العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 6/1/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

بعض إجرام النظام الأسدي في أرقام

بدرالدين حسن قربي

ابتداءً، فإن حصر إجرام النظام الأسدي وجرائمه على الإنسان والعمران أمر ليس سهلاً، ولكنّا نختار بعض الأرقام علاماتٍ تأخذ بنا إلى فظائع هذه الجرائم، وكبائر هذا التوحش، وعظائم هذا الدمار.  فالأرقام حقائق تأخذ بيد أصحاب البصر والبصيرة، وتُريهم بعين اليقين مافعله تتار العصر ومغوله في سوريا.

بلغ إجمالي عدد شهداء الثورة السورية الموثقين والمسجلين خلال 658 يوماً أي من البداية حتى يوم الاثنين نهاية عام 2012 اثنان وخمسون ألفاً وثلاثمئة (52300) منهم أربعة آلاف طفل، ومثلهم نساء.  نصف هذا العدد وهو ست وعشرون ألفاً ومئة وخمسون (26150) منهم ألفا طفل ومثلهم نساء، كان حصيلة سبعة عشر شهراً، أي حتى اليوم 523 للثورة. 

أما إذا أردنا توزيع العدد الإجمالي للشهداء إلى ثلاثة فترات اعتماداً على الأعداد ومعدلات القتل، فهو خمسة آلاف وستمئة ( 5600 ) خلال الفترة الأولى التي هي 292 يوم من بداية الثورة حتى نهاية عام 2011، أي بمعدل 19 قتيلاً يومياً. وعشرون ألفاً وستمئة (20600) خلال الفترة الثانية التي هي 231 يوم من بداية 2012 ولغاية 18 آب، أي بمعدل 90 قتيلاً كل يوم، ثم ست وعشرون ألفاً ومئة (26100) خلال الفترة الثالثة التي هي المئة والخمسة وثلاثين يوماً الأخيرة من 19 آب ولغاية عام 2012 أي بمعدل 193 قتيل يومياً.

إن أعداد القتلى ومعدلات القتل المذكورة سابقاُ، تشير إلى حجمٍ في إجرام النظام الأسدي لامثيل له، لم يوفر طفلاً ولا امرأةً ولا مدنيّاً، وتؤشر إلى أن الجزّار رفع وتيرة القتل إلى خمسة أضعاف في المرحلة الثانية، وإلى عشرة أضعاف في المرحلة الثالثة لقناعةٍ راسخةٍ ودائمةٍ ومنسجمةٍ مع تركيبته الدموية، أنه بتوحش القتل وفظاعة الإجرام يصل إلى غاياته، وهو منطق الصلف والعجرفة والطغيان الذي أرداه وأوصله موارد الهلاك وإنْ مازال يُعاكس ويُشاكس وقد اقتربت ساعته، ويُراوغ ويواقح وقد دنا يومه، فلكل طاغية أجل، ولكل ظالم نهاية، وإن أجل الله لآت، فويل يومئذ للمجرمين الذين يواجهون نداءات الحرية والكرامة لشعبهم بالموت وسفك الدماء.

وأخيراً، ومع هذه الأرقام ومافيها من مؤشرات الإجرام فضلاً عن أرقام لعشرات الآلاف من المفقودين وأضعاف أضعافهم من المعتقلين ومئات الألوف من اللاجئين، وملايين المشردين والنازجين داخل سوريا وخارجها مما لايمكن استيعابه من أرقام كارثية، فإنني أستدعي كلاماً آخر مهماً داعماً لنظام فاشي سفّاح متوحش، قاله الشيخ البوطي في خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان الماضي: إني أعتقد أنه ليس في العالم كله بلد تُطبّق الإسلام بحقيقته وجوهره وتعاليمه الكريمة وتسامحه كما تطبقها اليوم الدولة السورية بارك الله بقيادتها وشعبها.  وأضيف عليه أيضاً كلاماً آخر قاله في خطبة له منذ عشرة أيام يمتدح فيها جيش النظام القاتل بما مفاده: جيشنا القائم ولله الحمد على تنفيذ ما ينبغي أن يُنفَّذ، وإننا لنخجل من الله أن نكون جالسين في بيوتنا ننظر إلى جهود هؤلاء الأبطال ونحن جالسون لا نفعل شيئاً.  واللهِ ليس بين أفراد هذا الجيش وبين أن يكونوا في رتبة أصحاب رسول الله إلا أن يَرْعَوا حق الله في أنفسهم وأن يُقْبِلوا إلى الله وهم تائبون وهم ملتزمون بأمر الله جهد استطاعتهم لا أقول أكثر.  نستدعي كلام الشيخ ثم نتساءل: إذا كان، مع كل ما ذكرنا من أرقام ودلالات، هذا حال السوريين مع تطبيق الإسلام وتعاليمه من قبل الدولة، ومع جيش قاتلٍ لهم يقترب كثيراً ليكون في رتبة أصحاب رسول الله، فكيف سيكون حالهم والعياذ بالله لو لم تكن الدولة مُطبّقة للإسلام وغير ملتزمة بتعاليمه وسماحته، ولو لم يكن جيشه أمناً وشبّيحة قريباً من مرتبة الصحب الكرام..!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-* 

في تقدير الموقف : الحصانة ضد القابلية للفتنة ... زهير سالم*

يحتاج شعبنا بعد نصف قرن من الاغتراب عن الذات الوطنية الجامعة إلى إعادة التعارف . أقول إلى التعارف من جديد بعد أن قضينا زمنا طويلا نتلاقى من خلال حواجز الوهم التي بناها الظالم المستبد . نحتاج جميعا إلى ممارسة المزيد من النجوى الذاتية  ( المونولوج ) بلا ملل ودائما ( حتى يسمع الجيران ) .

 

إن تبديد الحلكة التي كثفها مكر الليل والنهار ، والتي عملت عليها من جهة أخرى عوامل من الحصار الذي أدى إلى الانغلاق ، ومن الإقصاء الذي أثمر الرفض ؛ تحتاج إلى المبادرات الإسعافية السريعة تنخرط بها بكل وعي وإصرار جميع الأطراف .

 

من إدراكنا للحقيقة أننا جميعا أبناء هذه الأرض . ومن تسليمنا أن القسط هو قاعدة وجودنا وأن البر هو أفقه نمتلك الإرادة الموحدة التي تحفزنا على الثقة بالعمل المشترك لمواجهة الظلمة والبرد والريح .

 

أستمع للبعض يقول أحيانا إن تعددنا لا تهدده مشكلة . أعتقد أن نفي وجود المشكلة هو نوع من التهرب من مواجهتها . يواجه تعددنا مشكلات وليس مشكلة . مشكلات نصنعها جميعا ، أو تصنعها أطراف تعددنا جميعا . أول الطريق أن نعترف جميعا بهذا وأن نعلن بكل الثقة أننا نمتلك الإرادة لمواجهة هذه المشكلات بكل العزم والحزم والحكمة والقسط والبر . وأن الهدف الذي نريد أن نصل إليه هو بناء المجتمع المدني الموحد . مجتمع أسنان المشط . يحمي الانتماءُ الوطني فيه الفردَ من أي ظلم أو حيف ويمنحه أمنه وأمانه وفرصته وحقه .

 

وأن نعترف أن الوصول إلى هذا الذي نتحدث عنه لا يتم بإصدار بيان ، ولا التعهد بوعد أو عهد أو ميثاق ، وأننا لن نحقق المطلوب بندوة أو ورشة أو مقررات . يجب أن تحفزنا الإرادة والعزيمة إلى وضع الاستراتيجيات والخطط . وإلى شيء من المبادرات الإسعافية السريعة لإطفاء الحرائق ووقف النزيف ومصادرة معاول الهدم تنال من جنوبنا وصدورنا هنا وهناك . كما نحتاج كذلك إلى كثير من الخطط الطويلة المدى تتغلغل هناك في أعماق الثقافة وفي أعماق الوعي الفردي والجماعي أيضا .

 

قد نكون من الذين يفخرون أن ماضينا لم يكن سيئا أبدا . بل كان تاريخنا في حماية تعددنا أفضل من تاريخ أي امة وأي دين وأي حضارة . ولكن لنعترف بل يجب ان نعترف أننا لا نريد إعادة إنتاج التاريخ .

 

على المدى الطويل سنحتاج إلى فقه الفقهاء المجددين الراشد ين المرشدين ، وسنحتاج إلى جانبهم إلى علماء الاجتماع وعلماء السياسة وقبل كل ذلك سنحتاج إلى اللقاءات المفتوحة المعبرة عن الثقة على جميع المستويات ..

 

النداء اليوم إلى العقلاء من جميع أبناء الشعب السوري ، وإلى العقلاء من رجال الثورة السورية الذين يحملون على كاهلهم عبء إطفاء نار النمرود ، نار الاستبداد والفساد ، وتبديد سحب دخان الكراهية والبغضاء التي يبثها النفاثون في العقد من زبانية بشار الأسد وشبيحته المتسللين إلى كل الصفوف و العاملين على كل المواقع . ..

 

نتابع جميعا في الفضاء الإعلامي وعلى كل الجبهات أصواتا تصدر عن كير الفتنة الذي ينفخ فيه بشار وعصابته على كل المستويات . محاولات يائسة لإشعال الحرائق الصغيرة وتسعير نار الفتنة بضرب السوريين بعضهم ببعض ، محاولة لاستدامة عهد الاستعباد الذي طال علينا لمدى نصف قرن . لا بد لنا في فضاء مفتوح على فوضى الكلمات والادعاءات والفبركات من طريقة عملية لضبط إيقاع الموقف وإيقاع الكلمة .

 

لا بد لنا أن نلتزم بتلقى الكلمة المسئولة من مصدرها .يجب علينا أن نستعيد ضوابطنا المعرفية في تلقي المعلومات بإسقاط روايات المجهولين والمنقطعين وترداد كل ساقط من القول .

 

نحتاج في هذه المرحلة الوطنية إلى مد جسور الثقة مع لآخرين . ولكل مجموعة وطنية آخرون . إنه من الثقة بالنفس تنبع الثقة بهؤلاء لآخرين . فهل لنا في هذه اللحظات الوطنية أن نبني عالما من الثقة تغطينا جميعا . نثق بالعقول وبالقلوب وبحسن التقدير للموقف ولأبعاده ولتداعياته وانعكاساته على ثورة شعبنا ثورة الحق والعدل والحرية والغد الأفضل لكل السوريين .

 

إنه من معين هذه الثقة نلتمس دورا إيجابيا بنّاء نتعاون عليه لإطفاء ما يشعله المجرمون من نار الفتن وما ينفخون منه في كيرها ..

 

مطلوب منا أن نستحضر ما نعلم ..

أن ( زعموا مطية الكذب ) . وأن نسقط منطق ( نحن ... وهم ) . وألا ننسب قولا لقائل لم نسأله عنه . وأن نسقط منطق التهويل من خبر منقطع مجهول يضعه أحدهم بخبث على الشبكة ، ومنطق شيطنة بعض القوى أو عفرتتها للتخويف منها ، ومنطق التشكيك في مكونات مجتمعية ، وشركاء في الثورة بغرض التفتيت ؛ كل هذا يجب أن تكون لنا طرائقنا جميعا وكل في ميدانه في التصدي له ، ولقطع الطريق عليه وإحباط كيد مدبريه .

 

مطلوب من كل فرد ، ومن كل فريق وكل مجموعة أن تقدم ما لديها ليس فقط لتنفي عن نفسها ما يُلحق بها أو ينسب إليها ؛ وإنما لتنفي عن المشروع الوطني كله ما يحاول بشار الأسد أن يلحقه به ...

 

إن زبانية الشر يوضعون بيننا يبغوننا الفتنة . ويصرون على إشغالنا بالحرائق الصغيرة يضرمونها على كل صعيد . ومن يتابع فضاء الميديا الحديث يتابع حكايات أقرب إلى الخرافات عن صراعات بين ( عرب ضد كرد ) وممارسات سوداء يمارسها مسلمون ضد مسيحيين ، وطائفية مقيتة تنحت مكونات مجتمعنا من العلويين والدروز والإسماعيليين أيضا ؛ ويبقى السؤال أو يبقى فحوى النداء كيف نطفئ الحرائق الصغيرة التي يبثها دعاة الفتنة من هنا وهناك ...

 

إن على الذين يؤمنون بالمجتمع المدني الموحد ويدعون إليه أن يهجروا ازدواجية اللغة فلا يستقيم بحال الحديث عن المجتمع المدني الموحد في إطار الحديث عن كانتونات مذهبية أو دينية أو عرقية .

 

وفي هذا الإطار ينبغي أن يتوقف العقلاء جميعا عن الاشتراك في حمل حطب الفتنة . وإشاعة قالة السوء . والتطوع في نقل الأخبار المصنوعة في أقبية بشار الأسد . إشاعة السوء عن المجتمع الثوري هو جزء من صناعته .

 

ويبقى الأمر متعلقا بالحق على كل فريق أن يلتزم بالتعبير عن رؤيته لليوم والغد بلغة مسئولة موثقة لا تقبل الدخل ولا الدخن لقطع الطريق على الأفاكين والخراصين والمتاجرين بالهويات الفرعية ..

 

أيها السوريون ..أيها العقلاء ...المطلوب منا جميعا

أن نمتلك الحصانة ضد القابلية للفتنة . ضد ما يسميه البعض غريزة القطيع . يزعم بعض الدارسين ان نار الفتنة أشد اشتعالا في صفوف الجماهير من النار في الهشيم . سيدنا رسول الله سماها دعوى الجاهلية . وقال لنا دعوها فإنها منتنة . واختلاف الناس هو قدر الله السابق فيهم (( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ )) ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا

لندن : 22 / صفر 1434

5 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية... ثم إيران

محمد إقبال*

تؤكد جميع المعطيات ان عملية اسقاط النظام السوري ورغم طول أمدها هي قادمة لا محالة وستحصل بشكل مبكر جدا خلافا لكل التوقعات والتكهنات.

الخطط التي تقدمها الديكتاتورية الارهابية لولاية الفقيه الحاكمة في إيران ومن ضمنها الخطة التي تضمنت 6 مواد وقدمتها يوم 16 ديسمبر الجاري ليس الا محاولة بائسة ويائسة جدا منها لايجاد طوق نجاة لانقاذ بشار الأسد والحفاظ على مصالحها في سورية.

وفي تقرير بثته وكالة أنباء "أسوشيتدبرس" يوم 17 ديسمبر توضح خطة النظام الإيراني قائلة: هذه هي بشكل دقيق لحظة الانفصال بين إيران وحليفها بشار الاسد. غير أن الديبلوماسية المصابة بالفشل لطهران قبلت في نهاية هذا الاسبوع بأنه قد آن أوان رحيل الرئيس السوري.

وتأتي هذه الدعوة البائسة للديكتاتورية الحاكمة في إيران في وقت كانت تبث فيه وسائل الاعلام التابعة للملالي مساء يوم قبله وباستمرار العنتريات الفارغة التي يطلقها الحرسي صالحي وزير خارجية النظام بقوله ان النظام الايراني لا يسمح بأن يتم تطبيق مشروع الدول الغربية لاسقاط الرئيس السوري بشار الأسد من خلال التدخل العسكري المباشر وعبر ارسال الاسلحة والعناصر المسلحة; وأن ايران لا تسمح بسقوط الأسد (العالم وصحيفة "جوان" المحسوبة على قوات الحرس الثوري ¯ 16 ديسمبر).

غير أنه لم يمض سوى يوم على تصريحات صالحي لنجده في اليوم التالي يسارع في تصريحات جديدة ليقول في مقابلة أجرتها معه وكالة أنباء "ايرنا" الحكومية الإيرانية لو افترضنا أن هذه الدول ستحقق أهدافها, فكيف بامكانهم أن يحتفظوا بأهدافهم على ضوء الدماء التي اريقت "..." وأن عمليات التدمير والقتل التي تجري في سورية تفوق التصور!

الواقع أن الانجازات المتواصلة التي يحققها الجيش السوري الحر قد جعلت سقوط الطاغية في سورية في الأفق القريب, ولم يبق أمام نظام الأسد اي حيلة للاستمرار في مهاتراته وكذلك الحال بالنسبة الى نظام ولاية الفقيه الذي دخل بكل ثقله وجهده في الحرب ضد الشعب السوري.

خامنئي من جانبه كان قد أكد في أوقات سابقة ولأكثر من مرة وفي جلسات سرية مع قادة النظام على ضرورة دعم نظام الأسد بكل الامكانيات والى آخر المطاف, وكان محمد على جعفري قائد قوات الحرس يفتخر بشكل رسمي وعلني يوم 16 سبتمبر الماضي باثارة الحروب الاجرامية من قبل نظام الملالي في سورية. كما كان قادة النظام يعلنون جهارا نهارا ان بسقوط الأسد سيضيق الخناق على النظام. وافتتاحيات الصحف المحسوبة على نظام الولي الفقيه تعترف في ادبياتها الخاصة هذا المعنى, وبدلا من أن تقول ان بعد الاسد سيصل دور إيران تتحدث عن توسيع حدود الاعداء أمنياً واستخباراتياً الى عتبة حدود الجمهورية الاسلامية.

وسبق للمقاومة الإيرانية أن كشفت وفق التقارير الواردة من داخل الحرس الثوري الارهابي في إيران عن ان مساء الجمعة 7 ديسمبر الحالي سقطت قذائف هاون عدة بالقرب من مكتب خامنئي في منطقة السيدة زينب حيث أثار هذا الحدث مخاوف شديدة بين قادة قوات "القدس" الارهابية.

ويفيد تقرير رفعه المدعو "سيد مجتبي حسيني" ممثل خامنئي في سورية المستقر حاليا في منطقة السيدة زينب الى طهران بأنه قد اصيب بذعر بالغ جراء تقدم المعارضين وفرض الحصار على المعابر والمناطق القريبة من هذه المنطقة, كما أن عملاء النظام الايراني أعربوا عن مخاوفهم من شدة الاشتباكات في دمشق وبالقرب من الحدود اللبنانية.

بعد اسقاط الطاغية السوري, فان جميع الانظار ستتوجه إلى إيران التي حينها ستفقد "عمقها الستراتيجي"المتمثل بالنظام السوري والذي كانت تستخدمه لتصدير رجعيتها وارهابها إلى بلدان المنطقة والعالم.

نعم, الان يعتبر النظام السوري في طريقه الى السقوط كتحصيل حاصل عاجلا غير اجل, الامر الذي يؤشر الى مرحلة اخرى مقبلة, وهي تمهيد الطريق الى مرحلة ما بعد الاسد اي اسقاط النظام الحاكم في إيران. والشارع الايراني جاهز ومستعد لاطلاق الشرارة في ظل النقمة الشعبية الكبيرة ضد هذا النظام الذي يعيش أزمات مستعصية تحيط به من كل جانب.

إن تغيير النظام هذا سيحصل بيد الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية. وعلى هذا الاساس فمن الضروري أن تحصل منذ الآن تغييرات سياسية جدية وجذرية من قبل الدول الأخرى وخصوصا البلدان العربية الشقيقة تجاه إيران, لتتواكب هذه التغييرات السياسية مع مصالح ومطامح الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية وعمودها الفقري منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية من أجل اسقاط الملالي وتحقيق الديمقراطية في إيران, وأن تعترف هذه البلدان بشكل خاص بالمجلس الوطني للمقاومة الإيراني كبديل شرعي لهذا النظام.

* خبير إستراتيجي إيراني

m.eghbal2003@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حديث جدار الاسمنت على حدود الجولان

بدرالدين حسن قربي

مع استمرار الثورة السورية قرابة السنتين، وذهاب المؤشرات كلها إلى أن بشار الأسد ونظامه ماضٍ إلى نهايته المحتومة مع تصاعد وتيرة الثورة وسيطرتها على الأرض، فإن السلطات الإسرائيلية متوجسة من القادمين الجدد أياً كانوا على حدودها، التي بقيت آمنة لعشرات السنين بوجود قوات دولية يُجدّد لها دورياً تحرسها أعداد لاتذكر من جيش الطرفين بمثابة سد عتيد مانع ومنيع، فلا ثقة في أحد من القادمين مقارنة بالموجود المجرّب من الأب إلى الابن، الذي لم يُسجّل عليه خرق يُقلق الجيران الأعداء مهما بلغت بساطته، رغم أن الحدود المصرية والأردنية سُجّلت عليها خروقات دائمة ومتكررة رغم توقيع معاهدات سلام معها.  أما ماكان على غير العادة لأربعين عاماً في أيار وحزيران العام الماضي في ذكرى النكسة والنكبة، والحركة الاستعراضية بالدفع بآلاف المتظاهرين فلسطينيين وسوريين للعبور إلى أراضي الجولان المحتل، فلم يكن إلا تعبيراً عن زنقة لامثيل لها للنظام، أخرجته عن طوره في ضبط الحدود وربطها، أراد فيها إعطاء إشارات ورسائل للمعنيين، وتأكيداً على كلامٍ قاله على لسان ابن الخالة رامي مخلوف: لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا، فلا أحد يضمن ما سيحدث بعد حدوث أي شيء لهذا النظام. لا تدعونا نعاني، يجب أن تعلموا بأننا حين نعاني لن نعاني وحدنا، لا تضعوا المزيد من الضغوط على الرئيس، لا تدفعوا سوريا للقيام بأي شيء لن تكون سعيدة بفعله ولا تريد القيام به.

وعليه، فبتوجّس الإسرائيلين من الإشارات والرسائل المباشرة وغير المباشرة، ومع الحركات الاستعراضية للنظام المتداعي، فضلاً عن نشوء قناعة جديدة لدي الإسرائيلين بأن سدّ أمنهم وأمانهم الذي يقوم عليه بشار بات مشكوكاً به لسبب أو آخر، فقد توجه عزمهم إلى بناء جدار اسمنتي عملاق، مجهّز بكاميرات مراقبة ومحصّن بدُشَم دفاعية وخنادق إعاقة ممتدة تسعين كيلو متراً على طول خط الهدنة لحدود الجولان السورية. وهو قرار أكّده الأربعاء الماضي الميجور آري شاليكار المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لوكالة الأنباء الألمانية، وعلّله بأنه يأتي كإجراء وقائي تحسباً لحالة عدم استقرار محتملة عقب السقوط المتوقع لبشار الأسد، فمن الواضح أن الواقع سيتغير بطريقة أو بأخرى، وأيا كان هذا التغيير فإن الوضع لن يبقى كما كان عليه من قبل.  ثم جاء ماأذاعته القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي في تقرير لها مصدّقاً لكلام المتحدث العسكري: بأن البناء في السور الجديد بدأ قبل نحو سنة وأنه يجري بوتيرة سريعة وبشكل غير عادي بهدف الانتهاء منه خلال أشهر.

إنّ بناء الإسرائيلين للجدار الاسمنتي في حديثه إلينا، يؤكد أنه بديل وتعويض عن جدارٍ آخر، استمر أربعين عاماً كان بشار الأسد قائماً عليه ومن قبله أبوه.  وإن كل صبّة إسمنتٍ في الجدار التسعيني تشهد بلسان الحال بأن النظام السوري المتفرد في مقاومته وممانعته، كان ضامناً أمنياً وأميناً على حدود الأرض المحتلة، حقق أغراضاً عجزت عنها على حدود مصر والأردن وثائق دولية ومعاهدات سلام.  وأما الإشارة الأهم في حديث الجدار، لكل أهالي سوريا الحرائر والأحرار، هي أن النظام الأسدي دنا أجله، واقتربت ساعته،  فلو كان سيستمرّ النظام ورئيسه بشار، لما قام وبُني مثل هذا الجدار.  

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الربح والخسارة في ميزان الأسد

محمد حسن مفتي

تاريخ النشر: الجمعة 28 ديسمبر 2012

عكاظ

لا شك أن رسالة جموع الشعب السوري الشجاع لنظامه المستبد المتعجرف كانت واضحة منذ لحظة اندلاع الثورة وانطلاق شرارة المقاومة في ربوع سوريا بأكملها، وهي الرسالة التي تنضح برفض وكره نظام جثم على أنفاس السوريين لأكثر من أربعة عقود متتالية في ظل نظام سياسي عجيب يتعذر تصنيفه، فلا هو بالنظام الجمهوري ولا هو بالنظام الملكي، بل خليط منهما توشحت فيه الملكية المطلقة بوشاح الجمهورية وسيطرت خلاله نخبة قليلة في المجتمع مقربة من النظام الحاكم على مقدرات البلد وخيراته وثرواته، مستسيغة قهر الشعب المغلوب على أمره ومستبيحة لنفسها التحكم في حياته وإفساد مستقبله وتحديد مصيره. طالت الثورة السورية وطال معها عناء الشعب المقهور بين لاجئين ومشردين خارج سوريا وبين محارَبين محاصرين بنيران المعارك داخلها، تدهورت كافة جوانب الحياة الاقتصادية مع اشتداد المعاناة واحتدام المعارك داخل سوريا التي يدك النظام بنيتها التحتية والفوقية وكافة مرافقها ومؤسساتها يوما وراء يوم مخلفا وراءه شبحا لدولة، وتاركا مجتمعا فقد أواصره وتفككت أوصاله وازدادت محنته مع طول الصراع وتعمقه واشتداد أواره، وفي ظل ذلك ظل الأسد مكابرا متعنتا عنيدا، مكابرا كبرياء الظالم ومعاندا عناد اليائس ومتعنتا تعنت الطاغية، وقد وضع النظام منذ انطلاق شرارة الثورة الأولى معادلة ربحه وخسارته، وهي المعادلة التي قامت على أساس أن الحرب مهما طالت ومهما ازدادت ضراوتها فلن تمسه هو أو أسرته شخصيا من قريب أو من بعيد، لن تكلفه حياته أو حياة أحد أبنائه فهي بمنأى عنه حيث تدور رحاها بين الشعب والجيش، الجيش الموالي له حيث ترتبط مصالحه بمصالح الأسد ولا وجود له إلا من خلال مظلته، فكلاهما تربطه مصالح نفعية واستبدادية وتسلطية تجعل مصيرهما مشتركا وحياتهما مترابطة ومستقبلهما واحدا وبقية أخرى من جنود بائسة تخشى بطشه. الحرب طبقا لحسابات الأسد يتم تمويلها من أموال الدولة بغض النظر عن أنها في الواقع أموال الشعب وخاصته، أما ثرواته الشخصية فهي بمأمن من العبث محفوظة في خزائن الغرب دون أن يتمكن أحد من لمسها أو التفكير في المساس بها، أما العدو فهو الشعب السوري المستضعف الذي يهفو لاستنشاق نسمة حرية لم يذقها من عقود طويلة، الشعب الذي ولد وترعرع في ظل نظام دموي باطش يمثل إرث أسرة الأسد المستبدة، هذه هي معادلة الربح والخسارة لدى نظام الأسد، فإن خسر الحرب فالمال ليس ماله والضحايا ليسوا أهله وانهيار مقومات الدولة لا تعنيه، ولو كسب فهو البطل المغوار الذي حرر كامل التراب السوري من المرتزقة والجواسيس والعملاء والخونة. وعلى الرغم من أن الثورة السورية لم تكن الأولى في ثورات الربيع العربي، إلا أن بشار تعامل مع ثورته وكأن ليس هناك سوابق تكللت بالنجاح وأزاحت أنظمة بعضها أقل بطشا واستبدادا منه ومن طغمته الحاكمة، فما إن اندلعت الثورة السورية حتى وجدناه يسارع بالإعلان عن أن سوريا تختلف تماما عن تونس ومصر وليبيا، ومروجا لنفس الأكاذيب وناشرا جميع المزاعم التي رددها كل نظام قبل الإطاحة به. لم يتورع بشار عن ارتكاب نفس الخطأ ولم يتعظ من الثورات التي سبقته، لم يرتدع أمام قوة المارد التي خرجت من القمقم وأبت العودة دون أن تحقق أهدافها، كابر ولا يزال مكابرا رافضا الاتعاظ والمثول أمام قوة الواقع وإزاء حكم التاريخ، ولاشك أن هذا العناد والرفض لا يأتي من فراغ، فالأسد يخشى انكشاف التاريخ عن أسرار دموية تحفل بها سجلاته وسجلات أسرته الغابرة، يخشى الميراث الأسود الذي سيفضحه هو وأسرته ويضعهما في المكان اللائق بهما في التاريخ، إنها حلقة أخرى من حلقات الاستهانة بأرواح الشعب السوري ودمائه، حلقة من سلسلة طويلة فقدت فيها الأمهات أبناءهن والزوجات أطفالهن والرجال كرامتهن، من أجل معادلته البائسة التي أصر على الخروج منها بأقل الخسائر وأكثر الأرباح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فشل البرهيمي يرتّب تصعيداً مزدوجاً

وضغط دولي لاستدراك الفرصة الأخيرة

روزانا بومنصف

2012-12-28

النهار

لا تعزل مصادر ديبلوماسية غربية المهمة الاخيرة للموفد العربي الدولي الى سوريا الاخضر الابرهيمي في لقائه الرئيس السوري بشار الاسد واركان نظامه في دمشق في هذا التوقيت عن جملة عوامل واهداف تحددها وفق الآتي: اولا ما يتصل بالتطورات السياسية التي حصلت في الشأن السوري والتي تمثلت في مؤتمر الدوحة الذي عقد الشهر الماضي وادى الى تجمع المعارضة من ضمن ائتلاف كبير سرعان ما حظي باعتراف على نطاق واسع بانه الممثل الشرعي للشعب السوري. وقد تكرس هذا الواقع في اجتماع اصدقاء سوريا الذي عقد في المغرب في 12 كانون الاول الجاري وتوجته واشنطن بالاعتراف بالائتلاف ايضا ممثلا شرعيا للشعب السوري في مؤشر على زيادة نسبة الضغط على النظام من اجل الاقرار بواقع مختلف عليه ان يتكيف معه. ثانيا ما يتصل باقامة ادارة عسكرية للمعارضة عمدت الى تنسيق العمليات العسكرية ويعتقد انها وراء تقدم حققته المعارضة المسلحة على الارض الى درجة وصولها الى ابواب دمشق مهددة الاسد في عقر داره. وقد رافق هاتين الخطوتين معلومات تحدثت عن مكاسب للمعارضة في مناطق سورية عدة وفقدان النظام سيطرته عليها في موازاة عدم قدرته على استعادة هذه السيطرة مما اشعل موجة توقعات غربية على مستوى عال بان النظام بات او هو على وشك الانهيار. وقد لفت مراقبين غربيين ان روسيا اقرت بالوقائع الجديدة على الارض والتي يمكن ان تؤدي الى انتصار المعارضة ودخولها معركة كبيرة في العاصمة.

