العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-04-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تراجع قرارات القمة العربية لصالح الأسد

د. عوض السليمان

القدس العربي

الجمعة 28/3/2014

من الواضح أن القمة العربية التي اختتمت اليوم في الكويت تراجعت عدة خطوات للوراء فيما يتعلق بدعم الشعب السوري وتخليصه من نظام بشار الأسد. وقد بدا ذلك من خلال رفض المؤتمرين في منح كرسي الجمهورية العربية السورية إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

المعيب حقاً أن هذه القمة أطاحت بمقررات القمة العربية السابقة في الدوحة، والتي قررت منح مقعد سوريا إلى المعارضة، وقد جلس وقتها السيد معاذ الخطيب بين رؤساء الدول ووفودها.

السيد نبيل العربي ومنذ شباط /فبراير الماضي سعى بكل قوة لانتزاع المقعد من المعارضة السورية، بحجة أن الموافقة على أخذ هذا المقعد تحتاج إلى موافقة أعضاء الجامعة كلهم وليس أغلبيتهم.

وقد حاول السيد العربي تضليل الرأي العام من خلال هذا الموقف المتعمد مبتعداً عن حقيقة أن المقعد كان فعلاً بيد المعارضة وأن انتزاعه يحتاج إلى أغلبية مطلقة أو أغلبية الثلثين من الأعضاء الحاضرين، وهذا يعني أن المقعد من الناحية القانونية يجب أن يكون مخصصاً للسيد أحمد الجربا ممثلاً عن سوريا بقطع النظر عن موقفنا منه.

ولدى معرفتنا بأن ثلاث دول عربية فقط هي الجزائر ولبنان والعراق كانت ضد تسليم المقعد للمعارضة فيعني أنه لم تتحقق الأغلبية المطلقة ولا حتى النصف من أجل إقرار انتزاع مقعد سوريا من الائتلاف الوطني.

من الصادم أيضاً أن يقوم وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم التحضيري بمناقشة نزع تمثيل المعارضة السورية من الجامعة العربية بحجة اعتراض الدول المذكورة آنفاً، إذ أن النظام الداخلي للجامعة ينص على أن السادة الوزراء يناقشون تنفيذ القرارات التي صدرت عن القمم العربية ويستعرضون آراء المندوبين الدائمين في الاجتماعات السابقة. وهذا يوضح أن وزراء الخارجية العرب قاموا بما لم يطلب منهم في سبيل إقصاء المعارضة السورية عن حضور الاجتماعات.

يؤسفني بشدة أن لا تراعي الكويت البلد المضيف للمؤتمر، قرارات القمة السابقة في الدوحة وتطلعات الشعب السوري في تسليم المقعد للمعارضة مقابل الحفاظ على وفود الجزائر ولبنان والعراق، الذين ساهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في تمكين حكم الأسد وإهراق الدم السوري.

يستغرب بعض المتابعين من إصرار الجامعة العربية على إبعاد المعارضة السورية عن حضور اجتماعاتها، بينما نجده نحن أمراً معتاداً، فلم تتدخل الجامعة في قضية عربية إلا وأفسدتها وأحالتها وبالاً على أصحابها لا أعدائها، ويكفي أن نتذكر ما حدث في فلسطين والعراق واليوم في سوريا.

إن تراجع الموقف العربي من الثورة السورية لمصلحة الأسد لا علاقة له فعلاً بالمواقف العربية، فهذه الدول ليست ذات مواقف يعول عليها، وإنما مرد ذلك لتراجع الولايات المتحدة وحلفائها أمام الأسد مقابل تسليم السلاح الكيماوي.

فقد تراجعت المواقف العربية المنادية بتسليح المعارضة نوعياً إثر الاتفاق الروسي الأمريكي حول السلاح الكيماوي، ولم يكن للدول العربية ماض ولا حاضر في معارضة المواقف الأمريكية.

لا أشك أن كل منصف يدرك أن التواطؤ على خذل الثورة السورية لم يكن شرقياً على الإطلاق، بل هو شرقي غربي عربي، لا أكاد أرى فرقاً بينها جميعاً.

لم نتوقع أن تخالف الدول العربية حليفتها الولايات المتحدة، ولا نتوقع أن تقوم بتسليح المعارضة بالسلاح النوعي دون إرادة امريكية واضحة. وإن تسليم السلاح الكيماوي هو أهم عند واشنطن من عشرين مليون سوري قد يبيدهم الأسد في ظل صمت معيب وعار في جبين الإنسانية جمعاء.

فرنسا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران ومعركتها العقائدية الكبرى في سوريا

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/3/2014

تقول مصادر روسية مطلعة، وعلى اتصال وتنسيق كبيرين مع القيادة الإيرانية إن إيران لا تخوض في سوريا حرباً جيو – سياسية فحسب، بل أصبحت سوريا بالنسبة لها معركة عقائدية مذهبية بامتياز.

ليس صحيحاً أبداً أن إيران قوة قومية فارسية تغطي مطامعها التوسعية في المنطقة برداء مذهبي، بل هي في الحقيقة تحمل مشروعاً مذهبياً لا تخطئه عين، أصبح أشهر من نار على علم في كل البلدان، التي تتمتع فيها بنفوذ.

فالحوثيون في اليمن باتوا يرفعون شعارات وصور الولي الفقيه في كل مكان. وقلما تجد مسؤولاً حوثياً دون أن ترى وراءه صورة لعلي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.

وحدث ولا حرج عن العراق، الذي باتت شوارعه تزخر بكل مظاهر ولاية الفقيه، لا بل إن بعض الجامعات العراقية باتت مطالبة بتدريس فكر وتوجهات الإمام الخميني بشكل علني. أما في جنوب العراق، فتعمل إيران بكل الطرق والوسائل لتحويل المنطقة شعبياً وثقافياً واجتماعياً إلى كيان يشبهها تماماً.

وحتى في سوريا ذات الأغلبية السنية، فهناك عمليات تشييع منذ عقود، وبمباركة الدولة السورية. وقد اشتكى بعض السوريين في فترة من الفترات من نقص مادة الاسمنت في البلاد، فتبين لاحقاً أن معظم انتاج الاسمنت في سوريا يذهب إلى الشركات الإيرانية داخل سوريا المختصة ببناء الحسينيات والمراكز الثقافية الإيرانية الشيعية. وقد تحول سوق الحميدية الشهير في دمشق إلى مكان للتطبير والاحتفالات الدينية الشيعية. أما جامع بني أمية في آخر السوق، فقد بات مسرحاً للخطباء الإيرانيين المتطرفين، الذين تراهم يتهجمون على معاوية ويزيد بلغة عنيفة داخل الجامع الأموي، دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، أو سؤالهم عما يفعلونه في عقر دار بني أمية، تحت أنظار وحماية أجهزة الأمن السورية.

وحدث ولا حرج عن لبنان، حيث باتت الضاحية الجنوبية التي يحكمها حزب الله عاصمة إيرانية بامتياز في كل مظاهرها الاجتماعية والثقافية، ناهيك عن أن زعيمها حسن نصر الله يعترف منذ اللحظة الأولى التي استلم فيها زمام الحزب بأنه مجرد ‘جندي في ولاية الفقيه’.

لا نقول هذا الكلام إلا لنوضح أن إيران لا تخجل من مشروعها ومعاركها العقائدية، فهي صريحة جداً وجريئة وصادقة في خوضها دون وجل.

لقد أصبحت المعركة السورية بالنسبة لإيران معركة المعارك، لأنها لو خسرتها ستخسر في العراق وفي لبنان واليمن والخليج. لهذا، فهي مستعدة لبذل الغالي والنفيس للفوز بها، مهما كانت التكاليف المادية والبشرية.

ويتحدث أحد المعارضين السوريين داخل البلاد عن ضخ مالي رهيب من قبل إيران، فهي تدفع شهرياً للنظام أكثر من مليار دولار كي يحافظ على نفسه، ويدفع رواتب الموظفين والجيش والأمن. ويؤكد المعارض على أن إيران مستعدة أن تدفع مليارين وأكثر في الشهر الواحد إذا تطلب الأمر، بشرط أن تحافظ على نظام الأسد، الذي أصبح بالنسبة لها بيضة القبان في مشروعها العقائدي. ويذكر مسؤول روسي كبير أن إيران خصصت لسوريا شيكاً مفتوحاً كي تكسب المعركة.

أما عسكرياً، فإيران باتت تدير المعارك على الأرض بقيادة قاسم سليماني وغيره. وقد دفعت بكل أذرعها العسكرية في العراق ولبنان إلى الداخل السوري، فحزب الله منخرط بكل قواته ونخبه العسكرية في المعركة السورية. وكذلك الميليشيات الشيعية العراقية، وفي مقدمتها لواء ‘أبو الفضل العباس وغيره. وتتحدث بعض المصادر أن الميليشيات الشيعية باتت تسيطر على العاصمة دمشق وريفها عن طريق عشرات الألوف من الجنود اللبنانيين والإيرانيين والعراقيين والباكستانيين والمرتزقة السوريين الذين جندتهم إيران. وتتحدث بعض المصادر عن أنه حتى الحراسة الشخصية للرئيس السوري أصبحت إيرانية بامتياز.

ولولا الذراع العسكرية الإيرانية لسقط النظام وانهار جيشه. وقد وزع أنصار إيران في سوريا نكتة بعد السيطرة على يبرود تقول ‘إن حزب الله أرسل رسالة إلى الجيش السوري بعد الاستيلاء على يبرود قال فيها: نحن نحتفل هنا في يبرود بالنصر، ليتكم كنتم معنا’، وذلك للتدليل على أن القوة الضاربة في سوريا لم يعد الجيش السوري، بل الميليشيات الشيعية.

إيران لا تخفي أهمية المعركة في سوريا بالنسبة لها، فقد أعلن كبار الآيات مرات ومرات بأن سوريا أهم من العاصمة طهران. وهناك من اعتبرها المحافظة الخامسة والثلاثين من إيران.

وقال رجل الدين الإيراني مهدي طائب: ‘إن سوريا أهم من الأهواز، ولو خسرناها سنخسر طهران’. لاحظوا التركيز على مسألة حماية المقدسات الشيعية في سوريا في خطاب إيران وميليشياتها، مما يؤكد على البعد العقائدي الكبير في معركتها السورية.

لقد تحولت سوريا إلى ملعب لكل القوى التي تريد فرض مشاريعها في المنطقة. ففي مقابل الهجمة الإيرانية، هناك هجمة مذهبية من الأطراف السنية، لتتحول الأرض السورية إلى ساحة للمعركة المذهبية التي بشّر بها هنري كسنجر قبل عقود بين الشيعة والسنة، والتي قد تمتد عقوداً وليس سنوات فقط. ويدور حديث عن أن أمريكا وإسرائيل سعيدتان جداً بالمعركة المذهبية الرهيبة بين إيران وخصومها السنة في المنطقة. ويرى البعض أن إسرائيل معنية بتشجيع هذه الحرب واستغلالها في إنهاك واستنزاف كل الأطراف لمصلحتها. وهي فرصة تاريخية بالنسبة لإسرائيل لن تدعها تمر دون أن تأخذ مداها كاملاً.

