العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06/05/2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

خطة عنان مصيرها الفشل .. رأي الراية

الراية

2-5-2012

أخطر ما يمكن أن يتعرض له الشعب السوري الذي يتعرض لمسلسل الموت اليومي منذ أكثر من عام على اندلاع الثورة السورية أن يعتاد العالم على مشهد الموت في سوريا فيصبح مشهدا عاديا في ظل عجز دولي فاضح عن وضع حد لعنف النظام السوري والخيار الذي يلجأ إليه لوأد ثورة الشعب السوري ومطالبه العادلة بالحرية والديمقراطية والتغيير.

الجيش السوري وأسلحته الثقيلة ما زالت تتواجد في المدن والبلدات السورية وما زال القتل والقصف وسقوط الضحايا مستمرا رغم وجود المراقبين الدوليين الذين انتشروا في العديد من المناطق التي تشهد على مدار الساعة أحداثا دامية يذهب ضحيتها المدنيون وفي العديد من الحالات عائلات بأكملها بما فيهم النساء والأطفال والشيوخ بسبب القصف المدفعي أو الإعدامات الميدانية.

إن استمرار النظام السوري في القتل وقصف المدن وحصارها واستهداف المدنيين بعد أكثر من أسبوعين على دخول خطة المبعوث الدولي والجامعة العربية كوفي عنان حيز التطبيق يفرغ هذه المبادرة من مضمونها ويؤشر على فشلها وعدم قدرتها على تحقيق مطلب وقف العنف وحماية المدنيين الذي هو الأساس في هذه المبادرة التي أيدها النظام ووافق على بنودها إلا أنه لم يطبقها ولا يريد أن يطبقها كما هو ظاهر.

لقد شهدت المدن السورية ارتفاعا كبيرا في أعداد الضحايا المدنيين الذين سقطوا على أيدي الجيش وأجهزة الأمن وما يعرف بالشبيحة كما وثقت منظمات حقوق الإنسان السورية والدولية آلاف الخروقات لمبادرة كوفي عنان ما يدل على أن النظام السوري ما زال مُصِرًّا على حسم الأمور على طريقته باستخدام العنف ضد المحتجين وعدم رغبته بوقف العنف الذي بات يهدد وحدة سوريا ومستقبلها.

المشكلة في سوريا أن النظام لا يريد الاعتراف بوجود حركة احتجاج شعبية تطالب بتغيير النظام ويصر على التحدث عن مؤامرات خارجية ومنظمات إرهابية بل إن نائب وزير الخارجية ذهب إلى تحميل عصابات إجرامية مسؤولية ما تشهد بلاده من أحداث وهو توصيف لا يمكن تصديقه من أحد.

إن استمرار سقوط الضحايا وخاصة وسط الأطفال الذين بلغ تعداد من قتل منهم في مختلف المدن والبلدات السورية منذ بدء تطبيق خطة عنان نحو 34 طفلا يؤكد الطبيعة الدموية للنظام السوري الذي لم يعد يأبه بالمجتمع الدولي ومطالباته بوقف العنف وسحب أسلحته الثقيلة من المدن لأنه يعرف جيدا أن نجاح خطة عنان يعني بداية النهاية لعصر الديكتاتورية والتسلط الذي يمثله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجولان وآل الأسد! .. جهاد فاضل

القدس العربي

2-5-2012

استخدم «الأسدان» مع الجولان سياسة «النأي بالنفس» لا علاقة لنا بالجولان، جرى نسيان الجولان نسياً كاملاً خلال عقود. ضاع نهائياً كما ضاعت الاسكندرون من قبل. الاسكندرون قديمة ولكن الجولان حي نابض في الذاكرة السورية والذاكرة العربية

منذ سنة ودبابات الجيش السوري ومدافعه وأسلحته الثقيلة تدك المدن والقرى السورية في حملة تأديب لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل فالمشهد بات مألوفاً على الفضائيات: دبابات وحاملات جند ومدافع ما أن تنتهي من مدينة الا لتغذ السير نحو مدينة أو قرية أخرى. ومن أجل ماذا؟ من أجل الدفاع عن الرئيس السوري ومحاولة إطفاء الثورة العارمة القائمة بوجهه والتي انضمت إليها الغالبية العظمى من الشعب السوري.

وقد خيل للكثيرين في العالم، عند بدء هذه الثورة، أن الجغرافيا التي يعمل الجيش السوري في إطارها، ليست جغرافيا سورية بل جغرافية الجولان المحتل من إسرائيل منذ أكثر من ٤٥ عاماً.

قال هؤلاء يومها وهم يشاهدون الجيش السوري يتحرك: «لا ريب أنه يتجه نحو الجولان، ومن حقه ان يتجه فقد يئس من تواطؤ العالم مع إسرائيل. وقد استعادت كل الدول العربية الأخرى التي كانت إسرائيل تحتل جزءاً من أراضيها، هذه الأراضي باستثناء سورية فمرحى للجيش الذي ينتفض بوجه حكامه ووجه العالم سعياً لاستعادة جزء عزيز من أرض الوطن»!

ولكن ما خيل لهؤلاء السذج لم يكن في مكانه. ذلك ان جيش سورية قد دُجن واحتوي على مدى سنوات طويلة وتحول من جيش لحماية البلد إلى جيش لحماية الأسد. وتحول، بصورة خاصة، من جيش لسورية كلها إلى جيش لفئة أو لطائفة من أبنائها.

ففي الوقت الراهن ثمة فرَق كاملة من هذا الجيش لا تنتمي إلاّ إلى الطائفة العلوية، وهي فرق مسلحة تسليحاً عالياً. في حين أن الفرق الأخرى تخضع لمراقبة شديدة وتسليحها يقتصر على بعض الأسلحة البسيطة.

أكثر من ذلك فقد نشرت مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية في العالم احصاءات تفيد أن ٨٠ بالمئة من أسلحة الجيش السوري مخصصة للقمع الداخلي. فهو معاون لقوى الأمن الداخلي عند الضرورة وبالتالي فإن بناءه قد تم لا لأسباب قتالية مع عدو خارجي مفترض وإنما مع عدو داخلي متوقع.

ويتبين الآن ان سورية خضعت منذ وصول الرئيس السوري السابق حافظ الأسد إلى السلطة في دمشق، إلى مؤامرة كيانية كبرى لم يكن يتوقع الكثيرون ان تصل إلى ما وصلت إليه.

وبمقتضى هذه المؤامرة تفقد سورية تاريخها الوطني ودورها القومي العربي والإسلامي المعروف وتنسى الجولان إلى الأبد فقد بيع في «الطابو» العالمي بيعاً تاماً ناجزاً وتحول الاهتمام إلى لبنان كبديل عنه، ولكن من أجل الدخول إليه وتصفية فتح وأبو عمار وسائر المنظمات الفلسطينية بالإضافة إلى تصفية الحركة الوطنية والإسلامية فيه، وتشجيع حزب الله وبقية المتعاونين معه. قال الأسد يومها للسوريين: «ما قيمة الجولان؟ انه عبارة عن أرض صخرية قاحلة. لقد أعدت لكم لبنان الذي اقتطعه الفرنسيون من سورية».

وبخفة عجيبة شبيهة بخفة الحواة، تمكن حافظ أسد من القبض على زمام سورية وطوعها كما شاء يساعده جهاز أمني شديد الفتك لا يتورع عن ارتكاب أي موبقة ومن يعارض يصفى على الفور أو يدخل السجن ليقضي فيه عشرات السنين بلا محاكمة.

وكان من بين أسلحته الغلوّ الكاذب لا مفاوضات مع إسرائيل إن لم تعلن مسبقاً بأنها ستعيد الجولان كاملاً. وخلال حكم «الأسدين» نعمت إسرائيل بجار رضيّ هنيء، الحدود معه محرمة حتى على العصافير..

لقد أنجز مع إسرائيل «كامب ديفيده» الخاص، ولكن بأسلوب لم يتقنه إلاّ الحشاشون القدماء!

استخدم «الأسدان» مع الجولان سياسة «النأي بالنفس» لا علاقة لنا بالجولان، جرى نسيان الجولان نسياً كاملاً خلال عقود. ضاع نهائياً كما ضاعت الاسكندرون من قبل. الاسكندرون قديمة ولكن الجولان حي نابض في الذاكرة السورية والذاكرة العربية. ومن أجل هذا الجيش السوري المفترض ان من مهامه تحرير الجولان، دفع الشعب السوري دم قلبه ضرائب ورسوماً. أكثر من ٥٠ بالمئة عن موازنة سورية تذهب إلى موازنة وزارة الدفاع. وها هو هذا الجيش الذي يفترض ان سورية بنته للدفاع عن الوطن، يفتك بأهلها ويحول مدنها وقراها إلى دمار وحطام!

ولكن هناك من يرى أن على السوريين أن يشكروا ربهم لأن الجامع الأموي لا يزال قائماً إلى اليوم. ذلك ان ذكراه ليست عزيزة على آل الأسد وربعهم. ويبدو ان آل الأسد تمثلوا بالإسرائيليين لهذه الجهة عندما أبقى هؤلاء على المسجد الأقصى فالتعاون بينهما إذن لا يقتصر على الجانب الأمني فقط لا غير، بل إن له جوانب ثقافية أيضاً.

قطع «الأسدان» كل علاقة لهما ولنظامهما مع تاريخ سورية المعاصر ورجالها ورموزها. لم يكن ثمة أثر في زمانهما لا لسورية ولا للعروبة ولا للإسلام.

لم يكونا يمتان بصلة إلى هذه القيم الثلاث. يمكن للباطل أن يسود لفترة، ولكن الحق والتاريخ سرعان ما يستعيدان نفوذهما وهذا ما يأمله اليوم أحرار سورية والعرب والعالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : الغارة على جامعة حلب دلالات واستحقاقات .. زهير سالم*

دفعت شبكة من العوامل – غير المعقدة – الموقف الدولي إلى التماهي مع كذبة النظام الكبرى حول وجود ( عصابات إرهابية مسلحة ) تعتدي في سورية على الوطن والإنسان . وأن المسئولية الرسمية تقتضي من أصحابها التصدي لهذه العصابات . وكان من أبرز العوامل ، التي دعت الأطراف الدولية إلى التماهي مع هذه الكذبة ، رفض مسبق لدى هذه الأطراف لرؤية الشعب السوري يتحرر من بين فكي الاستبداد والفساد لما يشكل ذلك من خطورة على المشروع الدولي ( للاستقرار !! ) في المنطقة . وكان من تلك الأسباب أيضا أن تشكل تلك الكذبة جسرا تلتقي عليه أطراف المجتمع الدولي إلى تسوية خلافاتها تحت سقف ( الحد الأدنى ) ، بإعلان الاتفاق على مبادرة ( لفض العتاب ) تتلخص جوهريا في منح بشار الأسد فرصة أطول هذه المرة ( تسعون يوما ) لتحقيق نصره الذي تتطلع إليه هذه الأطراف بقلق .

 

وكان ، من تلك الأسباب ، سطحية الصراع الأمريكي – الإيراني ، الذي لم يصل إلى حد أن تتبنى الولايات المتحدة والغرب موقفا دوليا لكسر فقار المشروع الإيراني الاستحواذي بالتصدي لواسطة عقده في دمشق ؛ لأن الولايات المتحدة والغرب ينظران إلى هذا المشروع بمنظومته الحالية كعنصر تهديد استراتيجي مطلوب لإثارة مخاوف دول الإقليم العربية ، وإلجائهم إلى البحث عن النصرة ، كما تراهن الأطراف الدولية أيضا على دور المشروع الإيراني الممزق لوحدة شعوب المنطقة ديمغرافيا وعقائديا وسياسيا ، وإشغال هذه الشعوب إلى حد كبير عن ( عدو ) تعمل الأطراف الدولية منذ زمن طويل لتخلع عنه ثوب العداوة ، وتقديمه حتى في أساليبه العدوانية أقل قسوة وبشاعة من الآخرين..

 

وتأتي الغارة على جامعة حلب في الثالث من أيار لتنقض وتكذّب ، ليس فقط ما يدعيه النظام ويفتريه ، بل ما يصر المجتمع الدولي والسيد ( بان كيمون )  و ( كوفي عنان ) و ( روبرت مود ) على تصديقه . فجامعة حلب ليست مقرا للعصابات المسلحة ، وليست ميدان صراع عنيف بأي أشكال من أشكال العنف ..

 

والجرائم التي ارتكبها النظام السوري في جامعة حلب كما في غيرها من المحافظات هي جرائم قتل  تصنف تحت عنوان جرائم حرب مع كل ما في التعبير من قسوة وبشاعة :  ( تم إلقاء طالب من الطابق الخامس ) و ( ذبح آخر  بالسكين ) وقتل العديد من الطلبة الآخرين واحتجاز الطلاب والطالبات ببعض القاعات ، واعتقال مئات الطلاب من طلاب الجامعة مما أدى إلى تعليق الدراسة في الجامعة ....

 

إن الغارة التي شنتها عصابات بشار الأسد على جامعة حلب فقتلت واعتقلت واحتجزت وروعت تسقط كل مزاعم النظام عن أنه إنما يتصدى ( لعصابات مسلحة ) ، وتسقط تمسك المجتمع الدولي طبقا عن طبق بهذه المزاعم ، وإصراره على بناء موقف دولي عليها . وترداد الحديث الذي غدا ممجوجا عن مطالبة ( جميع الأطراف !! ) في سورية بوقف العنف ...

 

إن إقدام عصابات النظام على اقتحام جامعة حلب في ظل مبادرة السيد كوفي عنان ( الأممية – العربية ) ، وفي ظل وجود المراقبين الدوليين ومنهم اثنان في مدينة حلب لهو دليل واضح على رفض عصابات الأسد لهذه المبادرة ، وعلى استخفافها بالمراقبين ووجودهم ودورهم ...

 

إن الاستحقاق العملي لهذا الذي جرى في جامعة حلب والذي يجري على الأرض السورية ؛ أن يرد الجنرال روبرت مود الكرة إلى السيد كوفي عنان وأن يقوم السيد كوفي عنان بردها إلى مجلس الأمن . لأن الاستمرار في مهلة القتل المفتوحة على مدى التسعين يوما لن تثمر إلا المزيد من الإثم والمزيد من الشر ...

 

إن المطلوب من جميع فصائل المعارضة السورية على السواء مجتمعة ومستقلة المبادرة إلى اتخاذ كافة التدابير العملية لمواجهة حرب الاستئصال والإبادة التي تمارسها عصابات الأسد ضد كل نشاط معارض على الأرض .

 

من المفيد أن يتذكر قادة الفصائل المعارضة أن كل ما سبق يتم  بغطاء دولي وبسقف زمني مفتوح !!! هل هناك من يماري في هذا فيصر على الذهاب مع السيد كوفي عنان إلى نهاية التسعين يوما أو هل من يرى أن المشهد يفرض استحقاقا يتبناه الجادون ...؟!

لندن : 3 / 5 / 2012م

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام "الشبيحة" .. د.خالص جلبي

تاريخ النشر: الأربعاء 02 مايو 2012

الاتحاد

سألت سورياً من اللاذقية عن أصل كلمة "الشبيحة"، فقال: هي من عندنا في اللاذقية. لكن لماذا أطلقوا هذا الاسم؟ قال: ربما لأنهم لصوص سيارات المرسيدس من النوع القديم المسمى بالشبح، أو ربما لأنهم كانوا يظهرون ويختفون كالأشباح! قلت له: من يموِّلهم ومن خلفهم؟ وكيف يعملون؟ قال: هم مسلحون لا يستطيع أحد اعتراضهم ويفرضون "الخوة" على العباد. سألت: وما هي الخوة؟ قال: يتسلطون على الناس بالقهر والتخويف لدفع حصة من أرباحهم. قلت في نفسي: لقد تحولت سوريا كلها إلى نظام "الخوة".

أكتب هذه الكلمات وبين يدي تقرير موسع من مجلة "در شبيجل" الألمانية عن نظام "الهلك" (Hulk) السوري، أي العملاق الأخضر، وهو فيلم دفعته هوليوود لتصوير تحول الإنسان إلى وحش كاسر. يقول تقرير المجلة (العدد 12 2012، ص 93) إن ولدي جميل الأسد، منذر وفواز، لم يعودا شخصين عاديين بل تحولا إلى نوع من "الهلك" بأتباعٍ من عشرات الآلاف؛ فالنظام الآن "استنبت"، كما يقول التقرير، غولاً بشعاً وضارياً، أشبه بفيلم "الهلك" أو كينج كونج. وحيث لم تعد آلة القتل تغطي النفقات، فهناك مصادر لا تنضب من نهب القرى والمحال والدساكر والمدن، حيث يقتحمون ويقتلون وينهبون... فقد أصبحت سوريا كلها مباحة لنظام الشبيحة.

الميليشيات المسلحة ليست جديدة في الصراع الاجتماعي، ولعل الحرس القومي في العراق، والقمصان البنية النازية من جماعة "روهم" الذي صفاه هتلر بيده بعد تسلمه السلطة، والفاشية الإيطالية وشيوعيو "تيتو"، وجاندرما "فرانكو" الإسباني... كلها نماذج مكررة لنفس القصة في حراسة النظام القمعي في ظل أي نظام استبدادي.

ينقل التقرير واحدة من أغرب المكالمات بين مواطن سوري من دوما ومجند يتناول فطيرة ويتحدث معه ويقول الجندي: عجيب أن يتكلم هؤلاء الإسرائيليون بلغة عربية وبلهجة سورية!

يقول التقرير إن نظام الأسد يبقي جنوده معزولين عن الاتصال، لا يعلمون ماذا يحاك لهم وضدهم وضد الشعب السوري بأيدي رجال المخابرات المدربين على اغتيال العقل والإنسان. يحرك القطعات العسكرية بشكل مستمر، وينقل الجنود من مكان لمكان عند بوابة دمشق، وحيث تشتد المواجهات يرسل الجنود وهم منقطعو الاتصال عن أي مصدر سوى من يوهمهم بأنهم بصدد قتال الصهاينة، ليكتشف الجنود أنهم أمام مواطنين سوريين. إن النظام يستغل نظام التعمية الكامل لمنع هرب العناصر من الجيش.

يقول التقرير إن الوضع في سوريا يتأرجح، فمن جهة تقتحم الآلة الجهنمية العسكرية المدن وتسيطر عليها، ومن جهة أخرى يخيم على الجو مزاج "نهاية العالم". هذا ما صرح به رجل أعمال دمشقي هرب إلى عمان، وقال: إن النظام آيل للسقوط مثل أي جدار ينقض، لكن متى؟ الله أعلم.

إنها الحرب الضروس في سوريا، صور سريالية من رؤوس مفجرة بالرصاص، وجثث مقتلعة الأعين، وأطفال ضربوا حتى الموت.

لقد أحصت لجان حقوق الإنسان أكثر من 31 طريقة للتعذيب في سوريا، من تعليق الأعضاء التناسلية بالكهرباء، واغتصاب أمام الأهل، وليس انتهاءً بالكرسي الألماني (خلع المفاصل المتدرج). أما الحدود فلغمت بدون خرائط على وجه السرعة، لتبقى قرناً آخر تلتهم حياة الغافلين والأطفال النائمين في أحضان أمهاتهم.

وبين الحين والآخر تسلم الجثث المحروقة المقطعة لأهل مروعين حتى يذعنوا للنظام بعد أن يبتلعوا جرعة الفزع الأعظم، بل ظهرت إلى العيان صور لدفن أناس على قيد الحياة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في رموز الثورة السورية .. عدي الزعبي

2012-05-01

القدس العربي

في سوريا يتخذ الصراع القائم بين الديكتاتور والشعب أشكالاً متعددة. أحدها هوالصراع على الرموز. رموز النظام تتمحور حول عبادة القائد. رموز الشعب متنوعة، من المفاهيم المجردة كالحرية والديمقراطية ووحدة الشعب السوري، والمدن المنكوبة كمهد الثورة درعا، وعاصمة الثورة حمص، ودوما وإدلب، إلى القادة الميدانيين كحسين هرموش وعبد الرزاق طلاس. ولكن الأهم والأكثر تأثيراً هم الشهداء الذين تمت تصفيتهم بوحشية. هنا يصبح الصراع أخلاقياً. وهنا يتجلّى التفوق الأخلاقي للثورة، والسقوط الأخلاقي الكامل للنظام.

هؤلاء الشهداء هم ناشطون مدنيون عزّل أو ضحايا مدنيون عزّل. الناشط غياث مطر والمغني ابراهيم قاشوش والمصور رامي السيد ومئات الناشطين الذين قام النظام بتصفيتهم بهمجية لا إنسانية. الأطفال ثامر الشرعي وهاجر الخطيب وحمزة بكور وأطفال درعا وعشرات الأطفال الذين قضوا إما تحت التعذيب، أوبالقصف العشوائي، أوبالمجازر المروعة التي رويت عن كرم الزيتون وبابا عمروومناطق أخرى. أن يكون هؤلاء هم رموز الشعب يعني أنّ السوريين استبدلوا الرمز الواحد الأوحد، الديكتاتور، بمئات المدنيين والناشطين الذين يرمزون لإنسانيتهم، إنسانية السوريين. أكثر من ذلك، لم يكن للسياسيين أوللأحزاب السياسية دور رمزي في الثورة السورية. لا يوجد تقديس لأشخاص سياسيين أومحاولة لجعلهم رموز للثورة. هذا ليس انعكاس لضعف الدور السياسي، بل هوانعكاس للسبب الرئيسي الذي قامت الثورة من أجله، إعادة الكرامة للسوريين العاديين، لأولئك الذين حُرموا من أبسط حقوقهم على مدى عقود من الديكتاتورية.

هذا الصراع على الرموز دفع النظام إلى محاولة تشويه سمعة الشهداء. وصم الشهداء بالإرهابيين والمتطرّفين والعرعوريين من جهة، واتهام جهات غير معروفة بتعذيبهم، من جهة أخرى. مأساة حمزة علي الخطيب، تبعتها فصول أخرى لا تقل مأساوية. طرح النظام قصصاً متناقضة لما حدث لحمزة. فهولم يكن في الثالثة عشرة من عمره، بل في السابعة عشرة. هوليس طفلاً بريئاً، بل كان يريد اغتصاب نساء الضباط في مساكن صيدا. وجد النظام جثته وعليها آثار التعذيب، ثم قام بتسليمها لعائلته. في رواية أخرى، لم يكن هناك آثار تعذيب، بل تحللت الجثة نتيجة طول الفترة الزمنية بين استشهاده ودفنه. اجتمع والد حمزة مع رئيس الجمهورية، ووعده بمتابعة الموضوع، وإلقاء القبض على من قام بهذه الفعلة الشنيعة.

تتكرر القصة في سوريا يومياً. يُقتل الشهداء مرتين. النظام يقتل ويعذّب ويشوّه سمعة من قام بقتلهم. ليست مأساة حمزة استثناء. إنها القاعدة التي يتبعها النظام. عملية تشويه السمعة تتبع عمليات التشويه الجسدي. لا يقبل النظام بوجود رموز للشعب. الديكتاتور يجب أن يكون الرمز الأوحد. مع منع وسائل الإعلام من دخول البلد، ينشغل النظام السوري بمحاولة تشويه سمعة الجميع، ويبقى الديكتاتور بحكمته وألوهيته الرمز الوحيد في سوريا.

التناقض بين الديكتاتور والثورة يتجلّى بالرموز التي يتبنّاها الطرفان وبمعانيها .أولاً، وحدانية الديكتاتور وتفرّده المزعوم، يقابلها غنى وتنوّع رموز الشعب. ثانياً، خلورمز النظام من المعنى الأخلاقي، مقابل وضوح المعنى الأخلاقي لرموز الثورة.

ليس في قاموس النظام رمز غير الديكتاتور. الديكتاتور هوالحاكم بأمر الله، ظل الله على الأرض. 'حافظ أسد رمز الأمة العربية'، كما كنا نردد في المدارس. أما الثوّار فلهم مئات الرموز.الشهيد الكردي مشعل التمو، ناشط داريا السلمي الشهيد غياث مطر، حارس الكرامة الساروت، مغني حماة ابراهيم القاشوش، الطبيب ابراهيم عثمان، الشيخ أحمد الصياصنة، أنس الشغري محرك مظاهرات بانياس، والعشرات غيرهم. يعكس هذا التنوع في الرموز، تنوّعاً في بؤر الثورة وطبقاتها ومناصريها. كما يعكس همجية النظام الذي استثار كافة أبناء الشعب ضده. الأهم أن هذا التنوع يعكس نهاية مفهوم تقديس فرد بعينه كممثل ورمز للشعب السوري. غنى وتنوع الشعب السوري يحضر بقوة في رموز الثورة. بؤس وانحطاط أتباع النظام ينعكس في عبادة الرمز الأوحد. بهذا المعنى، يكون الصراع على الرموز ايضاً صراع على أية سوريا نريد، ما هي الرموز التي تمثّل الثورة ولماذا.

المعنى الأخلاقي للرموز التي تبناها الطرفان تقف على طرفي نقيض. لا يوجد أي معنى أخلاقي في مفهوم عبادة الفرد. تحويل الديكتاتور إلى رمز وحيد يعكس غياب أي مفهوم اخلاقي لأتباعه. يتحوّل الأتباع إلى عبيد يدورون في فلك الديكتاتور. في مقابل بؤس هذا الرمز وخلوّه من أية قيمة أخلاقية، نجد رموز الثورة هم أبناؤها الذين قضوا على يد الديكتاتور. الرمز هنا يشير إلى الدافع الأخلاقي الذي يحرّك الثوار. شهداؤنا هم محرّكوالثورة ورموزها.

المعنى الأخلاقي يكمن في ثورة الشعب لإستعادة الكرامة المهدورة. يقف غياث مطر كرمز في اعلى السلم الأخلاقي. الناشط الشاب بابتسامته الهادئة، يوزّع الماء والورود على أفراد الجيش. يلخّص غياث مطر واستشهاده تحت التعذيب، مع اقتلاع حنجرته، الصراع على الرموز. المرح الصادق في صوت ابراهيم القاشوش الأجش، يعكس رغبة السوريين بحياة مختلفة عن أناشيد وهتافات العبيد. ابتسامة حمزة الخطيب في الصورة المتداولة له، هي الابتسامة التي نريدها لأطفالنا.

الصراع على سوريا يدور بين من يرون في الديكتاتور رمزاً لسوريا، وبين من يرون في الشهداء رمزاً لها. ابتسامة حمزة تغمرنا. يغمرنا بعدها نصف وجه. لا يبتسم ولا يبكي. لا دموع ولا آهات. دماء والعينان مفتوحتان على العدم. استشهد حمزة بكور في الصباح التالي. ليلة كاملة بنصف وجه. رمز لسوريا الأسد، ولثوار سوريا.

' كاتب من سورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التدخل العسكري في سورية محتمل .. ناتالي نوغيريد *

الاربعاء, 02 مايو 2012

الحياة

لم تعد فكرة التدخل العسكري في سورية مستبعدة، على رغم أن ليون بانيتا، وزير الدفاع الأميركي ألقى على مسامع لجنة الكونغرس لائحة ذرائع تحول دون هذا التدخل، «ففي ليبيا كان ثمة اجماع في العالم العربي على التدخل وفي خارجه. ويُفتقر اليوم الى مثل هذا الإجماع حول سورية. والمعارضة غير منظمة ولا معقل تبسط سيطرتها عليه (...) والتدخل العسكري يفاقم الاوضاع ويعرّض المدنيين للخطر»، قال بانيتا. ويوم عرض هذه الذرائع، أي في 19 نيسان (ابريل)، علت في واشنطن اصوات مخالفة تقول إن الحل العسكري محتمل، إذا واصل ديكتاتور دمشق استراتيجية المجازر.

وسرت عدوى هذه التصريحات في باريس، حيث عقد اجتماع بين وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، ونظيرها السعودي الأمير سعود الفيصل، ونظيره القطري، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني. وتؤيد قطر التدخل العسكري لاطاحة نظام دمشق.

وزير خارجية فرنسا نبّه في اجتماع باريس الى خطر الانزلاق الى نزاع اقليمي في الشرق الأوسط، ما لم تتوقف عاصفة العنف الأسدي في سورية.

وأعلنت كلينتون السعي في مجلس الأامن الى اصدار قرار يلتزم الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة التي تجيز استخدام القوة المسلحة. وهي دعت الى فرض عقوبات مالية على نظام دمشق، وحظر بيعها السلاح. وأوجه الشبه بين هذه الاقتراحات وبين قرار 1973 الذي اجاز التدخل العسكري في ليبيا، ضعيفة.

وتطالب المعارضة السورية بإنشاء ممرات انسانية ومناطق آمنة. ولمحت الوزيرة الأميركية تلميحاً ملفتاً الى وجوب عدم طمأنة الاسد الى غياب الحل العسكري، وذكرت أن تركيا عازمة على طلب مساعدة الحلف الأطلسي في مواجهة تداعيات الازمة السورية في اراضيها: تدفق اللاجئين وانتقال النزاع المسلح السوري الى اراضيها. ولكن هل يلبي الحلفاء الأطلسيون الدعوة التركية يوم تُوجه؟

وهل هذه التصريحات والتلميحات جزء من حرب نفسية، تتستر فحسب على عجز المجتمع الدولي؟

وفصول المأساة السورية لم تتوقف منذ 13 شهراً، وراح ضحيتها اكثر من 11 ألف قتيل، وارتفع عدد المعتقلين الى اكثر من 25 ألفاً، وبلغ عدد النازحين عشرات الآلاف. وقد لا يقتصر الامر على حرب نفسية، بل قد تكون هذه التصريحات مؤشراً الى نفاد صبر الديبلوماسية الدولية ازاء عدم التزام بشار الأسد وقواته وقف النار. وهذا ما بدا جلياً في اعلان وزير الخارجية الفرنسي اثر استقبال معارضات سوريات في 25 نيسان، ان الأمور لن تبقى على هذه الحال. وإذا تعذر تنفيذ خطة كوفي أنان، لن يُسمح للنظام السوري بتحدي المجتمع الدولي، وسيصدر مجلس الامن قراراً يستند الى الفصل السابع، لكن جوبيه لم يوضح السبيل الى مثل هذا القرار.

المراوحة بين التمسك بقرار صادر عن مجلس الامن أو الوقوف موقف المتفرج قد لا تدوم. فالتدخل في كوسوفو في 1999 لم يلتزم تفويضاً أممياً، ودعت اليه اخطار زعزعة امن المنطقة والحالة الانسانية المتدهورة ونفاد السبل الأخرى الحل. وقال رئيس الوزراء البريطاني، في آذار (مارس) الماضي، إن سابقة كوسوفو تظهر أن الفيتو الروسي لن يحول دون المبادرة الى «حل عادل اخلاقياً». ويرى الباحث الفرنسي جان–بابتيست فيلمر في كتابه «الحرب دفاعاً عن المبدأ الإنساني: القتل او السماح به»، أن مجلس الأمن ليس الجهة الوحيدة المخولة قانوناً اقرار التدخل العسكري. وإذا حوصرت القوات الأممية وسط المجازر، لن تقف الدول الكبرى مكتوفة اليدين، في وقت يلوح طيف انبعاث مأساة البوسنة.

في الغرب لا يرغب أحد في شن حملة عسكرية في سورية، إثر التعب العسكري في حملة ليبيا وقبيل الانسحاب من افغانستان. والإدارة الأميركية تريد استمالة روسيا في الملف الإيراني، ولكن إذا لم يوقف الأسد المجازر التي تهدد الاستقرار الإقليمي، ارتقى التدخل العسكري حلاً أمثل ورجحت كفته.

* مراسلة،عن«لوموند»الفرنسية، 27/4/2012، اعداد منال نحاس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معارضة ضائعة! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

2-5-2012

لم أجد بين من قابلتهم خلال الأسبوعين الأخيرين، من داخل سوريا أو من خارجها، من عبر عن ثقته بالمعارضة السورية. لقد فاجأني أن المتحزبين من هؤلاء انتقلوا من إبداء التذمر والضجر واليأس من مواقف أحزابهم إلى نقد جميع مكوناتها ومجالسها وهيئاتها. من الأمور الكاشفة جدا أن من كانوا يدافعون عن المعارضة السورية من المنتمين إليها والعاملين تحت لوائها هم اليوم أشد الناس انتقادا لها وتذمرا منها، بل إن كثيرين من هؤلاء أخذوا يتبرأون من أحزابهم وسياساتها، ويعلنون بوضوح وصراحة فشلها في كل ما تصدت له من مهام، عدا نجاح بعض تكويناتها في ملاقاة النظام عند منتصف الطريق، ومساعدته على تنفيذ برنامجه القائم على العنف والانقسام الوطني والضغط بالقوة على الشعب كي يهجر مشروع الحرية وسلميته وطابعه المجتمعي الشامل، بعد أن قدم آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى ومئات آلاف المعتقلين على الدرب إليه.