وبحسب هذه المصادر فان هذه العناصر المباشرة شكلت الخلفية الحقيقية للتحرك الذي قام به الابرهيمي في الايام الاخيرة مدفوعا من الدول الكبرى والدول الاقليمية على حد سواء من اجل ان ينقل الى الاسد الصورة الحقيقية لما يجري في الخارج وتوقعات هذا الاخير وكذلك رغبة المجتمع الدولي حتى الان ممثلا بالدول الغربية الكبرى في ان يجد النظام في هذه المعطيات والضغوط التي لا ينوي الغرب التراجع عنها فرصة لمراجعة حساباته وان يقرر الرحيل عن السلطة بارادته باعتبار ان الباب لا يزال مفتوحا امام هذا الخيار ودول كثيرة تتمنى ان يعتمده الرئيس السوري قبل فوات الاوان وهي لم تلجأ الى التهديد بملاحقته امام محكمة الجنايات الدولية او ما شابه للارتكابات التي قام بها على رغم بعض الاصوات وهي لا تزال تفضل ان يختار الرحيل طواعية الى اي بلد يمكن ان يقبل باستقباله. فالدول الكبرى اتخذت مجموعة من المواقف والخطوات وهي تعطي النظام فرصة لاستيعاب ابعادها وتقويمها على النحو الذي يسمح له بالتصرف على اساسها وتجنبا لمسار يبدو حتى الآن انه يسير وفق خط بياني واضح. اذ ان عدم تجاوب الاسد مع جهود الابرهيمي الاخيرة في المساعدة على التمهيد لمرحلة انتقالية تقتضي ما تقتضيه من خطوات باتت معروفة، أما الخطوات المقبلة في ضوء فشل مهمة الابرهيمي في حال حصول ذلك ستكون على الارجح وفق مسارين على الاقل:

الاول الاستمرار في الضغط الديبلوماسي والسياسي من اجل تأمين مروحة واسعة من الاعترافات الدولية بالائتلاف السوري المعارض بديلاً من النظام وعلى طريق نزع اي شرعية متبقية لهذا الاخير عبر اي مظهر سياسي او ديبلوماسي يوحي بذلك. ومن غير المستبعد ان تحمل بعض الدول هذا الامر الى الامم المتحدة بالتعاون مع دول اقليمية لا ترى ولا تقبل امكان بقاء الاسد في السلطة في اي تسوية سياسية محتملة حتى لو كان وجوده شكليا ومن دون اي صلاحيات نظرا الى الثقل الكبير المتمثل في سقوط ما يزيد على 45 الف قتيل حتى الان. وهذا الاحتمال اي التوجه الى الامم المتحدة من اجل الحصول على اعتراف اكبر بالائتلاف السوري المعارض ممثلا عن سوريا بدلا من النظام الحالي يمكن ان يعزله كليا ويشكل ضربة قاصمة له بالنسبة الى داعميه مع ما يمكن ان يثيره الامر من تداعيات خطيرة بالنسبة اليه. فالدول الغربية ستعاود استئناف ضغوطها بقوة من اجل التزامه التنازل السلمي من دون معارك اضافية في حال امكن تجنب ذلك.

اما المسار الآخر فهو ان التطورات على الارض ستأخذ طريقها ايضا بعدما وصلت الى ابواب العاصمة مع ما يمكن ان يرتب ذلك عليه في الدرجة الاولى من مسؤولية تدمير دمشق خصوصا ان صموده لاشهر في المواجهة لن يعني في اي حال امكان استعادته السيطرة او حتى بقائه في السلطة في سوريا. فهل تكون مهمة الابرهيمي الفرصة الاخيرة على هذا الطريق؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أصبح الأسد عبئاً إقليمياً ودولياً!

د.نقولا زيدان

المستقبل

28-12-2012

لم تصدق نبوءة مشعوذي حضارة" المايا" حول نهاية العالم في 21 كانون الأول 2012 فما زالت البشرية حية ترزق... كما لم تصدق نبوءة لعنة الفراعنة حول عدم المساس بقبورهم فقد تم اكتشاف محتويات قبورهم وأهراماتهم فأصبحت جزءاً من التراث العالمي.

حقاً لم يسقط العالم إنما بشار الأسد هو المهدد بالسقوط الحتمي الوشيك الآن.. فقد قاربت السنة السورية الدموية المأسوية الثانية نهايتها وهو ما زال في سدة الرئاسة السورية. إنما يلاحظ المراقبون الدوليون أن ثمة لغة جديدة ونبرة مختلفة ومنحى مغايراً تبرز في التعاطي مع هذا الدكتاتور الدموي ونظامه الفاشي. أصبحنا نلاحظ الآن أسلوباً جديداً في التعاطي الإقليمي والدولي معه لم نعهده من ذي قبل ألا وهو محاولة التفريق بين رحيله ونظامه من جهة وبقاء سوريا من جهة أخرى.. ويبرز "فلاديمير بوتين" بلا منازع رائداً سباقاً في هذه المقولة إذ راح يصرح أنه لا يهم كثيراً بقاء الأسد أو رحيله بل الأهم هو مستقبل سوريا.

وما من شك على الإطلاق أن ما عناه "بوتين" هو ضمان مصالح روسيا في سوريا حتى ولو دقت الساعة واضطر الأسد لحزم حقائبه والرحيل.

إلا أن كلام "بوتين" هذا يحمل في طياته مخاوف جدية حول مستقبل سوريا كدولة وككيان مستقل واحتمال تعرضها الجدي للتقسيم، خصوصاً إذا ربطناه بتصريح للأسد نفسه يقول فيه إنه غير عازم، مهما كلف الأمر، على مغادرة سوريا. وتروج في بعض الأوساط الدولية مخاوف جدية من احتمال استعدادات يجريها الدكتاتور للانتقال من دمشق الى اللاذقية أو طرطوس.

ليس هذا فحسب بل سبق هذين التصريحين كلام صدر عن الخارجية الروسية عندما صرح "بوغدانوف" أن فرص قدرة الأسد على البقاء تتضاءل وأن الجيش السوري الحر يحقق إنجازات عسكرية كبيرة على أرض المعركة.

وقد سارعت الخارجية الروسية بعدها بأيام في محاولة لتصويب تصريح "بوغدانوف" هذا وأن ثمة خطأ ما قد جرى في ترجمة أصله الروسي.

فلنتذكر جيداً، منعاً لأي التباس أو فهم خاطئ لتطور المواقف الإقليمية المعنية أو الدولية بالنسبة لسوريا. ففي لقاء جنيف في 30 حزيران 2012 جرى الاتفاق بين روسيا وأميركا على فهم مشترك بين الدولتين لعبارة "ما بعد رحيل الأسد" عندما سارعت هيلاري كلينتون الى الحديث عن وجوب تنحي الأسد بينما استدرك وزير خارجية روسيا "لافروف" للكلام عما يمكن أن يحدث عام 2014 في سوريا بعد نهاية ولاية الرئيس السوري. ويبدو في هذا الصدد أن الطرفان لا يجدان غضاضة في استمرار الحرب السورية لما بعد 2014.

علينا أن نذهب أبعد من ذلك لندرك المواقف فقد جرى البحث يومياً بين "بوتين" والقادة الأتراك حول مستقبل الأسد، إنما لم يحصل بعد اتفاق نهائي محدد. وقد أبدى حلف الناتو وتركيا بالذات إظهاراً واضحاً لحسن النيات عندما تم نصب أربع بطاريات "باتريوت" في عمق الحدود التركية على حدودها الجنوبية الشرقية (حوالى 100 كيلومتر) لطمأنة السوريين والإيرانيين معاً أنها لن تطاول عمق أراضيهما.

لا بل وجه أحمد داود أوغلو رسالة الى إيران يحضها فيها على الضغط على الأسد لإيجاد مخرج ما لحل الأزمة السورية، ولم تحمل رسالة أوغلو أي تحذيرات قد يُفهم منها التلويح بتدخل عسكري تركي لم يكن يوماً جدياً في أي حال.

لقد سبق كل هذا زيارة علي لاريجاني رجل إيران القوي الى سوريا (ولبنان) وتركيا حيث تحدثت المعلومات عن نصائح إيرانية عقلانية للأسد بوجوب التنحي إلا أن الأخير رفضها رفضاً باتاً، ذلك أنه ما زال يعتقد بإمكانية سحق المعارضة المسلحة عسكرياً. وحيال العناد الأسدي اضطرت إيران للعودة الى تبني مقولة "التسوية السياسية أو الحل السياسي".

إن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية لا يهمها كثيراً شخص بشار الأسد وطاقمه بقدر ما يهمها استمرار وثبات الخط اللوجستي الممتد من إيران مروراً بالعراق وسوريا ووصولاً الى جنوب لبنان، فإذا تنحى الأسد وجاءت الى السلطة في سوريا حكومة على غرار نور المالكي ممالئة للأميركيين والإيرانيين في آن معاً فإن طهران تجد فيه الحل الأقل سوءاً. ذلك أن ما يهم طهران هو تأمين مقعد لها على طاولة مفاوضات السلام لحل مشكلة الشرق الأوسط. إن هذا الخط اللوجستي بالنسبة لإيران لأهم بكثير من رأس بشار الأسد نفسه.

وفي هذا الصدد علينا ملاحظة تركيز حسن نصر الله أمين عام حزب الله على "سوريا" أكثر منه على تركيزه على "شخص الأسد" وذلك في جميع خطبه السياسية الأخيرة.

ثمة سؤال ملح لم يعد باستطاعة أحد تجنبه" هل أصبح الأسد بمجازره وعزلته العربية والدولية وبطاقمه وزبانيته عبئاً ثقيلاً لا يُطاق على الجميع؟ أي بالتحديد على حلفائه الأقربين والأبعدين؟ على الإيرانيين وحزب الله أولاً وعلى الروس والصينيين أيضاً. ثمة شعور عام يدل على ذلك. بل حتى المعارضة السورية المعتدلة في الداخل يكتنفها شعور كهذا.

فلا عجب إذا رأينا الاخضر الابراهيمي يحاول كمندوب دولي وعربي، النفاذ من هذه الثغرة للوصول الى تسوية سياسية للأزمة. تسوية عصية تكاد تكون مستحيلة لتظل سوريا موحدة قبل السقوط النهائي في مشروع التقسيم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : دموع في غير محلها .. زهير سالم*

 ( إن درجة عالية من التهميش والإقصاء مورست على الغالبية العظمى من الساسة والمنشقين )     د. وائل ميرزا

كتب اليوم الدكتور وائل ميرزا وأظنه عضو الائتلاف الوطني مقالا في جريدة المدينة السعودية يتوجع فيه من الإقصاء والتهميش الذي يعاني منه المنشقون السياسيون في إطار الثورة السورية ويواجه به الثوار السوريين بما سماه ( أسئلة صريحة تواجه الثورة السورية )

وشرح الكاتب في مقاله هذا ما يعانيه هؤلاء المنشقون السياسيون من تهميش وإقصاء ولحظ الازدواجية في تعامل الثورة بين المنشق العسكري والمنشق السياسي .

ومع الاحترام الكامل للزميل الكاتب إلا أننا من حقنا أن نذكر أن كراسي السلطة التي أخلاها هؤلاء المنشقون لم تبرد بعد . تلك الكراسي التي مارسوا من فوقها أكبر عملية استئصال وإقصاء عاشها شعب بأسره على مر التاريخ .

 

 يذكر متلمسو الحكمة من شهر الصوم أن ربنا فرض علينا الصوم لحكم منها أن نجوع شهرا فندرك مرارة الجوع لمن يجوع دهرا . لعل في بعض الإقصاء والتهميش – إن صح كما يقول الكاتب –  أن يذوق جانيه وممارسه على الناس على مدى أربعين عاما بعض مرارته . ولاسيما ونحن لم ندخل بعد في فصل جني وحصاد ..

 

وربما لو أتيحت لي فرصة لكتابة مقال في جريدة المدينة لادخرته للتوجع لشهداء سورية وأيتامها وأراملها وجرحاها ومشرديها ولم أضيع الفرصة للتوجع للذين انتقلوا من قصر إلى حضن . ولولا شعوري أن المقال له ما بعده ، وأن مؤامرة كبرى تحاك لهذه الثورة . وأن المقال في سياق مقالات أخرى يشكل نوعا من رمي التمهيد لتمرير لعبة إعادة القسمة بين الحرس الصاعد والحرس النازل لما يظنه البعض كعكة الثورة ؛ ما أضعت وقتا في كتابة هذه الكلمات .

 

 في التوجع مما يعانيه المنشقون السياسيون من إقصاء  يتساءل الكاتب عن سر الثنائية في موقف الثورة السورية من المنشق العسكري والمنشق السياسي . ولماذا نحن أكثر احتراما للأول من الثاني ..ومع أن القاعدة المشار إليها ليست على إطلاقها ؛ إلا أن الكاتب يعلل ذلك تعليلا غير موضوعي ولا دقيق ويخفي في طيات هذا التعليل موقفا اتهاميا للوعي الشعبي والوعي الثوري . فيتساءل هل هذه الازدواجية بسبب جنوحنا إلى احترام القوة والأقوياء الذين يتجسدون بالثوب العسكري ؟!

 

وظاهرة اتهام الوعي الشعبي والوعي الثوري لمسناها ابتداء عند بشار الأسد . ثم بدأنا نسمع نغمتها من معارضة المعارضة الذين كانوا إذا تحدث بعضهم على الفضائيات اتهموا شعبنا بالتخلف والجهل والقصور وانعدام الفهم . والغريب أن النبرة الفوقية نفسها بدأت ترشح هذه الأيام من بعض من أريد لهم أن يمثلوا هؤلاء الثوار الأبطال.

 

أقول ابتداء إن الظاهرة  التي رصدها الزميل الكريم من الثنائية في التعامل مع المنشق السياسي والآخر العسكري  ليست على إطلاقها أبدا . صحيح أن المعارضة استقبلت انشقاق المقدم حسين هرموش والعقيد رياض الأسعد وزملائهما باحترام كبير إلا أنها لم تفعل الشيء نفسه مثلا مع العميد مناف طلاس وهو عسكري وقوي في الوقت نفسه..؟!

وإذا ما كان هناك حقيقة  لقاعدة التفاوت في الترحيب فإن ذلك لم يرتبط بمنشق مدني أو عسكري بقدر ما ارتبط بقرب المنشق من حلقة النظام الداخلية وخدمته فيها .

 

 ثم لا يمكن أن ننسى أن المجتمع السوري بكليته كان ينظر إلى كل أبنائه في البنية العسكرية على أنهم لبنات في مشروع الغد المأمول . وكان الجميع يدرك كم يعاني هؤلاء الأبناء في وجودهم هناك من تمييز واضطهاد . كلنا أدركنا ذلك يوم خدمنا الخدمة الإلزامية كانت العيون دائما تؤدي رسائلها بصمت حزين . كان الضابط الكبير يحجب كلماته بدخول حاجبه . لا أدري إذا كان الزميل كاتب المقال قد جرب هذا أو مر به أو أدى الخدمة الإلزامية كما أديناها ، كانت هذه هي النظرة المكرسة لكل عسكري في بنية هذا الجيش ؛ بينما كانت النظرة الأخرى لمن هو في صفوف الإدارة والحزب على أنهم جزء من منظومة الاستبداد والفساد . كان هؤلاء في نظر كل الشرفاء جزء من منظومة الاستبداد والفساد من الذين طالما استبدوا واستأثروا بالموقع و الفرصة ومكنوا المستبد من ظهور مواطنيهم  وطالما عاثوا فسادا في أموال أهليهم وأعراضهم وعبثوا بجراحهم وعلى الأقل سكتوا عن ظلمهم وغطوا على جرائم الظالم في النيل منهم.

 

أعتقد أن على هؤلاء في هذه المرحلة أن يكونوا قانعين بالسير في ركب الثورة وأن يقبلوا إن كانوا صادقين أن يخدموا وطنهم ولو لفترة وجيزة في الصفوف الخلفية  .لن يضيرهم ذلك وربما الوقت وحده هو الكفيل ببرء الجراح . ليس من الحكمة أن يقفز بهم البعض من صهوة إلى صهوة نخشى نحن المستضعفين البسطاء المغفلين على قول والمقفلين على آخر أن نلمح بأيديهم نفس الكرباج ...وأن نشعر أننا بحاجة إلى ثورة على الثورة التي تريد أن تبقينا تحت نفس البسطار ..

لندن : 16 / صفر 1434

30 / 12 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

توقعات متداولة بعد رحيل الأسد

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

28-12-2012

يطرح المتابعون للوضع في سوريا عدة سيناريوهات للمشهد السوري بعد رحيل الاسد ، خاصة بعد ما تواترت الانباء عن قرب هذا الحدث ، اما بإنجاز اتفاق على مرحلة انتقالية لا وجود للرئيس فيها ، او بحسم المعركة على الارض في دمشق وغيرها . ومن الملاحظ ان المخاوف من استخدام أسلحة كيماوية قد تراجعت وخف الحديث عنها في الدوائر السياسية والإعلامية في امريكا وأوروبا حتى ان اعلان الجيش الحر بان الاسد استخدم غازا ساما في حمص لم يلق ردود فعل تتناسب مع حجم التحذيرات التي كانت واشنطن وباريس ولندن وحتى موسكو قد أطلقتها قبل أسابيع .

زوبعة الاسلحة الكيماوية تدلل مرة اخرى بان سيناريوهات الرعب التي تنطلق من العواصم العالمية المعنية قد تكون بعيدة جداً عن حقائق الأوضاع على الارض . ويلاحظ انها تثار إعلاميا كلما حقق الجيش الحر انتصارات مهمة على النظام ، وان مبعث الخوف من هذه الجهات ليس حماية السوريين من الاسلحة الكيماوية انما طرح مسالة التدخل العسكري وحشد التبريرات له في المستقبل للتدخل في رسم مستقبل سوريا بعد ان اصبح جليا بان قادة الثورة يرفضون اي تدخل من هذا النوع بل ويعتبرونه محاولة أخيرة للسيطرة سياسيا وعسكريا على نظام ما بعد الاسد .

والتوقعات لا تقتصر على العواصم الاجنبية . ففي الاردن تتداول بعض الأوساط سيناريوهات محتملة في حالة سقوط الاسد مثل توقع ان تنجر سوريا الى حرب أهلية قد تدوم عامين وهناك من يتنبأ بان تستمر سنوات طويلة على غرار ما حدث في لبنان والعراق . وتصل مثل هذه التوقعات الى حد التخوف من ان يتسبب الوضع في سوريا الى تسلل مجموعات إرهابية الى الاردن . واذا كان المنطق والمسؤولية يفرضان التحسب امنيا لأي تطور من هذا النوع في حالة تحول الاراضي السورية الى منطقة جذب للجماعات المسلحة المتطرفة، ذات النزعة العابرة للحدود ، فان احتواء مثل هذه المخاوف والاخطار يكون اولا بالبحث عن حقائق الصراع ومعرفة حجم ووزن القوى المنخرطة فيه . ووضع الخطط الطارئة لمواجهة كل حالة ، واعتقد ان هذه المخاوف اقل حجما مما يتوقع الكثيرون واقل مما يتوقع المسؤولون الاتراك الذين نصبوا بطاريات الباتريوت على حدودهم .

توجد مبالغات كثيرة يتداولها الاعلام الأجنبي ودوائر صنع القرار فيه عن الثورة السورية واحيانا عن قوة النظام وما يملك من أسلحة دمار . وهي كما قلنا ليست بريئة ، فمن الواضح ان امريكا وبالتعاون مع اسرائيل تسعيان لفرض نظام معين في مرحلة ما بعد الاسد وهو امر سيلاقي الفشل الذريع فالسوريون لم يقدموا عشرات الآلاف من الضحايا ليكونوا لعبة في يد واشنطن وتل أبيب ، كما ان امريكا تعرف بان روسيا هي الضامن للسيطرة على مخزون السلاح الكيماوي وأنها تلقت من موسكو ما يكفي من التعهدات لكن ما تريده واشنطن هو ( تأمين ) هذا السلاح اي الاشراف على تدميره في مرحلة ما بعد الاسد كما فعلت مع السلاح الليبي .

لا اعتقد ان بلدا بحجم سوريا سيكون لقمة سائغة بيد أية مجموعة متطرفة ومن يتابع اصطفافات الشخصيات المعارضة وتشكيلاتها السياسية والعسكرية والإعلامية سيجد ان فرصة( لبننة ) سوريا او ( عرقنتها) ضئيلة الاحتمال بل انها ستكون مجرد مغامرة لا مستقبل لها ،

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«كمين» دمشق والمناورة نحو الساحل

وفيق السامرائي

الشرق الاوسط

28-12-2012

بعد أن فشلت مشاريع تحريض مكونات الشعب السوري، التي تدخل ضمن مصطلحات الأقليات المدرجة في فلسفة النظريات الشوفينية، على الثورة، والتقدم الكبير الذي أحرزه الثوار في حلب، وفشل مشروع تفكيك النسيج الوطني على أسس تآمرية حاول فصيل كردي الترويج لها، طبقا لتحضيرات واتفاقات مسبقة تمت في مدينة أربيل برعاية من رئيس إقليم كردستان. ونتيجة التطور السريع الذي قاد إلى بدء الصفحات التمهيدية لمعركة دمشق الكبرى، تأكد سحب تشكيلات قتالية إلى قلب العاصمة، ونشرها في مناطق مختلفة، منها جبل قاسيون وغيره، وحشد عدد كبير من وحدات المدفعية والصواريخ، لمحاولة استدراج قوات الجيش الحر إلى مناطق قتل مهيأة مسبقا، تحت كثافة نارية كبيرة.

في ضوء هذه الصورة، أثبت الثوار قدرة واضحة على تشخيص النيات المعادية، والتريث في تنفيذ الاندفاعات العميقة، وهو ما زاد من يأس قيادة السلطة ودفعها إلى تصرفات طائشة على غرار إطلاق صواريخ «سكود» على أهداف مدنية، مسجلة سابقة فريدة من التهور في كل عمليات مجابهة الثورات والأحداث الداخلية. إضافة إلى التلويح باستخدام الأسلحة الكيماوية من خلال توزيع تجهيزات الوقاية على القوات العاملة تحت قيادة السلطة، وتكرار الحديث عن تحريك بعض المواد، وتأكيد الامتناع عن استخدامها، وهو تأكيد يفهم بطريقة معاكسة، وفقا للطروحات الأخيرة لوزير الإعلام السوري، الذي يحاول التظاهر بأن سلطتهم تمسك بزمام الأمور وما هي إلا مسألة وقت ويحسم الصراع لمصلحتهم.

طبقا لما هو متاح من معلومات وتصورات، فإن قيادات الجيش الحر تفتقر إلى وجود مقر قيادة مركزي، وقيادة جوالة، وجهاز استخبارات مركزي يتولى توجيه الفروع المنتشرة ضمن مناطق المجالس العسكرية، وهي مهمة بالغة الضرورة، تقع على عاتق كبار الضباط العاملين مع الثوار، وعلى عاتق الأجهزة الصديقة، غربية وعربية وإقليمية. ورغم هذا النقص فإن الوعي الميداني أحبط خطط السلطة لاستدراجهم لتطوير معركة دمشق وفق حسابات غير محكمة النهايات، وانعكس إيجابا بإطالة مدة الصفحات التمهيدية، وهي مدة افتراضية في كل حسابات الجيوش تتوقف على سير العمليات القتالية ومكاسبها، والمناورة بجزء من الكتائب تجاه الساحل.

ويبدو أن نشاطات ومناورات وتحركات السلطة أصبحت واضحة أمام الثوار، فيما يتعلق بمرحلة ما بعد معركة دمشق، ومحاولات التحضير المستمر لقبول معركة فاصلة في منطقة الساحل، حيث بدأت السلطة بنقل قوات وتجهيزات وأسلحة، ومن المرجح نقل أسلحة كيماوية أيضا لتكون قوة ردع للمرحلة الحاسمة. وأسس إدراك المعارضة لهذه المعطيات، لوضع خطط للمناورة بقوات وجهد، ووضع خطط لتحريك الوضع في المناطق الساحلية بين اللاذقية وطرطوس، لإرباك قدرة السلطة على إدارة الصراع وتشتيت جهدها العسكري، لتسهيل معركة دمشق الكبرى، فكلما اتسعت جبهات الصراع تعذرت قدرة تأمين السلطة لطرق الإمداد على اتجاهات مختلفة.

التهديد المحتمل تصعيده خلال الأسابيع القادمة يدفع السلطة إلى نقل قوات أكثر من منطقة دمشق؛ لأن المعارك هناك لم تعد خاضعة لمنطق السيطرة، فالاختراقات مستمرة في قلب العاصمة، رغم حالات من الهدوء تنقل بين فترة وأخرى إعلاميا، لإعطاء انطباعات معنوية مؤقتة. وأصبح الربط بين الوضعين الأمنيين في دمشق والساحل مسألة حاسمة، والخسارة في الساحل تعتبر أكثر قسوة عمليا حتى من سقوط دمشق، لأنها تفقد السلطة فرصة تشكيل دويلة الساحل، وتجعل فرص إدامة دمشق مستحيلة، وهذه حالة تدركها السلطة. وطبقا لهذا الإدراك جرى نقل عائلات المقاتلين من دمشق إلى الساحل عموما، وطرطوس تحديدا، لكي لا تتحول إلى عبء على المقاتلين ومؤسسات السلطة في مرحلة قتال أشد أو انتقال قسري.

ومع الحرص على تفادي التعمق في الجوانب التي تؤثر سلبا على المعنويات، فإن عمليات على طراز ما يحدث في سوريا، لا يمكن أن تبقى على وتيرة واحدة، لأنها معارك مصير ووجود تتميز بشدة غير عادية، تتعرض لمفاجآت خطيرة. وهو ما يدفع أصدقاء الشعب السوري إلى زيادة نطاق الدعم التسليحي لتسريع حسم الموقف، بعد تزايد تملص المجتمع الدولي من النهوض بمسؤولية التدخل المباشر. ومع أن الوقت يمضي لصالح الثورة، فإنه يؤدي إلى زيادة المعاناة الإنسانية، وربما إلى تطورات إقليمية غير ملائمة، كما حدث ويمكن تطوره سلبا في لبنان، وتعقيدات الوضع العراقي، وحاجة الوضع التركي لحسم الموقف في أقرب فرصة ممكنة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يجب ألا تتحول تركيا إلى قوة معرقلة في سوريا

سميح ايديز

الشرق الاوسط

28-12-2012

التدبر في المحاولات الدبلوماسية الأخيرة الرامية إلى التوصل إلى حل للأزمة السورية يظهر بجلاء أن المهمة الحالية للأخضر الإبراهيمي، المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا، لا تروق في طبيعتها لأنقرة. وقد سربت مصادر بوزارة الخارجية التركية للصحافة ما يكفي لتعزيز هذه الفكرة.

وكما أشرت في السابق في هذا العمود، فقد غيرت تركيا من وجهة نظرها، وبدت مترددة نوعا ما، في قبول مشاركة أي عناصر من النظام الحالي في الإدارة الانتقالية في فترة ما بعد الأسد. لكن فكرة أن يكون الأسد ذاته جزءا من أي صيغة تسوية لا تزال غير مطروقة.

من ناحية أخرى أشارت تقارير إعلامية، إلى أن مهمة الإبراهيمي الحالية تتضمن إقناع الجانبين في سوريا بقبول الخطة المدعومة من قبل روسيا والولايات المتحدة، التي تتضمن بقاء الأسد حتى عام 2014 على رأس السلطة، على رأس إدارة انتقالية ذات قاعدة عريضة، حتى وإن لم يتم تجديد ولايته بعد هذا التاريخ.

لكن النقطة الرئيسية هنا ليست في أن الخطة تتضمن بقاء الأسد حتى عام 2014. الأمر الذي يصعب تقبله من جانب الأطراف المتشددة في المعارضة السورية التي حولت الأزمة في سوريا إلى حرب طائفية، بل فيما بدا اتفاقا بين واشنطن وموسكو لدفع خطة تسوية مشتركة.

وقد أكدتُ في عدد من المناسبات هنا، أن أي تسوية بشأن القضية السورية ينبغي أن تتضمن لا محالة تعاون العضوين الدائمين في مجلس الأمن. وبدا الاجتماع في دبلن الذي عقد في وقت مبكر من هذا الشهر بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون خطوة في سبيل تحقيق تقديم اتفاق محدود بشأن سوريا.

لكن مهمة الإبراهيمي الحالية تشير إلى أن ذلك قد لا يمثل القصة برمتها. فرغم المنافسة على المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا في الشرق الأوسط، الحقيقة التي اتضحت حتى في الأزمة السورية، هناك مخاوف تشترك فيها كلا القوتين قد تدفعهما إلى التعاون في النهاية. حقيقة الأمر أن روسيا كانت تؤكد منذ البداية على أن سوريا ستصبح أرضا خصبة للجهاديين الأجانب من كل الأطياف، وكانت تبرر دعمها الواسع لنظام الأسد على هذا الأساس.

من ناحية أخرى بدأت واشنطن في التخلي عن موقفها القريب من تركيا، في الالتزام برواية قريبة لرواية أنقرة، ومن ثم اعتبرت في البداية المعارضة السورية المسلحة قوة موحدة لمقاومة ديكتاتور بغيض والصراع من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ورغم صحة هذا دون شك بالنسبة لبعض عناصر المعارضة، لكن خلفية بعض المقاتلين المعارضين للأسد تشير بوضوح إلى أن هدفهم النهائي لا يمكن أن يكون الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل نظام سني ثيوقراطي يتشابه بصورة أو بأخرى مع ذلك الذي يقوده الإخوان المسلمون.

وهذا هو السبب الواضح وراء تدخل واشنطن لتوسيع قاعدة المعارضة السورية، بهدف عزل العناصر الجهادية، سواء كان ذلك داخل سوريا أو خارجها. إن الدعم الذي تقدمه تركيا للمعارضة السورية التي ينتمي معظم قادتها للتيار السني يتضمن عناصر قد تنظر إليها واشنطن وموسكو على أنها أشياء لا تتسم بالحكمة أو بغيضة من الناحية الأخلاقية.

والأكثر من ذلك، تُظهر مهمة الأخضر الإبراهيمي مرة أخرى أن تركيا لم تعد في مركز الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل الأزمة في سوريا. وعلى العكس من ذلك، تسعى تركيا بهذه الطريقة لأن تكون قوة معرقلة تحاول منع التوصل إلى تسوية لا تتفق مع رؤية حكومة أردوغان لسوريا في المستقبل.

ويتعين على أردوغان ووزير خارجيته داود أوغلو أن يفهما أن سوريا المستقبل من غير المرجح أن تتشكل وفق رؤيتهم الآيديولوجية المشتركة، ولكن من المرجح أن تكون قائمة على عوامل موضوعية نتيجة للتعاون بين القوى الرئيسية في مجلس الأمن.

ويبدو أن واشنطن وموسكو يفهمان هذا جيدا، وقد حان الوقت لأنقرة لكي تفهم ذلك أيضا.

* بالاتفاق مع صحيفة

«حرييت ديلي نيوز» التركية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا على مشارف عام جديد!

اكرم البني

الشرق الاوسط

28-12-2012

بعيدا عن التنبؤات وتوقعات علماء الفلك والأبراج وبعيدا عن الأوهام والأضاليل، ثمة أحداث مؤلمة تجري على الأرض السورية تفوح برائحة الدم والخراب، يتمنى لها المتفائلون أن تنتظم في مسار خلاصي يبدأ بوقف العنف، فتغيير جذري يزيل الاستبداد ويرسي قواعد الحياة الديمقراطية في البلاد، بينما يخشى المتشائمون أن تؤدي رعونة السلطة وإصرارها على منطق القوة والعنف إلى الانزلاق نحو المجهول، وأوضح ما فيه المزيد من الضحايا والدمار والتشرد، وربما حرب أهلية مديدة تقود إلى تخندقات وانقسامات عميقة بين أبناء الوطن الواحد.

لا ريب في أن العام الجديد سيضع حدا لمعاناة السوريين، يقول المتفائلون ويعتقدون أن الصراع وصل أوجه وصار استمراره، باعتراف الجميع، عبثيا وأشبه بحالة استنزاف لقوى عاجزة عن الحسم، والأهم انحسار الثقة بالنظام عموما وبخياره العنفي وقد جرب على مرأى من العالم كل أصناف الأسلحة والخطط الحربية ولم ينجح في إضعاف الثورة أو الحد من قدرتها على التجدد، بدليل تنامي أعداد المسلحين واتساع المساحات والمناطق الخارجة عن السيطرة، وتكاثر حالات التهرب من المسؤولية والانسحاب من صفوف الجيش والأمن ومن حزب البعث وملحقاته النقابية، الأمر الذي يضع، برأي هؤلاء، الحالة السورية على نار حامية، عربيا ودوليا، لإحداث التغيير المطلوب، ويرجحون أن تحتل المشهد نخبة من الشخصيات المعارضة للتفاوض على نقل السلطة، وقيادة مرحلة انتقالية تنتهي بإقرار دستور جديد وإجراء انتخابات عامة.

