العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 6 /6/ 2010


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

دمشق مصدومة مما جرى في جلسة لجنة مناهضة التعذيب

اللجنة رفضت "تحقيق" صيدنايا وطالبت بفتح تحقيق في

قضية المفقودين وبتعريف التعذيب

by: Syrian Enforced Disappearances- facebook

30/5/2010

في سجن عدرا أقيم جفل فني على نحو مفاجئ، لتحسين الصورة القبيحة للحكومة السورية التي ظهرت عارية في جلسة 3-4 أيار/مايو 2010 أمام لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، السجن الذي وضع فيه مناضلون سياسيون وسجناء الرأي مع عتاة المجرمين، وحاولوا فيه منذ سنوات قليلة اغتيال رياض سيف عن طريق دفع مجرم وضع معه في الزنزانة للقيام بذلك، ومحاولة دفع سجين شاذ لاغتصابه، والتنكيل بالمناضل علي العبد الله، لن تزيل بشاعة الممارسات فيه معارض للفنون ولا غيرها، ليس إلا الاعتذار للضحايا وتعويضهم والاعتذار للشعب أيضاً.

القصة تبدأ مما جرى في جلسة لجنة مناهضة التعذيب بعد أن قدمت سورية تقريرها الأول، التي كانت أقسى جلسة يواجهها المندوبون السوريون في الأمم المتحدة، فقد شهدت فتح كل الملفات الخاصو بالتعذيب من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في السجون السورية، إلى حد أن رئيس الوفد السوري (أحمد النجم) "أعرب عن دهشته لكون عدد من القضايا التي أثيرت من قبل الخبراء يوم أمس لم تكن تحت ولاية هذه اللجنة، ولكن من غيرها من هيئات وآليات حقوق الإنسان"، فقد كان عليه أن يجيب على أصعب الأسئلة التي لم تواجه فيها الحكومة بعد في أروقة الأمم المتحدة.

وكان المندوبون السوريون الحكوميون يفكرون كالعادة أن يكتفوا بترديد ما اعتادوا على ترديده في كل مناسبات الأمم المتحدة بالحديث عن الدستور السوري والمواد الدستورية التي "كفلت" حماية حقوق الإنسان، بل والمزايدة بالاعتماد على ذلك في انه موضوع "أعطته الحكومة السورية الأولوية" وكيف أن الحكومة "قد سعت أيضا إلى تكييف تشريعاتها الوطنية لضمان التوافق مع تلك الصكوك الدولية" إلى حد ذهب فيه أحمد النجم (المندوب السوري) في الجلسة المذكورة إلى أن "تم إعداد مشروع قانون بشأن السجون ، على أساس القوانين في معظم البلدان المتقدمة" زاعماً بلا خجل أن الحكومة عملت على "تعميق ثقافة حقوق الإنسان في البلد (...) ليس فقط في وسائل الإعلام ، ولكن في المناهج الدراسية؛ على جميع المستويات". إذا كان الحومة في سورية إلى هذا الحد من "الطهارة" فمن حقها إذا أن تتباكى وتعلي صوتها عن "المعاناة والقهر والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة التي كان الكثير اليومية للمواطنين السوريين في الأراضي المحتلة من الجولان العربي السوري" على حد تعبير أحمد النجم.

ومع أنه منذ البداية ألمح النجم إلى أن كل التقارير الاحترافية _ الست التي قدمتها منظمات مستقلة (وطنية والدولية) عن التعذيب في سورية بغرض مناقشتها في هذه الجلسة _ "مسيسة ومن قبيل المبالغة وقد تحتوي على معلومات مضللة"! حسب التقرير الإعلامي الصادر عن مجلس حقوق الإنسان بخصوص هذه الجلسة.

الشيء الذي صدم المندوبين أنهم ووجهوا بالاستفسار عن المجازر، وبالخصوص "مجزرة حماة، وعما إذا كان سيتم إجراء تحقيق في هذا الحادث"! ذلك أنه لأول مرة يواجه المندوبون السوريون بهذا السؤال في مجلس حقوق الإنسان!. تجاهل المندوب السوري الإجابة عن هذا السؤال بالمرة.

وسأل أحد الخبراء عن "التعتيم الكلي بعد سحق الشغب في سجن صيدنايا في عام 2008. وعن مصير السجناء بعد الأحداث، وما إذا تمت تحقيقات رسمية فيها". كان الجواب العجيب الذي صدم الخبراء المستقلين في الجلسة بفضيحة التحقيق في أحداث سجن صيدنايا 2008، فقد زعم الحكومة أنها أجرت تحقيقاً وأرسلت ردود تفصيلية إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان بنتائج التحقيق، ذلك أن السوريين لا يعرفون أن تحقيقاً جرى بهذا الشأن، ولم يُعرض عليهم هذا التقرير، فكيف تخفي الحكومة على شعبها تقريراً يتعلق بدم أبنائها، وتجعله سراً لها!! أشار المندوب السوري إلى أن ما حدث في سجن صيدنايا صيدنايا كان شغباً، وأن "السجناء أحتجزوا حراس السجن كرهائن وهددوا بقتلهم اذا لم تلب سلطات السجن مطالبهم. وأن بعض الحراس قد قتل بالفعل. وأن الشرطة لم نستخدم القوة ضد مثيري الشغب في البداية، وإنما فقط بعد مفاوضات طويلة، وأنه قد أجري تحقيق في الواقعة وتم ارسال ردود تفصيلية على المفوض السامي لحقوق الإنسان". لم يقنع اللجنة هذا التحقيق المزعوم، وانتبتها الريبة الشديدة بصحته لأسباب عديدة، خصوصاً وأنه أبقي سرياً عن الشعب السوري ولم يُعلن، وضحايا الأحداث لم يُبلغوا إلى أهاليهم أو تسلم جثثهم، بل جرى عملية إخفاء لهم، الأمر الذي اضطر اللجنة إلى دعوة الحكومة إلى إجراء تحقيق مستقل وذو مصداقية في أحداث صيدنايا.

نوقش المنوبون السوريون في موضوع "عدم وجود معلومات عن اعتقال عددا كبير جدا (17000 شخص) بمعزل عن العالم الخارجي، وعن الشكاوى المتعلقة بحالات الاختفاء وعدم إجراء تحقيقات في تلك الحالات، وعدم وجود إحصاءات في التقرير عن عمليات الطرد أو الإعادة إلى الوطن.

اعتادت الحكومة السورية عن التساؤل عن المفقودين من قبل بعض النشطاء المستقلين الذين كان يدعون في بعض الأحيان كخبراء، لكن بعض هؤلاء كان من قبل معنيين بأن يكونوا أشخاصاً "مهمين" أكثر من اهتمامهم بقضية السوريين، وفي السنوات الأخيرة زار بعضهم سورية، بعد أن كان معرضا للاعتقال، وأصبح عينا لها على النشطاء في حقوق الإنسان ، وسيفاً في ظهورهم بعد أن فقد مصداقيته، وأصبح منبوذا. لكن النشاطاء السوريون الذين قدموا بصفتهم خبراء مستقلين أثبتوا قدرتهم في إقناع أعضاء اللجنة الأممية وإحراج المندوبين الحكوميين.

وبالرغم من أن المندوب السوري تجاهل بالكلية قضية المفقودين (بالأصح المختفين قسرياً) في السجون السورية مع وجود تقارير قوية ومنظمات دولية ذات مصداقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى مركز دمشق لحقوق الإنسان، وبعض المرتكز الوطنية الأخرى، فقد اضطرت اللجنة أن تصدر توصية خاصة تدعو فيها الحكومة السورية بشدة بضروة إجراء تحقيق في قضيتهم، وهو أمر يصدر للمرة الأولى في مجلس حقوق الإنسان.

الحكومة التي زعمت عبر مندوبيها في جلسة اللجنة المذكورة أنها عملت على "إجراء تعديلات على قوانينها لتكييفها مع الاتفاقيات الدولية التي وقعتها والخاصة بحقوق الإنسان" ووجهت بحقيقة أن لا يوجد تعريف للتعذيب على الإطلاق في القانون السوري!!

اضطرت اللجنة إلى دعوة الحكومة إلى معالجة 47 قضية، ليس أقلها تحقيق محايد في أحداث صيدنايا وقضية المفقودين ال17000.، الشيء الأكثر إزعاجاً للحكومة السورية أن كل شيء جرى تحت الضوء ولم يعد هناك شيء مخبأ.

--------------**********--------------

مجزرة سجن صيدنايا: كلام يبحث عن عنوان مناسب

بقلم: بدر الدين حسن قربي *

أخبار الشرق – 30 أيار/ مايو 2010

صدّق أو لا تصدّق أنه عندما قامت الشرطة العسكرية المكلّفة بحراسة سجن صيدنايا السوري وحماية معتقليه صباح السبت 5 تموز/يوليو 2008 بحملتها التفتيشية على المساجين لضبط الممنوعات ومصادرتها والتي منها بالطبع القرآن الكريم، استفزت بطريقتها المهينة ومشاداتها الكلامية وأثارت بدوسها على المصاحف المصادرة احتجاج المعتقلين الذين تدافعوا نحو حراسهم وسجّانيهم لاسترداد ماأخذوه منهم مما أخرجهم عن انضباطهم المعتاد، ودخلوا في مشاداتٍ حامية معهم انتهت بإطلاق النار عليهم مما أوقع عدداً من القتلى والجرحى في الحال قدّر في حينها بخمسة وعشرين قتيلاً، وهو عدد تواتر برواية بعض السجناء ممن تمكنوا من الاتصال الخارجي قبل إتمام مصادرة هواتفهم النقالة والتشويش على اتصالات الخلوي في منطقة السجن.

بيان الجهة الرسمية كان واحداً لاغير ومتأخراً ومقتضباً لم يتجاوز أربعة أسطر، اكتفت به وكالة الأنباء السورية (سانا) بإعلامنا أن عدداً من المساجين المحكومين بجرائم التطرف والإرهاب أقدموا على إثارة الفوضى والاعتداء على زملائهم والإخلال بالنظام العام أثناء قيام إدارة السجن بجولتها التفقدية على السجناء، مما استدعى التدخل المباشر من وحدة حفظ النظام لمعالجة الحالة وإعادة الهدوء للسجن وتنظيم ضبوط بحالات الاعتداء على الغير وإلحاق الضرر بالممتلكات العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين. وكأن البيان المختصر جداً الذي تجاوز عن ذكر السبب المباشر لما أسماه بالفوضى والإخلال بالنظام أراد التبيان بأن ما كان هو جزء من الحرب على الإرهاب والتطرف، وأن هوية المحتجّين داخل قيود السجن وأغلاله تجعل المسؤول في حالٍ لايُسأل فيها عمّا يفعل تعذيباً وقتلاً وتصفية، وفي حلٍّ من دم ضحاياه بالغاً مابلغ، وأن ماكان ليس إلا قليلاً من بلبلة وفوضى لإرهابيين استدعى التدخل للضبط وإعادة الهدوء، ولاتستحق حتى إشارة إلى ما كان من القمع والقتل، ولا إلى ذكر عددهم ولا حتى أسمائهم لأنهم أقل من ذلك.

خصوم النظام ومعارضوه في قراءتهم لما كان، لاحظوا أن السلطة فرضت عزلاً كاملاً على السجن، وتعتيماً إعلامياً تبدّى في منع أي جهة حقوقية أو مدنية أو أهلية من الاقتراب من السجن، وفي تجاهل جميعِ وسائل الإعلام السورية للحدث رغم خطورته وأهميته تأكيداً لطريقتها الإلغائية المعتادة التي ترفض التعاطي مع أي حركة خارج سياقها الحديدي التي تتجلّى على الدوام بعدم وجود معلومات رسمية أو إفادات عن الوفيات والقتلى والمفقودين في سجونها من عشرات السنين رغم بلوغهم عشرات الآلاف، وهي أمور تعني مجتمعةً أن هناك تصفية وقتل.