ثمة إجماع تشكل خلال السنة الماضية عامة، والأشهر الأخيرة منها خاصة، على أن المعارضة بتنظيماتها المختلفة هي التي يجب أن تكون من الآن فصاعدا موضوع النقد ومادته، ما دامت الأخطاء المقترفة لم تحدث من تلقاء ذاتها، بل هي أخطاؤها هي بالذات، ولأن نقد مواقفها وآرائها لم يصحح النهج السياسي والسلوكي الذي أدى إليها، فمن الحتمي والضروري انتقادها هي كجهة تقف وراءها، بالنظر إلى أن نقد سياساتها لم تعد تعبر عن حقيقة الأمور، ولا تفضي إلى خروج السوريين من عنق الزجاجة التي يجدون أنفسهم فيها بسبب طابع تنظيمات وأحزاب تسمي نفسها المعارضة، تنتج الخطأ تلو الخطأ، فمن الضروري أن تكون محل رفضنا بعد أن أعطاها الحراك ما يكفي من الوقت، ووضع تحت تصرفها ما يكفي من المقاومة الشعبية والنضالات المختلفة، التي كان من شأنها أن تشكل حاضنة تعينها على تصحيح أمورها وتطوير عقلياتها وممارستها، لكنه يتبين منذ بضعة أشهر أن العيب ليس في الأقوال والمواقف وحدها، بل هو أساسا وحصرا في الجهات التي تصدر عنها: في المعارضة.

وكنت إلى ما قبل أيام قليلة أعتقد أن المعارضة لا توحد مواقفها، ليس لأنها عاجزة عن توحيدها، بل لأن عقبات خارجة عن إرادتها تحول دون ذلك، تتعلق بالظروف السورية والعربية والإقليمية والدولية الراهنة، كما تتصل بشيء من تاريخها وملابساته المعقدة، وبعلاقاتها بعضها مع بعض ومع النظام القائم في بلادنا، لكنني أعتقد الآن أنها لا تريد الوحدة، أكانت وحدة مواقف أم تنظيمات، وأن بعضها يرى في الشقاق جزءا تكوينيا من خطة سياسية يجب التمسك بها، لاعتقاده أن ثمارها ستكون يانعة بالنسبة إليه، لاعتقاده أن المرحلة المقبلة في سوريا ستكون إسلامية بالضرورة، لأن هذا هو خيار أميركا باراك أوباما، وأن بعض الدول الإقليمية، وخاصة تركيا، تتبنى هذا الخيار، فهو لأول مرة في تاريخ العرب المعاصر والحديث خيار دولي وإقليمي، وهو خيار رابح لا محالة، فلا خير في تضييع وقت الإسلاميين على تحالفات ومواقف موحدة، إلا إذا أتت وفق شروطهم ورؤيتهم وضمن حساباتهم.

يزيد من اقتناع هؤلاء بهذه النظرة الخاطئة جدا ما يتدفق عليهم من أموال تمكنهم من استغلال جوع الشعب وبؤسه لشراء تأييده أو ابتعاده عن أحزاب وقوى وتيارات المعارضة الأخرى، فهل يعقل أن يسعى هؤلاء إلى الوحدة مع غيرهم إن كانت الوحدة تعني نهاية هذا النهج أو وضع قيود عليه، وتلزمهم بالتنسيق مع من تريد قهرهم والتغلب عليهم وإخراجهم من «الساحة»، وتقوض سعيهم إلى جعل المعركة في سوريا حكرا على طرفين: هم من جانب والنظام من جانب مقابل؟ هذه الخطة، التي تحتم إقصاء الآخرين واستبعادهم وتشويه سمعتهم ورفع الكراتين ضدهم واتهامهم بالخيانة في المظاهرات، هي سبب الاستعصاء الخانق في علاقات أطراف المعارضة السورية، ليس فقط لأنها تستثير ردود أفعال لدى التكوينات والتكتلات الحزبية تشبه طبيعة ما يفعله الإسلاميون، بل كذلك لأنها تحول الصراع من معركة ضد النظام إلى معركة داخل المعارضة، التي ترى عندئذ في الفرقة استقلاليتها، وفي الشقاق دفاعا عن خصوصيتها، وتبدأ بالعمل انطلاقا من قواعد وتدابير إقصائية واستبعادية بدورها. ماذا يبقى من القضية الوطنية؟ وكم تكون حصة الحراك المجتمعي من أجل الحرية أولوية في أجواء هذه محددات السياسة فيها؟ لا شيء، أو القليل جدا مما يتناقص من يوم لآخر.

لا تريد المعارضة أن تتحد أو تتقارب، ولا تستطيع أن تتحد أو تتقارب وهي تدافع عن خلافاتها باعتبارها مواقف مبدئية تضمن دورها ونضاليتها. لذلك، يجب أن نرى الحقيقة ونقر بها دون لف ودوران، ونفكر بكل جدية في سبل وآليات عمل وطني ليست جوامعه المشتركة كلامية بل عملية وضاربة، وليست رهاناته نقيض ما يعلنه، تلزم الطرف الإسلامي بأولوية الصراع ضد النظام، وبأن هذا يتسع لكل جهد مخلص ونزيه، من أي جهة أتى، وتقنعه بالإقلاع عن الصراع منذ اليوم على مرحلة ما بعد النظام، لأن سياسته هذه تتطلب الصراع ضد أحزاب وتجمعات المعارضة الأخرى، الذي يبدد أي جهد لتوحيد القوى في معركة طرفها المقابل نظام ليس لدينا أي تناقض عدائي مع أي أحد سواه، بينما التناقض مع بقية أطراف المعارضة ثانوي الطابع والهوية، ولا يجوز أن يحتل الصدارة من ممارسات ومواقف أي فصيل إسلامي، على عكس ما هو الحال في الحال السورية القائمة، حيث يصارع التيار الإسلامي بمختلف توجهاته النظام والمعارضة في آن معا، غير آبه للنتائج التي تتمخض اليوم وستتمخض غدا عن دوره هذا، وأهمها على الإطلاق فشل الثورة، وإلا فسفح المزيد من دماء شعب يزعم أرباب هذا التيار ليل نهار رغبتهم في حقنها، ويتهمون كل ما ل مايقر سياستهم بالتسبب في هدرها.

المعارضة السورية مريضة إلى درجة تصعب معالجتها: أما مرضها فيكمن بكل بساطة في «قلة عقل» من يقررون أمورها ويديرون شؤونها، وفي ما ينتج عن خفتهم السياسية من تهافت في الحسابات، وطرق مزدوجة لا يعرف أحد العلني من السري فيها، مع أن ثورة الحرية تتطلب أقصى قدر من النزاهة والوضوح، وأخيرا: من تعامل غير مستهتر مع قضية الشعب، وما ينجم عن بيئة حزبية وقيادية هذه صفاتها من ضغائن وأحقاد وصغائر تزيح من نفوس المنتمين إليها أي جانب إنساني أو علاقة طبيعية.

في لقاء ضمني وبعض الزملاء مع الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي، اقترحنا اعتماد وثيقة «المجلس الوطني السوري» التي أقرت في إسطنبول كأساس لحوار المعارضة حول مشتركات وجوامع يمكن انطلاقا منها تحديد مواقف مشتركة في مسائل غدت اليوم مصيرية، كنجاح مهمة كوفي أنان وتحديد تفاصيل مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، وتطوير وتعميق الحراك الشعبي والمجتمعي في سوريا على مختلف أصعدته. قبل الرجل الاقتراح ووعد بدعوة المعارضة إلى لقاء وشيك في القاهرة تنجز خلاله هذا العمل. أراهنكم أن هذا لن يحدث، فإن تصادف وحدث، تكفلت أطراف من المعارضة بإفشاله، ما دامت القوى الإسلامية تنطلق من إنكار وجود الآخر، والتنكر لشرعية ما يقول ويفعل، والتصميم على احتكار الثورة وأسلمتها!

هنيئا للنظام السوري معارضته عامة والإسلاميين منها خاصة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية.. النظام يطيل أمد الأزمة .. الوطن السعودية

2012-05-01

خطة المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سورية كوفي عنان، فُرغت من مضمونها بشكل كامل، فما معنى مهلة وقف إطلاق النار إذا كان العنف مستمرا، بل إن حصيلة القتلى في استمرار وتصاعد مستمر، وما الذي يضمن التزام الطرف السوري بأي خطوات مستقبلية إذ لم يلتزم بأبسط متطلبات الخطة وأهمها، وهو وقف القتل؟

القتل الجاري في سورية منذ البدء المفترض لتنفيذ خطة عنان يوضح أن النظام السوري لا يزال على تعنته وتماديه في طغيانه، فالقصف المدفعي واستخدام الآليات الثقيلة لا يزال قائما، ولا يزال العنف قائما حتى بعد وصول رئيس بعثة المراقبين الدوليين الذي يقود فريق مراقبة من 30 شخصا سيرتفع إلى 300 شخص. والسؤال الذي يُطرح: ما الذي يمكن لهذا الفريق أن يقوم به فعلا على الأرض؟ وفيمَ سيختلف عن فريق المراقبة العربي السابق؟ لا يمكن لفريق مراقبة مهما بلغ حجمه وإمكاناته أن يحقق شيئا سوى تخفيف حدة العنف الدائر، وهو ما أقره رئيس بعثة المراقبين الجنرال النرويجي مود.

ما يحدث في سورية هو مجرد تمديد للأزمة، فكل المحاولات القائمة لا تحل شيئا، وإنما فقط تحاول تخفيف حدة العنف والتوتر، على أمل أن الوقت سيوجد مخرجا. وهذا التعامل الدولي مع الأزمة القائمة هو ما سيزيد من إشعال الأوضاع. ولعل الانفجارين اللذين وقعا في إدلب أمس يظهران بشكل أو آخر تطورا نوعيا في تعاطي الثوار مع ثورتهم من خلال تبني أعمال عنف نوعية من قبيل التفجيرات التي تستهدف مقار أمنية، وإن كانت المعارضة تتهم النظام بتدبير هذه التفجيرات، وهو اتهام له ما يبرره، في ظل المعرفة بأساليب النظام وطرقه في التعاطي مع الأزمة منذ أكثر من عام.

إن هذا التطور النوعي، إذا ما بدأ في الزيادة والانتشار سيعني تحولا لصيغة الثورة يستدعي عودة المواجهات وربما اتساع دائرة العنف والقتل بأكثر مما هي عليه، والسؤال: كيف سيتصرف العالم مع فشل خطة عنان؟ وما الخيارات الحقيقية المطروحة؟ الأزمة في سورية بحاجة لحل وليس مجرد تمديد وإدارة وقتية لها، فالمسألة ليست تخفيض عدد القتلى، وإنما وقف القتل والعنف بشكل كامل، وهو ما يبدو أن النظام السوري لا يريده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل دخلت سوريا مرحلة حرب العصابات؟! .. يوسف الكويليت

الرياض

1-5-2012

مسار الوضع السوري اتجه نحو التصعيد، فمهمة أنان محكومة بالفشل، ومن تبنوها في مجلس الأمن لم يطرحوا الحلول لمواجهة المأزق، ولكنهم مضطرون إلى التعامل مع الواقع بما يحمي هيبة الدول الأعضاء، ولعل الروس والصينيين الأكثر إحراجاً طالما وافقوا على المهمة، ويبدو أن الضغط على السلطة لم يعد مؤثراً طالما سارت باتجاه القتل المتعمد..

داخلياً معالم حرب عصابات بدأت تظهر، وسواء كانت التفجيرات من قبل السلطة لتعطي ذريعة أنها تحارب متطرفين من القاعدة أو غيرها، فهي في النتيجة هزة أمنية لها؛ لأن المندوبين يشاهدون على الطبيعة كيف تجري الأحداث وتسير وترفع التقارير من قلب الميادين، واتساع المعارك والانشقاقات بالجيش النظامي يضيفان قوة للمعارضة بجناحيها العسكري والمدني، وباعتبار أن المواجهة بين الجيشين تأتي لصالح قوة الدولة، إلاّ أن حالة الاستنزاف الطويل واتساع المعارك ووصولها للقرى والمدن وأزقتها، والدعم الذي يأتي من الخارج عوامل سيكون الزمن لصالحها، لأن الدولة ستفقد كل يوم نصيراً أو محارباً أو حتى صاحب رأسمال يهرب ممتلكاته، بينما المقاومة والمعارضة ستجدان المواقف، على المدى البعيد لصالحهما..

روسيا الداعم الأول قد لا يهمها الأسد من حيث النظرة البعيدة، لكنها تعتبره مرحلة تعزز بقاءها، وقد تجد نفسها، إذا ما شعرت بالخسارة، أن تعد مع عناصر من داخل الحكم التخلص من الوجوه البارزة وتغييرها بأخرى من خلال انقلاب تعده معهم، وتضع سيناريوهات للحل تعطيها فرصة التحالف مع السلطة الجديدة وإعداد مصالحات وتنازلات تتفق مع مصالحها، غير أن مثل هذا السيناريو قد يدفع بطرف آخر القيام بانقلاب آخر يريد احتكار السلطة، أو تقسيم سوريا، وهناك تستطيع روسيا المجازفة بدفع قوة لها تساند أو تعاضد أي حليف لها لصعوبة النتائج التي قد تضعها في مركز الدولة المحتلة.

إيران رهانها أكبر، فهي تدفع بكل إمكاناتها المحافظة على السلطة لأنها مرتكز خططها في المنطقة كلها، لكنها تعاني وطأة المقاطعة، واحتمالات إعداد ضربة عسكرية قد تقسمها إلى أقاليم بقوميات ونزعات لا تزال هشة، كذلك الأمر بالصين فهي تتعامل مع المواقف بحذر ولا ترى أن المجازفة تعطيها فرصة منحها قوة سياسية في المنطقة لأنها بحساب كل العرب دولة منحازة لسلطة مرفوضة شعبياً وعربياً..

الدول العربية، لا تزال في حالة انقسام، فهناك العراق الداعم والخائف من جوار دولة قد تنقلب عليه، أما السودان والجزائر، ودول الربيع العربي فهي تعايش أوضاعاً داخلية ملحة وأهم مما يجري لسوريا، وتبقى الدول الخليجية فهي الأكثر صراحة وشجاعة بالتضامن مع الشعب السوري، لكن الوضع، وبقراءة له من راصدين سوريين ودوليين وعرب لايعطون السلطة البقاء؛ لأنه كل يوم يمر يحدث لها خسارة جديدة، وحتى الشعور بالمكابرة والتحايل على القرارات الدولية، ومخادعة الآخرين بأساليب بوليسية، جميعها أسلحة غير فاعلة طالما الشعب يتظاهر ويتحمّل الأعباء كلها وبمبدأ الانتصار، لا الهزيمة..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة عنان إلى أين؟ .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 01 مايو 2012

الاتحاد

أتت خطة كوفي عنان لتُحدث حوارات ساخنة في أوساط واسعة من السوريين والعرب والآخرين، نظراً لاعتبارين اثنين (أو أكثر). أما الأول منهما، فيقوم على كونها الأخيرة قبل الدخول في مسار آخر محتمل لمعالجة الأزمة السورية. ويبرز الاعتبار الثاني بوصفه تأكيداً على أهمية الخطة، وإجماع الكثيرين على ذلك. وربما هنالك اعتبار ثالث يؤكد الأهمية المذكورة، وهو الخطورة التي تتلبّس الثورة السورية بعمقها، حيث أعمال العنف الهائلة وغير المسبوقة التي ترافقها وتخترقها، وكذلك من حيث تعقيد المواقف الدولية منها.

وقد ظهر أحد أوجه التعقيد والخطورة للمسألة المعنية، حين راحت مواقف روسيا حيال ذلك تُطلُّ بعلاماتها، فلقد صدر أحد مواقف روسيا من ذلك، حين أعلِن قبل أيام أن الخطر الذي يهدد خطة عنان يكمن في أن المعارضة هي التي تسعى إلى ذلك، بتسخين الموقف عبر العنف الذي مارسته وتمارسه ضد النظام السوري. إن مناقشة هذا الرأي الروسي يقتضي تفكيك الخطاب الذي تقدمه هذه المعارضة، ليتضح أن مصالح المذكورة تتوافق، بالضبط، مع تنفيذ خطة "عنان" في نقاطها الست، فالتنفيذ المُراقَب لسحب أدوات القتل والقنص حقاً، والسماح بدخول الإعلام الخارجي إلى سوريا بالتزامن مع السماح بخروج تظاهرات سلمية، إن هذا وحده، على الأقل، سيفتح الأبواب طولاً وعرضاً لجعل سوريا عاصمة ومدناً وبلدات تعجّ بعدد من ملايين المتظاهرين السلميين بشعاراتهم السياسية، مِمّا يُفضي إلى تساقط النظام ربما دون طلقة رصاص واحدة.

ما يلفت النظر في الموقف هذا هو أن صُنّاع الإعلام في روسيا "لم يكتشفوا" أن مصلحة المعارضة السورية الوطنية تقوم فعلياً على تحقيق خطة عنان. أما فشل هذه الأخيرة، فمن شأنه أن يُمكّن لدبابات النظام وقنّاصه، الاستمرار في بقائهم في حالة من الفعل العسكري المفتوح. ومن الطريف أن دبابة أجهزة عسكرية صُوّرت مُخبّأة في منطقة سورية عن طريق تصوير الأقمار الصناعية، تعبيراً عن أن ما يفعله النظام السوري، حين يعلن عن استجابته لشرط سحب العتاد العسكري من المدن والمناطق السورية، لا يعدو كونه إخفاءً لهذا العتاد في أماكن يُعتقد أنها تحقق هذا الهدف.

أمام ذلك كله، يعلن المتحدث باسم كوفي عنان، أن فشل خطة عنان، ستكون لها نتائج خطيرة. ومن جهة أخرى، أعلن راسموس الشخصية المسؤولة في الاتحاد الأوروبي، أن الخطة المذكورة تحقق حلاً سلمياً للأزمة السورية، ومن ثم، ينبغي التشديد عليها قبل أن يفوت الأوان. بل إن وصول 300 رجل ضمن بعثة الأمم المتحدة إلى سوريا بعد حين، ربما لن يعني شيئاً جديداً على طريق الحل السلمي. فالحل الأمني العسكري يُراد له أن يبقى سيد الموقف الوحيد. وهذا ما لا يستطيع تجنيب سوريا مخاطر نوعية جديدة وجدّية. فمشروع الحرب الأهلية في سياق صراعات طائفية خصوصاً، هو ما يمكن أن ينبثق عن إبقاء الأمر على ما هو الآن، مِمّا يؤسِّس لمطلب التدخل الأجنبي العسكري. وهذا ما يمكن أن يفتح الباب على مصراعيه أمام ما قد يأتي من عقبات ربما لا يمكن السيطرة عليها.

دور القوى الوطنية المتّسمة بالحكمة والعقلانية والمتّسمة بهمِّ الحِفاظ على سوريا موحَّدة وقادرة على الخروج من هذا الوضع المأساوي الخطير، إنما هو ذو أهمية قد تكون -في ظرفنا هذا- حاسمة. ويدخل في هذا الموقف ما يمكن أن يترتب على ذلك من تقديم مساومات في سبيل عقد مصالحة أو أخرى، ولكن دون أن يتعرض ذلك للأهداف التي انطلقت الثورة منها ومن أجلها.

وفي هذا المنعطف، يبدو أنه من الأهمية بمكان أن ننوّه بالدور المحتمل، الذي قد يقوم به أولئك الأشخاص الذين يحتلون مواقع محترمة في الوسط الاجتماعي العريض، ويتَّسِمون بالحكمة والبصيرة في معالجة المعضلات المعقدة المستعصية لدى كل الفئات والمجموعات. ومن شأن هذا أن يُعوّل على ذوي الحكمة والوطنية، دون نسيان دور المصالح الخاصة بجماعة النظام السوري وحلفائه الروس والصينيين والإيرانيين وغيرهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية بين مطرقة البند الخامس وسندان الفصل السابع .. حميد بن عطية

2012-04-30

القدس العربي

الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الذي سيغادر 'الكريملين' بتاريخ 7 مايو القادم تاركا كرسي الرئاسة لحليفه فلاديمير بوتين، تنبأ خلال تقييمه لأربعة سنوات من حكمه لروسيا بأن الربيع العربي سينتهي بخريف بارد وأن الشعوب العربية خاصة تلك التي ثارت أو في طريق ثورتها على أنظمتها المستبدة مطالبة في حال إسقاط هذه الأنظمة بحسن اختيار من يمثلها، لأن الفرصة مواتية لوصول الإسلاميين المتطرفين إلى سدة الحكم بالعالم العربي حسب قناعة السيد ميدفيديف، لكن قد يكون رئيس الحكومة الروسية المقبل بعد تنصيب بوتين رئيسا لروسيا معذورا في تخوفه من المستقبل المجهول الذي يتهدد بعض الدول العربية التي عاشت وتعيش ثورات ما يسمى بالربيع العربي كحال ما يجري في ليبيا وتونس ومصر واليمن لكن التخوف الكبير الذي أعلنه الرئيس الروسي يتعلق بسورية التي تحولت إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية وهو ما سيطيل من عمر الأزمة ويهدد بحرب أهلية قد تكون عواقبها وخيمة ليس على سورية فحسب بل على المنطقة برمتها.

ما يزيد من احتمال نشوب حرب أهلية مدمرة بسورية قد تقود منطقة الشرق الأوسط إلى شفير الهاوية، فشل خطة المبعوث الأممي والعربي كوفي عنان في ترسيم الهدنة بين الجيش النظامي وفلول الجيش السوري الحر، خطة عنان التي تدخل تشارف على الانقضاء، لم تستطع توقيف ألة الموت التي تحصد العشرات من أبناء سورية يوميا بمختلف توجهاتهم السياسية والمسؤولية يتحملها نظام دموي يحاول القضاء على المعارضة في أسرع وقت وإخماد صوت الجماهير الثائرة بكل الوسائل فيما لم تفلح قيادة الجيش السوري الحر في السيطرة على جماعاتها المتهمة هي الأخرى بارتكاب أعمال عنف مضادة ويبقى الخاسر الأكبر في هذه الفتنة هو الشعب السوري الذي تحول إلى رهينة في أيدي النظام ودول عربية وغربية لا تريد خيرا لهذا الشعب وترمي بكامل ثقلها لإشعال فتيل الحرب الأهلية بدعوتها إلى تسليح المعارضة وإقامة منطقة عازلة على الحدود التركية السورية والتي قد تكون منطلق نواة النظام السوري القادم في حال الإطاحة بالنظام الديكتاتوري بدمشق.

الخامس من شهر مايو القادم، موعد تقديم السيد كوفي عنان لتقريره حول الوضع في سورية أمام مجلس الأمن، سيكون محطة هامة ستحدد معالم سورية في ظل تسارع الأحداث المأساوية داخليا وخارجيا ويخشى المهتمون بالشأن السوري أن يعلن المبعوث الأممي والعربي فشل خطته المقترحة لحل الأزمة والتي قد تتزامن إعلان فشل مهمة المراقبين الأمميين التي بدأت بعض الأصوات التي لا تحبذ لسورية الخير في الحديث عن عدم جدواها ومما يزيد من احتمالات انفلات الوضع الأمني بسورية وتحوله إلى حر ب أهلية، هو تشبت النظام بسياسته الأمنية الاستئصالية وتشتت المعارضة السورية بالداخل والخارج وكان آخر مسمار دُقَ في نعش هذه المعارضة، إعلان رجل الأعمال 'نوفل الدواليبي' السوري الأصل، السعودي الجنسية من باريس عن تشكيل حكومة انتقالية قال بأنها تمثل أطيافا كبيرة من ممثلي الشعب بالداخل والخارج و بديلا للمجلس الوطني السوري، رجل الأعمال المعروف بولائه لآل سعود طالب صراحة بالتدخل العسكري في سورية وتسليح المعارضة وهما مطلبين نادت بهما جهارا كل من قطر والسعودية وفرنسا وباستحياء أمريكا وتركية التي هددت حكومتها بإقامة منطقة عازلة بين البلدين واللجوء إلى البند الخامس من معاهدة الحلف الأطلسي في حال تعرض تركية للخطر من حدودها مع سورية فيما لوّح العرب الغاضبين على نظام بشار الأسد باللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يجيز التدخل العسكري في مثل الوضع السوري في حال فشل الوسائل السلمية لفض النزاع.

' كاتب جزائري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا غنى عنها.. لكنها غائبة عن الأزمة السورية .. جاكسون ديل

الشرق الاوسط

1-5-2012

ظل الخبراء والحكماء يزعمون طوال عام أن الربيع العربي يبشر باقتراب حقبة جديدة في الشرق الأوسط لن تكون الولايات المتحدة فيها هي «الدولة التي لا غني عنها» كما وصفها بيل كلينتون يوما ما. مع ذلك، أثبتت الأزمة السورية أنهم مخطئون. والدليل على ذلك - حتى هذه اللحظة - يتمثل في إخفاق الأمم المتحدة ودول الجوار السوري حتى الآن في منع الدولة من الانزلاق نحو هاوية الحرب الأهلية في غياب القيادة الأميركية. مع ذلك، لم تحسم القضية بعد، لأن كل القوى والمنظمات الأخرى التي تطمح لملء الفراغ الذي خلفته واشنطن في دمشق حاولت وفشلت في ذلك.

فلنبدأ بتركيا، إحدى دول جوار سوريا وحليفتها السابقة، التي كانت الفائز الأكبر من ثورتي تونس ومصر والاضطرابات التي تشهدها البلدان الأخرى، بحسب البعض. أرسل رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، العام الماضي وزير خارجيته حاملا رسالة إلى بشار الأسد ينصحه فيها بالتوقف عن قتل المدنيين وعقد لقاءات مع المعارضة وإجراء إصلاحات ديمقراطية. قال الأسد إنه سيفعل، لكنه كان يكذب واستمر في القتل. ومنذ ذلك الحين، يكرر المناورة مع جامعة الدول العربية وروسيا ومبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان. شعر أردوغان، الرجل المتقلب المزاج، بالغضب وسمح لقادة المعارضة ومنهم الجيش السوري الحر باللجوء إلى تركيا وتنظيم صفوفهم فيها. وأشار إلى دعمه إنشاء ممر للمساعدات الإنسانية أو منطقة لجوء في سوريا، أي منطقة تسيطر عليها قوى خارجية وتدافع عنها قوات مسلحة إن استدعى الأمر ذلك. مع ذلك، لم يتم إنشاء هذا الممر، والسبب واضح؛ وهو أن الجيش التركي لن يتخذ مثل هذه المبادرة العسكرية دون دعم فعّال من الولايات المتحدة إن لم يكن حلف شمال الأطلسي بأكمله.

لا يعني هذا عدم قدرة تركيا على الاضطلاع بذلك، فقد نجحت عام 1998 في إرهاب النظام السوري فقط بحشد قواتها على الحدود.

مع ذلك، كشفت هذه الأزمة عن نقطة ضعف تتعلق بطموحات أردوغان الإقليمية، حيث لا تستطيع تركيا، التي كانت يوما ما قوة استعمارية خلال الحكم العثماني، التدخل في شؤون أي دولة عربية دون أن تتعرض لخطر رد فعل انتقامي واسع النطاق. وتثير الحكومة ذات التوجه السني المعتدل الشكوك في نفوس المسيحيين والأكراد الذين يمثلون أقلية في سوريا ناهيك بنفوس العلويين.

لقد حالت التوترات الطائفية دون اتخاذ جامعة الدول العربية موقفا صارما، حيث تتشكك بعض الدول ذات الحكومات الشيعية، مثل العراق ولبنان، في دول سنية تتوق للتدخل مثل المملكة العربية السعودية وقطر. على الجانب الآخر، تعثرت محاولات بعض دول الخليج الفردية لتزويد المعارضة بالأسلحة.

أما بالنسبة لروسيا، فقد أخفقت في محاولتها تقديم نفسها طرفا مؤثرا في الشرق الأوسط من خلال الوساطة من أجل التوصل لاتفاق تسوية سورية. ويريد الكرملين إنقاذ الأسد، لكنه يرفض اتخاذ أي خطوات باتجاه التوصل إلى اتفاق يبقي على النظام. ويمكن لموسكو أن تمنع مجلس الأمن من فرض عقوبات صارمة أو إقرار تدخل عسكري، كذلك يمكنها تزويد الجيش السوري بالسلاح والوقود، لكن تبين خلال الأسابيع القليلة الماضية، أنها لا تستطيع أن تحول دون انزلاق سوريا إلى حرب أهلية.

ويبقى مبعوث الأمم المتحدة، كوفي أنان، الذي يبدو عازما على تكرار كل الأخطاء التي ارتكبتها الأمم المتحدة في البلقان خلال فترة توليه منصب الأمين العام لها في التسعينات. لقد أقنع مجلس الأمن بإرسال مراقبين غير مسلحين لمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، وعندما لم يحدث وقف لإطلاق النار، كان جوابه على أكاذيب ووعود الأسد الجوفاء هو تجديد وساطته بدلا من التخلي عنها.

أصيب الدبلوماسيون الأوروبيون والعرب العاملون في الملف السوري بانهزامية وإحباط، حيث يهزون أكتافهم ويقولون إنه لا توجد حلول أو شيء يمكن القيام به لوقف القتال والتوصل إلى اتفاق دولي على اتخاذ إجراءات أكثر حسما وصرامة. إنهم يقولون ذلك، ثم يتكهنون بالوقت الذي ستتخلى فيه إدارة أوباما عن سلبيتها إذا كانت ستفعل في الأساس.

تستطيع الولايات المتحدة القيام بما هو أكثر من إقامة منطقة آمنة في سوريا والدفاع عنها، بمساعدة تركيا وحلف شمال الأطلسي. إذا دعمت تسليح الجيش السوري الحر، من المؤكد أنه سيحصل على المزيد من الأسلحة. ويعتقد كثير من المعارضين السوريين أن الإعلان عن مثل هذه المبادرات الأميركية سيقوض نظام الأسد من الداخل. ويحتاج هذا بطبيعة الحال إلى قرار من الرئيس أوباما. وللقيام بذلك، عليه أن ينحي جانبا فكرة الحصول على موافقة من مجلس الأمن على أي إجراء يريد اتخاذه. وسيتعين على أوباما إقامة تحالف مخصص لهذا الغرض مع تركيا والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي تحت قيادة الولايات المتحدة. وسيكون عليه أيضا إصدار تعليمات للدبلوماسيين الأميركيين بتكثيف عملهم مع حركات المعارضة السورية والطوائف المختلفة من أجل التوصل إلى توافق حول تصور لوضع البلاد بعد الأسد.

ويعني هذا ضرورة أن يتصرف أوباما وكأن الولايات المتحدة لا تزال كما رآها بيل كلينتون؛ دولة لا غنى عنها.

* خدمة «واشنطن بوست»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مستقبل الثورة في سوريا .. أنور بن ماجد عشفي

عكاظ

30-4-2012

لم تواجه ثورة من ثورات الربيع العربي تعاطفاً دولياً مثلما واجهته الثورة السورية، وذلك بسبب الظلم الذي وقع على ذلك الشعب من نظامه التسلطي، حتى أنه حرِمَ من الدفاع عن النفس، وهذا الاهتمام يأتي بسبب الأهمية الاستراتيجية التي تتبوؤها سوريا والتي تشكل في موقعها القمة التي تشرف على البحر الأبيض المتوسط، والتي تقع في ملتقى القارات الثلاث.

فالثورة في سوريا لها أبعاد مستقبلية، فهي لا تنظر إلى الواقع الحالي فحسب، بل إلى مستقبل الشعب السوري، والتركيز بشكل خاص على البعد الاقتصادي، وما ذلك إلاَّ لأن الثورة والمعارضة على قدر كبير من الثقافة والوعي رغم الاختلافات التي يغذيها النظام.

وقد قدر لي أن أحضر بعض اللقاءات الدولية التي ضمت بعض القيادات للثورة والمعارضة، ولعل آخر هذه الاجتماعات في برلين 26 إبريل الماضي الذي ترأسته ألمانيا والإمارات العربية، وبحضور 27 دولة وثلاث منظمات عالمية، كما حضره الوفد السوري برئاسة الدكتور أسامة القاضي، وفريق عمله من الخبراء ورجال الأعمال، من قِبَل المجلس الوطني للمشاركة في إعداد الخطط الاقتصادية لما بعد سقوط نظام الأسد، بغرض تنمية وإنعاش الاقتصاد السوري.

