العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 7/4/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

ما تريده واشنطن وما يطلبه السوريون؟

الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الخميس 4/4/2013

السياسة فن الممكن، ولا تبنى على الحب والبغض، إنما على المصالح. مع ذلك أحس مراقبون أن واشنطن امتعضت من كلام 'معاذ الخطيب' رئيس الائتلاف الوطني الذي أعلن يوم الثلاثاء 26 آذار الماضي أمام قمة الدوحة أنه طلب من وزير الخارجية الأمريكي 'جون كيري' توسيع مدى بطاريات صواريخ باتريوت بحيث تطال شمال سوريا حماية للمدنيين، لافتا إلى أن كيري وعده 'بدراسة الموضوع'. وأضاف 'ما زلنا ننتظر من حلف الناتو قرارا في هذا الشأن'.

ليس هذا هو ما أثار امتعاض واشنطن، فقد اعتذرت عن عدم تلبية طلب 'الخطيب' فورا عندما رد في نفس اليوم المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني بقوله: 'لقد اطلعنا على هذا الطلب. حتى الآن، لا ينوي الحلف الأطلسي التدخل عسكريا في سوريا'. كما دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي 'اندرسن راسموسن' يوم الأربعاء في 27 آذار الماضي، إلى حل سياسي للأزمة السورية.. مستبعداً أي تدخل عسكري من جانب الحلف.

لكن الذي أثار امتعاض واشنطن أن الخطيب علق على مجمل ردود كارني وراسموسن بقوله: 'إن هناك إرادة دولية ترغب في ألا تنتصر الثورة السورية'. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية الـ 'BBC' يوم 28 آذار الماضي: 'إن تصريح الخطيب يأتي رداً على رفض الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الشمال الأطلسي استخدام صواريخ 'باتريوت' في الشمال السوري.

لا نريد مماحكة 'جاي كارني'، لكننا نلفت نظره إلى إن الحلف الأطلسي يتدخل فعليا في سورية عندما ينشر بطاريات باتريوت على الحدود التركية السورية، علما إن تركـــيا غــــير محتاجة لهذه البطاريات لأنها قادرة على الدفاع عن نفسها إذا ما هوجمت من جهة سورية. وإذا كان هناك من هو محتاج لها فهو الشعب السوري الذي تقصفه طائرات بشار أسد وقواعد صواريخ سكود الرابضة فوق جبل قاسيون المطل على دمشق.

الحوارعن بعد الذي جرى بين رئيس الائتلاف معاذ الخطيب وبين المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني، يكشف عن حوارات صامتة، كانت وراء استقالة الخطيب، حيث أرسلت واشنطن طلبات من تحت الطاولة شعر الخطيب أنه لا يستطيع قبولها.

'منذر ماخوس' سفير الائتلاف في فرنسا أوضح لقناة الـ(BBC): 'أنه أبلغ قبل مجيئه للاستديو بأن واشنطن ترفض الحكومة المؤقتة، وترفض الهيئة التنفيذية في الداخل السوري أيضا'. ما يعني أن البديل عند واشنطن هو الحوار بين المعارضة وبين وفد يمثل النظام، كما قال 'كيري': إنه يتطلع إلى جلوس وفد من المعارضة مع وفد من النظام إلى طاولة الحوار. ما يعني ألا نية عند 'أوباما' أن يرى المعارضة في مقعد السلطة في سورية.

واضح أنه لا يمكن الوصول إلى حل وسط بين واشنطن والمعارضة السياسية السورية المتمثلة حاليا بالائتــــلاف، الذي يرفض الحوار مع بشار أسد كما يرفض تشكيل حكومة انتقالية كما تنص عليه وثيقة جنيف، طالما أن بشار أسد في السلطة.

واشنطن تعرف أن الفصائل المقاتلة، كلها بلا استثناء تصدر بياناتها باسم الجيش الحر، لا فرق بين فصيل جهادي وآخر معتدل. وتستطيع واشنطن، لو أرادت، توصيل أسلحة نوعية للفصائل المعتدلة. لكن ما تتذرع به واشنطن يخفي وراءه أمورا ليس من الصعب إدراك مراميها، تتعلق بما تريده إسرائيل من بقاء بشار أسد في السلطة، أو الإتيان بنظام منزوع الأنياب لا يختلف في قليل أو كثير عن نظام حافظ أسد ومن بعده بشار أسد.

لا نذيع سرا إذا قلنا أنه ليس هناك بين الفصائل المقاتلة من هو في أقصى يمين الجهاد ومن هو في أقصى شمال الاعتدال. فالقمع الذي يوقعه بشار أسد بالسوريين، والمذابح التي لا تفرق بين ما هو مقاتل وما هو طفل وما هي امرأة لم تترك معتدلين بين الفصائل المقاتلة، حسب التعريف الأمريكي. واشنطن تعرف هذا، لكنها تحاول أن تلتف على الجيش الحر فتضغط على المعارضة السورية السياسية ممثلة بالائتلاف، للوصول إلى نظام حكم معتدل كهربائيا (لا ينش ولا يهش)، وبذلك تحقق مآرب إسرائيل.

مهما قلنا عن معارضة الخارج -التي يقودها الائتلاف الوطني- واختلافاتها المتشعبة، ورضاها بالطريقة التي تم بها انتخاب رئيس الحكومة المؤقتة، أو رفضها لهذه الطريقة، فلا ينبغي للدول الغربية أن توقف تزويد الجيش الحر - وهو كيان آخر غير المعارضة السياسية- بالسلاح الذي يمنع تحليق طائرات بشار أسد. هذه أول مرة في التاريخ يرفض المجتمع الدولي تقديم الحماية للمدنيين من بطش النظام لأن معارضي النظام على غير وفاق.

وللحقيقة نقول: مهما كانت خلافات المعارضين السوريين فإنهم متفقون على رفض أي حل لا يؤدي إلى رحيل النظام بقضه وقضيضه. بل يعتبرون ما تعرضه واشنطن على الثوار أقل من المقبول، بل لا مكاسب فيه للثوار إطلاقا إذا بقي بشار أسد في السلطة. لأنهم يعتبرون الحوار مع بشار أسد يعني قبولا ببقائه في الحكم لأنه يملك القوة والسلطة.

استطرادا، الذين يظهرون من معارضة الخارج على الفضائيات للحديث عن وجهة نظر الثورة السورية، معظمهم، إن لم نقل كلهم، هم معارضون ليبراليون. وحتى الآن لم يقف واحد من هؤلاء ليقول إننا نقبل بالجلوس مع بشار أسد حول طاولة الحوار، كما يريد 'كيري' و'أوباما'.

يبقى أن نقول: أن على معاذ الخطيب أن يبقى في رئاسة الائتلاف، حتى لا يقال إن واشنطن هي من جاءت بالخطيب إلى رئاسة الائتلاف، وهي من تصرفه. السوريون لا يصدقون هذه الإيحاءات لأن الخطيب جاء بإجماع الائتلاف، وإلا نكون قد سلمنا أن واشنطن هي من صنعت الائتلاف. كما أن عليه أن يستمر في رفض وصاية واشنطن على الثورة السورية مهما مارست من ضغوط، وأن يكون شعاره: 'لا يقطع الرأس إلا من ركبه'!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون أمام قرارات قمة الدوحة...

أكرم البني *

الحياة

الاربعاء 3/4/2013

على رغم تبوؤ الحدث السوري مركز الاهتمام في القمة العربية، كان لافتاً عدم اكتراث غالبية السوريين بها، ربما لأنهم لا ينتظرون منها مردوداً نوعياً يعينهم في محنتهم وقد خبروا تاريخها المثقل بالعجز، وربما لأن أصوات القذائف وصرخات المعذبين تطغى على كل شيء، وربما لإدراكهم بأن ما وصلت إليه أحوالهم بات يتجاوز دور «أمة العرب» وقدراتها، وأصبح رهن توافق دولي له كلمة الفصل في معالجة مأساتهم.

لا يغير هذه الحقيقة ما صدر عن القمة من قرارات حول منح الائتلاف المعارض مقعد سورية وفتح الباب اختيارياً أمام تسليح المعارضة وإنشاء صندوق لإعادة إعمار البلاد.

تحار من أين تبدأ، أمن صخب الإعلام الرسمي وهو يطعن بقمة الدوحة ويشن هجوماً غير مسبوق على البلد المضيف وعلى كل من يقف مع العرب المتآمرين على سورية؟! أم ممن بدأوا يفركون أياديهم فرحاً لنجاحهم في استجرار السلاح وهاجسهم تصعيد الصراع من دون اعتبار لأرواح البشر ومستقبل الدولة ووحدة المجتمع، تحت عنوان الرد على عنف سلطوي لا يعرف الرحمة، وبأن هذا النوع من الأنظمة لا تردعه سوى لغة القوة والعنف المضاد؟!

«السلاح لن يحسم الصراع» يقول البعض في معرض ردهم على المهللين لقرار قمة الدوحة عن تسليح المعارضة، ويضيفون بكلمات مفعمة بالأسى، أن بعض العرب أعطوا أسوأ ما عندهم حين حرروا أنفسهم من المسؤولية السياسية وتركوا الميدان لمنطق الحرب، ما يشوه وجه ثورة الحرية والكرامة ويغذي البعد الأكثر ظلاماً من الصراع، ويجر البلاد صوب اقتتال أهلي مديد ومدمر، أو صوب تقسيم تفرضه التخندقات والخرائط التي ترسمها لغة السلاح على الأرض.

وفي سياق مختلف لا يجد البعض الآخر أن ثمة حاجة فعلية لعزل النظام ونزع الشرعية عنه، في معرض نقدهم للهاث المعارضة وراء مقعدَي سورية في القمتين العربية والإسلامية أو لصرفها جهوداً خاصة من أجل إزاحة ممثلي النظام من الهيئات الأممية. فمشروعية مطالب الحراك الشعبي ورعونة النظام أطاحتا شرعيته منذ زمن بعيد. ويســـتدرك هؤلاء قائلين إن الطريق الناجـــعة لنزع ورقة التوت الأخيرة عن النظام وتمكين الثورة، هي العمل على تصويب ما يكتـــنف مــسارها من مثالب وأخطاء والأهم إعادة الاعتــبار لبعدها الشعبي والمدني وتعزيز فرصتها في كسب فئات المجتمع المترددة وتجنيب البلاد الفوضى، ومتسائلين عن الفائدة من انتزاع المقعد السوري في القمة العربية، هل أنهى ذلك الفتك والتنكيل ووفر حماية المدنيين؟! ثم عن الجدوى من إنشاء صندوق لإعادة إعمار البلاد قبل تغيير السلطة وبدء المرحلة الانتقالية، هل أوقف ذلك التدهور المريع في أوضاع السوريين وشروط حياتهم؟!

الفشل السياسي في امتحان التعريب هو نتيجة لخصوصية الصراع السوري وارتباطاته الإقليمية والدولية، لكن هذا لا يعفي العرب من مسؤوليتهم في الإصرار، قبل أي شيء، على حفز المعالجة السياسية عند أصحاب الحل والربط وتشديد الضغط للحصول على قرار أممي في هذا الشأن. ويسأل سائل أين دور القمة العربية من طرح مبادرة سياسية تحرج العالم وتضعه أمام مسؤولياته من جديد، ولماذا مثلاً، لم تطالب القمة بقوات عربية أو دولية توقف العنف وتفصل بين المتحاربين وتوفر أجواء لإعادة بناء ما تهدم وتخفيف معاناة الناس، بينما تسمع رداً على بعض المعترضين، بأن اليوم ليس الأمس، وأن فشل المبادرات السابقة سببه إصرار النظام على الخيار الحربي وثقته بجدواه، لكن بعد السقوط المدوي لهذا الخيار وفشله في الحفاظ على مواقع السلطة، واستنزافه دعم حلفائها ومساندتهم، لا بد أن تحظى أية مبادرة بحظ أوفر من الحياة وتساهم على الأقل في محاصرة دعاة السحق والعنف وتفكيكهم وربما تبلور قوى من داخل السلطة لها مصلحة في التعاطي مع المعالجة السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

والحال، لا يخلو المشهد السوري من آراء لا تزال تنظر بإيجابية إلى دور عربي في التعاطي مع محنتهم، ويستند هؤلاء إلى بعض الإشارات والمعطيات عن تنامي الرغبة لدى النظام العربي في كسر الاستنقاع الدموي القائم، تفادياً لآثاره التي بدأت تنعكس في مختلف الأوساط الســياسية والشعبية، وتحسباً من أن تفضي تداعياته إلى أخطار على أمن الدول الأعضاء ومصالحها، ودليلهم التصاعد المتواتر في مواقف أهم الأنظمة العربية من الشأن السوري، لم تقف عند رفض الروايات الرسمية عن المؤامرة والعصابات المسلحة، واتخاذ حزمة من العقوبات الاقتصادية ضد النظام السوري وتعليق عضويته في الجامعة العربية وقطع العلاقات الديبلوماسية معه، بل تعدت ذلك إلى نقل الملف السوري إلى مجلس الأمن، واللجوء، بعد عجز هذا الأخير، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرار يدين العنف السلطوي، ويدعم محاسبة المرتكبين في لجان حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية.