قد يكون كل ماقيل عن إيقاف الشغب وإعادة الهدوء الذي قامت به السلطة، هو نوع من القراءات والتحليلات التي يعتريها الأخذ والرد، ولكن ماهو أكيد أن هذه هي المرة الأولى خلال قرابة نصف قرن يصدر فيها بيان وإن كان محدوداً تعترف فيه السلطة بحدوث اعتصام أو تمرد داخل أحد سجونها، مما يعني تطوراً لافتاً في التعاطي الرسمي مع هذه المواضيع واعترافاً ما بحق السوريين الإنساني في معرفة مايدور حولهم ولو بشكل بسيط، كما أنها المرة الأولى أيضاً بعد عشرات السنين من الرعب والترويع التي يتجمع فيها بعض أهالي المعتقلين وذويهم قريباً من السجن على بعد كيلومترات منه للسؤال والاطمئنان عن مصير ناسهم، ويذهبون أيضاً إلى المستشفى العسكري الذي أفادت الأخبار أن القتلى والمصابين تم نقلهم إليه بعد إخلائه من نزلائه رغم كل ماقيل عن منعهم وضربهم وقمعهم، عدا ماكان في مدينة حمص حيث تجمّعت عشرات النساء في إحدى ساحات المدينة قبل ظهر الثلاثاء (8/7/2008) ورفعن اللافتات المطالبة بمعرفة مصير أبنائهن وذويهن المعتقلين، ولم ينته الأمر رغم كل المحاولات الأمنية المترفقة إلا بترتيب اجتماع لهن مع محافظ المدينة الذي جاء متأخراً بزعم إتيانهن بآخر الأخبار من دمشق، ومن ثم انصرافهن بعد مجاملات وكلامٍ مفاده أن مهجع أهل حمص في السجن لم يمسسه سوء.

الجهات الرديفة وشبه الرسمية لفتت نظر كل من تحدثت إليهم في وقتها عبر وسائل الإعلام المتاحة أن الأنباء المتداولة عما كان في السجن أخبار مبالغ فيها وتفتقد المصداقية، وحجة معظمهم تضارب المعلومات المتناقلة شفهياً مع انعدام الكلام الرسمي، ولم يخرج معظمهم فيما قال عن سطور بيان سانا الذي وَعَدَ بما وعد من التحقيق وتنظيم الضبوط واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين، وأن السلطات الرسمية تعاملت بمنتهى الحكمة وأن الجهات الأمنية التزمت بالتعليمات العليا وتعاملت مع ماكان بمنتهى الرويّة.

ورغم مضي قرابة العامين على أحداث السجن فإن زيارة المعتقلين مازالت ممنوعة، واستؤنفت لعدد محدود جداً منهم قبيل أقل من عام. وعليه، فما زال آلاف الناس يجهلون مصير ناسهم ومعتقليهم الأحياء منهم والأموات، وتزداد معاناتهم وآلامهم مع مانشرته هيومن رايتس ووتش من تقارير لأحداث كانت داخل السجن نفسه في كانون الأول/ديسمبر 2008 لم تتمكن من تأكيدها بصورة مستقلة مفادها سماع صوت أعيرة نارية استمرت 30 دقيقة في السادس من الشهر، ووقوع أعمال عنف في الثامن عشر أيضاً، ووقوع حوادث جديدة يومي 27 و31 من الشهر نفسه مع اندلاع حريق أتى على جزء من جدار المبنى الداخلي للسجن، وهي بالمناسبة نفس الأيام التي قامت فيها إسرائيل بعلمية الرصاص المصبوب على غزة، وتزداد معاناتهم وقلقهم أكثر وأكثر أيضاً مع معلومات جديدة كشفت بعض المستور بمناسبة تقديم الحكومة السورية في 4 و5 أيار/مايو 2010 تقريرها الأول أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وذلك بعد مضي ست سنوات من توقيعها معها على اتفاقية مناهضة التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية، وقد ناقشته في جنيف لعددٍ من الساعات مع اللجنة الدولية من خلال وفدها الرسمي برئاسة معاون وزير العدل نجم الأحمد وعضوية القاضي نزار صدقي والممثل السوري الدائم في جنيف السفير فيصل الحموي والسكرتير الأول في السفارة في جنيف رانيا الرفاعي. وعن أسئلةٍ محددة وجهت من قبل اللجنة الدولية عمّا كان من أحداث سجن صيدنايا أجاب الوفد بما مفاده، أن ما جرى عبارة عن تمرد، وأن المتمردين أخذوا حراس السجن وهددوا بقتلهم، وأن الشرطة العسكرية لم تستخدم الرصاص إلا بعد مفاوضات طويلة مما أوقع حوالي 17 قتيلاً، وأن هناك أجوبة تفصيلية لأسئلة اللجنة وتحقيقات أيضاً أرسلت إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

معارضو النظام في مطالعتهم لما قاله الوفد السوري في جنيف بعد قرابة سنتين من أحداث السجن بأنه يؤكّد أن بيان سانا لم يقل الحقيقة، وأن ماتداوله الناس في وقته من خلال خبرتهم ومعاناتهم كان الأقرب إلى الصحيح، وأن إجابات الوفد في جنيف تشكل حداً أدنى من روايةٍ رسمية عن مجزرة كانت قبل سنتين، لأنها اعتراف رسمي وصريح بأن ماقاله بيان السلطة عن معالجة الحالة وإعادة الهدوء من وحدة النظام بمنتهى الحكمة والروية كان معناه تحديداً إطلاق النار على المعتقلين وقتل عددٍ كبير منهم لم يحدده الوفد بالمناسبة بل أشار إليه تقريباً وتقديراً، وأن ماوُعد به السورييون من تحقيقات وضبوط قد تمّ، ولكنه أرسل حسب كلام الوفد إلى المنظمة الدولية وليس إلى الموعودين ممن لايعلمون عن مصير أبنائهم وذويهم شيئاً، وهو تأكيد على الطريقة الإلغائية للآخر المخالف والاستمرار عليها.

كانت أحداث سجن صيدنايا قبل سنتين في تموز/يوليو وفي كانون الأول/ديسمبر، تكلم فيها الناس والخصوم بما تكلموا، وقالت عنها الجهات الرسمية وحليفاتها للناس ماقالت ومرّرتْها. وبغض النظر عما قال الجميع إن صدقاً وإن كذباً، فإن كلام الوفد السوري في جنيف قبل أقل من شهر يكشف بعض المستور بأن ماكان حقيقةً هو مَقْتلَة تُقدَّم معلوماتها للناس بالتقسيط على الطريقة السورية أو أنه كلام يبحث عن عنوان مناسب.

--------------**********--------------

معامل الدواء في طابور وزارة الصحة....والمرضى في طابور الموت !

جريدة الخبر

01/06/2010

 (اطمئن ولا تقلق. ستنال الجواب على إضبارتك حين يصل دورها).. جواب لطيف مع ابتسامة يمكن لصاحب أي معمل دواء في سوريا أن يحصل عليهما، عند التقدم بإضبارة تصنيع مستحضر دوائي إلى الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة ولا يخفى على أحد ما تعنيه كلمة دور التي قد تمتد من الستة أشهر لتصل إلى السنة والسنتين، وذلك طبعاً وفق الدور النظامي ودون أي مزاحمة.

مصنعو الأدوية أتعبهم الوضع الحالي واشتكوا عدة مرات للجهات المعنية وطالبوا بإيجاد حل لهذه القضية لكنهم اليوم اضطروا ربما للتعايش مع الوضع الحالي والتأقلم معه خاصة وأنهم ينالون استثناءات عن الدور عند تأسيس خط جديد أو معمل جديد يتيح لهم فرصة دراسة ثلاثة أصناف عن كل خط دون ضرورة التقيد بالدور، وهو استثناء يمنحهم الترخيص خلال أشهر قليلة ولا يعني أبداً خلال أيام محددة، وهو تأخير يكلفهم، كما يؤكد صاحب أحد المعامل الجديدة، الكثير من المصاريف التي تذهب هدراً نظراً لاضطرارهم إلى صرف رواتب العمال ودفع بعض التكاليف الثابتة من كهرباء وماء في وقت تقف فيه الآلات بانتظار الجواب وبدء التصنيع.

المشكلة في الوزارة لم ينسبها أحد إلى تقصير العاملين فيها ولم يشككوا بالجهود المبذولة هناك والتي تعتبر جبارة مقارنة مع العدد القليل من الصيادلة الموجودين في اللجنة وهو عدد يعاني صعوبة في الزيادة لعدم رغبة أحد من خريجي الصيدلة دخول هذه المهنة نظراً لانخفاض الرواتب وضعف الامتيازات والتي تجعل منها صفقة غير رابحة في حال قارنها الخريج بمردود تأجير شهادته، مثلاً، باعتبار أن ذلك سيضمن له مردوداً جيداً دون أي عناء، والأمر يمسي أكثر ربحية في العمل في القطاع الخاص أو تأسيس صيدلية خاصة..

ويرى الدكتور رامي معضعض مدير عام الشركة العربية للصناعات الدوائية أن موضوع الراتب والحوافز هي الأساس لجذب الصيادلة للعمل ورفد الكادر الحكومي بأعداد جديدة منهم مستشهداً بما يتم حالياً من الاستعانة بكوادر من الجمارك عند القيام بالكشف على الصيدليات للتأكد من سلامة أدويتها وضبط المهرب باعتبار أن عدد الصيادلة الحاليين غير كاف لمرافقة جميع الدوريات، وأشار إلى اقتراح سبق أن طرح لكنه لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ، ويتمثل بدفع رسوم من قبل أصحاب المعامل مقابل كل اضبارة على أن تذهب هذه الرسوم لصندوق توزع مدخراته على العاملين في مجال الدراسات كمكافآت، وهي رسوم لن تشكل مشكلة أمام الصناعي لما سيحقق من أرباح في حال حصل على التسجيل في وقت سريع.

الدكتور معضعض أكد أن منتجاته لا تعاني من الصعوبات المذكورة مقارنة مع سواها من الصناعات الداخلية باعتبار أن معمله موجود في المنطقة الحرة لكنه رأى أن التأخير الحالي يفقد البلد الكثير من الأرباح المتمثلة في طرح المنتج الجديد خلال فترة قصيرة وإيقاف استيراده وتشغيل يد عاملة جديدة وسواها من العوائد.

الإسراع قبل الانضمام

الدكتور زهير فضلون الأمين العام للمجلس العلمي للصناعات الدوائية رأى أن الخسارة ستكون أكبر من ذلك في حال بقيت وتيرة التسجيل مستمرة بهذا البطء، خاصة وأن سوريا مقدمة على الدخول في منظمة التجارة العالمية، وبالطبع فإن ذلك يعني تعذر تصنيع أي دواء جديد محلياً والاضطرار لشرائه من معمله الأم بكل ما يحمله ذلك من ارتفاع في أسعار الأدوية وارتفاع في التكلفة العلاجية بالنسبة إلى المواطن.

وتابع الدكتور فضلون شرح هذه القضية قائلاً: إن قواعد منظمة التجارة العالمية تنص على اعتبار كل ما أنتجته الدولة المنضمة حق لها، وفي حال الصناعات الدوائية تعتبر منتجاتها بمثابة منتجات نسخ (copy) تمسي حقاً مكتسباً لها بإمكانها تصنيعها وطرحها محلياً وحتى تصديرها، ولكن ما لم يسجل قبل الانضمام أو ما أنتج عالمياً بعد الانضمام، فلن يكون متاحاً للتصنيع المحلي.

 ورأى الدكتور فضلون أنه لابد من التسريع في عملية تسجيل الأدوية من أجل تأمين الدواء الجديد في البلد والمصنع محلياً، مشيراً إلى نصيحة قدمتها البعثة اللبنانية في جنيف إلى وزارة الخارجية اقترحت فيها تسجيل الأدوية السورية والتسريع في ذلك وهي نصيحة لم يؤخذ بها حتى اليوم، رغم أنها وصلتنا منذ نحو الأربع سنوات، ورغم أنها في حال نفذت كانت ستوفر علينا الكثير من الصعوبات الحالية.

الدكتور فضلون اعتبر أن التأخير الحالي يعود لأسباب عدة، أولها قلة الكادر وغياب المحفزات لاستقطاب صيادلة جدد، وأضاف: إن من بين أبرز المشاكل الحالية أيضاً عدم وجود الكوادر القيادية المسؤولة عن التسجيل بشكل دائم، وسفرها بشكل مستمر بحجة الكشف على المعامل وهي حجة كما أوضح الدكتور فضلون غير مبررة باعتبار أن الكشف لا يتطلب بالضرورة زيارة المعمل والاطلاع عليه ويمكن دراسته من خلال ال (CV) الخاص به ومن خلال معلوماته النظرية ومنتجاته وأوراقه.

