العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07/08/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

اليوم فرعون مصر وغداً نمرود الشام .. محمد فاروق الإمام

اللهم لا شماتة ولكنها عدالة السماء.. فقد شاهد الملايين عبر شاشات الفضائيات العربية والأجنبية فرعون مصر محمد حسني مبارك ملقى على نقالة يدخل قفص الاتهام مع نجليه علاء وجمال ووزير داخليته وأعوانه من ضباط الأمن الذين إلى الأمس القريب تُحاسب الذبابة إذا تجرأت على الطيران قرب مكان إقامتهم، أو تجرأ أحد المارة على الالتفات إلى نوافذ قصر أحدهم.

سبحان الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء إنها قدرة الله التي تحققت على يد شباب ثورة مصر الذين حققوا المستحيل وجعلوا منه سهلاً هيناً تراه العين وتسمعه الأذن وتتحسسه الأيدي.. إنه فرعون مصر بكل خيلائه ومهابته يدخل صاغراً، بلا حرس ولا مرافقين ولا مصفقين ولا مطبلين أو مزمرين، يدخل قفص الاتهام أمام متابعة عدسات التلفاز وأعين المئات من الحضور في سابقة هي الأولى من نوعها، لم تشهدها قاعات المحاكم العربية منذ سنين طويلة، فيوم الأربعاء الثالث من رمضان/تموز 2011 لم يكن يوماً عادياً أبداً فقد تعدى حدود الزمان والمكان والعقل.. إننا في زمان عصر الثورات العربية.

سقط فرعون مصر واقتيد إلى قفص الاتهام صاغراً رغم أنفه محمولاً على نقالة دون سياراته الفارهة وحرسه الشاكي السلاح، فقد تخلى الكل عنه، فلا فراعنة في مصر بعد اليوم، هكذا كان قرار الثوار.. فقد أغلق وإلى الأبد باب سلطان الفراعنة وانتهت أسطورتهم ودخلت سيرتهم صفحات التاريخ والتراث وحكايا الجدات للأطفال.

وكان التاريخ على الدوام يربط حال الشام من حال مصر والعكس صحيح، فكل ما يحدث في مصر يلقى صداه في الشام وهذا ما حدث بالفعل، فهذه الشام من أقصاها إلى أقصاها تثور على نمرودها الأسد الصغير بمظاهرات سلمية حضارية ما عرف التاريخ لها مثيلاً، حيث جوبه هؤلاء المتظاهرون، الذين يرفعون بأيدهم الورود وأغصان الزيتون وتصدح حناجرهم بمفردات الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة، جوبهوا بالرصاص الحي يخترق صدورهم العارية وقاماتهم المنتصبة ورؤوسهم المرفوعة، فنمرود الشام ونظامه لا يريد لأبناء الشعب رؤوساً عالية ولا قامات منتصبة، يريدهم عبيداً منحني الظهور مطأطئي الرؤوس منكسري الهامات.. ولكن هيهات هيهات، فثوار الشام قالوا كلمتهم واتخذوا قرارهم (الله سورية حرية وبس).

وأثبت ثوار الشام تصميماً وتحدياً زعزع كيان نمرود الشام وزلزل الأرض من تحت أقدامه وجعلته حائراً غير متوازن في اتخاذ قراراته، فلم تسعفه كل أفانين الكذب والتضليل والفبركات والقوانين والمراسيم والقرارات، وما يمتلك من وسائل إعلام وأبواق سخرها في تسويق دعاويه بأن المنتفضين حفنة من المندسين والمتآمرين والمخربين والعملاء والخون والمأجورين والسلفيين والإرهابيين، ولم تسعفه جيوش الشبيحة ورجال الأمن ولا فرق الجيش والحوامات، ولا دعم ملالي قم، ولا فرق الموت القادمة من الضاحية الجنوبية، ولا قتل الآلاف ولا تغييب الآلاف ولا تهجير الآلاف فالغضب اتسعت رقعته، فهذه الآلاف تثور متظاهرة لكل جرح ينزف، فالجسد الشامي بات جسداً واحداً يتداعى ملبياً صرخة جريح أو عويل أم أو نحيب ثكلى أو بكاء طفل تصدح حناجرهم (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد).

لا تذهب بعيداً يا فرعون مصر فهذا نمرود الشام على إثرك فتمهل لتصحبه، فلن ينقضي رمضان بعون الله إلا وهو يقف في نفس الموقف الذي تقفه داخل قفص الاتهام، مكبل اليدين ينتظر العدالة لتقول كلمتها فيه وفي أعوانه وشبيحته ومرتزقته وقتلته، فهذا قدر الجبارين والطغاة والمستبدين.. إنها سنة الله في خلقه وهو القائل في الحديث القدسي الشريف: (العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما كسرت ظهره ولا أبالي).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: ننحني احتراماً لصمود شعبها وعظيم تضحياته ..؟؟ .. حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

الإثنين 1 آب 2011

ما جرى ويجري في سوريا من عمليات قتل جماعي وتدمير منهجي للممتلكات على يد قوات السلطة السورية الحاكمة بقوة الحديد والنار منذ أربعة عقود، استدعت استنكار وإدانة كافة الدول والمؤسسات والجمعيات والهيئات والمحافل الدولية والإنسانية لفظاعتها وبشاعتها واستهدافها المواطنين الأبرياء من قبل سلطة يفترض أنها تعمل على حفظ أمنهم ورعاية استقرارهم والاستماع لشكواهم ومعالجة مشاكلهم ولكن يبدو العكس هو الصحيح فهذا النظام يرى في مواطنيه رعايا يعملون في خدمته، ويحق له ساعة يشاء أن يقتل من يريد ويعتقل من يشاء ويعذب من يخالف أوامره ولا ينصاع لإرادته..

نحن لنا كل الثقة في أن الشعب السوري وبقياداته الوطنية المعارضة وجمهوره الصامد والثائر قادر على تغيير هذا الواقع المؤلم، وبإمكانه الانتقال من الدولة الديكتاتورية إلى الدولة المدنية الديمقراطية، وان بذل الدماء وسقوط الشهداء ضريبة لا بد منها لتحقيق التغيير المنشود والانتقال من مرحلة الاستعباد إلى مرحلة المواطنة ومن حالة الرعايا غلى حالة الشراكة في بناء الوطن وحكمه وإدارته. ومن شدة سقوط هذا النظام وانفضاض مواطنيه عنه فهو يستعين ببعض الوجوه اللبنانية التي رعاها النظام السوري على امتداد عقود حكمه للبنان للذهاب إلى سوريا ومخاطبة الجماهير السورية ومناشدتها الالتفاف حول النظام المتهالك.. وبعض هذه القوى والشخصيات التي تدعم النظام السوري وتسبح بحمده تقع في تناقض بالغ وتباين خطير حين تصدر البيانات المؤيدة لحالات متشابهة مع الواقع السوري، ولكنها تتجاهل تماماً مأساة ومعاناة الشعب السوري ومن جملة ما قرأت هذا البيان الذي أصدره تجمع العلماء المسلمين في لبنان، والذي يقدم نفسه واجهة وحدوية برعاية إيرانية وبإدارة مباشرة من حزب الله وفريقه ويقول هذا البيان الذي صدر في 16/03/2011 تعليقاً على أحداث البحرين: (إن التمسك بالسلطة ولو على حساب دماء الشعب وآلامهم أمر ترفضه الإنسانية والأخلاق والدين وعلى الحاكم أن يستمع إلى مطالب شعبه ويلبيها خاصة أنها لا تتعدى المطالبة بحقهم في التمثيل الأفضل ومن خلال أعمال سلمية كفلتها كل الشرائع وحقوق الإنسان. إن التعدي على المواطنين من خلال القتل بالأسلحة النارية واستدعاء قوات أجنبية للتدخل يعتبر عملاً مرفوضاً ويجعلنا نتساءل: لماذا لم تتحرك هذه القوات لرفع الحصار عن غزة؟! وهل إن الجيوش العربية أنشأت للدفاع عن الأنظمة؟!)..ما ورد في النص يمكن إسقاطه على كل واقع وحالة عربية ودولية مشابهة، وهل يمكن تجزئة الحق أو تجاهل بعضه والالتفاف على عناوينه..؟؟ لأن مضمون هذا البيان لا يتناقض أبداً مع واقع الشعب السوري وما يتعرض له إلا انه يستهدف نظام مملكة البحرين، ولا نختلف مع توصيفه لو أردنا لحال النظام السوري الذي يناقض في ممارساته كل الشعارات والمواقف والبيانات التي سبق وأطلقها وأعلنها من حماية المقاومة والشعب الفلسطيني إلى خدمة الإنسان السوري وحماية حقه المشروع في أن يعيش حياة لائقة وكريمة..ونحن هنا نسأل رئيس التجمع الشيعي الشيخ حسان عبدالله، ورئيس مجلس الأمناء السني، الشيخ احمد الزين، وسائر الأعضاء من المعممين السنة والشيعة. كيف اتفق أنهم قرءوا هذا الواقع في البحرين ولم يلحظوا ما يجري في سوريا، مشاهد القصف والقتل مروعة، والسرقات والاعتقالات والتعذيب واضحة للعيان، والنظام لا يستمع لمطالب شعبه ولا يستجيب، والدبابات السورية التي صمتت على جبهة الجولان 40 عاماً ها هي تخاطب شعبها الذي سدد ثمنها قصفاً وتدميراً ويحدثك هذا وذاك عن المؤامرة، الأميركية – الصهيونية التي تستهدف نظام الأسد وليس الشعب السوري..؟؟

ما يجري في سوريا لم يعد من الجائز السكوت عنه، فكل من يؤيد هذا النظام هو شريك في الجريمة سواء كان فرداً أو مؤسسة أو جمعية أو حزب أو دولة.. ولم يعد مقبولاً أن يستمر مسلسل القتل المتواصل وأن يستمر البعض في تجاهل ما يجري وكأن شيئاً لم يكن.. التغيير أصبح ضرورياً بل حتمياً لأن التعايش بين هذا النظام الحاكم بقوة السلاح والقهر والتأييد الخبيث من قوى تحمل في فكرها وأدبياتها وتوجهاتها فكراً مماثلاً وسلوكاً مشابهاً لم يعد مقبولاً على الإطلاق..

الدول العربية مطالبة بدعوة مجلس الجامعة العربية للانعقاد واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هذه المذبحة المجرمة فوراً. وكذلك منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي..

كافة الدول العربية والإسلامية والهيئات الدولية مطالبة اليوم بقطع علاقاتها مع دولة روسيا التي تؤيد نظام الأسد وتؤمن له الرعاية والحماية والغطاء اللازم لقتل شعبه والتنكيل به، ولا يمكننا أن ننسى ما فعلته دولة روسيا سابقاً خلال أزمة البلقان، وصربيا، والشيشان، وقبلها في دولتي تشيكسلوفاكيا والمجر خلال القرن الماضي..؟

إن الشعب السوري يقدم اليوم ملحمة صمود باسلة وهو الشعب الذي اعتاد المواجهة على امتداد التاريخ القديم والحديث فهو قلب الأمة النابض. وإننا إذ نعبر عن تأييدنا ومساندتنا لمطالب الشعب السوري بكافة فئاته ومكوناته، ننحني إجلالاً لشهدائه وتضحياته العظيمة وهو يواجه أعزلاً عاري الصدر نظاماً يستخدم الآلة العسكرية التي قيل إنها مخصصة لتحرير فلسطين لقتل المواطنين العزل من أبناء الشعب السوري تماماً كما ارتكب هذا النظام في لبنان طوال ثلاثة عقود من جرائم استهدفت الشعبين اللبناني والفلسطيني.. وواد الفتنة الذي يتحدث عنه الأسد اليوم هو في حقيقة الأمر عملية وأد للشعب السوري برمته..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: أفق مسدود أمام النظام!.. علي حماده

النهار

4-8-2011

لغاية الآن لا تبدو على حركة المجتمع الدولي علامات الاستعجال لتشكيل جبهة دولية عريضة تتصدى للنظام في سوريا ردا على استخدامه العنف المفرط لقمع الثورة السلمية التي تشهدها البلاد. فاقتحام المدن والقرى بالدبابات الثقيلة، واطلاق النار على المدنيين العزل في الطرق والساحات، وقتل عشرات الاطفال ومئات النساء وبينهن حوامل، فضلا عن بلوغ العدد الاجمالي للشهداء ما يقارب الالفين والجرحى ثمانية آلاف والمعتقلين خمسة عشر الفا، كل هذا السلوك الذي لا يختلف عن سلوك اسرائيل مع الفلسطينيين تحت الاحتلال لم يكن كافيا لتحريك مجلس الامن بالمستوى الموازي لخطورة الافعال المشار اليها. والحال ان النظام في سوريا وهو يتلمس على ارض الواقع حجم الكراهية التي تكونت ضده في قلوب السوريين على مر العقود، وقد تعمقت اكثر فاكثر مع ارتفاع اعداد شهداء الحرية والكرامة، يدرك ان الاصلاحات اللفظية او المكتوبة على الورق والتي لا تجد طريقها نحو التنفيذ الفوري تموت لحظة الاعلان عنها، وخصوصا ان النظام الذي يزعم الاصلاح يزيد وتيرة حربه ضد المدنيين الثائرين في سبيل الحرية. فالقتل لا يفتح الباب على الاصلاح. و"البروباغاندا" الكاذبة والتافهة عمليا لا تكسب الرئيس السوري حب شعبه بل تكسبه احقادا اكبر من رئاسته، الى حد ان ارث والده الرئيس الراحل حافظ الاسد بات يمثل هدفا اسمى ينبغي بلوغه لاسقاطه كما التماثيل في المدن، ودفنه كما الخوف في قلوب الناس الذي دفن ولن تقوم له قيامة بعد الآن.

يستطيع الاسد الابن الاعتماد على الموقف الروسي الميركنتيلي لتأخير قيام جبهة دولية عريضة ضده، مثلما يمكنه الاعتماد على موقف الصين الذي لا يقيم وزنا للحريات العامة والفردية وهي التي اطلقت دباباتها النار على المتظاهرين المدنيين في ساحة "تيانينمين" قبل سنوات طويلة، وتواصل سياسة القمع المبرمج في التيبت ومناطق كسينكيانغ في الغرب ضد المسلمين. ويستطيع بشار الاسد الاعتماد تحديدا على الموقف العربي المشين، ومن ضمنه موقف لبنان الديموقراطية الوحيدة في العالم العربي بعدما سقطت بين براثن "حزب الله" فصارموقفه المخجل والمعيب في مجلس الامن يصاغ في حارة حريك او في احد اقبية المخابرات السورية نصرة لقتلة الاطفال والنساء والشيوخ والمدنيين العزل في سوريا. كيف لا وحكومة لبنان هي "حكومة قتلة قادة الاستقلاليين" وتأتمر بأوامرهم. مشهد يعكس تحالف القتلة في البلدين؟

كل ما تقدم لا يعني ان النظام في سوريا قادر على النجاة من الثورة العارمة ضده. فالقتل يزيد الناس اصرارا وتصميما ونكرانا للذات واستعدادا لتقديم الارواح من اجل التخلص من الظالمين. وتلكؤ الخارج عن نصرة ثورة سوريا يزيدها قوة واستقلالية ويكسبها احتراما داخليا وخارجيا عارمين ويمنحها مشروعية تاريخية. كل الافاق مسدودة امام النظام في سوريا لأن قلوب الناس اقفلت نهائيا بوجه بشار الاسد وما يمثله من ارث. ارث سيكتب التاريخ انه كان مرحلة سوداء من تاريخ سوريا والعرب، فتخلص منه احرار سوريا ذات يوم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يزيد من ازمته تفاقما .. د. بشير موسى نافع

2011-08-03

القدس العربي

 منذ فجر الأحد 31 تموز/يوليو، بدأت وحدات مدرعة من الجيش وعناصر أمنية ومجموعات ميليشيات موالية للنظام السوري هجوما دمويا لاقتحام وإخضاع مدينة حماة. في الوقت نفسه، كانت قوات عسكرية وأمنية أخرى تهاجم مدينة البوكمال، وتقتحم الأحياء المتطرفة من مدينة دير الزور، إضافة إلى بلدتي الحراك في أقصى الجنوب السوري والمعضمية في ريف دمشق.

مع اقتراب اليوم من نهايته، كانت قوات النظام قد أوقعت في شعبها أكبر عدد من القتلى في يوم واحد. طبقاً لتقارير وكالات أنباء رئيسية، سقط في حماة وحدها ما يقترب من مائة قتيل، كما سقط عدة عشرات من القتلى في المدن والبلدات الأخرى.

وزعت من حماة صور قتلى بلا رؤوس، وشريطاً يظهر صبياً قتل ذبحاً بيد ميليشيات النظام. واجه أهالي المدينة جيشهم بصدور عارية، في مشاهد غير مسبوقة لمجموعات الشبان تتجه إلى مصدر النيران لا هرباً منها، لتعطيل تقدم القوات المهاجمة إلى الأحياء السكنية. ولأن الهجمة على المدينة لم تتوقف، لم يستطع الأهالي الوصول إلى المقبرة لدفن شهدائهم. في اليوم التالي مباشرة، صدر عن الرئيس بشار الأسد رسالة إلى الجيش السوري، أشاد فيها بولاء المؤسسة العسكرية والأعمال المجيدة التي تقوم بها في مواجهة الشعب.