تبدأ الخطة حال سقوط النظام في سوريا ولمدة ستة أشهر، وهذه تمثل المرحلة الأولى، حيث وعدت فيها كل من بريطانيا، والاتحاد الأوربي، والولايات المتحدة، بتقديم الخبرات اللازمة لهذه المرحلة، أما الخطة الثانية فسوف تغطي سنتين، تأتي بعدها الخطة الثالثة التي تمتد إلى خمس سنوات.

وبعد اجتماع برلين الأول للمجموعة، الذي جاء على خلفية مؤتمر اسطنبول والذي حصل على تفويض من 83 دولة من أصدقاء الشعب السوري ضمها المؤتمر ويعتبر هذا المشروع في مراحله الأولى، مما يؤكد على دعم المجتمع الدولي للثورة السورية وبناء اقتصادها مما يعوض هذا الشعب ما لقيه على أيدي النظام من ظلم وقهر وقتل وتدمير، ومن أهم ما أكدته الدراسة هو المحافظة على مؤسسات الدولة، واستبدال بعض القيادات غير النزيهة، وقررت الدراسة إبقاء مليون وثلاثمائة موظف في القطاع العام في أماكنهم دون أن يتضرروا.

لقد أكد المجتمعون على أن لا يقوم الإصلاح الاقتصادي بخلق كوارث اجتماعية، لأن كل عامل وراءه أسرة مكونة من خمسة أفراد، ولابد من توفير الحماية للأسر الكريمة التي حملت على أكتافها معاناة الثورة.

إن المستقبل مشرق أمام الشعب السوري، على الرغم من قتامة الواقع الذي يعيشه اليوم، وكما قال إيفان ترجنيف: «إن الشتاء يبدو ممتقعاً لوصول الربيع الباسم».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: أفق ثورة المستحيل .. د. شفيق الغبرا

كاتب كويتي

ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"

الاتحاد30-4-2012

بسبب الثورة السورية والحراك الذي صنعته يدخل ملايين السوريين حيز السياسة بعدما كان ذلك الحق حكراً على الدولة وحزب البعث، فمع كل يوم جديد تنضم قطاعات أكبر من الغالبية الصامتة إلى الثورة وذلك بهدف الإمساك بمستقبلها. وبينما تتعالى أمواج الثورة يعجز النظام السوري، الذي يسقط كل يوم في الامتحان التاريخي، عن تصفيتها. إن انتصار الثورة السورية حتمي كما أن تحولها إلى دولة ونظام جديد مسألة وقت.

لقد تفجرت ثورة لأن الشعب السوري لم يجد في قيادة الأسد والمجموعة التي تقف وراء قوته ما يلبي طموحاته، فالنظام السوري الذي بدأ يدخل آفاق الغروب يعيش في مؤخرة النظام الدولي والاقتصاد العالمي بعد أن سلم البلاد لأقلية من المتنفذين المعزولين عن بقية الشعب. وبينما تقاسم النظام السوري في زمن الرئيس حافظ الأسد بعض المنافع مع فئات مختلفة من المجتمع في الأرياف، نجد أن سياسات بشار الأسد الاقتصادية أدت إلى عزل فئات واسعة من السوريين في درعا وإدلب وريف دمشق ومدن أخرى مثل حمص وحماة.

وتمثل الثورة السورية حالة امتداد لرغبة السوريين في العودة إلى المسرح الإنساني والعربي، وهي في الوقت نفسه تعبير عن سعي السوريين لبناء دولة ديمقراطية ونامية في ظل تغير شامل في القيم والحقوق والفكر والممارسات. وهذا البعد في الثورات العربية، وفي الثورة السورية بالتحديد، هو الذي يوجه حراكها الواسع ويؤجج تفاعلاتها. ويقف وراء الغضب السوري مجتمع يريد إيقاف آلة القتل ضده وحماية حقوقه وتحقيق التداول على السلطة الذي سبب غيابه الديكتاتورية الأسدية. وفي سوريا القادمة ستكون للكرامة الإنسانية مكانة وللعدالة الاجتماعية والاقتصادية موقع يضع حداً فاصلاً بين القديم والجديد.

والدولة في سورية دخلت مرحلة الفشل، فهي متراجعة عن تأمين الكهرباء والمياه والمدارس وكل المرافق، حتى سيارات الدولة بدأت تنفد، بعضها يصادرها «الجيش الحر» وبعضها تصادرها جماعات "الشبيحة" التي أطلقها النظام وأصبحت خطراً عليه كما هي خطر على الشعب. والدولة السورية في حالة انهيار مما يؤكد أن النظام يخلق لنفسه كل يوم أعداء جدداً. والأهم في قصة انهيار النظام السوري أن المواطنين في المدن والأحياء والقرى الممتدة سرعان ما أنشأوا لجاناً وانتخبوا ممثلين يعبئون فراغ الدولة ويؤمنون الخدمات الأساسية. هكذا تبرز من جراء انهيار النظام إمكانيات المجتمع السوري المدني على إنتاج مكونات دولة جديدة. ومن كان يتوقع من بين الثوريين السوريين الذين بدأوا الثورة أن ينهار نظام البعث المتجبر بهذه السرعة؟ إن أكثر الثوريين تفاؤلاً توقع أن تكون سورية آخر ثورات الحراك العربي. وبين شعب ثائر يغير الحقائق بشجاعة كل يوم، وبين بيئة دولية وإقليمية تقدم اعترافاً وتنشئ مراقبين دوليين وقرارات دولية ومؤتمرات أصدقاء سيتحدد الوضع القادم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الحرب الأهلية والتفخيخ والتفجير في سوريا .. ياسر الزعاترة

الدستور

30-4-2012

تتوالى التقارير القادمة من سوريا حول الميل للعنف وربما التطرف في أوساط قطاع من الشباب السوري على خلفية استمرار عمليات القتل اليومية من قبل النظام وعدم توفر أفق واضح لإسقاطه عبر المسار السلمي، أو حتى التعويل على الجيش السوري الحر الذي لا يمكن القول إنه قادر في الأفق المنظور على التصدي لجيش النظام وأجهزة أمنه وشبيحته في ظل دعم إيراني قوي تسليحا وتخطيطا، وفي ظل محدودية الدعم الخارجي للخيار العسكري.

بعد أكثر من 11 ألف شهيد يمكن القول إن العودة إلى الوراء وقبول الناس بحكم بشار الأسد صار جزءا من الماضي، في ذات الوقت الذي يمكن القول إن الانتصار السريع بالأدوات المتاحة ليس سهلا بحال من الأحوال، لاسيما أن الخيار الواضح للقوى الغربية لا زال محصورا في استمرار الضغوط وإطالة أمد المعركة لما يعنيه ذلك من راحة للكيان الصهيوني الذي لا يريد حسم المعركة قبل أن ينهك الطرفان وتغدو الحالة الجديدة في سوريا غير قادرة على النهوض خلال عقود، مع مساهمة ذلك في تحجيم نفوذ إيران، وربما استهداف منشآتها النووية استغلالا لعزلتها العربية والإسلامية، فضلا عن حقيقة أن الجبهة السورية المفتوحة هي جزء من لعبة الاستنزاف للاقتصاد الإيراني المتعب تبعا لما تدفعه طهران من كلف باهظة في المعركة.

الصحفيون الأجانب الذي يتوغلون في عمق مناطق الثورة السورية ينقلون مثل هذه الانطباعات شبه اليائسة في أوساط الثوار، أعني اليأس من إمكانية الانتصار بالأدوات المتاحة، مع يأس مقابل من مدد خارجي يحسمها في زمن سريع.

والحال أن المعركة بالنسبة لجحافل من أولئك الشبان قد غدت معركة حياة أو موت، لأن وقفها قبل الانتصار سيعني نهايتهم كأناس خرجوا على النظام وبعضهم حمل السلاح ضده، ولا مناص تبعا لذلك من المضي فيها حتى النهاية.

هنا ينهض الدين كعامل حيوي في الصراع، فمن يحمل روحه على كفه لا يجد غير منطق الجهاد والاستشهاد سبيلا، فيما يوفر له خطاب الفرز المذهبي، وقبله خطاب الخروج على حاكم مجرم ولغ في دماء الشعب، يوفر له مددا روحيا ومعنويا كبيرا، وربما دفعه نحو أقصى درجات التطرف والعنف، هو الذي يشاهد ما يفعله أزلام النظام وشبيحته بالمناطق التي يجتاحونها، وما يرتكبونه من جرائم تستفز المشاعر الإنسانية والدينية في الآن نفسه.

هنا يبدو السيناريو العراقي برسم التكرار، فهؤلاء الشبان تأخذهم مشاعر الانتقام بروحية جهادية نحو أية أعمال تثخن في النظام وتنتقم ممن يتعاونون معه، حتى لو كانوا من أهل السنة، فضلا عن أن يكونوا من الطائفة العلوية المندمجة في المعركة بكل ما أوتيت من قوة.

وكما وجد العراقيون الغاضبون من العرب السنة في جماعة التوحيد والجهاد بقيادة الزرقاوي (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين لاحقا) ملاذا لتحقيق مشاعر الانتقام من الأمريكان وممن أذلوهم، وأمعنوا فيهم إقصاءً وتهميشا بوصفهم من أزلام النظام السابق (السني بالطبع بحسب التصنيف إياه)، سيجد بعض الشبان السوريين في المجموعات القادمة من الخارج ملاذا أكثر يشبع غريزة الانتقام أكثر من حكاية الجيش السوري الحر المفكك، والمخترق من قبل النظام.

وفي ظل غياب التسليح القادر على موازنة القوة التي يتمتع بها النظام، سيكون مسار التفخيخ والتفجير هو المتاح، وهنا تنهض بعض الخبرات القادمة من الخارج والتي تلتحم بالشبان الموجودين في الداخل والمدججين بمشاعر الغضب والانتقام، لاسيما أولئك الذين فقدوا أحبة لهم في المعركة.

حتى الآن، يصعب القول إن المجموعات المسلحة التي تتبنى نهج التفخيخ والتفجير قد بدأت نشاطا قويا في الداخل السوري (أصابع النظام تبدو واضحة في بعض التفجيرات، أكان مباشرة أم من خلال الاختراق)، لكن الأمر لن يتواصل على هذه الحال، وبتدفق المزيد من الخبرات المطلوبة من الخارج، بخاصة من العراق ولبنان، سيتطور المشهد بالتدريج وصولا إلى معركة طاحنة بين الطرفين لن يحكمها العقل في كثير من الأحيان.

لا شك أن الاستجابة لخطة أنان هي الأفضل في الوقت الراهن رغم عدم توقف آلة القتل، ومعها استمرار النشاط الشعبي على نحو يفضح جرائم النظام أكثر فأكثر أمام المجتمع الدولي، مع الإعداد للمرحلة التالية عبر استمرار التسليح والإعداد، ولن يتم ذلك من دون مدد خارجي قوي لا بد أن تتولاه تركيا وبعض الدول العربية المتحمسة للمعركة.

من الأفضل خلال هذه المرحلة أن يبادر رجال الثورة في الداخل إلى تشجيع الناس على الخروج إلى الشوارع، بخاصة في المناطق التي يتواجد فيها المراقبون، لاسيما بعد زيادة عددهم، وذلك كي يثبتوا للعالم أجمع أن الثورة ليست معزولة، بل هي ثورة غالبية الشعب ضد نظام البطش والإجرام.

هي معركة طويلة وقاسية فرضت على هذا الشعب الأبي، ولا مناص من خوضها حتى الرمق الأخير، مع الثقة الكاملة بالانتصار مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.

التاريخ : 30-04-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنان بعد فوات الأوان .. غسان شربل

Mon, 30 أبريل 2012

الحياة

جاء كوفي أنان متأخراً. يمكن القول انه تأخر كثيراً. كم كان افضل لو اطل قبل عام. ربما كان يمكن وقف النار. وسحب الآليات الثقيلة والقوات من المراكز السكنية. وربما كان يمكن اطلاق المعتقلين. والسماح للصحافة الاجنبية بالتجوال. وبدء حوار حول الاصلاحات وعلى قاعدة شيء من التغيير والكثير من الاستمرار.

قبل عام كان عدد الجنازات اقل. من المدنيين والعسكريين. وكذلك عدد المعتقلين. وعدد المدن والبلدات المنكوبة. وعدد «اصدقاء سورية». وعدد «العصابات المسلحة». وعدد السفارات المهجورة. وعدد العقوبات العربية والغربية.

قبل عام ربما كان يمكن الخروج من النفق. بمعاقبة ضابط من هنا وضابط من هناك. وإحالة حزب البعث على التقاعد ومن دون ان يطالب احد ب «اجتثاثه» على غرار ما تعرض له شقيقه العراقي.

وكان يمكن إسناد رئاسة الحكومة الى شخصية مستقلة لم تنتجها مطابخ الحزب والامن. وكان يمكن ايضاً ترتيب عملية هادئة لتقليم وطأة الاجهزة وتفادي هذه المشاهد المروعة على الشاشات. فقبل عام كان سقف مطالب المعارضة منخفضاً وربما كان يمكن احتواء الحريق قبل انتشاره.

أعيد قراءة خطة انان فيلازمني شعور بأنه تأخر كثيراً. قد تندم موسكو لاحقاً على قلة حصافتها. لو ساهمت في بلورة صيغة من هذا النوع لجنّبت النظام السوري وضعه الحالي وتجنبت وضعها الحالي. من المبكر القول إن موسكو نجحت في توظيف الأزمة السورية للتذكير بمصالحها ومواقعها ودورها. اعتقد ان واشنطن تشعر بالارتياح لرؤية روسيا تصطدم بمشاعر الغالبية العربية والاسلامية كما هو الحال بالنسبة الى ايران و «حزب الله». هناك من يرى ان رغبة روسيا في الخروج من هذا الوضع دفعتها الى تأييد خطة انان.

خطة انان ليست اصلاً خبراً ساراً للنظام السوري وإن كان اطلاقها يؤكد عدم وجود برنامج لتدخل عسكري تحت قبعة الأمم المتحدة او قبعة الأطلسي. لكن الخطة في حد ذاتها وبالإجماع الدولي تعني وضع سورية قيد الرقابة الدولية. وتعني ان الاطراف التي تدعمها لا تأخذ بالرواية الرسمية السورية التي تعتبر ما يجري مواجهة بين قوات حفظ النظام و «مجموعات ارهابية مسلحة» تحركها اجندة خارجية.

جاءت خطة انان متأخرة وبعدما ذهبت كل الاطراف بعيداً في هذه الازمة. اقصد بالاطراف السلطة والمعارضة وكذلك القوى الاقليمية البارزة ومعها الدول الكبرى. ما كان ممكناً قبل عام يبدو شبه مستحيل اليوم. تراجعت القدرة على التنازل بعد الثمن الباهظ إبان الفترة الماضية. ألحقت المواجهات ضرراً فادحاً برصيد النظام ورموزه ومؤسساته خصوصاً الجيش. ألحقت ايضاً ضرراً فادحاً بالعلاقات بين المكونات. وواضح انه صار من الصعب على كل من النظام والمعارضة التراجع بعد سقوط عشرة آلاف قتيل وتهجير مئات الآلاف.

تأخر كوفي انان. مطالب خطته اكبر من قدرة النظام على التجاوب معها. يصعب على السلطة وقف النار وسحب آلياتها اذا كان ذلك يعني عودة المحتجين الى احتلال الساحات. اطلاق النار حصل اصلاً لمنع قيام بنغازي سورية ولمنع المليونيات. ثم كيف يطلق النظام المعتقلين ولا تزال المعارضة قادرة على التظاهر. وكيف يمكن النظام بعد كل الذي حصل ان يوافق على حق التظاهر السلمي وأن يتيح للصحافة الخارجية المستقلة توثيق الاحداث والروايات. ثم ان المعارضة تعتبر ان اي حوار مع النظام يجب ان ينحصر بشروط المرحلة الانتقالية. وهذا يعني ببساطة ان خطة انان تطالب النظام بقبول كل ما كان يرفضه. تطالب النظام بالموافقة على تفكيك تدرجي للنظام. واضح ان انان جاء بعد فوات الأوان. لا احد يملك حلاً. لهذا رفع الجميع لافتة انان. ومع ذلك فإن مهمته شديدة الاهمية والخطورة لأن ما بعد انان لا يشبه ما قبل انان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق المنقلبة وبيروت المحتضنة .. فؤاد مطر

الشرق الاوسط

30-4-2012

لم يجد شكري القوتلي رمز سوريا المستقلة، الذي انقلب عهده بفعل حركة قادها الزعيم حسني الزعيم، ملاذا حنونا عليه مثل بيروت التي شاءت الأقدار أن تفيض روحه فيها يوم 30 يونيو (حزيران) 1967 عن 76 سنة. وكانت الغصة الناشئة عن هزيمة صديقه وحليفه جمال عبد الناصر سببا مضافا إلى الوضع الصحي الذي يعيشه. كما أن رمز وصول البعث إلى الحكم في سوريا ميشيل عفلق لم يجد الملاذ الحنون عليه مثل بيروت التي أمنته من إخافة الرئيس حافظ الأسد له. وكانت بيروت غير المتسلط عليها الواحة لأي سياسي سوري يرى فيها الملاذ الآمن له أو لأفراد عائلته. كما أن هذه العاصمة الصغيرة حجما الكبرى من حيث الدور المتفوقة في كل ما يخص الطبابة والدراسة والنشر، كانت تلبي ما يرنو إليه أصحاب تجربة سياسية جار عليهم الزمن فتساقطوا أو أسقطوا بفعل الانقلابات العسكرية المتلاحقة، من نشر مذكرات لهم يهدفون منها إلى إنصاف تجربتهم على نحو ما حصل بالنسبة إلى رئيس الحكومة السورية خالد العظم الذي سقط مضرجا باتهامات وجهها إليه الزعيم حسني الزعيم الذي استقالوه كما استقالهم شكري القوتلي أول رئيس للدولة السورية المستقلة مدشنا بإقالة الاثنين بداية حقبة الانقلابات العسكرية السهلة الحدوث، وكان أكثرها سهولة ذلك الانقلاب على دولة الوحدة السورية - المصرية والتسبب لزعامة جمال عبد الناصر بصدمة اكتملت فصولها بصدمة هزيمة الخامس من يونيو 1967.

وعلى نحو ما رواه خالد العظم في مذكراته، التي لولا المنارة الثقافية بيروت لما كان لهذه المذكرات أن تبصر النور، فإن الذي حصل له وللرئيس شكري القوتلي بانقلاب عسكري قاده الزعيم حسني الزعيم، كان بفعل فاعل أجنبي استغل الظروف الداخلية المرتبكة والتي تشبه في بعض جوانبها ما يحصل منذ سنتين في العراق والسودان ولبنان وفلسطين والأردن وبدأ يشق طريقه في سوريا.

ويروي خالد العظم الوقائع التي سبقت الانقلاب العسكري الأول في سوريا يوم الأربعاء 30 مارس (آذار) 1949، بصيغة الاتهام دفاعا عن الذات السياسية. وفي هذا الصدد يتهم حسني الزعيم بأنه «رجل أحمق متهور»، ثم يضيف «إن الحركة الطائشة التي قام بها هي لحماية نفسه من العزلة والإحالة إلى المحاكمة بتهمة الاشتراك في صفقات مريبة وخاسرة تعاقدت عليها مصلحة التموين في الجيش مع بعض الملتزمين الذين قدموا بضاعة فاسدة وقبضوا ثمنها مضاعفا».

أما روايته عن اكتشاف أمر الصفقات فيوجزها بالقول إنه دعا رئيس الجمهورية شكري القوتلي إلى حضور «تجربة الأسلحة والذخائر التي اشتريناها حديثا»، وتبين أن المدافع غير صالحة والذخيرة فاسدة وأن الرئيس القوتلي توجه إلى مستودعات الجيش وكانت السيارة التي تقل الزعيم تسير وراء سيارته. ويضيف: «دخلنا أحد العنابر وبدأ الرئيس يتجول بين أكياس وصناديق يسأل عن محتويات كل منها، وكانت الفاصوليا اليابسة تتكدس إلى جانب قمر الدين والزيت. وكان الرئيس القوتلي يتظاهر بالارتياح كلما شاهدنا نوعا من الأنواع، حتى وصلنا إلى مجموعة من التنكات المعبأة سمنا فطلب فتح إحداها ففتحت وإذ بنا نشاهد لون السمن أقرب إلى السواد، فأظهرنا استغرابنا. ونظرت إلى حسني الزعيم فرأيته ممتقع اللون بادي الاضطراب. وطلب الرئيس من أمين المستودع أن يحضر (وابور كاز) ومقلاة وبيضا، ففعل ووضعت قطعة من السمن ضمن المقلاة فلما حميت تصاعدت منها رائحة كريهة حتى أننا اضطررنا إلى سد أنوفنا بمحارمنا. وكان حسني الزعيم يزداد اضطرابا وامتعاضا. وطلب الرئيس أن تحمل تنكة السمن إلى سيارته ليأخذها معه لفحصها، ثم برحنا المكان..».

بقية الواقعة أن حسني الزعيم إزاء هذا الذي حدث وانكشاف أمر الفساد سلاحا وذخيرة وسمنا، وجد نفسه موضع مساءلات في مجلس النواب، فاستبق ما قد يحدث من إعفاء له من منصبه وكذلك بالنسبة إلى ضباط آخرين فأعد مذكرة تحمل تواقيع كبار الضباط تطلب من الرئيس القوتلي تحقيق مطالبها، وأبرز هذه المطالب عدم بحث الأمور العسكرية في جلسات برلمانية علنية، وخصوصا بعد اتهام ب«الخيانة والتآمر على سلامة الدولة» وجهه النائب فيصل العسلي إلى قائد الجيش حسني الزعيم.

حول الذي حدث بعد الانقلاب العسكري الأول في سوريا وما تبعه من انقلابات لاحقة يروي لنا المعايشون لنصف قرن من الأحوال السياسية العربية الكثير من الوقائع التي تعكس حقيقة أساسية، وهي أن سوريا محكومة بعقلية أمنية منذ إسقاط الجمهورية الأولى وتشتيت رموز العمل السياسي، وأنه إذا كتب للانتفاضة الراهنة المزيد من الصمود، فإن الجمهورية الثانية ستنقل سوريا من نظام العقلية الأمنية إلى النظام التعددي والذي يمارس الجيش فيه دوره كمؤسسة عسكرية واجبها حماية الحدود وليس مطاردة الناس في الشوارع لأنهم ينادون في مظاهرات بمطالب وقفت العقلية الأمنية دون تنفيذها.

ومن المؤكد في حال حدوث ولادة الجمهورية الثانية في سوريا أن تصبح حال العلاقة السورية - اللبنانية على درجة من الود المتبادل بين شعبين، فلا يعود لبنان إلى الاستهداف الذي هو عليه الآن وحتى إشعار آخر من التطلعات السورية، وإنما يكون المتآلف رسميا وشعبيا مع الدولة الجارة التي قررت إسقاط الورقة الأكثر حساسية من كتاب العلاقات، وهي الورقة التي طالما أصرت العقلية الأمنية على التمسك بها، وهي الاستقواء بلبنان الدولة على لبنان الشعب.

وفي هذه الحال تستقيم الأمور الملتبسة ويرى الرئيس بشار الأسد أن لبنان الذي احتضن ومن دون حساسيات الزعيم السني شكري بن محمود بن عبد الغني القوتلي، واحتضن ومن دون حساسيات أيضا كبير «البعث» ميشيل عفلق، وبينهما العشرات من القياديين والسياسيين والعسكريين السوريين المتباعدين أو المطاردين من حكومات أمنية تعاقبت على سوريا، يحتضن بترحاب آخر الرؤساء المحكومين بطقوس أمنية، أي الرئيس بشار بن حافظ بن علي بن سليمان الأسد. وأي خيار غير هذا الذي نشير إليه سيبقى رهانا على المجهول.. الذي لا نريده مأساويا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المؤامرة بدأت قبل 43عاماً ! .. بقلم :جهاد فاضل (كاتب لبناني)

الراية

30-4-2012

لم يسبق لثورة في التاريخ الحديث أن بدت موحّدة متجانسة في الداخل، ومتشرذمة ومنقسمة قيادتها في الخارج كالثورة المشتعلة في سوريا منذ أكثر من سنة، فثوار الداخل رفعوا ويرفعون على الدوام شعارات الوحدة (واحد واحد واحد/ الشعب السوري واحد) في حين تتناسل تنظيمات الخارج كل يوم، وتثبعّض، وكأن الصراع الدائر هو صراع حول مغانم السلطة بعد نجاح الثورة وكأن كل واحد من هؤلاء المعارضين في الخارج يريد منذ الساعة أن يحجز مقعدًا له في الحكومة السورية الآتية، وقد بدأ هذا بالفعل عندما أعلن نجل معروف الدواليبي، آخر رئيس حكومة سورية قبل وصول آل الأسد إلى السلطة تأليف حكومة سورية في المنفى برئاسته، سائرًا في ذلك على غرار أبناء وأحفاد آخر ملوك على رومانيا وبلغاريا وسواهما ممن أسقطهم النظام الشيوعي فعادوا بعد زوال هذا النظام يطالبون بعروش آبائهم وأجدادهم، ويبدو أن قرابةً ما كانت منعقدة بين معروف الدواليبي والأنظمة الشيوعية، ذلك أنه على الرغم من الإسلامية التي كانت تميزه، فقد رفع لحكومته يومها شعارًا طريفًا هو: «شراب ماركسي في كأس محمدي» ولكن الضابط الانقلابي حافظ الأسد لم يمهله، فعاجله بكأس أمرّ من الحنظل وأقرب إلى كأس المنون، إلى أن وجد معروف الدواليبي نفسه لاجئًا في المملكة العربية السعودية.

ولعلّها المرة الأولى في التاريخ أيضًا يُلهم ثوار الداخل قيادات الخارج ولا تقدّم هذه القيادات شيئًا يذكر للداخل، أو لا تقدّم شيئًا على الإطلاق، وهذا من أغرب ما تقع عليه عين المراقب، كل ما في الأمر أن هؤلاء المعارضين في الخارج يُطلّون بين وقت وآخر على هذه الفضائية أو تلك وُيبدون رأيًا في هذه المسألة وسواها، لا يخرج عما بإمكان أي صحفي مبتدئ أن يأتي بمثله أو بما هو أفضل منه، ومع الإشارة إلى أن نقطة دم واحدة يبذلها ثائر في الداخل السوري هي أهم وأبقى في حسابات الضمائر والمكارم من كل هذا الكلام الفضائي الذي لا يقدّم ولا يؤخر والصادر بلا انقطاع من هؤلاء المتشرذمين الذين لا يضعون المصالح العليا لشعبهم فوق مصالحهم الشخصية.

على أن أهم ما في الثورة السورية التي تنمو وتتعاظم وتكبر مع الوقت وكأنها قامت قبل أيام قليلة، هو نسبة الوعي العالية التي يلحظها فيها كل من يراقب الشعارات التي يرفعها الثوار، ففي غمار المظاهرات الصاخبة التي تشهدها مدن وقرى وأرياف، يظهر فجأة شعار بيد أحد الثائرين مكتوب في الأعم الأغلب بخط اليد يقول: "المؤامرة بدأت قبل43عاما" أو شعار آخر من نوع: "سوريا الممثلة" أو "درعا المحتلة" أو "بشعار حافظ إسرائيل" أو "إلى الجولان لا إلى إدلب" ومن آخر الشعارات التي ظهرت حديثًا في إحدى المظاهرات شعار يقول: "هناك نقص في الكافيار في قصور آل الأسد وهذا ما يؤسف له"!.

الأكيد أن هذه الشعارات أبدعتها مخيلة هؤلاء الثوار، ولم ترِدهم لا من هذا التنظيم المعارض في الخارج، ولا من ذاك، إنها من وحي معاناة شعب عظيم مضى عليه في السجن السوري الكبير الذي سجنه فيه آل الأسد ما يقرب من نصف قرن وهو يفتقر إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية، ومقومات المواطنة قبل كل شيء، كما هي رد مباشر على مزاعم النظام الحاكم وأراجيفه، ولأن هذا النظام كرّر كثيرًا أن ما يجري في سوريا هو "مؤامرة خارجية" على سوريا، ردّ هؤلاء الثائرون بأن المؤامرة على سوريا بدأت لا اليوم، بل قبل 43 عامًا عندما وصل حافظ الأسد إلى السلطة نتيجة مؤامرة خارجية كان ركناها الأساسيان: أمريكا وإسرائيل، فما يجري إذن إنما هو في واقع أمره ثورة هدفها الإطاحة بهذه المؤامرة والتخلص من آثارها وإعادة سوريا من حالة الاغتراب عن النفس إلى حالة المصالحة مع الذات والالتحاق بركب العروبة التي كانت سوريا قلبها النابض، عندما كان "عز الشرق أوّلُهُ دمشق" كما يقول أمير الشعراء شوقي في قصيدته الشهيرة عن الثورة السورية بوجه فرنسا في العشرينيات من القرن الماضي.

ولا يقلّ شعار "سوريا المحتلة" توفيقًا عن شعار "المؤامرة بدأت قبل 43 عاماً". سوريا المحتلة شعار مهذّب يوحي ويومئ ولا يصرّح بالحقيقة المرة كاملةً، هو لا يقول إن العلويين يحتلون سوريا ويقاتلون شعبها السنّي المسلم، أو أن الجيش المفترض أن يكون جيش سوريا الوطني هو جيش هؤلاء العلويين، وإنما يكتفي بالقول إن سوريا واقعة تحت الاحتلال، والواقع أن شعار "سوريا محتلة" شعار صحيح بنسبة مئة بالمئة، فمن يحكم سوريا هم العلويون، والجيش السوري هو بإمرة هؤلاء العلويين وتحت سيطرتهم وسلطتهم، العلويون سيطروا على هذا الجيش منذ سنوات طويلة وباتت الأكثرية المطلقة من ضباطه وجنوده من الطائفة العلوية، وقد روعي في تشكيل هذا الجيش أن يكون جيشًا مذهبيًا خالصًا تقريبًا، وأن يكون أكثر سلاحه لا للقتال ضد عدو خارجي، وإنما ضد عدو داخلي هم المسلمون السنة، وتقول المعلومات الدقيقة عن عتاد هذا الجيش أن80 بالمائة منها عبارة عن سلاح للقمع الداخلي .

فهل سوريا "البعث" تأسيسًا على ما تقدّم، محتلة أم غير محتلة؟.

ومع ذلك ورغم الآلام والجراح والعذابات التي سبّبها هذا النظام للشعب، فإن أحدًا من هؤلاء الثائرين المجهولين الشرفاء لم يصرخ مرة صرخة طائفية أو مذهبية، أو يسمي الأشياء بأسمائها. طبعًا هذا الثائر يموت في القبر الذي حفره له الأسد الأب ومن بعده الأسد الإبن، ولكنه يَعَض على جرحه، ويعود إلى هتافه وصراخه: "واحد واحد واحد/ الشعب السوري واحد"!.

أما "بشار حافظ إسرائيل" فإنه يدل على وعي تام بما جرى، ويلخّص أفضل تلخيص السيرة الذاتية السريّة للنظام السوري مع إسرائيل، كان لهذا النظام "كامب ديفيد" خاص به دون أن ينعقد الاتفاق في منتجع كامب ديفيد بأمريكا، لا لزوم لعناء السفر وقطع المحيط ذهابًا وإيابًا، فالرحلة مضنية، كما لا لزوم لزيارة الكنيست حسب أسلوب السادات، كامب ديفيد السوري انعقد سرًا ونفذ بالكامل وبأسلوب باطني معروف عن أهل الباطن والتقية، وقد كان الهدف منه حراسة إسرائيل وحدود إسرائيل، ولكن على أصوات موسيقى وأناشيد تصدح يوميًا بشعارات "الممانعة" و"الصمود" و"التصدي" وما إلى ذلك من الشعارات الخادعة والمضللة لما يجري في السرّ، وقد روعي في كل ذلك خصوصية سوريا وشارعها الوطني وحساسياتها.

طوبى لهؤلاء الثوار السوريين الذين يحاولون الآن طرد العار عن بلدهم وإعادته إلى دار العروبة والإسلام.

