الديماغوجية بنتائج تبسيطية، استخلص بوش أنّ «الراديكالية الإسلامية، مثل الأيديولوجيا الشيوعية، تحتوي على تناقضات موروثة تحتّم فشلها. وفي كراهيتها للحرّية، عن طريق فقدان الثقة في الإبداع الإنساني ومعاقبة التغيير والتضييق على إسهامات نصف المجتمع، تنسف هذه الأيديولوجيا السمات ذاتها التي تجعل التقدّم الإنساني ممكناً، والمجتمعات الإنسانية ناجحة». وأيضاً: «أياً كانت الحصيلة القادمة في الحرب على هذه الأيديولوجيا، فإنّ النتيجة ليست محطّ شكّ: أولئك الذين يكرهون الحرّية والتقدّم قد حكموا على أنفسهم بالعزلة، والانحسار، والانهيار. ولأنّ الشعوب الحرّة هي التي تؤمن بالمستقبل، فإنّ الشعب الحرّ هو الذي سيمتلك المستقبل».

وبين الاستهلال والخاتمة، ولكي لا تنقطع سلسلة التداعيات المذكّرة ببلاغة الحرب الباردة، ولكي يتمّ رشقها سريعاً على مستقبل هذه القرن بأسره؛ أعاد بوش التشديد على ما يستهويه أكثر: «إنّ الأيديولوجيا الإجرامية للإسلاميين الفاشيين هي محكّ القرن الجديد الذي نعيشه. غير أنّ هذه المعركة تشبه، في أوجه كثيرة، الكفاح ضدّ الشيوعية خلال القرن المنصرم. بن لادن يقول إنّ دوره تعليم المسلمين ما هو خير لهم وما هو ليس بخير. وما يعتبره هذا الرجل، الذي تربى في الرخاء والثراء، خيراً لفقراء المسلمين، ليس سوى أن يصبحوا قتلة وانتحاريين».

تخيّلوا أنّ الرئيس الأمريكي (الجزّار الأوّل خلف كلّ ما حاق بأهل فلسطين والعراق ولبنان من عذابات في الحقبة الراهنة) هو نصير الفقراء المسلمين ضدّ أغنيائهم؛ وليس الأغنياء من طراز حكّام أنظمة الاستبداد والفساد، بل ذلك الغنيّ الذي كان يُدعى أسامة بن لادن (أو «الخليفة» البغدادي، في شخوص هذه الأيام، إذا توجّب أن يعيد أوباما إنتاج الخطاب إياه)! ثمّ تخيّلوه وهو يبدو كمَن يزاود على بلاشفة روسيا، مطلع القرن الماضي، في التعبئة الطبقية!

.. لكي يتبدى إنْ كانت أمريكا قد حاربت «داعش» وأضرابها، حقاً؛ في أيّ يوم، في أيّ مكان!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

++++++++++++++++++++++++

موقفنا : مبادرة عاجلة لإعادة قطار الثورة السورية إلى سكته ؟! .. زهير سالم

مهما اختلف السوريون وأصدقاؤهم الصادقون في تقدير موقف الثورة والثوار والمعارضة والمعارضين ؛ فإن اختلافهم لن يكون كبيرا ، بل إنهم سيجمعون على أن المشهد برمته وبما آل إليه لا يسر الصديق .

وربما يتفق المنصفون منهم أيضا على أن ما آل إليه المشهد هو حصيلة شبكة معقدة متداخلة من العوامل لا يمكن لطرف فيها أن يحمل المسئولية لآخرين . موقف دولي أو إقليمي وطرف معارض أو آخر ثائر الكل اشترك في صنع المشهد وما آل إليه . ولأن الجدل حول من هو المسئول في هذه المرحلة بالذات لا ينبني عليه عمل ، فإنه من الحكمة الإضراب عن الاختلاف عليه وحوله والدعوة إلى مبادرة عاجلة تجنب الشعب السوري السوء وتقوده إلى ما يريد ...

إن المهم الذي يمكن أن نؤكد عليه هو أنه ما زال في الوقت بقية ، وإن كانت ضيقة ، لاستدراك ما فات ، وللعودة بالثورة إلى مسارها الحقيقي بوصفها : ثورة شعب مظلوم متطلع إلى العدل والحرية والكرامة الإنسانية ضد مستبد قاتل وفاسد وظالم . ثورة تهدف إلى إعادة الحياة إلى المجتمع الأهلي ، والتأسيس للمجتمع المدني الموحد الذي سحقه الاستبداد بكل مكوناته ، لتبنى على قواعده الركينة الدولة المدنية الحديثة دولة العدل والحرية والمساواة بين المواطنين على قاعدة السواء الوطني ( حقوق للجميع متساوية وواجبات على الجميع متساوية ) .

قد أزاحت الشهور الأربعون التي مضت من عمر الثورة عن سطح المشهد الكثير من الرغوة والزبد والعلق . لتفرض معطيات المشهد الحق على ( الأم الحقيقية ) أن تبادر لإنقاذ هذه الثورة من محاولات تحويلها أو حرفها وكذا من المطبات التي وضعها في طريقها الماكرون .

وإذا كان عنوان ( الأم الحقيقية ) سيتسبب في كثير من الجدل ومن ضياع الوقت والجهد ؛ فإن أبسط ما يمكن أن يحسم به الموقف هو الزعم بأن الأم الحقيقية تعرف نفسها . وتقدر إمكاناتها ، وهي التي تناط بها المبادرة إلى موطن الفزع حيث يتملص المتملصون وليس إلى موطن الطمع حيث يتدافع المتدافعون ...

وتمتلك الأم السورية الحقيقية رصيدها كما تمتلك إمكاناتها لتحمل مسئولية عبء ثقيل في إعادة القطار إلى مساره ، والدفع بمسيرة الثورة إلى أهدافها بفهم وثقة واقتدار . ولا عذر حقيقيا لمن جعل من نفسه حجر عثرة في طريق الثورة ومشروعها على مدى أربعين شهرا من عمرها وتركها في دوامة التيه تدور

إن التجارب التي مرت بالثورة والمعارضة كفيلة بأن تكسب الثوار والمعارضين الصادقين من الرؤية والخبرة والوسائل ما يجعلهم أقدر على التحول عن طرائق ( السكون ) و ( الركون ) وفقه ( من ينتظر ) إلى طرائق ( المبادرين ) و ( الفاعلين ) و ( المنفعلين ) . المنشغلين بمعالي الأمور عن سفاسفها .

إن آفاق التفكير بمبادرة جديدة تستنقذ المشهد السوري والثورة السورية مما آلت إليه تظل مفتوحة ومطلوبة ومعروضة ، مفتوحة ومطلوبة من رجال الرأي والفكر أن يتقدموا ويقدموا ، ومعروضة على الذين توسدوا القرار ( وضعوه تحت وسادتهم ) ليبادروا ويتفاعلوا ..

إنه من المهم – أولا - أن نوضح أنه ومع حق الفريق المبادر في المبادرة و في تحمل المسئولية و( أخذ الكتاب بقوة ) فإن طبيعة القرارات المصيرية بآفاقها الوطنية تقتضي توسيع دائرة الشورى ، ودائرة المشاركة في الرأي وفي حمل العبء ، بالاستفادة من كل معطيات العصر لتنظيم أساليب جديدة للوصول إلى السداد والصواب الجامعين قدر الإمكان ..

إنه لم يعد من المعقول ولا المقبول أن يستقل بضعة أفراد مهما أوتوا من العلم والخبرة بقرار وطني يتوقف عليه مصير سورية والسوريين والملايين من الناس !!

وثانيا –

 إن من أهم ما يلزم الفريق المبادر المنتظر التوقف عن الترقب والانتظار لما يجود به الآخرون . وكون بل ينبغي أن تكون الأرض السورية وكل ما يدور عليها هو القبلة . هو موضوع التفكير والتقدير والتدبير والتخطيط والتنفيذ . وهو الأولوية في الوقت والجهد والمال .

إن الانصراف إلى محور الجهد ( الأساسي ) في التصدي لقوى الشر ، وإسقاط رموزه ووفق استراتيجية أولويات تعرف أين تتقدم وأين تتأخر، وتهتم بالأهم حيث يكون كل أمر من أمور الثورة وتداعياتها ومخلفاتها مهما ؛ هو الذي غاب عن سياسة العاملين في المرحلة السابقة . لا تمتلك الثورة بإمكاناتها المحدودة ما يمتلكه بشار الأسد مثلا من أذرع الدولة السورية التي تظل تعمل كل في ميدانه ، وهذا أمر يجب أن يحسن تقديره وتداركه على السواء ..

وثالثا –

إن ( فرز القوى ) الدولية والإقليمية والوطنية وتحديد الأصدقاء أو الحلفاء الحقيقيين . الذين يكونون للثورة والثوار ومشروعهم كما روسية وإيران لبشار القاتل المبير ، هو خطوة أساسية لا بد منها للانطلاق بالثورة في فضائها الحقيقي على قواعد راسخة . وهذا لا يغيّب ضرورة أن تبقى مجموعات العلاقات منفتحة على كل المستويات ، لكسب محايد وتحييد معاد وشرح وجهة نظر ..

ورابعا –

 لقد كشفت فضاءات أربعين شهرا مرت عن غياب مذهل – رغم فداحة الخطب - لقضية الشعب السوري ومعاناته عن الرأي العام الإنساني والعالمي بل الإسلامي والعربي أيضا . إن المعركة على الرأي العام هي جزء من المعركة الكلية ، ف( الرأي العام ) في هذا العصر هو القوة الضاغطة على صناع القرار أينما كانوا ، وهو الذي يجعل السياسي والإعلامي عاجزا عن إبقاء ما يجري في سورية في الظلمة كما حدث في الأشهر الأخيرة .

وخامسا ..

وعلى الرغم من كل ما يحيط بالمشهد السوري من شبهات ومن معوقات فإن تأمين الإمداد غير المشروط وفي حدود الشفافية الكاملة هو الذي سيتكفل لقيادة هذه الثورة أن تمضي في طريقها بما يخدم مشروعها على بصيرة . مطلب ليس سهلا ولكنه ليس مستحيلا كما يصوره العاجزون .

وسادسا ...

 ومع الإدراك لطبيعة الطاقات الموجودة خارج الميدان وإمكاناتها ، واستعداداتها فقد كان من أبرز الظواهر السلبية في المرحلة السابقة تحول الطاقات من الداخل إلى الخارج في عملية نزيف ثوري كان جديرا به أن يثير قلق المهتمين ، ووضع الخطط لمنعه ووقفه بل وتحويله . سيكون مشروع الثورة بخير عندما نرى الطاقات السورية تتحول من الخارج إلى الداخل . وعندما نرى الخبراء السوريين يتركون أعمالهم في ميادين الآخرين ليلتحقوا في خدمة مشروع ثورتهم .

 إن الالتصاق بالقوى والطاقات على الأرض ، وتفهم احتياجاتها ، والتنسيق معها ، واكتشاف وتوظيف المزيد منها ؛ سيكون أساسا صالحا لإعادة إطلاق مشروع الثورة في مساره الصحيح ..

وسابعا وليس أخيرا ..

فإن أهم ما يجب على حاملي مشروع المبادرة تخطيطا وتقريرا وتنفيذا هو استعادة مشروع الثورة من أيدي خاطفيه الإرهابيين : بشار الأسد وظلاله السوداء.

لقد تطلع الشباب السوري الصادق طويلا إلى العنوان العريض ، وبحث بجد عن راية الوسطية والاعتدال ، في وقت كان فقه البعض يرى أن المطلوب ( القصور والتقاصر ) و ( الصغر والتصاغر ) ، وأن هذا مطلب دولي عليهم أن يلبوه !! فتأخروا وتقدم غيرهم ، وغابوا وحضر غيرهم ، فأساء من تقدم وشوّه من حضر ونسأل الله أن يجنب الشعب السوري دفع الثمن..

أيها السوريون : احذروا أن تُخطف ثورتكم ، وأن يفلح عدوكم في قلب الثورة عليكم ..

إن العالم الذي يحذركم لباس القوة لا يحترم إلا الأقوياء ولا يتعامل بجدارة إلا معهم ، وإلا فالشفقة والإحسان مع المن والأذى كما تعيشون ..

إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ َمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ..

لندن : 8 / ذو القعدة / 1435

3 / 9 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

++++++++++++++++++++++++++++

الغرق في الأصوليات .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 5-9-2014

يبدو مدهشاً أن يتجه ملايين البشر إلى قاع التاريخ يبحثون فيه عن المستقبل، بعد أن حققت البشرية أعظم ثورة في مسيرتها الطويلة وهي ثورة المعرفة والاتصال، واتسع نطاق الحريات والديموقراطيات فلم يبق في العالم سوى بضع دول تتحكم فيها الديكتاتوريات التي تحتضر ونشهد خروجها النهائي من التاريخ. وكان من المفترض أن تتجه الأصوليات الدينية والإثنية والعرقية إلى التصالح مع الحداثة التي تعيشها البشرية، وأن تفرق بين ما هو تاريخي نشأ في بيئة مختلفة عن حياتنا المعاصرة، وبين ما هو من المقدسات التي تحافظ عليها الأمم مع حفاظها على حريات الاعتقاد والتعبير.

كانت الأصولية اليهودية أول من خرج عن معطيات العصر، حين استقدمت التاريخ لتثبت حقاً وهمياً لليهود في أرض فلسطين مستعيدة قصصاً من التوراة التي كتبت بعد سبعة قرون من وفاة موسى عليه السلام لكي تشرد شعباً وتحل مكانه. وكانت الأصولية المسيحية قد تشبثت بحكم الكنيسة نحو خمسة عشر قرناً. ثم جاءت الأصولية الإسلامية فخلطت بين النصوص المقدسة وبين الإجرائية التاريخية، وجعلها هذا الخلط تدين بالولاء للتاريخ السياسي، فتنقسم إلى عديد من الطوائف والفرق التي نشأت بسبب الصراع على الحكم. وحاولت أن تبرر شرعيتها باختلاق الفتاوى والاجتهادات التي تمنحها قدسية وسرعان ما تحولت تلك الاجتهادات إلى نصوص تتوارثها الأجيال على أنها مسلَّمات قدسية لا يجوز الخرج عنها.

ولقد كان من أسوأ ما حل بالأمة العربية منذ أواسط القرن الماضي استيقاظ هذه الدعوات التي استلهمت التاريخ وأيدت رؤيتها بنصوص كانت مرتبطة به، ولم تسمح لفكرها أن يعيد النظر وأن يوظف النصوص توظيفاً عقلانياً، لأنها لا تؤمن بقدرة العقل، وترى التاريخ جامداً لا يتحرك.

وضمن ردات الفعل على الأصوليات الراسخة جاءت الأصولية القومية التي بدأتها الحركة الطورانية التي استدعت نهوض فكر القومية العربية فغرقت الأصوليتان في جمود مستجد باتت له ثوابته التي أغلقت عليه منافذ رؤية الحراك الإنساني الذي برعت فيه أوروبا المؤسسة لعصر القوميات لكنها تمكنت من بناء اتحادها الأوروبي بينما العرب يكتفون بشعارات وحدوية وصلت في نهاياتها إلى البحث عن الحد الأدنى من التضامن. وسرعان ما انفرط عقد هذا التضامن الوهمي مع بداية «الربيع العربي» الذي سرعان ما صار شتاء عاصفاً حين نهضت الأصوليات الدينية لتستغل ما حدث فيه من تفكك لعرى الدول التي بنت حضورها على العصبية العسكرتارية فهوت سريعاً وتحولت مساراتها إلى صراعات دموية ما تزال تهرق دماء شعبها وتدمر قواها الذاتية.

وقد حاولت قوى الاعتدال والتقدم والتحديث أن تجد لها موقعاً قيادياً فلم تفلح، وكانت التجربة في لبنان مريرة منذ أواسط السبعينيات، فقد كان حرياً بلبنان بوصفه البلد العربي الذي كان الأكثر انفتاحاً على ثقافات الغرب، ولكونه نجا من التسلط الديكتاتوري محلياً، أن يقدم تجربة نظامه الديمقراطي ليكون ريادة في الأمة، ولكن هجوم الأصولية الدينية على الساحة اللبنانية عبر «حزب الله» جعل لبنان رهين أصوليات أخرى بدأت تتصارع وتدافع عن نفسها أمامه وتحمي حضورها ومستقبلها. وقد استفادت أصولية «حزب الله» من نضالها ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، لتجد مبرراً شرعياً وأخلاقياً لنمو فكرها عقائدياً. وعلى رغم ما حظيت به من مساندة شعبية عربية عامة إلا أنها بقيت ترفع رايات أصولية وتبحث عن دم تاريخي وصل بها إلى أن تنقل معاركها إلى عاصمة الأمويين تلبية لأوامر من دولة أصولية.

وفي العراق الذي وعده الاحتلال الأميركي بتخليصه من الديكتاتورية دعم المحتلون نمو الأصوليات وغيبوا مبدأ المواطنة، وجاؤوا بأصولية ديكتاتورية جديدة باسم الديمقراطية، وتم تهشيم القوى الوطنية فظهرت أصولية «القاعدة» التي صارت فزاعة القرن الحادي والعشرين.

واليوم في سوريا والعراق يتفاقم حضور «داعش»، والعجيب أن يتحالف معه أعضاء من حزب «البعث» الذي حكم البلدين بأصولية قومية شمولية نحو نصف قرن، تحكم فيها بكل قوى الدولة وأسس منظمات شعبية مهمتها تربية الأطفال والشباب -الذين صاروا اليوم وقود الثورات ضده - وهي نهاية كارثية لإخفاقات مسيرة حزب علماني قومي في مواجهة «داعش» الخارج عن كل معطيات العصر، وهو لا يستفيد من منجزات العلم سوى باستخدام الأسلحة، بل إنه يميل إلى استخدام السيف والسكين عند ذبح من يخالفه، وما زال نموه وانتصاراته من الأسرار التي يترقب الناس كشفها! فكيف يمكن أن يصبح «داعش» قوة عسكرية بهذا الحجم ويلتحق بها الآلاف من المتطرفين من أصقاع الأرض، والمجتمع الدولي يرقب كل صغيرة وكبيرة تحدث في سوريا والعراق؟ وإذا كان النظام السوري قد وجد فيها عوناً له للقضاء على ثورة شعبه وتشويه صورتها على أمل أن يتحول العالم إلى دعمه وضمه إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب فقد حول سوريا حقاً إلى ساحة حرب دولية فضلاً عن كونه أدخل الأصوليات من «حزب الله» ومن إيران والعراق لتصير أهم القوى في الساحة. وكذلك غامر العالم حين ظن أن إغماض العين عن نمو هذه التنظيمات سيتيح له تجميع الإرهابيين في بقعة واحدة بين سوريا والعراق، على أمل أن يتمكن من تنظيف عواصمه من هؤلاء المتطرفين بحيث يسهل عليه القضاء عليهم دفعة واحدة. وهذه الحسابات النظرية قد تقوده إلى حروب طويلة المدى كما حدث في أفغانستان وستدفع الشعوب أثمانها من دمائها ومن ثرواتها.