وفي المقابل ثمة من يجاهر بأن غالبية الدول العربية لا تهمها معاناة السوريين وتتحسب من انتصار ثورتهم، مشككاً في صدق نياتها وفي ما تدعيه عن قطع نهائي مع النظام الحاكم، ودليلهم ما حل بالوعود الشهيرة التي حملتها القمم السابقة ومجالس الجامعة واجتماعات وزراء الخارجية العرب، وكذلك ميوعة مواقفها في التعاطي مع ما يكابده السوريون خلال عامين من عمر ثورتهم، بما في ذلك تكرار منح المهل بذرائع شتى أوضحها الطمع في كسب موافقة النظام للحفاظ على وحدة البلاد والدولة.

وفي كل الأحوال وحتى إن نأت قرارات قمة الدوحة عن تفعيل الدور السياسي العربي وتمكينه، وتهربت من تقديم مبادرة جديدة ورفدها بخطة وآليات، فإن السوريين يدركون أن ما تقدمه ثورتهم من الضحايا والجرحى والمعتقلين والمشردين، كفيل بتعزيز التعاطف الإنساني والأخلاقي معهم، وبالضغط على السياسات الدولية وحضّها للتلاقي على رفض استمرار ما يحصل والبحث عن مخرج يزيح هذا الكابوس عن كواهلهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلمات عن رياض الأسعد!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 3/4/2013

لا بد أن أبدأ هذه المقالة باعتراف هو أنني كنت أعتبر العقيد رياض الأسعد حجر عثرة في وجه تطور الجيش الحر ووحدته، وأعتقد أنه يرى الأمور من خلال ذاتية متورمة، ويريد البقاء بأي ثمن على رأس هرم عسكري لا يملك المؤهلات اللازمة لاحتلاله، ولا يستحق أن يكون في قمته. صحيح أنني لم أخبر أحدا بما كنت أفكر فيه حول العقيد الأسعد، لكنني كنت كلما ذكر اسمه أستعيد هذه الأفكار، وأستهجن في نفسي المواقف التي يتخذها، كما كنت أعتقد أنه ألعوبة بيد مخابرات دول خارجية: إقليمية وعربية، وصنيعة متدخلين في الشأن السوري، يسوغ التعاطي معهم بحجة إقامة توازن ما بينهم، ضروري لاستمرار جيشه.

كان يقال لي إن محاولات كثيرة تمت لانتزاع الجيش من العقيد، لكنها فشلت جميعها بسبب قدرته على المناورة، وما له من اختراقات في الجيش الحر. وعلى الجملة، كانت نظرتي إلى الرجل سلبية تماما، وكنت أعتبره رمز فساد للطبقة العسكرية، يوازي ما تتسم به الطبقة السياسية الممسكة بالمجلس الوطني والائتلاف من فساد.

ثم فجأة، تمت إعادة هيكلة قوات مقاتلة من داخل الجيش الحر وخارجه، أزاحت العقيد الأسعد عن قيادة هذا الجيش و«ركنته» جانبا، دون أن تعطيه أي دور من أي نوع كان، غير أن يكون خارج الجيش المعاد هيكلته. ماذا كان رد فعل الرجل الذي أظهر حقيقة معدنه؟

- كذب فكرة شاعت عن موقفه كشخص يرى كل شيء من خلال موقعه على رأس الجيش الحر. بعد اتخاذ قرار إبعاده، لم يدخل في صراع مع أي أحد، ولم يدل بأي تصريح ضد أحد، ولم يعمل لتشكيل كتلة يستعيد بمعونتها مكانته الضائعة، ولم يتصل بالسياسيين والعسكريين شاكيا أمره ونادبا حظه، ولم يجر الجيش إلى صراعات جانبية. غيبوه فقبل الغياب عن القمة واستعاض عن موقعه الرفيع بالنزول إلى الأرض والميدان، حيث برز كرجل وطني ذي كبرياء يغلب المصلحة العامة على مصالحه الخاصة والشخصية، تحقيقا لمبدأ شرعي يقول بضرورة تجنب الضرر حين لا يمكن جلب المنفعة. نزل الرجل إلى الأرض وشرع يقاتل كأي جندي مجهول لا اسم له في سبيل القضية التي يؤمن بها، رغم تنكر كثيرين من الذين كانوا تحت إمرته أو أصحابه له، وسيرهم في قافلة المتهيكلين خارجيا. هكذا، صرنا نسمع من حين لآخر أخباره المتقطعة، ونعلم أنه كان مرة في ريف إدلب، وأخرى في حلب، وثالثة في ريف حماه أو داخل المدينة نفسها، وأنه وهب نفسه للعمل الميداني المباشر، المفعم بنكران الذات، بعد أن انتزعت منه القدرة على العمل القيادي. وفي النهاية، علمنا بتعرضه لعملية اغتيال تؤكد أن النظام الأسدي ظل مصرا على التخلص منه، حتى بعد أن تحول إلى جندي مقاتل في جيش المقاومة.

- يبدو أن الرجل لم يكن في نظرته إلى نفسه كجندي مجهول أقل مكانة منه كقائد للجيش الحر وكرمز له. لقد أدار ظهره للمنصب وانغمس في دور وطني أراد صنعه مع مئات آلاف الرجال المجهولين، الذين لا يعلنون عن أسمائهم، وتؤكد أفعالهم أنهم صناع وطننا الجديد. كان العقيد رياض الأسعد يعرف أن صناعة الوطن أفعال، فانصرف إلى صناعته مع مواطنين يضحون بكل شيء في سبيله، ولأنهم لا يملكون الكثير، فإنهم يضحون بأغلى ما يملكه البشر: حياتهم. تمسك العقيد بدفع هذا الثمن، فنزل إلى الميدان بدل أن ينسحب من «الحياة العامة»، راغبا في دفع ثمن يدفعه كثيرون غيره، ليس من أجل إقناعنا بما يختلف عما كنا نظنه عنه، بل ليرينا من خلال أفعاله أن الوطنية تلزمه أن لا يضن بحياته من أجل حرية هي له ولغيره، وأن لا يقر بوجود حد يصعب تخطيه بين وجوده كفرد ووجود وطنه وشعبه، ويجعل من تنقله بين أمكنة القتال المتنوعة سبيله إلى الشهادة، وتعبيره الخاص عن استعداده لها في أي وقت وأي مكان، بصمت وسرية ودون ضجيج. كان يقال لنا إنه رجل همه الشهرة، فإذا به يعرف كيف يعيش في النسيان، ويجد له موقعا فيه مع طالبي الشهادة، غايته وغاية كل رجل حر يكره الطغيان، يعرف أنه إن خرج من الحياة بقي خالدا في ذاكرة شعبه، مع أنه لا يكترث بالخلود أو يجعله مطلبه وغايته.

كذبتنا أفعال العقيد رياض الأسعد، التي أثبتت أنه من زمن الحرية، الذي ينتمي إليه ويضع يده في يد سواه من أبناء الشعب ليجعلوا منه زمنا وطنيا، سيكون لكل سوري فيه نصيب، على الضد من مقاتلي المكاسب، الذين يتاجرون بالوطن والشعب، ويعيشون على الأنانية والانتهازية والكذب، ويجهلون قيم الوطنية ويضحون بالسوريين، الذين يحولون موتهم إلى استثمار شخصي يعزز مكانتهم في فنادق وفيللات العواصم التي تديرهم، بعد أن باعوها ضمائرهم وتحولوا إلى عبء على وطنهم الذي لن ينقذه شيء غير ما كان يفعله رياض الأسعد: النزول إلى الشعب والغرق بصمت وتواضع فيه، ومقاسمته مصيره، والانتماء القاطع والنهائي إليه، وتبني خياره الذي لا لبس ولا فذلكة فيه: الموت أو الحرية.

فقد العقيد الأسعد ساقه، التي وضعته في القمة من صفوف الأحرار، وجعلت منه، مع أنه بساق واحدة، رمزا لن يسبقه أحد إلى احتلال أغلى موقع يمكن أن يسكن مناضل وإنسان فيه: ضمير شعبه، الذي سيرى فيه من الآن فصاعدا قدوة يتمنى أن يكون محبا لوطنه مثلها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا... إلى أين؟

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء:2 -نيسان -2013

جاءت انتفاضة الشباب قبل سنتين لتشكّل علامة في التاريخ السوري، وبعد مرور أول انكسار سياسي استراتيجي في سوريا مع انهيار المجتمع السياسي وسحْب السياسة من هذا الأخير. وكان ذلك قد ترافق مع تأسيس الوحدة «الاندماجية» بين مصر وسوريا، ذلك أن هذه الوحدة ذات الطابع «الاندماجي الشمولي»، كانت قد تأُسست، بعد إسقاط السياسة، ومن ثم الديموقراطية بمكوّناتها الحاسمة بدءاً بالتعددية السياسية، وانتهاءً بمبادئ التداول السلمي للسلطة، واستقلال القضاء، والمسائلة القانونية، وحق المواطنة في مجتمع وطني مدني. لقد سقطت دولة الوحدة الاندماجية، لأن ما كان عليه أن يعزز الوحدة بين القطرين، وهو الديموقراطية، جرى إسقاطه بعملية انفصال ذينك القطرين الواحد منهما عن الآخر. في سياق ذلك تأسست «الدولة الأمنية» بشعارها الحاسم والقائل بضرورة «إفساد من لم يُفسد بعد، بحيث يصبح الجميع مُفسدين وفاسدين، تحت الطلب».

كانت السنون الثلاث وأربعون المنصرمة كافية عمقاً وسطحاً لتدمير المجتمع السوري، بكل طبقاته وفئاته ورموزه، ما يعني أن الانتفاضة التي اندلعت قبل سنتين، حملت خصوصية واضحة، وهي إنها لم تقم على حالة عمومية ممثلة بالمضطهِدين والمضطهَدين، كما لاحظناها في ثورات عديدة سابقة، مثل الفرنسية والإنجليزية والروسية البلشفية. من هذه اللوحة المجتمعية شبه الشاملة، تحدّر شباب الانتفاضة، فكانوا منتمين إلى الطبقات الاجتماعية السورية كلها.

علينا الآن وبعد تلك المداخل التاريخية والسياسية والأيديولوجية، أن نأخذ بعين الاعتبار كون النظام الأمني الناجم عن ذلك الكم الهائل من عناصر الفساد والإفساد والاستبداد، أغلق المجتمع السوري بقبضته الأمنية، واصلاً بذلك إلى نتيجتين اثنتين، راح يعممهما في أوساط الناس، خصوصاً الشباب. أما النتيجة الأولى فتتمثل في القول بما أخذه، ضمناً، من فوكوياما ومن سبقه، وهو «انتهاء المجتمع السوري» إلى ما انتهى إليه في ظل الأحكام العرفية الأبدية والدولة الأمنية وغيرهما؛ أي بقاء المجتمع المذكور أبدياً على ما هو عليه: مطلقاً أبدياً، بحيثياته كلها، وعلى رأسها «حكم أبدي للمرجعية الأسدية» ومن ثم، من يحاول الخروج على ذلك أي على التاريخ الأسدي، فإنه يلقى، لا محالة، عقاباً واحداً وحيداً الإفناء والتدمير والإقصاء والسجن الأبدي. أما النتيجة الثانية فتقوم على التأسيس لمجتمع سوري أسدي بإطلاق، بما في ذلك التأسيس للمدرسة بعد الروضة، والجامعة، والوظيفة، وأخيراً للأسرة وما يبقى متناثراً هنا وهناك.