يعتبر المتشائمون أن سلطة على مثال السلطة السورية لن تتوانى عن جر المجتمع كله إلى الاقتتال والخراب من أجل الحفاظ على امتيازاتها وبقائها في الحكم، مما ينذر بتفكيك البنية الوطنية وعناصر تماسكها وتقويض الدولة وجر البلاد إلى حرب أهلية قد تطول، وخير برهان الازدياد المطرد للعنف ولأعداد الضحايا والمفقودين والمشردين، واستخدام مختلف الأسلحة، والقصف العشوائي لأماكن السكن في معظم المدن والأرياف السورية، وحصارها المزمن والضغط على حاجاتها وخدماتها وشروط معيشتها، تعزز هذا الخيار شخصيات فاسدة ومرتكبة ترفض التنازل عن مواقعها وامتيازاتها حتى لو كان الطوفان، وتبحث عن فرصة للإفلات من المحاسبة والعقاب، ربما عبر تحصين نفسها ضمن وسطها الاجتماعي وفي مناطق تستطيع الدفاع عنها إن فشلت سيطرتها على المجتمع ككل، مطمئنة إلى الدعم السخي من حلفائها، وخاصة إيران التي لن تتخلى ببساطة عما راكمته من نفوذ طيلة عقود، وإلى مجتمع دولي لا يكترث بما يحصل من فظائع وأهوال، وكأنه بشعوبه وحكوماته يتفرج على هذا الفتك اليومي بالمدنيين، مثلما يتفرج على مسلسل تلفزيوني أو صور من عالم آخر، والفاجعة في التحذير الأممي الأخير للنظام بأن استخدام السلاح الكيماوي خط احمر، بما هو إباحة لكل ما دونه من وسائل القمع والتنكيل!

تستقبل البلاد عاما جديدا والوضع الاقتصادي وصل إلى الحضيض، لقد أفضى القصف والتدمير إلى انهيار القطاعات الإنتاجية والخدمية، وخربت حمم القذائف والآليات الثقيلة الأراضي الزراعية، ومنع الانتشار الأمني الكثيف نقل المحاصيل بصورة آمنة إلى الأسواق، وأفضى شح المواد الأولية جراء وقف الاستيراد، وضعف التسويق ومنافذ التصدير، إلى انهيار الصناعة، فأغلقت مئات المصانع أبوابها أو قلصت إنتاجها، وسرح الآلاف من عمالها، ولاقى قطاع السياحة المصير الأسوأ كأن دوره انتهى اليوم تماما، مثلما انتهت فرص الاستثمار، وبديهي ألا يأمن رأس المال لساحة معرضة لمزيد من الفوضى والاضطراب، ناهيكم بتعطل أغلب المشاريع الاستثمارية التي كانت تسير بصورة طبيعية، وتراجع دور البنوك العامة والخاصة جراء العقوبات وهروب الكثير من رؤوس الأموال إلى الخارج، والأهم تدهور معيشة المواطن، إن لجهة عدم توافر السلع الأساسية التي تفقد تماما في المناطق الساخنة، كالخبز والمواد الغذائية والأدوية والغاز والمازوت، أو لجهة انهيار القدرة الشرائية، مع خسارة الليرة السورية أكثر من 50% من قيمتها، أو لجهة تهتك وتفكك شبكات الخدمات التعليمية والصحية، دون أن ننسى معاناة المهجرين داخل البلاد الذين آثروا الانتقال من المناطق الخطرة، أو اللاجئين في البلدان المجاورة، حيث أفضى تسارع الزيادة في أعدادهم إلى انحسار القدرة على توفير أهم الاحتياجات الإنسانية لهم!

المدهش مع إطلالة السنة الجديدة أن غالبية السوريين، ورغم سوء عيشها وما تكابده، لا تزال متحمسة للثورة وللتغيير، وتتطلع إلى التخلص من الاستبداد أيا تكن الآلام، في إشارة إلى تكيفها السريع مع شح الموارد، خاصة في المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، حيث تترك بلا كهرباء ولا ماء وتحرم من أبسط الحاجات الحيوية للعيش، مما يظهر عمق التحدي وحجم المسؤولية الواقعة على عاتق المعارضة بمكونيها السياسي والعسكري، وعلى الكوادر الميدانية واللجان الأهلية في تلك المناطق، إن لجهة خلق نمط من التعاون الصحي بين الناس والتوزيع العادل للاحتياجات المعيشية، وإن لجهة الحد الحازم من التجاوزات والخروقات التي يمكن أن تنشأ في ظل غياب دور الدولة، والغرض بذل كل الجهود لإظهار صورة صحية وإيجابية عن مجتمع واعد ينسجم مع شعارات الحرية والكرامة التي تبناها، ويقطع الطريق على المتصيدين في المياه العكرة، والمشككين في قدرة الحراك الثوري على إدارة البلاد وتنظيم حياة الناس.

«إننا محكومون بالأمل».. هي عبارة يتبادلها بعض النشطاء وهم يستقبلون عاما جديدا، ربما بقصد الاعتراف بأن مخاض الثورة سيكون صعبا جدا أمام آلة عسكرية مدججة بأفتك الأسلحة، وسوف يكتظ بالضحايا والآلام وبمعاناة ومكابدة لم يشهد شعب ثائر لها مثيلا، وربما لإظهار الثقة بجدوى استمرار الثورة وبأن توحيد صفوفها وتصويب أخطائها، قد يخفف من وطأة هذا المخاض وثقله ويعجل وصول الناس إلى حقوقهم وما يتطلعون إليه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا عرض الإبراهيمي على الأسد؟! * عريب الرنتاوي

الدستور

27-12-2012

في الظاهر، لم تخرج تصريحات الإبراهيمي عقب اجتماعه بالرئيس السوري، عن تكرار العموميات المتعلقة بمهمته وانطباعاته عن محادثاته مع الأسد وقراءاته المتشائمة عموماً للمشهد السوري التي حفظناها عن ظهر قلب..أما البيان الرئاسي المقتضب عن الاجتماع، فاكتفى بالقول بأن الأسد أبلغ الإبراهيمي بأنه على استعداد لتسهيل أي حل سياسي يخدم مصلحة الشعب السوري، ويحفظ لسوريا وحدتها وسيادتها واستقلالها.

مثل هذه الأقوال وحدها، لا تبرر بقاء الإبراهيمي عدة أيام في سوريا بعد اجتماعه بالرئيس، كما أن اجتماعاته بالمعارضة في الداخل، لا توجب كل هذا التأخير والاستمهال في مغادرة العاصمة السورية، ما دفعنا لتقصي المعلومات والحقائق عمّا دار بين الموفد الدولي ومحدثيه السوريين الكثر، واعترف أن المهمة لم تكن سهلة أبداً، فثمة أجواء من التكتم على ما دار بين الموفد والرئيس.

لكن مما توفر لدينا من حصيلة لما أجريناه من اتصالات يؤكد أن الإبراهيمي، جاء هذه المرة، بسلة من الأسئلة التفصيلة، وهو طلب من الرئيس السوري، إجابات محددة على أسئلته المحددة..ولأنه يدرك حساسية الأمر، فقد امتنع عن الكشف عن تفاصيل ما دار بين الرجلين، كما أنه أمهل الجانب السوري بعض الوقت، للرد على أسئلته، وهذا ما استبقاه في دمشق، على أية حال.

الأسئلة في جوهرها تمحورت حول مصير السوري ودوره أو “لا دوره” بالأحرى، في مرحلة الانتقال السياسي..هل الرئيس مستعد لتفويض صلاحياته لحكومة انتقالية من النظام والمعارضة؟..عن أية صلاحيات نتحدث؟..هل هو مستعد للتخلي عن صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة السورية؟..ماذا عن مرجعية الأجهزة الأمنية الرئيسة المرتبطة حالياً بالرئاسة (الاستخبارات الجوية والأمن العسكري)؟..هل يقبل الرئيس تفويض صلاحياته العسكرية والأمنية للحكومة؟..هل سيبقى الرئيس في منصبه “خالي الدسم والصلاحيات” إلى حين إجراء انتخابات رئاسية؟..هل يمكن تبكير موعد الانتخابات أم أنها ستجري في موعدها المقرر في 2014؟..هل يتعهد الرئيس بعدم الترشح للانتخابات القادمة؟.

ثم، ماذا عن آليات تشكيل الحكومة الانتقالية..ممن تتشكل وبأية نسب، وما هي مواصفات شخص رئيس الوزراء المقبل (من النظام، من معارضة الداخل، من معارضة الخارج، شخصية مستقلة)..ومن هم ممثلو النظام فيها (أسماء محددة)..ماذا عن أدوار وأوزان مختلف مكونات الشعب السوري، ديموغرافياً وسياسياً..أية ضمانات يمكن توفيرها لمختلف هذه المكونات، لكي تأمن على حاضرها ومستقبلها؟

وماذا عن آليات وقف إطلاق النار، خصوصاً في ظل وجود قوى متعددة تحمل السلاح، وغياب مرجعية موحدة للمعارضات السورية، وكيف سيتم التعامل مع الخروقات في حال حدوثها، وكيف سيتم التعامل مع الخارجين على كل حل سياسي (جبهة النصرة والجهاديين).

ماذا عن آلية نشر قوات حفظ السلام، تعدادها والدول المشاركة فيها وقيادتها، وأماكن انتشارها وصلاحياتها (تفويضها)، وعن الجهة التي ستشكلها وتكلفها بالانتشار، ومدة انتشارها، وكيف ستتعامل مع الخروقات والتجاوزات.

الإجابات التي سيخرج بها الإبراهيمي من دمشق، سيعود بها إلى موسكو وواشنطن، وقد تشكل أساساً لاتفاق جديد: “جنيف 2”..هذا في حال حصل على إجابات محددة، أما في حال استمر النظام على المماطلة، أو لم يتقدم بأية إجابات مقنعة للموفد الدولي كفيلة بأن تشكل أساساً للحل، فإن من المتوقع أن تشهد سوريا، وبالأخص دمشق، جولة طويلة جديدة، من العنف والقتال، لانضاج شروط الحل الدولي الممكن.

مصادر المعارضة الداخلية التي التقت الإبراهيمي، أكدت أنه لم يعرض تفاصيل ما دار بينه وبين الرئيس الأسد عليها، مكتفياً بعرض الخطوط العامة لمبادرته وأفكاره، وهي في الوقت الذي لا تبدي فيه تفاؤلاً حقيقياً في إمكانية أن يقدم النظام إجابات “مقنعة” للموفد الدولي، لأن النظام لم يبرح بعد مربع الحل العسكري/الأمني، إلا أنها تراهن على تطورين اثنين: الأول، أن غالبية متعاظمة من السوريين، باتت تريد حلاً سياسياً يخرجها من دائرة القتل والدمار والخراب، سيما في ظل تقديرات مؤكدة بأن استمرار القتال سيؤدي لتدمير دمشق وسوريا، وسيفضي إلى تقسيم البلاد طائفياً ومذهبياً..والثاني، أن المعارضة المسلحة تحقق تقدماً ميدانياً مطرداً، وثمة أوساط عسكرية وأمنية قريبة من دوائر صنع القرار، بدأت تؤكد أن كسب المعركة وحسمها لصالح النظام، بات أمراً مستحيلاً، وأن القتال الذي يجري، يهدف إلى تحسين شروط “الحل/الصفقة” الدولية، وليس إلى استعادة سوريا لما كانت عليه، ومن هنا تؤكد المصادر أن السؤال الذي بدأ يتردد في بعض أوساط النظام هو: هل تستحق “التحسينات” المطلوبة لشروط “الحل /الصفقة” كل هذه التضحيات والخسائر والمغامرات؟..أليس هذا هو جوهر الحديث الصحفي النادر لنائب الرئيس فاروق الشرع؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على أبواب دمشق: كيف يمكن تخفيف الكارثة؟

ياسر أبو هلالة

27-12-2012

الغد الاردنية

جهاد مقدسي الذي كان يتحدث عن المؤامرات الأميركية-التركية-القطرية على سورية، تبين أنه "سي. آي. أيه"، ويقضي اليوم إجازة الكريسماس في أميركا. صحيح أنه ليس الوحيد المتورط بالعمالة للمخابرات الأميركية وغيرها من أجهزة، لكن من قبيل الدقة في التحليل علينا أن نميز بين من ثاروا وانشقوا عن النظام قناعة وإيمانا، وبين من كانوا مرتبطين أصلا بالدوائر الاستخبارية الغربية.

يمكن رصد مثالين واضحين: جهاد مقدسي ومناف طلاس. فثمة معلومات في الإعلام الغربي بأن الأول أخرجته المخابرات الأميركية من دمشق، والتحق بمقرها في "لانغلي"، والثاني أخرجته المخابرات الفرنسية إلى باريس. في المقابل، باقي المنشقين، وعلى رأسهم رياض حجاب، خرجوا بعمليات "استشهادية" من خلال كتائب الثوار، ومعروف كل منشق أي كتيبة أخرجته ومع من كان يتواصل من الثوار.

بعد انشقاق مقدسي، كثر الحديث عن جبهة النصرة وعن السلاح الكيماوي، وتصاعدت وتيرة المبادرات السياسية. وهو ما يؤشر على قرب تدخل عسكري غربي. فالخشية الحقيقية ليست من استخدام النظام للسلاح الكيماوي، وإنما من وقوعه في أيدي الثوار، وهؤلاء ليسوا بمنأى عن جبهة النصرة المحسوبة على تنظيم القاعدة. والأسلم لإسرائيل التي تمثل المصلحة الأولى للغرب، هو حل سياسي يضمن وجود سلطة مستقرة من بقايا نظام بشار؛ وإن فشل فحل عسكري يضمن سيطرة على الحدود مع إسرائيل وترسانة السلاح الكيماوي.

بعد عامين من الحديث عن المؤامرات، تأكد نظام بشار وحلفاؤه في موسكو وطهران وبكين أن الولايات المتحدة والغرب عموما منضبطون بالإيقاع الإسرائيلي. وخلافا لدعاية الثوار بأن حافظ الأسد باع الجولان، وبشار يحمي حدود إسرائيل، فإن الأخيرة حقيقة تعتبره عدوا، لكنه عاقل ويعرف حدوده جيدا، على عكس الثوار الذين لا يُعرف كيف يفكرون، ولا أين سيمضون في عدائهم لإسرائيل، خصوصا أن مناطق نازحي الجولان في الحجر الأسود وغيرها كانت من أسخن المناطق في الثورة.

في المقابل، يعرف الجميع اليوم أن الثورة اليتيمة يقرع ثوارها المسلحون أبواب دمشق، بدون أن يحدث تدخل دولي أو تسليح نوعي. ويدرك النظام قبل غيره أن مسألة تحرير دمشق مسألة وقت، وهو يحاول الحصول على صفقة سياسية في اللحظة الأخيرة، وليس لديه قدرة على المبادرة العسكرية، وكل قدراته تتلخص في قصف المخابز وإيقاع أكبر ضرر بالمدنيين. وهو يدرك أن هذا مؤثر جدا على الثوار الذين تتزين لهم المرجة. سؤال الثوار: كم مهر دمشق من الدماء؟ لا أحد يعرف كم سيقتل النظام من مدنيين عزل. ويراهن الثوار على الوقت في انهيار النظام، ويأملون في تكرار مشهد دخول طرابلس في ليبيا؛ فنظام القذافي تبخر سريعا ولم يبد أي مقاومة عندما يئس من البقاء.

ما لم يحدث الانهيار، فإن معركة دمشق ستنتهي بدمار المدينة وقتل الآلاف. ولكن لو حصل تدخل دولي، فإن ذلك سيقلل الخسائر بشكل كبير. فضرب قدرات النظام الجوية والصاروخية والمدفعية سيوفر كثيرا من الدماء والدمار، لكن أكثرية الثوار اليوم ترفض التدخل الدولي وهو ما كانت تتمناه سابقا.

للأسف، ترسل روسيا سفنها العسكرية، وترسل إيران مقاتلي حزب الله والحرس الثوري، وبعدها يُلام الثوار على تدخل دولي لم يحصل! يؤمل أن تنتهي معركة دمشق بأقل الخسائر. وبعدها سيحاسب الشعب السوري كل من ساهم في قتله، سواء بالكلمة أم بالصاروخ. وستشهد مدن الشام إعادة إعمار كما شهدت ذلك مدن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن تخلصت من العدوان النازي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المطلوب من الائتلاف الوطني

إن اعتراف الدول الغربية بالائتلاف الوطني كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، لا يعني الكثير في ظل عدم وجود تفويض من الشعب للائتلاف

أنس زاهد

الخميس 27/12/2012

المدينة

لم تعد قضية إسقاط نظام عائلة الأسد في سوريا تقلقني، كما كان الحال في السابق. الآن هناك العديد من المؤشرات التي تفيد بقرب سقوط نظام الديكتاتور السوري، ومن ضمنها ما صدر من تصريحات على لسان الرئيس الروسي بوتين، الذي قال إنه لا يشترط إشراك الأسد في مشروعات التسوية المقبلة.

هذه المرونة في الموقف الروسي سبقتها بعض المواقف المهمة، ومن ضمنها استقبال موسكو للمعارضة السورية التي لا تنتمي للائتلاف الوطني السوري، والتي تختلف مع الائتلاف حول مسألة التدخل الخارجي وعسكرة الثورة.

ما يقلقني حد الفزع هو مرحلة ما بعد الأسد التي تبدو بلا ملامح نظرية حتى هذه اللحظة. فالائتلاف الوطني ومن قبله المجلس الوطني، لم يوضح موقفه من الدولة السورية في مرحلة ما بعد البعث، ولم يبين إذا ما كان يخطط لإقامة دولة مدنية أم لا.. والأهم أنه لم يطمئن الأقليات، ولم يقدم لها ضمانات أو التزامات من شأنها تبديد مخاوفها المتصاعدة بفعل بعض الممارسات الإجرامية، والنبرة الطائفية، والخطاب الفاشي الذي تنطلق منه بعض الفصائل المسلحة، وعلى رأسها جبهة النصرة ذات المرجعية القاعدية والتي وضعتها الإدارة الأمريكية قبل أكثر من أسبوع، على لائحة المنظمات الإرهابية.

حتى الآن يبدو الائتلاف الوطني فاقدًا الرؤية والمشروع، بل وحتى التجانس المطلوب بين الإخوان المسلمين وبين باقي العناصر التي يجوز وصفها بالليبرالية. ولعل ما يفاقم الوضع سوءًا هو عدم سيطرة الائتلاف على بعض التشكيلات المسلحة التي أعلنت منذ إنشاء الائتلاف، عدم اعترافها بحقه في تمثيل الشعب السوري الذي يطالب بقيام دولة إسلامية على حد زعمها.

في رأيي أن الائتلاف بات مطالبًا أكثر من أي وقت مضى، باتخاذ خطوات عملية تتمثل في إصدار ما يشبه الإعلان الدستوري للدولة الجديدة. وهو ما لا يمكن أن يستقيم في ظل تجاهل أطراف المعارضة السورية الأخرى التي كان لها دور في تفجير حركة الاحتجاجات الشعبية، والتي ما زالت تعبر عن وجهة نظر لها شعبيتها في الشارع السوري.

إن اعتراف الدول الغربية بالائتلاف الوطني كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، لا يعني الكثير في ظل عدم وجود تفويض من الشعب للائتلاف. صحيح أن الائتلاف كسب من هذه الخطوة نوعًا من الشرعية في جزء مهم من العالم، لكن الشرعية الحقيقية تبقى في الوطن، ولا يمكن أن تستمد إلاّ من الشعب السوري نفسه. وطالما بقي الائتلاف بلا مشروع، أو حتى تصور نظري يطرح فيه تصوراته لدولة المستقبل، فإن السوريين في الداخل لن يعملوا على دعمه بشكل فاعل.

يجب أن يكون البديل واضحًا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أميركا وروسيا: من يتعب سورياً قبل الآخر؟

روزانا بومنصف

2012-12-27

النهار

تجمع مصادر ديبلوماسية على ان الاخضر الابرهيمي حمل الى الرئيس السوري بشار الاسد عناوين يمكن العمل عليها من اجل حل الازمة المستعرة منذ 21 شهرا وان ثمة مؤشرات على ذلك ليست مبنية على ما تتناقله وسائل اعلام دولية من نقاط يسري على نطاق واسع انه تم الاتفاق عليها في اجتماعي دبلن فجنيف بين واشنطن وروسيا . بل ان هذه المؤشرات مبنية على اعلان الامم المتحدة ان مهمة الابرهيمي في سوريا لم تأت بجديد، وهي صيغة ديبلوماسية للقول ان ما حمله الابرهيمي من افكار لم يلق اي رد فعل ايجابي، معطوفة على مواقف مماثلة لتلك التي اطلقتها ايران من انها تعارض اي حلول خارجية تفرض على سوريا في ترجمة لموقف الرئيس السوري بالذات، الذي لن يعلن صراحة رفضه لاقتراحات الحلول التي تعرض عليه بل يترك ذلك لحلفائه علما ان لايران مصلحة في ان تكون جزءا ايضا من الحل. وهو الامر الذي يعني ان اقصاء او استبعاد ايران كما استبعاد تركيا والدول الخليجية الاساسية على رغم اتفاق واشنطن وروسيا في حال حصوله لن يساهم في بلورة حل جدي ذلك ان رأي هذه الدول ودورها مهمين جدا في معادلة الحل السوري. ولم يحصل ما يظهر ان هناك اجماعا اقليميا ودوليا في هذا الاطار في حال حصل التوافق الاميركي الروسي على بعض العناوين.

وفي اي حال فان مصادر معنية تعرب عن اعتقادها بان ما تم تداوله حتى الآن من معطيات لا يكفي للقيام بتسوية متفق عليها لان ظروف هذه التسوية لم تنضج بعد لا ميدانيا على الارض في سوريا ولا سياسيا بين الافرقاء الاقليميين والدوليين. وبحسب هذه المصادر، فان الكلام على اتفاق جنيف 2 او اتفاق جنيف واحد، الذي تم التوصل اليه في نهاية حزيران الماضي، معدلا لا يبدو واقعيا من حيث قابليته للتنفيذ بل على العكس من ذلك فان هناك استمرارا للرهانات على متغيرات في كل من موقفي الولايات المتحدة وروسيا. اذ ان هذه الاخيرة تعول على ان تتقدم واشنطن اكثر فاكثر نحو الموقع الذي تقف فيه من الموضوع السوري. ويعود ذلك الى اقتناع بان هناك مخاوف اميركية جدية من الجهاديين في سوريا و"جبهة النصرة " بحيث تجعل الاميركيين اكثر اقترابا من الموقف الروسي. في حين تعول الولايات المتحدة من جهتها على تحرك روسيا في اتجاهها اكثر مع تراجع سيطرة الرئيس السوري على المناطق السورية وفقدان الامل بقدرته على استرجاعها. اي ان كلا الفريقين ينتظر ان يتعب الآخر قبله من اجل ان يقترب اكثر من موقفه فيحفظ لنفسه ماء الوجه بانه لم يخسر في الكباش الحاصل حول سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا سلاح أميركياً لثوار سوريا... بعد

سركيس نعوم

2012-12-27

النهار

لا يزال حسم الأزمة – الحرب بين النظام السوري وغالبية شعبه صعباً في رأي مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة، وذلك لاسباب عدة أبرزها الآتي:

1 – عدم توصل أميركا "المؤيدة" للثوار سياسياً وروسيا الداعمة للنظام بالتسليح وبالخبرة وبالمواقف داخل مجلس الأمن الى اتفاق على حل للأزمة ووقف للحرب يفسح في المجال امام تحقيق مطالب الثوار بالديموقراطية والعدالة والحرية، وامام تنامي خوف الاقليات التي صار يمثلها النظام من القمع النهائي وخصوصاً في ظل الدور المتصاعد للاصولية الاسلامية التكفيرية داخل الثورة. طبعاً ساهمت الاجتماعات المتكررة بين مسؤولين اميركيين وروس في تضييق الهوة بين موقفي بلاديهما، وجعلت روسيا تتأكد من اصرار الاسد على الحسم العسكري، كما دفعت اميركا الى استشعار الخطر الاصولي. لكن هذا "التقدم" لم يسفر بعد عن تفاهم يفتح الباب أمام حل أو تسوية.

2 - عدم توصل الولايات المتحدة المؤيدة سياسياً للثوار السوريين والجمهورية الاسلامية الايرانية الداعمة بكل الوسائل وفي كل المجالات للنظام الاسدي، ليس الى تفاهم حول طريقة حل الازمة – الحرب في سوريا، بل الى اتفاق على بدء حوار جدي ومباشر بينهما يتناول قضاياهما الخلافية التي لا يشكل ما يجري في سوريا الا نتيجة لخلاف اعمق وأشمل بينهما حول قضيتين – ازمتين هما الملف النووي الايراني ودور ايران الاسلامية في المنطقة. او عدم وصول الدولتين المذكورتين الى حرب معلنة بينهما تنهزم فيها احداهما، وتنعكس الهزيمة ضعفاً على حلفاء المهزومة الذين لا بد ان يجدوا انفسهم مضطرين الى قبول شروط المنتصرة. ومنطقي حينها ان يعتقد الناس ان اميركا ستكون المنتصر لا ايران رغم تعاظم تقدمها العسكري والتقني ورغم الثمن الكبير الذي قد تدفعها اياه الاخيرة.

3 – عدم قدرة الدول العربية الاسلامية والدول الاسلامية غير العربية على تقديم المساعدة التي يحتاج اليها الثوار السوريون من أجل حسم ثورتهم واسقاط نظام الاسد. علماً انهم بامكاناتهم المتواضعة وبالمساعدات المحدودة من الدول المشار اليها استطاعوا ان يصمدوا اكثر من 20 شهراً في وجه نظام لم يتورَّع عن استعمال كل اسلحته بما في ذلك المحرمة منها. لا بل استطاعوا ان يتقدموا جغرافياً وعلى نحو لم يكن يتصوره احد. وعدم القدرة المذكور أعلاه لا يعود الى عدم رغبة الدول المذكورة في سقوط الاسد ونظامه، بل الى عدم قدرتها على التدخل العسكري المباشر لترجيح كفة الثوار بسبب غياب موقف دولي موحد حيال ذلك، والى عدم قدرتها على مدهم بالاسلحة التي تمكنهم من التقدم السريع على طريق اسقاط النظام بسبب رفض الولايات المتحدة ذلك. ويبرر البعض من المصادر الديبلوماسية الغربية اياها رفضها بأمرين. الأول، خوفها من تحوُّل سوريا بعد سقوط النظام الى دولة "افغانية – طالبانية" وخصوصاً بعد تصاعد دور الاسلاميين المتشددين في اوساط الثوار، او الى دويلات من هذا النوع الأمر الذي يجعل قلب العالم العربي ملاذاً آمناً للـ"ارهابيين" الاسلاميين، كما لغيرهم. وفي ذلك خطر كبير عليها وعلى المجتمع الدولي. أما الأمر الثاني فهو مصلحة اسرائيل التي لا تستطيع قبول سقوط سريع لنظام الاسد الذي كانت تتلاقى مصالحها مع مصالحه لأنه سيؤدي الى قيام سريع لدولة اسلامية تكفيرية على حدودها. ولذلك فإن مصلحتها الحالية تقضي باستمرار الحرب وبتدمير سوريا وبزوالها دولة يمكن ان تشكل تهديداً لها. وربما من أجل ذلك لا تزال الولايات المتحدة ورغم ضغوط عربية واسلامية عدة تتريث أو بالأحرى ترفض تزويد الثوار السلاح الذي يمكنهم من الانتصار.

هل من انعكاس لاستمرار الازمة – الحرب في سوريا من دون حسم مدة طويلة على لبنان؟

طبعاً لا يمكن ان يكون الانعكاس الا سلبياً. علماً ان حسمها في اتجاه أو في آخر ستكون له تداعياته اللبنانية. ولن تمنع ذلك المواقف الدولية (اميركية – اوروبية) الناصحة المسؤولين اللبنانيين بالمحافظة على الاستقرار الأمني، وخصوصاً اذا انقاد الطرفان الاكبر في لبنان المصطف واحد منهما مع الثوار والآخر مع النظام في سوريا الى عواطفهما المذهبية، ونقلا حربهما التي يخوضانها في الداخل السوري على نحو غير مباشر الى الداخل اللبناني. واذا اعتقد الاثنان او احدهما ان العالم سيهتز لذلك فانهما يكونان مخطئين. فلبنان لم يعد مصلحة حيوية لأميركا الا من زاوية التهديد الذي يشكله "حزب الله" لاسرائيل ومعنى ذلك معروف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لبنان المعلّق في انتظار سوريا

علي حماده

2012-12-27

النهار

ايام قليلة وتنتهي السنة وتبدأ سنة جديدة مشبعة بالاستحقاقات اللبنانية. انتخابات نيابية تحضر لانتخابات رئاسية في العام الذي يليه. ومع اهمية الاستحقاقات الكبيرة المقبلة يبقى لبنان دولة معلقة لا بل بلدا معلقا في انتظار ان يسقط بشار الاسد وتتكشف معادلة داخلية جديدة قائمة على موازين قوى اقليمية جديدة.

ليس صحيحا ان سقوط الاسد في سوريا لن يؤثر في المعادلة اللبنانية. بل انه سيؤثر من دون ان يشكل انقلابا حاسما في اللعبة. والمقصود بالانقلاب هو سقوط مشروع "حزب الله" الذي يمثل وحده الحالة غير اللبنانية وغير التقليدية. من هنا فإن سقوط النظام في سوريا سيفقد اولا ايران جسرها الاستراتيجي الى قلب المشرق العربي، ويحول "حزب الله" المتحصن في قلعته اللبنانية الى حالة محاصرة عربيا ودوليا. هذا ما يفسر استشراس الحزب في الحفاظ على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وعودة الاغتيالات المدروسة مع اغتيال اللواء وسام الحسن الذي كان يحاول اقامة ثنائية امنية مع "حزب الله" والمشروع الايراني في البلد، فصدر قرار بقتله في اطار ترتيب اوراق ما بعد بشار الاسد، وخروج ايران من سوريا.

بشار سيسقط خلال سنة ٢٠١٣، والسؤال ما عاد يتعلق بالموعد وحده بل بتداعيات السقوط داخليا وتحديدا على الفئة العلوية التي تقف حاليا عند مفترق طرق تاريخي: فبقاؤها موالية للنظام سيؤدي بها الى نكبة تاريخية، بينما انتفاضتها وان المتأخرة يمكن ان تمنحها املا في المستقبل.

في لبنان لن تكون انتخابات قبل تظهير مشهد جديد في سوريا، وكل ما يحصل من معارك كلامية هنا وهناك لا يعدو كونه تقطيعا للوقت، وحدهم البلهاء يصدقون كلمة واحدة مما يقال او يتحمسون من اليوم لانتخابات لن تحصل. الحكومة باقية قانونيا على رغم انها سقطت سياسيا. والمتمسكون بها من الثلاثي الوسطي المزعوم يعملون وفق اجندات قصيرة المدى: وليد جنبلاط يعتقد انه ببقائه في الحكومة يشتري "بوليصة تأمين على الحياة" من "حزب الله"، ويمارس غزلا سلبيا مع السعوديين، منتظرا من ٨ و١٤ آذار العروض الانتخابية. ميشال سليمان يأمل ان يؤدي تأجيل الانتخابات الى تمديد تلقائي لولايته للمرة الاولى بإجماع داخلي، وعينه على ميشال عون. اما نجيب ميقاتي فيأمل في الا يرحل مع بشار الاسد. لذلك يتورط اكثر في دعم الشلل المسلحة في طرابلس والشمال، وينشر الوعود في عواصم العالم بأنه هو من سيقف في وجه "حزب الله" في المرحلة القادمة.