وجلُّ ما نخشاه اليوم هو أن تصير بلادنا ساحة حروب لا تنتهي، وحتى إذا صار النظام السوري رأس حربة في التحالفات الدولية لمحاربة الإرهاب فإن من سيدفع ثمن هذه الحرب هو شعب سوريا على كل جبهات الصراع، وسيكون الخطر أن ينضم كثير من السوريين لتنظيمات أشد تطرفاً تعبيراً عن غضبهم من الخذلان الدولي لهم بعد أن تشرد منهم الملايين وقتل مئات الآلاف.

واستباقاً لما نتوقع من تصعيد يفوق كل ما حدث حتى الآن، دعونا إلى مؤتمر حوار وطني عام وشامل يستند إلى مبادئ مؤتمر جنيف ويبث فيها الحياة، على أمل أن تجتمع النخب السورية من كل الأطياف لتجسد حالة وطنية متكاملة، تسمو فوق النظام والمعارضة معاً، ويكون الهدف إنقاذ سوريا، ونأمل أن نجد استجابة، فلا يغيب عن المجتمع الدولي أن مشاعر القهر المريعة التي يعيشها السوريون لن تشكل حاضنة لمكافحة الإرهاب ما لم يشعروا بالإنصاف.

++++++++++++++++++++++++++++

الحرب على «داعش» في سورية وشروطها .. وليد شقير

الحياة

الجمعة 5-9-2014

هل يقود تقاطع المصالح بين القوى الإقليمية والدولية على محاربة تنظيم «داعش» والتطرف في الدول التي انفتحت الصراعات المتعددة الأوجه فيها على مصراعيها، إلى تغيير في خريطة التحالفات والخصومات، أم أن الأمر سينحصر بهذا التلاقي بين هذه القوى في مواجهة الإرهاب؟

يتوقف الأمر على الوجهة التي ستسلكها الولايات المتحدة الأميركية، فـ «داعش» كان رأس جبل الجليد لسياسات أدت إلى الوقوع في فخ «الإسلام الجهادي»، وإذا جاز الحكم على تدحرج الأحداث من خلال التفاعلات التي تركها صعود الإسلام السياسي في المنطقة بفعل الربيع العربي، فإن واشنطن ودولاً في الإقليم ساهمت في هذا الصعود، حين راهنت على النموذج التركي، الناجح نسبياً في قيادة الدولة وتنظيم شؤون المجتمع، فانسحبت تلك المراهنة على مصر «الإخوان» وعلى تونس «حركة النهضة» وعلى شبيههما في ليبيا. إلا أن ما حصل بعد تعثر هذه التجارب أدى إلى بروز «الإسلام الجهادي»، الذي أثبت التاريخ أنه يولد من رحم الإسلام السياسي التواق إلى السلطة. جاءت تلك المراهنة في سياق الانفتاح الأميركي على الإسلام السياسي (الشيعي) أيضاً في إيران، لعله يساهم في خفض حماوة الصراع الإقليمي بالتوازي مع انكفاء واشنطن عن منطقة أتعبتها بينما المردود الأساسي المقابل لتورطها المباشر، أي النفط، لم يعد بالأهمية التي كانت في السابق، فاكتشافاتها في مجال غاز الصخور ونفطها أخذ يخفض من استيرادها الذهب الأسود، ويحصر اهتمامها بضمان أمن طرق الإمداد إلى حلفائها الأوروبيين والآسيويين. والعقل الأميركي اعتبر أن التشكيلات الإقليمية التابعة لطهران لها مربط قادر على ضبطها مقابل التشكيلات الأخرى السنية المنفلتة من ضوابط أي دولة. لكنها غفلت عن أن طهران تستخدم هذا النوع من الإرهاب لخدمة استراتيجيتها، مثلما فعلت بالتعاون مع النظام في دمشق وحكم نوري المالكي في العراق. وكما أفلت هذا الاستخدام من دول مثل تركيا أفلت من طهران نفسها.

فجأة، اكتشفت إدارة الرئيس باراك أوباما مساوئ مراهنتها تلك، التي أمِلت أن تستبدل بها نفوذها المباشر فإذا بها تنتج وحشاً كاسراً، كما حصل في العراق. ومع أنها تأخرت في تقدير إمكان تضافر عوامل متناقضة في صعود التكفيريين الذين يعيشون خارج العصر، فإنها انتبهت إلى أن الإسلام السياسي بشقيه المذهبيين، غير قادر على قيادة المجتمعات العربية، أو على الأقل هو لن يثمر استقراراً.

تأتي إدارة باراك أوباما إلى المواجهة الحتمية مع «داعش» من مكان بعيد سياسياً لا يقاس بالمسافة الجغرافية، وهي لذلك تحتاج إلى ما سماه الرئيس الأميركي استراتيجية تتطلب التنسيق مع دول المنطقة ومن سمّاهم الحلفاء السنّة، بعدما أهمل تحفظات هؤلاء عن سلوك واشنطن في المنطقة. ولهذا السبب أقرن أوباما تعهده بتدمير»الدولة الإسلامية» بالقول إنه يتطلب وقتاً. وإذا كانت فظاعات «داعش» وانهيار التركيبة الإيرانية التي اعتمد عليها اوباما في بغداد فرضت عليه بدء المواجهة قبل اتضاح هذه الاستراتيجية، فإن استكمالها على امتداد الإقليم يحتاج إلى خطة سياسية متكاملة، مثلما هي أمنية وعسكرية، تتناول «داعش» في سورية التي انطلقت منها نحو بلاد الرافدين.

ومع أن المواقف العلنية لأوباما ولمعظم القادة الأوروبيين بدت حاسمة في أن نظام بشار الأسد لا يمكن أن يكون جزءاً من هذه الاستراتيجية لأنه «ساعد» في صنع «داعش»، فإن على قيادة الحملة ضد هذا الصنف من الإرهاب أن تحسم العديد من الأمور. وإذا كانت المملكة العربية السعودية تصدرت الوقوف الحاسم ضد هذا الصنف في وقت مبكر، وبإجراءات واضحة إن في الداخل أو في الإقليم، خصوصاً في لبنان، وبددت بذلك كل الاتهامات من إيران وحلفائها بأنها تقف وراء هذا الإرهاب، فإن على دول أخرى شريكة في هذه المواجهة أن تحسم أمرها.

وفضلاً عن أن اشتراك إيران في هذه الاستراتيجية يتطلب معالجة خصوماتها مع دول في الإقليم، ولا سيما السعودية، فمن الطبيعي أن تحسم دول أخرى موقفها من «الإسلام الجهادي»، بدءاً بتركيا وانتهاء بقطر.

يحتاج الانتقال بالمواجهة إلى سورية إلى شروط، وإلى الإجابة على العديد من الأسئلة، فهل يتم استهداف «داعش» ليستقوي نظام الأسد على المعارضة المعتدلة بعدما ساهم الغرب في إضعافها، أم يُكتفى بالضربات الجوية في العراق التي ستؤدي إلى انكفاء «داعش» إلى بلاد الشام، ليُستنزف هو والنظام في معارك بينهما (وربما المعارضة «الأخرى» غير الإرهابية) تمهيداً لضربه بعد ذلك؟ وإذا كانت المواجهة في سورية والعراق معاً حتمية، فهل ستلتزم واشنطن، ثم تركيا وغيرها، دعم المعارضة المعتدلة وتوحيدها لتتمكن من استيعاب نتائج الضربات وصولاً إلى حل سياسي للأزمة السورية؟ وهل ستسلّم موسكو وطهران بالحاجة إلى هذا الحل أم ستتابعان دعم الأسد في كل الأحوال؟

++++++++++++++++++++++++++++

التحالف الدولي الاقليمي المرتقب ضد «الدولة الإسلامية» .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 4-9-2014

لنفترض، جدلاً، أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وافقت على ضم نظام الأسد إلى التحالف المعادي لدولة أبي بكر البغدادي، كما يأمل هذا النظام. فما الذي يمكن أن يحصل في السياسة والميدان؟

الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» في سوريا كانت أصلاً خارج سيطرة النظام، بعدما حررها الجيش السوري الحر. وفي محافظة الرقة زاد عليها تنظيم الدولة آخر معاقل النظام المتبقية، الفرقة 17 واللواء 93 ومطار الطبقة، حيث وقع هذا الأخير بطريقة مهينة للنظام جعلت قاعدته الاجتماعية تتململ مطالبة برأس وزير الدفاع محمد جاسم الفريج ثمناً لهذه الهزيمة المنكرة. لنضع جانباً أن الأسد استهتر بقاعدته الاجتماعية تلك على مألوف نهجه مع الشعب السوري كله، فاحتفظ لفريج بحقيبة الدفاع في الوزارة الجديدة.

ولكن ما هي المساهمة المتوقعة من هذا النظام في «الحرب العالمية على داعش» غير قصف المناطق المأهولة بالسكان المدنيين بالطائرات والصواريخ والبراميل المتفجرة؟ أي إنجاز عسكري باهر أظهر ما تبقى من جيش النظام، خلال السنوات الثلاث الماضية، ليحجز مقعداً له في القطار الأمريكي الجديد؟ الانتصارات المزعومة التي تحققت له في القلمون بخاصة، إنما تحققت بفضل حزب الله اللبناني بالدرجة الأولى ومعه الميليشيات الشيعية العراقية التي غادرت الساحة السورية بعد اجتياح «الدولة» للموصل. أخيراً، المساهمة الوحيدة التي قدمها النظام في الحرب على «داعش» كانت في غاراته الجوية المجنونة على المدنيين في الرقة والطبقة. أبهذه الحصيلة المخزية في «الحرب على الإرهاب» يقدم وليد المعلم أوراق اعتماده لسيده الأمريكي؟ أم أن النظام يخشى اليوم من تحالف أمريكي – إيراني (مع دول أخرى) ضد داعش، يبيعه حليفه الإيراني بموجب مقتضياته على غرار ما فعل بنوري المالكي؟ أعتقد أن المؤتمر الصحافي الذي أقامه وزير خارجية النظام كان أشبه بمحاولة نوري المالكي مقاومة مصيره المحتوم قبيل استسلامه للأوامر القادمة من طهران.

هل هذا يعني أن بشار خرج من الحسابات الإيرانية تماماً؟ من حيث المبدأ نعم. لكن توقيت تنحيته يبقى رهناً بالثمن الذي تأمل إيران بالحصول عليه مقابل رأس الأسد المنتهية صلاحيته. بتحريك الحوثيين لإسقاط الحكومة اليمنية، حددت إيران هذا الثمن. ولكن هل توافق دول الخليج ومن ورائها واشنطن على مقايضة صنعاء بدمشق؟

وهنا ننتقل إلى الوجه السياسي للحرب على الدولة الإسلامية. فمن المستبعد أن تنجح واشنطن في إقناع حلفائها الاقليميين بتعويم نظام الأسد من خلال قبوله في التحالف ضد داعش، سواء تعلق الأمر بدول المنظومة الخليجية، وقد تغلبت أخيراً على شقاقها الداخلي بين السعودية وقطر، أو تركيا التي عزز رجب طيب أردوغان موقعه القيادي فيها بمنصب الرئاسة الأولى. أما فرنسا وبريطانيا فقد عبرتا بوضوح عن رفضهما للتحالف مع الأسد للقضاء على تنظيم الدولة في سوريا. وأخيراً تبنى الاتحاد الأوروبي الموقف نفسه قائلاً إن داعش هو أحد مفرزات وحشية نظام الأسد.

وفي لبنان المنقسم على نفسه إزاء الحرب الدائرة في سوريا، من شأن احتمال تعويم نظام الأسد بذريعة أولوية الحرب على داعش أن يوقظ أسوأ الكوابيس التي ارتبطت بإرهاب النظام السوري العابر للحدود طوال الفترة اللاحقة على اغتيال رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان.

أما تركيا، فوضعها إزاء الحرب على داعش يتطلب وقفة أكثر تفصيلاً. فالحكومة التركية متهمة من قبل حلفائها الغربيين بتسهيل مرور الجهاديين عبر الحدود إلى سوريا فالعراق، وكذا تهريب السلاح إلى المنظمات الجهادية. بل أكثر من ذلك اتهمت أنقرة بدعم «جبهة النصرة» ومنظمات أخرى في حربها على الشريط الحدودي شمال سوريا الواقع تحت سيطرة قوات حماية الشعب التابعة للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وهي ليست مجرد اتهامات بلا أساس. ففي إطار الحرب المشتعلة بين أردوغان وفتح الله غولن، تكرر توقيف شاحنات محملة بالسلاح متوجهة نحو الحدود السورية من قبل قوات الشرطة المحسوبة على جماعة غولن.. شاحنات بحماية جهاز الاستخبارات القومي MIT، وتم طي القضية في كل مرة بأوامر من أعلى مستويات السلطة في أنقرة.

كان هذا في الماضي غير البعيد. أما الآن فقد شعرت الحكومة التركية بخطورة تنظيم داعش، وأصبحت تتعاون في منع تسلل الجهاديين القادمين من أنحاء العالم عبر حدودها إلى سوريا، وخاصة من كان منهم من حاملي الجنسيات الأوروبية. لكن أسوأ ما حصل لتركيا إنما هو أسر داعش لتسعة وأربعين تركياً هم طاقم القنصلية في الموصل مع عائلاتهم، منذ العاشر من شهر حزيران، تاريخ اجتياح قوات داعش للمدينة.

بذلت تركيا جهوداً كبيرة عبر حلفائها العراقيين لتأمين تحرير رهائنها، لكن محاولاتها باءت بالفشل. كان أردوغان يأمل أن يقدم تحريرهم هدية لناخبيه عشية الانتخابات الرئاسية التي فاز بها. لكن الرهائن ما زالوا في يد داعش، ومعها السياسة الخارجية التركية التي أصبحت رهينة رهائنها. لذلك ليس من المتوقع أن تلعب تركيا أي دور فعال في التحالف الدولي المرتقب ضد داعش. وسيقتصر دورها على الاستمرار في التشدد بمراقبة حدودها المشتركة.

أخيراً:

لنفترض جدلاً، مرةً أخرى، أن تحالفاً دولياً اقليمياً يضم نظام الأسد قام بالقضاء على تنظيم داعش في سوريا. فما هي القوة التي ستملأ الفراغ في مناطق سيطرة «الدولة الإسلامية»؟ حتماً ليس نظام الأسد الذي يعجز عن حماية رأسه في دمشق بغير الاستعانة بمرتزقة طائفيين من لبنان والعراق وغيرهما.

٭ كاتب سوري

++++++++++++++++++++++++++++

موقفنا:حول مقتل خمسين طفلا سوريا في ست وثلاتين ساعة..الإرهاب السني القبيح والإرهاب الطائفي الجميل! .. زهير سالم

في كل كبير مفبرك أو مفتعل أو صغير منفوخ فيه أو مضخم يجد المجتمع الدولي ، وماكينته الإعلامية الضخمة ، وصانعو السياسة وقادة الرأي فيه، شغلا عن حرب الإبادة البشعة التي يقودها بشار الأسد وشركاؤه وداعموه في العالم والمنطقة ضد الإنسان والحضارة في سورية ..

نيران حروب ونزاعات تُشعل في المنطقة، وقضايا شاذة وفاقعة تثار ، وعناوين غريبة عجيبة يزج بها في المشهد ؛ كل أولئك يصطنع غبارا أو عجاجا أو نقعا يراد منه التغطية على الجريمة المحورية الحقيقية المتمثلة في حرب الإبادة التي يديرها بشار الأسد وداعموه على الشعب السوري قتلا واعتقالا وتهجيرا وتدميرا ..

مسئولون إيرانيون كبار من وزن ( روحاني ) و( ظريف ) يطيب لهم ، في نوبة الصرع الأمريكية بهوس الحرب على ( الإسلام ) تحت عنوان الحرب على ( الإرهاب ) ، أن يرددوا الحديث عن ( الإرهاب السني ) عارضين خدماتهم وخبراتهم وقدراتهم واستعداداتهم بجذل وطيب نفس كبيرين .

خمنئي وروحاوني وحسن نصر الله وبشار الأسد ووليد المعلم كلهم يعبرون عن استعداد بغبطة غامرة ليكونوا جنودا تحت إمرة ( الشيطان الأكبر )، وزعيم الاستكبار العالمي ، في إعلان الحرب على (الإرهاب السني ) الذي يشخصونه اليوم على الأرض السورية والعراقية على السواء .

وفي حالة من عمى الألوان التي تعاني منها الحكومات المهووسة في عدواتها للإسلام والمسلمين ؛ ينجح هؤلاء الإرهابيون القتلة الطائفيون في تنفيذ جرائمهم وإدارة معاركهم ، وطحن مخالفيهم العقائديين والمذهبيين .

يأبى علينا ديننا كما تأبى علينا مدنيتنا أن نواجه الحديث عن الإرهاب الإسلامي بالحديث عن الإرهاب المسيحي ، الذي يمارسه بشر عنصريون المسيح  عليه السلام من مسيحيتهم بريء  . ويأبى علينا ديننا كما تأبى علينا مدنيتنا أن نواجه الحديث عن ( الإرهاب السني ) التي باتت تدور على ألسنة المسئولين الإيرانيين بالحديث عن ( الإرهاب الشيعي ) الذي يمارسه من يمارسه بنفسية حاقدة مريضة ، أئمة آل بيت النبوة منه ومن أتباعه بريئون .

