العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05/08/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية ومتطلبات المرحلة الانتقالية

2012-07-31 12:00 AM

الوطن السعودية

ينصب اهتمام السوريين الآن على معركة إسقاط النظام، وتغيب عن الأذهان متطلبات المرحلة الانتقالية في حال سقوطه المتوقع في أي لحظة؛ ذلك أنه لايمكن التنبؤ بالأحداث على الأرض، إذ أثبتت التجربة الليبية أن الانهيار يمكن أن يكون فجائياً، وبسرعة تتجاوز التوقعات، وتختصر المراحل الزمنية.

وأمام هذا الواقع، فإن على السوريين ـ في المرحلة الحالية ـ أن يسيروا في مسارين متوازيين؛ أحدهما: إكمال ما بدأه الشعب، ثم الجيش الحر من مواجهة مسلحة مع النظام، والآخر: الترتيب للمرحلة القادمة، بما يضمن عدم انزلاق البلاد نحو الفوضى أو التقسيم، أو قفز بعض العناصر غير المرغوبة إلى كراسي السلطة، لتتجدد المشكلة، وتذهب التضحيات هباءً.

إن من المهم ألا يكون التخطيط للمرحلة الانتقالية صادرا عن تكتل دون آخر من تكتلات المعارضة، وأن يكون هناك توافق كامل على استراتيجية المرحلة القادمة، لئلا يصبح انفراد جهة بعينها بالتخطيط سببا في خلافات لا تحتملها البلاد في ظل أوضاعها الحالية.

الجيش السوري الحر في الداخل كان قد عرض، في بيان صدر أمس، "مشروع إنقاذ وطني" للمرحلة الانتقالية، ينص على إنشاء مجلس أعلى للدفاع، مهمته تأسيس مجلس رئاسي من ست شخصيات عسكرية وسياسية، ليدير المرحلة الانتقالية، وجاء في التفاصيل أن من مهام المجلس الرئاسي "اقتراح قوانين تطرح على الاستفتاء العام وإعادة هيكلة المؤسستين الأمنية والعسكرية على أسس وطنية ووضع حلول لاستيعاب المدنيين الذين حملوا السلاح خلال الثورة في المؤسستين العسكرية والأمنية".

البيان من حيث صياغته، ينم عن الرغبة في مشاركة كل القوى السياسية والشخصيات الوطنية والهيئة العامة للثورة والتنسيقيات والحراك الثوري والجيش السوري الحر "في صنع المؤسسات الجديدة" للدولة، مما يعني استيعاب فكرة شمولية المشاركة، بيد أن العقل العسكري سيطر على البيان، حين تضمن اقتراحا بتشكيل حكومة انتقالية، على أن تكون للمؤسسة العسكرية فيها حقيبتان وزاريتان هما الداخلية والدفاع، ولم يوضح البيان ما إذا كان هذا الاقتراح مؤقتا خضوعا للحالة الأمنية التي تستدعي شيئاً من الحزم في الفترة التي تلي سقوط النظام، أم أنه نهج، وطريقة تفكير.

إن إيجابية التفكير في إدارة المرحلة الانتقالية، من أجل سورية الجديدة، يجب ألا تتسبب في الغفلة عن أن أي خلل في التخطيط، أو تهميش لبعض القوى، يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية غير متوقعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يُمكن قانونياً محاكمة بشار الأسد بعد تنحيه؟

د. زهير فهد الحارثي

الرياض

31-7-2012

المراقب لما تتناقله وسائل الإعلام هذه الأيام، وما يردده صنّاع القرار في بعض العواصم، وما يتم تداوله في دهاليز السياسة من تصريحات وتلميحات وتسريبات من هذا الطرف أو ذاك، يلحظ بأنها كلها تدفع باتجاه مؤشرات قوية بأن الأزمة السورية باتت إلى خط النهاية هي أقرب،سواء بتنحي الرئيس أو بحرب أهلية شرسة بدأت معاركها في حلب الآن لتؤدي ربما في نهاية المطاف إلى تقسيم سورية لدويلات علوية وسنية وكردية، وإن كان الرأي الأول هو الأرجح بدليل أن النقطة المفصلية التي يدور حولها التفاوض الآن في الغرف المغلقة هي ضرورة تنحي الرئيس ما يعني أن أيام بشار الأسد باتت معدودة وانه في طريقه للرحيل، وان ثمة اتفاقاً بدأ يلوح في الأفق بين دوائر صناعة القرار في أن يتم قبول التنحي مقابل إعطائه ضمانات أي على غرار النموذج اليمني من حيث نقل السلطة سلمياً، وتشكيل حكومة وطنية للمرحلة الانتقالية. ويبدو أن هذا أصبح المخرج لحل الأزمة لاسيما في حالة صحة ما يقال حول توافق أهم الأطراف المؤثرة في القضية على مسألة تنحي الرئيس السوري الذي بات في قناعة الكثيرين بأنه هو جزء من الأزمة لا الحل .

