العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 6/10/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية: حكايات انهزام العقل!

محمد قواص

الحياة

السبت 28/9/2013

ربما نكتشفُ بسذاجة هذه الأيام أن السياسة ليست علماً قاطعاً، بل هي مزاجٌ ظرفي لصيق بالذاتية بعيد عن الموضوعية. ففي تلك العلاقة التي تربط أطرافاً بالنظام السوري، أو في ذلك السلوك القريب من المعارضة، تتقدمُ الإرادات عارية تكشف عوراتها التي لا يستقيم لها منطق.

على أن علمية الأشياء وموضوعيتها تحتاج إلى إيمان بنسبية التحوّلات ورماديتها، وهو أمر يتناقص مع منطق الانتفاضات وفلسفة الثورات. تاريخياً، تسعى الثورات للانقلاب على واقع أسود وإبداله بواقع يُراد له أن يكون ناصعاً. في ذلك مبالغة رومانسية عقائدية لا تأخذُ في الاعتبار توافر النزاهة والفساد في كلا الواقعين، الراهن والمُنقلَب عليه. وإذا ما اعترف العقل الثوري بذلك، فإن نفس العقل يغلّب هدف الثورة على التفاصيل مهما تسبب ذلك من ظلم (تأمل الثورات الفرنسية والروسية والإيرانية).

من حقّ النظام السياسي، أياً تكن هويته، أن يعتبر أن المُنقلِبين على الواقع هم رواد شرّ يرومون النيل من واقع الخير. على ذلك يصبح الثوار مضلَّلين ومندسّين وجرذاناً وعملاء... إلخ، وتعابير وأوصاف أخرى تفسّر للحاكم أمر العصيان والتمرد. في ذلك التشخيص تبريرٌ لسلّة من التدابير والعلاجات «المشروعة» مهما قست أدواتها مما هو مقبول إلى ما هو محرّم. وحدها نهاية النزال تحددُ صوابية التشخيص والعلاج من عدمه.

يعتبرُ المعارضون لنظام دمشق، من سوريين وغير سوريين، أن ترياق الحلّ السوري يكمن في إزالة نظامٍ، تُكال له لائحة من أسوأ الأوصاف، وإحلال نظام آخر. وعلى رغم أن هذا الآخر افتراضي الملامح، غير أنه بالمحصّلة، وفق التسليم المعارض، أفضل مما تعيشه سورية في ظلّ نظام قابض على خناق البلاد منذ عقود.

يعتبرُ أنصار النظام أن دمشق حصن الممانعة، في قلب تيار عابر يحتضن في متنه أنظمة ومنظمات ومصالح وتيارات وشخوص. في ذلك التقييم كفرٌ نهائيّ بإمكانات أن يُنتج السوريون نظام حكم يتحلى بمعايير تلك الممانعة التي أتخمت أدبياتها المنطقة على مدى أقل من نصف قرن. في تلك الخلاصة إسقاط لمنطق التاريخ من حيث ديناميات الشعوب في إنتاج نُخبها.

لم تأبه المعارضة السورية وكارهو النظام السوري في المنطقة من وجود القاعدة والأصولية الدينية والتطرف في صفوف من يقاتل النظام الدمشقي. الأمر تفصيل سيتم تجاوزه بعد تحقيق الهدف. طغى النزق على المنطق ورانت الغرائز على لغة العقل. لكن ذلك السلوك ليس نافراً إذا ما قورن مع تجارب الثورات على مدى التاريخ، من حيث التسليم بالخلطة الثورية على عللها ليُصار إلى تنقيتها بعد استتباب الأمور (تلك العملية مرت بتمارين ديموقراطية أو بالمشانق والمقصلات).

لا يبرزُ تَشخصن الحالة السورية فقط من خلال تصادم شخوص النظام ونزقها من فكرة تقاسم السلطة مع شخوص من غير النظام، لكن هذا النزق يتمدد وينسحب إلى ما وراء الحدود، بحيث تحوّل الصراع الإقليمي حول سورية إلى تصفية حسابات شخصية بين وجوه الحكم في المنطقة ووجه الحكم في دمشق (تأمل المواقف المباشرة للحاكم في الدوحة وأنقرة وطهران على سبيل المثال لا الحصر).

تبرزُ الذاتية بوضوح في المقاربة الدولية - الإقليمية لجريمة السلاح الكيماوي في غوطتيّ دمشق. تتم قراءة المجزرة كوجه بشع من وجوه النظام تُستخدم في إماطة اللثام عنه الصوّر والوثائق وأدلة أجهزة الاستخبارات وتقرير المحققين الدوليين. وتتم قراءة المجزرة بصفتها مؤامرة حيكت ضد النظام من قِبل المعارضة لاستدراج ضربة عسكرية قاصمة. يُستعان في الدفاع عن هذه القراءة بدعم العواصم، لا سيما موسكو التي لا ترى في النظام متهماً، ولا تؤمن بتحقيق دولي، ولن تسلّم برواية مخالفة.

في صراعات العقود الأخيرة، حتى لا نعود إلى عصور سابقة، تتقدم خلطات من وجهات نظر خيضت حولها صدامات دموية دراماتيكية كبرى. غزا الغربيون أفغانستان والعراق لإحقاق حقّ يبشرُ بطرد طغاة. وهاجم الأطلسيون يوغسلافيا لوقف مجازر تلتهم الناس. أتاحت ظروف تلك الوقائع تغليب تشخصن على آخر، وهيمنة وجهة نظر في غياب أو ضعف أخرى. لم تكن المسائل تسليماً بحقّ بقدر ما كانت إذعاناً لأمر واقع لطالما تحاول قوى الداخل كما الخارج التمرد عليه (فحتى مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان هي وجهة نظر تتطلب عجالة هنا وتتطلب تأن ودراسة هناك).

حين اتُّهمت دمشق وبعدها حزب الله بالوقوف وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رفض أنصارهما تلك التهمة واعتبروها افتراء. في موضوعية الرفض أن التهمة ملفّقة والأدلة مفبّركة والتحقيق مُنحاز. في مزاجية الرفض أن الواحد من المدافعين عن الفريقين المتهميّن لن يتراجع عن موقفه حتى لو قام هو شخصياً بالتحقيق والانتهاء بالدليل القاطع إلى مسؤولية المتهمين. وإذا ما اهتدينا إلى سرّ الخلطات الذاتية التي تُنتج الوعيّ العام، فقد يتيسر لنا أن ندرك لغز ديناميات السياسة.

في المنطق أن ندافع عن مذنب لإظهار براءته. وفي المزاج أن ندافع عن المذنب حتى لو لم تظهر تلك البراءة. ليس مطلوباً في السياسة إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، فتلك قيّم تجوز فيها وجهات النظر. ثم من يقرر ما هو حقّ وما هو باطل؟ في النهاية تلك مسائل يقررها من يكتب النهايات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاتفاق الروسي الأميركي والإفلات من العقاب

عمر كوش

المستقبل

الاحد 29/9/2013

يدشن الاتفاق الروسي الأميركي حول الأسلحة الكيمياوية للنظام الأسدي، نهجاً جديداً من المقايضة، ينهض على تسليم النظام لأسلحته الكيمياوية، مقابل الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها وجرائم الحرب أيضاً، كونه على الأقل يرجئ الضربة العسكرية الأميركية لقوات النظام، التي تحدث عنها الرئيس الأميركي باراك أوباما، فضلاً عن أنه لا يتحدث عن معاقبة ومحاسبة المجرمين، من مسؤولين ومنفذين لمجزرة غوطتي دمشق في الحادي والعشرين من شهر آب/ أغسطس المنصرم، ولا عن ملاحقتهم قضائياً أمام المحاكم الدولية، لذلك يشعر سوريون كثر بالخذلان واليأس من تعامل الساسة الأميركيين والغربيين مع الكارثة السورية، التي سببها تعامل النظام الأسدي مع الثورة السورية، ولديهم مخاوف واقعية من أن الساسة الأميركيين اتفقوا مع الساسة الروس على إنقاذ النظام الأسدي دولياً، بالنظر إلى تقلب مواقف الإدارة الأميركية، وتردد وتشوش مواقف أصحاب القرار فيها، وبخاصة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي أظهر للعالم كله وكأنه جاد في توجيه ضربة عسكرية للنظام الأسدي، ثم تراجع عن ذلك، ليرهن أمر الضربة بموافقة الكونغرس، ثم ذهب إلى اجتماع قمة العشرين، ليجتمع مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وربما عقد معه صفقة الكيمياوي، التي قد تطاول بقاء الأسد إلى ربيع ، بحماية ودعم أضرابه من الساسة الروس.

ولعل ما يحاول الساسة الروس تسويقه، من اختصار الأزمة السورية في مسألة تخلي النظام عن سلاحه الكيمياوي، لاقى صدى واسعاً لدى الساسة الأميركيين، حتى يبدو الامر وكأن الهدف الأساس من التهديد بالضربة العسكرية الأميركية هو تدمير الترسانة الكيمياوية للنظام، بما يفضي إلى غض طرف الساسة الأميركيين، ومعهم ما يسمى المجتمع الدولي، عن جريمة الحرب الشنيعة التي ارتكبت بحق المدنيين، فضلاً عن الجرائم والمجازر اليومية التي يقوم بها النظام ضد غالبية السوريين منذ أكثر من عامين ونصف.

غير أن تركيز الإدارة الأميركية على التخلص من ترسانة النظام الكيمياوية، يطرح العديد من المضمرات والأسئلة، إذ أن هذه الترسانة جمعها النظام من عرق السوريين وتعبهم، وعلى حساب لقمة عيشهم، منذ عهد الأسد الأب، وذلك على خلفية تحقيق "التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني"، بمعنى أن امتلاكها كان يمثل رداً على امتلاك إسرائيل ترسانة نووية. وكان لسان حال أهل النظام السوري يعتبر أن سوريا تمتلك هذا السلاح لردع إسرائيل عن التفكير باستخدام السلاح النووي ضدها، لكن في حقيقة الأمر أن التوازن الوحيد الذي سعى النظام الأسدي، بنسختيه، الأب والأبن، إلى تحقيقه كان موجهاً ضد غالبية السوريين، والردع الوحيد الذي كان يسعى إلى تحقيقه، هو ردعهم عن التحرك أو مجرد التفكير بتغيير النظام.

وقد قدم تقرير خبراء الأمم المتحدة، في فريق التحقيق الأممي، مؤشرات كافية لتوجيه أصابع الاتهام إلى النظام الأسدي، بوصفه الجهة الوحيدة في سوريا التي تمتلك سلاحاً كيميائياً، واعترف رسمياً بامتلاكه بعد إنكار مديد، وهو الجهة الوحيدة أيضاً التي تمتلك القدرة على القيام بهجوم بالسلاح الكيمياوي، ومع ذلك يدشن الساسة الروس والأميركيون سابقة خطيرة من سياسة الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية. كما أن الأدلة التي قدمها خبراء الأمم المتحدة، الذين حققوا في مجزرة الغوطتين الكيمياوية، أكدت على استخدام غاز السارين في 21 آب/ أغسطس 2013، الذي يمتلك النظام كميات كبيرة منه، الأمر الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بأنه "جريمة حرب"، لكنه اكتفى، في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيمياوي، من دون أن يقدم آلية محددة لكيفية الحساب. وكان المأمول من الأمين العام أن يوجه دعوة للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق بجريمة الحرب التي تحدث عنها، أو أن يطلب تشكيل محكمة لجرائم الحرب خاصة بسوريا، بعد ثبوت استخدام السلاح الكيماوي، الأمر الذي يشير إلى أن النظام الأسدي قد يفلت من العقاب في سابقة دولية خطيرة.