طوبى لهؤلاء الثوار الشرفاء الذين يضحون بأنفسهم، بأولادهم، بيوتهم، وأقرانهم، بدمائهم قبل كل شيء، كي تعود سوريا إلى ذاتها، إلى شعبها، إلى قضيتها، إلى قدرها، إلى تاريخها الأموي الناصع الذي سُلب منها، إلى طريق العروبة، طريقها الذي اضطرت للانقطاع عنه، وسلوك طريق آخر هو طريق الشعوبية والمذهبية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسوأ ديمقراطية أفضل من أعدل ديكتاتور .. فيصل القاسم

الشرق القطرية

29-4-2012

من أكثر الفزاعات التي يستخدمها أعداء التغيير وفلول الأنظمة الساقطة والمتساقطة تداولاً على الساحتين السياسية والإعلامية أنه ليس هناك بديل للأنظمة التي ثارت عليها الشعوب، وأنه من الأفضل للبلدان الثائرة أن تقبل بالأنظمة الحالية مع بعض الإصلاحات الطفيفة على أن تنتقل إلى مستقبل مجهول المعالم على مبدأ:"تمسك بقردك كي لا يأتيك أقرد منه". وللأسف الشديد فقد انطلت هذه الخدعة السخيفة حتى على بعض المثقفين الذين بدوا وكأنهم ابتلعوا الطعم، فراحوا يحذرون من عدم وجود البدائل المناسبة لبعض الأنظمة المهترئة المهددة بالسقوط.

لا شك أن مثل هذه التبريرات الخادعة تنزل برداً وسلاماً على الطواغيت الذين مارت الأرض وتمور تحت أقدامهم في أكثر من بلد عربي، لكنها بالتأكيد لن تحميهم من السقوط الحتمي، فقد توصلت الشعوب إلى نتيجة مفادها أن أسوأ بديل هو أفضل من الطغاة الحاليين، ناهيك عن أن الأنظمة التي تتحجج بأنها الأفضل لعدم وجود بديل يسد الفراغ الذي ستتركه، هي من عملت منذ عشرات السنين على إخصاء الحياة السياسية في البلاد العربية كي تكون أرضنا قاحلة وجرداء سياسياً، وبالتالي غير قادرة على إنتاج أي شخصيات وأحزاب قادرة على منافسة الأنظمة الحاكمة.

لقد عملت الديكتاتوريات العربية على مدى عقود على خنق أي نشاط سياسي حقيقي في بلادها. وعلى هذا الأساس راحت تلك الأنظمة تشن حرباً استباقية على أي شخصية أو تجمع أو تنظيم أو حزب يمكن أن يشكل لها تحدياً حتى لو بعد عشرات السنين. لقد عملت على طريقة الملك هيرود الذي عندما أخبروه بأن مولوداً جديداً سيولد، وسيتحدى نظام حكمه في المستقبل، أمر السلطات على الفور بإعدام كل المواليد الجدد كي يقتل المنافسين في مهدهم. وهكذا أمر الطواغيت العرب الذين لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لمنع ظهور أي منافس سياسي لهم.

الويل كل الويل لمن كانت تسول له نفسه مزاحمة النظام أو الحزب العربي الحاكم في الاتصال بالجماهير والترويج لبضاعته السياسية. فقد كان ذلك حكراً على ما يُسمى بالنظام، لا بل من الكبائر الكبرى. وهو محرّم ليس فقط على العموم بل أيضا على الأحزاب الهزيلة الأخرى المفترض أنها "معارضة" ومشاركة في اللعبة السياسية، لكنها ارتضت لنفسها أن تخرس، وتخمد، وتكون مجرد تابع ذليل وخادم مُزايد للحزب الحاكم مقابل منافع شخصية معينة وضيعة. لا أدري أي نوع من الديمقراطية هذا الذي يسمح بتعددية حزبية ثم يمنع بقية الأحزاب من النشاط السياسي والتعبوي داخل الجامعات والمدارس والمعاهد والمصانع والهيئات الشعبية. ولا أدري أين يمكن لأحزاب المعارضة أن تنشط إذا كان ممنوعا عليها التواجد في الأماكن التي تفهم في السياسة قليلا كالتجمعات الطلابية مثلا. هل تنشط في دورات المياه والسهول والوديان والأحراش بين الحيوانات المفترسة أو في دور البغاء؟ لم يتركوا لها أي مكان لمزاولة نشاطها السياسي إلا في الغابات وفوق أعمدة الكهرباء. وبالتالي فقد كان يتحول هواة العمل السياسي الحقيقيون والمخلصون إلى النشاط السري، واعتاد النشطاء السياسيون في الماضي اللجوء إلى توزيع المنشورات بطريقة سرية جداً لإيصال أفكارهم ومشاريعهم من بعضهم البعض وإلى الناس. وكانوا يمضون وقتا طويلا في نقل المناشير من مكان إلى آخر تحت جنح الظلام كي لا تكشفهم كلاب المراقبة السياسية المتحكمة بالمسرح السياسي في معظم الدول العربية وتقطّعهم إربا إربا بأسنانها النتنة.

لقد كان توزيع المنشورات السياسية والحزبية عملية بطولية بكل المقاييس، وكم سمعت بعض المتحزبين العرب يتحدث بكثير من الانتشاء والنشوة عن فتوحاته العظيمة المتمثلة بوضع منشور تحت أوراق شجرة أو تحت حجر كي يأتي زميله وينقله إلى مكان آخر بالتتابع حتى يصل في نهاية المطاف إلى بقية "المناضلين" أو الناس. لكن هذا النشاط السياسي والإعلامي كان جريمة لا تغتفر، فقد أمضى ممارسوه عشرات السنين وراء القضبان في غياهب السجون العربية الغراء. كل ذلك كان من أجل منع أي تغيير سياسي مستقبلي في البلاد وابتزاز الشعوب بخيار وحيد لا شرك له، ألا وهو نظام الديكتاتور.

ولا شك أن البلدان العربية الخارجة لتوها من تحت نير الاستبداد تعاني من عدم وجود معارضات تحل فوراً محل الأنظمة الساقطة، وذلك لأن أنظمتها الطغيانية عملت على إخصاء الحياة السياسية في البلاد كي يبقى الديكتاتور الفحل الوحيد على الساحة. لكن هذه المعضلة يجب ألا تثني الشعوب أبداً عن الاستمرار في الثورة، وإلا لجثم المستبدون على صدور الشعوب لمئات السنين. ماذا تتوقع من بلاد قتلوا فيها المجتمع المدني، وحرموا أي نشاط اجتماعي، فما بالك بالسياسي؟ لا شك أن تلك البلاد ستعاني بعد الثورات لإيجاد البديل المناسب للطواغيت الساقطين. لكن الشعوب قادرة وخلال فترة وجيزة على إنتاج البديل. فرغم أن الوضع كان مشابهاً في أوروبا الشرقية، إلا أن تلك البلاد استطاعت أن تخرج من تحت ربقة الشيوعية خلال وقت قياسي، مع أن الأنظمة الشيوعية القديمة كانت تحصي أنفاس الجميع وتمنع أيضاً ظهور أي بديل قوي لأنظمتها التسلطية. وها هي تونس تخلق نخبها السياسية الجديدة ببراعة عظيمة. وكذلك مصر وليبيا وسوريا. لا شك أن المهمة صعبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة، ولا يجب أن تكون بأي حال من الأحوال مبرراً للتمسك بالأنظمة الديكتاتورية القديمة في أي بلد بحجة الحفاظ على الاستقرار والأمن. كل البلدان التي خرجت من عصر الطغيان إلى الديمقراطية عانت المشكلة ذاتها وتخطتها بسرعة، خاصة أن عصر الحرية يفرز نخباً جديدة بسرعة هائلة وقياسية. ويقول الرئيس الأمريكي الراحل بنجامين فرانكلين في هذا السياق: "من يتخلى عن حريته خوفاً على أمنه، لا يستحق حرية ولا يستحق أمناً". وبالتالي مهما عانت مجتمعاتنا في مرحلة الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية على صعيد الاستقرار، بسبب عدم وجود بديل جاهز للأنظمة المتساقطة، فإنها يجب أن تمضي بلا أي تردد في تنظيف بلادنا من رجس الطواغيت مهما كان الثمن، خاصة أن "أسوأ ديمقراطية في الدنيا أفضل من أعدل ديكتاتور"، كما قال الأديب السوري الراحل محمد الماغوط.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. معركة بقاء!! .. محمد رشيد

29-4-2012

العربية نت

لا يبدو المبعوث الدولي كوفي عنان أفضل حالاً من الفريق السوداني محمد أحمد الدابي وقبله الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد نبيل العربي وهو أقرب الى "اللعنة" السورية منه الى النجاح، ويبدو قدراً على الشعب السوري ودمه الطاهر الزكي كشف "عورات" وضعف المنظمة الدولية ونفاقها، كما فعلت ذلك من قبل مع الموقف العربي، في ظل انحدار هيبة ومصداقية المنظمة الدولية في عيون الشعب السوري.

وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه توعّد بموقف فرنسي صارم ليوم الامتحان في الخامس من ايار/مايو، وهو موعد تقديم كوفي عنان تقريره الى مجلس الأمن الدولي عن مدى التزام طرفي الصراع في سوريا ببنود مبادرته، وما يتعلق تحديداً بوقف إطلاق النار وسحب قطاعات وآليات جيش النظام من المدن والبلدات السورية.

وعيد جوبيه لم يعد يخيف نظام بشار الأسد، وهو وعيد يتكرر منذ خمسة عشر شهر دون خطوة عملية واحدة، وعلى العرب اليوم اكتشاف "وهم" ساركوزي، فما شهدناه في ليبيا غير قابل للتكرار في سوريا، لأن "الكبير" الروسي معترض و"الكبير جداً" الامريكي غائب، ومع ذلك لم تترك موسكو ذلك "الوعيد" يمر مرور الكرام، فألقت حجرها الثقيل لتعكير المياه، متهمة المعارضة السورية باللجوء الى الارهاب وعدم الالتزام بواجباتها إزاء مبادرة عنان، ثم أضيف اليها "كذبة نيسان المتأخرة" بالإعلان عن ضبط باخرة سلاح للمعارضة قادمة من لبنان!

لا شيء تغير في لعبة الاستقطاب الدولي حول الأزمة السورية، والتي باتت مربوطة بمساومات دولية اخرى لا علاقة للشعب السوري بها، وبدرجة كبيرة أيضاً بأوضاع داخلية وانتخابية لعدد من الأقطاب الدوليين الكبار، ولمصالح وتحالفات أقطاب إقليميين خاصة إيران وتركيا وإسرائيل ولكل من هؤلاء مصالح في سوريا، وأهداف إقليمية تتخطى حدود سوريا.

والحقيقة أن التغاضي والتعامي الأمريكي عن دماء السوريين قد تكون، وأشدد على كلمة "قد تكون" في حسابات قادة الحملة الانتخابية للرئيس باراك أوباما بهدف تجنيبه بعض المخاطرة مهما كانت صغيرة، وهو يخطو على الصفائح الساخنة لحملته الانتخابية، ولو سئل رئيس الحملة الانتخابية للرئيس الامريكي، أيهما أفضل لديك، احتمال خسارة بعض الاصوات الانتخابية، أم منع قتل عشرة آلاف سوري من قبل نظام بشار الاسد؟ فإن الجواب سيكون: "نحتاج الى انتخاب الرئيس لتحقيق الديمقراطية في سوريا"، على مرارتها، تلك هي الحقيقة الامريكية لمن لا يعرف، ولا أحد يستطيع مناقشة مشروعية ذلك.

الأمر ليس مختلفاً عبر الأطلسي، فالاتحاد الأوروبي يملك من الحصافة البلاغية والحجج ما قد يقيد اللسان عن السؤال، لكنه اتحاد يتميز بعجز مثير للشفقة في ظل غياب الدور الامريكي الفاعل، وأوروبا تحولت الى بنك كريم يدفع دون مقابل، لتغطية متطلبات السياسة الامريكية حضوراً او غياباً، وإلى وسادة امتصاص الصدمة مع روسيا الاتحادية في كل قضايا الخلاف الدولية.

واقعياً لا تملك الثورة السورية أي غطاء دولي، بل عليها الاستعداد جيداً لإلقاء كل الأحذية القديمة في وجه من يجرؤ من دول وحكومات الغرب على الادعاء مستقبلاً أنه دعم او ساعد ثورة الشعب السوري على الانتصار، فليس لهم أي فضل او جميل يرد مستقبلاً، بل عقاب طويل لسداد ثمن جرائم ومجازر ارتكبت تحت سمعهم وبصرهم في "محرقة" القرن الواحد والعشرين، دون ان يكون لأي منهم ادعاء الغفلة والجهل.

هذا الواقع الدولي المؤلم والمقزز للغاية يحول الأنظار مرة أخرى باتجاه العرب، وأكثر تحديداً باتجاه المملكة العربية السعودية ودول قطر والكويت والامارات، فليس في ظهر الشعب السوري المكافح والمضحي غيرهم، ودماء السوريين تفرض نفسها بقوة على أجندة العمل اليومي لهذه الدول، في ظل معادلة واضحة، انتصار الشعب السوري او مواجهة الخطر الايراني.

نطاق الموضوع خرج كثيراً عن العواطف الاسلامية والنخوة العربية، وأنه اليوم جزء أساسي من الحسابات الاستراتيجية ليس للملكة العربية السعودية وقطر فحسب، بل إن دول الخليج سوف لن تستطيع سداد فاتورة تأمينها إن لم يسقط نظام بشار الاسد، فلا خيار ثالثاً بين هزيمة هذا النظام او التهديد والسطوة الإيرانية على رقاب شعوب دول الخليج العربي.

وإنه لمن المؤسف حقا رؤية أمة اعتادت لعصور على سياسة صد العدوان و"محو آثاره"، ولم تقتنع يوما ان ردع العدوان افضل وأقل كلفة كثيرا من صد العدوان، ومن المؤسف حقاً رؤية مصر الثورة التي حركت كل سواكن السوريين وغيرهم تقف عاجزة عن دعم سياسي حيوي وفعال لثورة الشعب السوري، ومثلما ألهمت الثورة المصرية الشعب السوري، فإن الموقف المصري يسبب الكثير من الإحباط والألم لهذا الشعب وثورته.

وربما كان على دول الخليج إعادة "صب" المفاتيح العربية "مصر والأردن" الاقليمية "تركيا" في قوالب جديدة، فتركيا وحدها القادرة على تحقيق حالة من التوازن الحقيقي مع النفوذ والتأثير الروسي الايراني في الحالة السورية، ودون ضمان جبهة تركيا سوف لن يخاطر الأردن بكل المصاعب الاقتصادية التي يعانيها، لكن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، ومثل أية حكومة منتخبة تضع عينها على معدلات التنمية والنمو الاقتصادي وتكاليف أي قرار سياسي استراتيجي، باختصار، تركيا أردوغان لا تريد ولا تستطيع تحمل العواقب الاقتصادية لتكاليف الاندفاعة السورية.

الحقائق دائماً مؤلمة، وحقائق الموقف الراهن لا تختلف عن ذلك، فإذا لم يسقط نظام بشار الاسد بفعل هذه الثورة الدموية، فإن نظماً أخرى ستصبح في دائرة خطر السقوط، او على الاقل ستتحول الى دول رهينة تحت قبضة التهديد الايراني الراغب في التوسع والهيمنة، وستصبح دولاً "مخطوفة" لإرهاب نظام بشار الاسد.

هل هي معركة بقاء؟

نعم إنها معركة بقاء بين نظام يقتل شعبه ويمد لسانه متحدياً وساخراً من العالم، وبين شعب وضع كل مقدراته في كفة هذه الثورة وقدّم لها كل ما يستطيع ويملك، وهو لا يملك إلا دمه، بين تحالف دولي وإقليمي قد يكون له ظهير مؤثر عبر مرتفعات الجولان، وبين حلف يكتفي بالكلام في ظل استمرار النزيف السوري اللامحدود قرباناً على مذبح الحرية والكرامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جيلٌ سوري عملاقٌ قادم .. د. وائل مرزا

أي رقيٍ ٍ بات يميز هؤلاء الشباب؟ والأروع أن يظهر هذا في خضمّ الفعل الثوري. وأن يقترن بمحاولتهم تعميمَ معنى الانتماء الوطني الواحد

الأحد 29/04/2012

المدينة

(ورِثنا هذه التّرِكة عن أهلنا ولن نورثها لأبنائنا مهما حصل). سمعتُ هذه العبارة بالحرف من أحد ثوار دمشق الشباب في معرض تفسيره للنشاطات التي يقوم بها مع رفاقه على الأرض. أعرف ويعرف الكثيرون شبابَ سورية، والدمشقيين منهم خصوصاً، وأجزم أن روحاً جديدةً تسري اليوم في أجسادهم، لم يسبق لها أن عبّرت عن نفسها بهذه الطريقة في التاريخ المعاصر.

دخل هذا الجيل السوري الجديد في فضاء العمل العام من أوسع أبوابه. فالثورة أكبر عملٍ عام يمكن أن تقوم به الشعوب.

صغُر الخوف لديهم وتقلصت مساحة الأنا الفردية، فكبرت طموحاتهم واهتماماتهم، وصارت الأنا الجماعية، أنا الوطن والشعب، محور تفكيرهم وعملهم..

لهذا، باتت القطيعة النفسية والفكرية والعملية كاملةً بين الغالبية العظمى من هذا الجيل وبين النظام السوري طبيعيةً وبدهية. إذ لم يعد النظام في نهاية المطاف بالنسبة إليهم إلا ميراثاً بغيضاً يجب عمل كل شيءٍ لكيلا يرثه أبناؤهم بأي حال.

لايظهر حجم المفارقة إلا حين نتذكر ماذا فعل النظام على مدى عقود لكي يُشكّل شخصية هؤلاء بحيث تتمحور حول معاني النفاق و الذل و الانتهازية و العبودية و الخوف، أو مزيجاً من كل تلك الصفات. كان تحقيق ذلك الهدف مقصد كل نظام تعليمي وإعلامي وثقافي، وكل منظمةٍ واتحاد، وكل نشاطٍ وفعالية.

وإلى لحظة قيام الثورة السورية، كان النظام يعتقد، ومعه أغلبُنا، بأنه نجح في تحقيق ذلك الهدف الاستراتيجي. وأننا فقدنا في سورية جيلاً أو جيلين في متاهات الضياع والسطحية والتفاهة بكل معانيها. لكن أقدار الله كانت تُخطّطُ شيئاً آخر.

تستعصي على العدّ الشواهدُ والأمثلة إذا أردنا الحديث عن النقلة التي حدثت لدى الشباب السوري. وأكتفي بمثال عن مجموعة (اتحاد شباب دمشق للتغيير). شريحة مفعمةٌ بالنقاء والعنفوان والإبداع والمثابرة والتخطيط. تعمل بفعاليةٍ ونشاط في قلب دمشق.

لفت انتباهي عنصرٌ من عناصر النقلة التي نقول أن شباب الثورة يعيشونها، تتمثل في ذلك المستوى من الرقيّ الذي بات يميّز أعمالها وأقوالها من خلال حادثة صغيرة وضعها الاتحاد على صفحته وسأنقلها كما كُتبت.

«منذ فترة وعندما قام بعض أبطالنا بقطع طريق الشام سنتر أرسل لنا أحد الإخوة هذا الاستفسار وربما الإعتراض :ياشباب ممكن تعطوني فائدة وحدة من اغلاق الطرقات.. والدتي كانت مرة باحدى السيارات اللي تسكر عليه الطريق و اتخيلت انو في تفجير او شي رح يصير.. في ناس كتيير ممكن تكون بها السيارات ما بتتحمل.. ما بعرف؟؟

فقام فريق الادارة بإجابته كما يلي :نسأل الله تعالى لوالدتك ولك تمام الصحة والعافية وطول العمر. ولكن نحن أيضاً لنا أمهات كثر في حمص وإدلب ودرعا،عانين كثيراً من رؤية شياطين الموت تتراقص لهن من بين دخان القصف، فأردنا أن نرعب الأمن العسكري وغيره من فروع الأمن على قدر جهدنا و طاقتنا المتواضعين، فهل هذه الفائدة تكفي؟؟

سلاماتنا للوالدة، وقبِّل لنا يديها نيابة عنا، واطلب منها الدعاء لأبنائها الشباب، وانصحها بعدم التجول كثيراً في دمشق هذه الأيام، فصحيح أننا قد نقطع بعض الطرقات لعدة دقائق، ولكن النظام المجرم يفتعل التفجيرات المجرمة كما تعلم ويعلم الجميع، وعندها أظنك لن تجرؤ على مساءلته لماذا افتعل هذه التفجيرات..

ثمة كمٌ من المعاني الرائعة في هذه الواقعة البسيطة. تأملوا تلك العبارات أي رقيٍ وأي سموٍ بات يميز هؤلاء الشباب؟والأروع أن يظهر هذا في خضمّ الفعل الثوري. وأن يقترن بمحاولتهم تعميمَ معنى الانتماء الوطني الواحد والمصلحة العامة وأهمية إدراكها من قبل الجميع، خاصةً في هذه المرحلة.

ليس غريباً أن تكون هذه ممارسات مجموعة ترفع في مظاهراتها في الجامعة شعاراً قد لايخطر ببال الكثيرين يقول: «ستعود جامعاتنا من أحسن جامعات العالم بعد أن نحررها من أعداء العلم والحضارة»!..

ستعود جامعاتنا ياجيل المستقبل العملاق، ومعها بلدنا الجميل. وستكونون أكبر عاملٍ في بناء سورية الجديدة بعد أن تمحوا مع رفاقكم من تاريخها، وإلى الأبد، كل أثرٍ لأعداء العلم والرقي الإنساني والجمال والحضارة.

waelmerza@hotmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الكتابة تحت إطلاق النار .. عمر قدور

المستقبل

29-4-2012

لحظة كتابة هذه السطور قد يحدث مثلاً أن يسمع كاتبها، أيّ كاتب لها، صوت انفجار قريب، تليه رشقات كثيفة ثم متقطعة من الرصاص. وقد تأتي الطلقات متقطعة وباردة الأعصاب ما يدفع إلى الظن بأنها طلقات قناص يلاحق من سطح بناء عالٍ ضحاياه المارين في الشارع. سيكون من حسن حظ هؤلاء الضحايا إن أتيح لهم التظاهر أولاً والهتاف بإسقاط النظام. قد تمر مروحية ويطغى هديرها على الجمل التي تتهيأ في الرأس، فتتداخل الأسئلة فيما بينها: تُرى أين ستقصف الهيلوكبتر؟ أهي ماضية إلى ريف حلب البعيد؟ أم ستفرغ حمولتها من الرصاص على رؤوس الناس في حمص أو حماة؟ أو لعلها لن تبتعد عن دمشق وتتهيأ الآن للانقضاض على واحدة من ضواحيها القريبة؟

في مثل هذه اللحظات سيكون من الترف البحثُ عن جذر مشترك لكلمتيْ "ضحية" و"ضاحية". في الواقع قد لا يُسمع صوت انفجار قريب، وقد تكون الطلقات الآن في مكان ناءٍ بحيث لا يصل صوتها، وقد لا تمر طائرات الهيلوكبتر لأن الدبابات تنجز مهمتها على أكمل وجه. قد يتوقف الأمر عند خبر اعتقال إحدى الصديقات أو الأصدقاء. قد تقرأ الخبر وأنت تتصفح صفحتك على الفيس بوك. سيتناقل الأصدقاء المتبقون الخبرَ، سيضع أصدقاء آخرون "Like" على الخبر؛ مع كل خبر اعتقال تمثُل المفارقة ذاتها. فالمستخدم السوري يضع "Like" التي تدل على الاستحسان بمعنى أنه أخذ علماً بالخبر. بعد قليل سيتم إنشاء صفحة خاصة بالمعتَقل وسيكون اسمها على الأرجح "الحرية للمعتقل...." أو "أعيدوا إلينا...."، وقد لا يتسع الوقت لتعريف وافٍ بمَن أُنشئت الصفحة لأجله؛ ربما في مناسبة أخرى إن انتقل من صفحة "الحرية للمعتقل...." إلى صفحة "كلنا الشهيد...."، ربما عندما ينجز التعذيب مهمته على أكمل وجه. أنت أيضاً لست بمنجى عن هذا المصير، تفكر بذلك دون أن تستبعد الخاطر التعيس من رأسك، وأيضاً دون التفكير بتفاصيله وتبعاته المروعة، تتقبل هذا الاحتمال باستسلام وتضع لنفسك "Like" بمعنى أنك أخذت علماً به!

بعد مضي قليل من الوقت لا يعود مهماً إن كنتَ قد سمعت إطلاق النار حقاً، فمن المؤكد أن الرصاص يُطلق الآن في مكان ما، وأن عدد الشهداء سيرتفع مع كل فقرة في النص الذي تنوي كتابته، وسيوالي ارتفاعه عندما سيقرأه قارئ ما في مكان آخر بعيد. بالطبع ليس هناك سباق بين الكتابة والقتل، فالأخير يمضي قدماً بلا انقطاع. القاتل لا يحتاج فسحة من التأمل، ولن يتوقف عند الجملة الأخيرة ليفكر في القرابة البلاغية بين "فسحة من التأمل" و"فسحة من الأمل". في وقت لاحق، بعدما يتم إيقاف القتلة، قد تُكتب نصوص أدبية عنهم، قد نتخيل واحداً منهم يتأمل ضحيته ملياً قبل قتلها، حينها قد ترتجف عدسة القنص مرات قبل أن تنزل إلى رأسها أو صدرها. لكننا الآن نعلم أن القتلة يطلقون النار على نحو غريزي، وأن المصطلح العسكري "إطلاق النار غريزياً" تعدّى هنا دلالته على الدقة في التصويب بلمح البصر ليأخذ معنى غريزة القتل.

تخجل أحياناً من تسرب ما هو شخصي أو عاطفي إلى النص. تبدو انفعالاتك تجاه الألم ترفاً قياساً إلى الألم نفسه. بصرف النظر عما أنت عليه في الواقع؛ في الكتابة تصبح ضحية من الدرجة الثانية أو الرابعة، وترى من الإنصاف أن تؤجل الكثير مما يعتمل في داخلك إلى أجل آخر. في المحصلة أنت شخص ما يزال يمتلك يدين وعينين ولوحة مفاتيح للكتابة! لكنك تتراجع عن هذه الفكرة، لا لأهمية الكتابة ولكن لأنك تدرك أهمية التشبث بالتفاصيل الصغيرة للحياة. عند ساعة الخطر تختلط المعايير، وما كان سابقاً أدنى قيمة ربما تصبح له قيمة استثنائية. لو أن الشهداء عادوا لكانوا الأجدر بالحديث عن الصور أو الأفكار غير المتوقعة التي داهمتهم لحظة الموت، لكننا من خلال معرفتنا بسيرة البعض منهم قد نُفاجَأ بالحياة الشخصية الاعتيادية التي عاشوها حتى اللحظات الأخيرة، بالتأكيد لم يكونوا يعدّون أنفسهم لتلك اللحظة حتى وهم يتوقعونها.

يصعب القبض على التغيير الذي أحدثته الثورة في الكتابة، فيما بعد يمكن تفحص التغييرات المفترضة وتفنيدها، أما الآن فالثورة تبدو كأنها تكتب نصوصها المتعددة بتعدد كتّابها، ثمة فورة يعيشها السوريون في التعبير عن واقعهم الحالي، هي كحال من أُجبر طويلاً على الصمت واندفع الآن ليقول كل شيء دفعة واحدة. ثمة أيضاً السباق مع الزمن الذي قد لا يسمح لبعضهم بإتمام ما يريدون قوله؛ ليس الزمن بالضبط، هي بالأحرى الخشية التي تتولد من الكتابة تحت إطلاق النار، من هذه الجهة قد يكون هناك سباق بين الكتابة والقتل، فسنستذكر المقولة القديمة عن أن الكتابة فعل مضادّ للموت، ولكن هذه المرة بالمعنى الفظ والمباشر لا بالمعنى الوجودي العميق الذي درج استخدامه.

أكثر من سنة، لا شك في أنها مدة كافية للكتابة عن ثورة، لكن ليس إن كانت الثورة ما تزال مستمرة، فشيطان الثورة لا يكف عن ابتداع التفاصيل التي تجعل كل كتابة غير ناجزة، بل يجعل من بعضها متقادماً بفارق ضئيل من التوقيت. يتقاطع زمن الثورة وزمن الكتابة في أنهما زمنان فنّيان بامتياز، وبهذا يختلفان عن الزمن الاعتيادي الذي يُحتَسب بالأيام والأشهر. ومع ذلك يفترقان من حيث أن نصّ الثورة أكثر كثافة وثقلاً بينما لم يحن الوقت لكي تتخفف الكتابة من ذلك الثقل المعنوي. لم يحن الوقت لتتحرر الكتابة من الثورة. من جهة ثانية يصبح الزمن الشخصي الذي تقتضيه الكتابة عزيزاً، إذ يصعب التمسك بالإيقاع الخاص تحت وقع الهدير العام. الترقب أيضاً أضحى فعلاً يومياً، لذا بات اصطناعه في الكتابة يحتاج حنكة تفوق المعتاد.

إنها الكتابة على مفترق زمنين، وليس افتراضاً أدبياً بحتاً أن المروحيات عبرت في سماء النص، أو أن رشقات الرصاص سُمعت من مكان قريب، ليست هذه حيل فاقعة من كاتب يريد استدراج القارئ أو استدرار تعاطفه. بل على العكس، لقد أخفق النص في وصف الصورة اللامبالية لذلك القناص، فهو متربص الآن هناك على السطح، يدخن سيجارة من النوع الرخيص، ولا يكترث بنوعية الهدف الذي يتحرك في الشارع، ولا يكترث إن أفلت أحدهم من طلقاته ما دامت ستصيب آخرين في المرات القادمة، وسيكون غير مفهوم بالنسبة إليه أن نتحدث عن أبرياء. ولأن الانفجارات التي حدثت في مطلع النص لم تبرح رأسك تفتح التلفزيون على إحدى المحطات في غير موعد نشرة الأخبار. تتابع الشريط الإخباري الذي يورد أخبار الأمس متداخلة مع أخبار اليوم. تتأكد من حدوث الانفجارات الضخمة ولكن في مدينة سورية أخرى. هذه المرة سقطت صواريخ النظام على حي "مشاع الأربعين" في مدينة حماة، فهدمت الكثير من المنازل وأودت بحياة العشرات. في الترجمة المحلية لكلمة "مشاع" أنها تدل على أبنية عشوائية شديدة التواضع، أبنية ربما ينهار بعضها بفعل أصوات الانفجارات وحسب ولا تحتاج إصابات دقيقة بالصواريخ. "مشاع الأربعين"؛ يذكّرك الاسم بعنوان "خلوة الغلبان" للروائي المصري الراحل ابراهيم أصلان، اسم يصلح عنواناً لنص أدبي. ولكن ليس الآن، ليس عندما ما تزال الجثث ممددة أو مقطعة الأوصال تحت أنقاضه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجَولان المحتل: صراع إرادات أهلية وسباق تخريب محموم بين العدوّ والنظام! .. حسان شمس()

المستقبل

29-4-2012

إنه لمِن سخريات القدر وغاية المرارة، أن يعيش المرء تحت سطوة احتلال إسرائيلي غاشم حالة استقرار تزيد عما يعيشه شعبه داخل الوطن! فعام ويزيد، وماكينة إجرام النظام السوري تُعمِل قتلا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا في أربع جهات الوطن؛ فيما عيون الجولانيين، كما هي على الدوام، شاخصة إلى بلدهم وشعبهم منذ وطأت أقدام جنود العدوّ أرضهم.

أهالي الهضبة المحتلة، الذين سطّروا أروع ملاحم البطولة في صراعهم الطويل والمرير مع العدو الإسرائيلي، ولم يتركوا قضية عادلة إلا وقفوا إلى جانبها، مِن فلسطين إلى لبنان فالعراق؛ هم أنفسهم، أو إن استقام القول بعض مَن جيّر لنفسه منهم سلطة لا يملكها؛ ارتأوا تقبيض عذابات الأهل وتضحياتهم ومواقفهم المشرّفة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبالمجّان، إلى غير مستحقيها في وطنهم! وإلا، فكيف يستقيم لِمَن قاوم ظلم الاحتلال وقهره، طيلة تلك السنين، أن يزكّي ظلماً آخر أشدّ مضاضة في وطنه؟

مِن النافل التذكير، أنّ مَن يدعمون الثورة في الجولان المحتل جهارا، نظّموا العديد مِن النشاطات والمظاهرات نصرة لها، وكانوا أول جهة، داخل الوطن وخارجه، تصدر بيانا واضح اللهجة عقب أسبوع على اندلاعها، رسمَ سقوفا مرتفعة وصل إليها الثائرون في وقتنا الراهن. لكن الصحيح أيضا، أنّهم ظلوا شريحة محصورة العدد، مورست عليها كافة أشكال التخوين والمضايقات والاعتداءات مِن قبل تيار أعمّ، تمادى المتطرفون فيه في ابتداع فنون الرقص على دماء شعبهم المذبوح وعذاباته، وتقديم قرابين الطاعة والولاء لنظام لم يكتفِ بالتخلي عن الجولان عام سبعة وستين في ظروف ملتبسة وحسب، ولا ببيع الجولانيين والشعب السوري عموما وعود تحرير مؤجلة مِن غير رصيد لأكثر مِن أربعة عقود؛ بل سجّل إخفاقا بمجمل القضايا التي ظل يتاجر ويقرقع بها، إلا في تصحير كل يا يمتّ إلى الحياة الإنسانية والسياسية في سوريا بصلة وإعدامها؛ ما جعله يمثّل كارثة وطنية، بكل مقياس، في عيون مَن ثاروا عليه وكثيرين غيرهم.