التنديد الرسمي الدولي والغضب الشعبي وشجب ما قام به النظام رغم أهميته،إلا انه لن يأتي بجديد ما لم تترجم هذه المواقف إلى مشروع إدانة يتضمن إقرار المسؤولية الجنائية وبالتالي اعتبار بشار وضباطه مجرمي حرب

وتبين أن التفاهمات وتسارع وتيرة التجاوب، جاءا عقب ضربة دمشق الموجعة التي أودت بحياة أبرز القادة الذين يعتمد عليهم النظام، وحتى لو افترضنا صحة ما قيل بأن العملية كانت من تدبير النظام، وأن بشار أراد تصفيتهم قبل قيامهم بمشروع الانقلاب، فان النتيجة تبقى كما هي سواء تمت من قبل الجيش الحر، أو النظام، فالمحصلة بكل تأكيد هي دخول النظام في حالة من الارتباك والضعف والتصدع إن شئت، بدليل تزايد حالات الانشقاق من رموز عسكرية ودبلوماسية.

غير أن هذا الأمر يطرح تساؤلا وجيها يتمثل في كيفية أن يُترك رئيس دولة متهم بقتل الآلاف من شعبه. لأن الخشية من عدم محاكمته تعني أنها ستكون سابقة في العصر الحديث وستفتح الباب على مصراعيه مستقبلا لكل دكتاتور من الاتكاء عليها كمخرج حين المساءلة.

على أن التنديد الرسمي الدولي والغضب الشعبي وشجب ما قام به النظام رغم أهميته،إلا انه لن يأتي بجديد ما لم تترجم هذه المواقف إلى مشروع إدانة يتضمن إقرار المسؤولية الجنائية وبالتالي اعتبار بشار وضباطه مجرمي حرب، كون الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الجيش الاسدي في أرضه وضد شعبه من قتل وقصف مبانٍ وإبادة وتجويع وتدمير، يُدخلها بلا أدنى شك في نطاق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولذا فالتساؤل الذي يتبادر للذهن يدور حول مدى إمكانية تقديم بشار وزمرته العسكرية للمحاكمة وفقا لقواعد القانون الدولي، وبالتالي تحميل بشار الأسد ومعاونيه المسؤولية الجنائية؟!

على أن الإجابة القانونية لذلك التساؤل، تتمثل في أن هناك أكثر من آلية وطريق فهناك من يرى أن المحكمة الجنائية الدولية التي تمت الموافقة على معاهدة تأسيسها من قبل أكثر من ستين دولة هي المكان لإقامة الدعوى على اعتبار أن تلك الجرائم تدخل في اختصاصها الأصيل؛ لأنه بمجرد الانضمام لها، يجيز لأي دولة طرف في الاتفاقية، أن ُتحيل للمحكمة دعواها بخصوص الجريمة، حيث نجد أن نصوص المواد (5،6،7،8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تنطبق على الأفعال الإجرامية التي ارتكبها بشار الأسد.

كما أن الاختصاص الزماني لايعد مشكلة هنا، ومع أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، إلا أن المادة (11) حددت اختصاص المحكمة بالجرائم التي ترتكب بعد الأول من(يوليو) 2002، بمعنى أن الأفعال الإجرامية التي ارتكبها نظام الأسد تدخل ضمن الولاية القضائية للمحكمة.

غير أن الإشكالية هنا أن الحكومة السورية لم تصادق على نظام المحكمة الأساسي، وبالتالي فإن المحكمة لن تقبل الدعوى.

إذن ما العمل؟

دعونا نبحث عن المخارج. هناك حالة واحدة يمكن اللجوء إليها وهو قيام مجلس الأمن بإحالتها إلى المحكمة وفقاً للمادة (13) من نظام المحكمة الأساسي،ولكن النتيجة ستكون سلبية، على اعتبار أن الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن كما هو متوقع سيعرقلان إجراءات الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية.

علي أي حال، هناك آلية أخرى ربما هي الأقرب إلى التطبيق على الأرض، وهي في متناول الدول الأطراف الموقعة على اتفاقيات جنيف،التي أكدت على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية بموجب المواد المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، حيث تشكل تلك المواد القانونية، ما يُعرف بالاختصاص القضائي العالمي الذي بموجبه يحق لأية دولة موقعة على اتفاقيات جنيف ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومحاكمتهم، ولذا تقع المسؤولية هنا في تقديري على الدول العربية في مطالبة تلك الدول باستخدام حقها في ملاحقة مجرمي الحرب السوريين، وحثها على القيام بدورها الإنساني والأخلاقي.

أما في حالة عدم حماسة تلك الدول، فعلينا أن نعود للجمعية العامة التي كانت قد أقرت مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم الأشخاص مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بقرارها في عام1973. وبالتالي فإنه يتم وفق هذا السيناريو أن يصدر قرار منها بإنشاء محكمة دولية جنائية لسورية، على غرار المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا.

ونشير هنا إلى أن المشروع العربي الذي تقدمت به السعودية قد يدفع الأمور في هذا الاتجاه. ولذلك فالمخرج القانوني هنا يكمن في اللجوء إلى المادة (22) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أن (للجمعية العامة أن تنشئ من الفروع الثانوية ما تراه ضروريا للقيام بوظائفها) ما يعني صدور قرار من الجمعية العامة بتشكيل محكمة جنائية لمحاكمة قادة سياسيين وعسكريين سوريين على جرائمهم وفقا للاختصاص القضائي العالمي.

وتبقى هذه قراءة قانونية وليست بالضرورة أنها طرحت كل الحلول، بقدر ما أنها تؤكد أن مجرمي الحرب ليسوا في مأمن من العقوبة وفقاً للقانون الدولي، برغم أن مرارة الأزمة تكمن في عدم تحرك الموقف الدولي وضعف إرادة العرب..