تأجيل مستمر

إذاً فإن الغياب الدائم لهذا الطاقم يؤدي إلى تأجيل مستمر لاجتماعات اللجنة التي تعقد أصلاً بعدد غير كاف، مقارنة بالكميات الكبيرة من الأضابير الموجودة والمتراكمة منذ عدة سنوات، فهي اجتماعات ارتفع عددها من اجتماع واحد إلى اجتماعين أسبوعياً، غالباً ما يتم تأجيلهما بسبب الظروف السابقة الذكر، ويؤكد الدكتور فضلون ضرورة الإسراع في عقد هذه اللجان وتسجيل الأدوية بسرعة، موضحاً أن الأزمة الحالية سببها مرحلة الركود التي مرت بها الوزارة لمدة سنتين ونصف تقريباً، وخلال هذه الفترة التي امتدت من أواخر 2007 حتى بداية عام 2009 لم يدرس أي صنف، وبات عدد الأضابير المقدمة للوزارة كبيراً ويحتاج إلى دراسة 1813 إضبارة مما شكل لاحقاً عبئاً كبيراً على الموظفين خاصة مع استمرار تقديم أضابير جديدة بلغ عددها 383 إضبارة في عام 2009 و428 إضبارة في عام 2008 وفي عام 2010 وصل عددها حتى اليوم إلى 500 إضبارة.

وزارة الصحة لم تنكر البطء الحاصل وعزت الموضوع إلى ضعف الكادر وغياب الحوافز التشجيعية، وأشارت الدكتورة رزان سلوطة من مديرية الدراسات في وزارة الصحة السورية إلى أن عدد الصيادلة في تناقص بسبب تقاعد بعضهم وانتقال بعضهم الآخر إلى أماكن عمل أخرى وتحميل الكادر المتبقي لضغط كبير ومسؤوليات عديدة تتجاوز دراسة الأضابير. وأضافت الدكتورة سلوطة أن المشكلة تتمثل بظهور عوائق بسيطة تأخذ طابع الروتين وتشكل تعقيدات مثل طلبات الشراء وأماكن التخزين وسواها.

ورأت الدكتورة سلوطة ضرورة زيادة الرواتب والمكافآت، موضحة أن التعويض المحصل حالياً تحت اسم تعويض الندرة والذي ارتفع من 3 آلاف إلى 6 آلاف ليرة لا يكفي وحده، ولا يشكل حافزاً لقدوم كوادر جديدة.. وهكذا يبقى الوضع على حاله من ناحية وجود النقص، يضطرون معه لتكليف شخصين بدراسة إضبارة واحدة وللاستعانة بصيادلة من مركز البحوث ومن الجامعة.

الجدير ذكره أن الصناعة الدوائية في سوريا تمكنت من سد نحو 90 بالمئة من القيمة المالية للسوق المحلية والتي تبلغ اليوم 550 مليون دولار كما تمكنت من فتح 54 سوقاً خارجياً تشكل في عدد كبير منها الدواء رقم واحد كاليمن والعراق وغيرها، وبلغت قيمة صادراتها 210 ملايين دولار عام 2009 مما جعلها الثانية عربياً بعد الأردن من حيث قيمة الصادرات.

--------------**********--------------

الأطفال ضحية التحرر الجنسي

الثلاثاء, 01 يونيو 2010 22:59

نبيل شبيب

موقع مداد القلم

بادئ ذي بدء ينبغي التنويه إلى أمرين، أوّلهما أن التركيز الراهن في العالم الغربي -لا سيما في البلدان الأوروبية- على الكنيسة تخصيصا فيما يتعلق بوباء الاعتداء الجنسي على الأطفال، لا ينبغي أن يواري عن الأنظار أنه وباء أوسع انتشارا، وأخطر مضمونا، من حصره في نطاق التناقض ما بين المكانة الدينية للكنيسة على صعيد رعاية الإنسان، وبين ما ينكشف بصورة مذهلة عما ارتكبه ويرتكبه في الخفاء أناس ينتسبون إلى الكنيسة. والأمر الثاني أن تحوّل القضية إلى صدارة وسائل الإعلام في الأسابيع القليلة الماضية من عام 2010م، لا ينبغي أن يحوّل الأنظار عن أن جذور الوباء قديمة، وأن أوّل ما طرح حديثا على صعيدها كان في التسعينات من القرن الميلادي العشرين، ولم تجد مواجهتها حتى الآن ما يكفي من الإجراءات المباشرة أو غير المباشرة، فهي تتفاقم عاما بعد عام.

 

وباء قديم متجدد

على صعيد ألمانيا التي يدور الحديث فيها أكثر من سواها حاليا بصدد الكنيسة واستغلال الأطفال جنسيا، كانت أولى الحملات ضدّ الكنيسة الكاثوليكية تحت هذا العنوان حملة بدأت عام 1845م ولم تنقطع إلى القرن الميلادي العشرين، وأول من أطلقها من عقالها أوتو فون جريفن، الذي ألّف كتاب "مرآة القساوسة" -ويتضمن أصل العنوان تعبيرا تهكميا بالقساوسة- إلا أنّ ما ذكره ومن سار على نهجه من بعده، عن التاريخ الكنسي بهذا الصدد منذ القرون الوسطى الأوروبية، كان يجد الرفض بدعوى أنه وأمثاله من ذوي المنطلقات الحداثية ويستهدفون الطعن في الكنيسة فحسب.

ولكن البحوث المنهجية تجاوزت هذا الاتهام، ومن ذلك مثلا ما قامت به في عام 1994م المؤرّخة الباحثة إمتراود جوتس فون أولنهوزن، إذ أجرت دراسة تحليلية في نطاق تخصصها -التاريخ الاجتماعي- ووصلت إلى نتائج مشابهة بشأن ممارسات كنسية في منطقة بادن الألمانية.

آنذاك -في تسعينات القرن الميلادي العشرين- كانت الأخبار المفزعة تتواتر يوميا عما "يُكشف" عنه من حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة من الجنسين، وعن أن النسبة الأعظم من مرتكبيها (زهاء 90 في المائة) هم من الفئات الأقرب إلى الضحايا، عائليا كالوالدين والأقارب، وتربيويا كرجال الكنيسة وأساتذة المدارس، واجتماعيا كالمسؤولين عن المتدربين والمتدربات في المصانع والمكاتب، هذا علاوة على أعداد لا تحصى ممّن لم تشملهم الدراسات والمتابعات الإعلامية بما فيه الكفاية، إذ كانوا من ضحايا ما يسمّى "السياحة الجنسية" إلى بلدان "نامية"، وهو ما اشتهرت به تايلاندا أكثر من سواها، وما ساهم به استغلال الشبكة العالمية إسهاما بالغ الخطورة.

لقد وصل حجم ما انكشف من الوباء وسعة انتشاره في تلك الفترة درجة استدعت عقد مؤتمر دولي لمكافحة هذه الظاهرة في مطلع عام 1999م في باريس. ولكن الجهود الدولية والمحلية في كثير من البلدان بقيت على الدوام دون مستوى بشاعة الجريمة نفسها، إذ نجدها تعطي الصدارة لإشكاليات تتعلق بتحديد عمر من يعتبر طفلا أو ناشئا ومن لا يعتبر، ونوعية الاعتداء الجنسي ما بين التحرش والاغتصاب، وهل انطوى على استخدام العنف أم لا، وهل يدخل الاعتداء -وكثيرا ما يسمّى إساءة.. أو استغلال تهوينا من شأنه- في نطاق الجريمة أم الجنحة، ولكن لا نكاد نجد تحرّكا فعالا واحدا على صعيد المعطيات الاجتماعية والقيمية التي يوجد انحرافُها الشروط الأولية لارتكاب الجرائم ونوعيتها وانتشارها.

على أرض الواقع تظهر النتيجة عبر المثال النموذجي التالي، وليس هو الوحيد من نوعه:

قسيس ألماني يحمل اسم "بيتر ه." انكشف أمر ممارساته الجنسية فأحيل في مطلع الثمانينات إلى "العلاج النفساني"، وحذر الطبيب النفساني من إفساح المجال أمامه للتعامل مع الأطفال والناشئة مرة أخرى، ولم تلتزم الكنيسة بذلك، فاكتُشفت ممارساته المتكررة مجددا بعد خمس سنوات، وحُكم عليه - والحكم يبيّن موقع هذه الجريمة في نطاق التشريعات الجنائية الغربية- بغرامة مالية، قدرها 4000 مارك آنذاك، والسجن 18 شهرا مع وقف التنفيذ!- ونقل من موقعه الكنسي مرة أخرى، ثم اكتشف الآن أنه تابع ممارساته العدوانية الجنسية على الأطفال والناشئة على امتداد 21 سنة تالية، وكانت الحصيلة الأخيرة "عزله" من منصبه الكنسي.

في ألمانيا ظهر في هذه الأثناء أن ارتكاب هذه الجريمة شمل 21 من أصل 27 أسقفية كنسية حتى الآن وفق المصادر الكنسية نفسها، وأن بعض المدارس التابعة للكنيسة وغير التابعة لها، شهدت سنويا المئات من الضحايا من التلاميذ.

وقد انطلقت موجة الاتهامات الراهنة ضد رجال الكنيسة في ألمانيا عن بعض أولئك الضحايا، وبدأت عندما بلغ كثير منهم سنّ التقاعد، ووجدوا أن الدوائر المختصة لم تحتسب لهم السنين التي قضوها في "ملاجئ الأطفال" وفي إطار مطالبتهم بذلك أضيفت المطالبة بتعويضات على ما تعرّضوا له في تلك الملاجئ، وكوّنوا رابطة للضحايا فشجع بعضهم بعضها على الكشف عما كانوا يكتمونه منذ سنوات نشأتهم الأولى، وتحوّلت "القصص الاستثنائية" إلى تيار لا ينقطع، وتركّزت على الكنيسة لأنّ 60 في المائة من أصل 3000 ملجأ للأطفال كانت تحت إشراف الكنيسة وإدارتها خلال السنوات ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية 1945م وسنة 1975م.

الأطفال ضحايا العنف

ما تتركز الأنظار عليه في أوروبا الآن، ولا سيما في إيرلندا وألمانيا، كانت تتركز عليه الأنظار في الولايات المتحدة الأمريكية في التسعينات من القرن الميلادي العشرين. ولا ينفصل الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة عن ظاهرة الاعتداء الجسدي عليهم على أوسع نطاق، ويبدأ بمجرد الإهمال إلى درجة الموت، ويصل إلى مستوى تسبيب عاهات جسدية دائمة، وفي هذا الإطار تقول المصادر الرسمية الأمريكية عن عام 2005م على سبيل المثال، إنه شهد وصول شكاوى إلى الجهات المختصة تجاوز عددها 3 ملايين حالة، وثبتت -لتوافر الأدلة القانونية- صحّة 872 ألف حالة منها، وكان ضحاياها بنسبة 16،1 في المائة بين عام واحد وثلاثة أعوام من العمر، وتنخفض هذه النسبة تدريجيا لتصل إلى 6،1 في المائة لفئة الأعمار بين 16 و17 عاما. ومقابل ذلك ترتفع نسبة ارتكاب الجريمة من جانب الوالديْن أو أحدهما إلى 78،5 في المائة، تليها 6،5 في المائة على صعيد الأقارب -ومع مراعاة انحراف ما تعنيه كلمة المساواة بين الجنسين- كانت نسبة النساء بين مرتكبي الجريمة 57،8 في المائة.

