العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 7/7/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أي تفاوض بين مؤيدي «نظام القتل» وممثلي ضحاياه؟

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 3/7/2013

لم تعد التقديرات الدولية تتردد أو تتحفظ في إيراد الرقم المفزع: مئة ألف قتيل في سورية، فهي تتحدّث عما صار موثقاً. أما التقديرات الواقعية فتضاعف هذه الحصيلة، استناداً إلى ما حصل ويحصل فعلياً على الأرض. ويجب ألا ننسى القتلى في جانب النظام، فهو لا يعلنها عملاً بقاعدة الحفاظ على معنويات عالية للجنود، ولا تقلّ خسائره عن ثلاثين ألفاً وفق معلومات لدى المعارضة. في معارك القــــصير أشارت مصادر «حزب الله» ووسائل إعــــلام قريبة منه إلى حصيلة تقلّ قليلاً عـــــن مئــــة قتيل، وهو ما سُمح بإعلانه. من الصعب إحصاء الجرحى والمصابين، وتبدو مئات الآلاف تقديراً غير مبالغ به.

أما المعتقلون والمفقودون فهم جميعاً لدى النظام وقد تحدّث أحد بيانات المعارضة عن ثلاثمئة ألف. أضف إلى ذلك لائحة طويلة من المدن الكبرى والصغرى والبلدات والقرى التي دمّرت كلياً أو جزئياً، وتسببت باقتلاع ما يقارب ثلث سكان سورية من بيوته بين مهجّر في الداخل ونازح إلى الخارج، وفق تقديرات الأمم المتحدة، وغــدا هؤلاء ضحايا أحياء تقوّض حاضرهم ومستقبلهم إلى أجلٍ غير معلوم.

لا بد من تظهير هذه المآسي في اللحظة الراهنة للتدقيق في ما يعلن عن ضرورة إحداث «توازن ميداني» قبل دخول أي تفاوض على حل سياسي. فبالنسبة إلى المعارضة والثوار لا وجود لأي توازن، ولا يُعرف حقاً ما هو المعيار الذي يمكن أن يرأب الصدع والاختلال، فالتفاوض على المشاركة في صيغة مع بعض أطراف النظام مع بقاء بشار الأسد وحلقته الضيقة وأعوانه - وإنْ مرحلياً - هو علاج سطحي لجانب من المرض الخبيث وتأجيل للموت الذي يستبطنه. كيف للجانب الذي يمثل النظام في المفاوضات، وسيواصل تمثيله، أن يشخّص المشكلة بمعزل عن إملاءاته، لكي يطرح المخارج أو يوافق على حلول لا بدّ أن تكون وسطاً.

ومن يفترض أن يتفاوضوا هم سوريون لكنهم باتوا يختلفون جذرياً. فمن يمثلون النظام لم يقولوا كلمة، طوال ثمانية وعشرين شهراً، خارج إطار الخطاب الذي اعتمده الأسد، أي أنهم تبنوا دائماً رواية «المؤامرة» ولم يعترفوا بأن شعبهم ثار على النظام ولا سُمح لهم برؤية تغوّل هذا النظام بل لُقّنوا الصمت على القتل وتبرير سفك الدماء فتحوّلوا إلى دمى تُشحن وتفلت كي ترقص فوق الجثث على نحو ما يفعل بعض أبواق حكومة النظام. وبالتالي فإنهم سيجلسون وجهاً لوجه مع السوريين «المتآمرين»، مع «الأعداء» و«الإرهابيين»، مع الذين تجرّأوا على المسّ بـ «خط المقاومة» وفضح أكاذيبه، ومع الذين رفضوا ويرفضون «الأسد إلى الأبد».

ومع ذلك، يُفترض أن يجهد الجانبان لإيجاد أرضية مشـــتركة للوقوف عليها، لكن نظرية أن النظام والحكم شـــيء والحكومة شيء آخر، وأن المساحة المتاحة لـ«مشاركة المـــعارضة» محدّدة في إطار الحكومة، هـــي وصفة لـ «تفاوض إلى الأبد».

في الأساس، لكلٍ رأيه وموقفه، لكن لا يزال محيّراً بل مذهلاً أن يكون هناك سوريون (ولبنانيون وفلسطينيون وأردنيون وآخرون) مع النظام.

ولذلك تفسيرات عدّة طبعاً، تبدأ بالانتماء الطائفي والأقلوي الذي يعمي عن الحقيقة وتمرّ كذلك بالمنافع والمصالح وبـ «ولع الذليل بمذلّه»، لكن غير السوريين يقدّمون حالاً موزعة بين التعصّب المذهبي (الشيعي) وبين الاعتبار «القومي» الذي يتوهّم أن «سورية النظام» هي آخر قلاع المواجهة مع الإمبريالية والصهيونية مع العلم أن المتوهّمين سبق لهم أن تعرّضوا لبعض جرائم هذا النظام قبل أن يتوصل إلى إخضاعهم.

ومع ذلك يبقى السؤال: كيف لإنسانٍ - إنسان أن يكون مع هذا النظام بعد كل ما فعله بسورية والسوريين (وبلبنانيين وفلسطينيين وأردنيين وعراقيين) طوال خمسين عاماً، وكيف اتفق أن أحداً لم يؤيد علناً بقاء القذافي ونظامه فيما هناك من يريد بقاء الأسد ونظامه، ما الفارق وقد تشاركا في تدمير بلديهما، وفي إهانة شعبيهما، وفي تمزيق مجتمعاتهما، وفي اللعب على التناقضات سعياً إلى التقسيم؟ الفارق الوحيد أن أحدهما انتهى والآخر ينتظر نهاية مماثلة مهما نجح في تأجيلها.

فالراحل لم تنفع تنازلاته للغربيين في توطيد مكوثه أو تحسين مصيره، أما الآخر المنتظر فلم تنقذه مهادناته وتنازلاته لإسرائيل وإن أفلحت في تأجيل رحيله إلى حين. أما الذين يحاجّون باكتشافهم أن سورية ليست ليبيا فلم يكتشفوا بعد أن النتيجة كانت أكثر فداحة في سورية مع تدخل عسكري خارجي لمصلحة النظام ومن دون أي تدخل مماثل إلى جانب الشعب.

مرة أخرى، لكلٍّ رأيه وموقفه، ولكن ألا يصدم موالي النظام أنهم كبشر لم يغيّر القتل، قتل مواطنيهم وإخوتهم، شيئاً في موقفهم. ألم يروا طوال الشهور الأولى أن الشعب لم يكن يطالب بتغيير النظام ومع ذلك قوبل بالعنف المفرط، ألم يروا بواكير أشرطة العهر الكلامي والتنكيلي، ألم يهزّ القتل الموثّق للأطفال بعضاً من ضمائرهم وإنسانيتهم، ألم يحرّك التدمير الإجرامي المنهجي حسّهم الوطني أو حتى خوفهم على مستقبل البلد من الإفساد المتعمّد لمعيشتهم واقتصادهم وعمرانهم... والأهم أنهم، إذا كانوا يعتقدون بوجود «مؤامرة» وبأن المستهدف هو «المقاومة والممانعة»، لم يروا كيف أن التهور الذي اندفع إليه النظام لم ينجح في تعزيز المقاومة والممانعة بل أضعف سورية سريعاً، أي أنه لبّى ما أرادته «المؤامرة» بل كافأها بتقويض أسس الاقتصاد والمضي في «عرقنة» البلد وتمهيد الظروف لتحقيق الحلم الإسرائيلي بتفتيت سورية إلى دويلات.

واقع الأمر أن مؤيدي النظام كانوا مثله ولا يزالون لا يعترفون بوجود شعب في سورية، حتى كأنهم لا يعتبرون أنفسهم أبناء شعب له شخصية وحضور بل مجرد رعايا للنظام. والأسوأ أن المؤيدين من غير السوريين وطّنوا أنفسهم أيضاً على أن سورية فيها نظام وليس فيها شعب، وينمّ خطاب إيران «حزب الله» عن ضيق بمحاولة الشعب السوري الإعلان عن وجوده في بلده لمجرد أنه يزعج مشروع الهيمنة الإيراني. وهما يتشاركان مع روسيا وإسرائيل في اعتبار أن ثمة مشكلة يمثلها هذا الشعب الذي يعمل على إسقاط النظام. أما الأغرب فإن هؤلاء كانوا أول من طرح التساؤلات عن «البديل»، مع افتراض مسبق ومتسرّع بأنه لن يكون صالحاً. أي أنهم لا ينكرون فقط وجود الشعب وحقه في تقرير مصيره، ولا يقرّون فقط بأن قتله مقبول ومبرّر، بل يقررون تلقائياً أن هذا النظام هو أفضل ما حدث لسورية طوال تاريخها، وأنه الصيغة الفذّة وغير المسبوقة التي وهبها خالق الكون لهذا البلد.

فأي نظام آخر في العالم ذهبت روسيا هبطت إلى قاع اللاأخلاقية والانتهازية في الدفاع عنه، وأي نظام سواه يمكن أن تدعمه إيران لأنه «يقاوم إسرائيل» وتدعمه إسرائيل على رغم أنه «يقاومها» متحالفاً مع إيران. لعل القاسم المشترك بين هؤلاء أنهم توحّدوا في اعتناق «التصهين» للإجهاز على سورية وشعبها.

يختزل النظام ومؤيدوه «البديل» بـ«الإخوان المسلمين»، بما في ذلك من تبسيط وتسطيح متعمّدين، ولمجرد تخويف المسيحيين والعلويين وسواهم من الأقليات أو حتى من القوى الدولية. في صفوف الشعب الثائر لم يكن التصوّر لـ«البديل» على هذا النحو، بصرف النظر عما يمكن أن يكون. وفي أي حال تدلّ المعطيات التونسية والمصرية والليبية على أن عملية إنتاج البديل لم تكشف بعد كل تعقيداتها. لكن وزير إعلام النظام الذي يبدي هذه الأيام دفقاً من التذاكي البائس علّق على التأزم الراهن في مصر بما يوحي بتأسفه على النظام السابق، ما يعني: لا تجعلوا من نظام الأسد نظاماً سابقاً وإلا ستحصدون «الإخوان» وبالتالي ستخسرون وزيراً عبقرياً مثله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نداء عاجل : حاذروا أن تمحى حمص وأهلها عن الخارطة في ضوضاء الحدث المصري

06.07.2013

زهير سالم

تتوارد الأخبار من حمص العدية الأبية حمراء مخضلة بدماء الشهادة مفعمة بأنين المعذبين من أطفالها ونسائها . فوسط حالة من الضوضاء الإعلامي يفرضها الحدث المصري بتداعياته على سمع المجتمع الدولي وبصره ...

 

ووسط حالة من انشغال الائتلاف الوطني والقوى السياسية المشاركة فيه بعملية إعادة الفك والتركيب مرة بعد مرة بعد مرة على رسم قول القائل : نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور ...

 

ونظل نضحك ...؛

 

تقوم عصابات بشار الأسد المدعومة بمجرمي الروس والإيرانيين وفريق القتلة المأجورين لحسن نصر الله بشن حرب إبادة شاملة على حمص وأحيائها وضواحيها وقراها . حرب إبادة تتجاوز هذه المرة في عنفها القصف بالطائرات والصواريخ البعيدة المدى والمدفعية وإحراق الأحياء والقرى إلى عملية ممنهجة لاستخدام الأسلحة الكيماوية في أخطر وأبشع جريمة حرب ترتكب في القرن الحادي والعشرين ، تحت سمع العالم وبصره .

 

تشن جريمة الحرب باستخدام الأسلحة الكيماوية موثقة توزع مباشرة بصورها الحية الناطقة على كل دول العالم ، الذي يصر على تجاهل الجريمة وإعطاء المزيد من الفرصة لفريق القتلة من الروس والإيرانيين وأتباعهم من عصابات المالكي وحسن نصر الله ..

 

إننا في هذه الساعات الحرجة مما يجري في وطننا سورية وبشكل خاص على حمص وأهلها من جريمة إبادة وعملية تطهير طائفي ؛ نتوجه إلى جميع ألوية وكتائب ووحدات المجاهدين والثوار على الأرض السورية أن يهبوا لنجدة حمص وفك الحصار عنها ، بكل الطرق والوسائل المتاحة . ولا بد من إعطاء معركة حمص ونجدتها الأولوية المطلقة على كل الواجبات الظرفية الأخرى .

 

وننتظر من هيئة الأركان المشتركة بما تحملته راضية من مسئولية أن تثبت أنها مؤهلة للوفاء باستحقاقات هذه المسئولية ، وأن تبادر لوضع الخطط وحشد القوى لفك الحصار عن حمص والدفاع عنها وإثبات جدارتها بالموقع الذي تشغله من هذه الثورة ..

 

كما يتحمل الائتلاف الوطني بوصفه القيادة السياسية الممثلة للثورة السورية وبما رشح أعضاؤه أنفسهم له من موقع ، مسئولية اتخاذ من المبادرات السياسية ، والخطوات العملية ما يكفل فك الحصار عن حمص وإنقاذ ما تبقى منها ومن تبقى من أهلها ولاسيما الأطفال والنساء والشيوخ والجرحى . وتحريك القوى الدولية للوفاء بما تعهدت به من اعتبار استعمال السلاح الكيماوي خطا أحمر ..

 

حمص العدية الأبية تستغيث ...

أيها العرب .. أيها المسلمون ... يا أحرار العالم في كل مكان أجيبوا استغاثة حمص ..

 

أجيبوا استغاثة النساء الضعيفات والأطفال الرضع ...

الذين يصر الروس والإيرانيون وحسن نصر الله وبشار الأسد على ذبحهم بل وأدهم بقذائف السلاح الكيماوي الذي تصر دولة روسية الاتحادية على تجريبه على شعبنا السوري الحر الأبي ..

 

أجيبوا استغاثة حمص فهي الآن تباد في ضوضاء الحدث المصري وحاذروا أن تستيقظوا في الغد فتجدوا القتلة ومجرمي الحرب قد ارتكبوا فعلتهم الأثيمة ومحوا حمص بما عليها ومن عليها عن خارطة الوجود الجغرافي والإنساني ..

 

وإنها لجريمة ستعلق في أعناق مرتكبيها وفي أعناق الصامتين عنها ..

لندن : 27 / شعبان / 1434

6 / 7 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استراتيجية جديدة للتدخل العسكري

جوردون آدامز

الاتحاد

الخميس 3/7/2013

لقد خرجنا من العراق، وفي طريقنا الآن للخروج من أفغانستان. ولم تعد للولايات المتحدة شهيّة للتدخل العسكري في سوريا. فما الذي يبقى للشاب ذي الهندام الموحد أن يفعله؟ في يوم 11 يونيو الماضي، زعم «مايكل هيرش» أن الولايات المتحدة (فقدت أعصابها) على المستوى الدولي. وقال إن أوباما تنازل عن دوره الريادي في قيادة العالم، وتخلّى عن وجود أميركا العسكري الاستراتيجي في مناطق التوتر. وبات العديد من الأميركيين يؤيدون «هيرش» في ما أطلق عليه عبارة (الانسحاب التدريجي من الورطات الخارجية)، وباتوا يفضلون أن يعود الجيش الأميركي إلى وطنه بأسرع وقت ممكن، وأن ينسحب من أفغانستان، وألا يتدخل في سوريا على الإطلاق. وقال أحد الخبراء: (كفانا تورّطاً وتدخلاً في شؤون الآخرين).

ويرى بعض المحللين أن هذا المنحى في التفكير ينطوي على خطورة كبيرة، ودعا «دافيد بارنو» النقيب المتقاعد في مركز «الأمن الأميركي الجديد»، إلى الإبقاء على الوجود العسكري للولايات المتحدة في دول العالم. وعمد «بارنو»، الذي شارك في العديد من البحوث الجادة المتعلقة بالتخطيط العسكري لصالح وزارة الدفاع الأميركية، إلى القول مخاطباً «هيرش»: (إن الطعم الحامض-يقصد التدخل العسكري وراء البحار- يطمس الحقيقة التي تؤكد على أن القوة الأميركية حول العالم هي التي تشرف على قولبة النظام العالمي وتضمن له السلام المستدام). وحتى «بارنو» ذاته آثر التعبير عن قلقه فيما يتعلق بالمدى الذي يجب أن تذهب إليه الولايات المتحدة في تدخلها بالقضايا الدولية. وفي معرض حديثه حول الأزمة السورية، كتب يقول: (يمكن تحقيق مصالح الولايات المتحدة عن طريق دعم الدول المجاورة لسوريا والتركيز على الدور الإنساني. وبعد 10 سنوات من التدخل العسكري الدموي للولايات المتحدة في الحروب التي اندلعت في المنطقة، فإن الانزلاق إلى حرب جديدة يتناقض مع المنطق السليم ويتعارض مع المصالح الحيوية الأساسية للولايات المتحدة).

ويمكن النظر إلى اعتراض بارنو على التقوقع الأميركي (أو العزلة) باعتباره يمثل تكراراً لوجهة نظر تعكس الرأي السائد عند صُنّاع القرار السياسي في واشنطن حول الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم. وتقول وجهة النظر هذه: نحن أناس طيّبون، نعمل من أجل الحفاظ على السلام، ونحن الذين وضعنا الأسس التي تبنى على أساسها القوانين، فكيف يمكن أن يكون شكل العالم من دوننا؟ وإن لمن العسير التخلي عن الحذر عند الحديث حول التدخل العسكري من أجل تعزيز دور الولايات المتحدة كدولة قائدة للنظام العالمي. والحق يُقال أن منهجي استعراض العضلات والمبالغة في الحذر لا يجتمعان).

وسأتجنب إطلاق تعبير «الانعزالية» isolationism أو «الانعزالية الجديدة» على هذا النوع من الحذر مثلما فعل «هيرش». وأما الذي يحدث بالفعل على أرض الواقع فهو يمثل المشهد الأخير من مسرحية تاريخية لاستعراض الولايات المتحدة لعضلاتها عندما كانت تتدخل في شؤون الآخرين، وحيث كنا نعتقد جميعاً أن في وسع القوة العسكرية أن تحسم الأمور وتضع حدّاً للمشاكل. وتمثّل المشهد الثاني لهذه المسرحية بالفشل الذريع لهذه الرؤية (في كوريا وفيتنام والعراق وبالمآسي المتلاحقة التي نشهدها في أفغانستان)، وانتهى بظهور أصوات قوية تعارض استخدام الجيش كوسيلة لحسم الأمور في السياسة الخارجية الأميركية.

ولكن علينا أن نتوخى الحذر هنا، إذ يجب الانتباه إلى أن القرار الذي يقضي بالامتناع عن إقحام الجيش بالتدخل في القضايا الكبرى لا يعني أبداً أن القوات العسكرية لن تستخدم بعد الآن. ويمكنني القول إن القيادة العسكرية للولايات المتحدة اختارت لنفسها أسلوباً جديداً فيما يتعلق بتحديد مهمات تدخلها المستقبلية في مناطق التوتر، ولكن ذلك حدث على الأرجح بطريقة لا تتفق مع مصالحنا القومية.

ويطلق «البنتاجون» والبيت الأبيض على هذه الاستراتيجية الجديدة مصطلح (تدعيم القوة الذاتية للشركاء)، وهي تمثل «مذهباً جديداً»، فيما يتعلق باستخدام القوات المسلحة للولايات المتحدة في العالم، وأصبحت استراتيجية أساسية للنظام العسكري الأميركي. ويؤخذ على هذا النموذج أنه مبطّن وخفي وغير معلن، ويتلخص بتدريب وتأهيل القوات العسكرية لدول أخرى صديقة وتجهيزها بالسلاح والمعدات بالإضافة لاستخدام ونشر قوات أميركية أصغر حجماً بحيث تتوزع على عدد أكبر من البلدان حول العالم، (وربما تعدّ مناورات «الأسد المتأهب»، التي جرت في الأردن مؤخراً مثالاً واضحاً، حول هذا التوجّه الجديد).

ولا شك أن الوضع المتأزّم في سوريا يمكن اعتباره نموذجاً مثالياً لدراسة هذه الظاهرة. فبدلاً من اللجوء إلى الأسلوب التقليدي، الذي يتمثل بالغزو المسلح بالاعتماد على قوات برّية ضخمة العُدّة والعتاد أو فرض منطقة للحظر الجوّي، (وهي الإجراءات التي يعارضها بارنو)، فإن السياسة الرسمية للولايات المتحدة تقضي بتزويد المعارضة السورية بالمساعدات الإنسانية وبالأسلحة (غير الفتّاكة)، مثل أجهزة الاتصالات اللاسلكية لتسهيل مهمة اتصال الثوّار ببعضهم البعض. وقبل أسبوعين فقط، أعلن البيت الأبيض بأنه قرر البدء بتزويد الثوّار ببعض الأسلحة الخفيفة.

ولكن، وقبل وقت ليس بالقصير من صدور هذا الإعلان، كانت الأسلحة الفتّاكة تصل إلى الثوّار السوريين. وبما أن هذا العتاد الفتاك لم يأتِ من المخزون الأميركي للأسلحة، فإن من الجدير أن يُقال إن الولايات المتحدة تقوم بدور فعّال في تأسيس نظام لتهريب تلك الأسلحة. ولم يفتضح هذا الأمر إلا مؤخراً بالرغم من أن الإشاعات المتعلقة بهذه القصة كانت تصل إلى مسامعي منذ أكثر من عام. ويمكنني أن أستعير في هذا الصدد جملة وردت على عجل في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» تقول: (لقد لعبت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالفعل دوراً داعماً في مجال تزويد الثوّار السوريين بالسلاح).