جمعة "بروتوكول الموت" في سوريا، كانون أول المنصرم، والتي كانت مجدل شمس المحتلة إحدى ميادينها، إذ شهدت مظاهرة لمؤيدي الثورة؛ صدحت فيها الحناجر لحرية الوطن وإسقاط النظام؛ شكّلت نقطة تحوّل بالغة على الساحة الجولانية، إن لجهة ترسيخ الانقسام والفرز بين مؤيّدي النظام ومعارضيه، أو لناحية فضح نزق أتباع النظام واحتياط البلطجة الجاهز لديهم للاستخدام بوجه كل رأي مخالف.

مِن "مآثر" نظام دمشق، أنه نجح أخيرا في ما عجزت إسرائيل عن فعله طيلة أربعة وأربعين عاما، لجهة شرخ المجتمع الجولاني، أفقيا وعاموديا! فلم يسبق لأهالي الهضبة المحتلة الذين وقفوا، منذ بداية الاحتلال، صفا متراصّا في وجه مخططاته الرامية إلى سلخهم عن انتمائهم السوري، رغم كل ما عصف بهذه المنطقة مِن تجاذبات وصراعات استقطاب، أن لجأوا إلى العنف لفضّ إشكالاتهم وفرض أجنداتهم على بعضهم البعض. فمحازبو النظام، الذين أقاموا العديد مِن مظاهر التأييد له من دون أي تدخّل مِن أنصار الثورة، لم يكتفوا بالاستهانة بالدم السوري المسفوح، ومحاولة تظهير مواقفهم على أنها المعبّر الحصري عن إرادة الجولانيين، في مسعى سافر لتزوير إرادة الأهالي، بل اعتمدوا كل صنوف التشهير والتهديد والإرهاب ومحاولة إقحام الهيئة الدينية للضغط على المعارضين وكم أفواههم، لمنعهم مِن إبداء أي تعاطف مع الثورة. وأخيرا وليس آخرا، ممارسة العنف الجسدي ضدهم؛ في مظهر "تشبيحي" لم يسبق لقرى الجولان المحتل أن عرفت له مثيلا. هذا عدا حملات التشهير المنظّمة والتحريض التي يشنّها أتباع النظام بحقّ الأسير المحرّر وئام عماشة، والاعتداءات المتكرّرة على منزله، جرّاء مواقفه الداعمة للثورة ورفعه الصوت عاليا بوجه النظام.

قد يجد المراقب للشأن الجولاني مسوّغا مفهوما (رغم لا أخلاقيته) لمن ربطوا مصيرهم، منذ زمن بعيد، بمصير النظام، وهم مقتنعون بالفعل برواياته التي ما انفكوا يلوكونها، وبأحقّية خلوده، واستمروا بالعمل على الساحة الجولانية بما يشبه "تكليفا شرعيا" منه؛ أو لبعض الموالين لاعتبارات نفعية، ممّن خصّص النظام لهم رواتب شهرية لقاء تضرّر مصالحهم تحت الاحتلال، أو لأولئك الذين قرأوا مِنح طلبة الجولان المحتل في جامعة دمشق وتصريف محاصيل التفاح الجولاني في الأسواق السورية على أنها (مكرمات مِن القيادة)، لا على كونها واجبا على دولتهم الأم لدعم صمودهم في أرضهم المحتلة، وأنها في المحصلة تأتي مِن جيوب دافع الضرائب السوري لا مِن جيوب النظام نفسه. وقد يلحظ أيضا تحفظات البعض المستندة إلى التفكير بذهنية أقلّوية وما ينتج عنها مِن مخاوف، مبالغ فيها غالب الأحيان! علاوة على مَن يشكّل الاحتلال لديهم حساسية مفرطة، أدّت إلى ما يمكن تسميته ب "فوضى مشاعر وطنية"، دافعة بهم إلى حصر الانتماء للوطن مِن بوابة الولاء للنظام فيه. أمّا أن تتصدّر بعض الشخصيات الجولانية الموسومة بتعاملها الموصوف مع الاحتلال الإسرائيلي، والمفترض أنها منبوذة اجتماعيا ووطنيا واجهة المهرجانات والمسيرات المؤيّدة للنظام، فذلك مبحث آخر، لن يتّسع له المقام في هذه السطور القليلة.

مِن دون شك، أنّ أميز ما قدّمته الثورة، هو تكثيفها مشهدا تراجيديا سوريا طويلا، يعيشه الشعب منذ خمسين عاما ببضعة أشهر؛ إن لجهة إماطة اللثام عن عذابات السوريين وهول معاناتهم، أو لناحية كشف النظام عن وجهه الحقيقي وفائض الوحشية والإجرام الذي يتصف به. والحال، فأن يخوض نظام دمشق حرب "يا قاتل يا مقتول" داخل الأراضي السورية، رغم لاأحقيّتها ولاأخلاقيتها؛ فذلك لا يبدو بالأمر المستهجَن أو الشاذ عن ثقافته التي انتهجها منذ اليوم الأول لاختطافه الحكم؛ أما أن ينقل إستراتيجيته تلك إلى الساحة الجولانية المحتلة، دون الأخذ بالحسبان خصوصية هذه المنطقة، المتمثلة في خضوعها لاحتلال إسرائيلي منذ ما يقارب نصف قرن؛ فذلك يتجاوز كل مقاسيس الخسّة الأخلاقية والنذالة السياسية والوطنية!

لكن على المقلب الآخر، مَن ذا الذي يعطي نفسه حق الادّعاء أن غالبية أهالي الجولان المحتل يدينون بولائهم المطلق للنظام!؟ ومَن هو الذي يمتلك قدرة على قياس رأي عام لمجموعة ما في أجواء مشحونة بكل صنوف الضغط والإرهاب والتخويف، وفي ظل وجود مئات الأسر الجولانية التي لديها أبناء يدرسون في جامعة دمشق، علاوة على مئات العائلات التي شتّت الاحتلال شملها عام سبعة وستين بين الوطن والجولان المحتل، إضافة إلى تلك المحاذير التي ظلّت، غالب الأحيان، تتحكم بمسارات ما يُعرَف بالأقليات ومصائرها، سيّما أن نظراءهم في السويداء وجبل الشيخ لم يحسموا موقفم لصالح الثورة بعد؛ خلا بعض النخب والنشطاء، وذلك جرّاء ما انتهجه النظام بحقهم لعقود، مِن سياسات التهميش والتفتيت والقهر وشراء ضمائر بعض المتنفذين، ضمانا لإحكام قبضته عليهم، وجرّهم إلى قتال أهلهم واستخدامهم وقودا "لمعارك التحرير" التي يخوضها راهنا ضد شعبه وبلده؛ تماما على نسق ما فعلته إسرائيل بدروز فلسطين تحت يافطة حمايتهم، وأخفقت في تطبيقه على الساحة الجولانية!؟

ما ضاعف حظوظ نجاح العابثين في هذا المضمار وزاد مِن تأثير تلك الحسابات والاعتبارات، أنّ "أشباه الدول" التي ابتُليت بها شعوب المشرق العربي، عبر تسلّط ديكتاتوريات على بعض دوله عجزت عن توفير حد أدنى مِن الشعور بالأمان لشعوبها، سيّما الأقليات منها، الأمر الذي دفعها إلى زيادة الانعزال والتقوقع، واعتماد الخلوة والكنيسة والجامع والحسينية ملاذا أوحد لها وملجأ أخيراً. لكن في السياق عينه، ورغم كل ما سيق، فإن ما لا يمكن تبريره أو التسليم به، هو استفزاز بقية مركبات الشعب وتحديها واستعدائها، أو الاستقواء عليها بأنظمة شمولية مترنحة زائلة، اختارت ألا تحاكي شعوبها إلا بلغة الحديد والنار؛ ما قد يرتّب آثارا سلبية، وربمّا مدمّرة، لن يكون مِن السهل تخطّيها لأجل بعيد.

خطيئة النظام السوري الكبرى وما فاقم الوضع على الساحة الجولانية، أنه لم يوفّر حتى أهالي هذه القرى المحتلة، مِن دائرة عبثه الأمني والطائفي. وذلك تجلّى، على سبيل المثال لا الحصر، بالجهود الجبّارة التي بذلها على صعيد حرق وليد جنبلاط (درزياً) يوم كان صقرا في حركة "14 آذار"، عبر استحضار وئام وهّاب، غير مرّة، إلى تلّة الصيحات على خط وقف النار، شرقي مجدل شمس المحتلة، حيث يتخاطب الأهل في الجزء المحتل والمحرر بواسطة مكبرات الصوت، وإتباع ذلك بزيارات لكل مِن طلال أرسلان وسمير القنطار لذات الغرض؟ زد على ذلك حضور وهّاب الدائم في استقبال مشايخ الجولان المحتل أثناء زياراتهم السنوية إلى مقام النبي هابيل في سوريا، والتخريب المنظَّم الذي يمارسه، راهنا، في جبل العرب وجرّمانا وقرى جبل الشيخ، والذي ارتفع منسوبه، بصورة فضظة، بعد إعلان زعيم المختارة انحيازه المطلق للثورة السورية. ترى، هل كان لجنبلاط أن يُفسِد على النظام مساعيه أو الحد مِن تأثيرها، سواء في الجولان المحتل أو جبل العرب؟ كثيرة هي الأسباب التي تدعو إلى الاقتناع بذلك؛ لولا "انعطافته الدمشقية"، عقب "غزوة أيار"، التي وإن نجحت في تخفيف الاحتقان المذهبي في لبنان، لكنها أفقدته الكثير مِن وزنه ومدى تأثيره في الجوار.

بقي القول، إنّ أهالي الجولان، ورغم سنوات الاحتلال الطويلة والعجاف، ومحاولات الأخير الدؤوبة لفصلهم عن عراهم وأبناء جلدتهم، ظلوا على الدوام مشدوهين لدولتهم الأم ومنغمسين بكل تفاصيلها. فهواجس كثيرة وتساؤلات تدور في خلدهم هذه الأيام، عمّا ستؤول إليه أحوال وطنهم؛ إذ لسوريا في ذمّة إسرائيل ما مجموعه 1250 كم2، واثنين وعشرين ألفا مقيمين تحت الاحتلال، إضافة إلى نصف مليون مهجَّر داخل الوطن. صحيح أن منطق الكثيرين هنا يدفعهم إلى التفاؤل والاستنتاج، أنه بمجرّد زوال كابوس النظام عن صدور السوريين سوف يجعل قضية تحرير الجولان تحصيل حاصل؛ لكن ذلك ربّما يمتد لأجل غير معروف، ريثما يكون الوطن استعاد عافيته. فمخاض الحرية الذي يشهده الوطن، رغم بشاعة ما يرتكبه النظام وهوله، والدم الغزير الذي يُسفَك ظلما، لا يمنع الجولانيين مِن محاكاة همومهم الخاصة والتفكير بطبيعة النظام المقبل، وصورة تعامل الوطن المستقبلية معهم كأبناء أرض محتلة.

() صحافي/ الجولان السوري المحتل

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الموقف الأميركي من الثورة السورية! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

29-4-2012

أربعة أسباب يمكن أن تفسر تردد واشنطن وإحجامها عن الدخول بقوة على خط الثورة السورية، بالمقارنة مع سياستها تجاه الثورات العربية الأخرى.

أولا: حسابات داخلية تتعلق بالرأي العام الأميركي، الذي ذاق مرارة الثمار في العراق وأفغانستان، وانقلب مزاجه ضد تفعيل الدور الخارجي لبلاده ومنحه الأولوية على حساب المشكلات الداخلية، ونضيف: لغايات انتخابية مباشرة، كي يضمن أوباما دخولا آمنا إلى مرحلة التجديد دون التباسات قد يجرها التصعيد، وكأن إدارة البيت الأبيض تعمل اليوم على تمرير الوقت والمهل لطي صفحة الانتخابات، وربما انتظار لحظة أنسب للتدخل الفاعل في سوريا.

ثانيا: مصلحة إسرائيل ووزن قرارها في السياسة الأميركية، وهنا نستطيع القول وللأسف إن لإسرائيل كلمة قوية حول مستقبل الأوضاع في بلد يجاورها وتحتل جزءا من أرضه، وبقيت جبهته آمنة ومستقرة طيلة عقود، والمغزى هو أولوية ما يمكن أن يترتب على أي تغيير في سوريا على أمن إسرائيل بصفته العامل رقم واحد في التأثير على مواقف الغرب، وخاصة على النخبة الأميركية الحاكمة وعلى اتجاهات الرأي العام هناك، وكلنا يتذكر، في أزمات سابقة، وضوح الرغبة الإسرائيلية في عدم إسقاط النظام، كما نتذكر الخبر المثير عن طلب إيهود باراك مؤخرا من الحكومة الأميركية تخفيف الضغط على النظام السوري وتركه لشأنه، وما يعزز هذا السياق إدراك قادة إسرائيل حقيقة أن ميل الثورات العربية هو في محصلته معادٍ لسياساتها في فلسطين والمنطقة، وبالتالي حين يكون موقف إسرائيل ومصلحتها ضد تغيير الحكم السوري، حتى لو أعلن بعض مسؤوليها عكس ذلك، يعني أن هناك موقفا أميركيا لا يمكنه القفز فوق هموم وحسابات حليفته الاستراتيجية!

ثالثا: خصوصية الحالة السورية بموقعها الاستراتيجي وارتباطاتها التحالفية ضمن محور نفوذ في المنطقة مناهض للسياسة الأميركية، فلا طاقة لإدارة البيت الأبيض اليوم بتحمل تبعات معركة مفتوحة مع أطراف هذا المحور قد يطول أمدها وتتعدد مواقعها، كما لا يمكنها أن لا تأخذ على محمل الجد التحذير الذي جاء على لسان المرشد الأعلى، علي خامنئي، بأن إيران ستدافع عن حليفتها الإقليمية، أيا كانت الاعتبارات، ليصح القول إن واشنطن تستطيع ربما تحمل مشاهد القمع والتنكيل في سوريا مهما اشتدت لكنها لا تستطيع تحمل تبعات وتكاليف التدخل الناجع، في قراءة للمسألة من زاوية النتائج والتكلفة وما يمكن أن يترتب عليها من تأثير على مصالحها وخسائر مادية يصعب تعويضها من بلد فقير بثروته النفطية كسوريا!

رابعا: التحسب والقلق من طابع السلطة المقبلة وحدود الاستقرار المرافق في حال كان وزن وتأثير الإسلاميين فيها كبيرا، وخاصة على واقع الأقليات في سوريا، وهذا السبب لا يتعلق فقط بالخوف على ثقافة هذه الأقليات ونمط عيشها من بديل إسلامي، وإنما أيضا من الأعباء التي قد تفرض على الدول الغربية وأميركا في حال ازدياد هجرة أبناء هذه الأقليات، يزيد القلق قلقا والطين بلة السلوك الأناني والاستئثاري للإخوان المسلمين في مصر، بعد أن نكثوا وعودهم؛ سواء في عدم ترشيح أحد قادتهم إلى موقع الرئاسة، أو في موقفهم من الدولة المدنية، وبدأوا تمرير عبارات حول تطبيق الشريعة الإسلامية، الأمر الذي أضر بدور التيارات الدينية السياسية في الثورات العربية، وطعن في مصداقيتها، وربما تحتاج لتخفيف الضرر وبناء الثقة إلى أكثر من وثيقة «العهد والميثاق»، التي أصدرها مؤخرا «إخوان سوريا»، مع ما حملته من نقاط إيجابية ومطمئنة.

صحيح أن الموقف الأميركي بخلاف مواقف الدول الغربية الأخرى هو عامل حاسم من شأنه أن يغير اتجاهات الأحداث في سوريا، وصحيح أيضا أن التدخل الأميركي الفاعل ليس طوع البنان، وأن الولايات المتحدة احتاجت زمنا طويلا كي تتغلب على تحفظاتها في مثال البوسنة، لكن ما هو غير صحيح الادعاء بتسلل «القاعدة» إلى سوريا، والتذكير بالإرهاب كعدو مشترك بين دمشق وواشنطن، كي تبرر هذه الأخيرة مواقفها المترددة، أو الاتكاء على واقع المعارضة السورية وتحويل تنوع أحزابها وتعدد ائتلافاتها وتبايناتها الطبيعية في المواقف والآراء إلى شماعة أو ذريعة لتبرير الإحجام الأميركي وتحرير أهم قوة عالمية وأكثرها تأثيرا من المسؤولية.

ربما هو حظها العاثر أن تضطر الثورة السورية للانتظار ريثما يمر زمن الانتخابات الأميركية كي تختبر مدى جدية وحزم واشنطن، ودور المجتمع الدولي في نصرتها، وربما الأمر يتعلق بوجود رغبة لدى الولايات المتحدة في مد زمن الثورة السورية وتأخير المعالجة السياسية، ليس لصعوبة وتعقيد تدخلها الناجع والرادع، بل لأن لها مصلحة في سياسة استنزاف النظام وحليفه الإيراني أطول مدة ممكنة، لكن ربما يفضي الضغط الأخلاقي من هول وفظاعة ما يجري وتنامي المطالبات العربية لاتخاذ موقف جدي إلى تضييق هامش التردد والمواربة أمام البيت الأبيض، خاصة إن استشعر الديمقراطيون أن موقفهم الضعيف بدأ يلعب دورا عكسيا ويفقدهم بعض الشعبية أمام الانتقادات التي يوجهها مرشحو الرئاسة الجمهوريون لأوباما، بسبب تردده وعدم استثمار الوضع السوري لمصلحة أميركا ولمحاصرة النفوذين؛ الإيراني والروسي!

والحال إن لم تذلل الأسباب السابقة فمن المرجح أن لا يرقى الموقف الأميركي إلى مصاف تحديات الثورة السورية وحجم ما تقدمه من تضحيات، بل سيكتفي بالنوسان بين إعلان المزيد من الضغوط والعقوبات الاقتصادية، التي لن تؤتي أكلها في وقت قريب، والدعم اللفظي للشعب السوري والتغني بشجاعته مصحوبا بتصريحات وإدانات حادة للقمع لا تربك النظام ولا تخيفه، وآخر دليل لاستمرار التردد والتهرب هو مساندة خطة كوفي أنان المتعثرة على قاعدة التسليم بدور مقرر لموسكو في الملف السوري، وما يعنيه ذلك من تجنب الدخول في صدام معها، والرهان، قبل أي شيء، على التفاهم وبناء المشتركات في معالجة هذا الملف!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الكارثة السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

29-4-2012

تبلغ نتائج الأحداث والتطورات التي شهدتها سوريا في الأشهر الأربعة عشر الماضية حدود الكارثة، حيث إن النظرة الأولى تتضمن مقتل ما يزيد على اثني عشر ألفا من أبنائها، يضاف إليهم نحو سبعين ألف مفقود في الأحداث، قسم من هؤلاء هم في عداد القتلى خاصة ممن لم ترشح أي معلومات عنهم منذ بدء الأحداث. وثمة أعداد تقدر بعشرات آلاف الجرحى، أصيبوا في الأحداث، وتحول كثير منهم إلى معاقين. وحسب تقديرات حقوقية، فإن مئات آلاف السوريين دخلوا السجون والمعتقلات، أو هم مطلوبون للأجهزة الأمنية، وهناك مئات آلاف السوريين غادروا إلى خارج البلاد، رغم أن المسجلين بصفتهم لاجئين في دول الجوار لا يتعدى عددهم عشرات الألوف، أكثرهم في الأردن جار سوريا في الجنوب.

وثمة مؤشرات أخرى لما وصلت إليه الحالة السورية من تدهور، منها أن عدد السوريين النازحين عن بيوتهم في المدن والقرى داخل سوريا يقدر بنحو مليوني نسمة، وأن عدد السوريين ممن يحتاجون مساعدات إنسانية عاجلة، تتضمن الغذاء والدواء واللباس والإيواء، يصل إلى مليون شخص، فيما يبلغ عدد أصحاب الحاجة الملحة منهم نصف مليون نسمة، القسم الرئيسي من هؤلاء في منطقة وسط وجنوب البلاد، التي تشكل مناطق كثافة السكان وتمركز قسم رئيسي من الإنتاج السوري المادي.

والمؤشرات السابقة بما تركته من آثار مباشرة على السوريين تمثل جزءا من مؤشرات أخرى، بينها ما أصاب الاقتصاد، وهي لا تقل في آثارها المدمرة عن سابقتها، وبعض ما أصاب الاقتصاد السوري بقطاعاته المختلفة يمكن ملاحظة مؤشراته في قطاع السياحة مثلا، حيث انخفض نشاط هذا القطاع إلى ما دون النصف، وفقد نحو نصف مليون شخص من العاملين في هذا القطاع فرص عملهم، وانخفض عدد السياح الوافدين إلى النصف، وبالتأكيد انخفضت عائدات السياحة، وتوقفت كثير من مشاريعها. وفي الصناعة لم يكن الأمر أفضل حالا، إذ واجهت الشركات والمؤسسات الصناعية تحديات الخسارة والإفلاس إما بالتوقف الكلي أو بخفض العاملين والإنتاج، وسط تحديات ارتفاع أسعار المواد الأولية والمكملة أو نقصها، ونقص السيولة النقدية. وتعرضت الزراعة إلى خسائر كبيرة هي الأخرى، خاصة أن مجريات العمليات العسكرية والأمنية تركزت في أهم المناطق الزراعية من درعا إلى ريف دمشق وحمص وحماه وإدلب، وهي مناطق رئيسية في الإنتاج الزراعي والحيواني، وأدت العمليات ليس إلى خراب المواسم فقط، وإنما إلى تعطيل وتهجير أعداد كبيرة من سكان هذه المناطق بما جعلهم خارج إطار الإنتاج.

لقد أضافت الظروف الجديدة أبعادا جديدة إلى المشاكل البنيوية الاقتصادية والاجتماعية، التي تعاني منها سوريا والسوريون، والتي كانت بين أسباب ثورة السوريين، والأبرز في تلك المشاكل تجسده البطالة التي تصل إلى حدود ثلث العاملين، والفقر الذي يطحن نحو نصف السكان، والغلاء الذي بلغ مستوى أغلبية السكان، وتردي الأوضاع المعيشية لأغلب الفئات الشعبية بما فيها الطبقة الوسطى، وكلها أضافت أبعادا جديدة لتدهور الأوضاع، مما جعل الأمور تتجه أكثر فأكثر باتجاه كارثة سكانية واقتصادية، لها تداعيات اجتماعية خطيرة.

غير أنه وعلى الرغم مما تمثله المعطيات السابقة من مؤشرات خطيرة، تصل إلى حدود الكارثة، فقد يكون الأهم من المعطيات السابقة هو ما تؤشر له وقائع الانسداد في أفق المعالجة السياسية للوضع القائم في البلاد. ذلك أن السلطات السورية، وعبر الفترة الماضية من عمر الأزمة، مصرة على متابعة الحل الأمني - العسكري، وهذا لا يترتب عليه فقط تصعيد أرقام الخسائر البشرية والاقتصادية وتداعياتهما، بل بما يمكن أن ينجم عن استمرار هذه السياسة من نتائج بين احتمالاتها دخول البلاد في حرب داخلية شاملة سواء كانت حربا بين النظام ومعارضيه، أو - ربما - حربا بين مكونات في الجماعة الوطنية لها طابع عرقي أو ديني - طائفي، أو تعرض البلاد إلى حرب دولية سواء جاءت تحت قرارات مجلس الأمن الدولي والبند السابع، أو من خارج القرارات الدولية، وأي من ذلك إذا حصل فسوف يلحق الضرر الكبير بسوريا والسوريين، وقد تقود مثل تلك التطورات إلى تبدل في صورة سوريا الحالية بتقسيمها أو إلحاق أجزاء منها بكيانات أخرى في المنطقة.

خلاصة الأمر أن ثمة حدين في الكارثة السورية، أحدهما يتصل بما يصيب السكان والاقتصاد والمجتمع من أضرار مباشرة وغير مباشرة نتيجة إصرار السلطات على متابعة الحل الأمني - العسكري للأزمة في البلاد، وهذا أمر يمكن الخروج منه في المستقبل بجهود السوريين ورغبتهم في معالجة أزماتهم ومشاكلهم، والحد الآخر من الكارثة يمثله غياب أي رؤية سياسية لدى السلطات السورية في معالجة الأزمة، وهذا إذا استمر فلن يكون بإمكان أحد معالجة نتائجه، لأنه سوف يدمر سوريا والسوريين في آن معا، وسيضعهم - معا - في كارثة نهائية لا مخرج منها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

منجزات الحل الأمني! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

29-4-2012

لو أردنا تعداد منجزات الحل الأمني، الذي خص النظام السوري به شعبه ووطنه، لوجدناها متجسدة بوضوح ما بعده وضوح في المآثر التالية:

وضع السلطة في مواجهة عسكرية مع مجتمع يفترض أنها حاميته السياسية والوطنية، حيث يلزمها الدستور بالحفاظ على حياة وممتلكات ومصالح بناته وأبنائه، والحرص على تلبية تطلعاته وتنمية قدرته على تحقيق ما يريد، ما دامت مصالحه متداخلة مع مصالح الدولة العليا، التي تكرس حرية المواطن في المجالين الخاص والعام. هذه المواجهة العسكرية، التي قيل إنها تستهدف عصابات مسلحة، تتحول اليوم إلى اقتتال ينقلب أكثر فأكثر إلى حرب واسعة ليس لأحد على الإطلاق مصلحة فيها، لكونها تقوض دولة ومجتمع سوريا، وتدمرهما بالجملة والمفرق، وتنشر الجيش والأمن في كل شبر من الوطن وتتسبب في قتل الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، وحتى الدواب والمواشي. كم سيلزم من وقت، في حال سلمنا بانتصار النظام على الشعب، قبل أن تعود سوريا إلى وضع طبيعي وتخرج من أجواء الثأر والانتقام والقتل المتبادل، إن كانت ستخرج منها في أي يوم؟ أتمنى أن يفكر أهل النظام في هذه النقطة، وأن يروا بعين المستقبل مصير أطفالهم وأحفادهم، وبيوتهم وممتلكاتهم، ويتأملوا قليلا وضعهم إن هم أمضوا بقية حياتهم وسط شعب معاد لا هم له غير الانتقام منهم، في زمن تنتشر فيه المفخخات والأحزمة الناسفة، ويستطيع أي فرد مهما كان بسيطا ودرويشا أن يستخدم تقنيات القتل ووسائله الحديثة! مع ملاحظة أنه يمكن للعالم أن يتدخل في أي وقت ويبدأ عمليات تسليح وتدخل متصاعدة ستكون نتيجتها قتل مزيد من السوريين والقضاء في نهاية الأمر على البلاد والعباد.

فتح أبواب سوريا أمام جميع ضروب التدخل الخارجي، المؤيد والمعادي، وخروج أقدار الشعب والدولة من يد أبنائهما، وإلا ما معنى أن يقبل النظام مراقبين عربا وأجانب ينتشرون في مدنه وقراه للإشراف على وقف إطلاق النار بينه وبين شعبه، وهو الذي اعتبر نفسه طيلة نيف وأربعين عاما رقم المعادلة الشرق أوسطية الصعب، والجهة التي تتدخل متى شاءت وكيفما شاءت في شؤون غيرها وتكلف نفسها بمهمة الإشراف عليه! ألا يسأل أهل النظام أنفسهم لماذا انقلب القسم الأكبر من دول وشعوب العالم عليهم؟ ولماذا فقدوا أغلبية أصدقائهم الساحقة، وهم الذين كانوا نقطة دولية وإقليمية ومحلية محورية، تلتقي فيها السياسات والمصالح وتتقاطع الخيارات والمواقف؟ ولماذا لم يبق لهم أي حليف حقيقي غير إيران؟ ولماذا تعلن روسيا جهارا نهارا أنها ليست صديقة نظامهم ولا تدافع عنه إلا لكي ترفع ثمن موافقتها على بديله؟ هل صحيح ما يقوله النظام حول تآمر العالم عليه كسبب لتبديل مواقفه منه؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ وهو أنه منح فرصا لم تتوفر لغيره من النظم التي سقطت، لكنه ضيعها وأصر على حشر نفسه في فخ الخروج على النظام الدولي ومنظماته، الذي يمكن أن يطبق في أي وقت عليه.

قوض بصورة تكاد تصير تامة الاقتصاد السوري، مع ما تسبب به هذا من إخراج مئات آلاف العمال من سوق العمل إلى سوق البطالة، ومن نقص في مستلزمات وضرورات الحياة، خاصة بالنسبة إلى محدودي الدخل، وهم أغلبية مواطنينا الساحقة، التي شرعت تعاني من جوع لم تألفه من قبل وعلى امتداد تاريخنا الحديث، بينما تتعطل آلة الإنتاج، وتهرب رؤوس الأموال بالجملة والمفرق من البلاد، وتنهار قيمة الليرة السورية، ويعم الفقر، وتختفي الاستثمارات، ولا يبقى من أثر للسياحة، ويدخل القسم الأكبر من الشعب في حالة اكتئاب عميق ممزوجة بقلق مضن على يومه وغده، ويرى المواطن في نفسه مشروعا مشردا أو جائعا أو مقتولا، وفي أولاده وأحفاده مخلوقات لا مستقبل لها، ستكون حياتها أكثر صعوبة بكثير من حياته، التي جعلها النظام حافلة بالهزائم والنكبات والويلات والظلم.

قسم الشعب إلى موالين يرعبهم إحساسهم بالخطر ويدفعهم إلى حمل السلاح والانخراط في العنف، شعورا منهم بأن ظهرهم إلى الحائط أو أنهم أمام هاوية تهدد بابتلاعهم، وأن حياتهم مع أغلبية مواطنيهم لم تعد قابلة للاستمرار وفق معايير المساواة والأخوة والندية والمواطنة والسلام، فلا بد لهم من فرض أنفسهم بالقوة والعنف، وإلا فقبول الموت أو التهجير أو... إلخ. وقسمه بالمقابل إلى معادين هم أغلبية تشعر أنها مستهدفة من عصابات مسلحة تريد إخضاعها بالقوة، ولا ذنب لها غير مطالبتها بما هو من حقها دستوريا وقانونيا ووطنيا، فلا مفر من أن تبادر بدورها إلى حمل السلاح، لقتل عدو انتفت صفة المواطنة عنه، وغابت الجوامع والمشتركات التي كانت تربطها به، بعد أن حول النظام السياسة إلى ساحة عنف يسود فيها الفرز والفصل، وكان يقول حتى الأمس القريب إنها ميدان وصل وتلاق. تبدو سوريا اليوم وكأنه لم يعد فيها شعب واحد متضامن ومترابط، بل جماعات متعادية لم تعد تملك أي لغة تتخاطب من خلالها غير لغة العنف والسلاح! هل سيكون بمستطاع نظام يرجح أن يخرج مهشما من معركته ضد شعبه جبر هذا الشرخ المرعب، الذي يقوض دولة ومجتمع سوريا من الداخل، بينما تسعى قوى دولية وإقليمية كثيرة، أهمها إسرائيل، إلى تقويضهما من الخارج؟ وما الذي سيبقى من سوريا إن كان شعبها يحترب احتراب أعداء، وكانت قطاعات واسعة منه تهجر وتتحول إلى مشردين جياع ومرضى وتائهين في الأقطار المجاورة وداخل وطنها، بعد أن كانوا بالأمس القريب هم الذين يستقبلون المهجرين والمشردين ويكرمون وفادتهم ويقومون بواجبهم، دون فضل أو منة؟

ترى، أي تنمية ستتم بعد المعركة، وأي تحرير، وأي دولة ستبنى، وأي تقدم علمي وتربوي سينجز، وأي بحث سيطور وأي اقتصاد سينمو؟ إن معركة بحجم المعركة السورية الحالية ضد المجتمع والشعب لن تترك فيهما أو في النظام الذي سيدير أمورهما أي قدرة على فعل أي شيء، ولن تكون سوريا عندئذ غير بلد مستضعف ومستعمرة إسرائيلية.