فهل تنتبه كل الأطراف المتورطة في هذه الحرب التاريخية، أم ان إيران أخذت على عاتقها الانتصار في تلك الحرب مهما كانت التكاليف والعواقب؟ ألن يكون العرب أكبر الخاسرين، يتساءل البعض؟ ألا تفوق تكلفه العرب في الحرب المذهبية تكلفه إيران بأضعاف، لأن العرب سيقدمون لهذه الحرب التكلفة البشرية، والمادية، والسياسية، والجغرافية على اعتبار أن الحرب على أرض العرب (سوريا، لبنان، العراق). ويرى بعض المراقبين أن هناك مصلحة مشتركة بين إيران وإسرائيل في هذه الحرب وتقاسم النفوذ والمصالح بعد الانتهاء منها. وإذا كان هناك صراع بين إيران وإسرائيل فعلاً، فهو علينا وعلى أوطاننا. لهذا بات مناهضو الحلف الشيعي في المنطقة يطرحون السؤال التالي: ماذا أعد العرب والمسلمون السُنة لمواجهة إيران وحلفها الشيعي في سوريا؟ ألا يرون كيف تعتبرها معركة عقائدية تاريخية فاصلة بالنسبة لها؟

ألا يعني سقوط سوريا تماماً في الهلال الإيراني ضربة قاصمة لكل القوى السنية في المنطقة بما فيها تركيا والسعودية ومصر؟ إلى متى تنشغل تلك القوى السنية بمحاربة الجماعات الإسلامية من أبناء جلدتها، بينما تقاتل الميليشيات الشيعية في سوريا على قلب رجل واحد؟

صدق من قال إن هناك حلفاً شيعياً متماسكاً وفتاكاً، وشراذم سنية متناحرة. وإذا لم تدرك تلك الشراذم خطورة المرحلة التاريخية الحالية ستردد يوماً القول المأثور: ‘أٌكلت يوم أكل الثور الأبيض’.

 ‘ كاتب وإعلامي من سوريا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«كل معتقل مشروع شهيد»!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

السبت 29/3/2014

وزع المحامون في مدينة السويداء بيانا استعرت عنوانه المؤثر لهذه المقالة، يلفت أنظار منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية إلى حجم القتل الذي يتم في السجون السورية، ويطال بصورة عشوائية كل من يقع في أيدي أجهزة النظام القمعية، التي تحولت إلى مصانع موت جماعي.

فعل المحامون هذا بصورة علنية، رغم خطورة ما فعلوه عليهم وعلى أسرهم، فكانت صرختهم ضد قتل شعبهم صفعة للنظام ودليلا إضافيا على شجاعتهم الأدبية، والتزامهم بمبادئ نقابتهم، التي وضعت قبل حكم «البعث» بفترة طويلة، حين كانت سوريا بلادا حرة تحترم مؤسسات المجتمع المدني وما تعبر عنه من إرادة وطنية، جعل أحدها النقابة خادمة «للحق والحرية»، من واجب أعضائها الدفاع عن حقوق شعبهم والالتزام بها. وبالفعل، ها هم أعضاء في نقابة السويداء ينضمون إلى مئات المحامين الأحرار، ويطلقون صرخة صدق وشجاعة ضد القتل العشوائي لمواطنيهم، بعد أن ضاقوا ذرعا بما يتعرض له هؤلاء من تصفية جسدية منظمة وواسعة، رغم ما تمثله صرختهم من مجازفة بالنسبة إلى من وقع عليها أو ساندها منهم، يرجح أن تصل به إلى التصفية والهلاك!

يقول محامو السويداء في وصف حال أهل مدينتهم إن «كل من يعتقل منهم يكون مشروع شهيد». ويؤكدون هذه الواقعة المفزعة، رغم أن حالهم أفضل بكثير من حال إخوتهم مواطني بقية مدن ومحافظات سوريا، فالسويداء لا تشهد قتالا واسعا بين الجيش الحر وجيش السلطة، ولم تتسرب إليها تنظيمات متطرفة أو تكفيرية، ولم يغزها مرتزقة حزب الله وأبو الفضل العباس. لكنها تتعرض لحملات تنكيل مخيفة، ولحملات تحريض طائفي تطال أهالي المحافظة الموحدين وغيرهم، ممن يجب أن يروا في الآخرين أعداء له، خاصة أبناء محافظة درعا المجاورة، الذين يراهن النظام على افتعال فتنة ضدهم عبر تلفيق أكاذيب تشوه مواقف أبناء المحافظتين، تزعم أن الموحدين موالون له ويشبّحون لصالحه ضد أهل حوران، الذين يتربصون بأهل الجبل ويعتزمون الانقضاض عليهم إن سمحوا لهم باستغفالهم، وأن السلطة لا هم لها غير حماية أهل الجبل من الحوارنة، وهؤلاء من أهل الجبل، وكبح نزعات العنف لدى الطرفين، ومنعهما من الانضواء في تنظيمات متعادية، مع أن وقائع كثيرة تدحض أكاذيب النظام، الذي دأب على إثارة التناقضات والعداوات بين الموحدين أنفسهم، وبينهم وبين إخوتهم في حوران، وعمل على شحن تصرفاتهم بالعنف. ومن يتابع ما يصل من أخبار عن جبل العرب سيجد أجهزة السلطة القمعية وراء أي شجار أو خلاف يحدث فيه، وأي حادثة يتعرض لها مواطنوه: من الخطف إلى التصفية، ومن الاختفاء القسري واقتحام البيوت وسرقتها إلى توزيع السلاح وما يستتبعه من أعمال تشبيح وقتل مجهولة المصدر معروفة النتائج، ومن تقريب هذا وإقصاء ذاك إلى ما يثيره أي تقارب مع السلطة من شبهات وشكوك تضع الناس في أجواء تمكنهم من التحكم في ردود فعلهم وتوجيهها حسبما تشاء.

لا تشهد السويداء أعمال مقاومة مسلحة واسعة النطاق. وليست فيها مناطق محررة، لذلك قصر محاموها حديثهم على من يعتقلهم النظام، واعتبروهم مشاريع شهداء، فالسلطة هي هنا مصدر الخطر الوحيد على مواطنيهم، وهي الجهة التي تنفرد بقتلهم، ولا توفر أحدا منهم رغم أنهم لا يحملون السلاح ضدها، وفي هذا تأكيد على أنها ترى فيهم أعداء لها، كسائر السوريين، لذلك يتعرضون للتعذيب حتى الموت عند اعتقالهم، بينما يقتل إخوتهم في المناطق الأخرى بالقصف والقنص، فلا صحة لما تروجه من أكاذيب حول اقتصار عنفها على المتمردين وحملة السلاح، أو حول الأمن الذين تنشره خارج المناطق المحررة، ولو كانت تحرص حقا على مواطنيها المسالمين لما كان كل معتقل مشروع شهيد، حسب قول محامي السويداء، في حال كانت بحاجة أصلا إلى اعتقالات ومعتقلين!

بعد ثلاثة أعوام من القتل والترويع والتلاعب بأحط مشاعر البشر، يتحدث محامو جبل العرب بشجاعتهم المعهودة عن نظام يقتل الشعب بالجملة، لم يعد من الجائز السكوت عنه، انسجاما مع مواقف سابقة جعلت منهم صوتا سوريا حرا قاوم الطغيان، وناضل لحماية شعبه المهدد بعنف لا يميز بين السوريين، ويرفض أن يكون بينهم أبرياء، يقتل كل من تقع يده عليه، لأنه لم يعد قادرا على الاستمرار بغير قتل شعبه، بما في ذلك الموالون له منه، كما قال أحد كبار شبيحته قبل أيام على صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة به!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: من أسلمة الثورة إلى ثورةٍ في الإسلام (2)

د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 30/3/2014

في حقيقة الأمر، لا تتعلق رواية (أسلمة) الثورة السورية بممارسات (داعش) وأفكارها وأساليبها المحروقة التي لفظها المجتمع السوري، ورفضَتها تركيبتهُ الثقافية والاجتماعية. وإنما يتجاوز الأمر ذلك إلى مجمل التحديات والأسئلة الكبرى التي قذفتها الثورة وتطوراتها في وجه الإسلاميين السوريين بمختلف شرائحهم ومكوناتهم، لا فيما يتعلق بدورهم في الثورة فقط، وإنما بطريقة فهمهم للإسلام وتنزيله على الواقع السوري بخصوصياته الآنية والمستقبلية.

وكما ذكرنا في المقال السابق، تتعددُ التحديات أمام هؤلاء من التحدي الثقافي إلى التحدي الأخلاقي، مروراً بالتحديات التنظيمية والسياسية والعسكرية، لتطرح سؤالاً كبيراً: أيﱡ إسلامٍ هذا الذي يريدون أن يكون له حضورٌ في سوريا الثورة وسوريا المستقبل؟

نعم، لا نؤمن فقط أن حضور الإسلام في الثورة ودولتها القادمة هو من طبائع الأمور بالنسبة لبلدٍ مثل سوريا ومجتمعٍ كمجتمعها، بل إننا على قناعة أن ثمة إضافة كبرى ستنتج عن هذا الأمر، لكن مفرق الطريق يكمن في طبيعة الفهم لهذا الإسلام.

والمؤكدُ أن ممارسات الغالبية العظمى من الإسلاميين السوريين تشكل، حتى الآن، عاملاً في زيادة التساؤلات أكثر من قدرتها بكثير على تقديم الإجابات.

لن يحتاج إثباتُ هذه الحقيقة للبحث في قضايا معرفية وفلسفية، وإنما ستكفي الدلالات الواردة في مسائل مفهومة ومُتداولة في الفضاء العام، وستكون الإشارة حصراً إلى ما له علاقةٌ بالقرآن، تجنباً لأي شبهاتٍ أو تفسيرات.

ثمة في الأدبيات الإسلامية، على سبيل المثال، مصطلحٌ يتحدث عن (أسباب النصر والهزيمة). وفي إطار تعريف هذا المصطلح وتفصيله، تندرج جملةٌ من المحددات والمنطلقات التي يكاد يعرفها كل فردٍ من الإسلاميين. لكن حجم المفارقة بين النظرية والتطبيق فيما يتعلق بها خلال العامين الماضيين، على الأقل، يفرضُ نفسه بشكلٍ يدعو إلى التساؤل في أحسن الأحوال.

{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحُكُم}، تقول الآية الكريمة بكل وضوح. لكن حجم الخلافات والانقسامات، بل والمؤامرات والدسائس والمكائد السياسية والتنظيمية والعسكرية، التي شهدها ويشهدها فضاء الإسلاميين السوريين، يوحي بغيابٍ كامل لأي أثرٍ يتعلق بالآية المذكورة في قواعد عملهم في مختلف المجالات. والذي يعرفُ درجة التشظي والخلاف في أوساط الإسلاميين يوقن بأن ثمة إشكالية معرفية وأخلاقية كبرى تكمن وراء هجر هذه القاعدة الواضحة والبسيطة بهذا الشكل الغريب.

هل نسيَ الإسلاميون جميعاً وجود هذه الآية المفصلية التي تُحدد بأسلوبها الواضح والرشيق قانوناً من قوانين الاجتماع البشري، وتحديداً في ظرفٍ مثل ظرف الثورة؟ أم أن فيهم مشكلةً عضويةً لا تجعلهم قادرين على الأخذ بمقتضياتها؟ أياً كان الجواب فإنه، بكل بساطة، مؤشرٌ على مشكلةٍ كبيرة، وكبيرةٍ جداً، في فهم الإسلام، وفي القدرة على تطبيق أوضح تعاليمه.

أما الآية الأخرى فتقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}. تتضمن (القوة) المذكورة بطبيعة الحال كل الأنواع التي تندرج في معاني اللفظ المذكور، وفي مقدمتها قوة الكلمة والفكرة والتفكير الجمعي والتخصص العلمي في الحقول ذات العلاقة بالثورة. لكن الغالبية العظمى من إسلاميي الثورة السورية يبدون أبعد الناس عن الاهتمام بهذا المعنى تحديداً، وأكثر الشرائح زهداً بها وبتأثيرها العميق في توفير كل وسائل القوة الأخرى. ويغلب أن يظهر فيهم، مرة تلو أخرى، وفي قادتهم تحديداً، من يدﱠعي، بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال، الفهم في كل شيء، من السياسة إلى الاقتصاد، ومن التخطيط العسكري إلى الاجتماع البشري، ومن الإدارة إلى القانون. أما القرارات فيغلب أن يتخذها القائد الفرد المُلهم، بعيداً عن (الشورى) والاستشارة ومقتضيات المأسسة، ولو كانت موجودةً على الورق في بعض الأحيان.