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أننا تحملنا جهود تدريب الثوّار السوريين على هذه الأسلحة في كل من تركيا والأردن، وبما يسوّغ الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تعزز بالفعل من حضورها العسكري في هاتين الدولتين. ونحن الآن نستخدم طائرات (إف-16) المتخصصة بفرض منطقة الحظر الجوّي، وعمدنا إلى تنصيب بطاريات صواريخ باتريوت من أجل الدفاع عن مخيمات اللاجئين السوريين. ونحن نخطط للإبقاء على 700 من جنود القوات الأميركية هناك بمجرد انتهاء المناورات التي جاءوا للمشاركة فيها.

وبهذا تكون الإدارة الأميركية قد اختارت أن تبقي على التدخل العسكري في سوريا ولكن تحت ستار (بناء القوة الذاتية)، إلا أن القرار الأخير بالتدخل العسكري هناك بشكل علني كشف عن برامج، هي الآن في طريقها إلى التنفيذ.

وماذا حول البرنامج المحدد بالمادة رقم 1206، والذي يسمح للولايات المتحدة بتدريب وتسليح ودعم القوات المسلحة في أكثر من 40 دولة؟ وهو التزام يكلف «البنتاجون» 350 مليون دولار سنوياً، كما أنه البرنامج الذي حظي مؤخراً بإقرار لجنة الخدمات العسكرية في الكونجرس بتمديده حتى عام 2018.

أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية في واشنطن

ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يريد الغرب والشرق لسوريا؟

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

الاربعاء 3/7/2013

غير السعودية وصوت وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل لا يوجد من يتحدث عن الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه ، سوريا هي الان كما وصف الفيصل تحت الاحتلال الايراني الروسي وسط صمت العرب ونفاق الأوروبيين وتواطؤ الأمريكيين مع اسرائيل ومخططاتها .

يتساءل المعارض السوري ميشيل كيلو ماذا يريد الغرب والشرق لسوريا ؟ .

وإذا كانت الإجابة على هذا السؤال الكبير كما يقول تحتاج من المعارضة الى البحث العميق لحل الغاز مواقف الأمريكيين والأوروبيين ، فان الحقائق القائمة على الارض منذ عامين ونصف تقول لكيلو وقادة الائتلاف الوطني ولقائد الجيش الحر بان الثورة تقف وحدها في معركة الحرية ضد نظام القمع والاستبداد ، ليس لانها إرهابية كما يزعم الأسد وبوتين وخامئني ونصر الله ولكن لأن اوباما وبوتين وميركل وغيرهما يرون ان ( امن اسرائيل ) هو المسألة وان بقاء نظام آل الأسد ضمانة أمنية دائمة ليس في الجولان المحتل فقط وإنما لكل هذه الاطراف كما اعلن الاسد في لقائه الصحفي الاخير بان الغرب سيدفع الثمن ان سقط نظامه لان الارهاب سيصلهم . ومن المخجل ان تنقاد دول مجلس الامن الى تصديق هذا الطرح لتبرير استمرار السكوت على حرب الإبادة ضد السوريين وهو ما يجعل هذه الدول شركاء بهذه الجريمة ، والحقيقة ان الاستبداد والمجازر هما البيئة المثالية لانتشار الإرهاب .

الدعوة التي وجهها مجلس التعاون الخليجي لعقد جلسة عاجلة لوقف ما يعد له النظام من مجازر في حمص سيكشف مرة أخرى بان الغرب والشرق يريدون لسوريا ما تريده اسرائيل وهو جرها ومن خلفها المنطقة الى حرب طويلة يتصارع فيها الاسلام السياسي والمذهبي وتتناثر فيها الهويات والقوميات بما يحول سوريا الى مستنقع يغرق فيه العرب تحت وهم حماية أوروبا وأمريكا وروسيا من ( الإرهاب الإسلامي ) . أما موضع النظام الايراني من كل هذا فهو مستودع الشر وحليف الغرب والشرق في ساعة الضيق كما فعل عند احتلال أفغانستان والعراق من قبل أمريكا والناتو .

اذا انعقد مجلس الامن سيتكرر السيناريو نفسه انقسام تحت وطأة الفيتو الروسي واتفاق على اللا اتفاق وستتواصل مجازر الأسد ومرتزقته ضد الشعب السوري فيما ينشغل كيري بسيناريو آخر ( وهو احياء عملية السلام في فلسطين التي شبعت موتاً ) سيناريو الإلهاء هذا الذي يستخدمه الامريكيون كل مرة يريدون فيها تمرير جريمة اخرى على الارض العربية .

حصار الثورة السورية على مدى عامين ومنع تسليح الجيش الحر بحجة جبهة النصرة التي لا يتجاوز عدد مقاتليها الواحد بالمئة من عدد الجيش الحر انما هي ذرائع لجر سوريا الى نفس المصير الذي وصل اليه العراق ، بتعظيم الهويات الطائفية والإثنية لتقسيمها ، وضرب هويتها العربية الجامعة في جذورها القومية والدينية ، خدمة لفرز اوطان مصطنعة على مقاس الطوائف ، اوطان لا مبرر موضوعيا ولا تاريخيا لقيامها ، وهي لا مستقبل لها لانها تخرج من رحم كراهية مذهبية تغذيها العمائم وفتاواها السوداء .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تقاطع نيران حول سورية

علي العبدالله *

الحياة

الاربعاء 3/7/2013

عكست التحركات السياسية، الإقليمية والدولية، حول الملف السوري، من لقاء مجموعة الثماني إلى الاجتماع الوزاري الخاص بسورية في الدوحة، مروراً بلقاءات كاميرون- بوتين، وأوباما- ميركل، وبوتين- ميركل، والقرارات والمواقف التي صدرت عنها، حالة لَيّ ذراع شديدة. فالدول التي تتقاطع في عدد من النقاط حول الملف السوري مثل: الحل السياسي، ورفض استخدام الأسلحة الكيماوية، وإغاثة النازحين واللاجئين، ومحاربة التطرف، لم تستطع الاتفاق على خطة خريطة طريق واضحة ومحددة للحل بسبب ربطها الحل بالاتفاق على حلول لقضايا خلافية بينها، قضايا كثيرة ومتنوعة تمتد من التوازن الإستراتيجي إلى الأدوار والمصالح في مناطق عدة من العالم، وصولاً إلى الموقف من أنظمة الحكم والسياسات الداخلية لبعضها، ما قادها إلى عدم تحديد موعد عقد المؤتمر الدولي حول سورية أو «جنيف2» ودفعه إلى أجل غير مسمى.

لقد كان الملف السوري على الطاولة في هذه اللقاءات لكن البحث فيه كان مناسبة للتصويب على أهداف أخرى. فعلى رغم التعويل الكبير على لقاء أوباما- بوتين لتحقيق اختراق في الملف السوري، فإن تركيزهما كان على خفض مستوى التسلح النووي بين الطرفين وتباين وجهات نظرهما بين موقف أميركي يريد تخفيض عدد الرؤوس النووية من 1500 إلى 1000 رأس، وروسي يعطي الأولوية لتموضع وانتشار هذه الرؤوس. ففي مواجهة الفارق التقني في التوجيه والتصويب يمنح العدد روسيا الثقة للتغلب على عدم دقة صواريخها في مواجهة صواريخ أميركية دقيقة، لذا فهي تركز على سحب الصواريخ الأميركية من أوروبا ووقف نشر الدرع الصاروخية ريثما تُطوِّر أجيالاً جديدة أكثر دقة، كما أعلن بوتين خلال زيارته لمعامل الأسلحة الروسية بعد عودته من قمة الثمانية، هذا من دون أن نغفل القضايا الأخرى: الوجود الأميركي في آسيا الوسطى، قضية جورجيا، ملف النفط والغاز، الملف النووي الإيراني، والملفات الأهم بالنسبة الى بوتين (التشكيك الأميركي بشرعيته، بسبب ما تعتبره واشنطن تزويراً وإكراهاً في الانتخابات، التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية الروسية ودعمها لمنظمات المجتمع المدني) التي دفعته إلى التصلب إلى درجة الانتحار بالانزلاق إلى سباق تسلح في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

صحيح أن الاجتماع الوزاري الخاص بسورية، الذي عقدته 11 دولة من أصدقاء سورية في الدوحة، أطلق وعداً بدعم الثورة السورية بالسلاح، لكنه ترك لكل دولة حرية التقدير والتصرف، ما يعني أنه أعطى شرعية لتقديم السلاح من دون أن يلتزم بخطة وبرنامج محدد، وترك التنفيذ لاعتبارات ومصالح كل دولة ومدى الضرر الذي يلحق بها وبمصالحها نتيجة تطورات الصراع في سورية. وهذا سيلقي الثقل الأكبر على دول عربية بعينها، بينما ستبقى أميركا والدول الأوروبية سوقاً للسلاح ليس إلا، وما يعنيه ذلك من تسعير للقتال الداخلي والتمديد في عمر الأزمة عبر ضخ السلاح لطرفي النزاع، والنزف العربي والإقليمي والتوتر المذهبي والشحن الطائفي والانزلاق إلى بيئة إقليمية هشة وقابلة للانفجار.

انتهت الاجتماعات، وعادت الأطراف إلى إطلاق المواقف تعبيراً عن عدم رضاها عما تم وسعيها لجمع أوراق قوة جديدة للضغط على الطرف الآخر، وبقي الشعب السوري يواجه القتل والتدمير والنزوح واللجوء مع مصاعب توفير الأمن ولقمة العيش والعلاج للمرضى والجرحى وكبار السن، مع مزيد من الضغوط من «الأصدقاء» والأعداء الذين اتفقوا على نقاط تتعلق بمصالحهم من دون اعتبار لمصالحه وطموحاته ومطالبه التي خرج من أجلها: الحرية والكرامة. فهذا رئيس فرنسا يحدد للثوار أولوياتهم (استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة المتشددين الإسلاميين)، ويريد منهم أن يقاتلوا حلفاءهم قبل أعدائهم (النظام وحلفاؤه). وسيد البيت الأبيض يواصل معركة بوش الابن ضد السنّة، على خلفية دورهم في هجمات 11 أيلول، ويرفض الوقوف إلى جانبهم باعتبارهم العدو الأول لأميركا، وهذه نقطة تقاطع كبيرة مع بوتين، مع اضطراره لدعمهم لأن هزيمتهم ستعني هزيمته أمام روسيا وإيران و «حزب الله»، وتضر بمصالح اميركا وتضع قيوداً على قدراتها في التعاطي مع ملفات أخرى، بخاصة الملف النووي الايراني وأمن اسرائيل. كاميرون المهدَّد من منافسه داخل حزبه يبدل الموجة إلى البحث عن جنرال يقوم بانقلاب عسكري ينهي حكم الأسد... في وقت تضخ فيه إيران الأسلحة والمقاتلين والمال لتثبيت النظام، ويرسل «حزب الله» وفداً كبيراً (55 من قادته) إلى النجف للمشاركة في الاحتفال السنوي بذكرى ميلاد المهدي ولحضّ الشيعة على «الجهاد» في سورية.

لقد أصبح الشعب السوري وثورته أسيرين لمعادلة إقليمية ودولية، وبات في موقع تقاطع نيران، تحيط به شاخصات تحاول التحكم بمسيره وتوجهاته كي تحدد له في النهاية، وبتجاهل تام لتضحياته وما لحق به على أيدي النظام وحلفائه، سقف مطالبه. لكن هيهات أن يرضى بعد كل ما حصل بالتنازل عن مطالبه بالحرية والكرامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستبداد والوعي الغائب!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 3/7/2013

يجعل خلق كثير، الاستبداد مسؤولا عن تدني سوية الوعي السياسي عند عامة السوريين، وهذا اعتقاد صحيح فيما يتعلق بالنظام. لكنه لا يبقى صحيحا تماما، ويكون ناقصا إن نحن نظرنا إلى الأمر من جهة المعارضة. عندئذ سيكون علينا القول: لو كانت هناك قوى سياسية معارضة، شعبية الجذور ومتقدمة الوعي، لامتلك قطاع واسع من المواطنين وعيا سياسيا مطابقا إلى حد بعيد لواقع سوريا ونظامها، الذي كان الجهة السياسية الرئيسة والفاعلة سياسيا خلال نصف قرن كامل، غطى حضورها أثناءه كل مكان وركن من وطننا، بحيث يصح اعتبار وعي وضعه وسياساته معادلا على وجه التقريب للوعي بالجزء الأعظم من واقع صنعه وحده بعد انفراده بالسلطة عام 1965 عامة و1970 بصورة خاصة.

لا مراء في وجود مشكلة وعي سياسي عند أغلبية السوريين. ولا مجال لإنكار أن معظم مواطناتنا ومواطنينا امتلكوا دوما حسا سياسيا سليما، عوضهم إلى حد ما عن الوعي السياسي، الذي كان بوسع قوى معارضة قوية ومتجذرة في المجتمع تقديمه لهم. على أن مشكلة الافتقار إلى وعي سياسي سوري مطابق ليست عند الشعب، بل هي قضية نخبوية من الطراز الأول، بدلالة ما أبدته الطبقة السياسية السورية المعارضة خلال الثورة من قصور وفوات وعي: سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى تنظيميا، حتى ليمكن القول دون مبالغة: إن حدس الشعب وحسه السياسي متقدمان على وعي النخب والأحزاب الناشطة في الساحة، التي يفترض عموما أنها تمثل لحظة الوعي السياسي، ما دامت تدعي لنفسها حقا حصريا هو قيادة الشعب الثائر، الذي منعه قمع النظام وعنفه المسلح من دون بلورة قيادة من صفوفه تعبر عنه.

إذا كان الوعي الشعبي محكوما بالقمع السلطوي ونزع السياسة من المجتمع، بماذا نفسر تخلف وعي النخب الحزبية خاصة والسياسية عامة؟ وهل يجوز أن نقبل ما تقوله هذه حول القمع كسبب لفواتها الفكري والثقافي، وما ترتب عليهما من تخبط وتهافت صحبا ما اتخذته من مواقف، وطبعا برامجها بعيوب كثيرة أدت إلى حدوث فجوة بينها وبين الواقع، وإلى وقوع انزياح عنه جعلها عاجزة عن الفعل والتأثير؟. كيف نفسر أن هذه القوى لم تقدم إلى اليوم خطة سياسية تشخص مراحل الثورة والمهام المطلوبة في كل واحدة منها، والعقبات التي عليها تذليلها وتخطيها، وموازين القوى الضرورية لنجاح كل واحدة منها؟. هل الاستبداد هو المسؤول عن الافتقار إلى هذه الخطة لدى معارضة تزعم أنها قائدة الثورة، وبماذا عساها تقودها إن كانت لا تمتلك هي نفسها خططا توجه خطاها وتساعدها على تدبر أمورها ومواجهة ما قد يعترض سبيلها من متغيرات ومصاعب؟. وكيف يكون غيرها مسؤولا إن كانت تعتبر نفسها ثورية وحققت إنجازات نضالية ضده، مثلما تحب أن تؤكد دوما؟. وأخيرا، هل يجوز لمن يقدم نفسه للشعب كجهة فشلت السلطة في التأثير عليه واحتوائه وكسر شوكته، أن يلقي أسباب تأخر الوعي على سواه بينما يدعي لنفسه نجاحات منقطعة النظير في مواجهة السلطة وما تمتلكه من منظومة فكرية وأيديولوجية؟.

ليس النظام وحده مسؤولا عن تخلف وعي الشعب السياسي عامة وعن سوء إدارة المعارضة الحزبية للثورة بصورة خاصة. هذا الواقع أنتج مشكلتين مستعصيتين: أولاهما أن المعارضة لا تقر بمسؤوليتها وبدورها في تأخر الوعي عندما ترى في النظام وحده سببا لها، وثانيتهما أنها تتهرب من مواجهة ما هو قائم في الساحة العامة من وعي متخلف، وتهرب من ضرورة بلورة وعي مطابق للواقع، حديث وضارب، يلبي متطلبات النضال، وتقفز فوق مسألة مفتاحية في كل سياسة، هي أن الثورة تمر في مرحلتين، أولاهما وعي الواقع وامتلاك رؤى نظرية وعملية لبدائله. بما أن أحزاب المعارضة تجاهلت دوما هذا الطور، أو لم تدرك أهميته الحاسمة أو تفهم أن الثورة في الواقع لا بد أن تسبقها ثورة في الفكر والوعي، فقد قفزت دوما إلى مرحلتها الثانية، التنفيذية، التي اعتبرتها كل الثورة، فركزت أنظارها وأنشطتها عليها، ببرامج خلت غالبا من الفكر والمعرفة، واتجهت نحو تنظيم وتحشيد قوى مجتمعية خالت أن عفويتها كفيلة بقلب النظام القائم.

ثمة بلدان واجهت ديكتاتوريات عاتية حكمت لفترة طويلة، لكنها فشلت في تقويض المعارضة وقطع علاقاتها مع شعبها. أليس في هذا الدليل على أن امتلاك وعي سياسي ليس مرهونا بالنظام وحده؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية في الخارطة الدولية

د. خالد ممدوح العزي

المستقبل

الثلاثاء 2/7/2013

الصراع السياسي وبخاصة الاقتصادي يتصاعد في كل الدول الكبرى، والسبب يعود لعدم وجود خطة اقتصادية إنقاذيه شاملة لدى هذه الدول، بالطبع الشرق الاوسط مكان مفعولاً به في سياسة هذه الدول، ومرحلة انتقالية للمعارك الجديدة القادمة على خارطة العالم الجديد.

المعركة القادمة للسيطرة الجيو-سياسية هي مناطق آسيا الوسطى وأفريقيا... وليست منطقة الدول العربية التي تغير أنظمة الحكم فيها تدرجياً. المشكلة العربية أضحت أسيرة لمصالح دولية، لم تحل ولن تخرج نتائج تسوياتها الخاصة، فالأزمة السورية أصبحت ورقة لتحسين الشروط الدولية في صراع عالمي يحاول تقاسم المصالح والنفوذ والشعب السوري يدفع الثمن. الجميع يحاول إنتاج نظام دولي جديد له الدور الأكبر والأكثر فعلية فيه، من خلال التمسك بملفات خاصة، محاولاً إيجاد تحالفات جديدة له في المنطقة والعالم، لطرح أو إطلاق دبلوماسية أوسع وأكبر، ومن نوع جديد يكون فيها تعدد الأقطاب هو السائد والحاكم. ولعل اتفاق جنيف الركيزة التي يعمل على بنائها للدخول في تسوية بالرغم من فشل الأول والإصرار على عقد الثاني بظل عدم تحديد موعد لانعقاده، وربما لن ينعقد وسيتم الحديث لاحقاً عن "جنيف 3".

أوروبا العام الماضي لم تجدد البيعة لزعمائها وأحزابها، الذين وافقوا على سياسة التقشف، علهم يسيطرون على زمام الازمة الاقتصادية، لكن الشعب قرر معاقبتهم واستبدالهم باليسار واليسار يخاف من الشارع والانقلاب عليه، وربما عدم تسليح المعارضة السورية كان سببه الخوف الفعلي لحكومات أوروبا من الدخول بأزمات، بالرغم من أن زعماءها ما زالوا يصرون على التسليح. فاليسار الاوروبي الذي يسيطر على معظم دول اوروبا، لا جدوى منه لأنه ليس هذا اليسار القديم ولا الجديد الجدي والقوي. لا يتمتع اليسار ببرنامج أو اديولوجية جديدة مميزة يستقطب من خلالها عامة الشعب، لقد فشل بالأصل في طرح أفكاره لحماية المواطن وخاصة من شجع الرأسمالية وسطوتها على أموال الدولة والمواطن مما ساعد على نشوء أزمات اقتصادية، لكن سيطرة اليسار في اوروبا سوف تنتهي بنمو اليمين المتطرف، وهذا هو الجزع الحقيقي في أوروبا، هذا الوضع يذكرنا ببداية ثلاثينات القرن العشرين عندما وصلت النازية الالمانية الى سدة الحكم بواسطة الانتخابات الشعبية وبالطريقة الديمقراطية عن طريق الانتخابات وصناديقها.

روسيا تتحمل، جزءاً كبيراً من الكارثة في سورية، لقد تمادت كثيراً، ولم تعمل على ضبط الازمة بل اطلقت لها العنان، ساهمت بالكارثة الفعلية، واطلقت زئيرالاسد، ومدته بالسلاح والمال والمعلومات والحصانة الدولية فرفعت الفيتو ضد العرب 3 مرات لحماية ايران وليس سورية، روسيا عينها على ايران، بسبب ضعف التقدير الروسي والذي يمتاز برأينا بضعف الرؤية الاستراتيجية. روسيا ما زالت حبيسة أوهام قديمة كونها دولة محورية في العالم. ومن خلال الورقة السورية يمكن فرض نفسها لاعباً على الحلبة الدولية لتعيد نفوذها المفقود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والعودة الى الشرق الأوسط. بالرغم من اعتراض روسيا الدوؤب على عدم تسليح المعارضة وإصرارها على دعم الأسد ونظامه. روسيا اليوم باتت على وشك اليقين بأن النظام فقد شرعيته وقدرته القتالية وشعبيته بالرغم من القصير كانت الدليل الكافي باعترافات المبعوث الخاص للرئيس بوتين إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف في مقابلته مع جريدة اللحياة اللندنية المحاولة الأخيرة لفرض واقع تفاوضي من خلال نصر وهمي يساعد النظام في مؤتمر "جنيف 2".