ما يجمع المدن والبلدات السورية التي تعرضت للهجوم البشع في اليوم السابق لبداية شهر رمضان الكريم أنها شهدت بعضاً من أكثر التظاهرات الشعبية حشداً في الأسابيع القليلة الماضية. ولكنها لم تكن الوحيدة على هذا الصعيد، فخلال الشهور الأربعة الماضية، قطعت الثورة السورية مسافة هائلة، من مظاهرات محدودة ومعزولة في أنحاء متفرقة من البلاد، ضمت بضعة آلاف أو مئات، إلى حركة شعبية واسعة النطاق، احتشد في خضمها الملايين ومئات الألوف من السوريين، تغطي كافة أنحاء الوطن السوري. والواضح أن قيادة النظام تستشعر الخوف والعجز من احتمال تصاعد الحركة الشعبية خلال شهر رمضان، الذي توفر صلوات الجماعة في أمسياته فرصة يومية للحشد الجماهيري، بعد أن أصبحت المساجد مراكز التجمع والانطلاق الرئيسية للمظاهرات. بإخضاع حماة، مدينة الحشد الشعبي الأكبر في أيام الجمعة، وصاحبة الموقع الرمزي الكبير في تاريخ العلاقة الشائكة بين نظام الحكم والشعب، يظن قادة النظام أنهم سينجحون في احتواء الحراك الشعبي ومنع تصاعده في الأسابيع القليلة القادمة. على نحو ما، ثمة من يعتقد في أوساط النظام أن النجاح في قمع الحراك الشعبي هذا الشهر سيكتب الفصل الأخير في معركة الوجود التي يواجهها الحكم.

إحدى مشاكل النظام الرئيسية، وقطاع واسع من حلفائه في الجوار العربي الإسلامي، أنه لم يأخذ الحراك الشعبي في بدايته مأخذ الجد، وتعامل معه باستخفاف متسرع، انعكس في اللغة التي استخدمها الرئيس في خطابه الأول أمام مجلس شعبه، وفي الاستخدام غير المحسوب لوسائل القمع، من القتل إلى الاعتقالات. لم يدرك النظام وقادته طبيعة الثورة السورية وعلاقتها الوثيقة بتيار الثورة العربية الممتدة من الماء إلى الماء، واعتقد أن الأمر لن يستمر طويلاً وأن قواته وأجهزته لن تلبث أن تخمد الحركة الشعبية وتقتلع منظميها وقادتها. وعندما بات من الواضح أن إعلام النظام، أن أجهزته الأمنية، والفرق العسكرية الموالية التي نشرها في كافة أنحاء البلاد، أعجز من احتواء الحركة الشعبية وهزيمتها، وأن الحركة لا تزال مستمرة بعد أربعة شهور طوال من القمع، بات الارتباك السياسي والإجراءات الدموية الفجة السمة الرئيسية لمقاربة النظام للحركة الشعبية.

مع نهايات تموز/يوليو، كان قد أصبح واضحاً أن الثورة السورية وصلت منعطفاً حرجاً: لا النظام يستطيع هزيمة الشعب أو إخماد حركته، ولا الشعب وقوى المعارضة السياسية، التقليدية منها والجديدة، وصلت في حراكها إلى مستوى إطاحة النظام أو حتى إجباره على تقديم تنازلات ملموسة وجادة على طريق انتقال سورية نحو الحرية والديمقراطية والحكم العقلاني. لم تتبق في جعبة النظام (وحلفائه خارج سورية) من وسيلة إلا واستخدمها لهزيمة الشعب، من الروايات الصريحة في زيفها وكذبها، إلى القتل والتدمير والاعتقالات؛ ومن الإصلاحات القانونية السطحية، غير ذات المعنى والأثر، إلى مؤتمرات الحوار الأقل معنى وأثراً. ولكن الحركة الشعبية أيضاً بدت وكأنها وصلت إلى سقف ما. صحيح أن المظاهرات الحاشدة لم تعد تقتصر على أيام الجمعة وحسب، وأن النظام بات يواجه أزمة اقتصادية ومالية متفاقمة. ولكن الصحيح أيضاً أن النظام يتلقى دعماً كبيراً من إيران، حليفه الأوثق على الإطلاق؛ كما أن الطبيعة الغريبة لقيادة المؤسسة العسكرية تجعل من الصعب، وربما من المستحيل، أن ينحاز الجيش بكليته للشعب، على الطريقة المصرية أو التونسية.

في المقابل، استمرت حركة الانشقاقات على الجيش بوتيرة منخفضة وغير مؤثرة، ولم يشهد جسم الدولة أو نظام الحكم (وكلاهما شيء واحد في الحقيقة) أية انقسامات بارزة. إضافة إلى ذلك، بدا أن الضغوط الخارجية على النظام، الإقليمية منها والدولية، قد تراجعت نسبياً، أو أصبحت أقل ثقة في قدرتها على التأثير في الحرب الدائرة بين النظام وشعبه.

مع نهاية تموز/يوليو، باختصار، كان الشعب في أغلبه يقف في مواجهة جسم الدولة/ النظام في كليته، بدون أن تبدو احتمالات مرجحة لتراجع أي منهما عن موقعه، أو قدرة أي من الطرفين على إيقاع الهزيمة بالآخر. الأسابيع القليلة القادمة ستكشف عما إن كان ميزان القوى سيميل إلى هذا الجانب أو ذاك. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الساحة السورية غارقة في الغموض، وأن ليس ثمة مؤشرات كافية لاستشراف المستقبل القريب.

قدرة الشعب السوري على مواصلة حراكه من أجل الحرية هو المؤشر الأول على الاتجاه الذي يمكن أن ينحاز إليه ميزان القوة بين الشعب والنظام.

والملاحظ في مساء اليوم التالي للهجمات العسكرية الأمنية الدموية على حماة ودير الزور والبوكمال والمعضمية والحراك، أن كافة أنحاء سورية شهدت سلسلة جديدة من المظاهرات، بما في ذلك أجزاء من المدن والبلدات الواقعة تحت نيران قوات الجيش والأجهزة الأمنية.

وبتصاعد سياسة القمع الدموي غير المبرر، يبدو أن الجيش لم يعد على التماسك الذي بدا عليه في المرحلة السابقة، وأن الانشقاقات عن الجيش لا تستمر وحسب، بل وتطال أعداداً أكبر ومستويات عسكرية أرفع. ولد الجيش السوري في لحظة فريدة من التاريخ العربي، لحظة مواجهة القوى الإمبريالية الغازية وسعي العرب المستميت للحفاظ على استقلالهم الوليد. ومنذ استقلال سورية، خاض هذا الجيش سلسلة من الحروب دفاعاً عن المقدرات السورية والعربية. وبالرغم من الهزائم التي مني بها هذا الجيش في عدد من الحروب العربية الإسرائيلية، فهذا جيش عربي بامتياز، جيش سورية وشعبها، ومن المؤلم أن النظام الحاكم قد حول قطاعاً واسعاً من الجيش إلى أداة فئوية للحفاظ على وجوده وقمع خصومه، وزج به منذ أبريل/ نيسان الماضي إلى حرب ضد الشعب. خروج مجموعات متزايدة من الجيش على سياسة النظام وقادته وانحيازها للشعب ومطالبه ستكون واحدة من أهم المؤشرات إلى اتجاه ميزان القوى.

ويتعلق المؤشر الثالث بتحرير أحد الميادين الكبرى في العاصمة دمشق والاحتفاظ به، مما سيؤكد قدرة الحركة الشعبية على كسر إرادة النظام وأجهزته. أما المؤشر الرابع فيتعلق بمعضلة الثورة السورية الأبرز: مدينة حلب، التي لم تلتحق حتى الآن بصورة قاطعة ومؤثرة بركب الحركة الشعبية، بالرغم من أنها شهدت بعض التظاهرات المتفرقة والمحدودة.

خارجياً، يتعامل العالم والجوار العربي الإسلامي مع المسألة السورية باعتبارها أزمة سياسية، يمكن حلها بمزيد من الضغوط السياسية على النظام، سواء بالتصريحات أو العقوبات المحدودة أو التهديد بالقانون الدولي. وليس ثمة شك أن الخارج لا يملك وسائل ضغط كافية على النظام السوري. والأمران في الوقع متلازمان إلى حد كبير. فالنظام يتعامل مع الأزمة التي يواجهها باعتبارها مسألة حياة أو موت، وليس مسألة سياسية؛ وهذا ما يجعله أقل اكتراثاً بمواقف الخارج الإقليمي والدولي. ويتصور قادة النظام أن بإمكانهم الارتكاز إلى تحالف إقليمي، يصل طهران ببغداد بدمشق وبيروت، وموقف روسي صيني رافض لتصعيد الضغوط الدولية. من جهة أخرى، ترفض كافة قوى المعارضة السورية، والقطاع الأكبر من الشعب السوري والشارع العربي، أي تدخل خارجي في الشأن السوري شبيهاً بالتدخل في ليبيا. ولكن الأمور قد لا تستمر خارجياً على هذا الوضع. فليس ثمة شك في أن تصاعد مستويات القمع الذي يتعهده النظام سيضعف في النهاية الموقف الروسي - الصيني، ويجعل من الصعب التصدي للقرارت الدولية المحتملة ضد النظام وقادته، سيما إن تحركت القوى العربية الشعبية لمساندة الأشقاء في سورية، على غرار اجتماعات واعتصامات التضامن التي نظمت بالقاهرة طوال عدة ايام، والمظاهرة الحاشدة التي شهدتها مدينة الرباط مساء يوم 31 تموز/يوليو.

طالما استمر نمط استجابته للحراك الشعبي على ما هو عليه، فإن إطالة أمد الثورة السورية ليست في مصلحة النظام بالتأكيد، ولا في مصلحة حلفائه. نظام يخسر شرعيته ومصداقيته لدى القطاع الأكبر من شعبه لا يمكنه الاستمرار في الحكم وكأن شيئاً لم يتغير. وخسارة الإيرانييين والروس داخل سورية وفي الشارع العربي لا يمكن تقديرها. ولكن الخطر أن تطول هذه المواجهة بين النظام وشعبه إلى الحد الذي يهدد وحدة الشعب والوطن السوريين. المؤكد على أية حال أن أوهام النظام حول قدرته على إخماد الثورة التي يواجهها بعدد آخر من المجازر كانت متسرعة إلى حد كبير. ما نجحت فيه المجازر في الحقيقة كان أن ضاعفت من أزمة النظام تفاقماً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن سلمية الانتفاضة السورية! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

4-8-2011

لأول مرة، منذ انطلاق التظاهرات الشعبية في سوريا، بت تسمع أصواتا وإن قليلة، تشجع على استخدام السلاح والخروج عن سلمية الاحتجاجات لمواجهة ما يجري من شدة قمع وتنكيل، ولسان حالها يقول، إن الصبر قد نفد ولم يبق من خيار سوى اللجوء إلى القوة والعنف للرد على ما نراه من ممارسات دموية ظالمة وصور مروعة لضحايا الاجتياحات الأمنية والعسكرية في عدد من المدن والمناطق، خاصة مدينة حماه!

ومع تفهم دوافع هذه الأصوات التي يصح ردها إلى ضغط وجداني ورهافة في المشاعر المتعاطفة مع آلام الناس وإلى نيات صادقة تحدوها الرغبة في رد الظلم والاقتصاص من الفاعلين، إلا أن الطريق إلى الجحيم مرصوف كما يقال بالنوايا الحسنة، ويفترض بهؤلاء أن يعرفوا قبل غيرهم أنهم بدعوتهم هذه إنما يذهبون بأقدامهم إلى فخ نصبه أصحاب الخيار الأمني للإيقاع بالاحتجاجات الشعبية ودفعها إلى دوامة العنف، مما يسهل عزلها وتسويغ أشنع أنواع القهر والتنكيل ضدها، وتاليا أن يدركوا أن اللجوء إلى العنف قد يشفي غليل البعض لكنه الطريق الأقصر للهزيمة، وانجرار إلى منطق القوة والغلبة ذاته الذي يناهضونه، مما يهدد بتدمير التراكمات الإيجابية التي حققتها التظاهرات السلمية طيلة شهور وإضعاف شرعية المطالب التي نهضت من أجلها، والأهم إفقاد الحراك الشعبي فئات متعاطفة معه لكنها مترددة، تنفر من العنف والعسكرة بينما نزلت على قلوبها بردا وسلاما الآية الكريمة «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ» حين رفعها المتظاهرون شعارا في غير منطقة ومكان!

ثمة قوى تعمل ليل نهار لتحويل الاحتجاجات من مسارها السلمي والسياسي إلى مسار عنفي وأهلي، تراهن على دور القمع المفرط والبشع في شحن الغرائز والانفعالات وتأجيج ردود الأفعال الثأرية لدفع الناس للتخلي عن توجههم السلمي وتبني أساليب المقاومة العنيفة، وهي لا تضيع فرصة لتغذية ما يمكن من صراعات متخلفة، ولاستيلاد القوى المتطرفة وسربلتها بسربال السلفية أو ربطها بتنظيم القاعدة، كي تخفف ردود الأفعال المحتملة وتشرعن العنف بذريعة مواجهة الإرهاب وعصاباته المسلحة وبدعوى الحفاظ على الأمن والمنشآت العامة وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم. والنتيجة إخضاع المجتمع ككل لقواعد لعبة تتقنها جيدا وتمكنها من إطلاق يدها كي تتوغل أكثر في القهر والتنكيل مدعومة بما تملكه من خبرات أمنية ومن توازن قوى يميل على نحو كاسح لمصلحتها!

فالمسألة ليست رد فعل أو مسألة انتقام وثأر بل مسألة سياسية وأخلاقية في آن، سياسيا تتعلق بدراسة جدوى التحولات التي يحدثها هذا الأسلوب النضالي أو ذاك في تعديل توازنات القوى، وأخلاقيا تتعلق بالحفاظ على سلامة بنيتنا الإنسانية ونبل الأهداف التي نتطلع إليها، فكيف تستقيم قيم الحرية والخير والعدالة إذا لجأنا إلى طرائق ووسائل لا تنسجم مع رقيها، ولم ننأ بأرواحنا عن تشويهات العنف والتعصب والثأر والحقد؟!

إن الإصرار على خيار السلمية ليس بسبب صعوبة حصول الناس على السلاح، أو لغرض خبيث هو تمسكن المحتجين حتى يتمكنوا، أو لشعور الناس بأنهم من سيرث هذه الأرض وتتفق جهودهم عفويا على منع أصحاب الخيار الأمني والعسكري من تحويلها إلى أرض محروقة، بل لأن الشعب السوري المتعدد الإثنيات والأديان والطوائف والمرتبط بإرث تاريخي وحضاري عريق وبمرارة الحروب الأهلية في بلدان الجوار، متحمس كي يثبت للعالم بأن انتفاضته هي انتفاضة للبناء والمواطنة والتسامح، تلتقي على نبذ العنف والتفرقة وعلى الاحتكام لدولة القانون والمؤسسات، وتحاول على النقيض من الماضي أن تستمد شرعيتها ليس من منطق القوة والإرهاب بل مما تقدمه للناس من ضمانات للمساواة واحترام حرياتهم وعيشهم الكريم. وربما لأنه بخياره السلمي يريد إحياء قيمة أخلاقية كبيرة عن العلاقة الصحيحة الواجب بناؤها بين هدف الحرية النبيل الذي ينادي به وبين الوسائل الشريفة المفترض أن تفضي إليه، والتي تستدعي بداهة احترام حياة الناس وأمنهم وحقوقهم على تنوع منابتهم ومواقفهم ومصالحهم.

من الخطورة بمكان أن يقودنا ضيق النفس وقلة الصبر والجلد إلى تشجيع الرد على الاندفاعات العنيفة والعدوانية بعنف مضاد وباستعراض ما تيسر من عبارات التهديد والوعيد التي عادة ما يستخدمها رجال السلطة وأصحاب الأمر والنهي، ونتناسى ما يخلفه العنف من آثار مدمرة على الكيانات البشرية في حال استحوذ على فضائها السياسي والمجتمعي، فعدا عن الخسائر الهائلة في الأرواح والممتلكات، يمزق أواصرها، ويعمق شروخها، ويفضي إلى عسكرة الحياة وتحويل فئات المجتمع إلى ما يشبه جيوشا معبأة ومتخندقة، خالقا حواجز نفسية حادة بين أبنائها، ومسهلا انتهاك أبسط حقوقهم، ومجهزا بالتالي على مشروع التغيير الديمقراطي من أساسه.

صحيح أنه يصعب تطويق وضبط ردود أفعال الناس ضد شدة ما يتعرضون له من قهر وتنكيل، وصحيح أن التمسك بالنضال السلمي واللاعنفي هو خيار صعب يتطلب تحصينا أخلاقيا رفيعا وقدرة عالية على تحمل الأذى والضرر، ولنقل تدريب الذات على مزيد من الصبر وضبط النفس وعدم الانجرار للرد على الاستفزاز بالاستفزاز وعلى العنف بالعنف، والأهم الارتقاء بروح الإيثار بما في ذلك التضحية بالذات مثلما اختار محمد البوعزيزي والشبان الأبطال في درعا وبانياس ودير الزور وحماه، الذين وقفوا عراة الصدور يطلبون الموت في مواجهة الرصاص الحي وتقدم الدبابات والمدرعات! لكن الصحيح أيضا أن هذا الخيار، ومع تثمين كل صرخة ألم وكل قطرة دم تراق، هو شرط لازم وضرورة حيوية للانتفاضة السورية، أولا، لهزم العنف المفرط ذاته ومحاسبة مرتكبيه، وثانيا، لأنه الطريق الوحيدة لربح المعركة ليس فقط سياسيا وميدانيا وإنما أخلاقيا أيضا، وبداية للنجاح في كسب التعاطف الإنساني وتعديل موازين القوى والتوصل إلى لحظة حرجة يجبر الجميع فيها على إجراء تغييرات جذرية تنتصر للأساليب السياسية السليمة في إدارة الصراع وتاليا للقيم الديمقراطية التي يتوق الناس لتمثلها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الوضع السوري والموقف العربي المنتظر.. محمد حماد

تاريخ النشر: الأربعاء 03 أغسطس 2011

الاتحاد

إيران تهدد والنظام السوري يقتل شعبه، والعرب عاجزون والغرب يتفرج، ولا حل في سوريا ولا شيء بيد الشعب السوري إلا الموت! فربما وصل السوريون إلى مرحلة اللاعودة مع نظامهم، ولا يبدو واضحاً كيف يمكن أن يواصل النظام حكمه مستقبلاً؟ فبعد آلاف القتلى والجرحى، وآلاف المعتقلين الذين اختفوا منذ أسابيع، هناك آلاف النازحين، وملايين المتشككين الذين يتساءلون: كيف يمكن إصلاح ما تم تخريبه خلال الأشهر الماضية؟ وهل سيتم التخلص من المعارضين السياسيين والمواطنين البسطاء الذين اتهموا بأنهم مندسون وإرهابيون ومخربون، فقط لأنهم خرجوا في مظاهرات سلمية؟

منذ بدأت الاضطرابات في سوريا في مارس الماضي والكل يترقب وينتظر ماذا سيحدث في هذا البلد الذي كل ما فيه حساس ودقيق، الدولة التي تعاملت معها كبرى الدول العربية بحذر شديد، حتى تحافظ على شعرة معاوية بينها وبين نظامها، وحتى لا تخرج سوريا عن السرب العربي، فهي بموقعها الجغرافي وتأثيرها السياسي والأمني وتاريخها وشعبها... لا يمكن الاستهانة بها. وقد شهدت علاقات سوريا بعمقها العربي شداً وجذباً كما أدى الموقف السوري من بعض القضايا الإقليمية إلى تصنيف العرب في معسكرين، "اعتدال" و"تشدد"، وأدى التقارب السوري مع إيران إلى زعزعة الموقف العربي تجاه التدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة الداخلية.