جميع ما سبق في نطاق "الثابت" بعد التحقيقات، أي لا يشمل حالات يستحيل إثباتها بالدليل القاطع قضائيا، ويعني ذلك -كما نأخذ من مثال آخر حول الوضع في ألمانيا- أن الرقم السنوي الرسمي للضحايا من الأطفال يتراوح بين 15 ألفا و20 ألفا، ولكن الدراسات المنهجية تتحدث عن أرقام أخرى، مثال ذلك دراسة قام بها معهد البحوث الجنائية في ساكسونيا السفلى، وأسفرت عن أن أكثر من 1،4 مليون طفل من أصل حوالي 9،3 مليون طفل في ألمانيا يتعرضون للإيذاء بأنواعه، دون أن يشمل هذا الرقم الاعتداءات الجنسية المباشرة. بينما تقول المصادر الرسمية بهذا الصدد إن عدد ضحايا الاعتداءات الجنسية من الأطفال والناشئة قد تراوح خلال سنوات 1999 إلى 2008م، ما بين 16000 و19500 ضحية سنويا، ولكن نسبة الوصول إلى مرحلة الإدانة وإيقاع العقوبة لا تتجاوز 13 في المائة من عدد الحالات التي يجري التبليغ عنها، بينما تتراوح تقديرات الخبراء حول ما لا يجري التبليغ عنه ولا يصل ابتداءً إلى مستوى التحقيق الجنائي، ما بين 80 ألفا و300 ألف حالة اعتداء سنويا.

اغتيال منظومة القيم

إنّ استغلال الأطفال والناشئة جنسيا ليس ظاهرة مستقلّة بذاتها نشأت بين ليلة وضحاها، بل هي واحدة من تلك الثمار المرّة لتطوّر اجتماعي معكوس، وقع في ظلّ تقدّم تقني كبير، ولم يكن التقدّم يتطلّب بالضرورة قهر القيم ولا وأد الأخلاق ولا تشويه العلاقات الاجتماعية والأسروية. ومَثَل هذه الظاهرة الإجرامية مثل ثمرات مرّة أخرى، ضحاياها من الأطفال والناشئة والشبيبة في الدرجة الأولى، لا سيّما الإناث منهم، كظاهرة "تجارة الرقيق الأبيض" (كما يسمّونها وإن أصبحت النسبة الأعظم من "السلع" فيها من ذوي البشرة "غير البيضاء") أو كظاهرة ارتفاع نسبة "الاغتصاب" وقد ارتفعت أضعافا مضاعفا جنبا إلى جنب مع ارتفاع نسبة الإباحية، أي على النقيض تماما ممّا كان يقال في الترويج للإباحية الجنسية، عبر قول تلاميذ فرويد إنّ الكبت الجنسي هو السبب الرئيسي لارتكاب جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، فينبغي تحرير الجنس.. لتخفيف الاعتداء، إذ ثبت العكس على أرض الواقع. ومن الثمرات المرّة الأخيرة المرافقة لظاهرة استغلال الأطفال والناشئة، ما نسمّيه ظاهرة سقوط حواجز الرحمة والمودّة والقيم داخل العلاقات العائلية، حتّى أصبحت نسبة الجرائم اعتداء جسديا وجنسيا داخل نطاق العائلة هي الأعلى والأوسع انتشارا والأخطر مفعولا في جلّ المجتمعات الغربية.

إنّ ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة ظاهرة تتكامل مضمونا وتأثيرا مع تلك الظواهر التي تفتك بمزيد من الأطفال والناشئة، وهذا مع هبوط متواصل مطّرد في وسطي أعمار الضحايا، عقدا بعد عقد، وعاما بعد عام، وفي بلد بعد بلد، بما في ذلك ارتفاع نسبة ارتكاب الجرائم لا السقوط ضحية لها فقط، والمشاركة في نشر المخدّرات لا تعاطيها فحسب، بل أصبحت تلك الموبقات تنتشر في المدارس الابتدائية بعد الثانوية والتوجيهية، وقد انتشرت في هذه بعد الجامعات، كما بات كثير من السلطات الرسمية يرخّص بتلك الموبقات بعد أن كانت التجارة بها "حكرا" على العصابات الإجرامية المنظمة!..

--------------**********--------------

متى ينزع حزيران وشاحه الكئيب؟!

وكيف تشكل مبادرتهم للسلام عائقاً؟!

زهير سالم*

القرصنة الصهيونية الهمجية على نشطاء أسطول الحرية تجد لنفسها سياقا في متتالية العدوان الصهيوني الكريه على أمتنا في تاريخنا الحديث.

جثامين الضحايا الأبرياء هي نكسة للضمير الإنساني في كل مكان. وقد لا يكون الخامس من حزيران في السابعة والستين الأقرب إلى الجريمة الأخيرة في العهد أو في الحجم؛ ولكنه الأقرب إليها من حيث الغطرسة، والاستهتار بالقانون الدولي، وبمنظومة حقوق الإنسان.

يتحدى نائب وزير الخارجية الإسرائيلي: إن إسرائيل إذا أرادت أمراً لا تبالي بأحد ولا بشيء، يقصد لا بقانون دولي، ولا برأي عام إنساني. (التصريحات مسجلة في مؤتمر صحفي بثتها قناة الجزيرة يوم 31/5/2010. ). ومع هذا يترك المجتمع الدولي قتلة متوحشين ومتغطرسين مثل هؤلاء ليتحكموا بترسانة من الأسلحة التدميرية الكيمائية والبيولوجية والنووية. للحقيقة نقول إن أخلاقهم أخطر علينا من أسلحتهم. ويريدنا العالم أن نأمن وأطفالنا وحوشا مثل هؤلاء. وتأتي إرادة العالم هذه مشفوعة أو معززة بإرادة اليائسين أو البائسين من قادة دولنا، الذين لا يعرفون وهم (يحوقلون) أن يستمدوا الحول والقوة من الله، والعزيمة وحب التضحية والفداء من شعوبهم التي يشاركون في تكبيلها، وتذليل أعناق بنيها أمام مقصلة الجلاد.

بين نكسة الخامس من حزيران والمجزرة البشعة التي تمت على ظهر أسطول الحرية قرابةٌ ونسبٌ وشيج. وإنه لأملٌ لأمتنا، مع تغير المعطيات،  أن تجعل من هذه المذبحة الأليمة قنطرة لنزع وشاح الخزي والعار عن وجه حزيران الكئيب. إنه لأمل أن تكون الجريمة على ظهر أسطول الحرية قنطرة لننفض عن وجه حزيران، غبار الذلة والانكسار والهزيمة والنكسة؛ لعلنا ننشد في حزيراننا القادم..

كم لنا من ميسلون نفضت

عن جناحيها غبار التعب..

بمقدور الذي صنعوا حزيران الهزيمة ، لو أرادوا، أن يجعلوا من الجريمة الأخيرة، بجرحها الساخن والذي أعاد إلى الميدان بعض الدم التركي الزكي بكل دلالاته ؛ معبرا حقيقيا لتجاوز وجه حزيران الكالح، بذكراه الأليمة، حزيران الدرك إلى البؤس الذليل الذي دُفع وطننا إليه.

وهذا العبور هو الذي نتحدث عنه  يقترحه نظريا الأستاذ وليد المعلم على نظرائه العرب. نقول يقترحه نظريا ونحن نريده حقيقة واقعة وبرنامج عمل وطني. أقتبس من قوله أمام مجلس الجامعة العربية (إن الصراع، يقصد بعد العدوان على أسطول الحرية، يقف عند مفصل تاريخي، فإما أن نجعله يتحول لمصلحتنا وإما أن تستمر إسرائيل في فرض منهجها وسياساتها العدوانية علينا..)

إن هذا التصريح الاستراتيجي الضخم والبارز ليس كلاما يعبر على أكتاف تسجيل المواقف الإعلامية..

لا تحسبن المجـد تمـراً أنت آكله

لن تدرك المجد حتى تلعق الصبرا..

وهذا الكلام الضخم الفخم، لا  يُقصر فقط  على التضامن مع تركية الرسمية والشعبية، مع تأييدنا للدعوة إلى التضامن مع تركية الرسمية والشعبية، ومع الشهداء وذويهم والضحايا وأهليهم..

وهذا الكلام – الاستراتيجية - لا يتحقق بكسر الحصار عن غزة فقط.. فليست غزة وحدها هي المحاصرة،  فشعوب أمتنا كلها محاصرة، وابدأ بمن تعول.

ذلك الكلام الضخم الفخم الذي تقدم، لن يحقق أهدافه بتشكيل لجنة تحقيق دولية، مع تأييدنا لتشكيل لجنة تحقيق دولية حول الجريمة النكراء. ولن يتم أيضا بوقف المفاوضات /الفلسطينية/ فقط المباشرة وغير المباشرة. وفقط هي مناط الحديث.

لنجعل من الحدث الجريمة مفصلا تاريخيا كما يدعو السيد الوزير هناك أجندة فردية وأجندة جماعية، هناك أجندة وطنية ينبغي الوقوف عندها للصادقين قبل الأجندة القومية. وأهم وأخطر ما في الأمر الجواب على السؤال هل يمكن لمبادرة السلام أن تكون عائقا؟

في ذكرى الخامس من حزيران، ومع  شلال الدم الذي لم يجف من شرايين الأبرياء على ظهر أسطول الحرية، يرى وزير الخارجية وليد المعلم: تعليقاً على سؤال عن إمكانية سحب مبادرة السلام العربية كرد على الجريمة: إن المبادرة ليست العائق أمام السلام في المنطقة. بل سلوك إسرائيل العدواني والدموي هو العائق..

السيد الوزير في هذا الكلام يلتف على كلامه الأول الذي أفاض فيه ويتهرب منه. لأن بقاء خيار ما يسمونه السلام، يعني أن نعيش حزيرانات عديدة ودهورا مديدة، يقول أحدنا للآخر كل عام وبلدتك أو قريتك بخير. وإن أبسط ما يعنيه سحب مبادرة السلام أن تتحول استراتيجية: تطويع جسمنا الحي لقبول المندس الغريب إلى استراتيجية تحريض هذا الجسم على رفض المندس الغريب الكريه..

إن سحب خيار السلام الحزيراني يا سيادة الوزير ليس موقفا إعلاميا في لعبة تقاذف الكرة، ولا هو بالون سياسي يطلق في الفراغ. إنه استراتيجية  تنعكس في حياتنا العامة والخاصة على كل شيء. تنعكس على جدول العمل اليومي في كافة وزارات القطر، ومناهج هذه الوزارات: وزارة الدفاع ووزارة الإعلام، وزارة التربية ووزارة الأشغال كما تنعكس على أخلاقيات وسلوكيات الأفراد. هناك عنوان تربوي اسمه الأخلاق المحاربة، لا تصنعها المسلسلات الهابطة، ولا برامج الشقلبة. 

أتذكر يا سيادة الوزير ، وأنت وأنا أبناء جيل واحد، صورة كانت في كتابنا المدرسي في الصف الأول الابتدائي: صورة الشرير المجرم الذي قتل بالأمس بدم بارد ستة من الناشطين على ظهر أسطول الحرية، كان كتابنا المدرسي منذ الصف الأول قد سبق إلى تصويره وطبع صورته للتحذير منه في عقولنا الغضة، كانت صورته في وسط الصفحة اليسرى من الكتاب، وكتب منهاجنا المدرسي تحتها:

...أشرار مجرمون

احتلوا فلسطين. وطردوا أهلها منها..

ونحن أطفال العرب

سندافع عن فلسطين..

عاشت بلادي.. عاشت فلسطين..

أتذكر هذه العبارة التي حذفها ـ خيار السلام الاستراتيجي ـ من المنهج المدرسي، حتى قبل سقوط الجولان. وكان حذفها مقدمة حزيرانية كوهينية بكل نتائجها الكارثية. إسقاط الخيار البئيس يعني أن تعود الصورة والعبارة إلى موضعها من ذلك الكتاب.

بلى إن خياركم أو خيارهم للسلام عائق وأي عائق في وجه مشروع انعتاقنا ونهوضنا وتحررنا وتقدمنا. إنه عائق نفسي وعائق عقلي وعائق نظري وعائق عملي. وإن مجرد توقفكم عن التفكير في البحث عن المخرج عند الأتراك أو عند الفرنسيين أو عند الأمريكيين سيدفعكم إلى البحث عن البديل المجدي بدلا من التعلق بحبال القمر ووشوشته وشوشة العاشقين.  

إن التوقف عن التعلق بمبادرة الوهم سينعكس مباشرة في وطننا على حالة الطوارئ  وقانون الأحزاب، وقانون المطبوعات، وحرية الصحافة، وسيعيد الاعتبار لقيمة الإنسان. سينعكس قرار سحب خيار الوهم الذي تتخوضون فيه منذ أربعين عاما أيضاً وهذا مهم على علاقتكم بالشيخ المهيب هيثم المالح، و بالصبية المواطنة طل الملوحي وبرياض سيف وفداء الحوراني وبكل نبتة عشب أخضر نبتت على أرض الوطن..