روسيا أضحت أمام حكم القيصر الحقيقي في ادارة الملفات الدولية العالقة، وتصريحات بوتين كلها منذ وصوله في العام الماضي الى الكريملين هي بمثابة خارطة طريق من قبله للتعامل مع الملفات السياسية والتي بدأها بلهجة تصعيدية في التعامل مع أميركا. لروسيا وأميركا مصالح مشتركة في ترتيب وتهدئة العلاقات بينهما من خلال ادارة العلاقات بطريقة جيدة تخدم البلدين، فالملفات العالقة محصورة كلها بين موسكو وواشنطن، لكن بعد لقاء قمة الثمانية في 19 حزيران 2013, صعدت الازمة السياسية ووضعها في المربع الاول. هناك ملفات كبيرة ومتأزمة بين البلدين وهي بحاجة للحل السريع والجيد وتتطلب ادارة حكيمة ومنها: "الازمة السورية ومستقبل الحكم القادم".

الحكومات في روسيا، اسبانيا، فرنسا، اليونان، اميركا واسرائيل عقّدت المشهد السياسي العام، بسبب مواقفها الناتجة عن مشاكلها الداخلية. بظل هذا اللوحة العالمية قد ينتج تقارب بين "روسيا- وأميركا" لكسر الجليد السياسي العالمي يعطي روسيا بعض الامتيازات البسيطة التي تعلنها نصراً دولياً. ففي فرنسا والمانيا تكمن المشكلة الاوروبية الاجتماعية والاقتصاية ومشكل النمو وهي مشاكل ذات ابعاد ذاتيه داخلية الى حد ما وكذلك المشكلة في روسيا صعود الطبقة المتوسطة وصعوبة تجاهلها وفي اميركا البطالة والتضخم الاقتصادي ووصعوبة التحكم بالقرار السياسي وضعف اوباما في اخذ القرارات السياسية خوفاً من مستنقعات جديدة. فآخر تقرير للتنمية البشرية لا يبشر بخير. ان هذا الصراع الدولي لا يزال ينظر الى المنطقة العربية على انها منفعل وليس فاعلاً.

الربيع العربي وتأزم الوضع في داخل الدول العربية وصعود الاسلاميين الى سدة الحكم، لكن غياب التجربة والبرامج الاقتصادية عند الطبقة الجديدة، ساهمت بانقسام الشارع بين معارضين وموالين، لا شك بان المشهد الدولي معقد وقد زاد من اعباء وتأزم كافة القوى الدولية. في البداية كانت المشكلة مع أميركا والآن اضحت مع اميركا وروسيا.

الازمة السورية تراوح بين الموقف" الصيني- الايراني ا لروسي" وحلفهم المعتمد على الميليشيا المذهبية التي تأتمر بأمرة ولي الفقية في ايران. والموقف الاميركي الاوروبي التركي العربي" المدعوم من قوى اسلامية قادمة من دول سنية تواجه الهلال الايراني. العالم كله كأنه يتقلب على صفيح ساخن! والحرب المذهبية تفرض نفسها في المنطقة وتؤسس لحرب طويلة، لا تنتهي شرارتها في سورية بل سوف يمتد لهيبها الى العالم. امام هذه المشهد المأسوي لا يوجد شيء له معنى، سواء أكنت جمهورياً أم ديمقراطياً، سواء أكنت إسلاميا أم محافظاً أم ليبرالياً ام علمانياً. فالحالة الوحيدة التي لها معنى، هي إيقاف شلالات الدم في سورية.

العالم كله اليوم يؤكد على ضرورة إنجاح مؤتمر جنيف والانتقال السلمي للسلطة. فالسبب الاساسي الذي يجمع بين مختلف السياسات العالمية والتوجهات المختلفة هو الغياب العلني لعدم الاتفاق على مبادرة سياسية قابلة للتنفيذ من قبل مجلس الامن، وهيئة الامم، والسكوت الاميركي، والتواطؤ الروسي على كل جرائم الاسد وغياب أي ضغوط عسكرية على الاسد، التي تؤشر على روائح صفقة خاصة بين الغرب والروس ونظام الاسد وبضغط اسرائيلي على حساب استسلام الثورة السورية، بسبب التنافس الدولي الودي على حماية امن اسرائيل.

إن فشل عقد أي مؤتمر دولي ينهي شلال الدم السوري، يعني فشل مجلس الأمن كلياً في ايجاد حل سلمي للازمة السورية وبالتالي العالم كله يكون قد ترك سورية للنظام، لكي يسكت صوتها بقوة البطش والقتل. فالازمة السورية التي فقدت اي حل سلمي وعربي ودولي يراهن عليه بسبب النظام واعتماده على القبضة الحديدية الامنية والعسكرية، وبالتالي هذا الحل الذي استخدمه النظام قد شل اي مبادرة تفاوضية، لفرض مصالحه الخاصة على شعبه، لتحسين شروطه في التفاوض، وبالتالي سيعمل الشعب السوري لتحصين وضعه وجبهته لمواجهة النظام وللدفاع عن نفسه، من خلال الاتجاه نحو التطرف السلفي الشعبوي.

العالم بواد والربيع العربي بوادٍ، فلماذا يكون التغيير في بلاد العرب غير طبيعي، فالاسلام ليس بجديد على بلادنا لان عمره اكثر من 1400 سنة، ولكن اسرائيل هي الجديدة، العالم القلق عليها والعدو الحقيقي هي ولا داعي لاختراع عدو وهمي.

الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية سوف تفرض نفسها وتبني انظمة جديدة في الدول العربية، بعيدة عن حماية امن اسرائيل، فالانظمة العربية الفاشلة الحالية هي شريكة في جريمة اغتصاب فلسطين العربية، واسرائيل لن تجد افضل من هذه الانظمة الحاكمة في حماية أمنها لكونها انظمة دكتاتورية وقمعية، لذلك تصر على بقائها واستمراريتها بمساعدة العالم كله.

 

() كاتب إعلامي وباحث مختص بالإعلام السياسي والدعاية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إرث أوباما والأزمة السورية

المصدر: صحيفة واشنطن بوست الأميركية

البيان

الثلاثاء 2/7/2013

لم يُخفِ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، تشاؤمه وضيقه من الحظوظ المتضائلة لثوار سوريا، وذلك عندما سئل أخيراً حول مؤتمر جنيف 2 الذي لا تزال إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تدعمه، باعتباره الفرصة الوحيدة لإيجاد حل لحرب سوريا الطائفية والدامية.

كان فابيوس دبلوماسيا للغاية بحيث لا يعزو، بشكل مباشر، تراجع المعارضة المفاجئ في ساحة القتال، إلى تردد واشنطن في دعم تسليح الائتلاف المعارض، والمتشددين الذين يحاربون لإطاحة الرئيس بشار الأسد، إلا أنه عبر عن مخاوف واسعة النطاق بشأن غياب قيادة قوية في الغرب.

وأعربت شخصيات أخرى، في الحكومة الفرنسية، عن مخاوف قوية من أن فقدان مصداقية أميركا في سوريا، قد يشجع دولا لتكثف سعيها للحصول على أسلحة نووية.

هذا القلق الكامن بشأن انتشار الأسلحة النووية، يساعد في تفسير جهود فرنسا لبناء دعم خارجي أقوى للمعارضة السورية، ولو من خلال الضغط على واشنطن إذا تطلب الأمر.

ما أسرع ما يتغير العالم! فمنذ بضع سنوات فقط، اشتكى وزير خارجية فرنسي آخر من أن أميركا أصبحت «قوة عظمى» مستعدة، أكثر مما ينبغي، للتحكم في حلفائها، وأعرب بعدها القادة الفرنسيون عن توقهم «لعالم متعدد الأقطاب».

وذكرت مصادر موثوقة أن فرنسا قد حثت إدارة أوباما على إرسال أسلحة مضادة للدبابات والطائرات إلى الثوار السوريين، للحيلولة دون انهيار عسكري، لكن مسؤولين ذكروا أنهم لم يروا إشارات لتأسيس سلسلة إمدادات فعالة.

الأزمة السورية صراع معقد وغادر، وواشنطن غير مستعدة بالقدر الكافي لحله، تماما كما أشار أوباما، إلا أن المناقشات تطرح نقطتين قويتين: الأولى، أن إدارة أوباما فشلت في تطوير استراتيجية إقليمية تأخذ بعين الاعتبار تأثير هزيمة الأسد وحزب الله للمعارضة.

 وتثير المخاوف بصورة خاصة، شكوك الاستخبارات الفرنسية في أن يكون «مستشارون» عسكريون لإحدى الدول الإقليمية، مسؤولين عن استخدام أسلحة كيميائية في سوريا كنوع من التجارب المخبرية.

النقطة الثانية، أن جهود أوباما لقيادة هذه الأزمة بشكل يختلف عن القيادة من الخلف، تسببت في توترات غير ضرورية وضارة مع حلفائها العرب والأوروبيين. فتضارب الأهداف، وقرار تخطي أولئك الحلفاء في الموافقة على مؤتمر جنيف مع روسيا دون مشاورات جادة، كلها علامات على سوء إدارة التحالف.

هنالك مخاوف من وقوع إدارة الرئيس أوباما في فخ الإرث الذي يواجهه كل رئيس عاجز سياسيا. ففي مواجهة الأسئلة والانتقادات، كرر الرئيس أوباما، بلا نهاية، أنه قد انتزع أميركا من حربين في الشرق الأوسط، ولا يعتزم إدخالها في حرب ثالثة.

هذا يناسب الرأي العام، والشعور بمخاطر الأتون السوري، إلا أن الظهور بمظهر الاهتمام بحماية الإرث عوضا عن التعامل مع معضلات المشكلات الحالية، يدعو للشعور بوجود «عالم صفري القطب» يشك فيه الحلفاء بقيادة أميركا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف ينظر السوريون إلى المعارضة؟!

أكرم البني *

الحياة

الثلاثاء 2/7/2013

يتابع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حواراً في اسطنبول مع المجلس السياسي الكردي لتحديد التخوم وتوحيد الصفوف، ثم يعقد اجتماعاً مؤجلاً لإعلان موقفه النهائي من مؤتمر «جنيف - 2» ولانتخاب رئيس جديد، بينما تجاهد هيئة التنسيق الوطني في الداخل لتبرئة نفسها من اتهامات سلطوية بدعم بعض جماعات «الجيش الحر»، وأيضاً مما قام به الحزب الديموقراطي الكردي، وهو أحد مؤسسيها، بعد أن أطلقت عناصره الرصاص عشوائياً، يوم الجمعة الفائت، على متظاهرين سلميين في مدينة عامودا شرق البلاد، فقتلت ثلاثة وجرحت أكثر من عشرين.

هذه الأخبار وغيرها من أخبار المعارضة السياسية لم تعد تحظى بالاهتمام المعهود، وتقابل اليوم باستخفاف مرير من غالبية السوريين، بسبب انحسار ثقتها بمكوناتها وزعمائها، وخيبة أملها الكبيرة من دور قيادي كانت تنتظره منها.

فترة عامين ونيف على انطلاق الثورة هي فترة ليست قصيرة لاختبار أحوال المعارضة السياسية وقدراتها، وللتأكد من عجزها وتقصيرها في مواكبة الحراك الشعبي، وفي بناء قنوات للتواصل والتفاعل معه ومده بأسباب الدعم والاستمرار، وهي ثغرة كبيرة لثورة كالثورة السورية، جاءت مفاجئة وعفوية، وعطشى لقوى سياسية تقودها، ولشخصيات نضالية تاريخية تتصدر صفوفها.

وللأسف لن تنجح المعارضة السورية في معالجة هذه الثغرة ونيل ثقة الناس وقيادة ثورتهم، ما دامت لم تنجح في إظهار نفسها كقدوة حسنة ومثلاً يحتذى في المثابرة والتضحية وفي إطلاق المبادرات لتمكين الحراك الشعبي وتغذيته بالخبرات السياسية والمعرفية.

وكيف الحال عند السوريين، عندما تبدو المعارضة السياسية كأنها في وادٍ والحراك الشعبي وأنشطته المسلحة في وادٍ آخر، ولا نعرف إن وصلت إلى مسامع كل من يسوغ لنفسه تقديم التوجيهات للثورة عن بعد، الاعتراضات حول جدوى النصح والانتقاد من الداخل، وأولوية العودة إلى الديار لمشاركة الناس معاناتهم وهمومهم ولحظات يأسهم وأفراحهم، والأهم لتوظيف الجهد والمعرفة لتنظيم الحياة في المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، ولمواجهة قوى متطرفة نجحت في فرض وجودها على الأرض وكسبت التعاطف الشعبي وخلقت واقعاً اجتماعياً ونفسياً يناهض المعارضة الديموقراطية ويحاصرها.

وكيف الحال، والمعارضة لا تزال تتعثر في توحيد صفوفها أو على الأقل ضبط إيقاع خطابها السياسي، بل تسمع، مع كل يوم يمر، عن تجمع سياسي مختلف وعن تكتل جديد، وكأن الادعاءات المتبادلة بالحق التاريخي في الزعامة والمصالح الحزبية الضيقة هي من يقرر مصير هذه المعارضة ودورها، وليس مصلحة الثورة.

وكيف الحال، حين تحفل أحاديث بعض المعارضين بسيل من الشتائم والتهم تصل إلى حد التخوين لقاء اختلاف سياسي هنا أو مزاحمة تنظيمية هناك، ولا يبدل سلبية المشهد تلويح بعضهم بسيف التضحيات الشعبية وتسابقهم في الإعلام لإثبات من منهم أكثر صدى لصوت الشارع وشعاراته حتى لو كانت شعارات قاصرة وتضر بوطنية الثورة وعموميتها، ثم، هل سأل المعارضون أنفسهم عن الصدى السلبي لصورتهم النمطية وهي تضج بخلافاتهم الشخصية وبالتنافس على المناصب وتفوح من بعض زواياه رائحة الاستئثار وربما الفساد، وهل رنت في آذانهم كلمة «يا حيف» التي أطلقها بعض من كانوا يراقبون انشغال المعارضة بحساباتها الخاصة وتزامن تصعيد خلافاتها حول نسب توسيع الائتلاف الوطني مع تصعيد العنف والهجمات على مدينة القصير؟!

يعيب الكثيرون على المعارضة انصياعها لأوامر الخارج، العربي أو الدولي، أو على الأقل سيرها وفق حساباته وتوقيتاته، بدليل اعتراف أهم مكوناتها بأن جل عمله هو على العلاقات الخارجية وليس على الداخل السوري، وبدليل توقيت محطات تطورها السياسي وتشكيلاتها التنظيمية تبعاً لأجندة لا تتعلق بالوضع السوري العياني بمقدار ما تتعلق بمطالب الخارج، ويتساءل هؤلاء، ألم يتسابق المعارضون لعقد المؤتمرات وإعلان التكتلات السياسية تلبية لإشارات صدرت عن هذا الطرف الخارجي أو ذاك، أولم يولد «الائتلاف الوطني» كاستجابة مكشوفة لاشتراطات الخارج من أجل تقديم الدعم الضروري للثورة؟!

وينفر الناس من معارضة تقول إنها تسعى لبناء دولة المواطنة والمساواة، بينما تنزلق بعض رموزها إلى ممارسة مفضوحة للمحاصصة الطائفية والإثنية، مرة عبر التباهي بانتماءاتها ما قبل السياسية، ومرة في الإصرار على توزيع المناصب على أساس الحصص المذهبية والقومية وليس على أساس القدرة والكفاءة، ومرة ثالثة عبر المبالغة في تقديم أسماء كردية أو علوية أو مسيحية أو درزية كجزء من ملاك هيئاتها القيادية، لإظهار صورة عن نفسها تقنع الداخل والمجتمع الدولي بأنها تمثل أطياف المجتمع وفئاته كافة.

يعترف السوريون بأن العمل السياسي المعارض ساندهم في إثارة قضايا الثورة في المحافل العربية والدولية، ووظف جهداً إعلامياً متميزاً لدعم مطالب الناس وحقوقهم المشروعة وتفنيد أكاذيب الإعلام الرسمي وإدعاءاته عن مؤامرة خارجية وعصابات مسلحة وغيرها، ويعترفون أيضاً بأنهم كانوا من أكثر المتسامحين مع معارضتهم ومنحوها الفرصة تلو الفرصة، فهم الذين رفعوا شعار «المجلس الوطني يمثلني» عندما لمسوا تشكيلاً معارضاً هو الأقرب لأفكارهم وتطلعاتهم على رغم مآخذهم عليه، وهم من تابع الرهان، وعلى رغم المعاناة والآلام، على «الائتلاف الوطني» ومنحوه الوقت والفرص أيضاً كي يثبت صدقيته.

صحيح أنها المرة الأولى في تاريخ المعارضة السياسية التي توضع أمام امتحان حقيقي لقدرتها على قيادة حراك شعبي واسع يطالب بالتغيير الجذري، وصحيح أن ثمة مسؤولية كبيرة تتحملها السلطة في محاصرة العمل المعارض وخنق دوره وقنوات تواصله مع الناس، وصحيح أن ثمة مثالب وأمراضاً تعاني المعارضة منها نتيجة عقود من جور السلطة وظلمها يصعب معالجتها بسرعة، ولكن الصحيح أيضاً أن المعارضة تدرك أكثر من غيرها تقصيرها الكبير في مراقبة أفعالها وتجاوز أخطائها، وربما تدرك أيضاً، كما يتندر البعض، أن النظام نجح في أخذها إلى حيث يريد!

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصراع السوري وأوهام الحسم العسكري!

أكرم البني

الشرق الاوسط

الاثنين 1/7/2013

حين يغدو المشهد السوري مثقلا بالفتك والدمار، ويصبح السلاح صاحب الكلمة الفصل، تطغى أخبار المعارك، بهزائمها وانتصاراتها، على كل اهتمام، وتغدو حافزا لشحن الصراع وتعزيز لغة العنف، ولا يخفف من وطأة هذا الخيار وآلامه، الادعاء بأن ما يجري هو جهد استباقي من قبل النظام لتحصيل مكانة جديدة تؤهله لفرض اشتراطاته على الرغبة الدولية في حل سياسي، أو كمحاولة اضطرارية من قبل المعارضة المسلحة لتعديل توازنات القوى كي تجبر النظام وحلفاءه على فتح باب المرحلة الانتقالية العتيدة.

هو أمر مؤسف ومقلق، أن يفضي منطق الحرب، إلى انحسار الدور السياسي للمعارضة السورية أمام تقدم المكون العسكري، وقادته لا ينفكون عن تكرار أوهامهم عن حسم عسكري سريع في حال مدوا بالأسلحة أو جرى تحييد الطيران الحربي، أمام نظام لم تفارقه الأوهام ذاتها عن قدرته على سحق الثورة بما يملكه من وسائل القهر، واعتاد مع كل محطة تحقق فيها الآلة القمعية بعض التقدم، أن ينعش هذه الأوهام ويكرر لازمته، بأن الأزمة توشك على الانتهاء وبأن ما تواجهه البلاد سيغدو في وقت قريب من الماضي.

وعليه، يصعب على المرء فهم الطريقة التي تنظر فيها السلطة إلى النتائج، وكيف تخلص إلى أن خيارها الحربي يؤدي الغرض وينجح، وتعجب بعد أكثر من عامين من تجريب مختلف أصناف الأسلحة ومن عجز صريح عن كسر موازين القوى واستعادة السيطرة على أكثر من نصف مساحة البلاد، وبعد الخسائر الجسيمة التي منيت بها، وتراجع القدرة العمومية على إدارة مؤسسات الدولة، تعجب من استمرار الأوهام بإمكانية الحسم ونجاعة منطق كسر العظم، ومن تكرار القول بأن «القصة خلصت»، والإيحاء للآخرين بالانتصار وبعودة الأمور كما كانت، بينما الواضح أن الواقع يسير نحو الأسوأ، ونحو المزيد من التعقيد، والمزيد من احتدام الصراع، واستنزاف ما تبقى من قوة المجتمع وثرواته.

ليس سهلا على العقل إدراج ما حصل ويحصل في البلاد تحت عنوان الانتصار، فليس من معنى لكلمة انتصار في المشهد السوري اليوم إلا إذا جرى اختصاره فيما تخلفه قوة قمعية هائلة من دمار وفتك في المدن والمناطق المتمردة، وإلا إذا فهم بنجاح الممارسات السلطوية الموغلة في العنف والاستفزازات الطائفية في عسكرة الثورة واستجرار ردود فعل من الطبيعة ذاتها، وتاليا محاصرة المبادرات السياسية ووأد مختلف الجهود لإعادة بناء الوجه المدني للثورة، وليس من معنى لكلمة انتصار إلا إذا كان غرضه التعريف بأعداد ما فتئت تتزايد من الضحايا والجرحى والمفقودين ومن المشردين والمهجرين واللاجئين، وربما لتعزيز الروح المعنوية لأنصار النظام باقتراب ساعة الخلاص، وبضرورة بذل كل الجهود من أجلها، وبغير المعاني السابقة يضحك المرء على نفسه إذا نظر إلى الوقائع والحقائق الراهنة واعتبرها انتصارا، ما يشجع على طرح السؤال عن جدوى استمرار هذا العنف والتنكيل المعمم، وهل حقا لم ير النظام نتائج ذلك؟ وأين تفضي هذه الطريق؟!

