العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06 / 12 / 2009


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الإضراب عن الخوف

بقلم: مصطفى إسماعيل *

أخبار الشرق – 2 كانون الأول/ ديسمبر 2009

يشهدُ سجنُ عدرا المركزي السوري بدمشق، منذ 30 أكتوبر المنصرم وإلى تاريخه، إضراباً مفتوحاً عن الطعام، لجأ إليه المعتقلون والسجناء السياسيون الكورد السوريون من أنصار حزب الاتحاد الديمقراطي (الكوردي السوري)، ردَّاً على مجمل ظروف السجن القاهرة التي يُكابدونها، مُضافةً إلى ظروف الاعتقال التعسفي التي طالت البعضَ منهم قبلَ نقله إلى السجن المذكور، وفرض قضاء الاستثناء السوري أحكاماً جائرةً بحقَّ البعض الآخر، وهي الظروفُ التي أشارَ إليها المعتقلونَ والمساجين في بيانهم المُسرَّب إلى الإعلام والمنشور في العديد من المواقع الإلكترونية الكوردية.

يمكنُ إيجازُ مطالب المعتقلين والموقوفين والسجناء الكورد المُضربينَ عن الطعام، استناداً إلى بيانهم المنشور، في دفع إدارة السجن إلى "السماح لهم بتلقي الزيارات الدورية المقررة، وتوفير الاتصال مع العالم الخارجي، وتحسين أوضاعهم داخل السجن، ورفع حالة العزلة المفروضة عليهم، والسماح لهم بالتنفس والتشمس، وفتح الأبواب فيما بينهم لأجل التواصل مع بعضهم البعض، وتوفير أجهزة الاتصال (راديو وتلفاز) أسوة بالموقوفين والمحكومين الجنائيين"، كما ولم يغفل المضربونَ عن الطعام مُطالبةَ السلطات السورية بإجراءِ محاكماتٍ عادلة، ورفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإلغاءَ الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة الاستثنائية، التي تصدرُ أحكاماً قاسية بحقَّ الوطنيين وأصحاب الفكر والضمير الحي.

دوافعُ الإضراب عن الطعام تلك، تشكلُ مطالبَ الحدَّ الأدنى للموقوفين والسجناء في هكذا حالات، إذا ما علمنا أنَّ المبادىء الأساسية لمعاملة السجناء المُعتمدة والمُعلنة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 45/ 111 بتاريخ 14 ديسمبر 1990، والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء المُعتمدة من مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف عام 1955 وأقرَّهُ لاحقاً المجلس الاقتصادي والاجتماعي بموجب قرارين في عامي 1957 و1977، تتضمنُ العديدَ من النقاط والإجراءات الكفيلة بتحسين أوضاع السجون والسجناء على حدٍّ سواء، وصولاً إلى نظامٍ نموذجي للسجون ومعاملة السجناء، ولا تشكل مطالبُ الموقوفينَ والسجناء الكورد في سجن عدرا السوري سوى جزئية بسيطة من القواعد الواردة في الاتفاقيتين الأمميتين، ومن هذه القواعد على سبيل المثال لا الحصر: ضرورةُ مُعاملةُ السجناء باحترامٍ، وعدم التمييز بينهم على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثورة أو المولد أو أي وضع آخر، واحتفاظُ السجناء بحقوق الإنسان والحريات الأساسية المُبيّنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوفيرُ سبل حصول السجناء على الخدمات الصحية، وإلغاءُ عقوبة الحبس الانفرادي أو الحدِّ من استخدامها، وتوفير المتطلبات الصحية كافة لغرف المسجونين، ومراعاة الظروف المناخية والتهوية والإضاءة والتدفئة لغرف المسجونين، والاهتمام بنظافة غرف السجن والنظافة الشخصية للمساجين، وتأمينُ وجبات طعام ذات قيمةٍ غذائية كافية، وتأمين ممارسة المساجين للرياضة، وتأمين اتصالهم بالعالم الخارجي عبر المراسلات والمكالمات الهاتفية وتلقي الزيارات والإطلاع على الصحف والمنشورات ومتابعة التلفاز والاستماع إلى المذياع... إلخ.

إذا كانت بعضُ تلكم القواعد تُراعى في حالة السجناء الجنائيين، سيما منها المتعلق بالاتصال بالعالم الخارجي، فإن السجناء السياسيين والموقوفين السياسيين السوريين عامة والكورد منهم خاصة يبدون محرومين من جلِّ تلكم القواعد المشار إليها، وإلا لما توجهوا بكامل اعتراضهم إلى الإضراب المفتوح عن الطعام، الذي أكمل لحظة كتابة هذه الأسطر الشهر دون استجابة من إدارة السجن إلى مطالب السجناء الكورد المضربين عن الطعام، بحسب تأكيد البيانات الصادرة عن إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي وفضائية روج الكوردية في نشراتها الإخبارية اليومية، بل على العكس منعت إدارة السجن عن الموقوفين والسجناء زيارات أهاليهم وذويهم، ليتعمق لديهم القلق أكثر حول مآل أولادهم خلال فترة الإضراب.

إذن، فإن تصعيد سجناء الرأي والضمير الكورد الذين أثبتوا بإضرابهم عن الطعام أن لا مستحيل خلف القضبان، ولا خوف، يُقابلُ بتصعيدٍ من إدارة سجن عدرا المركزي، ومن خلفه وزارة الداخلية السورية، وإذا ما سارَ الأمرُ على هذا المنوال من بعد، فإنه يُخشى على صحة السجناء من التدهور وذبول حيواتهم، وهو ما يستدعي على جناح السرعة تحركاً من الحكومة السورية، برَّاً بالتزاماتها القانونية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقيات حقوق الإنسان الدولية التي دخلت سوريا طرفاً فيها، وضمان توافق ظروف مراكز الاحتجاز مع المعايير الدولية، ومنها قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء المعيارية التابعة للأمم المتحدة، ومجموعة مبادئ حماية كل الأشخاص في أيِّ شكلٍ من أشكال الاحتجاز أو السجن، سيما وأنَّ المُضربين عن الطعام هم سجناءُ رأي وضمير، وسياسيون مختلفون عن السجناء الآخرين، لما يحملونه من منظومة قيم ومبادىء واختلافٍ مفاهيمي مع السلطة السورية، وكان لذلك بالغُ الدور في عدم حصرهم لمطالبهم بتحسين أوضاعهم كسجناء وتحسين ظروف مكان احتجازهم، بل أبعد من ذلك، استهدفوا بإضرابهم الجريء عن الطعام المحاكمات الجائرة المفصلة أمنياً، التي لا تتوفر فيها سبل التقاضي القانوني العادل، وقانون الطوارئ التي ترزح البلاد تحت أحكامه منذ مارس 1963، ومحكمة أمن الدولة العليا بأحكامها الاستثنائية التي تقتطعُ منهم أجملَ سنيَّ عمرهم.

يمكن لسوريا أن تكون أجمل ومفارقة حين تحدث قطيعة مع حقبة احتجاز أصحاب الرأي والضمير، ومن شأن ذلك تقوية سوريا وتحصينها، أما إلقاء أصحاب الرأي والضمير ونشطاء الشأن العام في غياهب السجون، فلا يولد سوى الأحقاد والضغائن وتفتيت الوحدة الداخلية في البلاد وحواجز نفسية بين المواطن ووطنه.