ويدرك كل الساسة الروس والأميركيين وسواهم، أن الأزمة السورية تكمن في بقاء هذا النظام في السلطة، واستمراره في قتل المزيد من السوريين وتدمير أماكن عيشهم وسكناهم، لأنهم قرروا عدم الاستمرار في العيش في ظل حكمه المستبد، وبدأوا ثورة شعبية، بقيت لأشهر عديدة سلمية، لكن الإمعان في القتل جعلهم يلجأون إلى حماية أنفسهم وأهلهم من الحرب الشاملة التي يشنها النظام عليهم، ومع ذلك لا ينظر الساسة الروس، ومعهم ساسة دول كثيرة، إلى الثورة السورية، بوصفها قضية عادلة، لأنها ثورة شعب، عدوها الأول هو نظام الطاغية.

وبالرغم من كل ذلك، فإن الثورة السورية ماضية في مساراتها حتى تحقق تطلعات الشعب السوري، بالرغم من أنها لم تلق أي دعم حقيقي سوى من أبنائها، ودعماً محدوداً من بعض الدول العربية والصديقة للشعب السوري، في حين أن النظام تلقى دعماً وإسناداً غير محدودين، على مختلف الصعد، من طرف قوى دولية وإقليمية، وبخاصة من طرف روسيا وإيران وميليشيات حزب الله اللبناني وميليشيات مذهبية عراقية وسواها، لذلك لا يتحدث رموز النظام الروسي شيئاً عن دعمهم، المتعدد المستويات، للنظام الأسدي، الذي يشن حرباً شاملة على الثورة وناسها، مارس فيها أبشع الممارسات والانتهاكات، وأطلق العنان لكل ممكنات التطرف ولمختلف النعرات. ولعل رهانهم على النظام الأسدي، يعكس شيئاً عن طبيعة وتركيبة نظامهم السياسي. كما أن دفاع النظام الإيراني عن النظام نفسه، ورهانه عليه، يعكس أيضاً طبيعة تركيبة النظام الإيراني، ويضيف خصوصية إلى خصوصيات الثورة السورية، التي لا تتلخص في مواجهة نظام دموي له امتداداته الإقليمية والدولية، بل يجسدها ارتباط النظام بشبكة تحالف دولية وإقليمية صلبة، لا يجمعها رباط الحافظ على تركيبة الأنظمة، بل تمتد إلى تأبيد رموزها، ومصادرة حقوق عامة الناس، واحتلال الفضاء العام، وبسط هيمنات وأجندات، وسوى ذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أكراد سورية لغم بشار الأخير

ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

الاحد 29/9/2013

المهم أن يبقى قابعا في قصره في دمشق ويواصل إجراء المقابلات التلفزيونية التي تؤكد أنه رئيس سورية، ليس مهما تسليم السلاح الذي زعم أولا أنه غير موجود ثم زعم انه لم يستخدمه، وليس مهما تدمير البلاد ومعالمها وبنيتها التحتية وتشريد الملايين وقتل أكثر من مئة ألف، ذلك وغيره ليس مهما طالما أنه يظهر في المقابلات ووراءه مكتبة خلفية تشي بأنه مفكر ورئيس.

  آخر المستجدات "ليس مهما" ما تسرب من نقاشات الأكراد في الإئتلاف الوطني والتي تكشف توجها تقسيميا انفصاليا  لكرد سورية. فهم لا يريدون تعريف سورية بالعربية. ولا الاكتفاء بسورية دون وصف، بل إضافة "اتحادية" وبما أنها اتحاد قوميات ومذاهب من الممكن مستقبلا فرطها!

 وبحسب كردي عراقي خبير في شؤون الأكراد "خطاب التقسيم والانفصال الموجود حاليا لدى الأكراد السوريين أصبح أقوى بكثير من خطاب الكرد في العراق سابقا وكذلك حتى من نوازع حزب العمال الكردستاني في تركيا".

الاستقواء الكردي هذا بفضل بشار أولا وأخيرا، فهو من الأيام الأولى للثورة مضى باستراتيجية مدمرة للبلاد من خلال تخويف الأقليات المذهبية والطائفية والقومية .. وطرح نفسه باعتباره حاميا لها. اعترف للأكراد في أول لقاء بالإحصاء الظالم ، وزاد في الجلسة بحسب احد حضورها نسبة الأكراد بأكثر مما يتوقعون، وهو مثل المالكي يواجه خطر العرب السنة! نفس الاستراتيجية اتبعت مع العلويين والمسيحيين والدروز.

    ميدانيا حرص النظام على دعم أكثر المجموعات الكردية تطرفا ودموية، وإخلاء المناطق التي يسيطر عليها لصالحها واستخدامها في مناطق سيطرته في سياق "التشبيح"، ومضى بعيدا في خلط الأوراق على حساب سورية الوطن من خلال فتح الأبواب لحزب العمال الكردستاني، والأخطر حسب كردي مطلع "وهناك إشارات من النظام السوري لعدم ممانعتها  لدخول بيشمركة من اقليم كردستان العراق للمناطق الكردية في سورية".

    النظام السوري ومثلما خوف العالم الغربي ببعبع التهديد الإسلامي المتشدد المتمثل بجبهة النصرة ودولة العراق والشام الإسلامية، حاول ايضا تخويف العرب وتركيا بالذات بالتهديد بتقسيم سورية من قبل الاكراد، وتشكيل ما يشبه الدولة الكردية وخطرها على العرب وتركيا.

وبحسب الخبير في الشأن الكردي فإن "النظام السوري حث عملاءه من الاحزاب الكردية السورية بالحديث عن تشكيل إقليم اسوة باقليم كردستان العراق، بل وصل الى أبعد من ذلك في إشارات الى ربط هذا الاقليم الجديد بإقليم كردستان العراق لتشكيل نواة لدولة كردستان العظمى".

  دمرها وقعد على تاليها. هذا حال بشار اليوم، وهو يستفيد مما تبقى من فترة حكمه للتأكيد على أن البلاد من بعده ستكون أسوأ، وقد نجح في ذلك أيما نجاح، وهو لا يكتفي بالدمار بل يفخخ البلاد لينفجر مزيد من الألغام بعده. لكن ما لا يستطيع تدميره هو حقائق التاريخ التي تؤكد ان الكرد ضحايا نظام البعث والأسرة الأسدية، وقبل نظام البعث كان الشيشكلي الكردي رئيساً لسورية، كان السوريون شركاء في وطن للجميع لا مزرعة تستنزفها عصابة!

  المأمول ان يعي الكرد والعرب درس التاريخ الحديث، وأن مشكلتهم حصرا مع الاستبداد لا مع بعضهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كفاكم تخويفاً للسوريين بالبعبع الإسلامي. لعبتكم مفضوحة!

 فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 29/9/2013

مرت عملية إخضاع الشعب السوري الثائر بمراحل متعددة، كان أولها إطلاق النار من قبل قوات النظام على المتظاهرين السلميين، ثم إلصاق التهمة بـ"عصابات مسلحة" وهمية، ثم طبعاً انتقل النظام إلى استخدام كامل الترسانة الحربية من طائرات ودبابات ومدفعية وبراميل متفجرة، وانتهاء بالكيماوي. وعندما فشلت كل هذه الخطط، راح النظام يعمل على تخويف الداخل والخارج بالبعبع الإسلامي كي يقول للسوريين: "أنا أفضل لكم من آكلي أكباد البشر". طبعاً الكثيرون باتوا يرون أن معظم جرائم التطرف في سوريا تقف وراءها إيران والنظام. وهي لعبة مفضوحة لا تنطلي على أحد. أما الجماعات التي تسيطر على بعض المناطق في سوريا فقد استغلت انسحاب الدولة من معظم وظائفها، وبدأت تقوم بعمليات تنظيم إغاثية. وهي بالتأكيد ليست بديلاً للدولة ولن تكون كما يزعم أولئك الذين يستخدمونها كبعبع لتخويف السوريين بها.

إن كل من يصدّق خرافة أن المتطرفين سيحكمون سوريا فيما لو سقط النظام الحالي إما مغفل، أو ابن ستين ألف مغفل. فلا مكان للتطرف في سوريا، لأن تركيبتها الاجتماعية والقومية والحضارية لا تسمح للمتطرفين بأن يحكموها. فالعاصمة دمشق يسكنها منذ زمن طويل أناس محافظون دينياً، لكنهم لم يكونوا يوماً متطرفين أو متزمتين أو ظلاميين. كيف لا، وهم من أبرع وأمهر العاملين في المجال التجاري في العالم العربي، إن لم يكونوا في العالم، وبالتالي، فلا يمكن الجمع عملياً بين التجارة والتطرف. ناهيك عن أن دمشق قلب سوريا النابض لا يمكن أن تعيش دون التعامل التجاري اليومي مع بقية أطياف المجتمع السوري بمختلف توجهاته. وعندما تنظر إلى حركة البيع والشراء في "سوق الحميدية" رمز دمشق التجاري الأهم ستجد المسلم والعلوي والشيعي والدرزي والمسيحي والإسماعيلي وبقية مكونات المجتمع السوري التي تعايشت وتعاضدت على مدى زمن طويل.

ولو نظرت إلى ثاني أكبر مدينة في سوريا، ألا وهي حلب عاصمة سوريا الاقتصادية، لوجدت أنها لا يمكن، في أي حال من الأحوال، أن تكون مدينة متطرفة، ولن تقبل بأن يحكمها المتطرفون. فبحكم موقعها الجغرافي وطبيعة أهلها الكرام المشهورين بمهارتهم العالية في التجارة والمهن والفن والطرب لا يمكن أن تكون حلب إلا مدينة حضارية منفتحة على الجميع.

وبما أن أكبر وأهم حاضرتين في سوريا لا يمكن أن تقبلا بالتطرف، فلا مستقبل للتطرف في سوريا كما يحذر بعض الأبواق، خاصة العلمانجيين منهم. لا مكان أيضاً للمتطرفين في سوريا في المناطق التي غالبية سكانها من الأقليات الدينية. ولا خوف أبداً على تلك الأقليات التي تعيش في سوريا منذ مئات السنين معززة مكرمة قبل أن يأتي آل الأسد وبعثهم إلى السلطة بقرون. ومن الجدير بالذكر أن النظام السوري يحتمي بالأقليات ولا يحميها. باختصار، فإن التطرف الذي يحذر منه النظام في سوريا ليس أصيلاً، بل هو دخيل أو مفبرك ولا محل له من الإعراب على الأرض السورية، وهو من صنع يدي النظام الذي يحرض على ضرب مكونات المجتمع السوري ببعضها البعض على مبدأ "فرّق تسد" لأغراض سلطوية حقيرة ولتخويف السوريين من بعضهم البعض. ويذكر أحد المراسلين أنه حتى سكان المناطق الشمالية في سوريا المعروفين بأنهم محافظون أكثر من غيرهم دينياً اشتبكوا مع العناصر المتشددة التي ولجت إلى مناطقهم، لأن النسخة الإسلامية التي تروج لها تلك الجماعات تتعارض مع النسخة الموجودة في تلك المناطق والمصبوغة بالصبغة السورية الإسلامية المعتدلة. بعبارة أخرى فإنه ليست هناك حاضنة شعبية واسعة أو عامة لقوى اتطرف في سوريا، حتى في المناطق التي تعتبر أكثر تشدداً من غيرها داخل البلاد. ومقاتلة بعض الجماعات المتشددة إلى جانب الجيش السوري الحر لا تعني أبداً أنها ستحكم المشهد السياسي فيما لو تغير النظام، خاصة أنها لا تشكل سوى نزر يسير جداً من المقاتلين، غير أن النظام يحاول تضخيم دورها في الثورة كي يصور الثورة على أنها ثورة متطرفين لتخويف الداخل والخارج بالخطر "القاعدي" المزعوم على سوريا تماماً كما فعل القذافي من قبل. وبالتالي، فإن كل من يحاول أن يخوّف السوريين بالمتطرفين فيما لو سقط النظام، إما أنه سخيف، أو أنه خبيث يحاول الالتفاف على مطالب الثورة وتشويهها لتمديد عمر النظام المتساقط، أو إحباط آمال السوريين في التحرر والانعتاق من الطغيان.