يعتقد الكثيرون أنه مجرد وهم الرهان على الحسم العسكري وعلى دور المعالجة العنيفة في منح السلطة أو المعارضة فرصة الانتصار، ويعتقدون أيضا أنه من المحال، بعد أكثر من عامين من العجز وانحسار السيطرة، أن ينجح النظام بأي وسيلة، ومهما يكن دعم حلفائه، في تعديل موازين القوى بصورة نوعية، بل يرجحون أن يقود الاستمرار في هذا الخيار إلى حرب أهلية مديدة مع ما قد يرافق ذلك من تكلفة بشرية ومادية باهظة، ثم يخلصون إلى أنه ليس ثمة إمكانية متاحة أمام السلطة بعد ما ارتكبته، وبعد الشروخ العميقة التي حدثت لإعادة بناء الثقة وإدارة مجتمع واقتصاد وسياسة، وتاليا لاستعادة دورها العمومي في قيادة المجتمع.

المسألة التي لم يدركها النظام أو لا يريد إدراكها أن ما يسمى انتصارا على الشعب هو أكبر هزيمة للوطن، وأن كلمة انتصار ليست سوى الوجه الآخر لانكسار المجتمع وتدميره، والقصد أن منطق القوة والغلبة والعنف لم يعد يستطيع إعادة مناخات الرعب والإرهاب للاستئثار بالسلطة والثروة، ولإخضاع المجتمع من جديد، ولحكم شعب منكوب لم يبق عنده ما يخسره سوى حالة القهر والخنوع التي يعيشها.

لن تعود سوريا إلى ما كانت عليه قبل مارس (آذار) 2011. لغة السلاح والعنف لن تمنح المتحاربين أي فرصة للحسم.. سيبقى الصراع مستعرا ومكتظا بالضحايا وكأنه يدور في حلقة جحيم مفرغة طالما لم يتحقق التغيير السياسي وينَل الناس حقوقهم.. هي عبارات يتداولها الجميع كحقائق لا تقبل التأويل، ويبقى السؤال عن الطريق الأجدى كي تختصر دورة الآلام ويصل السوريون إلى مجتمع الحرية والعدالة والمساواة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد... بعد الحرب السورية؟

عرفان نظام الدين *

الحياة

الاثنين 1/7/2013

يحتدم النقاش يوماً بعد يوم حول الحرب السورية التي تقترب من إكمال عامها الثالث بعنف منقطع النظير ويدخل كثيرون في جدل بيزنطي حول من مع ومن ضد؟ ومن بدأ ومن أكمل؟ ومن يبقى ومن يرحل؟ ومن على حق ومن على باطل؟ ومن سينتصر ومن سينهزم؟

وينسى الجميع حقيقة المأساة ومن يدفع ثمنها من روحه ودمه وحاضره ومستقبله!

ولا ينتبه أحد إلى أن الشعب هو الذي يقتل ويصاب ويشرد ويهان ويفقد أعز ما يملك من زينة الحياة الدنيا: الأولاد والأهل والآباء والأمهات والمال والثروات الخاصة والعامة.

والأهم من كل ذلك الوطن وآماله وأحلام أبنائه في حياة عزيزة كريمة لا ذل فيها ولا هوان، ولا فقر ولا بطالة ولا حاجة ولا فاقة واستجداء.

نعم... نهتم بكل شاردة وواردة في يوميات هذه الحرب العبثية المدمرة وننسى البشر والحجر، ويتصارع محللو آخر زمان ويتبارى خبراء عسكريون لم يخوضوا حرباً من قبل ولم يفهموا أبسط قواعد اللعبة ويتحفوننا بتحليلاتهم وآرائهم الخنفشارية مع خرائطهم الوهمية، ويصيبوننا بالقرف ويرفعون من ضغطنا بصراخهم وتبادلهم الشتائم وصولاً إلى الضرب والرش بالمياه وقذف الكراسي والعبارات النابية المحرمة أخلاقياً واجتماعياً ودينياً.

نعم لقد ابتلينا بكل من هب ودب يتنطح ليدلو بدلوه المملوء بالمياه الآسنة، وبإعلاميين مزيفين هبطوا علينا بمظلات من هنا وهناك، ولا شغل لهم إلا صبّ الزيت على النار وتأجيج الفتن وإثارة الغرائز ومن ثم إلى ترديد أقاويل وادعاءات عن سير المعارك وتصويرها كأنها بداية لحسم مصير الحرب او تصوير هذه المدينة أو تلك وكأنها ستالينغراد أو برلين ينتصر فيها من يستعيدها أو يحتلها وهم يعرفون قبلنا أن الواقع مختلف وأن الدمار سيعمّ جميع الأطراف وأن من يتقدم يتخلف ويؤخر معه الناس، وأن من ينتصر في معركة مهزوم في الحقيقة لأن الخاسر في النهاية هو الوطن والمواطن.

ولهذا كله أفضل أن ننظر للأمور من منظار المصلحة الوطنية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما بقي من هذا الوطن... وهذا المواطن. فمهما كانت النتيجة، فإن حسابات الربح والخسارة واحدة عندما نتعمق في الواقع وندرك حجم الدمار الذي لحق بالبشر والحجر وطاول كل مرفق من مرافق الحياة وكل منحى من مناحيها ولم يوفر الجغرافيا والتاريخ، الآثار والثروات الوطنية، والبنى التحتية والفوقية، وفوق كل ذلك الآمال والأمنيات وحتى الأحلام، التي هي حق بسيط من حقوق الإنسان لكي يطمئن على نفسه وحياته وأهله وأولاده ويشعر بالأمن والأمان والسلام الداخلي.

لعن الله السياسة والمطامع والطموحات والكراسي والمناصب والصراعات والتعصب والفساد، واحتكار الحكم والديكتاتورية والفردية والعنف والإرهاب والتدخلات الخارجية... فقد ذبح الشعب بسكاكين هذه الموبقات ونحرت آماله وأحلامه من دون أن يلتفت أحد إلى أنينه ومعاناته أو يشفق على مآسيه وأوجاعه وكأنه غير موجود في الأساس أو أنه كرة تتقاذفها الأقدام ويلعب بها كل من هب ودب.

والشعب المنكوب والمأزوم يئن تحت ضربات لا ترحم، من دون أن يفكر أحد بأن يتقي الله ويوقف النزيف أو على الأقل أن يرتاح ويوقف إطلاق النار لفترة قصيرة حتى يلتقط الناس أنفاسهم ويلملمون بعضهم ويداوون جراحهم ويبحثون عن مخرج أو عن ملجأ أو عن لقمة خبز وشربة ماء.

عناد ومكابرة وإمعان في الغي وإصرار على المضي في هذه الحرب العبثية حتى النهاية مهما كان الثمن من دون أن يفكر من ينصّب نفسه قائداً لها وهو يظن أنه صاحب القرار الفصل والأمر والنهي، ومن دون أن يرحم أحد الثكالى والأطفال والمرضى والجرحى والمشردين، أو من يتوقف لحظة ويسأل نفسه: إلى أين المسير؟ بل وإلى أين المصير؟ وماذا بعد؟ ماذا بعد... بعد هذه الحرب؟ وماذا سيحدث وماذا سنشهد وبماذا سنصدم ونواجه؟

وكيف سنقوم بمعالجة الأمور وإدارة البلاد، أو بالأحرى، إدارة الخراب وإدارة بشر مكلوم وحجر مفتت ووطن مدمر لم يتبق منه سوى الأطلال إن بقي المخبر فإنه سيكون أطلال إنسان وبشر وأطلال حجر!

وبعيداً عن محاور الحرب وادعاءات التقدم والانتصارات الوهمية علينا أن نتخيل مهما حصل ومهما ادعى أحد انه انتصر. فآثار المعارك مفجعة، وتبعات الحرب موجعة وإمكانات الحل تكاد تصبح مستحيلة... والقدرة على الحكم والتحكم بالمقادير صعبة تحتاج إلى معجزة تاريخية، في حال توقف الحرب اليوم لكنها ستصبح من سابع المستحيلات إذا استمرت سنة أخرى.

نعم هذه هي الحقيقة المرة، وهذا هو الواقع المؤلم، والحكمة تقتضي أن يتجاوز المسؤول مجريات الأمور اليومية ويتعلم من دروس الماضي، دروسه ودروس الآخرين، وينظر الى المستقبل والنتائج والانعكاسات لكل حدث آني. فالحرب السورية، ومعها الأحداث العربية الأخرى، خلفت تراكمات خطيرة من التبعات والمشاكل والأزمات المستعصية التي تحتاج إلى التركيز عليها لأسباب عدة، أولها ردع المتقاتلين وتحميلهم المسؤولية الإنسانية والقضائية والدينية والوطنية، وتسليط الضوء على حجم الدمار اللاحق بالبشر والحجر... والدلائل كثيرة أورد منها على سبيل المثال لا الحصر:

  إن خسائر الحرب حتى الآن تقدر بأكثر من 100 بليون دولار لا تكفي حتى لمجرد إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

  إن البنى التحتية من مياه وكهرباء وخدمات هي شبه مدمرة بالكامل. كما أن المؤسسات العامة تكاد تتحلل وتتفكك.

  إن الثروات الوطنية قد أحرقت أو نهبت أو فقدت بسبب تدمير مواسم الزراعة والسياحة والتجارة والصناعة وكل مرفق من المرافق العامة. ولا أدري كم نحتاج من الوقت والمال لإعادة الإعمار.

  إن الدمار اللاحق بالحجر لا يقاس بحجم الدمار اللاحق بالبشر، ويحار المرء من أين يبدأ في العلاج؟ وكيف؟ وكم يتطلب من الزمن؟ وبأي ثمن؟ ومن أين سيحصل على كلفة العلاج؟

  إن ملايين اللاجئين في الداخل والخارج لم يعد لهم سكن ولا عمل ولا مرجع ولا مورد عيش ولا مكان يعودون إليه. وأغلب الظن أن معظمهم سيضطرون إلى البقاء في مخيمات الذل والهوان لسنوات مقبلة لأن خطة إعادتهم وتأهيلهم تحتاج إلى زمن طويل وإعداد دقيق وتخطيط سليم وإمكانات هائلة.

  إن التبعات القانونية والإنسانية والاجتماعية لا حدود لها. فهناك مئات الألوف من المفقودين الذين سيواجه أهاليهم مشاكل رهيبة قبل معرفة مصيرهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عشرات الألوف من الأرامل والأيتام وأي مصير سيواجههم.

  إن عشرات الآلاف من الأطفال قد انقطعوا عن الدراسة بما يعني حتماً مواجهة جيل كامل من الأميين لا بد من أن يتحول في المستقبل إلى قنابل موقوتة تهدد المجتمع، يضاف إليهم آلاف المجرمين والمحكومين المنتشرين في الشوارع بعد أن أطلق سراحهم وتحولوا إلى عصابات القتل والسرقة والنهب والخطف.

  إن المؤسسات الأمنية تحتاج إلى قدرات هائلة لمواجهة هذه المشاكل والآفات في أجواء الفقر والحاجة والجهل والتعصب لأن الجوع كافر والحاجة قد تتسبب في كوارث اجتماعية وأمنية، فهذه الحرب إن لم تعالج ذيولها قد تولد حروباً أخرى أو صراعات دامية داخلية.

  إن هذه المؤسسات، ومعها مؤسسة الجيش، تحتاج إلى جهود جبارة لإعادة التأهيل والتنظيم والتطهير وإلى تكاليف باهظة لتزويدها بأسلحة حديثة، إضافة إلى جهود استعادة الثقة بينها وبين المواطنين بعد كل ما جرى من مواجهات وما تكدس من أحقاد وعداء متبادل وما نجم عنها من أحقاد وتعصب وعنف وإرهاب.

  وتبقى المهمة الأصعب إعادة وصل ما انقطع بين أبناء العائلة الواحدة والمدينة الواحدة والوطن الكبير. وهي شروخ سياسية واجتماعية مالية ونفسية.

وهنا لا بد من المطالبة بالتفكير منذ الآن في وضع خطة لتأهيل الناس، ولا سيما الأطفال وتأمين العلاج النفسي لمساعدتهم على تخطي مآسي الحرب ومشاعر الخوف والرعب والحذر وتبني مواقف معادية لهذا الطرف أو ذاك.

  إلا أن أخطر ما في الأمر هو إيجاد وسائل وخطط لترميم الشرخ الكبير بين الطوائف ومكونات المجتمع واستعادة بنيان الوحدة الوطنية المتهاوية بسبب النعرات والفتن الطائفية والدينية والعرقية خاصة بعد تداعيات مشاركة «حزب الله» وبعض المكونات العراقية في مجريات الحرب المدمرة.

  استعادة اللحمة إلى العلاقات العربية والدولية لتساهم في إعادة البناء والعمل على ترسيخ الأمن الاستقرار، من دون ان ننسى الاستعداد لإثارة قضية الجولان المحتل في ضوء التهديدات الإسرائيلية والمخاوف من انسحاب القوات الدولية.

وبعد، فهذا غيض من فيض ما يمكن أن تواجهه سورية ما بعد، بعد انتهاء الحرب، إذا لم يطل أمدها كثيراً... ولا مجال لنكرانه أو إهماله أو التغاضي عن أخطاره. فالمحنة قاتلة، والفاجعة مؤلمة والآمال تتلاشى. ولهذا نرى من الواجب وضع النقاط على الحروف ووضع الإصبع على الجراح، والتحذير من مخاطر المضي في هذه الحرب المدمرة لأن البديل خطير جداً جداً وما يمكن إصلاحه اليوم يصبح مستحيلاً في الغد. فلنترك أصحاب التحليلات الثقيلة الظل يمضون في غيّهم، ولنضع أيدينا على أجراس الإنذار وندق نواقيس الخطر لعل البعض يسمع ويرتدع وينتفض ضميره ويساهم في مساعي الحل ووقف نزيف الدماء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن جريح يتلوى من الألم وأن يتقي الله في وطنه وشعبه والله العلي العزيز قادر على العون وحجب دماء عباده، إنه سميع مجيب الدعوات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السلطة السورية.. خطأ يقود إلى خطأ

حسين العودات

البيان

الاثنين 1/7/2013

انتقلت السياسة السورية الرسمية خلال العامين الماضيين من خطأ إلى خطأ، وكان كل خطأ يقود إلى خطأ أكبر وأفدح، ولولا هذه الأخطاء لكان بالإمكان حل الأزمة منذ بدايتها، واحتواؤها والوصول إلى نتائج إيجابية قادرة على تجنيب الشعب السوري الكارثة التي حلت به.

لقد تراكمت أخطاء السياسة السورية تجاه الأزمة والثورة خطأ فوق خطأ، حتى غدا من الصعب حل تعقيداتها.

بعد أن كان الأمر يمكن أن يجد حلاً بمبادرات بسيطة، لو تم فهم ظروف التطور في المنطقة وفي العالم، وعدم الوقوع في الأخطاء الفادحة التي ارتكبها أهل النظام خلال عقود مارسوا فيها إجراءات خاطئة، لا تمارسها في الواقع سياسة متوازنة ومسؤولة وعاقلة تجاه الوطن والشعب.

فقد كانت السياسة السورية تنحو نحو الحلول الاستعراضية، والمغامرة التي لا تخلو من "الفهلوة والتشاطر" اللتين اشتهر بهما النظام السوري، والغوص في ألاعيب التكتيك دون رؤية استراتيجية.

وقد خضعت هذه السياسة الحمقاء إلى آراء ومطالب وضغوط رؤوس الفساد في سوريا، وأمراء النهب والسلب من مال الشعب السوري، وآراء قادة أجهزة الأمن الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، وبعض السياسيين "جديدي الصنعة" والمصابين بالعمى، ولذلك كانت تصلح الخطأ بخطأ آخر وبالهروب إلى الأمام.

عندما انطلقت الثورة السورية طالب الحراك المجتمعي بمطالب بسيطة أقل من الحد الأدنى لحقوقه، وفي الوقت نفسه نادى بسلميته (أي بسلمية الحراك) وبوحدة الشعب السوري، وقد تمثلت مطالبه بالكرامة والمساواة وبعض الحرية، ورفع بطش أجهزة الأمن عن الشعب ومواجهة الفساد.

وكان بالإمكان أن تدعو السلطة، لحل المشكلة، إلى مؤتمر سوري داخلي يضم ممثلين عن مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السورية، مهمته عرض الواقع القائم في البلاد، ودراسة الشكاوى والنواقص والأخطاء وتلمس الحلول.

وبدلاً من الدعوة لمثل هذا المؤتمر، أعلنت السلطة السورية أن الحراك هو نتيجة تدخل أجنبي، يقوم به مندسون وعملاء للخارج ومتطرفون ومسلحون ومعادون للمانعة، وعرضت صوراً مزورة لصناديق سلاح زعمت أنها وجدتها في الجامع العمري في درعا، ولأكداس من الدولارات قالت إنها دخلت لرشوة هؤلاء المندسين والمتآمرين، وكانت خطيئة كبرى من النظام الذي لم يدرك حينها أبعاد ذلك الحراك واحتمالات تطوراته المستقبلية.

 وعلى التوازي وبسبب اتهامات النظام هذه ورفضه الحوار، رفع الحراك الشعبي السوري مطالبه، وأخذ يدعو لإسقاط النظام السياسي برمته.

ولعل رفع المطالب هذا، هو الذي أغرى السلطة بارتكاب خطأ فادح آخر، هو استخدام العنف ورفع وتيرته واستسهاله ضد الحراك المجتمعي والشعبي، رغم التحذيرات العديدة التي قالت بها فصائل المعارضة.

ومع ذلك تحمل الحراك الشعبي السوري ستة أشهر (هي الأشهر الأولى) من العنف والقتل وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وكانت قوى المعارضة تنادي بوقف العنف وتؤكد أن الحل سياسي وليس عنفياً، ولكن السياسة السورية أخذتها العزة بالإثم، ورفعت مستوى العنف من جديد، فزجت بالجيش في المواجهة وأعطته الحق في قصف المدنيين بالمدفعية والدبابات، ثم فيما بعد بالطيران، وسالت دماء غزيرة.

ولذلك رفع الحراك مطالبه مجدداً، فوصلت إلى تنحية الرئيس حتى لو كان ذلك بالتدخل العسكري الأجنبي، ولم تعد إمكانية الوصول إلى حل سياسي سهلة المنال.

قاد هذا إلى خطأ آخر هو استدعاء النظام (أو قبوله) تدخل قوات إيرانية وقوات من حزب الله ومتطوعين عراقيين في الصراع القائم بينه وبين شعبه، وشكل هذا القرار خطأ كارثياً، ذلك أنه قرب الصراع أكثر فأكثر إلى الصراع الطائفي، وهذا ما كان النظام يعمل له في الواقع وينادي به ويتمناه منذ بدء الثورة، وكان الشعب السوري يرفضه رفضاً مطلقاً ويؤكد على وحدته بكل فئاته ووحدة مصالحه.

وقد تنامت الأحقاد الطائفية بعد هذا التدخل، وسالت دماء غزيرة نتيجة هذه الهجمة الطائفية، التي لا تفسير سياسياً لها سوى أنها تدخل طائفي مكشوف وأحمق ستكون نتائجه مدمرة، وربما ستعاني الأقليات الإسلامية السورية غير السّنية من هذه النتائج لعقود طويلة قادمة، فليس من السهل إزالة الحقد الذي سببه هذا الخطأ، وربما سيعاني الشيعة في لبنان أيضاً لعقود قادمة معاناة شديدة من عداء شرائح واسعة من السوريين واللبنانيين لهم، إضافة إلى أن هذا الخطأ قاد إلى دفن مرجعية المواطنة في سوريا وتخريب النسيج الاجتماعي السوري، ولذلك ربما يحتاج الشعب السوري بدوره عقوداً لإصلاح هذا الخلل الوطني.

هكذا انتقلت السياسة السورية من خطأ إلى خطأ، وفوتت فرصاً كان بإمكانها المساهمة في منع تطور الأمور إلى ما وصلت إليه الآن، فمن المرجح أنه لو قبلت السياسة السورية التشاور والحوار مع فصائل المجتمع السوري وحراكها الشعبي، وأقرت مبدأ إصلاح النظام جدياً، والاستجابة لمطالب الشعب، وخاصة ما يتعلق بتحقيق الكرامة ورفع يد أجهزة الأمن الظالمة عن رقاب الناس، ومحاربة الفاسدين والعمل بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة والمساواة، لو قبلت السلطة والنظام بذلك فلا شك أن الجميع كانوا سيصلون إلى حلول تجنبهم وتجنب سوريا ما حصل فيها.

يبقى أن الخطأ الأشمل والأسبق، هو أن السلطة السياسية السورية لم تكن تدرك (وأظنها لا تدرك حتى الآن) التحولات الجدية في عالم اليوم، وضرورة بناء دولة بمعايير حديثة، ولم تقتنع باستحالة استمرار الأنظمة الشمولية والفساد والدولة الأمنية، وبالتالي لا بد من الإصلاح.