__________

* كاتب سوري

-------------******************-------------

ماذا يٌحضر لسوريا؟

المحامي أنطون المعرواي - كلنا شركاء

02/ 12/ 2009

يبدو أن الفتنة عادت لتطل برأسها من جديد من خلال مشروع قانون سمى جديداً بالغلط ، لأنه نسخه طبق الأصل عن القانون الصادر عام 1953 المستمد من قانون قدري باشا مع بعض التغييرات الطفيفة في بعض الكلمات كاستبدال كلمة "نكاح" ب"زواج" بارك الله لمعدّي هذا المشروع هذه النقلة التحديثية الجريئة .

فإذا كنا حتى الآن نراوح مكاننا باستعمال قانون صادر عام 1953 ، فأين نحن من المعاصرة والحداثة؟ ويستطيع أي مراقب عاقل أن يقول أننا بهكذا قانون نعود القهقري وكأن الزمن في وطننا الحبيب قد توقف عن الجريان لأننا توقفنا عن استعمال ما يسمى بلغة العقل.

ولابد في هذه العجالة من إبداء بعض الملاحظات حول هذا المشروع القديم الجديد:

أولاً) الجمهورية العربية السورية دولة مؤسسة للأمم المتحدة ، بل هي من ترأست جمعيتها العامة وعرف عنها منذ الاستقلال حتى اليوم، وبالرغم من تبدل العهود والإدارات، أنها تحترم واحترمت كافة ما وقعته من معاهدات ومواثيق، وسمعتها عطرة غي هذا المجال لدى كافة المنظمات الدولية العاملة والمنبثقة عن الأمم المتحدة، ويأتي مشروع القانون المعروض لينسف كل تواقيع سورية على الاتفاقيات المعقودة مع الأمم المتحدة حول حقوق الطفل والمرأة، وهي سابقة غير معهودة في السياسة الخارجية السورية.

ثانياً) أعدت الهيئة السورية لشؤون الأسرة مشروع قانون للأحوال الشخصية شامل جامع، ويعد بكل المقاييس مشروعاً رائداً وعصرياً ينظم حياة الأسرة السورية بكل أطيافها، رائدها في ذلك مبدأ المواطنة الحقة. فلماذا يُهمل هكذا مشروع ويٌقدّم لسورية مشروع جديد يعود بنا إلى عصور التخلف والظلام وكل أنواع استعباد المرأة الطفل، ويُكرس مبدأ التفريق بين أطياف المجتمع السوري، ويهدم أسس المواطنة الحقة التي نسعى إليها جميعاً لنتساوى أمام القانون دون محاباة أو تمييز أو منة ؟

ثالثاً) بجهود العملين والمشرفين في الهيئة السورية لشؤون الأسرة أعد مشروع حقوق الطفل السوري، وهو من المشاريع التي تتمنى أية دولة في العالم أن يكون لديها مثل هذا المشروع العصري الذي يتوافق مع ما وصل إليه اليوم علم التربية والسلوك من مراتب لأنه التزم بكل معايير الحداثة وجاء متوافقاً مع ما وقعت عليه سورية من اتفاقيات دولية.

رابعاً) أعدت الهيئة مشروع صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي الذي يصل بالأسرة السورية إلى وضع مثالي من حيث تطبيق مبدأي العدالة والمساواة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يراد لهذا الوطن الحبيب من مثل هكذا مشاريع؟ أهو العودة بسورية إلى عصور الظلام ، وضرب كل المنجزات التي حققتها سورية على صعيد الحداثة والمعاصرة؟ أم المقصود تعريض سمعة الوطن للتشويه أمام المحافل الدولية لإظهاره بمظهر المتخلف عن مواكبة ركب التقدم والحضارة؟؟؟

سؤال لابد أن تجيبنا عليه حكومتنا الرشيدة ومعدّي مثل هذا المشاريع!!

---------******************-----------

لا نريد الشر لإيران.. هل تريد الخير لنا؟

الأربعاء ,02/12/2009

الخليج

ميشيل كيلو

أصدر السيد متكي، في اليوم الأول (10/11/2009)، فرماناً بعدم جواز تدخل أي طرف في الصراع الدائر في - وعلى اليمن . فعل متكي ذلك بطريقة أحمدي نجاد، الذي لا يتوقف عن قول كلام صريح مغلف بتهديدات مبطنة، أو قول كلام مبطن مغلف بتهديدات صريحة . منع متكي أحدا من التدخل في شؤون اليمن، كأن كلامه هذا ليس تدخلا في شؤونه، ونسي أنه أبدى هو نفسه قبل أشهر قليلة حساسية تجاه أي تدخل في شؤون إيران، بما في ذلك تدخلات من صنع خياله وعقله الشمولي، كإذاعة أخبار ونشر صور في التلفازات الغربية تبين احتجاجات شعب إيران ضد حكومة متكي، وكتابة مقالات عن الحدث الإيراني في الصحافة العالمية .

 

في اليوم الثاني (11/11/2009)، خفف السيد متكي لهجة فرمانه، الذي منع أحداً غير إيران من التدخل في الصراع الدائر داخل اليمن (وعليه)، وعرض قيام بلده بوساطة بين حكومته والحوثيين، كأن شؤون اليمن الداخلية من صلاحيات إيران، أو كأنه يحق لها التدخل فيها على هواها وبالطريقة التي تروق لها، أو كأن أحد أطراف الصراع تابع لها، وأخيراً كأن طهران أقرب إلى أطراف الصراع منها بعضها إلى بعض، وبالتالي فهي تستطيع جلبها إلى طاولة مفاوضات ليست حكومة اليمن مؤهلة لإقناعها بالمشاركة فيها . لن أتحدث عن علاقة إيران بما يحدث في اليمن، رغم اقتناعي بقوة علاقتها به، وقوة علاقتها بما تعيشه البلدان العربية من تمزق واقتتال وأزمات . سأتحدث عن دور إيران العربي، كما ارتسم بعد نجاح ما سمي “الثورة الإسلامية”، وعن الهوة بين واقع هذا الدور العدائي وبين ألفاظه المعسولة، وسأحاول تلمسه في ضوء الاستراتيجيات الدولية عامة والأمريكية خاصة .

 

قبل كل شيء، يجب أن تكون مخاصمة إيران ومعاداتها آخر ما يسعى إليه أي عربي أو مسلم . إيران جزء من نطاق حضاري/ ديني/ لغوي أقامه الإسلام حول مركزه وحامله العربي، فمن الجنون الصرف تحطيم هذا النطاق أو إضعافه أو العمل ضده . عندما هاجم الرئيس الراحل صدام حسين إيران، وبغض النظر عما إذا كان محقاً أو لا، كنت من أوائل من لفتوا الأنظار إلى خطورة ما فعل، وطالبت بوقف فوري للحرب . وحين أوشكت هذه على الانتهاء، حذرت، بالمقابل، من قيام إيران الإسلامية بتحطيم حامل الإسلام ومركزه العربي . غير أن من يتابع ما حدث منذ ذلك التاريخ، سيلاحظ الظواهر المؤسفة الآتية:

 