اليوم تبدو سوريا في وضع صعب لا تحسد عليه، وهو وضع تتأثر به الدول العربية بشكل مباشر، وهذا ما يفترض أن يجعل دمشق تعيد النظر في موقفها السياسي وعلاقاتها الإقليمية، فمصيرها مرتبط بالدول العربية وليس بغيرها، فعندما اندلعت الثورات العربية وصلت إليها، وعندما تزعزع الأمن فيها أصاب جيرانها وأشقاءها العربُ القلقَ، ولم يصب الآخرين غير الترقب والخوف على مصالحهم وخسارة نفوذهم في المنطقة!

التدخل الإيراني في الشأن السوري لا يخفى على أي مراقب للأوضاع، ومنذ أيام كشف مصدر بارز في كتلة "دولة القانون" العراقية عن أن إيران ضغطت على حلفائها في بغداد لدعم سوريا ب10 مليارات دولار، وأن المالكي رضخ للمطلب الإيراني، كما أن إيران أطلقت تهديدات جادة منذ اندلاع الاضطرابات في سوريا، وإن لم يكن بعض التهديدات مباشرة ومعلنة، إلا أن أغلبها كانت معلنة والرسالة التي أرادت إيصالها وصلت إلى دول الجوار والدول العربية والمجتمع الدولي.

أما بالنسبة للغرب فلا شك أن أكثر ما يهمه هو أن يحافظ على مصالحه في المنطقة وأن يضمن أمن إسرائيل ويحمي أراضيه من الإرهاب الذي طالما أقلقه منذ سنوات، لذا فمواقفه وخطواته في دعم أي طرف ضد الآخر في بلاد الاضطرابات العربية هي مواقف وخطوات مبينة على ذلك الأساس، وهذا ما بدا واضحاً في ليبيا، فبعد التأييد الكبير للمجلس الانتقالي والثوار، تمهل الغرب وتوقف للتأمل في هذا الدعم ولإعادة النظر فيه بعد مقتل عبدالفتاح يونس على يد مجموعة من الثوار الإسلاميين.

الغرب يريد ضمان مصالحه -حتى وإن كانت مع الإسلاميين- لذا فإنه يترقب مع من ستكون الكفة في سوريا حتى يبدأ بإعلان مواقفه. هذا بالنسبة للغرب أما الدول العربية التي تتعامل مع الوضع السوري بنفس المنطق تقريباً فما تقوم به قد لا يكون صواباً، ذلك أن مصالح العرب مرتبطة بمصلحة سوريا، لذا فعلى العرب أن ينطلقوا في الأزمة السورية من نقطتين: الأولى دعم حق الشعب السوري، والأخرى تقديم النصيحة الصادقة لقيادته.

لماذا لا يقول العرب للنظام السوري بكل وضوح بأن هناك تخوفاً لدى المجتمع الدولي من أن انهيار السلطة قد يؤدي إلى صعود التيار الديني المتشدد ليسيطر على الدولة؟ لماذا لا يقولون له إن التدخل الإيراني في الشؤون السورية والشؤون العربية غير مقبول ويجب إيقافه، وإن عدم اتخاذ موقف هو رغبة منهم في عدم انتشار الفوضى في المنطقة؟ لماذا لا يقولون له إن الحل العربي هو الذي سيخرج سوريا من أزمتها الحالية؟ لماذا لا يقولون له إن استهداف المعارضين لا يمكن أن يستمر طويلاً؟ لماذا لا يطلبون منه أن يتعلم من أخطاء من سبقه، ويوضحوا له أين وصل عناد القذافي وأبناؤه بليبيا وماذا فعلوا بها؟

كما أنه من المهم أن يعترف النظام السوري أن الذين يتظاهرون منذ أشهر ليسوا مندسين وليسوا إرهابيين وليسوا مخربين، وإنما أبناء الشعب السوري الذين يريدون التغيير والإصلاح… يجب أن يعترف النظام السوري أن الأمور تغيرت عما كانت عليه قبل مارس 2011، وأن الشعب أصبحت لديه مطالب واضحة، وأن النظام عليه أن يستمع للمعارضة وألا يستمر في اتهامها وإقصائها... يجب أن يعترف بأن هناك انشقاقات في الجيش، وأن الضباط والجنود المنشقين ليسوا مندسين ولا مخربين ولا خونة، بل هم جزء من الشعب السوري رفض المشاركة في قتل السوريين... يجب أن يعترف بأخطائه ويبدأ بالتصحيح. لم يعد من الحكمة العناد والتمسك بالماضي، فالشعب السوري لن يقبل ذلك بعد أن أصبح واثقاً بأن لا شيء لديه سيفقده بعد أن صارت أرواح السوريين رخيصة، لذا فهو سائر في طريق التضحية ولو بأرواحه من أجل حلم لا يمكن العيش بدونه.

لقد تعقدت الأوضاع في سوريا، وما قامت به قوات الأمن والجيش السورية يوم الأحد الماضي في حماة وبعض مدن سوريا الأخرى، والذي راح ضحيته أكثر من 140 شخصاً أمر هز ضمير العالم، وجعل الوضع أكثر صعوبة ووجّه الأنظار نحو الدول العربية وموقفها تجاه الأحداث هناك.

العرب يرددون أنهم في وضع لا يمكنهم فيه اتخاذ قرار واضح، فالوقوف إلى جانب الشعب قد يثير إيران ولا أحد يعرف ماذا ستكون عليه ردة فعل طهران، كما يعتقدون أن الوقوف مع الشعب قد يؤدي إلى صعود نجم الإسلاميين كما حدث ويحدث في تونس ومصر... وفي المقابل لا يستطيعون الوقوف إلى جانب النظام لتورط في سفك الدماء، ولكونه عاجزاً عن السيطرة على الوضع وإعادة الأمن والاستقرار. لذا فالبعض يعتقد أن الأمر مربك ومقلق للدول العربية.. لكن الحقيقة أن سوريا "مربط الفرس" بالنسبة لمستقبل العرب الذين هم أمام فرصة تاريخية لتعديل الكفة لصالحهم وإنهاء حالة الإرباك التي تسببها بعض القوى الإقليمية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عاشت سورية الممانعة! .. محمد كريشان

2011-08-02

القدس العربي

 ما الذي يمكن أن يقوله الآن كل الذين اختاروا الوقوف مع النظام السوري منذ بداية الاحتجاجات الشعبية ضده في آذار/مارس الماضي؟!! كم يشتاق المرء الآن إلى جلسة مع أحد هؤلاء المثقفين أو الإعلاميين أو الفنانين، من السوريين ومن والاهم من اللبنانيين وغيرهم، عساه يلمس منهم تعديلا صغيرا أو كبيرا في معزوفة المؤامرة التي يتعرض لها نظام الممانعة ضد إسرائيل وواشنطن وقوى الاستكبار العالمي كما يحلو للبعض تسميتها. لا يدري المرء بعد كل ما حدث في الأيام القليلة الماضية من قتل مروع للمدنيين، بمن في ذلك الأطفال وبعضهم ذبحا، كيف يمكن لكائن من كان أن يركن باقتناع وطيب خاطر إلى تبرير هذا القمع الأعمى من نظام ضد شعب يطالب بالحرية والكرامة؟

أكثر من ذلك هؤلاء المهووسون بنظريات المؤامرة ضد دمشق والذين لا يعلو صوتهم مدويا إلا ضد إسرائيل هم أنفسهم من كانوا يطربون لثورة التونسيين ضد بن علي والمصريين ضد مبارك واستاءوا من التخاذل في الوقوف مع احتجاجات البحرينيين فإذا بهم اليوم يتخندقون مع حكم عربي قتل من أبناء شعبه إلى حد الآن أكثر مما قتله بن علي ومبارك مجتمعين. وطالما أن هؤلاء يعشقون التنديد بإسرائيل، في كل شاردة وواردة، فبكل حزن وأسى ما قتله نظام الممانعة في سورية من أبناء شعبه يفوق ما قتله العدو الإسرائيلي في حرب تموز/يوليو 2006 في لبنان وما قتله بعد ذلك في حرب غزة أواخر عام 2009. الأقسى والأمر هو القول بأن ما قتله الحكم السوري الحالي من أبناء البلد زمني الأسد الأب والابن يفوق ما قتلته إسرائيل في حروبها جميعا ضد سورية!.

عام 1982 وبعد ما ارتكب من مذابح مهولة في حماة على يد القوات السورية كتبت مقالا في جريدة 'الرأي' التونسية بعنوان 'حماة عوض الجولان!!'. لم يكن يخطر ببالي أبدا أن مثل هذا العنوان يمكن أن يصلح لمقال يتناول نفس الملابسات ونفس النظام ونفس المأساة بعد ثلاثين عاما كاملة!!. ما زالت حماة مستهدفة وغيرها من المدن في حين ينعم الجولان المحتل بأمان لا مثيل له في أي مكان له في العالم. الشراسة والتصميم اللذان أبدتهما القوات السورية في قمع وقتل مواطنيها في حماة عشية شهر رمضان المبارك كان يكفي أقل من نصفه لاستعادة الجولان. غريب أن يكون لأي نظام، يقدم نفسه نظاما ممانعا وعصيا على الخضوع لإسرائيل، نفس طويل وصبر أطول في تحمل ذل احتلال أراضيه ولا يبدي من سعة البال مع شعبه مثقال ذرة. هو لا يتصور هذا الشعب قادرا على فهم أي شيء إلا لغة القمع والإذلال لكن السوريين تخلصوا من هذه العقدة ولم يعد الخوف يكبل ألسنتهم أو تحركاتهم. الرد على مطالب شرعية بديهية لعموم السوريين يستحق القصف بالمدافع وإطلاق الرصاص على الصدور العارية أما انتهاك إسرائيل للمجال الجوي السوري، بما في ذلك فوق أحد قصور الرئاسة، وقصف مشاريع كتلك التي أنشئت في دير الزور، واغتيال قادة من المقاومة على أراضيها.... كل ذلك لا ترى دمشق الرد عليه إلا 'في الوقت المناسب والمكان المناسب' كما دأبت البيانات الرسمية السورية على إعلانه حتى صار محل تندر لأن هذا الرد قد لا يأتي إلا مع قيام الساعة.

هؤلاء الذين اختاروا الوقوف مع نظام دمشق في مواجهته مع شعب لا يطالب سوى بالحرية والكرامة وبعثوا المشاريع الإعلامية الجديدة لشد أزره وأزر حلفائه لا أستطيع أن أتخيلهم في مستقبل الأيام يقفون للتنديد بوحشية قمع إسرائيلي مقبل هنا أو هناك اللهم في مشهد درامي مثير للشفقة والسخرية في آن واحد. كيف يمكن لهؤلاء، ولأي متخاذل آخر عما يجري الآن، أن يخرجوا ليرفعوا عقيرتهم ضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي مع أنهم التزموا صمت القبور تجاه ما يقوم به نظام عربي ممانع ضد أبناء شعبه!! إذا كان من حق النظام في دمشق أن يطلق على نفسه الأوصاف التي يراها، وأولها المقاوم والممانع، فكيف يمكن أن يصل عمى الألوان ببعض مناصريه إلى هذا الحد؟!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من للمستضعفين في سورية... العرب أم الصليبيون؟ .. خضير بوقايلة

2011-08-02

القدس العربي

 إخواننا العرب لا يريدون تدخلا أجنبيا في شؤونهم الداخلية ولو تعلق الأمر بإنقاذ النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، فالأجانب أو الغرب بصفة خاصة يبقى عدوا أزليا، فإذا تحرك إزاء أي بلد عربي دبلوماسيا أو سياسيا كان ذلك محاولة منه للتدخل غير الشرعي في شؤون دولة مستقلة وإذا بادر إلى عمل عسكري فإنه يصنف تلقائيا ضمن قائمة الحملات الصليبية الحاقدة علينا، وفي كلتا الحالتين فإن الغرب لا يتحرك أبدا حبا فينا بل فقط خدمة لمصالحه الحيوية. هكذا كان الحال في العراق وهو الآن في ليبيا وغدا ربما في بلاد أخرى.

الأنظمة العربية الفاسدة اجتهدت كثيرا من أجل تقبيح فكرة التدخل الغربي عند الرأي العام العربي، وقد نجحت في ذلك واطمأنت إلى أنه صار بإمكانها الآن العبث كما شاءت بشعوبها دون خوف من أن تتوجه هذه الشعوب إلى طلب النجدة والمساعدة من الخارج، فذلك جرم عظيم وخيانة ما بعدها من خيانة.

صدام حسين عاث في شعبه فسادا وطغيانا ولم تفلح كل المحاولات الداخلية في تغيير شيء من ذلك الوضع الصعب لعقود طويلة، وعندما تدخل الغرب للإطاحة به هب العرب يصرخون وينددون بالتدخل الأجنبي والحملة الصليبية الحاقدة ضد عراق العزة والشهامة.

نفس الشيء تقريبا نشاهده ونسمعه الآن إزاء الوضع في ليبيا والعمليات العسكرية التي يشنها حلف الناتو ضد طاغية نجح بامتياز في وضع شعب ليبيا تحت نعله وأبقاه في ظلمات الجاهلية الأولى، ولم ينفع أن بادرت بعض الدول العربية إلى التنديد بالإبادة التي شرع فيها القذافي ضد المدنيين العزل في ليبيا لمجرد أنهم خرجوا في مظاهرات سلمية يطالبون فيها بشيء من الحرية والكرامة، بل تحولت قطر والإمارات مثلا في نظر جزء هام من الرأي العام العربي إلى بلدين عميلين لحلف الناتو وجميع قوى الشر والإمبريالية العالمية لا لشيء إلا لأنهما تحركا جديا ضد سفاح طرابلس وانخرطا في مساعي دعم ومساندة المستضعفين في ليبيا.

شعب سورية الآن يتعرض لأشنع عملية إبادة جماعية من طرف نظام فرض نفسه حاكما أبديا في البلد، ولأن تهمة الخيانة والعمالة صارت جاهزة فإن جميع الأصوات أحجمت عن الاستنجاد بالخارج لوقف بحار الدم التي يريقها الجيش العربي السوري في بلد الممانعة والمقاومة، إنها ليست دماء العدو ولا دماء المحتلين أو العملاء، بل دماء نساء وأطفال وشيوخ وشباب أغلبهم لم يكن يعرف في حياته شيئا آخر غير بلده بل ربما قريته التي ولد واستشهد فيها. حتى دول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية التي خرجت عن المألوف قبل أشهر عندما قادت قاطرة المواجهة الحازمة ضد نظام عميد الحكام العرب وملك ملوك وسلطان سلاطين إفريقيا صارت تستحيي الآن من الجهر بكلمة الحق ضد مجرمي الحرب في دمشق، لعله الخوف من تهمة التخوين أو ربما الخوف من تكرار مبادرة لم تؤت أكلها في حينها، وفي كلتا الحالتين فإن ذلك سيبقى وصمة عار سيخلدها التاريخ مثلما سيخلد أصحاب المواقف المشرفة. الأنظمة الظالمة مهما طال بها الزمن ستزول والشعوب ستتحرر لا محالة اليوم أو غدا وتبقى الأعمال والمواقف مسجلة بتفصيل ودقة.

من حق الشعوب العربية أن ترفض التدخل الأجنبي وتبغض كل محاولات الاحتلال الصليبي الظالم الذي لا يرى في الرقعة العربية إلا آبار النفط ومكبًّا لسلعها ومحرِّكا لاقتصادها، لكن هل يسمح لنا هذا بالمقابل أن نبقى نتفرج حول موائد الإفطار الشهية على فيديوهات شباب الثورة السورية ونتحسر على ما يجري أو في أقصى الأحوال نذرف الدموع ونرفع أيدينا في صلاة التراويح من أجل أن يمحق الله الظالمين وينصر إخواننا المستضعفين هنا أو هناك؟

القذافي قال يوما إن ما يفعله اليوم هو ما كان يفعله في السابق فقط هذه المرة هناك كاميرات التلفزيون والهواتف الجوالة ترصد وتبث ذلك إلى العالم، نفس الكلام ينطبق على مجازر حماة اليوم وفظائع حافظ ورفعت الأسد قبل تسع وعشرين سنة في نفس المدينة، لكن هناك فعلا فرق بين الحقبتين؟ الجرائم في السابق كانت ترتكب في جنح التعتيم بينما تكشفها الآن الكاميرات التي اخترعتها لنا القوى الصليبية الاستعمارية، لكن هل أضرت تلك الفيديوهات نظام الأسد الابن وهل انتصرت تلك الصور الفظيعة لشعب سورية؟

لحد الآن الشعب السوري يتعرض لعملية إبادة جماعية وسط الصمت الجبان للدول والشعوب العربية، تماما مثلما كان الأمر خلال سنوات حكم البعث النارية الأولى أيام الرئيس الخالد.