ولهذا وقعت في ما وقعت فيه من أخطاء، أدت إلى كوارث ستلقي بظلالها على مستقبل سوريا خلال العقود المقبلة، وربما حتى نهاية هذا القرن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القوى الإسلامية في سورية .. احذروا شعار حرق المراحل فقد أحرقنا هذا الشعار

01.07.2013

زهير سالم

ستتوقف مكانة القوى الإسلامية في سورية المستقبل على النجاح الذي ستحققه هذه الثورة المباركة ، وعلى من سينتصر فيها . فإذا انتصر المشروع الروسي – الإيراني " لا سمح الله "  فلن يكون للقوى الإسلامية أي دور إيجابي ، بل ربما تستمر محنة هذه القوى عقودا أخرى .وإن انتصر المشروع الغربي الأمريكي فربما يتاح لهذه القوى أن تتمتع  بظل من الحرية ضيق كالذي كان عاشه إخوان مصر في عهد مبارك.

 

وكذا إذا  انتصر مشروع المتطرفين الرافضين للفكر الوسطي الإسلامي ستكون محنة مدرسة الإسلام الوسطي مزدوجة . وسيجد أنصار هذه المدرسة أنفسهم بين جدلية المطرقة والسندان " الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي يحملهم مسئولية المشهد باعتبار هؤلاء إسلاميين " في الوقت الذي لا يقر هؤلاء لمدرسة الإسلام المعتدل  برؤية ولا بفهم  يوافقونهم على مشروع  ..

 

ربما محط السؤال الأهم : وماذا لو انتصر في سورية مشروع صندوق اقتراع حقيقي ؟؟؟؟

 

هنا ستواجه مدرسة الإسلام المعتدل تحديات كبيرة أهمها وأخطرها الانتصار على التطلعات الشخصية لقياداتها وكوادرها ..

 

سيحمل صندوق الاقتراع فيما أظن هذه القوى مسئولية كبيرة . مسئولية أكبر من طاقاتها . لا أعتقد أن ممثلي هذه القوى في سورية سيتفوقون كما تفوقوا في مصر أو في تونس ، لأن للتركيب الديمغرافي للمجتمع السوري ظله بلا شك ؛ ولكنهم سيكونون رقما حاضرا وفاعلا إلى حد كبير ..

 

تقول العامة في بلادنا : إدارة قنطار من المال يحتاج إلى قنطار من العقل . أعتقد أن إدارة قنطار من السلطة يحتاج إلى ثلاثة قناطير من العقل ..!!

 

إن وصول أي فريق إلى السلطة يعني أنه يدخل مضمار الامتحان الحقيقي لمصداقية كل ما أعلن من شعارات ، وأطلق من وعود ، وفتح من آفاق .

 

وفي الوقت الذي ستكون تحديات إعادة البناء ، واستحقاقات ما بعد سياسات القتل والتدمير من جهة والإنجاز والتنمية من جهة أخرى في ذاتها كبيرة ؛ فإن على أي فريق ألا يهمل دور قوى الإعاقة أو الشد العكسي . وإن الحكمة الكبرى في مركب الشراكة حسن الإدارة الذي يجعل ضربات مجاذيف البحارة منسجما . وحتى لو اقتضى الأمر منك ألا تكون قبطانا .

 

ولكن هل سيفكر القبطان الذي ستدفعه أو ستساعده نتائج صندوق الانتخاب على الوصول إلى الموقع الأول بالطريقة نفسها ؟ هل ستكون تجربة مصر سنة حسنة أو إنذارا مناسبا ؟

 

لقد نجحت القوى الإسلامية في اختبار المعارضة في ظل أنظمة الاستبداد ، وهو نصر ، بقدر ما كانت شروطه صعبة وقاسية ومرّة ،  سهل بكونه فعلا سلبيا جوهره الرفض والإدانة ورفع الشعارات المجردة في فراغ .

 

أعتقد أن على القوى الإسلامية أن تفضل مرحلة من التدريب على إدارة الدولة ، والتعامل مع الناس . وإدارة الدولة علم ، والتعامل مع الشعوب فن . وكلاهما يحتاج إلى الخبرة وإلى الدربة والمران .

 

 هل يمكن للقوى الإسلامية أن تقبل الدخول مختارة إذا أمكنها مرحلة من المشاركة أو المعارضة الإيجابية في ظل نظام ديمقراطي ، ولو بديمقراطية مشروطة أو منقوصة ، لتتدرب قيادات وقواعد على فن آخر من فنون الأداء العام ما جربته ولا ألفته في عهد طويل من سياسات الاستئصال والإقصاء .

 

إنّ من يزور مؤسسات حزب سياسي في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يرى نفسه في مؤسسة ضخمة هي ظل حقيقي للدولة بكل مؤسساتها ومرتسماتها . وليس كما هي المسميات الشكلية للمكاتب الرمزية في بنية الأحزاب المعارضة في ظل الأنظمة الشمولية . وكثير من هذه المكاتب مسميات فضفاضة لأشخاص رؤسائها !!

ألا تحتاج هذه القوى والأحزاب إلى المرحلة الانتقالية التي تساعدها على الانتقال الطبيعي السلس مرحلة من العمل السياسي إلى مرحلة ، والتحول من حال إلى حال ..

تحذير ...

احذروا شعار حرق المراحل فقد أحرقنا من قبل هذا الشعار

لندن : 21 / شعبان / 1434

30 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إسرائيل ومستقبل سوريا

محسن صالح

الجزيرة

الاثنين 1/7/2013

أعطت الضربات العسكرية الإسرائيلية القوية التي وجهتها إلى عدد من مواقع النظام السوري يومي 3 و5 مايو/أيار 2013 مؤشراً واضحاً أن الكيان الإسرائيلي يريد أن يكون محدداً رئيسياً في مسار الأحداث في سوريا، ويريد أن يفرض "شروط اللعبة" بما يتوافق مع مصالحه أو على الأقل بما لا يتعارض معها.

يراقب الكيان الإسرائيلي بقلق بالغ الأحداث في سوريا، ويحفل الإعلام الإسرائيلي ومراكز الدراسات بالتصريحات والتحليلات والدراسات والتوقعات من المفكرين والسياسيين والأمنيين والعسكريين والخبراء, غير أن ما يجمعهم هو حالة القلق والارتباك فيما يتعلق بالمستقبل السوري، وعدم وجود مسار واحد مُتوقع يمكن التعامل معه. وعلى حدِّ تعبير بعضهم، فإن الذي يقول إنه يعرف اتجاه الأحداث النهائي هو إما نبيٌّ أو مشعوذ. ولأنه لا يوجد نبي، فهو بالتأكيد مشعوذ!!

الرغبات التي عبَّر عنها بعض القادة الإسرائيليين أمثال الرئيس شمعون بيريز ووزير الدفاع السابق باراك في حصول السوريين على حريتهم وقيام سوريا ديمقراطية، كانت من باب العلاقات العامة والاستهلاك المحلي. إذ إن معظم الإسرائيليين (حسبما يؤكد إيال زيسر، رئيس دائرة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب) لا يهتمون بمشاعر ولا طموحات الشعوب المجاورة أو ديمقراطيتهم أو تحقيق العدالة والرفاهية لهم. إن ما يثير اهتمام الإسرائيليين هو أمنهم، "وهذا ما يفكر فيه الإسرائيلي العادي وبالتالي حكومته".

استمتع الإسرائيليون نحو أربعين سنة بحدود هادئة مع سوريا، وهناك الآن إجماع إسرائيلي أن سوريا التي عرفها الإسرائيليون طوال تلك الفترة لن تعود. وأيّاً يكن السيناريو المحتمل فإن مخاطر التعامل مع جبهة سوريا ساخنة قد ازدادت. غير أن الإسرائيليين مطمئنون إلى أنه طالما كان السوريون منشغلين في صراعهم الداخلي، فإن "إسرائيل" ستبقى بمنأى عن أية مخاطر حقيقية في المدى المنظور.

استمتع الإسرائيليون نحو أربعين سنة بحدود هادئة مع سوريا، وهناك الآن إجماع إسرائيلي أن سوريا التي عرفها الإسرائيليون طوال تلك الفترة لن تعود

الإسرائيليون سعداء بحالة "تدمير الذات" في سوريا، واتخاذ الحرب شكلاً مذهبياً، ويرغبون في البقاء في الظل، طالما أن مسار الأحداث يصب في مصالحهم، ويُبعد الأنظار عن الصراع معهم.

ولذلك كتب أليكس فيشمان، المعلق العسكري في صحيفة يديعوت أحرونوت، في 12/6/2013 مقالاً افتتاحياً بعنوان "دعوهم ينتحرون في هدوء"، معبراً عن سعادته بأن العالم العربي يحترق منذ سنتين، وأنه يُفني نفسه دون تدخل خارجي. وبعده بأيام كتب عمير ربابورات المعلق العسكري في صحيفة معاريف أن "العرب نسوا إسرائيل"، وأنهم منشغلون بصراعاتهم.

المصالح الإسرائيلية

تتلخص مصالح "إسرائيل" في أن يتجه مسار الأحداث في سوريا، بما يخدم الجوانب التالية:

1- متابعة تدمير سوريا وثرواتها واقتصادها وبناها التحتية، وإفقار شعبها، وإعادتها عشرات السنوات إلى الوراء.

2- تمزيق النسيج الاجتماعي السوري، بحيث ترتفع "جدران الدم" بين طوائف السوريين وأعراقهم, سواء أكانوا سنة أم علويين أم دروزاً أم مسيحيين، أم عرباً أم أكراداً. وبحيث يأخذ الصراع الداخلي شكله الطائفي العرقي، الذي يُهدر طاقات السوريين ودماءهم، ويحرم سوريا من الوقوف على رجليها مرة ثانية.

3- انهيار الجيش السوري وتفكيكه واستنزاف إمكاناته، في حرب عبثية يخوض فيها بدماء السوريين أنفسهم. وبالتالي يكون آخر الجيوش العربية التقليدية التي يمكن أن تُشكِّل خطراً محتملاً على الكيان الإسرائيلي، بعد تحييد الجيش المصري إثر معاهدة كامب ديفيد سنة 1978، وبعد حلِّ الجيش العراقي إثر الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003.

4- نشوء نظام سياسي ليبرالي جديد في سوريا، متوافق مع السياسة الأميركية في المنطقة، ومع منظومة "الاعتدال" التي تتبنى مسار التسوية السلمية مع "إسرائيل".

5- أن يكون النظام السياسي السوري الجديد قوياً بما يكفي لحفظ الحدود مع "إسرائيل"، وضعيفاً بما لا يكفي لعلاج آثار الصراع الداخلي الاجتماعية والاقتصادية؛ بحيث يغرق في العشرين سنة القادمة في مشاكله الداخلية ويتم استهلاكه في وظيفة "رجل الإطفاء" في مواجهة "الحرائق" الداخلية.

6- جرُّ إيران وحزب الله (والشيعة في المنطقة) إلى الحرب الداخلية في سوريا، واستنزافهم فيها، وإنهاكهم عسكرياً واقتصادياً، وتأجيج حرب طائفية سنية شيعية لا تجلب سوى الدمار للجميع، ولا تستفيد منها سوى "إسرائيل" وحلفاؤها.

7- منع جماعات "الإسلام السياسي" والجماعات المعادية لـ"إسرائيل" من الوصول إلى سدَّة الحكم في سوريا. ومنع وصول الأسلحة النوعية أو الأسلحة الكيمياوية إلى أيدي ما تسميه "إسرائيل" وأميركا جماعات "إرهابية متطرفة".

8- إن لم ينشأ نظام سياسي مقبول إسرائيلياً، فستحبذ "إسرائيل" الدَّفع باتجاه قيام كيانات علوية وسنية ودرزية وكردية، تؤدي إلى تقسيم سوريا وتحويلها إلى دويلات متناحرة.

هندسة سقوط الأسد

ليست "إسرائيل" في عجلة من أمرها في شأن سقوط نظام بشار الأسد. وقد كان موقفها سابقاً ينبع من فكرة تقول: "شيطان تعرفه خير من شيطان لا تعرفه"، وبالتالي لم تكن تميل إلى تغيير النظام "الممانع" في سوريا إلى نظامٍ لا تعرف كيف ستكون درجة عدائه لها. غير أنه عندما فرضت الثورة في سوريا الحقائق على الأرض، أصبحت "إسرائيل" ومعها أميركا تتعامل مع احتمال سقوط النظام بشكل أكثر جدية.

وكان من الواضح أن الطريقة الأميركية (التي تقود المسار الغربي والأوروبي) ومعها "إسرائيل"، تفضل إطالة أمد الصراع في سوريا إلى أطول فترة ممكنة، حتى تحدث أكبر درجة من الاستنزاف لسوريا وإمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، وأكبر درجة من الإنهاك والتمزق الاجتماعي والطائفي للشعب السوري المصابر، بحيث تتوفر في النهاية أفضل ظروف ممكنة لابتزاز القوى السياسية في سوريا، ولفرض الشروط والرؤية الغربية الإسرائيلية عليها.

وعلى هذا الأساس يمكن فهم خلفية رفض الأميركان وحلفائهم لعمل حظر جوي على الطيران السوري الحربي، والذي يستمر في دكِّ معاقل خصومه في الوقت الذي يسقط نتيجة ذلك آلاف السوريين المدنيين

كما يمكن بناء على ذلك فهمُ حظر الأسلحة على المعارضة السورية إلا بما يكفي لاستمرار الصراع، وفتح المعونات أو تضييقها وفق الأداء الميداني على الأرض، وبما لا يسمح لأي من الطرفين بحسم المعركة.

إذا كان ثمة رغبة في عدم بقاء نظام الأسد، فإن هناك رغبة أشد في أن يصب سقوط النظام في المصلحة الأميركية الإسرائيلية

ويفهم بناء على ذلك أيضاً غضّ الأميركان الطرف عن تسليح إيران وروسيا للنظام السوري ودعمه بما يعينه على الاستمرار في حربه، وربما تحقيق بعض النجاحات، وبشكل يسمح للأميركان بابتزاز مزيد من التنازلات والضمانات من طرف المعارضة السورية.

وبالتالي، فإن ترتيبات ما بعد الأسد تشغل الأميركان وحلفاؤهم، أكثر مما يشغلهم نزيف الدماء وآهات وآلام الشعب السوري. وإذا كان ثمة رغبة في عدم بقاء نظام الأسد، فإن هناك رغبة أشد في أن يصب سقوط النظام في المصلحة الأميركية الإسرائيلية.

سيناريوهات وتوقعات

تتوقع معظم التقديرات الإسرائيلية سقوط نظام الأسد في نهاية المطاف. هناك تقديرات تشير إلى سيناريو سقوط الأسد مع بقاء الدولة دون تفكك، حيث ينشأ نظام ضعيف يتولى الحكم فيه تحالفات غير متجانسة وغير مستقرة من الإسلاميين والعلمانيين الذين يعيشون صراعات حادة، ومنهكون في الملفات الداخلية، وغير قادرين على إدارة الصراع مع "إسرائيل".

وهناك تقديرات بنجاح جزئي للمعارضة ينتهي بسقوط دمشق في يدها مع استمرار النظام السابق في مناطق تركز العلويين (شمال غرب سوريا). وهو ما يعني عملياً استمرار الصراع الداخلي إلى أمد غير منظور، ودخول إيران على الخط لدعم بقايا النظام، واستمرار حضورها ونفوذها في المنطقة.

وهناك سيناريو الدويلات الطائفية والعرقية، وهو سيناريو محبَّذ إسرائيلياً، لكنه غير مؤكد، لأن شعوب المنطقة عادة ما تتجاوز مخاطر التقسيم، وتعود للوحدة حتى ولو بعد سنوات من القتال.

وهناك سيناريو الفوضى و"الصوملة" وانتشار أمراء الحرب في كل مكان، غير أن "إسرائيل" بقدر ما تكون سعيدة بحالة التفتيت والتشرذم، بقدر ما تشعر بالقلق من انتشار الفوضى في المنطقة باتجاه لبنان والأردن، وبالتالي احتمالات اشتعال حدود هذه البلدان مع الكيان الإسرائيلي. والمهم بالنسبة لـ"إسرائيل" ألا تتسبب حالة الفوضى الناشئة عن التقسيم أو الصوملة في فتح الحدود باتجاه عمليات المقاومة ضدّ "إسرائيل".

ويبقى سيناريو أن ينجح السوريون في إنشاء دولة متماسكة تجمعها روح وطنية عربية إسلامية، تتمكن من استعادة عافيتها، ودورها الحضاري والنهضوي، وكذلك دورها المستقبلي الرئيس في الصراع مع "إسرائيل". وهو السيناريو الذي تخشاه "إسرائيل" وتعمل على تجنبه.

إجراءات إسرائيلية على الأرض

سارعت "إسرائيل" إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات على الأرض لضمان أمنها، وللتعامل الفعال مع مسارات الأحداث في سوريا:

1- إقامة جدار/ سياج كهربائي إلكتروني متطور على مسافة سبعين كيلومتراً وعلى طول الحدود مع سوريا؛ وهو جدار "ذكي" مزود بأجهزة كشف متطورة لكل حركة خارجة عن المألوف. ومن المفترض الانتهاء من إقامته في حزيران/ يونيو 2013.

2- استكمال الاستعدادات الإسرائيلية لأي حرب محتملة مع سوريا، وعمل التدريبات والمناورات اللازمة، بما في ذلك احتمال استخدام السوريين لأسلحة كيمياوية. مع ملاحظة أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بني جانتس يرى أن احتمالات هجوم سوري بأسلحة كيمياوية ضئيلة جداً، كما أن هناك حلولاً إسرائيلية دفاعية وهجومية لهذا الاحتمال.

3- إقامة منظومة رقابة جوية إسرائيلية (بالتنسيق مع أميركا) تراقب السلاح السوري، خصوصاً النوعي والكيمياوي، للتعامل معه لحظة خروجه من المخازن وتوجيه ضربات استباقية له ولمن يحاول نقله.

4- دراسة احتمال إقامة منطقة عازلة في سوريا من جهة الجولان، حيث وضع هذا الاحتمال بشكل جاد على طاولة صانع القرار الإسرائيلي، حسبما نقلت القناة الأولى الرسمية في التلفزيون الإسرائيلي في 29/3/2013 عن مصادر سياسية وأمنية رفيعة المستوى.

5- تفعيل النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في الداخل السوري.

6- التنسيق مع الأردن: إذ تحدثت صحف إسرائيلية (يديعوت أحرونوت وهآرتس) كما نقلت ذلك جريدة القدس العربي في 27/12/2012 و23/4/2013، عن أن عدة لقاءات قد جرت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وملك الأردن بهدف تنسيق مواقف البلدين تجاه سوريا.

7- تفعيل العلاقات مع تركيا، حيث قام نتنياهو (بعد طول رفض) بتقديم اعتذار رسمي لتركيا عن حادثة مقتل الأتراك في سفينة كسر الحصار (مافي مرمرة) وذلك لتعزيز التنسيق مع تركيا بشأن الأوضاع في سوريا، حسبما أشار نتنياهو نفسه (الجزيرة نت، 24/3/2013).

الاستخفاف بالروح الوطنية والروح الإسلامية للشعب السوري، وفي حقه في أن يقرر بنفسه مصيره، يؤدي بالعديد من القوى الخارجية إلى الوقوع في حسابات خاطئة

"إسرائيل" تريد.. والشعب يريد

ليس كلّ ما تريده "إسرائيل" أو تعمل لأجله مع حليفتها الولايات المتحدة سيتحقّق، وهو ما ينطبق أيضاً على روسيا وإيران وتركيا وغيرها. إذ إن جوهر الموضوع في الشأن السوري هو الشعب السوري نفسه، وهو ما تحاول قوى عديدة تجنبه أو القفز عنه والتعامل مع الشعب وكأنه ليس موجوداً.

إن الاستخفاف بالروح الوطنية والروح الإسلامية للشعب السوري، وفي حقه في أن يقرر بنفسه وبإرادته الحرة مصيره ونظام الحكم الذي يريد، يؤدي بالعديد من القوى الخارجية (ومنها "إسرائيل") إلى الوقوع في حسابات خاطئة. كما تنطبق الحسابات الخاطئة على أولئك الذين يحاولون تبسيط الثورة أو تشويهها من خلال تعريفها على أنها مؤامرة خارجية، أو مجرد جماعات إرهابية.

قد تُحدث الطبيعة الانتقالية لأي حالة ثورية في أيّ بلد تفككاً أو ضعفاً في الدولة المركزية ومؤسساتها، وقد ينفخ البعض في المخاوف والعصبيات الطائفية والعرقية. ولكن ذلك لا يعني أن الشعب السوري غير قادر في نهاية المطاف على التعامل مع هكذا تحديات.