وفي مطلع ٢٠١٣ يعود رئيس الجمهورية داعيا الى طاولة الحوار، وهو اول العارفين انها غير ذات قيمة متى عاد “حزب الله“ الى الاغتيالات، وقد عاد اليها فعلا. من هنا ضرورة التدقيق في اهداف حصر الاتهام بجريمة الحسن بالنظام في سوريا، وبالتالي ضرورة ان يتخلص البعض من وهم انه يمكن ترويض القاتل بالاستسلام الدائم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا شيء.. واستقبال الإبراهيمي بالتصعيد وبتسخيف تصريحات الشرع!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

27-12-2012

ما كان منتظرا أن يجد المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي هذه المرة في دمشق أفضل مما كان وجده في المرة والمرات السابقة، فالرئيس بشار الأسد واجهه بنفس ما كان قاله مرارا وتكرارا، وهو أن حكومته حريصة على أي جهود تصب في مصلحة الشعب السوري وتحفظ سيادة سوريا واستقلالها، وهكذا فإن حليمة لا تزال على عادتها القديمة:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

وهذا هو ما جعل الإبراهيمي يتجنب في أول تصريح له، بعد لقاء الأسد، الإشارة إلى الاتفاق الأميركي - الروسي الذي تم التوصل إليه في مباحثات جنيف الأخيرة بين نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ونائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز، والذي تردد أن أحد بنوده ينص، بالإضافة إلى عدد من النقاط الأخرى، على إعطاء الرئيس السوري، كنوع من حفظ ماء الوجه، فرصة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي كثر الحديث عنها في الفترة الأخيرة ثم المغادرة بعد ذلك وعلى الفور - ومعه من يرغب في أن يرافقه في هذا الخروج الآمن - إلى الدولة التي تقبل باستقباله والتي تشير بعض التقديرات إلى أنها دولة الإمارات العربية المتحدة.

والأدهى أن حكومة الرئيس بشار الأسد قد تعمدت استباق مهمة الإبراهيمي الجديدة بالتبرؤ من تصريحات فاروق الشرع التي كان استبعد فيها في حديث لصحيفة لبنانية تابعة لحزب الله اللبناني إمكانية الانتصار والحسم لا من قبل جيش النظام وقواته الأمنية ولا من قبل المعارضة وجيشها الذي هو الجيش السوري الحر والتي تحدث فيها أيضا عن ضرورة أن تكون هناك «تسوية تاريخية» يتم بموجبها تشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات واسعة النطاق ولمح إلى إمكانية تحجيم دور الرئيس السوري والحد من صلاحياته.

ثم وبالإضافة إلى هذا فإن نظام بشار الأسد، الذي بقي يتبع، منذ بداية هذه الأزمة الطاحنة، سياسة اتسمت بالمراوغات والألاعيب والأكاذيب، قد تعمد استقبال الإبراهيمي، الذي انتظر في القاهرة أياما عدة إلى أن أضاءت دمشق له الضوء الأخضر، بتصعيد عسكري جنوني تمثل في استخدام العنف المفرط وقتل المزيد من الأبرياء كما تمثل أيضا في استخدام الغازات السامة، وبخاصة غاز «السارين» القاتل، وذلك من أجل إظهار عدم خوفه من تهديدات الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإظهار أنه لا يزال يتمتع بالقوة الكافية لعدم تقديم أي تنازلات ولرفض الخطة الأميركية - الروسية الآنفة الذكر التي لم تتم الإشارة إليها خلال وجود المبعوث الدولي والعربي في العاصمة السورية لا من قريب ولا من بعيد.

وكل هذا قد جعل الإبراهيمي، هذا الدبلوماسي العريق المعروف بهدوئه وبالحرص الشديد على اختيار المفردات حمالة الأوجه في تصريحاته وأقواله إن في هذه المهمة وإن في المهمة السابقة وإن في مهامه الدبلوماسية على مدى تاريخ طويل، يقول في أول تصريح أطلقه بعد لقاء بشار الأسد: «لقد تبادلنا الرأي بشأن الخطوات التي من الممكن اتخاذها في المستقبل. إن الوضع في سوريا لا يزال يدعو إلى القلق وإنني أدعو كل الأطراف إلى التوجه نحو الحل الذي يتمناه الشعب السوري».

والملاحظ، وربما أن هذا هو ما جعل بشار الأسد يلجأ إلى التصعيد بدل التهدئة وجعله على لسان وزير إعلامه يتبرأ من فاروق الشرع ومن تصريحاته السالفة الذكر ويصف ما كان قاله لصحيفة «الأخبار» اللبنانية بأنه مجرد رأي كأي رأي شخصي لثلاثة وعشرين مليون مواطن سوري، إن الروس هم بدورهم قد استبقوا وصول الإبراهيمي إلى دمشق بعدم الحديث ولو بكلمة واحدة عما قيل إنه خطة أميركية - روسية حملها الموفد الدولي والعربي معه إلى العاصمة السورية. وهنا فإنه حتى التصريح الذي حذر فيه سيرغي لافروف النظام السوري من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه وقال إنه سيكون «بمثابة انتحار سياسي» قد أنهاه بالقول: «ولكنني لا أظن أن هذا النظام سيلجأ إلى تلك الأسلحة».

وهكذا فقد ثبت أن روسيا، ورغم كل ما قيل عن بعض التحول عن مواقفها السابقة لا تزال ماضية في دعم هذا النظام عسكريا وسياسيا، وبالتالي فإن إظهار هذه المرونة، التي جرى الحديث عنها والتي يقال إنها وراء خطة بوغدانوف - بيرنز التي حملها الإبراهيمي إلى دمشق، لا يمكن أن يفهم إلا على أنه مجرد مناورة جديدة للمزيد من المماطلة والمزيد من كسب الوقت وأيضا المزيد من التمييع لإعطاء بشار الأسد المزيد من الوقت ليواصل لعب الأوراق التي بقي يلعبها منذ البدايات ولعل وعسى أن يستطيع، إن لم يتمكن من إلحاق الهزيمة بالمعارضة، أن يحسن وضعه التفاوضي وأن يبقي على بعض أعمدة نظامه إن لم يستطع هو البقاء في سدة الحكم.

والمعروف أن لافروف، الذي كانت تصريحاته، ولا تزال، تشبه نعيق غربان الشؤم، كان قد قال من قبيل تحريض بشار الأسد على عدم تقديم أي تنازلات، إن روسيا والصين لا تستطيعان، حتى لو هما أرادتا هذا، إقناع الرئيس السوري بالاستقالة وحقيقة أن هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق إذ إن بإمكان روسيا أن تجعله يهرول هرولة إلى التنحي والمغادرة بأن تفهمه أنها لم تعد تحتمل ألاعيبه ومناوراته وتماديه في استخدام العنف المفرط ضد شعبه حتى بما في ذلك استخدام صواريخ «سكود» الروسية الصنع، لذلك فإنها قد تضطر إلى التخلي عن استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي.

المهم.. فإن ما يشير إلى أن الأخضر الإبراهيمي قد واجه في دمشق ما كان واجهه في المهمات السابقة وأنه حتما سيكتفي من الغنيمة بالإياب، أنه من قبيل وهم تحقيق أي شيء، قد التقى معارضة الداخل السورية، التي تتهم بأنها من صنع مخابرات بشار الأسد، وأجرى معها محادثات مطولة، ربما لطرد السأم عن نفسه، وخرج باتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية بـ«صلاحيات واسعة» والمعروف أن هذه الصيغة نفسها كانت قد وردت في تصريحات فاروق الشرع التي تقصد النظام السوري تسخيفها والتبرؤ منها قبل وصول المبعوث الدولي والعربي إلى العاصمة السورية بساعات وكانت قد وردت فيما قيل إنها خطة أميركية - روسية تم التوصل إليها في اجتماع جنيف الأخير بين نائب وزير خارجية روسيا وبين نائب وزير الخارجية الأميركية.

وبالنتيجة فإنه بالإمكان، في ضوء هذا كله، القول إن مهمة الأخضر الإبراهيمي هذه لم تحرز هي أيضا أي شيء، وأن كل ما سمعه سواء من بشار الأسد أو من بعض أعوانه ومساعديه هو مجرد كلام مبهم ومجرد مماطلات ومناورات لكسب المزيد من الوقت وكل هذا مع التصعيد المستمر في العنف المفرط الذي قد يصل إلى استخدام السلاح الكيماوي والغازات القاتلة على نطاق واسع ومع مواصلة التأزم الطائفي والاستمرار بالتلويح بخيار «الدولة العلوية» التي أصبحت هناك قناعة بأنها غدت خيار الرئيس السوري الأخير.

في كل الأحوالK فإنه لا بد من الإشارة في النهاية إلى أنه حتى لو إن معجزة مستحيلة قد توفرت وجعلت بشار الأسد يوافق على ما ذهب به الإبراهيمي إلى دمشق فإنه لا أمل إطلاقا بنجاح هذه المحاولة الجديدة. وذلك لأنه من غير الممكن تطبيقها لألف سبب وسبب، فالمعارضة السورية الحقيقية الفاعلة قد بادرت إلى رفضها رفضا مطلقا على اعتبار أن كل ما جاء فيها، وبخاصة ما يتعلق ببقاء بشار الأسد حتى عام 2014 يشكل إذعانا لهذا النظام واستسلاما لشروطه وإملاءاته ثم إن من المعروف أن بعض أركان النظام ما زالوا يعتقدون أنه لا يجوز الإسراع في التفريط وأنه بالإمكان بقاء نظامهم وكل هذا، والواضح أن روسيا لا تريد نهاية لهذه المأساة ما لم تحقق ما تريده إن إقليميا وإن دوليا، وهذا هو موقف إيران ولكن على نحو يتميز بالمزيد من الرفض والتشدد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد: نظام «مَيِّته» مقطوعة!

حسين شبكشي

الشرق الاوسط

27-12-2012

يتابع العالم تصريحات المندوب الأممي المعني بالملف السوري الدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي بعد مقابلته للرئيس السوري بشار الأسد، ووجدوا الرجل ما زال يبدي «قلقه» جراء الوضع المتدهور على الأراضي السورية. الأخضر الإبراهيمي رجل متمرس ويعلم جيدا «حجم» الخطر السوري ونفوذ نظامه وتهديده، فهو شاهد ذلك بنفسه إبان توليه ملف الحرب الأهلية اللبنانية وقيامه بدور الوسيط بين الأطراف المتحاربة والمتنازعة.

نظام الأسد قام باستقبال زيارة الإبراهيمي بمذبحة جديدة بحق شعبه بخبز في ريف حماه، مات من جراء قصف القوات الأسدية المجرمة أكثر من 300 من الأبرياء. سيكون صعبا جدا على كتبة التاريخ اليوم ولاحقا أن يجدوا نظاما اتفق على «احتقاره» و«كراهيته» هذا الكم من البشر سواء من السوريين أنفسهم أو من المجتمع الدولي.

بشار الأسد تحول إلى أيقونة للشر والقتل وأصبح رمزا للدم ومادة أساسية في النكات والطرف التي تسخر منه كشخص وحاكم. نظام بشار الأسد الذي ورثه بشكل هزلي وكوميدي من أبيه في جلسة لمجلس الشعب السوري تم «سلق» الدستور وتغييره في دقائق ليصبح رئيسا للبلاد.. هذا النظام بني على إرهاب وإرعاب الشعب وتكريس التفرقة بين أبنائه، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ولكن النظام كرس فكرة «الكذب» بشكل ممنهج فروّج لفكر علماني وهو يؤسس للطائفية، وروج لفكرة المقاومة وهو يعادي الفلسطينيين أكثر من أكبر أعدائهم، وروج لفكرة القومية العربية وهو في ذات الوقت يكرس لمنهجية الفتنة والتشتيت والتمزيق بين الأوطان والشعوب العربية.

الثورة السورية ليست مجرد نصرة لطموحات الشعب السوري المظلوم تحت أسوأ الأنظمة، ولكنها أيضا كاشفة لمساوئ وخطايا وذنوب ومعاصي هذا النظام الذي كان «خديعة» كبيرة و«كذبة» أكبر عاشها الملايين من العرب لسنوات ليست بالقليلة. هذا الفضح وكشف الغطاء عما كان مخفيا ومحجوبا هو الذي يفسر أيضا حدة وبشاعة المنهج الإجرامي من قبل نظام بشار الأسد بحق شعبه ليقدم على استخدام الغازات السامة وصواريخ سكود وغيرها من الأسلحة الفتاكة المدمرة، إنها كلها نماذج من الوحشية والافتراس الذي أصاب بشار الأسد الذي أدرك أنه لن يتمكن من صد التوسع المتنامي للجيش الحر وتوسع انتشاره بشكل واضح فوق الأراضي السورية، مفسرا بشكل عملي معنى زيادة نفوذ الثورة والثوار.

التذمر والقنوط من النظام وصل إلى داخل الدائرة المغلقة لبشار الأسد، فلم يسلم منه منسوبو الجيش ولا الاستخبارت ولا مجلس النواب ولا الوزراء ولا الدبلوماسيون بكل الطوائف ومن كل المناطق بلا استثناء. التدمير الممنهج لجيش الأسد بحق كل مدنه الثائرة والقتل العشوائي بلا رحمة ولا هوادة هو قتال «المفارق والمودع» الذي يعلم بداخله أنه لا يمكن أن يكون لديه القدرة على «حكم» البلاد مجددا ولا السيطرة عليها لاحقا، وعليه يبقى الغرض من هذه الهجمة الأسدية على شعبه هو شهادة عجز وفشل كبير جدا لوعود النظام الإصلاحية المضللة والكاذبة، وأن المؤامرة الكونية على النظام ما هي إلا كذبة أخرى مثلها مثل الحرب التي يدعي النظام أنه يقوم بشنها على ما يسميه «العصابات المسلحة»، كل تلك الأكاذيب التي عاش النظام يروج لها عبر أبواقه وأدواته لم تجد لها سوقا ولا «مشتريا» جادا يقبل بهذا الهراء والعبث.

وما كل تلك المسائل سوى تأكيد وبرهان على أن النظام الأسدي الذي جاء بشكل مريب وغامض مليء بعلامات التعجب والاستفهام وعلى جثث الأبرياء لم يستفد حقيقة منه سوى أعداء العرب. ليس هناك أسوأ من نظام بشار الأسد في حقيقة الأمر إلا من يؤيده ويبرر له ويحاول إيجاد الذرائع والحجج له بشتى الطرق والوسائل. زيادة الوحشية والهمجية من قبل نظام بشار الأسد بحق شعبه لها علاقة مباشرة بإحساس الأسد بصعوبة الوضع واستحالة حسم المعركة لمصلحته وعدم وجود أدلة على أرض الواقع تؤكد أن كفة قواته ترجح وتقوي وضعه، بل على العكس تماما، فالتأييد الذي كان له مظاهر شعبية اختفى وباتت مظاهر تأييد الثورة والثوار لها الكفة الأهم في ميزان القوى.

نظام بشار الأسد أُسس على الباطل والتضليل والكذب والخوف والترهيب، وهي أدوات مهما كانت فعالة ومهمة وقوية لكنها تبقى قصيرة الأجل وغير مستدامة أبدا. والتاريخ يعلمنا أن هذه الأنظمة لا تستمر، وأن الشعب متى ما قام ضدها فهي إلى زوال سريع. وسيكون قريبا نظام بشار الأسد مادة تدرس في كيفية أن لا تحكم شعوبك. سيرحل بشار الأسد ونظامه غير مأسوف عليه أبدا، وسيلقى هذا الخبر قدرا من الفرح لا يمكن قياسه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى السادة لافروف وكلينتون و(كيري): لن يلوي أحد ذراع الشعب السوري بعد اليوم، ولا سبيل أمام آل الأسد إلا الرحيل !

وليد جداع

المشرف على الحركة الدستورية السورية

الحركة الدستورية السورية 2012-12-26

سوف نفترض حسن النية كاملا في السيدين لافروف وكلينتون وزيري خارجية روسيا وأمريكا (والسيد كيري اليوم)، ونفترض أن خطتهما أو توافقهما الذي حمله معه السيد الأخضر الإبراهيمي إلى الأسد، كان بقصد وقف العنف في سورية والوصول إلى حل سياسي ، وأن هذا الحل كما ورد في كل المصادر يتضمن بقاء الأسد شكليا أو حقيقة لأشهر قادمة أو حتى عام 2014، حيث لن يحق له الترشح إلى رئاسة سورية حينها ....وسوف نفترض أن مستشاري هذين الوزيرين قد اهتديا ، بعد قرابة سنتين من الدم النازف في سورية ، إلى أن وقف هذا النزيف لن يتحقق إلا بحل سياسي يبقي على الأسد لفترة مؤقتة ويبقي على بنية الجيش السوري-النظامي- ويحافظ على أجهزة الدولة، خوفا من الانفلات أوالحرب الأهلية أو الطائفية، ويمنع تمدد الحالة السورية إلى دول الجوار. نفترض حسن النية وسلامة المقصد –وهو ما لادليل إلا على نقيضه حتى اليوم- وأن هذا الحل المفترض مبني على تحليل من مستشارين وخبراء من البلدين، انتهوا إلى ما انتهوا إليه. ولكننا كمواطنين سوريين، نعيش حالتنا السورية يوميا : نقتل أمام أفران الخبز بالقذائف الروسية، ويموت أطفالنا من البرد في مخيمات تبكي الحجر والبشر.ويتشرد ملاييننا في أرجاء الأرض، لا يسترهم إلا السماء في بعض الأحيان! ونحن الذين ذقنا مظالم دكتاتورية امتدت عقودا، عشنا مفرداتها ومصائبها كل لحظة وساعة...نحن نعرف ما الحل الحقيقي، وماالذي قد يخيف الآخرين أو ربما يقلقهم،كما يزعمون!

سوف نقول بالفم الملآن: إنه لامكان لبشار الأسد وأي من أركان نظامه الفعليين في سورية بعد اليوم، وإنه لا سبيل إلى الصفح عن جرائمهم بحق الشعب السوري بأي حال من الأحوال. وإن القضاء العادل النزيه والمحاكمات العلنية الشفافة ، هي من يجب أن يقرر مصيرهم، لا السيد لافروف ولا السيدة كلينتون ولا السيد كيري ولا أي إنسان آخر على وجه الأرض. ونحن نستغرب فعلا هذا الإلحاح على وجود الأسد -حتى شكليا- في موقع الرئاسة، لأن هذا الطاغية مسؤول مباشرة عن كل قطرة دم جرت في سورية. فهو أول من أعطى الأوامر بالقتل في سورية، بدءا من قتل أطفال درعا، إلى قتل الناشطين السلميين وقادة التظاهرات في كل أرجاء سورية، إلى قصف الشعب السوري بالبراميل الحارقة وصواريخ سكود، وربما الغازات السامة مؤخرا، إن توثقت التقارير. هل أكثر عبثا واستهتارا وامتهانا للشعور الإنساني وللعدالة المحضة، من أن يطلب من الشعب السوري أن يقبل بوجود هذه الطاغية آمنا من العقاب، بل أن يبقى هو هو رئيسا على الشعب السوري ، ولو بصورة كاريكاتورية!

وسوف نقول بكل صراحة ووضوح، متجاوزين المداورة والدبلوماسية : إنه إذا كان المجتمع الدولي يخاف من حال انتقامية تطال المواطنين العلويين خاصة، بعد رحيل الأسد، فإن الرد الجازم الحاسم على هذا التخوف هو أن الشعب السوري فقط هو ضمانة العلويين والسنة والمسيحيين وكل فئات الشعب السوري وطوائفه ومذاهبه وتنوعاته، لا الأسد ولا الشرق ولا الغرب! الشعب السوري هو ضمانة كل مواطن ومواطنة مهما كان دينه ومعتقده ومذهبه. وهذا الشعب السوري، لم يقم بثورته العظيمة ليعاقب طائفة أو عرقا أو مذهبا، وما كان شعاره من اليوم الأول إلا: أن الشعب السوري واحد موحد. وأن لا مكان لفرقة أو تمييز بين فئات هذا الشعب.. إن المواطنين السوريين هم الضامنون الحقيقيون للطوائف العلوية والسنية والمسيحية وكل مجموعة وفئة ومذهب، وإذا لم يستطع الشعب السوري ان يقوم بهذا الدور -وهو سيقوم به فعلا- فلن يقوم بهذا الأمر السيد لافروف ولا السيدة كلينتون ولا أي كائن على وجه الأرض.

بل نحن نقول بكلمات مباشرة حاسمة : إن حافظ الأسد باني هذا النظام الآثم ومؤسسه، هو من قتل زملاءه العلويين في السلطة وسجنهم كما فعل ذلك بغير العلويين . ولم يقف في وجه مشروعه السلطوي الدكتاتوري علوي ولا سني ولا عربي ولا كردي، ولا صغير ولا كبير إلا سحقه ونال منه قدر معارضة هذا الإنسان لمشروع الأسد السلطوي! وإذا كان الأمريكيون والروس لا يذكرون أو يعرفون-وهم يذكرون حقا ويعرفون-فإننا نحن نعرف أن حافظ الأسد هو من قتل (العلوي) محمد عمران في لبنان ، وهو من قتل (الدرزي) كمال جنبلاط ،وهو من قتل (السني) الشيخ صبحي الصالح، في لبنان أيضا. وحافظ الأسد هو من احتفظ في السجن بزملائه العلويين والسنة والإسماعيليين وكل المذاهب. وهو من وضع الراحلين صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين وغيرهم وغيرهم، من عشرات آلاف السوريين من كل المذاهب والأعراق والملل في السجون.

وبشار الأسد اليوم، وارث السلطة والقوة والقتل وسفك الدماء، هو من يقتل ويصفي ويسجن ويعذب بإشراف مباشر وتعليمات شخصية مباشرة، لا يفرق بين علوي وسني ومسيحي ومسلم..إنه هو عدو الشعب السوري، لا من يضمن أحدا على الإطلاق.

ونحن أيضا نعلم أن أي جهة سورية معتبرة، لم تطلب ضمانا من السادة الأمريكان أو الروس أو الأمم المتحدة أوالمجتمع الدولي، خوفا من تحولات قادمة في سورية أو تخوفا من وصول إسلاميين أو غيرهم إلى السلطة في سورية. إن السوري السني والعلوي والمسيحي والكردي والعربي والتركماني وكل سوري آخر، يعرف أن لا مشكلة دينية أو مذهبية أو عرقية في سورية، إلا ما هو تنوع موجود في جميع المجتمعات والدول والأمم في أرجاء الأرض. وإن حقيقة المشكلة في سورية منذ استلام حزب البعث ومن يقف خلفه من قوى التسلط، سياسية بحتة تتعلق بالهيمنة السياسية القمعية وحكم الفرد والعائلة والعصابات والمافيات!

هذا لا يعني أن في سورية شعبا من الملائكة والأطهار والأخيار ، لا شياطين بينهم ولا متطرفين ولا متعدين على حقوق الآخرين، أو حاملين لعقد التاريخ والماضي وأوهام الغلبة والقهر والاستئثار..وأننا لا ينبغي أن نواجه بموضوعية وبصرامة دستورية وقانونية، أي تعديات محتملة على الأنفس والأموال والحقوق ، بسبب بواعث عرقية أو مذهبية أو طائفية. لكن حل المشكلات ضمن أطرها الوطنية والموضوعية ، وفي أجواء من الحرية والانفتاح والتسامح، أمر يختلف تماما عن الترهيب بها والتخويف منها واعتبارها مسوغا للظلم والقهر والدكتاتوريات.

ونحن نقول كما يقول كل مواطن سوري: الخوف على (الأقليات السورية) اليوم ، في مسار الشعب السوري نحو التخلص من نظام القتلة في دمشق، خوف متوهم ،ومخترع، ومفترض. وهو خوف ينشر ويبشر به، ليس لواقع يسنده بل لأغراض مريبة وغير واضحة- وربما واضحة!- وإذا كان الآخرون يريدون أن يتستروا به من أجل أن يبقى الأسد في السلطة أو تستمر عملية التدمير والقتل وسحق إرادة الشعب السوري، فإننا نرى أن الشعب السوري قد شب عن الطوق منذ بعيد، وأن لا إرادة إقليمية أو دولية تستطيع لي ذراعه والانتقاص من إصراره على نيل حريته.

نحن نبكي على كل قطرة دم سالت وتسيل في سورية. ونحزن على كل مصاب وجريح ، ولا نكف عن العمل من أجل تخفيف آلام المهاجرين والنازحين من أهلنا وأشقائنا وأخواتنا وبناتنا وأمهاتنا . ولكن أمرا ينبغي أن يقال بكل إصرار : إذا كانت الإرادة الدولية الدولية اليوم تتلخص في أن يبقى الشعب السوري ينزف من أجل أن لا ينال حريته، فإن هذا الشعب العظيم سيقاوم هذه المؤامرات ويدفع الثمن المطلوب مهما كان غاليا من أجل حريته وكرامته.

وللسيد الأخضر الإبراهيمي ، الذي قدمت بلاده مليون شهيد للحصول على الاستقلال من الاحتلال الفرنسي أن يبلغ من وراءه، أن الشعب السوري، شقيق الشعب الجزائري ، لن يبخل بالثمن اللازم لنيل الحرية من الاستعمار الأسدي، كما فعل الشقيق الجزائري!

على بشار الأسد الرحيل، وسيطالب الشعب السوري بالقصاص منه حتى إن رحل، لأن سفك الدماء على شاكلة ما فعله هذا الطاغية إجرام بحق الإنسانية كلها وليس بحق الشعب السوري فقط، وينبغي أن تناله يد الحق والعدالة أينما حل وذهب. وعلى المجتمع الدولي إن كان يريد مصلحة الشعب السوري وطوائفه وأقلياته وأعراقه ومذاهبه، أن يسلك السلوك الواضح للوصول إلى هذا الهدف: مساعدة الشعب السوري على الوصول إلى أهدافه المشروعة في الحرية والكرامة، وعدم الوقوف في وجهه لتحقيق هذا الهدف.

وللسيد الإبراهيمي أن يبلغ مجلس الأمن والقوى النافذة أن التاريخ لا يرحم، وأن ما هو مستور اليوم ستكشفه قادمات الأيام، وأن الشعب السوري سينتصر بإذن الله، وعندئذ سيتبين الصديق من العدو، وسيعلم الشعب السوري بكل التفصيلات: من قدم للأسد المال ليمول آلة القتل، ومن قدم للسفاح القنابل العنقودية ليحرق بها أطفال سورية ، ومن تستر على النظام ودافع عنه في المحافل العربية والدولية، ولم يفضح جرائمه ومخازيه.

الشعب السوري ماض في طريقه نحو الحرية، وسيذهب الأسد وبوتين ولافروف وخامنئي وحسن نصر الله وكل من وقف علانية ضد الشعب السوري وعاداه وخاصمه، وسيذهب أيضا من لعب على الحبال وتآمر بليل أو نهار، وقدم خدماته الخفية للنظام.

انتصرت تونس ومصر وليبيا واليمن، وستنتصر سورية بإذن الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية إذ تُسقط أسطورة الثورة الفرنسية

منذر عيد الزملكاني

الشرق الاوسط

27-12-2012

إن المتأمل في الثورة السورية منذ اليوم الأول وكيفية تطورها، ومستوى التحديات التي واجهتها، وكيف أنها تغلبت على كل محاولات إجهاضها، لا بد أن يعتبرها أسطورة الثورات العالمية بأجمعها، بل أسطورة العالم الحديث. فإذا كانت الثورة الفرنسية قد صنفها العلماء بأنها أهم الثورات الأربع الكبرى في العالم (الإنجليزية، الأميركية، الفرنسية، الروسية) حسب الترتيب الزمني، فإنه يكفي أن نعقد مقارنة علمية بسيطة بين الثورة السورية وبين الثورة الفرنسية لنصل إلى نتيجة مفادها أن الثورة السورية هي أعظم من كل تلك الثورات بأجمعها.

توجد حالة مشتركة إلى حد كبير بين آل الأسد في سوريا والملك الفرنسي لويس السادس عشر، وهي السيطرة على الدولة، فقد قالها يوما جده الأكبر الملك لويس الرابع عشر: «أنا الملك.. أنا الدولة»، مع الأخذ بعين الاعتبار أن قبضة آل الأسد على الدولة كانت أشد وطأة، ولم تكن أبدا لمصلحة البلاد، وإنما لمصلحة قوى إقليمية عدو للشعب السوري والتاريخ السوري والحضارة العربية.

من ناحية ثانية، لقد كانت علاقة الملك الفرنسي لويس السادس عشر بشعبه ورعيته منذ أكثر من مائتي سنة أرقى وأعظم حضارة من تعامل آل الأسد مع الشعب السوري. يقول أليكس دي توكفيل: «كان الملك يستخدم لغة السيد، لكن في الحقيقية هو كان دائما يذعن للرأي العام ويستأنس به في إدارة الشؤون اليومية، وقد جعل أهمية كبرى لاستشارتهم والخوف منهم والانحناء لهم بثبات».

ودون الخوض طويلا في أسباب الثورة الفرنسية والثورات الكبرى الأخرى، فإنه يكفي أن نورد ما قاله جيمس ديفيز بأن «الثورة الأميركية والثورة الفرنسية والثورة الروسية لم تقم بسبب استمرارية وقساوة شظف العيش عند الناس. بل كان السبب انحدارا اقتصاديا واجتماعيا حادا ومفاجئا أحبط الآمال والتوقعات التي كانت معقودة على التقدم». إذن، فالثورة كانت بسبب الانتقال من حالة جيدة إلى حالة سيئة بشكل حاد ومفاجئ، لا كما هو عليه الحال في بلادنا التي لم تشهد حالة جيدة قط منذ عقود.

يقول روبرت بالمر: «الفلاحون والبورجوازيون كانوا في حرب ضد عدو واحد، وهذا ما جعل الثورة الفرنسية ممكنة». إذن لقد تحالف البورجوازيون مع الفلاحين ضد الملك في فرنسا، فهي لم تكن ثورة من فوق ولا ثورة من تحت، بل كانت ثورة من فوق وتحت في آن واحد، اجتمعت مصالحهما جميعا للتخلص من الملك وزمرته. صموئيل هانتغتون يعمم هذه الحالة فيقول بأن «توفر هذا الشرط هو ما يجعل أي ثورة ممكنة». ويضع شروطا لكل ثورة في أي بلد عصري وهي «أولا: المدى الذي تكون فيه الطبقة الوسطى في المدينة وطبقة المفكرين والأدباء والمهنيين والبورجوازيين مهمشين ومبعدين من قبل النظام القائم. ثانيا: المدى الذي تكون فيه طبقة الفلاحين مهمشة ومستبعدة من قبل النظام القائم. ثالثا: مدى تجمع الطبقة الوسطى في المدينة والمفكرين مع طبقة الفلاحين معا، ليس من أجل القتال ضد العدو الواحد فحسب، بل أيضا من أجل قضية واحدة، وعادة ما تكون الوطن أو الأمة».

وبغض النظر عن تصنيف صموئيل هانتغتون للطبقات في قيام الثورة، إلا أنه في الحالة السورية كان الوطن في عين وقلب الثوار فقط، أما الآخرون فكانوا وراء مصالحهم في سوريا، الثورة كانت من تحت فقط، بمعنى أن طبقة الأغنياء لم تشارك في الثورة، بل على العكس اصطفت إلى وقت طويل من عمر الثورة إلى جانب النظام وقاتلت في خندقه، ولا يخلو طبعا من بعض الاستثناءات الفردية التي لا يعتد بها في تغيير النظرة العامة. وحتى هذه اللحظة لا يمكن اعتبار الطبقة البورجوازية مع الثورة، فهي ما زالت ملتزمة الحياد، ومنها ما سارع إلى الفرار من الساحة والتفرج عن بعد كالذي يشاهد مباراة بين فريقين بانتظار فوز أحدهما ويبقى الوطن آخر ما يفكرون به.