هذه بعض ثمار الحل الأمني، الذي تتسع دوائره وتتصاعد حدته بدل أن يتوقف ويقع التخلي عنه، بعد أن بان فشله منذ أيام تطبيقه الأولى، وبات جليا أن بلدة أو قرية يتم احتلالها واقتحامها عشرات المرات لن تخضع بالقوة، وأن السبيل الوحيد إلى تهدئتها يكمن في تلبية مطالب أهلها. هل فات أهل النظام هذا الجانب؟ وهل فاتهم أن من يهجم بالدبابات على القصير والرستن والمعضمية وكناكر وتلبيسة والحراك والقورية وقلعة المضيق وكفرنبل وحماه وحمص ومئات وآلاف المدن والبلدات والقرى يقدم بنفسه دليل عجزه عن إخضاعها بالقوة، وأن التخلي عن العنف لا يصير في هذه الحالة واجبا وطنيا وإنسانيا فقط، بل الطريقة الوحيدة لإنقاذ أهل النظام أنفسهم وإتاحة فرصة العيش الآمن في وطن أخوة وحب أمام أبنائهم وأحفادهم؟ ألم يفهم هؤلاء بعد هذا الدرس البسيط؟ ألم يدركوا أن طلقات مدافعهم تقتلهم هم بالذات، وأن شعبهم لن يموت؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري... بين بان وأنان .. خيرالله خيرالله

الرأي العام

28-4-2012

بقرار من المجتمع الدولي، سيزيد عدد المراقبين الدوليين في سورية ليصل الى ثلاثمئة مراقب. اتخذ القرار مجلس الامن التابع للامم المتحدة باجماع الاعضاء. ما يؤكده القرار ان ثمة حسنات كثيرة للخطة التي طرحها كوفي انان المبعوث الدولي والعربي المكلف معالجة الازمة السورية. الاكيد ان من بين هذه الحسنات السعي الى وقف اراقة الدماء في بلد يؤمن النظام فيه بانّ لا خيارات امامه منذ اليوم الاول لوصوله الى السلطة قبل اثنين واربعين عاما سوى الغاء الآخر جسديا، بما في ذلك الشعب السوري. ولكن تبقى الحسنة الاهمّ. تتمثّل هذه الحسنة في ان العالم يكتشف اخيرا، مع بعض العرب وغير العرب طبعا، ما هو هذا النظام السوري وما هي طبيعته الحقيقية.

ما الذي يترتب على هذا الاكتشاف؟ يترتب اوّلا الاعتراف بان النظام السوري غير قابل للاصلاح لا اليوم ولا غدا ولا بعد غد، وان لا مفرّ من مرحلة انتقالية تبدأ بتسليم الرئيس بشّار الاسد السلطة. تمهّد تلك المرحلة، او هكذا يفترض، لعودة الديموقراطية والحياة السياسية والاقتصادية الطبيعية الى بلد مهدد بالتفتت وبحرب اهلية تطلّ برأسها بين حين وآخر.

الاهمّ من ذلك كلّه، ان اكتشاف طبيعة النظام السوري تعني ان ليس في استطاعة النظام تنفيذ خطة انان، اقله لسبب واحد. يتمثل هذا السبب في عدم قدرة النظام على سحب قواته و«شبيحته» من المدن السورية. لذلك، لا امل يرجى من خطة الأمين العام السابق للامم المتحدة، الذي اصبح مبعوثا دوليا وعربيا. فأنان يعرف قبل غيره ما هو النظام السوري وكيف يتصرّف مع القرارات الدولية ومع جيرانه. واذا كان انان في حاجة الى من ينعش ذاكرته، فانّ بان كي مون الأمين العام الحالي للمنظمة الدولية يستطيع التكفّل بذلك.

ليس لدى النظام السوري ما يقدّمه لا لشعبه ولا لجيرانه العرب، على رأسهم لبنان او تركيا، لا شكّ ان الاردن اوّل من يعرف ذلك بعدما عانى طويلا من تصرّفات نظام كان لا بدّ من ردعه بين حين وآخر وافهامه اين عليه ان يتوقّف عند حدود معيّنة، اكان ذلك في عهد الملك الحسين، رحمه الله، او الملك عبدالله الثاني. كم يتذكّر رفض ترسيم الحدود بين البلدين؟ من يتذكّر حشد القوات السورية على الحدود الاردنية في مناسبة انعقاد القمة العربية في عمّان في العام 1980 من القرن الماضي؟

اكتشف الاتراك متأخرين ما اكتشفه اللبنانيون والاردنيون منذ زمن. اكتشفوا ان لا امل من النظام وان كلّ همه محصور في البحث عن غطاء، اي غطاء، له في عملية القمع والقهر التي يمارسها في حق ابناء شعبه. اما انان، فانه يعرف منذ السنة 2000 بالتأكيد، وربما قبل ذلك ان لا امل يرجى من النظام السوري الذي لا يمتلك سياسة اخرى غير الابتزاز.

في السنة 2000، انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان تنفيذا للقرار الرقم 425 الصادر عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة في العام 1978. حسنا، نفّذت اسرائيل القرار اخيرا لاسباب مرتبطة باستراتيجية خاصة بها ذات علاقة بالقضية الفلسطينية ومنع ياسر عرفات، رحمه الله، من اتخاذ مواقف مرنة تستجيب مع تطلعات الادارة الاميركية وقتذاك.

صدر موقف عن مجلس الامن باجماع الاعضاء يؤكد ان اسرائيل نفّذت القرار 425. ماذا فعل النظام السوري الراغب في ابقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة والمتاجرة باللبنانيين واهل الجنوب تحديدا؟ اخترع ما يسمّى قضية مزارع شبعا المحتلة منذ العام 1967، وهي أرض لبنانية اصلا، اقلّه في معظمها، لكنها خاضعة للقرار 242. لقد احتلت القوات السورية تلك الارض في العام 1956 وخسرتها في 1967. الى الآن، لا تزال ترفض توجيه رسالة الى الامم المتحدة تؤكد لبنانية الارض كي يسهل على لبنان استعادتها عبر الامم المتحدة. يعرف انان ذلك جيّدا ويعرف ما هو النظام السوري وكيف تعاطى مع الامم المتحدة ومجلس الامن عندما كان في موقع الأمين العام للمنظمة الدولية.

لم يتغيّر شيء في تصرفات النظام السوري. قبل ايّام قليلة، صدر عن بان كي مون الامين العام الحالي للامم المتحدة تقرير في غاية الاهمية عن تنفيذ القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الامن في السنة 2004. الى الآن، لا يزال النظام السوري يتجاهل الجانب الذي يخصه من القرار. في مرحلة معيّنة، بدأ يقول انه نفّذ الجانب المتعلق به عندما انسحب عسكريا من لبنان. نسي انه لم ينسحب الاّ تحت ضغط اللبنانيين الذين انتفضوا، باكثريتهم الساحقة، في وجه الاحتلال والوصاية بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير 2005.

لم تنطل الاعيب النظام السوري على الامين العام الحالي للامم المتحدة. اشار بوضوح في تقريره نصف السنوي عن تنفيذ القرار 1559 الى استمرار تدفق السلاح من سورية الى لبنان وتمسك النظام السوري باقامة قواعد لفلسطينيين تابعين له في الاراضي اللبنانية. فوق ذلك كلّه، هناك رفض سوري لتحديد الحدود مع لبنان وترسيمها.

يستبيح النظام السوري حرمة القرى والبلدات والمدن السورية ويستبيح سيادة لبنان. انان يعرف ذلك. كذلك بان. انهما يعرفان، تماما، مثلما يعرف اللبنانيون، ان الهدف الوحيد للنظام السوري كسب الوقت. لذلك، ليست خطة انان سوى مرحلة لا بدّ منها في انتظار اليوم الذي يتخّذ المجتمع الدولي قراره بالانتهاء من النظام بطريقة او باخرى.

الامل كبير بألا تطول اضاعة الوقت نظرا الى انّ كلّ يوم يمر يعني مزيدا من الدماء السورية تهرق على يد نظام يعتقد ان المخرج الوحيد الباقي امامه يتمثل في ازالة مدينة مهمّة اسمها حمص من الوجود!

كاتب لبناني مقيم في لندن

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية والقراءات الخاطئة .. حسين العودات

التاريخ: 28 أبريل 2012

البيان

يبدو أن من أطلق صفة (سلطة إضاعة الفرص) على السلطة السورية لم يكن مخطئاً، فقد أضاعت هذه السلطة خلال اثني عشر شهراً من انطلاقة الحراك الشعبي ثم الثورة عديداً من الفرص، وسيطرت مبكراً على سياستها وسياسييها أفكار وآراء مسبقة وغير واقعية ولا صحيحة ولا تصلح لمعالجة بداية أزمة واضحة الخطورة منذ يومها الأول. فبدلاً من أن تنتبه السلطة إلى أن هذه الانطلاقة أتت في إطار حراك عربي شامل، وبعد سقوط نظامين سياسيين في تونس ومصر وبدء الثورة على نظامين آخرين هما ليبيا واليمن، وبدلاً من أن تدرك أنها نتاج شرط موضوعي لا ينبغي معالجته بخفة واستخفاف، قالت عن الحراك منذ الساعات الأولى، أنه من فعل مندسين، وعصابات ومتمردين، ومتآمرين، ومدفوع بقوى أجنبية.

وبالتالي، فإن الرد عليه كان حسب رأي السلطة ليس بدراسة دوافعه الحقيقية، وتفعيل الحوار بين السلطة وأطرافه، وإنما يكون بالرد بالقمع (والقتل والقضاء على التمرد والتآمر وغير ذلك وهذا ما فعلته)، ولذلك استخدمت منذ اليوم الثاني أو الثالث لانطلاقة الحراك، آلة القمع المسلحة، وفتحت الطريق للحل الأمني من أوسع أبوابه، لأن الفاعل الأساس في اتخاذ القرار كان أجهزة الأمن الأثيرة لديها أساليب القمع، ورغم أن معظم الأحزاب المعارضة والشخصيات الوطنية السورية والمحللين السياسيين أشاروا بوضوح إلى أن الأمر ليس تمرداً ولا من فعل مندسين أو مؤامرة خارجية وإنما هو تعبير عن أزمة سياسية اقتصادية اجتماعية في النظام السياسي بل وفي المجتمع.

ويحتاج علاجه إلى عقد مؤتمر وطني يضم كافة فئات الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقواه الحية ومؤسساته الأهلية والمدنية وأحزابه السرية والعلنية وغيرها، باعتبار أن هذا المؤتمر هو الطريق الوحيدة لتشخيص أسباب الأزمة واقتراح الحلول، لكن التمسك بالسلطة والجشع وقصر النظر السياسي وعدم الشعور بالمسؤولية الوطنية، والجهل والأمية السياسية لدى بعض أهل السلطة ومستشاريهم، ونقص خبرتهم، واستسهالهم للحل الأمني.

وغير ذلك، جعل السلطة لا ترى الأزمة ولا أسبابها ولا تتلمس حلولها، بل زاد الطين بلة، أنها أوحت بوجود دوافع طائفية وراءها، في الوقت الذي كان فيه الحراك الشعبي يهتف (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد) فضلاً عن اعتقادها بوجود أسباب اقتصادية دون غيرها، فزادت الرواتب ووعدت (بمكرمات) جديدة، لكن الرد الشعبي كان حاسماً ورافضاً لكل هذه التفسيرات والحلول.

المدقق بشعارات شرارة الانتفاضة الأولى يلاحظ أنها كانت بسيطة، وتنم بوضوح عن العفوية وعدم وجود برنامج سياسي شامل ومتكامل لدى المنتفضين، وأنها لم تقطع مع النظام أو ترفضه مسبقاً، بل كانت موجهة أساساً ضد الفساد والقمع والقهر والإذلال وأجهزة الأمن (نادت بالكرامة كهدف رئيس) إلا أن تجاهل السلطة، واتهاماتها، وإصرارها على وجود عصابات مسلحة (حيث أكدت وسائل إعلامها وجود أسلحة في الجامع العمري بدرعا وعرضتها بواسطة التلفزيون)، وقد دهش أهل درعا من هذه التهم، فرفعوا مستوى شعاراتهم وبدأ تسييس هذه الشعارات، فأخذوا يطالبون بالحرية، واستمرت أجهزة السلطة في استخدام وسائل الحل الأمني ما أدى إلى انتشار الحراك الشعبي في محافظات أخرى من جهة وتعميق الشعارات لتصبح شعارات سياسية واضحة على رأسها المطالبة بإصلاح النظام السياسي.

لم يتعظ أهل النظام ومستشاروه، واستمروا بتجاهل أسباب الأزمة، وبرفض التخلي عن امتيازاتهم في الاستبداد والهيمنة على السلطات جميعها، وزادوا عمليات القمع، فرد الشعب والحراك الشعبي، بشعارات متطرفة على رأسها المطالبة بإسقاط النظام، وهذا ما أصاب أهل النظام بالذعر، وأطلقوا كل ما يملكون من وسائل القمع، دون أن ينتبهوا إلى أن هذه الوسائل تزيد الحراك اشتعالاً وتحوله إلى ثورة، مع الإصرار على رفض أي حوار جدي أو حل سياسي، وتفويت فرص المصالحة الوطنية، وإصدار قوانين سميت (إصلاحية) وهي في الواقع لا علاقة لها بالإصلاح، ولم تمس المشكلة الأساس أي إشراك الناس في السلطة والثروة.

إن إمعان السلطة في إجراءاتها القمعية أدى إلى اتساع الحراك الجماهيري وتحوله إلى ثورة، وبداية تدخل عربي ودولي في الشؤون السورية، ومحاولة إيجاد حل للأزمة التي اتسعت (واستعصت)، وبقوا عملياً خارج اللعبة، غير مدركين ما يجري، أو مستوعبين آفاق تطوره المقبل أو نتائجه، فرفضوا واقعياً مبادرات الجامعة العربية الأولى والثانية مع أن كلا منهما كانت تشكل خشبة خلاص للنظام، يحفظ له ماء الوجه، كما رفضوا عملياً أيضاً عديداً من المبادرات الدولية، أو اقتراحات جهات عديدة منها جهات صديقة (كروسيا وإيران والصين) ولم يتصوروا أنه ينبغي التراجع.

وأن الظروف غير الظروف، والحال غير الحال، إلى أن وصلت السلطة إلى قطيعة مع الشعب من جهة ومع العرب من جهة ثانية ومع الشرعية الدولية من جهة ثالثة بل ومع معظم دول العالم من جهة أخيرة، وما زالت ترفض المبادرات كلها، وتحاول أن (تتمشطر) وتناور وتعتقد أن سلوكها هذا هو نوع من أنواع (التكتيك) مع أنه في الحقيقة قراءة بعيدة عن الحكمة والتعقل، ومواقف سياسية خاطئة تعتمد على مشاعر ذاتية ولا تأخذ باعتبارها الشرط الموضوعي الداخلي والخارجي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الخارج والداخل و«مالنا غيرك يا الله»! .. بكر صدقي*

السبت, 28 أبريل 2012

الحياة

من المحتمل أن المتظاهرين في مختلف المدن والبلدات السورية الذين ضغطوا، في النصف الأول من عام الثورة، على قوى المعارضة السورية لتشكيل إطار موحد يضمها، كان يراودهم الأمل في تدخل دولي ما على غرار النموذج الليبي، يختصر مسيرتهم الشاقة نحو الحرية، ويوفر بعض دمهم.

كان أبرز تجليات هذين الضغط والأمل في ذلك المؤتمر الصحافي الذي عقده، في الصيف الماضي في أنقرة، الناشط الشاب ضياء الدين دغمش وأعلن فيه عن تشكيلة ل «مجلس وطني سوري» مفترض برئاسة برهان غليون وعدد من الشخصيات السياسية المعارضة، من غير استشارة أي منهم. فقد شكلت تلك الخطوة المرتجلة ذروة ضغط الشارع على قوى المعارضة لتوحيد صفوفها، وأشارت إلى شكل الإطار السياسي المناسب واسمه ورئيسه معاً.

كان اختيار الاكاديمي برهان غليون للرئاسة موفقاً لجهة أنه لم ينخرط في السياسة سابقاً فلم يكن طرفاً في التجاذبات المعتادة داخل البيئة المعارضة، ويمكنه أن يحظى بإجماع يصعب توافره لغيره من شخصيات المعارضة. وعبَّرَ اسم «المجلس الوطني السوري» عن الحاجة إلى بديل ناجز يمكنه أن يقود البلاد في المرحلة الانتقالية، كما عن اقتداء بالمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا الذي نجح في استدراج تدخل عسكري دولي، ما كان للثورة أن تنتصر لولاه.

لم تحظ تلك المبادرة بالنجاح، وتنصل معظم الواردة أسماؤهم في قائمة دغمش من الاستجابة لها، بدعوى أنه لم يستشرهم أحد في إدراج أسمائهم. لكنها شكَّلَت خَضَّة قوية في وسط المعارضة السورية مهَّدَت لتكثيف اللقاءات والمشاورات بين أطرافها، وصولاً إلى إعلان قيام المجلس الوطني السوري، في مطلع تشرين الأول الماضي، برئاسة برهان غليون.

غير أن ما نجح في ليبيا لم ينجح في سورية. على رغم حمام الدم الذي واظب نظام الأسد على اقترافه في طول البلاد وعرضها، تبين أن ما يسمى المجتمع الدولي غير متحمس لأي تدخل عسكري على غرار ما حدث في العراق أو ليبيا. في المقابل بلغ التدخل الروسي والإيراني لمصلحة النظام مستوىً غير مسبوق في أي مكان آخر. كشف هذا الوضع عن زيف الخلاف الصاخب بين قوى المعارضة السورية من أنصار التدخل وخصومه. هذا الخلاف المصطنع بين تيار يرحب بالتدخل ويعمل ما في وسعه على توفير أسبابه، وتيار بنى هويته الأيديولوجية وسبب وجوده على رفض التدخل الخارجي، لم ينفع غير النظام الآيل للسقوط، فمد بعمره وأطال زمن المأساة السورية.

من الآثار التي ترتبت على غياب التدخل الدولي لوقف مجازر النظام، أن المجلس الوطني السوري الذي اعترفت به بعض الدول «ممثلاً شرعياً» للشعب السوري، ظهر في مظهر الهزيل العاجز الذي تمزقه، فوق ذلك، تجاذباته الداخلية، وتطعن في احتكار تمثيليته تجاذبات خارجية مع قوى معارضة أخرى. في المقابل، بدت هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي في مظهر «الخائن» لتطلعات الشعب الثائر، وكتلة من عجائز المعارضة ممن أمضوا قسماً من أعمارهم في سجون النظام، وانتهوا إلى إصلاحيين يدعون إلى الحوار معه في زمن الثورة، ويحجون إلى موسكو أفواجاً في الوقت الذي يرفعون فيه عقيرتهم ضد أي تدخل خارجي مفترض.

غير أن الأثر الأكثر شؤماً الذي تركته لا مبالاة القوى الدولية الفاعلة أمام المأساة السورية، هو شعور بالمرارة يؤسس لنوع من الانكفاء على الذات ورفض العالم ومخاصمته، في عصر سمته الأساس هي الانفتاح والعولمة. شاهدنا نموذجاً مشابهاً في التاريخ القريب لهذه المنطقة، هو نموذج العراق الذي طوَّرَ نوعاً من الخصومة مع العالم العربي بسبب عدم اكتراثه لمآسي العراقيين على يد نظام صدام حسين. فقد مرت مجازر الأنفال وحلبجة واستخدام السلاح الكيماوي ضد الكرد في الشمال والشيعة في الجنوب، بصمت عربي قاتل ومتواطئ... مما أسس لنوع من العداء للعروبة في العراق، لم تزل آثاره إلى اليوم.

ويعبر شعار «مالنا غيرك يا الله» الذي يهتف به السوريون في تظاهراتهم عن نزعة مشابهة من مخاصمة العالم والانكفاء على الذات، تنطوي على مخاطر انعزالية في سورية ما بعد الأسد. ومنذ الآن يتحدث سوريون عن «مؤامرة» مضادة لسردية النظام التقليدية عن المؤامرة الكونية المفترضة ضده. المؤامرة الجديدة التي يتحدث عنها الشعب ومعارضون شعبويون تنطلق من تل أبيب فواشنطن فموسكو لتضم معظم عواصم العالم المتواطئة في رأيهم مع النظام ضد الشعب.

نزعة الانغلاق على الذات التي طالما مثّلها تيار الممانعة المتداعي، من المحتمل أن تنبعث بصورة مفارقة من خلال خصومه الثوريين بالذات، في مرحلة ما بعد الأسد. وهذا مما لا يسر أحداً.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيارات الثورة السورية .. منذر خدام

الشرق الاوسط

28-4-2012

لا يهتم الثائرون السوريون إلا بقضية واحدة، وهي قضية انتصار الثورة التي فجروها في وجه نظام مستبد ظالم لا يعرف أي أسلوب للتعامل مع شعبه إلا أسلوب القتل، ومن أجل ذلك فقد قدموا آلاف الشهداء، ولا يبدو في الأفق أنهم سوف يتراجعون عن قضيتهم، وهم في ذلك محقون. غير أنه لكي تنتصر الثورة لا يكفي التركيز على الهدف وحده، بل على طريق الوصول إليه، وعلى الوسائل المناسبة لتحقيقه.

لطالما قلنا إنه في ما يتعلق بقضايا الثورة لا يجوز اللعب، بل الحساب الدقيق حتى نجعل «هزيمة النظام محتومة وأقل إيلاما»، على حد قول الصديق ميشيل كيلو، وهذا ما لم تقُم به المعارضة السورية بكل أطيافها للأسف الشديد. في غياب التحليل الدقيق لواقع سوريا وتشخيص عوامل القوة والضعف لدى النظام والمعارضة، صار الحراك الشعبي يتعلق بمخارج غير ممكنة لثورته، من قبيل استدعاء الخارج ليتدخل عسكريا في شؤون سوريا ليسقط نظامها تحت عناوين ولافتات مختلفة، فتبين بعد كثير من الوهم، وكثير من الدماء، أن الخارج لن يتدخل عسكريا في سوريا، وبالتالي ليس في وارد إسقاط نظامها السياسي. واليوم بعد أن تخلت المعارضة والحراك الشعبي عن مناشدة الخارج ليتدخل عسكريا لإسقاط النظام السياسي السوري، ثمة دعوات تظهر في أوساط بعض المعارضين السياسيين، وفي أوساط الحراك الشعبي، تدعو إلى الحرب الأهلية كطريق وحيد لإسقاط النظام السوري.

إن الدعوة لتبني خيار الحرب الأهلية لا يقل خطورة ووهما عن سابقه، خيار التدخل العسكري الخارجي، ولذلك ينبغي تجنبه قبل فوات الأوان. بداية، لن تكون الحرب الأهلية في حال سيطرتها على المشهد السوري بين النظام والحراك الشعبي فقط، بل بين جميع المكونات الأهلية الإثنية والطائفية والمذهبية في المجتمع السوري. في هذه الحالة سوف يفقد الحراك الشعبي طابعه الوطني العام ليتقمص أردية طائفية، بل سوف يتغير هدف الحراك أيضا من كونه هدفا ثوريا وطنيا جامعا يتمثل في إسقاط النظام الاستبدادي ليشيد على أنقاضه نظاما ديمقراطيا تعدديا تداوليا، إلى هدف آخر يتمثل في تحقيق الغلبة الطائفية، وهو الاحتمال الأقل سوءا لكنه الأبعد منالا، أو إلى تمزيق الوطن السوري إلى كيانات طائفية، وبالتالي دمار الدولة، وهو الخيار الأكثر سوءا لكنه الأكثر احتمالا.

وكما هو حال خيار التدخل العسكري الخارجي فإن خيار الحرب الأهلية يحتاج إلى تغذية خارجية كثيفة بالسلاح والمال، لكنها في هذه الحالة لن تكون تغذية لطرف دون آخر، هذا من جهة. ومن جهة ثانية يتطلب ذلك تدمير الدولة السورية، وهي دولة قوية كما هو معلوم. وإذا كان هناك دول أبدت استعدادها لإمداد الداخل السوري بالسلاح والمال فإن ذلك لا يعدو باعتقادنا عن كونه نوعا من الضغط السياسي على النظام من أجل أن يتوقف عن إراقة دماء السوريين. ثم إن دول الجوار الإقليمي لسوريا سوف يكون لها الكلمة الفصل في هذه الحالة، باعتبارها دولا سوف يمر السلاح والمال من أراضيها إلى سوريا، وهذه الدول كما أعلنت مرارا لن تسمح بذلك؛ خشية أن تنتقل الحرب إلى أراضيها أو تصيبها بعض شظاياها. إضافة إلى كل ذلك فإن المنطقة برمتها، بل العالم أجمع، لا يستطيع تحمّل أفغانستان جديدة كمفرخة للإرهاب، ولا حتى كعراق جديد. بكلمات أخرى، إن الحرب الأهلية خيار غير واقعي، وإذا حصل كحالة استثنائية فإنه سوف يدمر الدولة والكيان السياسي السوري ولن يكون فيها منتصر، بل مهزومون فقط.

خلاصة القول ومؤداه أن إسقاط النظام السوري لن يتم عن طريق التدخل العسكري الخارجي، ولا عن طريق الحرب الأهلية، في الحالة الأولى لا توجد دولة على استعداد لإرسال قواتها العسكرية لإسقاط النظام السوري لأسباب كثيرة، بعضها من طبيعة استراتيجية وبعضها الآخر من طبيعة آنية وعملية. وفي الحالة الثانية لا أحد جاهز لقبول حالة أفغانستان ثانية في منطقة شديدة الحساسية حيث النفط وإسرائيل.

ما العمل في هذه الحالة إذا كان النظام لا يستطيع هزيمة الثورة مهما طال الزمن بها، ولا الثوار على ما يبدو قادرون على إسقاط النظام في الشارع في المدى المنظور بالاعتماد على الوسائل العنفية؟! إذا صح ما ذهبنا إليه فإن الخيار الوحيد المتبقي هو العمل على هزيمة النظام بالوسائل السياسية.

لكن المعركة السياسية هي معركة لا تقل ساحتها ضراوة عن ميادين القتال، غير أن النظام في هذه الحالة سوف يكون الأضعف، وبالتالي سوف تكون هزيمته مؤكدة رغم أنها لن تكون سهلة. لقد نجح النظام حتى الآن في جر قسم من الحراك الشعبي ومن المعارضة إلى الساحة التي يتفوق فيها، أعني ساحة العنف، من خلال تكثيف قمعه للحراك الشعبي، فهل تستطيع المعارضة والحراك الشعبي معها جره إلى ساحة المعركة السياسية حيث يمكن تعطيل أدواته العنفية؟

في الساحة السياسية تتفوق مطالب الحراك الشعبي والمعارضة السياسية المتمثلة في الحرية والتنمية والديمقراطية والدولة المدنية وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومراقبة، استنادا إلى دستور ديمقراطي وقوانين ديمقراطية مكملة له على مطالب النظام في الاستئثار والفساد والدولة الأمنية. في الساحة السياسية يصير ممكنا تفكيك عناصر القوة التي يستند إليها النظام، سواء من بنى أهلية ناصرت النظام بدواعي الخوف أو لأنها لم تجد ما يطمئنها على مستقبلها لدى المعارضة، وفي الساحة السياسية تنعدم فعالية أدواته القمعية، كما يصير ممكنا تعريته وعزله أكثر أمام أصدقائه وحلفائه وفي النهاية إسقاطه.

هل يصمد النظام أمام المطالبة بدستور ديمقراطي تعده جمعية تأسيسية أو حتى لجنة من الخبراء في القانون الدستوري تشارك فيها المعارضة السياسية، لا تكون أجهزته الأمنية وصية عليها؟ هل يصمد النظام أمام المطالبة بقوانين للأحزاب والإعلام والانتخابات تكون ديمقراطية فعلا؟ هل يصمد النظام أمام المطالبة بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وفصل حزب البعث عن الدولة ومؤسساتها؟ هل يصمد النظام أمام التحدي بإجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة ومراقبة دوليا؟ هل يصمد النظام أمام المطالبة بلجنة تحقيق ذات مصداقية في الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري؟ أسئلة كثيرة جوابها في الحقل السياسي هو النفي. لكن من جهة أخرى، هل المعارضة السياسية والحراك الشعبي جاهزون لخوض المعركة السياسية؟ سؤال أبقيه مفتوحا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الخروج نحو وحدة المعارضة السورية .. فايز سارة *

الجمعة, 27 أبريل 2012

الحياة

يتفق كثيرون على ان الوحدة التنظيمية للمعارضة، ليست مطلوبة، بل هي ليست ممكنة اصلاً بسبب الاختلافات الايديولوجية والسياسية والتنظيمية، لذلك المطلوب في موضوع الوحدة كما يرى المهتمون، توفير برنامج وإرادة سياسية موحدة تتعامل مع الواقع السوري الراهن وتحدياته.

والحديث عن وحدة المعارضة، يقود الى مقاربة بعض التوصيفات الاساسية ذات الصلة والمتعلقة بتوافقات المعارضة، والأهم فيها، ان كتل المعارضة وجماعاتها متوافقة على ان هدفها الرئيس في المرحلة الحالية إسقاط النظام الحالي وتغييره، كما هي متفقة ايضاً على الهدف الأبعد، وهو اقامة نظام ديموقراطي تعددي، يوفر العدالة والمساواة للسوريين، كما تتفق المعارضة على وجود مرحلة انتقالية، يكون هدفها ادارة البلاد لتمكين السوريين من الانتقال من النظام الاستبدادي الديكتاتوري الى النظام الديموقراطي، على ان يقترن التغيير بالتخفيف من الخسائر البشرية والمادية، التي يمكن ان تصيب السوريين وسورية.

وطبقاً للتوافقات العامة، فإن الاساس السياسي لوحدة المعارضة متوافر في المديين القريب والبعيد، بل إن ثمة وقائع مساعدة تدعم توجه المعارضة نحو وحدة برنامجية، في مقدمها اعلان قوى المعارضة رغبتها بالسير للوحدة او التنسيق في الحد الادنى، وهو ما تؤكده مطالبات غالبية السوريين وبخاصة من جانب الحراك الشعبي، وفي المسعى ذاته تتوالى مطالب دول وقوى عربية ودولية ساعية للمشاركة في معالجة الازمة السورية وتداعياتها.

غير ان توافر اساس سياسي لوحدة المعارضة في برنامجها ووجود توافقات محلية وإقليمية ودولية، لا يبدو كافياً للوصول الى نتائج ايجابية، لأن المساعي والخطوات العملية في هذا الاتجاه تبدو ضعيفة وبعضها غير جدي، والأمر نتيجة اسباب تتعلق بالمعارضة وظروفها المحيطة داخلياً وخارجياً، وبينها ضعف المعارضة وتناقضاتها وعدم توافر ارادة سياسية كافية لدى كتلها وجماعاتها، بالاضافة الى التدخلات المتصاعدة في شؤون المعارضة خصوصاً وفي الشؤون السورية على نحو عام، والتي تزايدت منذ انطلاق الثورة السورية.

ومما لا شك فيه، ان توفير اسس وتوافقات تحقق تقارب المعارضة باتجاه تنسيق مواقفها او اعلان مواقف موحدة وتكريس سياسات مشتركة، سيساهم بالتخفيف من العقبات القائمة، وتجاوز بعض منها بصورة عملية، ولعل الاهم في هذه الاسس يكمن في نقاط، ابرزها اعتبار كتل أو جماعات المعارضة المختلفة جميعها مدعوة للمشاركة في هذا الجهد، ولا تتميز احداها عن الأخرى، إلا بما تبذله من جهد ومثابرة على طريق التقارب والوحدة... وأن يكون الهدف الرئيس لوحدة المعارضة في المستوى الداخلي دعم الحراك الشعبي في مساره نحو الحرية والكرامة وإسقاط النظام وتغييره، والتركيز على سلمية الحراك وضرورة تنميته وتعميمه في كل المناطق، ومعالجة مختلف الملفات الداخلية، وتأكيد اعتبار ان الهدف الرئيس لوحدة المعارضة في المستوى السياسي، هو تشكيل كيان سياسي مواز للسلطة السياسية الراهنة وبديل عنها في تمثيل السوريين في العلاقة مع المحيط العربي والدولي، والجهة التي تدير عملية التفاوض على المرحلة الانتقالية مع بعض اطراف النظام الحالي.