إن (الإرهاب ) الحقيقي الذي يستحق أن تجتمع الأمم والشعوب وكل المتحضرين والمتمدنين والمتدينين ، على أي دين ، في العالم على حربه  هو ما يمارسه بشار الأسد وداعموه الروس والإيرانيون ضد إنسانية الإنسان في سورية وفي العراق .

إن السكوت على الجريمة ، والتغاضي عنها ، هو الذي يدفع هؤلاء الإرهابيين المجرمين إلى الإمعان فيها ، والتفنن الكريه في تنفيذ فصولها . فمنذ أيام قليلة أكد تقرير تحقيق أممي : إنه ما زال هناك بشر يُفرمون تحت التعذيب في الزنازين الطائفية ولا نريد أن نقول ( الشيعية ) في سورية ، ومر الخبر كأنه ذباب دفعه قادة العالم عن وجوههم هكذا  . وأكد  لهم التقرير الذي كتبه محققوهم إن بشار الأسد وداعميه الطائفيين قد استخدموا الغاز الكيماوي ( الكلور ) ثماني مرات في سورية بعد استخدامهم السارين في الحادي والعشرين من آب ( اغسطس ) ضد مدنيين أبرياء ،  فمر الخبر على أسماع أدعياء الإنسانية الداعين إلى الحرب على الإرهاب ،  وكأنه ذباب مرّ قبل وجوههم فأشاحوا عنه يمينا أو شمالا ..

واليوم ووكالات الأخبار تتناقل أن طيران الإرهابي الأول في العالم يقتل في سورية ، وفي محافظتي الشمال حلب وإدلب ، قريبا من خمسين طفلا خلال ست وثلاثين ساعة  فقط ..ويمرّ الخبر ، ولا أحد يبالي ، ولا أحد حتى يريد أن يستنكر ..

فقتل الأطفال ليس إرهابا عندما يكونون سوريين . هذا هو الإفك الذي يريدنا أوباما أن نصدقه هو ويدعونا للاشتراك في الحرب على الإرهاب .

وهذا هو البهتان الذي يلقيه على العالم أتباع ( الولي الفقيه ) وهم يتحدثون عن الإرهاب ( السني ) مزخرفين ومجملين وجه إرهابهم ( الطائفي ) الذي يزعمون أنه إرهاب جميل ..

المشكلة الحقيقة : أن أوباما وأولاند وكاميرون وميركل يرددون بعد سماعهم الدعوى : آمن ..

لندن : 6 ذو القعدة / 1435

1 / 9 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

+++++++++++++++++++++++++

مَن لَكَ بلا إله إلا الله يومَ القيامةِ ؟ .. د. محمود نديم نحاس

سألني صديق: ماذا يجري في بلاد الشام من قتل باسم الدين لأهل العلم والجهاد أو لعامة الناس وهم خارجون من المساجد؟ وكيف يبرر القاتلون أفعالهم ويتهمون الناس بالردّة وهم محافظون على شعائرهم؟.

قلت: من حكمة الله تعالى أن وقعت أخطاء من الصحابة لينزل بها تشريع فتكون نبراساً للمسلمين في كل العصور والأمصار. لكن يبدو أن الذين يقومون بمثل هذه الأفعال اليوم أخذوا قشوراً من الدين وتركوا حقيقته وروحه، ولم يطّلعوا على السيرة النبوية وتاريخ الإسلام.

نقرأ في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ. كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا. إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)

قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون وكانوا في سريّة، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته؛ فأنزل الله تعالى الآية. وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليهم غنيماته.

وفي تفسير القرطبي، قوله تعالى (فتبينوا) أي: تثبّتوا. وقوله (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) فهو قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله، ومَن قتله قُتل به. وإنما سقط القتل عن أولئك لأنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذاً وخوفاً من السلاح. وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالظواهر لا على القطع واطلاع السرائر.

وقوله (تبتغون عَرَضَ الحياة الدنيا) أي تبتغون أخذ ماله. والعَرَضُ من الأثاث ما كان غير نقد. وقوله (فعند الله مغانم كثيرة) أي فلا تتهافتوا. وقوله (كذلك كنتم من قبل) أي كذلك كنتم كفرة فمنّ الله عليكم بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك أو أسلم حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره. وتكرار قوله (فتبينوا) للتأكيد. وقوله (إن الله كان بما تعملون خبيرا) تحذير عن مخالفة أمر الله، أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم.

وجاء في حديث أسامة بن زيد (بعثَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ سريَّةً إلى الحُرقاتِ فنَذروا بنا فَهَربوا، فأدرَكْنا رجلًا، فلمَّا غشيناهُ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فضَربناهُ حتَّى قتلناهُ. فذَكَرتُهُ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: (من لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ. فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافةَ السِّلاحِ. قالَ: أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟ فما زالَ يقولُها حتَّى وَدِدْتُ أنِّي لم أُسلِم إلَّا يومئذٍ).

أفبعد هذه الآية وهذا الحديث من بيان؟ فلو كان هؤلاء الذي يقومون بهذه الأفعال في بلاد الشام قد قرأوا وتفقهوا لما فعلوا. إنه الجهل بالدين، ولا عذر لجاهل. والمعروف أنه من أراد الصلاة فعليه أن يتعلم كيفيتها، ومن أراد الصوم يسأل عن مفطراته، ومن أراد الحج يستوضح عن أعماله، ومن أراد التجارة فعليه أن يتفقه في أمور المال ليعرف الحلال من الحرام، ومن أراد الجهاد فعليه أن يتفقه فيه ليعرف ما يجوز وما لا يجوز. فالقضية ليست عضلات وسلاح، بل كيف نستخدم هذه الاستخدام الصحيح، وكما قال أحدهم: إنها ليست أزمة وسائل بل هي أزمة أهداف.

وفي إحدى المعارك في زمن أبي بكر رضي الله عنه جزّ أحد المسلمين رأس أحد قادة الأعداء، وقَدِم على أبي بكر به، فأنكر أبو بكر ذلك، فقال: يا خليفةَ رسول الله، فإنهم يفعلون ذلك بنا، قال: (فاستِنانٌ بفارسَ والروم؟! لا يُحمل إليَّ رأسٌ، فإنما يكفي الكتاب والخبر). هذا عدا من مخالفة هؤلاء لأسلوب القتل الذي جعلوه كذبح الحيوانات، ولم يَرِدْ نصٌ شرعي صحيح صريح يدل على جواز ذبح العدو حيًا، فضلاً عن أن يكون سنة نبوية متَّبعة! وأن النصوص وردت بالتفريق بين القتل والذبح، وجعلت الذبح خاصًا بالبهائم. فكيف وهم ينفّذونه بالمسلمين؟

++++++++++++++++++++++

التحالف «المرّ» ضد «داعش» .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 4-9-2014

سكين «داعش» التي ذبحت الصحافي الأميركي ستيفن سوتلوف بعد الصحافي جيمس فولي، يسلّطها تنظيم «الدولة الإسلامية» على عنق سياسة الرئيس باراك أوباما الذي اختار التريث، جرياً على نهجه، والبدء بضربات جوية لمواقع «داعش» في العراق، بالتقسيط.

وواضح أن التنظيم الذي يحتجز رهائن غربيين ويهدد بذبح بريطاني، يعتمد «استراتيجية» الذبح للردع، فيما اضطر أوباما الذي تزامن بدء جولته الأوروبية مع النهاية المأسوية لسوتلوف، إلى إعلان ما تردد مرات في قوله عن وجود استراتيجية أميركية للتعامل مع خطر «داعش» ووحشيته. يجيب الرئيس الأميركي إذاً عن تساؤلات أثارها زعماء الكونغرس الذين انتقد كثيرون منهم تردده وتحفّظه المبالغ فيه... هو لا يكشف بالطبع جوهر تلك الاستراتيجية التي يفترض أن تكون «ذكية» مثلما أحبَّ دائماً كل شيء «ذكي»، وكرّر مرات أن حكمته إنما تكمن في مقاومة الانزلاق إلى سياسات «غبية».

ما بدا «ذكياً» في حسابات أوباما الذي أعلن في أستونيا أن إدارته باشرت الحرب على «داعش»، هو تحديد إطارين لهذه المواجهة، فيتولى الأميركيون ضرب مواقع «الدولة الإسلامية» في العراق، بغارات جوية، وتُترك بقية المهمة لتحالف إقليمي... وتعتقد الإدارة بأن الاشتباك البري والعمليات الميدانية ضد «السرطان» هي من واجب كل الدول التي ستلتحق بالتحالف في المنطقة. هكذا تكون إيران في صفوفه مثل مصر والسعودية، رغم تباين مواقف الرياض وطهران من مصير النظام السوري، في حين لا يمكن الغرب تجاهل الامتداد الجغرافي لـ «خلافة» أبو بكر البغدادي، من الموصل في شمال العراق الى الفرات.

معضلتان إذاً تواجهان مهمة ما يسميه أوباما وقف «تمدد سرطان داعش» وهمجيته، ومحوه الحدود بين العراق وسورية:

1- تشكيل ائتلاف يريده إقليمياً، لئلا تضطر عواصم غربية إلى إرسال قوات إلى المنطقة، فيما يُفترض ان يؤدي الى تنسيق أمني- عسكري بين دول سياساتها غير مؤتلفة إزاء ما تتعرض له شعوب عربية من تنكيل ومجازر وإرهاب.

2- جدلية العلاقة بين حتمية ضرب مواقع «داعش» في الرقة السورية، وتجاهل الغرب أو ضرباته الجوية مواقع للنظام السوري الذي يكابد- بلا جدوى حتى الآن- لحجز مقعد الشريك في الحرب على «الدولة الإسلامية»، لكنه لا يوقف حرب البراميل المتفجرة على فصائل سورية معارضة وأحياء سكنية.

دور الشريك لم يستطع الروس تجاهله أو الصمت عنه طويلاً، في دفاع متجدد عن استعادة شرعية النظام السوري، لذلك لا ترى موسكو سوى تناقض بين «محاربة داعش في العراق ورفض التعاون مع الأسد في سورية».

وقد تستنتج دول عربية لها مصلحة أكيدة في وقف إرهاب «داعش» ومذابحه وتمدده، أن ما يريده الأميركيون ببساطة هو إبعاد خطر «الدولة الإسلامية» عن أبواب أوروبا والولايات المتحدة، وتوجيه دفة القتال عن بُعد، باستثناء التدخل جواً... ولتحشد دول المنطقة ما شاءت، ومهما سال من دماء، فهي تدافع عن حدودها ووجودها.

ما يطمح إليه الرئيس الأميركي هو ألاّ يبقى تنظيم «داعش» مصدر «تهديد للمنطقة»، لكنّ المهمة تتطلب وقتاً أطول بكثير من أسبوعين. ألا يكفي هذا المقدار من الواقعية «الذكية» لإثارة مزيد من القلق حول ساحات المواجهة مع «الخلافة» وأثمانها وآفاقها؟

مرة أخرى يتبيّن كم كان مكلفاً غباء التردد في وقف المجزرة الكبرى في سورية والتي حوّلت أرض الفرات الى مرتع إرهاب قضَم الثورة ولم يجرح النظام.

 

وحين يقر أوباما بالحاجة الى استراتيجية إقليمية للتحرك على الأرض، وعدم الاكتفاء بالضربات الجوية لعله يرجّح عشية قمة الحلف الأطلسي، توزيع الأدوار لدول في المنطقة... ولن يجد بالتأكيد جواباً ذكياً حول كيفية ترميم الثقة مع إيران التي شجعت استبداداً في العراق، كان بذوراً خصبة لـ «داعش» ورعت حرباً وحشية في سورية، كان لا بد من أن تنجب الوحش

++++++++++++++++++++++++++

الحالة السورية استثناءً عربياً .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاربعاء 3/9/2014

دخلت الثورة السورية عامها الرابع، وهي مدة طويلة، مقارنة بمثيلاتها من ثورات واحتجاجات انتهت بإزالة الأنظمة الشمولية في بلدان عربية أخرى، وبدأت مرحلة جديدة لتأسيس نظام الحكم الديمقراطي.

لماذا فشلت الثورة السورية في تغيير نظام الحكم، حتى الآن، في حين نجحت ثورات عربية في تحقيق ذلك، بتكاليف أقل بكثير؟ ثمة سببان تتفرد بهما الحالة السورية عن نظيراتها العربية، وتجعل من إطلاق وصف الاستثناء السوري، أو المسألة السورية، حكماً موضوعياً:

 الأول، طبيعة النظام الحاكم، فقد أحدث حافظ الأسد بوصوله إلى السلطة قطيعة مع المراحل السابقة التي شهدتها سورية منذ الاستقلال، معه انتهت مرحلة الانقلابات والاضطرابات السياسية، وانتهت معها، أيضاً، إمكانية أي حراك سياسي مستقبلي. وقد عمد الأسد، بداية، إلى تأسيس منظومة حكم قائمة على علاقة تداخلية تخارجية في آن معاً للمؤسستين العسكرية والحزبية، بدأ، أولاً، بتعزيز قاعدته العسكرية في الجيش، وهي قاعدة متنوعة طائفياً، لتحقيق هدفين متكاملين: الأول ضمان ولاء الجيش له، والثاني فصل الجيش عن حزب البعث، للتخلص من ضغوط الحزب الأيديولوجية الراديكالية، ثم اتجه إلى تعزيز ضباط علويين موثوقين في المناصب الحساسة، للتخلص من ضغوط المؤسسة العسكرية، الأمر الذي أعطاه قدرة أكبر على التحرك.

وإذا كانت المؤسستان، العسكرية والأمنية، قد منحتا نظام الأسد القدرة على السيطرة، فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك لتوسيع السلطة، أو البقاء في الحكم مدة طويلة، ذلك أن الشعوب لا تحكم بالقسر فقط، بل بالأفكار أيضا.

كان الأسد في حاجة إلى الهيمنة بالمفهوم الغرامشي، وكان حزب البعث الأداة الأيديولوجية لذلك، لأن الأفكار السائدة تحافظ على تماسك الوحدة المتوازنة، المؤلفة من الدولة والمجتمع، والتي تشكل نمطاً تاريخياً معيناً للمبنى الفوقي. وعلى الرغم من التدمير الذي لحق بالقاعدة الاجتماعية لـ"البعث" في عهد الرئيس بشار الأسد، بفعل السياسات الاقتصادية المتهورة، إلا أن الحزب ظل، أحد أعمدة النظام، بعدما تحولت القيادة القطرية للحزب والجبهة الوطنية التقدمية من نخبة أيديولوجية إلى نخبة إقطاعية ـ بيروقراطية، لها مصلحة في بقاء نظام الحكم على حاله.

تحولت هذه الفئة مع بارونات الجيش والأمن إلى أوليغارشية سياسية ـ اقتصادية، عابرة للطوائف، ولها مصلحة قوية في بقاء النظام. ويسأل رايموند هينبوش في كتابه المهم جداً "سورية ثورة من فوق" عن الأسباب التي جعلت النظام يبقى صامداً أمام التمرد الإخواني بداية الثمانينيات، ويجيب "تماسك مؤسسات النظام يفسر بأمرين: الشبكة العلوية التي تسيطر على هذه المؤسسات، وجذورها في القرية التي كانت تستغلها القوات المدينية التي مثلت الثورة الإسلامية، وقد أدى التركيب الحزبي والطائفي للنظام الذي اخترق البيروقراطية التي يهيمن عليها السنّة والقرى، إلى جعلهم غير متاحين للتعبئة ضد النظام إلى حد كبير". ومع أن هينبوش كان يتحدث عن عهد حافظ الأسد، إلا أن تركيبة منظومة الحكم ظلت، كما هي، في عهد بشار الأسد، وإن اختلفت موازين القوى فيها، وظلت هذه المنظومة تؤدي الدور نفسه الذي كانت تؤديه في أثناء حكم حافظ الأسد في تماسك النظام.

في مقطع يختزل أسباب تماسك النظام السوري بعد سنتين من الثورة، يكتب عزمي بشارة "ما يجعل التمايز بين النظام والمجتمع صعباً هو الرابط نفسه الذي يجعل فصل الدولة عن النظام صعباً أيضاً.. إن القدرة على الفصل بين الدولة والنظام، والتمييز بينهما، هي التي مكّنت الجيش من الامتناع عن استخدام القوة العسكرية مساندة للنظام في صراعه ضد الشعب، في حالتي مصر وتونس، ونظراً لصعوبة هذا الفصل في سورية، بدا النظام أكثر تماسكاً وقسوة في الوقت ذاته".

السبب الثاني، بنية المجتمع. وتتكون سورية من فسيفساء اجتماعية، تشكلت على مدار مئات السنين، حيث تتألف من عدة إثنيات (عرب، أكراد، أرمن، تركمان، شركس، سريان، آشوريون)، وأكثر من 17 طائفة، يتوزعون على ديانتين رئيسيتين، الإسلام والمسيحية. وفي المجتمعات المركبة إثنياً وطائفياً مع دولة تسلطية ما قبل حداثية، يتداخل ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي واجتماعي وديني وطائفي وعشائري، بحيث يصعب تمييز السلوك السياسي، أو الاقتصادي عن السلوك الهوياتي، وسرعان ما تسيس الهويات الفرعية في أوقات الأزمات، وتعيد أو يعاد إنتاجها، للحفاظ على كينونتها السياسية والاجتماعية.

ومع ذلك، ليس المزاج، أو البنية الاعتقادية هذه، مبنية على تصورات ميتافيزيقية محضة، بل مبنية على وقائع إمبريقية، وإن تضمنت تضخيماً أيديولوجياً. لقد أثبتت الأزمة في سورية تماهي الطائفة العلوية مع النظام تماهياً يكاد يكون تاماً، ووجدت في سقوط النظام سقوطا لها.

يرجع محمد جمال باروت تماهي الطائفة مع سلطة الدولة، بسبب الشبكات الزبونية التي تربط وكلاءها الاجتماعيين مع منافع الدولة، وبسبب تكورها الطائفي الذاتي، أيضا، وليس لأن الطائفة العلوية ترى أن النظام نظامها بالضرورة، فلم يكن النظام السوري نظام الطائفة المسيحية أو العلوية، أو غيرهما.