الناتو يخوض حرب استنزاف في ليبيا ستنتهي لا محالة بسقوط طاغية طرابلس وكثير من الشعب العربي غير راض على هذا التدخل الصليبي في بلد عربي مسلم، لسنا الآن بصدد الجدل حول هذه المسألة، لكن الشعب السوري يباد بطريقة بشعة من طرف جيشه الباسل والناتو لم يتحرك بعد مثلما أن مجلس الأمن والقوى الصليبية الحاقدة لا تزال تتحدث من وراء حجاب، فماذا يفعل العرب؟ هل نحن راضون بما يجري في سورية وحتى في اليمن؟ هل ما يفعله النظام هو عين الصواب وعلى الذين ثاروا أن يتحملوا وحدهم وزر ما فعلوا، أم أن هناك شيئا يتعين على الرأي العام العربي أن يفعله لوقف المزيد من إراقة الدماء البريئة وأيضا لتجنب أي تدخل محتمل لقوى الاحتلال الصليبي؟

لا نطلب اليوم من الشعوب العربية أن تنتفض ضد حكامها حتى تكتمل مسيرة الربيع العربي الديمقراطي، بل فقط ندعو هذه الشعوب إلى الخروج إلى الشوارع للتنديد بهول ما يتعرض له إخوانهم في حماة ودير الزور وحمص، تلكم هي أولى خطوات الضغط على نظام الممانعة والمقاومة ليعلم أنه لم يعد هناك مجال للضحك على الرأي العام العربي ولينتبه إلى أن للمستضعفين من النساء والولدان أنصارا من إخوانهم وأبناء جلدتهم، وهذا من شأنه أن يجبر الطاغية على التراجع أو على الأقل أن يعلم أن ما يرتكبه من منكرات من أجل الاستمرار في الحكم لم يعد عملا مستساغا في أوساط الشعوب العربية، كما أن الشعب السوري الثائر سيزداد إيمانا وعزيمة من أنه يناضل من أجل قضية عادلة ومشروعة ستقوده حتما إلى نصر عظيم. على شعبي تونس ومصر أن يبادرا إلى تحريك شعلة التضامن الشعبي مع إخوانهم السوريين واليمنيين والليبيين أيضا في انتظار أن تلتحق بالركب باقي الشعوب التي لا تزال ترزح تحت هيمنة الحكام الفاسدين، وإذا لم يتحقق ذلك فلا لوم للسوريين عندما تتقطع بهم السبل أن يمدوا أيديهم إلى الغزاة والمحتلين والحاقدين لنصرتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري الباسل.. رندة تقي الدين

الاربعاء, 03 أغسطس 2011

الحياة

شباب حماة وحمص ودرعا والمدن السورية الصامدون في وجه قوات الامن والجيش السوري يستحقون ان ينحني كل مواطن عربي امامهم. فالمتظاهرون في المدن السورية يطالبون بالحرية والعيش الكريم واحترام حقوقهم. ويُقمعون وتتم تصفيتهم والعالم العربي في صمت مريع. الشعب السوري يتكل على شجاعته لنيل ما يطلبه. فالتاريخ شهد ثورات شعبية غيرت الانظمة الى ديموقراطيات بفضل انتفاضة شعوب طامحة الى الحصول على حقوقها ومحاسبة قياداتها. وها هي انتفاضة سكان المدن السورية الباسلة تعطي حلفاء النظام السوري في لبنان درساً في الوطنية. فالمقاومة ضد العدو الاسرائيلي مشروعة عندما يحتل العدو الاراضي العربية ويتوسع ويتدخل ويقمع. ولكن كيف تتواطأ هذه المقاومة مع نظام عربي يقتل ابناءه من دون تردد؟ ما جرى في حماة ودرعا وغيرهما مجازر لا يمكن السكوت عنها. وينبغي هنا ان يحيي المشاهد العربي التكنولوجيا الحديثة التي تمكّن من تصوير وبث مشاهد العنف بعيداً من رقابة لم تعد فاعلة. فهذه الوسائل المعلوماتية والهواتف النقالة كشفت عن الجرائم بحق الشعب السوري. والانظمة العربية تتفرج تاركة الاوروبيين والاميركيين يعاقبون. والديبلوملسية الروسية تمنع معاقبة سورية في مجلس الامن. ان روسيا تعتقد ان بامكانها ان تستعيد الدور الذي كان لها ايام الاتحاد السوفياتي الا ان الشعب السوري وسورية المستقبل لن يغفرا لها هذا الموقف.

ان استراتيجية القتل والقمع الجماعي تخلق شعوراً مزدوجاً لدى ضحايا القمع والقتل. الخوف من جانب، وهو طبيعي وانساني، وفي نفس الوقت الشعور بالمزيد من الغضب والكراهية امام تصفية ابرياء. والثورة تتغلب على الخوف وتعطي كل الزخم لأبناء سورية المنتفضين في مقاومتهم وصمودهم. اما حلفاء سورية في لبنان فهم يقفون الى جانب حليفهم النظام السوري لأنهم انتهازيون يطالبون بسلطة هشة ومناصب من قش لا جدوى منها الا الفساد وتقاسم ما تبقى من البلد.

ان اللبنانيين دفعوا الكثير من دماء شهدائهم الذين ذهبوا ضحية الارهاب نفسه الذي ينال من ابناء سورية، وعلى رغم ان من قاد قمع حماة كان نفسه الذي قام بتصفية شعب المدينة في 1982 فمن الغباء الاعتقاد ان التصفية والقتل سيسكتان الثورة لان الاحداث ستولد المزيد من الغضب، ومحاصرة حماة اليوم ليست كما في 1982 فهي تنقل على شاشات تلفزيونات العالم.

وفي الغرب هناك اصوات تتساءل عن البديل في سورية وان المعارضة ليست منظمة، ولكن الثورة على الارض هي التي ستخلق البدائل ولو ان ذلك لن يكون سهلاً، الا ان القمع والقتل لا يمكن ان يمثلا حلاً. وان كانت سورية الرسمية تعتمد على حليفها الايراني ووكيله في لبنان لإلهاء العالم بأحداث اخرى في المنطقة بحيث تستمر في مسارها القمعي في الداخل. فهذه استراتيجية خاسرة للنظام الذي لا يمكنه كما في الماضي لعب دور اطفاء الحرائق واشعالها في الوقت ذاته. والمرجو ان يتجنب الشعب السوري الوقوع في فخ الحرب الاهلية التي وقع فيها لبنان لانها خسارة للجميع. صحيح ان هناك اقليات ما زالت مؤيدة للنظام السوري لانها متخوفة على مصيرها ومستفيدة منه. وعلى المعارضة السورية ان تطمئنها ان القمع الحالي لن يحمي استقرار مستقبلها الذي سيكون افضل في ظل نظام ديموقراطي حر لا يعتمد القتل لمعاقبة المواطن المطالب بالحرية والاصلاح.

اما الاعلام اللبناني الموالي للنظام السوري فهو مخيب لآمال الاعلامي الصادق والوفي لمهنته. فكيف بإمكانه تأييد قيام جيش بلد عربي جار وشقيق بتصفية ابناء بلده؟ اين قيم الصحافي الذي تحتم مهنته تغطية الامور بصدق والاحداث من دون غش وتلفيق؟ ان استشهاد صحافيين كبار مثل كامل مروة مؤسس صحيفة «الحياة» وسليم اللوزي وسمير قصير وجبران تويني ومي شدياق التي نجت من اليد القاتلة، كلها خلدت اسماء شهداء صحافيين ناضلوا في سبيل عقيدتهم. فكما كتب كامل مروة «قل كلمتك وامش» هكذا يجب ان تكون عقيدة الصحافي الحر. فمن واجبه ان يقول كلمته فيما يحصل في سورية ويدين بشدة قتل المتظاهرين الابرياء.

ان سورية جديدة قد ولدت وعلى حلفاء النظام السوري في لبنان ان يفكروا بعمق ويدركوا التغييرات القادمة وان كانت ستأخذ وقتاً وتواجه مصاعب، ولكن لم يعد بامكان النظام السوري ان يبقى كما كان منذ عام 1970.

والمطلوب الآن موقف عربي قوي يوقف العنف ازاء الشعب السوري كما فعلت الجامعة العربية بالنسبة الى نظام القذافي. اما المقاومة اللبنانية فعليها ان تتساءل كيف يمكنها ان تتواطأ مع اعمال يقوم بها جيش عربي وطني ضد ابناء بلده؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وقانون انتخاب جديد!.. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

3-8-2011

وأنا وحق الله لا أجد جديدا فيه، لأنه يسير على نهج آيديولوجي سبق لي أن أكدت عليه، عندما كتبت الأسبوع الماضي عن قانون الأحزاب «الجديد»، وقلت إنه يقوم على الأخذ بمستويات مختلفة للحرية، وإنكار تساوي خلق الله جميعهم فيها، كي يكون بعضهم حرا أكثر من بعضهم الآخر، بعضهم حرا وبعضهم أقل حرية أو بلا حرية، باسم معايير ليست من الحرية في شيء، كما سأشرح في التالي من كلام..

يعرف أرسطو الإنسان بأنه «ذات حرة وجديرة بالحرية بغض النظر عن تعييناتها الموضوعية». في هذه العبارة الرائعة، يعرّف الإنسان بالحرية وحدها، فهي الصفة التي يتساوى فيها مع الآخرين، الذين يمكن أن يختلف معهم في كل ما يخطر على البال من تعيينات موضوعية، فإن تم تعريفه بهذه التعيينات، كنا أمام تغليب الثانوي من صفاته الكمية على صفته الوحيدة النوعية: حريته، أو الحرية. عندما يضيع هذا التعيين، لا يبقى الإنسان ذاتا حرة ولا يتحدد بإنسانيته، بل يصير عاملا أو فلاحا أو رأسماليا أو عالما أو مطربا أو مثقفا أو متشردا، طويلا أو قصيرا، جميلا أو قبيحا... إلخ، فإن نحن ربطنا وجوده الاجتماعي بهذه الصفات الكمية، الثانوية، التي لا يجوز ولا تستطيع أن تعرفه كاسم نوع، دخلنا في فضاء اللاحرية، وفي السياسة: في نظام يفرق بين البشر ويقوم على إنكار الحرية باعتبارها صفة نوعية وحيدة يتعرفون ويتعينون من خلالها كبشر، وصار من المفهوم - وغير المقبول طبعا - أن يغطي غياب الحرية عبر تصنيفات تضفي شرعية مزعومة على نقص حريته أو حتى عبوديته، تتصل جميعها بتعيينات وجوده الموضوعية، فهذا عامل أو فلاح ويجب أن ينال الحرية بصفته هذه وليس لأنه ذات حرة، بصفته حامل رسالة تحررية أو تقدمية مزعومة، لصيقة بهويته هذه ومستقلة عنه بغض النظر عن موقفه الحقيقي، وذاك رجعي لأنه لا ينتمي إلى هذه الفئة أو تلك من المراتب المجتمعية، كأن ينتمي مثلا إلى البرجوازية، حتى إن كان من أمثال الرأسمالي فريدريك إنجلز، شريك كارل ماركس في وضع أسس النظرية الشيوعية، فلا بد إذن من إبعاده عن فردوس النظم السياسية، التي تأخذ بهذه الترهات، أو من حرمانه من الحقوق التي تمنح لغيره، وتنتقص من حقه في الحرية، وبالتالي من التساوي في الإنسانية مع العامل والفلاح.

هذا التفاوت بين البشر في حيثية الحرية، يفسر تمسك قانون الانتخاب الجديد بإعطاء العمال والفلاحين نصف مقاعد مجلس الشعب على الأقل، وستين في المائة من مقاعد مجالس الإدارات المحلية، علما بأن العامل ليس هنا ذاك الذي يعمل بيده وجبينه كي يكسب رزقه، بل هو عضو الحزب الذي يعتبر نفسه ممثلا للعمال والفلاحين، وعضو جهاز الدولة الذي يسيّر الحزب. عندما نقول إن نصف مقاعد البرلمان - ومجلس الشعب ليس برلمانا - يجب أن تكون للعمال والفلاحين، فكأننا نقول إن النصف الآخر لا يمتلك الحقوق عينها التي لهؤلاء، ولا يمثل الشعب ولا يجوز أو يستطيع أن يكون مؤتمنا على مصالحه، ومن الضروري تقييد حريته في تقرير أمور البلاد والعباد بتقييد عدد من يمثلونه في المجلس. بذلك، ينجم عن تصنيف المواطنين إلى أشخاص يستحقون قدرا من الحرية أكبر من الذي يستحقه غيرهم، تصنيف آخر يجعل بعضهم موثوقا وطنيا وسياسيا وبعضهم الآخر لا يستحق القدر نفسه من الثقة، مع أنه منتخب مثله من الشعب، الذي تقلع إرادته عن أن تكون مصدر شرعية النائب المنتخب، ولا تمنحه الحق في أن يكون لديه قدر من الحرية مماثل لما لدى العامل والفلاح، علما بأن الأخيرين لا يجب أن يكونا بالضرورة عاملين وفلاحين بالفعل، وإنما يكفي أن يعينهما النظام السياسي في هذا الموقع ويطلق عليهما هاتين الصفتين، فلا عجب أن «مجالس الشعب» العربية، المماثلة لمجلس الشعب السوري، ضمت أخلاطا من أغنياء جدد ومطربين ومهربين ومسؤولين وجنرالات سابقين ودبلوماسيين متقاعدين وملاك أراض كبار ومخبرين، بينما غاب عنها العامل والفلاح الحقيقي، خاصة بعد أن أخرج النظام هذين من العمل العام، ونزل بهما إلى درك اجتماعي فقير ماديا وروحيا، وجعلهما يكدحان ليل نهار من أجل تأمين لقمة عيش أحبائهما، فالعامل يشتغل قبل الظهر في مصنع، ويعمل بعد الظهر أو في المساء بائع خضار على عربة، أو حمالا أو صاحب بسطة أو حتى عاملا زراعيا، وهو غائب غالبا عن الوعي والواقع، تراقبه في المعمل اللجان النقابية، والإدارة بأصنافها المختلفة، السرية منها والعلنية، بينما يلاحقه المشرفون المباشرون على عمله... إلخ، الأمر الذي يجعل مأساة العمال والفلاحين مع قانون الانتخاب الجديد مزدوجة: فهو يمنحهم 50 في المائة من مقاعد البرلمان، لكنه يغيب أي عامل أو فلاح حقيقي عن مجلس الشعب، ويحل محلهم عمالا وفلاحين مزيفين هم بعض أكثر الناس كرها للعمل المنتج في الصناعة والزراعة ونفورا منه. وبالمقابل، فهو ينكر باسمهم حقوق المواطن الذي يصنفه القانون في غير خانتهم، ويعامله كمواطن درجة ثانية يجب أن يقيد انتخاب ممثليه عدديا بتقييد حقه في انتداب من يريد إلى المجلس.

عندما قيل إن السلطة ستصدر قانون انتخاب جديدا، ظننت أنهم سيعترفون بمساواة المواطنين في الحرية، وسيلغون المادة التي عبرت عن إنكار مساواتهم بحجة أولوية تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية. لكن النظام استعاد مبدأ التمييز بين المواطنين وأقام منظومة الحياة السياسية بكاملها عليه أيضا، بعد أن كان قد ميز بالأمس بين نمطين من الأحزاب في «قانون الأحزاب الجديد»، ومنح الأول منهما، أي حزب البعث، الحق في أن يكون قوميا وصاحب تنظيمات عسكرية وخارج رقابة لجنة الإشراف على الأحزاب، بينما سلب الأحزاب الأخرى هذه الحقوق.

ترى، أي تغيير أو إصلاح يمكن أن يترتب على قوانين تميز بين المواطنين، وتجعل التمييز بينهم أداة وإطارا لانتقاص حقوقهم، التي لا يقوم أي قانون في الدنيا كلها إلا على مبدأ تساويها أمامه، سواء انتسبوا إلى أحزاب وشاركوا أم لم يشاركوا في انتخابات مجلس الشعب؟ وما الفائدة من أن يكون حق الاقتراع عاما وسريا ومباشرا ومتساويا – كما يقول القانون في مادته الثانية - إن كان من ينتخبهم المواطن ليسوا متساوين، وكانت إرادته ليست مساوية في حقوقها لإرادة غيره، ولا تبطل النقص في حقوقهم؟

يكون الإصلاح، حين يمليه عقل إصلاحي يتعالى على المصالح الضيقة والشخصية، سلطوية كانت أم طبقية أم فئوية أم فردية. حين تهيمن هذه، وتنتج الواقع الذي يجب إقامته أو بقاؤه، لا يكون إصلاحا. عندئذ، يصير التمرد لغة المظلومين الوحيدة!

* كاتب سوري معارض

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والمحرقة .. د. رحيّل غرايبة

الاتحاد

2011-08-02

يستقبل العالم الاسلامي اليوم الاول من رمضان ببشاشة الايمان والاستعداد لشهر العبادة والاخوة والتعاطف; من اجل نشر المودة والتسامح وتثمين اواصر المجتمع, وتطهيره من الفقر والحرمان ومرارة اليتم وضيق ذات اليد; ومن أجل تهيئة الفرصة للرؤساء للتواصل وإعادة اللحمة مع شعوبهم ممزوجة بارتباط الايمان وأواصر العقيدة.

لكن سورية تستقبل اليوم الاول من رمضان بحمّام دم, ومجزرة مدنية بشعة يخوضها النظام السوري المدجج بالاسلحة والاجهزة الفتّاكة ضد شعبه المسالم في حماة ودير الزور والبوكمال, ليحصد المئات بالرصاص الحيّ الذي تمّ شراؤه من جيوب الشعب ودمائه, بحيث اصبح الشعب السوري عاجزاً عن لملمة الجثث المبعثرة, والمستشفيات عاجزة عن مداواة الجرحى والمصابين.

من يحمي الشعوب العربية المسالمة من انظمة الاستبداد والفساد, وما هي الطريقة التي يمكن ان تتفادى فيها الشعوب غضبة الديكتاتور الفرد المتسلط الذي يملك الرغبة في افناء نصف شعبه من اجل بقائه على كرسيّ الحكم والسلطة.

هذه الشعوب العربية المنكوبة بالمغتصبين للسلطة والنفوذ والثروة, كيف تستطيع ان تقدم المعونة والنصرة لبعضها بعضاً? وهم مفرقون ومشرذمون في كانتونات محميّة ومحروسة!!.