ان التوافق على هذه الاسس وتأكيدها، سيعززان خطوات المعارضة في المضي نحو مشروع إنقاذي لسورية في الفترة المقبلة، يكون عماده الرئيس اعادة الازمة في سورية الى خصوصيتها باعتبارها ازمة سورية بخلاف ما صارت اليه من ازمة دولية بسبب سياسات النظام وممارساته ومواقفه. والامر الثاني في هذا الجانب تعزيز التوجه الى معالجة سياسية للأزمة تذهب الى علاجها مباشرة، في ضوء ان اغلب قوى المعارضة وافقت على الحل السياسي طالما أمكن ذلك من خلال اعلان موافقاتها على المبادرات العربية والدولية بما فيها خطة المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان، الامر الذي يعني ضرورة دعم هذه الخطة ومساندتها والضغط لإجبار النظام على التفاعل الايجابي معها، بديلاً من تغذية العنف والعسكرة والتسليح، والتي تأخذ السوريين الى الدمار فيما المطلوب الخروج من قوس الأزمة باتجاه التغيير الديموقراطي باعتباره الهدف الذي تواصلت من اجله جهود السوريين وتضحياتهم.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: هل اوشك تسليح المعارضة؟ .. رأي القدس

2012-04-26

القدس العربي

اذا كانت موسكو قلقة من تلميح تركيا الى امكانية تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو التي تعتبر عضوا مؤسسا فيه وبما يؤدي الى تدخل عسكري ضد السلطات السورية التي انتهكت سيادتها الوطنية فان ما يقلق اصدقاء سورية في المقابل هو حالة الانقسام المتفاقمة في صفوف المعارضة السورية.

بالامس اعلن رجل الاعمال السوري نوفل الدواليبي المقيم في المملكة العربية السعودية عن تشكيل حكومة انتقالية تتولى السلطة التنفيذية في البلاد وتجسد بديلا للحكومة الحالية التي تواجه انتفاضة شعبية مستمرة منذ اربعة عشر شهرا على الاقل.

هذا الاعلان الذي صدر من باريس جاء مفاجئا للكثيرين سواء داخل تحالف اعلان دمشق او المجلس الوطني السوري الذي يشكل المظلة الاشمل للمعارضة السورية واطيافها السياسية والعقائدية المتعددة.

المهمة الاكبر لتجمع اصدقاء سورية تمثلت في توحيد صفوف المعارضة السورية في اطار تمثيلي اوسع على غرار المجلس الوطني الانتقالي الليبي، ولكن حتى هذه اللحظة لم يتحقق هذا الهدف، بل وتفاقمت الخلافات.

ولعل التصريحات التي اطلقها السيد الدواليبي وانتقد فيها المجلس الوطني السوري جاءت لتؤكد هذه الحقيقة، خاصة عندما قال 'ان المجلس الوطني السوري للاسف هيئة تشريعية لم يثبت ان هيئته تمثل الشعب السوري والثورة'.

لا نعرف كيف سينجح السيد الدواليبي فيما فشل فيه المجلس الوطني من حيث توحيد صفوف المعارضة وايجاد كيان بديل يمكن ان يكون اكثر تمثيلا للشعب السوري وانتفاضته ولجانه التنسيقية، وجيشه الوطني الحر، ولكن ما نعرفه انه، وبحكم ثروته المالية الضخمة، وتمتعه المفترض بدعم المملكة العربية السعودية وربما دول خليجية اخرى يمكن ان يشكل بديلا معارضا وقويا للمجلس الوطني السوري.

فمن يملك المال، وابن آخر رئيس وزراء لسورية الديمقراطية (معروف الدواليبي) ويحظى بدعم المملكة العربية ويحمل جنسيتها في الوقت نفسه، يستطيع ان يشتري السلاح ويمول جيوشا، وينظم مؤتمرات، ويخصص رواتب ومكافآت مالية، ويعالج جرحى، ويدعم المقاتلين والمنتفضين في الداخل في مواجهة نظام دموي يريد انهاء الانتفاضة باسرع وقت ممكن وبالطرق والوسائل كافة.

المملكة العربية السعودية دعت اكثر من مرة على لسان وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل الى تسليح المعارضة السورية حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها في مواجهة عمليات القتل التي لم تتوقف حتى مع بدء تطبيق خطة المبعوث الدولي كوفي عنان على حد وصفه، ولا نعرف ما اذا كان اعلان السيد الدواليبي خطوة عملية، او قناة تسليح في هذا الاطار ام لا؟

اثناء تمويل المملكة العربية السعودية ودعمها للجهاد الافغاني ضد الاحتلال السوفييتي في الثمانينات من القرن الماضي تم اللجوء الى رجال اعمال سعوديين وعرب لكي يتولوا مهمة ايصال الاموال والاسلحة والاغاثة الطبية الى هؤلاء المجاهدين، وخصصت الحكومة السعودية مليارات الدولارات في هذا الصدد، ومن غير المستبعد ان يتم اللجوء الى الاسلوب نفسه، والخبرات نفسها لتصليب عود المعارضة السورية، والداخلية منها خاصة، وتمكينها من الدفاع عن المنتفضين الذين يتعرضون لنيران الدبابات السورية وقذائفها.

من الواضح ان هناك شبه اجماع في الاوساط الداعمة للانتفاضة السورية على ان مهمة كوفي عنان قد فشلت بسبب عدم الالتزام بقرار وقف اطلاق النار، وان الخامس من الشهر المقبل (ايار/مايو) سيكون موعد اعلان هذا الفشل عندما يقدم المبعوث الدولي تقريره الى مجلس الامن، والاستعداد لمرحلة التسليح العسكري المكثف او تدخل قوات حلف الناتو او الاثنين معا مثلما لمح آلان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي.

الشهر المقبل قد يكون حاسما على صعيد الملف السوري، فاما الحرب الاهلية او الحرب الاقليمية مثلما اكد جوبيه نفسه قبل بضعة ايام.

Twitter: @abdelbariatwan

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين يقف الإسلاميون السوريون؟ .. د. وحيد عبد المجيد

تاريخ النشر: الخميس 26 أبريل 2012

الاتحاد

هناك معايير عدة لتصنيف الإسلاميين العرب المنتمين إلى جماعة "الإخوان المسلمين". ومن هذه المعايير الموقع الجغرافي الذي لا يكفي وحده أساساً للتصنيف والتفسير، لكنه قد يفيد في فهم التباين بين توجهات أحزاب "الإخوان" وجماعاتهم وتنظيماتهم. فليس صعباً ملاحظة أن "الإخوان" ومن ينتمون إلى تيارهم في بلاد المغرب العربي أكثر انفتاحاً وتقدماً مقارنة بأقرانهم في الجناح الآخر من العالم العربي والذي يبدأ في مصر ويشمل منطقة المشرق العربي. ويشير هذا الاختلاف إلى تباين في بيئة المجتمعات التي تعمل فيها هذه الجماعات، وليس فقط إلى تباين موازين القوى بين المحافظين والمنفتحين داخل الجماعات نفسها.

وظهر هذا الاختلاف في طريقة تعاطي كل من "حزب النهضة" التونسي وجماعة "الإخوان" المصرية وحزبها (الحرية والعدالة) مع مسألة الدستور الجديد منذ بداية المرحلة الانتقالية في كل من البلدين.

وتبدو حركة مجتمع السلم "حمس" التي تمثل "الإخوان" في الجزائر، و"حزب العدالة والتنمية" الذي ينتمي إلى تيارهم في المغرب، أقرب في توجهاتهما إلى "النهضة" منه إلى "لحرية والعدالة" أو"الجماعة الأم" في مصر وحركة "الإخوان" وحزبها في الأردن (جبهة العمل الإسلامي) وتنظيم "الإخوان" الفلسطيني كما تعبر عنه حركة "حماس".

ويذكر متابعو الحركات الإسلامية في العالم العربي الجدل الذي أثير في أوائل تسعينيات القرن الماضي عندما اتخذت حركة "حمس" موقفاً واضحاً وقوياً لمصلحة الاستقرار والتهدئة عندما انقلب الجيش على نتائج الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية التي حققت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" فيها فوزاً كان يؤهلها للصعود إلى السلطة، حيث رفضت "حمس" الانزلاق إلى العنف الذي تبنته الاتجاهات المتطرفة في "الجبهة" رداً على إلغاء الانتخابات. وجعلها هذا الموقف في الصف نفسه مع النظام الذي كانت تعارضه، لكنها غلَّبت المصلحة الوطنية في لحظة حاسمة من تاريخ البلاد.

وتعرضت "حمس" حينئذ لانتقادات حادة من معظم تنظيمات "الإخوان" وجماعاتهم في الجناح الآخر للعالم العربي. ولم يكن بعض قادة "الإخوان" السوريين بمنأى عن الحملات التي تعرضت لها حركة "حمس" وزعيمها الراحل محفوظ نحناح الذي تحمل هجوماً عنيفاً من بعض "إخوانه" في المشرق العربي.

ومع ذلك بدا "الإخوان" السوريون أكثر حذراً في معالجة مسألة تعاون أقرانهم في الجزائر مع نظام الحكم ضد إسلاميين آخرين كانوا قاب قوسين أو أدنى من السلطة في بداية "غزوة انتخابية" حققوا فيها تقدماً كبيراً.

والحال أن السؤال عن توجهات "الإخوان" السوريين ومدى انفتاحهم أو انغلاقهم، واعتدالهم أو تشددهم، أثير في مناسبات عدة أخرى خلال العقدين الأخيرين. وهو مُثارٌ الآن مجدداً بمناسبة "وثيقة العهد والميثاق" التي أصدروها في 25 مارس الماضي. فقد أصدروا هذه الوثيقة في لحظة فارقة في تاريخ سوريا، سعياً إلى طمأنة شعبها بمختلف مكوناته، والمجتمع الدولي، بشأن توجهاتهم في حالة حدوث تغيير في نظام الأسد. لذلك حفلت بجملة من الالتزامات يمكن اختصارها في أربعة رئيسية: أولها "الدولة المدنية الحديثة". وهذه عبارة لا يرفضها "الإخوان" في مصر وبلاد أخرى في الجناح الشرقي للعالم العربي، لكنهم لا يستحسنون كلمة "مدنية" ويراعون موقف القوى السلفية الصاعدة التي ترفضها وتظنها مرادفة للعلمانية.

والالتزام الثاني هو "دستور مدني منبثق من إرادة السوريين وقائم على التوافق الوطني ويحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع". وهذا التزام تعهدت به جماعة "الإخوان" في مصر وحزبها وتضمنته "وثيقة التحالف الديمقراطي" التي وقعاها مع نحو ثلاثين حزباً من اتجاهات مختلفة في يوليو 2011، لكنهم فتحوا الباب للتشكيك فيه بعد اتفاقهم مع "حزب النور" السلفي وحده على تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بطريقة أفقدتها القدر المعقول من التوافق العام وأثارت أزمة حادة قبل صدور حكم قضائي بوقف عملها ومن ثم السعي إلى إيجاد بديل عنها.

أما الالتزام الثالث فهو دولة ديمقراطية تعددية تداولية، ودولة مواطنة ومساواة، حيث "المواطنة هي مناط الحقوق والواجبات". وثمة مبدأ رابع مهم أيضاً هو "تساوي الرجال والنساء في الكفاءة والأهلية وتمتع المرأة بالحقوق كاملة". وهذان مبدءان تقبلهما تنظيمات "الإخوان" وجماعاتهم في مصر والأردن وفلسطين ولبنان، لكن بحذر حيناً وبتحفظ حيناً آخر، خصوصاً فيما يتعلق بحق المرأة في "الولاية العليا"، التي يرى إسلاميو المغرب العربي أنها محسومة في عصر الدولة الوطنية.

والسؤال المحوري الذي تثيره وثيقة "إخوان" سوريا الجديدة هو عن موقعهم اليوم على خريطة الإسلاميين العرب، وهل يمكن اعتبار هذه الوثيقة مؤشراً على أنهم يقتربون من إسلاميي المغرب العربي الأكثر انفتاحاً وتقدماً. الجواب ليس سهلاً رغم أن هذه ليست الوثيقة الأولى من نوعها التي تلفت الانتباه إلى شيء في تفكير "الإخوان" السوريين يختلف عن أقرانهم في مصر وقد يجعلهم أقرب إلى إسلاميي المغرب العربي.

فقد سبق أن أصدر "إخوان" سوريا في مايو 2001 "ميثاق الشرف الوطني" لمواكبة ما بدا وقتها بداية تحول أُطلق عليه "ربيع دمشق". وقبيل تبدد الأمل نهائياً في ذلك "الربيع" الذي تحول سراباً، قدم "الإخوان" السوريون وثيقة أخرى عام 2004 أسموها "المشروع السياسي لسوريا المستقبل"، أعادوا فيها إنتاج ما جاء في سابقتها، لكن مع شيء من التأصيل الشرعي.

ولا تختلف الوثيقة الأخيرة الصادرة قبل أيام عن هاتين الوثيقتين إلا في ديباجتها وطريقة صياغتها اللتين توحيان بسعي حثيث إلى محاولة طمأنة الأقليات الدينية والعرقية. والحال أن "إخوان" سوريا يحاولون منذ أكثر من عقد تقديم أنفسهم في صورة مختلفة عن "إخوانهم" في مصر والمشرق العربي، خصوصاً وأن بعض هؤلاء كانوا حلفاء للنظام السوري (حركة "حماس") أو مدافعين أشداء عنه (إخوان الأردن وحزبهم) تحت شعار دعم المقاومة والممانعة، أو مساندين له عن بُعد (إخوان مصر). كما يسعون إلى إزالة الصورة السلبية التي رُسمت لهم خلال مرحلة الصدام العنيف مع السلطة في ثمانينيات القرن الماضي.

وقد حققوا تقدماً في هذا الاتجاه، لكن معضلتهم أنه ليست هناك في السياسة وثائق تحمل ضمانات الالتزام بها، وأن نجاح أي تيار في تحسين صورته يتوقف على استعداد الآخرين للاقتناع والاطمئنان. لذلك سيظل على "الإخوان" السوريين بذل جهد على الأرض عبر التواصل والحوار والعمل المشترك، لإقناع الأقليات، بأنهم لن يسعوا إلى تغيير مقومات الدولة والمجتمع، ولن يفرضوا مشروعهم الإسلامي بالإرغام أو باستخدام دكتاتورية الأغلبية، وأنهم سيحترمون التنوع الاجتماعي والتعدد السياسي والحقوق والحريات العامة والخاصة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فقد نصف احتياطاته النقدية .. النظام السوري... وبوادر الضائقة المالية .. جون واريك وأليس فوردمان

بيروت

الاتحاد

26-4-2012

في الوقت الذي تدخل فيه الانتفاضة السورية المناهضة لنظام الأسد شهرها الثالث عشر، تواجه الاحتياطات المالية للحكومة تناقصاً سريعاً، وذلك حسب ما أفاد به مسؤولون في الاستخبارات الأميركية ومحللون ماليون يراقبون الوضع المتردي للاقتصاد السوري.

هذا النزيف المالي الحاد دفع الحكومة السورية إلى وقف توفير خدماتها الأساسية للمواطنين من تعليم وصحة وباقي الخدمات في بعض المناطق السورية، بل دفعت النظام إلى البحث عن خط إمدادات جديد من إيران لدعم العملة الوطنية الضعيفة. هذا في الوقت الذي تراجعت فيه مداخيل الدولة من صادراتها النفطية ووصلت إلى أدنى مستوى لها عندما امتنعت كل من الصين والهند عن استيراد النفط السوري.

لكن رغم هذه المصاعب الاقتصادية يبدو أن الرئيس الأسد نجح في تحصين نفسه ودائرته الضيقة من تأثيرات العقوبات الاقتصادية والحصار التجاري الذي أكثر ما يمس المواطنين الذين يعانون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، وذلك بسبب لجوء الأسد إلى احتياطاته المالية الخاصة، بالإضافة إلى اعتماده على السوق السوداء لتحصين أركان النظام وضمان استمراره لشهور عدة، إنْ لم يكن أكثر، بحيث من غير المتوقع أن يواجه النظام مشاكل كبيرة في تمويل العمليات العسكرية ضد المعارضة.

وفي هذا السياق، يقول مسؤول في استخبارات إحدى الدول التي تراقب الوضع في سوريا دون الكشف عن هويته: "رغم قسوة الضغوط الاقتصادية، إلا أنها مع الأسف ليست كافية"، وحسب العديد من المراقبين تأتي هذه التقييمات للوضع الاقتصادي في سوريا وسط جهود جديدة تبذلها القوى الغربية لتضييق الخناق المالي على النظام ودفعه إلى تقديم تنازلات كبيرة إلى المعارضة والدخول في عملية سياسية تفضي إلى انتقال واضح وسلس للسلطة، وذلك من خلال تعميق العزلة السياسية والاقتصادية للنظام الذي يقمع نشاط المعارضة منذ أكثر من عام.

وفي سياق العقوبات الجديدة، تبنى الاتحاد الأوروبي إجراءات ترمي إلى منع بيع البضائع الفاخرة إلى سوريا، كما أن إدارة أوباما فرضت عقوبات جديدة على الأفراد والشركات، التي تمد نظام الأسد بالأجهزة والمعدات التكنولوجية المتطورة التي تستخدم في خنق المعارضة وتعقبها، وليست هذه القيود الجديدة سوى سلسلة أخيرة في حلقة ممتدة من الإجراءات العقابية التي فُرضت على النظام السوري منذ انطلاق الثورة في 11 مارس الماضي، وهي لن تكون الأخيرة في ظل العقوبات المنتظرة التي سيتفق عليها ممثلو 75 دولة ستجتمع في واشنطن لتنسيق الجهود الساعية إلى وقف ما تبقى للنظام من خط الإمدادات المالية.

وفي شهادة أدلى بها وزير الدفاع، "ليون بانيتا"، أمام المشرعين الأميركيين في الأسبوع الماضي أكد أن العقوبات المفروضة على النظام السوري "تساهم في إضعاف الإمكانات المالية للنظام"، مخفضة مداخيل الحكومة بأكثر من الثلث.

ورغم تأكيد المسؤولين الغربيين أن العقوبات والحصار المفروض على صادرات سوريا النفطية موجهة بالأساس إلى النظام وطبقة ررجال الأعمال المؤيدة للحكومة ولا تستهدف المواطن العادي، فإن الإجراءات العقابية امتدت في الحقيقة إلى باقي القطاعات الاقتصادية لتصل إلى المواطن السوري دون أن يبدو أنها تهديد بقاء النظام نفسه.

ومن هذه التأثيرات السلبية ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانخفاض الليرة السورية في الوقت الذي ظلت فيه الأجور على حالها. ولعل الأمر الأكثر تهديداً بالنسبة للنظام نفاد مخزونه من العملة الصعبة المودعة في الحسابات الحكومية المختلفة، فقد تراجع احتياطي العملة الصعبة من 20 مليار دولار قبل عام إلى ما بين 5 مليارات دولار و10 مليارات دولار اليوم مع استمرار النزيف بواقع مليار دولار شهرياً.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون أن احتياطات سوريا من العملة الصعبة تهاوت بأكثر من النصف منذ بدء الانتفاضة، وهو ما عبر عنه مسؤول بارز في إدارة أوباما بقوله "إنهم ينفقون بسخاء على العمليات العسكرية لإخماد الانتفاضة، لكن إمداداتهم منها باتت محدودة للغاية".

ووصف المسؤولون كيف تقبع حاويات النفط في المياه السورية لأجل غير مسمى غير قادرة على إيجاد مشترين بعد الحصار المفروض دولياً على صادراتها من الطاقة، بل حتى الجهود السورية لبيع النفط عبر وسطاء إيرانيين فشلت بسبب امتناع شركات التأمين على السفن التجارية عن التعامل مع سوريا خوفاً من العقوبات.

والمأمول -يقول المسؤول الأميركي- "أن يعجز الأسد عن تمويل حملته العسكرية على المعارضة، وأن يتسبب ذلك في إحداث انقسام بين النخبة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال الباحثة عن مصالحها". ويشير المسؤولون إلى أن الضائقة المالية التي يواجهها النظام السوري أمام تحدي تمويل الحملة العسكرية وانهيار العملة المحلية دفعت النظام مراراً إلى طلب المساعدة الإيرانية لدعم استقرار الليرة السورية.

وعن هذا الموضوع يقول مسؤول آخر في الإدارة الأميركية تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته "المال الإيراني يساعد الأسد على البقاء والاستمرار، لكن إيران تعاني من مشاكلها الخاصة، ومساعدتهم باتت محدودة مقارنة بالسابق".

بيد أن مشكلة النظام السوري المالية ليست وليدة الحصار الخانق المفروض على صادراتها النفطية وباقي العقوبات الاقتصادية الأخرى، بل تأتي أيضاً من انهيار قطاع السياحة الحيوي، هذا بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على البنوك، التي لا تساعد الشركات السورية على الاستيراد، إذ لن يكون بمقدورها تأمين ضمانات بنكية يطلبها عادة الموردون العالميون ضماناً لحقوقهم، وقد كانت لافتة تقديرات صندوق النقد الدولي التي أكدت انكماش الاقتصاد السوري بنسبة 2 في المئة خلال العام المنصرم، وفيما تراجعت الصادرات السورية.

وتقلصت الحجوزات السياحية توقف تدفق العملة الصعبة على البلاد، وهو ما أدى إلى انخفاض العملة السورية، إلى أدنى مستوى لها مقارنة بالدولار الأميركي ليساوي الدولار حسب سعر الصرف الحالي 50 ليرة سورية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: لا عودة إلى الوراء أيا يكن الثمن .. علي حماده

2012-04-26

النهار

ينقل بعض زوار اصحاب القرار في نظام بشار الاسد، وهم من المقربين لكنهم معروفون بالثرثرة، ينقل هؤلاء عن احد القادة من الحلقة الاقرب الى الرأس ردا على سؤاله عن كل الارتكابات بحق الاطفال في سوريا قوله "ان المسؤول عن الاطفال الذين يقتلون هم الاهالي الذي يقومون بالتظاهرات والانشطة الارهابية، وان النظام لا يتوقف عند قتل الاطفال ولا النساء والرجال في سبيل البقاء والحفاظ على السلطة. "يضيف القائد المذكور "ان النظام اهم من بضعة آلاف يتم التغرير بهم، ومن هنا فاننا مستعدون لبحر من الدماء". بهذه العبارات يعبر محيط بشار الاسد عن "رؤيته" للصراع في سوريا. انه محيط يعكس حقيقة ما يفكر فيه بشار نفسه: انهم لا يرون شعبا ولا مطالب وحقوقا ولا عذابات متراكمة، بل يرون ان السلطة تبرر بحارا من الدماء، ويقال ان ماهر الاسد قال امام ضباطه في الفرقة الرابعة: "الله نفسه لن يجعلنا نتخلى عن الحكم"! وهذا ايضا ما يفسر اقدام ضباط كبار (لا نقول جنودا) في جيش بشار على تنظيم حملات القتل المنهجي والجماعي، ومنهم من ذهب غير مرة الى الاشراف على احراق الناس رجالا ونساء وهم احياء. هذا ما يفسر ايضا وايضا المشاهد المتكررة عشرات المرات حيث يسمع جنود بشار يرددون شعارات كافرة من قبيل "لا إله الا بشار"!

هذا غيض من فيض ما ينقل الينا من الداخل السوري الثائر على ارث حافظ الأسد. وهذه صورة جزئية للنظام الذي لا يملك ولن يملك الا منطق القوة لمخاطبة الشعب او التعامل معه. ومن هنا ضرورة التنبه الى ان ما يدور في عقل ورثة حافظ الاسد ليس حلولا سياسية، وان يكن بشار يزعم انه يحضر لانتخابات تشريعية في السابع من ايار المقبل! طبعا يعرف القاصي والداني ان انتخابات بشار هي انتخابات فوق جبال من الجثث وبحار من الدماء، وان اي مجلس شعب يخرج منها لن تكون شرعيته بافضل من تلك الشرعية المتهالكة التي يتمسك بها الاسد الابن راهنا. استنتاجنا مما تقدم هو أن المنطق الوحيد المطروح على طاولة الصراع مع جمهورية حافظ الاسد هو منطق القوة، الامر الذي يستدعي تحركا أكثر كثافة لتسليح نوعي ومكثف للجيش السوري الحر تحضيرا للمواجهة الآتية، بعد ان يتبين للجميع ان خطة كوفي انان لا يمكنها ان تنجح مع معدلات قتل يومية تصل الى مئة مدني سوري.

ان ثورة السوريين حقيقية ومتجذرة في عمق الوعي الوطني، والصمود حقيقي وواقعي، والدليل ان بشار لم يبسط سيطرته على اي من المدن والبلدات الثائرة. خلاصة الامر: لا تموت ثورة وراءها من يتوق الى الموت اكثر من الحياة المذلة التي يقدمها امثال بشار الاسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية: اختلاف على الحاضر واتفاق على المستقبل! .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 26 أبريل 2012

الحياة

يجري الأمين العام للجامعة العربية اتصالات مع مختلف أطياف المعارضة السورية، تحضيراً لاجتماع يضمّها منتصف الشهر المقبل، بهدف تذويب تبايناتها في أهداف سياسية موحّدة. وتدعم الأمم المتحدة و «مجموعة أصدقاء الشعب السوري» هذه المحاولة العربية، لأن ثمة حاجة ماسّة الى معارضة قادرة على تشكيل بديل من النظام السوري الحالي أو على لعب دور حيوي في أي مرحلة انتقالية محتملة يُفترض أن تقود الى تغيير جوهري في بنية النظام. فأحد أبرز الأسئلة التي يرددها النظام ومؤيدوه، كلما طُرح التفاوض على حل سياسي، هو: مع مَن تريدوننا أن نتفاوض؟

يعرف الوسطاء أن هذا النظام ألغى، على مدى عقود، وجود أي معارضة حقيقية، وكان السجن والنفي القسري والتصفية الجسدية نصيب من يبدي أي نقد أو رأي مخالف لما كان سائداً، ولا يزال متربصاً بكل من يمكن أن تظهره الأحداث... الى أن جاءه التحدّي من حيث لم يتوقع، من الفئات الشبابية وغير النخبوية التي قدّمت ولا تزال تضحيات غير مسبوقة فوضعت النظام في مأزق لم يستطع حسمه عسكرياً. لكنه واصل ترهيب المعارضة الموجودة في الداخل التي انضوت في «هيئة التنسيق الوطنية» وتضمّ شخصيات اعتبارية لها تاريخ في مقارعة النظام، لكن أحزابها الخمسة تتميّز بضآلة جمهورها وعدم مشاركة في فعاليات الانتفاضة وانقطاع التواصل بينها وبين «تنسيقيات الثورة». أما الشخوص و «الاحزاب» التي اصطنعها وعلّبها في ما سمّي «الجبهة الوطنية التقدمية» فيمسك عسسُه بخيوط تحريكها، كأن يرسلونها الى موسكو مثلاً بصفتها «المعارضة» المستعدّة لمحاورة النظام والموافقة طوعاً ومسبقاً على الاصلاحات التي ينتويها وهو مستمر بالقتل.

لذلك لم يتح للانتفاضة كيان سياسي داخلي للتعبير عنها وحمل طموحاتها، وعلى رغم مآخذ المعارضين النخبويين وقطاعات واسعة من شباب التنسيقيات على «المجلس الوطني السوري»، إلا أنه الإطار الوحيد الذي أمكن توفيره في الخارج وهو على تواصل وتنسيق مع الداخل آخذين في التطوّر. وعندما اشتدّ القمع وطال، ولم يبدِ النظام أي مبادرة سياسية ذات معنى، بل أمعن في الاعتماد على القتل، بدأت الانشقاقات ثم ظهر «الجيش السوري الحرّ» وراحت «حماية المدنيين» تتبلور كمهمة لهذا الجيش بعدما تعثّرت في مجلس الأمن الدولي. وهكذا ارتسم للمعارضة، من دون أي تحضير أو مقدمات، جناحان: سياسي وعسكري، بتوقعات شعبية عالية تجعل المجلس الوطني بمثابة «حكومة» مطلوب منها الكثير، لكن امكاناتها بالغة التواضع. صحيح ان النظام سارع الى الاستفادة من وجود «الجيش الحرّ» ليصوّر الأزمة على غير طبيعتها ويختزلها بمواجهة عسكرية يربح فيها الأقوى، إلا أن حقيقتها الشعبية السلمية واصلت مطاردته. فكما يخشى التظاهرات العارمة اذا أوقف القتل، كذلك يخشى الاقتراب من «حل سياسي» برعاية خارجية تمنعه من الاستفراد بمحاوريه وترهيبهم للقبول ب «تسوية» بدل طرح عملية ل «نقل السلطة». ولذلك فهو لم يكتفِ باختراق معارضات الداخل والتحكّم بسقف مطالبها، بل يكثّف جهوده لاستخدام وجوه منها لاختراق معارضة الخارج وتدبير تشرذمات في صفوفها لئلا يتكوّن جسم معارض قادر على فرض نفسه كمحاور أساسي في أي محاولة لإنتاج حل سياسي.

تبرر مجموعة «أصدقاء سورية» بالمجلس الوطني كممثل شرعي للشعب السوري بأنه أولاً المحاور الوحيد الذي أمكن الحصول عليه، وثانياً «المرجع» الوحيد الذي يمكن التعامل معه لفرض ضوابط صارمة على «الجيش الحرّ» وسلاحه وكذلك لضمان تعهده الحفاظ على الدولة والجيش وعدم وقوع البلد في فوضى مسلحة. وإذ تتفق دول «الاصدقاء» على أن وقف العنف شرط لازم لتفعيل «عملية سياسية شاملة» وفقاً لخطة كوفي انان، فإنها ترى وجوب الضغط على النظام «من فوق» بالاشتغال على روسيا للحصول على وقف للنار تحت المراقبة، و «من تحت» بالتوصل الى معارضة «موحدة» يؤازرها جمهور الانتفاضة. وبطبيعة الحال لا أحد يطمح الى توحيد المعارضة في اطار تنظيمي واحد بل الى الممكن، وهو «مانيفستو» يتضمن طموحات المعارضة بمعزل عن اختلافاتها الايديولوجية وخصوصيات مقاربتها لسورية ما بعد النظام الحالي. وتعتبر دول «الاصدقاء» عموماً أن ميثاقَي المجلس الوطني و «الإخوان المسلمين» متقدّمان ومقبولان سياسياً ويمكن البناء عليهما، ومع أنها تشكو من أن معارضي الداخل يملكون أفكارهم وهي جيدة لكنهم لا يملكون قرارهم، وبالتالي فهم لا يشكلون أي نوع من الضغط على النظام، إلا أنها تلحّ على استقطابهم لئلا يحوّلهم النظام أدواتٍ للتشويش على المجلس الوطني مستغلاً خوفهم من أن يكون بروز المجلس إلغاءً لهم، بدليل أنهم نسوا تقريباً معركتهم مع النظام وأصبحوا يتسقّطون هفوات المجلس.

يقول ديبلوماسي عربي شارك في لقاءات مع المجلس و «هيئة التنسيق» و «المنبر الديموقراطي» وهيئات اخرى إن المعارضة السورية تتفق مبدئياً في رؤاها المستقبلية وتتفرّق كلما استشعرت فصائلها ان المخاض الراهن لا يعطيها المكانة التي ترغب فيها، لكن المروّع في اصرارهم على خلافاتهم أنهم، على رغم مستوياتهم الفكرية العالية، لا يبدون واعين مدى مجازفتهم بطموحاتهم وأهدافهم وخصوصاً بتضحيات شعبهم. وفي دراسة بعنوان «مقاربة لخطاب وأداء المعارضة السورية منذ بدء الثورة» يلخّص الباحث المعارض الدكتور حازم نهار هذا الواقع كالآتي: «لا أحد مستعد للانضمام الى أحد، ولا أحد مستعد للتجاوب مع مبادرة أحد، والكلّ يدعو الكلّ لمبادرته الخاصة». ويلتقي الباحث مع معارضين آخرين جرى استطلاعهم على الاعتراف بأن لديهم أمراضاً موروثة من «ثقافة السلطة» التي ضخّها النظام طوال عقود تسلّطه. لكن، من دون أن يعني ذلك تبريراً أو جلداً للذات، يفيد الواقع بأن هؤلاء القوم لم يكونوا، الى شهور خلت، متعارفين ولا متحاورين ولا عاملين معاً ولا متصورين أن يدعوا الى الانخراط في عملية تتعلّق بمستقبل بلدهم سورية، ومن كان منهم منضوياً في تنظيم سياسي لم يكن لديه أي بصيص أمل في التغيير. كان عليهم أن ينجزوا في أسابيع أو شهور قليلة، ووسط مناخ لا يشجع أياً منهم على الثقة بالآخر، تحالفات يستغرق بناؤها سنوات عادةً في دول سويّة لا يعاني سياسيّوها من جلافة النظام الأمني.