والمؤكد أن التحدي الثقافي الذي كان يواجه الإسلاميين السوريين دائماً لم يبرز كما برز مع اشتعال الثورة واستمرارها. إذ يندرُ أن ترى مصداقاً عملياً في طرق التفكير وصناعة القرار للمعاني الثورية الكبرى في منظومةٍ بدأت ب {اقرأ} ولا يمكن أن تكتمل إلا بها. لن تجد هنا كثيراً من الدلائل على استصحاب {لعلهم يتفكرون} أو {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. لن تصادف منظومة فكرٍ سياسي تفكر بطريقة رجال الدولة وتعمل بمنطق بناء الدول والحضارات. لن تقرأ أرقاماً وإحصاءات وبيانات. أكثر ما في الأمر أن تجد بعض الترتيبات الإدارية البسيطة، وشيئاً من المهارة في المناورات، وكفى الله المؤمنين شرﱠ القتال.

أما التحدي الأخلاقي فمظاهره أكثر من أن تُحصى، فإذ يدعو القرآنُ المسلمين إلى التواضع والإخلاص، خاصةً في خضم ثورةٍ تبحث عن الكرامة والحرية والمساواة، فيقول: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس}، تُفرزُ الوقائع والأحداث مظاهرَ من الفخر والغرور والكبرياء والعُجب لا يمكن لها بحال أن تصلح لمجرد السير في ركاب ثورة كرامةٍ ومساواة، فضلاً عن قيادتها. وتبلغ المأساة قمتها حين تنقلب السياسة براغماتية بأسوأ تجلياتها، بحيث يجوز معها الكذب والخداع والمكرُ ونكث العهود، وبين حينٍ وآخر، شراءُ الولاءات والذمم. لينتهي الأمر بأن يُعرف الحق بالرجال بدلاً من العكس.

ورغم أن الاعتراف بالخطأ والشروع في عملية المراجعات والاستمرار بها في خضم الأزمة يمثل ممارسة حضاريةً بالغة الرقي والدلالة على قوة من يمارسها وتجرّده الحقيقي. ورغم أن هذه العملية تُعتبر تطبيقاً للمنهجية القرآنية التي تريد أن تُعلّم الإنسان أن ينظر أوّلَ ما ينظر، في أوقات الابتلاء، إلى الداخل وإلى الذات يبحثُ عن أخطائها وقصورها، إلا أن الإسلاميين لا يكادون يمارسونها على الإطلاق، فعلى مدى ثلاث سنوات، لم يحدث أن سمع السوريون جهةً أو تشكيلاً أو فصيلاً من الإسلاميين يعترف بخطأ أو يُعلن عملية مُراجَعة.

تغفل الغالبية العظمى من الإسلاميين السوريين أن هذه العملية ليست ضرباً من المثالية، وإنما هي تطبيقٌ منهجي لمعاني الجملة التي ينقلها القرآن باستمرار عن معلّمي البشرية من الأنبياء والرسل عند النوازل والفتن. ففي تلك اللحظات العصيبة والحساسة تحديداً ينقل عنهم القرآن مقولتهم المتكررة: {ربﱢ إني ظلمت نفسي}، مصداقاً لمنهجٍ عظيم يملك القدرة على التجّرد والمراجعة والاعتراف بالخطأ في قمّة الأزمة. ويُظهر في الوقت ذاته يقيناً عميقاً بأن ممارسة التصحيح الذاتي هي وحدها الوسيلةُ الأضمن للتعامل مع المتغيرات وصولاً إلى تصويب الطريق.

ينسون أن هذه الرؤية تفرز ثقةً كبيرة بالنفس، وتدلُّ على امتلاك الإنسان لقوةٍ داخليةٍ هائلة، تجعله يوقن بأن فعله البشري هو الذي يملك أن يصنع الحدث ويؤثر فيه ويقوده بالاتجاه الذي يريد، مهما كان موقف الطرف الآخر، ومهما كانت قوته وجبروته.

هذا، وغيرهُ كثير، لا يمثل من قريبٍ أو بعيد (الإسلام) الذي يجب أن يكون حاضراً في ثورة سوريا ودولتها الجديدة.

المُبشرُ في القضية أن هذه الممارسات وتلك الأساليب في العمل والتفكير ستكون بنفسها عائقاً في وجه (أسلمة) الثورة بالفهم السلبي الشائع. لكنها ستكون، أيضاً، سبباً لإعادة نظر واسعة وعميقة في طريقة فهم الإسلام وتنزيله على أرض الواقع، وسيحصل هذا بشكلٍ يقلب الموضوع من (أسلمةٍ) للثورة في سوريا إلى ثورةٍ في إسلامها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سياسة أميركا وروسيا بين كييف ودمشق

محمد سيد رصاص

الحياة

الاحد 30/3/2014

مع تفكك الاتحاد السوفياتي في الأسبوع الأخير من عام 1991، عادت الدولة الروسية إلى حدود غير مسبوقة من حيث الصغر الجغرافي منذ تأسيس الدولة القيصرية في موسكو من قبل ايفان الرهيب عام1547. كان التوسع الأول لتلك الدولة غرباً من خلال وضع أوكرانيا عام 1654 تحت حكم موسكو ولو عبر صيغة من الحكم الذاتي قبل أن يجري ضمها عام 1685 للدولة الروسية.

عملياً، كانت أوكرانيا المدخل لروسيا كي تصبح دولة أوروبية وللامتداد نحو شرق ووسط أوروبا وهو ما كان مترافقاً مع تحولها لدولة كبرى تقاسمت بولونيا مع النمسا وبروسيا بدءاً من عام 1772 ثم لعبت دوراً أساسياً في هزيمة نابليون في واترلو عام 1815.

منذ تولي فلاديمير بوتين الرئاسة الروسية في اليوم الأخير من عام1999، بعد قليل من سحقه التمرد الشيشاني كرئيس للوزراء الروسي، كان واضحاً أن برنامجه متركزاً، بعد تثبيت حدود الاتحاد الروسي الذي كان مهدداً بالتزعزع والتفكك عبر التمرد في شمال القوقاز، على إعادة النفوذ الروسي في المجال السوفياتي السابق: استطاع جعل بيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان ضمن الفلك الروسي وعندما حصلت «الثورة البرتقالية» الأوكرانية في خريف 2004 لعب على تناقضات الحكم الجديد الموالي للغرب في كييف حتى جاءت صناديق الاقتراع برئيس أوكراني جديد موال لموسكو في عام 2010 هو يانوكوفيتش. في آب (أغسطس) 2008 خلال الحرب مع جورجيا استطاع بوتين، الذي كان رئيساً للوزراء منذ أيار (مايو) 2008 قبل أن يعود للرئاسة في أيار 2012، أن يجعل أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا خارج الدولة الجورجية وتحت الحماية الروسية. في عام 2010 أصبحت قرغيزيا في الفلك الروسي ثانية.

خلال الأزمة السورية البادئة منذ 18 آذار (مارس) 2011 استطاع بوتين أن يثبت أن الاستيقاظ الروسي في المجال السوفياتي السابق ستكون له ترجمات للكرملين في المجال الدولي عبر ثلاثة فيتوات في مجلس الأمن عامي 2011 و 2012 حتى اقتنعت واشنطن، التي انفردت رغماً عن موسكو في كوسوفو 1999 وفي العراق 2003 ضد إرادة باريس وبرلين وموسكو، أن عصر الانفراد للقطب الواحد في الساحة الدولية قد انتهى وهو ما كانت ترجمته العملية في قصر الكرملين في 7 أيار 2013 في موسكو عبر الاتفاقية بين كيري ولافروف حول الأزمة السورية التي مهدت الطريق إلى مؤتمر جنيف2 المنعقد في 22 كانون الثاني (يناير) 2014 من أجل حل أكبر أزمة دولية - اقليمية في عصر ما بعد الحرب الباردة برعاية روسية - أميركية كان ملفتاً تسبيق كلمة لافروف على كيري في جلسته الافتتاحية.

في 22 شباط (فبراير) 2014 سقط الرئيس الأوكراني يانوكوفيتش نتيجة ثورة شعبية استمرت ثلاثة أشهر قادتها أطراف «الثورة البرتقالية» السابقة مع تأييد واسع في الوسط والغرب الأوكرانيين مترافق مع عداء كبير لاقته تلك الثورة في وسط الروس الأوكرانيين (17 في المئة من السكان) الذين يشكلون غالبية سكان شرق اوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

أدت الأزمة الأوكرانية إلى تبخر أجواء الوفاق الروسي - الأميركي البادىء سورياً في 7أيار 2013 والذي ترجم يوم 14أيلول (سبتمبر) بالاتفاق بين الوزيرين كيري ولافروف حول الكيماوي السوري ثم في 20 تشرين ثاني (نوفمبر) في الاتفاق الأميركي- الأفغاني (رغماً عن الرئيس كرزاي صادقت عليه اللوياجيركا الأفغانية) لتنظيم الوجود العسكري الأميركي حتى 2025 ومن دون هذا المناخ بين واشنطن وموسكو ما كان ممكناً عقد اتفاق مجموعة 5الاحد 30/3/20141 مع ايران بخصوص الملف النووي الايراني.

عملياً قاد ما حصل في كييف إلى أكبر أزمة أوروبية في مرحلة ما بعد انهيار نظام الثنائية القطبية خريف 1989 ولكنها كانت مجالاً لبوتين لكي يتصرف، مستغلاً الضعف الأميركي الذي لا يعرف على وجه الدقة إن كان يعود إلى الفشل العراقي أم إلى الأزمة المالية - الاقتصادية الأميركية منذ أيلول 2008 أو للإثنين معاً، باتجاه رسم مرحلة جديدة من الاستيقاظ الروسي وصلت في أوكرانيا إلى مرحلة أعلى مما كانت روسياً في الأزمة السورية: في خطاب الرئيس الروسي عند اعلان ضم القرم بيوم 18 آذار 2014 كان هناك اعلان عن انتهاء مرحلة القطب الواحد وعن عودة الثنائية القطبية وعن بدء ثان للحرب الباردة كانت فيها الأزمة الأوكرانية منصة لانطلاقها كما كانت أزمة الحرب الأهلية اليونانية منصة لانطلاق الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو من خلال مبدأ ترومان -آذار 1947- الذي أعلنه الرئيس الأميركي كمبدأ لتدخل واشنطن ضد الامتداد الشيوعي. ظهر بوتين وهو يقتطع القرم من أوكرانيا قيصراً روسياً جديداً يملك الكثير من الشهية التوسعية، التي كانت عند أسلافه القياصرة وعند جوزيف ستالين، ولا يؤمن بمبدأ في العلاقات الدولية سوى بالقوة العارمة التي لخصتها عبارة ستالين عن بابا الفاتيكان في مؤتمر يالطا عام 1945، كما بدا بوتين من خلال الأزمة الأوكرانية، كما كان في الأزمة السورية، مالكاً لاستراتيجية واضحة وبنكاً للأهداف، فيما بدت واشنطن في تخبط وردود فعل في كييف وبلا استراتيجية كما كانت في دمشق.