صحيح أن النخبة العليا الحاكمة ظلت ائتلافاً عابراً للطوائف، ولم يكن النظام علوياً أو مسيحياً، لكن الصحيح، أيضاً، أن الطائفة العلوية هي قلب هذا الائتلاف، وصحيح أن النظام لم يكن طائفياً لجهة توزيع الثروة والأعطيات، فإن الصحيح، أيضاً، أن توزيع الثروة لم يكن ناجماً عن مبادئ قيمية في عدالة توزيع الثروة، بقدر ما هو ناجم عن تسييس هذه الثروة، من أجل شراء الولاءات، وهذا ما يبدو أن باروت نسيه، ومع هذه المحاصصات، لم تعد المسألة من هو علوي أو من هو سني أو مسيحي، بل من هو مع النظام ومن هو ضده.

تماهي الطائفة العلوية مع النظام لا يعود، في جوهره، للشبكات الزبونية، أو الاستثمار الاقتصادي (استثمار تشارك فيه الطوائف الأخرى)، لأن هذا السبب مرتبط بالنخب المستفيدة، بشكل مباشر من النظام أو الدولة، وهذه نخب من كل الطوائف. السؤال الرئيسي: لماذا تماهت الطائفة العلوية، بمجملها، مع النظام، لا سيما الموجودين في القاع الاجتماعي ـ الاقتصادي؟ كيف يمكن تفسير تماهي الطبقات الفقيرة من العلويين مع النظام، وهي فئات لم تستفد من النظام بشكل مباشر؟

يتعلق الأمر بالمستوى السياسي عند المفترق التاريخي الذي انتقلت فيه الطائفة العلوية من طائفة اجتماعية مغلقة إلى طائفة سياسية وسَمَت تاريخ سورية المعاصر، وانعكس ذلك مباشرة في وعيها الجمعي، ونشأت أنا جمعية متضخمة، تقطع مع التاريخ الغابر، وترفض العودة إليه أو استذكاره، وترفض فكرة تغيير الواقع الحالي مع ما يستجلبه ذلك من مآسٍ في مخيلة الوعي الجمعي للطائفة، قد تنالها من الحكام الجدد إذا ما سقط النظام.

ثم تجلت الحالة الطائفية مع تخلف الأقليات الأخرى عن المشاركة في الاحتجاجات، وهو ما أضرّ الثورة كثيراً، ومنعها من التحول إلى حالة وطنية، الأمر الذي عزّز الانقسام العمودي داخل المجتمع. وبموازاة هذا الانقسام، كان ثمة انقسام أفقي حاد بين الطبقات، أو بين الريف والمدينة، بدا ذلك في رفض القوى المدينية، لا سيما البورجوازيات السنية، مواكبة شارعها للحفاظ على مكتسباتها السياسية والاقتصادية، وإذ حقق تقارب البرجوازية مع النظام فائدة مهمة، لجهة نفي الاتهامات الطائفية الموجهة للحركة الاحتجاجية، إلا أن موقف البرجوازية هذا أزال أية إمكانية لنشوء كتلة تاريخية سنية، قادرة على استثمار أكثريتها الاجتماعية إلى أكثرية سياسية فاعلة.

++++++++++++++++++++++++

إلى الائتلاف والمعارضة: تحركوا قبل ضياع كل شيء .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 3/9/2014

تتعالى من جهات دولية كثيرة تصريحاتٌ مقلقة بشأن تغير ما يجب أن يبدل نمط العلاقات، القائمة اليوم، مع النظام السوري، بعد بروز "داعش" قوة ذات حضور إقليمي، وانتشارها في أكثر من بلد عربي وإسلامي، ونشوء حاجة عابرة للدول والحدود إلى التصدي الفاعل لها، وتحجيم وجودها ونفوذها في العراق وسورية وما وراءهما، قبل أن يستفحل خطرها، وتصير عصية على الاحتواء أو الردع.

ويناقش مسؤولون سياسيون وأمنيون كبار الموقف الذي يجب اتخاذه من النظام الأسدي، وما إذا كان استمرار عزله عملاً صائباً، بينما يمكن الإفادة من دوره في القتال ضد "الإرهاب"، بعد أن قدم عرضاً يتصل باستعداده لمقاتلة الإرهاب على الصعيدين، المحلي والإقليمي، حسب ما قاله وزير خارجيته، وليد المعلم، في مؤتمر صحافي عقده يوم 24 من أغسطس/آب الماضي في دمشق، أبدى فيه استعداد الأسد للعمل مرتزقاً لصالح من اعتبرهم، طوال سنوات الثورة، متآمرين على نظامه، واتهمهم بالوقوف وراء كل ما وقع في سورية من أحداث ضده، بما في ذلك الأحداث الإرهابية. ولعله مما يثير قلقاً خاصاً أن يكون بين من يطرحون احتمال تبديل الموقف الغربي، والأميركي خصوصاً، من الأسد ونظامه، بعض كبار المسؤولين الأمنيين الأميركيين، وأن يناقش هذا الموضوع بكثافة في الأسابيع الأخيرة في الصحافة الأميركية ووسائل الإعلام الغربية، بينما تسود سلبية مفعمة بالاسترخاء والعجز لدى قيادات الائتلاف الوطني والمعارضة السياسية والحزبية السورية، والتي يبدو أنها استسلمت تماماً لأفكار رغبية، ومسلماتٍ وقبلياتٍ، تدّعي أن العالم لن يغير موقفه من النظام، لأنه يعرف كم كان ضالعاً في صنع الإرهاب ونشره واستخدامه، وكم قتل من الأميركيين والغربيين في العراق وغيره، فكيف يمكنه أن يغير موقفه من نظامٍ هذه صفاته، كأن القتال بدماء الآخرين حقناً لدماء العسكر الأميركي، وغير الأميركي، لم يكن سياسة غربية ودولية معتمدة ومعلنة في بلادنا بعد الثورة، أو كأن هذه السياسة وضعت في أي يوم المبادئ فوق المصالح، أو رفضت استعمالنا حطباً للحرق من أجل تصفية حسابات إقليمية لا علاقة لنا بها!

"على قيادات الائتلاف والمعارضة المبادرة فوراً إلى تطبيع علاقاتها، والتواصل من أجل توحيد مواقفها: سياسياً وعسكرياً، والشروع الفوري في حوار وطني مفتوح بين جميع أطرافها الفاعلة.

"

لكي لا يضع الغرب يده في يد النظام، ويشركه في الحرب ضد الإرهاب، من الضروري والحيوي إقناعه، بالوقائع والأفعال، أن الأسد ليس ولن يكون بديل "داعش"، وأن المعارضة تعمل لتنظيم صفوفها وتوحيدها، وتعبئة قدراتها من أجل القيام بدور مؤثر في الحرب التي لن تنجح إذا لم تكن، في الوقت نفسه، حرباً ضد النظام، ولن يسمح السوريون لأية دولة، وأي طرف، بتجييرها لنظام دمر بلادهم، وقتل أعداداً لا حصر لها من مواطناتهم ومواطنيهم، ولن يقبلوا أن تساعده أية جهة على النجاة، بحجة شن حرب على الإرهاب، لعبت قيادته وأجهزته أخطر الأدوار في إنتاجه، ولا مفرّ من أن يقاتله العالم بسبب دعمه له، واستخدامه ضد خصومه في كل مكان، بمن في ذلك جنود أميركا في العراق، عوض العفو عما ارتكبه من فظاعات وجرائم، بالتعاون مع تنظيماته، وإعادة تأهيله وإشراكه في قتل إرهابيين أنتجتهم يداه، انتهت وظيفتهم في خططه بجعله بديلاً لهم في نظر العالم!

لتفادي احتمال تغير الموقف الدولي من النظام، على قيادات الائتلاف والمعارضة المبادرة فوراً إلى تطبيع علاقاتها، والتواصل من أجل توحيد مواقفها: سياسياً وعسكرياً، والشروع الفوري في حوار وطني مفتوح بين جميع أطرافها الفاعلة، على أن تحظى الخطط والبرامج والسياسات التي سيقرّها بقبول قيادات المقاومة الميدانية، العاملة في الجيش الحر بصورة خاصة، والتي يجب أن تشارك في الحوار، وتفيد من عائده الإيجابي: العربي والإقليمي والدولي، الذي يجب أن يستثمر، بحيث يحدث تحولاً تدريجياً وحقيقياً في علاقات القوة على الأرض السورية، يضعف تنظيمات الإرهاب والنظام، ويحسم موقف العالم من الثورة، وصولاً إلى إقناعه بأن بديل الأسد ونظامه لا يجوز ولا يمكن أن يكون غير البديل الديمقراطي/ المدني، المتوازن وطنياً ومجتمعياً، الذي ثار الشعب من أجله، وبأن وضع الائتلاف والمعارضة يضمن ألا يلقي سقوط الأسد بلادنا بين أيدي إرهابيين يهددونها، أكثر مما يهددون أمن وسلام البشرية ومصالحها.

لم يتخذ العالم بعد موقفاً نهائياً من مشاركة النظام الأسدي في محاربة الإرهاب. ولم يقرر شن الحرب على "داعش" السورية، والسبب: عدم وجود بديل للنظام. كي لا يتخذ العالم مواقف تضر بشعبنا وثورته، تمس حاجتنا إلى الخروج الفوري من حال التمزق والفرقة، وتناقض الخيارات والمواقف، حتى في القضايا المصيرية، وإلى بناء موقفٍ وطني يحظى بإجماع واسع، يقنع العالم بأهليتنا لإدارة وطننا الحر. بغير ذلك، نقود شعبنا إلى التهلكة والخسران، ونضيع تضحياته التي تجل عن أي وصف.

لهذا كله، أدعو قيادة الائتلاف للمبادرة الفورية إلى فتح حوار وطنيٍّ مع تنظيمات المعارضة وقياداتها، داخل صفوفه وخارجها، من أجل صياغة برنامج عمل شامل يقر خلال فترة قصيرة، يعني قبوله والالتزام بتطبيقه والشروع في بناء بديل وطني لنظام الأسد وتنظيمات الإرهاب، وبدء تاريخ جديد لشعبنا، نصنعه لنا ولأبنائنا، بدل أن يصنع الآخرون، في ظل غيابنا عن دورنا، مستقبلاً حالكاً لنا ولهم: بالتعاون مع النظام، أو بدون تعاونٍ معه.

++++++++++++++++++++++++

عقولٌ وثورة .. عماد حسين أحمد

العربي الجديد

الاربعاء 3/9/2014

لا قيمةَ لعقلٍ، مهما كان فذّاً وعظيماً، ما لم يكن ثائراً في ظلّ استبدادٍ واضحٍ وجلي؛ فالاستبدادُ حقلٌ عاقرٌ لا يمكنُ للعقل أن يتنفّسَ فيه بيسر، ولا يمكنُ أن يؤدي دوراً فاعلاً في بناء العقول. إن أي عقلٍ يؤمنُ بالاستبداد حلاً، إما أن يكونَ عقلاً مريضاً في بعض جوانبه، أو أن يكونَ عقلاً جباناً، أو أن يكونَ عقلاً عاملاً في خدمة السُلطان.

الأفكارُ التي يُنتجها العقل، قد تبقى قيدَ التنظير والمشافهة، إن كان هناك ما يمنعُ تحوّلها إلى ممارسة وعمل، وقد تكونُ القوة الاستبدادية مبرّراً كافياً لمسألة عدم التحوّل تلك. لكن، إذا سنحت الفرصة، ولم تتمَّ عملية التحوّل، فلا شكَّ أن ذلك يعني خللاً لابدَّ من الوقوف عنده، لبحثه ودراسته، إذ يفرض ذلك علينا أسئلةً مهمةً، منها: لماذا بقيت الأفكار على حالها؟ لماذا بقيَ العقلُ على حاله تنظيراً لا أكثر؟

العقلُ الفذُّ الموغلُ في العلم والمعرفة الواسعة ينبغي أن يكونَ من أوائل العقول الداعية إلى إنهاء سلطة الاستبداد، وإزالة قيوده المفروضة على الفرد والمجتمع بعمومه، إذ لا وجودَ للفرد والمجتمع، بالمعنى الحقيقي للوجود، في ظل هكذا سلطة، ففيها يفقدُ كلاهما المعنى، فحتى نتمكّن، مثلاً، من إطلاق كلمة "موجود" على شيءٍ ما، ينبغي بدايةً، أن تتوفّر في هذا الشيء مقوّمات الوجود، كالحرية التي تكسب الكائن حقيقته ومعناه، ولكي نستطيع أن نحكم على أمرٍ ما بأن له "معنى" ينبغي أن يكون هذا الأمر حُرّاً وموجوداً وحقيقياً.

والعقلُ المعنيُّ يسعى إلى إنهاء هذه السلطة، كدفاعٍ عن نفسه، وعن دوره النقدي في التغيير والبناء، قبل أن يكون دفاعاً عن المجتمع الذي يعيشُ فيه ويتحرّكُ في إطاره؛ حيث لا تعني فعالية العقل الفردي شيئاً داخل إطارٍ اجتماعي ميت، فلكي تكون الكلمة ذات معنى وهدف، لابدَّ من وجود أذنٍ مؤهلة للإصغاء، ومدرّبة على فكِّ شيفرات تلك الكلمة. وبالتالي، تطبيقها إن كانت ذات قيمة، ولكي تستطيع الكلمة أن تتنفّس باطمئنان، لا بدَّ من وجود حياةٍ في الخارج. لذلك، العقل الفعّال ينبغي أن يكونَ مشاركاً، بل قائداً في عملية إزالة الاستبداد وقيوده، وإلا فإنه يخون نفسه، ويخون وجوده، ويخون رسالته، ودوره النقدي البنائي.

تشكل عملية اكتساب المعرفة على المستوى الفردي فعلاً ثورياً في الشخصية الفردية؛ فهي تعني الانقلاب، أو التحوّل في آليات عمل العقل، والثورة المعرفية الفردية التي قد يقوم بها أي فردٍ في شخصيته، تعني بداهةً الثورة على نمطية العقلية الاجتماعية، تلك النمطية التي تصبحُ ميتةً وساكنةً، بحكم تغذيتها، في ظل استبدادٍ أو قوةٍ سلطويةٍ فارضةٍ شروطها بوسائل الإكراه، وكلما اتّسع نطاق المعرفة لدى الفرد اتّسع نطاق الثورة على نمطية العقلية الاجتماعية، واتّسعت الرغبة في تغيير تلك العقلية، وتلك القوة السلطوية الاستبدادية، فهل يمكنُ لمثل هذا الفعل الثوري الفردي أن يقفَ ضدَّ الفعل الثوري الشعبي المشروع؟

قد تكونُ الإجابة، نعم ممكن، وذلك في الحالة التي قد تشهدُ خلافاً في المنهج والتوقيت، ولا يشكّلُ موقف الضد، هنا، عداوةً للفعل الثوري الشعبي، إنما يشكّلُ إخلاصاً للأهداف التي تسعى إليها الثورة، ورؤيةً مختلفةً لكيفية نجاحها، فالهدفُ واحد، ولكن طريقة العمل وظروفه وتوقيت انطلاقه مختلفة. أما في الحالة التي قد يُتخذ فيها موقف محايد أو موقف عدائي، أو موقف رمادي، أو موقف لاعب على طرفي الصراع، فذلك يضعنا أمام ثلاثة احتمالات: الجبن أو النفعية أو السلطوية، والاحتمالات الثلاثة تعني خيانة العقل نفسه، قبل أن تعني خيانته المجتمع الثائر، لأن تكوين العقل الفردي ذاتياً وبناءه وسط قيود الاستبداد، من المفترض، أن يُعرف على أنه ثورة، فهل تقفُ الثورة ضدَّ الثورة مادام الهدف واحداً، هو التغيير!

إن الجبن والنفعية الضيقة والتقرّب من مصادر السلطة الاستبدادية، سماتٌ لا يُفترض أن يتّسم بها العقلُ المفكّر تحديداً، إذ كيف يكون العقل مفكّراً ومسانداً أو مدافعاً عن الاستبداد في الوقت نفسه؟ وكيفَ يكونُ العقلُ مفكّراً ومتّسماً بالجبن، في الوقت نفسه، فلا يُبدي موقفاً تجاه الفعل الثوري الشعبي؟ وكيفَ يكون كذلك، مادامت النفعية الضيقة التي قد يحصّلها من القوة الاستبدادية هي التي تحدّد موقفه؟ تلك ازدواجيةٌ لا يمكنُ قبولها تحت أي ظرفٍ أو مبرّر، ولا يمكن أن تخفى على أحدٍ في ظلّ الثورة.

وتشكّلُ المقاييس والأطر النظرية المسبقة للفعل الثوري الشعبي عائقاً كبيراً أمام حركة العقول ذات التوجّهات المتباينة، إذ إن تبني كل عقل لرؤية معينة ومسبقة بشأن ما ينبغي أن تكون عليه الثورة، يضعه في حالة جمودٍ وشكّ، ما لم ينتهج الفعل الثوري الرؤية التي يؤمن بصوابيتها، ففي وقتٍ قد يمتدّ فيه الفعل الثوري، ليغطي مساحات شاسعة من جغرافية دولة معينة، نجدُ عقولاً تنسحب إلى قوقعاتها النظرية، لتعلن أن الثورة لا تسير بالصورة الصحيحة، ضاربةً بذلك الظروف الذاتية والموضوعية للفعل الثوري عرض الحائط، ولعل هذا ما لوحظَ  لدى مثقفين حزبيين وأيديولوجيين في سورية، مازالوا بحكم نظرياتهم المسبقة، وهي في الغالب نظريات أجنبية لا تناسب ظروف الداخل، يناقشون ما إذا كان ما يجري داخل سورية ثورةً أم لا!