لنتذكر أن جماعة الإخوان المسلمين السورية لم تحصل على أكثر من عشرة بالمائة من الأصوات في خمسينيات القرن الماضي عندما كانت الديمقراطية في سوريا تعيش أزهى عصورها. وحتى لو فاز الإسلاميون في الانتخابات في سوريا، فإنهم سيكونون أقرب إلى النموذج التركي والتونسي. ويا مرحباً بالنموذج التركي، ناهيك عن أن صناديق الاقتراع ستكون الحكم في سوريا الجديدة، وليفز من يفز. وتذكر مجلة "إيكونومست" البريطانية المرموقة في تحقيق لها حول تركيبة المجتمع السوري بأن سوريا لم تشهد منذ أكثر من مائتي عام أي اعتداءات طائفية تذكر، مما يدحض تحذيرات أولئك الموتورين المأجورين الذين يحذرون الأقليات من تطرف الأكثرية ضدها فيما لو وصلت إلى السلطة. ولهذا، لابد أن نقول لكل من يخوّف العالم والسوريين من أن المتطرفين سيحكمون فيما لو سقط النظام: كفاكم كذباً وفبركات. لا يمكن لجماعات لا يتجاوز أفرادها بضعة ألوف أن يحكموا بلداً كسوريا، خاصة بعد أن كسر شعبها جدار الخوف مرة وإلى الأبد، ناهيك عن معظم تلك الجماعات تؤكد على أنها لن تبقى في سوريا لحظة واحدة بعد سقوط النظام.

قبل أيام فقط سمعت ثائراً سوريا إسلامياً من مدينة إدلب المحافظة يقول:" بعد انتهاء الثورة سأحمل بندقية وأحارب كل دعاة التطرف والمتطرفين في سوريا". وعندما تسمع مثل هذا الكلام من إسلاميي سوريا العتيدين، فلا شك أنك ستعلم عندئذ أن "البعبع الإسلامي" الذي يخوفون به الشعب السوري كذبة كبرى لا تنطلي على أحد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحصار يكمل سياسة القتل والتدمير

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 29/9/2013

يستمر الوضع الإنساني بالتردي في مدن وقرى غوطة دمشق، وهذا الوضع نموذج لحال مناطق سورية أخرى، تخضع لحصار خانق من جانب قوات النظام. وبعض المناطق مستمر حصارها منذ نحو عام ونصف كما في مثال أحياء حمص القديمة، وبعضها قاربت مدة حصاره العام كما هو حال غوطة دمشق، وثمة مناطق يسير النظام نحو حصارها، كما تبين المؤشرات والوقائع في العديد من مدن وقرى القلمون.

وحسب الواقع، فإن فكرة حصار المدن والقرى في سياسة النظام، ليست جديدة؛ فقد استخدمت في العامين الماضيين على نحو واسع ضد مدن وقرى، كان منها الحصار الشهير لكل من بابا عمرو والقصير في حمص، وكلاهما انتهى بدمار المنطقتين بعد أن قتل واعتقل بعض سكانهما، وشرد الآخرون وهجِّروا في اتجاه مناطق سورية أخرى، أو جرى دفعهم للجوء إلى لبنان الذي يجاور المنطقتين.

والحصار هو طوق أمني عسكري صارم، هدفه منع دخول السكان وخروجهم، أو مرور البضائع والسلع، بما فيها السلع الغذائية والطبية التي يحتاجها السكان في حياتهم اليومية، ويحتاجون بعضها وخاصة الطبية بصورة متزايدة في ظل تزامن الحصار مع عمليات عسكرية يقوم بها النظام على المناطق المحاصرة قصفا بالطائرات أو بالمدفعية والصواريخ، وغالبا ما يترافق مع الحصار قطع الماء والكهرباء وخدمات الهاتف والإنترنت في سياق تشديد الحصار، وجعل الحياة شبه مستحيلة، خاصة لجهة فقد الماء والغذاء والدواء.

ويبدو هدف الحصار مركبا؛ إذ هو في أحد جوانبه تعبير عن سياسة انتقامية تمارس إزاء مناطق فيها مدن وقرى أغلبها ما يزال له دور وحضور (ولو رمزي) في الثورة على النظام وتعبيراتها سواء المدنية والسياسية أو العسكرية.

والهدف الرئيس الآخر للحصار هو إجبار تلك المناطق التي عجز النظام عن السيطرة عليها بالقوة وعبر الآلة العسكرية - الأمنية، على الاستسلام، وبالحد الأدنى إضعافها على أمل أن يؤدي إضعافها إلى سهولة السيطرة عليها، أو توفير ظروف تؤدي إلى استسلامها، وكلاهما يحقق للنظام هدفه في إعادة قبضته وسيطرته على تلك المناطق.

لقد أدت عمليات الحصار إلى تدهور شديد في حياة المحاصرين من الجوانب المختلفة، وخاصة الغذائية والصحية، وبطبيعة الحال فإن التدهور يصيب أكثر الفئات ضعفا داخل المناطق المحاصرة، ولا سيما الأطفال والنساء، ولم يكن مصادفة أن يعلن أخيرا موت أطفال ونساء بسبب الجوع الناجم عن حصار مدينة المعضمية القريبة من دمشق، والمحاصرة منذ أكثر من عام مضى.

المشكلة في عمليات الحصار أنها تكاد تكون خارج صورة الصراع في سوريا؛ إذ يجري الحديث عن صراعات وقتل واشتباكات وتفجيرات في وسائل الإعلام وفي دهاليز السياسة، لكن موضوع حصار المدن والقرى، وهو حاضر ومستمر منذ بداية الثورة وجزء رئيس في استراتيجية النظام، لا يجري التعرض له، وإن جرى ذلك فإن الحديث عن الحصار يقود مباشرة للحديث عن المساعدات الإنسانية والإغاثة، سواء ما تجود به المنظمات الدولية أو ما تقدمه المعارضة، وكله لا يجد له طريقا سالكا إلى المناطق المحاصرة، وبعض ما يصل من جانب المعارضة يكون وصوله من أصعب العمليات وأعقدها، فيما تكتفي المنظمات الدولية بالقول إن الظروف، ومنها العمليات العسكرية، تمنع عمليات الإغاثة، لكن الحقيقة أن النظام يمنع ذلك، وإن يكن عبر أساليب وطرق مختلفة.

إن مئات الآلاف من السوريين يعانون من الحصار ونتائجه المتزامنة مع قتل وتدمير يومي، وسط أقل القليل من الاهتمام الدولي، ووسط ضعف حجم المساعدات، وعدم القدرة على توصيلها إلى المحاصرين، وهذه كلها أمور ينبغي أن تتغير؛ حيث لا بد من جعل القضية في بؤرة الاهتمام الإعلامي والسياسي؛ لأنها أحد أهم تعبيرات الكارثة السورية التي خلقها النظام، ويفترض تعزيز تدخل المجتمع الدولي فيها ليس فقط في موضوع الإغاثة التي من المهم زيادتها، بل باعتبارها أحد موضوعات الصراع في سوريا، وأن الطريق الرئيس لعلاجها يكون برفع الحصار من جهة، ووقف العمليات العسكرية للنظام في تلك المناطق، ثم تقديم المساعدات الإغاثية للسكان هناك لمساعدتهم في العودة إلى حياتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيال سياسي لمعارض سوري

حسين العودات

البيان

الاثنين 30/9/2013

يرى أحد الساسة السوريين المعارضين والمناضلين الذين اعتقلوا أكثر من مرة، وأمضوا سنوات في المعتقلات، أن الوضع السوري الآن يواجه طريقاً مسدوداً ونفقاً لا نهاية له. فلا السلطة التي تملك السلاح والمال والدعم الاستثنائي من بعض الدول، قادرة على حسم الموقف عسكرياً وسياسياً لصالحها، مهما امتلكت من أسلحة واستمرت في ممارسة أقصى درجات التدمير والقتل والاعتقال، ولا المعارضة بدورها قادرة على إسقاط السلطة عسكرياً، مهما تم تزويدها بالسلاح النوعي وغير النوعي.

 وبالتالي فإن الأزمة السورية قد تستمر سنوات على هذا المنوال، حتى يدمر الشعب السوري قطاعه العام وقواه العسكرية ومساكنه ونسيجه الاجتماعي ودولته، ويتحول إلى فئات مسلحة متنافرة، وتصبح دولته دولة فاشلة تتناهبها القوى المسلحة من أهل النظام ومؤيديه، أو من أهل المعارضة وفئاتها المسلحة العديدة.

وفي الحالات كلها فإن الشعب السوري، كما هي العادة، سيدفع ثمناً غالياً، كما أن مخاطر نقل الصراع إلى دول مجاورة هي مخاطر قائمة، وبالتالي فإن الفوضى (غير الخلاقة) في سوريا هي الأكثر احتمالاً في المستقبل. وفي نظر محدثي فإن فرضية تزويد المعارضة بالسلاح لإحداث التوازن مع قوات السلطة، لن تستطيع أن تحسم الموقف عسكرياً. وعلى كل حال فإن كل ما يعمل له أصدقاء المعارضة هو فقط إحداث التوازن مع النظام عسكرياً لتحسين شروط المفاوضات، في الوقت الذي تصر روسيا على دعم النظام بالسلاح المتطور، وتصر إيران على تقديم الدعم الاقتصادي والسماح لمن يسمونهم متطوعين بالذهاب إلى سوريا لنصرة الجيش السوري، كما شجعت السياسة الإيرانية العراقيين وأمرت حزب الله بالتدخل.

وفي الخلاصة يرى صاحبنا أن الحسم العسكري أصبح متعذراً، والنصر لن يكون في متناول أي من الطرفين، وأن القول بالتوازن لتسهيل الحل السياسي، هو مجرد خدعة مهمتها إطالة زمن الحرب واستكمال تدمير البلاد.

كما أن انتصار النظام عسكرياً سيزيده عسفاً وصلفاً، وانتصار المعارضة المسلحة سيضع أمامها مهام كبرى على رأسها طرد المتطرفين المسلحين من سوريا، وهذا لا يتم إلا بحرب دامية.

وعليه فإنه ما من حل معقول، في رأي صديقي المعارض، سوى إقرار وصاية من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن على سوريا، تستطيع تنحية النظام والمسلحين وإعادة بناء سوريا بناءً جديداً، بدءاً من إقرار الدستور والقوانين، وصولاً إلى التحالفات السياسية والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الجيش والقطاع العام، لتهيئة المناخ لحكم ديمقراطي، يقرر الشعب السوري من خلاله مصيره، ويحدد مستقبله، ويحافظ على بلاده، ويستطيع تفكيك الفصائل المسلحة المتطرفة وطردها خارج البلاد، واستيعاب المعارضة المسلحة في الجيش السوري الذي سيعاد تشكيله وتغيير مهماته.

وربما كانت هذه الوصاية الأممية هي الوحيدة القادرة على الحفاظ على البلاد والمؤسسات المدنية والعسكرية وعلى الدولة، وإبعادها عن أوحال الطائفية والمحاصصة والصراعات الداخلية، في الوقت الذي تساعد على الخلاص من النظام القمعي القائم، الذي لا ينبغي أن يكون له دور في مستقبل سوريا بعد الممارسات الوحشية التي ارتكبها.

إن هذا لا يعني البتة، في نظر هذا السياسي والمناضل السوري المخضرم، تدخلاً أجنبياً لدولة ما أو لمجموعة دول خارج الشرعية الدولية، ولا خضوعاً للقوات المتدخلة، وإنما هو مساعدة من المجتمع الدولي ومجلس الأمن، على إنهاء المأساة السورية التي لا يوجد أفق يشير إلى نهايتها.

وعلى ذلك فإن طلب الوصاية، إنما هو طلب مساعدة أممية نظامية، لن تكون لأي دولة فيها لوحدها القوة الفاعلة، وإنما يكون الأمر لمجلس الأمن والأمم المتحدة وللجامعة العربية.

بعد الحرب العالمية الأولى وجدت دول العالم وشعوبه نفسها أمام عالم أقرب إلى الفوضى، فقد تداعى نظام العالم الذي كان قائماً قبل الحرب، ولم يولد العالم الجديد الذي جاء بعدها، كما أن المرحلة الاستعمارية (الكولونيالية) التقليدية أصبحت على وشك التداعي.