بلا شكّ فإن التحديات التي تواجهها سوريا هائلة، غير أن الشعب السوري قادر بإذن الله على أن يقدم نموذجاً حضارياً مستوعباً لكافة مكوناته، وقادرا على قطع الطريق على التدخل الإسرائيلي الأميركي في شؤونه الداخلية وفي مستقبله. غير أنه من الواجب على القيادات السورية الارتقاء إلى مستوى تطلعات وتضحيات الشعب السوري. وعند ذلك لن تستطيع إرادة "إسرائيل" وحلفاؤها الوقوف أمام إرادة الشعب السوري.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
جرائم فوق المتخيل

راشد فهد الراشد

الرياض

الاحد 30/6/2013

    ما يتعرض له الشعب السوري من قتل وتشريد وانتهاكات لأعراضه وكراماته وإرثه الحضاري يسجل في عداد الجرائم الوحشية، والإبادات الجماعية، ويصنف في سجل الخطايا التي ترتكبها الأنظمة القمعية التسلطية، دون وازع أخلاقي وقيمي ومراعاة لأبسط حقوق الإنسان في التعبير عن رأيه، والمطالبة بحقه المكتسب في تحقيق الحرية والعدالة والمشاركة في إنتاج النمو والتنمية وصناعة القرار، وتصنف هذه الممارسات القذرة في إطار الخروج المطلق من الآدمية والسلوك البشري، لتنحدر في مستنقعات عفنة من الهمجية والوحشية والتخلي عن كل صفات وممارسات الكائنات البشرية السوية.

في أشد مراحل التاريخ سواداً، وأقسى أزمنته قتامة وشراسة، وفي أعنف ممارسات الطغاة والقتلة والمجرمين والعتاة والسفاحين والراقصين على جثث البشر الثملين برائحة الدماء، لم يسجل جبروتاً وطغياناً وساديةً كما يحدث في سورية بعصابات وشبيحة الأسد، وميليشيات حزب الله، والحرس الثوري الإيراني، وجيش المهدي العراقي، إذ تجاوزت أفعالهم الإجرامية حد المتخيل، واستحلوا الأعراض والممتلكات والأرض والتاريخ والحضارة الموغلة في تجليات الفكر العربي، بضمير غائب تماماً تماماً عن كل ما يمكن أن يؤشر إلى الحس الإنساني، أو الانتماء إلى العنصر البشري.

حضارة قامت في حلب الشهباء ودمشق الفيحاء، وفي حمص، ومعرة النعمان، وفي كل الفضاء الجغرافي لسورية هي شاهد حقيقي على تاريخ حضاري في العمارة والهندسة والمعرفة والثقافة يدمره نظام الأسد كما لو كان به حقد وكره على الأمة وإرثها ومنجزها وإنسانها، يتشفى بعذابات الأطفال وصراخ الأمهات، ويسر لمشهد ركام الحضارة تتداعى شواهده بفعل بطش الآلة الحربية، رافعاً شعار "الأسد أو لا أحد".

ما يحدث في سورية هو إلغاء شعب من الوجود ومصادرة حياة أفراده بوحشية القتلة وساديتهم، ودخول حزب الله في القتال ضد الشعب السوري الأعزل والمناضل والمكافح والجبار بصموده، هو جريمة من سلسلة جرائم الحزب التي ارتكبها في لبنان، وخطيئة كبرى في حق شعب من الشعوب العربية ليس من المنطق ولا من العقل أو من الأعراف السياسية السكوت عنها وعلى ما تخلّفه من ويلات ومصائب، وما تنتجه من أحقاد وفرقة وتشتت وبغضاء بين أبناء مكونات الأمة، وما تشي به تداعيات على علاقة الأخوة في الطائفة السنية والطائفة الشيعية الكريمتين، أو إظهار الطائفة الشيعية الكريمة بمظهر العدو المستهدف للطائفة السنية وهي من ذلك براء.

دول مجلس التعاون الخليجي ليست شوفينية ولا طائفية ولا مذهبية، تتعامل مع مكونات وأطياف وشرائح شعوب الأمة من منطلق الحب والاحترام وحسن التعامل، وفتحت أبوابها لكل مواطن عربي يعيش فيها مكرماً معززاً منتجاً عاملاً مشاركاً لا تمييز بين أصحاب مذهب ومذهب أو طائفة وأخرى، وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي ستنظر في التعامل مع المحازبين والداعمين والمؤيدين والمرتبطين بأجندات حزب الله، فإن ذلك يرتبط بأمنها القومي من جهة، وتعبير عن رفض كامل لسياسات الحزب وممارساته على الأرض السورية ومع الإنسان العربي في سوريا.

الصورة واضحة لاتقبل المزايدات، ولا مجال للتشويه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سياسة النظام وتغييرات الخريطة السكانية

الشرق الاوسط

فايز سارة

الاحد 30/6/2013

تؤكد نظرة سريعة إلى الخريطة السكانية في سوريا، حدوث تغييرات وتبدلات خطيرة فيها مقارنة بما كان عليه الوضع قبل انطلاقة ثورة السوريين على نظامهم في مارس (آذار) من عام 2011. والأساس في التغييرات التي أصابت الخريطة السكانية السورية هي عمليات الهجرة والتهجير في المستويين الداخلي والخارجي، والمحصلة في الحالتين أصابت أكثر من ثمانية ملايين نسمة، نحو نصفهم في الداخل ومثلهم في بلدان الجوار أو الأبعد منها، والعدد الإجمالي للمهاجرين والمهجرين يزيد على ثلث سكان سوريا.

ورغم مركزية المتغير السابق في الخريطة السكانية السورية، فإن ثمة متغيرات أخرى حدثت، من بينها التبدل الحاصل في التوزع العام للسكان على المناطق ما بين المدن والأرياف، وفي التغييرات التي أصابت الخصائص العامة للسكان من حيث التبدلات المتصلة بالعمر والعمل والدخل والتعليم والصحة وغيرها، وكلها شهدت تغييرات جوهرية، ولها دلالات عامة، وإن كان من الصعب إيراد الأرقام والنسب الدالة على هذه المتغيرات بسبب ما آلت إليه الأوضاع في سوريا من غياب لمؤسسات الإحصاء والبحث، وعدم توافر العوامل المساعدة للقيام بذلك.

وحدوث التغييرات السابقة على واقع السكان السوريين، كانت له انعكاسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية على الواقع الراهن، وسوف تكون له تأثيرات مستقبلية كبيرة على سوريا والسوريين، تمتد إلى عشرات السنين في تأثيرها على الدولة والمجتمع. وبطبيعة الحال، لا يمكن رؤية تلك الانعكاسات بعيدا عن سياسة النظام وممارساته خلال العامين ونصف العام من عمر الثورة، وأثرها في وصول الخريطة السكانية إلى وضعها الراهن نتيجة سياسة وممارسات القوة والإرهاب والتدمير التي تواصلت في مختلف الأنحاء السورية.

لقد كان الهدف الأول للنظام في بداية الثورة، هو إسكات المظاهرات ووقف حركة الاحتجاجات، وكانت الوسيلة الأولى التي بدأت في درعا، وامتدت إلى بقية المناطق ذات طابع مزدوج، حدها الأول إطلاق النار على المتظاهرين قتلا وجرحا، والحد الثاني كان شن عمليات الاعتقال ضد الناشطين في الحراك المدني والسياسي. غير أن هذه الوسيلة، لم تحقق النتائج المطلوبة، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية والعسكرية، إضافة إلى عصابات الشبيحة التي جرى تنظيمها على عجل، تطور سياساتها وممارساتها، فانتقلت بوسائل إرهابها من التخصيص إلى التعميم، بمعنى تجاوز استهداف المتظاهرين والمحتجين والناشطين على تنوعهم، وتوجيه القمع والإرهاب إلى المناطق الناشطة بغض النظر عمن يمكن أن تصيبه آلة القمع في قتلها وجرحها واعتقالها الأشخاص وفي تدمير الممتلكات، وهكذا أخذت تظهر الهجمات على أحياء في المدن ومثلها ضد القرى التي تشهد فعاليات ضد النظام، عبر حصارها ثم الدخول إليها وسط إطلاق نار كثيف وعشوائي، ومنظم الأهداف في بعض فعالياته بحيث يصيب أشخاصا بعينهم، بينما تجري عمليات اعتقال مماثلة تزاوج بين الاعتقال العشوائي والمقصود، وكله يترافق مع تدمير وإحراق ما أمكن من ممتلكات، بينها بيوت ومحال تجارية، بهدف ترويع السكان وإخافتهم. ولأن هذه الممارسات لم تمنع تواصل الأنشطة المناهضة للنظام، فقد أضيف إليها ارتكاب جرائم السرقة والنهب والاعتداء على الأعراض، مما صعّد مخاوف سكان المناطق المستهدفة، ودفع المزيد من سكانها للمغادرة إلى مناطق أخرى، الأمر الذي أسس للحراك السكاني الذي بات أهم ملامح الخريطة السكانية في سوريا.

لقد طورت هذه السياسة وما رافقها من ممارسات تعززت بعمليات القصف المدفعي والصاروخي وبالأسلحة الكيماوية، أهداف النظام في إعادة تركيب خريطة الصراع الدائر. فهي وفرت في البداية فرصة قتل واعتقال الناشطين والعمل للتأثير بصورة سلبية على الحواضن الاجتماعية للثورة، ثم أضافت إلى ما سبق، العمل على نشر الذعر والخوف وخلق صعوبات العيش، ثم طورتها في العمل من أجل تهجير السكان سواء باتجاه مناطق سورية أخرى أو إلى الدول المجاورة، وفي كل الأحوال فإن عملية التهجير، كانت تحقق للنظام جملة من الأهداف، أبرزها تغيير البيئة العامة للمهاجرين الذين كانوا يتركون كل شيء خلفهم من بيوت وممتلكات ووسائل الكسب والعيش، محاولين النجاة بأنفسهم من القتل والاعتقال الذي كان يفوق سابقه بكثير.

ولم يكن تدمير البنى الحاضنة لحركة التظاهر والاحتجاج وخلق إشكالات ومشاكل للمنتمين إلى هذه الحاضنة باقتلاعهم من بيئاتهم هو الهدف الوحيد، إنما كان إلى جانبه هدف مركزي آخر، وهو إلقاء ثقل هؤلاء على مناطق أخرى، وإشغال النشطاء فيها بمشاكل القادمين واحتياجاتهم، الأمر الذي جعل المناطق الأخرى تخرج من حركة التظاهر والاحتجاج، وتدخل في مجال الإغاثة لتأمين سكن وغذاء ودواء لعشرات آلاف الأشخاص، الذين أخذت أعدادهم تتزايد بصورة المتواليات الهندسية. ولم يكن هذا الحال شأن نشطاء الداخل السوري فحسب، وإنما امتد إلى حال النشطاء في دول الجوار في الأردن ولبنان وتركيا، حيث وصل عدد اللاجئين إلى نحو ثلاثة ملايين شخص، ومثلهم في الداخل أو أكثر من ذلك بقليل.

خلاصة القول، إن سياسة النظام وممارساته الدموية غيرت الأوضاع السكانية على الأرض، ونقلت الحراك المدني في غالبه من النضال في مواجهة النظام إلى مهمة معالجة آثار ممارسات الدم في تهجير وإفقار السوريين وخلق ظروف شديدة القسوة تجعلهم أعجز عن الاستمرار في الصراع مع النظام من أجل إسقاطه وبناء نظام ديمقراطي يوفر العدالة والمساواة والكرامة للسوريين، وهي المهمة التي ما زالت أغلبية السوريين تعمل باتجاه إنجازها رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحكومة المؤقتة في سوريا.. أو الطوفان

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 30/6/2013

بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة الأولى من أنه سيكون، بشكلٍ جازمٍ وقاطع، الفرصة الأخيرة التي يمكن أن يعطيها الشعب السوري للمعارضة السياسية لتقوم بواجبها في مختلف المسارات.

المفارقة في الموضوع أن على أجندة الاجتماع مشروعاً، يُفترض أنه مشروعُ الائتلاف نفسه، ويتمثل في مناقشة مشروع الحكومة المؤقتة التي تم انتخاب رئيسٍ لها من قبل الهيئة العامة منذ أكثر من ثلاثة شهور. ورغم جاهزية الحكومة للعمل، كما صرح رئيسها أكثر من مرة، إلا أن الائتلاف لم يناقش، مجرد مناقشة، وضعَها وبرنامجها حتى الآن.

أما وجهُ المفارقة فيكمن في أن هذا المشروع بحد ذاته يمكن أن يكون الورقة الرابحة بيد الائتلاف في الداخل السوري الغاضب جداً من المعارضة إلى درجةٍ تُهدد فعلاً بحصول مايُشبهُ الطوفان.

ففي نداءٍ نشره المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة منذ أيام، ورد مايلي:

«تنعقد اجتماعات الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية يومي الرابع والخامس من الشهر القادم؛

وفي هذا الصدد، يعيد مكتب رئيس الحكومة المؤقتة، التأكيد على أن رئيس الحكومة المكلف السيد غسان هيتو قد أنجز تشكيلة الحكومة، وهو على أتم الجاهزية لعرضها على الهيئة العامة للائتلاف، بالإضافة إلى الهيكلية الإدارية للوزارات والهيئات العامة التابعة للحكومة، وموازنتها، وقائمة المشاريع الملحّة التي تتطلب العمل عليها بأسرع وقت ممكن، لتغطية الاحتياجات الخدمية الرئيسية في المناطق المحررة.

لقد قام فريق العمل الخاص بالسيد رئيس الحكومة المكلف من مستشارين وفنيين وأصحاب اختصاص بإتمام لائحة أهداف الحكومة القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، وأنهى العمل على المشاريع والخطط الخاصة بالملفات التالية:

١- إدارة المعابر الحدودية وضبطها.

٢- توفير الأمن الغذائي وتأمين تسويق المحاصيل ودعم شبكات الري، وتوفير المياه الصالحة للشرب.

٣- تأمين الخدمات الصحية الرئيسية، ودعم المشافي الميدانية، ومعالجة الجرحى، ومكافحة الأوبئة والوقاية منها.

٤- تأمين الخدمات التعليمية المدرسية والبدء بإصلاح المدارس المتضررة، وحل الإشكاليات المتعلقة بطلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي، بالإضافة إلى تقديم الحلول المتعلقة بمشاكل التعليم الجامعي.

٥- إدارة الثروات المعدنية والباطنية، وإعادة تأهيل منشآتها وتشغيلها، وتوظيفها لتقديم الخدمات للشعب السوري.

٦- إعادة دفع العجلة الاقتصادية وخلق فرص عمل.

٧- العمل على تقديم الخدمات العامة الأساسية من ماء وكهرباء واتصالات والنظافة العامة.

٨- العمل على توفير متطلبات الأمن وسيادة القانون وحكم القضاء.

لقد تم العمل على هذه الملفات وفقاً لدراسات فنية وميدانية كاملة لتحديد قائمة الحاجات الخدمية للمواطنين الصامدين في المناطق المحررة، وفقاً لقائمة أولويات صارمة. كما أعدّت بروتوكولات التعاون والتكامل بين عمل الحكومة وعمل المجالس المحلية، وطريقة توفير التمويل اللازم لهذه المجالس، بشكل يسمح بإنجاز العمل المطلوب بالسرعة والكفاءة اللازمتين. وعليه فإن رئيس الحكومة المكلف السيد غسان هيتو وفريقه بانتظار انعقاد اجتماع الهيئة العامة للائتلاف حتى يضع بين أيدي أعضائها تفصيل هذه الأعمال المنجزة».

وتابع النداءُ مذكراً الائتلاف بمسؤوليته التاريخية في هذا الإطار، ومُطالباً بأن يتم بحثُ موضوع الحكومة في الاجتماع القادم بشكلٍ مؤكد.

هل يستطيع سوريٌ واحد أن يُنكر الحاجة الماسة للعمل في الحقول المذكورة أعلاه بالنسبة للسوريين في مثل هذه الظروف؟ هل يمكن لإنسانٍ أن يتجاهل الأثر الإيجابي الهائل لأداء المهمات الواردة في النداء على الثورة وأهلها، على الصعيدين العملي والنفسي، وفي جميع المجالات؟ أولايُبصر رؤية الأثر السلبي الهائل لها على النظام؟ الأعجب من هذا كله: هل هناك أي مجال لإنكار حجم المشروعية التي سيستعيدها الائتلاف، قبل أي جهةٍ أُخرى من مثل هذا المشروع؟

تبدو الإجابات على الأسئلة المذكورة بديهية إلى حد أن تجاهلها ليس له مُبرِر أو تفسير.

ثمة مفارقةٌ أكبر يجب أن يعرفها السوريون بكل شفافية. فقد أكد رئيس الحكومة المكلف لكثير من أعضاء الائتلاف أنه يأخذ الأمر بكل جدية وشعور كبير بالمسؤولية. ومن هنا تنبعُ حرقته على البدء بالعمل والإنجاز في أقرب فرصة.

لكنه أكد لهم أيضاً أنه على استعدادٍ تام للاستجابة لنداء الواجب والمسؤولية أيضاً والانسحاب من الصورة، في حال قامت هيئة الائتلاف بالتصويت على ذلك، إذا وجدت أن في بقائه ضرراً ما على المصلحة الوطنية لأي سببٍ من الأسباب..

لامفر من الهروب من هذا الاستحقاق. والهروب منه سيؤدي إلى طوفانٍ لن يكون الائتلاف ضحيته فقط، بل سيندم الكثيرون.

«ثورة مُتوقدة ومُعارضةٌ مُقعدة». كان هذا اسم الجمعة الأخيرة قبل اجتماع الائتلاف الوطني.

وفي أكثر من مدينة، خرجت المظاهرات وفيها لافتاتٌ لا يجب أن تمر مرور الكرام، ولانريد الخوض في تفاصيلها. لكنها بمجملها تُعبر بكل وضوح أن صبر الثوار مع المعارضة السياسية قد نفد.

من هنا، يُصبح الوضع السوري مفتوحاً على كل الاحتمالات. وتُصبح إعادة الحسابات مطلوبةً من الجميع.

لقد أكدنا عشرات المرات إيماننا بحتمية نصر الثورة السورية، وبأنها ستكون خطوةً على طريق تغييرٍ حضاري كبير. ونعيد التأكيد هنا على هذا الإيمان.

لكن السؤال الكبير سيبقى قائماً: مَن الذي سيُساهم في هذه العملية؟

ثمة خيارٌ صعبٌ في هذا المجال. ولن تَغفلَ صفحات التاريخ عن تسجيله في نهاية المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تسليح المعارضة هل هو نهاية المطاف؟!

فايز ساره

المستقبل

السبت 29-6-2013

كان من مقررات اجتماع دول اصدقاء الشعب السوري الاخير في الدوحة تبني مجموعة من الدول فكرة تسليح المعارضة السورية، ورغم ان القرار لا يلزم جميع من حضروا الاجتماع، الا ان ما صدر عن دول رئيسية شاركت في الاجتماع، يوحي بان قرار التسليح هو قرار جدي من جانب بعض الدول، وهذا يمثل نقطة تحول في مواقف تلك الدول، وبخاصة تلك الدول التي اتسمت مواقفها في دعم العمل المسلح في سوريا بعدم الجدية، واحياناً بعدم الاستقرار، حيث كانت مواقفها تتبدل بين يوم وآخر.

غير انه وقبل المضي الى الابعد في موضوع تسليح المعارضة، لا بد من التوقف عند امرين هما ابرز معالم البيئة السياسية التي رافقت انعقاد الاجتماع، اولهما غياب الائتلاف الوطني السوري عن الاجتماع، وهو ممثل الشعب السوري حسب اعتراف الحاضرين في الدوحة، والسبب في غيابه عدم دعوته للمشاركة رغم ان الاساس في تكوينه والاعتراف الدولي به هو دوره المأمول في معالجة الوضع السوري سواء كانت المعالجة سياسية أو عسكرية. والامر الثاني ان هيئة اركان الجيش الحر ذات قوة تمثيلية وفاعلية محدودة، ورغم اهمية مكانتها من حيث الاعتراف الاقليمي والدولي بها، فانها ليست الاكثر حضوراً وفاعلية في التشكيلات العسكرية للثورة، التي تتوزع على جماعات تنتمي للجيش الحر ابرزها هيئة الاركان، واخرى ترتبط به بصلات وروابط ضعيفة كما هو حال بعض الألوية والكتائب، والثالثة قوى تندرج في موقع الاختلاف مع الجيش الحر، وقد تكون في موقع التناقض معه مثل جبهة النصرة والقوى المحيطة بها.

ويمثل غياب الائتلاف الوطني عن اجتماع الدوحة وقراراته، ومحدودية مكانة ودور هيئة اركان الجيش الحر عاملي ضعف اساسيين في اجتماع الدوحة، والواقع ان ثمة عوامل اخرى لا تقل اهمية، تؤكد ضعف الاجتماع ونتائجه، او عدم جديته في التعاطي مع الوضع السوري وتطوراته، حسب اعتقاد اوساط سورية واسعة، والابرز في هذه العوامل ثلاثة:

العامل الاول، ان قرار تسليح المعارضة السورية، لم يكن قراراً عاماً في اجماع المشاركين في المؤتمر، وهذه نقطة ضعف اساسية، تعكس الاختلاف في مواقف الدول من تطورات الوضع السوري واحتمالاته. بل ان الاختلاف حول تسليح المعارضة السورية، كان حاضراً في مواقف دول بدا في اوقات سابقة، وكأنها متفقة على الموضوع، لكنها اكدت الاختلاف حوله في الاجتماع الاخير على نحو ما كان الموقف البريطاني في رفض المضي نحو التسليح، وثمة تفاصيل في موضوع التسليح، من بينها، ان هناك اختلافا بين الدول الموافقة على المضي في تسليح المعارضة حول نوعية وكمية السلاح الذي يمكن ان تقدمه، وثمة توافق عام على ان تكون الاسلحة "خفيفة" وذات طابع "دفاعي"، كما هناك توافق على ان الاسلحة لن تقدم لكل تشكيلات المعارضة المسلحة، بل لجهات منها وخاصة هيئة اركان الجيش الحر، حرصا على عدم وصول الاسلحة الى جماعات اسلامية متشددة.