من الواضح أن ما بدأ في الكرملين في 7 أيار 2013 بين موسكو وواشنطن قد انتهى في قاعة مبنى الدوما الروسي في 18 آذار 2014 وأن (جنيف) 2 قد أصبح في خبر كان إثر التوتر الروسي - الأميركي بعد أن كان وفاقهما في الكرملين يومها قد قاد لما جرى في سويسرا يوم 22 كانون الثاني2014 إلا إذا قادت تسوية أميركية - روسية حول «أوكرانيا فيديرالية من دون القرم» إلى توافق جديد ستكون له انعكاسات من جديد على حلول للأزمة السورية، من المحتمل - أي تلك التسوية - أن تجرى قبل موعد الانتخابات الأوكرانية المقررة يوم 25 أيار 2014، ويمكن عندها أن تجعل الحرب الباردة الثانية في حالة استبدال بأجواء وفاقية ولكن في ظل ثنائية قطبية جديدة بين موسكو، ومن ورائها الصين ودول البريكس، وبين واشنطن ومن وارئها مجموعة الاتحاد الأوروبي في بروكسيل التي هي أيضاً مقر الناتو.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا طلب السوريون من القمة العربية؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 30/3/2014

أنهت القمة العربية الخامسة والعشرون دورة اجتماعاتها في الكويت قبل أيام، وكانت القضية السورية أحد أبرز الموضوعات المطروحة أمامها، والأمر في هذا لا يتصل فقط بأهمية القضية في العلاقات العربية - العربية، وإنما بالتحركات السورية والعربية التي رافقت استعدادات القمة، وبتطورات القضية السورية بما تمثله للكيان العربي من تحديات، لا تتعلق فقط بالواقع العربي وإنما بمستقبله أيضاً.

ولأن الوضع على هذا النحو من الأهمية، فقد كان ولا بد للسوريين من حراك نحو القمة العربية وفيها، رغم أن لديهم كثيرا من الأسباب والدواعي التي تدفعهم إلى البعد عنها، بعد أن أثبتت مرات كثيرة ضعفها وعدم جدواها في التعامل مع القضايا العربية والقضية السورية على نحو خاص.

واستبق السوريون حدث القمة بتدخلات لدى جامعة الدول العربية من خلال الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة المعترف به ممثلاً للشعب السوري، كان من نتيجتها دعوة وفد من الائتلاف لحضور القمة العربية في الكويت، حيث ألقى رئيس الائتلاف أحمد الجربا كلمة لخصت ما يريده السوريون من القمة العربية.

وركزت كلمة الائتلاف على تذكير القادة بمجريات باتت بمثابة حقائق، تتصل بالقضية السورية في البعدين الداخلي والخارجي، كان الأبرز فيها تأكيد أن الشعب السوري يواجه حرباً مدمرة من جانب نظام الأسد وحلفائه، وهي في جانب منها حرب بالوكالة ضد السوريين غايتها تركيع العرب، في إطار مشروع يستهدف سوريا وكل العرب؛ مشروع لا يجوز الصمت عنه لأنه سيخلف في كل مرة سورية جديدة وسيفتح حروباً غير محدودة في المنطقة، وأن أدوات المشروع حلف مقدس من القتلة موزعين على خط، يبدأ من ساحل البحر المتوسط إلى سوريا والعراق وصولاً إلى إيران.

وأكدت الكلمة، أن السوريين جادون في متابعة مقاومتهم لنظام الأسد وحلفائه، وأنهم في الطريق إلى النصر لأن عزيمة السوريين لن تكسر، وإرادة الحياة والحرية لن تهزم، وأن قواتهم مستمرة في المواجهة مع قوات الأسد ومرتزقة حزب الله وأمثالهم، كما في المواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والأخيرة إشارة إلى تمايز ثورة السوريين من أجل الحرية والعدالة والمساواة عن طروحات جماعات التطرف التي يعتبر تنظيم «داعش» مثالها.

وبعد أن رسمت الكلمة بعضاً من ملامح الوضع السوري وعلاقاته الخارجية، انتقلت إلى عرض مطالب، يعتقد السوريون بضرورة طرحها أمام القادة العرب ليكونوا شهوداً من جهة ومطالبين بخطوات عملية حيالها من جهة ثانية، وفي هذا السياق جاءت المطالب للقمة مفتتحة بثلاثة: «أولها، الضغط على المجتمع الدولي من أجل الالتزام بتعهداته حول التسليح النوعي لثوارنا الذين بذلوا أرواحهم من أجل حرية وكرامة السوريين والعرب جميعاً، والثانية، تكثيف الدعم الإنساني بكل محتوياته لإخوانكم السوريين في الداخل والشتات الذين يكابدون ويعانون، وقد صبروا حتى ضاق الصبر ذرعا بهم، والثالثة، الاهتمام بأوضاع اللاجئين والمقيمين السوريين في البلدان العربية وخاصة الأردن والعراق ولبنان، وهم ضيوف في هذه البلدان، ينبغي أن يعودوا إلى بلدهم مع نهاية الوضع القائم، ونحن ضد بقاء السوريين خارج وطنهم في كل الأحوال».

وبرفقة المطالب الرئيسية، تمت صياغة مطلبين فرعيين؛ أولهما يتصل بمقعد سوريا في القمة وفي جامعة الدول العربية بعد اعترافهما في مارس (آذار) 2013، بأن الائتلاف يمثل الشعب السوري بدلاً من النظام الذي علقت عضويته منذ أواخر العام 2011، وقد ثارت تقولات حول أحقية الائتلاف بتسلم المقعد في غضون العام الماضي، مما دفع الائتلاف للمطالبه به مجدداً، والأمر الثاني، كان المطالبة بتسليم السفارات السورية في العواصم العربية إلى الائتلاف الوطني بعد أن فقد النظام شرعيته، ولم يعد للسوريين من يرعى مصالحهم في تلك العواصم، الأمر الذي يربك العلاقات السورية – العربية، ويجعل أحوال السوريين أصعب.

لقد سعى السوريون عبر كلمة رئيس الائتلاف أحمد الجربا إلى إعادة تلخيص المشهد السوري في البعدين المحلي والخارجي، وتذكير القادة العرب بتفاصيل وحيثيات لا يجوز أن تغيب، أو أن يتم تجاهلها، ثم انتقلوا إلى عرض مطالب قد لا يكون بمقدور القادة العرب ومؤسستهم القومية تحقيقها أو بعضهم غير راغب في تحقيقها، لكنها مطالب ينبغي أن تذكر وأن يتم إعلانها لأنها مطالب الجزء إلى الكل، التي لا يجوز عدم قولها بدعوى أنها لن تتحقق، أو أن هناك من يقاوم الاستجابة لها.

إن ما حصل عليه السوريون بنتيجة قمة الكويت من قول مكتوب قليل، وغالباً فإن الفعل الذي سيعقبه أقل أيضاً، وإن كانت الأمنيات غير ذلك تماماً، وذلك لن يمنع السوريين عن مخاطبة محيطهم العربي، ليس لأن دولاً عربية سعت وسوف تسعى إلى تقديم دعم ومساندة كبيرين للسوريين فقط، بل لأن ذلك مبدأ في سياسة السوريين حيال المحيط الإقليمي والدولي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب المجنونة..إلى أين؟

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 1/4/2014

دخلنا في العام الرابع من الحرب الضروس، التي أشعلتها قوى متطرفة في سوريا، ألم يكن محتملاً تجنبها، عبر الإجابة على الأسئلة المشروعة، التي طرحت نفسها بقوّة على السوريين؟ ولن أبتعد عن «المؤتمر الاستشاري الذي عقد في بدايات المعضلة السورية وحولها. فلقد قدمت فيه مداخلات ومقاربات ومناقشات كثيرة. واللافت في ذلك أن عقد المؤتمر أتى بعد استخدام السلاح الناري، دونما مبرر. فالأمر اقتصر على خروج مظاهرات سلمية إلى الشارع دعا فيها المتظاهرون إلى القيام بإصلاحات يمكن إدراجها ضمن مشروع سوري وطني ظلّ معلقاً منذ الاستقلال عام 1946. ولقد قدم مجموعة من المشاركين تلك المداخلات والمقاربات والمناقشات المذكورة، ولعلي هنا أذكر ما تحدثت فيه، تاركاً ما قاله آخرون من المشاركين في المؤتمر، كي يقدموه هم أنفسهم بالطريقة التي تليق بهم. علماً بأن منْ نظّم هذا المؤتمر هو الجانب الرسمي الحاكم.

كانت ملاحظاتي التي قدمتها في المؤتمر الاستشاري المذكور قد انصبت على ما رأيته حاسماً بالنسبة إلى سوريا، وخصوصاً حين وضعت ملاحظاتي ممنهجة إلى مرحلة تعود إلى ما قبل انعقاد المؤتمر إياه. ففي هذه المرحلة كانت هنالك عناصر رئيسية منعها النظام السوري، يبرز وضع المجتمع والدولة تحت وطأة ما اكتشفته تحت مصطلح «قانون الفساد والإفساد».

وثمة عناصر أخرى تنتمي لهذه المرحلة، منها ملفات السجناء من الأنماط التالية: مثل السياسيين، وذوي الضمير، والداعين إلى حقوق الإنسان. ها هنا لم يحدث شيء يصبّ فعلاً في المهمات المطلوبة. وهذا يعني أن عنصر القضاء مثلاً غير مستقل، لنشير إلى أن المطلوب على هذين الصعيدين السياسي والقضائي لم يفتح ضمن ملف الإصلاح المطلوب، أما ملف «المخابرات» العامة والخاصة، فقد كان في حالة هيمنة متعاظمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، مما كان يهدد بابتلاع مكونات المجتمع المدني، وبالتأسيس إلى نمط من «الدولة الأمنية»، التي بمقتضاها تبرز القاعدة التالية: يجب أن يفسد من لم يفسد بعد، بحيث يتحول الجميع إلى مفَسدين ومفسدين تحت الطلب.

كان ذلك كله يأخذ حيزاً كبيراً متصاعداً في البلاد، وبالتحديد، أصبحت الدولة الأمنية خطراً مسلطاً على البلاد، وبالتالي على بنية سوريا العامة قبل أن تكون على أفراد أو آخرين. فلقد راحت بنية سوريا العامة تلك تجد نفسها بين فكي المحورين «الدولة» المذكورة والفساد والإفساد بشتى الوسائل، إضافة إلى سقوط الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا، وكذلك وعبر التهميش والاستبعاد إلى زلزلة هوية الطبقة العليا، بحيث أصبح الناتج مجتمعاً هشاً مفقراً مذلاً، والنتيجة تمثلت في سقوط المجتمع والدولة المؤسسات عموماً ومنظومة القيم.

لقد أجيب المتظاهرون السلميون بالسلاح، لماذا هذا الذي حدث والذي يمثل خروجاً عن الدستور وعليه، وشكل من ثم عملاً غير قانوني ويستحق المساءلة والتمادي في الخطأ الخطير، بعد الحدث الذي نواجهه في بلدٍ مدمر ويدمر أكثر، يقود إلى جريمة عظمى بكل الاعتبارات، بل بالاعتبارين الوطني والدولي. ويبقى القول مناسباً وضرورياً بأن توقف السلاح - مُرافقاً بتحرير السجناء من سجونهم، وبتشكيل محكمة وطنية بمعايير حرفية علمية، لمحاكمة منْ أسسّ لممارسة القتل والتجويع والتهجير، ولكل إيذاء وقع ويقع على السوريين، إن ذلك كله مجتمعاً ومنفرداً سيتطلب بذل جهود عظمى لتحقيق الاستحقاق التأسيسي الكبير المتمثل في «تفكيك الدولة الأمنية»، التي تقود حرب التدمير لوطن فلما وجد مثيل له في ما يواجهه من إيذاء وتدمير ومحاولات تصفية تاريخية وحضارية. إنها خريطة طريق متماهية مع طائر الفينيق الذي ينبعث حيا، كما فات أو كلما ظن قوم أو آخر أنه مات!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سقوط مملكة الأسد

د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 2/4/2014

إنه عنوان كتاب المؤلف الأميركي‏ David .W.Lesch)) الذي يعرف البلاط الأسدي من الداخل، وله علاقات جيدة برؤوس النظام في دمشق، ويتنبأ بشر عاقبة لهم. وهو يعتبر في مقدمة الكتاب أن عصر دولة المخابرات الأسدية انتهى، كما ينقل عن الأسد قوله: «إن ما‏ حدث في مصر وتونس طبيعي أما عندنا فلن يحدث شيء»، مما يدل على أنه يعتبر نفسه محصناً ضد قوانين التاريخ، وهي الجملة نفسها التي كررها شاوسيسكو حين كان في زيارة لملالي طهران قبل مصرعه بأربعة أيام، حين سئل عن العاصفة التي تجتاح أوروبا الشرقية، فأجاب: «لكنكم لا تعرفون الشعب الروماني، وأريد أن أطمئنكم أنه لو تحول شجر الصفصاف إلى تين لربما تغير الوضع في رومانيا»، وما حدث أنه بعد أربعة أيام أصبح نسياً منسياً.