وكانت هناك حاجة جدية لدى دول الاستعمار الأوروبي القديم لتطوير وسائل الاستعمار وأساليبه لإطالة عمره، بعد أن أصبح الاحتلال الأوروبي المباشر لشعوب إفريقيا وآسيا يشكل عبئاً ثقيلاً على المستعمر، وكان لا بد من مساعدة الشعوب المستعمرة لتكون لها دولها وكياناتها ومفاهيمها الجديدة، خاصة بعد انتصار الاحتكارات البريطانية والفرنسية وانهيار الاحتكارات الألمانية، إضافة إلى أن الخوف الأوروبي من الثورة البلشفية وتهديد التوسع الأميركي للاستعمار الأوروبي، أدى بالدول النافذة لتشكيل ما أسمته "عصبة الأمم"، وتكليفها صلاحيات الإشراف على تطور الشعوب ووضعها تحت الوصاية تمهيداً لاستقلالها.

وقد وُضعت دول جديدة وشعوب عديدة تحت وصاية الدول الأوروبية الكبرى، على أمل أن تساعدها على بناء الدولة المستقلة.

وتوزعت الدول الكبرى الوصاية، وكان من المبررات الرئيسة لذلك أن الوصاية تثبِت الدول الجديدة وحدودها، وتمنع تقاتل فئات شعوبها فيما بينها، وتطبق معايير الدولة الحديثة عليها. وقد نجحت هذه السياسة جزئياً في بعض البلدان، وفشلت في بلدان أخرى، شأن مختلف السياسات الجديدة في العالم.

فهل يضطر قصر نظر النظام السوري وعدم شعوره بالمسؤولية واستسهاله القمع والقتل والتدمير، وعدم فاعلية المعارضة، إلى العودة للاحتماء بخيمة الوصاية الدولية؟ والأسوأ من ذلك اعتبارها مخلصاً؟

إنها، على أية حال، وجهة نظر معارض سوري، يصعب اتهامه بقصر النظر السياسي أو التشكيك في وطنيته وحبه لشعبه، وكثيرا ما حل الخيال السياسي أعقد الأزمات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صفقة أميركية إيرانية... عبْر «الخطوات الصغيرة»

سكوت بيترسون

الاتحاد

الاثنين 30/9/2013

عقب 17 شهراً من مفاوضات نووية عقيمة نُظمت على أعلى المستويات مع إيران، أوحى الرئيس الإيراني الجديد بنفحة أمل بتحقيق اختراق كبير وسريع. وقال روحاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر الجاري: «لا مكان للأسلحة النووية في المنظومة الأمنية والدفاعية الإيرانية». إلا أن آمالا عراضاً سبق أن خابت في مجال تسوية العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وفي بعض الأحيان كانت تتلاشى بسبب عجز كلا الطرفين عن استبعاد التشدد في المواقف. فما شروط النجاح هذه المرة؟ وهل يمكن أن ينطوي الأمر على مجرّد الخداع؟ وماذا يريد الإيرانيون هذه المرة؟

يشكو الدبلوماسيون الأميركيون من أن إيران لم تعبر على الإطلاق عن القبول بأي حل معقول على طاولة المفاوضات. كما يشتكي الإيرانيون دائماً من أن «مجموعة 5الاثنين 30/9/20131» (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) لم تعترف أبداً بقبول المطالب الدنيا لإيران بحقها في تخصيب اليورانيوم فوق أراضيها. وهذا ما أدى إلى إجهاض جولات المفاوضات في بغداد وموسكو و«آلماتي» (كازاخستان).

وقال روحاني لصحفيين وإعلاميين أميركيين في نيويورك: «ليس لدينا ما نخفيه. هناك 40 دولة في العالم تقوم بتخصيب اليورانيوم، ونحن لا نقبل بأقل من هذا الحق، ولا نريد أكثر منه».

وأشار روحاني إلى أن سعي إيران لتخصيب اليورانيوم حتى بلوغ نسبة 20 بالمئة من النقاء (وهو ما يمثل المراحل التقنية ما قبل الأخيرة لصناعة القنبلة الذرية)، وأقل بنسبة 5 بالمئة من النقاء اللازم لصناعة الوقود النووي، يمكن أن يُطرح للنقاش والتداول على الطاولة. ولا يمكن لهذه اللعبة أن تنتهي إلا بإزالة المخاوف التي تعتري كافة الأطراف مع ضمان حقوق إيران في تخصيب اليورانيوم.

والشيء الذي لا يزال غامضاً هو المصير الذي ستؤول إليه منشآت التخصيب في «فوردو»، والتي تم بناؤها في جوف جبل لحمايتها من الغارات الجوية للولايات المتحدة وإسرائيل، وكيف يمكن لإيران أن تبدد مخاوف الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول نشاطاتها السابقة ذات العلاقة المباشرة ببناء الأسلحة الذرية.

ولا يزال اجتياز مرحلة اجتثاث أسباب الخوف صعباً. فقد طبّق الكونجرس عقوبات متزايدة القسوة على إيران باتت تستهدف المقوّمات الأساسية لاقتصادها، وهي تتنوع بين تقليص صادراتها النفطية التي انخفضت خلال سنتين من 2.4 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليون برميل، وبين فرض العقوبات على بنكها المركزي ومؤسساتها المالية الأخرى.

ويرى بعض المحللين أن الكونجرس مغرم بأسلوب فرض العقوبات، وهي سياسة يعتقد أنها ستجبر إيران على الاستسلام. لكنّ إيران استطاعت الإفلات من سياسة «العصا والجزرة» وقالت بأن هناك الكثير من العصي لدى كل الأطراف، وأن الجزرات تُركت لتأكلها «الحمير» وحدها.

وقال جاري ستيك خبير الشؤون الإيرانية بجامعة كولومبيا في نيويورك والمستشار في البيت الأبيض إبان الثورة الإيرانية عام 1979: «هناك أعضاء في الكونجرس يرفضون عقد صفقة مع إيران. والشيء الوحيد الذي يريده هؤلاء هو تغيير القيادة الإيرانية. ولهذا السبب، فإنهم مستعدون للوقوف في وجه أي عمل يمكن أن يخفف الضغط عن إيران. ولا يمكن لهذا السلوك أن يحمل في طياته إلا الآمال المحبطة. وحتى لو لم يعلنوا عن موقفهم جهاراً فإن همهم الوحيد يتركز على فكرة تغيير النظام القائم هناك».

وحتى داخل إيران ذاتها، هناك بعض العناصر المتشددة التي تعارض أي اتصال مع الولايات المتحدة وتسميها «الشيطان الأكبر». وتشهد طهران بعد كل صلاة جمعة احتجاجات تحرق العلم الأميركي وتصرخ: «الموت لأميركا». وتوقع ناصر هاديان جازي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران حدوث تطور سريع نسبياً فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، لكنه عبّر عن تفاؤل حذر فيما يتعلق باحتمال تسجيل تحسن في العلاقات الأميركية الإيرانية.

وحتى الآن، بقيت إدارة أوباما متمسكة بنموذج «الخطوات الصغيرة» في محاولتها بناء الثقة، والتي من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى عقد صفقة لإلغاء البرنامج النووي الإيراني كلياً، وبحيث لا تتمكن إيران من تركيب القنبلة الذرية أبداً.

وقال جورج بيركوفيتش الخبير والمحلل في مركز «السلام الدولي» بواشنطن: «علينا أن نكون أكثر قدرة على الإبداع بقليل مما نحن عليه. وأن نتعلم كيف نتعامل بمنهجية (الكبير يتحدى الكبير)». وأضاف: «إن نموذج (حبوة الطفل) تمثل هزيمة ذاتية لنا في هذه المرحلة، لأن الإيرانيين يريدون أن يعرفوا إلى أين تؤدي نهاية هذا الطريق، لا أين يبدأ».

ولا يتوقف الإيرانيون عن الإعلان بأنهم لا يريدون بناء الأسلحة النووية، وبأنهم يلتزمون فتوى الخميني برفض امتلاك مثل هذه الأسلحة. ويعلق بيركوفيتش على هذه النقطة المهمة قائلا: «هذا هو مفتاح التوصل إلى الحل». ثم يضيف: «ضع الشك معياراً ثم راقب ما يحدث. ونحن نعلم أن الولايات المتحدة لا تثق بالإيرانيين، إلا أن ما نغض الطرف عنه بشكل عام هو أن الإيرانيين يرتابون فينا أكثر ألف مرة مما نرتاب فيهم، وإن قادتهم يحتكمون للعديد من الأسباب التي تبرر لهم التمسك بهذا الشعور».

لقد أشار أوباما إلى فتوى الخميني التي تحرّم امتلاك الأسلحة النووية واعتبرها تشكل «أساساً لاتفاقية شاملة»، وأضاف في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر: «نحن لا نسعى إلى تغيير النظام، ونحترم حقوق الشعب الإيراني بامتلاك الطاقة النووية ذات الأغراض السلمية».

وبالنسبة للإيرانيين، «فإن التحكم بدورة الوقود النووي من أجل تنويع مصادر الطاقة لا يقل أهمية عن التمسك بشعورهم الوطني كأمة، وبكرامتهم واحترامهم واحتلال موقعهم اللائق في العالم»، وفقاً لما كتبه روحاني مؤخراً في مقال نشرته صحيفة «الواشنطن بوست».

واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية والمجتمع الدولي

 محمد صالح المسفر

الشرق القطرية

الثلاثاء 1/10/2013

تسير الثورة السورية في عامها الثالث وهي لم تحسم أمرها ولم تحدد أهدافها كما يجب ولم تدرك المتغيرات الدولية، فصائل متعددة متناحرة وقوى تعمل منفردة وكأن القدر بيدها وتعتقد أنها على صواب وغيرها على ضلال، مرة المجلس الانتقالي، وتارة أخرى الائتلاف الوطني وثالثة الجيش الحر. صراعهم فيما بينهم أشد من صراعهم مجتمعين على الإطاحة بنظام بشار الأسد.

في مطلع الأسبوع الماضي وعشية انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بحضور ملوك ورؤساء وجميع قادة العالم لمناقشة قضايا دولية اقتصادية وبيئية وعسكرية وأمنية وغير ذلك وكان من أهم البنود المطروحة على جدول أعمال الجمعية العامة بصفتها برلمانا عالميا تشريعيا واجتماع مجلس الأمن الدولي بصفته السلطة التنفيذية في التنظيم الدولي، الأوضاع القائمة في سورية الحبيبة وعلى قمة تلك الأوضاع السلاح الكيماوي الذي يمتلكه نظام بشار الأسد الذي استخدمه أكثر من مرة ضد الشعب، كما تقول التقارير الصادرة من سورية وكان أعظمها وأكثرها إجراما ما حصل في الغوطة.

في ظل هذه الدوامة السياسية في نيويورك خرج علينا من سورية "حلب الشهباء" عدد من أطلقوا على أنفسهم "الكتائب الإسلامية" وأبرز تلك التنظيمات لواء النصرة ولواء التوحيد ولواء الإسلام وحركة أحرار الشام ولواء الأنصار "معلنة سحب اعترافهم" بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والذي يتشكل من أطياف سياسية متعددة يهدف هذا التنظيم كما يعتقد البعض إلى إسقاط نظام بشار الأسد في دمشق. يسبب هؤلاء سحب اعترافهم "بالائتلاف الوطني" أنه جاء رداً على قبول الأخير بالذهاب إلى "مؤتمر جنيف 2" المزمع انعقاده الشهر القادم، لأن ذلك المؤتمر مرتب للتنازل عن الحقوق الشرعية التي قامت من أجلها الثورة السورية الراهنة كما يعتقدون.

( 2 )

لا اعتراض عندي على أن تختلف أطياف المعارضة السورية فيما بينها من أجل الوصول إلى تحقيق الأهداف العظمى عندهم وهي الإطاحة بالنظام القائم في دمشق وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، لكن نقطة الاعتراض عندي هو الانسحابات الجماعية أو الفردية، أقصد المنظمات من "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، كما جاء في البيان آنف الذكر.