1 - ترى إيران في الوطن العربي منطقة يجب أن يسودها فراغ قوة وحكم ليصبح الفراغ وسيلة تستدعي نفوذها ووجودها كنفوذ ووجود مهيمن ومسيطر . أذكّر هنا بالطريقة التي احتلت إيران بها الجزر الإماراتية الثلاث، وبطريقة اجتثاثها أي وجود عربي فيها، رغم أنه وجود جد قديم وجد محدود . وأذكّر بعربستان وبالخرائط التي وزعتها سفارات طهران مرارا وتكرارا لأراضيها، وتضم البحرين وجنوب ووسط العراق، وأذكّر بإصرارها على اسم الخليج الفارسي ورفضها اقتراحاً عربياً يسميه الخليج الإسلامي، وبتدخلها في الشؤون الداخلية لبلدان عربية كثيرة، وخاصة في العراق، حيث نظمت الثورة الإسلامية حركة هجرة إيرانية واسعة إلى هذا البلد العربي، وأرسلت الآلاف من رجال الحرس الثوري، وأنفقت مليارات الدولارات سنوياً على شراء الذمم والأعوان، وعملت لصالح أطراف عربية ضد أخرى، على امتداد الوطن العربي، وتدخلت دوما في الشؤون العربية انطلاقاً من نظرة قومية ذات غلاف مذهبي أفادت من افتقار الوطن العربي إلى مركز قوة يتكور حوله، وتعاملت مع قضايانا عامة وقضية فلسطين خاصة باعتبارها طعماً يصلح للمزايدة، ولاصطياد الأسماك العربية الضعيفة وربطها بالمركز الإيراني، فلا عجب أن تسود الوطن العربي الخشية من شقه إلى فئتين متقاتلتين دينيا ومذهبيا، وشده إلى سياسات تستخدمه لتنفذ مآربها الخاصة، القومية الطابع، الرامية إلى اتباعه لها باسم الإسلام وما تدعو إليه القيادة الإيرانية من حتمية الحرب الدينية ضد الغرب، وهدفها منها زج المنطقة العربية في معركة ستؤدي إلى ربطها بطهران إلى أمد طويل، وإدخالها في معارك ليست معاركها، هي بالأساس معارك للسيطرة على الوطن العربي، تدور بين الدول الغربية وبين إيران، لن يخرج العرب منها رابحين، في الحالتين .

 

2- اعتمدت إيران منذ يومها الأول سياسة إضعاف مبرمجة للعرب، وتابعت نهجاً معادياً ونافياً للفكرة القومية كفكرة عربية جامعة، وللوحدة العربية كهدف عربي مشترك، بزعم تنكرها للإسلام وعدائها له، وعزل العرب عن بقية المسلمين ووضعهم في مواجهتهم، فلا مفر من تخليهم عنها . وقد قال الخميني عام 1989 لمجلة “اليوم السابع” الباريسية: “إن الحركة القومية العربية هي، بمختلف فصائلها، حركة صهيونية” . بعد مذهبة السياسة، التي تشق العرب والمسلمين دينياً وتضع بعضهم في مواجهة بعضهم الآخر، والعمل المستميت لمنع قيام مركز ثقل عربي يستقطب أمته ويدخل شيئاً من التوازن إلى العلاقات بين دولها، بدأت الثورة الإيرانية حربا منظمة ضد الفكرة القومية العربية، واستغلت تراجعها كمبدأ وكسياسة عقب هزيمة حزيران، فقدمت بديلاً وهمياً لها هو إسلامها، الذي تمتع ببعض الجاذبية في الأوساط الشعبية العربية، المقهورة والمستضعفة، الراغبة في الانتقام من أعدائها الغربيين والصهاينة، ولا تجد لدى حكوماتها القدرة على تأمين حقوقها أو الثأر لها، وصدق قسم واسع منها ما قالته خطب وتصريحات نارية أوهمتها أن إيران لا تريد شيئا غير أن تكون الناطق باسم الإسلام، المنافح عنه بالغالي والرخيص، الذي ينفذ إرادة المسلمين ويحقق رغباتهم، وأن الولاء لإيران ليس نقيض ولاء العرب لوطنهم، بل هو ذروته السامية ومنزلته الأعلى . إنه ولاء المسلم المظلوم لقوة إسلامية لا غاية لها غير رد الظلم عنه وحمايته، بعد ما تخلت عنه دوله وسلطاته وأوصلته إلى درك لا يحسد عليه . بحجة أولية وقداسة الرابطة الإسلامية، أنكرت إيران رابطة العرب القومية وحاربت فكرتها، واعتمدت سياسة تدخل مفتوح في بلدانهم، وأقنعت قطاعات منهم أنها إنما تفعل ذلك لصالحهم وليس لمآرب خاصة أو أنانية، إذن، فإن الاعتراض على تدخلاتها يعد ضرباً من الإضرار بمصالح المسلمين يصل إلى حد الاعتراض على الإسلام ذاته، ويحول بين دولة راغبة في الجهاد من أجل أمتها الإسلامية وبين تحقيق مقصدها النبيل هذا .

 

3- تعلن إيران بلا مواربة رغبتها في مفاوضة أمريكا على كامل الإقليم العربي، المشمول برعايتها من العراق إلى المغرب الأقصى وموريتانيا، فليس من حقه التفاوض نيابة عن نفسه، ولا يحق لأية دولة عربية التفاوض نيابة عنه، مع واشنطن . الدولة الوحيدة القادرة على خوض غمار تفاوض فاعل، وبشيء من الندية مع أمريكا، هي إيران، التي ستحدد الشكل النهائي والمتوافق عليه لعلاقات الإقليم العربي مع العالم عامة والغرب خاصة، ولنمط وطبيعة دورها المستقبلي فيه، الذي إن أقرته أمريكا وقبلته مرت علاقاتها مع دول المنطقة بعلاقتها مع إيران، ونشأ بناء سياسي من ثلاثة طوابق، تحتل أمريكا طابقه العلوي، وإيران طابقه الأوسط، وينزل العرب إلى قبوه، فلا يصعد أحد منهم إلى الطابق العلوي من دون المرور بإيران، ولا يعود أحد من الطابق العلوي إلى القبو من دون اجتياز الطابق الأوسط . بقول آخر: إن تهميش العرب اليوم، الذي تحرص إيران عليه أشد الحرص وترعاه عبر إقامة تكتلات عربية متنافسة، سيتوطد وسيترجم إلى علاقة أمريكية/ إيرانية طويلة الأمد، تعترف لطهران بدور إقليمي مهيمن، يحقق واحداً من أكثر الأهداف الأمريكية/ “الإسرائيلية” حيوية، هو بقاء الدول العربية ضعيفة ومتفرقة، وإثارة النعرة المذهبية فيها وفي ما بينها، وبقاء الأمة العربية، التي لعبت إيران دوراً خطيراً في تحويلها إلى مفهوم وهمي أكثر مما هو حقيقة مجتمعية / سياسية / ثقافية تاريخية، هامشية وطرفية في منطقة ستكون إيران مرجعيتها الإقليمية، المعتمدة أمريكياً، وإلا تم تقديم العرب حطباً يشعل نار الخلاف بين الدولتين .