من الذي قسّم الامّة الى شعوب متباعدة, لا تستطيع التواصل, ولا تقديم المعونة والنصرة, ومن هو المسؤول عن هذا المآل المخزي والمهين والمحزن والمؤسف?

ما هي وظيفة الجامعة العربية بالضبط? وما هو دورها عندما يتمّ تسخير كل القوة العسكرية من قبل الانظمة; لخوض معركة ابادة لشعب اعزل مسالم في دولة عربية, ويهتف للحريّة والكرامة, يهتف ضد الفساد والطغيان, يهتف ضد القمع والتنكيل, يهتف ضد قتل الاطفال وتعذيبهم والتمثيل في جثثهم, يهتف ضد الظلام وخفافيش الظلام الذين امتصّوا دماء النّاس واقتاتوا على كدّ الفقراء وكدحهم. لماذا هذا الصمت المريب من جميع الاطراف كلّها بلا استثناء, عمّا يجري على يد هذا النظام القمعي التسلّطي ضد شعبه العربي المسلم, وما يقوم به من اساليب وحشيّة دمويّة لا تحدث في اي مكان في العالم على هذا النحو من الاستمرار والاصرار المجبول بالحقد والصلف والغطرسة?

وإذا كان هناك كلمة للاجيال والشباب وهم اصحاب المستقبل والمرحلة القادمة, وينبغي ان يسمعوها.. إنّ الانظمة بالقدر الذي تكون فيه من الوحشيّة والعنف والدمويّة ضد شعوبها تكون بالقدر ذاته من الذلّ والمسكنة والاستخذاء والتبعيّة للاعداء.

ويمكن ان نقلب العبارة: انّ الانظمة التي تحترم شعوبها وتبذل الغالي والنفيس لارضاء شعوبها, واحترام ارادتها وحراسة حريّتها وصيانة كرامتها, وحفظ ثروتها ومقدراتها هي بالقدر ذاته من الثبات والصلابة في مواجهة الاعداء والغزاة.

إنّ الانظمة التي تمانع بالثرثرة, وتقاتل بالثرثرة, وتواجه اعداءها بالثرثرة, فيما تواجه شعوبها بالرصاص الحيّ القاتل, والابادة والسحق والسجن والتعذيب الوحشيّ, انّما هي انظمة تستحق الرحيل والثورة عليها.

والكلمة الاخرى التي ينبغي ان يسمعها الشباب وهم مقبلون على المستقبل, عليهم ان يتعرفوا على (أعداء الشعوب) من ابناء شعوبهم نفسها, فكلّ من يضع نفسه في صف القتلة, وفي صفّ مقترفي المجازر الدمويّة والذبح والتنكيل ضد شعبه لا يمكن ان يكون امينا على اي مصلحة من مصالح امّته, ولا يمكن ان يكون أميناً على مستقبلها.

وإنّ اولئك الذين ذهبوا لغمس اقدامهم في وحل المجازر, وأكل الفطائر المغمّسة بدماء اطفال حماة وحمص, ودرعا وإدلب ودير الزور والبوكمال, لا يستحقون البقاء لحظة في صفوف المصلحين, ودعاة الاصلاح في كلّ مكان في العالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حماه "ساحة الحرية" العربية !.. علي حماده

النهار

2-8-2011

حصل ما كان متوقعاً، أرسل الرئيس السوري بشار الأسد دباباته لتقتحم حماه في مسعى منه لكسر زخم الثورة السورية العارمة، كما توقعنا منذ البداية لن تتوقف، بل انها توسعت حتى صارت معه التظاهرات المليونية أمراً طبيعياً في حماه أولاً، ثم في دير الزور، في انتظار أن تنضم حلب والعاصمة دمشق. وقد شكلت حماه التي ارتكب الأسد الأب سنة 1982 فيها مجزرة مخيفة ذهب ضحيتها بين عشرين وثلاثين ألف مواطن. وقد دمرت المدينة فوق رؤوس أهلها بحجة الاقتصاص من مجموعات تابعة ل"الاخوان المسلمين" حملوا السلاح بوجه النظام آنذاك. ومن المعلوم أنه يستحيل أن يجد المرء عائلة حموية واحدة لم تصب أقله بفرد من افرادها خلال تلك الحملة الدموية التي قادها حافظ الأسد من اجل الحفاظ على نظامه بأي ثمن. وقد غض العالم الطرف عن المجزرة في زمن الثنائية القطبية. ويومها "سوّق" الأسد الأب المجزرة على أنها لمحاربة التطرف ومر الأمر...

في حماه اليوم شباب يقتلون على يد رجال الرئيس بشار الأسد، مثلما قتل آباؤهم قبل ثلاثة عقود على يد رجال حافظ الأسد، بالرصاص والقذائف التي دفعوا ويدفّعون ثمنها الشعب. وكل ذلك من اجل البقاء بأي وسيلة.

لقد ذهبت الثورة بعيداً، وصار المطلب الأساسي دفن جمهورية حافظ الأسد، بدءاً بإسقاطها بالكامل بمؤسساتها الأمنية المخابراتية، ورموزها السياسيين والأمنيين والماليين، وما عاد من الممكن الذهاب نحو تسوية تبقي النظام حتى بصيغة معدلة مخففة أو مقنعة يسعى اليها بشار الأسد، ويحاول أن يقنع بها المجتمع الدولي في أنه رجل دولة يحاور ويجري اصلاحات في النظام لتأمين انتقال سلس نحو تعددية سياسية معينة. ولكن الواقع على الارض الذي تثبته سياسة دموية منفلتة من عقالها، لا تودي إلا الى مواجهة مفتوحة بين "جمهورية حافظ الأسد" والثورة السورية التي تؤكد في كل يوم ومن خلال التضحيات الجسيمة على حقها في أن تدفع سوريا نحو التغيير الشامل.

لم يعد من مستقبل ممكن لسوريا من دون التغيير الشامل في كل شيء. فما يحكى عن اصلاح بالادوات الموجودة، أي مع استمرار الأسد الابن، ومجموعته، والنظام المخابراتي في الحكم، وبتعديلات طفيفة على الجوهر لا يشكل حلاً للأزمة السورية. وحده تغيير النظام لا تعديله يمثل أملاً في مستقبل واعد لسوريا وشعبها. فإن من يقتل شعبه بالطريقة التي يفعلها رئيس سوريا الحالي لا يمكن ان يكون جزءاً من مستقبلها.

إن المجتمع الدولي مطالب بأن ينزع الشرعية عن النظام في سوريا، من دون انتظار انضمام روسيا والصين. فالاتحاد الأوروبي ومعه الولايات المتحدة قادران على اتخاذ قرار تاريخي بالاعلان عن أن الرئيس الأسد صار غير شرعي بنظر الغرب. هذا الاجراء يفترض أن يستكمل باتصالات جدية مع المعارضة، وتشجيعها ودعمها في الخارج. أما بالنسبة الى العرب فيخطئ من يراهن عليهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والنفق المظلم .. د. محمد صالح المسفر

2011-08-01

القدس العربي

 (1) خمسة اشهر مضت وسورية الحبيبة تعيش اسوأ مراحل حياتها منذ عهد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، انها تسير في نفق مظلم. الشعب السوري يريد العزة والكرامة وهو يستحقها بجدارة، انه يريد يريد الحرية في القول والعمل من اجل سورية القوية العزيزة، انه يرفض الذل والاذلال من اي قوة في الارض، الشعب السوري العظيم قاوم كل جحافل الغزاة والطغاة عبر التاريخ وانتصر.

اليوم المعركة في سورية الحبيبة ليست كالمعارك التاريخية التى خاضها الشعب السوري، معركة اليوم هي مع نظام سياسي سوري طغى وتجبر على مدى اربعين عاما ونيف. مطالب الشعب في مطلع حركته الحالية هي الاصلاح وشعار ردده الثوار 'الشعب لا يذل'، كانت مطالبة متواضعة لا للاذلال، والقهر، والاستبداد، والفساد والمحسوبية، نريد العزة والكرامة، لكن الرسالة لم تصل الى اذان الرئيس بشار الاسد الا عبر 'فلاتر' اي عبر اجهزة الامن الرهيبة.

النظام الحاكم في دمشق صعد مواجهته منذ اللحظة الاولى في مدينة درعا ضد المدنيين العزل وانزل الجيش بقوته العسكرية المخيفة وجنوده بلباس ميداني وكأنهم متجهون لتحرير الجولان من الاحتلال الاسرائيلي. جنود او مجندون (شبيحة) يمتطون ظهور مواطنين قيدت ايديهم وبطحوا ارضا، رقص هؤلاء (الشبيحة) على ظهور الرجال وركلت رؤوسهم باحذية الشبيحة (البسطار الصلب وكأنهم يركلون كرة قدم. في مقابل تصعيد النظام لقمع المواطنين بالقوة المسلحة المطالبين بالاصلاح والكرامة والحرية. صعد المواطنون مطالبهم باسقاط النظام، وامتدت الثورة المطالبة باسقاط النظام لتشمل كل الارياف والمدن السورية من انطاكية شمالا مرورا بمدن الساحل والوسط حتى محافظة درعا في الجنوب، ومع بعد الشبه يذكرنا هذا الموقف بموقف الشعب السوري من اغتصاب السلطة في دمشق من قبل االجنرال الفرنسي هنري غور ومقاومتهم له رغم بطشه الشديد بالشعب.

يقيني بان القيادة السورية الماسكة بزمام السلطة لم تقرأ تاريخ الشعب السوري ومقاوماته لكل اصناف الاستبداد والظلم، لم يعتبروا من حملة الجنرال الفرنسي هنري غور وسياساته التي أعتقد انه بمجرد احتلاله لدمشق فانه سيسيطر على كل بلاد الشام. تداعى الشعب السوري لنجدة دمشق فهبت الثورة من حوران لنصر مقاومة دمشق للاحتلال الفرنسي وهتف اهل حوران كلهم 'حوران هلت البشائر' وتنادت مدن الشام من انطاكية الى الفرات والجزيرة امتدادا الى دير الزور والحسكة والقامشلي وحمص الى جسر الشغور الى ادلب وكل مدن الساحل والى درعا الى كل مكان في سورية وانتصر الشعب السوري في مقاومته للاحتلال. تاريخ سورية كله عبر لمن يعتبر فهل آن للرئيس بشار الاسد ان يعتبر؟

(2)

قلنا كغيرنا من شرفاء هذه الامة ونقول لكل الحكام العرب ان الحلول الامنية لمواجهة مطالب الشعب لن يكتب لها النجاح مهما طغت وتجبرت تلك الانظمة. الشعب ركن من اركان الدولة اذا اختل توازنه انهارت الدولة، الحكم اداة لتحقيق الانسجام الاجتماعي بين افراد الشعب متفق على ادارته بعقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم فاذا دب الفساد والاستبداد وانتشر الظلم وانعدمت العدالة انهار الحكم لكن الدولة والشعب لا يمكن ازالتهما او تبديلهما، الحكومات مستقبلها وبقاؤها مرتبط برضا الشعب عليها فاذا رفضها الشعب فلا عاصم لها من غضبه وستسقط وستلاحقها لعنة التاريخ طالما بقي الانسان.

( 3)

في مطلع الاسبوع الحالي اجتاح الجيش السوري مدنا مثل حماة وقرى وارياف سورية لاخضاع الشعب لارادة السلطة الحاكمة في دمشق وكأن النظام السياسي في دمشق في سباق مع الزمن باستخدام القوة المسلحة لانها ثورة الشعب السوري السلمية المطالبة بسقوط النظام قبل دخول شهر رمضان المبارك، ارتفع عدد القتلى لاكثر من 140 انسانا وتزايد ت اعداد الجرحى بعضهم جراحة خطيرة كما تؤكد وكالات الانباء المختلفة ولعل هناك جنودا سقطوا في هذه الحرب اللا اخلاقية بدلا من سقوطهم على سفوح الجولان وقممه المحتلة منذ عام 1967. النظام السياسي يقول ان هناك قوى مسلحة وايادي اجنبية تريد الحاق الهزيمة بسورية دولة التصدي والمقاومة والممانعة وعلى الحكومة السورية ان تحمي الوطن والمواطن من المؤامرات الاجنبية والعملاء والخونة. ونحن نؤيدها في ذلك ونشد من ازرها ونعينها للتصدي لهم. لكن اليس اقصر الطرق لحماية الوطن والمواطن في سورية وغيرها هي احلال العدل والمساواة والقضاء على الفساد والمفسدين وتسييد مبدأ حرية التعبير وتداول السلطة بالطرق الديمقراطية وايجاد دستور متفق عليه ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ اليس اقصر الطرق واسلمها لحماية الوطن والمواطن هو الاستجابة لمطالب السشعب وتحقيق الانسجام الاجتماعي بين مكوناته في جو من الحرية والامن الجماعي؟

اخر القول: نؤكد ان الاجراءات الامنية وسن قوانين حمالة اوجه لا تحمي نظاما ولا تحقق له الاستقرار. لكن اعان الله امتنا العربية على امورها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ربيع دمشق وصيف حماة.. عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

نشر : 01/08/2011

لم يرث الرئيس بشار الأسد عن أبيه الراحل العام 2000 مقاليد رئاسة الجمهورية فقط، ولا الأمانة العامة للحزب والقيادة العليا للجيش والقوات المسلحة فحسب، وإنما ورث عنه أيضاً أوزار مجزرة حماة التي تعد أبشع جريمة شهدتها الديار الشامية في العصر الحديث، حيث حفرت وقائع ما جرى في شتاء العام 1982 وسط تعتيم مطبق، في الوعي العام السوري، قانون الخوف من الخوف، الذي حكمت به العائلة رقاب العباد وشؤون البلاد على مدى العقود الثلاثة اللاحقة.

وأحسب أن السوريين الذين تسامحوا، بدون أن ينسوا ما جرى في المدينة الذبيحة، كانوا راغبين في تأسيس علاقة جديدة مع الرئيس الشاب، طبيب العيون الذي بشر غداة توليه مفاتيح الحكم بإجراء تغييرات تتسع لسماع الرأي الآخر الحبيس لدى منظمات المجتمع المدني، وإغلاق الدفاتر القديمة الهاجسة بالأمن والأمن فقط، فيما عرف حينها باسم "ربيع دمشق" الذي سرعان ما انتهى بإعلانات فظة عن حظر المنتديات وإغلاق الصالونات الفكرية، ومطاردة المعارضين الديمقراطيين وزج كثير منهم في الأقبية بتهمة تهوين إرادة الأمة.

وها نحن بعد مرور نحو عقد على ذلك الربيع الذي لم يدم سوى ستة أشهر كانت بمثابة الاستثناء على القاعدة، نقف اليوم على مشارف ما يمكن أن نسميه "صيف حماة" الذي قد يمتد إلى أجل طويل، قبل أن يحل ربيع آخر جديد، وتزهر أوراقه هذه المرة في سائر المدن والبلدات السورية، التي تواصل هتافها المدوي بالحرية منذ نحو خمسة أشهر، تحطم خلالها قانون الخوف والإسكات، ومضى إلى غير رجعة زمن الترهيب والإذلال والتصفيق، ومعه شعار سورية الأسد.

وكما تقدمت مدينة حماة المشهد السوري قبل نحو ثلاثين سنة، ثم غاصت في اللاوعي الجمعي كجرح غائر عميق، تعاود اليوم هذه المدينة العصية على النسئ احتلال صدارة المشهد ذاته، وهي تمسك بالزمام، وتقود الاتجاه العام، وتؤسس لوعي سوري جديد، ومسار سياسي مختلف عما كان سائداً منذ نحو نصف قرن مضى، تغيرت في غضونه الأنظمة والمفاهيم والقيم والمعارف والقوانين، إلا في بلد القائد الأبدي والنظام البوليسي والحزب القائد للدولة والمجتمع.

ذلك أن استهداف حماة بالقتل والترويع مرة أخرى، ومن دون اعتبار لرمزية هذه المدينة التي شب فيها أولاد المذبوحين عن الطوق، وصاروا رجالاً متطهرين من عقدة الخوف، قد يشكل التطور النوعي في مسار الأزمة المستفحلة، ويحدث النقلة الفارقة في مجرى التطورات المتفاقمة، ويعجل في حدوث الانعطافة التي من شأنها إخراج الوضع عن السيطرة، وحث النظام على غذ الخطى نحو التهلكة، التي لم تعد محل شك، وإن كان سؤالها الباقي يتعلق بعنصر الوقت.

وهكذا فإن عماء البصيرة وضيق الأفق، ناهيك عن الثقة الزائدة بقدرة القمع الوحشي على استرجاع قانون الخوف، هي التي عملت جنباً إلى جنب، مع شدة بأس حماة وشقيقاتها الثائرات على منظومة الترهيب والتدجين المتهاوية، على تحقيق ما يمكن أن نسميه بداية مرحلة جديدة، تأتي متممة لمرحلة كسر الرتابة والتماثيل والخشية من الحيطان التي لها آذان، وصنع ما يرقى إلى مستوى المعجزة، في زمن ولت فيه المعجزات وانتهى فيه عهد الأحادية والشمولية والاستبداد والإفراط في الوحشية بدون أدنى مساءلة.

وكما كانت حماة إرثاً ثقيلاً على نظام التوريث والتشبيح والولاء المذهبي والممانعة اللفظية، ها هي اليوم ذات المدينة المتعالية على جراحها الدفينة وذكرياتها المريرة، تنهض من جديد لكتابة فصل تأسيسي جديد في حياة سورية، وربما في عموم المشرق العربي، يبدأ بإعادة إحياء ربيع دمشق المتصحر قبل الأوان، وتعميده من ثم كفصل دائم طوال العام، يزهر فيه الورد الجوري الأحمر بعد طول انقطاع، وتهب منه نسائم الحرية والديمقراطية على الجوار، وتعلو على أطرافه أشجار الحور سامقات، لتظلل كل النفوس التائقة إلى ربيع عربي مديد يعم كل الديار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في سوريا نريد الحرية.. العدالة.. التسامح.. لا ثأراً ولا انتقاماً .. ميشال شماس()

المستقبل - الاثنين 1 آب 2011

العدد 4073 - رأي و فكر - صفحة 19

الرسالات السماوية قامت على المحبة والرحمة والتسامح، ونبذت الكراهية والعنف والقتل، يسوع المسيح عندما كان على الصليب طلب من ربه أن يغفر لمن صلبوه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون، وهو الذي قال أمام حشد من الناس "من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأيسر". وقال أيضاً أحبوا أعداءكم وباركوا لأعينكم وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم.. والنبي محمد لم ينتقم من جاره اليهودي الذي كان يرمي داره بالأوساخ، بل قدم له الطعام والدواء عندما مرض تأكيداً لقوله في القرآن "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".. وقوله: "ادخلوا في السلم كافة" (البقرة: 208). وقوله أيضاً: "خلقناكم قبائل وشعوب لتعارفوا وإن أقربكم إلى الله هو اتقاكم" (الحجرات 208).