وينقل «ليش» عن بيتر هارلينج، مدير المشروع الإقليمي لمجموعة الأزمات الدولية، قوله في تفسير الانفجار السوري: لن يستمر أي مجتمع في السكوت على الاضطهاد، وإن استخدام الأساليب القديمة يعود بنتائج عكسية. ويشير «ليش» إلى ظاهرة استخدام أيام الجمع للتظاهر تحت شعارات ذات دلالات رمزية عميقة؛ مثل «جمعة الكرامة»، و«جمعة العزة»، و«جمعة الشهداء». وينقل عن مجموعة «المبادرة الوطنية للتغيير» أنها اقترحت انتقالا ديمقراطياً تدريجياً، وإلا فالبديل هو الفوضى والخراب، وأنها اقترحت تعيين وزير الدفاع علي الحبيب، ورئيس الأركان عماد راجحة، للإشراف على هذه المهمة، فعثر على الأول ميتاً في ظروف غامضة: هي قتل انتحار على طريقة النظام في الغالب، أما الثاني فنُسف مع من نسف في التفجير الذي استهدف «خلية الأزمة».

ويبدو أن ما كان يرسله «ليش» إلى أعلى المستويات في القيادة البعثية كان يغضبهم، وهو ينقل بعض أسرار صمود هذا النظام الطائفي، مشيراً إلى أن النظام الإيراني ساعده في كل شيء، بما في ذلك مراقبة الإنترنت. ثم ينقل ما يسميه «سيناريو يوم القيامة»، موضحاً أنه في حال سقوط نظام الأسد، ‏

فستنشب حرب أهلية تنتشر عبر المنطقة وتشمل لبنان والعراق وما هو أبعد منهما. لذلك فقد شبّه الكاتب اللبناني رامي خوري الوضع بعملية الإنقاذ التي قامت بها أميركا في أزمة الرهن العقاري عام 2008 لإنقاذ البنوك المفلسة. فسوريا بنك أكبر من أن نسمح له بالانهيار، وإن شبح الفوضى الطائفية مخيف لكل المنطقة، وأي نزاع إقليمي قد يصبح عالمياً إذا دخلت بعض الدول العربية في هذا الفرن الساخن، وإيران من الطرف الآخر وتركيا. هنا علينا تذكر مقولة المؤرخ البريطاني توينبي عن الصراع العثماني الصفوي وكيف كانت فارس شوكة في خاصرة الدولة العلية، وكيف تعاونت مع بريطانيا ضدها ودامت الحرب الصفوية العثمانية قرناً أو يزيد.

علينا أيضاً أن نتذكر الحرب العالمية الأولى وكيف اندلعت بطلقة في سراييفو، فلا أحد يعلم كيف تنتهي الأمور. الحرب يمكن أن يشعل فتيلها أي أحمق خارج إحداثيات التاريخ، لكن نهايتها لا يجليها لوقتها إلا الله.

كما يوجد احتمال لتدخل تركيا في الشمال السوري، حماية لمصالحها في ظل حكومة أردوجان مع ظهيرها من «الناتو». وستضطر أميركا للتدخل في أمواج التسونامي التي فجرها الأسد. ولو أن هذا الأخير وعصبته في الأشهر الستة الأولى، أفسحوا المجال لهامش من الحرية والكرامة لنجت البلاد والمنطقة، لكن سوريا اليوم في نقطة اللاعودة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نقاش سوري في «عنصرية» اللبنانيين ومناهضتها

حسان القالش

الحياة

الاربعاء 2/4/2014

مسألة اللاجئين السوريين في لبنان، وكيف يُصار إلى رؤيتها والتفاعل معها سلباً أو إيجاباً، هي في الأساس مسألة وجودية ومشكلة من مشاكل الكيانية اللبنانية، فالفريقان معاً، الكاره للاجئين، والمرحب بهم، إنما يعبران عن أزمة الكيان اللبناني عبر مرآتِه الأثيرة: العلاقة مع سورية.

فإذا كان الفريق الأول، وعبر حملات فايسبوكية، استخدم في حملته مفردة تعبر عن التطرف في العداء ك «النازية»، فالأمر لا يتعدى كونه تعبيراً عن عجز مطلق عن ابتكار الحلول المناسبة، سواء عبر المؤسسة النيابية مثلاً أو مؤسسات المجتمع المدني، أو هو «ضيق»، بالحد الأدنى، كما أسمته زميلتنا بيسان الشيخ في معرض تناولها للمسألة في هذه الصفحة (29-3-2014). هذا فيما السمة الغالبة على التحرك الفايسبوكي للطرف المقابل هي الاعتذار عن الطرف الأول الممزوج بمشاعر «الشفقة» تجاه موضوع المسألة نفسها. على أن هذه الاعتذارية بذاتها هي مَكمن الضعف عند هذا الطرف، إذ تُعبر عن اعتراف بوجاهة ما لمطالب خصمه.

بيد أن الخوف الكياني اللبناني ليس مسألة لبنانية خالصة تتعلق باللبنانيين فقط، إنما تتعداهم إلى السوريين أنفسهم، على المستوى الشعبي، كفاعلين ومثيرين لهذا الخوف. ذلك أن معظمهم ينظرون إلى لبنان ويتعاملون معه على أنه جزء من سورية، أو على أنه كيانٌ هش في أحسن الأحوال، غير حاملين على محمل الجد سيادته وحدوده ومصالحه. وهذا الأمر إنما ينسحب على شريحة من المثقفين السوريين أيضاً. وهذا ما يعود بمجمله إلى تاريخ العلاقات بين البلدين منذ إعلان لبنان الكبير في 1920. فعلى رغم الاعتراف السوري باستقلال لبنان، اللاحق في 1943، بقي السوريون يضمرون رفضاً لهذا الاستقلال ولم يوفروا أية مناسبة للتعبير عن شعورهم الفوقي تجاهه، وهذا ما نجده في علاقة الآباء المؤسسين للكيان السوري برياض الصلح الذي حفظ سيادة بلاده واستقلالها باتخاذه مسافة استقلالية بينه وبين حلفائه وشركائه السوريين. هذا من دون ذكر ممارسات نظام عبد الناصر الوحدوي السوري والوصاية المديدة لنظام البعث على لبنان.

وأن يكون لبنان واللبنانيون اليوم، أي الدولة العاجزة والمجتمعات المحتقنة معاً، في مواجهة تحديات الكارثة البشرية السورية، فهذا ما يختلف عن كل من حالات تركيا والأردن في تعاطيهما مع الكارثة ذاتها. ذاك أن الدولة في تركيا والأردن، هي من يتخذ القرارات ويرسم السياسات في ما يتعلق بهذه المشكلة، بشكل تبقى فيه تحت السيطرة وقيد الانضباط. لا سيما وأن تركيا، والأردن بنسبة أقل، أقدر على مواجهة التحديات الكيانية التي تفرضها المسألة السورية بالعموم، ومسألة اللاجئين بشكل خاص.

وإذا كان صحيحاً أن اللاجئين السوريين يلقون هناك ترحاباً ومعاملة أفضل، فيما يتعرضون في لبنان لمعاملة توصف بالعنصرية والفوقية، فهذا لا يعني أن لجوءَهم إلى لبنان مشابه للجوئهم إلى تركيا أو الأردن، فضلاً عن حرية التنقل والنشاط السياسي للسوريين فيهما. ذاك أن نشاط السوريين في الأردن وتركيا يتم في أغلبه تحت أَعين أجهزة الدولة فيهما، ما يجعل تأثيره على الداخل، السياسي والأمني، محدوداً وقابلاً للاستيعاب، وهذا ترف لا يملكه لبنان، دولةً ومجتمعاً. ومن جهة أخرى يشعر السوريون بالمرارة وبالغدر أيضاً، فقد سبق لهم أن استقبلوا لاجئين من دول الجوار في أكثر من مناسبة، كانت آخرها في 2006 أثناء حرب إسرائيل على حزب الله، حيث كان الاستقبال حاراً وشعبياً للاجئين معظمهم من جمهور الحزب. لكن الواقع أن حرارة الاستقبال جاءت نتيجة تأثر المزاج الشعبي السوري يومها بدعاية حزب الله الذي لم يكن قد انكشفَ للسورين بعد. وكم تباهى سوريون يومها بأنهم طَردوا ضيوفاً لبنانيين لأنهم تطاولوا على «السيد» الذي شردهم بحربه العبثية مع إسرائيل.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة وسخرية القدر، فضيوفُ الأمس هُم من يَقتلون مُضيفيهم في ديارهم... هُم من يَستعدونَهُم في ملجئِهم اللبناني عبر البروباغاندا التي شوهت صورتهم وحقيقتهم، والتي كان حلفاؤهم شركاء فيها. وبديهي هنا، في مواجهة السلاح والبروباغاندا، ألا يمتلك الطرف الآخر إلا الاعتذار، فهُم ضحايا مثلنا أيضاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

افتقاد التقلبات الميدانية لأي ثمن سياسي

لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 2/4/2014

يتباهى النظام السوري بإنجازاته العسكرية الميدانية التي تحققها قواته في محيط العاصمة دمشق وفي المناطق القريبة من الحدود مع لبنان، ويظهرها على أنها درب الانتصارات المحتوم الذي يؤكد صوابية موقفه وتوجهه في مواجهة الأزمة التي تعصف بالبلاد. في الوقت الذي يقلل فيه من أهمية إنجازات المجموعات المسلحة المناوئة له، ويعتبرها مجرد اعتداءات تؤكد «المؤامرة الكونية على سورية». وكذلك نجد أن العواصم المعنية بالشأن السوري تنظر لهذا الجانب باهتمام بالغ. فبعضها يتبنى موقف النظام السوري ومباهاته، وأكثرها يعتبر ضرورة دعم المجموعات المسلحة المناوئة للنظام حتى يتحقق توازن ميداني يفرض على النظام القبول بتسوية سياسية ما هي بالحقيقة إلا استسلامه.

التعويل على النزاع المسلح ليس جديداً، لا من قبل النظام ولا من قبل الدول المخافة له ولا المؤيدة له ولا حتى من قبل المعارضة المعترف بها دولياً. ومع أن جميع هذه الأطراف يصرّحون بأن حل الأزمة السورية يجب أن يكون حلاً سياسياً، إلا أن أغلبهم لا يصرّح بعدمية النزاع المسلح أو عدم جدواه، ولا أحد منهم يتصرف وفق هذه الحقيقة التي باتت مثبتة طيلة سنتين من احتدام النزاع المسلح. بل على العكس من ذلك تماماً، فالجميع مشدود الانتباه لمجريات ميادين القتال، والجميع يسعى إلى تحقيق مكسب على الأرض، ولو إعلامياً، يمكنه أن يساهم بفرض شروطه على العملية السياسية وفق ما يراها.