فالآية انعكست في حالة الثورة السورية، وهي أن الثوار كانوا هم العدو الأوحد بالنسبة للنظام وللبورجوازيين. وهذا أول اختلاف كبير بين الثورة السورية والثورة الفرنسية، مما يجعها أكثر تعقيدا وأشد صعوبة في مسارها. وهذا الاختلاف في الحقيقة ليس حكرا على الثورة السورية، بل تشترك فيه أغلب ثورات الربيع العربي، لكن الاختلاف الكبير الذي يميز الثورة السورية وحدها من ضمن ثورات الربيع العربي عن الثورة الفرنسية هو استخدام القوة المفرطة لقمع الثورة. يقول كرين برنتن، أحد كبار مؤرخي الثورة الفرنسية: «إن لويس السادس عشر كان لديه في عام 1789 قوات مسلحة يثق بها. كان لديه قوات حراسة ومرتزقة من الألمان والسويسريين، وكان السويسريون مستعدين للموت في سبيله ومن أجل واجبهم. كان لديه من هم الأقوياء الأمناء ممن يستطيع الاعتماد عليهم، لكنه في هذه اللحظة الحاسمة فشل هو وخصمه في استخدام العسكرة. ومنهم من يقول بأنه لم يحاول استخدامها. وهنا تأتي النقطة الهامة جدا، وهي أن الملك الفرنسي هو الذي أعرض عن استخدام القوة، لكن في الثورة السورية كانت الحالة على العكس تماما، فالنظام هو الذي لجأ إلى القوة ضد خصمه منذ اللحظة الأولى ودفع من عنده من مرتزقة إيرانيين ولبنانيين وعراقيين وروس للقتال معه أو الاستعانة بخبراتهم ضد الشعب. بل يمكن القول بأن القوة التي استخدمها النظام في سوريا قوة غير مسبوقة لم تشاهد حتى في الحروب التقليدية. والحرب ضد الشعب السوري لم تقتصر فقط على القتل والاعتقال والتهجير، بل تعداها إلى التجويع والموت بردا من قبل النظام أو من قبل حلفائه وبعض المسمين زورا وبهتانا بأصدقاء الشعب السوري.

إن مهاجمة الشعب بصواريخ «سكود» أمر لا يمكن إلا أن يقف المرء عنده متأملا ليس الوحشية بذاتها، بل متأملا انعدام الحدود في الوحشية، وكيف أن الوحشية المستخدمة من قبل النظام مرتبطة بشبكة مصالح دولية وإقليمية هدفها الأول والأخير هو ضرب سوريا بالسوريين، والخروج ببلد ليس فقط يعاني بنيويا واقتصاديا، بل يعاني اجتماعيا أكثر من خلال الفتك بأهله والتسبب بإعاقات جسدية دائمة لا تقوى على البناء، لأن قوة البلد بأبنائها أولا وأخيرا.

علاوة على ذلك، فإن البينة الطائفية والعرقية المتنافرة المصالح في سوريا وفي دول الجوار أيضا، وضعت الثورة السورية في حالة شد وشد مضاد، مما شكل عبئا كبيرا عليها لم يكن له مثيل في حالة الثورة الفرنسية.

إن استمرار الثورة السورية رغم التدخل الدولي فيها لصالح النظام السوري سرا وعلانية، يعتبر أيضا مميزا عن الثورة الفرنسية التي حدثت في زمن كانت الشعوب تستطيع فيه التحكم بمصائرها إلى حد بعيد. فنحن نعيش اليوم في عالم لا يمكن أن يسمح لنا بتحرير أنفسنا ولا التحكم بمصيرنا ولا رسم مستقبلنا، لأن حريتنا تعني بداية الخطر عليهم.

ويقول الدكتور برهان غليون في كتابه «الدولة ضد الأمة»: «ينبغي أن نذكر بالأثر الحاسم لمسار تدويل المصير الوطني، أو إذا شئنا تعويم الدول الصغيرة الناجم عن تطور الاستراتيجية العالمية وحرمان هذه الدول موضوعيا من أي قدرة على التحكم بمصيرها المادي أو الثقافي». وهذا العامل يقودنا إلى عامل آخر، وهو عواقب الثورة السورية وتداعياتها الإقليمية والدولية انطلاقا من اعتقاد جون ضن بأن «الثورة هي ليست فقط إسقاط النظام». فكما أن الثورة الفرنسية أحدثت تغييرا عالميا كبيرا، فالثورة السورية بعد أن بدأت مطالبة بالحرية والكرامة تحولت لتطالب بإسقاط النظام، لكنها اليوم تحمل في طياتها إسقاطا لمشاريع إقليمية ودولية خطيرة جدا، ليس آخرها تهديد مكتسبات الحلف الأميركي - الإيراني في المنطقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأزق يتحدى الإسلاميين؟!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

2-1-2013

سيدرس الباحثون السياسيون من الآن فصاعدا ما يبدو جليا من تهالك سريع يحل بالإسلام الإخواني، الذي بدأ صعوده في نهاية عشرينات القرن الماضي، وصمد أمام محن وتحديات كثيرة وصعبة استمرت ثلاثة أرباع القرن ونيفا، لم تفلح في كسر شوكته أو قهر إرادته، بينما ظل بمنأى عن الفشل الذي حل أثناء هذه الفترة بالمدارس السياسية الكبرى من قومية وشيوعية وليبرالية، وغدا بديلا مرجحا للأمر القائم، وزاد من صدقيته وعود قطعها على نفسه بالتكيف مع متطلبات الديمقراطية كبديل تطلعت إليه شعوب قهرها الاستبداد وعطل تقدمها وأهان كرامتها، وحين هبت لإسقاط حكامها قدم الإسلام الإخواني نفسه كخيار شعبي لم يتلوث بأوساخ سياسات ذاق العرب منها الأمرين خلال نصف قرن ونيف، تعرضوا خلالها لضروب شتى من الويلات، مع أنها ما أن خرجت من حقبة استعمارية مديدة حتى سقطت بين أيدي طغاة داخليين حكموها بأساليب لا تختلف كثيرا عن أساليب الاستعمار، إن لم تكن أشد سوءا منها، في أحوال وبلدان كثيرة.

رغم ذلك، فإن من يراقب ما يجري في مصر وليبيا وتونس يستغرب سرعة اندفاع الإسلام السياسي نحو مآزق متنوعة أهمها قاطبة علاقته بالديمقراطية، أي بروح عصر جديد ومختلف تريد بلوغه كشعوب تريد مبارحة زمن الاستبداد ومصائبه، وما يترتب على نظامها من علاقة بين الحكام والبشر العاديين، الذين أثبتوا في ليبيا ومصر أنهم ليسوا مجرد آلات آيديولوجية تسيرها كلمات أو شعارات براقة يطلقها الإسلاميون نحوها فتذهب طائعة إلى حيث يبغون، وها هم مواطنو تونس يطلقون حركة احتجاجات تضع الإسلاميين في مواجهة الحاجة إلى برنامج اجتماعي شامل يفتقرون إليه، ليبتعدوا في البلدان الثلاثة عن الحراك الشعبي، الذي توهموا أن الشعب أطلقه ليمكنهم من حكمه جماعة وأشخاصا، ولم يقدم تضحياته من أجل نيل الحرية، التي سيضع التلاعب بها كتلته الكبرى في مواجهة من ينتهكونها أو يسعون إلى إقصائها عن الحياة العامة، كما يظهر من احتجاجات مصر الواسعة ضد وثيقة الرئيس مرسي الدستورية، الذي نسي واقعة أنه نجح في الوصول إلى سدة الرئاسة بأصوات هؤلاء الذين نزلوا ضده إلى الشارع، وإلا لكان هزم أمام «مرشح الفلول» الفريق أحمد شفيق، فهو لم يكن خيارهم الحقيقي بل أفضل حل سيئ، ولو كان هناك أي مرشح آخر غير شفيق لكانوا أسقطوا مرسي.

واجه الإسلاميون مشكلات لم يحسبوا لها حسابا، لأنها لا تدخل في منظومتهم الآيديولوجية والسياسية، فقد تبنوا لغة أوحت أنهم مع خيار الديمقراطية، لكنهم ما لبثوا أن تخلوا عنها بمجرد أن سقط مبارك، حين أعلنوا الشريعة مرجعية لدولتهم المدنية، مؤكدين بذلك أنهم لم يغيروا شيئا من خياراتهم، ويضعون الديمقراطية في خدمة هدف آيديولوجي حزبي خاص وضيق، بدل أن يخضعوا آيديولوجيتهم للديمقراطية ويعيدوا إنتاجها بدلالتها وانطلاقا منها. بما أن الشعب ثار في غالبيته العظمى من أجل الحرية والديمقراطية، فإن خطوة الإسلاميين جوبهت برفض قطاعات كبيرة منه، بما في ذلك فقراء مواطنيه، مثلما يفهم من أحاديث المصريين الذين كانوا قد أعطوا أصواتهم للجماعة وحزبها في انتخابات مجلس الشعب، لكنهم انقلبوا عليها وانتقدوها عقب انتخابات الرئاسة بعبارات لا تختلف عن تلك التي كانت قد استخدمت قبل أشهر قليلة ضد نظام مبارك، فالإخوان محبون للسلطة، ولا يفكرون بغير مصالحهم الضيقة، وليسوا ديمقراطيين أو أنصارا للحرية، ومن الضروري إدانتهم لأنهم تخلوا عن وعودهم البراقة، التي تبين أنها كاذبة من ألفها إلى يائها، وعديمة الصلة بالزمن الجديد، ما بعد الحزبي والفئوي، زمن المجتمعية المفتوحة على خيارات لا ينتمي أي منها إلى المنظومة الآيديولوجية أو السياسية، التي يتبناها الإخوان.

هذه الهوة بين الإسلاميين والجمهور تبدو بأوضح صورها في بعض نصوص الوثيقة الدستورية، التي تحول رئيس جمهورية منتخب من الشعب إلى مرشد معصوم يضع نفسه فوق الدولة والبشر، لا يحق لجهة الاعتراض على قراراته ومواقفه، كما تبدو في الطريقة التي رد بها الإخوانيون على الحراك الشعبي ضد خطوة مرسي، التي استنسخت طريقة نظام مبارك وأي نظام مخابراتي آخر، فالذين احتجوا متآمرين قبضوا أموالا من الخارج، وتورطوا في أعمال معادية لمصر مجافية لمصالحها، وهم حثالة لا شأن ولا قيمة لها، استخدموا العنف ضد السلطات والمواطنين وقتلوا الأبرياء، إلى آخر هذه الأسطوانة المشروخة التي مل العرب سماعها في مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن.

الغريب أن هذا الابتعاد عن الإسلاميين تم بسرعة لم تكن تخطر ببال أحد، فقد حدث خلال أقل من عام، ورغم أنهم وصلوا إلى السلطة في بلدين مهمين من بلدان الربيع العربي هما تونس ومصر، ولم يتعرضوا لأي عزل أو أي ملاحقات واضطهادات، وسيطروا على جزء لا بأس به من أجهزة الدولة ووسائل الإعلام والمساجد. في هذه المدة القصيرة، أثبت الإسلاميون أنهم، رغم خبرتهم القديمة وكثرة زعاماتهم، يفتقرون إلى رجال دولة بالمعنى الحقيقي، يعرفون ما الذي سيحل محل الدولة القائمة، إن تمت صبغها بصبغة إسلامية، ويدركون أن ما يريدونه هو ضرب من الاستحالة، لأن إدارتهم للدولة لا يجعل منها دولة إسلامية، وأن من يريد جعلها كذلك يلغيها دون أن يضع مكانها بديلا غير الفوضى، التي تنتشر مقدماتها اليوم في أرض الكنانة، حيث يخبط الإسلاميون خبط عشواء، في تأكيد يومي لعجزهم عن التعامل مع الدولة كأداة فائقة الخصوصية والحساسية، تفقد طابعها كمؤسسة عامة وشاملة ومجردة إن احتلها حزب، أو خضعت لقلة.

استمرت التجربة القومية قرابة نصف قرن، قبل أن تفشل وتسقط بسبب عدائها للديمقراطية. وفقدت الليبرالية فرصتها كمدرسة سياسية بسبب اعتقاد أغلبية العرب بأنها أتت إليهم على جناح الاستعمار. وسقطت الشيوعية في بلداننا بسقوطها في الاتحاد السوفياتي، الذي نجم أساسا عن طابعها اللاديمقراطي. وكان بديل الإسلام الإسلامي وعدا جديا بكل معنى الكلمة، بعد فشل جميع ما مررنا به من تجارب ومدارس سياسية، لكن ارتطامه بالوعد الديمقراطي وتعارضه معه يهدد بجعل إفلاسه السريع حتميا، وبوضع نهاية لدور تاريخي طويل كان يمكن أن يقوم به، ليكون أول مدرسة سياسية عربية تفشل في الاحتفاظ بالسلطة، وينقسم المجتمع حولها بعمق وقوة، بعد قليل من وصولها إليها.

لن ينجو الإسلام السياسي إذا لم يكن ديمقراطيا. ولن يكون ديمقراطيا إذا لم ينزع عنه هويته كجهة مذهبية وفئوية تعمل في شأن عام لا يقبل المذهبية والفئوية، وما لم يتخلص بإرادته مما تفرضه عليه من هيكليات وأبنية. هل الإسلام السياسي مؤهل لذلك وقادر عليه، أم أنه سيقبل تحوله إلى جزء من مأزق العرب التاريخي، وسيكتفي من الأدوار بالتعايش معه، وإدارة أزمته في حاضنته؟ هذا هو السؤال الذي لا بد أن يجيب عليه في البلدان التي وصل إلى الحكم فيها، وفي تلك التي يرشح نفسه للاستيلاء على حكمها، فهل يستطيع؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق بلا بشار.. ومخاوف القاهرة

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

1-1-2013

ماذا لو مضى العام الثالث وخابت توقعاتنا، وصمد بشار الأسد في دمشق رئيسا؟

هنا، ليس لنا من مفر سوى إما أن نعتذر، أو نعتزل، أو أن ندفع ثمنا للقراءة الخاطئة. ومع أنني كنت حذرا بعدم التنبؤ بتواريخ محددة، لكن كل المعطيات تؤكد أن نظام الأسد لن يعمر طويلا، والتوقع الوحيد الذي اطمأننت إليه الاعتقاد بأنه قد يسقط في نهاية العام الثاني. وهو نفس الاستنتاج الذي سمعته مبكرا من أشخاص أكثر معرفة مثل سمير جعجع، قائد «القوات اللبنانية» الذي قدر منذ عام ونصف، أي منذ أن تخلت المعارضة عن المظاهرات السلمية، أن إسقاط الأسد حتمي، لكن سيستغرق نحو عامين. وهو لا يزال في الزمن التقديري الصحيح.

والمنشغلون في الشأن السوري، سواء الذين يديرون المعارضة، أو يمولونهم، يقولون إن النظام بات مهترئا ويتهاوى، ولا بد أن يسقط خلال شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، أو فبراير (شباط) المقبل. طال عمره، ليس بسالة من الأسد أو قواته، ولو أن الأزمة السورية سارت على نفس خطى ليبيا، كان النظام وراءنا تاريخا من أكثر من عام، لكن الدول الكبرى شاءت ألا تتدخل لأسباب مفهومة، بينها حسابات إسرائيل وأمنها الإقليمي، والتخوف من حرب أهلية، والخوف من الجماعات الجهادية التي تعيث فسادا اليوم في ليبيا وتهدد تونس، ومن بين الأسباب شخصية الرئيس باراك أوباما الذي يتحاشى المغامرات الخارجية. ثم لا ننسى أن الإيرانيين والروس ألقوا كل ثقلهم وراء الأسد بشكل لا مثيل له. مع هذا، ورغم المؤامرات على الثورة السورية، ما تبقى من عمر الأسد في الحكم قصير، لأن السوريين زاد تصميمهم ولم يهن، مع وحشية القصف والمجازر، بخلاف ما كان الأسد يحاول فعله الذي تبنى استراتيجية الخوف والردع ضد مواطنيه.

سيكون عامنا الجديد حاسما، بلا أسد، لكن منطقتنا لا تزال تعيش مخاطر تبعات ثورات عام 2011. مصر ما زالت في مخاضها، مهددة بسنة حبلى بالمخاطر السياسية والاقتصادية ما لم يحسن «الإخوان» إدارة الحكم، ويتخلوا عن مشروع الهيمنة الذي باشروا تنفيذه مبكرا، بالاستيلاء على القضاء واستئثارهم بكتابة الدستور والمجالس النيابية، وإقصاء شركاء الثورة. لن يفيدهم افتعال معارك حول عودة اليهود المصريين، أو استخدام حماس لإثارة الغبار وافتعال بطولات. إن تدهور سعر الجنيه المصري أعظم خطرا على رئاسة محمد مرسي من إسرائيل والمعارضة، ولن يمضي العام بسلام إلا إذا قبل «الإخوان» بنظام ديمقراطي حقيقي كما حلف الرئيس اليمين على احترامه. من دونها، ستدخل مصر في مخاطر اقتصادية، وفوضى سياسية، وقد نرى دبابات الجيش في ميدان التحرير مع الثورة الجديدة ويعود المجلس العسكري ليحكم من جديد.

إيران لغز يصعب علينا فكه، لأنها بعد خسارة سوريا وفقدان نصف مداخيلها من مبيعات النفط نتيجة العقوبات الغربية، قد تضطر لعقد هدنة تجمد بموجبها مشروعها النووي، وهنا ستكون مشكلة أكبر لدول الخليج، التي تواجه خطرا مضاعفا مع تحول حكومة المالكي إلى نظام صريح في تبعيته لإيران.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدراما السورية: حرمان السوريين من النصر العسكري

غسان الامام

الشرق الاوسط

1-1-2013

أميركا في إجازة. باراك أوباما مشغول بهندسة صورة تذكارية لإنجازاته المتواضعة في ولايته الأولى. هؤلاء الأميركيون متسامحون. انتخبوه ثانية. وينتظرون منه أن يقول ما لا يستطيع أن يفعل، في ولايته الثانية.

أوروبا تتثاءب عندما تغفو أميركا. تركيا سحبت مسلسل «مهند ونور» من التداول العربي. أطفأت التلفزيون. فهي تنام عندما تتعطل لغة الكلام في أميركا وأوروبا. حتى الخليج الذي يسهر عادة مع الدراما السورية صمت، لكن بعيون مفتوحة. فقد تابع المخضرم الأخضر الإبراهيمي مخرج مسلسل «باب الحارة» الذي أنتجته روسيا. وعرضته في الأسبوعين الأخيرين. ودار حول إبقاء بشار في الحارة. وحرمان السوريين من نصرهم العسكري.

صحا المخرج الأخضر (79 سنة) من غفوته. وأعاد طرح حكاية «الحوار التفاوضي» حلا للدراما السورية، بسيناريو روسي جديد. لكن بشار (بطل المسلسل) أبلغ المخرج بأنه يرفض الحوار مع ثوار باب الحارة. ويصر على تحقيق «نصره» عليهم.

بعد 45 ألف شهيد سوري، يقول الإبراهيمي إنه «تشرف» بمقابلة «الرئيس بشار». ويبدو أن اللقاء لم يكن ناجحا. فقد أوفد بشار الدبلوماسي المفضل لديه فيصل مقداد، إلى موسكو، ليبلغها احتجاجه حول زعم الأخضر، بأنها موافقة على تنحيه. وعلى تشكيل حكومة انتقالية من النظام والثوار، مع صلاحيات تنفيذية كاملة.

ويبدو أن المقداد نقل أيضا إلى موسكو رفض بشار التنحي، بعد نحو سنتين (منتصف عام 2014). والدستور السوري الجديد فيه مادة تمنحه «حق» الترشح في العام المذكور. ومرة رابعة «2021». ومن ثم، فهو مصمم على متابعة القتال «حتى النصر» والقضاء على الثورة.

في محاولة لإنقاذ الخطة الروسية التي يخرجها الإبراهيمي، عادت موسكو إلى موقفها السابق. فاعتذرت ضمنا لبشار. وقالت إن الخطة تستند إلى قرارات مؤتمر جنيف (30 يونيو «حزيران» الماضي) التي تدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية، من دون أية إشارة إلى وضع بشار.

وهكذا، بات واضحا أن الإبراهيمي أنهى دوره بنفسه. فلم يعد يملك ثقة بشار. ولا هو يملك موافقة فصائل المعارضة المسلحة والسياسية، على التفاوض مع النظام، إذا لم يغادر بشار منصبه. بل رفض معاذ الخطيب شيخ الائتلاف (أكبر فصائل المعارضة السياسية)، تلبية دعوة روسية لزيارة موسكو، وطالبها بإدانة مجازر النظام.

ومضى الروس في تراجعهم، إلى درجة نفي حكاية الموافقة الروسية/ الأميركية المشتركة، على تشكيل حكومة انتقالية، حسب قرارات جنيف. وكانت حكاية الموافقة المشتركة من تأليف الأخضر الإبراهيمي. وما زال مصرا عليها. روسيا لم تفقد الأمل.

ما زالت تقول إن بالإمكان رتق الفتق، ربما للتغطية على إخفاقها إلى الآن في تحقيق أي تقدم.

تلك هي الملابسات المعقدة لمسلسل «باب الحارة» الجديد. ولم يبق أمام موسكو سوى عشرين يوما، لتحقيق «معجزة» جمع الفرقاء حول المائدة، أملا في فرض «حل تفاوضي». فستعود أميركا من إجازتها. وربما لن تترك روسيا وحدها في إدارة الأزمة السورية.

غباء بشار، في رفض الحوار مع المعارضة، أحبط ذكاء روسيا في محاولة إنقاذه، والحفاظ على دور له في «الحل التفاوضي». بعد الهزائم العسكرية التي مني بها. وبمعنى آخر، فقد أخفقت موسكو في حرمان الثورة السورية، من استكمال نصرها الميداني. فقد تجاوزت المعارضة السياسية والمسلحة مرحلة التفاوض مع الأسد، ولا سيما أنه هو الذي تراجع عن دعوته لها إلى الحوار.

أود هنا أن أتناول موقف فصيل سياسي داخلي ما زال موافقا على التفاوض مع نظام بشار، للوصول معه إلى حل يجنب سوريا «التدخل الخارجي». هذا الفصيل هو ما يعرف اختصارا بـ«هيئة التنسيق» التي يرأسها المحامي حسن عبد العظيم الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي.

سبق لي أن سجلت اعتراضي هنا، على قصف معارضين له بالبيض والبندورة، عندما زار القاهرة بدعوة من الجامعة العربية. وقلت إن المعارضة التي ترفض موقفه المتسامح مع النظام، لا تملك حق الاعتداء عليه، وإهانته في عاصمة أكبر دولة عربية.

هذا الحرص على كرامة حسن عبد العظيم لا يمنع من تخطئة مقولات، ما زال يحتفظ بها منذ عهد الدكتور جمال الأتاسي مؤسس تنظيم الاتحاد الاشتراكي. وعندما سرب الراحل الأتاسي إليّ نسخة من اتفاق «الجبهة التقدمية»، لإذاعتها عبر وكالة الأنباء التي أمثلها، ذهلت بما تضمنته من «تنازلات» تفقد أحزاب الجبهة الحق، في ممارسة النشاط بين الطلبة. والنقابات. ونقلت إليه ملاحظتي، فأجابني رحمه الله بأنه لا بد من التعاون مع «نظام الأمر الواقع».

وأمضي فأقول اليوم إن احترامي وثقتي بنزاهة الراحل الكبير. وثقافته. وعروبته، يجب أن لا تمنع الاعتراف بأنه كان سياسيا غير ناجح، سواء كان في الحكم أو المعارضة. نعم، فهو مدين لحافظ الذي أخرجه من سجن صلاح جديد. لكنّ وفاءه لحافظ لم يحرج الأخير. فقد اخترق الاتحاد الاشتراكي أمنيا وسياسيا. ووزّر المنشقين عنه.

حسن عبد العظيم يرأس اليوم ائتلافا سياسيا وحزبيا معارضا. وفي هذا الائتلاف، أشخاص كانوا في صلب نظام الأب. وما زالوا يتزاحمون على الشاشات العربية. والإيرانية. والروسية، داعين إلى تفاوض المعارضة مع النظام. ورافضين التدخل الخارجي، غير مدركين أن ذبح نحو خمسين ألف إنسان غير المقولات الوطنية والقومية التقليدية.

في دبلوماسية الإبراهيمي أخطاء فادحة تدل على عدم إدراك، لطبيعة المجابهة في المشرق العربي. الرجل يدعو إلى نشر قوات «حفظ السلام» للفصل بين قوات النظام والثوار. وإذا ما طبق الاقتراح، فسيجمد الوضع السياسي والميداني. ويلحق أذى بالغا بالمعارضة. ويبقي على نظام الأسد، بهيكليته المافيوية والإدارية، ووحشية وتخلف مؤسسته المخابراتية والإدارية. ويحول قوات حفظ السلام، إلى قوات احتلال دائم. ومهين للاستقلال وللسيادة.

هذا النوع من التدخل الخارجي مرفوض. وعلى أية حال، فقد بلغت الثورة مستوى من القوة، بحيث لم تعد بحاجة إلى تدخل خارجي. ويكفيها أن تتلقى أسلحة قليلة متطورة، لاستكمال نصرها التام والنهائي.

وإذا كان من دور لحسن عبد العظيم بالذات، فهو العمل بجديته. ونزاهته، لتوحيد الفصائل المقاتلة التي أخشى اقتتالها بعد سقوط النظام، أكثر من خشيتي من الاقتتال الطائفي.

وصل الإبراهيمي إلى دمشق في يوم مجزرة الخبز. و«تشرف» بمقابلة الرئيس بشار في اليوم التالي، من دون أن يتشرف بإلقاء كلمة رثاء لشهداء الخبز. الذين يقال إن عددهم تجاوز المائة شهيد. أما سيرغي لافروف فما زال عند موقف روسيا بأن بإمكان السوريين القبول بالتفاوض مع نظام ما زال يظن أنه قادر على تحقيق نصر على ثورة 23 مليون إنسان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا تهوي إلى قاع سحيق

جون ماكين وجوزيف ليبرمان وليندسي أوغراهام

الشرق الاوسط

1-1-2013

انتهى عام 2012 ولا تزال سوريا تهوي إلى قاع سحيق. ارتفعت حصيلة قتلى الثورة إلى 40 ألف شخص على الأقل، ويتوقع سقوط المزيد من القتلى في الوقت الذي يجبر فيه الملايين على ترك منازلهم. خلال العام الماضي استخدم بشار الأسد باطراد قوة عسكرية غير مسبوقة ردا على ما بدأ كمظاهرات سلمية للشعب السوري، بدأها باستخدام الدبابات والمدفعية الثقيلة في فبراير (شباط)، ثم صعد النظام حملته خلال الصيف باستخدام المروحيات القتالية والطائرات الحربية. ولجأ خلال الأسابيع الأخيرة إلى استخدام صواريخ «سكود» ضد شعبه.

فشل العالم في وقف هذه المذبحة، وأعلن أوباما أن الخط الأحمر بالنسبة له هو استخدم الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبه. لكن الكثير من السوريين أخبرونا أنهم يرون الخط الأحمر الأميركي ضوءا أخضر للأسد لاستخدام كل الأسلحة الحربية لذبحهم والإفلات من العقاب، وكثير من هذه الأسلحة لا يزال يأتي من إيران.

وعلى الرغم من التحذيرات الأميركية، أشارت التقارير إلى أن الأسد اتخذ خلال الأسابيع الأخيرة خطوات لإعداد أسلحة كيماوية لاستخدامها ضد شعبه. واستنادا إلى ما نعلمه بشأن حكم الأسد، وبالنظر إلى تصعيد الأسد للصراع بشكل منهجي باستخدام كل الأسلحة في جعبته تقريبا، فهل يعتقد أي شخص أن هذا الرجل عاجز عن استخدام الأسلحة الكيماوية؟

سقوط سوريا في جحيم يشكل خطرا متزايدا على جيرانها، وسوف تواجه تركيا ولبنان والعراق والأردن وإسرائيل ارتفاع مخاطر عدم الاستقرار. وكلما طال أمد هذه الحرب، ارتفعت فرص إشعال حرب طائفية واسعة النطاق.

وقد أكدنا منذ شهور - ومن ضمنها صفحات هذه الجريدة - أن على الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا والشرق الأوسط بذل مزيد من الجهود لوقف المذابح في سوريا وتقديم العون لقوى المعارضة المعتدلة. وقد دافعنا على وجه الخصوص عن تزويد الثوار المعتدلين بالأسلحة بشكل مباشر، وإنشاء منطقة حظر طيران على منطقة في سوريا. لكن كلا المسارين سيتطلب نشر قوات أميركية على الأرض أو التصرف بشكل أحادي. وقد عبر الحلفاء الرئيسيون مرة تلو الأخرى عن أملهم في قيادة أميركية أقوى وعن إحباطهم بقاء الولايات المتحدة على الهامش.

كان الأمر الأكثر إيلاما ذلك التدهور السريع في الأوضاع الإنسانية في سوريا. وعلى الرغم من رفض النداءات بتقديم الأسلحة أو إنشاء منطقة حظر طيران، شددت إدارة أوباما على الدعم الذي التزمت بتقديمه للشعب السوري. لكننا نخشى من فشل هذه الجهود أيضا.

وبحسب مسؤولين أميركيين وأوروبيين وخبراء، فإن 70 في المائة من المساعدات الأجنبية التي تصل إلى سوريا تنتهي إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية. ومن قاموا بزيارات مؤخرا إلى حلب قالوا إنهم لم يشاهدوا أي أثر للمعونات الأميركية هناك، ولم يكن السوريون على دراية بأن هناك مساعدات أميركية توجه إليهم. ونتيجة لذلك يعاني الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة الجوع والبرد والموت بسبب الأمراض ونقص الغذاء والإمدادات الطبية.

هذا الفشل في نقل المساعدات الإنسانية الأميركية إلى الشعب السوري زاد من الأزمة الإنسانية وزاد من فرص وجود الجماعات المتطرفة لتقديم خدمات الإغاثة، ومن ثم الفوز بدعم أكبر من الشعب السوري. ويرى كثيرون أن هؤلاء الأشخاص المتطرفين هم الوحيدون القادرون على مساعدة السوريين في القتال. في الوقت ذاته سيفقد المعتدلون في صفوف المعارضة السورية مصداقيتهم وستضعف شوكتهم بسبب غياب دعمنا - بما في ذلك تحالف المعارضة السورية القائم، الذي يرجع الفضل في تشكيله الشهر الماضي بصورة ما إلى الجهود الدبلوماسية الأميركية.

وعلى الرغم من الانشقاقات التي شهدتها صفوف النظام في الآونة الأخيرة والانتكاسات التي شهدها النظام أخيرا في أرض المعركة التي تشير إلى أن قبضة الأسد على السلطة بدأت في التراخي، لا توجد بوادر على إمكانية انتهاء القتال قريبا، وهو ما سيرفع تكلفة الحرب على الشعب السوري وجيرانه ومصالح الولايات المتحدة ومكانتها. لم يفت الوقت بعد لتجنب كارثة أخلاقية واستراتيجية في سوريا، لكن القيام بذلك يتطلب قيادة أميركية حاسمة وجريئة تحتاج إلى أن تأتي بشكل مباشر من الرئيس أوباما.