إن الإعلان عن سحب الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري في بداية الأسبوع لم يكن موفقا في التوقيت ولا في التكتيك السياسي، لأن ذلك الإعلان جاء لصالح النظام المطالبين بإطاحته وتحولت الحوارات السياسية في نيويورك بين جميع القيادات السياسية بأنه ليس هناك بديل للنظام السوري القائم وأن البلاد ستتحول إلى فوضى وإلى هيمنة متطرفين إسلاميين، بمعنى آخر ستتحول سورية كلها إلى قاعدة للإرهاب الدولي سيجعلها عبئا على المجتمع الدولي.

( 3 )

الملاحظ أن التيارات الإسلامية السياسية الراهنة في الوطن العربي تعيش في عالمها المنعزل عن عالم الواقع الدولي، البعض منهم يريد أن يرد المجتمعات الإسلامية إلى عصرها الأول، أعني عصر الرسالة النبوية الشريفة ومن بعده الخلفاء الراشدون، ويصرون على ذلك، لست مشككا في علمهم إلا أن الملاحظة عندي تقتضي القول إنهم لم يفرقوا بين إسلام أهل مكة وإسلام أهل المدينة ولا جدال عندي بأن هناك خلافا جوهريا في الآيات المكية والآيات المدنية، لكن الإيمان بالله واليوم الآخر والرسالة النبوية والتصديق بما جاء به الرسل لا يتزحزح. في زمن السلف الصالح ليست هناك مصالح دولية متشابكة كعهدنا الحاضر وليس هناك فضاء مفتوح كعهدنا اليوم، لم يكن هناك أقمار صناعية ولا صواريخ عابرة للقارات ولا نقود مهيمنة على واقع تلك الأزمان، كانت النقود في أضيق دوائرها وكان السائد هو نظام المقايضة في المعاملات التجارية، اليوم الوضع مختلف ولا أريد أن أغوص في تفاصيل الاختلاف، فكلها مشاهدة بالعين المجردة والممارسة العملية.

ابن تيمية رحمه الله يقول: "إن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من حاجة إلى رأس.. فهل أدركتم قول ابن تيمية ومن هو الرأس الذي يحظى بإجماعكم؟ وهل أدركتم أنكم لن تحققوا أي نصر إلا بوحدتكم؟

( 4 )

"مؤتمر جنيف 2" أصبح مطلبا دوليا وقد أقره الكبار والتابعون، فهل أعددتم العدة في تنظيماتكم المعادية للنظام وجندتم قواكم السياسية والدبلوماسية لخوض المعركة السياسية في جنيف؟ الابتعاد من قبل الثورة والمعارضة عن المؤتمر في تقديري انتحار سياسي والمشاركة فيه دون وعي سياسي والقدرة السياسية والمعرفة الحقة بفن ومهارة التفاوض هو أيضا انتحار سياسي. إن الفهلوة السياسية ومفاوضات تجار السياسة غير مجدية في مثل هذه الحالات، لا بد أن يكون فريقكم في المؤتمر القادم يتكون من عدة فرق، فريق في مهارة الصياغات القانونية والسياسية لأي بيان رسمي أو اتفاق، يجب أن يشتمل فريقكم على خبراء في علم أو إن شئتم فن التفاوض كما يفعل الإيرانيون والإسرائيليون. إن وحدة الجبهة الداخلية في الميدان هي أحد عوامل قوتكم التفاوضية، وأن اختلافاتكم الدنيوية على تحقيق المصالح الذاتية أو الفئوية أو الأقلية هي مقتلكم ونهايتكم. إن إصرار "الفيالق الإسلامية المقاتلة" على تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية في الوقت الراهن أمر في غاية الصعوبة ولن يسمح لها المجتمع الدولي بأن ترى النور.

 إن أمامكم اليوم تجارب حية فشلت في قيام الدولة الإسلامية أو هيمنة الحزب الإسلامي، الجزائر نموذجا، وجمهورية مالي، ومصر ما برحت تضمد جراحها والسودان اليوم على حافة الانهيار وتونس حدث ولا حرج وتركيا تتربص بها الدوائر، سؤالي لهذه التيارات الإسلامية، هل أدركتم حال عصركم؟

آخر القول: التقارب الأمريكي الإيراني سيكون على حساب العرب عامة والخليج العربي وسورية خاصة، فهل أنتم تعقلون؟ بيدكم يا عرب كل وسائل الاحتفاظ بأوراق اللعبة السياسية وإدارتها في المنطقة وأنتم الرابحون، فهل أنتم فاعلون؟!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حياة السوريين وثمن الحقيقة

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 2/10/2013

بدلاً من الوصول إلى حد معين من الاستقرار في سوريا، بعد خطرة تلو أخرى تنجزها جماعة الرأي فيها، نشهد مزيداً من الاضطراب والخذلان والأسى، ذلك لأن الزمن المهيمن فيها إنما هو زمن مُقطع الأوصال كما هو حال الناس على الأرض.

وقد لا نبالغ إذا أقررنا بأن التوغل في ممارسة الحرب أتى من المشاركة الفعّالة فيها من قبل أطراف لا تملك الحق في ذلك، ولكن لها الحق في استخدام الفيتو كما تشاء. فالأعضاء الخمسة الذين يستخدمون ذلك «الحق» ضمن مجلس الأمن الدولي هم مجموعة من ممثلي بلدانهم يحق لأحدهم استخدام النقض، سواء تم ذلك بمقتضى الحقيقة المتحدرة من واقع الحال المشخّص على خريطة العالم أو خريطة البلدين أو البلدان المشاركة في الحرب. ها هنا يمكن أن تتم أخطر صفقة بمجرد الوقوف في الصف المواجه للحقيقة والذي يمتلك هذه الأخيرة بمجرد إعلان الاعتراض (أي الفيتو) ضد الطرف الآخر الذي قد يملك الحقيقة.

إننا إذن أمام الحالة التي تفتقد العدل والحصافة، ولكنها في الوقت ذاته تؤمّن توازناً شكلياً لا علاقة له بالحقيقة التي نبحث عنها. وعلى هذه الحال، مارست روسيا الاتحادية مع جمهورية الصين مثل ذلك النشاط القائم على توازن لا يخرج عن كونه قائماً على عدالة شكلانية. وبالفعل، نحن هنا نواجه معضلة من طراز غريب، فهي معضلة تمتلك الصدقية الشكلانية، لكنها تفتقد الحقيقة الفعلية المشخّصة. وبهذا يكون الستار قد أُسدل على هذه الأخيرة، في حين تبرز الأولى بوصفها قطار الحقيقة الذي على الجميع أن يلتزم به ويعمل بمقتضى توقيتاته. ومن شأن ذلك أن يعني أن الإنسانية الملتفّة حول «المنظمة الدولية»، تجد مآلها الظالم في هذه الأخيرة، وعليها مع ذلك (أي رغم الظلم الفاضح) أن تصمت قانعة. ومن شأن هذا أن يلجم تلك الإنسانية عن الكفاح من أجل عدالتها.

وإذا كان قيام منظمة الأمم المتحدة قد مثل خطوة على طريق العدل العالمي، فإنها الآن، الآن بالذات، مدعوة إلى إعادة مأسستها على ضوء قيم العدل الحقيقي، الذي تُظهر ضرورته القصوى الثورة السورية، والتي ربما تجسد نمطاً غير مسبوق عالمياً من العمل على التغيير الفعلي حقاً. لكن المأساة تكتمل أكثر، حين يعمل سادة الظلامية والظلم على ترسيخها، وذلك عبر الوقوف في وجه محاولة رأب الصدع، ولو قليلاً، على صعيد «الحقيقة الشكلانية» الزائفة، أي عن طريق الاستئناف إلى محكمة لاهاي، بصورة خاصة ومركزة. وذلك الانحراف الخطير هو ما يدفع السوريون ثمنه الفاحش من حياتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن البؤس السوري

معن البياري

البيان

الخميس 3/10/2013

تفتك قوى القتل لدى النظام السوري بتلاميذ في مدرسةٍ في الرقة، وتواصل استباحتها اليومية قرىً وبلداتٍ ومدناً سورية، وتتراكم أَعداد الضحايا، فلا يعيرُ كثيرون منا هذه الجائحة المتواصلة انتباهاً واجباً، بل يؤثرون الثرثرة بشأن خرافية جهاد النكاح، والتي تُعميهم عن النكبة السورية المهولة.

وهذه لا يعنيهم منها سوى أَنَّ سلطةً صارت لجبهة النصرة والمجموعات القاعدية المتشددة، والتي يحسنُ أَنْ نتذكّر أَنَّ بعضها من صناعة النظام القاتل، وأَنَّ ثمة عناصر منها أَطلقهم من سجونه، وابتعث بعضهم إلى العراق.

وفيما تتدمر حواضرُ في البلاد، وتمضي سوريا إِلى ضياع، وتعصى أَعداد القتلى والمصابين على العد، نقرأُ أَنَّ 43 تنظيما عسكريا يتوحدّون باسم "جيش الإسلام"، فنتذكَّر أَنَّ البلاء الذي ورَّط فيه النظام الحاكم في دمشق سوريا أَكبر مما نتخيل.

يزيد من هوله أَنَّ المعارضة التي يُفترض أَن تكون مبادرةً دائماً، وخلاقة في أَدائها، وعلى أَهليةٍ مكينةٍ في وضع المأساة السورية في قلب الاهتمام الدولي، نجدها تثرثر بشأن مؤتمر جنيف 2 بخفَّةٍ واضحة، إذ يُصرح رئيس الائتلاف، أَحمد الجربا، أَن التكتل الذي يقوده سيشارك في المؤتمر، فيخرج من الاتئلاف نفسِه من يقول إِن الجربا يُعبّر عن موقف شخصي، فنزداد حيرةً بشأن المؤتمرات الوفيرة التي يعقدها المؤتلفون، ماذا يحسمون فيها من اجتهادات وخطط عمل ومبادرات.

وفي أَثناء حيرتنا هذه، يعود الجربا إِلى كلامٍ آخر في الموضوع نفسِه، ويقول إِنَّ المعارضة تُطالب بضماناتٍ محددةٍ للجلوس إِلى طاولة جنيف 2، وقبل ذلك وبعده، يعلن وليد المعلم أَنَّ المعارضة الوطنية "المرخصة؟!" وحدها التي تستحق القدوم إلى هذه الطاولة.

هو وجه ظاهر من وجوه المحنة السورية التي لا تبدو نهايةٌ لها في المدى المنظور، بسبب قوةٍ للنظام الغاشم ما زالت قائمة، وبسبب قوةٍ لا يُستهان بها لدى التكتلات المسلحة المتشددة، ذات اللون القاعدي المقيت، والتي يختطفُ بعضها كاهنين منذ شهور، والأَب باولو دالوليو الذي تدهشك فطرته، وصلابتُه في نصرة الثورة السورية.

ويحوز الجيش الحر على قوةٍ طيبةٍ أَيضا، يمكنه بها إِذا ما سوند تسليحيا أَنْ ينجز ميدانياً حقائق مهمة على الأرض، من شأنها إِحداث مزيد من الاهتراء في النظام العسكري والأَمني الحاكم.

ولا تزيّد في الزعم، هنا، أنه ما لم تحدث مفاجأة مدويّة، ذات وقعٍ شديد الأهمية، تنعطف فيه سوريا من حال المراوحة المميت هذا إلى الخلاص المشتهى، فإننا نخدع أَنفسنا إِذا استسلمنا إلى وهمٍ عن اقتراب سقوط النظام.

 ولأن الحال على هذا النحو التعيس، والذي في أَثنائه يذهب هذا البلد، البديع في جماله، إِلى مزيد من تعقيدٍ عويص، من تفاصيله مزيد من القتلى والمهجرين والتدمير والنهب، فتنتعش بيئةٌ مواتية لنشاط الجماعات المتشددة التي تعمل على فرض نمط اجتماعيٍّ وديني مغلق، لا صلة له بالإسلام وسماحته ووسطيته...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما هكذا تستهوى القلوب سيدي الرئيس؟!