غير أن العملية السياسية، أو بالأحرى نتائجها، لن تتأثر كثيراً بالميزان العسكري على الأرض. إذ لن تنجح أي عملية سياسية يمكن أن تكون مجرد قسمة حرب بين المتقاتلين، لكون الغالبية الساحقة من السوريين لا تدعم هذا القتال ولا تناصره إطلاقاً. فإن قبلت مضطرة أن تكون ضحية له، فإنها لن تقبل أن ترث نتائجه السياسية التي يمكن أن تنجم عن تسوية بين المتحاربين.

ويضاف إلى ذلك، أن المتغيرات الميدانية محض عسكرية ومحض إعلامية، فلا تثقيل كبيراً لها على ميزان الصراع السياسي. فالانجازات الميدانية، التي يحققها النظام عبر إعادة سيطرته العسكرية والأمنية على بعض المناطق والبلدات، لا يستطيع تحويلها إلى انتصارات سياسية أو إلى زيادة بعدد مؤيديه أو مواليه. فالقصير ويبرود، وهما المحطتان الأبرز في هذه الانتصارات، استعادهما النظام بعد أن خلتا تماماً من السكان. وبالتالي هي مجرد مساحات جغرافية ليس أكثر.

وكذلك حال المناطق التي تتمكن المجموعات المسلحة من السيطرة العسكرية عليها. إذ يهجرها سكانها، بغض النظر عما إذا كانوا موالين أو معارضين، فور دخول المسلحين إليها. مثل مدينة كسب أو قرى شمال اللاذقية وغيرها.

من اللافت للانتباه السهولة التي يستعيد فيها النظام السيطرة على بعض هذه المناطق، بعد ما يزيد على العام على سيطرة المجموعات المسلحة المناوئة له عليها. هذا وإن كان يعود في جلّه إلى مساندة مقاتلي «حزب الله» اللبناني لقوات «النخبة» السورية في معاركها في هذه المناطق، إلا أنه يثبت خفّة المعارضة السورية التي أوهمت السوريين وبعض الدول، منذ أكثر من سنتين، بحتمية الانتصار العسكري على النظام وقرب تحقق ذلك خلال أسابيع.

فالمناطق التي يعتدّ النظام باستعادتها هي جميعها في محيط دمشق وغرب مدينة حمص. وهي مناطق ضيقة جغرافياً وقريبة من العاصمة وملاصقة للحدود اللبنانية. وهذا ما هوّن على النظام استعادة سيطرته العسكرية عليها بالاعتماد على قوات «نخبته» ومساعدة مقاتلي «حزب الله». لكن الأمر على الأرجح سيكون مختلفاً كلياً في المناطق البعيدة، كالمناطق الشمالية والشمالية الشرقية للبلاد. فهذه المناطق ذات جغرافيا واسعة، ولن يكون عديد قوات «النخبة» ومقاتلو «حزب الله» كافٍ للانتشار فيها كلها. هذا إضافة إلى أن إرسال النظام لقوات «نخبته» بعيداً من العاصمة سيكون مخاطرة كبيرة، لأن هذه القوات مشكلّة أساساً لحمايته وليس لمقاتلة المسلحين وملاحقتهم في أطراف البلاد. إذ بات من الواضح أن النظام لا يخوض معاركه بالقطعات العامة للجيش السوري، خشية ألاّ يكون ولاؤها كافياً لمهمات قتالية من هذا النوع، بل يقتصر في ذلك على كتائب «النخبة» التي توالي الرئيس السوري ولاء مطلقاً. كذلك لن يكون بمقدور مقاتلي «حزب الله» الابتعاد كثيراً عن معاقلهم في لبنان والتواجد في بيئات اجتماعية لا تقبل بهم.

لهذا، فإن أغلب الظن أن يكتفي النظام باستعادة السيطرة على منطقة القلمون وغرب مدينة حمص، وربما بعض أحياء مدينة حلب. ويكتفي بعدها بإطلاق الوعود عن عزيمته في استكمال سيطرته على بقية مناطق البلاد.

ومن ناحيتها، فإن المجموعات المسلحة تختار مناطق سكنية بعيدة من العاصمة، ليس فيها تواجد عسكري قوي لقوات النظام، مثل مدينة كسب ومحيطها، من دون الاهتمام بأن تكون لديها القدرة على الاحتفاظ بها لفترة طويلة. وستستمر المعارضة، المعترف بها دولياً، وبعض قادة المجموعات المسلحة بإطلاق الوعود الواهية عن «معركة دمشق» وإسقاط النظام.

فبناء على هذه الأوضاع، ووفقاً للعوامل الحالية، المحلية والدولية، فإن الأزمة في سورية ستبقى على حال من الاستنقاع الذي يتزايد تعفناً يوماً بعد يوم، بحيث يزداد الدمار والفقر والنزوح واللجوء والتشرد والانقسام المجتمعي وانخفاض التعليم وانهيار الاقتصاد إلى وقت طويل جداً. وستبقى سورية رهن الحرب الباردة الجديدة بين المعسكرين العالميين اللذين بدآ يتشكلان مجدداً. وستجد أطراف النزاع (بالأحرى أطراف الدمار) دوائر خارجية عديدة تمولها وتدعمها. وذلك على رغم الدعاية الإعلامية، لكل الأطراف، التي تبشر السوريين بنصر قريب وخلاص نقي. وستجد هذه الدوامة من الدمار دوماً مسائل تعتاش عليها، كأمل بعض «المعارضين» بالمُنقذ الإسرائيلي، أو استثمار النظام لهذا المعطى المصطنع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة الساحل!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 2/4/2014

ليست معركة الساحل كغيرها من المعارك الدائرة على أرض وطننا، لأن حساباتها تختلف عن حسابات غيرها. في مناطق سوريا الأخرى، يقاتل الجيش الحر وتنظيمات المقاومة الأخرى جيشا نظاميا يغلب عليه لون طائفي ومذهبي معين، من دون أن يعني ذلك أنه يقاتل مذهبا أو طائفة بعينها. يفسر هذا، لماذا لم يتحول القتال ضد جيش النظام إلى حرب أهلية، وغلب عليه طابع قتال ضد سلطة استبدادية تستأثر بالحكم، ترفضها قطاعات واسعة من الشعب تضم مزيجا متنوعا من بنات وأبناء طوائف مختلفة، من علويين ومسيحيين ودروز وإسماعيليين وغيرهم.

في الساحل، يختلف الأمر عن ذلك، بسبب كثافة الحضور العلوي في أرجائه، والعدد الكبير من أبناء المذاهب الأخرى الذين نزحوا إليه من مناطق سوريا الأخرى، ويقدر بنيف ومليون مواطنة ومواطن، يتوزعون على قراه وبلداته ومدنه، في دليل إضافي يؤكد أن شعب سوريا لا يحارب بعضه بعضا، ويواصل وسط صعوبات جمة مألوفة في العيش المشترك، ويرفض جهود السلطة التي تعمل على دفعه إلى حال من القطيعة والعداء تجعل أي تماس بين مكوناته انفجاريا وداميا. في المناطق السورية الأخرى، ليست المعركة موجهة ضد كتلة بشرية بعينها، أما هنا، فيمكن لأي خطأ في الحسابات أو أي صدام بين مواطنين متنوعين مذهبيا أن يؤديا إلى كارثة وطنية خطيرة الأبعاد، ستأخذ حتما شكل حرب أهلية مديدة، لن يكون ما جرى إلى اليوم من فظائع وجرائم ارتكبها النظام وأتباعه ومن يتبعون نهجه من المسلحين، غير أحداث بسيطة، بالمقارنة مع ما سيقع فيها.

هنا، في منطقة الساحل، تمس الحاجة إلى فصل الناس عن السلطة، وبقائهم خارج المعارك ضد النظام ومؤسساته، وإلا انقلبت الحرب ضده إلى حرب تستهدف مواطنات ومواطنين عزلا لا يجوز مسهم بسوء، حتى إن كانوا موالين سياسيا للسلطة، التي يجب أن تقترن الحرب ضدها هنا بمواقف وطنية وإنسانية تحترم وتصون حياتهم وممتلكاتهم وكرامتهم وحريتهم، تفصلهم في الوقت نفسه عن النظام، وتقنعهم بالأفعال أن المعركة ليست ضدهم، وأن سوريا الآتية ستكون لهم أيضا بقدر ما ستكون لغيرهم من مواطنيها الآخرين. هذا الفصل يجب أن يتم بضمانات تقدمها مختلف أطياف المعارضة في صورة إعلان وطني ملزم يدعمه الجيش الحر وبقية فصائل المقاومة المسلحة، بما فيها التنظيمات الإسلامية، التي لا يحق لها أن تنحدر إلى مستوى النظام، وعليها أن ترفض القتل على الهوية والشبهة، وتعلن أن سوريا القادمة لن تكون من لون مذهبي أو ديني واحد، بل ستكون وطنا لجميع أبنائها من أي مذهب ولون وجنس ومنبت، على أن تثبت ذلك خلال معاركها ضد النظام في منطقة تتصف بقدر عظيم من الحساسية، أنتجته سياسات النظام الطائفية، وجريمة ربط مكونات مجتمعية بسلطته ومؤسساته العسكرية والأمنية، مما أعطى انطباعا كاذبا بأنها منه وأنه منها، وبأنهما كيان واحد لا يقبل الفصل.

بالنظر إلى هذه التعقيدات والتشابكات، تحفظت في الماضي وأتحفظ اليوم أيضا على ما سمي «معركة الساحل»، واعتقدت دوما أنه ليس من الضروري فتحها في الساحل نفسه، وأنه يمكنها أن تقع في أي مكان غيره من سوريا، بما أن حسمها خارجه لن يترك آثارا كارثية على الثورة وفرص نجاحها كتلك التي يحدثها وقوعها فيه، ولن يقودنا إلى مرحلة نوعية من الاقتتال الداخلي اسمها الحرب الأهلية، التي ستتعاظم فرص حدوثها في حال كان هناك معركة خاصة في الساحل، ستكون أولا معركة طويلة ومكلفة إلى حدود يصعب فظاعتها، ولأن وقوعها سيجعل من السهل على النظام التلاعب بمشاعر الناس، وتأجيج ضغائنهم وأحقادهم، وزجهم من دون كبير عناء في معركته الإجرامية ضد مواطنيهم. بقول آخر.. ليس الحسم ولا يجوز أن يكون في المنطقة الساحلية. ومن الضروري أن يمر بمرحلتين؛ أولى تغطي بقية مناطق سوريا، يتم خلالها تقويض قدرات النظام على الاستمرار والحرب، تحمى خلالها المنطقة الساحلية من سياسات وشرور السلطة، ومرحلة ثانية يكون لأهل الساحل فيها دور في الصراع ضد النظام، الذي ستكون علامات هزيمته جلية للعيان، وقادرة على إقناع الموالين منهم له بالانفكاك عنه، وبحتمية مشاركتهم في العمل الوطني، وتمكينهم من التعبير عن أنفسهم ومطالبهم بالأسلوب الذي يختارونه.

إلى أن يحدث هذا، لا بد من الامتناع عن مهاجمة مناطق الساحل المدنية، ولا مفر من التوجه إليها بخطاب وطني يقوم على المصالحة والاحترام، بينما يجب منع النظام من استعادة المناطق والمواقع التي تم تحريرها خارجها، والتي يمكن استخدامها لممارسة المزيد من الضغوط عليه، ولبناء ميزان قوى يساعد على التخلص منه.