وسنلاحظ أن منظومة القيم الأخلاقية والمنظومات الأخرى، التي تضبط السوريين تأتي بعد أن تُصاغ وتُنتج، كي تصبح ناظماً قسرياً لهؤلاء جميعاً وفي كل مجالاتهم وآفاقهم. وحين تشتعل انتفاضة الشباب السوريين، نضع يدنا على مبدأ نظري سياسي يتمثل في التأسيس لخطاب سياسي ينطلق من انتفاضة الشباب، ليعود إليها أكثر عمقاً ودقةً وصوابية. فالثورة ليست حالاً بيضاء دون أخطاء ومزالق وتسير من ثمَّ على طريقها دون توقف نقدي، بل نكاد نقول كذلك إن هذه المسيرة يمكن أن تقع في كثير من الإشكاليات والمعضلات والقصور النظري والسياسي مما يجعل من يقوم على هذا العمل أن ينطلق بالضرورة من كون الثورة مشروعاً مفتوحاً ومنطلقاً من جدلية الفعل النظري السياسي وفي ضوء العلوم السياسية والاجتماعية. أما ذلك فيأتي على نحو يتوافق مع المنهج النظري التجريبي، مشروع الخطأ والصواب، بحيث يقود إلى تشكل خطاب سياسي كلُّ مسوّغاته موجودة في راهننا السوري والعربي والدولي.

وننهي ذلك بالتأكيد على ضرورة الاهتمام بالعمل الثقافي في وسط ما تأسس ضمن مشروع الثورة راهناً بحيث قد يقود ذلك إلى تأسيس منتدى ثقافي يقف على رأسه مثقفون من كل أطراف الشعب دون أن يبقى محصوراً في ثلّة من المثقفين والباحثين المحترفين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجيولوجيا التي تعصف بالأوطان العربيّة

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء:2 -نيسان -2013

ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيليّة، قبل يومين، أنّ المئات من الجنود الدروز في الجيش الإسرائيليّ عبّروا عن استعدادهم للذهاب إلى سوريّة والمشاركة في القتال الدائر هناك من أجل «حماية» أشقّائهم الدروز الذين تعرّضوا لهجمات من جانب تنظيم «جبهة الأنصار» (النصرة، على الأرجح) في قرية الحضر الدرزيّة.

ونقلت الصحيفة عن الزعيم الروحيّ للطائفة الدرزيّة في إسرائيل الشيخ موفّق طريف قوله: «تلقّينا مئات الاتّصالات الهاتفيّة من شبّان أعلنوا أنّهم على استعداد لأن يفعلوا كلّ شيء من أجل الدفاع عن أشقّائهم في سوريّة».

هذا خبر حريّ بأن يُحدث هزّة عميقة في الوعي بدل أن يدفع إلى توزيع الشتائم والإدانات هنا وهناك. يحصل ذلك على مقربة من تنادي مسيحيّي لبنان إلى الاهتمام بأوضاع مسيحيّي سوريّة والعراق ومصر، كائناً ما كان المضمون المعطى لهذا الاهتمام. وإذا كانت الثورات العربيّة في عمومها تكتسب لوناً سنّيّاً لم يعد من سبيل إلى إخفائه أو التكتّم عليه، فإنّ شيعيّة سياسيّة ناشئة، تمتدّ من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريّة والعراق والبحرين، تملي على أصحابها موقفاً واحداً متجانساً. ولئن تفرّعت القضيّة الكرديّة إلى قضايا عددُها عدد الأوطان التي يقيم فيها الأكراد، فهذا لا يلغي وجود رابط كرديّ قابل للاستيقاظ أمام أيّة نكسة تطال وضع الأكراد في بلد من بلدان إقامتهم.

صحيحٌ أنّ اللون الطائفيّ أو الإثنيّ الذي يسم تلك الحالات العريضة لا يختصرها فيه، ولا يحرمها ما قد يكون محقّاً فيها. لكنّ الصحيح أيضاً أنّنا نشهد ازدهاراً غير مسبوق في الروابط العابرة للأوطان والدول، والتي تتعامل مع نفسها على أنّها أوطان ظلّ قابلة في أيّة لحظة لأن تغدو أوطاناً بديلة وقضايا بديلة. وليس بلا دلالة أن تقدّم صحيفة إسرائيليّة ذاك الخبر الدرزيّ في اليوم نفسه الذي نقلت فيه إذاعة الجيش الاسرائيليّ عن المصادر الأمنيّة في تلّ أبيب قولها: لا تهديد علينا خلال الـ 20 السنة المقبلة، لأنّ «تقسيم سورية إلى ثلاث دويلات أصبح واقعاً».

وبحسب الإذاعة نفسها، فإنّ التقييم الاستخباريّ الإسرائيليّ يؤكّد إنشاء كانتونات كرديّة ودرزيّة وعلويّة وسنيّة في سوريّة، في ظلّ تناقص المساحة التي يسيطر عليها النظام في المناطق السنيّة ومناطق الأقليّات الأخرى.

ومرّة أخرى، فإنّ القصد ليس توزيع التهم والشتائم، ولا التدليل على مؤامرات تحاك ضدّنا في الظلام. إنّه التنبّه إلى تطوّر كبير يشقّ طريقه في حياتنا وتحت أبصارنا، تطوّرٍ يُستحسن بنا أن نفهمه، ونفهم مصادره في انهيار منظومة الدول – الأمم التي أقمناها، من أجل أن نجيد التعامل معه اليوم وغداً.

وإجادة التعامل تستدعي، قبل أيّ شيء آخر، التخلّي عن العدّة النظريّة والفكريّة التي لا نزال نستخدمها، والتي تقوم على فرضيّات – ثوابت تبيّن أنّها ليست ثوابت على الإطلاق: من فكرة التوحّد، أكان ضمن البلد الواحد أم على نطاق عربيّ أو إسلاميّ، إلى فكرة القضيّة الجامعة بين «العرب». وهذا ناهيك عن أطنان الورق الذي حبّرته أيدينا عن «الحداثة والأصالة» وما شابههما.

فالواقع اليوم، في بلدان المشرق خصوصاً والعالم العربيّ عموماً، يتعرّض لهزّة جيولوجيّة تعصف بالبشر فيما هي تطيح المعاني الدارجة والمألوفة. أمّا أدوات فهمها فشيء آخر!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية وسلّم الأولويات

حسين العودات

البيان

1-4-2013

يبدو أن الائتلاف الوطني السوري ومعظم المعارضة السورية عامة، فقدت الأولويات والتبس عليها أمرها، وفي أحيان عديدة قلبتها، ولم تعد تفرق بدقة بين الرئيسي والثانوي، مما أوقعها في سلسلة من الأخطاء أخذت تتراكم مثل كرة الثلج.

استعجل الائتلاف الوطني السوري إقرار تشكيل حكومة مؤقتة، وذلك بهدف الحصول على مقعد سوريا لدى الجامعة العربية، وربما لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، واعتبر الائتلاف أن هذا الأمر يقع على رأس الأولويات، وأنه مهمة عاجلة ينبغي الإسراع بإنجازها. ولتحقيق ذلك اجتمعت هيئة الائتلاف المكونة من خمسين عضواً في إسطنبول لاختيار رئيس للحكومة المؤقتة.

ولم تأخذ هذه الهيئة في اعتبارها الآراء المتنوعة بين تياراتها تجاه هذا الموضوع، واضطرها الاستعجال إلى اختيار رئيس الحكومة في اجتماع طارئ بعد منتصف الليل، ولم يقبل أنصار هذا الرأي الانتظار حتى صباح اليوم التالي، كما رفضوا أن تجري هيئة الائتلاف مقابلة مع المرشحين لرئاسة الحكومة ومحاورتهم، خاصة وأن عدداً كبيراً من أعضائها لا يعرفون بعض المرشحين..

وهكذا اختير رئيس للحكومة على عجل ودون وفاق، وبحجة أن الأكثرية انتخبته، مع أن الهيئة بكامل أعضائها غير منتخبة أساساً، بل جاءت بالوفاق وعليه ينبغي عليها أن تتخذ قراراتها الأساسية بالوفاق أيضاً وليس بالتصويت. وقد أدى هذا التصرف إلى انسحاب عدد من أعضاء الهيئة من الاجتماع، رافضين عملية الاختيار برمتها، كما عبر البعض الآخر عن عدم قناعتهم بضرورة تشكيل حكومة مؤقتة، وأن الأمر كله سابق لأوانه.

إن دراسة الواقع القائم في سوريا، تؤكد أن أولويات المعارضة السورية ينبغي أن تكون مختلفة عن تشكيل حكومة مؤقتة، حيث يقع على رأس هذه الأولويات العمل على تحقيق وحدة المعارضة السياسية السورية في الداخل والخارج، ووحدة المعارضة العسكرية ذات الفصائل المتعددة والمتنوعة والمتناقضة أحياناً.

واتفاق الجميع على هيئة قيادية مهما كانت صيغتها، وتكليفها بإدارة العمليات السياسية والعسكرية في سوريا، وتحقيق نقل القرار المتعلق بالأزمة السورية إلى يد المعارضة، وإلى داخل الحدود، والاتفاق على أهداف واضحة ومفصلة للثورة السورية، وعلى برنامج عمل مفصل أيضاً، من شأنه أن ينظم عمل المعارضة وحراكها.

وإذا ما تحققت هذه الأولويات فستكون المعارضة قادرة (بعد سقوط النظام)، على إدارة الدولة والمجتمع ولملمة التشرذم المسلح، وتفكك الدولة القائم حالياً أو الذي يمكن أن يقوم بعد سقوط النظام. أما تشكيل حكومة مؤقتة واحتلال مقعد سوريا في الجامعة العربية أو منظمات الأمم المتحدة، فهو أمر معنوي ورمزي ولا يساعد كثيراً في تحقيق الأهداف، ولا يقع على رأس الأولويات.

قيل إن من أسباب قلب الأولويات هذا استعجال بعض الأطراف الداعمة للائتلاف الوطني السوري والممولة له (عربية وأجنبية)، تشكيل الحكومة، لتجد مبررات قانونية وشرعية تؤهلها لتقديم مزيد من المساعدات المالية والتسليحية، انطلاقاً من أن الحكومة المؤقتة هي الحكومة الشرعية السورية.

وبذلك تنأى هذه الأطراف بنفسها عن النقد تجاه تدخلها في الشؤون السورية.. كما قيل إن تياراً بعينه داخل الائتلاف استعجل اختيار رئيس الحكومة (وسلق الأمر سلقاً)، تحقيقاً لرغبته في إقصاء الآخرين والاستئثار بالائتلاف كله، خاصة وأن تشكيل الائتلاف الوطني السوري روعي فيه أن يكون أنصار هذا التيار هم الأكثرية تحسباً لمثل هذه الحالات.

أدى هذا الاختيار إلى انسحاب عدد من أعضاء الائتلاف، هم في الواقع فاعلون داخل المجتمع السوري أكثر من غيرهم، كما كان سبباً (من جملة أسباب أخرى) في استقالة رئيس الائتلاف، ورفض رئيس الهيئة العسكرية للجيش الحر هذه النتائج، وربما رفضها أيضاً من التنسيقيات وقادة الانتفاضة والمعارضة الداخلية وغيرهم، وبالتالي حصلت بلبلة وسوء ثقة بين الأطراف المتعددة وأُضعفت المعارضة عموماً.