---------------

*مدير مركز الشرق العربي  

--------------**********--------------

45 دقيقة في غرفة التحقيق

بقلم: مسعود حامد *

أخبار الشرق – 30 أيار/ مايو 2010

غداً، أو بعد لحظات يكون الموت قادماً مع التحقيق... لن يطول الأمر..!

من ليال المعتقل الباردة

اللحظات تتراكض، تلاحق الواحدة أختاها. إنه الخوف، الرعب، والظلام الدامس. الصراصير السوداء، الكبيرة تشاركني مخدعي، لم أكن أراها إلا وهي تمر من أمام ذلك الثقب؛ متنفسي الوحيد، كانوا جياعاً مثلي، فرغيف الخبز لم يكن يسد رمقي. قطعانهم تتهافت على نزيلهم الجديد، فالخير لديه وفير، كانت تلاحقني حتى وأنا أخبئ ما تبقى من فتات الخبز بين قميصي المكتسي برائحتها إنها الحرب؛ حرب البقاء...!

الخميس أخر أيّام موتى المسلمين، وفي تلك اللحظات شعور الموت القريب كان يحاصرني. الموت الأسود، أم الأبيض، أم الموت بكلّ ألوان الطيف. خطى السجان بحذائه ذو الكعب، ترعبني، كنت أحاول أن أنام في تلك اللحظات، ربّما هو الهروب من النفس أو إليها؛ الأمر سيّان. النوم هو أنجع الحلول في هكذا حالات، لكن دون جدوى. فصدى فتح القفل الكبير المعلق على أبواب الزنازين يملأ الممر ضجيجاً مرعباً، كنت أشعر في كل ثانية حتى في النوم إنها لحظة التحقيق.

لن يطول الأمر، فغداً أو بعد لحظات، من غرفة الضابط، يكون الموت قادماً مع التحقيق. سماع آذان الفجر كان يذكرني بقريتي الصغيرة، ربما ليست جميلة، لكنها ستبقى قريتي، عبثاً أحاول فتح منفذٍ صغير لأتنفس قليلاً. التفكير في الخيزران، الكبل الرباعي أمر صعب، ربما كان الموت ألذ من تلك اللحظات، لا مفر يجب أن أتهيأ لهذا. البداية كانت مع سماع أغنية كردية بصوتٍ خافت من أحدهم، وكأن الله أرسله إليّ، ظننت أن هذه اللحظات نهاية التوقيف عندي، ولكن ما لبث إن بدأت البداية.

الجلاد يسمع الأغنية، وحديثنا أيضاً، الحديث الذي لم نفهمه من بعضنا، لتُملأ الغرفة عدة التعذيب، المكللة بكل ألوان الطيف، من كرسي، دولاب، كبلٌ طويلٌ خيزرانه اكبر من حامله. أنهى الشاب حصته ببضع خيزرانات ليستقبل بابُ زنزانتي بأول تغييرٍ للهواء من عدة أيام، لا أتذكر، ربما عدة ساعات، ليقف ثلاثة جلادين أمامي وخلف كل واحد منهم جلاد، الجميع يحملون العصي وأدوات التعذيب. كان بجانب الباب الأيمن الرجل القصير ذو الشعر الأصلع، صاحب كرشٍ وقحٍ، يتلفظ بكلمات بذيئة مع الضرب بوسائله المعدة مسبقاً أينما تسنى له في جسدي الضعيف،. إنه علي مخلوف، بداية مسلسل التحقيق والتعذيب معاً.....!

تصوّر، عزيزي، وأنت في ضيافة سيد الجلادين كيف تمر الثواني واللحظات، سأترك لكم إكمال ما تبقى من التحقيق بخيالٍ ربما أوسع بكثير مما كتبت، فأنا سأحتسي قهوتي قبل أن تبرد.

إلى صديقي ورفيق دربي الأستاذ المحامي والمعتقل الحالي محمد مصطفى، وإلى ذلك الجسد الذي لا يزال يحمل آثار التعذيب" خالد علي".

--------------**********--------------

الإصلاحات غيرت الاقتصاد السوري و ليس السياسات

واشنطن إيكسماينر

26-5-2010

ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي

بعد إلقاء محاضرة حول الدور المتزايد للبنوك الخاصة في سوريا تلقى الإقتصادي السوري محمد أيمن الميداني طلبا مزعجا من المستمعين من أجل إعطاء نبذة عن الفساد في القطاعين الخاص و العام في البلاد.

وقد أجاب مستهزئا و مشيرا إلى إمكانية تعرضه للإعتقال :" إذا أجبت على هذا السؤال فقد لا أقضي ليلتي في البيت اليوم". و قد حصل هناك ضحك متوتر في القاعة.

إن هذه اللحظة المتوترة في هذه المحاضرة التي ألقيت في دمشق أوائل هذا الشهر تسلط الضوء على حجم تغير الأمور في دمشق تحت رئاسة بشار الأسد في السنوات الأخيرة. لقد ابتعد الرئيس السوري قليلا عن قيود الإقتصاد على النمط السوفيتي التي كانت متبعة بقوة أيام والده الراحل حافظ الأسد.

فقد قام بفتح البلاد للبنوك الأجنبية و قد فتح أبواب الإستيراد على مصراعيها كما أعطى صلاحيات للتعليم العالي الخاص و مكن القطاع الخاص.

و لكن طبيب العيون السابق النحيف و الذي جاء إلى السلطة قبل 10 سنوات لم يجار سياساته الإقتصادية الليبرالية مع الإصلاحات السياسية. وفي واقع الأمر فإن أجهزته الأمنية القوية مستمرة في مراقبة أي انتقاد يتعرض له النظام.

و خلال هذه العملية قام الأسد بتغيير قواعد شرعية النظام السوري. فقد اعتمد بشكل أقل على معاداة والده القديمة لإسرائيل و اللهجة القومية العربية و استند على قوته عوضا عن وعود الإستقرار و قام بتحديث البلاد و فتح الإقتصاد نوعا ما و قام بإنهاء العزلة الدولية التي كانت مفروضة على سوريا.

بعد 10 سنوات على حكم الأسد, فإن دمشق التي كانت تبدو في يوم من الأيام متجهمة أصبحت تفوح منها رائحة المال الآن حيث ازدهرت من خلال الطفرة الإستهلاكية الحديثة من قبل مجموعة من الأثرياء و رجال الأعمال الذين أصبحوا يشكلون مجتمع " المال يتكلم".

إن السياح الأجانب يملؤون أسواق المدينة القديمة كما أن الفنادق تعج بالحجوزات و المطاعم الحديثة مزدحمة جدا حيث الحجوزات موجودة بشكل دائم. إن موديلات السيارات الأخيرة من اليابان و أوروبا أصبحت مشهدا مألوفا في شوارع المدينة المزدحمة و تبدو المحال التجارية التي تعرض الملابس الحديثة متعددة في البلاد.

إن إنفتاح البلاد إقتصاديا و تجاهل الديمقراطية و الحريات العامة يبدو أكثر صيغ الحكم في الوطن العربي. إن حلفاء الولايات المتحدة المقربين في مصر وتونس و الأردن رواد في هذا المجال.

إن الأمر ليس مضمونا كلية. إن إقتصاد السوق الحر غالبا ما يجعل الإصلاح السياسي هو الخطوة المنطقية التالية في عقول الناس. علاوة على ذلك فإن بعض السياسيين السوريين يحذرون من أن التغييرات قد أدت إلى توسيع الفجوة ما بين الأغنياء و الفقراء و أدت إلى رفع الأسعار إلى أعلى المستويات, مما جعل النظام عرضة للإنتقاد الشعبي أو حتى للإضطرابات.

يقول الإقتصادي جهاد يازجي :" إن التحدي الحقيقي يتمثل في الإنتقال من السوق الإشتراكي إلى الحر دون زيادة الفقر , و لكن الحكومة لم تدر هذا الأمر كمايجب".

إن الإصلاح كما يقول يحتاج بقوة إلى إقتلاع الفساد في القطاع الحكومي المنتفخ كما أنه بحاجة إلى جعل النظام القضائي أكثر فعالية في التعامل مع النزاعات التجارية إذا كان النظام جادا فيما يتعلق بدعم الإقتصاد.

إن الأسد كان قويا لحد الآن في تجاوز الصعوبات التي تعرض لها في السنوات الأخيرة, وذلك مع إجبار سوريا على سحب جيشها من لبنان عام 2005 و تعرضها لعزلة دولية قوية تجاوزتها للتو. إن الأسد قادر لحد الآن على مقاومة الضغط الأمريكي لفك تحالفه مع كل من إيران و الجماعات المسلحة مثل حزب الله و حماس.

يقول بلال سعد و هو خبير في شئون الشرق الأوسط من جامعة ميريلاند يقوم بشكل دائم بكتابة تقارير حول سوريا و لبنان للمسئولين الأمريكيين :" لقد كانت محاولة السيطرة على السلطة عملية جارية لديه, و لكن قبضته على زمام الأمور أمر لا يمكن نكرانه اليوم".

إن صورة الأسد كمجدد قد ساعدت بالإضافة إلى زوجته أسماء ذات الجاذبية و المولودة في بريطانيا في زيادة شعبيته بين أفراد الشعب السوري الذي يبلغ تعداده 20 مليون نسمة.

في هذه الأثناء فإن عائلته و المقربين منها لا زالوا يسيطرون بقوة على القوات المسلحة و الأمن و المخابرات. إن هذه الجهات و زمرة رجال الأعمال الجدد تدين بثرائها لسيطرة النظام على الأعمال الكبرى و الأكثر ربحية مثل شركات الهواتف النقالة و الأمور الأخرى من السيارات إلى الحواسيب.

و على خلاف والده, فإن الأسد الشاب لم يقم بالرد على معارضيه السياسيين بسجن الآلاف دون أي محاكمة أو بتهديم أحياء برمتها و تسويتها بالأرض و هي أمور من الممكن أن تزيد من سوء عزلة سوريا.

مباشرة و بعد فترة تهدئة قصيرة مع المعارضين بعد قدومه إلى السلطة عام 2000 قام بنفس الخطوات في إظهار عدم التسامح مع المعارضة.

و لدينا مثال جيد هنا و هو هيثم المالح و هو معارض يبلغ من العمر 79 عاما و هو ناشط و إصلاحي و يعرض حاليا على المحكمة العسكرية بتهمة " نشر أخبار خاطئة يمكن أن تضعف الشعور القومي".

و قد كانت جريمته أنه انتقد الإعتقالات و قانون الطوارئ في مقابلة تلفزيونية و في مقالات على الإنترنت.

وفي ظهوره في 22 أبريل طلب المالح إطلاق سراحه خلال المحاكمة و ذلك بسبب صحته المتدهورة. حيث أن المالح يشكو من السكري و إلتهاب المفاصل.

إن أجهزة أمن الأسد المخيفة تفرض رقابة لصيقة على كل شخص, و هم يقومون بمسح مواقع الإنترنت بصورة محكمة لإيجاد أي إنتقاد للنظام و أي إشارة على التطرف الديني. و يقول السوريون بأنهم عادوا مرة أخرى للهمس كما كان عليه الحال عندما كانوا يريدون أن يتكلموا في السياسة إبان حكم حافظ الأسد.

يقول الخبير في شئون سوريا جوشوا لانديز و المقيم في الولايات المتحدة بأن إدعاءات شرعية نظام الأسد لم تعد متجذرة من خلال صراع سوريا مع إسرائيل كما كانت الأمور خلال حكم الأسد الأب.

و يضيف :" إن الشرعية تعتمد حاليا على الخوف من الفوضى و الوعد بالإستقرار".

و لا زال الأسد الشاب يستخدم حالة الحرب مع إسرائيل لصالحه, بحيث يوظف هذا الأمر لتبرير المشاكل الإقتصادية و قوانين الطوارئ و المعاملة القاسية مع المنتقدين.

يقول عارف دليله وهو إقتصادي كبير أكمل عام 2008 سبع سنوات في السجن بعد إنتقاده إحتكار الأعمال من قبل الحكومة :" إن الإصرار على فكرة أننا في حالة حرب مع إسرائيل منذ عام 1973 لم تعد مقبولة بعد الآن, و هي تستخدم لتبرير كل شيء".