والعامل الثاني، ان تسليح المعارضة ليس هدفه اسقاط النظام، انما الهدف منه الضغط على النظام لجلبه الى طاولة المفاوضات، ودفعه للقبول بالتوصل الى حل سياسي للوضع القائم في سوريا. ورغم ما يظهر من قبول للفكرة المطروحة من حيث الشكل، فانها في الجوهر تبدو فكرة غير مقبولة وتناقض المطلوب. وقد قصرت دول اصدقاء الشعب السوري طوال الفترة الماضية في القيام بممارسة ضغوط سياسية واقتصادية جدية على النظام، وتحولت معظم جهود تلك الدول الى ضغوط على الشعب السوري أكثر مما اصابت النظام ورموزه، وبالتالي فاذا كان هدف عملية التسليح ممارسة ضغط على النظام، فان من الافضل قبل التسلح، وتوسيع دوائر الصراع المسلح الى مدى ابعد مما هو عليه الآن ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية جدية على النظام تجبره على الذهاب الى تسوية سياسية او فتح الابواب بهذا الاتجاه، وفي المحصلة العامة، فان الذهاب الى تسليح المعارضة، لن يؤدي الى حل سياسي، انما سوف يعزز فرص الحل العسكري.

اما العامل الثالث، فهو يتصل بالشكوك التي تحيط بالموقف الاجمالي لدول اصدقاء الشعب السوري، وهو موقف اتسم بعدم الجدية وافتقاده للمصداقية في التعامل مع تطورات الوضع السوري. لقد آمل السوريون بوجود داعمين جدد للثورة في وجه نظام قاتل، امتدت شروره ابعد من الجغرافية السورية طوال أكثر من خمسين عاماً، وتضررت بسياساته دول وشعوب في انحاء مختلفة من العالم قبل ان يشعل الحريق السوري الراهن، لكن السوريين وجدوا القليل القليل من دعم اقليمي ودولي، وحتى هذا القليل من الدعم كان بائساً ومرتبكاً وبعضه كان دون جدوى، فهو لم يساعد في تأمين الاحتياجات الانسانية والحياتية لأكثر من ثلاثة ملايين مشرد سوري في طول البلاد وعرضها، ولا ساعد اللاجئين الذي كاد عددهم يقترب من اربعة ملايين في دول الجوار وقريبا منها، والامر في كل الاحوال لم يصل حد تقدم تلك الدول نحو حماية ارواح وممتلكات السوريين باعتباره واجباً انسانياً واخلاقياً، عجز العالم عن القيام به بما في ذلك دول اصدقاء الشعب السوري، وصولاً الى الفشل في معاقبة النظام القاتل والمدمر طبقاً لمحتويات القانون الدولي في نصوصه وفي سابقاته السياسية، وفي كل الاحوال عملت تلك الدول على ايجاد وطرح مبررات اغلبها يفتقد الجدية والمصداقية لتبرير سياساتها وممارساتها المتناقضة، وتفسير تراجعاتها عن مواقف محددة كانت قد التزمت بها مسبقاً.

ان قضية تسليح المعارضة السورية في صراعها مع النظام، باتت بحاجة الى اثبات جدي ومسؤول، يتجاوز الوعود، التي لامعنى لها سوى منح النظام فرص الذهاب الى الابعد في قتل السوريين وتشريدهم، وتدمير امكانياتهم وقدرات بلدهم، بينما يشن النظام هجمات مرتدة واسعة في مختلف انحاء البلاد لاستعادة سيطرته عليها مستعيناً بقدرات وامكانيات قوى دولية واقليمية، تشمل دعماً روسياً سياسياً وعسكرياً مباشراً، وتدخلاً عسكرياً مباشراً تحت بصر وسمع العالم كله من جانب ايران وحزب الله اللبناني وبمشاركة ميليشيات تم استيرادها من العراق واليمن ومرتزقة من انحاء مختلفة، لقد بات من المطلوب رؤية افعال تتجاوز الاقوال في موضوع دعم الشعب السوري في مواجهة نظام القتل والدمار، والا فلا معنى الاقوال والتأكيدات حول تسليح المعارضة السورية مهما كان مصدرها والقائلون بها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية: تحديات واستحقاقات

عمر كوش

المستقبل

السبت 29-6-2013

كان المأمول من تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الحادي عشر من تشرين الثاني 2012، هو أن يمثّل أوسع طيف ممكن من المعارضة السورية، وأن يشكل مظلة سياسية للثورة، وداعماً حقيقياً لها، ويتجاوز خلافات المعارضة في ما بينها، على المستوى الأيديولوجي والسياسي، وعدم جعلها معوقًا، أو مانعًا أمام توحيد وتنسيق الجهود من أجل إسقاط نظام بشار الأسد. والأهم هو أن يؤثر في موازين القوى، بما يعطي دفعة قوية لحراك الناس على الأرض، ويقدم رؤية استراتيجية للمرحلة الانتقالية في سوريا، بما يطمئن السوريين، بمختلف أطيافهم وحساسياتهم، والإجابة على مخاوفهم وهواجسهم من المستقبل في مرحلة ما بعد الأسد.

وبالنظر إلى أن تشكيل الائتلاف، جاء على خلفية إخفاق المجلس الوطني السوري في توسع تمثيله، وعدم الارتقاء بأدائه إلى مصاف قيادة الثورة وتوجيهها وتصحيح مساراتها، إلا أن الأمر انتهى إلى تشكيل صورة مشابهة له، بل واستنساخه تقريباً، والذهاب في القول إلى أن المجلس بات يسيطر على الائتلاف، من خلال القوى والكتل الموجودة فيه، والمتملثة بجماعة الإخوان المسلمين، وبكتلة العمل الوطني، والكتلة الوطنية، وكتلة أمينه العام، وإعلان دمشق، فيما بقيت الشخصيات المستقلة من دون تأثير. إضافة إلى أن الائتلاف عجز عن تشكيل مؤسسة فاعلة، وتميز بضعف أداء الشخصيات الليبرالية والديمقراطية فيه، وارتجالية مواقف العديد منهم، وفرادانية السلوك والتصرفات. ويعود ذلك إلى عدم تمكن الائتلاف من تقديم كيان سياسي مختلف عن المجلس، في تركيبته وفي عمله، حيث إن الدعوة التي نهضت عليها المبادرة لتشكيل الائتلاف، كانت على أساس شخصي، حيث دُعيت شخصية واحدة من كل مكون سياسي، وممثل عن كل محافظة سورية من الداخل، ومستقلون، الأمر الذي نتج عنه تغلغل وهيمنة جملة الشخصيات ذات الانتماء الحزبي القوي، أو تلك التي شكلت كتلاً فاعلة، وتمتلك تمويلاً من جهة خارجية، وبالتالي تمكن هؤلاء من السيطرة على الائتلاف بطرق شتى، وراحوا يفرضون ما يرونه عليه.

ولعل الطريقة، التي لجأت إليها الكتل المؤثرة في الائتلاف، لاختيار وانتخاب رئيس الحكومة الموقتة، غسان هيتو، في 18 آذار 2013، عبرت عن لحظة جامعة لطريقة عمل الائتلاف، وأثارت ردود فعل غاضبة واستنكار عدد من القوى والشخصيات السورية، داخل الائتلاف وخارجه، واعتبرتها دليلاً واضحاً على سياسة الفرض والانفراد في القرارات. وفي إثر ذلك، قدم بعض أعضاء الائتلاف استقالاتهم، فيما جمّد آخرون عضويتهم، ونشأت على هذه الخلفية مطالبات بتوسيع الائتلاف، بغية التخلص من تأثير الكتل المهيمنة عليه.

ومع ارتفاع الأصوات المطالبة بتوسيع الائتلاف، جرى رسم خارطة جديدة لقوى المعارضة السورية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، يطاول مرحلة ما بعد التوسعة وتحدياتها، إذ إن استحقاقات عديدة تنتظر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية، تتمثل في إجراء انتخابات رئاسية، تعكس التنوع الجديد وموازين القوى الجديدة، واستحقاقات الموقف من مؤتمر جنيف -2. وهو استحقاق يتوقف عليه تقديم دعم أكبر للائتلاف والثورة السورية، خاصة بعد أن أعلنت دول الاتحاد الأوروبي رفع الحظر على توريد الأسلحة للمعارضة السورية.

ولعل الأهم هو أن يتمكن الائتلاف من تحقيق تغيير في موازين القوى على الأرض، من خلال توفير الدعم العسكري للجيش الحر، وتوفير ممكنات الصمود للناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وبناء علاقات قوية بين الائتلاف الجديد وقوى الداخل، كالمجالس المدنية والجيش الحر ومجاميع المقاومة المسلحة، واتباع أسلوب تمويل محدد لهذه القوى، وفق آلية شفافة، معروفة ومؤسسة، وتوصيل المال والمعدات اللازمة إليها.

علاوة على تأمين احتياجات الناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من مواد معيشية واحتياجات ضرورية، وتوفير الأمن لهم وسبل عيشهم الكريم. كل هذه الإجراءات ستعطي الائتلاف سلطة على القوى الثورية داخل سوريا، فيتمكن من توجيهها بحسب استراتيجيته والتحكم فيها، والعمل معاً من أجل إسقاط النظام، وتحقيق طموحات وتطلعات الشعب السوري في بناء سوريا جديدة، حرة وديمقراطية وتعددية مدنية.

والناظر في خارطة القوى والشخصيات المشاركة في الائتلاف بعد توسعته، يجد أنها شاملة لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية. وهو أمر لم يتحقق من قبل في أي تشكيل سياسي للثورة السورية، والأهم هو أن يصل إلى قيادة الائتلاف أشخاص أنتجتهم الثورة في الداخل السوري، وساهموا في حراكها على الأرض.

ويبقى أن المطلوب هو تفادي أسباب فشل تشكيلات المعارضة السياسية، وخاصة حالة العطالة السياسية، الموروثة من عقود انتفاء السياسة ومصادرتها في سوريا، والتي طبعت العمل السياسي المعارض بطابع من الهامشية، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى عدم اتباع مسلك يشوّه الفعل السياسي، بوصفه ممارسة تهدف إلى تغيير الواقع، وليس موقفاً أخلاقياً أو مبدئياً فقط، الأمر الذي يفسر تعلق بعض المعارضين وتركيزهم على المواقف المبدئية فقط، مع غياب مقتضيات العمل السياسي المؤسسي. يضاف إلى ذلك ضرورة وضع برامج تغيير واضحة لدى قيادة الائتلاف، وتفادي النواقص والعيوب التي تعتري العمل السياسي السوري المعارض، والتمحور حول هدف دعم الثورة وناسها، وعدم التغاضي عن نقد الأخطاء، بل السعي إلى تخليص الثورة قدر المستطاع من منزلقات التعثر، وإلى تقويم مساراتها وإبعادها عن مندرجات التطرف والتعصب، التي باتت مؤثرة في بعض المواضع، خاصة وأن المجتمع السوري بحاجة إلى عودة السياسة المسلوبة منه، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة من تاريخ سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورة في مهب الريح!

ميشيل كيلو

السفير

السبت 29-6-2013

لم يعد هناك من وصف مؤسف ينطبق اليوم على الثورة السورية غير الإقرار بإنها غدت «ثورة في مهب الريح»، او بالاحرى، في مهب رياح عاتية تعصف اليوم بها من كل حدب وصوب، اشدها خطرا على الإطلاق تلك التي تهب عليها من فوق: من جهات وضعت يدها على قيادتها قبل نيف وعامين وتلعب فيها اليوم ايضا ادوارا جد مهمة اذا لم اقل حاسمة، قادتها إلى حافة الهاوية.

لا اعتقد انه يوجد اليوم من لا يرى الرياح وهي تعصف بالثورة، والجهات التي أسهمت في إيصالها إلى حيث هي الآن، شبه مكشوفة أمام منعطف مصيري لا شك في أنه سيصير قاتلا، إن هي لم تبادر إلى اصلاح احوالها، أو إذا لم تحدث معجزة دولية ما، وإلا غدا إخراجها من مأزقها الحالي ضربا من المحال وأصيب من سيأتون بعدنا بالدهشة بسبب ما وقع قادتها فيه من أخطاء، وما ابدوه من عجز عن إصلاحها، على الرغم من تعالي أصوات طالبتهم في الماضي وتطالبهم اليوم، تضم عسكريين من مختلف الرتب والمواقع، وسياسيين من شتى التيارات، فضلا عن ملايين المواطنات والمواطنين، ممن أصيبوا باليأس لما آلت إليه ثورتهم وحالهم، بعد أن وقع ما لم يكن في حسبانهم، فاقتلعوا من جذورهم، وتركوا لمصير بائس مكن إرادات دولية وعربية وداخلية من التلاعب بلقمة عيشهم وحقهم في الحياة، إضافة إلى تحويلهم من لاجئين الى مشردين تقطعت بهم السبل، وصاروا عرضة لمظالم شتى لا تقل فظاعة عن تلك التي كان النظام ينزلها بهم، كأنما كتب على شعب سوريا ان يتعرض للموت بأكثر الطرق وحشية وإذلالا، لمجرد أنه ارتكب جريمة المطالبة بما توهم انه حقه (الحرية)، وسبق لشعوب كثيرة أن نالته دون عقاب.

والغريب ان الثورة، التي بلغت هذا المأزق، تمتلك اليوم مئات آلاف المقاومين والمناضلين، الذين يضحون بأرواحهم في سبيل نصرتها وتحقيق أهدافها. ان هؤلاء الذين يخوضون معركة الحـرية يرون بأم أعينهم عجزهم عن تحرير ثورتهــم من أخطائهــا، ومع ذلك يريدون ان يظلوا حملتها ووقودها، وأن لا يتخلوا عن حقهم في الاستشهاد من أجل قيمها ومقاصدها، بل انهم يمعنـون في الالتــصاق بها والإصرار على انتصارها، لانهم لا يرون انفسهم إلا بدلالتها، على العكس ممن يتولون قيادتها ويرونها بدلالة ذواتهم وأحزابهم ومصالحهم، ويسهمون، لهذا السبب بالذات، في دفعها نحو الهاوية، غير آبهين بمصيرها، ما دامت خياراتهم السياسية ورغباتهم الحزبية والأيديولوجية، تتحقق على حساب اهدافها وخياراتها.

لو اردنا أن نضرب مثالا على انحطاط العقل الذي يقود الثورة، لوجدناه في ردود أفعال تيارت معارضة مهمة على سقوط القصير. بداية، نحن في حرب، وفي الحرب يتعرض المتقاتلون إلى الربح والخسارة، ينتصرون في معارك وينهزمون في غيرها. لكن العقل المنحط لم يحسب حسابا لهذه الواقعة البســيطة، بل ركـبته فكرة سخيفة ترى أن الثورة تنتقل من انتصار إلى آخر، لمجرد انها ثورة، وانها تفعل ذلك دوما، حتى إذا لم تتوفر لها شروط الانتصار ولم يكن لمقاتليها سلاح وطعام وتنظيم عسكري وقيــادة خبــيرة. وكــان قد سبق أن تحادثت مع أحــد هــؤلاء «الانتصــاريين»، فــقال لي: نحن حذفنا كلمتي الهزيمة والانسحاب من قاموس الثورة .عندئذ، هنأته بالنــجاة من صحـبة جبناء متخاذلــين لطالما خاضــوا معارك هزمــوا في بعضها وانسحبوا أمام اعدائهــم في بعضها الآخر، حين كانت الحرب تفرض عليهم الانسحاب وكانوا يرون في الهزيمة موقعة عسكرية، ويعتقدون أن من واجبهم اخذها بالحسبان لينجحوا في تحاشيها، ويعتبرون الانسحاب ضرورة عسكرية. عندما ابدى بطل الكلام المغوار سروره لأقوالي، ذكرت له أنه كان بين هؤلاء الجبناء خالد ابن الوليد، والاسكندر الأكبر، وهانيبعل، ونابليون، وجوكوف، وكوتوزوف، ورومل... الخ .

لو كان عقل هؤلاء عقلانيا، لقالوا إن موازين القوى ستحتم هزيمة المقاومين في القصير، إذا لم تتوفر لهم قوة معدة مسبقا وتكفي لدحر جيش رسمي وقوات تابعة لـ«حزب الله». من دون توفـر هــذه القــوة، لا يجــوز قياس المعركة بتحقيق انتصار مستحيل، بل بقدرة المقاومة على الصمــود واستنــزاف العــدو، وقــدرة القيادة على إمدادهم بمقومات القتــال الضــرورية لذلك. هذه الحقائق البسيطة لم يوجد من يحترمها، لذلك قرأنا كلاما يسخر من ما يسميه» الانتصار في توسعة الائتلاف» وما شابه من قضايا خارجة تماما عن موضوع القصير، دون أن نفهم العلاقة بين التوسعة والهزيمة.

والآن، إذا كان العقل الفاسد يرفض رؤية المهم والرئيس والحقيقي، فإني ابشره بقصيرات جديدة قد لا يكون وقوعها بعيدا، ما دامت اسباب سقوطها تفعل فعلها في كل مكان من سوريا، ومن المحتم أن تفضي إلى النتائج عينها، التي رأيناها في المدينة الشهيدة، ما لم تتم مبادرة فورية الى تصحيحها من خلال سياسات صائبة.

من علامات الهزيمة انكار وقوعها، ورؤيتها بأعين لا تميز بين الاشياء، وقطع الصلات بين اسبابها ونتائجها، وتحليل الأحداث بأساليب تعتمد النق والشكوى وازدراء الوقائع، وتغليب الانفعالات الشعورية على الرؤية الصاحية، وتنكر القيادات لمسؤوليتها عنها أو إلقاء المسؤولية على الآخرين: أكانوا أعداء خارجيين أم حلفاء ومساعدين واتباعا... الخ .هذه العلامات موجودة اليوم بوفرة في رؤى المعارضات السورية، وتعد دليلا دامغا على حاجتها إلى مبارحة وضع دفعها النظام إليه عن عمد، لتصل إلى موقع تصير قابلة للهزيمة فيه، سواء في مكان محدد وصغير كالقصير أم في عموم سوريا. وللعلم، فإن الثورة تتجه بهذا القدر او ذاك من السرعة نحو هذا الموقع، كأن بعض قياداتها قرر نحرها، وإلا كيف نفسر هذا القبول العام بالحال السيئة الراهنة، التي لا يوجد سوري واحد يشك في أنها انحدارية وأن نتائجها ستكون انتحارية؟ وما الذي يبرر الموقف السلبي حيالها، مع ان الجميع يرون اتجاه الثورة نحو استعصاء مرعب يتحول تدريجيا إلى مأزق قاتل، يستطيع كل ذي عينين ان يرى بوضوح أنها لم تعد على الهاوية، بل شرعت تنزلق الى جوفها خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد ان تحولت من السلمية إلى العسكرة، وتعايشت لفترة مع اخطاء سياسية نجح تصاعد المقاومة وحجم التضحيات الشعبية الهائل في امتصاصها وحجب نتائجها عن الأنظار، وعندما بدأ هذان بالتراجع تحت الضغط العسكري والسياسي السلطوي / الإقليمي / الدولي، بانت فداحة الأخطاء ودخلنا في آلية تفاعلية حدها الأول سياسات متعثرة وفاشلة، وحدها الثاني عسكرة وصلت إلى نهاية ما تستطيع اعطاءه بقوة تنظيماتها وخططها. وها نحن نواجه مأزقا حرجا يبدو وكـأن أحدا لا يمتلك ارادة الخروج منه، مع أننا نقر جميعا بوجوده ونعرف كيف نستطيع مبارحته ووضع حد له. أليس من علامات هزيمة الثورة أن تعرف أخطاءها وتعجز في الوقت نفسه عن التخلص منها؟

ما هو سبب موقفنا الغريب العجيب هذا؟ اعتقد أنه بالدرجة الأولى استسلامنا للخارج، والتخبط في اولوياتنا التي لم تعد تتمحور على الداخل ولا تعرف كيف تتفاعل معه بطرق ناجعة تعكـس قدرتنا على تعبئة قواه ضد النظام بدل بعثرتها تحــت وطـأة خلافات تمعن في تشتيتها، رغم ان مد شعبنا الثوري تصاعد طيلة عام ونصف العام إلى ذرى لم يبلغها أي شعب آخر ثائر، ووزن الخارج المقرر رغم تعارض اهدافه مع هدف الثورة الديموقراطي، واستحالة أن يقود عشرون تنظيما وجهازا متناقضين متصارعين ثورة تخوضها آلاف الكتائب والألوية المتنافسة المتصارعة في أحيان كثيرة، واخيرا الافتقار إلى مرجعية تضبط الفوضى التنظيمية والقيادية والميدانية، هل نستغرب بعد هذا أن تكون ثورة سوريا في مهب رياح تعصف بها، تجعل إنقاذها إنقاذا لكل فرد منا، ولدولتنا ومجتمعنا، وتأجيله خيانة لشعبنا، الذي بذل جهدا يفوق طاقة البشر وتحمل آلاما لا يطيقها قوم، ليصحح أخطاء قياداته، التي يجب أن تبادر إلى إخراجه من محنته.