إن عدم تحقيق وحدة المعارضة ووضع أهدافها وبرامجها بالتفصيل، واتفاق أطرافها على أساليب النضال، هو الخطأ الرئيس الذي وقعت فيه المعارضة السورية منذ تشكيل مؤسساتها وهيئاتها، وهكذا أخذ كل فريق فيها يعمل منذ بدء الثورة منفصلاً عن الآخر، وظن بعض الفرقاء أنه وحده يمثل الشعب السوري، وأراد أن يستأثر بقيادة المعارضة دون أطرافها الأخرى، فوقعت المعارضة في المحظور.

وهو ضياع الأولويات والاختلاف على الرئيسي والثانوي، والتناقض بين أطرافها وتفجر اختلافاتها، وخاصة حول التعاون مع الآخر خارج سوريا، أو قبول التدخل العسكري الأجنبي أو التمويل الأجنبي، إلى غير ذلك من الخلافات التي تراكمت وكبر حجمها مثل كرة الثلج، مما أفقد المعارضة جزئياً احترام شعبها واحترام الدول الأخرى، خاصة .

وأنها استسهلت أموراً كبيرة؛ كالسعي للتحالفات مع الآخر، وإهمال التنسيق بين قواها، وبيع الجماهير الشعبية الوهم بسقوط النظام خلال فترة وجيزة، ورفض أي حوار إلا بعد سقوطه، وبالتالي رفع مستوى المطالب بما جعلها أحياناً غير واقعية.

من الأهم بالنسبة للثورات عادة تحديد الأهداف بدقة، وتحديد التحالفات الداخلية والخارجية اللازمة لتحقيقها، ووضع برامج مرحلية لتحقيق الأهداف، وهذا ما لم تفعله المعارضة السورية، فكانت غير واضحة الأهداف، باستثناء هدف عام هو إسقاط النظام، دون تحديد كيف ومتى والطريق الموصلة إليه.. كما لم تحترم ما تتطلبه الثورات عادة من تنسيق ووحدة وطنية وتكتيك مرن، وتقييم جدي وواقعي لقوى الخصم وأهدافه ومراميه وأساليب عمله.

ولذلك وقعت في خطأ عدم إدراك الرئيسي من الثانوي، وخلطت الأوراق سواء المتعلق منها بالأهداف أم المتعلق بالوسائل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في أزمة المعارضة السورية

ميشيل كيلو

السفير

30-3-2013

سياسات التيار المذهبي المدعوم خليجياً تأخذ سوريا إلى طريق مسدود يزداد  انغلاقاً، ما يهدد المستقبل بفراغ قاتل محمّل بشتى أنواع المخاطر. لقد بلغ  البطر بهذا التيار أن فرض على السوريين رجلا اختير بطريقة غير توافقية،  وبأسلوب احتيالي يتقنه أرباب التنظيمات المذهبية.

عند بداية الثورة، كانت الأزمة العامة سمة النظام، الذي فشل في معالجتها بالعنف وما اصطنعه من حلول كاذبة واحتيالية لها، لكنه نجح كما يبدو بوضوح في نقل أجزاء منها إلى المعارضة، مستغلاً طرفين برزا بالتدريج خلال الحراك، هما: العرب المتنافسون والمتصارعون على الغنيمة السورية من جهة، وبعض الجماعات المذهبية، العصبوية، الايديولوجية العقل والإقصائية النهج من جهة أخرى، التي غابت طيلة عقود عن سوريا تهمشت تماماً خلالها، ولم تتمكّن من ممارسة أي دور من أي نوع كان، وإقامة أي نوع مهما كان محدوداً من الحضور في الداخل السوري، لكنها تسللت إليه من خلال حقنها فيه من الخارج، بمعونة أجهزة مخابرات إقليمية تولت تنظيمها وتجنيد محازبين لها، ومدها بالأموال التي انهالت عليها كالمطر، ووضعت في خدمتها فضائيات نافذة ضخّمت وجودها وأبرزته بما لا يتناسب إطلاقاً مع حجمها في الثورة والوطن.

بدأت الأزمة من سيطرة عرب تنافسوا على القرار السوري باسم دعم الثورة، التي كانت تتعرض لعنف سلطوي ساحق دمر مدن سوريا وقراها، ووضع السوريين أمام إكراه السلاح والمال: للدفاع عن أنفسهم وتمويل التنظيمات المذهبية المغلقة، وتقديم بعض العون لمن هجروا من بيوتهم وهاموا على وجوههم في البلدان المجاورة أو داخل وطنهم، وتعززت من خلال سيطرة تيار مذهبي بعينه على ما سُمّي المجلس الوطني السوري، الذي شكّل بإشراف وضغوط خارجية وداخلية ليكون جهة رسمية مقابلة للنظام تمثل الشعب الثائر في الداخل، قيل في جلسة الإعلان عن تشكيلها والمؤتمر الصحافي الذي عقد لشرح سياساتها والإعلان عن وجودها: إنها المعارضة السورية والمعبر عن الثورة.

أمسكت الدول بالثورة من فوق، وأمسكت الفئة العصبوية بها من داخل المجلس وبأدواته، عبر ترتيبات اتخذها أعضاؤها فيما بينهم جعلت منها تنظيمات تظاهرت بعدم وجود صلة بينها، حصل لكل منها على عشرين صوتاً في المجلس، مع أنها كانت في الواقع تنظيماً واحداً تتكامل أنشطته وسياساته، كما لاحظ كل من كانوا في المجلس وتركوه فيما بعد لهذا السبب بالذات، بينما بقيت التنظيمات الأخرى متفرقة وهشة العلاقات، وتمكن المذهبيون من اختراقها بالألاعيب السياسية والتنظيمية والمال السياسي والضغط الحزبي، وباحتكار مواقع على الأرض استخدمت ضد الآخرين، في إطار سياسة هدفها الرئيس إيصال هؤلاء إلى السلطة بأي ثمن وبواسطة أية وسيلة مهما كانت، مع ما ترتب على ذلك من تشويه طابع المعركة الوطنية ضد النظام، ومن تحوّلها إلى معركة تكرر خلالها حديث يشبه ما كان يقال في ثمانينيات القرن الماضي، نزع الصفة الثورية عنها، وقلبها إلى صراع بين حزب حاكم وحزب يريد الحلول محله، تطلبت تطلعاته ورهاناته إقصاء غيره من قوى المعارضة عن مواقع القوة والقرار، واختراقه والتلاعب به، كما حدث عند تشكيل «المجلس الوطني» وبعده، الذي أقر الاستاذ صدر الدين البيانوني في حديث مع عناصر من الجماعة أن هذه استخدمت مرحلياً بعض من لا يتفقون معها في الرؤية والنهج، لاعتقادها أن وجودهم في المجلس يفيدها في علاقاتها مع الغرب، وعندما وطدت اقدامها تخلت عنهم أو اسقطتهم وأتت بغيرهم وهكذا دواليك، إلى أن بلغ بها اللعب حداً جعلها تعين بأصواتها رئيساً على المجلس لم ينل غير سبعة اصوات من كتلته داخله، وسقط بالتالي في انتخابات المكتب التنفيذي. بهذه السياسة، التي تتجاهل استحالة إسقاط النظام بقوة حزب أو تكتل بمفرده، واستحالة وصول أي حزب منفرداً إلى السلطة، لأن ذلك قد يفضي الى فوضى وحرب أهلية، خرجت المعارضة من فشل ودخلت في آخر، وفقد المجلس صفته الوطنية وانقلب إلى مكان للمكائد والإقصاء، وعجزت مكوناته عن بلورة وتطوير خط سياسي يترسم ممكنات التطور الثوري واحتمالاته، واتباع تكتيك يأخذ بعين الاعتبار استعمال الورقة السياسية بفاعلية، ويرفض إغلاق أبواب العمل السلمي وآفاقه التي من شأنها تجنيد قطاعات شعبية واسعة وراء الثورة وتشجيعها على النزول إلى الشارع للانضمام الى الثورة، وتعينها على انتاج نمط شعبي وديموقراطي من الوحدة الوطنية تحمله الحرية، يحافظ على وحدة الدولة والمجتمع ويتكفل بقلب موازين القوى لمصلحة الحراك الثوري. بهذا الإفقار للثورة وبتحويلها من نضال شعبي في سبيل الحرية إلى اقتتال مذهبي الخلفيات والمضامين، عنيف ومسلح، التقى في منتصف الطريق مع سياسات النظام، فأطال عمره وهدد حياة ملايين السوريين ووجودهم، ودمر اللحمة الوطنية ووحدة البلاد، دولة ومجتمعا، وبدّل طبيعة الثورة وجعلها عاجزة عن الذهاب إلى الديموقراطية بعد إسقاط النظام، وأكرهها على الدخول في طور أزمة دائمة، ستكون الفوضى نتيجته المباشرة، التي يراهن عليها بعض العالم الخليجي وإسرائيل واميركا.

بهذه السياسات المدمرة، حقق التيار المذهبي السيطرة على المجلس الوطني وحشر الثورة في ازمات ارادتها بعض دول الخليج، الرافض للبديل الديموقراطي والخائف من احتمالاته السورية، ثم فاقم هذه الازمات عبر تشكيل الائتلاف، الذي تبين أنه ما كنا نخشاه ونحذر منه: إعادة هيكلة للمجلس الفاشل، الذي بدا عجزه واضحاً عن إصلاح نفسه، فقد اعطيت الكتلة العصبوية التي هيمنت عليه 40 % من اعضاء التنظيم الجديد، الذي ما لبث ان تحول الى مكان اضافي تمسك به وتعزز من خلاله خطها التخريبي. لذلك، شكل الائتلاف منعطفاً حقيقياً في أوضاع المعارضة، فقد سلم بغلبة التيار المذهبي على التيار الديموقراطي في تمثيل المعارضة، رغم أنه لا يملك غلبة على الأرض بل هو التيار الأضعف شعبياً ووطنياً. إلى هذا، تسببت طريقة تأسيسه في إسقاط الموانع والاعتبارات التي كانت تحول دون تدخل خارجي مفتوح في الشؤون السورية، وفي حصول التيار المذهبي على نسبة من العضوية أكبر من التي كانت له في المجلس، كما في تهميش التكتل الديموقراطي، الامر الذي ساعد الخارج على تهميش الائتلاف ومصادرة قراره، وهو ما تأكد من خلال دعوة قطر والسعودية إلى إعادة هيكلة وحدات كثيرة من «الجيش الحر» من دون أن تتم دعوته للحضور، شأن سفراء الدول وضباط المخابرات الأجانب، مع أنها كانت قد اعترفت به ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري، ومرجعية سياسية للجيش، الذي اخترقته وجعلت قسماً كبيراً من انشطته رهن تفاهماتها وصراعاتها، فكانت خطوتها دليلا إضافيا على أن التهميش والتبعية هما مصير معارضة، تراجع دور التيار الديموقراطي فيها وساد المذهبيون عليها ومادوا، إلى أن بلغ البطر بهم حداً جعلهم يفرضون على السوريين رجلاً اختير بطريقة غير توافقية، وبطرق احتيالية يتقنها ارباب التنظيمات المذهبية، مثلت تسميته مرحلة جديدة في تهافت المعارضة وخروج التيار الممسك بقراراتها على أية معايير وطنية وخيارات جامعة، رغم ما قدّمه التيار الديموقراطي له من عروض حوارية تستهدف بلورة تفاهمات وطنية عامة تضمن انتقالاً سلمياً إلى سورية آمنة، يضبط مجالها السياسي الموحد من فوق، ما يمكن أن يتخلق فيها من فوضى سلاح على مستوى قاعها الاجتماعي، كي لا تدخل في طور يصعب التحكم به والتصدي لمشكلاته، وتضيع تضحيات الشعب وتطلعاته الثورية ونزوعه المفعم بالتضحية إلى الحرية والعدالة والمساواة، وتواجه بلادنا خطر الانفراط والتشرذم والحرب الأهلية.