--------------**********--------------

مقترحات "رجعية" لتطوير التعليم في سوريا

عمار سليمان علي - كلنا شركاء

01/ 06/ 2010

يواجه التعليم أزمة حقيقية ليس في سوريا فقط, بل في سائر الدول العربية, ومن يراجع تقارير الأمم المتحدة الخاصة بالتعليم وبالتنمية البشرية, أو يلق نظرة على إحصاءات الأمية بكافة أشكالها وتدرجاتها, يشعر بحجم الكارثة التعليمية التي نعانيها كأمة عربية.

وقد شهدنا في سوريا مؤخراً سجالاً على صفحات الجرائد والمواقع الالكترونية بخصوص العملية التعليمية والتربوية, إثر قرارات وزارية استدعت أخذاً ورداً وهجوماً ودفاعاً وتبريراً وانتقاداً, الأمر الذي وضع قضية التعليم على نار حامية, ولكن هذا لم يكن الدافع الأساسي لكتابة هذه المقالة, التي لم تكن لتظهر للوجود لولا صدور بعض الدعوات التي تصب في خانة الرجعية والتقهقر للوراء في المجال التعليمي, من وجهة نظر شخصية طبعاً. ورغم وجود دعوات مماثلة في أقطار عربية أخرى, إلا أن الأمر في سوريا بالذات يثير الاستهجان. فسوريا بلد علماني أو على الأقل شبه علماني, أو هكذا يفترض, وتمسك بدفة القيادة فيه مجموعة مستنيرة تلقت تعليمها في أهم جامعات العالم, ومن غير المقبول أن تظهر على صفحات جرائدها ومجلاتها دعوات صريحة للعودة بالتعليم إلى عصر "الكتاتيب", وإن بصيغة متجددة, أو لإلغاء الجامعات والمدارس وممارسة التعليم في المساجد, وإن بمضمون حديث وأدوات عصرية!. تماماً كما من غير المعقول أن يكون حل أزمة التعليم ومشاكله بقرارات ارتجالية غير مدروسة من قبل صناع القرار الذين يبدو أنهم, من بعض الزوايا, ليسوا مدركين للعواقب الوخيمة التي ستتأتى عن قراراتهم وتعليماتهم على مختلف الصعد. ومن غير المعقول ولا المقبول أن يتخذ صناع القرار والأوصياء على العملية التربوية والتعليمية قرارات متناقضة, فتارة يشجعون المدارس الخاصة والجامعات الخاصة ورياض الأطفال الخاصة, وتارة يحاصرون بقراراتهم مخابر تعليم اللغات الأجنبية الخاصة التي قارب عددها الألف في جميع أنحاء سوريا, والتي تحولت على مدى السنوات الأخيرة بعلم المسؤولين وأمام أعينهم وأبصارهم "المغضوضة" إلى معاهد تعليمية لجميع المواد الدراسية ولاسيما لمناهج الشهادتين الأساسية والثانوية, متجاوزة شروط ترخيصها كمخابر لغوية فقط, وفجأة أصبح محرّماً على تلك المخابر/المعاهد أن تدرّس تلك المواد, وأصبحت ملزمة فقط بتدريس اللغات الأجنبية. الأمر الذي أثار موجة اعتراضات واسعة قد تكون محقة كلياً أو جزئياً وقد لا تكون, مادام الأمر يندرج في إطار التنظيم ووضع قوانين وتشريعات جديدة لضبط العملية التعليمية والتربوية, وهو ما تمثل بصدور المرسوم التشريعي الذي حظر استخدام العقارات والأماكن غير المرخصة كمؤسسات تعليمية خاصة أو كمراكز أو مكاتب للتدريس أو لتقديم خدمات تربوية أو تعليمية لمجموعات من الطلبة ذات صلة بالمناهج التربوية الرسمية. ونص على حصر عمل المخابر اللغوية المرخصة قبل وبعد نفاذ هذا المرسوم بإقامة دورات للغات الأجنبية.

كل ما سبق عادي وطبيعي ويمكن أن يحدث في أي بلد, وأن يثير موجات من الأخذ والرد, وهو ما حصل بالفعل, وكل شخص سوف ينظر إلى الموضوع من زاويته الخاصة, ومن خلال مصلحته بالدرجة الأولى, فأصحاب المخابر المتضررون سيعترضون وسيرفعون الصوت وسيقدمون اقتراحات مضادة, وقد فعلوا, والطلاب الذين اعتادوا هذا النمط من التعليم سيحسون ببعض الاختلاف قبل التعود على النظام الجديد, وسوف يتعودون ويتكيفون, والقيّمون على الأمور سيدافعون كالعادة عن وجهة نظرهم وعن صلاحياتهم في تقرير ما فيه مصلحة للطالب وللمواطن وللوطن وللأمة جمعاء!.

ولكن ما هو غير عادي وغير طبيعي وغير مقبول, أن تظهر في السياق بعض الكتابات والمقالات حول الموضوع التعليمي وهي تنضح بآراء مستغربة ومستهجنة ورجعية إذا جاز التعبير, فأحد الصحفيين المخضرمين مثلاً دعا في إحدى الصحف إلى تجاوز مشكلة النقص في أبنية المدارس الحكومية بالعودة إلى نظام "الكتاتيب" الذي كان مطبقاً على أيامه كما قال, مموّهاً دعوته تلك ببعض الشروط, كأن يتخلى "معلم الكتّاب" عن عصاه, ويطور أدواته التعليمية ومناهجه الدراسية عما كانت عليه أيام الصحفي المخضرم الذي لم يخف حنينه إلى تلك الأيام وحماسته للعودة إليها, عبر أبنائه طبعاً وليس عبره شخصياً, أو هكذا يفترض!.

وعلى نفس المنوال دعا أحد الكتّاب (هنا جمع كاتب وليس مفرد كتاتيب!) في مجلة "علمية ثقافية شهرية" إلى اعتماد المساجد بديلاً للجامعات, والعودة إلى نظام الوقفيات المرصودة للتعليم. وهي دعوة مستغربة ومستهجنة كذلك, على الرغم من نية الكاتب الطيبة , وطويته السليمة, وهدفه المعلن النبيل, ولاسيما أنه انطلق في مقالته من السؤال عن سبب غياب الجامعات العربية عن قائمة أفضل خمسمائة جامعة في العالم, واعتبر أنه "حدث تخلف كبير وتراجع كبير في جامعاتنا بعد أن كانت مثالية، وتراجع المستوى كثيراً والخريجون أصبح غير معترف عليهم في كثير من بلاد العالم وعدد كبير منهم عاطل عن العمل أو يقوم بأعمال لا تمت للشيء الذي درسه في الجامعة...", كما أن الكاتب قدم سلة من المقترحات التي رأى أنها تفيد في تطوير التعليم والرقي بالمؤسسات التعليمية, وأكثر تلك المقترحات لا خلاف عليها, ويمكن لأي خطة تطويرية للتعليم أن تتبناها, والعبرة طبعاً بالتنفيذ, ولكن الخلاف مع الكاتب هو حول هاتين النقطتين اللتين ارتكز عليهما طرحه وهما :

أولاً العودة إلى نظام الوقفيات المخصصة للجامعات مثل الوقفيات للجوامع وللمؤسسات الخيرية.

ثانياً تحويل المساجد إلى كليات لدراسة الحقوق، والشريعة والآداب.

وقد تساءل الكاتب شارحاً وجهة نظره: "لماذا نخصص كليات شريعة ضمن الحرم الجامعي؟ دعهم يتعلموا الشريعة في المساجد. وكذلك كليات الآداب والإنسانيات والحقوق فما حاجتهم إلى قاعات قد لا تتسع لهم وهم ليسوا بحاجة إلى مخابر أو أجهزة كل ما يلزمهم أجهزة صوتية ومكتبات وشبكات إنترنت؟، وهل من الضروري جلوسهم على الكراسي أو الوقوف.. لماذا لا يقعدون [هل يقصد على الأرض؟ هذا ما يفهم!] ويسمعون ويناقشون؟". ويعتبر الكاتب أن هذه "خطة لجعل الجامعات مختصة بالعلوم العملية من طبية وهندسية وعلوم مختلفة دون أن تكون الجامعة مسؤولة عن تدريس علوم الحقوق والآداب والإنسانيات والشريعة".

طبعاً يبرر الكاتب دعوته بكثرة أعداد المساجد القائمة حالياً واتساعها وانعدام أو قلة النشاطات فيها إلا في أوقات الصلاة. ولكنه لم يكلف نفسه عناء التفكير ببعض الإشكاليات التي تنجم عن هكذا طرح, فما هو وضع الطلاب غير المسلمين, مثلاً, هل سيسمح لهم أصحاب الفتاوى ونجوم الفضائيات الدينية بدخول المساجد والتعلم فيها؟ أم تضاف الكنائس إلى المساجد ويحدث فصل طائفي صارخ بين المسلمين والمسيحيين في العملية التعليمية؟ وهل هكذا يكون التطور؟ ثم ماذا عن المناطق غير الغنية بمساجدها, هل سيحرم أبناؤها من نعمة التعليم؟ أم تبنى لهم مساجد إضافية؟ ولماذا تبنى في هذه الحالة مساجد وليس مدارس وجامعات؟ كل تلك الأسئلة لم يناقشها الكاتب ولم يتطرق إليها وربما لم تخطر له ببال. واستطراداً ما دامت دعوته تلك قد جاءت في إطار بحثه عن طريقة لكي تدخل الجامعات العربية أو بعضها قائمة أفضل خمسمائة جامعة في العالم, فهل هو يعتقد حقاً أنه من الممكن أن تدخلها المساجد؟ ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم تدخلها جوامع / جامعات الأزهر والزيتونة والنجف وغيرها من الجوامع / الجامعات التي قامت واستمرت في المساجد؟

طبعاً من حق الصحفي والكاتب المذكورين ومن حق أي كان أن يبدي وجهة نظره وأن يعبر بحرية عن آرائه وقناعاته, دون أن يكون من حقنا أو من حق أحد أن يصادرها أو أن يمنعها. بل, علاوة على ذلك, قد تكون تلكما الدعوتان صحيحتين من الناحية العقارية, وربما من حيث القيمة الاقتصادية, ولكنهما حتماً فاشلتان من الناحية التعليمية والتربوية والحضارية والإنسانية.

كفانا نظراً ورجوعاً إلى الوراء... ولننظر إلى الأمام فلعلنا نتقدم!.

--------------**********--------------

هل تصبح سورية مدخل تركيا لحلمها الجديد؟

نهاد الغادري : المحرر

01/ 06/ 2010

في غياب عربي هو بعض الحقائق على الأرض تتقدم تركيا لدور شرق أوسطي مقبول ومطلوب ، وربما كان بديلاً أو متقدماً على دور إيراني مرفوض ومشكوك بنزاهته .

لا أحد يجهل التاريخ . فتركيا ليست دولة طارئة . إنها الدولة الأم للكثير من المزق العربية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وانفصال العرب عن الدولة الإسلامية بعد أن استمر نظامها في استانبول أطول ما استمر به نظام إمبراطوري لستة قرون من تاريخ الإسلام .

وإذا كانت الثورة الكمالية وسقوط الإمبراطورية العثمانية قد أديا إلى انفصال الأجزاء العربية فاحتلالها بعد الحرب العالمية الأولى فاستقلالها بعد الثانية ، فإن مرحلة ما بعد انهيار الخلافة شهدت انغلاق تركيا على ذاتها وقوميتها وابتعادها عن الإسلام والشرق وتطلعها للغرب بديلاً حضارياً متقدماً من بديل للتخلف العثماني .

أعقب خروج تركيا من معادلة المنطقة فقدان القوة الإقليمية التي تستطيع أن تضبط الصراعات والنزاعات العربية العربية ومشاريع النهضة وأحلام الوحدة . تقدمت مصر عبد الناصر لملء فراغ القوة ومركزيتها ونجحت لزمن قصير . ثم غابت .