 

هذه هي مقاصد إيران، فأين هي مصلحة العرب فيها؟ أين مصلحة العرب في منع إقامة قوة قومية قائدة في المجال العابر لدولهم الوطنية؟ أين مصلحة العرب في استبدال الرابطة القومية بخلافات وصراعات مذهبية تشق صفوفهم وتثير تناقضات عدائية بينهم تورطهم في احتراب داخلي واسع، يمكن أن يغطي مجمل رقعتهم القومية، المعلن منه مدمر والمضمر قاتل، هو نقيض دورهم ومصلحتهم؟ وأين مصلحة العرب في الانضواء تحت أجنحة دولة شقيقة دينياً، لكنها دولة أجنبية في ما عدا ذلك، تنظر إلى مصالحهم بعين النقص وإلى مصالحها بعين الأولية والكمال، وترى فيهم مجرد مطايا إلى مآربها؟ أخيراً، أين مصلحة العرب في السير وراء دولة تحفل علاقاتها مع العالم بمشكلات وأزمات لها أول وليس لها آخر، تحملهم علاقاتهم معها بلاوي ومصائب لا سيطرة لهم عليها وليسوا أصحابها الأصليين، تضاف إلى مصائبهم وبلاويهم، التي عجزوا طيلة عصرهم الحديث عن التخلص منها، علما بان قيادة إيران تفتعل مشكلات مع العالم، لاعتقادها أنها تعينها على إدارة أزماتها الداخلية، والسيطرة على محيطها العربي .

 

في الموقف العام من العرب، ليس هناك أي تناقض حقيقي بين إيران والغرب، وإن مانع الغرب تسليم الإقليم العربي لها وسعى إلى إقلال حصتها منه . إيران والغرب ضد وحدة العرب، وهما معا ضد بروز مركز ثقل قومي عربي، ولهما معا مصلحة في تعثر تنميته وتقدمه، لأن نجاح تنميته يزيد وزنه الإقليمي والدولي، ويقلص حاجته إلى طهران وأمريكا وقدرته على حماية نفسه منهما، ولهما مصلحة مشتركة في ضعفه وعجزه، وفي ضعف مجتمعاته وانقساماتها . أخيراً، أليس لأمريكا مصلحة في تعزيز المواجهة المذهبية داخل عالم الإسلام؟ ألا تراهن على هذه المواجهة وترى فيها سبيل خروجها من مأزقها الإسلامي الراهن؟

 

لا نريد معاداة إيران، فهي جزء من نطاق أمن وحماية أقامه الإسلام حول العرب . لكن إيران تعادينا، وتشق صفوفنا، وتحل أفكاراً تمزقنا محل الأفكار التي تجمعنا، وتسعى إلى مقايضة تاريخية مع الغرب على حسابنا، ستقلب، إن نجحت، تاريخنا وواقعنا رأساً على عقب . لا نريد الشر لإيران . هل تريد هي الخير لنا؟

---------******************-----------

عضو في غرفة صناعة دمشق يستقيل احتجاجا على إصرار رامي مخلوف الاستئثار حصة الأسد في بنك البركة

دمشق  خاص ب سوريون نت

علم مراسل سوريون نت أن الصناعي المهندس محمد الشاعر قد أجبر على تقديم استقالته من عضوية غرفة صناعة دمشق بعد أيام من فوزه بانتخابات غرفة الصناعة. وقد رجحت مصادر مطلعة لمراسلنا أن ذلك يأتي رداً على رفض الشاعر وهو عضو مجلس إدارة بنك البركة الإسلامي المفتتح حديثاً في سوريا- لأن يكون لرامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار أسد

له نصيب الأسد من أسهم البنك المطروحة للاكتتاب حيث يحدد نظام البنك الحد الاقصى للاكتتاب للأشخاص الطبيعيين السوريين ب 250 مليون ل.س وللأشخاص السوريين الاعتباريين ب 550 مليون ل.س. بينما يصر رامي مخلوف على الاكتتاب بمليار ل. س. ما يمكنه أن يكون عضواً في مجلس الإدارة .

 يذكر أن المهندس محمد الشاعر شخصية سنية محافظة دمشقية رائدة في المجال الصناعي، وهو من مؤسسي جمعية الكيميائيين السوريين ومؤسس بنك البركة- سورية ورئيس مجلس إدارة شركة الشاعر للتجارة والصناعة ولعقود في غرفة الصناعة السورية لعدة دورات ويعرف عنه تأييده للنظام الحاكم

---------******************-----------

ازدياد الحجاب: ملمح نسائي للصحوة الاسلامية السورية

لينا سنجاب - بي بي سي

28/ 11/ 2009

يبدو ان سورية تشهد صحوة اسلامية، تتبدى ملامحها في زيادة عدد النساء اللائي يرتدين الحجاب وتقودهن واعظات في الاغلب.

ويقال ان اتباع اكثر شخصية نسائية دينية محافظة في سورية، وهي منيرة قبيسية البالغة 70 عاما، يزيدون على 75 الفا.

واغلب الواعظات على طريقتها، وتسمى الواحدة منهن الانسة، من ابناء الطبقة المتعلمة ويذهبن الى اجتماعاتهن بسيارات سوداء فاخرة في ملابس انيقة ويتحدثن بلغة طليقة تنم عن قيادة تجعل جمهورهن فاغري الافواه.

تقول ام محمد، احدى تابعات قبيسية سابقا: "لقد ساعدوني وجعلوني اكثر ثقة بنفسي. اصبحت امشي في الشارع دون خوف من الرجال حولي، واصبح بامكاني ان اقول للناس انهم مخطئون".

لكن زوجها لا يعجبه الوضع تماما، ويقول ابو محمد: "لا مانع لدي من خروجها وان تقوم بشيء مفيد، لكنها بدأت تتغير وتريدني ان اتغير انا ايضا".

ويضيف انها منذ التحقت بالقبيسيات اصبحت اكثر جمودا وتركز على التفاصيل الغيبية.

وتقول ام محمد، التي تركت الجماعة: "اوافق. لقد اعجبتني طريقة عملهن ومساعدتهن للناس لكني لم اقبل الطريقة التي يردن بها السيطرة على عقولنا وتقرير ما هو جيد وسيء، فاذا واذا خالفت القواعد ولم تطيعي اوامر الانسة يعتبر ذلك تجديفا".

وفي مطلع الثمانينات، ابان حكم الرئيس السابق حافظ الاسد، وقعت صدامات بين حزب البعث الاشتراكي الحاكم والاخوان المسلمين الذين كانوا يحاولون الانقلاب على النظام.

واسفرت معركة حامية في حماة، شمال دمشق، عن وقوع 30 الف قتيل، معظمهم من المدنيين، كما قيل وبدأت حملة على الاسلام المتشدد بعد ذلك واخضعت المساجد لرقابة صارمة.

وتبنى الرئيس الاسد نوعا من الاسلام المعتدل "الذي تقره الدولة" يسمح ببناء مزيد من المساجد والمعاهد الدينية ومزيدا من الوعظ من قبل الدعاة الرسميين.

ووفر ذلك فرصة للواعظات النساء ليلقين عظاتهن خلف ابواب مغلقة وحافظت كثيرات منهن على الاسلام الاكثر راديكالية ومحافظة.

وفي ظل حكم الابن، الرئيس بشار الاسد، خرجت النساء الى العلن، وبينهن عدد كبير من الاصوات المحافظة، يعظن في المساجد والمعاهد الدينية.

ترى المعلقة والناشطة الدينية اسماء كفتارو ان القبيسيات يتبنين الان توجها اكثر مرونة عما قبل.

وتقول: "ادركن انه ليس بامكانهن الاستمرار بايديولوجية جامدة وان عليهن ان يكن مرنات لزيادة اتباعهن وهذا ما يفعلنه".

ويفخر السوريون بالسماحة والتنوع في مجتمعهم، الا ان البعض يرى ان ذلك يتغير الان.

ترى كنانة الركبي، وهي مصممة جرافيكس علمانية التوجه، في تلك الصحوة الدينية نتيجة غير سارة للاحباطات الاجتماعية والاقتصادية.