يتوجب على المعارضين الحقيقيين في الداخل والخارج ألا ينسوا من يموتون يومياً لكي يعطوا الأمل لسورية والسوريين جميعاً، وأن هذه الدماء والأرواح تستحق أكثر من تعنّت النخبويين بأفكارهم أو ب «التنازع على المناصب» والمكانات. ثمة من يعتقد، عن حق، أن وقف النار والسعي الى حل سياسي مجرد أوهام ستنكشف عاجلاً أو آجلاً، وأن التظاهرات وحدها تسقط النظام، أما «الحوار» معه فهو إسقاط لمطلب إسقاط النظام. لكن، اذا كان لا بدّ من هذا الحوار فلتعتبره المعارضة فرصة لإطفاء آلة القتل ولتذهب اليه موحدة الأهداف. فهذه لحظة تاريخية نادرة لا يجوز أن تضيّعها المعارضة بتنافس أطيافها وتخاوفها.

* كاتب وصحافي لبناني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: الثورة راسخة والنظام الجديد مسألة وقت  .. شفيق ناظم الغبرا *

الخميس, 26 أبريل 2012

الحياة

بفضل الثورة السورية والحراك الذي صنعته يدخل ملايين السوريين حيز السياسة بعدما كان ذلك الحق حكراً على الدولة وحزب البعث، فمع كل يوم جديد تنضم قطاعات أكبر من الغالبية الصامتة إلى الثورة وذلك بهدف الإمساك بمستقبلها. وبينما تتعالى أمواج الثورة السورية يعجز النظام السوري، الذي يسقط كل يوم في الامتحان التاريخي، عن تصفيتها. إن انتصار الثورة السورية حتمي كما أن تحولها إلى دولة ونظام جديد مسألة وقت.

لقد تفجرت ثورة سورية لأن الشعب السوري لم يجد في قيادة الأسد والمجموعة التي تقف وراء قوته ما يلبي الحد الأدنى من طموحاته، فالنظام السوري الذي بدأ يعاني سكرات النهاية وآفاق الغروب يعيش في مؤخرة النظام الدولي والاقتصاد العالمي بعد أن سلم البلاد لأقلية من المتنفذين المعزولين عن بقية الشعب. وبينما تقاسم النظام السوري في زمن الرئيس حافظ الأسد بعض المنافع مع فئات مختلفة من المجتمع السوري في الأرياف، نجد أن سياسات بشار الأسد الاقتصادية أدت إلى عزل فئات واسعة من السوريين في درعا وإدلب وريف دمشق ومدن أخرى مثل حمص وحماة. لقد ثار الشعب السوري عندما تبين له أن أسلوب النظام الأمني وامتهانه لكرامة المواطن وحرياته وضيق أفق سياساته الاقتصادية والأمنية تدفع بالسوريين في قراهم ومدنهم إلى الحائط.

وتمثل الثورة السورية حالة امتداد لرغبة السوريين في العودة إلى المسرح الإنساني والعربي، وهي في الوقت نفسه تعبير عن سعي السوريين لبناء سورية ديموقراطية ونامية في ظل تغير شامل في القيم والحقوق والفكر والممارسات. هذا البعد في الثورات العربية وفي الثورة السورية بالتحديد هو الذي يوجه حراكها الواسع ويؤجج تفاعلاتها. الديموقراطية القادمة في سورية لن تكون انتخابات فقط، فالناس لا تضحي على هذا المستوى للخروج بانتخابات تسيطر عليها فئة محدودة من الناس تؤدي إلى إعادة إنتاج حزب البعث والنظام القديم. الديموقراطية القادمة في سورية ستضمن حقوق كل مواطن في ظل عودة السياسة والحريات إلى بلد حرم منها لمدة تجاوزت الأربعين عاماً. ويقف وراء الغضب السوري مجتمع يريد إيقاف آلة القتل ضده وحماية حقوقه وتحقيق التداول على السلطة الذي سبب غيابه الديكتاتورية الأسدية. في سورية القادمة سيكون للكرامة الإنسانية مكانة وللعدالة الاجتماعية والاقتصادية موقع يضع حداً فاصلاً بين القديم والجديد.

وللثورة في سورية تعبيرات ووجوه عدة: شعب يحب الحياة نجده يتعايش مع الدبابة قرب بيته، لكنه يتظاهر ضدها عند كل منعطف، وهو في الوقت نفسه شعب يسعى لنهاية حقبة الظلم متحلياً بطول النفس وصلابة الإرادة. الاقتصاد السوري لم يعد يحتمل قوة الثورة وطول أمدها بل نجده يزداد إضعافا للنظام وقدراته. وفي الوقت نفسه يقع الجيش تحت ضغط كبير في ظل تنامي قوة «الجيش الحر» الذي يتقبل متطوعين من الشعب السوري على أوسع نطاق. «الجيش الحر» أصبح جزءاً من المعادلة، وهو يتحرك في مناطق واسعة حول دمشق وحول المدن وداخلها. سورية الثورية في بداية تكوين جيش وطني جديد ينتشر في كل المواقع، ويعبر عن قدراته في الليالي الطويلة.

لقد خرجت مدن ومناطق كاملة في حمص عن سلطة النظام، بينما يختنق النظام المسيطر على دمشق بفضل ثورة ريف دمشق الموسعة. وفي الوقت نفسه تتعمق الثورة في كل من درعا وريفها وإدلب وريف حلب ومناطق أخرى ممتدة. في الليل يسيطر الثوار وفي النهار يعود الجيش إلى بعض المناطق قبل أن يرعبه الليل. إن مسلسل خروج المناطق عن سيطرة النظام سوف يزداد انتشاراً في كل الاتجاهات. لقد سقطت سيطرة النظام بمجرد صمود الناس أثناء حملاته العسكرية الفاشلة هذا الشهر والشهر الماضي. ثورة سورية هي ثورة المستحيل، فمع كل قمع ومع كل هدم لأحياء وقرى هناك إصرار أعمق على الاستمرار في الثورة وسقوط أكبر للدولة.

الدولة في سورية دخلت مرحلة الفشل، فهي متراجعة عن تأمين الكهرباء والمياه والمدارس وكل المرافق، حتى سيارات الدولة بدأت تنفذ، بعضها يصادرها «الجيش الحر» وبعضها تصادرها جماعات الشبيحة التي أطلقها النظام وأصبحت خطراً عليه كما هي خطر على الشعب. الدولة السورية في حالة انهيار مما يؤكد أن النظام يخلق لنفسه كل يوم أعداء جدداً. والأهم في قصة انهيار الدولة السورية أن المواطنين في المدن والأحياء والقرى الممتدة سرعان ما أنشأوا لجاناً وانتخبوا ممثلين يعبئون فراغ الدولة ويؤمنون الخدمات الأساسية. هكذا تبرز من جراء انهيار الدولة إمكانيات المجتمع السوري المدني على إنتاج مكونات دولة جديدة. من كان يتوقع من بين الثوريين السوريين الذين بدأوا الثورة أن ينهار نظام البعث المتجبر بهذه السرعة؟ إن أكثر الثوريين تفاؤلاً توقع أن تكون سورية آخر ثورات الربيع العربي.

وتنفجر الثورة السورية على مراحل، وتتعمق عند كل منعطف بينما البيئة الدولية والعربية هي الأخرى تتداخل مع تجليات الثورة. بين شعب ثائر يغير الحقائق بشجاعة كل يوم، وبين بيئة دولية وإقليمية تقدم اعترافاً وتنشئ مراقبين دوليين وقرارات دولية ومؤتمرات أصدقاء سيتحدد الوضع القادم.

يعلمنا التاريخ أن الأنظمة الاستبدادية تفشل في فتح مجال الإصلاح لأنها تعرف أنه يمهد لنهايتها. وما الإصلاحات التي أعلنها النظام إلا ذر للرماد في العيون بينما يمعن في الحل الأمني المرعب. إن النظام السوري الذي تقوده عائلة الأسد غير قابل للإصلاح وللتطويع أو لإعادة الإنتاج. إنه نمط من الأنظمة التي ينقلب عليها التاريخ بمجرد أن يعي الناس طبيعتها. فالأنظمة الأمنية الديكتاتورية تسقط بفضل تجاوزاتها وعمق فسادها وطول بقائها وبفضل انتشار الوعي الذي تسببه الحراكات والثورات بطبيعة مأزقها وضيق أفقها. إن النظام السوري لم يكن ليتقبل وحدة السوريين أو حرياتهم أو تنمية تؤدي إلى دولة مزدهرة ديموقراطية. لم يكن النظام ليقبل باحترام الإنسان. لقد هرب النظام بكل دمويته وراء شعار «المقاومة» التي عمل لتفريغها من محتواها.

إن محدودية النظام السوري القائم أساساً على مصالح عائلية وأمنية ضيقة دفعته إلى ممارسات مرعبة. لم ينتبه النظام السوري إلى أن هذا القمع ساهم في تطوير الثورة فكراً وممارسة وساهم في تسليحها ومهد الطريق لتدمير مكونات النظام السياسي السوري القديم على كل مستوى بأكثر مما فعلت الثورات في كل من مصر وتونس واليمن. إن ضيق أفق النظام وسعيه المتسرع للحلول الدموية كما حصل في بداية الأحداث في درعا فجر كل شيء ووضع السوريين في مرحلة اللاعودة مبكراً. لهذا فسورية مقبلة على تغير سيكون الأكثر جذرية من بين الثورات العربية. إن من نصحوا النظام بأن القمع سيوقف المد وينهي الثورة ويغلق بابها كانوا من أكثر من ضلل النظام. ما وقع في سورية ليس كالربيع الإيراني القصير الأمد، ولا هو كانتفاضة العراق ضد صدام في الجنوب عام 1991. الثورة السورية مخلوق مختلف من عمق أعماق الشعب السوري ومن تاريخ قديم يتجدد. هذه يقظة سورية، وهي تتجاوز حسابات النظام الضيقة ونصائح أصدقائه. السوريون يبنون عالمهم الحر بصلابة وجدارة، وهذا سيجعل تحررهم راسخاً ومجدداً لسورية وللمشرق العربي.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل المنطقة بانتظار حرب جديدة في ضوء تعقيدات الأزمة السورية؟! .. صالح القلاب

الشرق الاوسط

26-4-2012

«الحرب أولها الكلام»، والواضح أن التأزيم الطائفي المتصاعد الذي بدأه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي داخليا، قد اتخذ بعدا إقليميا أولا بدخول إيران على الخط من أعرض الأبواب وأوسعها، وثانيا باستهداف تركيا وافتعال معركة كلامية مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وهذا كله وضع المنطقة أمام احتمال اشتعال حرب إقليمية ذات أبعاد مذهبية، أساسها هذه الأزمة السورية التي بقيت تزداد تعقيدا على مدى عام مضى وأكثر، بسبب إصرار نظام بشار الأسد على معالجات تكسير العظام والحلول الأمنية، ونتيجة تدخل الإيرانيين على هذا الخط منذ اللحظة الأولى.

فور انطلاق شرارة الأحداث السورية بادر الرئيس بشار الأسد شخصيا إلى التهديد بأنه إذا تعرض نظامه إلى أي استهداف جدي فإن الدمار سيشمل المنطقة كلها، وأن الدول المجاورة ستدفع الثمن غاليا، ولذلك، واستنادا إلى هذا التهديد، فقد ساد اعتقاد، تأكد لاحقا، بأن إيران ستدفع في اتجاه مواجهة إقليمية لتعزيز رؤوس جسور نفوذها في الإقليم كله، ولتستبعد أي دور لتركيا الأردوغانية في المحيط العربي وفي الشرق الأوسط، ولتضمن سيطرتها الكاملة على العراق أو على جزء منه، وتحافظ على هذا النظام السوري الذي هو أكبر وأهم حليف لها في هذه المنطقة الاستراتيجية.

ولذلك عندما يأخذ الفرز في الإقليم الشرق أوسطي كل هذا الطابع الحاد بملامح طائفية واضحة، حيث هناك المحور الإيراني الذي يضم سوريا بشار الأسد وعراق نوري المالكي، ويضم أيضا الجزر «الديموغرافية» ذات اللون المذهبي في المنطقة العربية، مثل حزب الله اللبناني، والمجموعات الحوثية في اليمن، والذي يقابله تمحور يعطيه البعض بعدا مذهبيا معروفا يضم تركيا وكل دول الخليج العربي، ويضم أيضا إقليم كردستان بزعامة مسعود بارزاني، وإياد علاوي وتحالفه، ومعهما التيار الذي يمثله طارق الهاشمي - فإن هذا يعني أن المواجهة الساخنة ببعد إقليمي تصبح واردة في أي لحظة يصبح فيها ضبط النفس متراجعا لمصلحة النزوات الحادة والقرارات الخطيرة غير المحسوبة العواقب.

وهنا فإن ما يعزز كل هذه التقديرات أن الواقع الدولي أصبح هو أيضا بدوره مقسوما إلى معسكرين متناحرين، وعلى غرار ما كان في مراحل صراع المعسكرات، فهناك الآن روسيا والصين، ومعهما بحدود معينة الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، كاتجاه واضح الانحياز إلى إيران وسوريا بشار الأسد ومن معهما ويدور في فلكهما، كالاتجاه الذي يمثله نوري المالكي في العراق، وكحزب الله اللبناني، وباقي الجزر الطائفية المتمذهبة التي باتت بمثابة جاليات إيرانية في المنطقة، وهناك في المقابل دول الغرب الأوروبي ومعها أميركا، وإن بنسب متفاوتة، ودول الخليج العربي كلها، وإن بنسب متفاوتة أيضا، كاتجاه واضح الانحياز إلى تركيا التي هي رأس حربة هذه المجموعة، وواضح الانحياز أيضا إلى الثورة السورية.

ولعل ما يؤكد وجود مثل هذا الاستقطاب المشار إليه أن روسيا ماضية، كما هو واضح، في خوض معركة بشار الأسد ضد شعبه بالدبلوماسية والأسلحة، وبالقواعد البحرية في طرطوس، والأساطيل المرابطة في البحر الأبيض المتوسط مقابل الشواطئ السورية، وأيضا بالخبراء والمخابرات، وربما بالأموال أيضا، وإن الصين لا تزال تنحاز سياسيا، وإن على استحياء وخجل، إلى هذا النظام السوري، وبخاصة في مناورات الكر والفر والمواجهة المستمرة في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة.

كما أن ما يثبت وجود هذه الخارطة أيضا أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يخجل من اتهام المعارضة السورية بأنها تسعى لإقامة نظام سني في دمشق، وأن محمود أحمدي نجاد قد قام قبل أيام بزيارته الاستفزازية إلى جزيرة (أبو موسى) الإماراتية المحتلة، وأن نوري المالكي تقصد القيام بزيارته الأخيرة إلى طهران، وفي هذا الوقت بالذات، حيث بلغت عمليات الاستقطاب بملامح مذهبية وطائفية في هذه المنطقة ذروتها، وحيث استقبله نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي بتصريحات تصعيدية دعا فيها إلى إقامة اتحاد بين العراق وإيران «بشكل تام.. ولتشكيل قوة كبيرة على الصعيد العالمي»، وكل هذا وقد أصرَّت القيادة الإيرانية، في خطوة لها معناها، على نقل المفاوضات النووية بينها وبين الغرب الأوروبي، ومعه الولايات المتحدة، من أنقرة إلى العاصمة العراقية بغداد. وكل هذا والمعروف أن نظام بشار الأسد قد حاول منذ البدايات افتعال مشكلة مع تركيا من خلال العودة لاحتضان حزب العمال الكردستاني التركي، ودفعه للقيام بعمليات عسكرية عبر الحدود الطويلة بين البلدين ضد أهداف تركية عسكرية ومدنية على حد سواء، على غرار ما كان يحدث قبل اتفاقية عام 1998 التي بناء عليها تم تسليم عبد الله أوجلان تسليم اليد إلى أنقرة.

لكن يبدو أن تدخل الزعيم مسعود بارزاني العاجل على هذا الخط، وتأكيده على أنه لا حل للمشكلة الكردية في تركيا بالوسائل العسكرية، ومنع قوات حزب العمال الكردستاني التركي من التسلل إلى الأراضي التركية عبر الحدود العراقية في منطقة كردستان العراق، قد أفشل هذا المخطط السوري لكنه لم يلغه تماما، حيث تواصل إيران الإلقاء بثقلها في هذا الاتجاه، وحيث إنه من غير المستبعد أن يقوم نوري المالكي بدور كهذا الدور الإيراني عبر الحدود العراقية - السورية البعيدة عن سيطرة حكومة إقليم كردستان العراق الذي يتحكم بخطوط التماس مع تركيا من مناطق حاج عمران في الشرق، وحتى منطقة «زاخو» عند معبر إبراهيم الخليل في الغرب.

وقبل ذلك فإن المعروف أيضا أن بشار الأسد قد حاول جر إسرائيل إلى اشتباك عسكري محدود، ليُظهر أن نظامه مستهدف باعتباره نظام «ممانعة ومقاومة»، ولأنه في مواجهة مع «العدو الصهيوني والإمبريالية العالمية»!! من خلال إرسال مجموعات من الشبان الفلسطينيين لاقتحام الأسلاك الشائكة في اتجاه الأرض المحتلة عبر الجولان، لكن تلك المناورة لم يكتب لها النجاح لأن الإسرائيليين، كما يبدو، أفهموه أن عليه أن لا يكرر هذه اللعبة المكلفة معهم، ولأن حلفاءه الروس ربما نصحوه بأن لا يدفع بنيامين نتنياهو إلى تغيير موقفه تجاه ما يجري في سوريا من خلال مثل هذه الألاعيب الصبيانية.

والآن وقد أصبح الاستقطاب في هذه المنطقة بملامح مذهبية واضحة، فإن ما بات مؤكدا أن هذا التحالف الذي تقوده إيران، والذي تقف روسيا خلفه بكل ثقلها، سوف يفتعل مواجهة عسكرية مع تركيا، إن بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وإن عبر الحدود الإيرانية - التركية أو عبر الحدود السورية – التركية، إذا ما أحس بأن نهاية نظام بشار الأسد غدت مؤكدة وقريبة، ولعل ما لا جدال فيه أن نوري المالكي الذي بات مصيره مرتبطا بمصير النظام السوري، سيجد له موقعا في مثل هذه المواجهة، إن بالأموال والسلاح، وإن أيضا بالمقاتلين الذين سيستهدف بهم الإقليم الكردي بحجة الانتصار لعروبة العراق ووضع حد لما يعتبره النزعة الكردية الانفصالية.

لا يمكن أن تترك إيران هذه المنطقة وشأنها إن هي تأكدت من أن نظام بشار الأسد، الذي هو أكبر حلفائها في الإقليم كله، ساقط لا محالة، والمؤكد أنها ستبادر إلى افتعال مواجهات عسكرية ليشمل الدمار الجميع، وليكون لتركيا نصيب من هذا الدمار، وليصبح بالإمكان إقامة الدولة الطائفية التي بقيت تحلم بها في جنوب العراق لتكون بمثابة جسر مذهبي متقدم في اتجاه المملكة العربية السعودية وباقي الدول الخليجية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا اشترت الدعم الروسي بالنفط والغاز! .. هدى الحسيني

الشرق الاوسط

26-4-2012

قال لي مرجع أميركي إن النظام السوري لديه ورقة واحدة كبيرة: روسيا. إذا روسيا دعمت النظام سيكون بخير، وإلا، فإنه سيسقط. وأضاف: الولايات المتحدة تحتاج إلى روسيا في إيران التي تشكل أولوية. ثم إن سوريا هي المكان الوحيد في المنطقة حيث تتمتع روسيا بنفوذ كبير، وهناك أمر آخر مهم وهو أن الولايات المتحدة لا تريد أن ترى الأسلحة الكيميائية السورية تقع في أيدي مجموعات إرهابية.

يبدو أنه ردا على المساعدة الروسية، سمح النظام السوري لشركة النفط الروسية العملاقة «غازبرون»، بأن تأخذ مكان شركة الطاقة الكرواتية، في حقول النفط والغاز في سوريا وهذه تقدر بمليارات الدولارات. وقال بعض العارفين، إن هذا هو الثمن الذي انتزعته روسيا من سوريا مقابل استمرار دعمها.

رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين (سيصبح رئيسا الشهر المقبل) وخلال سؤال وجواب في مجلس الدوما في أوائل هذا الشهر قال: «إن لموسكو استثمارات كثيرة في الشرق الأوسط، ليس من أجل التضامن الآيديولوجي، إنما من أجل المال والمصالح».

وفي دردشة مع مسؤول عربي مخضرم حول سوريا، شدد على «حمص بوابة السنّة البرية إلى البحر، حيث هناك جبال العلويين». قال، لنتذكر ما حصل في البوسنة، ومجازر موستار وسربرينيتسا، حيث سقط عشرات الآلاف وانتهى الأمر، بتدخل الأطلسي، وبمجموعة دويلات. أشار إلى القاعدة الروسية وتعني منفذا مشتركا روسيا - إيرانيا على البحر المتوسط: «لا تنسَي المصلحة الروسية - الإيرانية بغاز ونفط لبنان وسوريا».

يعود إلى التركيز على حمص، إنها الطريق من الأرض العلوية إلى الهرمل والبقاع في لبنان: «لهذا يريد النظام السوري السيطرة عليها بدعم من الروس والفرس، ومن جهة أخرى فإن الإسرائيليين لم يتراجعوا بعد عن دعم نظام الأسد الذي حافظ على استقرار جبهتهم الشمالية منذ عام 1973. في الماضي، عندما كان النظامان يختلفان كانت ساحة المعركة لبنان».

من المؤكد أن هذا الدعم سيقوى الآن، خصوصا بعد الذي يجري في مصر والمجهول الذي تتجه نحوه العلاقات المصرية - الإسرائيلية، وما يجري في سيناء.

لكن هل الروس هم العائق الوحيد بالنسبة إلى سوريا أم أنهم تحولوا إلى شماعة يعلق عليها الآخرون عجزهم؟

في لقاء بين مسؤول خليجي كبير ومسؤول أميركي جرى النقاش حول «ماذا بعد» في سوريا، إذا ما فشلت خطة كوفي أنان «التي نعلم جميعا أنها لن تنجح»؟ في إيضاحاته كان المسؤول الأميركي صريحا جدا، إذ قال: «إن الإدارة ليست بصدد اتخاذ قرارات على المدى القريب تتعلق بالملاذ الآمن ناهيك بتطبيقه. صحيح أن واشنطن تدرك مزايا الملاذ، لكن العائق الكبير أمام تطبيق مثل هذه الخطة هو معرفتها، بأنه عكس الحال الذي انسحب على ليبيا، فليس هناك إجماع عربي (ممثلا بالجامعة العربية) حول الملاذ الآمن، وبالتالي فإن الولايات المتحدة إذا دعمت هذه الخطة، ستجد نفسها في النهاية تقوم بتنفيذها لوحدها». وأضاف «علاوة على ذلك أقدمت عدة حكومات عربية على تقديم تعهدات (شفهية) عديدة، بدعم المعارضة بالسلاح، والأموال وما إلى ذلك، لكنها في (التطبيق) لم تفعل شيئا يُذكر. وفي وقت كان هناك حديث عن (ملاذ آمن)، لم تتطوع أي دولة للقيام بدور تطبيق ذلك. يضاف إلى هذا كله، أن الدول العربية لا تدعم المقاطعة بشكل فعال، حيث من شأن ذلك أن يشل قطاع الأعمال السوري، فضلا عن النظام».

أبلغ المسؤول الأميركي نظيره الخليجي، بأن الأميركيين سمعوا كثيرا التحليلات القائلة، إنه بمجرد إقامة الملاذ الآمن، وتوجيه إنذار إلى الجيش السوري بأن لا يعتدي أو يخرق «حرمة» الملاذ الآمن «سيبدأ النزف في المؤسسة العسكرية السورية»، «نحن نحب أن نصدق أن هذا سيحدث (...) لكن من دون دعم عربي، وتعاون، ومشاركة على نطاق واسع، فمن المستبعد جدا تحقيق خيار الملاذ الآمن، ولا حتى في سياق استخدامه كوسيلة لإيصال المساعدات الإنسانية».

في رأي المسؤول الأميركي، تبقى روسيا عقبة أخرى في وجه المزيد من المشاركة. حاول المسؤولون الأميركيون إقناع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن التعاون الروسي في المسألة السورية سيحقق «الكسب» للطرفين: أميركا وروسيا، وستكون موسكو أكبر الرابحين لأن لديها النفوذ لإقناع الرئيس بشار الأسد ونظامه بالتنحي، وفي الوقت نفسه تساعد في تشكيل المستقبل السياسي لسوريا الجديدة، وبهذا تحافظ روسيا على مصالحها في سوريا ويتوسع إطار مصالحها في دول أخرى في المنطقة نتيجة «الحل الدبلوماسي الناجح».

لكن، وعلى ما يبدو، لا يزال الروس متضايقين مما جرى في ليبيا، أيضا، كما قال السياسي الأميركي: «بدل أن يستفيد الروس من أنهم دعموا قرار مجلس الأمن المتعلق بليبيا، ويعيدوا إحياء العلاقات مع النظام الليبي الجديد، (كما هو)، فضلوا اتخاذ موقف سلبي قائلين إنهم تعرضوا للخيانة بسبب تغيير النظام في ليبيا. مرة أخرى، إنها سياسة قصيرة النظر».

يعتقد المسؤولون الأميركيون، أن جزءا من مشكلتهم مع روسيا، أن بوتين ليس محاورهم الأساسي، حيث إنه لن يكون في الكرملين كرئيس إلا الشهر المقبل: «وعندما يحدث هذا، قد تتوفر لنا فرصة جديدة، حيث سنناشد ال(أنا) لديه، ليفعل ما هو ضروري».

في الوقت الحالي، قال المسؤول الأميركي، المقصود كما تبين في اجتماع باريس الأخير، هو أن نرى ما سيحدث مع مراقبي الأمم المتحدة وتطبيق خطة أنان، وتشديد العقوبات والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على النظام السوري ونرى ما إذا كانت كل هذه الأمور ستؤدي إلى وقف حقيقي لإطلاق النار والامتثال لكل شروط خطة أنان التي ستؤدي لاحقا إلى مفاوضات ما بين النظام والمعارضة.

هناك عامل حساس جدا، قد يجبر الإدارة الأميركية على مراجعة موقفها، هو الانتخابات الرئاسية المقبلة والحملة التي ستترتب على ذلك في هذا الصيف، حيث التوقعات بأن المرشح الديمقراطي ميت رومني، سيهاجم من دون شك، قيادة الرئيس باراك أوباما الضعيفة على صعيد السياسة الخارجية، كما أشار استطلاع أخير أجرته مؤسسة غالوب - ميريديان، حيث أعطى سوريا كمثال، إذ إن المتظاهرين السوريين ما زالوا يتعرضون للقتل.

قد لا تصغي الإدارة لتحليلات السياسيين الآن، لأنه على قائمة المخاوف الأمنية في واشنطن والعواصم الغربية مصير مخزون الحكومة السورية من الأسلحة الكيميائية. البنتاغون يقول إن المؤسسة العسكرية الأميركية لا تزال تشعر بالقلق حيال أكثر الأسلحة السورية فتكا «لكنها تعتبرها آمنة في الوقت الراهن». رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن دمبسي قال أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: «إننا نراقب عن كثب المنشقين عن الجيش السوري ونراقب تركيبة قيادة ذلك الجيش لنتأكد من أن الأسلحة الكيميائية لا تزال تحت سيطرة النظام».

وحسب تقرير للجيش الأميركي، فإنه قد يحتاج إلى 75 ألف جندي على الأرض لتأمين المنشآت الكيميائية السورية ومواقع إنتاجها المنتشرة في 50 موقعا. سوريا ليست عضوا في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ووكالات استخبارات أجنبية أن برنامج سوريا للأسلحة الكيميائية يعود إلى أوائل الثمانينات وهو واحد من الأكبر والأكثر تطورا في العالم.

مع استيلاء الجيش السوري على حمص، ضمن الغرب أن مصير برنامج الأسلحة الكيميائية يبدو آمنا وتحت سيطرة قوات النظام.

الحقائق على الأرض قد تتطور وتقلب الوضع رأسا على «عقب»: إما تسليح وتدريب وتمويل المعارضة، أو البدء في إعادة مد الجسور مع... بشار الأسد!

إذن، في كل الحالات نعرف أن الضحية هو الشعب السوري، لكن بالنسبة إلى بقية الأطراف: من يخدع من؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ربيع عربي بجحيم طائفي! .. منار الرشواني

الغد الاردنية

26-4-2012

يتظاهر عراقيون في منطقة الرمادي ذات الأغلبية السُنّية تأييداً للثورة في سورية، ليتبعهم مواطنوهم في البصرة ذات الأغلبية الشيعية متظاهرين تأييداً للمحتجين في البحرين. وحتى بعد نجاح الثورة، في خطوتها الأولى عبر الإطاحة برأس النظام، يتمترس مصريون ويقتتلون على جانبي خط "المواجهة" الديني الإسلامي-المسيحي، ويحاكيهم الليبيون "الأحرار" بحدود المتاح لهم من "انقسامات" قبلية!

هكذا تتحقق الذرائع (الأماني) التي يسوقها أنصار الاستبداد في تبرير دفاعهم عن الأنظمة الساقطة أو الآيلة للسقوط، من خلال تصويرها أنظمة صانعة للاستقرار وحاقنة للدماء المراقة في صراعات وحروب أهلية. بل أكثر من ذلك تغدو أكثر هذه الصراعات والحروب قابلة لأن تكون قومية لا قُطرية فحسب، تهدد بتدمير المنطقة ككل، وإعادة رسم ملامحها بشكل أكثر تشويها.

والغريب أن كثيرا من سياسيي الربيع العربي ومثقفيه المنادين بالديمقراطية والمواطنة، هم من يساهمون في هذه المرحلة بقسط كبير، يكاد ينافس جهد طبقة المستبدين، في زرع جحيم الحروب الأهلية في قلب الربيع العربي. يبدو ذلك خصوصا نتيجة تبسيط أو إنكار جذور الانقسام والاستقطاب والتعبئة الطائفية والعرقية والجهوية الموجود في كثير من المجتمعات العربية، وبالتالي التقليل من حجمها الحقيقي اليوم وتبعاتها المستقبلية لاحقا. فهؤلاء "الديمقراطيون المواطنون" عندما يختزلون أسباب تلك الانقسامات والاستقطابات، المتفجرة أو القابلة للتفجر، في الاستبداد وحده، فإنهم بذلك يحيلون ذات الدواء، أي زوال الاستبداد، إلى الداء الأكبر، وهو الاحتراب الأهلي؛ وطنيا وقوميا.

ثمة فرق كبير في التشخيص والعلاج الضروري أيضا بين المغالطة السائدة اليوم بأن الانقسامات في المجتمعات العربية، على أي معيار، هي صنيعة الاستبداد، وبين حقيقة استغلال هذه الانقسامات الموجودة أصلا وتعميقها من قبل الأنظمة الاستبدادية لضمان تسيدها واستمرارها دون أي شرعية. وحتى لو قبلنا جدلا الصورة الوردية غير الصحيحة، أو غير الدقيقة في أحسن الأحوال، للمجتمعات المتآخية التي لا تعرف تمييزا وتمايزا في العرق أو الدين أو الطائفة والمذهب، في الأيام الفاصلة بين الاستعمار الغربي وبين الاستبداد الوطني وحتى ما قبل ذلك، فإنه فيظل صحيحا أنه لم يعد ممكنا اليوم القفز عن كل الحقائق الكارثية التي خلفتها السياسات التدميرية للأنظمة على هذا الصعيد لما يصل إلى نصف قرن. فالاستبداد وجد، في أحد أسبابه على الأقل، بالانقسام المجتمعي، تماما كما استمر عبر العمل على تعزيزه.

وإدراك هذا الفرق لا يفرض فقط خطابا مختلفا في المرحلة الانتقالية الحالية، خصوصا تجاه ما يسمى "أقليات"، بل ويقتضي ذلك أيضا رؤية حقيقية عملية للخروج نحو الاستقرار القائم على المواطنة الكاملة لجميع مكونات المجتمع، أفرادا وجماعات. وبشكل أوضح، فإن الحديث عن "المواطنة" في دول ما بعد الربيع "حلا سحريا" لمواجهة المستقبل لا يبدو منطقيا الآن، بل المطلوب حاليا اعتراف بالتمايز، وتطمين مكونات المجتمع كافة بضمان تمثيلها في كل مؤسسات الدولة القادمة، وصولا إلى المواطنة المستقرة والحقيقية وليس المفترضة.

التحدي الحقيقي هو القدرة على الموازنة بين صيانة الهوية الوطنية الجامعة، مع ضمان حق الهويات الفرعية في التعبير عن نفسها، وليس إنكارها بحسن نية أو سوئها.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com