بغير ذلك، يكون ذهابنا لتحرير منطقة الساحل خطأ جسيما سيغرق سوريا كلها في رمال متحركة، ستجرها إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، ستقلص كثيرا فرص إضعاف النظام وإسقاطه، وقد تقضي على البقية الباقية من شعبنا ووطننا المنكوبين!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني ورئيسه الجربا

فراس قصاص

القدس العربي

الاربعاء 2/4/2014

يستمر السوريون اليوم، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على انطلاق احتجاجاتهم ضد نظام بشار الأسد، في تأدية ثمن متضخم للغاية لثورتهم، ثمن دمر حياتهم في سورية، وأطاح بشروط عيشهم الأساسية فيها. هذا الثمن الذي لم يعد يحتمل أو يطاق، لم يكن حتميا دفعه ومبادلته بالحرية والكرامة التي يتطلع إليها الشعب السوري، كما لم يكن بأي حال، نتيجة أوتوماتيكية للتمرد على نظام الاستبداد، وليس أيضا، كما يخيل للبعض، بسبب تحول الثورة السورية إلى العسكرة، فهذا التحول لمن يعرف كيف تتخلق وتتفاعل ديناميات الاجتماعي السياسي السوري، كان قسريا وحتميا، طالما أن قمع الثورة بوحشية كان سيلازم استمرارها، وطالما لم يكن هناك ثمة عمق اجتماعي لقوى سياسية داعمة لثورة السوريين أو منخرطة فيها، بما يمكنها من توجيه وضبط الفعل الثوري. إنما ترتبت هذه الفاتورة الباهظة، وفق المنظور الذي تعتمده هذه السطور، على سوء إدارة كارثي لشؤون الثورة السياسية، وهو ما تتحمل مسؤوليته القوى السياسية المعارضة، التي شاركت في صناعة القرار السياسي للثورة واستحوذت على تمثيلها، من دون أي معايير واضحة، اللهم إلا وقوع بعضها ضحية لقمع الاستبداد في فترة ماضية، وتنادي بعضها الآخر، متسلحا بدعم واستتباع من قبل طرف إقليمي أو دولي، لتشكيل تنظيمات سياسية جديدة، فقط لغرض التمثيل وشغل الإحداثيات في منصة الهيمنة على الوضع الثوري. وإذا كان البعض الأول من هذه المعارضة يحتاج إلى إعادة تأهيله نفسيا وسياسيا قبل حيازته أي فاعلية في وضع معقد كالوضع السوري، وليس أن يتحكم في إنتاج سياسة الثورة على النحو الذي كان، فإن البعض الثاني بوصوليته ونهمه إلى شغل مواقع السلطة في الطرف الثوري وافتقاده لأي خبرة سياسية سابقة، أضاف عبئا جديدا على المسار السياسي للثورة وراكم سلبياته إلى حد كبير.

إلا أن ما ثبت بعد تدوير الفشل وإعادة إنتاج العجز الذي لازم المعارضة السورية أثناء تصديها لتحديات واستحقاقات الثورة السورية على كل الصعد، لا سيما بعد تحالفها وتأسيسها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، هو أنها تعاني من أزمة بنيوية عميقة وشاملة، أزمة أحالتها إلى مجرد قوى إعاقة متفاقمة للثورة، تؤثر سلبا في الوضع الثوري وتعظم من تداعياته الصعبة بدلا من الحد منها ومعالجتها، وقد أصبح الحديث عن أزمة يعانيها الائتلاف الوطني، بوصفه الجسم الجامع لهذه المعارضة بشقيها، التقليدي واللاحق على انطلاق الثورة، يتطلب رصدا لأبعاد متعددة، منها الفكري السياسي ومنها التنظيمي والعملي، منها ما هو متعلق بالانغلاق الأيديولوجي والاستعلاء النخبوي والذهنية الشللية والعصبوية وإشكالية العلاقة مع القيمة الديمقراطية، ومنها ما له علاقة بضحالة التجربة السياسية وانعدام الإلمام بأبجديات السياسة الأولى، والحال هذه فإن الائتلاف مذ تأسس، جمع في تكوينه مشاكل متعددة المصادر، ولد تجاورها وتضافرها مزيدا من التنافر والدعة، أصاب بنيته الكلية وأثر على أدائه العام، موديا بالمسار السياسي للثورة إلى هوة سحيقة، تجاوزت تلك التي وصل إليها المجلس الوطني في أيامه الآفلة. بيد أن الأكثر خطورة ويبرزه بوضوح تحليل المسار السياسي للثورة منذ تأسيس الائتلاف الوطني، هو تعاطي الأخير للسياسة على نحو سطحي وشفهي، وأنها لم تكن في وعيه إلا هذيانا لغويا عن الدولة الديمقراطية وردحا بإجرام النظام واستبداده، أما الجانب العملي منها، فلا يتجاوز العمل على الأطر السياسية وحضور المؤتمرات، ومن ثم زيارة السفارات ووزارات الخارجية.

أزمة الائتلاف مع السياسة بهذا المعنى، أزمة منهجية وجذرية. هو لم يشتغل سياسة أبدا بالمعنى العلمي/ العملي للكلمة. وعلى ذلك فإن كل من يلقي بفشل الائتلاف على رئيسه السيد احمد الجربا، الذي لم يكن هو صانع السياسة في الائتلاف أو على سواه من أفراد، إنما تخونه الموضوعية وتجافيه القراءة التحليلية العميقة والشاملة، هكذا قراءة لا تعبر ولا تصب في المحصلة، إلا في مصلحة إذكاء الصراع على المواقع والنفوذ بين مختلف الشخصيات والأطراف داخله. صنعت السياسة في الائتلاف كمحصلة وتفاعلا لفهم مكوناته وخبراتها السياسية، ووجود الجربا في موقعه هذا بحد ذاته، هو من علامات أزمة مكونات الائتلاف في مستوى إنتاجها لدوائر وقيادات ومؤسسات الجسم الذي أنجزته بتحالفها وائتلافها، وليس أي شيء آخر.

وإذا كان سلوك الائتلاف السياسي الهزيل ينتج عن المنظور الذي يتعاطى من خلاله السياسة ويدير وفقه الوضع الثوري، وهو منظورلا يفتقد إلى الجانب العملي والتشكل العلمي وحسب، بل هو منظور أيديولوجي مغرق في أدلجته، محبوس عن الواقع وحركته ومرتبط بسمات ثابتة وساكنة عن الوطنية وعن أولويات ومنطلقات التحديات التي تواجه السوريين، التي لا تتبدل ولا تتحول، أيا تكن انعطافات الواقع ومستدعيات الحفاظ على الإنسان في سورية حاضرة وملحة، بما أطاح بفاعليته السياسية وقدرته على تحقيق منافع استراتيجية للثورة، فإن المخيب للآمال إلى درجة مفرطة، يتمثل في ما بدا في سلوكه ومواقفه وكأنه استعادة وتمثل لعقلية وممارسات النظام السوري، فالائتلاف لم يوفر فرصة إلا وصدَر للعلن، من خلال بعض مكوناته وأشخاصه النافذين، كم هي محايثته للقيم الديمقراطية هشة ومتهافتة، وكم هي رغبته بالاستحواذ والإقصاء جلية، وكم هو دخوله، رغم كل ما يحدث في سورية من كوارث، في الصراع على المصالح الضيقة، صارخة ومؤذية، الأمر الذي أفقده مصداقيته أيضا، وأطبق على هيبته وصورته وأضعفهما إلى حد كبير. لكن، إذا كان الائتلاف الوطني يعيش أزمة يبدو تجاوزها أمرا متعذرا ومستبعدا إن لم يكن مستحيلا، على خلفية عمقها وجذريتها وطبيعتها البنيوية، فهل يعجز الأفق السوري وفضاؤه السياسي والثوري عن بلورة بديل ممكن لهذا الجسم ومكوناته العاجزة، بديل قادر على التأثير في معادلات الداخل الثوري والخارج الإقليمي والدولي تأسيسا على ممارسة سياسية بأبعاد ومستويات جديدة؟ أم أن الحال السوري بات عقيما إلا من المزيد من المآسي والانسدادات، وأن سورية كدولة ووطن وإنسان لن تقوم لها أبدا قائمة؟ّ

‘ كاتب وعضو رابطة الصحافيين السوريين

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هدن التجويع والإذلال!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الخميس 3/4/2014

طبل النظام الأسدي وزمر للهدنة التي توصل إليها مع قسم من مواطني المعضمية، واعتبرها نجاحا باهرا لسياسات شرع ينتهجها لما يسميه «حسم الصراع وإنقاذ المدنيين»، تعهد أن يواصلها ريثما ينهي الأمور في حلب وحمص: بالقوة والقنابل المتفجرة، وبالحصار والقتل بالتجويع.

وكان النظام قد اتبع مؤخرا سياسات تمزج بين أعمال قصف تفتك بالمدنيين تحديدا: نساء وأطفالا ورجالا، وبين حصار يجوعهم حتى الموت، يتسم بقدر من الإحكام يستحيل عليهم الإفلات منه. بالمقابل، دأبت السلطة على مزج التشويق بالجزرة والضرب بالعصا، وتقديم وعود تلوح بالغذاء والدواء وإطلاق سراح المعتقلين وتسوية أوضاع من انفكوا عن عملهم من الناس، وبالعفو عن الجنود والضباط المنشقين وإعادة المهجرين إلى منازلهم التي سترممها على نفقة الدولة. بعد أشهر من القتل والتجويع، لا عجب أن وجدت في المعضمية أصوات قبلت عقد «هدنة» رأت فيها وقفا لإطلاق نار يحقق الوعود المعسولة، ويحظى باهتمام المحاصرين، الذين كان أطفالهم يموتون جوعا وعطشا وخوفا.

قرأت بالأمس ما أورده أحد قادة المقاومة في المعضمية من وقائع حول تطبيق الهدنة. قال المقاوم: إن الجيش خالف كل ما تم التوصل إليه في اتفاق «الهدنة»، فلم يسحب قواته من محيط المدينة بل عززها، ولم يوقف قصفها بل زاده، ولكن بالأسلحة المتوسطة ونيران القناصة، ولم يفرج عن أي معتقلة أو معتقل أو يسمح بدخول الغذاء والدواء، أو بعلاج أي مريض أو مصاب من سكانها إلا إن عولج على نفقته الخاصة، ورفض السماح لمن دخلوا المدينة بعد «الهدنة» بالخروج منها، ولم يرفع حواجزه عن بواباتها بل وطدها، وحصر تعامل الأهالي مع العالم بحاجز واحد يضايقهم ويذلهم، بينما اعتقل عددا كبيرا من الشباب الذين أرادوا مغادرتها، وسرب عناصره إليها لتقويض وحدة مواطنيها، وامتنع عن إعادة ترميم أو بناء ما تهدم أو دمر فيها. وأخيرا، بلغ استهتار النظام بأهالي المدينة حد السريالية، فقد أدخل بعد ثمانية أشهر من الحصار ما وعد بإدخاله من مواد غذائية، فإذا هي 27 علبة سردين و90 ربطة معكرونة و80 كيلو برغل و56 علبة طون، اعتبرها العميد غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد المشرف على الهدنة، كافية لتغذية 8500 مواطن يقتلهم الجوع!

قوض النظام الهدنة بندا بندا، لأن ما أملاها لم يكن الحرص على المواطنين، بل حاجته إلى نقل قسم من قواته إلى مواقع أخرى يريد محاصرتها بدورها، فضلا عن اختراق الثورة، وزرع الفتنة بين مواطنيها، وحفر هوة يصعب ردمها بين شعبها والمقاومة، تجعل من السهل إسقاطها دون قتال، حين تنضج شروط سقوطها، ويقرر استئناف هجومه عليها.