وتقول: "انها خطرة على المجتمع السوري، خاصة وانه لا يوجد تيار موازن. فجانب واحد نشيط، هو الجانب الديني، اما العلمانيون فليسوا ناشطين اطلاقا".

-------------******************---------

العيد في حلب .. اعتكاف في المنازل بعد جنون في التسوق

في الأيام الأربعة الأخيرة قبل حلول عيد الأضحى المبارك كانت أسواق حلب في قمة نشاطها الأمر الذي لم ينعكس حركة وصخباً مماثلاً في أيام العيد ، لم تغلق المتاجر أبوابها ليلة العيد حتى ساعات الفجر الأولى .

لكن الأطفال فقط في الأيام اللاحقة هم الذين أشهروا قدوم العيد فرحاً وصخباً بعيداً عن ذويهم الذين استسلموا لشرط الطقس البارد في أيام العيد الثلاثة المنصرمة .

 

إلك ولضرتك ولحماتك

محمد العبيد وهو بائع انتقل ببضاعته من سوق السويقة في المدينة القديمة إلى شارع النيال بارع في المناداة على بضاعته الرخيصة من أدوات الماكياج " بعشر ليرات وخمسة عشر ليرة بخمسة بعشرة بخمسة عشر تفضلي يا ست إلك ولبنتك ولضرتك ولحماتك تفضلي بعشرة حلي عيونك يا ست " .

أما محمد الحلو الذي لم يتجاوز العاشرة استمر في عمله ليلة العيد حتى الثالثة فجراً " اليوم جبر للفقير الله يخليك "يكف الشاب عن مفاصلته بالسعر ويشتري بضاعة صينية بنفس السعر الذي طلبه الطفل " كل يوم أشتري بألفين ليرة وأبيعها محمد لم يشتر ثياب العيد لأنه سيستمر في العمل أثناء العيد " سأبيع البليلة - الذرة المسلوقة – مع أخي وحتى ما أوسخ لأنها جديدة " .

وغير بعيد عن بسطة الطفل المتواضعة شرع ثلاثة شبان بالرقص ومناداة المتسوقين بعبارات غنائية ، أما موسى فارتدى عدداً من ربطات العنق دفعة واحدة " يا بلاش 100 الكرافيتا ب 100" .

 

الجرافات لم تثنهم

في شارع التلل لم تمنع ورش الصيانة وآلياتها الهندسية آلاف المواطنين من ارتياد السوق يومياً قبل العيد .

رغم الجرافات والحفريات فإن المتسوقين في شارع التلل الشهير لم يكترثوا كثيراً ،بيد أن التذمر كان واضحاً لدى التجار أكثر من بقية المواطنين .

أم محمد تمكنت من القفز إلى مدخل المحل قبل أن تصدمها جرافة كانت تسوي الحصى على الرصيف قالت " هذا سوق والعيد على الأبواب يجب أن يتوقفوا عن العمل ليلاً على الأقل وأن يكونوا حريصين علينا وعلى سلامتنا هذا أهم سوق في حلب " .

وعلى طول شارع التلل انتشرت المعابر والجسور الخشبية يعبرها الأطفال والنساء والرجال سواء حسان بيطار يصطحب عائلته لشراء ثياب العيد قال " في الأحوال لعادية الاكتظاظ قبل العيد يخشى منه على الأطفال من الضياع أما الآن فالخشية من سقوط في حفرة أو من ضربة صحن جرافة" .

تجار السوق بمعظمهم كانوا مستائين بشدة مما يجري ، مصطفى حبو اعتبر أن ارتفاع وتيرة العمل هي لتعويض التأخير في الانجاز " توقفوا عن العمل لأسبوعين وعندما اقترب العيد أصلحوا مثل خلية نحل هذا الأسبوع بالنسبة لنا مثل المسوم وننتظره " .

فيما اعتبر نشأت وهو صاحب محل ألبسة نسائية أن الأشغال " حدت من حركة البيع لكنها برغم ذلك ممتازة بعد صرف الرواتب "ويشاركه في الرأي جاره أحمد الذي اعتبر أن التسوق لهذا العام هو الأفضل متمنياً أن يعيد تجميل الشارع استقطاب العائلات الحلبية أكثر من بقية الأسواق .

 

لكن عبد القادر حبو وهو أحد أعضاء لجنة السوق قال "العمل يسير بشكل جيد لا يمكن أن نطلب منهم التوقف مع قدوم العيد لأن الأمطار إذا هطلت ستوقف عملهم وسيتأخر الانجاز وستزداد الشكوى منهم وما يقوله التجار غير صحيح " .

 

في حين رد نديم رحمون المهندس المسوؤل عن المشروع في مجلس مدينة حلب بأن العمل " يجري ضمن المهلة العقدية ولا يمكن التوقف أسبوعاً قبل العيد بالإضافة إلى أسبوع العيد وبذلك يتأخر المشروع " مبدياً تأكيده على أن العمل لم يتوقف أبداً في الأسبوعين السابقين للعيد .

 

اللعب والتعب

ضاقت حديقة الألعاب في العزيزية بالأطفال والمراهقين سواء منذ الساعات الأولى ليوم العيد ، لاشيء غير طبيعي في المكان الذي شهد العيد الماضي قبل شهرين مقتل فتى على يد أقرانه لسبب تافه .

وخلا الحدائق وتجمعات الألعاب كانت المدينة تغط في سبات بعد حركة حثيثة وصخب ، أبو صطيف اصطحب أطفاله الخمسة وتنقل معهم في كافة ألعاب الحديقة خلال ساعتين أنفق أكثر من ألف ليرة قال " أفضل أن أكون معهم ويتم اللعب بإشرافي العيد الماضي أصيب ابني سامح بخرزة في عينه بمسدس اين أخي وحول ذلك الفرح إلى حزن" .

مهند استغل عطلة العيد للراحة بعد عمل شاق في مجال تجارة الألبسة "استقبال الضيوف أمر سهل جداً قياساً بالوقوف و محادثة الزبائن وإقناعهم بالشراء 12 ساعة متواصلة ووقفة العيد عملنا منذ الظهر حتى الفجر العيد أصبح للراحة بالأخص مع البرد لن أخرج إذا لم يتحسن الطقس " .

أم عمار وهي موظفة في المالية قالت " في أول يومين نفضل معايدة الأهل و المعايدين لكن لا يمكن إقناع الأولاد بالبقاء في المنزل ولذلك نبقى قلقين عليهم بالأخص مع الحوادث الكثيرة التي تزداد في العيد مثل إصابة العيون بالخرز و الأيدي بالمفرقعات" .

مصعب القاسم وهو مدرس وأب لثلاثة أطفال قال " الأحوال الجوية لم تساعدنا للسفر خارج حلب لمعايدة الأقارب المنحية قبل العيد كانت جيدة تسوقنا بها بشكل إضافي لكن العيد والبرد لا يتناسبان العيد الماضي كان في آخر الصيف وكان متعة للأطفال أكثر من هذا العيد" .

في اليوم الثالث للعيد أفرغ الأطفال ما في جيوبهم ولاذوا بالمنازل فيما خرج الكبار للمعايدة وارتياد المطاعم والمقاهي والسهر مع ارتفاع درجات الحرارة التي تغلب على انخفاضها أطفالهم .