بانقسام المعارضة إلى جهة مسيطرة في «المجلس» و«الإئتلاف» ضعيفة في الشارع الشعبي، وأخرى مستبعدة عن تمثيلها الحقيقي في هذين التنظيمين، رغم حضورها الواسع على الأرض، وبالرعونة التي يقرر بواسطتها تيار بمفرده مصير سوريا، وبالعمل الإقصائي القائم على الشللية والتواطؤ والخديعة والإفساد، تكتمل في موازاة أزمة النظام أزمة المعارضة، التي يتصارع قادتها ويقاطعون بعضهم بعضاً، ويشد كل واحد منهم اللحاف إليه ليبقى غيره بلا غطاء، ويشوه سمعة الطرف الآخر ويهدده بالطرد من جنة المال السياسي والاستقبالات والأسفار والمهمات المأجورة، ويرميه بالخيانة وبالخروج على «الوطنية» ومقتضياتها... الخ. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت المذهبية وتيارها سينجوان من الأزمة التي فرضتها على تمثيل المعارضين الرسميين، لو لم يقدم شعب سوريا أعز التضحيات كي تبقي شعلة الثورة مستعرة، ويحال بين النظام وبين سحق الثورة؟

تأخذ أزمة المعارضة، التي تسببت بها سياسات التيار المذهبي، بلادنا إلى طريق مسدود ويزداد انسداداً باضطراد، بينما يتهاوى النظام أكثر فأكثر، وتواجه سوريا فراغاً قاتلاً يهدد جدياً وبطريقة غير مسبوقة راهنها ومصيرها المتعدد الاحتمالات، والمحمل بشتى أنواع المخاطر، فلا بد إذن من إخراجها من هذه الحال، دون إبطاء وتردد ووفق خطة مدروسة وعقلانية، تتضمن اجوبة حقيقية على اسئلة الواقع، التي غدت محرجة جداً، بينما غدا هو كارثياً بكل معنى الكلمة، كي لا نخرج من معضلة الاستبداد البعثي وندخل في معضلة مذهبية لا تقل استبدادية عنها، إن قبلناها كان فيها هلاك وطننا وشعبنا، ونهاية سوريا كوطن.

كيف نخرج من هذا المأزق؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحكومة السورية المؤقتة.. حقائق وشبهات

آن الأوان ليضع بعض الساسة السوريين الخلافات في وجهة نظرهم جانباً، على الأقل فيما يتعلق بعمل الحكومة المؤقتة، وأن تُعطى هذه الحكومة الفرصة والدعم للقيام بأعبائها ومسؤولياتها الثقيلة

د. وائل مرزا

الأحد 31/03/2013

المدينة

منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى إحداها الحكومة المؤقتة. لم يعترض شخصٌ أو جهةٌ أو دولةٌ أو أي طرفٍ من الأطراف على هذه التركيبة التي تضمنّها النظام الداخلي للائتلاف يوم ولادته. لم تُسمع أو تنشر وقتها كلمةٌ واحدة تعترض على حقيقة أن الائتلاف الوطني سيقوم في يومٍ من الأيام بتشكيل الحكومة. من هنا، يبدو غريباً، ويبدو مريباً، ويبدو محيراً، هذا الضجيج والتشويش الذي يحصل هنا وهناك بخصوص تشكيل هذه الحكومة العتيدة. هل كان البعض يتوقعون مثلاً أن التصور المذكور هو مجرد (كلام في كلام)، وأن من الممكن (لحسَ) مثل هذه القضية المصيرية أو إلغاءَها وتجاهلها ببساطة؟ لم يقفز الائتلاف إلى هذه الخطوة بعد يومين أو اسبوعين أو حتى شهرين من تشكيله. ورغم مطالبة الأغلبية الكاسحة من السوريين بها، خاصةً في الداخل، قتل الائتلافُ الموضوعَ بحثاً، وأجّل أخذ القرار فيه أكثر من مرة. لكنه أقدم أخيراً عليه بعد كل تلك الدراسة، وبعد اجتماع الرأي على الموضوع. كانت هناك آراء مختلفة كثيراً في بداية المطاف، وكان الرفض الداخلي للتوقيت واسعاً في مرحلة من المراحل، لكن الموضوع نوقش مرةً تلو أخرى مع تطور الأوضاع والمُعطيات، حتى تم الوصول أخيراً إلى القرار، وحصل هذا على مرحلتين. ففي اجتماعه الخامس في القاهرة، وبتاريخ 21 شباط/فبراير من هذا العام 2013م، وافق الائتلاف بالتصويت على فكرة إنشاء حكومة مؤقتة. وعلى مدى أسابيع تجمّعت لائحة مرشحين لرئاسة الحكومة تجاوز عددها عشرة أشخاص. وفي ذكرى الثورة السورية بتاريخ 18 آذار تمت عملية الانتخاب، وفاز أحد هؤلاء المرشحين بنسبة 74% من أصوات الناخبين تقريباً. لم تكن النسبة 99%، ولم يفز المرشح بالتزكية بدون منافس، وصوّت له أعضاء من مختلف الاتجاهات والانتماءات.رغم هذا، ثمة شبهاتٌ تم طرحها وتحتاج إلى حوارٍ وتوضيح. فقد تساءل البعض مثلاً عن أحقية المصوِّتين أصلاً في تعيين رئيس وزراء حكومةٍ سورية مؤقتة. جاءت هذه الشبهة في معرض التشكيك الذي جاء بعد العملية، والواضح أنها تأتي في سياق التشكيك بمشروعية تمثيل الائتلاف نفسه. لهذا، نعيد التذكير بما أوردناهُ في البداية أن الائتلاف الوطني أعلن منذ ولادته عزمه على تشكيل الحكومة، وأنه حاز على شرعية ثورية وشعبية، ثم على شرعية قانونية ودولية بدأت باعتراف أكثر من 113 دولة به في مؤتمر مراكش بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، وصولاً إلى حصوله على مقعد سوريا رسمياً في الجامعة العربية.

لم يطرح أحدٌ هذه الشبهة خلال كل مراحل العملية المذكورة. وهي عملية تُشكّل المرجعية لدور أعضاء الهيئة في التصويت لتسمية رئيس حكومة. الأمر الذي يسحب الصدقية من طرح مثل هذه الشبهة في ظل كل المعطيات السابقة. ثمة شبهةٌ أخرى أثيرت وتتعلق بسيطرة فصيل سياسيٍ معيّن في الائتلاف على صيرورة تشكيل الحكومة، وبالتالي على الحكومة ورئيسها. ورغم حساسية هذه الشبهة وخطورتها، إلا أن استصحاب الحقائق العملية بدرجةٍ من التجرد والموضوعية يُحتّمُ على المنصفين إعادة النظر بها إلى درجةٍ كبيرة. فقد شارك في عملية التصويت 48 عضواً ينتمون إلى مختلف الانتماءات والتوجهات.

وبشيءٍ من التفكير، فإن التأكيد على الشبهة المذكورة يحمل في طياته مظنّة الانتقاص والاستهانة غير الجائزة ولا المنطقية بهؤلاء، خاصة حين نذكر منهم بعض الشخصيات الأكثر شهرةً مثل السيدة سهير الأتاسي والسيدين رياض سيف وجورج صبرة والدكاترة برهان غليون وعبد الباسط سيدا، وغيرهم من الشخصيات المستقلة بقرارها، والمعروفة بتوجهاتها المتنوعة ومرجعياتها المختلفة ثقافياً وتنظيمياً وسياسياً. وسيكون من غير اللائق إدراج هؤلاء بلسان الحال في خانة الاتهام المذكورة، والاستخفاف بهم إلى درجة الإيحاء بإمكانية تمرير مثل هذه القضايا عليهم بتلك السهولة. بل إن مثل هذا التفكير (الخفيف) يقفز ببساطةٍ وسطحية على درجة تعقيد خارطة المعارضة السياسية السورية، ويختزل قوة وحضور كثيرٍ من التيارات والتوجهات، في مقابل تضخيم فريقٍ من فرق المعارضة إلى هذه الدرجة. ثمة من يطرح أن أفراداً معدودين هنا وهناك يستخدمون هذه الشبهة لتخويف بعض القوى الإقليمية والعالمية بحثاً عن تحقيق بعض المصالح الشخصية أو الحزبية. هذا أمرٌ يحتاج إلى مزيدٍ من المعلومات، ولكنه في جميع الأحوال يجب أن يكون خطاً أحمر . الخطير في الموضوع كله أن المبالغة في هذه الممارسة يمكن أن تساهم بقوة في رسم خارطة فرزٍ وتصنيف، وأن توحي بالحشد لخلق اصطفافات متقابلة، كلٌ منها مبنيٌ على خلفيةٍ ثقافيةٍ وسياسيةٍ معيّنة. وهذا مآلٌ خطيرٌ ليس في مصلحة أحدٍ . من هنا تحديداً يأتي دور الحكومة السورية المؤقتة كجهازٍ تنفيذي يعتمد بشكلٍ أساسي على التكنوقراط، ويكون أداةً لجمع جهود السوريين من جميع الأطياف لتحقيق أهدافه الأساسية في خدمة الثورة السورية بشكلٍ فعال في مختلف المجالات.فالواضح أن الرئيس المُنتخب للحكومة ينوي التركيز على هذه المهمة بشكلٍ كبير. وربما يُفسّرُ هذا ماسمعتهُ منه حين قال بأنه سيخاطب الائتلاف، عن طريق رئيسه،بالعبارة التالية حرفياً: «إنني أعتبر نفسي مُنتخباً من الائتلاف بشكلٍ مؤسسي، وأعتبر أنني لستُ معنياً بكل الملابسات السياسية التي حصلت أثناء عملية الانتخاب وبعدها في أوساط الائتلاف. الأمر الذي يجعلني أؤكد بأنني على مسافة واحدة من جميع الزملاء والتجمعات داخله، وأعلن بكل صراحة أنه ليس لي أي ولاء إلا للثورة وللائتلاف الذي يمثلها شرعياً. وأنا إذ أُشهد الله على ذلك، فإنني أرجو أن تظهر صدقية هذا من خلال العمل على أرض الواقع». آن الأوان ليضع بعض الساسة السوريين الخلافات في وجهة نظرهم جانباً، على الأقل فيما يتعلق بعمل الحكومة المؤقتة، وأن تُعطى هذه الحكومة الفرصة والدعم للقيام بأعبائها ومسؤولياتها الثقيلة.

دعوا الحكومة تعمل وراقبوا أداءها .

دعوها تعمل على الأرض، وتقدم إنجازاً يشعر به الناس عملياً.

.دعوا الحكومة تعمل، وكونوا على ثقةٍ بوعي شعبكم، فقد كان دائماً القائد الحقيقي للثورة، والحارس لها من أي انحراف. وحاشا أن تكون هذه المرحلةَ التي سيتخلى فيها عن هذا الدور.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف السوري: وقفة عند سقطات أولى!

فايز سارة

الشرق الاوسط

31-3-2013

بدا الاحتفال بافتتاح السفارة السورية في الدوحة قبل أيام وكأنه خطوة استثنائية. ففي ذلك الاحتفال جرى افتتاح أول مقر دبلوماسي للمعارضة السورية وسط ضجة إعلامية ظاهرة وحضور مميز لقادة الائتلاف، بينهم رئيس الائتلاف معاذ الخطيب، وغسان هيتو رئيس الحكومة المؤقتة، إضافة إلى نزار الحراكي سفير الائتلاف في الدوحة، ورسميين قطريين يتقدمهم وزير الدولة للشؤون الخارجية خالد العطية.

غير أن خرقا أصاب استثنائية الاحتفال وإيجابيته، عندما تم تعليق لافتة على باب السفارة أشارت إلى الأخيرة بأنها «سفارة الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة»، الأمر الذي يوحي وكأن الائتلاف قد أصبح البديل عن الدولة السورية، التي تمثل الكيان الجامع للسوريين. وكان يمكن تجاوز مثل هذا الخطأ الفادح لو لم تسبقه أخطاء تجعله حلقة في سلسلة تلحق الأذى بالشعب السوري وثورته التي ما زالت تقاوم دموية النظام ودماره ببطولة منقطعة النظير من جهة، وتقاوم أخطاء أصدقاء الثورة وأبنائها إضافة إلى أخطاء المعارضة وفي المقدمة أخطاء الائتلاف السوري.