ينبغي على الولايات المتحدة أن تحشد حلفاءنا لتقديم المساعدة إلى مجلس المعارضة السورية الذي أنشئ حديثا لتوزيعها على المناطق التي يسيطر عليها الثوار. وينبغي علينا أن نقدم الأسلحة والمساعدات القتالية الأخرى إلى قيادة المعارضة العسكرية، وينبغي علينا أيضا أن نفرض منطقة حظر للطيران على بعض المناطق في سوريا تشمل استخدام صواريخ «باتريوت» الأميركية على الطريق إلى تركيا لحماية الأفراد في الشمال من الهجمات الجوية التي تشنها طائرات الأسد.

إذا ما مضينا على المسار الحالي، فسوف يسجل المؤرخون في المستقبل أن المذابح التي يتعرض لها الأبرياء والضرر الذي لحق بالمصالح الوطنية الأميركية والموقف الأخلاقي بأنه فشل مخزٍ للقيادة الأميركية، وأحد أحلك الفصول في تاريخنا. ينبغي أن يهزنا ذلك جميعنا ونحن نصلي من أجل السلام والنيات الحسنة في موسم العطلة هذا.

*جون ماكين وليندسي أوغراهام، عضوان في الحزب الجمهوري يمثلان ولاية أريزونا وكارولينا الجنوبية في مجلس الشيوخ، وجوزيف ليبرمان سيناتور مستقل عن ولاية كونكتيكت

* خدمة «واشنطن بوست»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وفرصة الحل السياسي!

اكرم البني

الشرق الاوسط

1-1-2013

ما جرى تداوله عن زيارة بوتين لأنقرة وتوصل الجانبين إلى نقاط مشتركة بشأن المستقبل السوري، وما رشح عن توافق بين كلينتون ولافروف في اجتماعهما الأخير مع الأخضر الإبراهيمي لتفعيل خريطة جنيف حول سوريا، ثم الاستغاثة التي أطلقتها الجامعة العربية لإنقاذ سوريا قبل فوات الأوان، وأخيرا دعوة فاروق الشرع لتسوية تاريخية وتشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات واسعة.. كل ما سبق إشارات متواترة لحقيقة واحدة، هي وصول العنف المفرط إلى طريق مسدودة وفشل الخيار الأمني والعسكري في سحق الثورة بعد عشرين شهرا من تجريب مختلف الوسائل والخطط الحربية، ولنقل في وقف التقدم المتنامي الذي تحرزه المعارضة المسلحة في غالبية المناطق السورية وأهمها العاصمة دمشق، الأمر الذي فتح الباب على مبادرات لحلول سياسية تطرح على عجل، كمحاولة ربما لمد طوق نجاة لنظام يغرق، وربما لأن كأس الحرج الأخلاقي قد فاضت من صور الخراب وأعداد الضحايا والمنكوبين واحتمال استخدام أسلحة أكثر فتكا، وربما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مجتمع ودولة أوصلهما العنف المفرط والعشوائي إلى مشارف التفكك والهلاك.

غير أن نجاح أي مبادرة سياسية يتوقف، وببساطة، على واحد من احتمالين، إما قبول الأطراف الداخلية المعنية بها قبولا جديا يضعها موضع التنفيذ، وإما أن تتكفل قوى خارجية بإكراه أطراف الصراع على ذلك عبر استخدام مختلف الضغوط، السياسية والاقتصادية، دون استبعاد القوة العسكرية أو التلويح بها.

والحال، لا يدل المشهد السوري، حتى اللحظة، على وجود فرصة جدية لنجاح أحد الاحتمالين.

فعلى المستوى الأول، صحيح أن الإنهاك المتزايد للقوى العسكرية والأمنية، واتساع المساحات الخارجة عن السيطرة، وتواتر حركة الانشقاقات، وتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وتصاعد حدة الضغوط العربية والدولية، مهد لتبلور قوى من داخل تركيبة النظام تزداد قناعة بعجز الحل الحربي عن وقف التدهور وبضرورة المعالجة السياسية، وصحيح أن المرونة الروسية لم تأت من سماء صافية، وأن مبادرة الشرع لم تكن من بنات أفكاره وربما جرت بالتنسيق التام مع النواة السياسية والأمنية المقررة، لكن الصحيح أيضا أن ثمة أطرافا فاعلة في النظام ليست بوارد التراجع خطوة واحدة إلى الوراء، وخيارها الوحيد هو تصعيد وتيرة العنف حتى سحق ما تعتبره مجموعات مسلحة متآمرة، ليس فقط بسبب بنيتها المعجونة بمنطق القهر والغلبة، بل لإدراكها أنها وصلت إلى نقطة اللاعودة، وتخوض، بعد ما ارتكبته، معركة حياة أو موت، خاصة أولئك الذين أوغلوا في ارتكاباتهم ويخشون ساعة الحساب والعقاب، وغالبيتهم تمت تعبئتهم وحشدهم حديثا، وأطلقت أياديهم لإظهار أشرس ما لديهم من فتك وتنكيل، عساهم ينجحون في إعادة مناخات الرعب والإرهاب لتخضع المجتمع، وما يعزز مواقف هذه الأطراف إدراكها لمخاطر السير في الطريق السياسي، لأنه برأيهم اعتراف ضمني بالهزيمة، يطيح ما تبقى من مظاهر هيبة السلطة وقوتها، ويفضي إلى تفكيك بطانتها وتعديل سريع في توازن القوى لمصلحة المعارضة.

والقصد أن القرار السلطوي بالسير في طريق الحل السياسي، لم يعد ملكا لجهة سلطوية واحدة، بل تحكمه ارتباطات ومصالح متداخلة ومعقدة، زادها تعقيدا طول أمد الصراع وما كرسه العنف المفرط من نتائج مؤلمة يصعب تجاوزها راهنا، لكن هذا لا يمنع النظام من إبداء مرونة وقبول شكلي لبعض المبادرات كي لا يثير امتعاض الحلفاء المشاركين في طرحها، مراهنا على رفض المعارضة لها، وعلى توظيف ما يمتلكه من خبرات لتمييع ما يعرض عليه، وإفراغه من محتواها بإغراقه في التفاصيل والاشتراطات، والغرض دائما كسب الوقت والرهان على مزيد من التوغل في العنف لتغيير المشهد وتحسين الموقع والأوراق التفاوضية.

وفي الجهة المقابلة، يصعب على المعارضة السورية، عموما، قبول أي حل أو مبادرة سياسية لا تتفق مع مطلبها في إحداث تغيير جذري، وتاليا أن ترضى بتسوية لا تشترط إزاحة رموز النظام ومحاسبة المرتكبين، أو بما يشاع عن حكومة انتقالية ذات صلاحيات واسعة تقودها إحدى الشخصيات المعارضة، ولعل الرفض الأشد سوف يأتي من الجماعات السياسية والعسكرية الموجودة على الأرض، وهي الأكثر تضحية وتأثيرا وصاحبة القرار الحاسم في إدارة الصراع ورسم مساراته.

وإذ نعترف بتعدد الجماعات الميدانية المعارضة وتبعثرها وتنوع منابتها ومواقفها، وتاليا تفاوت درجات استعدادها للتعاطي مع الحلول السياسية، إلا أنها تبقى محكومة موضوعيا، في حال استمرار الاستعصاء القائم وعجزها عن تحويل تقدمها التكتيكي إلى انتصار حاسم، بضرورة التنسيق مع الغطاء السياسي الذي يوفره «الائتلاف الوطني» بعد أن نال الاعتراف العربي والدولي، كما بمصادر الدعم المادي واللوجيستي، والأهم بمزاج شعبي يعاني الأمرين ويميل نحو أولوية وقف العنف ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة تزيد من الضحايا والخراب، تدعمه فئات من أبناء الطبقة الوسطى والتجار وشرائح من الأقليات، وهؤلاء لا يريدون رؤية بلدهم محطما أو مقسما إلى كانتونات طائفية يعادي بعضها بعضا، وغالبا ما يجاهرون برغبتهم في حصول انتقال سلمي للسلطة ترعاه إرادة عربية أو دولية.

اما الحديث عن الاحتمال الثاني، فيقودنا إلى التساؤل عن القدرة الحقيقية للقوى الخارجية في التأثير على الطرفين المتصارعين وفرض حل سياسي عليهما، وكلاهما لا يزال يعتقد إمكانية تحقيق انتصار كاسح، ويخوض أحدهما معركته كمعركة وجود وإفناء للآخر، ألا يتطلب نجاح هذا الاحتمال عندئذ وصول طرفي الصراع مثلا إلى حالة من الضعف والإنهاك ترغمهم على قبول ما يعرض عليهم، أو إلى قناعة بأن استمرار حربهم صار أمرا عبثيا، أو ربما يخلقه توافق دولي جدي تمليه مصلحة مشتركة غالبا، بسبب امتداد الصراع إلى بلدان الجوار عبر تداخل المكونات الإثنية والطائفية وتهديده استقرار المنطقة والأمن الإسرائيلي، الأمر الذي قد ينعكس بإرادة أممية حازمة لإخماد هذه البؤرة من التوتر، وفرض الحل السياسي فرضا على الجميع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقدة الحلّ السياسي للأزمة السورية:

حكومة قبل تنحّي الأسد أم بعده؟

اميل خوري

2012-12-31

النهار

هل يمكن القول أن الحل السياسي للأزمة السورية دخل في سباق مع الحل العسكري بين الجيش السوري النظامي والجيش الحر، وان محاولة الموفد الأممي الأخضر الابرهيمي اذا لم تنجح فإنها ستكون الأخيرة، وبعد ذلك قد تتعرض سوريا لمزيد من الخراب والدمار ولحرب أهلية قد تنتهي بالتقسيم، وهذا ما وصفه الابرهيمي بأنه "جهنم"؟

في معلومات لمصادر ديبلوماسية ان حل الأزمة السورية لم يكن مرتبطاً بالاتفاق على مرحلة ما بعد الأسد فحسب، بل بمصير الاسد نفسه. فروسيا لا تزال تحاول اقناعه حفظاً لماء وجهه بان يتخلى عن السلطة فور الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة لأنها تخشى اذا تنحى قبل التوصل الى هذا الاتفاق أن تفقد روسيا الورقة الضاغطة والمانعة لتشكيل الحكومة على النحو الذي تريده الولايات المتحدة الاميركية ودول أوروبية وعربية.

لذلك تمسك روسيا ببقاء الرئيس الاسد في السلطة مدعية ان لا تأثير لها عليه في انتظار الاتفاق على البديل من النظام والحكم، خصوصاً أنها تخشى ان يستولي الاسلاميون المتشددون على السلطة كما حصل في أكثر من دولة عربية لم يستقر الوضع فيها حتى الآن، ولا يكون لقوى الاعتدال دور يؤثر في مجرى الأمور.

وفي المعلومات أيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية تشارك روسيا في هذا التخوف لكنها تختلف معها في تحديد القوى السياسية الأساسية في سوريا والتي ينبغي تمثيلها في الحكومة الانتقالية.

فروسيا تريد تشكيلها وفقاً لنموذج اليمين أي اشراك ممثلين لحزب البعث وابقاء عدد من الضباط التابعين للقيادة السورية الحالية في هيكلية الجيش كي لا يتكرر ما حصل في العراق.

لكن المعارضة السورية على اختلافها ترفض الدخول في بحث اي حل سياسي قبل أن يكون الرئيس الأسد قد تخلى عن السلطة لأن بقاءه فيها قد يعرقل التوصل الى حل، وقد يستغل تقدم الاسلاميين المتشددين على الارض ليؤخر رحيله سعياً الى حمل الولايات المتحدة الاميركية على اعادة النظر في موقفها بحيث تلتقي مع الموقف الروسي القائل بالاتفاق اولاً على تشكيل الحكومة الانتقالية قبل تنحي الأسد من أجل قطع الطريق على وصول الاسلاميين الى السلطة.

ويراهن الرئيس الأسد من جهة أخرى على احتمال حصول خلاف بين الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك على احتمال حصول خلاف بين المعارضين أنفسهم على تشكيل الحكومة الانتقالية سواء لجهة الحصص او الحقائب، آملاً في أن يؤدي هذا الخلاف الى اطالة عمر بقائه في السطلة ربما حتى موعد انهاء ولايته سنة 2014.

الى ذلك، فان الموضوع الأساسي الذي يدور حوله الخلاف هو: هل يبدأ البحث في الحل السياسي في ظل وجود الرئيس الأسد في السلطة ام بعيد تنحيه، وما هي الآلية التي توقف الاقتتال الدائر عند التوصل الى اتفاق على الحل في حال ظهر أن فصيلاً من فصائل المعارضة المسلحة غير قابل به؟ وتردد ان هذه المخاوف تحمل الولايات المتحدة الاستعجال في تشكيل الحكومة الانتقالية بحيث يكون بقاء الأسد في السلطة عامل ضغط على المعارضين كي يتفقوا شرطاً للتخلص منه، اذ ان استمرار خلافهم على تشكيل الحكومة الانتقالية بصلاحيات كاملة يعجل في رحيل الأسد الذي بات وضعه مرتبطاً بالتوصل الى هذا الاتفاق.

ورشح ان البحث بين الولايات المتحدة وروسيا يدور على تشكيل الحكومة الانتقالية حتى اذا اتفقا على ذلك فان في استطاعتهما فرض هذا الاتفاق على كل الافرقاء وحمل الرئيس الاسد على التنحي واختيار المكان الذي يريد الانتقال اليه، ومن دون ذلك يصبح حل الأزمة السورية مرتبطاً بالتطورات الميدانية على الأرض وبمن هو قادر على الحسم ومتى؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام الأسد هو المسؤول!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

31-12-2012

لايمكن تصديق أن هناك مؤامرة دولية لتدمير سوريا وتمزيقها وإنهائها كدولة «صمودٍ وتصدٍ وممانعة» وذلك مع أن الإسرائيليين عندما أُقيمت دولتهم على أرض الشعب الفلسطيني إتفق «آباؤهم المؤسسون» ،ومن بينهم بالإضافة ديفيد بنغوريون وحاييم وايزمان موشي شاريت (موسى شرتوك)، على ضرورة تمزيق الدول العربية وبخاصة دول هذه المنطقة وتحويلها إلى دويلات طائفية وأثنية متناحرة تكون مكانة إسرائيل بينها كدولة دينية يهودية كمكانة بريطانيا في الـ»كومنولث» البريطاني وبالطبع فإن هذا من أجْل ما اعتبروه أهم ركائز الأمن القومي بالنسبة لكيان طارئ وغريب وناشئ محاطٍ بالأعداء من كل جانب.

إنَّ هذه المسألة بالنسبة لإسرائيل لا جدال فيها فالإسرائيليون سعوا وهم لا زالوا يسعون إلى خلق صراعات طائفية وعرقية وبخاصة في الدول المحيطة بهم ولعل ما يعرفه كثيرون أن آخر محاولاتهم كانت إنشاء كيان مسيحي في الجنوب اللبناني (سعد حداد) يكون منطقة عازلة بين إسرائيل وبين باقي ما تبقى مِنْ لبنان حيث كانت المقاومة الفلسطينية تشكل دولة داخل الدولة اللبنانية كما هو واقع حزب الله الآن لكن تلك المحاولة قد إنتهت إلى الفشل الذريع ومثلها محاولة دفع «الموارنة» في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية إلى أن يكون لهم كيان طائفي خاص وإن ضمن صيغة فيدرالية أو كونفدرالية.

لكن أن يقال أن هناك مؤامرة دولية لتدمير سوريا وتمزيقها وإنهائها كدولة «صمود وتصدٍ وممانعة» فإن هذا غير صحيح على الإطلاق والمعروف أن الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة تريد لهذه المنطقة الحيوية والإستراتيجية الإستقرار والهدوء وأن تصبح كل دولها دولاً ديموقراطية تنشغل بالتنمية والإستثمارات وليس بالحروب الداخلية وكل هذا لأن مصالحها تتطلب هذا وذلك مع ان بعضاً من مصالحها كانت مع التسلُّح والمزيد من التسلُّح وبخاصة في مرحلة الحرب البادرة وصراع المعسكرات وفي مرحلة إنقسام العرب بين موالين للغرب والرأسمالية وموالين للشرق الإشتراكية.

إنه لاشك في ان المسؤول عن إضطراب الأوضاع في أفغانستان وفي العراق أيضاً هو الولايات المتحدة المشهورة بأن لديها قدرة فائقة على إفتعال المشاكل لكن ليس لديها أي قدرة على حلها ولذلك وإذا كان هناك خوف على وحدة سوريا فإن سببه أن أميركا لا تزال مترددة في دعم المعارضة وتمكينها من حسم الأمور بسرعة ولقطع الطريق كي لا يكون خيار بشار الأسد ،الذي بدعم من روسيا وإيران يرفض الإستقالة والتنحي، هو «الدولة العلوية» التي كانت إحد مشاريع فرنسا الإستعمارية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي والتي كان جدَّه سليمان الأسد من بين الذين وقعوا على «إسترْحامٍ» للفرنسيين من أجل إقامتها.

ثم ولنفرض «جدلاً» أنَّ هناك مؤامرة دولية إمبريالية و»سكناجية» أيضاً لتقسيم سوريا وتمزيقها فإن المسؤول عن نجاح مثل هذه المؤامرة هو هذا النظام بتاريخه الإستبدادي المستمر منذ أكثر من أربعين عاماً والذي بإنحيازه الطائفي وإرتكابه كل هذه المجازر التي يرتكبها الآن والتي كان قد أرتكبها في «حماه» في عام 1982 قد شرع أبواب هذا البلد أمام كل الذين لهم مصلحة في التلاعب بوحدته الوطنية وكل الذين يسعون لتمزيقه وتحويله إلى دويلاتٍ فسيفسائية طائفية ومذهبية وأثنية .

ربما أن هذا النظام ليس نظام «الطائفة» ولكنه بالتأكيد كان وبقي ولا يزال نظاماً طائفياً والمشكلة الأولى التي يعرفها «البعثيون» أكثر من غيرهم هي أن «فايروس» الطائفية قد أصاب أولاً حزب البعث العربي الإشتراكي نفسه وثانياً القوات المسلحة والجيش العربي السوري وكل الأجهزة الأمنية والإستخبارية التابعة له.. إن هذه هي المشكلة الأولى أما المشكلة الثانية فهي أن حافظ الأسد ،حتى يبقى ممسكاً بعنق سوريا وحتى يحول النظام البعثي إلى نظام وراثي في عائلتة فقط، قد لجأ منذ وصوله إلى الحكم في عام 1970 وقبل ذلك منذ ان كان قائداً لسلاح الجو ووزيراً للدفاع ،بل ومنذ أن كان عضواً في اللجنة العسكرية «السرية»، إلى بناء هرم الحكم على أساس طائفي وتمكين الموالين له من الضباط الأكثر طائفية من السيطرة على الدولة كلها وهذا جعل الآخرين يتصرفون مرغمين على أساس أن هذا النظام ليس نظامهم وان هذه الدولة ليست دولتهم وبهذا فإنه أصبح لدى بعضهم الإستعداد للتعاون مع «الشيطان» للتخلص من هذا الكابوس ومن هذا الليل الطويل.. ولذلك فإن مسؤولية وجود مؤامرة تستهدف هذا البلد بوحدته تقع على بشار الأسد وعلى نظام الحكم الذي أوصله والده إليه.. فالذئاب لا تستطيع إفتراس إلا قطيع أغنام الراعي السيء الذي لا يعرف كيف يحمي أغنامه ويدافع عنها!!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: فك الاشتباك بين الثورة والطائفة!!

د.عبدالله القفاري

الرياض

31-12-2012

ليس من مصلحة الثورة السورية في أي مرحلة أن تعزز مخاوف الخارج او الداخل السوري عبر استنساخ خطاب طائفي بالضد مع الآخر. وإذا كانت الطوائف الاخرى لم تزل تلتزم الصمت فليس ذلك حباً بالنظام.. بل خوف من القادم المجهول كما تصوره أدوات النظام وأبواقه والمتحالفون معه

هناك محاولات دائبة لإعادة توصيف الثورة السورية من حالة شعب ثائر في مواجهة نظام قمعي قاتل ومستبد، إلى حالة صراع طائفي بين الأغلبية السنية والطائفة العلوية..

هذا الأمر لم يكن جديداً، فقد حاول نظام الأسد منذ الاسابيع الاولى للمظاهرات.. جرّ الطائفة العلوية والاقليات الاخرى إلى حالة اصطفاف في مواجهة "جماعات متطرفة"..!!

كما أن هذا الربط لم يكن بلا استجابة من الطائفة، التي صنع من خلالها الطوق الاول الذي يحميه، عبر المؤسسات الامنية المتعددة ومراكز الجيش النافذة والقيادية، ومن خلال ربط المصالح والمصير بين الطائفة والنظام.. بالإضافة إلى شبكة علاقات ومصالح معقدة تطال الطائفة العلوية وغيرها من الطوائف السورية الاخرى. وكل هذا ركز حمولة ذهنية صنعت حالة التماهي بين النظام والطائفة في مواجهة الاغلبية التي حملت عبء الثورة ودفعت ولازالت تدفع الضريبة الكبرى للتغيير.

ما لا يفهمه الغرب الذي لازال متردداً في دعم الجيش السوري الحر بالسلاح والعتاد تحت ضغط الخوف من سيطرة وتقوية بعض فصائل الثوار إذا ما وصل لها سلاح نوعي.. أن تلك الفصائل، التي دخلت بقوة على خط الصراع والمواجهة العسكرية في سورية هي في معظمها من نسيج الشعب السوري.. وأنه في مواجهة آلة التدمير الشامل والذبح اليومي التي يقترفها النظام بلا تمييز وطيلة الشهور الماضية.. دفعت الكثيرين لاستلهام معاني الصبر والمواجهة والتضحية من أعظم مدد روحي لديهم وهو الدين الذي يدينون به.. وأن تدين هذه الجماعات هو أقرب للإسلام الشعبي منه لتيارات سياسية مؤدلجة.. ناهيك أن فشل نظام لم يبرع خلال عقود سوى في تأسيس أجهزة القمع والرعب أفرز اتجاها دينيا تمدد في عقل جيل لم ير في حزب البعث والاحزاب المنضوية تحت الجبهة الوطنية سوى قنطرة لترسيخ استبداد النظام، الذي يتدرع اليوم بالطائفة لا بالحزب الذي امتطاه للوصول إلى السلطة.

لايمكن فصل الاسلام عن مكوّن شعب يدين معظمه بهذا الدين. وتشتد تلك الاستجابة في زمن الكوارث واحتباس الأفق والدمار الهائل تحت وابل كثيف من القتل العشوائي والارهاب الدموي الذي وصل إلى حد نشر فرق الذبح والرعب والاعدامات في قرى ومناطق معينة ومقصودة... لايمكن تفسير كل هذا سوى بمحاولة جر الثورة والثوار إلى المأزق الطائفي.

تفكيك العلاقة بين النظام والطائفة ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. قبل ان تصبح تلك العلاقة كارثة محققة لطائفة تشكل جزءاً من الوطن السوري. كما أن تفكيك العلاقة بين الثورة والنزعة الطائفية لدى بعض الثوار مهمة للغاية.

الاتجاه الخطأ ان يتحول مجهود الثورة إلى تصفية حسابات تدفعها طائفة ليس بالضرورة أن تكون في معظمها جزءاً من النظام رغم كل محاولاته ربط مصيرها بمصيره.

شجع النظام السوري أبناء الطائفة العلوية على الخروج من مناطقهم والالتحاق بكثافة في صفوف الجيش منذ استيلاء حافظ الاسد على السلطة في عام 1970. كان يرى فيهم توازنا مهما لحماية النظام. كما ركز قيادات حماية النظام بين ابناء الطائفة.. كما دفع كثيرين للالتحاق بالوظائف العامة في كبرى المدن السورية كدمشق وحلب، التي أصحبت محاطة بأحزمة وسياج من الاحياء العشوائية والثكنات العسكرية التي يقطنها جنود النظام. كان يحاول بشكل أو بآخر إعادة التوزيع الديموغرافي في تلك المدن لتوفير قدر أكبر لحماية النظام.

الاغلبية من الشعب السوري لازالت تحمل ذكرى مأساة حماة رغم مرور قرابة 30 عاما على أحداثها.. تلك المواجهة التي يقدر عدد ضحاياها من أهالي حماة وجسر الشغور بعشرين ألفا. وربما تفسر هذه الذاكرة التاريخية إصرار الثوار على بلوغ الحسم مع النظام.

استخدم نظام الاسد المخيال الاجتماعي العلوي في استذكار الاضطهاد التاريخي للطائفة من اجل تحصين النظام.. وهو اضطهاد لن يكون مسؤولا عنه حتما الشعب السوري اليوم... الذي عانى اعظم وابشع انواع الاضطهاد.. الوقوع في فخ التاريخ كارثة خاصة عندما يعني ذلك ربط مصير طائفة بأكملها بنظام آيل للسقوط.

في مقال مهم للباحث السوري "ياسر نديم سعيد" يذكر أن الاسد الاب وقف ضد أي جهد في بناء مرجعيات خاصة بالطائفة العلوية.. حتى يمكن السيطرة عليها. وهذا أمر لافت فلا توجد في الطائفة أي مرجعيات دينية معلنة ولا قوى سياسية منظمة يمكن أن تقود الطائفة بمعزل عن عائلة الاسد. حيث ظلت علاقات الطائفة محصورة بالنظام ضمن دائرة التأثير باتجاه واحد.

وما حدث من تنازع ومواجهات بين عائلتين رئيسيتين في القرداحة قبل عدة أسابيع لم يكن سوى تعبير عن حالة تبرم من هيمنة عائلة الاسد وحلفائها التي قيدت الطائفة ووضعت مستقبلها على خط النار في مواجهة الاكثرية الثائرة. جثث الجنود السوريين من الطائفة العلوية التي تشيّع تباعا في مناطقهم وقراهم استخدمها النظام للتأليب على الثوار.. رغم انها يجب ان تصرخ بالسؤال الكبير: إلى أين يمضي النظام بهذه الطائفة؟!

أمكن للنظام أن يسيطر على الطائفة عبر ربط مصيره بمصيرها باعتباره ضمانة حمايتها.. كما بقي جبل العلويين والقرى المنتشرة فيه في حيز التجهيل والولاءات البدائية التي تكثف حضورها في زمن غابت فيه الرؤى التي حملها مثقفون علويون بارزون اكتشفوا مبكرا خطورة النظام واحتباسه على فكرة الدولة القمعية واستخدامه للتناقضات الاجتماعية والثقافية في تفكيك المجتمع السوري.

استهداف الطائفة العلوية من خلال تصوير سقوط النظام خطراً ماحقاً على وجودها ومستقبلها.. أثار المخاوف لدى الطوائف الاخرى من مسيحيين ودروز وغيرهما.. ممن ترعبها تلك التصورات التي يروج لها النظام عن تلك الجماعات المسلحة التي يمكن ان تستهدفها بعد سقوط جدار النظام الحامي لها!!

ولذا فمن المهم في هذه المرحلة فك الاشتباك بين الثورة السورية والطائفة.

وقوع خطاب الثوار في الشرك الطائفي خطر ماحق على الثورة. الخطاب الذي يحاصر الثورة باعتبارها صراعاً مع النظام بصفته علوياً خطر جدا على مسار الثورة ومستقبلها. فهذا يعني بشكل أو بآخر تعزيز حالة الاصطفاف الطائفي ضد الثوار، وقد يعطل مسار ثورة يجب ان يتم تحصينها باعتبارها تعبير شعب بمختلف طوائفه - من شارك منهم ومن لم يشارك - حيث يجب ان يتوجه الخطاب لشعب ضاق بنظام القمع والتعطيل والاستبداد، وأن النظام لم يسلم من بطشه لا طائفة ولا تكوين سياسي ولا قومية.. فالظلم والقمع طالا كل تكوينات بلد كبير كسورية.

من المهم تأكيد قوى المعارضة السياسية والعسكرية أن سورية الجديدة لا مكان فيها لصراع طوائف بل سيكون التحدي الاكبر والشاق هو بناء سورية، الدولة المدنية الديمقراطية التي تتسع لكل أبنائها..

ليس من مصلحة الثورة في أي مرحلة أن تعزز مخاوف الخارج او الداخل السوري عبر استنساخ خطاب طائفي بالضد مع الآخر.

وإذا كانت الطوائف الاخرى لم تزل تلتزم الصمت فليس ذلك حباً في النظام بل خوف من القادم المجهول كما تصوره أدوات النظام وأبواقه والمتحالفون معه.

فك الاشتباك بين الثورة والطائفة هو صمام الأمان لبناء سورية جديدة على أنقاض هذا الدمار الهائل..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقدة الحلّ السياسي للأزمة السورية:

حكومة قبل تنحّي الأسد أم بعده؟

اميل خوري

2012-12-31

النهار

هل يمكن القول أن الحل السياسي للأزمة السورية دخل في سباق مع الحل العسكري بين الجيش السوري النظامي والجيش الحر، وان محاولة الموفد الأممي الأخضر الابرهيمي اذا لم تنجح فإنها ستكون الأخيرة، وبعد ذلك قد تتعرض سوريا لمزيد من الخراب والدمار ولحرب أهلية قد تنتهي بالتقسيم، وهذا ما وصفه الابرهيمي بأنه "جهنم"؟

في معلومات لمصادر ديبلوماسية ان حل الأزمة السورية لم يكن مرتبطاً بالاتفاق على مرحلة ما بعد الأسد فحسب، بل بمصير الاسد نفسه. فروسيا لا تزال تحاول اقناعه حفظاً لماء وجهه بان يتخلى عن السلطة فور الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة لأنها تخشى اذا تنحى قبل التوصل الى هذا الاتفاق أن تفقد روسيا الورقة الضاغطة والمانعة لتشكيل الحكومة على النحو الذي تريده الولايات المتحدة الاميركية ودول أوروبية وعربية.

لذلك تمسك روسيا ببقاء الرئيس الاسد في السلطة مدعية ان لا تأثير لها عليه في انتظار الاتفاق على البديل من النظام والحكم، خصوصاً أنها تخشى ان يستولي الاسلاميون المتشددون على السلطة كما حصل في أكثر من دولة عربية لم يستقر الوضع فيها حتى الآن، ولا يكون لقوى الاعتدال دور يؤثر في مجرى الأمور.

وفي المعلومات أيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية تشارك روسيا في هذا التخوف لكنها تختلف معها في تحديد القوى السياسية الأساسية في سوريا والتي ينبغي تمثيلها في الحكومة الانتقالية.

فروسيا تريد تشكيلها وفقاً لنموذج اليمين أي اشراك ممثلين لحزب البعث وابقاء عدد من الضباط التابعين للقيادة السورية الحالية في هيكلية الجيش كي لا يتكرر ما حصل في العراق.

لكن المعارضة السورية على اختلافها ترفض الدخول في بحث اي حل سياسي قبل أن يكون الرئيس الأسد قد تخلى عن السلطة لأن بقاءه فيها قد يعرقل التوصل الى حل، وقد يستغل تقدم الاسلاميين المتشددين على الارض ليؤخر رحيله سعياً الى حمل الولايات المتحدة الاميركية على اعادة النظر في موقفها بحيث تلتقي مع الموقف الروسي القائل بالاتفاق اولاً على تشكيل الحكومة الانتقالية قبل تنحي الأسد من أجل قطع الطريق على وصول الاسلاميين الى السلطة.

ويراهن الرئيس الأسد من جهة أخرى على احتمال حصول خلاف بين الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك على احتمال حصول خلاف بين المعارضين أنفسهم على تشكيل الحكومة الانتقالية سواء لجهة الحصص او الحقائب، آملاً في أن يؤدي هذا الخلاف الى اطالة عمر بقائه في السطلة ربما حتى موعد انهاء ولايته سنة 2014.