باسل ديوب- سيرياينوز – حلب

----------*******************************----------

واقع وآفاق التعاون الاستراتيجي التركي – السوري

بقلم: الدكتور عبد الله تركماني *

أخبار الشرق – 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009

الاتفاق السوري - التركي على فتح الحدود المشتركة، على المثال الأوروبي، يطوي الكثير من صفحات الماضي المؤلم بين البلدين وبين الشعبين، والتي لا يمكن تعدادها أو حصرها في قرن واحد، أو في سياق سياسي أو تاريخي موحد. لكنّ الصفحات الأهم هي تلك التي يفتحها ذلك الاتفاق على المستقبل، والتي يمكن أن تمثل تحولاً جذرياً في سورية وتركيا على حد سواء. هو بمثابة تغيير جذري في الديموغرافيا السورية والتركية على حد سواء، يستدعي الكثير من التأمل في التعديلات الجوهرية التي ستدخل على عملية صنع القرار في عاصمتي البلدين، والتي لا يمكن قياسها فقط بالمعايير السائدة حاليا عن حاجة سورية إلى فك عزلتها وتوسيع هوامش حركتها وخياراتها السياسية، أو عن رغبة تركيا في أن تثأر لسد أبواب أوروبا في وجهها من خلال التوسع في اتجاه العالم العربي والإسلامي.

ثمة ما هو أبعد واعمق من أي كلام سياسي متغيّر ومتحول ولا يزيد مداه الزمني عن بضع سنوات أو بضعة عقود على أبعد تقدير، فالسياسة هنا تخدم فقط في توفير منصة للإنطلاق نحو مستقبل واعد، يحاكي التجربة الغربية التي تخطت منذ زمن بعيد الفكرة الوطنية والقومية لترسي أسس ازدهار واستقرار وتطور لم يعد بإمكان أية سلطة مهما كانت مهجوسة بالتاريخ أن تعطله.. ولتنقل الشعبين السوري والتركي، وليس النظامين، نحو شراكة استراتيجية ليس لها حدود.

ولا شك أنّ البلدين اللذين كانا على حافة الحرب في عام 1998 سجلا اختراقاً تاريخياً، من خلال قيام الجيشين التركي والسوري بمناورات عسكرية برية مشتركة في ربيع عام 2009 في المنطقة القريبة من لواء الاسكندرون. وكان ذلك تعبيراً عن أنّ العلاقات بينهما ليست فقط بين حزب وحكومة لهما جذور إسلامية، بل بين دولة ودولة بما فيه الجيش التركي ذو القيادة المتشددة في علمانيتها والتي كانت لها على الدوام ولا تزال علاقات قوية مع إسرائيل. إذ يبدو أنّ مثل هذه المناورات تعبير واضح عن رغبة الطرفين في تعميق العلاقات بينهما على أكثر من صعيد إلى الحد الأقصى.

لقد دخل تاريخ 16 سبتمبر/أيلول 2009 تاريخ العلاقة السورية - التركية بتوقيع اتفاقية تأسيس مجلس تعاون استراتيجي شبيه بالذي وقع بين تركيا والعراق، وفي حين ترتفع جدران تأشيرات الدخول المعرقلة للتواصل والتكامل بين معظم الدول العربية نفسها، كانت تركيا وسورية تتفقان على إلغاء تأشيرات الدخول بينهما لمواطني بلديهما، في خطوة ستحدث تغييرات جوهرية في طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بينهما.

ويدخل تحسّن العلاقات بين البلدين في سياق تفاهم النظامين، السوري والتركي، المرتبط بعملية إعادة تعريف كل دولة لوزنها ولدورها الإقليمي في المنطقة. إذ هناك إجماع في تركيا على أنه في عالم ما بعد الحرب الأمريكية على العراق، تقف البلاد في وسط معطيات جيو - سياسية واستراتيجية جديدة. كما يدرك أيضاً النظام السوري أنه لا يمتلك أسباب القوة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تمتلكها تركيا، وبالتالي فإنّ المطلوب منه هو تغيير النهج والتوجهات، بما يتوافق مع المستجدات الجديدة في المنطقة، وبما يعود إلى تعزيز البيت السوري وتحصينه من آثار تدخلات الخارج.

لقد تركزت العلاقات التركية - السورية على امتداد العقود الماضية في ثلاثة عناوين:

1- اختلاف موقع كل بلد من العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية: فسورية كانت، في العين الأمريكية، بلداً يدعم "الإرهاب"، ويتعاون مع دول "محور الشر". في حين أنّ تركيا لم تكن في هذا الموقع، بل كانت ولا تزال حليفاً للولايات المتحدة الأمريكية.

2- العلاقات التركية مع إسرائيل: كان هذا الموضوع خلافياً، ففي حين كانت سورية تواجه صراعاً وجودياً مع إسرائيل، كانت تركيا تنسج أفضل العلاقات التحالفية معها، والتي تُوجت بالاتفاق العسكري في العام 1996.

3- مشكلات بنيوية ثنائية: في مقدمتها مسألة المياه ومشروع "غاب" التركي لبناء السدود، والذي ينطوي على إمكانات ضغط اقتصادية كبيرة على سورية، ولم يستطع البلدان - حتى الآن - التوصل إلى اتفاق نهائي بينهما، ومع العراق، لحل هذه المشكلة.

4- إنّ مستقبل الوضع في العراق يشكل محدداً أساسياً للملامح التي سيتخذها التعاون التركي – السوري، فبقدر ما يشعر البلدان بأنهما مهددان استراتيجياً من الخاصرة العراقية بقدر ما سيتكثف هذا التعاون. إذ أنّ التقاء وجهة نظر سورية وتركيا حول ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، هو أبرز ركائز التعاون بينهما. لكنّ تحولاً آخر قد يتيح تجاوز العلاقات الثنائية عقبة أساسية أمام تطويرها، وهو تعزيز العلاقات بمعزل عن طبيعة العلاقات التركية مع إسرائيل، ما دامت هذه العلاقات لا تؤثر سلباً على العلاقات التركية - السورية، بل ربما تفتح هذه النقطة أمام متابعة اضطلاع تركيا بدور وسيط في جهود السلام بين سورية وإسرائيل.

5 - الدور الإيراني في المنطقة، إذ يشكل هذا الدور محدداً في طبيعة التقرب التركي من سورية والعراق والدول العربية عموما، وينبغي القول هنا إنّ هذا البعد يأخذ طابع المنافسة على الدور والاقتصاد والتجارة والمشاريع الإقليمية الكبرى، في مجال التجارة والمواصلات والغاز والكهرباء والنفط والمياه، فضلاً عن أنّ الإدارة الأمريكية تريد من الدور التركي هنا تحقيق التوازن في مواجهة الدور الإيراني.

ولعل السمة المميزة لهذه القضايا مجتمعة، هي أنه بقدر ما أنّ هذه القضايا هي قضايا مشتركة للنزاع والخلاف والتوتر بقدر ما هي قضايا للتعاون والحوار والتفاهم في الوقت نفسه.

ففي حين حققت سورية "الاختراق" من جانبها بزيارة الرئيس بشار الأسد إلى تركيا في يناير/كانون الثاني عام 2004، فإنّ زيارة الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار لسورية في مارس/آذار 2005 جاءت تصميماً على السير قدماً نحو التنسيق بين البلدين. ويمكن القول: إنّ الاتفاقات التي وُقعت بين تركيا وسورية ستعزز الترابط الاقتصادي بين البلدين، باعتباره وسيلة للتكامل الاقتصادي الذي يفيد من حدود مشتركة طولها يزيد عن 800 كيلومتر، تقيم فيها على الجانبين عائلات وعشائر تربطها وشائج وروابط قربى ضاربة الجذور في التاريخ العثماني، لذا كان مهماً اتفاق الجانبين على إقامة مناطق للتجارة الحرة على جانبي الحدود، كما اتفقا على استثمار الأراضي الزراعية المتاخمة للحدود بعد نزع الألغام منها.