ولعل ما يحدث في حلب هذه الأيام أبرز دليل على هذا الخذلان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حتى روسيا تدافع عن حقوق الإنسان!!

يوسف الكويليت

الرياض

31-7-2012

كعادة القوى الكبرى ابتكار المصطلحات والقوانين والتشريعات التي تفصّل عليها، وتوضع رادعاً لغيرها متى كان ذلك يحقق مصالحها ونفوذها، وقانون حقوق الإنسان تحول إلى مزادات علنية، كلٌ يدعي حقه في الدفاع عنها، وقد استغله الغرب ضد الشرق أيام الحرب الباردة، والآن أصبح مَن قمع القوميات، وهجّر الشعوب وقاد الحروب على محيط الاتحاد السوفيتي سابقاً يعلن فتاواه في الدفاع عن هذه الحقوق..

فحين تطالب روسيا بحقوق الإنسان لا تضحك على العالم الخارجي، بل على نفسها، وخاصة حين تدافع عن الأقليات في الوطن العربي دينية، أو قومية، أو مذهبية وخاصة الشيعة والسنّة في مناطق الأكثرية للطائفتين، فإنها تخرج أقوالها، وكأنها إحدى الدول الاسكندنافية التي تعد النموذج العالمي المتقدم بهذا الشأن، لا أحد ضد فرض هذا المبدأ، ومساواته في الداخل والخارج لجميع أمم وشعوب العالم، لكن أن يأتي النقد من دولة ضالعة بانتهاك حقوق الإنسان مثل روسيا، فمبرره رفع الصوت فقط، لأن من عارضوا ترشيح (بوتن) وقاموا بمظاهرات ضد ترشيحه أدخلوا السجون، وحرمان الأقليات من حقوقها تبرزه الحالة الشيشانية التي دمرت مدنها على سكانها، وهناك سجل طويل لمثل هذه الممارسات والتعديات..

ليس من بين الدول ذات الديموقراطيات العريقة، المتقدمة والمتخلفة، من يتم تداول السلطة بين اثنين فقط، وفقاً للنموذج الروسي، وهو ما يشبه التوريث في جمهورياتنا العربية، ولا ندري كيف يفسر الروس حقوق الإنسان في سوريا، عندما يقدمون دعماً مادياً «ولوجستياً» وعسكرياً لنظام الأقلية الذي يفتك بالأكثرية، أم أن هذا الشعب ينطبق عليه ما طبقته روسيا على شعب الشيشان، أي قطاع من الخارجين عن القانون، وإرهابيون تدعمهم دول خارجية لإسقاط النظام، حتى أن ما يصرح به وزير الخارجية (لافروف) يومياً، يوازي ما يقوله الإعلام السوري، والناطق باسم الدولة السورية؟

لقد خسرت روسيا ما بناه الاتحاد السوفيتي من صداقات وعلاقات مع معظم الدول العربية من خلال سوريا، والتي تريدها رأس حربة لها ومركز ثقل لتتحرك على عدة جبهات، لكنها بمغامرتها الأخيرة أعادت سيرة احتلال أفغانستان، سقف آسيا أيام الاتحاد السوفيتي لتطل على أهم موقع آسيوي استراتيجي، فكانت النهاية الهزيمة المدوية..

يقال إن الروسي يعبّر عن فرحه وغضبه بالموسيقى، وهو تعبير رائع، لكن منذ حكم عائلة (رومانوف) مروراً بالشيوعية، وانتهاءً بالحكم القائم، فالحرية لم تتغير، وقد هيمنت طبقة بيروقراطية، ومعها نخبة (أورستقراطية) تدور في حلقة النظام ودعمه حتى أن الحق العام ارتبط بإرادة من يحكم الكرملين، لا تشريعات الدساتير والبرلمان والمحاكم العليا، مع أن روسيا دولة العديد من العظماء في العلوم والفلسفة، والأدب والمسرح وكل الفنون الأخرى، لكن الكثير منهم هاجر، أو أودع السجون، بمعنى أن النظام يأكل أبناءه، إلا من بقي ضمن دائرة عمل السخرة التي توجهه الأحزاب والقيادات..

سوريا عرّت مفاهيم العديد من الدول، وروسيا ستكون الخاسر الأكبر باعتمادها سياسة الإبادة الجماعية لشعب أعزل ذُبح بسلاحها وأموالها، وللتاريخ حكم آخر ستكون روسيا المتهم الأول في هذا الموقف اللاإنساني..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية بعد دولة البعث .. إعلان الجمهورية الثانية

عبدالله الغضوي

عكاظ

31-7-2012

بدأت ملامح الدولة السورية تتشكل بعد جلاء الاستعمار الفرنسي في أبريل (نيسان) العام 1945، لكن وعلى بالرغم من أن سورية نالت الاستقلال في هذا العام، إلا أن الدولة السياسية بأبعادها الجغرافية والوطنية لم تلد عشية هذا الاستقلال مباشرة، وإنما شهدت مخاضا قاسيا نتيجة صراعات إقليمية وداخلية، كان ذلك في إطار التشكل العام لدول الشرق الأوسط آنذاك وتشكل بنية المجتمع السوري ذاته.