إن الأساس في الخطأ ليس في التسمية فقط وإنما في دلالات الخطوة وما أحيط بها، إذ لا بأس من أن يكون للائتلاف مكتب في الدوحة أو مقر على نحو مقره الرئيس في القاهرة، بل ربما يكون من الضروري أن يكون له مكتب هناك وفي عواصم أخرى تبدي اهتمامها الكبير بالموضوع السوري، لكن أن يشار إلى مكتب باعتباره «سفارة سوريا»، تستبدل باسم الكيان السوري اسم تجمع لتنظيمات ومعارضين سوريين، فهذا أمر لا يمكن قبوله بسبب الوظيفة التي تحددت لـ«السفارة»، والصفة الوظيفية للشخص القائم على إدارتها باعتباره «سفيرا»، والأمر في الحالتين يتصل بنقطتين جرى إعلانهما في وقت سابق؛ أولاهما اعتبار الائتلاف ممثلا للشعب السوري من جانب دول عربية وأجنبية - وأضيفت في بعض الأوقات كلمة الوحيد إلى صفته - والثانية إعطاء الائتلاف بوضعه الراهن الصفة التمثيلية للدولة السورية من خلال قرارات الجامعة العربية، رغم الاعتراضات الموضوعية التي أثيرت على تمثيلية الائتلاف منذ البداية، والتي اعترف بها الائتلاف نفسه، ووعد بإجراءات هدفها تعزيز وتقوية تمثيله للسوريين قبل أن يعطى حق تمثيل «دولتهم» وكيانهم السياسي، وانتزاع ذلك من النظام القاتل للسوريين والمدمر لكيانهم ودولتهم.

ولم يكن خطأ الائتلاف ومن صنعوه وأصدقائه في موضوع التمثيل هو الوحيد خلال الفترة القصيرة من عمر الائتلاف، فقد تم ارتكاب خطأ أكبر في موضوع تشكيل الحكومة المؤقتة، التي ظهر أن هناك عدم توافق على مبدأ تشكيلها في مستوى المعارضة عموما، وضمن الائتلاف خصوصا، وتم تجاوز عدم التوافق بطريقة التجاهل من جهة والفرض من جهة ثانية، وأضيفت إلى الخطأ السابق طريقة فرض المرشح لرئاسة الحكومة غسان هيتو، الذي كثر الحديث عن ارتباطه بجهة سياسية، تسعى لفرض سيطرتها على الثورة والمعارضة السورية وفق أسس ميكافيلية أبرزها الغاية تبرر الوسيلة.

لقد تم إعطاء المجلس الوطني السوري دورا مهما ومحوريا في تأسيس الائتلاف السوري، رغم أن المجلس العتيد فشل طوال نحو عام ونصف العام في تحقيق أي إنجازات سياسية أو تنظيمية أو إدارية، تصب في مصلحة السوريين وثورتهم، وحكم كهذا لم يصدر عن معارضي المجلس فقط، إنما صدر عن كثير من قادته ومؤيديه بمن فيهم دول وشخصيات، وقفت وراء المجلس واعترفت به ممثلا للسوريين على نحو ما فعلت لاحقا بالائتلاف السوري، وثمة توافق كبير على أن السبب في فشل المجلس الوطني يعود إلى غلبة تحالف يقوده «الإخوان المسلمون» داخل المجلس، أعطاهم القدرة والقوة في التحكم بكل ما في داخل المجلس ومحيطه من خلال عاملين أساسيين؛ أولهما المال السياسي من جهة، ودعم قوى إقليمية من جهة أخرى، أقاموا معها علاقات أكثر قوة ومتانة من علاقاتهم بالداخل السوري والقوى الفاعلة فيه، وجعلوا تلك العلاقات مدخلا لتعزيز سيطرتهم على الساحة السياسية من جهة بما في ذلك الائتلاف، وعلى الحراك العسكري في الداخل من جهة ثانية.

إن دلالات السقطات الأولى للائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة إنما هي تعبير عن سيرة فشل المجلس الوطني السوري في عدم قدرته على تحقيق إنجازات جدية، تصب في مصلحة السوريين وثورتهم، وتعبير صارخ عن إصرار «الإخوان المسلمين» وحلفائهم على سياساتهم التي تهدر طاقة السوريين، وتعرقل مسار الثورة في إنجاز أهدافها، وهي تأكيد للدور غير الفاعل والجدي الذي يميز السياسات الإقليمية والدولية التي تدعي سعيها لعلاج الأزمة السورية وإخراج السوريين من حمام الدم والدمار، لكنها في المحصلة تظهر فاعلية صفرية، إذا لم نقل إنها تنتج سياسة سلبية.

ويفرض الواقع بما فيه من انسدادات وأخطاء، تطيل عمر الأزمة في سوريا، وتكلف السوريين وسوريا مزيدا من الدم والدمار، وتضع المنطقة ومصالح قوى إقليمية ودولية في دائرة الأخطار، العمل على إحداث تغييرات جوهرية في واقع المعارضة السورية وعلاقاتها الداخلية والخارجية، تبدأ من تأسيس قطب ديمقراطي سوري يكون أساسا لتعديلات جوهرية في أدوات ومسارات معالجة الأزمة السورية ووضعها على طريق حل جدي وقريب في الوقت ذاته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أميركا والصراع السوري!

أكرم البني

الشرق الاوسط

30-3-2013

ثمة إشارات متعددة تدل على انخفاض سقف التوقعات بموقف أميركي جديد من الحدث السوري، آخرها التصريح المباغت لجون كيري عن دعوة المعارضة لحوار مباشر مع النظام، بما ينطوي عليه من تراجع عن ترتيبات خطة جنيف وأولوية تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، وقبله جاء تأويل أحد المسؤولين الأميركيين لفكرة رحيل النظام السوري، بأن هذا لا يمنع التعاطي السياسي معه، ولا يتطلب الحماس لانتصار ثورة يزداد وزن الإسلاميين المتطرفين في صفوفها، مما يعني أن السياسة الأميركية تجاه سوريا لا تزال تحفل بالغموض والتردد وبسهولة تبدل المواقف، حيث يصل أحيانا إلى حد التناقض، إن من النظام أو من المعارضة أو من الدور الأممي. الولايات المتحدة التي أدانت صفقات السلاح الروسي إلى سوريا وهاجمت «الفيتو» وحملت الكرملين مسؤولية استمرار العنف في البلاد، هي ذاتها التي تؤكد على دور مفتاحي لموسكو في معالجة الأزمة السورية وعلى أولوية العمل من خلال مؤسسات المجتمع الدولي ودعم خططها ومبادراتها، بما في ذلك دور المبعوثين الدوليين وخطة جنيف. الولايات المتحدة التي كررت الدعوات لرحيل النظام وأعلنت عدم أهليته للحكم، وشددت العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية عليه، وهددت بمنطقة عازلة أو بحظر جوي مع تزايد العنف وأعداد اللاجئين، وحذرت من عقاب رادع في حال استخدام السلاح الكيماوي، هي نفسها التي تكرر عدم وجود نية للتدخل العسكري المباشر، وتشدد على المطالبة بإيجاد حل سياسي للأزمة، وتتحسب من مد المعارضة بأسلحة تساعدها على تعديل التوازنات القائمة، وتكتفي بالدعم اللفظي لقوى الثورة والإكثار من مؤتمرات لا طائل منها لمن يسمون أنفسهم «أصدقاء الشعب السوري».

والحال، لم يعد يقنع أحدا، بعد عامين من انطلاق الثورة، القول إن واشنطن لا تملك رؤية واضحة في التعاطي مع الحدث السوري، مثلما لم يعد مقبولا تبرير تردد السياسة الأميركية وتناقض مواقفها من تفاقم الصراع هناك بذريعة موقع هذا البلد وطابع تحالفاته، أو لأنه غير مدرج ضمن أولويات اهتماماتها، أو لأن الدور الأميركي فقد الكثير من حيويته بسبب ما عاناه في العراق وأفغانستان وبسبب تفاقم أزمته الاقتصادية والتفاته لمشكلاته الداخلية، إذ ثمة في الحقيقة أسباب ومصالح متضافرة وراء ما يصح تسميته بنهج خاص للسياسة الأميركية في التعاطي مع الحالة السورية يتقصد السلبية وعدم الاكتراث، ويتوسل مواقف مبهمة ومتناقضة، لترك باب الصراع مفتوحا وتغذية استمراره من دون أن يصل إلى لحظة الحسم.

بداية، هي فرصة لن تفوتها القيادة الأميركية في استثمار الساحة السورية لاستنزاف خصومها وإضعافهم، كروسيا وإيران، وقد بدأتا بالفعل الغرق في المستنقع السوري، ويبدو في حساباتها أن مد زمن الصراع، ربما حتى آخر سوري، يفضي إلى إنهاكهما ماديا وسياسيا وتشويه سمعتهما أمام الشعوب العربية على حساب تحسين صورتها، وفي الطريق الإفادة من هذه الأجواء كي تعزز بأقل ردود فعل حضورها العسكري في المنطقة، مثلما حصل في تمرير التفريعة التركية من الدرع الصاروخية ثم نشر أنظمة «باتريوت» على طول الحدود السورية - التركية. بهذه السياسة تضع واشنطن إحدى عينيها على العراق والأخرى على الخليج العربي، وهما مربط الفرس لإمدادات الطاقة، مرة لرد الصاع صاعين للطرف العراقي الذي أجبرها على سحب قواتها بصورة مذلة، والتمهيد لتوازنات جديدة تكون بأمس الحاجة لإعادة الدور الأميركي من أجل ضمان وحدة العراق وتنميته وأمنه الإقليمي، ومرة أخرى، لغرض استراتيجي، ربما يندر الحديث عنه، حول وجود مصلحة أميركية مضمرة في الإبقاء على محور الممانعة، لكن بصورة ضعيفة، ما دامت تدرك حجم الضربة التي سيتلقاها في حال كسر الحلقة السورية، والمغزى أن تحافظ على استمرار هذا البعبع الإقليمي في مواجهة المحور العربي، بما يساعدها على تطويع هذا الأخير وضمان استمرار حاجته العسكرية والأمنية لها، مما يفسر المفارقة المخجلة بين الموقف الأميركي من الثورة السورية مع أن نظامها هو الأشد عداء لواشنطن، ومسارعتها للتدخل الحاسم في ثورات كانت أنظمتها حليفة لها، ويفسر تاليا المماطلة الأميركية في التعامل مع الملف الإيراني وجعل التهديد المستمر بقدرة طهران على امتلاك السلاح النووي أحد أهم العوامل الضاغطة على العرب والحافزة لتعزيز علاقاتهم مع واشنطن وتمكين حضورها في المنطقة.

«بلدانهم أولى بهم».. هي كلمات لأحد المسؤولين الغربيين في معرض رده على نفوذ «القاعدة» والتيارات الإسلامية المتطرفة في الثورات العربية، وارتياحه لأن ذلك أيقظ العديد من الخلايا الجهادية النائمة في بلدان أوروبا وأميركا وجذبها إلى هناك، وعليه يجب الأخذ في الاعتبار المصلحة الأميركية في اغتنام الصراع السوري لتصفية الحساب مع تنظيم القاعدة والنيل من قادته وكوادره، ربطا بوقائع تزداد وضوحا مع كل يوم يمر عن تحول الساحة السورية بالفعل إلى بؤرة جاذبة لعناصر وقوى إسلامية متطرفة توافدت من مختلف البلدان وتوظف جل إمكاناتها لحسم ما تعتبره معركة مصيرية على وجودها ومستقبلها، مما يوفر فرصة ثمينة في حال طال زمن المعركة لتوجيه ضربات مهمة لهذه العناصر والقوى بسلاح النظام السوري ذاته تضعفها وتحد من قدرتها على النمو والتجدد.