ومن جهة أخرى، يبدو أنّ ثمة مجموعة أسباب قد دفعت نحو التوافق بين الطرفين، إذ أنّ الاحتلال الأمريكي للعراق جعل حلم أكراد العراق بكيان مستقل أمراً أكثر واقعية، ولو ارتدى عباءة النظام الفيديرالي ضمن العراق الواحد. والخوف من مرحلة ما بعد الكيان الكردي عجّل في الاندفاع السوري نحو تركيا والعكس صحيح، فالبلدان لهما مصلحة في الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية. وإلى ثنائية الرفض السوري - التركي تنضم إيران، المعنية هي الأخرى بعدم قيام كيان كردي في العراق يدغدغ أحلام الأكراد الإيرانيين بالانفصال.

وفي الواقع، مثل هذا التطور الإيجابي في العلاقات لم يكن ممكناً لولا مجموعة من العوامل والمقدمات، التي حدثت في هذه العلاقات ومهدت الأرضية لإمكانية بناء علاقات إيجابية، ومن هذه المقدمات والعوامل:

* اتفاق "أضنة" الأمني الذي تم التوصل إليه في أعقاب أزمة صيف عام 1998، وكان الاتفاق بمثابة طي لملف حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان، وفي الوقت نفسه جاء بمثابة الاتفاق على شكل "إعلان مبادئ" لبناء علاقات جديدة.

* الرغبة المتبادلة في إيجاد مصالح مشتركة، واقتضت هذه الرغبة زيارات متبادلة بين وفود عالية المستوى، أسفرت عن استئناف عمل اللجان والهيئات المشتركة بعد توقف دام اثني عشر عاماً، وقد أدى استئناف عمل هذه اللجان إلى بلورة خيار التعاون الاقتصادي بين البلدين، ومن ثم خيار التعاون الاستراتيجي.

* توفر الإرادة السياسية والرغبة المشتركة لفتح صفحة جديدة بين البلدين.

وقد اختارت الدولتان ما يمكن تسميته ب "المنهج الوظيفي" مدخلاً لعلاقتهما، والافتراض، في إطار هذا المنهج ، أنّ التعاون في المجالات الاقتصادية والفنية، غير السياسية المباشرة، يمكن أن يفضي إلى درجة عليا من درجات التحالف السياسي، يضع العلاقات الجديدة في إطار استراتيجي، وليس مجرد لقاء تم على خلفية المخاوف المشتركة من المسألة الكردية في شمال العراق.

وفي سورية، فُهمت العلاقة الجديدة مع تركيا ك "اختراق سياسي" لعملية الاحتواء الأمريكية ومحاولة عزلها عن محيطها الإقليمي، مع كل الرهانات على الجوانب الاقتصادية التي يفضي إليها نهج التعاون الوظيفي مابين البلدين.

وفي الواقع، لا يمكن النظر إلى مستقبل العلاقات السورية - التركية، على الرغم من الهدنة التي فرضتها الظروف القائمة، بما فيها مشكلة المياه، خارج إطار الأبعاد الإقليمية والدولية المستجدة. فالتحرك التركي باتجاه الشرق الأوسط، ولعبة تقاسم المياه، تتحكم به معادلات دولية والنظام العالمي الجديد، وتؤثر فيه عملية توزيع الأدوار في ظل هذا النظام. والفرضية التركية، التي وصلت بكل وضوح إلى سورية، تقوم على أنّ الوجه الأطلسي لتركيا وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، يجب ألا يؤثر سلبياً على العلاقات التركية - السورية في حال تعاظم الضغط الأمريكي على سورية، وأنّ التحالف التركي مع إسرائيل لن يكون على حساب التطلع إلى التحالف الجديد مع سورية.

إنّ الآفاق، التي فتحتها المناخات الإيجابية بين البلدين، أرحب بكثير من الانطباع المبدئي الذي كان سائداً أواخر تسعينيات القرن الماضي. فسورية تستطيع أن تقدم لتركيا فرصة كبيرة للتفاعل الاقتصادي مع جميع دول المشرق العربي دون استثناء، عبر الطرق البرية السهلة، التي تنقل البضائع التركية إلى هذه الدول، وهي أيضاً المكان الأمثل لخطوط الطاقة العربية الحاملة للنفط والغاز الضروريان لبلد يسير بخطى حثيثة على طريق التنمية والتصنيع والتصدير، إضافة إلى أنها أرض خصبة لاستثمار سوق مهمة للتبادل التجاري.

وطوال الأعوام التي أعقبت اتفاق "أضنة" تحسنت العلاقات السورية – التركية، وهذا ما عكسه تبادل الوفود على المستوى الرسمي ومستوى المؤسسات الخاصة بوتائر عالية. وإذا كانت الزيارات المتبادلة تعكس تطوراً في علاقات الجانبين، فإنّ في "استراتيجية الجوار" السورية إزاء تركيا، ما هو أكثر من الزيارات، إذ يمكن ملاحظة ثلاث نقاط أساسية: أولاها، تبريد الخلافات السورية – التركية، وفي ملف هذه الخلافات موضوع "لواء اسكندرون"، وموضوع اقتسام مياه دجلة والفرات، التي تحاول سورية، منذ سنوات عديدة، التوصل لاتفاق دائم لاقتسامها بشكل عادل ووفقاً للقانون الدولي بين تركيا وسورية والعراق.

وثانيتها، تبدو في انفتاح سوري - تركي على حركة مرور البضائع والأشخاص عبر الحدود، حيث قامت السلطات السورية بتخفيف وتبسيط الإجراءات الحدودية، الأمر الذي قوبل من الجانب التركي بإجراءات مماثلة، مما رفع عدد عابري الحدود من الجانبين إلى أكثر من مليون شخص سنوياً، وزاد في قيمة البضائع المتبادلة بين الجانبين.

وثالثتها، هي خلق علاقات تعاون مستقبلي من أجل ترسيخ مصالح الطرفين وتقوية علاقاتهما، وفي هذا يمكن النظر إلى مشروع الربط الكهربائي الإقليمي، الذي يجمع سورية وتركيا إلى جانب العراق والأردن ومصر ولبنان، ومثل ذلك مشروع أنبوب نقل الغاز الذي تشارك فيه تركيا وسورية.

إنّ نهج التقارب بين تركيا وسورية أضحى أحد المكوّنات الرئيسة للاستراتيجية التركية في الشرق الأوسط، وأبرز دلالات ذلك التقارب استجابة سورية للنداءات التركية والتعاون الثنائي بينهما في استئصال حزب العمال الكردستاني، وتزايد مستوى التجارة والاستثمارات بينهما، وتخفيف حدة المشكلات المشتركة بينهما لاسيما حيال قضية المياه، فضلاً عن المحاولات التركية لفتح قنوات اتصال جديدة بين سورية وأوروبا، بالإضافة إلى قيام تركيا بدور الوساطة غير المباشرة بين سورية وإسرائيل.