أعقب انهيار الوحدة السورية المصرية عام 1961 فالحرب الإسرائيلية عام 1967 واحتلال سيناء والجولان وما تبقى من فلسطين فراغ هائل لم يستطع بلد عربي أن يملأه . أخرجت الحرب مصر من المعادلة الإقليمية ولم يستطع العراق ، بالرغم من قوته لمرحلة صدام ومن حربه العربية مع طهران الفارسية ، أن يقود أو يملأ موقع مصر الذي خلفته التجربة الناصرية وراءها. تقدمت إيران بمشروع ثورتها الإسلامية ومحتواها المذهبي لتملأ فراغ القوة فأخفقت ووجدت طهران نفسها في صراع مع جوارها .. وما زال الصراع مستمراً بعنوانين : عنوان فارسي ضد العرب ، وعنوان شيعي مذهبي ضد أهل السنة . إيران لا تستطيع أن تملأ الفراغ ولا أن تحتل الأرض . دون ذلك حروب وثورات وتدخل خارجي يضبط الإيقاع .

لمرحلة مابعد سقوط الناصرية والعراق وعجز إيران وخطرها بدا واضحاً أن تركيا السنية تسترجع بهدوء كثيراً من حضورها التاريخي . تقدم نظامها الجديد الذي شكل عودة إلى الهوية بحيويتها دون عجزها العثماني لملء فراغ هائل لم تستطع دولة عربية أو إقليمية أن تملأه . ظلت المنطقة معبراً للرياح في أرض خواء حتى بدأت تركيا العائدة تقيم حواجز الردع .

يمكن القول إن النظام التركي الإسلامي الجديد ما زال مهدداً من داخله بقوة الأتاتوركية وجيشها، غير أن هذه القوة الأتاتوركية تضمر وتتراجع وتفقد مبررات نشأتها . ويعتقد الكثيرون أن هوية تركيا الإسلامية تعطيها ما عجزت عن أخذه في محاولة اندماجها الأوربي وخروجها من جلدها الشرقي .

أدركت تركيا أن القضية الفلسطينية محورية وأن الموقف منها يشكل مقياساً عربياً للصداقة . ورأت أنقرة بعينها ما حققته طهران بموقفها من قضية فلسطين . ولأن تركيا أقرب للقضية من طهران بحكم التاريخ والهوية المذهبية التي ينتمي لها الحكم التركي بجذوره وحضوره ، من دون أن ننسى أن فلسطين كانت يوماً جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ، فقد نجحت في أخذ المبادرة بيسر من دون أن تستعدي طهران وجمهورها . يحسن أن لا ننسى أن طهران تخشى الحضور التركي أكثر مما تخشى الحضور الغربي الذي تستطيع أن تبيعه وتشتريه باسم الإسلام ولا تستطيع ذلك مع تركيا الإسلامية .

لا أحد يجهل أيضاً ممن تابع ويتابع أحداث المنطقة أن حلم تركيا لما بعد الكمالية أصبح غربياً  شرقياً . إنها تحلم بالتقدم الغربي من دون أن تنسى جذورها الشرقية . هذا يعني أن أنقرة تستطيع بنموذجها وعلاقاتها الغربية أن تحقق ما لا تستطيع طهران أن تحققه سواء بنموذجها الإسلامي المحدود والمنغلق أم بتاريخها الصفوي المرفوض .

يمكن تسجيل ملاحظة أخرى . فالسياسة التركية عقلانية أكثر منها انفعالية ، وحذرة أكثر منها مغامرة . يكفي أن قيادتها تستطيع أن تحاور الجميع وأن تجد آذاناً صاغية في الغرب ومع العرب إضافة لروسيا . وإذا أخذنا سورية مقياساً إقليمياً للسياستين التركية والإيرانية فإن انفتاح سورية السياسي  الجغرافي على أنقرة يبدو أشد وضوحاً منه على طهران ، وكذلك بعض العرب في مجمل سياساتهم .

في الشكل والظاهر يبدو الموقف التركي من طهران ملتبساً. تركيا تدخل على خط الأحداث وهي تعرف ما تريد بقدر ما تعرف طهران ما تريده أنقره وتخشاه . إنها تستبعد شبح الحرب وتأخذ من قيادة طهران المبادرة والحضور والصفقات الدولية والإقليمية . أنقرة مقبولة عربياً بالرغم من بعض القلق . طهران مرفوضة عربياً تماماً وإسلامياً بقدر كبير بالرغم من أنها ركبت موج القضية الفلسطينية واعتلت زَبَدَه .

في نهاية القراءة : أنقرة تأخذ من دور طهران ولا تعطيها شيئاً . تطرح بديلاً مقبولاً . تقدم لطهران مخرجاً يحفظ ماء الوجه إذا قرر الغرب توظيف الموقف التركي لحل سلمي . غير ذلك تربح أنقرة ولا تخسر ، نقيض طهران التي تخسر ولا تربح .

أخيراً الشرق الأوسط يتمخض عن أدوار جديدة . سقط الدور العربي بسقوط العراق وغياب مصر بالسلام مع إسرائيل . لم يبق إلا المملكة العربية السعودية ، وبقدر ما سورية . حِمْل المملكة ثقيل وهي جديدة في كار إدارة الصراعات ، أما حمل سورية فقد وجدت له حلاً في أنقرة المجاورة . إنها الجغرافيا والقوة معاً تلعبان دورهما من جديد في بناء وسقوط الدول والإمبراطوريات .

هل يجب أن نضع في حساب تركيا قافلة نجدة غزة التي تحدت بها إسرائيل واكتشف بها العرب قصورهم إضافة لعجزهم ..؟ صحيح أن مصر تقدمت لاحتواء القافلة ومنع الصدام ولكن تركيا كسبت بالتحدي الهادئ والتصميم مدروس التوقيت وستخرج بموقفها من القضية الفلسطينية وهي أشد لصوقاً بالشارع والضمير الوطني - القومي - الإسلامي . في لعبة شطرنج فلسطين تقول أنقرة لطهران : كش الولي الفقيه . تبدأ طهران بحزم أمتعتها قبل أن تجد نفسها في مواجهة العثماني الجديد . ينتهي فصل ليبدأ آخر . أما طهران فلا تملك أكثر من زراعة المنطقة بلاعبين إلهيي الإيمان منغلقي الفكر ، حرس لثورة أحلامها وأوهامها أعظم من حقائقها وقدراتها .

أخيراً : أكدت الأحداث أن العرب طابة تتقاذفها أرجل اللاعبين الثلاثة : إيران تركيا اسرائيل .؟ ودائماً تدخل الطابة مرمى عربياً مفتوحاً ولا حارس . لم تدخل قط مرمى إسرائيلياً فضلاً عن المرمى التركي . ويظل المرمى الإيراني محاصراً ومهدداً . إنه قدر العرب مع ناصر في مصر وسورية واليمن ، ومع البعث وصدام في العراق ، ومع الوحدويين والإنفصاليين والكيانيين من كل العصبيات والمذاهب والأفكار والتنظيمات الصغيرة .

وحدها سورية نجحت بلفتة بالغة الذكاء في تصويب الإبرة نحو أنقرة بثمن زهيد وكسب أكيد . أعطت ما لم يَعُدْ لها وأخذت أمنها المهدد من أخطر حدودها . قالت تركيا للعالم من خلال انفتاحها الخلفي على حلب والجزيرة : ما دامت تركيا مرفوضة أوروبياً فإن سورية هي امتداد للأمن التركي بمفهوم الشرق الأوسط الجديد . من يدري قد تصبح سورية ، إذا ما اضطربت أحوال المنطقة وتهددت أو اجتاحتها الحرب مدخلاً لتحقيق حلم جديد لدولة ما زالت تملك شرعية التاريخ .

هل انتهت القصة . ؟ أبداً . ما زالت المنطقة في البداية منها . ما زال النفط عربياً والعرب قبائل والطامعون كثر .

--------------**********--------------

5 مليارات ليرة عجز الطاقة في الجهات الحكومية والكهرباء تدرس رفع الأسعار

دمشق

اقتصاديات

الاثنين 31-5-2010م

معد عيسى

أقرت الحكومة في العام 2007 خطة ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية في القطاع العام وفق ثلاث محاور الأول يتعلق بترشد استهلاك الطاقة في المعامل والمصانع والشركات

والثاني حول الترشيد في المباني العامة للدولة والثالث الترشيدفي إنارة الشوارع والطرق العامة وترافق ذلك بحملة اعلامية واعلانية وقد لحظ المتتبع أثر ذلك وكان ذلك واضحاً بصورة أكبر في الشوارع وصدرت مراسيم وقوانين لدعم هذا التوجه مثل كود العزل وقانون كفاءة الأجهزة التي تستهدف في جزء منها جهات القطاع العام ولكن اليوم بعد عدة سنوات على هذه الخطة نشهد تراجعاً في تنفيذها ويبرر المعنيون في وزارة الكهرباءولجنة الطاقة التي يرأسها وزير النفط المهندس سفيان العلاو ذلك بانخفاض اسعارمبيع الطاقة الكهربائية للقطاع العام وأوصت لجنة الطاقة في جلستها رقم 27 بتكليف وزارة الكهرباء اعداد دراسة حول تعرفة الكهرباء تكتمت على الموضوع ورفضت أن تعطينا تفاصيل حول الموضوع ولكن بقراءة متآنيةلأرقام استهلاك القطاع العام للطاقة الكهربائية لعام 2009 التي كنا حصلنا عليها بشكل منفصل نرى حجم العجز الذي تقع فيه وزارة الكهرباء لبند الانارة العامة والمقصود بالعجز هو فارق سعر الكلفة الحقيقية لانتاج الطاقة وسعر المبيع للقطاع العام فقيمة كمية استهلاك الطاقة للدوائر الرسمية والانارة العامة لعام 20٠9 بلغت وفق التكلفة الفعلية 7 مليارات ليرة سورية فيما بلغت قيمة المبيع 1.9 مليار ليرة سورية مايعني أن العجز هو 5 مليارات ليرة سورية.‏

وهذا الرقم سيزداد مع ارتفاع معدل الاستهلاك عاماً بعد آخر وسينسف كل خطط الترشيد والجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الكهرباء وتدعمها الحكومة والحل الوحيد هو حكماً برفع أسعار مبيع الطاقة الى حدود الكلفة فقط وليس الربح فتعرفة مبيع الطاقة للدوائر الرسمية تتراوح مابين 250 ق.س على التوتر 0.4 للكيلو واط للدوائر الرسمية (والخاصة بالمكاتب) و200 ق.س (للانارة العامة) على التوتر 0.4.20 ك.ف وهذا يقل على الكلفة الفعلية بنسبةكبيرة والغريب في الامر أن ترفع الحكومة سعر مبيع الطاقة للمستهلك بعد 2000 ك وس الى 4 ليرات فيما يبقى على سعر 2 ليرة للجهات الرسمية والعامة التي تفتقد نسبة كبيرة من موظفيها الى ثقافة ترشيد استهلاك الطاقة وقيمة الهدر الذي يقع في مؤسساتنا وانعكاسه على الاقتصاد الوطني وعلى البيئة.‏

--------------**********--------------

الموقف في الرابع من حزيران 1967

هل يكون هو الجواب

زهير سالم*

دعونا لا ننتشي بالمواقف الإعلامية العابرة التي ينساق إليها الكثيرون. إدانة وشجب وتنديد وإنكار ثم (لا يمنعه أن يكون جليسه وأكيله وشريبه)، كما أخبر الحديث الشريف عما كان يفعله بنو إسرائيل.

في الأجواء الساخنة أو المحمومة في التفاعل مع الجريمة النكراء التي ارتكبها العدو الصهيوني ضد أسطول الحرية، وعلى مياه الأبيض المتوسط، الذي كان يوما بحيرة عربية؛ يتخايل أمامك رجالات من النظام العربي، كل مسئول يسوق خطابه باتجاه رمي الكرة على العربي الآخر، يشعر العربي حين يدين أخاه بنشوة الظفر.

العربي الذي لا حدود له معه مع فلسطين، يرمي الكرة على دول الجوار الفلسطيني، ومن لا بوابة له على غزة يطالب بفتح المعابر وكسر الحصار، ومن لا سفارة عنده لدولة العدو يطالب بإغلاق السفارات، وقطع العلاقات، وترحيل السفراء. وهكذا يتناوب الرسميون العرب وأتباعهم على تقاذف المسئوليات،  وكل يظن أنه وفىّ بما عليه وزاد.

من عجائب القدر الرباني أن يقع العدوان السافر والدموي على أسطول الحرية قريبة من ذكرى العدوان الصهيوني في الخامس من حزيران1967.