محمد فاروق الإمام

لقد تسرع السيد رئيس الائتلاف الوطني الأستاذ أحمد الجربا عندما أعلن في مؤتمر صحفي بنيويورك بأن "الائتلاف الوطني لا يعترف بجبهة النصرة، وبأنهم يرفضون أي جهة تفرض عقيدتها على الشعب السوري".

وجاء رد الجربا بعد سؤال وجهه أحد الصحفيين عن الاختلاف القائم بين الائتلاف السوري المعارض وبين جبهة النصرة التي أصدرت مؤخراً بياناً أشارت فيه إلى عدم اعترافها بالائتلاف المعارض. حيث أكد الجربا بأنهم مستعدون لمحاربة مثل هذه الجهات المتطرفة، علماً أن الأستاذ جورج صبرا رئيس المجلس الوطني السوري المعارض وعضو الائتلاف قال في وقت سابق بأنه دافع عن جبهة النصرة لدى أمريكا أكثر من جبهة النصرة نفسها والتي صنفتها الولايات المتحدة الأمريكية - ظلماً وتجنياً - ضمن قائمة الإرهاب.

بداية أرجو من السيد رئيس الائتلاف أن يصحح المعلومة التي قال فيها إن جبهة النصرة أصدرت بياناً أشارت فيه إلى عدم اعترافها بالائتلاف، والصحيح أن هناك ثلاثة عشر فصيلا مهماً من فصائل الجيش الحر، ومن بينهم جبهة النصرة، أصدروا ذلك البيان أعلنوا فيه عدم اعترافهم بالائتلاف وما يتخذه من قرارات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مكانة الائتلاف مهزوزة أمام الفصائل المقاتلة على الأرض، وبالتالي فإنه من واجب الائتلاف أن يراجع نفسه ويفتش عن مواطن الخلل في قراراته المتسرعة ومنها تصريحات الرئيس الجربا الأخيرة التي أعلن فيها عدم اعتراف الائتلاف بجبهة النصرة في الولايات المتحدة التي صنفت النصرة على أنها منظمة إرهابية، ولا أعلم إن كان الجربا أطلق هذا التصريح بقصد خطب ود أمريكا وإرضاء لها سياسة أم قناعة منه تجاه جبهة النصرة؟! في الوقت الذي كان جورج صبرا – وهو من أهم شخصيات الائتلاف وأكثرهم شعبية – يدافع عن جبهة النصرة في عقر دار عدوها الأول أمريكا التي صنفتها على أنها منظمة إرهابية، وكان الأجدر بالسيد الجربا عدم إطلاق أحكامه قبل العودة إلى هذه الفصائل والاستماع إلى رأيها والسبب الجوهري الذي دعاها لإصدار بيان بعدم الاعتراف بالائتلاف.

السيد أحمد الجربا إن التصدي للمسؤولية أمر جلل وأمانة حملها ليس بالأمر السهل وخاصة في الحالة السورية المعقدة، وأنا أشفق عليك وعلى كل من يتصدى لهذه المسؤولية الصعبة والشاقة، ولكن لابد من أن انتقدك ولابد لك من الاستماع لنقدي ولنقد الآخرين فلا خير فيك إن لم تسمع ولا خير فينا إن لم نقل؛ هكذا علمنا الفاروق عمر رضي الله عنه.

سيدي رئيس الائتلاف أتمنى عليك لو تذهب وتجلس وتستمع لهؤلاء الذين أعلنوا عدم الاعتراف بكم وتتحسس مشاكلهم وحاجاتهم وتصغي لآرائهم وما يدور في صدورهم من هواجس ومخاوف، فقد تجد لديهم ما غاب عن ذهنكم أو سقط عن غير قصد من تقديركم، وستجد أن تسرعك في عدم الاعتراف بجبهة النصرة أمر لا تقره مجمل الفصائل المقاتلة على الأرض، فجبهة النصرة فصيل مهم وذا مكانة محترمة لدى الفصائل الأخرى، إضافة إلى أنه يتمتع بحاضنة شعبية كبيرة في كل المناطق السورية، وهذا ما لمسته عياناً وسماعاً عند زيارتي الأخيرة إلى مدينة حلب والريف الحلبي، كما سمعت من بعضهم أنهم لن يبقوا يوماً واحداً في سورية بعد تحقيق النصر والقضاء على باغي دمشق ومجرمها.

الأستاذ الجربا إن البطولات التي قامت بها جبهة النصرة والمشاركة الفعالة مع باقي فصائل الجيش الحر في معظم المعارك التي خاضوها والانتصارات التي حققوها ضد شبيحة ومرتزقة النظام تستحق منكم التقدير والثناء، كما كان من الأجدر بكم أن تسعوا أمام أصدقاء سورية لرفع الحيف والتجني عن هذه الجبهة التي أتت إلى سورية لنصرتنا، وأن تقنعوهم برفع اسمها من قائمة المنظمات الإرهابية لأنها لا تستحق مثل هذا التصنيف الجائر الذي لا يمت إلى الحقيقة والواقع بأية صلة، ولو فعلتم ذلك لكنتم اكتسبتم ود واحترام هذه الفصائل والتي كان من الممكن أن تراجع نفسها وتدين لكم بالولاء الذي أنتم أحوج ما تكونون إليه!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حماية دولية لبشار الأسد. خيانة دولية للشعب السوري!

وليد جداع

المشرف على الحركة الدستورية السورية

كل المناقشات الدولية بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد أبناء الشعب السوري وقتل مئات المواطنين بهذه الأسلحة، تتجه باتجاه واحد هو إنقاذ بشار الأسد من جرائمه المتواصلة بحق الشعب السوري على مدى أكثر من عامين. إن التركيز على استخدام الأسلحة الكيماوية دون غيرها من وسائل القتل الممنهج ،على اعتبار أن هذا محرم دوليا،  يدين هذه المواقف مسبقا،لأنها تعني أن كل أنواع الجرائم التي اقترفها الأسد بحق الشعب السوري، يمكن التغاضي عنها والتسامح بشأنها.!

والموقف الدولي الرسمي من الضربة الأمريكية –التأديبية-  الخجولة الرقيقة المترددة المحتملة ، على هدفها المعلن الواضح في أنها عقابية ،محدودة ، لا تستهدف إسقاط النظام أو القضاء عليه أو الانتصار للشعب السوري، أو ترجيح كفة المعارضة السورية عسكريا...هذا الموقف لا يدع مجالا للشكوك بحجم عدم الاكتراث الهائل بعذابات الشعب السوري. لكنه يثير ألف شك وشك حول بواعث هذا الموقف المشين من معاناة الشعب السوري.

كيف يتأتى أن نرى الروس والصينيين والإيرانيين ودولا أخرى تؤيد الأسد ، وما تزال ، بكل أنواع السلاح والدمار والقتل والدعم السياسي، فيما الغرب المسمي نفسه صديقا للشعب السوري، وفيما عدد من الدول العربية...تفكر كثيرا جدا، وتتأمل كثيرا جدا، وتتأنى كثيرا جدا في تأييد الشعب السوري ومده بوسائل الدفاع عن النفس...ثم كيف يتأتى أن هؤلاء جميعا، يتحالفون اليوم علنا وخفاء ، في أكثر أنواع التحالف شيطانية وغموضا ضد الشعب السوري، فيسارعون إلى نجدته ، فقط  لأن تلويحا باستخدام القوة ضده قد أعلن، وهو تلويح محدود جدا ، ومخصوص جدا بأنه ضد بعض مفاصل النظام وبعض أركان قوته؟

كيف يتأتى أن أنشطة لا تنتهي في هيئات ومنظمات وبرلمانات وكنائس-على رأسها بابا الفاتيكان- ومساجد عالمية-على رأسها شيخ الأزهر-تتحرك هكذا بقوة وأريحية لافتة! تدعو إلى وقف-الحرب على سورية- مع أن الضربة المحتملة لم تقل أبدا إنها حرب على سورية، أو إنها للقضاء على زمرة الأسد الدموية، او إنها لتأييد الشعب السوري! بينما كان حجم التظاهر ضد جرائم الأسد الخطيرة المتواصلة ضد الشعب السوري، قليل جدا أو شبه معدوم! من يحرك هذه التظاهرات ، ومن يدعو لها، ومن يريد فعلا أن يبقى الشعب السوري تحت وطأة القتل والإرهاب!

كيف يتأتى أن السيد الأخضر الإبراهيمي ومنظمات دولية وحكومات وهيئات ، تفطن الآن إلى القوانين الدولية، وعدم جواز استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، ثم هي نفسها لم تراع القوانين الدولية التي تحرم القتل الجماعي، وتدمير المدن، وانتهاك حقوق الإنسان مما ولغ فيه الأسد حتى النهاية!! إن منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان وغيرهما من المنظمات دعوا مرارا إلى تقديم الأسد وعصابته إلى محكمة  الجنايات الدولية، وإحالة ملف جرائم الأسد إلى مجلس الأمن ليقرر ما ينبغي من عقوبات ضد هذا الطاغية، وأثاروا مرارا ضرورة اعتبار جرائم الأسد ، جرائم ضد الإنسانية التي تقتضي تدخلا دوليا وحماية دولية للشعب السوري..ولم تجد كل هذه الدعوات أي صدى أو اهتمام!

من يحرك هؤلاء جميعا الآن ، في حركة متناسقة متناغمة، يريدون بكل قوتهم وإمكاناتهم أن يحافظوا على المجرم الأسد وعصابته، وأن لا يعطوا فرصة حقيقية متواضعة للضغط ععلى هذا الطاغية الصغير، لعله فقط يرعوي عن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري الجريح!

لماذا معظم القوميين العرب واليساريين العرب والليبراليين العرب...لماذا كلهم لا يرون في أمريكا إن ضربت بعض قوى النظام المجرم ، إلا شيطانا مريدا، بينما  يبلغ ما فعله الأسد القاتل بالشعب السوري، أضعاف ما فعل كل أعداء الشعب السوري على مدى العصور! إن إسرائيل هجرت من الفلسطينيين على مدى ستين عاما أقل بكثير مما هجَر الأسد من الشعب السوري في عامين!

مريبة جدا مواقف العالم اليوم من التسابق لحماية الأسد ، وإخراجه من ورطته التي صنعها بيديه الملوثتين بدم الشعب السوري. ومريب أيضا هذا اللبس على الناس بتصوير المسألة على أنها حرب أمريكية ضد سورية، وأنها قد تؤجج الصراع المسلح وتأتي بمزيد من القتل والدمار، ولا يناقض هذه الريبة ما يزعم عن مشكلات المعارضة السورية أو عدم كفاءتها أو غموض المستقبل السوري بعد غياب هذا الطاغية المجرم....إن المسألة ليست المعارضة السورية سياسية كانت أم عسكرية، جهادية كانت أم سلمية، جبهة النصرة أو دولة العراق أو دولة الشام...

إنها مسألة مجموعة عسكرية دموية إرهابية ، تقتل في الشعب السوري بكل الوسائل المتاحة، ولا يرى هذا الشعب من العالم إلا حماية لهذه المجموعة وإلا رعاية لها ، وإلا صمتا عن جرائمها..

السيدة فاليري آموس وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية،، في رسالتها الإنسانية المؤثرة، كانت أكثر إيمانا وضميرا وأخلاقا من كثير من الساسة والزعماء والبرلمانيين ، حين ذكرت الإنسانية بالحجم الهائل للعذابات الإنسانية في سورية، وبحجم عدم الثقة لدى الشعب السوري في ضمير العام ووجدانه إذ تقول:

"ذكر لي العديد من السوريين، والنساء على وجه الخصوص، أن المجتمع الدولي تخلى عن الشعب السوري، وأننا نسير على الجانب الآخر. وأنا عاقدة العزم على أن نعمل معاً لإثبات أنهم على خطأ.