وبحكم خصوصية الموقع الاستراتيجي لسورية وصعوبة السيطرة عليها حتى من قبل الدول الاستعمارية، إضافة إلى حركات المقاومة الشعبية تمكنت من أن تكون أول دولة مستقلة عن الاستعمار الغربي. وبعد الحصول على هذا الاستقلال بدأت رحلة تقطيع أوصالها، فكانت البداية من لبنان، حينها لم تكن لبنان تتشكل بحدودها السياسية والجغرافية حتى مطلع الأربعينات، إذ ظلت مرتبطة سياسيا واجتماعيا بسورية، إلا أن رياض الصلح قبل آنذاك بفكرة تأسيس لبنان كدولة ذات كيان سيادي مقابل تنازل الموارنة عن فكرة الحماية الفرنسية وقبول مبدأ الانتماء العربي للبنان. وإضافة إلى جبل لبنان، اقتطعت أربعة أقضية (بيروت وطرابلس والبقاع وصيدا) أخرى من سورية وألحقت بلبنان الذي صار يسمى بلبنان الكبير، وتغير فيما بعد إلى الجمهورية اللبنانية. هذا الاقتطاع من الجغرافية السورية، ظلت تعاني منه سورية الكبرى (سورية - فلسطين- لبنان) على المستوى السياسي والاجتماعي، ومن هنا نشأ الألم القومي لدى السوريين الذين فوجئوا بأول تشكل لدولتهم تتفتت نتيجة تخطيط غربي تم على أرض الواقع.

وظل هذا الألم إلى أن تحول إلى ذهنية وطريقة تفكير شعبية مؤداها أن الوحدة الجغرافية والسياسية أي نظام سياسي يحكم البلاد. وأحد المغريات التي كان يقدمها حافظ الأسد للشعب السوري، إلى أن تحولت إلى «منة».

لم يكن هذا التقسيم الأول من نوعه لبقايا الدولة الأموية، وإنما سبقه مخطط فرنسي يقضي بتشكيل دولة حلب ودمشق ودولة للعلويين في اللاذقية والدروز في جبل العرب ولواء اسكندرون، لكن وعي الطبقة السياسية السورية بتاريخ بلادهم وإدراكهم لأهمية الجغرافية حال دون ذلك.

ولم تكد سورية تتخلص من الهيمنة العثمانية نهاية 1919، حتى جاء الاحتلال الفرنسي باتفاقية سايكس بيكو الشهيرة التي خولت الاحتلال الفرنسي السيطرة على بلاد الشام. وما إن انقضت الحقبة الاستعمارية نتيجة التغير في الظروف الدولية تزامنا مع حركات التحرر الوطني، حتى بدأت ملامح الدولة تلوح في الأفق بإرادات وطنية وقوى سياسية تعي أهمية الاستقلال ومهمة بناء الدولة.

من كل هذا الاستعراض التاريخي، يمكننا الولوج إلى الهواجس الحالية التي تعتري مستقبل الدولة السورية، وفهم ما يجري الآن خصوصا في ظل التوجه الدولي العام لمرحلة ما بعد الأسد. وربما كانت العبرة المطلوبة من كل هذه المقدمة وصلت بضرورة الحفاظ على وحدة سورية.. لكن لا بد من توصيف دقيق لهذه المهمة، التي تكاد تكون الأصعب بالنسبة للمعارضة السورية، المتمثلة عموما بالمجلس الوطني. فدولة «الانقلابات» حتى بداية السبعين أحوج ما يكون إلى الوعي بأهمية الوحدة السياسية والجغرافية، التي تنبثق عنها بطبيعة الحال قوة الدولة.

وهنا التحدي الأبرز أمام سورية الجديدة، ومن غير المحتمل على السوريين أن يروا بلادهم تتمزق بعد هذه التضحيات في ثورة الكرامة.

لقد فتح نظام الأسد سورية على كل الاحتمالات، بدءا من الحرب الأهلية إلى التقسيم، إلى ىتدمير بنية الجيش الذي بناه الشعب السوري على مدار خمسة عقود. وهذا الأمر صعب على المعارضة قيادة المرحلة المقبلة، إذ استنزف الأسد بقصد كل مكونات الدولة، من وجهة نظر«أنا الدولة والدولة أنا». وهنا تكمن الهواجس حول قدرة المعارضة على استيعاب متطلبات المرحلة المقبلة. التي تتطلب بالضرورة عمل جماعي وإرادات وطنية على قدر المسؤولية التاريخية لمرحلة تاريخية.

وأخيرا وليس آخرا.. لا بد لنا من العودة للتاريخ بالقول أنه في عام 1930 اتخذت سورية دستور جديد وجرى إعلان «الجمهورية السورية»، وهي الجمهورية الأولى في العصر الحديث، والآن تقترب دمشق من استقلالها الثاني عن منظومة البعث لتعلن جمهوريتها الثانية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خسارة لن تعوّضها الدولة العلوية!

راجح الخوري

2012-07-31

النهار

في النهاية ستصل مدينة حلب عاصمة سوريا الاقتصادية الى ما وصلت اليه حمص. ستدخل جحيم الخراب الذي عرفه حي بابا عمرو، لاذقية جديدة مدمرة ولكن بأسلحة تكدست منذ اربعة عقود لمهمة اخرى غير الانتحار الذاتي او نحر الوطن. ستنضم الى سلسلة المدن السورية المنكوبة في صراع من الواضح انه سيطول كثيراً ليذيق سوريا كأس"اللبننة" التي ابدع النظام السوري في إدارتها.