دعونا لا ندخل في لعبة تقاذف الكرة، والتراشق بالاتهامات. فالأصل فينا أنه عندما يحضر الآخر الصهيوني أن نصبح جميعا الواحد العربي. وبهذا الاعتبار لنحاول أن نتصور نظاما عربياً، يضبح ليل نهار وراء وساطات لمفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، سعياً لنسج علاقة مع إسرائيل، أي سعياً ليكون في عاصمته سفارة صهيونية، ثم يطالب شركاءه العرب الذين سبقوه إلى تحقيق الهدف الحلم!! أن يبادروا إلى إغلاق السفارة الصهيونية في بلادهم، وترحيل السفير، المنتظر عند البعض بلا كلل كما في انتظار غودو القديم.

كل الذين (يعقلون) و(يتفكرون) و(يتدبرون) و(يبصرون) و(يسمعون)، مع احترامنا للكثير ممن يسمي نفسه (نخبة) و(طليعة) و(قيادات قومية) أو (مفكر إسلامي)، كل أولئك الذين أشرنا إليهم يدركون حجم المفارقة بين الواقع والادعاء. بين السعي الجاد والملح الذي لا ينقطع ليل نهار، وبين أصوات (المكاء والتصدية) تدعي أو تطالب أو تلزم أو تلقي العبء على الآخرين.

ولكي لا ندخل في حلبة تقاذف الكرة، وما دام حديد الجريمة الصهيونية حاميا دعونا نطرقه جيدا. لنضع على المحك الشعار المطالب بالعودة إلى حدود الرابع من حزيران. في ذكرى الخامس من حزيران، دعونا نجعل من الجواب على جريمة أسطول الحرية التفافاً على النكسة الكارثة ونتائجها ومترتباتها..

حدود الرابع من حزيران ليست فقط حدوداً جغرافية ترابية يسيطر عليه عدو. بل هي في الوقت نفسه حدود موقف عربي. وحدود موقف سوري بشكل خاص، باعتبار سورية هي الدولة العربية الوحيدة التي ما يزال  جزء من أرضها اسمه الجولان محتلاً.

ولكي لا نلقي نحن ـ السوريين ـ العبء على المصريين ولا على اللبنانيين ولا على الفلسطينيين أو الأردنيين أو السعوديين أو العراقيين تعالوا نتحمل مسئولية موقفنا بإباء وعزة ورجولة. فنعود جميعاً إلى حدود الموقف العربي السوري في الرابع من حزيران 1967. وذلك لكي لا نعطي الدنية للعدو، أو نسمح له أن يجني كسباً من حربه العدوانية علينا.

ففي حدود الموقف ذاك لم يكن بيننا من يجرؤ على الحديث عن (سلام) بأي صيغة من صيغ السلام. لم يكن بيننا من يجرؤ على أن يتحدث عن شعار مثل (نرضى بما يرضى به الفلسطينيون) لأن أحداً من أبناء سورية لم يكن يجرؤ ليقول إن فلسطين قضية فلسطينية.

لم يكن رفيق  بعثي ولا أخ مسلم، على شدة الخلاف بينهما، يقبل أو يجرؤ أن يتحدث عن مثل هذا تصريحاً أو تلميحاً.

أرسل إلينا بالأمس كاتب عربي مقالاً عنوانه (غزة مدينة عثمانية)، لا أريد أن أرد قوله، أو أن أدخل في جدل معه. ولكن الحقيقة الجغرافية الثابتة أن حدود الشام الجنوبية تنتهي عند مدينة العريش المصرية. وأن فلسطين كانت ـ وستبقى ـ على مدار التاريخ إقليماً من أقاليم الشام الكبير.

الخامس من حزيران، أو نكسة الخامس من حزيران، أو هزيمة الخامس من حزيران، هي التي جعلتنا ننتقل من الحديث عن حيفا ويافا وعكا إلى الحديث عن غزة والضفة والجولان.

فاجعة الأمس القريب على ظهر أسطول الحرية، تفرض علينا جميعاً أن نتأمل بالمقدمات و نتفكر  بالمآلات.  ثم لنعلن، إن أردنا الاستفادة من الدرس، بجرأة ووضوح  وبلا تردد ولا تلعثم: إننا نعود إلى حدود موقفنا في الرابع من حزيران 1967، وأنه لا سلام ولا صلح ولا مفاوضات مع قتلة الأطفال والنساء والأبرياء. وأن على القتلة الغرباء المزروعين في أرضنا أن يعودوا من حيث أتوا. فأوطانهم التي هجروها أولى بهم. وهي عليهم أوسع، وأرزاقها لهم أكثر.

هذا ليس تعجيزاً، ولا تحميلاً لوطننا ما لا يحتمل. هذا فقط امتحان مصداقية، لا بد منه، قبل أن نطالب أشقاءنا في جزر القمر بتحمل مسئوليتهم في تحرير الجولان.

*مدير مركز الشرق العربي 

--------------**********--------------

الصحافة هي الرئة التي تتنفس من خلالها الشعوب

محمد فاروق الإمام

نعم.. لا نبالغ إذا قلنا أن الصحافة هي الرئة التي تتنفس من خلالها الشعوب، وهي المرآة التي تعكس صورة الحكام وأصحاب القرار في عيون الشعوب، من خلال ما يتخذونه من قرارات وأفعال، ولهذا نجد الدول المتحضرة تتسابق في دعم الصحافة الحرة بعيداً عن التملق والرياء والكذب والتضليل، لتكتشف من خلالها مواطن الخلل والعيوب لتعمل على إصلاحها أو الانسحاب من الساحة لإخفاقها في تلبية آمال وتطلعات شعوبها.

وقد جاء في المادّة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ  10|12|1948 التالي: (لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخّل، واستقصاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون التقيّد بالحدود الجغرافية).

من هنا فإنه يحق لنا أن نتساءل لماذا القمع الصحفي في بلداننا العربية هو الأصل وحرية الصحافة هي الاستثناء بعكس كل بلدان العالم المتحضر؟!

لقد صنف التقرير السنوي لمراسلون بلا حدود سورية بين خمس دول عربية هي من أكثر بلدان العالم انغلاقاً في مجال حرية التعبير وحرية الصحافة وقمعاً للحريات. صحيح أن عدد وسائل الإعلام في سورية قد ارتفع في السنوات الأخيرة، ولكن التعددية لا تزال غائبة في البلاد كما لا تزال سيطرة حزب البعث على القطاع الإعلامي تامة.

وقد استبشر بعض المثقفين خيراً عقب وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم ظناً منهم أن سياسة بشار ستختلف عن والده في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير واحترام الرأي الآخر والانفتاح على الجماهير، ولكن ظنهم سرعان ما جوبه بالخيبة والإحباط، فالإصلاحات الديمقراطية، ومراجعة قانون الصحافة، وإصدار قانون عصري للأحزاب، كانت ولا تزال حبيسة الانغلاق الفكري لحزب البعث الشمولي الحاكم الذي لا يريد أن ينتقده أحد أو يشاركه في الرأي أحد، متسلحاً بالمادة الثامنة من الدستور التي تقول: (حزب البعث هو القائد والموجه للدولة والمجتمع).

ومما جاء في تقرير مراسلون بلا حدود عن سورية قوله:

(بالرغم من عودة سورية إلى الساحة الدولية منذ العام 2008، إلا أنها لا تزال إحدى الدول الأكثر انغلاقاً في مجال حرية التعبير وحرية الصحافة. ومنذ بداية صيف العام 2009، أقدمت وزارة الإعلام على تنفيذ موجة من الاستدعاءات والتوقيفات التي طالت الصحافيين ممارسةً تنكيلاً فعلياً بهم. ولم تكن شبكة الإنترنت معفية من هذا الإجراء الرقابي: فأكثر من 200 موقع إلكتروني محجوبة في الوقت الحالي).

ولا شك أن لحالة الطوارئ المعلنة في العام 1963 دور كبير في تنظيم حياة السوريين السياسية والاجتماعية، وقد نجم عن هذه الحالة إلغاء الحريات العامة كما الفردية وقمعها.

وزاد الطين بلة أن المؤسسات الإعلامية تخضع لمرسوم كفيل بتنظيم شؤون الصحافة أصدر في العام 2001 ويتميّز بقمعيته، حيث يفرض هذا المرسوم (عقوبات بالسجن على أي صحافي يقوم بالنيل من هيبة الدولة أو كرامتها، أو المس بالوحدة الوطنية أو معنويات الجيش، أو الإساءة إلى الاقتصاد الوطني أو سلامة النقد). وبالتالي فإن أي صحافي لن يتجرأ على الكتابة في أي من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأنه سيجد نفسه أمام سيف العقوبات المسلط على عنقه بحسب ما جاء في هذا المرسوم، وبالتالي فإنه إما يعتزل الكتابة ويجوع ويعرى، أو يتملق وينافق ويدبلج مقالات الثناء والمديح لأهل الحكم وحيتان الفساد.

من المعيب ونحن على أبواب العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين أن لا يجد السوريون أمامهم سوى ثلاثة صحف رسمية (البعث والثورة وتشرين) تحمل الأخبار إليهم وقد وشحت صفحاتها بصور الحكام وأهل القرار وأخبار حيتان الفساد وأهل الفن والرياضة، وأعمدة محشوة بالتملق والكذب والتدجيل والرياء!!

ولو عدنا إلى الوراء وتلمسنا عن قرب حالة الصحافة في سورية في العهود السابقة لصدمنا بالبون الشاسع بين تلك العهود وما كانت تنعم به من حرية وتعدد وتنوع قياساً بما هي عليه اليوم.

فقد أجمع مؤرخو الصحافة العربية بأن الفضل الأساسي للنهضة الصحافية العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر يعود إلى الكتاب والأدباء والصحافيين السوريين، ونستعرض فيما يلي أسماء الصحف التي أنشأت في سورية في العهد العثماني رغم ما قيل عن ذلك العهد من افتراءات: فقد قامت أولى هذه الصحف وكانت جريدة (سورية) عام 1865، ثم جريدة (دمشق) عام 1879، وجريدة (الشام) عام 1896، وجريدة (العصر الجديد) وجريدة (تكمل) وجريدة (المقتبس) وجريدة (روضة الشام) عام 1908، وجريدة (دمشق) وجريدة (حط بالخرج) وجريدة (الشلة الحجازية) وجريدة (موارد الحكمة) وجريدة (الراوي) وجريدة (الأمة) وجريدة (هلال عثماني) عام 1909، وجريدة (النفاضة) وجريدة (الشرق) وجريدة (المتخبات) وجريدة (الكائنات) عام 1910، وجريدة (جحا) وجريدة (البارقة) وجريدة (النفاضة المصورة) وجريدة (النديم) وجريدة (بردى) عام 1911، وجريدة (المهاجر) وجريدة (المشكاة) وجريدة (الاشتراكية) وجريدة (الأصمعي) وجريدة (الضمير) وجريدة (قبس) وجريدة (الصارخ) وجريدة (الوفاق) وجريدة (المجد) عام 1912، وجريدة (القبس) وجريدة (الاتحاد الإسلامي) وجريدة (الشرق) وجريدة (الشرق مصور) وجريدة (الاستقلال العربي) وجريدة (لسان العرب) وجريدة (سورية الجديدة) وجريدة (الحياة) وجريدة (الحسام) عام 1918. وفي الفترة نفسها صدرت 8 صحف في مدينة حمص، و11 صحيفة في مدينة حماة، و27 صحيفة في مدينة حلب، وصحيفة واحدة في القنيطرة اسمها (الجولان) و7 صحف في اللاذقية. وكل هذه الصحف صدرت في العهد العثماني، وكان مجموعها خلال (53) سنة 95 صحيفة، في حين لم يصدر في عهد استلام حزب البعث السلطة في سورية من عام 1963 وحتى اليوم 2010 سوى ثلاثة صحف (البعث والثورة وتشرين)، وإذا ما قامت بعض الصحف مؤخراً وتدعي الاستقلالية فهي صورة مستنسخة عن هذه الصحف الرسمية.

من هنا نجد إلى أي حال وصلت إليه الصحافة في بلدنا سورية في ظل حزب البعث الحاكم منذ 47 سنة وكان فيها العدو الأول للصحافة والصحافيين والرأي الآخر. ومن هنا نجد توصيف الصحافة السورية والصحافيين السوريين في عيون العالم المتحضر!!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com