++++++++++++++++++++++++

الأسد قاتل الأطفال أشد إرهابا من داعش .. داود البصري

الشرق القطرية

الاربعاء 3/9/2014

مع اشتداد واحتدام حروب الإرهاب الطائفي في الشرق الأوسط، ودخول تنظيم داعش الإرهابي على خط الأزمات والعمليات العسكرية، بجانب عودة الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي للخوض في الأزمة، يتم عمدا للأسف تجاهل معاناة الشعب السوري التي طالت كثيرا وتعقدت مساربها، وحطمت الأرقام القياسية في المعاناة، بعد أن أضحى أكثر من نصف السوريين لاجئين في الدول القريبة والبعيدة، وبعد أن مارس النظام الأسدي ولا يزال يمارس عمليات إبادة بشرية شاملة ورهيبة تمثلت في تصعيد العمليات العسكرية الانتقامية وقتل أكبر عدد ممكن من السوريين ومن الأطفال خصوصا.

ويبدو الحديث عن ملاحقة داعش وترك نظام بشار بمثابة هرطقة حقيقية لسياسة دولية متوحشة لا تقيم وزنا للمعاناة الإنسانية، فمن يريد التخلص من داعش وإرهابها ودمويتها لابد أن يعمل في وقت واحد ومتزامن من أجل تخليص السوريين من المصنع الذي تم فيه إنتاج داعش، أي النظام السوري ذاته الذي تفننت مخابراته الإرهابية في التعامل مع الجماعات الإرهابية وفي إدارة صناعة الموت بشكليه العام أو المؤدلج. ويحتفظ تاريخ الإرهاب في الشرق الأوسط للنظام السوري بملفات إرهابية موثقة تؤكد أن باكورة الأعمال الإرهابية في ثمانينيات القرن الماضي كان مصدرها مصانع المخابرات السورية الضليعة بمثل هذا النوع من الأعمال الإجرامية بدءا من تجنيد وتعبئة وتجهيز الانتحاريين القتلة، وليس انتهاء بخطف الطائرات أو محاولات الخطف وعمليات الاغتيال الفردية أو الجماعية ولا نرى داعيا للخوض في التفاصيل المعروفة للجميع والتي تعرفها دوائر المخابرات الغربية بكل تفاصيلها المملة. ولعل إرهاب النظام السوري ضد شعبه وهو المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام ونيف من القتل المستمر والإبادة الشاملة والتدمير المنهجي يفصح عن طبيعة الحالة السادية المحيطة بذلك النظام الذي بات يتوسل الغرب اليوم من أجل إنقاذ رقبته وضمه للحملة الدولية المضادة للإرهاب، متناسيا وغافلا عن حقيقة كونه منبع ومصدر الإرهاب، ومتجاوزا وبصفاقة غريبة عن مسلسل جرائمه المستمرة ضد الشعب السوري والتي للأسف تجد اليوم تجاهلا مرعبا من المجتمع الدولي الذي نقل ميدان المعركة لشمال العراق متجاهلا أصل الداء ومنبع الطاعون الإرهابي.

لن يكتب لأي حملة دولية مضادة للإرهاب النجاح ما لم يتم التعامل الحاسم والسريع مع ملف النظام السوري وإنهاء معاناة السوريين التي طالت أكثر مما ينبغي وبما يوجه رسائل مدمرة للشعوب الحرة المسالمة التواقة للأمن والحرية والسلام والانعتاق. لقد قتل النظام السوري من السوريين مئات الآلاف واعتقل الآلاف المؤلفة الأخرى واستباح المدن ودمر الحواضر وأسهم، أبدع مساهمة، في دعم الإرهاب الداعشي أو الطائفي ومع ذلك ما زال صوت ذلك النظام يلعلع في المحافل الدولية. ورغم الإدانات العالمية لجرائمه وانتهاكاته، فإن ترك النظام السوري وعدم متابعته دوليا وجنائيا وسياسيا يعد بمثابة مهزلة حقيقية وتنكر لكفاح الشعوب ونكوص حقيقي عن مكافحة الإرهاب من منابعه وغرفه السوداء. وسجل النظام السوري المثقل والحافل بالرزايا والمصائب أكبر وأثقل بكثير من أن يتم التعتيم عليه أو تجاهله، وأي حرب جدية لمحاربة الإرهاب في الشرق القديم لا تشمل ملاحقة نظام بشار هي حملة فاشلة مسبقا لكونها تتجاوز بديهيات مسبقة كان يجب التعامل معها بجدية قبل الشروع بأي إجراءات حقيقية لتنظيف المنطقة من الفيروسات الإرهابية، فالدكتاتورية والاستبداد والشمولية هي أهم الحواضن التي تفرخ الإرهاب الأسود، وعدم محاسبة نظام بشار أسد على جرائمه المروعة يشكل نقطة عار في جبين الدول الكواسر التي تدير الملفات وفق أجندات مصلحية خاصة لا علاقة لها بمصالح الشعوب ودمائها وتضحياتها.. لقد آن الأوان لوضع حد حاسم لجرائم نظام دمشق.

++++++++++++++++++++++++

سيندم الغرب والشرق لرفضهم التدخل لإنقاذ الشعب السوري .. د. موفق مصطفى السباعي

القدس العربي

الاربعاء 3/9/2014

رفض العالم الغربي ، والشرقي ، والعربي ، والإسلامي ،التدخل في سوريا لإنقاذ أهلها من القتل ،متذرعا بذرائع واهية ، هي أوهن من بيت العنكبوت ، وبأعذار هي أقبح من الذنب نفسه ،إنها أدوار تمثيلية سخيفة غبية مكشوفة مفضوحة ، يتبادلونها بينهم ظانين أنها تنطلي على الشعب السوري العريق ، المشهود له أنه في قمة الذكاء والفطنة والوعي بين شعوب الأرض قاطبة ،وظانين أنهم يستطيعون أن يخدعوه ، ويلعبوا عليه لعبتهم القذرة ، العفنة ، التي فاحت رائحتها الكريهة ، المقززة في سماء الأرض كلها ،

ولكن لماذا يلعبون هذه اللعبة السمجة ، مع أرقى شعب ، وأفضل شعب ، وأقدم شعب ، وعلى أرض هي خير الأرضين ؟

وما علموا أن هذه التصرفات الحمقاء ، الرعناء، من ساسة الدول العالمية ، وخاصة قائدة العالم كما يقولون أمريكا ستجعلهم يدفعون ثمنا غاليا ، وسيندمون كثيرا ، أيما ندم ، بل سيعضون على أصابعهم حسرة ولوعة ، وسيقولون : يا ليتنا أسرعنا لإنقاذ الشعب السوري ولو ببعض الضربات الخفيفة ، وخلصناه من المجرم الفاتك ، السفاح بشار ، واحتويناه لمصلحتنا ، وأشعرناه بالمن والفضل منا عليه ، فحينئذ يستحي منا ، وينفذ ما نريده منه ، على مبدأ ( أطعم الفم تستحي العين ) ، ويحافظ على الهدنة مع حبيبتنا اسرائيل .

ولكن الله العلي العظيم ، يأبى أن يكون للكافرين المجرمين ، أي مِنَة ، وأي فضل ، على أهل الشام الصابرين الصامدين .

إنه جل جلاله ،يريد الخلاص من نظام بشار، على أيدي أهل الشام أنفسهم ، وبمساعدته هو فحسب ، وبدون أي تدخل خارجي بشري مهين ذليل ، ولهذا يندفع أهل الشام إلى تشكيل عشرات بل مئات الكتائب الجهادية بقوة ،وبإلهام من الله ، وتأييد ، ودعم منه سبحانه ، وهذا ما سيؤدي إلى تشكيل جيش عرمرم ، قد يزيد تعداده عن المليون ، لأن الجيش الأسدي يتناقص عدده مع الأيام ، بينما الجيش الحر ، والكتائب المقاتلة ، يزداد عددها ، وروح القتال تضعف عند الجيش الأسدي ، ومعنوياته تنهار يوماً بعد يوم لأنهم مرتزقة يقاتلون في سبيل المال والدنيا، بينما روح القتال تعلو وتقوى لدى المجاهدين ، لأنهم يقاتلون في سبيل هدف سامي ، وهو الحرية ، والكرامة ، والدفاع عن الشعب ، وماذا ستكون نتيجة هذا الخذلان العالمي للشعب السوري ؟

سيزداد عدد المجاهدين أكثر، وأكثر، وستتعمق روح القتال ، والجهاد ، والفداء ، وحب التضحية ، وستتجذر في نفوسهم رغبة الثأر، والإنتقام من الذين ظلموهم وقتلوا أهلهم وأقرباءهم ، ومن الذين خذلوهم ، وستصبح عندهم عادة ، بل ستصبح متعة ولذة ،ورياضة ، لن يتخلوا عنها حتى بعد تحرير الأرض من الأسد ، وحينئذ سيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون، ومدى الخسارة التي ستلحق بهم ، حينئذ لن يكتف هذا جيش المجاهدين ، المشحون بالمآسي ، والعذابات ، والآلام ، والذكريات المريرة ،عند حدود تحرير سوريا فحسب ، بل سينطلق إلى تحرير أرض الشام كلها ، ومعها العراق .

وبعد تطهير أرض الشام والعراق من كل أثر للمجرمين أيا كانوا سينطلق هذا الجيش العظيم ، الفاتح ، الجرار ، العرمرم المكون من آلاف من الكتائب والألوية والفرق – إلى تحرير الأقصى وما حوله ، وسيحيط به من كل مكان من الشمال والجنوب والشرق ، والموت الزؤام يأتي بني اسرائيل من كل مكان ، ولا نجاة لهم ، ولو جاءهم العالم بأساطيله وجيوشه، بعض الناس ، قصيرو النظر سيقولون:

هذه أحلام اليقظة ، هذه أحلام وردية، خيالية، ولكنها ستكون حقيقة، واقعية ،بإذن الله ،وإني أراها رأي العين ، وقد قالوا قبل انطلاق الثورة نفس هذا الكلام ، الشعب السوري قد مات ، ولايمكن أن يتحرك ، أو ينتفض أو يثور ،إنه شعب هذيل ،خانع ، ذليل ،وقلت لهم قبل انطلاق الثورة بأكثر من شهر ، وبالتحديد في شهر شباط/فبراير 2011 حينما جرت أول محاولة دعوة للتظاهر ولم تنجح ، ولم يستجب لها أحد قلت لهم : ولكن المرة الثانية ستنجح بإذن الله ، والشعب السوري سيثبت أنه عريق ، وأصيل ، وشجاع ،ولكنهم لم يصدقوا ،حتى وقعت الواقعة ، وزلزلت الأرض تحت أقدام بشار ،

إن بوقوف الغرب ، متفرجا على الدماء الزكية تتدفق ، طوال ثلاث سنوات ويزيد ، أتاح الفرصة لهذا المارد، أن يتقدم ، ويتمدد ، ويتطاول.

مما دفع المغفلين من أعدائه ، أن يتهموه بأنه صنيعة الغرب. وما هو إلا صنيعة رب الغرب ، ليذيقهم مر العذاب ، والهوان .

++++++++++++++++++++++++

فيما تتجه المنطقة وجهتها الكارثية تبقى الدولة المدنية هي المخرج .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 2-9-2014

إلى أين تتجه المنطقة؟ وما هو المصير الذي ينتظر أجيالها المقبلة؟ ماذا عن مستقبل التنوّع بكل أبعاده، والتمازج الحضاري على مختلف المستويات؟

أسئلة مصيرية، وجودية، تؤرّق كل متابع لم تغرقه التفاصيل بعد؛ ولم تسلّمه أهواء النزعة الانتمائية حتى الآن إلى هذا الاصطفاف أو ذاك من الاصطفافات التصادمية التي بدأت تتشكل، وتتبلور ملامحها بقدرة القادرين ممن تلاقت، وتفاعلت، خبايا خططهم الرامية إلى إعادة ترتيب أمور المنطقة بعيداً من إرادة شعوبها وحاجاتها الحقيقية.

ولكن السؤال المحوري، المفصلي، الذي يفرض ذاته عادة قبل الأسئلة السالفة هو: لماذا وصلنا إلى ما نحن فيه راهناً؟

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، طرأ تراجع حاد في شعبية الفلسفة الماركسية التي كانت قد غدت الإيديولوجية الأكثر شعبية، إن لن نقل شعبوية، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ وتمكّنت من استقطاب العديد من الشرائح والقوى الاجتماعية؛ وأصبحت الإيديولوجية الرسمية، أو الخلفية الإيديولوجية، لمعظم الأحزاب والمنظمات في المنطقة، وذلك على عكس التيارات الأخرى التي كانت قد برزت في العقود السالفة، ولم تتمكن من تجاوز حدود النخبة الثقافية التي كانت تبشّر بها. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى التيارات: العلمانية، والليبرالية، والوجودية، والوضعية المنطقية، والجوانية والبنيوية.... الخ.

ومع انتفاء تأثير الماركسية بوصفها إيديولوجية تعبوية، إذا صح التعبير، أمست الأجواء شاغرة لصالح ايديولوجية الإسلام السياسي بتلاوينها المختلفة، وذلك بعد أن كانت الإيديولوجية القومية قد مُنيت بانكسارات وانحسارات سواء في تركيا أم في مصر، ومن ثم في سورية والعراق نتيجة تحوّل حزب البعث فيهما إلى يافطة للتستّر على الممارسات الإستبدادية بنزعاتها الطائفية والجهوية، بل العائلية والأسرية.

وفجأة سادت شعارات ضبابية في مختلف الساحات؛ شعارات عامة لا تقول شيئاً مع الإيحاء بأنها تقول كل شيء، وكان الأبرز من بينها: الإسلام هو الحل.

ولكن عن أي اسلام نتحدث؟ وما هي طبيعة الحلول المقترحة؟ وماذا عن آليات التطبيق؟

وغالباً ما كانت الإجابات مبهمة، هلامية، خاضعة لأمزجة المروجين واجتهاداتهم التي كانت، وما زالت، متباينة إلى حد التناقض.

وفي أجواء الخواء الإيديولوجي، وتراكم الإنكسارات على المستويين الموضوعي والذاتي، بالنسبة إلى الأفراد والجماعات، وهيمنة فكرة التماهي بين المؤامرة والعولمة؛ أصحبت ايديولوجية الإسلام السياسي بتوجهاتها المحافظة المعتدلة، والراديكالية الجهادية بمسمياتها المختلفة، من سلفية وعلمية ومقاتلة وتكفيرية وغيرها، هي المناخ العام الذي احتوى الأنظمة والحركات المعارضة لها في الوقت ذاته، وغدت مفاهيم الإيديولوجية المعنية بمثابة أدوات التفكير، وركائز الترويج بالنسبة إلى الجانبين.

فالأنظمة من ناحيتها وظفّت المفاهيم المعنية للتغطية على إخفاقاتها، وعجزها في ميادين التعليم، والعمل، والصحة، والسكن، والضمان الاجتماعي، والبحث العلمي، وتأمين مستقبل أفضل للأجيال القادمة. وكان الإستبداد بالنسبة لها ضرورة لا بد منها لإستمرارية سلطتها المفروضة.

أما الحركات الإسلامية المعارضة للأنظمة المعنية، فلاذت هي الأخرى بخطاب اسلاموي، ماضوي، لتسويغ جهودها المعاصرة، ورغبتها في الإستحواذ والسيطرة. يساعدها في ذلك التقدم التكنولوجي في ميادين السلاح والإعلام ووسائل الإتصال؛ والأهم من هذا وذلك هو تنامي الإمكانيات المادية بفعل الممولين القادرين، وتداخل كل ذلك مع حسابات القوى الإقليمية والدولية.

والأمر اللافت في اللوحة أكثر من غيره، هو ما يتمثّل في تلك العلاقة الطردية بين استبدادية الأنظمة وعجزها، وتنامي وتيرة التطرف الإسلاموي، الذي بلغ ذروته راهناً في المشروع الداعشي الذي تتعاظم قوته على المستويين الأفقي والعمودي. وهو يجسّد حصيلة تضافر وتفاعل جهود استخباراتية، وحركات دعوية، وتبعات حالة الضياع الوجداني التي يعيشها قسم لا يستهان به.

إن الخروج الآمن من الوضعية المعقدة السوداوية التي تعيشها منطقتنا لن يكون بالحلول الأمنية العسكرية وحدها التي تستهلك الطاقات، وتدمر الإمكانيات، وتساهم في تجديد دورة العنف والتطرف، وغالبا بمستويات أقسى وأشد.

لن تتمكن مجتمعاتنا من القطع مع نزعات التطرف والتشدد ما لم تطرح مشاريع حقيقية، تقدّم الحلول الجادة، غير الإنشائية التزيينية والتخديرية، لجملة من المشكلات المزمنة المتراكمة، خاصة ما يتصل منها بالشباب. كما أن مسألة إفساح المجال في المناهج الدراسية، والبرامج التعليمية، ومراكز البحث والدراسات والنشر، للتعريف بمختلف التيارات الفكرية والفلسفية، والأديان الأخرى، هي مسألة في غاية الأهمية، وذلك ضمن إطار استراتيجية بعيدة المدى.

ومن الواضح في هذا المجال أن الدولة الدينية، أو شبه الدينية، غير قادرة على أداء هذه المهمات الحيوية، لأنها لا توائم طبيعة التنوع الذي نعيشه واقعاً في مجتمعاتنا. فدولة من هذا النمط لا تنشد المستقبل، بل تعيش في الماضي بآلامه وعذاباته. وقد دفع غيرنا ضريبة باهظة نتيجة تمسكّه بدولة كهذه؛ ولكنه تخلّى عنها حينما أدرك أن الدولة لا بد أن تكون حيادية على مستوى الإنتماء والتعامل، حتى تكون دولة الجميع.

الدولة المدنية التي تفصل بكل وضوح، ومن دون أي حرج، بين السلطة السياسية والدين، هي المدخل الحقيقي لخروج مجتمعاتنا من حالة التيه الكبرى التي تعيشها وتعاني منها.

قد تبدوالمطالبة بهذه الدولة في وقتنا الراهن صيغة من الرومانسية المستقبلية. و نحن نعلم تماماً أن القوى المستفيدة من الأزمات والحروب ستكون لها بالمرصاد. ولكن التمعّن الهادئ المسؤول في كل ما جرى ويجري، بعيداً عن الهيجانات والشعارات والتشبث بسلطات متكلّسة، يؤكد أن المستقبل هو للدولة المعنية، هذا إذا كانت لدينا الرغبة في التوجه نحو المستقبل كما ينبغي.