ما لا يصدق فعلاً هو تلك البراعة الروسية في الرهانات الخاسرة عبر الوقوف مع انظمة تتهاوى ضد شعوبها الثائرة طلباً لفسحة من التغيير والحرية بعد نصف قرن من الظلم وكمّ الافواه، لأن "لا صوت يعلو فوق المعركة ضد العدو"، الذي صار الشعب بدلاً من اسرائيل.

في استطاعة سيرغي لافروف المقطّب ان يمضي في اطلاق تصريحاته اليومية، التي تؤكد ان روسيا مع النظام حتى آخر نقطة دم في آخر سوري وآخر منزل في حلب واخواتها، رغم انه كان في وسع بلده ان يساعد على حل حقيقي عبر ممارسة ضغط فعلي على النظام لدعم الاصلاح بدلاً من تكسير اصابع اطفال درعا، ولكنه لم يفعل بل استمر في المراهنة على الحل العسكري ينفّذ بأسلحته وقذائفه، واشترى له المزيد من الوقت بـ"الفيتو" وغيره، ولن يصدق احد قول لافروف ان موسكو ضغطت على الأسد لتنفيذ خطة كوفي انان، ولو انها فعلت وفشلت فتلك مصيبة وان لم تكن قد فعلت وهو الارجح، فالمصيبة أعظم عليه وعليها وعلى سوريا وعلى المنطقة كلها!

الغريب ان ينضم لافروف الى جوقة المحذّرين من مأساة في حلب، لكنه يحمّل الغرب وجيران سوريا مسؤولية إراقة الدماء! غريب قوله بعد سنة ونصف سنة من حمامات الدم: "ان موسكو في صدد اقناع النظام بالقيام ببعض المبادرات الاولى"، بما يدّل على انه لم يقم بأي مبادرة من قبل، والغريب اكثر ان يكمل انه "عندما تحتل المعارضة (لم يقل الارهابيين هذه المرة) مدناً مثل حلب فهل يمكن ان يقول النظام ببساطة: حسناً لقد اخطأت تعالوا وانقلبوا عليّ؟ هذا امر غير واقعي"!

لكن غير الواقعي ان لافروف يتناسى انه لم يكن مطلوباً اكثر من اصلاحات وفسحة من الحرية، بيد ان النظام رفض ان يقدم اي شيء "للارهابيين" ودمر "المبادرة العربية" ثم خطة انان وتحولت ملاحقة "العصابات" مسلسلاً للقتل والمذابح وتدمير المدن على رؤوس الناس.

وموسكو التي خسرت ليبيا ستخسر سوريا والشرق الاوسط لكنها ستربح كراهية العالم الاسلامي، رغم انه كان في وسعها ان تسحب السجادة قليلاً من تحت اقدام الأسد كي يشعر هو وايران ان المضي في قتال الشعب انتحار محقق، لكنها واصلت وتواصل المساعدة "البارعة" على رسم "شرق اوسط جديد" يكرهها وتكرهه ولن يعوّضها عن هذا قيام الدولة العلوية!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا ولعبة الأمم

الياس الديري

2012-07-31

النهار

إنها لعبة الأمم ذاتها. إنما ليس على طريقة الروليت الروسيّة، بل بنكهة روسيّة من صنع الشيف فلاديمير بوتين شخصيّاً. لقد جرّبها لبنان قبل الربيع العربي. وقبل الخريف السوري.

وقد تكون اللعبة الجهنّمية اختارت البلد الصغير جغرافيّاً لوفرة التناقضات في تركيبته البشريّة، وللتوثّب الدائم بالنسبة إلى اصطياد الفرص الذي يداعب الشعوب المتنافرة ويحفّزها على المغامرات ولو كانت على شفير الهاوية.

في المجالس السياسيّة، في الكواليس، في الصحف، في الزجليّات التحليليّة على الفضائيّات والأرضيّات، يكاد يكون السؤال واحداً: لماذا كل هذا الانكفاء لواشنطن، واختفاء صوتها وحضورها عن شلالات الدم التي تتنقّل بين المدن والقرى السورية منذ ثمانية عشر شهراً، كأنّ ما يحصل هناك لا يعنيها ولا يتّصل بمصالحها الحيويّة في كل شبر من جغرافيا الشرق الأوسط؟

وهل من دور لإسرائيل في هذا الموقف الذي ينطوي على الكثير من الغموض والالتباس؟

جواب يتيم، أجوف، مبهم، يتردّد منذ الحلقة الأولى والضحيّة الأولى: في انتظار الانتخابات الرئاسيّة التي يتهافت المرشّحان المتنافسان فيها على تقبيل عتبات إسرائيل قبل جدرانها، ونيل إعجاب بنيامين نتنياهو...

أما عصبة الأمم الأوروبية، فإنها في حال لا يختلف عن حال الصبي مع خالته: تصريح خجول من هنا، نرفزة مع استنكار من هناك. مع الكثير مما يُسمّى "علْك الصوف".

روسيا وحدها، وللمرّة الأولى، تعرّض شملتها، وتتحوّل بكل قوّتها ونفوذها رافعة دائمة للنظام السوري، ومشنكلةً معها صين ماو تسي تونغ التي تتهيّأ بدورها لتكون المحور الأوّل لدورة السياسة العالميّة، ودورة الاقتصاد، ودورة الأرض أيضاً.