علينا أن نثبت للسوريين أنهم ليسوا وحدهم، وأننا لم نتخل عنهم، وأن العالم يهتم بهم"

يستمر العالم في تعامله مع الطاغية الأسد عبر منهجين اثنين: منهج داعم بالسلاح والمال  والدعم السياسي وكل ما يعزز آلة القتل عند الأسد. ومنهج غربي أساسا، يراوغ ويناور، يسوف ويؤجل، يختلق الأعذار والمسوغات...كل ذلك ليعطي الأسد دعما خفيا مخاتلا، وحماية من العقاب والمساءلة،

 فيما الأسد يرقص على جماجم الشعب السوري، ويتسلى بالألعاب الديبلوماسية! وهو بالضبط كما قال للصحفية الأمريكية المشهورة بربارة والتز: هل تضحكين يا سيدة بربارة....إن الأمم المتحدة والديبلوماسية...خواء وألعاب وتمضية للأوقات.

وعلى أي حال فالشعب السوري قد عانى من هذه الحماية الدولية للأسد كثيرا ،

وهو يدرك أن هذه الحماية مرشحة للاستمرار، وأنه متروك وحده يعاني القتل والتهجير والإذلال ، ولكنه لا يملك إلا الصبر والثبات وتطوير وسائل جهاده ونضاله. فالأسد هو مجرد عنوان لشبكة دولية من المصالح والاتجاهات والدول والرغبات لا تريد للشعب السوري الحرية والانعتاق، وترى في الأسد وسيلة مناسبة جدا لإبقاء الشعب السوري تحت وطأة القتل والتهجير والخراب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون والبند السابع

د. محمود نديم نحاس

صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 بالإجماع يدين استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا (دون إشارة إلى مرتكب الجريمة) ويطالبُ النظامَ بنزع الأسلحة الكيماوية وتدميرها، مشيراً إلى أنه في حال الإخفاق في الالتزام ببنود التخلص من الأسلحة الكيماوية فإن المجلس سيتوجه لاتخاذ إجراءات بموجب البند السابع. أي إنه لن يقوم بعمل عقابي تلقائي ضد النظام السوري إذا لم يمتثل للقرار، بل لابد من العودة إلى مجلس الأمن للتوافق من جديد على الانتقال للبند السابع. وتؤكد روسيا على أن هذه العودة تكون في حال حدوث انتهاكات مؤكَّدة للقرار. في حين يرى ريتشارد باتلر كبير مفتشي الأسلحة السابق لدى الأمم المتحدة أنه من الممكن أن تتخذ الأمور مسارا طويلا ما لم يحصل تعاون تام من قبل النظام السوري.

هناك من يرى أن هذا تقدم كبير في التعاطي مع الأزمة السورية، لكونه أول قرار يتبناه المجلس تجاه النظام السوري منذ بدء الثورة ضده في آذار/مارس 2011، بعد أن سبق إعاقة مثل هذا القرار ثلاث مرات عندما استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو). فما هو البند السابع؟ وما الذي تحقق بهذا القرار ؟

يتكون ميثاق الأمم المتحدة من 111 مادّة تنتظم في 19 فصلاً أو بنداً. وأهمها الفصل أو البند السابع المعنون: فيما يُتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان. ويضم هذا البند المواد 39-52 من الميثاق. ففي المادة 39 يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به. وفي المادة 41 يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته. وفي المادة 42 إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه.

أما البند السادس فعنوانه: في حل المنازعات حلاً سلمياً، والقرارات المتخذة بموجبه غير ملزمة، بل هي توصيات. ومن أشهر القرارات المتخذة بموجبه القرار 242 الذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967، والتي لم تنسحب منها حتى الآن.

فهل تحقق شيء بالقرار الجديد؟ القرار يتعلق فقط باستخدام السلاح الكيماوي الذي قتل ألفاً وخمسمائة من البشر، لكنه لم يتطرق إلى أي آلية لمحاسبة رأس النظام وأعوانه على ما اقترفوه من جرائم ضد الإنسانية، كما إنه لم يشر إلى الأسلحة الفتاكة الأخرى التي قتلت مائة وخمسين ألفاً من الشعب السوري! ولم يلتفت القرار إلى أهداف الثورة في إسقاط النظام الظالم وإقامة دولة العدل والحرية. فالقرار إذاً لم يحقق إلا إطالة عمر النظام ليقوم بمزيد من الجرائم، إضافة إلى ضبط السلاح الكيماوي فلا يُستخدَم ضد إسرائيل. والخشية هنا ليست من النظام السوري، ولكن الخشية هي أن يجن جنون أي ضابط وهو يرى النظام يقتل شعبه فيقرر توجيه السلاح الكيماوي إلى إسرائيل، أو أن يستطيع الثوار الوصول إلى مخازن هذا السلاح.

والقرار الأممي لم يكن مفاجئاً، فقد تم الاتفاق عليه بين القطبين في جنيف، وإرهاصات القرار أدت إلى تفريق المعارضة. فمنذ أيام أعلنت مجموعة من القوى والفصائل الثورية عدم اعترافها بمرجعية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ولا بالحكومة المنبثقة عنه، في حين سبق صدور قرار مجلس الأمن بيوم واحد إعلان أكثر من ثلاثين فصيلا من المعارضة انفصالهم عن الائتلاف وجناحه العسكري، معللين ذلك بفشلهما في عمل أي شيء للثورة، وتهميشهما للقوى الثورية العاملة على الأرض، وانحرافهما عن طريق الثورة. كما وجّه بيانُ الانفصال اللومَ إلى المجتمع الدولي لفشله في وقف الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الأسد وميليشياته التي يأتي بها من الخارج.

لقد اتخذ الثوار هذا الموقف من الائتلاف، الذي حضر مؤتمر أصدقاء سوريا الموسع في مقر الأمم المتحدة قبيل صدور قرار مجلس الأمن، لأنهم يتهمونه بأنه ذاهب إلى مؤتمر جنيف ليبيع الثورة والثوار بأبخس الأسعار ويرضى بأقل ما يمكن الحصول عليه من هذا النظام المخادع الذي يقف معه أقطاب المجتمع الدولي، وتضيع بذلك دماء الشهداء وحقوق المعذبين من المعتقلين والمهجرين والمشردين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 54)

خطّة العميد رفعت الأسد للسيطرة على دمشق

محمد فاروق الإمام

كان العميد رفعت الأسد يستغل فترات ضغط الإخوان المسلمين على مرافق الدولة المختلفة ويطلب في ذروة الأزمة ضباطاً ومجندين إلى الوحدة، وكانت إدارة شؤون الضباط تستجيب له وكذلك شعبة التنظيم والإدارة الأمر الذي رفع تعداد الوحدة من ستة عشر ألفاً إلى أربعين ألفاً من مختلف الرتب، وقد ساعده في ذلك أن التطوّع كان مفتوحاً لديه ولهذا فانَّ كل مجند يأتي إلى الوحدة يكون زيادة على الملاك، وحتى تستوعب سرايا الدفاع، التي هي في الأساس (فرقة مدرعة) + لواء مشاة جبلي + ثلاثة أفواج إنزال + كتيبة (مغاوير خاصة + كتيبة دبابات مستقلة)، هذه الأعداد الكبيرة من الجنود، شكّل العميد رفعت بصورة غير نظامية أربعة ألوية مشاة أطلق عليها «الألوية المحيطة» وأعطاها أرقاماً من عنده وكلّف كل لواء منها بمهمة السيطرة على المحاور المؤدّية إلى دمشق وفقاً لما يلي:

اللواء الأول: محور حمص ـ دمشق.

اللواء الثاني: محور بيروت ـ دمشق.

اللواء الثالث: محور القنيطرة ـ دمشق.

اللواء الرابع: محور درعا والسويداء ـ دمشق.

كانت الفكرة الأساسية للسيطرة على دمشق تقضي بإغلاق المحاور الأساسية في وجه الوحدات والتشكيلات الضاربة المتمركزة خارج دمشق والتي ولاءها معقود للقائد حافظ الأسد، وفي اللحظة نفسها تتحرّك ثلاث مفارز قوامها سرية دبابات + سرية مشاة ميكانيكية + فصيلة هندسة عسكرية بمهمة السيطرة على منـزل رئيس الجمهورية من قبل المفرزة الأولى، بينما تقوم المفرزة الثانية بالسيطرة على مقر القيادة العامة، والمفرزة الثالثة تقوم باحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون وتعلن مباشرةً على العالم نبأ استلام «رفعت الأسد» مقاليد السلطة في البلاد، ولإشعار سكان العاصمة دمشق بأنّ القبضة التي استلمت الحكم هي قبضة فولاذية، تقوم كتائب المدفعية (ب م ـ 21) بقصف دمشق عشوائياً لإرهاب السكان وقطع أنفاس الناس حتى يصبح أهل الشام مثل أهل بغداد أيام «الحجّاج» سابقاً وأيام «صدّام» لاحقاً.

بعد ذلك تقوم مفارز المشاة من سرايا الدفاع بعملية نهب وسلب للمدينة المنكوبة وقد أبلغ العميد رفعت ضبّاطه وجنوده أنّ المدينة ستكون لهم حلالاً زلالاً مدّة ثلاثة أيام بلياليها، وبعدها لا يجوز أبداً أن يظلّ فقير واحد في سرايا الدفاع، وإذا طلب أي جندي بعدها مساعدة أو إكرامية ستقطع يده، ولذلك على من يكتبوا تاريخ سورية الحديثة أن يقدّروا مدى وأهميّة الحكمة البالغة التي استخدمها الرئيس حافظ الأسد بنـزع فتيل الأزمة على نار هادئة.

رفعت الأسد حزين لاضطراره إلى تدمير دمشق الرائعة الجميلة

يمكن لكتيبة واحدة من أن تطلق 720 طلقة في دقيقة وعشرين ثانية وهي الجيل المطوّر عن قذائف (الكاتيوشا) التي ابتكرها المهندسون الحربيون الروس في الحرب العالمية الثانية وكان لها دور مؤثر في الضربات النارية، وفي حديث هامس لأبي دريد «رفعت الأسد» مع مستشاره السياسي «محمد حيدر» وكانا يمشيان في ضوء القمر بمعسكرات القابون: «مو حرام وا أسفاه أن تهدم هذه المدينة الجميلة»، فأجابه محمد حيدر: «والله صحيح حرام وا أسفاه ولكن شو طالع بأيدينا غير هيك".

"علي عيد" يرسل مفرزة من اللصوص لنهب مدينة دمشق

في أوائل نيسان من العام 1984م وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر تلقيت اتصالاً هاتفياً من قائد قواتنا في طرابلس العميد سليمان حسن وأعلمني أن "علي عيد" جهز مفرزة من اللصوص قوامها حوالي مئتي عنصر مع عشرين سيارة متنوعة وهم مسلحون ببنادق كلاشينكوف ومدافع مضادة للدروع (آر. ب. ج.7) وقنابل يدوية ومسدسات. وهناك اتفاق ضمني مع "أبو دريد" يعني العميد رفعت الأسد بأن هذه المجموعة سوف تشارك في نهب محلات المجوهرات خاصة في دمشق عندما تحين ساعة الصفر لاستباحة المدينة ثم يهربوا بالمسروقات إلى لبنان (طرابلس الشام) وهناك تتم عملية الاقتسام.

اتصلت فوراً بقائد فرقة الدفاع الجوي بالمنطقة الوسطى اللواء أحمد غميض وأسندت إليه مهمة القبض على اللصوص وقلت له: إذا كنت غير قادر على مجابهتهم فأنا على استعداد لأن أعطي أمراً لمدير كلية المدرعات العميد فاروق عيسى لكي يضع تحت تصرفك سرية دبابات من فوج البيانات العملية. فأجابني لا لزوم لذلك فأنا قادر على مجابهتهم وإلقاء القبض عليهم.

وبعد ربع ساعة اتصل بي اللواء "غميض" وقال لي: لقد "لقد زمق" اللصوص إلى دمشق ولم نستطع الإمساك بهم..

قلت لقائد الفرقة: ألم أقل لك إذا كنت غير قادر على التنفيذ أعلمني حتى أسند المهمة لغيرك!. فأجابني: سيدي "زمقوا".. "زمقوا"..لم نستطع أن نعمل لهم شيء..