* كاتب وسياسي سوري

++++++++++++++++++++++++++++

ثلاثة مستويات لمواجهة «داعش» .. ياسين الحاج صالح

القدس العربي

الثلاثاء 2-9-2014

يبدو أن هناك خططا أمريكية وغربية قيد الإعداد لمواجهة داعش في سوريا، وإن كان من مستبعدا أن تتجاوز ضربات جوية، وربما عمليات كوماندوس محدودة. غرض الضربات المرجح هو وضع الكيان الإرهابي الناشئ تحت الضغط، وإشغاله بلملمة نفسه، ومنعه من «التمدد».

من جهته، النظام الأسدي سارع إلى عرض نفس للإيجار في المعركة الغربية الجديدة. وبينما لا تزال القوى الغربية تعلن احتقارها له، لا يبعد أن تستأجره كقاعدة عسكرية متقدمة ضد الكيان الإرهابي، فتسهل تجديد انتدابه على السوريين.

بيد أن مواجهة داعش لا يمكن أن تثمر بضربات عقابية، مهما أمكن لهذه الضربات أن تكون مؤذية للكيان الجديد. لا يستغنى عن هذا البعد العسكري لمواجهة قوة فاشية، تعتمد على الإرهاب كتكنيك قتالي، وكاستثمار سيكولوجي، وكمنهج حكم. مواجهة الكيان الإرهابي بالعنف ليس شرعيا كعقاب على جرائم موصوفة فقط، وإنما لأنه يتعذر التخلص من ظاهرة استعمارية واستيطانية كهذه دون مواجهتها بالقوة. ومشكلة التدخل الغربي المحتمل ضد داعش لا ترتد إلى اقتصاره على مواجهة الكيان الإرهابي بالسلاح، بل تتجاوزه إلى أنها مواجهة محدودة، تندرج في منطق إدارة الأزمة، وليس الحل السياسي الجذري لها. منهج إدارة الأزمات ينطوي على نزع أي بعد متصل بالعدالة والتحرر عن صراعاتنا، واعتبارها أقرب إلى صراعات بين أولاد أشقياء ولا عقلانيين على حد سواء، والشيء الوحيد المهم هو تهدئتهم واستعادة الاستقرار.

لا شيء أسوأ من هذا المنهج أو أكثر أنانية وانعداما للمسؤولية. وهو مسؤول عن دفع سورية إلى دمار واسع، كما عن ولادة كائنات مستحيلة مثل داعش. ربما يفكر الأمريكيون أن مسخ داعش يتولد بصورة طبيعية في «المستنقع» الشرق أوسطي. معهم حق. لكن هذا المستنقع الكريم نتاج «جهاد»ـهم و»جهاد» القوى الغربية طوال أجيال، ونتاج تسييد كيان استيطاني إرهابي آخر، إسرائيل، في المنطقة، أكثر مما هو نتاج «الأولاد» السوريين والعراقيين والفلسطينيين واللبنانيين إلخ. وليست بعيدة عن صناعة المستنقع تلك الأولوية المستمرة للاستقرار على يد أنظمة إرهابية مثل النظام الأسدي وأشباه له على حساب العدالة والكرامة البشرية.

لذلك حتى لو كانت مواجهة الأمريكيين والغربيين للوحش داعش أكثر من تأديبية، وحتى لو جرى نشر قوات على الأرض، وكان الهدف تدمير داعش وليس تدويخها فقط، فإن هذه المواجهة بعدٌ واحد فقط من ثلاثة أبعاد لا بد منها كي تكون مثمرة.

البعد الثاني هو مواجهة الإرهابي الأصلي، النظام الأسدي، أو مساعدة السوريين على التخلص منه. وهذا ليس فقط لأنه لا وجه عادلا لمعاقبة داعش على جرائم ارتكب النظام الأسدي أضعاف أضعافها، ولا لأن الاستنفار ضد كيان مجرم مع إعفاء كيان مجرم آخر ما انفك يقتل يوميا يعطي أسوأ رسالة للسوريين و»الشرق أوسطيين» عموما، وإنما كذلك لأن من شأن إفراد داعش بالضرب أن يكون خدمة لرسالتها العدمية. لقد استثمرت داعش، والمجموعات الإسلامية كلها، في سحب السوريين وكثيرين من العرب ثقتهم من العالم وعدالة العالم، وعلى هذا يقوم الاستعداد الداعشي لتدمير العالم في بيئاتنا الاجتماعية والنفسية.

ومن شأن ضربة غربية لداعش في الرقة مثلا، المدينة التي كان النظام الأسدي يقصفها متجنبا داعش، قبل أن يستمر في قصفها بذريعة ضرب داعش، أن تقرب الرقاويين أكثر من الكيان الإرهابي لا أن تبعدهم عنها. فإما أن يضرب المجرمان معا، أو أن لا يضرب أحدهما ويترك الآخر. قطع رأس جيمس فولي، وهو جريمة بشعة، لا يقارن بقتل 11 ألفا تحت التعذيب حى أب 2013، ولا بالمذبحة الكيميائية في الغوطة، ولا بمذابح داريا وجديدة عرطوز وبانياس والحولة والتريمسة وغيرها. الجرائم لا تتفاضل، لكن من شأن معاقبة مجرمين والسكوت عن مجرمين آخرين، أن يدمر مفهوم الجريمة ذاته، ومعه مفاهيم العدالة والعقاب العادل. وباب العدمية والأرهاب المفتوح من جراء هذا النهج غير المسؤول سيزداد انفتاحا، وقد نرى ولادة كائنات أشد استحالة حتى من داعش.

هناك بعد ثالث لمواجهة الكيان الإرهابي لا يمكن للغربيين المساعدة فيه إطلاقا، ويكون الحال أفضل كلما كانوا أبعد عنه. داعش ليست قوة إجرامية فقط، ولا هي وليدة سياسات إجرامية محلية ودولية فقط، وإنما هي «إسلام» أيضا. المسلمون والإسلاميون الذين يقولون إن داعش صنيعة استخباراتية، و»الإسلام منها براء»، يخادعون أنفسهم. داعش نتاج تطور تنظيم «القاعدة» في شروط سورية وعراقية معلومة، والقاعدة نتاج سعودي مصري (السلفية السعودية والقطبية المصرية). ليس هناك ذرة جدية في مقاربة داعش مع إهمال البعد الديني في تكوينها، وإن يكن بلا ريب بعدا متشكلا بالتاريخ المعاصر. هذا الوحش من إنتاجنا، إنه وليد تعفننا السياسي الفكري والأخلاقي.

والحال أن هذا المستوى الثالث من مواجهة داعش لا يمكن أن ينهض به إلا المسلمون أنفسهم، السنيون في سياقنا. داعش فكرة إسلامية، والفكرة تواجه على مستوى الفكر. تُرى أين هي الفكرة الإسلامية التي يمكن أن تقف في وجه داعش وقوفا صلبا وغير متهافت؟ الانطباع الذي تولده في النفس انتقادات الإسلاميين لداعش هو أن المشكلة في أسلوبها الفظ، في تعجلها ورفضها لمنطق التدرج، وربما في عدم ملاءمة الظروف الحالية للخلافة، وليس في مشروع فرض حكم إسلامي بالقوة. هذا ليس جديا، بقدر ما إن تمييز الأمريكيين بين جرائم النظام وجرائم داعش ليس جديا. ويتجاوز الأمر الوضع الحالي على كل حال إلى وجوب إعادة هيكلة واسعة للمعتقد الإسلامي باتجاه يرفع منسوب الإيمان والعدالة فيه على حساب منسوب السلطة والتشريع. هذه عملية أطول أمدا، لكنها المستوى الجذري لمواجهة مستحيلات مثل داعش. وليس منفصلا عن هذه العملية تطوير نظم تفكير وقيم دنيوية تحررية. من مصادر الإسلامية المتشددة اليوم هزال المضمون التحرري لفكرنا الدنيوي وعجزه عن المنافسة.

والخلاصة أن داعش مشكلة أمنية، وأكثر من هذا مشكلة سياسية، وأكثر من هذا وذاك مشكلة فكرية. المواجهة الفعالة لداعش تمزج بين مقاومتها بالقوة، وهو ما بدأه سوريون ضد النظام قبل غيرهم، وبين تقدم نحو العدالة في سوريا بالتخلص من النظام الأسدي، وبين عمل فكري إسلامي ينتزع الإسلام من يدي داعش، وينتزع الداعشية من الإسلام.

 

٭ كاتب سوري

++++++++++++++++++++++++

هل يتغير الموقف الأميركي في سوريا؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 31-8-2014

منذ انطلاقة الثورة السورية قبل ثلاث سنوات ونصف، ساد اعتقاد أن الموقف الأميركي من الوضع السوري ولأسباب متعددة، سيكون موقفا باردا، أساسه دعم محدود لمواقف الشعب السوري في نضاله ضد نظام بشار الأسد، وأنه لن يتخذ موقفا حازما من سياساته وممارساته الإجرامية، والقليل القليل من المتابعين كان لهم رأي مختلف، أساسه أن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تتخلى عن مسؤوليتها الدولية والأخلاقية، وأنها ستقف إلى جانب السوريين في نضالهم ضد نظامهم.

وأثبت الموقف الأميركي إلى حد كبير صوابية الرأي الأول، وأضاف الواقع إلى ما سبق ارتباكا أميركيا في الموقف حيال الأسد وسياساته وممارساته، قبل أن يقبل الأميركيون بتسوية الملف الكيماوي السوري مع روسيا إثر المجزرة الكيماوية الرهيبة، التي قام بها النظام في غوطة دمشق العام الماضي، وقتل فيها مئات من الأطفال والنساء وهم نيام، وكان من ثمار تلك التسوية وقف هجمات جوية عقابية للنظام ردا على جريمته، كان يمكن أن تساهم في إسقاط النظام حينها.

غير أن تطورات القضية السورية في العام الماضي، وخاصة لجهة تمدد قوى التطرف والإرهاب ممثلة بـ«داعش» وأخواتها، وتحالفها الضمني والظاهر مع نظام الأسد المستمر في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير بلادهم، عززت فكرة التغيير في الموقف الأميركي والغربي من الوضع السوري، ولا سيما بعد ما حدث من فورة «داعش» وأخواتها في العراق وسوريا، وظهر الرأي القائل بأن الولايات المتحدة، تسير نحو تأثير أكبر في القضية السورية، وإن يكن من بوابة الحرب على الإرهاب الذي وإن كان موجها ضد «داعش» فإنه سيصيب إرهاب نظام الأسد أيضا.

وتتعزز حيثيات هذا الرأي في توجهات أميركية جرى الإعلان عنها، بدأت مع هجمات على «داعش» في العراق، أعقبها الإعلان عن خطوات عميقة في سوريا، منها عمليات رصد وتجسس في الأجواء، وقيام البيت الأبيض بدفع وزير الخارجية الأميركي إلى المنطقة لإقامة تحالف ضد الإرهاب الذي يشكل «داعش» ونظام الأسد أبرز أقطابه، وهذه بعض المؤشرات فحسب.

ومما يشكل إضافة إلى الحيثيات السابقة، وقائع تحيط بالتحركات الأميركية، لعل الأبرز فيها مرتبط مباشرة بالرئيس الأميركي، وقيامه فيها بدور مركزي ومباشر، فيما كانت التحركات السابقة تتم في الغالب عبر فريق الرئيس، وهناك فارق نوعي معروف بالحالتين، وثمة جانب آخر فيما يتصل مباشرة بسياسة الرئيس أوباما الذي رسم سياسته في السابق استنادا لفكرتي: الاهتمام بالموضوعات الداخلية أساسا، والابتعاد عن الانخراط في تدخلات وصراعات عسكرية والسعي لتصفية وإنهاء بعضها، ودخول الرئيس على هذا الخط قد لا يعني تحولا في سياسة البيت الأبيض عما كان مطبقا في السنوات الماضية، بل على الأقل مقاربة لسياسة أخرى، يرى الرئيس وفريقه أنها تطرح نفسها بقوة في مواجهة الإرهاب الذي وضعه الأميركيون في مقدمة اهتماماتهم منذ أحداث سبتمبر (أيلول).

والنقطة الثانية تتصل بالبيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالقضية السورية، والتي كثيرا ما شجعت واشنطن على التدخل لمعالجة الوضع السوري بالأشكال المختلفة، وصولا إلى تأييد واحتمال مشاركة بعضها في عمل عسكري مباشر، لكنها غالبا ما تراجعت نتيجة مواقف واشنطن على نحو ما حصل في موضوع ملف الأسد الكيماوي عام 2013، وقد سارعت قوى رئيسة إلى تأييد خطوات واشنطن الأخيرة بحماس كبير، والمؤكد أن بعض الأطراف سوف تتفاعل بصورة إيجابية مع فكرة التحالف الذي سيبحث فيه وزير الخارجية الأميركي في المنطقة، وله في الواقع تجسيدات لوجيستية قائمة منذ سنوات طويلة.

أما النقطة الثالثة، فتتصل بالوضع السوري في أمرين منه؛ أولهما معارضة واشنطن وحلفائها أي مشاركة لنظام الأسد في موضوع محاربة التطرف والإرهاب، مما يعني رفض محاولة النظام تسويق نفسه في هذا المجال، بل إن تأكيدات أميركية وغربية واضحة أعادت توصيف نظام الأسد بوصفه نظاما إرهابيا «يقتل شعبه»، وهو ما ترافق مع إشارات إلى المعارضة السورية التي انخرطت عمليا في مواجهات مباشرة سياسية وعسكرية ضد «داعش» وعدد من أخواتها، وزاد على هذه الإشارات أحاديث عن تسليح للمعارضة السورية، مما يدعم جهودا مستمرة ولو كانت محدودة في هذا الجانب.

وإذا كانت النظرة العامة تؤكد أن سياسة واشنطن والسياسة الدولية عموما بصدد تغييرات في تعاملها مع القضية السورية ولو من بوابة الحرب على إرهاب «داعش»، فإن الأمر بحاجة إلى تأكيدات عملية، وهذا ما يفترض أن تبينه الأسابيع القليلة المقبلة؛ لأن واشنطن عودت العالم في سنوات الأزمة السورية، ألا ينظر إلى الأقوال، إنما إلى الأفعال فقط، وعندها فقط يمكن القول إن مواقف واشنطن تغيرت.

++++++++++++++++++++++++

الرمال السورية المتحركة .. حسين العودات

البيان

الاحد 31-8-2014

    من صفات الرمال المتحركة أن من »يعلق« بها أو يضع قدميه في أطرافها لا تلبث أن تبتلعه شيئاً فشيئاً، ويغوص أكثر فأكثر كلما زاد من حراكه، فمحاولات المنكوب بها للخروج منها وتحركه وجهوده، تزيده تورطاً وتدخله إلى جوف هذه الرمال. ويبدو أن الأزمة السورية أصبحت رمالاً متحركة، وأخذت تغرق كل من يلامسها، وتبتلعه كلما تحرك أكثر، وهذا ينطبق على النظام السياسي السوري وعلى المعارضة السورية والدول والتجمعات الأخرى. وعندما بدأت السلطة السورية، في بداية الانتفاضة، تستخدم العنف وتمارس القتل والتدمير بلا مسؤولية، فإنها وضعت قدميها في الرمال المتحركة وأخذت تغرق شيئاً فشيئاً، فيزيد عنفها وتدميرها على أمل أن تتجنب الاختناق، إلا أن هذه الممارسات كانت تقودها إلى مآزق عديدة جديدة، تكبر وتستفحل مع حراكها العشوائي.

ولم يحسب النظام أن تجاهله لآلية الرمال المتحركة هذه سيودي به (وبالبلاد والعباد)، وسيُدمر معظم ما بناه الشعب السوري خلال عشرات السنين، ناهيك عن القتلى والجرحى والمعتقلين والمشردين في أصقاع العالم.. لقد أدت غفلة السلطة السورية عن رؤية ما بعد الخطوة الأولى، إلى دخول الرمال المتحركة والتسبب في كوارث هائلة، وها هي الآن غارقة في هذه الرمال وأغرقت معها البلد والشعب، وكان خيرا لها إما أن تبتعد عن الرمال المتحركة بتجنب الأوهام والرؤى الخاطئة، أو تستجيب لمطالب الناس وتحترم حقوقهم وكرامتهم. والمفارقة هي أن هذه السلطة، رغم غرقها المتزايد، لم تزل حتى الآن لا ترى أبعد من أنفها، ولا تصدق أنها تغرق!

ولا يختلف حال المعارضة السورية المسلحة كثيراً عن حال النظام، فهي بدورها تسير بلا هدى، ولا تملك إلا أن تتحرك كيفما كان، وهذا يجرها أكثر فأكثر إلى الغرق أيضاً في الرمال المتحركة، فهي لا تعرف أهدافها بوضوح حتى غدت المناوشات والحروب الجزئية والمحلية هي الهدف، وتقطعت أوصالها فلم يعد من رابط تنظيمي يربط أطرافها، وبالتالي فهي تفتقر للمركزية في التخطيط وفي القيادة، كما انقطعت صلاتها بالمعارضة السياسية، وغدت تماماً مثل ذاك الذي وضع قدمه في الرمال المتحركة.

أما المعارضة السياسية فبدورها ضاقت زاوية رؤيتها حتى أصبحت بالكاد ترى، ولذلك غاصت في هذه الرمال، من خلال فقدان الرؤية الاستراتيجية ووحدة الصف، وعدم فهم السياسة الإقليمية والدولية، وأشغلت نفسها بالاجتماعات التي لا جدوى منها، والتصريحات والمناكفات بين أطرافها، والتسابق إلى إرضاء الممولين، وصار كل فصيل منها يعمل ليعترف به الآخرون خارج الحدود على أنه ممثل الشعب السوري، وأحياناً لا يقبل بأقل من الممثل الشرعي والوحيد، مع أن بعض أعضائه لم يزر سوريا منذ عقد ولم يتواصل مع فصائل المعارضة الأخرى، أو مع الناس ومع المنتفضين. وهكذا بعد أن بدأت هذه الفصائل كفصائل واعدة، بلعتها الرمال المتحركة وصار همها إنقاذ نفسها من الموت لا إنقاذ الوطن والشعب، وكلما تحركت أكثر غاصت أكثر في الرمال.