وصلت الثورة السورية إلى نقطة مفصلية وخطيرة، بفضل سياسات بدلت طابعها كثورة من أجل حرية شعب سوريا الواحد. ثمة سؤال يطرحه هذا الخطر: هل يمكن إنقاذ ثورة بالسياسات والقيادات التي تفرض عليها الفشل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم- الحلقة 36

وقف رسائل المصالحة والعودة إلى العنف الثوري

وارتكاب النظام مجزرة بشعة بحق المعتقلين في سجن تدمر الصحراوي

محمد فاروق الإمام

نجا الرئيس حافظ الأسد بأعجوبة من محاولة اغتيال محبوكة بدقة وإتقان من قبل خلية زرعت في جهاز أمنه وحرسه الخاص يوم 26 حزيران عام 1980م، حين ألقى أحد أفراد حرسه الشخصي قنبلتان يدويتان استهدفته مباشرة، فصدت الأولى وتم إبعادها، واحتضن أحد أبرز مرافقيه الثانية.

وأعلنت (الطليعة) أن الخلية التي حاولت اغتيال حافظ الأسد هي إحدى خلاياها.

كانت هذه الرسالة تشير بأن (الطليعة) قد تمكنت من التسلل إلى أكثر المناطق حساسية، وهذا دفع صقور (العنف الثوري) الذين حاولوا جاهدين أن ينتزعوا تفويضاً من الرئيس بتصفية (العصابة) على طريقتهم، فأقدموا على إعدام عشوائي للمعتقلين الإسلاميين في سجن تدمر الصحراوي الذي راح ضحيته نحو (800) سجين في مذبحة رهيبة بشعة نفذها المقدم (محمد ناصيف) بأمر من (العقيد رفعت الأسد) قائد سرايا الدفاع.

مجزرة تدمر الكبرى

القصة الكاملة للجريمة (كما رواها بعض المنفّذين)

التحضير للعملية:

في تمام الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم 27/6/1980 دُعيت مجموعتان من سرايا الدفاع للاجتماع بلباس الميدان الكامل، المجموعة الأولى من اللواء (40)، الذي يقوده الرائد معين ناصيف (زوج بنت رفعت الأسد)، والمجموعة الثانية من اللواء (138)، الذي يقوده المقدم علي ديب، وكل من المجموعتين يزيد تعداد عناصرهما على مائة عنصر.

أما مجموعة اللواء (40) فقد اجتمعوا في سينما اللواء، حيث ألقى فيهم معين ناصيف كلمة، قال فيها: (راح تقوموا بهجوم على أكبر وكر للإخوان المسلمين، وهو سجن تدمر .. مين ما بدو يقاتل؟)، وبالطبع، فلم يرفع أحد منهم يده، ثم انتقلت المجموعة الموجودة إلى مطار المزة القديم، حيث التقت المجموعتان، وكان بانتظارهم عشر طائرات هيلوكوبتر، وكل طيارة تتسع لـ 24 راكب.

كان قائد العملية المقدم سليمان مصطفى، وهو قائد أركان اللواء (138)، وكان من جملة الضباط المشاركين: الملازم أول ياسر باكير، والملازم أول منير درويش، والملازم أول رئيف عبد الله.

أقلعت طائرات الهيلوكبتر حوالي الساعة الخامسة صباحاً، ووصلت إلى مطار تدمر حوالي الساعة السادسة، وعقد اجتماع لضباط العملية، تمّ فيه توزيع المهمات وتقسيم المجموعات، ثم أعطي العناصر استراحة لمدة ثلاث أرباع الساعة.

في هذه الأثناء كان سجن (تدمر) هادئاً، وقد اتخذت ترتيبات مُعينة؛ مثل: إجراء تفقد للمعتقلين وتسهيل مهمة مجموعات سرايا الدفاع، فلم تكن هناك عراقيل أو اعتراض، بل كانت الشرطة العسكرية المكلفة بالحراسة مستعدة على الباب الخارجي، كما كان رئيس الحرس وشرطته العسكرية مجتمعين في ساحة السجن، وقد أبعد العديد من أفراد الشرطة العسكرية ممن ينتسبون للسنة وأعطوا إجازات سريعة لقضائها في بلدانهم.

ثمّ دُعي عناصر سرايا الدفاع إلى الاجتماع؛ حيث تمّ تقسيمهم ثلاث مجموعات:

ـ المجموعة الأولى: وهي مكوّنة من (80) عنصراً، وكلفت بدخول السجن، وسُميت "مجموعة الاقتحام".

ـ المجموعة الثانية: وهي مكونة من (20) عنصراً، وكُلّفت بحماية طائرات الهيلوكبتر.

ـ المجموعة الثالثة: وهي مكونة من بقية العناصر، وقد بقيت في المطار للاحتياط.

ركبت مجموعة الاقتحام سيارات (دوج تراك)، وحين وصلت إلى السجن؛ انقسمت المجموعات الموجودة إلى مجموعات صغيرة، كل منها بإمرة أحد الضباط، وقد سلّم مدير السجن مفاتيح المهاجع إلى ضباط سرايا الدفاع، كما زوّدوا بمرشدين لغرف السجن وباحاته.

كان في سجن تدمر العسكري (34) مهجعاً، في كل منها (20-70) معتقلاً؛ تبعاً لحجم المهجع، وقد تم تنظيم العملية بقتل المعتقلين على دفعتين: الدفعة الأولى شمل الغرف المطلّة على الباحات (1 و2 و3)، والدفعة الثانية تشمل الغرف المُطلّة على الباحات (4 و5 و6)؛ وبسبب انخفاض المهاجع وعتمتها في غرف الباحات (1 و2 و3)؛ تقرر إخراج المعتقلين إلى الباحات لتنفيذ الإعدام فيهم.

وتوزّعت مجموعات سرايا الدفاع على المهاجع والباحات، وفُتحت الأبواب، وبموجب نظام السجن؛ وقف المعتقلون عند فتح أبواب المهاجع مغمضي العيون ووجوههم إلى السقف، وقدم رئيس كل مهجع الصف (ويكون أحد السجناء، ويُطلب منه ترتيب السجناء وتنظيمهم، ويكون له نصيب أكبر من العذاب، انظر كتاب شاهد ومشهود).

ـ في الباحة رقم (1) تم إخراج نزلاء المهجعين (5 و6)، ونزلاء المهجع (4)، وجُمعوا في زاوية الباحة الشمالية الشرقية.

ـ في الباحة رقم (2) تمّ إخراج نزلاء المهاجع الثلاثة (8 و9 و10)، وجُمعوا في آخر الباحة الجنوبية الغربية، مقابل المهجع (8) ذي الشرفة الواسعة من الأمام.

ـ في الباحة رقم (3) تمّ جمع المعتقلين من المهاجع (12 و13 و16 و17)، في الزاوية الشرقية الجنوبية من الباحة أمام المهجع (12).

وهكذا تمّ تجميع المعتقلين مع أغراضهم بشكل يجعل عملية القتل والإبادة تبدأ في الباحات الثلاثة في وقت واحد.

والجدير بالذكر أن المعتقلين جميعاً خضعوا في اليوم السابق لأنواع من التعذيب الشديد الذي لم يسبق له مثيل، فقد اندفعت عناصر الشرطة العسكرية تطوف بالمهاجع، وتضرب المعتقلين بالسياط والعصي، كما أخرجوا نزلاء بعض المهاجع إلى الباحات بالتسلسل، وانهالوا عليهم ضرباً بالعصي والسياط، فأصيب الكثيرون من المعتقلين بكسور وجروح مختلفة.

بدء المجزرة الوحشية:

بعد ذلك أعطيت إشارة البدء لعناصر سرايا الدفاع، فانطلقت الآلات النارية تصبّ وابل الحمم على المعتقلين العزل الأبرياء، وألقيت عدة قنابل ـ لا سيما في الباحة رقم (2)، واستخدمت بعض قاذفات اللهب مع إطلاق النار الكثيف في كل من الباحات الثلاث، حيث تعالت أصوات المعتقلين بهتافات: الله أكبر.

وخلال دقائق قليلة انتهى الأمر، لكن بعض المعتقلين في الباحة رقم (1)؛ تمكنوا من الهروب، وتمكنوا من دخول المهجع الكبير المزدوج (4 و5)، فتواروا فيه، فلحق بهم بعض عناصر سرايا الدفاع، فقتلوهم ومثّلوا بهم.

حين انتهت العملية في الساحات الثلاث، تجمع القتلة وانطلقوا إلى الباحات الثلاث الأخرى، ولكيلا تتكرر عملية هرب بعض الضحايا إلى المهاجع؛ قرر الضباط دخول المهاجع على المعتقلين، وقتلهم فيها.

اندفعت ست مجموعات من القتلة إلى الباحة رقم (4)، وفيها ثلاثة مهاجع مليئة بالمعتقلين، فتوجهت كل مجموعتين إلى مهجع، وفتح الباب، وقدم رئيس كل مهجع الصف، فدخلوا عليهم، وأمروهم بالابتعاد عن الباب، ثم ألقوا على المهجع قنبلتين دفاعيتين، ثم دخلوا عليهم، وأخذوا يُطلقون رصاصهم رشاً على الضحايا الذين ارتمى معظمهم على الأرض بين قتيل وجريح، واستمروا في ذلك إلى أن أتمّوا قتل من في المهجع.

ثم انطلقت المجموعات إلى الباحات رقم (5 و6)، حيث توزّعت على المهاجع الخمسة الباقية، وتم فتح الأبواب عليهم، وبُدئ بإطلاق النار على المعتقلين العُزّل.

وفي أحد مهاجع الباحة رقم (5) اختبأ أحد المعتقلين في دورة المياه بالقرب من الباب، وحين دخلت العناصر المسلحة، وبدأت بإطلاق النار على المعتقلين العُزّل، انقضّ هذا المعتقل من دورة المياه، وتمكّن من انتزاع السلاح من أحد عناصر سرايا الدفاع، وهو الرقيب اسكندر أحمد، وأطلق عدة طلقات أدت إلى مقتل هذا الرقيب وجرح إثنين آخرين ، لكن بقية العناصر المسلحة بادرت إلى إطلاق النار على المعتقل البطل حتى استشهد.

قام بعض الضباط والعناصر بتقليب جُثث الضحايا، والتأكد من مقتلها أو الإجهاز على من فيه بقية رمق؛ حتى تلطّخت أيديهم وثيابهم وصدورهم بالدماء، مثل الملازم: رئيف عبد الله، والملازم منير درويش، والرقيب علي محمد موسى.

بقي دم الضحايا البريئة يغمر أرض السجن؛ وتجمد في كثير من الأماكن من الباحات والمهاجع، فتم تنظيف الساحات، وتم طلاء جدران السجن بسرعة لإخفاء معالم الجريمة، أما المجرمون منفذو العملية فقد عادوا إلى مطار المزة في الساعة 12.30 ظهراً، وانصرفت مجموعة اللواء 138 إلى لوائها، كما انصرفت مجموعة اللواء 40 إلى لوائها، وكان بانتظارهم الرائد معين ناصيف، حيث اجتمع بهم في السينما، وشكرهم على جهودهم، وعزاهم بوفاة الرقيب اسكندر، وقال لهم: أنتم قمتم بعمل بطولي، بعمل رجولي، ثم أمرهم بكتمان العملية، وقال لهم: ما لازم تطلع هالعملية خارج منا، يعني لازم تظل مكتومة وسرية.

وفي اليوم التالي وزعت السلطة مبلغ 200 ليرة سورية على كل عنصر من العناصر الذين اشتركوا في هذه الجريمة.

ملاحظة:

هذه التفاصيل جاءت ضمن اعترافات الرقيب المجرم عيسى إبراهيم فياض، والعريف المجرم أكرم علي جميل بيشاني، وكلاهما علويان من سرايا الدفاع، اشتركا في محاولة فاشلة لاغتيال رئيس الوزراء الأردني السابق مضر بدران، وأدليا باعترافاتهما كاملة على شاشة التلفزيون الأردني، ونشرت في كتاب الوثائق الأردنية – 1981، والذي طبعته وزارة الإعلام الأردنية بتاريخ 25/2/1981.  

هذا وقد اطلعت لجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، التي انعقدت في جنيف في دورتها السابعة والثلاثين على وقائع مجزرة تدمر، خلال مناقشتها للبند 13 من جدول الأعمال الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، ووزعت على اللجنة الوثيقة رقم (E/CN/4/146 تاريخ 4/3/1981، والتي تضمّنت إفادات المشاركين في مجزرة تدمر، (عيسى إبراهيم الفياض وأكرم بيشاني). وناقشت اللجنة بجلستها رقم 1632 تاريخ 9/3/1981 مضمون المذكرة وشارك في النقاش مندوبو الأردن والعراق وسورية.

وعادت المجابهة الدموية إلى نقطة الصفر، وانطلق العنف من جديد، ليشهد شهر تموز عام 1980م أعنف حملات العنف الرسمي. فقد ارتكب المقدم (هاشم معلا) قائد مجموعات الوحدات الخاصة في حلب مذبحة في حي المشارقة الشعبي صباح يوم عيد الفطر، راح ضحيتها نحو مئة مدني. في حين أقر مجلس الشعب في 7 تموز عام 1980م، وعلى إيقاع ما سماه كتاب حزبي بـ(الانتفاضة الشعبية العارمة ضد عصابة الإخوان المسلمين) القانون رقم (49) الذي ينص على إنزال عقوبة الإعدام بكل من ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأعفى هذا القانون من العقوبة كل من يعلن خلال شهر خطياً انسحابه إذا كان داخل القطر وخلال شهرين إذا كان خارج القطر.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم - الحلقة 35

جدية حافظ الأسد بالتسوية ومحاولته الاتصال بعدنان عقلة

و تصاعد العنف والعنف المضاد

حافظ الأسد يحاول تخفيف غلواء العنف الثوري ويوجه رسالة سلام

حافظ الأسد: (الإخوان المسلمون في سورية ليسو جميعاً مع القتل بل كثير منهم، القسم الأكبر منهم ضد القتل ويدين القتل)

محمد فاروق الإمام

كان حافظ الأسد جاداً بالتوصل إلى تسوية مع جماعة الإخوان المسلمين وجميع أطياف المعارضة السورية، وأن يلتقي معها في منتصف الطريق، وأن يُمأسس مبادرته للمصالحة الوطنية وتطويرها إلى نوع من عقد جديد، لا يتخطى قواعد النسق الجبهوي السياسي السائد، لكنه يقبل بتطويرها، وينعش أشكال المشاركة السياسية، بشكل يجمع ما بين استمرار هذا النسق واستقراره، وبين الاستجابة لكثير من تطلعات معارضيه. في حين كان معارضوه غير مستوعبين لعبة المساومة والتسوية اللتين هما الوسيلتان الأنجع في الوصول إلى نقاط لقاء ينهي الخلاف ويوصل الأطراف إلى ما يمكن الاتفاق عليه، وإنهاء حالة الاحتقان في المجتمع، وحفظ ماء وجه السلطة في الوقت ذاته.

محاولة لقاء الأسد لعدنان عقلة

أسرَّ الرئيس حافظ الأسد إلى ضباط خليته المقربة منه أنه يود اللقاء مع عدنان عقلة بأي ثمن ليعرف منه سقف مطالبه والتعامل معها بما يوصله معه إلى حلول وسط يتفق معه عليها، وقد أصبح عقلة كابوس يؤرق حياة حافظ الأسد، وذكّره أحد الضباط بصديقه المساعد الحلبي (م.د) الذي اختبأ عنده في دمشق أيام ملاحقته خلال عهد الانفصال، فطلب إليه الاتصال به حالاً، وبالفعل اتصل هذا الضابط بالمساعد المتقاعد (م.د) ليقوم بهذه المهمة بتكليف من حافظ الأسد، وكان يربط (م.د) صلة قرابة مع أحد قيادات الطليعة في حينها وهو (م.ر) وكان هذا فاراً لملاحقته من قبل أجهزة الأمن والفرقة الثالثة التي تحتل حلب، وطلب منه أن يوصل رسالة إلى عدنان عقلة من الرئيس حافظ الأسد ورغبته في لقائه، فطلب (م.ر) كتاباً خطياً من (م.د) وموقع من حافظ الأسد بعدم التعرض له، وبالفعل وصل الكتاب موقعاً من الرئيس حافظ الأسد بعدم التعرض ل(م.ر).

في نفس اليوم ذهب (م.ر) بصحبة (م.د) إلى حلب وبعد مفارقته ل(م.د) توجه إلى أحد أماكن تواجد عدنان عقلة السرية التي يعرفها (م.ر) والتقى به وعرض عليه المهمة التي جاء من أجلها، فأصاب الغرور عدنان عقلة ووجه أقسى عبارات اللوم والتقريع إلى (م.ر) ورفض أي لقاء مع حافظ الأسد، لاعتفاده أن سقوطه بات مسألة وقت، ولا مجال للمساومة!

تصاعد العنف والعنف المضاد

أفضى إضراب – عصيان آذار عام 1980م بما رافقه من عنف إلى فتح الأبواب طليقة أمام سياسة (العنف الثوري) التي تبناها العقيد رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع وشقيق الرئيس حافظ الأسد، الذي زاد من عنف (الطليعة)، ودفع الشعب السوري ثمناً باهظاً في مواجهة هذا العنف المتبادل المجنون، الذي سيطر عليه الحمقى المغرورين من كلا الطرفين، دون تمييز، وكان الخاسر الأكبر هو تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، فكان حالهم كمن وقع بين المطرقة والسندان.

وأقدم صقور السلطة الذين أصبحوا سادة الموقف على عملية تفكيك ممنهجة – ليس للقوى الطليعية المنفلتة التي تتبنى إستراتيجية العنف وتمارسها – بل تخطوا ذلك إلى القوى الإسلامية التي تنبذ العنف وترفضه، وكذلك مجموع القوى السياسية المعارضة. حتى غدا العنف والعنف المضاد السيد في ساحة البلاد، وحاول حافظ الأسد في إطار سياسة العنف الثوري التي انغمس فيها النظام أن يعطي المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين طابعاً حزبياً، يواجه فيه البعث بوصفه حزباً الإخوان المسلمين، فحرص على حضور مؤتمرات المنظمات الشبيبية والفلاحية والعمالية وخاطب أعضاءها مباشرة، وبرز لأول مرة كخطيب ثوري في حين كانت خطاباته السابقة تتميز تقليدياً بالهدوء والاتزان. وهذا ما جعل عقلية عسكرة الحزب تسيطر على المنظمات الحزبية التي افترض فيها أن تكون إطاراً هيكلياً لمؤسسات المجتمع المدني، وأسبغ شرعية غير قانونية على عنف جهاز الدولة.

حافظ الأسد يحاول تخفيف غلواء العنف الثوري

حاول حافظ الأسد في 23 آذار عام 1980م أن يخفف من غلواء (العنف الثوري) الذي يقوده شقيقه رفعت الأسد. فخاطب الشباب (شباب الحزب والمنظمات الحزبية) داعياً إلى التمييز ما بين (الإخوان المسلمين) المتورطين في العنف، و(الإخوان المسلمين) المعارضين للعنف. وقال بنبرة جديدة فاجأت الشباب: (أريد أن أوضح أمراً يتعلق بحزب الإخوان المسلمين في سورية. الإخوان المسلمون في سورية ليسو جميعاً مع القتل بل كثير منهم، القسم الأكبر منهم ضد القتل ويدين القتل.. هؤلاء أيها الشباب، لا خلاف لنا معهم إطلاقاً بل نحن نشجعهم، ولهؤلاء الحق بل وعليهم واجب، أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين).

وميز حافظ الأسد بين (القطاع المحافظ) و(الرجعية)، وانتقد علناً تصرف (مظليات الشبيبة) اللاتي رحن كقطعان الذئاب يخلعن الحجاب عن رؤوس حرائر دمشق في الأسواق والساحات وأماكن التجمع العامة، بأسلوب خسيس وغير أخلاقي، مما أدى إلى حدوث بعض المشاجرات والعراك الذي أسفر في بعض الحالات إلى مقتل بعض الشبيبات، الأمر الذي دفع رفعت الأسد إلى تسيير دوريات من سرايا الدفاع التي يقودها لحماية الشبيبيات وتسهيل مهمتهن.

حافظ الأسد يوجه رسالة سلام

كان من المفترض أن يؤدي تلميح حافظ الأسد في إشارته إلى التمييز بين من يدعون إلى العنف ومن ينبذونه إلى إرساء تعاطٍ مختلف مع الإسلاميين، لا يضعهم في سلة واحدة مع دعاة العنف، وأيضاً إلى تقليص عنف الدولة تجاههم. وهذا يعني أن حافظ الأسد وجد في العنف والعنف المضاد طريقاً لا يؤدي إلى عودة الأمن إلى الشارع السوري، ومن هنا نجد أن الأسد أراد في هذا التمييز توجيه رسالة سلام تتجنب استمرار المجابهة وتعيد تفعيل آليات المصالحة الوطنية.

لقد كان – على ما يبدو – أن مبدأ المصالحة الوطنية ما يزال يشغل مساحة من تفكير الأسد. وقد أكد على هذه الرسالة الأمين العام المساعد للحزب (عبد الله الأحمر) في جلسة حزبية قيادية داخلية في حلب في أيار عام 1980م، فقد طرح فكرة تأسيس حزب محافظ، وضمه إلى الجبهة، أي استيعاب التيار المحافظ في إطار النسق السائد.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com