أنهيت المكالمة واتصلت على الفور باللواء شفيق فياض قائد الفرقة المدرعة الثالثة والمتمركزة في القطيفة وأسندت إليه مهمة القبض على اللصوص وطلبت إليه أن يحرك سرية مشاة ميكانيكية من اللواء عشرين وأن يضع عربة مدرعة على مفرق معلولا وعربة ثانية على المحور القديم، وباقي العربات على المحور الأساسي. وأن يكون الاتصال بالنظر بين الجميع. وكان جوابه: سيدي اتركوا لي التفاصيل وسوف تسمعون الأخبار الطيبة بعد أقل من ساعتين.

كان وصول اللصوص إلى دمشق سيشكل إهانة لسمعة القوات المسلحة إذ إنهم تمكنوا من خرق كافة الحواجز الأمنية على الطرقات. صحيح أنهم يرفعون أعلام الحزب وشعاراته على سياراتهم وصور رفعت الأسد ولكن هذا لا يغير من حقيقتهم.. وهو أنهم لصوص حقيرون لا يجوز أبداً أن نسمح لهم بدخول دمشق وممارسة مهام التخريب والسلب التي كانوا يمارسونها سابقاً في بيروت عندما أطلقوا على أنفسهم "فرسان البعث" وهم خليط من سرايا الدفاع وعناصر "علي عيد" وقد انسحبوا من بيروت إلى طرابلس الشام ولم يتصدوا للقوات الإسرائيلية أثناء اجتياحها للعاصمة اللبنانية في صيف عام 1982م. لذلك فإن قواتنا المسلحة الباسلة لا تحترمهم أبداً.. بل تحتقرهم.. وبعد ساعة ونصف الساعة تماماً اتصل اللواء شفيق فياض ليعلمني عن نجاح المهمة وأن اللصوص أصبحوا رهن الاعتقال بعد أن تم تجريدهم من أسلحتهم وذخائرهم وسياراتهم..

قلت للواء شفيق: يجب أن يعاملوا باحتقار كما يعامل البدوي الجمل الأجرب.. وكما يعامل الفلاحون الكلاب الشاردة. فقال: لا توصي حريصاً.. فهم موضوعين في العناية الثورية المشددة. وسينالون عقاباً وضرباً شديداً على مؤخراتهم بعد رشهم بخراطيم المياه.. حتى لا ينسوا هذا الحدث في حياتهم.

وتم احتجاز اللصوص شهراً ونيف ولم يطلق سراحهم إلا بعد أن انتهت الأزمة وسافر العميد رفعت إلى موسكو.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 55)

الطائفة المرشدية ودورها في الصراع بين الأسدين

محمد فاروق الإمام

كان الرفيق "محمد إبراهيم العلي" قائد الجيش الشعبي قد وضع أوراقه مبكراً مع العميد رفعت، ولم يكن هذا الموضوع ذي قيمة إطلاقاً قبيل الأزمة لأن كثيراً من المنافقين وبخاصة منتسبي "رابطة الدراسات العليا" كانوا يحومون حول "العميد رفعت" كما تحوم الغربان على بقايا الحيوان.

وكان من عادة الرفيق قائد الجيش الشعبي أنه كثير التجوال متطلع دائماً للجديد من الأخبار بعد ثورة الثامن من آذار ولم تزل هذه العادة تسكنه حتى الآن على الرغم من مرور أربعة عشر عاماً ونيف على الحركة التصحيحية وكان يمر على مكتبي بمعدل مرة واحدة في الأسبوع وكان يسأل دائماً عن أحوال الدنيا وكنت أطمئنه أنها بخير وهي ما زالت تدور.. وللأمانة التاريخية فإن ضباط القيادة العامة لم يكونوا يقدرون الرفيق "أبو ندى" حق قدره ولم يكن في القيادة سوى الرئيس الأسد وأنا نعرف نضال محمد إبراهيم العلي وتضحياته في سبيل الحزب والثورة من حركة الضباط الأحرار في حلب إلى حركة 23 شباط.. وكان هذا الموقف يؤلم الرفيق محمد ولذلك لم يكن يزورهم إلا لماماً.

بعد الحدث الجلل أقفلت مكتبي في وجه قائد الجيش الشعبي، وطلب مقابلتي عدة مرات وكنت أعتذر دائماً غير أنه ألح على المقابلة فوافقت أخيراً. ولما حضر سألني مستغرباً هذا الموقف منه.. وقلت له: في مثل هذه الأمور لا توجد حلول وسط فإما أن تكون مع الرئيس الأسد أو أن تكون في الجبهة الأخرى. فقال: أنا مع الرئيس حافظ الأسد (شيله.. بيله) وحتى أقطع الشك باليقين فإنني جاهز لكي آتي بأبناء الرب سليمان مرشد من "حمص" ومن "جوبة البرغال" لمقابلة السيد الرئيس.. فقلت له: وما أهمية الطائفة المرشدية في الأزمة؟..

قال لي: ألا تعلم أن العميد رفعت الأسد يعطي أهمية خاصة لهذه الطائفة فبالإضافة لشراكته مع ابن الرب "النور المضيء" والمهندس فؤاد تقلا بالأعمال التجارية فإن عدداً كبيراً من أبناء الطائفة انخرطوا في سرايا الدفاع تنفيذاً لتعليمات قيادتهم الروحية وهم يشكلون العمود الفقري لسرايا الدفاع ويأتي ترتيبهم بالأهمية بعد الشريحة العلوية مباشرة..

قلت له: توكل على الله ويجب أن أسمع في القريب العاجل أخباراً طيبة.. فأجاب: لا قريب ولا بعيد غداً سوف يكونوا بعد عدة ساعات في القصر الجمهوري.

وصدق محمد إبراهيم العلي في وعده واستقبل الرئيس حافظ الأسد في مكتبه أبناء الرب وفي مقدمتهم "النور المضيء" واستغرقت المقابلة ثلاث ساعات ونيف وما تسرب منها كان الآتي: قال أولاد الرب سليمان المرشد للسيد الرئيس:

نحن لا يمكن أن نكرس الخيانة كمبدأ للطائفة.. ففي الماضي اتهمنا الإنكليز بأننا عملاء فرنسا.. واليوم يتهمنا الوطنيون القوميون في سورية بأننا عملاء أمريكا نحن باختصار رجال حافظ الأسد وقد أحببنا أخيك رفعت لشعورنا بأنه جناحك الأيمن أما وأنه قد شق عصا الطاعة عليك فلا ولاية له علينا ونحن جاهزون منذ هذه اللحظة لأن نستلم مهمة الحراسة على مكتبك أو بيتك..

وكان جواب السيد الرئيس: لا لزوم لكل ذلك.. المهم أن تفهموا أبناء الطائفة بهذا التوجه الجديد "واليوم قبل بكره"..

وانصرف الإخوة الثلاثة من مكتب رئيس الجمهورية، وبطريقة تشبه السحر تم الاتصال بأبناء الطائفة كافة وأخذوا جميعهم التوجه الجديد.. وبدلاً من قلعة الأسرار التي لا تنتهك أصبحت سرايا الدفاع مثل الغربال يتسرب منها كل ما يحدث فيها.. وشعر رفعت بالحدث واستدعى إلى مكتبه كبيرهم "النور المضيء" وبقي يتحاور معه زهاء سبع ساعات لم يأخذ منه لا حق ولا باطل.. وأخيراً قال له رفعت بعد أن سئم من المناقشة والمماحكة: أتعرف أنك لن تكلفني سوى رصاصة واحدة في رأسك!.. فأجابه "النور المضيء" أعرف ذلك ولكن هل تعرف أن الطلقة الثانية ستكون في رأسك أنت.. ولمعلوماتك أن الحاجب الذي قدم لنا القهوة والشاي الآن هو من عشيرتي أي باختصار هو "مرشدي" وليس "علوي".

هنا أنهى رفعت المناقشة على أمل اللقاء مرة ثانية للمتابعة.. ولكنه بدا كمن أصيب في مقتل.. وطلب إلى المسؤول عن التوجيه السياسي في سرايا الدفاع بأن يجري سبراً عشوائياً لمائة جندي "مرشدي" ويسألهم سؤالاً وحيداً: هل أنتم معي أم مع أخي الرئيس حافظ الأسد؟..

وفي اليوم التالي صُعق رفعت الأسد عندما جاءه الجواب بأن نسبة المؤيدين للرئيس الأسد مائة من مائة وليس تسعة وتسعين.

وبلغ الغضب أشده لدى رفعت ومحازبيه وصمم أن ينتقم من الطائفة "المرشدية" وأمر عناصره بأن يفتشوا عنهم في كل مكان وفي أي تشكيل وجمعهم قرب قلعة "برقش" شمال غرب مدينة "قطنا" وقام بتجريدهم من أسلحتهم الفردية وأركبهم عربات نقل عسكرية كبيرة وقذفهم على الحدود السورية اللبنانية-الفلسطينية وفي مواجهة الجيش الإسرائيلي مباشرة.. ولم ترد إسرائيل على هذا الإجراء لأن الجنود الذين في مواجهتم شبه عراة وكان الوقت ليلاً.

وعلى الفور أعلمت الرئيس الأسد بالأمر وأرسلت لكل واحد منهم بندقية ووحدة نارية مع كيس بحارة وتعيين عملياتي يكفي ثلاثة أيام.. وطلبت إلى اللواء جميل حسن رئيس شعبة التنظيم والإدارة أن يوزعهم على كافة وحدات الجيش.. من "القامشلي" إلى "صلخد".. وكان عددهم ثلاثة آلاف ومائتين وخمس وعشرين ضابطاً وجندياً.

وخلال ثلاثة أيام تم تصفية ذيول هذه المشكلة ولكن العميد رفعت كان قد أصيب بجرح بليغ.. صحيح أن نسبة القوى والوسائط لم تكن في الأساس لصالحه لأن سرايا الدفاع كانت في ذروة الأزمة تعادل حوالي أربعين ألف عسكري، بينما باقي وحدات الجيش حوالي 360 ألفاً، ولكن خروج الطائفة المرشدية منها بهذا الشكل زعزع كيانها وهزّ بنيانها. ومن هذا الموقف المتشكل قرر العميد رفعت أن يؤدب أولاد سليمان المرشد في عقر دارهم أعني "جوبة البرغال". فجهز لهذه المهمة كتيبة مغاوير وأركبها في سبع حافلات ووجهها باتجاه اللاذقية. وعندما علمت بهذا النبأ اتصلت برئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية العقيد أسامة سعيد وأعلمته بالأمر وقلت له: عليك أن تؤمن حماية "النور المضيء" بمفارز سريعة من عندك أو من الشرطة العسكرية وإذا لزم الأمر يمكن أن تطلب العدد الذي تحتاجه من الجنود من قائد القوى البحرية. فقال لي: سيدي لا نحتاج لأي مساعدة لأن حوالي خمسمائة مسلّح من الطائفة المرشدية أصبحوا متواجدين في "جوبة البرغال" حول قصر أبناء سليمان المرشد..

ومرة ثانية تؤكد الحقائق والوقائع أن أسلوب الاتصال لهذه الجماعة أرقى من أسلوب اتصال أي مخابرات في العالم حتى بعد استخدامها لأقنية الاتصالات في الأقمار الصناعية.

وصلت طلائع سرايا الدفاع إلى "جوبة البرغال" فوجدت أن الحراسة كثيفة حول بيت سليمان المرشد وأن المعركة لن تكون في صالحهم أبداً، وبعد أن اتصلوا بالعميد رفعت طلب إليهم أن يهبطوا إلى الساحل ويتمركزوا في معسكر "تلة الصنوبر" التي تبعد عن اللاذقية إلى الجنوب بحوالي سبعة كيلو مترات، ولم يحتج حلفاؤنا الجدد لأي دعم مادي أو عسكري، وبعودة الطائفة المرشدية إلى حمى الرئيس الأسد بدأت تتآكل سرايا الدفاع من الداخل ولم يعد لها تلك الهيبة التي كانت لها أيام زمان.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com