من جانبهم، أراد الأهالي التقاط أنفاسهم بعد شهور عانوا فيها أشد المعاناة من القتل والتجويع، ولم يقبلوا «الهدنة» كي ينفكوا عن الثورة وتعصف بهم خلافات وفتن تجعل استسلامهم مسألة حتمية. واليوم: يميل سكان المعضمية إلى التخلي عن الهدنة، أسوة بسكان مخيم اليرموك، الذي رفض رئيس مجلسه المحلي ما سماه «هدنة الإذلال والتجويع».

والآن، ماذا سنفعل إذا ما انهارت «هدن التجويع والإذلال»: هل نتركهم يموتون جوعا، أم نعمل بكل جدية لفك الحصار عنهم، بالسياسة والمقاومة، وفي إطار دولي يسمح لأول مرة بالتواصل معهم «عبر الحدود»، دون موافقة النظام وعن غير طريقه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة كسب تربك الأسد وحلفاءه

حسان حيدر

الحياة

الخميس 3/4/2014

كلما هلّل نظام بشار الأسد لتقدمه العسكري في بعض المواقع ظناً منه انه سيكون له وقع «الدومينو» الذي يجعل المعارضين ينهارون ويستسلمون، احبطت المعارضة آماله، ودفعته الى تعديل حساباته. وكان آخر الضربات التي وجهتها اليه الهجوم على كسب في منطقة اللاذقية الذي اشاع الذعر في صفوف بيئته الحاضنة ودفعه الى استقدام قوات من مناطق تحتاجها، لدرء الخطر عن المعقل الذي يُعتبر ملاذه الجغرافي الاخير.

فعلى رغم حال التمنع الاميركي والدولي، والتخلي العربي، عن دعم المعارضين بما يمكنهم من اقامة بعض التوازن مع آلة النظام العسكرية الهائلة الموصولة بمخازن الجيشين الروسي والايراني، لا يزال المقاتلون يفاجئون العالم بقدرتهم على الصمود بوسائل الحد الادنى، وبإظهارهم ان ارادة التغيير لم تخبُ جذوتها على رغم التفاوت الفادح في عوامل القوة. وهم بذلك يثبتون ان ثورتهم التي لم تكن وليدة عوامل خارجية كما يدّعي النظام، ترى في مساعدة الخارج وسيلة لتسريع عملية التغيير وليس شرطاً لها.

وكانت الولايات المتحدة وجهت قبل ايام صفعة جديدة للمعارضة عندما سارعت بعد ساعات من زيارة باراك أوباما الى الرياض وتناولها المسألة السورية بإسهاب، الى طمأنة روسيا بأنها لن تزود المقاتلين السوريين صواريخ مضادة للطائرات، ودوماً بذريعة الخوف من وصولها الى «الايدي غير المناسبة»، في تأكيد للسياسة التي تتبعها منذ بدء الانتفاضة السورية، والقائمة على منح الاولوية لمحاربة الارهاب على ما عداها، حتى لو أخلّ ذلك بالمعايير والقيم الدولية التي تكرر اعلان التزامها بها.

والدليل الاوضح على نجاح الهجوم المعارض على شمال اللاذقية كان اسراع موسكو، التي تعرقل منذ ما يزيد على ثلاث سنوات عمل مجلس الامن وهيئات الامم المتحدة في اصدار قرار بوقف مذابح النظام السوري او تقديم المساعدات الى النازحين داخل سورية من دون موافقة دمشق، الى طلب اجتماع لمجلس الامن ذاته والطلب منه بحث قضية الهجوم، ولو كان ذلك بذريعة حماية الاقلية الارمنية.

ومع ان من البديهي ادانة اي تجاوزات بحق الأرمن او أي اقلية اخرى في سورية، كما من البديهي ان تكون المعارضة ضنينة بإظهار حرصها على كل السوريين بجميع طوائفهم وإثنياتهم، وإثبات ان هدفها اطاحة نظام لا يميز في قمعه بين مكونات المجتمع السوري، بمن فيهم العلويون انفسهم، فإن تلطي روسيا وراء تجاوزات محدودة لتحفيز المجتمع الدولي، يعني ان تقدم المعارضة في كسب آذى النظام كثيراً وأربكه.

وإذا كانت معركة كسب اظهرت ان ما حققه نظام دمشق بدعم من حلفائه في الميليشيات اللبنانية والعراقية، في منطقة القلمون الحدودية مع لبنان، لم يكن بالأهمية الحاسمة التي روج لها، كما اثبتت عقم الخيار العسكري الذي تبناه رداً وحيداً على مطالب شعبه، فإنها تعني في الوقت نفسه ان ما تقدمه ايران وروسيا من سلاح ومال الى نظام دمشق لا يفيد سوى في اطالة الحرب وحصد المزيد من الضحايا والتسبب في مزيد من الدمار، من دون ان يحسم المعركة لمصلحته، وأن رهانهما عليه لم يعد خياراً ناجحاً وليس امامهما سوى قبول الحل الذي تقترحه المعارضة والعالم، لمرحلة انتقالية لا دور للأسد فيها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من الذي يهلل للأنفال؟

علي ديوب

الحياة

الخميس 3/4/2014

«يُقبل منا انتقاد النظام، ولكن لا يقبل انتقاد الثورة». قال أحد الناشطين المثقفين. وهو معارض ينحدر من الطائفة العلوية، هلل للثورة وعلّق عليها آماله المؤجلة التي حبسها خلف فمه المكموم، على مدى عقود. وكان يقصد بكلامه، هذه المرّة، زملاءه في المهنة وشركاءَه في الحلم، بإسقاط نظام الطغيان الأسدي، وإقامة سورية الحرة الديموقراطية.

وفي توضيحه كتب: يكفي اعتراضٌ واحدٌ على معركة الساحل، حتى يشكك في ثلاث سنوات من الدأب والهمّ اليومي، لترمي المثقف العلوي بالشبهة أو ب «العودة إلى الأصل»، بتعبير أحد الناشطين الأكثريين، ممن يزعمون العلمانية، ورفض التشدد و العنصرية.

يفسّر الناشط طبيعة الخلاف، بتناقض الرؤى السياسية، نتيجة لعبة النظام، التي لدى الأسد منها الكثير، وتفاوت من يعارضون على مبدأ ردّ الفعل. ولعل أهمّ أرباح النظام، تعود لهذا النوع من المعارضة، التي جرّت أصحابها، المرة تلو المرة، ومن حفرة إلى حفرة، من دون أن يتعظوا...!

في معركة الساحل الأولى، ضرب النظام عصافير عدة بحجر واحد. فأصاب، للمرة الأولى، هدفاً لطالما استعصى عليه، ويتمثّل بالجسد الصلب للمعارضين المستقلين والمكون من مثقفين وناشطين، ذكوراً وإناثاً، يجمعهم موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك. وعلى ما في فاعليتهم من ضعف، ظلوا، خاصة بأصوات العلويين بينهم، دلالة تقضّ مضجع النظام بفشله في تفتيتها، وضربها ببعضهابعضاً؛ قبل أن تمكّنه معركة الساحل من هذا لأول مرة، حيث انتقل المعارضون المثقفون من المواقف المتطابقة إلى المواقف المتناقضة.

وما كان للمطابق أن ينتج غير المناقض، فتجلت الخلافات حادة، في موجة من الحجب الفايسبوكي المتبادل أعقب صدامات أليمة ارتفعت فيها النبرة الطائفية بصورة نزلت بمثقفين إلى سوية المتعصبين الطائفيين. واستخدمت فيها تهمٌ وأحكامٌ كانت سابقاً من آليات عمل النظام، ضد المعارضين، بلا تمييز، ثم من المهمات الموكلة إلى الموالين المتشددين، لملاحقة المعارضين من أبناء الطائفة العلوية، بتهمة خيانتهم النظام الذي يواجه مؤامرة عالمية، أو خيانة الطائفة (وفق المتكلم).

الخلاف الذي تفاقم في الرأي، بخصوص معركة الساحل الأولى، ومنذ حدوثها على يد الجماعات الجهادية المتطرفة، قام على اعتبار أن الموقف من المعركة تظهير لحقيقة معارضة أبناء الطائفة العلوية، من دون أية مراجعة لما يكتنز هذا المنطق من الاستبداد، بخاصة أنه يقوم على تحدٍ/ تعليل، يقول إن تقبّل مشاركة الأقليات (العلويين) في المحنة يقتضي منهم التحمّل الفعلي للآلام الواحدة، والخسائر المماثلة والمصاب المشترك كبرهان صادق على مزاعم «الأخوة في الوطن». في حين تمّ اتهام الرأي الآخر، لمجرّد ميله إلى ضرورة التيقظ أكثر لخطط النظام، وبالذات تلك التي تنفذها جماعات إرهابية ضخّها في جسد الثورة، فأحدثت أكبر الضرر فيها، ممثلاً برفض تلك الكتائب لمبادئ الثورة وأهدافها، وتكفير كوادرها وقادتها، ونقل الثورة من حيّز التعاطف الدولي إلى حيّز العداء للعالم. ما يوجب في المعارضة رفع منسوب التماسك، والتمسّك بالعقل، طرداً مع زيادة ضغوط النظام، لتحويل الثورة إلى صراعٍ طائفيّ محض، وأن هذا يقتضي استتباعاً ضرورة حشد حملات معارضة لاتساع دوائر الموت والتدمير، حملات يمكنها كسب حتى التأييد العالمي، لكي تأخذ دول العالم دورها، حين تطمئن إلى سلامة البديل.

«راحت، وجاءت الفكرة»، كما يقال. لكن القابلية للسّكْر بقيت على حالها، لدى الطرف المصاب بمعارضة رد الفعل. اكتشف الجميع أن معركة الساحل الأولى كانت معركة من تحريك المخابرات، لتشديد التفاف الأقليات حول النظام الذي أقنعهم وأقنع الغرب بأنه ﻻ بديل منه غير الإرهاب. لكن هاهم يقعون اليوم في الحفرة إياها، منجرّين خلف قيام الكتائب الجهادية، بقيادة النصرة، المصنّفة منظمة إرهابية، بمعركة الأنفال، في الساحل. وعلى رغم الخطر الذي يلوح خلفها، وسواء كانت سهماً من جعبة الملالي أم من سهام النظام أم من اجتراحات كتائب تجاهد بالأجرة، فمن الجائز أن يحمل الأمر تطهيراً عرقياً للساحل، من جملة عدد من النتائج الأخرى المدمّرة.

ولا يحتاج المرء إلى طول تفكير كي يخمّن من هو المستفيد من تحقيق مناطق نقية طائفياً يصبح معها التقسيم تحصيل حاصل، يفرض واقعاً جديداً على السوريين وعلى العالم، ولكنْ بعد مجازر ﻻ يعلم فداحتها أحدٌ، في ظل وجود مئات آﻻف الحلبيين السنة المهجرين في الساحل حيث يتخذهم النظام درعاً ورهينة لآخر أوراقه التي قد تكون أكثر تخويفاً للعالم من الكيماوي.

الخلاف يشتد أكثر من ذي قبل، حول مكان وجود رأس الأفعى: هل هو في القرداحة (الساحل)، أم في دمشق. ومعارضو النظام صاروا معارضين لبعضهم بعضاً بحيث تضيع صرخةٌ عاقلة تطالب بضرورة حشد المقاتلين تحت قيادة واحدة - هي قيادة الثورة المعترف بها دولياً، والتي تم انتزاعها بدم سوري غزير، تحت طائلة اتّهام من يرفض ذلك من المجاهدين بتهمة الإرهاب، وإﻻ فسوف تبقى هذه الكتائب حزام الأمان للنظام. هذه البديهة ليست بدعة، وهي تعود إلى بدايات الثورة، متلازمة مع انتقاء النظام للسلميين من المعارضين، اعتقالاً وتصفية تحت التعذيب أو طرداً... الخ؛ فيما يزيد رصيده من تشكيلات متطرفين يفرج عنهم من سجونه، بعد إعداد طويل.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com