أما الدول الخارجية، وخاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة، فلم تحسب حساباً بدورها للرمال المتحركة، وسمعت منذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية الرأي الإسرائيلي القائل بعدم استعجال المساعدة على إطفاء الحريق السوري، لأن المصلحة (الإسرائيلية والغربية) تقتضي أن يُترك السوريون ليدمروا بلدهم، وهذه فرصة لن تعوض للتخلص منهم، وفي ضوئها تقاعس الأميركيون والأوروبيون عن العمل الجاد لخنق الأزمة في مهدها، وتبنوا مواقف مواربة من شأنها الظهور بأنهم يعملون لحل الأزمة دون أن يحلوها، وما زالت مواقفهم كذلك، حتى خطفتهم بدورهم الرمال المتحركة، وسيطر المتطرفون والإرهابيون على الأرض وأقاموا دولة، وشعر الأوروبيون والأميركيون هذه المرة بالمخاطر والأخطاء الجسيمة، ولكن بعد فوات الفرصة وغرقهم في الرمال.

وحتى السياسة الروسية التي ناصبت الشعب السوري العداء، وهددت باستخدام الفيتو ضد إدخال المساعدات إلى المدنيين السوريين، تجرعت كأس العلقم في إرسال مساعداتها إلى الروس الأوكرانيين، ولا شك أنها الآن تحسب حساباً لجحافل الإرهاب التي لم يعد يفصلها عن القوقاز (الروسي) سوى قفزة، إذا حصلت يدرك أساطين السياسة الروسية عندها أي خطأ ارتكبوه بسبب المماطلة في حل الأزمة السورية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

++++++++++++++++++++++++

الأسد يعرض خدماته.. هل ينقذه أوباما؟ .. سعد كيوان

العربي الجديد

السبت 30-8-2014

ماذا يجري بين نظام بشار الأسد والإدارة الأميركية، وهل سنشهد انتقالاً من "على الأسد أن يرحل"، الذي طالما ردده باراك أوباما منذ الأشهر الأولى من اندلاع انتفاضة الشعب السوري ضد الأسد، إلى "التعاون ضد "دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام - داعش"، بذريعة مكافحة الإرهاب، بعد أن كانت المنطقة على مسافة ساعات، في صيف العام الماضي، من بدء الهجوم الأميركي الكاسح على جيش النظام وترسانته العسكرية، إثر استعمال الأسد السلاح الكيماوي ضد المدنيين؟

خرج وزير خارجية الأسد، وليد المعلم، وهو لا يظهر عادة على الإعلام إلا في المناسبات "المهمة"، عارضاً على الولايات المتحدة، بوضوح وصراحة، خدمات نظامه، للتعاون في مجال "مكافحة منابع الإرهاب وتجفيفها"، ومؤكداً أن لا مانع من أن تقصف واشنطن مواقع "داعش" في سورية، كما تفعل ضده في العراق، ولكن عليها أن "تتعاون وتنسق معنا لكي تنجح العملية". وقد بدا المؤتمر الصحافي مبرمجاً، وكل أسئلة الصحافيين، ومعظمهم من وسائل إعلامية تابعة للنظام، موجهة في اتجاه إظهار استعداد النظام السوري لـ"التعاون" (كررها المعلم أكثر من عشرين مرة!) "في مواجهة خطر الإرهاب" الذي يمثله "داعش" و"النصرة"، مستندا إلى قرار مجلس الأمن 2170 الذي أقر بإجماع الأعضاء.

وأظهر وليد المعلم كل إيجابية، واستعمل أكثر التعابير دبلوماسية ولطافة تجاه الولايات المتحدة، ولم ينطق أي كلمة انتقاد أو ملامة ضد السياسة الأميركية، غير أنه حمل بشدة على دول الجوار، وتحديداً تركيا التي تدعم برأيه وتُؤوي الإرهاب وتسلح الإرهابيين، وكذلك على دولة قطر. ولا شك في أنها خطوة ذكية من النظام الذي يحاول استغلال فرصةٍ، تشكُل إجماعاً إقليمياً ودولياً لمواجهة زحف "داعش" في العراق وسورية، والمجازر الوحشية التي يرتكبها، والمدن التي يسيطر عليها في البلدين وما بينهما.

"هل نسي أوباما كم مرة طالب الأسد بالتنحي، خلال عامي 2011 و2012، واتهمه بارتكاب المجازر ضد السوريين؟

"

إنها محاولة من النظام لإعادة تعويم نفسه، والانخراط في هذه المعركة، بهدف تبرئة ساحته من الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها كل يوم ضد شعبه، جرياً على عادته، كما يفعل منذ نحو خمسين سنة، أي منذ أن سيطر حزب البعث على السلطة في سورية، بدءاً من تدخله في لبنان، ثم بالقضية الفلسطينية والفلسطينيين، ومحاولة فرض وصايته على منظمة التحرير، وانتهاءً بالعراق عبر تصدير الإرهاب والإرهابيين الذين يدّعي اليوم محاربتهم!

وإذا كانت هذه نوايا بشار الأسد وخططه، فما هي نوايا أوباما الذي جعل من قضية حقوق الإنسان شعاراً لولايتيه، الأولى والثانية، وعن حق الشعوب بالحرية وحقوق الأقليات، وهل مكافحة "داعش" والإرهاب في وسعها أن تنسي أوباما (أو تبرر؟)، ومعه الغرب، المجازر التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه، والبراميل المتفجرة التي يلقيها بالأطنان على المدن السورية؟ وهل نسي أوباما كم مرة طالب الأسد بالتنحي، خلال عامي 2011 و2012، واتهمه بارتكاب المجازر ضد السوريين؟ وهل يعتقد أوباما أن في وسعه أن ينسي العالم أنه كان قد أعلن في نهاية أغسطس/آب 2013 عن بدء الهجوم على سورية، بعدما أكدت المعلومات وتقارير الخبراء أن الأسد استعمل فعلاً السلاح الكيماوي في الغوطتين الشرقية والغربية، وأوقع مئات وربما آلاف الضحايا. ثم عاد وتراجع عن قراره إثر وساطة روسية، مستعيضاً عنه بتسليم السلاح الكيماوي وتدميره؟

وكيف يمكن للأسد أن يكون حليفاً لأوباما في معركة التصدي للإرهاب، وهو من صنّاعه بامتياز، بدءا بمعركة مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان، بعد أن أطلق سراح المدعو شاكر العبسي (فلسطيني) وأرسله إلى شمال لبنان، تحت اسم تنظيم "فتح الإسلام" (الإسلام جاهز دائماً للاستعمال!)، في يونيو/حزيران 2007، ليخوض معركته ضد الجيش اللبناني؟

وهل يجهل الرئيس أوباما أن معظم قياديي تنظيم "داعش" ومنظريه المؤسسين كانوا معتقلين في السجون السورية، بتهمة التطرف وإنشاء تنظيمات إسلامية وأصولية؟ وكيف نما "داعش" وترعرع، تحت جناح النظام الذي لم يتعرض له جيشه طوال السنتين الماضيتين، تاركا له إمكانية السيطرة على أكثر من منطقة سورية، بدءا بالرقة التي انسحبت منها كتائب الأسد فور تقدم "داعش" نحوها؟ ولو أن التجارب تثبت أن "الوحش" الذي تصنعه غالباً ما ينقلب عليك.

وأمام كل هذه الحقائق والمعطيات، يصبح، بالتالي، مشروعاً التساؤل: لماذا كل هذا التراجع من الإدارة الأميركية تجاه النظام السوري، والتردد في اتخاذ أي قرار حاسم، من أجل وضع حد لمعاناة الشعب السوري؟ وهل تعني الحرب المزمعة، أو المفترضة، ضد الإرهاب تبرئة الجلاد وإشراكه في مكافحة ما صنعته يداه؟

++++++++++++++++++++++++

عاصفة تدفن الإرهاب والديكتاتورية في حفرة واحدة! .. راجح الخوري

الشرق الاوسط

السبت 30-8-2014

انهمرت دماء الصحافي الأميركي جيمس فولي على البيت الأبيض مثل صاعقة، بعدما كانت إدارة باراك أوباما قد تعامت ثلاثة أعوام ونيفا عن المذابح والفظاعات الدموية، التي لم تشكّل بيئة حاضنة للإرهاب فحسب، بل استقطبت آلاف الإرهابيين من العالم للقتال في سوريا، ولم يكن هذا خافيا على أجهزة الاستخبارات الغربية التي تعرف بالتحديد عدد رعاياها الذين استجلبتهم رائحة الدماء!

لقد بدا التعامي عن سقوط مائتي ألف قتيل وعن استعمال الأسلحة الكيماوية، وكأنه نوع من الرضا ما دامت سوريا قد تحوّلت مصيدة جيدة تساعد الأميركيين والروس وغيرهم للخلاص من الإرهابيين، الذين أعلنت وزارة الخارجية الأميركية قبل ثلاثة أشهر أن عددهم 12 ألفا بينهم 100 أميركي.

فجأة استيقظت واشنطن والعواصم الغربية على كابوس «داعش» الأبوكاليبسي، التي كانت قاتلت المعارضة إلى جانب النظام وذبحت وقطعت الأعناق في أمكنة كثيرة كالرقة والحسكة ودير الزور، بعد الانهيار المفاجئ والملتبس للجيش العراقي الذي وضع نقاط الداعشية على حروف الاستكانة الأميركية والغربية.

قبل أن يكتب ديفيد كاميرون: «كافحوا الآيديولوجيات السامة الآن أو واجهوا الإرهاب في شوارع بريطانيا». كانت المقاتلات الأميركية قد بدأت قصف مواقع «داعش» عند تخوم أربيل حيث المصالح والاستثمارات الأميركية الكبيرة، ومع سيطرة الإرهابيين على سد الموصل تصاعدت العمليات خوفا من تدمير السد الذي يمكن أن يغرق المدن وصولا إلى بغداد.

رغم سيطرة «داعش» على مساحة مائة ألف كيلومتر من الموصل إلى الرقة، بما فيها آبار للنفط وأسلحة أميركية حديثة كانت مع الجيش العراقي، لم يكن الحديث يتجاوز الدعوة إلى تسليح الأكراد والاعتماد على البيشمركة في شمال العراق، والقبائل السنّية في الأنبار، في معزل عن التنسيق مع بغداد، ثم جاء جو بايدن يدعو صراحة إلى كونفدرالية عراقية، ليؤكد أن واشنطن تراهن على دومينو لتقسيم المنطقة يبدأ من العراق!

وعشية جريمة ذبح فولي أجمعت التحليلات على أن الرهان الأميركي الصهيوني يقوم على إشعال الفتنة المذهبية بين المسلمين بما يفتح سوقا مزدهرة للسلاح والنفط، ولم يكن هناك تصوّر أن وحش الإرهاب يمكن أن يكون عابرا للقارات رغم ارتفاع المخاوف في العواصم الغربية من عودة رعاياها من سوريا لتنفيذ عمليات في بلادهم.

أكثر من هذا، كانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت عن رئيس موظفي البيت الأبيض دينيس ماكدونو المقرّب من باراك أوباما في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تساؤله عن مصلحة أميركا في وقف العنف في سوريا لأنه «يمكن أن يبقي إيران منشغلة لسنوات، ثم إن القتال بين (حزب الله) و(القاعدة) قد يكون في مصلحة الولايات المتحدة».

ذبح فولي قطع حبل التعامي في البيت الأبيض، الذي ابتلع كل الاتهامات التي ساقتها هيلاري كلينتون وجون ماكين إلى أوباما لأنه ترك فراغا في سوريا ملأه الإرهابيون، وأن عدم المساعدة في بناء جيش معتمد من الذين كانوا وراء المظاهرات المعارضة للنظام السوري، حيث كان هناك علمانيون وإسلاميون وكل ما بين الاثنين خلق فراغا سارع الإرهابيون إلى ملئه.

صاعقة دماء فولي ضربت جميع المتعامين عن 200 ألف قتيل في سوريا، وفجأة أصبحت «داعش» التي تتغول منذ عام ونيف في سوريا ثم العراق، تمثّل في نظر أوباما «سرطان الدولة الإسلامية التي يجب القضاء عليها، ونحن سنذهب بعيدا، فأميركا لا تنسى ونحن صبورون والعدالة ستأخذ مجراها»، واستيقظ الجنرال مارتن ديمبسي الذي طالما عارض التدخل في سوريا على أن القضاء على «داعش» يفرض ضربها في سوريا أيضا.

الآن تعمل أميركا على خطين؛ خط جوي يتمثّل بقصف مواقع «داعش» في العراق وتحضير بنك للأهداف الداعشية في سوريا. وخط ميداني يتمثّل بالسعي إلى ترتيب تحالف يقوم بمهاجمة «داعش» على الأرض كما تفعل البيشمركة، وأمام هذا سارع النظام السوري إلى محاولة تعويم نفسه، فأعلن وليد المعلم عن الاستعداد للتعاون مع أميركا وبريطانيا وحتى مع الشيطان لمحاربة «داعش» رغم أنها ولدت نتيجة المذابح التي ارتكبها!

المقاتلات الأميركية بدأت منذ أسبوع طلعاتها فوق الأجواء السورية، وقيل إنها قصفت أرتال «داعش» في دير الزور والرقة والحسكة، وهكذا أثار كلام المعلم السخرية بقوله إن دمشق ستعتبر أي هجوم غير منسق معها عدوانا، ورغم كل هذا حاول النظام يوم الثلاثاء الإيحاء بأن أميركا بدأت التنسيق معه من خلال تزويده بلوائح أهداف مراكز «داعش» على الأراضي السورية، وأن الغارات المكثّفة التي شنّها على محافظة دير الزور اعتمدت على خريطة الأهداف التي تسلمتها دمشق من الأميركيين عبر روسيا والعراق، لكن الإدارة الأميركية ردّت بسرعة، فأعلن المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست أنه ليس هناك أي خطط للتنسيق أو التعاون مع النظام السوري في محاربة «داعش».

ردا على محاولة النظام السوري تعويم نفسه والإعلان عن استعداده للتعاون مع أميركا، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس لصحيفة «الفيغارو» إنه «من غير الأخلاقي أن نعرض على الشعوب الخيار بين الديكتاتورية والإرهاب، أي المفاضلة بين نظام بشار الأسد ودولة أبو بكر البغدادي»، وأوضح أنه عندما دعونا إلى مؤتمر جنيف لم يكن في سوريا وجود لا لـ«حزب الله» ولا للإرهابيين، وقد دعمنا المعارضة المعتدلة كما أوضحت هيلاري كلينتون في مذكراتها، ولكن بعد ستة أشهر انتشر الإرهابيون، وعندما كنا في أغسطس (آب) 2013 جاهزين للتحرك بعدما استعمل النظام السلاح الكيماوي لم يحصل التدخل، لا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء، ويجب أن نتذكر أن بشار الأسد ساهم في انتشار الإرهابيين عندما أخرجهم من السجون.

إن لم يكن أوباما قرأ تصريح فابيوس فعليه على الأقل أن يقرأ تقرير لجنة التحقيق الدولية، التي كلّفها مجلس حقوق الإنسان منذ آب 2011 كشف الجرائم في سوريا، وفيه أن «داعش» ترتكب إعدامات تساوي جرائم حرب، لكن النظام ارتكب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ومنها مثلا استعماله السلاح الكيماوي ثماني مرات في عشرة أيام خلال أبريل (نيسان) الماضي.

ومن الضروري أن يعمل أوباما بنصيحة الجنرال المتقاعد ديفيد ديتبولا، الذي شارك في اجتياح أفغانستان عام 2001 والتي تقول: «يجب القيام بحملة قصف مكثّفة، فاستخدام القوة الجوية يجب أن يكون أشبه بعاصفة وليس برذاذ مطر، وعلى مدى أربع وعشرين ساعة طيلة أيام الأسبوع» عندها يسقط الإرهاب والديكتاتورية في حفرة واحدة!

++++++++++++++++++++++++

سوريا..هل باتت «أم الكوارث»؟ .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

السبت 30-8-2014

طلع علينا المركز السوري للبحوث منذ أيام معلناً أن ثمة نتائج لدراسات قام بها على الصعيد السوري، وتتعلق بالقطاعات الثلاثة التالية: التعليم المدرسي والبطالة والفقر، فقد جاءت هذه النتائج مدوية مخدرة ومنذرة. لقد أتت تحمل علائم إنذار بانهيار شامل قد يكون الأول من نوعه في القرن، وتحديداً في مرحلتي ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. أتت الحقول الثلاثة المذكورة لتطرح أمام الجميع وعليهم سؤالاً عاصفاً، إنه السؤال من الطراز الذي يجعلك قاب قوسين أو أدنى من «تسونامي» جديد يعرّيك عن الفضائل التي تضعك في عالم العقل والحرية والعمل، أي في عالم الإنسان العاقل والحر والعامل، حيث الطفولة تعيش ذاتها في المدرسة عاقلة وحرة وعاملة، لقد أطيح في الحرب السورية الوحشية بثلاثة أرباع الناتج المحلي حسب مراكز الدراسات والبحوث، ناهيك عن تفكيك وتصديع شطر من تجسيدات التاريخ والتراث السوري كما تتجلى في اللغة والثقافة والعمارة والكنائس والمساجد والاقتصاد والمستشفيات والمدارس والملاعب!

في العصور القديمة نشأت تعبيرات عميقة المعاني والدلالات للأحداث التي كانت تحل بالبشر، خصوصاً أثناء الأزمات والحروب الفتاكة والاجتياحات الكونية، التي تنذر بتدمير الكون والكائنات، وهذا ما نضع يدنا عليه في الأساطير، التي أرّخت بطريقة مذهلة من الرسوم والإشارات ثم من الكتابات التي ظهرت مثلاً، في أساطير جرى البحث فيها بتدقيقها تاريخياً ولغوياً والبحث أيضاً في مضمونها وغيره، وأمامنا النموذج الكبير والمهم على صعيد مثل هذه الدراسات.

لقد برزت «أسطورة جلجامش» نموذجاً دقيقاً وفذاً على هذا الصعيد.

أما هذه الأسطورة فكان منشأها في وادي الرافدين، الذي حفل بحضور كثيف من التاريخ العراقي، ونود الآن أن ننقل شاهداً كلمة من هذه الأسطورة النموذجية للإشارة إلى أحداث كبرى حدثت في حينه، أي بوصفه تعبيراً عن القسوة والعنف والوحشية.