بعضهم يربط هذا الغرام الروسي بالبحر السوري الدافئ الذي تستحمّ فيه الأساطيل الروسية بحريّة وأمان.

لكن ذلك لا يحول دون سقوط الوضع السوري، بكل مآسيه والمحن التي تحاصره، في حضن لعبة الأمم. ولو من بعيد لبعيد.

عندما يحصل شيء بهذا المعنى إسأل مجرّباً ولا تسأل حكيماً. ولبنان الذي لدغته لعبة الأمم لا يزال يتخبّط في سمومها حتى يومنا هذا. وربما إلى الآتي من الأيام والأزمنة.

بعدما مرّت به بوسطة عين الرمانة، حصل شيء يشبه الخرافات. لم تبق دولة غربيّة كبيرة أم صغيرة إلا تفقّدت مريض الشرق الأوسط، الذي ورث كل الأوبئة الانقلابيّة التي تعاقبت على المنطقة، وفي ظهرها "قضية العرب الأولى".

وبموجب صك رسمي يدعى "اتفاق القاهرة"، الذي بفضله اكتملت عناصر لعبة الأمم.

قد يقول أحدهم، إن سوريا ليست لبنان. هذا صحيح. غير أن لعبة الأمم تبقى هي ذاتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اللاجئون السوريون في العراق

رأي القدس

2012-07-30

القدس العربي

موقف الحكومة العراقية من اللاجئين السوريين الفارين بارواحهم من الموت يثير الاحباط والقلق في الوقت نفسه، ويكشف عن قسوة لا مبرر لها على الاطلاق، خاصة ان رئيس هذه الحكومة السيد نوري المالكي كان لاجئا في دمشق عندما كان معارضا لنظام الرئيس العراقي صدام حسين.

الحكومة العراقية اغلقت ابوابها في وجه اللاجئين السوريين، ثم تراجعت عن هذا الموقف المخجل بفضل الضغوط المحلية والدولية، ولكن هذا التراجع المفروض كان ظاهريا، لان المعاملة الرسمية لهؤلاء اللاجئين اتسمت بالقسوة والشكوك في الوقت نفسه.

السوريون، شعبا وحكومة، فتحوا ابواب بيوتهم وقلوبهم لاكثر من مليون ونصف المليون عراقي لجأوا الى بلادهم هربا من السيارات المفخخة واعمال القتل الطائفي عندما بلغت ذروتها في عامي 2006 و2007 واقتسموا معهم لقمة العيش، ولذلك فان موقف الحكومة العراقية من اللاجئين السوريين وهم بالآلاف فقط يعكس نكران الجميل، وتقديم الاعتبارات السياسية والمذهبية على الاعتبارات الانسانية.

بعض الصحافيين الذين زاروا العراق واطلعوا على احوال اللاجئين السوريين قدموا صورة مخيبة للآمال، فمراسل صحيفة 'النيويورك تايمز' الامريكية قال ان هؤلاء يوضعون في معسكرات وسط اجراءات امنية مشددة، حتى ان احدى الاسر تعرضت للمنع من العودة الى سورية فضلت مواجهة الموت على تحمل المعاملة القاسية بمعسكرات الاعتقال التي وضعت فيها.

العشائر العراقية في الانبار التي تعتبر اللاجئين السوريين المقيمين في مناطق محاذية للحدود العراقية مثل دير الزور امتدادا لها، تظاهرت وسط درجات حرارة مرتفعة في صيف قائظ احتجاجا على المعاملة السيئة التي يلقاها اللاجئون. فقد فوجئ شيوخ هذه العشائر لمنعهم من زيارة هؤلاء اللاجئين والترحيب بهم في بيوتهم.

صحيح ان الحكومة العراقية تخشى من وجود جماعات او عناصر متطرفة في اوساط اللاجئين، يمكن ان تنفذ اعمال عنف وتفجيرات، ولكن هذا لا يعني تحميل الغالبية الساحقة من هؤلاء مسؤولية هذا الانطباع المسبق الذي لا توجد له اي دلائل عملية مثبتة على ارض الواقع.

ثمانية آلاف سوري وصلوا الى العراق هربا من المعارك الغالبية الساحقة منهم عائلات باطفالها، وهذا رقم صغير بالمقارنة مع اربعين الفا لجأوا الى تركيا، واكثر من ضعف هذا الرقم الى كل من الاردن ولبنان.

اللاجئون السوريون يتساءلون بحرقة حول اسباب هذه المعاملة السيئة، والقيود التي تفرض عليهم وتحول دون مغادرتهم مراكز اقامتهم الا في حالات استثنائية نادرة بينما كان نظراؤهم العراقيون وهم بمئات الآلاف يتحركون بحرية دون اي قيود في سورية، بالاضافة الى استخدام المرافق العامة والخدمات التعليمية والصحية مثلهم مثل المواطنين السوريين دون اي تفرقة رغم موارد سورية المحدودة للغاية.

نستغرب بشدة هذا الموقف من الحكومة العراقية التي تحكم بلدا كان مصدرا للاجئين الى مختلف انحاء العالم، ودول الجوار والاردن وسورية على وجه التحديد، فمعظم اعضاء الحكومة العراقية الحالية، ومعظم النواب وقادة المعارضة كانوا في الاساس من اللاجئين، فهل نسي هؤلاء المعاملة الطيبة التي قوبلوا بها في المنافي، وما زال يقابل بها اكثر من اربعة ملايين عراقي مصنفين في خانة اللاجئين؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤشرات معركة حلب!

عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

31-7-2012

معركة حلب - أو بالأصح مجزرة حلب - التي يقودها نظام الحكم في سوريا، من الممكن أن تعطي مؤشرات واتجاهات لنوايا وخطط نظام الدكتور بشار الأسد بالنسبة للمستقبل القريب.

حلب هي كبرى المدن السورية من ناحية التعداد وإحدى أقدم المدن التجارية في التاريخ، وتستحوذ على أكبر مراكز صناعات النسيج والملابس والصناعات الغذائية وتجميع المعدات الكهربائية.

ويعتبر «تجار حلب» أو ما يعرف باسم «بازار حلب» من القوى النشطة للغاية في حركة الاقتصاد والتجارة في البلاد، كما أن قطاعا كبيرا من المهاجرين السوريين في أميركا اللاتينية يعود مسقط رأسهم إلى تلك المدينة التاريخية.

وكان رهان الحكم في دمشق دائما على أن «حلب» هي دائما مدينة طيعة مستقرة سياسيا بالنسبة لموقفها من النظام الحاكم عملا بمنطق أن «أصحاب المال والمصالح يسعون دائما إلى عدم تهديد استثماراتهم، وأنك إذا كان لديك ما تخاف عليه فإنك دائما سيكون لديك ما تخاف منه». الآن، سقط هذا المنطق وتحرك الشارع الحلبي، وأصبح جزءا من الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد.

معركة حلب شرسة للغاية، استخدمت فيها الدبابات والمجنزرات ومدفعية الميدان والمدافع المتوسطة والمروحيات مقابل قوى شعبية مسلحة لا تمتلك سوى مدافع رشاشة أو بنادق نصف آلية وذخيرة محدودة. وتعلن محطات النظام السوري ليل نهار عن الانتصارات الكبرى التي قامت بها قوات «الجيش النظامي» بتحقيقها تجاه حفنة من «المخربين العملاء»، على حد وصفهم.

ما تؤشر إليه معركة حلب، أن هذا النظام لن يقف أمامه أي عنصر إنساني أو بشري في كبح جماح عملياته العسكرية، ولن تقف أي كتلة بشرية مزدحمة، مثل حلب، ضد سياسات المجازر والتطهير السياسي والعرقي ضد المعارضين.

لن يوجد سقف ما لعدد الضحايا في ردع صانع القرار في دمشق ولا أنصاره في طهران وموسكو وبكين.

المخيف في السلوك السوري الرسمي، وفي تناوله لمعركة حلب، أنه يحاول تسويق الموضوع على أنه استجابة لنداءات واستغاثات من أهل حلب! نحن أمام نظام قرر أن المعركة طويلة ولديه الإمكانات والعتاد لذلك، ونحن أمام معارضة تسليحها بدائي، ودول جوار مشاكلها تمنعها من التدخل الحاسم، ومجتمع دولي مأزوم، والقوى الكبرى في مجلس الأمن معطلة، والجامعة العربية صائمة في رمضان وإلى الأبد!

لكم الله يا أهل سوريا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«المعلم» غير الحر

طارق الحميد

الشرق الاوسط

31-7-2012

يا لها من مفارقة مهمة، ولها دلالات، إذ نجد أن معظم بيانات الجيش السوري الحر باتت تصدر من داخل الأراضي السورية، وخصوصا حلب الصامدة بوجه قوات الطاغية الأسد، بينما نجد وزير خارجية النظام الأسدي يتحدث من العاصمة الإيرانية طهران!

الجيش الحر بات يصدر بياناته من الداخل متعهدا بمواصلة الثورة، وتحرير الأراضي السورية من براثن النظام الأسدي، بينما نجد وليد المعلم يهدد السوريين من إيران، ويتعهد بسحقهم وهو يقف بجوار وزير الخارجية الإيراني! فالغريب أن النظام الأسدي - ومعه محاولات خارجية - يريد تصوير الثوار السوريين على أنهم مجموعة من «المقاتلين العرب»، كما يحاول النظام الأسدي القول للغرب، وبعض الشرائح السورية، إن الثورة ما هي إلا تحرك طائفي ضد نظامه، بينما نجد المعلم نفسه يهدد السوريين، ويتوعدهم – من إيران - دون أن يتحدث أحد عن طائفية النظام الأسدي المقيتة. وليد المعلم لم يعلن من طهران حلولا عملية للازمة، ولم يقل ما هو مفيد عدا التهديد والوعيد، بينما وزير الخارجية الإيراني يقول إن تشكيل حكومة انتقالية في سوريا «وهم»، بدلا من أن يطالب النظام الأسدي بوقف آلة القتل الإجرامية بحق السوريين، مما يظهر النفاق الإيراني في منطقتنا!

وبالطبع، فإن دلالات هذا الأمر، أي تحدث المعلم من إيران، وصدور بيانات الجيش الحر من سوريا، تعني أن الأمور على الأرض باتت تسير بشكل متسارع ضد رغبات نظام الأسد الذي أصبح يواجه صعوبات حقيقية على الأرض، خصوصا أن صمود حلب، وصمود الجيش السوري الحر، بدآ يعززان تضعضع قوات الأسد وضعف سيطرتها. ولو كان هناك تحرك دولي حقيقي، أو على الأقل من الدول الراغبة، لفرض المناطق الآمنة في الحدود السورية لتهاوى النظام الأسدي، وتحديدا بشقه الأمني، بشكل أسرع مما يتخيل البعض، خصوصا مع تزايد وتيرة الانشقاقات العسكرية، ومثلها الانشقاقات الدبلوماسية، وحتى على مستوى النواب السوريين، بل وقيادات الشرطة في المدن السورية الكبيرة، وآخرهم نائب مدير شرطة اللاذقية.