والعظيم نيلسون مانديلا رغم سجنه سبعة وعشرين عاماً وضع مصلحة بلده فوق رؤيته الشخصية الضيقة باعتباره زعيم السود في جنوب أفريقيا، ووضع أيضاً مصلحة واستقرار جنوب أفريقيا فوق رغبة الانتقام التي كانت تعم بين السود من عنصرية البيض تجاهه شخصياً وتجاه أغلبية شعبه من السود، وفتح قلبه وعقله ويديه لزملائه وكذلك للذين ظلموه من البيض، وأسس ما أسماه بلجان الحقيقة والتسامح، وقال يجب أن نعرف حقيقة ما حدث وبعد ذلك نسامح من ظلم. فنجت جنوب أفريقيا من حرب أهلية بين السود والبيض رغم الاضطهاد الكبير الذي عانى منه السود على يد الأقلية البيضاء التي كانت تحكم في جنوب إفريقيا.. واحتلت مكانة مرموقة في العالم بفضل سياسة التسامح التي اتبعها نليسون مانديلا.

ومن هذا المنطلق أود أن أناشد من بيده القرار اليوم أن يعي جيداً أن مصلحة سوريا وشعبها لا يمكن أن تتحقق بالحل الأمني ولا بالاعتقالات، بل بالحل السياسي والاعتراف بأننا نعيش في أزمة وطنية، وفتح الإعلام أمام الرأي الأخر إعلام يكشف لنا بصدق وشفافية حقيقة ما يجري على الأرض..

كما أناشد الذين يتحدثون اليوم عن تغيير الدستور وعن تحقيق الحرية والديمقراطية، وأولئك الذين يتحدثون عن إسقاط النظام وإسقاط الرئيس، وأرجو هؤلاء الذين يطالبون بالقصاص والانتقام أن يضعوا مصلحة سوريا فوق أي اعتبار، فمصلحتي ومصلحتك ومصلحة جميع السوريين لا يمكن أن تتحقق من خلال التجريح والسباب والشتائم والتوعد بالانتقام، بل تتحقق بالتسامح والمحبة والتعالي على الجراح.

وإن مصلحة سورية سوريا لا تتحقق بسعي كل منّا لتطبيق رؤيته وآرائه الشخصية الخاصة، بل تتحقق عندما أضع رؤيتي وتضع رؤيتك الشخصية في خدمة مصلحة سوريا، وفي خدمة مصلحة جموع الشعب السوري بمختلف تلاوينه وأطيافه فوق أي شخصية.

إن تحقيق ذلك سيمنحنا القدرة والقوة على مسامحة من ظلمني ومن ظلمك.. وبناء سوريا على أساس من الحرية والكرامة والعدالة والتسامح .. سوريا خالية من الكراهية والحقد والانتقام... خالية من الاستبداد والظلم والقهر.

لا شك في أن حجم الظلم الذي لحق بأغلبية الشعب السوري كان كبيراً، وأدرك جيداً مدى حجم الأسى والألم الذي يعتصر قلوب السوريات والسوريين الذين ظلموا وعذبوا وعانوا القهر والاستبداد، إلا أن كل ذلك يجب أن يدفعنا إلى إن ننظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية حتى نتمكن من تجاوز تفاصيل الماضي المؤلم بأقل الخسائر والآلام ، وننطلق باتجاه بناء سوريا العزة والكرامة والعدالة والتسامح.

إن سوريا يجب ان تتسع لجميع بناتها وأبنائها دون تمييز، وبصرف النظر عن ميولهم السياسية والدينية وألوانهم وأجناسهم وأعراقهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حماة : إطلاق النار على الأذان! .. حلمي الأسمر

 الدستور

1-8-2011

رأيت بالأمس قوات الأمن السوري وهي تطلق النار على مئذنة ينطلق منها الأذان، كأن المجرم يريد أن يُردي الأذان!

ورأيت واستمعت إلى طفل سوري صغير، أصابته رصاصة ابن بلده في الكتف فدخلت من جهة وخرجت من الجهة الأخرى، لأنه كان يهتف: الله أكبر..!

ورأيت كما هائلا من الأفلام التي نقلها أحرار سوريا من مذبحة حماة الجديدة، وكلها تؤكد أن النظام قرر بشكل لا يقبل الشك إعادة إنتاج مذبحة حماة التي ارتكبتها قوات حافظ الأسد عام 1983 وراح ضحيتها زهاء ثلاثين ألف مواطن سوري!

قبل بضعة أسابيع كما أذكر، قال أردوغان بالحرف الواحد: لن نسمح بمجزرة حماه ثانية، ويبدو أن قوات الأسد الابن، تعيد ارتكاب نفس ما ارتكبته قوات الأسد الأب، دون أن تطلب الإذن من أردوغان، فبدأت بارتكاب مذبحتها على أعتاب شهر الصوم، ففي الوقت الذي يعد العرب والمسلمون أنفسهم للدخول في رمضان الخير، فيشترون الأكل والشرب، ها هم أهل حماة يلملمون أشلاء ضحاياهم من الأرصفة والطرقات ومن تحت الأنقاض، على وقع جعجعات الإعلام السوري الرسمي بالإصلاح وقوانينه الفارغة!

الجمعة الماضية أطلق أحرار سوريا حراكاتهم تحت اسم: صمتكم يقتلنا، فقتل الأمن السوري وزعرانه نحو عشرين سوريا، وحين تأكد له أن أصوات الضحايا لم تتجاوز شبكة الإنترنت، وأن أمين عام الجامعة العربية، الناطق باسم النظام العربي الرسمي، لم يزل ينتظر إصلاحات النظام السوري ، وأيقن أن صوت العرب والعالم كله مبحوح أو مفقود، قرر أن يدخل حماة، ويفتح عليها مدافع الدبابات، وقد رأيت بنفسي كيف يقصف من يفترض أنه جيش سوري بيوت الناس بمنتهى الحماس، وكيف يخرج القوم من تحت الأنقاض!!

مدينة حماة السورية عاشت بالأمس يوما استثنائيا، ومن قرأ ما بثته وكالات الأنباء يوقن أنها تعيش حالة حرب حقيقية، وإلا ماذا نقول حينما نرى دبابات الجيش «السوري» تقتحم المدينة في وقت مبكر من يوم الأحد، بعد حصار للمدينة دام شهرا تقريبا، ثم تبدأ بقصف الأحياء السكنية بمنتهى الوحشية؟ وماذا فعل سكان حماة كي يحاورهم النظام بهذه الطريقة الهمجية الحاقدة؟ وهم لم يفعلوا شيئا إلا أنهم خرجوا في مظاهرات احتجاجية تطالب بالكرامة والحرية؟؟ تخيلوا لو ان كل مجموعة من الناس خرجت في تظاهرة واجهها جيشها بمثل هذه الطريقة «الحضارية» !!

جنود الأسد يطلقون النار على المآذن لأنها ترفع ذكر الله صادحة: الله أكبر، والله أكبر منهم ومن كل المخلوقات والقوى، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!

أما أولئك الصامتون، الذين صرخ بهم أحرار الشام: صمتكم يقتلنا، فلم ينبسوا ببنت شفة، فسيكون لهم شأن آخر، حينما تتحرر الشام !

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صمتٌ مريبٌ ومُدان !.. صالح القلاب

الرأي الاردنية

1-8-2011

لأن الجامعة العربية ,وكان على رأسها حين ذاك الدبلوماسي المخضرم والعريق والقومي العربي المتدفق حماساً عمرو موسى ,كانت قد سارعت مع انطلاق أول شرارة تمردٍ شعبي في مدينة بنغازي على نظام معمر القذافي, الذي كان المفترض أن يتمرد عليه شعبه قبل ثلاثين عاماً ,إلى استدعاء حلف الأطلسي ليتدخل عسكرياً في شؤون هذه الدولة العربية وحماية شعبها من بطش «الأخ قائد الثورة» فإن سكوتها الآن إزاء ما يجري في سوريا لا يمكن فهمه ولا يمكن تبريره وهو سيسجل تاريخياً ضد هذا الكيان العربي الذي خُلقَ عاجزاً وبقي عاجزاً منذ لحظة إنشائه وحتى الآن.

غير مطلوب ,بل أنه مرفوض رفضاً مطلقاً, أن تفعل هذه الجامعة العربية بالنسبة لسوريا ما كانت فعلته بالنسبة ل»الجماهيرية العظمى» لكن ما هو غير مقبول بل هو موضع شبهة وإدانة وتنديد أن يبقى كل هذا الصمت المريب فعلاً الذي إن هو يدل على العجز والشلل فإنه يدل أيضاً على التخاذل ويدل على أن هذه المؤسسة لا تأخذ بعين الاعتبار أن احدى دولها الرئيسية آخذة بالتآكل الداخلي والتفسخ بينما الدول الشقيقة لا تسمع ولا ترى وكأن كل هذا العنف يجري في «ماكرونيزيا» أو في جزر «واق الواق»!!.

كانت هناك مراهنات في البدايات على إمكانية استيعاب ما حدث في درعا وما تلاه وإنهاء هذا المأزق المتفاقم بينما كان في بداياته بالعقل والحكمة والوسائل السلمية وربما أن هذا هو الذي جعل أمين الجامعة العربية الجديد نبيل العربي مع انه ذهب إلى دمشق متأخراً وبعد «خراب البصرة» يتحدث عن زيارته وعما سمعه من كبار المسؤولين السوريين بدبلوماسية ناعمة لم يُفهم منها شيء ولم تُعطِ أي انطباع بالنسبة لما إذا كان لهذه «الجامعة» موقف فعلي إن سلباً وإن إيجاباً وإن في هذا الاتجاه أو ذاك.

لا يجوز أن تبقى «الجامعة» تلوذ بكل هذا الصمت المريب فسوريا العزيزة والحبيبة والتي هي أكثر من رقم رئيسي في المعادلة العربية تتآكل على هذا النحو وتتفسخ بطريقة مرعبة ومخيفة ولهذا فإن المفترض أن يكون هناك تحرك على غرار ما جرى تجاه اليمن على الأقل أما «التطنيش» على هذا النحو فإنه مُدان ومرفوض وأنه سيضيف مبرراً جديداً للمطالبين بالتخلص من هذه «الصيغة» التي لم تستطع تجديد نفسها وبقيت وفية للمحددات التي وضعها لها الانكليز قبل نحو ستين عاماً ونيف.

لماذا كانت تلك المسارعة المشبوهة للاستنجاد بحلف شمالي الأطلسي لحماية أهل بنغازي من عقيدهم الذي لم يَجُدْ الزمان بمثله على أي شعب آخر؟!!ولماذا كل هذا الصمت المريب تجاه ما يجري في سوريا..؟إن هناك مثلاً يقول إن السكوت دلالة الرضى..فهل أن العرب الرسميين راضون عن كل هذا الذي يجري في واحدة من أهم الدول العربية من عنف وإراقة دماء؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صمتنا يقتلهم؟! .. رجا طلب

الرأي الاردنية

1-8-2011

بعد اكثر من اربعة شهور وسقوط آلاف القتلى والجرحي في المواجهات بين الجماهير وقوات الامن والجيش في العديد من المدن والقرى السورية، صرخ السوريون يوم الجمعة الفائت بصوت مؤلم مضرج بالحسرة والعتب الشديد على اخوانهم العرب واسموا جمعتهم « صمتكم يقتلنا «، انه عنوان سياسي رغم كل ما يحمله من معان اخلاقية وقيمية، فلسان حال صوت الشارع السوري يقول «هل دماؤنا رخيصة عليكم الى هذا الحد، الم نكن نحن معكم دائما في كل شيء، فلماذا تتركونا لآلة القتل دون حتى ان تذرفوا الدموع علينا؟» انها اسئلة مشروعة ومؤلمة حد الموت.

اما مشروعية هذه التساؤلات فانها تأتي من الوقائع التالية:

اولا: لماذا تدخل العرب بعد اسابيع قليلة على بدء المواجهة بين مرتزقة القذافي والشعب الليبي واتخذوا قرارا لم يتخذ من قبل حتى بحق اي نظام عربي بما في ذلك نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين عندما احتل الكويت في 2 اغسطس من 1990 ونزعوا عنه الشرعية ومهدوا بذلك لقرار مجلس الامن رقم 1970 الذي مهد لضرب قواته من قبل الناتو.

ثانيا: لماذا كان العرب الرسميون حساسين دائما حيال كافة القضايا الداخلية في اوضاع عربية اخرى يمكن وصفها بالخلافات او الصراعات كما كان وضع لبنان مع بدء تفجر الحرب الاهلية عام 1975 ودخول القوات السورية الى لبنان باسم الجامعة العربية لوقف تلك الحرب، واحتلال العراق للكويت عام 1990 ومثل التدخل في اليمن بعد الحرب بين الشمال والجنوب عام 1994، والتدخل في الصراع السوداني، والصراع بين فتح وحماس وغيرها من القضايا التى وجد العرب الرسميون لانفسهم مساحة من الحق والشرعية للتدخل بها هذا بالاضافة الى التدخل الخليجي في قضية امن البحرين عبر تدخل قوات درع الجزيرة، لماذا يكون الوضع الدموي الحاصل في سوريا حالة شاذة يمارس حياله العرب الرسميون والى حد ما الشعبيون لعبة القرود الثلاثة «لا ارى، لا اسمع، لا اتكلم»؟

انه سؤال برسم الالم السوري وبرسم الوجع الذي لم يقترف فيه ابناء سوريا الذين هم اخوتنا وابناء عمومتنا شيئا سوا المطالبة بالحرية، ولكن هل من المصادفة ان يتوحد الصمت العربي مع الاسرائيلي مع الاميركي في وقت واحد حيال الوضع الدموي في سوريا ؟

وهل من المصادفة ان يكون مسموحا فقط لكل من ايران وحزب الله وحكومة المالكي وهم اصحاب لون طائفي واحد التدخل في الشأن السوري من زاوية دعم الة القمع واستباحة دماء المطالبين بالحرية ؟

ان كل ما سبق يؤكد على ان الوضع السوري سياسيا وجيوسياسيا هو وضع مهم لكل المنطقة والاقليم وهو ما يتطلب سياسة اكثر انتباها وتعقبا لتطورات الوضع في سوريا، فسياسية « لنبعد وننتظر النتائج « هي سياسة مأساوية لانها تسمح بمزيد من العنف والدماء وفي كل الاحوال لن ٌترصد هذه السياسة اي نوع من الثقة لدى النظام في سوريا الذي بات متيقنا بان حلفاؤه التقليديون هم معه فقط، وان الآخرين ان لم يكونوا اعداءه هم ليسوا حلفاءه، وهو ما يعني ان النظام في سوريا بات عمليا بحاجة الى نصائح صادقة على غرار النموذج التركي من اجل رسم خارطة طريق تعفيه وتعفي المنطقة من نتائج الفوضى المحتملة من استمرار شلال الدم في المواجهة المفتوحة بين النظام والشعب التي تنذر بخطر التقسيم وتعميق التناحر الطائفي ليس داخل سوريا فحسب بل داخل لبنان والعراق.

في كل الاحوال مازال هناك متسع من الوقت لمبادرة عربية او لغطاء عربي لمبادرة دولية تنهي حالة القتل في سوريا وهذا هو الامر الاهم، لكي نستطيع غدا القول لاهلنا في سوريا اننا لم نصمت اننا مع دمائكم ضد آلة القتل وهذا اقل الواجب، حمى الله سوريا وحمى الله الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القتل مستمر والانتفاضة ايضا .. عبد الباري عطوان

2011-07-31

القدس العربي

 لنفترض جدلا ان بعض الفضائيات العربية تبالغ في تضخيم اعداد الشهداء الذين يسقطون برصاص قوات الامن السورية، في حماة وحمص ودير الزور، وقبلها درعا وريف دمشق، ولنفترض ايضا ان بعض شهود العيان ليسوا دائما، او بعضهم، في مكان الحدث الذي يقدمون وصفا عن وقائعه، مثلما يقول المتحدثون والمسؤولون السوريون، ولكن الصورة لا تكذب، وحتى نصف عدد الضحايا (140 شهيدا) مرعب في حد ذاته، وكذلك منظر دبابات الجيش السوري وهي تقتحم المدن السورية لتقمع الانتفاضة الشعبية العارمة التي تجتاح مختلف انحاء البلاد، للمطالبة بالتغيير الديمقراطي المشروع، وتطلق حمم مدافعها، وبشكل عشوائي، على المواطنين، وبهدف القتل، في محاولة يائسة لفرض السيطرة بالقوة.

اصبحت المجازر قدر مدينة حماة واهلها، لانها دخلت التاريخ السوري الحديث كرمز للتحدي، وعنوان للتضحية والتمرد على الظلم والطغيان، فهناك اصرار على تركيع هذه المدينة، وبصورة اكثر شراسة من المدن الاخرى، ولهذا لم يكن مفاجئا ان يكون زوار فجرها هذه المرة، هم ابناء زوار فجرها في المجزرة السابقة قبل نحو ثلاثين عاما، فالمجازر تتناسل، وضحاياها اليوم هم ابناء واحفاد ضحاياها بالامس.

السلطات السورية التي تتمسك بصلابة وعناد بحلولها الامنية لم تتعب من القتل وسفك الدماء، فيما يبدو واضحا من مجازر الامس في اكثر من مدينة، واكثر من بلدة، ولكن المؤكد ان قطاعا عريضا من ابناء الشعب السوري الذي يتعطش للتغيير والعدالة والحد الادنى من الحقوق الانسانية، لم يتعب من التضحيات ايضا، مهما بلغت ضخامتها، مثلما هو واضح من خلال ما يصلنا من تفاصيل المشهد الدموي السوري عبر وكالات الانباء والمحطات التلفزيونية العربية والعالمية.