وأخيرا، لا يخطئ من يعتبر النهج الأميركي استجابة خفية للمصلحة الإسرائيلية التي باتت تدرك عجز النظام السوري عن الحكم وتتحسب من البديل القادم، وتحبذ تاليا تغذية استمرار الصراع والعنف حتى يستنزف أطرافه، وحتى تصل البلاد إلى حالة من الخراب والتفكك، وتحتاج لعشرات السنين كي تنهض من جديد، وهو أمر يطمئن تل أبيب على استقرارها وأمنها، وما يعزز هذا النهج عدم وجود إعلام أميركي مهتم بالشأن السوري وغياب رأي عام هناك يمكن أن يتحرك أخلاقيا للضغط على إدارة طالما ادعت نصرة حقوق الإنسان لوقف عنف مفرط لا يحتمله عقل ولا ضمير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة العاشرة)

محمد فاروق الإمام

سورية البعث تفتح أبواب دمشق لاستقبال كوهين

في أواخر عام 1961م زفَّ ثابت لأصدقائه البشرى بأنه يعد العدة للسفر إلى دمشق.. وعندئذ أمطروه بوابل من أسماء معارفهم وعناوينهم من رجال أعمال، وموظفي حكومة، وأصدقاء شخصيين.. ووعده الجميع بأن يكتبوا إلى دمشق ليضمن كل مساعدة ممكنة للاستقرار هناك.

والحقيقة أن كوهين، وبناءً على تعليمات من رؤسائه، عاد إلى تل أبيب بعد أن حصل على تأشيرات من القنصلية اللبنانية وقنصلية الجمهورية العربية المتحدة.

بعد أن قضى كوهين إجازة قصيرة بين أهله في تل أبيب.. حان وقت عودته للعمل.. وقد زوده رؤساؤه في الموساد بالأدوات والتجهيزات الالكترونية ومواد التصوير ومواد تساعده على صنع المتفجرات وأقراص سُمٍّ يستعملها عند الضرورة القصوى وهي على هيئة أقراص أسبرين. كما كان معه مواد كيماوية لصنع المتفجرات الشديدة.. أودعها في أنابيب معجون الأسنان.. وعلب صابون الحلاقة.. وكانت مجموعة تجهيزات الكاميرا اليابانية الممتازة التي معه تشتمل على أدوات لصنع مسودات الأفلام الصغيرة.

انطلق إيلي كوهين في رحلته.. ومضى إلى ميونخ ثم إلى مدينة جنوا في إيطاليا. ومن هناك في الأول من كانون الثاني.. أقلع كامل أمين ثابت في حجرة من الدرجة الأولى على ظهر الباخرة الإيطالية سونيا إلى بيروت.

شرع إيلي في تمكين نفسه بصفة عضو بارز في صفوة السوريين.. حتى أثناء رحلته بالسفينة من جنوا. فبعد إقلاع السفينة بوقت قصير.. اتصل الحديث بينه وبين رجل سوري عريض الجاه والثراء يدعى (مجدي شيخ الأرض) وقد برهن هذا على أنه حلقة وصل ممتازة.. فقدم إيلي إلى عدد من أولي الشأن في سورية وساعده بغير علم منه.. بأن أخذه في سيارته من ميناء اللاذقية إلى دمشق. وقد تمكن إيلي بالسفر في سيارة هذا الرجل الخطير من عبور الجمارك دون تفتيش.

(التقيت مجدي شيخ الأرض في سجن القلعة عام 1965 وكان يقيم في غرفة خمس نجوم والعديد من السجناء يقومون على خدمته).

استقر المقام بإيلي في شقة فسيحة بالدور الرابع من مبنى حديث في حي (أبو رمانة) المزدهر.. وكان المبنى ذو أهمية كبيرة لكوهين.. حيث يقع في مواجهة مقر قيادة الأركان السورية.

كوّن إيلي شركة استيراد وتصدير.. شهدت نجاحاً فور إنشائها تقريباً.. وقد أدار إيلي العمل بكفاءة.. حيث كان يرسل من سورية الأثاث القديم.. وطاولات نرد.. ومجوهرات.. وتحف فنية.

وكان إيلي إذا ما عاد إلى شقته في الليل.. يخلع عنه ثياب تاجر الاستيراد والتصدير الغني.. ويعود كوهين الجاسوس.. فبعد إغلاق الأبواب إغلاقاً مزدوجاً.. وإسدال الستائر.. يتناول جهاز الإرسال الصغير.. الذي خبأه في قدح نحاسي للزينة في داخل ثريا بلورية كبيرة.. ويمضي بذلك الجهاز إلى غرفة نومه.. حيث يكتب رسالته ويترجمها بالشيفرة.. ثم يبدأ نقرها بسرعة ودقة إلى تل أبيب.

وفي الأيام التي كان إيلي يلتقط فيها الصور.. كان حمام شقته يتحول إلى غرفة سوداء.. يجري فيها بعض العمليات على المسودات ويختزلها إلى أفلام مصغرة. وفي الغد كان إيلي يخبئها في القواعد المموهة أو السيقان المجوفة في هذه السلعة أو تلك من السلع المعدة للتصدير. وكانت تقارير إيلي وأفلامه المصغرة تشتمل دائماً على أمور تهم رؤساءه عن أوسع الناس نفوذاً في أوساط الحكومة والعسكريين السوريين.. ومن بين أصدقائه الكثر اللفتنانت (معز زهر الدين) ابن أخ رئيس الأركان (عبد الكريم زهر الدين) ومنهم (جورج سيف) المسؤول عن الإذاعة في وزارة الإعلام السورية.. والكولونيل (سليم حاطوم) قائد لواء المظلات.

استطاع كوهين بعد انقضاء شهرين على وجوده في دمشق أن يزود الموساد الإسرائيلي بمعلومات لا تقدر بثمن.. وكان في تفسيراته للتغييرات السياسية في دمشق من الدقة واستباق الحوادث الفعلية.. ما يجعل الموساد يقوم بإرسالها إلى رئيس الوزراء خلال ساعات قليلة من وصولها إليه.. وكثيراً ما اتخذ (بن غوريون) - رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك - قرارات مهمة في السياسة.. وهي قرارات قد تفصل بين الحرب والسلم بناءً على برقيات إيلي كوهين الموثوق بها.

وفي تموز 1962م، بعد مرور ستة أشهر من صول كوهين إلى دمشق.. استدعي للرجوع في إجازة إلى تل أبيب حيث أمضى بضعة أيام مع عائلته.

وعاد كوهين بعد إجازته إلى دمشق ليتابع نشاطه التجسسي.. فوسع من علاقاته ونشاطاته وجعل شقته الفاخرة ملتقى للفاحشة والرذيلة لأصدقائه من (عِلية رجال الحكم البعثيين وضباط الأركان). وذات يوم اعتزم السفر في رحلة عمل إلى أوروبا.. فسأله الكولونيل (صلاح الضلي) - رئيس المحكمة العسكرية - إن كان بوسعه ترك مفاتيح شقته من بعده.. ووافق إيلي على ذلك في الحال. أيضاً كان ينزل صديقه جورج سيف مع سكرتيرته كثيراً في شقته.. وفي مقابل ذلك جعل سيف مكتبه بيت إيلي الثاني حيث الأسرار والوثائق الرسمية يقلبها كوهين ويصورها بكل حرية وطمأنينة.

رافق كوهين صديقه اللفتنانت معز زهر الدين في زيارة إلى الجبهة السورية - الإسرائيلية.. وتعرف عن كثب على التحصينات العسكرية السورية في مرتفعات الجولان.

وفي إحدى المرات وعده صديقه (سامي الجندي) - وزير الإعلام السوري - أن يصطحبه إلى مكتب رئيس الجمهورية الرئيس (أمين الحافظ).

وعندما وصل إيلي برفقة سامي الجندي وزير الإعلام.. حياه الرئيس أمين الحافظ بحرارة.. وكان الحافظ يكن تعاطفاً خاصاً لابن وطنه وصديقه الشاب الذي تخلى عن أعماله الناجحة في أمريكا الجنوبية ليمد يد العون إلى بلده في فترة من فترات الاضطراب السياسي والاقتصادي. وألحَّ الرئيس أن يقوم مصوره الخاص بالتقاط صورة لهما معاً. ولما فرغ المصور من عمله.. طلب إيلي منه نسخة للصورة التي التقطها.. واستدار نحو الرئيس أمين الحافظ وقال: سأحرص على هذا الذخر الثمين ما حييت.

ذهب كوهين مرة مع أحد المسؤولين إلى المناطق العسكرية القريبة من القنيطرة وشاهد مخططات مشروع تحصينات دفاعية.. والذي يتضمن جزءاً من مشروع تحويل المياه من (نهر الأردن) الذي كانت إسرائيل تقوم بتحويله إلى النقب. وقد عرض على المقاول الذي يقوم بالتنفيذ مشاركته في العمل.

(وتأكيداً على صحة زيارة كوهين للجبهة السورية فقد زار كوهين الذي كان يعرف بـ(كامل أمين ثابت) القطاع الشمالي من مرتفعات الجولان بصحبة رئيس الجمهورية الفريق أمين الحافظ والفريق المصري علي علي عامر قائد الجيوش العربية والعقيد صلاح جديد أواخر عام 1964م، وكنت في حينها أقوم بأداء خدمة العلم في نقطة (تل زعورة) من القطاع حيث تمت الزيارة، وقد شاهدته وكان يقف إلى جانب العقيد صلاح جديد وهو يطل على المستعمرات الصهيونية التي كانت تشكل بساطاً سندسياً تحف به المروج الخضراء ونوافير المياه والمسابح التي كان يلهو بها الجنود والمجندات الإسرائيليات، وكنت أسمع ما كان يقوله كوهين لصلاح الجديد لقربهم من مكان وجودي، فقد سمعت كوهين يقول لجديد: ليقيموا المستعمرات والمزارع والحدائق والمسابح فكلها بالنتيجة ستكون لنا!).

وشجع هذا الحافز المقاول فسمح للزائر المعروف.. بأخذ مخطط المشروع معه إلى البيت.. ليتمكن من دراسته في أوقات فراغه.. وتحديد أفضل مواقع المنطقة استثماراً.. وقام إيلي بتصوير أحدث ما قع في يده من أوراق.. وفي خلال ثلاثة أشهر بعث إلى قيادة الموساد بمعلومات وافية عن المشروع.

وتكريماً لكوهين على ما يقدم من معلومات استدعاه الموساد لقضاء إجازة هي الثالثة من نوعها في إسرائيل.. وكان قد مضى عليه دون مشاهدة عائلته أكثر من سنة.

وشارك هذه المرة إيلي أسرته في الاحتفال بمولد طفله الثالث وهو (شاؤول).

وعاد إيلي إلى سورية مرة أخرى بعد أن وعد زوجته بأن هذه آخر مرة يغيب عنها وأنه قرر العودة إلى إسرائيل نهائياً. ولكن شاء الله أن لا يعود الجاسوس الإسرائيلي من سفرته هذه أبداً.

ففي إحدى ليالي شهر كانون ثاني 1965م.. وبعد أن فرغ إيلي من إرسال تقرير تضمن معلومات تلقاها من صديقه (سليم حاطوم) ومفادها أن الرئيس أمين الحافظ قرر في اجتماع عقده مع رؤساء أجهزة المخابرات السورية تطوير خطة منظمة فلسطينية واحدة تبدأ الكفاح المسلح.. ويتم تدريب رجالها في قاعدة للجيش السوري سراً.

ولمح إيلي ساعته التي كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل.. وأدار مفتاح جهاز الإرسال إلى النقطة الدقيقة التي تصله منه إشارات قيادة الموساد بوضوح تام كما اعتاد أن يفعل.

وفجأة سمع طرقاً عنيفاً على الباب. وقبل أن يجد وقتاً للتصرف تحطم خشب الباب الصلب.. واقتحم الغرفة ثمانية رجال مسلحين.. شهروا مسدساتهم.. وكانوا يلبسون زياً مدنياً. وفي حين غطى كامل جهاز البث بدون وعي كان رجلان يصوبان مسدسيهما إلى رأسه وصاحا به: لا تتحرك.