لقد جاء الحديث هنا عن صراعات بين الغزاة والمجموعات أو الشعوب التي حققت استقراراً أو بعض استقرار في أراضي ما بين النهرين، والملفت في ذلك أن الغزاة المهاجمين كانوا قد اكتسبوا تعبيراً لغوياً تمثَّل بـ «العاصفة» وذلك من قبل المجموعات والشعوب المستقرة والتي وجدت نفسها في مرات وأخرى تحت رحمة الهجمات التي جاءت بها من القوى الغازية، فكانت كلمة «العاصفة» بمثابة تعبير منذر ومُرعب لمثل تلك الهجمات الطامحة إلى تدمير كل ما تجده أمامها، أو للانتصار عليها من قبل الثابتين بدرجة أو بأخرى على الأرض التي يعيشون عليها. في تلك الحال، كانت التجارة والحروب والمثاقفة وسائل كبرى لتطرف بعضها على بعض سلباً أو إيجاباً.

إن الكارثة التي كانت تحل بين تلك الشعوب تعتبر عاصفة تعصف بالأخضر واليابس، وتقضي على الزرع والضرع. وقد تجلى ذلك كثيراً في التاريخ الطبيعي والاجتماعي السياسي والحربي ولما كان الأمر يحمل وجهين في حالتين أو مرحلتين اثنتين، فإننا نجد أنفسنا أمام «عاصفة» جديدة لعلها الأكثر شراسة وقسوة في سوريا التاريخ، نعني ما حدث منذ سنة في سوريا وأرّخ له مؤرخون في التاريخ العربي، أي تاريخ الضربة العسكرية الكيماوية للغوطتين الشرقية والغربية قبل عام، وفي مثل هذه الأيام. لقد كانت حصيلة هذه «العاصفة» الأخيرة ما يصل إلى 1500 ضحية من الصغار والكبار والنساء والرجال.

ولقد أصبنا يذعْر لا اسم له، حين علمنا بما حدث في سوريا، أم الحضارات والتعايش بين الطُّرز المتعددة من الثقافات والأديان والطوائف وغيره. هل كان ثمة من الأسباب والعوامل ما أفضى إلى تلك النتائج؟ لا نعتقد ذلك، ولا نريد أن نعتقد ذلك، حتى لو وُجدت أسباب وعوامل له، فهذه الأخيرة - في هذه الأحوال - ستكون قد جُلبت من حقل أو من حقول أخرى، لتتوافق مع الرغبات المؤلمة في تفكيك التاريخ السوري. أي قول ما الذي تبقى من مصائر سوريا الكارثية؟ وهنا نعلن أننا لا نقبل بالقول أي قول - سواء كان تهمة من فريق ضد فريق، أو تلفيقاً وضعه جناح ضد جناح. إن التاريخ لن يُفلت منه، لن تكون هنالك احتمالات للإفلات، كائناً ما كان الأمر.

نعم، لم يعد هنالك إمكانات لإعادة أطفال سوريين إلى مقاعد التعلم، لأنهم يكونون قد صاروا سلالاً يضع فيها الآخرون آمالاً دون أرض تُنضج الحياة. لكن هذا حين يحين قطافه، يكون الرضيع قد أصبح عملاقاً. ويحين وقت دورة كونية يجلس فيها المعلم مكان الرضيع، ويصبح قيد المسائلة التي تتماهى فيها الأسئلة والأجوبة، وفق الموت حقاً والحياة حقاً والمستقبل حقاً! هكذا، هو ما لا يذهب سدى ودون مساءلة.

ــ ـ ــ

أستاذ الفلسفة جامعة دمشق

++++++++++++++++++++++++

النظام السوري يتوسل التحالف مع شياطين المؤامرة الكونية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 30-8-2014

ما أن خرج الشاب السوري الأعزل إلى الشوارع للمطالبة بقليل من أوكسجين الحرية والكرامة الذي حرم النظام السوريين منه لحوالي نصف قرن من الزمان، حتى راح الإعلام الرسمي يصرخ بأعلى صوته: «مؤامرة، مؤامرة» كعادته، لكنه كي يجعل من الكذبة أكثر تأثيراً وإرهاباً للشعب السوري، أضاف إلى «المؤامرة» صفة «الكونية»، فأصبح النظام فجأة يواجه «مؤامرة كونية» يشارك فيها مئات الدول، وربما كائنات من كواكب أخرى، خاصة وأن «الكون» يحتوي كل الكواكب بما فيها «الأرض». لكن القائد لم يتغير، فقد ظل المتهم بالتآمر على النظام هي أمريكا الامبريالية وربيبتها الصهيونية، بالإضافة طبعاً إلى بعض الدوائر الأوروبية الدائرة في الفلك الصهيوني.

لقد استخدم النظام على مدى أكثر من ثلاث سنوات، كل أنواع الإجرام، بما فيه السلاح الكيماوي ضد الشعب بحجة مواجهة «المؤامرة الكونية». لم يترك وسيلة قذرة إلا واستخدمها تحت شعار التصدي للمؤامرة. اغتصب النساء، واعتدى على ممتلكات كل من فتح فمه في وجه فاشية النظام. ناهيك طبعاً عن تسوية أكثر من نصف سوريا بالأرض بحجة محاربة المتآمرين. وحدث ولا حرج عن تهجير أكثر من نصف السوريين داخلياً وخارجياً، وتحويل النصف الآخر إلى فقراء وعاطلين عن العمل، حسب إحصائيات النظام نفسه. كل ذلك بحجة وقف «المؤامرة الكونية».

ولو افترضنا أن كل الدمار الذي لحق بسوريا والسوريين بحجة التصدي للمؤامرة الكونية لا يحرك شعرة في نظام الأسد على اعتبار أن الملايين التي خرجت ضده عبارة عن ثلة من العملاء والخونة، كما وصفهم رأس النظام في خطاب القسم، وبالتالي فهم يستحقون ما نزل بهم من عقاب، فكيف سيشرح النظام لمؤيديه الآن نسيانه وتخليه فجأة عن «المؤامرة الكونية» ومطالبته أو لنقل توسله على لسان وزير خارجيته وليد المعلم التعاون مع أمريكا والغرب عموماً لمواجهة الإرهاب؟ ماذا سيقول لذوي أكثر من مائة وخمسين ألف عسكري سوري نظامي قضوا في ساحات التصدي لـ»لمؤامرة الكونية»؟ ماذا سيقول لأبناء طائفته الذين خسروا أكثر من مائتي ألف ضحية بحجة مواجهة «المؤامرة الكونية»؟ ألم يقدم هؤلاء الغالي والنفيس في سبيل هزيمة «المتآمرين» على سوريا من أمريكان وأوروبيين وصهاينة؟ فكيف يأتي النظام على حين غرة، ويعيد اوروبا إلى الوجود بعد أن كان وليد المعلم قد مسحها من الخارطة في الأشهر الأولى للثورة بعد أن فرضت عليه عقوبات بسبب همجيته مع الشعب السوري؟ ماذا يقول النظام لحليفه حسن نصرالله الذي لا يلقي خطاباً إلا ويذكرنا بأن حزبه لا يمكن أن يكون في مكان فيه أمريكا. فكيف يقبل بأن يكون شريكه الأسد في نفس الفراش مع أمريكا لمكافحة الإرهاب؟ هل قدم حزب الله كل تلك التضحيات في سوريا كي يأتي وليد المعلم ليقول: «مرحباً بأمريكا وبريطانيا مدبرتي «المؤامرة الكونية» على حلف الممانعة والمقاومة؟

ألم يتهم الإعلام السوري منذ اللحظات الأولى الغرب وأزلامه في المنطقة بالتآمر لتدمير سوريا وتخريبها وحرفها عن مسارها المقاوم؟ ألم يملأ حلفاء النظام في لبنان والأردن والعراق وأبواقه الإعلامية، ألم يملأوا الدنيا ضجيجاً وهم يهاجمون الامبريالية والصهيونية المتآمرتين على قائد حلف المقاومة والممانعة في المنطقة؟ ألم نسمع في الإعلام السوري وإعلام «الممانعة» كلمة «الصهيونية» مئات المرات يومياً في معرض الهجوم على «المؤامرة الكونية» التي تتعرض لها «سوريا الأسد»؟

كيف غفر النظام فجأة لهؤلاء المتآمرين، وعلى رأسهم طبعاً أمريكا والصهيونية غلطتهم التاريخية بالتآمر على سوريا؟ ألم يبد وزير الخارجية السوري في مؤتمره الصحافي الأخير وهو يستجدي «المتآمرين» للتعاون معه لمواجهة ما يُسمى «الإرهاب»؟ أليس الذين تآمروا على سوريا يجب أن يدفعوا ثمن مؤامراتهم الكونية التي أعادت سوريا خمسين عاماً إلى الوراء ودمرت بنيه التحتية ونسيجه الوطني، ودفعت الملايين من شعبه خارج منازلهم؟ هل يعقل أن هذه الجرائم التاريخية الكبرى بحق الشعب السوري التي ارتكبها مدبرو «المؤامرة الكونية» ستذهب دون عقاب، لا بل إن النظام بات يستجدي المتآمرين من أجل الصلح والوفاق؟ والبعض يتحدث عن أن النظام مستعد أن يقدم تنازلات «تاريخية» تحت الطاولة كي يقبل به أصحاب «المؤامرة الكونية» شريكاً.

وليد المعلم أطلق بالأمس النار رسمياً على «المؤامرة الكونية» التي تبين انها كذبة كبرى استغلها النظام وتعلل بها للقضاء على الثورة، بدليل انه توسل الى الذين اتهمهم بإدارة المؤامرة كي يقبلوه حليفا في مكافحة الارهاب. لقد سقطت كل مقولات النظام عن المؤامرة الخارجية عليه، واتهاماته الغرب وأمريكا بدعم القاعدة والإرهاب في سوريا، سقطت باستجدائه التعاون مع الغرب وأمريكا لضرب الإرهاب.

ألم يصدع النظام وحلفاؤه رؤوسنا منذ سنوات بأن الجماعات الإرهابية، وخاصة «داعش» هي صناعة أمريكية هدفها تدمير سوريا؟ فكيف يتنطع الآن لعرض خدماته على الأمريكان لمواجهة «داعش» التي يعتبرها حليفة الأمريكان؟ ألا يخجل وزير خارجية النظام عندما يعرض على الامريكان غزو سوريا بحجة محاربة الإرهاب؟ ألم ينتقل حلف الممانعة من الاحتفاظ بحق الرد الى طلب تدخل قوات على الارض؟ ألم يقل وليد المعلم حرفياً:» ضربات جوية أمريكية لسوريا لا تكفي وحدها». ألا يعني ذلك ضمناً دعوة لشياطين «المؤامرة الكونية» أن يغزوا سوريا براً؟

لقد لخص أحد رسامي الكاريكاتير تخبط النظام السوري ونفاقه وكذبه وضياعه بتعليق على صورة لوزير الخارجية السوري وليد المعلم والرئيس الأمريكي أوباما. يقول المعلم الذي كتب الرسام تحت اسمه «مسيلمة»، يقول لأوباما:

«مستعدون للتعاون مع أمريكا التي تقود المؤامرة الكونية على سوريا للتخلص من داعش التي تحاربنا بأمر أمريكا».

٭ كاتب واعلامي سوري

++++++++++++++++++++++++

الصندوق الأسود للاختفاء القسري في سوريا .. عمار تباب

القدس العربي

السبت 30-8-2014

«في صندوق أسود بعيد عن متناول الجميع، ما زلت أكتنز صور أبنائي، لأحتفظ بتلك اللحظة الموقوفة عند تلك اللقطة، اللقطة التي تهمس لي دائماً بأنهم كانوا هنـــــا، ما زلت أكتنز تلك الصور في قلبي»، بهذه الكلمات تكتب الأمٌ السورية نهاية حكايات وقصص لحياة أبنائها، فقط لأن الجريمة أرادت أن تسرق نهاياتها، ولأن العالم أراد السكوت.

تتشابه الحكايات وتتشابه الأعوام وتتشابه الأيام في عمر الثورة السورية/ التي انطلقت في آذار/مارس 2011، وانطلقت معها عدادات الضحايا في سباقها الشرس لإحصاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، من دون أن تترك مجالاً للأيام أن تفرض نفسها، ولو كانت عالمية الانتشار كاليوم الذي نشهده والذي اختاره العالم يوما لحماية الأشخاص المختفين قسريا.

هذا السباق فقد كلا خطيه الزمنيين الضابطين له في سوريا، فحين غاب خط بدايته مع حقيقة تسلب الجريمة في سوريا يوم تسجل به ولادتها، بقي خط نهايته باهتاً، حاله حال المواقف الدولية من الثورة، التي اختزلت دولياً بمحاربة الارهاب المتمثل بما أصبح يسمى الدولة الاسلامية، حين تم اعلان الخلافة فيها، على الصورة التي كان عليها والتي وضعت الشعب السوري بين ارهابين، ووضعت المجتمع الدولي امام تحالفات جديدة، ربما يكون النظام في دمشق أحد اطرافها. فهذا النظام الذي أكدت التقارير الدولية منها والمحلية، أنه صاحب المسؤولية الكبرى عن الانتهاكات التي تشهدها الخارطة السورية، والتي كان منها جرم الاختفاء القسري، هذه الجريمة المستترة المستمرة التي غابت عن مسرحها عناصر الجريمة من جان ومجنى عليه، ولم يبق في ذلك المسرح سوى الذاكرة التي لا زالت تشهد بأنهم كانوا هنا، وإن إعراب الجرم على أنه جرم مستتر لا ينال من وجوده ولا من الأثر الذي يترتب عليه، حتى إن زالت آثاره الدالة عليه. وعلى الرغم من أن الجريمة ترافقت مع الوجود، وجود الانسانية ذاتها، إلا أن الدعوات إلى القضاء عليها رافقتهما.

وقد شهدت الانسانية تطوراً كبيراً في مجال المطالبة بحقوق الانسان، إلى درجة وصفها بالقانون، وإن غابت مؤيداته في ما خلا الاتفاقية منها، وقد انتهى المطاف بمسيرة المجتمع الدولي في مكافحته لجرم الاختفاء القسري إلى اقرار الاتفاقية الدولية لحماية جميع الاشخاص من الاختفاء القسري عام 2006، بموادها الخمس والاربعين، التي لم تكن كافية لمنع هذه الجريمة عام 2014، وما بينهما.

لقد عرفت اتفاقية الاختفاء القسري بأنها الحرمان من الحرية بأي شكل من الأشكال، على أيدي أجهزة الدولة أو ميليشيات أو أشخاص تابعة لها أو غير تابعة، الأمر الذي يعقبه رفض الاعتراف بهذا الحرمان أو إخفاء مصير المختفين، مما يحرمهم من حماية القانون. لم يكن واقع هذا النص حين اختياره لكلماته واقفاً أمام الوجه الجريح لسورية، ولكن كان أمام معالم متشابهة للجريمة، أياً كان فاعلها وأياً كان مسرحها. أما المسرح الذي اختارت الهيئة الحديث عنه فهو المسرح السوري الذي احتل النظام دور البطولة السلبية فيه، رغم تعدد ممثليه ابتداء بالأسد الأب الذي اختفى في عهده ما يزيد عن سبعة عشر ألف إنسان، خلال أحداث الثمانينات، التي تحدث عنها التقرير مشيراً إلى تقرير سابق بعنوان سنوات الخوف، الذي استُكمل جزؤه الثاني زمانياً بالتقرير الذي صدر عن الهيئة السورية للعدالة الانتقالية، التي تمثل جهازا مستقلاً من أجهزة الحكومة السورية المؤقتة، وقد أطلق على هذا التقرير عنوان الصندوق الاسود، الذي كشف في عهد الأسد الابن عن ما لا يقل عن 53522 حالة اختفاء قسري بين مفقود ومعتقل ومقتول تحت التعذيب، وقد اعتمد التقرير على أعمال التوثيق الجنائي التي تصدر لها العديد من مراكز التوثيق خلال الثورة، ومن خلال تحليل البيانات المتوفرة واسقاطها على النص القانوني والأركان التي يرسمها، تمَّ الوصول إلى الأرقام التي اعتبرتها الهيئة نتيجة لتقريرها والتي وصلت بأعلى تقديراتها إلى اثنين وستين ألفاً وسبعمئة وخمسة وعشرين مفقودا وفق تقديرات مركز توثيق الانتهاكات في سوريا للمفردات المكونة لهذا العدد من معتقلين ومفقودين وشهداء تحت التعذيب، ويمكن بحسب التقرير زيادة العدد بأحد عشر ألف حالة أخرى في ما لو تم احتساب الحالات التي أوردها تقرير سيزار المطروح سابقاً لدى الامم المتحدة، الذي وثق هذا الرقم بخمسة وخمسين ألف صورة أثبتها العالم وأثبت معها عجزه ليجعل أي معادلة تهدف لحساب أعداد الضحايا محكومة بمحصلة وحيدة تساوي الصفر، وتفرض على الحل نتيجة تجعله مستحيلاً في غياب الإرادة لتحقيق هذا الحل.

إلا أننا في حرب الأرقام التي تصبغ الجميع بقسوة مشاعرها لدرجة يتحول فيها الانسان إلى رقم في معادلاتها العقيمة، نشعر بأننا دخلنا في دوامة الجريمة وأصبحنا أحد أطرافها، فعلى الرغم من أن جرم الاختفاء القسري وفق ميثاق روما، الذي يمثل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والنص المقابل له في اتفاقيات جنيف عام 1949، يمثل جريمة ضد الانسانية، سنداً للنهج والعموم الذي تمارس في ظله، إلا أن جريمة ضد الإنسانية مازالت عاجزة عن تحريك الإنسانية التي اختارت السكوت لضرورات سياسية فرضت علينا أن ننسى الإنسان الذي لابد لنا أن نعيد له اعتباره. فبين السياسة والحرب نسينا الإنسان وآن الأوان لنعيد للإنسان اعتباره.

٭ رئيس ملف الاختفاء القسري في هيئة العدالة الانتقالية السورية

++++++++++++++++++++++++

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com