تخطئ السلطات السورية اذا اعتقدت، انها بمثل هذه الهجمة المرعبة، تستطيع انهاء الانتفاضة، وقبل بدء شهر رمضان الفضيل بالذات، لان خمسة اشهر من تجريب الاسلوب الدموي نفسه، مدعوما بالشبيحة والقناصة، اعطت نتائج عكسية تماما، ففي كل مرة تعتقد انها سيطرت على الوضع، وفرضت قبضتها الحديدية، تزداد الاحتجاجات ضراوة، وتزداد معها مهرجانات الجنائز.

كان اجدى، وربما اكثر نفعا للسلطات، لو انها مدت غصن الزيتون لشعبها في هذا الشهر الفضيل، وقررت ان تجعله مناسبة تعلن فيها هدنة من القتل، تمنح خلالها جنودها وقناصتها إجازة، وللشعب فسحة لالتقاط الانفاس، وتضميد الجراح، ولكنها للاسف لم تفعل والغت فضيلة التسامح كليا من قاموسها ولو بشكل مؤقت، لافساح المجال للعقلاء، اذا بقي منهم احد، لعقلنة هذه الاجهزة الامنية المسعورة والمتغولة، واعطاء فرصة للتأمل والبحث عن حلول اخرى تحقن الدماء، وتجنب البلاد خطر الانزلاق لهاوية الحرب الاهلية الطائفية، التي قد يحرق لهيبها ليس سورية فقط، وانما المنطقة بأسرها.

' ' '

كيف يمكن الحديث عن الحوار ومدافع الدبابات هي التي تتفاوض مع ابناء الشعب بقذائفها؟ وكيف يمكن الحديث عن التعايش مع اطار التعددية الحزبية واطلاق الحريات، والسجون ملأى بأصحاب الرأي الآخر. والمستشفيات تغص بمئات القتلى وآلاف الجرحى؟

سورية تحولت الى مأتم كبير، الى جنازة تمتد نعوشها من اقصى شمالها الى اقصى جنوبها، ومن ساحلها الى آخر نقطة في حدودها الجنوبية، ولا تلوح في الافق اي اشارة الى وقف قريب لمثل هذا المشهد المأساوي.

المعارضة تعارض، تعقد المؤتمرات في هذه المدينة او تلك، يتحدث رموزها بلا انقطاع عبر شاشات التلفزة، يكررون الكلام نفسه، والشعارات نفسها كل يوم.. كل اسبوع، بحيث جفت قرائحهم، وعجزت مواهبهم عن ايجاد تعبيرات جديدة، والنظام في المقابل يواصل نهجه، ويتمسك بسياساته نفسها، بعناد غير مفاجئ، وغير مفهوم او مقبول في الوقت نفسه، والنتيجة في نهاية المطاف دمار شامل لهذا البلد العربي الاصيل الذي كان دائما رأس حربة في الدفاع عن هوية هذه الامة العربية، والاندفاع في نصرة قضاياها الوطنية المشرفة.

لا نعرف اذا كان المسؤولون السوريون، في قمة الاجهزة الامنية خاصة، الذين يصدرون اوامرهم بالمزيد من القتل دون رحمة او شفقة بهذا الشعب العربي الاصيل المثالي في صبره وتحمله، لا نعرف اذا كان هؤلاء يشاهدون جثامين الضحايا مثلنا عبر شاشات التلفزة، وما هو رد فعلهم تجاه شلال الدماء النازف ليل نهار دون انقطاع منذ اندلاع الانتفاضة؟ فهل يتألمون مثلنا، وهل يكتئبون مثلنا، وهل تذرف عيونهم الدموع وهم يرون ابناء شعبهم، واشقاءهم في الدين والعقيدة ينزفون حتى الموت في مطلع هذا الشهر الفضيل وبعضهم ربما كان عائدا من محل بقالة حاملا ربطة خبز او بعض الفواكه المجففة (قمر الدين) او بعض الخضار واللحم، مثلما يفعلون كل عام وفي مثل هذا اليوم.

' ' '

اعترف بان تكرار فصول المشهد الدموي السوري، جعل الكتابة صعبة، علاوة على كونها مؤلمة، وباتت عملية التحليل الموضوعي للأحداث، وتقديم الحلول والمخارج شبه مستحيلة، ان لم تكن مستحيلة، ولهذا لم يبق لنا الا ان نكتب بطريقة عاطفية. فالنظام لا يريد ان يرحل مثلما يطالب قطاع عريض من الشعب، والشعب لا يريد ان يتوقف ويعود الى اذعانه السابق الذي استمر اربعين عاما مثلما يريد النظام، اما الوسطاء فمعدومون، ولا وجود لهم، لا في المجتمع الدولي، ولا في الجوار العربي، الجميع يقف موقف المتفرج، وكأنهم يريدون لهذا الشعب الفناء، ولهذه الدولة الانهيار، بل وربما الذوبان والاختفاء عن الخريطة كعامل فاعل ومؤثر في المنطقة والعالم.

ما نعرفه، بل وشبه متأكدين منه، ان الانتفاضة ستستمر، وان الحلول الامنية لن تعطي ثمارها في كسر كرامة هذا الشعب، واعادته الى حظيرة السكينة والخنوع مجددا، الا اذا حدثت معجزة، ولسنا في زمن المعجزات على اي حال.

مرة اخرى نقول إننا كنا نتمنى ان يكون شهر رمضان المبارك إيذانا بصفحة جديدة من الرحمة والتسامح، وحقن الدماء، فإذا كانت حركة طالبان التي يصفها اعمدة النظام في سورية بالظلامية والتخلف، تدرس وقف كل عملياتها العسكرية ضد القوات الامريكية المحتلة طوال ايام الشهر الفضيل، فقد كان الاجدر بهذا النظام ان يكون سباقا في هذا الاطار، فهو لا يرسل الدبابات لمواجهة عدو محتل، وانما ابناء شعبه الذين لا يريدون اكثر من العيش في أمان في دولة يسودها العدالة وحكم القانون والحد الادنى من الحريات والحقوق الانسانية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. سقط النظام!.. حسين شبكشي

الشرق الاوسط

1-8-2011

يستقبل العالم الإسلامي شهر رمضان المبارك هذا العام بنكهة الدم، كيف لا وبلد إسلامي عظيم كسوريا يبيد جيشُ نظامه شعبَه في مدينة تلو الأخرى في غرة هذا الشهر الفضيل؟! كانت أرتال الدبابات السورية تدك حمص وحماه ودير الزور وإدلب ومعرة النعمان والبوكمال ودرعا، وكانت حصيلة المقتولين فوق مائتي شخص.. مذابح وحشية، مصابون يمنعون من إدخالهم المستشفيات، ومبان تدك عن بكرة أبيها، مساجد تقصف بالصواريخ، مخازن المياه تهدم والكهرباء تقطع والطرقات تسد!

لم يعد الحديث مجديا أن يكون – بسخافة – عما إذا كان نظام بشار الأسد قد فقد شرعيته أم لا، ولكنه حتى اليوم فقد هذا النظام أخلاقه ودينه وإنسانيته. كذلك لم يعد من الممكن فهم صمت الدول والمنظمات العربية والإسلامية (وأولها تركيا) إزاء المذابح والمجازر التي ترتكب في حق السوريين (على الأقل مقارنة بالتنديد للحادث الإرهابي الذي حصل من مجرم النرويج أو المجاعة التي تحصل على أرض الصومال)، لم تعد مجدية قراءة المسألة من الجانب السياسي والأمني والحديث عن المبادرات والحوارات والقرارات الإصلاحية الكاذبة. فلقد أبان هذا النظام المجرم عن وجهه الحقيقي، وكشف عن توجهه المتواصل، فهو لم يتعلم ولم يحد عن خط أبيه الذي تسبب في إبادة أهل حماه وأسقط 45 ألف قتيل فيها، وكذلك فعل في تدمر وحلب وفظع في معتقلاته بعشرات الآلاف عبر السنين، وها هو بشار الأسد يسير على نفس الخط ويقوم بمجازر مذهلة ولا يرحم النسوة ولا الأطفال ولا الشيوخ بشكل تعجز الكلمات عن وصفه والتعبير عنه، ولكن اليوم يدخل في مواجهة مع عباد الله في شهره الفضيل، فهو تعدى النواميس واخترق الحرمات ولم يعد أمره قاصرا على إدانة أوباما ولا على احتجاج كلينتون عليه ولا على عقوبات الاتحاد الأوروبي بحقه ولا تخدير أردوغان له ولا شجب جامعة الدول العربية (الذي لن يحصل)، هناك دم استبيح في شهر عظيم، هناك جرائم تحدث في شهر فضيل، أمهات ثكلى تصيح وترفع أياديها إلى عنان السماء تدعو وتستغيث، أطفال يملأ صراخهم المدى من الخوف والذعر، رجال خالطت أدمعهم كلماتهم وهم يرون أشلاء أقربائهم وأهليهم وأحبتهم ممزقة على الطريق بعد أن قتلوا من قذف الصواريخ وسير الدبابات عليهم.

في ظل الصمت الدولي المتآمر والعربي والإسلامي المعيب الذي يوضح كله أن هناك «اتفاقا ما» ربما تم لصالح النظام السوري الذي «وافق» على الاعتراف بإسرائيل وحدود «جديدة» لها مقابل السماح له بتنظيم شؤونه الداخلية (وهو الأمر الذي فضحه ابن خال بشار الأسد، رامي مخلوف حينما قال إن أمن سوريا من أمن إسرائيل).

بشار الأسد الذي كان فرحا برفع أكبر علم في تاريخ سوريا تأييدا له وهو الذي لم يستطع نظامه ولا نظام أبيه لمدة أربعين سنة أن يرفع راية طولها نصف متر على الجولان، أو أن يسمح بأن يرمى حجر واحد باسم المقاومة من حدوده مع إسرائيل لاستعادة أرضه؛ لم يعد يقاتل ثوارا ولكن اليوم يعادي كل عباد الله السوريين في هذا الشهر الفضيل. وعليه لم تعد مسألة سقوط النظام من عدمه مسألة قابلة للبحث، لقد سقط النظام في الناموس الإلهي، وهذه العمليات الإجرامية التي قام بها البارحة هي تأكيد على أن النظام فقد صوابه تماما ولم يعد لديه القدرة على التصرف بالعقل ولا بالحكمة، وأن الخوف من شهر رمضان عمى بصر النظام وبصيرته.

أبشروا يا أحرار سوريا بالفرج والنصر المبين، أبشروا بالحرية والكرامة والخلاص العظيم.. النظام سقط ومات ولا رحمة عليه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يفطر في نهار رمضان .. حمد الماجد

الشرق الاوسط

1-8-2011

يبدو مع تصاعد وتيرة المذابح التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه مع إطلالة الشهر المبارك، أن النظام قرر أن يواصل إفطاره في نهار رمضان، ومائدته البلدات السورية. وإذا كان مشروب السوريين المفضل على مائدة الإفطار قمر الدين، فإن مشروب النظام قمر بلا دين ولا مروءة ولا رأفة ولا رحمة، النظام اختار مجزرة حماه، أمس (الأحد)، لتكون إنذاره المبكر بعقده العزم على تكبير لقمة إفطاره ومذابحه، وليثبت أن الذي لم يكترث بحرمة الدماء لن يكترث أبدا بحرمة الشهر الكريم. رمضان في حسابات النظام أوله «مشبحة» وأوسطه «مذبحة» وآخره «قذف في النيران».

شهر المذابح للنظام السوري ليس له هلال واحد يشاهده ليقرر الصوم، بل خمسة وعشرون مليون قمر هي عدد أفراد الشعب السوري، كلما طلع قمر سوري يطالب بكرامته الإنسانية وفك القيد عن حريته قال جلاوزة النظام: أهل علينا باستحقاق الظلم والطغيان. وعند الإفطار وحين ينجحون في قتل سوري شجاع، يتمتم كل جلاد: على رزقك يا زعيمنا أفطرنا، ذهب الظمأ من تعطش الدماء وابتلت العروق من سيلانها، وثبت الأجر والأعطيات والبخاشيش، إن شاء الزعيم، في رمضان تصفد شياطين الجن، إلا في سوريا، فشياطين الإنس من قوات الزعيم والشبيحة ستنطلق بلا أصفاد، والفرصة مواتية، إذ أن فرصة النظام في الأشهر الأخرى لمواجهة الناس وقتلهم وسفك دمائهم هو يوم الجمعة، وأما في رمضان فتجمع التراويح اليومي كأنه جمعة يومية، فرصة ذهبية لا تقاوم لتقديم القرابين لماهر ودراكيولات الدماء السورية.

كل المسلمين يتلون آيات القرآن في هذا الشهر الكريم، وجلاوزة النظام يتلون كتاب البعث المقدس آناء الليل وأطراف النهار يرتشفون منه ما يملأ قلوبهم من خشية النظام، يرجون مغفرته ويخافون عذابه، المعذرة أنا قلت البعث؟ أي بعث؟ حزب البعث السوري أكبر خدعة ماكرة انطلت على العالم، البعث غلاف تسجى به النظام ليخفي طائفيته، وإلا كيف يكون هذا التحالف الوثيق العرى لحزب خصمه الدين، مع ملالي الدين الإيراني؟ وأن يكون الراعي الرسمي لقائمقام إيران في لبنان حزب الله وسيده نصر الله الذي وإن لبس الجبة والمشلح والعمامة، فقد عرته الانتفاضة الشعبية السورية، فأظهر مرغما مواقفه المخزية من شعب يتعرض لأبشع أصناف التقتيل والتعذيب.

الشعب السوري قدم ملحمة باسلة على الثرى السوري مع أن أمد انتفاضته طال، وتحمل من دموية النظام وقسوته وجبروته ما لو وضع على جبل لانصهر، ولا يلام لأن التراجع في هذه المرحلة معناه أن يستفرد الجزار بالضحية، فليس ثمة طريق سالك غير المواصلة، لكن هذا لا يكفي وحده، الشعب السوري هذه الأيام في أشد الحاجة إلى السند العربي والإسلامي، والثاني لن يتحرك حتى ينطق الأول، كما حصل في ثورة الشعب الليبي ضد جلاده المعتوه. «صمتكم يقتلنا» صرخة استغاثة مدوية وبليغة أطلقها الشعب السوري لم تجد لها في العالم العربي آذانا صاغية، آن الأوان لتحرك عربي يجبر النظام على الصيام عن دماء شعبه وأن يصفد شياطينه في الشهر الكريم وإلى الأبد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في سوريا: التغيير حتميّ فمن سيشارك فيه؟ .. عمر قدور()

المستقبل - الاحد 31 تموز 2011

العدد 4072 - نوافذ - صفحة 11

بعد انقضاء ما يزيد عن أربعة أشهر من عمر الانتفاضة في سوريا بات بالإمكان القول إن مسار الأحداث قد اتضح بشكل يصعب معه أي تصور للعودة إلى الوراء، فرقعة المظاهرات آخذة بالتوسع رغم فظاعة ما تُجابه به، والكتلة التي ما تزال صامتة من المجتمع السوري راحت تتناقص، ومن تبقى منها سيجد نفسه قريباً أمام استحقاق الحسم. ومع أن هذه المقدمة لا تعني بالضرورة حصول تحول دراماتيكي آني إلا أن التغيير بات مسألة وقت ليس إلا، ولن يكون بوسع القوى الممانعة له أن تقاوم حركةً أصبحت بمثابة الضرورة الملحة، بل إن جزءاً على الأقل من القوى الممانعة هو الذي ساهم في إيصال الحالة السياسية إلى انسداد في الأفق ميز العقود الثلاثة الأخيرة من عمر النظام، ولن يكون بوسعه الاستمرار بعد الآن.

من المألوف تاريخياً أن تلجأ القوى المضادة للتغيير إلى العنف كسلاح أخير للحفاظ على مواقعها، ومن المعهود أيضاً أن يكون اللجوء إلى العنف دلالة على الإفلاس السياسي والاجتماعي إذ تكون القوى المسيطرة القديمة قد استنفذت دورها التاريخي، وأصبحت بمثابة عبء على الحراك الاجتماعي بدلاً من قيادته أو تمثيله. وفي الوقائع لا نجد نسبة معتبرة بين الفئات القديمة المهيمنة من الذين التقطوا حركة التغيير فتماشوا معها، وجنّبوا المجتمع ويلات العنف، لأن البنى المستبدة تميل بطبعها إلى التشبث بمكتسباتها حتى النهاية، ولا تتقبل الدخول في علاقة مشاركة وتداول للسلطة بدلاً من علاقة السيطرة والإخضاع التي ألِفتها طويلاً. عندما تستشعر القوى المسيطرة تاريخيةَ التغيير تدرك أن لا مجال للمساومة في هذه اللحظة، فتأخذ المعركة طابعاً نهائياً، ومن جهتها تدرك القوى الحاملة للتغيير أهمية اللحظة التاريخية فتسعى إلى عدم التفريط بها أو بأي من مكتسباتها.

مع ذلك لا ينفي وصول التغيير إلى مرتبة الحتمية التاريخية وجوداً وازناً للقوى الممانعة له، خصوصاً مع الأخذ بالحسبان مظاهر الخوف الجماعي من التغيير عند أشخاص وفئات يهابون مخاطر التغيير وإن كان الوضع الحالي لا يلبي مصالحهم أيضاً، وليس من المستبعد في هذه الحالة بروز نزعات محافظة لديهم لم تكن ملحوظة من قبل. تفرض هذه التعقيدات نفسها في الانتفاضة السورية، فالفئات المشاركة فيها متعددة المشارب والأهواء الفكرية وإن اتفقت على مطالب انتقالية عامة، بينما تفتقر الفئات الممانعة للتغيير إلى البدائل الممكنة، ما يضعها في موقع الإعاقة إن لم يكن في موقع العداء. وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الاصطفافات الاجتماعية والطائفية القائمة فهذا ما سيجعل التغيير يبدو مطلباً فئوياً، حتى إن أصرت الفئات الحاملة له على كونه وطنياً عاماً، وحتى إن كان الأمر كذلك فعلاً.