الى ذلك، فان الموضوع الأساسي الذي يدور حوله الخلاف هو: هل يبدأ البحث في الحل السياسي في ظل وجود الرئيس الأسد في السلطة ام بعيد تنحيه، وما هي الآلية التي توقف الاقتتال الدائر عند التوصل الى اتفاق على الحل في حال ظهر أن فصيلاً من فصائل المعارضة المسلحة غير قابل به؟ وتردد ان هذه المخاوف تحمل الولايات المتحدة الاستعجال في تشكيل الحكومة الانتقالية بحيث يكون بقاء الأسد في السلطة عامل ضغط على المعارضين كي يتفقوا شرطاً للتخلص منه، اذ ان استمرار خلافهم على تشكيل الحكومة الانتقالية بصلاحيات كاملة يعجل في رحيل الأسد الذي بات وضعه مرتبطاً بالتوصل الى هذا الاتفاق.

ورشح ان البحث بين الولايات المتحدة وروسيا يدور على تشكيل الحكومة الانتقالية حتى اذا اتفقا على ذلك فان في استطاعتهما فرض هذا الاتفاق على كل الافرقاء وحمل الرئيس الاسد على التنحي واختيار المكان الذي يريد الانتقال اليه، ومن دون ذلك يصبح حل الأزمة السورية مرتبطاً بالتطورات الميدانية على الأرض وبمن هو قادر على الحسم ومتى؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتزاع سوريا من أنياب المتطرفين

محمد علاء غانم

الشرق الاوسط

31-12-2012

يدخل تعهد الولايات المتحدة بدعم المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد الوحشي ضمن الأقوال الكثيرة والأفعال الشحيحة. لقد سمحت التعهدات المتكررة بالدعم من دون تقديم مساعدات مادية لعناصر متطرفة بتقوية شوكتها في شمال سوريا. وإذا استمر هذا الاتجاه، فسرعان ما سيصبح تحذير وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون من «الجهود التي يبذلها المتطرفون لاختطاف الثورة السورية» حقيقة ملموسة على أرض الواقع.

أثناء زيارتي الأخيرة للشرق الأوسط التي امتدت لثلاثة أسابيع، لاحظت تطورات مشجعة وأخرى مقلقة. زرت حلب، أكبر المدن السورية والعاصمة الصناعية، للتعرف على كيفية تعايش السوريين مع الفوضى. جدير بالذكر أن نحو 75 في المائة من حلب خاضعة لسيطرة المعارضة.

توقعت أن أتحدث لأفراد عاديين معنيين بمحاولة استعادة النظام. لكنني وجدت هيكل إدارة مدنيا معقدا. لقد ظهر المجلس الثوري الانتقالي في حلب، الذي يديره مجلس مؤلف من 23 عضوا من الأساتذة الجامعيين، في المناطق المحررة. ولإعادة الخدمات الحيوية إلى المدينة التي تضررت بشكل فادح، شكل المجلس 12 لجنة لتغطية تطبيق القانون والتعليم وعمل المخابز وجهود الإغاثة وجوانب أخرى كثيرة. كان المجلس الطبي وحده يدير ثمانية مستشفيات، (وقد تسبب قصف نظام الأسد في تسوية أحد تلك المستشفيات بالأرض في الشهر الماضي.)

إن الأشخاص الذين التقيتهم أدهشوني باحترافهم وإعطائهم الأولوية إلى «الفترة الانتقالية» قبل مناصبهم. جميعهم أكدوا على أنهم يعتزمون الالتزام بنتائج الانتخابات بمجرد استعادة المدينة السلام.

قبل بضعة أشهر، اندمجت غالبية عناصر الجيش السوري الحر في حلب داخل المجلس العسكري الثوري تحت القيادة المنظمة للعقيد عبد الجبار العكيدي. لديهم مصادر محدودة جدا على نحو صادم: وبسبب البروتوكولات التي تحكم دخول الإمدادات سوريا، بإمكان المجلس جمع الذخيرة الكافية لقتال على مدار يوم كل أسبوعين. تشكل القوى التابعة للمجلس السوري الحر قرابة 80 في المائة من الجماعات المسلحة في المدينة؛ أما القوى الأخرى، فهي عبارة عن جماعات خارجة على القانون أو متشددة أو جماعات إجرامية تستغل حالة العنف السائدة.

لقد قوضت الجهود المدنية الرامية لتقديم الإدارة والرعاية الطبية وإخضاع العناصر الخارجة عن القانون والإجرامية بسبب فقدان الموارد. إن لدى العميد أديب الشلف، أحد المنشقين عن قوات الأمن السورية، خطط لإعادة تشكيل قوة الشرطة المدنية لحلب. لكن في بعض الأسابيع، لا يكون قادرا على إطعام مجنديه بانتظام، ناهيك عن شراء زيهم الرسمي. أخبرني أنه لم يكن متأكدا من المدة التي يمكن أن يستمر خلالها جهده هذا.

تدرس كتيبة «حلب الشهباء»، إحدى أكبر وحدات الجيش السوري الحر الخاضعة لحكم المجلس العسكري في حلب، الانقسام. أخبرني قائد الوحدة، صاحب النهج المعتدل، أنه يعلم أن جماعة «جبهة النصرة» المسلحة المتطرفة قد تواصلت مع بعض رجاله. تحصل جبهة النصرة على تمويل جيد وتتمتع كثير من خلاياها بكم من الأغذية والأسلحة يفوق المجندين، وتتواصل مع سوريين للتوسع. تتمثل الميزة الواضحة في أن بإمكانها توفير ما لا تستطيع الجماعات الأكثر اعتدالا والمجالس المدنية توفيره: الرواتب والأسلحة.

صدمت عندما أخبرني قائد ليبرالي لكتيبة من محافظة الحسكة، الواقعة في شمال شرقي سوريا، بأنه كان يدرس فكرة الانضمام إلى جبهة النصرة. كانت رؤيته عن سبب عدم امتلاكه «أي خيار» (استراتيجية): «إنني أصارع مشكلة التمويل، وإذا ما تمت الصفقة من خلالي، فسوف أحتفظ بتأثيري على الأفراد الذين هم في العشرينات من عمرهم الذين يقاتلون في كتيبتي، الذين لم يحظ معظمهم بقدر جيد من التعليم. إذا تنامت حالة الإحباط، فسوف يتركونني، وربما ينتهي بهم الحال إلى جبهة النصرة، وهو الموضع الذي قد يتبنون فيه آيديولوجيتهم».

منذ أن زرت حلب، وصفت الولايات المتحدة جبهة النصرة بمسمى منظمة إرهابية وفرع من فروع تنظيم القاعدة في العراق. بينما يعلن قادة جبهة النصرة على نحو لا مجال للشك فيه عن آيديولوجيا مماثلة لآيديولوجية تنظيم القاعدة، يتفق خبراء سوريا على أن توقيت التسمية كان كارثيا بالنسبة لمفهوم السوريين السائدة عن الولايات المتحدة. أولا، قدمت جبهة النصرة مساعدات على الأرض بصور لم تقم بها واشنطن: تتعاون الجماعة عن كثب مع الجيش السوري الحر؛ لقد حققت نجاحات عسكرية وقدمت مساعدة مدنية حيوية. ثانيا، عجزت التسمية التي حددتها لها الولايات المتحدة عن التمييز بين المؤيدين المتشددين لآيديولوجيا الجماعة الذين يعتبرون محورها والسوريين الذين انضموا للجبهة لأنها تملك المال والأسلحة وحققت نجاحات عسكرية ملموسة.

حينما غادرت حلب، كانت لدي خبرة تبرز المشكلة. التقت مجموعتنا بأعضاء من جبهة النصرة عند أحد المتاريس. فاجأتني معاملتهم المحترمة ولحاهم القصيرة على حين غرة. بدأت حوارا مع الرجال الذين يحرسون نقطة التفتيش. كانوا أفرادا محليين من قرية تبعد قرابة نصف ميل. وأخبروني أنهم انضموا لجبهة النصرة؛ لأنها تملك الأسلحة والإمدادات اللازمة لحماية أسرهم. بل إن أحد الرجال أعرب عن تعاطفه مع الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد وأشار إلى العلويين بأنهم إخوته. وقال: «مشكلتنا مع نظام الأسد فقط». إن هؤلاء الرجال لم يدعموا بوضوح الآيديولوجيا المتطرفة لجبهة النصرة، لكنهم ينظرون إلى الجماعة بوصفها خيارهم الوحيد.

إن جماعات مثل «جبهة النصرة» لم يسمح لها فقط بترسيخ وجودها، بل أيضا موطئ قدم لها. إذا كان من الممكن أن تحصل المجالس المدنية وغيرها من هياكل الحكم الناشئة في المناطق المحررة على التمويل الكافي، فمن الممكن أن توفر خدمات خاصة بحفظ الأمن والنظام العام والإغاثة لتحقيق الاستقرار لمجتمعاتها. لكن من دون دعم من الولايات المتحدة والحلفاء الآخرين، يحتمل أن تستمر الجماعات المتطرفة الممولة بشكل جيد في تجنيد مقاتلين من قطاع من السكان كان من الممكن أن يتجاهلهم خلاف ذلك.

مع حلول الشتاء، سيكون الشعب السوري في حالة يرثى لها. ومن ثم، يتعين على الولايات المتحدة أن تبذل كل ما في وسعها لتعزيز شرعية المجالس المدنية وغيرها من المؤسسات الأخرى المعتدلة، بما في ذلك تقديم المساعدات عبر الائتلاف والمجالس الإقليمية وليس المنظمات غير الحكومية، وهذا من شأنه أن يساعد المدنيين في إدارة مجتمعاتهم وأن يزيد احتمالية أن تصبح سوريا ما بعد الأسد ديمقراطية شمولية، لا دولة فاشلة.

* مستشار سياسي وخبير استراتيجي رفيع المستوى ومدير العلاقات الحكومية بالمجلس الأميركي السوري في واشنطن

* خدمة «واشنطن بوست»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اتفاق متكامل بشأن إيران وسوريا

جيم هوغلاند

الشرق الاوسط

31-12-2012

يتداعى النظام السوري المنتمي للطائفة العلوية من الداخل والخارج. وتتزامن الانشقاقات على المستوى القيادي مع ما يحققه الثوار السنة من مكاسب على الأرض. وتأتي الاستراتيجية الإقليمية التي تحمل توقيع إدارة أوباما، والتي وصفها دبلوماسي فرنسي من دون قصد كزلة لسان بأنها «الانتظار من الخلف»، متأخرة عن الأحداث على نحو سيئ.

لم يكن ليمثل هذا الأمر كارثة لواشنطن لو كان مصير نظام الأسد، الذي تسيطر عليه طائفة العلويين، أمرا لا يؤثر عليها، لكن هناك لحظات يكون فيها التوقيت هو أهم شيء في إدارة شؤون الدولة. وتقترب سوريا من حالة الانفجار الداخلي، مثلما يوشك الوقت المتاح لأوباما لتنفيذ وعده بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي على النفاد. ربما يكون أفضل أمل أخير له هو الجمع بين الأزمتين في اتفاق واحد مع إيران وروسيا، اللتين تعدان أكبر دولتين داعمتين للأسد. وبمراهنة الدولتين على إمكانية نجاة الأسد من هذه الحرب، تخاطران بخسارة كل شيء استثمرتاه في ذلك البلد. ويمنح هذا أوباما ذريعة يمكنه استخدامها في مواجهة برنامج إيران النووي الذي يتقدم بخطى حثيثة.

ويقول جان ديفيد ليفيت، السفير الفرنسي السابق في واشنطن والمستشار الدبلوماسي لنيكولا ساركوزي حتى شهر مايو (أيار): «كان الرد الإيراني على فرض المزيد من العقوبات هو إسراع الخطى نحو تصنيع قنبلة نووية لا إبطاء الخطى. ليس لدينا الآن سوى بضعة أشهر قبل فوات أوان منع إيران من تصنيع قنبلة نووية». ويعتقد ليفيت أنه من الضروري على القوى الكبرى الست، التي تدير المفاوضات النووية مع إيران، التوصل إلى عرض شامل نهائي. ويرى أن الفشل في إقناع إيران بالموافقة على مثل هذا المقترح سريعا ينذر بواحد من احتمالين: إما الاضطرار إلى تقبل امتلاك إيران القدرة النووية وإما القيام بعمل عسكري لمنع ذلك.

وهنا تظهر سوريا في المشهد. ما يثير قلقي هو اقتراح أن يعمل الأميركيون من أجل إنقاذ أي جزء من نظام الأسد، الذي قتل عشرات الآلاف من السوريين بوحشية. مع ذلك يظل أقل الخيارات المتاحة سوءا هو سعي جميع القوى الكبرى نحو تحقيق هدفين أساسيين متداخلين هما: الحيلولة دون غرق سوريا بالكامل في حمام من الدماء وحث إيران على الالتزام بما جاء في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بالتخلي عن السلاح النووي. ولا يعني هذا حماية الأسد والمقربين منه، فعليهم أن يرحلوا. وهناك قادة ومسؤولون آخرون من العلويين، الذين يمثلون أقلية، مؤهلون للبقاء خلال المرحلة الانتقالية. وحدد مسؤولو الأمم المتحدة عددا من هؤلاء خلال اتصالات شخصية مع كل من الحكومة الأميركية والفرنسية والروسية بحسب مصادر دبلوماسية.

ويمكن أن يقنع تشكيل ائتلاف سوري يوفر الحماية المادية والسياسية للعلويين والأقليات الأخرى في سوريا، في الوقت الذي يمثل فيه القوة الجديدة المتجسدة في الأغلبية السنية، كلا من روسيا وإيران بأنهما ستتمتعان ببعض النفوذ وإن كان ضئيلا. من المفارقة أن هذا الائتلاف ربما يهدئ مخاوف إسرائيل من وجود الإسلاميين الجهاديين بقوة ضمن الحركة الثورية، ويكون له تأثير إيجابي على ما يحدث في مصر من انتقاص حقوق الأقلية.

تعد كل هذه الأمور من المحفزات الأساسية وإن صعب تقديمها، لكن البديل قاتم بشكل غير عادي كما أوضح ليفيت في معرض تصريحه بمقترحه خلال الشهر الحالي في المؤتمر السنوي للسياسة العالمية، الذي يعد مناسبة يجتمع فيها عدد كبير من مسؤولي السياسة الخارجية والباحثين والخبراء. وينظم المؤتمر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو من المراكز البارزة في فرنسا. ويرى ليفيت أن على المجتمع الدولي عرض خيارين أمام المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، آية الله علي خامنئي: إما أن تقبل إيران خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 5 في المائة أو أقل وتصدير مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وإما أنها ستواجه خطر حصول الولايات المتحدة على موافقة أوسع نطاقا من المجتمع الدولي لشن هجوم عسكري بقيادة أميركية لتقويض قدرة إيران النووية في وقت ما خلال عام 2013، وإن كان هذا يظل المحاولة الأخيرة التي تلجأ إليها أميركا.

منذ حديث ليفيت، زادت إيران سرعة عملية التخصيب، وأقنعني التدهور الحاد الذي تشهده سوريا أن الوقت يتسرب من بين أيدينا ويجب التوصل سريعا إلى اتفاق تسوية بناء بشأن أي من الدولتين. ويجب التعامل معهما معا هذا إذا تعاملنا مع واحدة بالأساس. حتى وقت قريب، كنت أشعر بارتياح نسبي تجاه تصريحات أوباما التي أكد فيها أنه ما زال هناك وقت للتوصل إلى حل سلمي في قضية إيران، لكن تهديدات الرئيس خلال تصريحات أخرى له بشأن إيران تطغى الآن على تصريحاته السابقة، حيث أعلن أن تصنيع إيران لقنبلة نووية أمر «غير مقبول»، موضحا أنه على استعداد للجوء إلى القوة العسكرية كخيار أخير من أجل منع هذا. من المرجح أن يتم انتخاب نتنياهو لولاية ثانية كرئيس وزراء لإسرائيل في 22 يناير (كانون الثاني). ويجعل هذا من الضروري اللجوء إلى المحاولة الأخيرة بشكل أسرع مما أراده ليفيت من أجل تفادي توجيه ضربات عسكرية تنذر بعواقب سياسية واقتصادية وخيمة على العالم أجمع.

أوضح ليفيت، المتقاعد حاليا، أنه لا يتحدث باسم الحكومة الفرنسية في ظل حكم الرئيس فرنسوا هولاند. مع ذلك أعربت فرنسا، سواء خلال فترة حكم ساركوزي أو حكم فرنسوا، عن قلقها البالغ بشأن إيران وسوريا. ويمكن لأوباما أن يعتمد على تقديم فرنسا دعما فعالا في المحاولات الرامية لعقد مفاوضات رفيعة المستوى، لكن لا غنى عن القيادة الأميركية إذا أردنا لهذه المفاوضات أن تنجح.

* خدمة «واشنطن بوست»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أمريكا وروسيا.. الأمر الواقع وصناعته

حازم عيّاد

السبيل

الإثنين، 31 كانون الأول 2012

التقدم الميداني الذي أحرزه الثوار في سوريا خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة، اثار اضطرابا هائلا لدى الساسة في الولايات المتحدة الامريكية وروسيا، فانتقال المواجهات الميدانية في سوريا من حالة» ستاتيكية « ثابته الى حالة «ديناميكية « متحركة، عبر تغير قواعد الاشتباك، احدث ازاحة كبيرة في خطوط التماس باتجاه دمشق ومدن الساحل الى حد كبير، ومكن الثوار من السيطرة على المعابر الحدودية التركية العراقية، والى حد ما الحدود الاردنية اللبنانية، وهدد بخنق النظام السوري خاصة بعد اغلاق مطار دمشق الدولي، في المجمل، ولدت التطورات الاخيرة مخاوف من احتمال انهيار النظام السوري، دون ان تتمكن الدولتان من ترتيب اوراقهما في الساحة السورية والاقليمية.

انخراط روسيا واميركا في دبلوماسية نشطة خلال الاسابيع الاخيرة، يعبر عن رغبة حقيقية روسية وأمريكية في احتواء تداعيات انهيار النظام السوري وسقوط الاسد على الاقليم وعلى مصالح الدولتين، فالمصالح الروسية في بعدها الاستراتيجي تمتد من تركيا والمتوسط الى القوقاز واواسط اسيا، والهواجس الروسية من صعود التيارات الاسلامية في جمهورياتها السابقة، تعمقها الخشية من تنامي النفوذ التركي، الذي طالما مثل تهديدا للنفوذ الروسي، ومعادلا موضوعيا له وقف عائقا امام طموحاتها في اسيا بل وحتى اوروبا. اما مرحليا ومن ناحية تكتيكية، فان فقدان روسيا لاي دور في صياغة مستقبل سوريا، يمثل تراجعا في نفوذها وفي قدرتها على التاثير على اهم صراع في المنطقة والعالم، وهو الصراع العربي الصهيوني؛ ما يعني فقدانها لمكانتها في الساحة الدولية.

من جهة اخرى تخشى الولايات المتحدة على مصالحها في العراق ولبنان والاردن، وامتداد تاثير انهيار بشار الاسد على حليفتها «اسرائيل»، وامتداد الربيع الى الضفة الغربية التي استثمرت فيها الكثير خلال العشرين عاما الماضية؛ لتضيف اعباء جديدة وتحديات غير مسبوقة للادراة الامريكية التي تعرضت لخسارة كبيرة بفقدان حليفها «مبارك» في مصر، خاصة بعد ان اختبرت خلال العامين الماضيين من عمر الثورة المصرية محدودية قدرتها على التأثير في المشهد المصري، وتراجعا مضطردا لنفوذها في مصر، وهو ما تخشى تكراره في سوريا التي امتنعت عن التدخل فيها لاعتبارات داخلية، تتعلق بعدم الرغبة في التورط بحروب جديدة الى جانب رغبة عميقة في ترك الازمة السورية تستنزف الدولة السورية؛ على أمل ان تقود الى تقسيمها، وهو ما اصبح محل شك كبير في ضوء التطورات الميدانية الاخيرة.

المعادلة الناشئة عن هذه القراءة تتلخص في ان سقوط نظام الاسد واستلام زمام الامور من قبل قوى سياسية صاعدة ذات تكوين اسلامي، سيعطي دفعة كبيرة لكل من تركيا ومصر، وسيزعزع استقرار الكيان الصهيوني، فاذا كانت روسيا تخشى من صعود اسلامي يهدد نفوذها في اسيا الوسطى والقوقاز، فان اميركا تخشى من صعود مصري يهدد نفوذها في الخليج العربي وبلاد الشام وفلسطين في حدود ما تسمية «الشرق الاوسط».

الخيارات الامريكية طول الاشهر الماضية انحصرت في عدم التورط في تدخل عسكري، وتدعيم حلفائها في الاقليم، في حين انحصرت الخيارات الروسية بتقديم دعم سياسي ولوجستي للنظام السوري، على امل امتلاك اوراق مؤثرة في الازمة السورية. الخيارات المذكورة تتعرض الان وبشكل غير مسبوق لاختبار مهم نتيجة للتطورات الميدانية في الساحة السورية، ونتيجة لغياب التاثير في القوى المعارضة المقاتلة داخل الاراضي السورية.

التحولات الاخيرة في الساحة السورية تدفع الدولتين الى بذل جهود كبيرة بهدف احتواء الحالة السورية، عبر جهود ديلوماسية تسعى الى الحفاظ على ما امكن من بقايا النظام، واعادة انتاج الخيار اليوغسلافي ان امكن، وتختلف الاستراتيجيتان الامريكية والروسية من حيث التكتيك المتبع، الا انهما تتفقان على الهدف المراد وهو تكريس حالة الصراع والتناحر في سوريا، وابقائها في حالة ضعف شديد و صراع ، ولخدمة اهدافها تسعى روسيا الى استثمار الجهود الدبلوماسية والضغوط الميدانية التي يمارسها النظام السوري من خلال قصف المدنيين؛ لاكراه المعارضة السورية وترويضها للقبول بحل يبقى على ما امكن من بقايا النظام، والاعتراف بجيوب خاضعة عسكريا للنطام السوري لصناعة امر واقع يفرض نفسه على المعارضين والثائرين على النظام السوري، في حين تسعى الولايات المتحدة الى قبول الامر الواقع الممثل بانهيار النظام السوري، ولكنها في ذات الوقت تسعى الى استثمار حاجة السوريين الى اعادة البناء واستثمار الفشل المتوقع ان تقع فيه المعارضة السورية بقيادة الائتلاف الوطني، كما ان الولايات المتحدة الامريكية تراهن على ضعف التنسيق والقدرة على الانسجام بين القوى الثائرة على النظام السوري، وقدرة القوى التقليدية والبيروقراطية في النظام السوري على اعادة ترميم صفوفها، مستوحية ذلك تارة من التجربة المصرية بخلق تيار ثالث وتارة اخرى من تفاعلات الازمة في يوغسلافيا، بعيد انتهاء الحرب الباردة.

لاتستطيع الدولتان ان تقدما مقاربة افضل للحالة السورية في ضوء ضيق الافق والضغوط التي تفرضها الوقائع الاقليمية والدولية، فالتطورات الميدانية في العراق والضفة الغربية وقطاع غزة ومصر تضيق من حجم الخيارات، وتحولها الى رهانات لا سبيل للتيقن من صحتها الا باختبارها على الارض، وهو ما تخشى الدولتان روسيا واميركا من التعاطي معه، فحالة عدم اليقين هي الخطر الذي يتهدد استراتيجية الدولتين.

تختلف الدولتان في منهج العمل الا انهما تتفقان في تقدير حجم التهديد والتحدي الذي تولده الازمة السورية، والمخاطر الناجمة عن امكانية اطلاق دينامكيات يصعب التحكم بها، خاصة وان هذه الدينامكيات ترتبط بارادة شعوب المنطقة وليس بارادة القوى الكبرى، التي تحكمت في مصير المنطقة طوال العقود العشرة الماضية، فحالة عدم اليقين في الازمة السورية منبعها الاساسي قدرة الشعب السوري كما الشعب المصري على مفاجأة القوى الخارجية باداءات سياسية وميدانية غير مسبوقة في تاريخ هذه القوى، التي تحكمت في مصير المنطقة عقودا طويلة .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موسكو.. هذا هو الحل!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

30-12-2012

من حق المعارضة السورية ان ترفض دعوة روسيا لها لزيارة موسكو وإجراء حوارات حول ما جاء به المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي أولاً إلى دمشق وثانياً إلى العاصمة الروسية فهذا البلد كان قد إنحاز ومنذ لحظة إنفجار هذه الأحداث المتصاعدة إلى جانب بشار الأسد ونظامه ووزير خارجيته سيرجي لافروف أصبحت يداه ملطختان بدماء أبناء الشعب السوري مثله مثل كل قادة الأجهزة الأمنية السورية ومثله مثل كل الذين يقودون جيش هذا النظام الذي تحول إلى عصابات قتل وتدمير تستهدف حتى الأطفال الذين يصطفون أمام أفران الخبز في طوابير طويلة ليعودون ببعض الأرغفة حتى وإن كانت مجبولة بالدماء.

لماذا يذهب قادة المعارضة السورية إلى موسكو ما دام أن لافروف هو.. هو ولم يتغير ولم يتزحزح عن مواقفه الأكثر تشدداً من مواقف مجرمي الحرب في دمشق.. هل كي يُلقي عليهم وزير الخارجية الروسي المعزوفة نفسها التي بقي يصفهم فيها بأنهم عصابات إجرامية وأنهم إمتداد لـ»القاعدة» وباقي التنظيمات الإرهابية وأن المعارضة التي بالإمكان التفاهم معها هي «معارضة الداخل» لصاحبيها علي مملوك ورامي مخلوف..؟!

لا حاجة لا للإعتذار ولا لإظهار الندم على المواقف السابقة واللاحقة التي هي المسؤولة عن تعنت بشار الأسد وإصراره على حلول العنف المفرط وبالتالي التي هي المسؤولة عن كل هذا الدمار الذي حلَّ بسوريا وسقوط كل هذه الأعداد من القتلى والجرحى ومن المفقودين غير المعروف عنهم أي شيء.. وكل المطلوب من موسكو ان تصحح خط سيرها وأنْ تعلن تخليها عن هذا الحليف الذي ستبقى تدفع ثمن تحالفها معه وعلى حساب مصالحها في هذه المنطقة التي دخلت دائرة التغيير والتي لن يكون مستقبلها وعلى الإطلاق مثل ماضيها!!.

إذا ارادت موسكو أن تذهب إليها المعارضة السورية فعليها أن تطوي صفحة مواقفها السابقة ،وحقيقة والحالية، تجاه حمامات الدماء التي تجري في سوريا وتفتح صفحة جديدة يكون عنوانها على الأقل :»النأي بالنفس» وعدم دعم الظالم ضد المظلوم والتوقف نهائياً عن مساندة نظامٍ قاتل باتت أيامه معدودات وغدت نهايته قريبة.

إنه لم تعد هناك إمكانية لأي حلّ يسمح ببقاء بشار الأسد وببقاء نظامه إنْ به وإن بدونه حتى ولو ليومٍ واحدٍ فمثل هذا الحل كان ممكناً في الستة الشهور الأولى وكان ممكناً عندما لم تكن كل هذه الدماء قد سالت في سوريا وعندما لم ينتقل القتال والإقتتال من المدن الشمالية البعيدة إلى دمشق التي أصبح مطارها «معطلاً» وأصبحت هي بكل أحيائها تنام ليلها على أزيز الرصاص ودوي الإنفجارات المرعبة وتستقبل صباحها على الغارات الجوية التي بقيت غائبة عن هضبة الجولان المحتلة لنحو أربعين عاماً.

لم يعد هناك أي مجال للمناورات والألاعيب فلقد «إستوى العدس» ،كما يقال، ولذلك وإذا كانت روسيا تريد ان تلحق الرَّكب قبل أن يُصبح بعيداً عنها بُعد الأرض عن السماء فإن عليها أن تتصرف على أساس أن حليفها في دمشق قد انتهى وعلى أساس أن التغيير إقترب من قصر بشار الأسد وغير هذا فإن «الرفيق» فلاديمير بوتين سيجد نفسه وقد خسر مصالحه ومصالح بلده في هذه المنطقة الإستراتيجية والحساسة وفي الوقت ذاته سيجد أن الولايات المتحدة قد عززت وضعها كقطب أوحد في العالم كله وعلى غرار ما بقي قائماً منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي في بدايات تسعينات القرن الماضي وحتى الآن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لافروف في معركته الأخيرة .. وإيران أيضا * ياسر الزعاترة

الدستور

30-12-2012

منذ شهور طويلة، لا نرى لوزير خارجية روسيا أي عمل حقيقي خارج سياق المتابعة الحثيثة للمعركة الدائرة في سوريا، فيما يلاحظ الجميع تلك المسافة في المواقف بينه وبين نائبه بوغدانوف على سبيل المثال، ولا يعرف ما إذا كانت إيران قد اشترت جهوده تلك بطريقة أو أخرى، لاسيما أنه يبدو أكثر تشددا حتى من بوتين نفسه، فيما يتحدث عن المنطقة في بعض الأحيان كما لو كان شيعيا يدافع عن الشيعة ضد طغيان السنّة، وهو خطاب يثير الانتباه، معطوفا على قدر من الازدراء.

وفيما يؤكد المراقبون أن الخناق قد أخذ يضيق على بشار الأسد، فإن أحدا لا يمكنه الجزم بمدى قدرة نظامه على الصمود، أولا بسبب الإصرار الإيراني الروسي على الدعم، وثانيا لأن الثوار لا يزالون يترددون كثيرا في اقتحام المدن والمكوث فيها خشية تدميرها كما حصل في مدن عديدة مثل حلب وحمص، فيما يتحصن فيها النظام، من دون أن يذهب بعيدا في مهاجمة مواقع الثوار من حولها.

حين يشرع الصهاينة في بناء سور في المناطق المحتلة بغية النأي بأنفسهم عن مشاكل ما بعد الأسد (لم تكن هناك حاجة للسور قبل ذلك!!)، فهذا يعني أنهم باتوا يقرؤون المشهد على نحو مختلف، الأمر الذي ينطبق على الفرقاء الآخرين.

يمكن لبشار أن يصمد أكثر، ويواصل التدمير أيضا، لكن عاقلا لا يمكنه القول بقدرته على الانتصار، وهو ما اعترف به نائب لافروف (بوغدانوف)، واعترف به فاروق الشرع أيضا، بل ويعترف به حلفاء آخرون يقولون ذلك في الغرف المغلقة، ولعل ذلك هو ما يدفع الآن نحو هذه الحركة المحمومة من أجل إنجاز حل سياسي بتوافق أمريكي غربي روسي، وبالضرورة إيراني.

لم يكن بوسع الأخضر الإبراهيمي أن يتحدث من قلب دمشق عن حكومة “بصلاحيات كاملة”، مشددا على الصلاحيات الكاملة، لولا تأكده من أن أمرا كهذا لن يثير حفيظة الروس والإيرانيين، فضلا عن الأسد نفسه، ولا قيمة بعد ذلك لتصريحات لافروف التالية التي تمارس الغطرسة في الوقت الضائع.

ما بات واضحا منذ شهور أن الوضع على الأرض لا يُدار إلا من قبل النخبة العسكرية والأمنية العلوية (معها قلة قليلة غير فاعلة من السنة)، وهي نخبة لا يمكنها القبول برحيل طوعي للأسد لا ينطوي على تسوية سياسية تحميها من مغبة الانتقام.

هذا الوضع تدركه إيران، وتدركه روسيا، وكلاهما معنيتان بهزيمة أقل وطأة في سوريا؛ تحافظ على الحد الأدنى من هيبتهما ومصالحهما، ولن يحدث ذلك إذا ما استمرا في سياسة العناد حتى الرمق الأخير، لاسيما أنهما لا يملكان ضمانات بقدرتهما على حماية النظام من الانهيار بين لحظة وأخرى.