لقد دخلت العلاقات السورية – التركية مرحلة غير مسبوقة بعد توقيع اتفاق إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين وتأسيس مجلس تعاون استراتيجي مشترك، يجتمع مرة في السنة على الأقل، ويكشف مشهد هذه العلاقات اليوم مستوى مميّزاً من الانفتاح والتبادل والتفاهم على مختلف المستويات، السياسية والأمنية والاقتصادية.

ويؤكد ما جرى عزم الجانبين على المضي قدماً في تعزيز العلاقات السورية - التركية، ونقلها إلى مرتبة التفاهم الاستراتيجي الذي يُفعّل مستويات عليا من التعاون. وذلك لأنّ مستوى التعاون الاستراتيجي يمكن لتركيا من خلاله أن تدخل إلى العالم العربي عبر البوابة السورية، وفي الوقت ذاته إذا تعاملت القيادة السورية مع تركيا وفق منظور استراتيجي، فإنها تدرك أهمية العلاقات مع تركيا، الدولة الأطلسية. وهذا يفترض إعادة النظر إلى تركيا، بوصفها جاراً يمكن أن يلعب دوراً مهماً في دعم سورية.

إنّ تطور العلاقات التركية – السورية، بهذه الصورة المذهلة، يعكس حاجة البلدين الواحد للآخر في العديد من الملفات الأمنية ولا سيما في ظل سعي تركيا لحل مشكلة حزب العمال الكردستاني، حيث أنّ ثلث عناصر الكردستاني هم من أصل سوري، ودور سوريا حيوي في المساهمة في أي حل محتمل. كذلك فإنّ الثقة السورية بتركيا تجعلها تفضل الوساطة التركية مع إسرائيل على أية وساطة أخرى، على الأقل في مرحلة المفاوضات غير المباشرة، وقبل دخول الراعي الأمريكي الأساسي على الخط في المراحل اللاحقة. كذلك تجد سورية في تركيا حليفاً وكاسراً لأية محاولات لفرض الحصار والعزلة عليها من قبل خصومها المتعددين. وليس من شك أنّ تركيا تولي سورية أهمية مضاعفة، لأسباب أمنية واقتصادية ولعامل الجوار الجغرافي ولكون سورية البوابة الحتمية، ولو حتى في المعنى الجغرافي فقط، لتركيا إلى العالم العربي.

إنّ أقوى ما في الرسالة التي أطلقها التقارب السوري- التركي ليس البعد السياسي أو العسكري، وإنما البعد الاقتصادي التنموي الواضح للعيان. ويكفي أنّ الخطوة العملية الأولى فيه، اختصت بالمواطنين الذين لم يعودوا يحتاجون إلى تأشيرات دخول. ولا شك أنّ تركيا وسورية دشنتا أنموذجاً يطمح طرفاه بقوة لإنجاحه، وسيبقى محك نجاحه ثنائياً، أما تعميمه وتوسيعه فهذا قصة أخرى.

لقد تطوعت تركيا لحل الخلاف العراقي - السوري حول تفجيرات الأربعاء الدامي في بغداد، بهدف قطع الطريق على أزمة إقليمية أكبر قد تفجّر ملفات لبنان وفلسطين وإيران، فالجميع يعرف أنها ملفات شائكة متداخلة، وسقوط أحدها يهدد المسائل الأخرى بالانفجار ويقود إلى إشعال المنطقة في مواجهات لا يعرف أحد كيف تنتهي. كما أنّ هذه الوساطة كانت تهدف إلى إطفاء الحرائق المشتعلة أو الحؤول دون إشعال حرائق جديدة يغامر بافتعالها بعض المتضررين، الذين يرون في النشاط الإقليمي التركي تهديداً مباشراً لمصالحهم، وخطوة تقطع الطريق على حساباتهم ونفوذهم.

لقد تحوّلت العلاقات التركية - السورية إلى أنموذج للعلاقات التي يجب صوغها بين تركيا وكل الدول العربية الأخرى، وصولاً إلى إقامة نظام اقتصادي وأمني مشترك بين العرب والأتراك يضاف إليهما إيران، طبعا مع الأخذ بالاعتبار استمرار العلاقات العسكرية والاستخباراتية بين تركيا وإسرائيل.

وبالرغم من كل ما ذكرناه أعلاه، يرى المحللون الاستراتيجيون أنّ مستقبل العلاقات التركية - السورية سيبقى مرهوناً بمجموعة من المحددات، بعضها يرتبط بالدولتين، والبعض الآخر يرتبط بالظروف الإقليمية التي تشهدها المنطقة. ففيما يتعلق بالدولتين تمثل قضية المياه إحدى القضايا العالقة بين الجانبين. أما على الصعيد الإقليمي، فيشكل التحالف التركي - الإسرائيلي العقبة الرئيسية في تطوير العلاقات بين البلدين، وبينما تؤكد تركيا أنّ علاقتها مع إسرائيل تمثل أهمية حيوية لها، ولمصلحتها الاستراتيجية، ترى سورية أنها تؤثر سلباً في العلاقات معها ومع الدول العربية. ولا يقلل من هذه الرؤية السورية ما ذكره الرئيس السوري، في إطار التجاذبات حول المفاوضات السورية – الإسرائيلية، عن رغبته في استمرار العلاقات التركية – الإسرائيلية لتسهيل الدور التركي في الوساطة مع إسرائيل.

وفي الواقع، إذ قرأنا السياسة وتحولاتها، ليس كمواقف أخلاقية وأيديولوجية فقط وإنما كمصالح وتحولات متزامنة ومترافقة للمتغيّرات والأولويات، فإنّ المحدد الناظم للسياسة التركية شرقاً لا يبعد كثيراً عن الاستراتيجية الأمريكية، طالما أنّ هذه الاستراتيجية في إطارها الوظيفي تضمن الضرر الأقل للسياسة والمصالح التركية، وتحقق لها الدور والمكانة الممكنة. وعند هذه النقطة قد يفترق التوافق السوري - التركي إزاء العراق حاليا إلى حالة جديدة تسفر عن مفهوم تركي جديد لأمنها تجاه العراق والمخاوف من دولة كردية منتظرة، كما يبدو الحديث عن دور تركي في التوسط للسلام بين سورية وإسرائيل ليس أكثر من عنوان سياسي لمرحلة، يتم فيها إعادة ترتيب الأولويات والمصالح والعلاقات وحتى الجغرافيا السياسية ودور القوى الإقليمية فيها، وهو الأمر الذي يؤسس للسؤال عن العوامل والمصالح والقوى والأهداف من استمرار التوجه التركي لبناء أفضل العلاقات مع سورية، التي تريد الإدارة الأمريكية حصارها لتحقيق أهداف سياسية محددة.

ولعل قيام الرئيس السوري بسابقة تاريخية بالنسبة للعرب وقادتهم، حين دعا تركيا إلى تحسين علاقاتها مع إسرائيل، يساعدنا على الإجابة عن السؤال السابق.

سورية والعرب مصلحتهم في ولادة هذا الشرق الأوسط العربي - الإسلامي الجديد، والذي لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا على رفات النظام الإقليمي الإسرائيلي - الأمريكي الذي يحتضر الآن، والصدام التركي - الإسرائيلي أحد المفاتيح الرئيسية لحلحلة مغاليق هذا النظام. وبالتالي ألا يكون الأجدى حينئذ النفخ في إوار هذا الصدام بدل الدعوة إلى إخماده.. سؤال برسم الرئيس السوري بشار الأسد؟

__________

* كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org