الشعارات وحدها لا تكفي، ولطالما عانى السوريون من الهوة السحيقة بين الواقع والشعار، فتحت الشعارات الطنانة ارتُكبت الفظائع، وتحت الشعارات القومية تمت تجزئة الاجتماع الوطني، لذا ليس من المتوقع إقناع معارضي التغيير، خصوصاً أولئك الذين ينظرون إليه كحركة طائفية سنية، بالشعارات الوطنية وحدها. لا بد من الاعتراف بوجود مساحة من الشك والريبة بين مجموعات لا يُستهان بها من السوريين، ولا يساعد عامل الوقت الآن على بناء الثقة في حال توفرت النوايا والإرادات، خصوصاً بوجود ضخ إعلامي يغذي الاحتقان الطائفي بشكل شبه مكشوف أحياناً وسافر أحياناً أخرى.

يقتضي التحلي بالواقعية من المعارضة الإقرار بأن إصرارها على وطنية الانتفاضة وعدم الانزلاق إلى الفخ الطائفي لم يؤتِ ثماره جيداً، وما حدث في بعض مناطق الاحتكاك الطائفي من تقوقع وانعزال ينافي التطلع إلى التغيير المنشود، ولا فائدة من تحميل الحكم مسؤولية تصعيد المخاوف الطائفية أو استثمارها، فالمخاوف في أوقات الأزمات القصوى قد تكتسب طابعاً غرائزياً يستعصي على النقاش العقلاني الهادئ. في المقابل؛ لا يجوز من الناحية الأخلاقية تحميل المعارضة مسؤولية سياسات استمرت لعقود، لكن هذا لن يعفيها من تحمل التبعات السياسية الراهنة والمستقبلية لمجمل سياسات الحكم.

بخلاف الخطاب الرسمي للحكم الذي لا يخفي التلميح إلى الشأن الطائفي تواظب محطة تلفزيونية مقربة منه جداً على ضخ التحريض الطائفي بشكل سافر، وتمتلئ الشوارع بإعلانات رسمية أو شبه رسمية تحذر من الفتنة، وكأن البلاد في أتون حرب أهلية أو مقبلة عليها. ليس جديداً أن تُترك للإعلام الموازي للإعلام الحكومي مهمةُ شرح وتفسير ما يتحرج الأخير من الإفصاح عنه، أما الجديد فهو نزول الخطاب الإعلامي إلى مستوى الإيحاء أو التصريح بأن الحكم هو الضامن لحضور ومشاركة "الأقليات" في الحياة العامة في وجه "أغلبية" طائفية أصولية تستعد لإقصائها. في هذه الحمى تخطئ المعارضة إذ تصور ما يروجه الإعلام السوري على أنه مجرد أكاذيب وأضاليل بلا أثر، لأن هذا الخطاب الإعلامي يضع نصب عينه استقطاب أو تحييد فئات محددة، وينبغي الاعتراف بأنه نجح ضمن هذه الحدود، فقامت بعض الطوائف بدور الكابح لشبابها المتحفز للتغيير. وينبغي الاعتراف بشجاعة أيضاً بأن بعض الأفراد أو الفئات أسهموا في إعطاء مصداقية للخطاب الرسمي التحريضي، فقد حدثت أعمال عنف انتقامية فردية من قبل مناوئين للسلطة واتخذ جزء من هذه الأعمال طابعاً طائفياً، أو على الأقل تم استغلالها إعلامياً على هذا النحو. شهدت بعض مناطق الاحتكاك الطائفي حوادث تهجير شبه قسري أو طوعي من الطرفين، وهذا نوع من العنف الطائفي المعنوي الذي لم يتوقف عنده الكثيرون مع أنه يؤذن بسهولة التحول إلى العنف المباشر الفظ.

منذ البداية يدرك الكثير من السوريين مخاطر التغيير والمعوقات المتوقعة، ومن ضمنها الوضع الطائفي الحساس، لذا توجه بعض المعارضين برسائل علنية تطالب الحكم بقيادة عملية الإصلاح وتجنيب البلاد الثمن الباهظ المتوقع، وحتى مع سقوط عدد غير قليل من الضحايا استمرت الرسائل الداخلية والخارجية التي تطالب طرفاً من الحكم بالمشاركة في عملية التغيير. ورغم التباينات فإن الإصلاحات المتواضعة التي يلوح بها الحكم تُعد إقراراً منه بحتمية التغيير مهما طال الابتعاد عن تجرع مرارته، إلا أن ما يبدو واضحاً هو عدم إدراكه لأهمية الوقت، ما يجعله يبتعد عن حركة الشارع التي تتقدم بالمواكبة مع مطالبه الثورية.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بات التغيير واقعاً، ولن يكون مفيداً إنكار الواقع، أو استمرار إعاقته بمزيد من العنف. قد لا تروق هذه الخلاصة للبعض، وقد تكون قاسية على البعض الآخر، لكن الوقائع على الأرض لن تتوقف عند تحفظ البعض أو عدم اقتناعه، ولا يخفى أن بعض القوى السياسية بدأت تنظم صفوفها استعداداً للمرحلة اللاحقة. وبعيداً عن الشعارات سيكون من الواقعية السياسية أن تتحفز القوى صاحبة المصلحة بالتغيير لقطف ثماره، وأن تحاول القوى الأكثر استعداداً له رسمَ المستقبل الذي تريده. بتوافق الجميع عليه يكتسب التحول زخماً ومشروعية وطنية عامة، لذا تكتسب المشاركة الفعالة من بعض الطوائف أهمية قصوى تصل إلى مرتبة كونها مطلباً وطنياً يعلو على الحساسيات والحسابات المؤقتة؛ إن استيعاب هذه الوقائع ضروري من قبل القوى الممانعة أو الصامتة إذا أرادت أن يكون لها نصيب في صنع المستقبل، ولعل المشاركة في صنع التغيير باتت الطريقة الوحيدة للتخلص من مخاوف الآتي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في خلفية المؤتمرات واللقاءات السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

31-7-2011

كانت المؤتمرات واللقاءات العامة، بين أبرز ما رافق الحراك الشعبي في سوريا عبر الأشهر الخمسة الماضية. وفي هذا السياق عقدت مؤتمرات ولقاءات للمعارضة داخل سوريا وخارجها، بينها مؤتمرات أنطاليا وإسطنبول في تركيا ومؤتمر بروكسل ولقاءا هيئة تنسيق المعارضة السورية ولقاء سميراميس (1) للمثقفين في دمشق، كما عقدت السلطة اللقاء التشاوري للحوار الوطني برئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع، ولقاء سميراميس (2) الذي عقده مقربون من النظام في دمشق قبل اللقاء التشاوري بقليل.

ورغم اختلاف شكل ومرجعية وأهداف كل واحد من هذه المؤتمرات واللقاءات، فإنها تعكس روحا سورية جديدة، أساسها اهتمام السوريين بواقع ومستقبل بلدهم، ذلك أن هدفها جميعا كان البحث في واقع الأزمة السورية ومستقبلها، أو في أحد العناوين الفرعية المتصلة بالموضوع الأساسي، وهو أمر يمثل تحولا إيجابيا في تعامل السوريين مع شأنهم الوطني العام بغض النظر عن رؤية كل طرف أو مجموعة ونظرتها إلى الشأن الوطني الذي يعاني اليوم من انشقاق أساسي بين السلطة والحراك الشعبي، فيما يعاني من اختلافات وافتراقات داخل كل واحد من الفريقين في حراكهما السياسي.

أهمية المؤتمرات واللقاءات في جانب آخر، أنها تعبير عن خيار سوري مختلف عن الخيار الذي تتابعه السلطات السورية في تعاملها مع الوضع الحالي وتطوراته باعتمادها الخيار الأمني - العسكري الذي قام على العنف والقوة الأمنية قبل أن يتطور لاحقا باتجاه الأقصى عبر إدخال الجيش وقوى مدنية تمثل جماعات الشبيحة على خطه، مما زاد في استخدام العنف والقوة بإضافة حالات الحصار واجتياح المناطق والاعتقالات الواسعة وتهجير بعض السكان إلى تركيا ولبنان، وفي الحالتين وقع قتلى وجرحى وارتفعت أعداد المعتقلين والمطلوبين. والتقديرات أن عشرات آلاف الأشخاص هم في عداد ضحايا الخيار الأمني - العسكري، باستثناء ما ترتب على ذلك من خسائر مادية واجتماعية ونفسية، تركت آثارها على عموم السوريين وبلدهم، وكلها مقدمات تضع سوريا أمام منزلقات خطيرة.

لقد زادت الظروف المحيطة بخيار الحل الأمني - العسكري من الحاجة إلى ذهاب السوريين إلى خيار سياسي لمعالجة الوضع القائم ومحاصرة احتمالات انزلاقاته سواء باتجاه الصراعات الداخلية أو التدخلات الخارجية، أو الاثنين معا، ومما لا شك فيه، أن المؤتمرات واللقاءات تشكل محورا أساسيا في خيار الحل السياسي، ولا سيما في ظل حقيقة أن الخيار الأمني لم يؤد إلى النتيجة المطلوبة، وأنه أثبت فشله في ظل توسع حركة التظاهر وزيادة عدد المشاركين فيها إلى جانب تشدد متزايد في شعارات وهتافات المتظاهرين والمحتجين.

غير أن أهمية وضرورة انعقاد المؤتمرات واللقاء في إطار الواقع السوري، لا يعني أنها تتم دون مشاكل جدية، والأساس في هذه المشاكل أمران؛ الأمر الأول أنها سلوك وممارسات غير دارجة في الحياة السورية ولا سيما في كثافتها وتعددها الحاليين أو في الموضوع الذي تعالجه أو هي تتصدى لبعض تفصيلاته. والأمر الثاني، عدم وجود إرث لهذه الظاهرة في الحياة السورية، وبالتالي فإن ثمة غموضا وحذرا من الناحيتين الرسمية والشعبية حيال هذه الظاهرة بمجرياتها ونتائجها، ويندرج في هذا الإطار موقف الجماعات السياسية بما فيها جماعات وأحزاب المعارضة، التي تنضم إلى سابقيها الرسمي والشعبي في اتخاذ موقف حذر وناقد إزاء ما أقيم من مؤتمرات ولقاءات في الأشهر الماضية. وبصورة عامة، فإن السوريين، وهم يسعون إلى فهم ومعالجة الوضع في بلادهم من خلال المؤتمرات واللقاءات، إنما يؤكدون ميلهم إلى معالجة سياسية تخرج ببلادهم من أزمتها ومن مسار الحل الأمني - العسكري الذي يجري تطبيقه، ولا يقلل من أهمية هذه الأنشطة ما يحيط بها من مشاكل التنظيم والإعداد وسوء الإدارة التي تحيط بها، ومن ردود فعل ومواقف شديدة القسوة والعنف تصدر عن أطراف مختلفة بدرجات متفاوتة، ذلك أن هذه التجربة بجدتها ومحتوياتها ونتائجها، تمثل تمرينا عمليا على نهج جديد وتمرينا على الحوار والتوافق للوصول إلى معالجات تتعلق بالمسألة الوطنية بخلاف ما ساد في الحياة السورية من نفي وتغييب للأطراف الأخرى التي تملك مواقف ووجهات نظر وصولا إلى استخدام للعنف والقوة ضدها خاصة، وفي معالجة الأمور عامة.

* معارض سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زين الشامي .. تظاهرة القائد... تظاهرة الحرية

الرأي العام

30-7-2011

«إلى روح الشهيد وجدي عبد الحليم الصادق... حملته طفلاً رضيعاً وأذكر أن وجهه كان مثل القمر، كبر وجدي وصار شاباً، يوم سقط في تلك التظاهرة... رأيت صورة موته، بقي وجهه مثل قمر».

بالتأكيد هناك فرق كبير بين أن يطلب من الموظفين وطلبة الجامعات وطلاب المدارس، وأعضاء «حزب البعث» الحاكم وعناصر الأمن، الخروج الى التظاهرات «المليونية» للتعبير عن «الحب والولاء للقائد»، وبين تظاهرة عفوية غير منظمة يخرج فيها الناس بدعوات جوانية من دواخلهم، تحثهم على التظاهر والهتاف للحرية والعدالة والكرامة والمساواة.

هناك فرق كبير بين أن يحمل الموالون بالباصات المكيفة المريحة إلى الشوارع العريضة، معززين بموافقة ورضا مدير عملهم، تاركين مكاتبهم وعملهم في الدوائر الحكومية وراءهم، موعودين بمكافأة مالية، محروسين بالقوات الأمنية، تغطيهم قنوات التلفزة المحلية، فيما اولئك المتظاهرون الذين خرجوا لمظاهرة الحرية، يخروجون خائفين من القوات الأمنية والشبيحة والجيش والدبابات والقناصة المنتشرين على الأسطح، يحملون دمهم على أكفهم، يصورون بأيديهم الخائفة المرتجفة، من خلال أجهزة موبايل صغيرة مزودة بكاميرا، تظاهراتهم، ويبثونها على «يوتيوب»، فتأتي الصور بائسة تقنياً وفنياً، تغيب عنها ملامح الوجوه والأمكنة، لكنها مفعمة بالصدق والواقعية. مفعمة بالصدق والواقعية لأن هوية المصور ودوافعه مختلفة، لأنها صور مليئة بالدم، وغالباً ما كان الدم الأحمر صادماً حقيقياً، لا يمكن تأويل نزفه، أو الاجتهاد في مادته وطبيعته، خاصة حين يخرج من القلب، أو الرأس أو الوجه، وأحياناً الرقبة والعين أو الصدر، أو أي مكان في جسد المتظاهر الجريح أو القتيل، كتلك الصور التي شاهدتها للشهيد «وجدي عبد الحليم الصادق» الذي أصابته رصاصة قناص غادرة في صدره حين كان يتظاهر في حي القابون بدمشق في جمعة «أسرى الحرية». وكتلك المئات من الصور التي شاهدتها للشهداء في غالبية شوارع سورية منذ أربعة أشهر تقريباً.

صور المتظاهرين، صادقة، لأنها تصور الموت، الاصابة، التعذيب، الجنازات والدفن، والرصاص الذي يستهدف المشيعين في الجنازات، النحيب و البكاء على الراحلين، والهتاف المتوعد بالاستمرار وعدم التراجع... هذا كله لا يمكن تأويله او الشك به. هذا كله، يبعث المتلقي أو المشاهد للصور للتضامن مع هؤلاء الأشخاص، أكثر بكثير من تلك الصور المعلبة الجاهزة التي ينقلها التلفزيون الرسمي للتظاهرة المليونية، تلك التظاهرة التي تكلف الحكومة الملايين، لكنها تصل إلى الجمهور، باردة، غبية، مملة، مصطنعة، بلاستيكية، فيها المتظاهرون لا يتظاهرون، لا يهتفون، لا يقولون شيئا مثيراً، لأن الكلمات لا تخرج من قلوبهم أو حناجرهم، بل هي كلمات نعرف أنها معدة مسبقاً تخرج من الشفاه فقط، لا موضوع لها إلا «تحية القائد»...

ورغم أن الصور التي يبثها التلفزيون الرسمي للتظاهرة المليونية، هي صور أفضل من الناحية الفنية من حيث الدقة والصلاحية للعرض في كل زمان ومكان، ورغم أن تلك اللقطات مأخوذة من كاميرات كبيرة ثابتة غالية الثمن، إلا أننا دائماً ما نتركها ونشيح بوجوهنا عنها ونذهب إلى تلك اللقطات المقتطعة، الغائمة، الفوضوية،

المرتعشة، المعتمة، المرتجة، المأخوذة من الهواتف المحمولة للشبان المتظاهرين، ذلك أننا بتنا نعلم أن هؤلاء الشبان، كانوا يهتفون ويتظاهرون ويصورون بالوقت نفسه، ربما يصورون تظاهرتهم، أو لحظة هي الأثمن في حياتهم، حيث ذاقوا طعم الحرية.

في «التظاهرة المليونية» أو تظاهرة التعبير عن الولاء للقائد، يقف خلف الكاميرات الكبيرة الغالية الثمن مصورون محترفون، يتناولون «ساندويشاتهم» بيد وفي اليد الأخرى يحتسون «الكوكا كولا» أو زجاجة مياه معدنية. أما في التظاهرة التي يخرج فيها الشبان هاتفين للحرية، فهم غالبا ما يصورون موتهم، ولقد رأينا

أكثر من فيديو على «اليوتيوب» لشبان سوريين، سقطوا فيما كانوا يصورون تظاهرتهم وموت أصدقائهم وأقاربهم. إن ذلك يحصل للمرة الأولى في العالم والتاريخ، أن يصور المتظاهر موته.

في التظاهرة المليونية يخرج الآلاف، مجبرين، كالقطيع، كالصيصان في المداجن، يرددون هتافات واحدة، مملة، عن القائد و«البعث»... ثم يعودون إلى البيت موعودين برضا المدير او القائد او مكافأة مالية. فيما في تظاهرة الشبان، نسمع هتافات وأغاني تمجد الحرية، الحرية فقط، في تلك التظاهرات أخبرني أحد المشاركين أن هناك احساساً عذباً، يشبه نسمة الهواء العليلة الذي تدخل الصدر في يوم قائظ من أيام شهر أغسطس، في تظاهرة الشبان من أجل الحرية قد يعود المتظاهرون إلى بيوتهم، أو قد لا يعودون.

«التظاهرة المليونية» يطلبها رجل الأمن أو «رفيق مسؤول» في «حزب البعث»، ويشارك فيها منافقون وانتهازيون يبحثون عن مكسب منها، أو لتأكيد عبوديتهم وذلهم، فيما تظاهرة الشبان، لا يطلب أحد من أحد المشاركة فيها... شيء ما داخل الإنسان الحر يلح عليه للخروج، إنه التوق الأبدي الإنساني للانعتاق والحرية وتكسير أصفاد الذل والسجون والقهر. توق وعيون ترنو إلى البعيد، إلى الشمس وضوء النهار.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com