واندفع رجل يلبس بزة عسكرية صوب الفراش.. وعرفه إيلي في الحال.. إنه الكولونيل (أحمد سويداني) رئيس شعبة الاستخبارات السورية.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة التاسعة)

محمد فاروق الإمام

كوهين والطامة الكبرى

قبل الحديث عن كوهين والطامة الكبرى التي لحقت بسورية لابد من استعراض النتائج المباشرة للمؤتمر القومي السادس، فقد كان من أهم نتائجه سيطرة (الجناح المتطرف) مما أدى إلى انعكاسات خطيرة وعميقة داخل الحزب، فقد ظهرت نتائجها تباعاً.

أولاً: لقد وجد ميشيل عفلق نفسه - وهو المؤسس والمفكر والأمين العام للحزب - وأصدقاؤه في وضع حرج، فقد أخذ الهجوم يطاله شخصياً من قبل الجناح المتطرف مما أزال البقية الباقية من سلطة القيادة القومية.

ثانياً: لقد كان رئيس الحكومة صلاح الدين البيطار ضحية الهجمة العدائية من جانب ضباط (اللجنة العسكرية) والعناصر المتطرفة في الحزب. فقد سقط في الانتخابات التي جرت لاختيار أعضاء (القيادة القومية). كما اخفق أيضاً شبلي العيسمي وخالد يشرطي وعلي جابر وعبد المجيد الرافعي ومالك الأمين. وفي المقابل تثبتت مواقع أعضاء اللجنة العسكرية والقيادة القطرية.

وكان من نتائج هذه الانتكاسة التي عصفت بالتيار القومي داخل الحزب أنه بعد مضي أسبوعين على انعقاد المؤتمر القومي السادس، أي في 11 تشرين الثاني 1963م، رقي صلاح جديد إلى رتبة (لواء) وسمي رئيساً للأركان العامة للجيش، بقرار صادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة. كما كلف اللواء أمين الحافظ في 12 من الشهر نفسه، بتشكيل حكومة جديدة احتل فيها أنصار القيادة القطرية في سورية قسماً كبيراً من المقاعد.

ثالثاً: عقد تحالف بين الاتجاهين المتطرفين في كل من القيادة القطرية للحزب في سورية والعراق، ونتج عن هذا التحالف ما عرف بالجناح (اليساري) في حزب البعث. ولقد استقبل هذا التحالف بكثير من التشجيع الضمني أو الظاهري، من قبل عدد كبير من الضباط الشباب وأصحاب الغايات والتطلعات والطموحات الشخصية.

 

 

قصة الجاسوس الصهيوني إيلي كوهين

في الوقت الذي كان الصراع على أشدّه بين أطراف مراكز القوى داخل حزب البعث الذي استطاع التمكن من الحكم بعد أن أجهز على كل منافسيه وأعدائه.. سواءً على الصعيد المدني أم على الصعيد العسكري.. نقول في هذا الوقت بالذات استطاع (كوهين) الجاسوس الإسرائيلي أن يتسلل إلى عضوية حزب البعث الحاكم.. كما استطاع أن يقيم علاقات حميمية مع بعض أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة مثل: (الرائد سليم حاطوم). كما تعرف إلى (اللواء أمين الحافظ) يوم كان ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين قبل قيام انقلاب 8 آذار 1963م.

من هو الجاسوس الصهيوني (إيلي كوهين) ؟

ولد (إيلي كوهين) في الحي اليهودي بالإسكندرية في 16 كانون الأول 1924م، وكان أبواه (شاؤول وصوف كوهين) قد هاجرا من مدينة حلب السورية إلى مصر. ونشأ إيلي متديناً حيث كان يمضي معظم أوقاته في الكنيس متعبداً.. وكان متفوقاً في مدرسته.. فظفر بمنحة دراسية مرموقة للتعليم في مدرسة (الليسية الفرنسية)، وفي وقت مبكر أصبح يجيد الفرنسية والعبرية بطلاقة. ودرس التلمود، وحفظ بعض النصوص عن ظهر قلب. وكان إيلي رياضياً قوي البنية. وأدت ميوله في البحث.. واهتمامه العميق باليهودية إلى إرساله أول الأمر إلى مدرسة (ميمون) في القاهرة ثم إلى مدارس (رامبام) لدراسة التلمود.. وكان يشرف عليها (موشي فنتورا كبير حاخمي الإسكندرية).

وبين العاشرة والعشرين من عمره.. تحول اهتمامه عن الموضوعات الدينية إلى الرياضيات والفيزياء. ولما دخلت مصر الحرب مع الحلفاء عام 1940م، اكتسب إيلي هواية جديدة ألا وهي الأسلحة.. وكان شغوفاً بوجه خاص بمختلف أنواع الطائرات. وفي عام 1950م هاجرت أسرة إيلي إلى فلسطين ورتب هو لها خطة السفر الكاملة. قدم جميع الوثائق اللازمة لها.. ورفض أن يرحل معها ليبقى في الإسكندرية ليقوم بأعمال التجسس ومعه جهاز الراديو الذي زودته به إسرائيل.. وكان يرسل إلى تل أبيب أية معلومات يتمكن من الحصول عليها. وكان ذلك أول أعمال إيلي التجسسية الرسمية التي كلف بها من قبل الموساد الإسرائيلي.

وفي تشرين الثاني اعتقل كوهين.. وكان متأكداً وهو في زنزانته أنه سيعدم. فقد انقضت سنوات وهو يتجسس، ولم يكن يشك في أن تكشف حقيقة ما مارسه من نشاطات تجسسية.

واستطاع إيلي إقناع سجانيه بأنه صهيوني في معتقداته فقط، ولم يتمكن المحققون من العثور على أي دليل على ممارسته لأية نشاطات تجسسية. ولكنهم أخبروه بأنه سيطرد من مصر.

وفي 20 كانون الأول 1956م.. وجد إيلي كوهين نفسه على ظهر سفينة متجهة إلى نابولي.. حيث نزل مع باقي اليهود المطرودين من مصر بانتظار السفن التي تقدمها لهم حكومة إسرائيل.

وأخيراً عاد كوهين إلى إسرائيل في 12 شباط عام 1957م. وتسلم إيلي الوثائق التي تشهد بأنه مواطن إسرائيلي. وعاد إلى أهله الذين فارقوه منذ أكثر من ست سنوات. وقضى إيلي عدة أشهر قبل أن يجد عملاً في أواخر عام 1957م في وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وفي أوائل عام 1959م قابل إيلي امرأة يهودية من أصل عراقي تدعى (ناديا) في نادي الجنود بتل أبيب.. وقبل انقضاء أقل من أسبوعين تزوج كوهين من ناديا.

بعد انقطاع كوهين عن العمل بفترة طُلب إليه الالتحاق بجهاز الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي). وشرع إيلي في دراسة مكثفة استغرقت ستة أشهر في مختلف فنون مهنته الجديدة.. وبقي طيلة مدة تدريبه تلك.. ساكناً في شقة استأجرها الموساد له بتل أبيب بعيداً عن أسرته لتكون مركزاً للتدريب.. وهي ما تزال كذلك حتى يومنا هذا.. ولم يكن يسمح له بمغادرة الشقة بدون إذن.. وفي العادة لم يكن يخرج إلا ليسير في المساء بصحبة مدربه ضابط الموساد (إسحاق زلمان).

وقام إيلي طيلة فصلي الربيع والصيف من عام 1960م بدراسة جميع مناهج الموساد.. وقد علمه خبراء مجربون في فنون التخريب كيف يضع المتفجرات والقنابل الزمنية الموقوتة من أبسط مركباتها.. كما أُخذ إلى معسكرات الجيش ليرى كيف تستعمل أجهزة التفجير المختلفة.. في نسف الجسور والمنشآت. وقام خبراء في فنون المعاركة والمصارعة بتعليم إيلي كيف يناجز خصمه وهو أعزل.

عكف إيلي كوهين على دراسة الإسلام.. وحفظ آيات كثيرة من القرآن عن ظهر قلب.. كما تعلم ما يقوم به وهو يؤدي الصلوات الخمس.. كما تفرضها الشريعة الإسلامية.

ذهب كوهين مع مدرّبه إلى الحدود السورية - مرتفعات الجولان - وعرف من مدربه أنه يُخطط له للذهاب إلى سورية.

وفكر رؤساء كوهين في إرساله أول الأمر إلى سورية منتحلاً شخصية مواطن من أسبانيا أو أمريكا الجنوبية.. ولكن قرارهم الأخير هو اختيارهم له شخصية عربية يتقمصها.

بدأ إيلي كوهين دراسة مكثفة عن تاريخ سورية.. وتطورها الاقتصادي.. وحكومتها.. وجغرافيتها.. وطوبوغرافيتها. كما قام عدد من الأساتذة تعليمه اللهجة السورية.

كما ألزمته قيادته بتعلم كل ما يقدر عليه من معلومات عن الأرجنتين.. من تاريخ وسياسة وجغرافيا وصقل لغته الأسبانية.

وأخيراً أعطى الموساد إشارة الانطلاق إلى كوهين.. فقد حان الوقت لإرساله إلى العمل.

في الأول من آذار 1961م وصلت طائرة (سويس إير) القادمة من زيورخ في الوقت المحدد في مطار (ازيزة) في (بيونس آيرس) عاصمة الأرجنتين. وكان أول النازلين من الطائرة كوهين.. وبعد الإجراءات الجمركية والهجرة غادر المطار وأخذ سيارة أجرة.. وأوضح كوهين رجل الأعمال للسائق أنه غريب في المدينة.. وطلب منه أن يشير عليه بفندق ينزل فيه. ومضى السائق به إلى عنوان معروف في شارع (أفنيدا نويفي دي جوليو) في قلب المدينة.

وعندما وصل رجل الأعمال (كوهين) إلى الفندق كتب اسمه في السجل: (كامل أمين ثابت) تاجر تصدير واستيراد.. وكان جواز سفره يدل على أنه سوري.

كانت مدينة بيونس آيرس حافلة بالأندية التي يؤمها السوريون واللبنانيون.. حيث يجتمعون في كل مساء للتحادث ولعب النرد.

واختار ثابت النادي الذي ارتآه ملائماً.. وسرعان ما تبادل ثابت أطراف الحديث مع طائفة من الناس.. الذين طلبوا منه التعريف بنفسه. فبدأ ثابت في سرد قصة حياته الوهمية. قال: إن والده أمين وأمه سعيدة غادرا بلدهما سورية قبل سنوات ليجربا حظهما في العاصمة اللبنانية المزدهرة، بيروت، وهناك ولد كامل وأخته (عينا) التي توفيت وهي طفلة صغيرة ولم تجر الرياح بما اشتهت العائلة.. فانتقلت إلى مصر.. واستقر أمرها في الإسكندرية أخيراً.. وهناك قضى كامل أكثر أيام طفولته.. وكان والده يلح على أن تحتفظ العائلة بالجنسية السورية.. وهو الذي غرس في كامل حباً عميقاً لبلده.. وقال كامل لمستمعيه أنه أقسم حين كان والده في النزع الأخير بأن يزور سورية في يوم من الأيام.

أصبح إيلي شخصية شعبية في دائرة المهاجرين السوريين.. كما عرف أن (نادي الإسلام) وهو مطعم ومركز اجتماعي هو خير الأمكنة التي يلتقي فيها بأولي النفوذ من أبناء الدول العربية. وذات يوم اتصل الحديث بينه وبين رجل أصلع.. متوسط السن.. قال لإيلي أن اسمه (عبد اللطيف الخشن) وإنه محرر أكبر جريدة عربية في الأرجنتين.. وقدم الخشن إيلي إلى الشخصيات العربية البارزة في بيونس آيرس.. كما عرّفه إلى الدبلوماسيين ورجال المجتمع الأغنياء.

وفي أحد الأيام وخلال حفل قابل العميد (أمين الحافظ) الملحق العسكري في سفارة الجمهورية العربية المتحدة.. وسرعان ما أولى أمين الحافظ ثقته هذا الشاب المتحمّس.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com