الأطراف الغربية، وفي مقدمتها أمريكا تدعم الحل السياسي، ليس خوفا على السلاح الكيماوي لصالح إسرائيل فحسب، وإنما على أمل التأثير في الوضع التالي بعد الأسد أيضا (هذا ليس قدرا بالتأكيد)، وعلى هذه القاعدة المشتركة تتم الحوارات، لاسيما أن قوى المعارضة وفي مقدمتها الائتلاف ستقبل على الأرجح حكومة كاملة الصلاحيات مع رحيل الأسد، وبالطبع خشية التدمير الكامل وخسارة المزيد من البشر، وفقدان مؤسسات الدولة وصولا إلى الانهيار. صحيح أن هناك أطرافا على الأرض لا زالت تشكك في الائتلاف وتصر على حسم عسكري شامل، لكن هذه الأطراف لن تكون قادرة على تجاهل الرأي العام الشعبي الذي قد ينحاز لحل سياسي (جيد) يحافظ على ما تبقى من مقدرات البلد، ويوقف سيل المعاناة.

مما تابعناه في الأيام الماضية، وبعيدا عن لغة لافروف المتشددة، يمكننا القول إن ثمة أفقا لانفراج سياسي يبدو أن النخبة المحيطة ببشار لا تمانع في دفعه قدما إلى الأمام، وإذا ما تواصلت الجهود، فإن المعركة قد تكون في طريقها إلى أن تضع أوزارها، وإن كان من الصعب الجزم بتفاصيل المرحلة التالية التي لن تمر بسهولة ويسر. إذا لم يحدث ذلك، وعاد الروس للاستجابة لتشدد لافروف، فستستمر المعركة وصولا إلى حسم عسكري لم يعد موضع شك، وإن بدا من الصعب الجزم بتوقيته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرئيس يريد سورية من دونه في «الجحيم»

خالد الدخيل *

الأحد ٣٠ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

هل هناك إمكان لحل سياسي يؤمن مخرجاً للأزمة في سورية؟ أخبار الأيام الأخيرة تفيد بتوافر معطيات هذا الحل. بعد زيارته إلى دمشق الأسبوع الماضي، واجتماعه مع الرئيس بشار الأسد، وفريق هيئة التنسيق الوطنية (معارضة الداخل)، قال المندوب العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي إن الحل يتطلب تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، ويقال إن زيارته إلى روسيا (أمس) هي لنقل موقف كل من الحكومة السورية ومعارضة الداخل من هذا المقترح. قبل مغادرة الإبراهيمي دمشق ذهب نائب وزير الخارجية السورية، فيصل المقداد، إلى موسكو. من جانبها دعت الحكومة الروسية قيادة هيئة الائتلاف الوطني (معارضة الخارج) إلى موسكو للتفاوض حول الفكرة نفسها. أبرز ما قيل عن نتائج هذه التحركات هو تصريح حسن عبدالعظيم، منسق هيئة التنسيق الوطنية السورية، لصحيفة «الحياة» الخميس الماضي «أن الإبراهيمي يحمل إلى الجانبين الأميركي والروسي... موافقة النظام السوري على نقاط أربع تبدأ بوقف العنف، وإطلاق المعتقلين والأسرى، وتأمين أعمال الإغاثة، ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، تنهي الوضع القائم، وتصدر دستوراً جديداً، وتجرى انتخابات برلمانية ورئاسية».

ما قاله عبدالعظيم لافت، بخاصة أنه من الذين اجتمعوا مع الإبراهيمي في دمشق، وهو يوحي في تصريحه بأنه ينقل ما قاله لهم في ذلك الاجتماع. بناء على ذلك هل يمكن أن يكون ذهاب المقداد إلى موسكو لنقل موافقة حكومته على نقاط الإبراهيمي؟ مصادر روسية تقول، وفق صحيفة «الحياة» أيضاً، إن هدف المقداد من الزيارة هو نقل تحفظات حكومته عن مقترحات الإبراهيمي، ما يعني أن الرئيس السوري لم يقبل على الأقل بكل هذه المقترحات. وبما أن المعنى المقصود بـ «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة» هو نقل هذه الصلاحيات كاملة من الرئيس الأسد إلى هذه الحكومة، فماذا سيكون مصير الرئيس السوري في هذه الحال؟ هل سيبقى في منصبه خلال المرحلة الانتقالية كرئيس شرفي من دون صلاحيات؟ أم أنه سيتعين عليه التنحي عن منصبه؟ عن هذه الأسئلة يقول عبدالعظيم إن «بقاء الأسد في السلطة خلال الفترة الانتقالية ما زال مدار نقاش». وهنا بيت القصيد الذي يعيد كل شيء إلى المربع الأول، فإذا كانت الحكومة السورية وافقت على مقترحات الإبراهيمي، فلماذا لم تعلن هي هذا الموقف بشكل رسمي؟ أو لماذا لم يأتِ الإعلان من الإبراهيمي نفسه، بعد اجتماعه مع الرئيس الأسد، ثم مع معارضة الداخل؟

يتردد أيضاً أن تحركات الإبراهيمي تتم على خلفية تفاهم أميركي روسي يؤمن غطاء لمهمته، ولما يمكن أن تسفر عنه، وأن هذا التفاهم سوف ينتهي بقرار من مجلس الأمن تحت البند السادس يلزم الحكومة والمعارضة بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. هناك صمت أميركي حيال هذه التحركات، وهو صمت يبرر ما يبدو أنه شلل وزارة الخارجية الأميركية بسبب مرض هيلاري كلينتون التي ستغادر منصبها، وعدم تثبيت وزير الخارجية الجديد، جون كيري، انتظاراً لموافقة مجلس الشيوخ على تعيينه في هذا المنصب. والحقيقة أن الصمت الأميركي يعبر عن حقيقة موقف واشنطن، فهي ليست على عجلة من أمرها! عين واشنطن في الموضوع السوري ليست على دمشق، وإنما على طهران، وخوفها على تل أبيب وليس سورية، وفي المقابل هناك جلبة تصريحات روسية، بخاصة من وزير الخارجية سيرغي لافروف، تصب كلها في تأكيد ضرورة الحل السياسي، وأنه المخرج الوحيد لكل الأطراف، ومع أن موسكو تردد أخيراً بأن مصير الأسد لا يعنيها كثيراً، إلا أن لافروف لا يمل من التأكيد على أن تنحي الأسد لا ينبغي أن يكون شرطاً مسبقاً للحوار بين الحكومة والمعارضة.

السؤال هنا: هل يمكن التوصل مع النظام الحالي إلى حل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية تديرها حكومة موقتة بصلاحيات كاملة، وينتهي بنظام ديموقراطي؟ كل محب ومخلص للشعب السوري يتمنى لو أن شيئاً قريباً من ذلك يمكن تنفيذه، لكن الحقيقة أن هناك عقبات «كأداء» أمام مثل هذا الحل. أولى هذه العقبات وأخطرها هو النظام السوري نفسه، فهو لا يؤمن بالحلول السياسية في الداخل، وبخاصة ما يتعلق منها بموضوع الحكم، وهو لم يتأسس أصلاً للتعامل مع مثل هذه الحلول. الحل السياسي بالنسبة اليه في شأن الحكم وانتقاله شكل من أشكال المؤامرة. مهما كان شكل هذا الحل، ومهما كانت أهدافه، والنوايا التي تقف خلفه، وأياً كان الطرف الذي يرعاه، سيؤدي في الأخير إلى تلاشي النظام، واستبداله بآخر. بشار الأسد يعرف هذا جيداً، لكنه لا يملك إعلان رفضه على الملأ. يملك تأخير هذا الحل، وعرقلة انطلاقته، والالتفاف عليه بكل وسيلة ممكنة، وكانت آخر هذه الوسائل العودة مرة أخرى لاسطوانة «الحوار الوطني الداخلي» تحت مظلة النظام، والأرجح أن مهمة المقداد في موسكو هي لإقناعها بجدوى هذا الحوار. استراتيجية النظام منذ بداية الثورة وحتى الآن لم تتغير: كسر الثورة عسكرياً، وشراء المزيد من الوقت لتحقيق ذلك. موسكو لا تمانع في ذلك، لكنها تدرك أن هذا الهدف يبتعد بشكل مستمر أمام نجاحات المعارضة المسلحة على الأرض، فلا تتوقف موسكو عن محاولة إقناع المعارضة بقبول الحوار، والغريب أن الروس لا يدركون، أو هكذا يبدو، أن موقفهم هذا لا يبقي من رصيد صدقيتهم الشيء الكثير. قوات النظام تدك المدن بالطائرات والصواريخ الروسية، ومئات القتلى يسقطون يومياً، ولا تملك موسكو ما تقوله أمام كل ذلك إلا دعوة المعارضة للحوار مع النظام، أي الاستسلام للحل الأمني. يشبه الموقف الروسي في هذه اللحظة موقف إيران.

العقبة الأخرى هي بشار الأسد. جاء إلى الحكم بطريقة توريث من خلف كواليس الأجهزة الأمنية. ليس له تاريخ سياسي، وليس له إنجاز، ولم يكن معروفاً إلا أنه ابن حافظ الأسد، وبالتالي فليست له شرعية خاصة به يمكنه الاستناد إليها. انفجرت الثورة في وجهه وهو لا يزال أسير هذا الإرث، والأرجح أنه «مهجوس» بحلم القضاء على الثورة، لأنه إذا تمكن من ذلك، أو تمكن من تطويعها، فسيتمكن عندها من إعادة تأسيس النظام وفقاً لمقاسه هو، ومقاس تحالفاته مع إيران وروسيا، وأنه بهذا الإنجاز سوف يؤسس لشرعية مستمدة من صموده ومن إنجازاته، وبالتالي سيتخلص إلى الأبد من مثلبة التوريث، ومن اعتياشه على إرث أبيه. قبوله بحل سياسي ينتهي بتنحيه يعني أنه فشل تماماً في كل شيء، وبخاصة في المحافظة على الحكم الذي ورثه، وأؤتمن عليه من أبيه.

المبادرة نفسها، كما تبدو عليه، هي مصدر فشلها، فهي مبادرة باردة، تتجاهل كل الدماء التي سالت، والدمار الذي طال المدن على يد قوات النظام. غموض مصير الرئيس الأسد فيها مؤشر على ذلك، وعلى أنها لم تكتمل بعد، وهو غموض ينسف التفاؤل الذي ينطوي عليه تصريح عبدالعظيم، ثم إن رفض معارضة الداخل المسلحة، ومعارضة الخارج لأي حل لا يبدأ بتنحي الأسد وأركان نظامه موقف طبيعي، بل موقف الحد الأدنى في هذه المرحلة. وأثناء كتابة هذه المقالة أعلن لافروف بعد محادثاته مع الإبراهيمي أن الأسد مصرّ على البقاء في السلطة، وهذا كما يبدو، خلاصة ما سمعه من المقداد والإبراهيمي. من جانبه قال الإبراهيمي «إما الحل السياسي أو الجحيم».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فجر سورية آتٍ

بينة الملحم

الرياض

30-12-2012

أثار خبر تجدّد دعوة موسكو للحوار والأحاديث الروسية الأخيرة عن الحالة السورية الكثير من الشكوك حول مصير الأسد ونظامه.

حثت موسكو مؤخراً دمشق على تنفيذ دعواتها السابقة للحوار مع المعارضة، كما دعت الائتلاف الوطني السوري المعارض للمشاركة في مفاوضات بهدف تسوية النزاع السوري. إلا أن رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد معاذ الخطيب رفض الدعوة، وقال إن روسيا يجب أن تعتذر للشعب السوري عن تدخلها في الشؤون الداخلية لسورية.

التقارير تتحدث عن خروج الأسد من دمشق ولجوئه إلى مناطق علوية في الساحل ما يجعل التأزيم الطائفي للثورة السورية يتنامى.

الأمم المتحدة وصفت الذي يجري في سورية بأن له صبغة طائفية، والنظام السوري يزداد ضعفاً وخوراً وإفلاساً. جهاد مقدسي الناطق باسم الخارجية السورية وضعه غامض، فبعض التحليلات تتهم حزب الله باختطافه من بيروت وتسليمه للنظام السوري ما يجعل مصيره في غايةٍ من الغموض والبعض الآخر يتحدث عن خروجه إلى دولةٍ غير متوقعة فلا هي بريطانيا التي عمل فيها مقدسي من قبل ولا هي أميركا بدليل أن تأشيراته للدخول منتهية.

روسيا بدأت تستخدم منطق «لدينا قلق على سورية ما بعد الأسد لا على الأسد»! هذا المنطق تنامى مع حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقناة «روسيا اليوم» والذي قال:» استخدام الأسلحة الكيماوية سيكون بمثابة «انتحار سياسي» لنظام الرئيس السوري، لا أعتقد أن سورية ستستخدم أسلحة كيماوية وفي حال حصل ذلك، فسوف يكون ذلك بمثابة انتحار سياسي للحكومة، الجميع متفقون ومنهم شركاؤنا الغربيون والأوروبيون على أن التهديد المباشر يتأتى من إمكانية سيطرة الثوار على المواد الكيميائية، تحت أي ظرفٍ من الظروف لن تتدخل روسيا لنقل اقتراحات من أي نوع إلى الأسد لأن هذا الأمر متروك للسوريين أنفسهم هم من يجب أن يقرروا ذلك»!

هذه العبارات من لافروف جعلت البعض يصفه ب»الحمامة» بعد أن كان «صقراً» في الدفاع عن النظام السوري وتبرير جرائمه ومنع أي قرارٍ من مجلس الأمن بالتعاون مع الصين.

روسيا الآن تعرف أن مصير سورية هي سبب فيه وإلا لو سارت مع الضمير الشعبي تجاه المجتمع السوري والثائرين لما وصلت سورية إلى الحالة التي وصلت إليها، غير أن روسيا دولة تجارة ودولة مافيا وليست دولة سياسية بالضرورة.

كتب مدير مركز الإصلاح الأوروبي «تشارلز غرانت» في صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً بعنوان:»روسيا والصين وعراقيل التقدم» قال فيها إن: «العائق الأساسي في طريق الإصلاح في الدولتين هو الجماعات القوية التي تعمل لمصلحتها الشخصية. تحيط الكثير من العائلات في روسيا وكذلك رجال أعمال بفلاديمير بوتين ويسيطرون على الشركات الكبرى التي تتحكم في الموارد الطبيعية والمؤسسات الأمنية، ولا يريدون إعادة الاتزان إلى البلاد، فهذا يهدد ثرواتهم ونفوذهم. وبالمثل في الصين، ترتبط الكثير من الفصائل في الحزب الشيوعي، ومشاريع الدولة الكبرى والمؤسسة الأمنية بالريع الاقتصادي والامتيازات التي يضمنها النظام الحالي، إن المصدر الرئيسي لشرعية النظامين في روسيا والصين هو النمو الاقتصادي الذي يساعد على تحسين مستوى المعيشة. وفي ظل تباطؤ النمو، والمرشح للمزيد من التباطؤ في حال استمرار رفض استعادة الاتزان، سيحتاج النظامان وسائل جديدة لإضفاء الشرعية على حكمهما»!

هذه المقالة بليغة ودالة على مستويات التحدي في روسيا والصين، والنتيجة أن روسيا تريد إرضاء العائلات التاجرة في البلد ولهذا لم تستطع أن تكون ذات سياسة أخلاقية ولم تجد إلا النفعية المحضة وسيلةً للتدخل في سورية..

حمت روسيا النظام السوري إلى أبعد الحدود وسيأتي اليوم الذي تشعر فيه بأن النظام السوري قد تآكل وربما يكون تغير الخطاب الروسي.. وانتهاء النبرة الاستعلائية في السياسة أحد علامات الانهيار الذي يجري للأسد.

روسيا تريد أن تبقي على الأسد بأي ثمن، لكنها هي من قال إن وضع نظامه في حالةٍ صعبة وهي التي تتحدث عن آلامٍ يعاني منها النظام، ولا ننسى تصريحات فاروق الشرع الذي قال إن النظام يصعب عليه حسم المعركة ... الأكيد أن فجر سورية سيأتي وهذا ما يعزينا وسط الأخبار المؤلمة والصادمة..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسئلة صريحة تواجه الثورة السورية

إن درجةً عاليةً من التهميش والإقصاء مورست على الغالبية العُظمى من الساسة المنشقين..

د. وائل مرزا

الأحد 30/12/2012

المدينة

لماذا يُعتبر المنشق (العسكري) فقط شريفاً عند شرائح من أبناء الثورة السورية؟ ويُغفر له تاريخه (البعثي)؟ ويتم التجاوز عن عمله سنوات طويلة مع النظام؟ ويُرحّب به للعمل في مجاله حتى على مستوى القيادة؟ في حين يندر أن يُستعمل الوصف نفسه مع المنشقين السياسيين عن النظام، ويتم التعامل معهم بلسان الحال، وأحياناً بلسان المقال، أنهم من المشكوك في أمرهم. ويغلبُ أن يتم رفض وجودهم في ساحة العمل السياسي المعارض الذي يهدف إلى إسقاط النظام، وتكاد الدعوة لإعطائهم دوراً قيادياً في المراحل الانتقالية تُصبح تهمةً على من يُطلقها، وفي أحسن الأحوال (تابوهاً) من المحرمات لايجوز الكلام فيه أصلاً.

لاندعو هنا في قليلٍ أو كثير لسحب صفة الشرف عن الضباط الذين انشقوا على جيش النظام وانحازوا إلى شعبهم، بل إن هؤلاء يمثلون معنى البطولة في كثيرٍ من الأحيان لأسباب لايختلف عليها اثنان. لكن مايهمنا في الموضوع يتمثل في تجاوز استخدام المقاييس الثنائية مع الذين كانوا يعملون في الدولة السورية، وكانوا بشكلٍ أو بآخر تابعين للنظام الآيل للسقوط، وكانت الغالبية منهم، ممن وصلوا إلى مراتب عالية فيه، من البعثيين.

لقد كانت نداءات الانشقاق التي تُرسل إلى السياسيين ممن يعملون مع النظام في مقدمة النداءات التي أطلقها الثوار، وكان معروفاً أن الثورة ستحقق مكاسب كبيرة بانشقاقهم، وأن هذه العملية تُعتبر عنصراً رئيساً من عناصر إسقاط الشرعية عن النظام سياسياً، ومن عناصر الحرب المعنوية التي تجعل بنيته تُصاب بالاهتراء التدريجي.

هذه حقيقةٌ ثمة إجماعٌ كبيرٌ عليها. فما هو ردّ الفعل الطبيعي تجاه أولئك إذا استجابوا للنداءات وقاموا بما كانت الثورة تدعو إليه بشكلٍ ملحٍ ومتكرر؟ بدرجةٍ من الصراحة والشفافية، لايبدو أن ردّ الفعل على الحالات التي حصلت ينسجم مع منطق الثورة وخطابها الأصيل ومبادئها المتميزة. ففيما عدا بعض مظاهر الترحيب الخجول والسريع بتلك الحالات، والتي غلبت عليها رنّة الشماتة بالنظام، قصّرت المعارضة السياسية في استيعاب الطاقات المذكورة في صفوفها. بل يمكن القول أن درجةً عاليةً من التهميش والإقصاء مورست على الغالبية العُظمى من الساسة المنشقين. وحتى في بعض الحالات التي فيها تم التواصل مع أفراد منهم، كان هذا التواصل بمثابة محاولةٍ للـ (توظيف) من قبل بعض التجمعّات الحزبية لأسمائهم هي من قبيل الاستثمار لاأكثر ولا أقل.

.قد يقول قائل إن النظرة المذكورة تتعلق فقط بالمنشقين من الطبقة السياسية العالية، لكن هذا بحدّ ذاته يُمثّل مشكلةً كبيرة. فإذا كان الترحيب يرتفع كلما كان المنشق العسكري أعلى رتبةً، ماذا يعني أن ينخفض الترحيب كلما كان المنشق السياسي أعلى موقعاً؟ خاصةً وأننا نعلم أن نفوذ وقوة العسكري العامل في النظام من الرتب العليا كان في جميع الأحوال أكبر من نفوذ وقوة السياسي العامل في النظام من الدرجات العليا.

قد يكون من التفسيرات (المُخيفة) للموضوع أن ثقافتنا لاتزال تحترم (القوة) بمعناها المباشر الذي يتمثل هنا في القدرة على حمل السلاح. ونحن لانصف هذا التفسير بأنه مخيف لأننا لانُقدّر عمل العسكريين وعطاءهم، بل لأننا نحسبُ أن الجميع متفقون على أن من أهداف الثورة إيجاد سوريا الديمقراطية الحديثة التي يكون من ملامحها الواضحة ألا يُسيطر عليها أحدٌ بقوة السلاح. وبما أن كثيراً من الثوار العسكريين والمدنيين يُصرحّون بقبولهم لهذه الحقيقة في المناسبات العامة واللقاءات الخاصة، فإن عملية مراجعةٍ للموقف من المنشقين السياسيين باتت مطلوبةً وبإلحاح.

ثمة بعدٌ آخر للموضوع لايمكن الهروب منه أيضاً. فنحن نعلم أن الغالبية العظمى من شرائح المعارضة السياسية الحالية لم تعمل في يومٍ من الأيام في مجالات الإدارة الحكومية، وليس لديها خبرةٌ في دهاليزها التي تحتاج إلى درجةٍ من الخبرة والمعرفة والدراية العملية. من هنا، فلن يكون غريباً القولُ أن العاملين في الدولة يجب أن يبقوا خزّان الكوادر البشرية الذي سيرفد النظام السوري الجديد المُنتظر.

ثمة شرطٌ يتفق عليه الجميع ويتمثل في ألا يكون في مواقع القيادة أشخاصٌ تلوثت أيديهم بدماء السوريين بشكلٍ مباشر من خلال الأمر والمساهمة العملية، أو بشكل غير مباشر من خلال التمويل الكثيف والمقصود لعملية قتل السوريين. وهذا شرطٌ يجب أن يكون الحُكمُ بوجوده مَنوطاً بهيئات قضائية ثورية عادلة. أما فيما عدا ذلك، فمن غير المنطق إقفال الباب في وجه خبراتٍ وطاقاتٍ يمكن أن تساهم في الإدارة الحكومية بشكلٍ متميز وكبير.

ماهي رؤية المعارضة السورية للآلية المحددة لانتقال النظام، سواء كان الأمر عبر شرعية سياسية أو ثورية؟ ماهي التوازنات الحساسة بين مايُعتبر حقيقةً بمثابة (تنازلات) تتناقض جذرياً مع أهداف الثورة، وبين قراراتٍ سياسية تُساعد على وقف المجازر بحق الشعب السوري؟ هل يُعتبر كل اتصال، ولو كان بشروط مدروسة سياسياً، مع بعض القوى الدولية والإقليمية التي تساند النظام خيانةً للثورة؟ كيف يجب أن تكون طبيعة العلاقة حالياً ومُستقبلاً بين الساسة المعارضين والثوار من العسكر والمدنيين؟ هل ينحصر معنى القيادة في الانسجام مع المزاج السائد العام، أم يتجاوز ذلك إلى اتخاذ قرارات قد لاتحظى بالشعبية على المدى القصير وإن ظهر صوابها على المدى الأبعد؟

هذه وغيرها أسئلةٌ صريحة تواجه الثورة السورية وأهلها يجب أن تُطرح بوضوحٍ وشفافية كما هو الحال مع موضوع المنشقين السياسيين الوارد أعلاه، والهروب من مواجهتها لايليق بالتأكيد بمقام الثورة وثقتها بنفسها وبشعبها الواعي الذي يكتب التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

.. وأين أخطأ؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

30-12-2012

يحار سوريون كثيرون في فهم ما جرى لبلادهم. وبما أنهم لا يجدون مسوغات لسلوك النظام الحربي ضد شعبهم، فإنهم يتهمون أهل السلطة بالجنون تارة، وبنقص الوطنية أو الخبرة تارة أخرى، ولا يكفون عن طرح سؤال يحيرهم: ما هذا الجنون الذي يعتمده الحكام وما أسبابه؟

هذا السؤال تحدى أيضا المهتمين والعارفين بالشأن السوري، بمن في ذلك مفكرون وكتاب كبار، يتبادلون طرح هذا السؤال الصعب على بعضهم البعض، حين يتحادثون بالهاتف أو يلتقون. لماذا حدث ما تعيشه بلادنا اليوم؟ ولماذا لم يكن يخطر لنا ما عاشته خلال العامين الماضيين على بال؟ ولماذا لم نصدق أنه يحدث فعلا حتى بعد قيام الثورة بفترة غير قصيرة؟

سأضع نفسي في مكان أهل السلطة، لإيجاد مقاربة معقولة للطريقة التي اعتمدوها في فهم الحدث السوري ومعالجته. أعتقد أن الرئيس وطاقمه القيادي والاستشاري فهموا العلاقة بينهم وبين الشعب على نحو جعلهم يقررون نمط سلوكهم الحالي، الذي قام منذ البداية على اللجوء إلى قدر أقصى من العنف، أرادوا له أن يكون رادعا إلى أبعد حد يمكن تصوره. وأعتقد أن الرئيس وجماعته كانوا على ثقة من أنه لن تكون هناك ثورة في سوريا، وأن عدد من سينزل إلى الشارع من السوريين لن يكون كبيرا في جميع الأحوال، لذلك سيكفي لإعادته إلى رشده قدر صاعق ومفرط من القوة، بالإضافة إلى اتهامه بالعمالة للأجنبي في الخارج، وللإسلاميين في الداخل. أما العنف، فهو سيعيدهم إلى رشدهم وسيجعلهم يدركون أن المسألة لا تحتمل المزاح، وأن النظام لن يحجم عن فعل أي شيء لقمع وقتل من يتظاهر منهم، بينما ستكفي تهمة العمالة لإقناع السوريين عموما بأن عقوبة من يتظاهر منهم هي الإعدام.

وقد قال الأسد شيئا من هذا قبيل الثورة، عندما نفى أن يكون هناك خطر ثورة من الطراز التونسي أو المصري في سوريا، وأشار إلى وجود تطابق بين النظام والسوريين في الوطنية والممانعة، وانتفاء التذمر في البلاد. في ظني أن الرئيس كان يفكر على النحو التالي: لدينا من أصل 23 مليون سوري نيف ومليون مواطن في الأمن والجيش والشبيحة، وقرابة ثلاثة ملايين في الحزب والجبهة الوطنية التقدمية، وملايين الشباب في المنظمات الطلابية الشبابية المختلفة، بينما تم تأطير الشعب كله في «منظمات شعبية» تخضع لرقابة أمنية دائمة، وتخترق المجتمع تكوينات موالية للنظام تنقل إليه كل شاردة وواردة فيه، فمن أين ستأتي الثورة، إن كان لا يوجد شعب في سوريا، وكانت المعارضة ضعيفة ومتهالكة، والمواطنون بلا خبرة سياسية، ولا يشكلون كتلة واحدة أو كتلا متقاربة أو متشابهة، بل جماعات مشتتة لا يربط بينها رابط؟ لن تكون هناك ثورة، بل أعمال شغب متفرقة في أسوأ الأحوال، وهذه لن يخاطر بالانخراط فيها غير قلة من المتأدلجين المذهبيين، الذين سيبتعد الشعب عنهم بمجرد أن نسميها كجهة تحركهم ونتهمهم بالعمالة. لن تكون هناك ثورة، وقد لا تكون هناك أعمال شغب، فلنكن مطمئنين إلى أن سوريا ليست ولن تكون تونس أو مصر أو اليمن. إنها بلاد لا شعب فيها، ينضوي مواطنوها ضمن النظام وتنظيماته، ويعيشون ويموتون تحت أعين أجهزته الأمنية الساهرة ليلا ونهارا!

نشبت الثورة في منطقة طرفية يديرها أقوى تنظيم حزبي بعثي، هي حوران، فعالجها النظام كما كان قد قرر أن يعالج أي تحرك احتجاجي: بأقصى عنف ممكن، وبوصفها حراكا إسلاميا وعميلا تقوم به قلة لا شأن لها. هل أخطأ العقل الأمني القمعي، ولم يفهم معنى أن يكون بين شهداء الثورة الأولى ثمانية بعثيين شاركوا في المظاهرات واقتحام قصر المحافظ ومقر عاطف نجيب، مدير الأمن السياسي، الذي كان قد اعتقل وعذب أطفال درعا وأهان وجهاءها المطالبين بوضعهم في السجن مقابل إطلاق سراح أبنائهم؟ لا أهمية اليوم لهذا السؤال. ومن الأهمية بمكان متابعة ظاهرة لم تكن تخطر ببال أهل السلطة، هي تشكل شعب سوري جديد منفصل عن النظام، في إطار حاضنة كانت مغيبة تماما هي الحرية، حامل الثورة الحقيقي والحافز المعنوي الذي مكن الشعب من الصمود أمام آلة القتل الرهيبة طيلة قرابة عامين، علما بأن انبعاث الشعب السوري في إطار المطالبة بالحرية وضعه منذ لحظات الصراع الأولى خارج عالم السلطة، وأخرجها من عالمه وجعله يعاملها كاستعمار داخلي تكتسب المعركة ضده طابعا وطنيا يتخطى أي سياسات حزبية أو محلية. هذه الحقيقة عمقت شعور السوريين بوطنيتهم المجتمعية الحرة، التي حلت محل وطنية زائفة فرضتها السلطة عليهم كي تضمن استسلامهم لها. هنا يكمن، في اعتقادي، السبب في ظاهرة مهمة جدا تتلخص في حقيقة أن هذه الوطنية الحرة هي التي حالت دون زج الشعب فيما سعى النظام إليه من صراع طائفي واقتتال أهلي، وأن أعدادا هائلة من المواطنين السوريين يدافعون عن أنفسهم منذ عام ونيف دون أن ينزلقوا إلى هوة الاقتتال مع من يختلفون عنهم في الدين أو المذهب أو الموقف السياسي أو الانتماء القومي.

هذه الوطنية الجامعة، التي صمدت أمام آلة القتل وسياسات التحريض والشحن والتعبئة الطائفية، كانت المفاجأة التي واجهها النظام وعجز عن فهم معناها أو امتلاك القدرة على مواجهتها، رغم أنه اندفع إلى قتالها كثور هائج يريد كبحها، بيد أنه لم يحقق شيئا غير كسر قرنيه وجعلها أصلب عودا وأكثر قوة واستعدادا للعيش، وقدرة على دحره قرية بعد أخرى، ومدينة بعد مدينة، وشارعا بعد شارع. في هذه النقطة بالذات تكمن غلطة النظام الاستراتيجية، التي لن يتمكن من تصحيحها حتى إن أخمد الحراك والمقاومة. وفي هذه النقطة يكمن تفوق الشعب، الذي كسب المعركة على الصعيد الاستراتيجي رغم ما كابده من خسائر تكتيكية أوهمت أرباب السلطة أنها ستكسبهم المعركة، رغم أنهم كانوا يتعرضون لهزيمة استراتيجية بدءا من اليوم الذي هتفت فيه دوما: «يا درعا نحنا معاكي للموت»، وحمص: «يا دوما نحنا معاكي للموت»، ودير الزور: «يا حمص نحنا معاكي للموت»، وحماه: «يا دير الزور نحنا معاكي للموت»... وهكذا دواليك في كل شبر من أرض سوريا تسابق مواطنوها لافتداء بقية مكونات الوطنية المجتمعية الجديدة بحياتهم.

كان أحد الحكماء يقول: في حياة كل شخص غلطة إن هو اقترفها ضيع نفسه وعجز عن الخروج منها. هذه الغلطة اقترفها النظام عندما عجز عن فهم احتمالات وممكنات الواقع السوري، وتبنى نهجا عنيفا لم يكن أي سوري يصدق أنه قد يمارسه ضد الشعب. إنها الغلطة القاتلة التي لا يمكن إصلاح نتائجها، والتي ستقضي حتما عليه، والتي نزعت عنه أي صفة وطنية أو مجتمعية أو سياسية، وألغت جميع مسوغات وجوده.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com