لذا، فإن حديث المعلم من طهران يظهر قناعة النظام الأسدي بأن آخر من تبقى له الآن هو إيران. وعلى الرغم من كل المواقف الروسية المدافعة عن الأسد، فإن الفارق هنا بين إيران وروسيا هو أن موسكو باتت تتحدث عن الأسد بلغة لا تظهر الاحترام، خصوصا عندما تحدث مؤخرا وزير الخارجية الروسي متهكما على فكرة منح اللجوء السياسي للأسد في موسكو، حيث قال لافروف إن بلاده لا يمكن أن تفكر في ذلك، وعلى الآخرين أن يأخذوه عندهم. وهذه اللغة لم تتحدث بها طهران، أو غيرها، بل إن إيران ما زالت تدافع عن الأسد، وتهدد من يؤيد رحيله عن السلطة في منطقتنا!

ملخص القول أن تصريحات المعلم من إيران، وتصريحات الجيش الحر من سوريا، تعكس واقع الأمور على الأرض، وتظهر أن الأسد لا يكترث برأي من هم في دمشق، أو حلب، بل إنه يريد التأكد من وقوف طهران معه في معركته ضد السوريين، وهذه هي مؤشرات النهاية، وليس الضعف وحسب، كما أنها دليل على الطائفية الإيرانية في منطقتنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حلب تقرر مصير دمشق

غسان الامام

الشرق الاوسط

31-7-2012

في الوضع الميداني، يبدو واضحا أن تعديلا طرأ على استراتيجية النظام مراعاة لظروف القوات النظامية. فقد أصيبت بالإرهاق. وتعاني من الاستنزاف في اشتباكاتها مع تنظيمات المعارضة المسلحة.

الاستراتيجية الجديدة تعتمد التركيز على الاحتفاظ بحلب ودمشق فقط. والكف عن النشر الواسع للقوات، بعد إخفاق الهجوم المضاد لاسترداد المناطق الريفية «المحررة»، في الشمال. والشرق. والجنوب.

بعد التصفية الجسدية التي تعرضت لها القيادة العسكرية/ الأمنية (18 يوليو/ تموز)، أعاد ماهر وبشار تشكيل هذه القيادة، بما يسمح لها بإحكام قبضتها على الجيش والأجهزة الأمنية. فغدا اللواءان علي مملوك وعبد الفتاح قدسية، على رأس مكتب الأمن القومي، فيما أسندت رئاسة الأركان، إلى العماد علي أيوب الذي يقال إنه صاحب استراتيجية التخفيف من نشر القوات العسكرية، وتجميعها داخل دمشق وحلب وحولهما، لضمان بقاء النظام أطول مدة ممكنة. وللادعاء أمام العالم بأنه ما زال مسيطرا على العاصمتين السياسية والاقتصادية.

إذا كان تقليص وجود القوات النظامية صحيحا، فلماذا نسمع أن الاشتباكات ما زالت مستمرة في المدن المتوسطة، كدير الزور. درعا. حمص. حماه. إدلب...؟ عمليا، لم يعد النظام يملك احتياطا كافيا للزج به، في وقت واحد، في مختلف هذه المدن.

القوات البرية التي ما زالت موالية جرى تجميعها في القواعد العسكرية والجوية في مختلف أنحاء سوريا. ومنها يتم قصف المدن الثائرة بمدافع الهاون والصواريخ. والإغارة عليها بأسطول حديث ومتطور من طائرات الهجوم المروحية التي زودت بها روسيا نظام بشار. ولا تملك فصائل المعارضة المسلحة، بعد، السلاح الثقيل أو العدد الكافي من المقاتلين، ولا سيما المنشقين عن الجيش، لاقتحام هذه القواعد.

إحكام السيطرة على دمشق وحلب يقتضي إبقاء الطريق الدولي الرئيسي بينهما سالكا أمام حركة القوات النظامية. النظام يعاني من صعوبة بالغة في تأمين هذا الطريق (نحو 400 كيلومتر)، ولا سيما في مفصل حمص/ حماه. ولم تستطع قواته السيطرة تماما عليهما، على الرغم من «التطهير المذهبي» للقرى السنية في سهل الغاب المجاور، من خلال المجازر المروعة التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية، ورديفتها ميليشيا النظام (الشبيحة) المنطلقة من القرى العلوية هناك.

في دمشق، استعادت القوات النظامية السيطرة على الأحياء والضواحي الشمالية (برزة. القابون. حي الأكراد). والشرقية (جوبر. حرستا. دوما). وارتكبت الشبيحة مجازر متعددة ضد السكان المدنيين. في جنوب دمشق، عاد الهدوء النسبي إلى حي الميدان الضخم. لكن الاشتباكات ما زالت مستمرة في أحياء البؤس المجاورة (التضامن. القدم. نهر عيشة. الحجر الأسود. مخيم اليرموك أضخم المخيمات الفلسطينية في سوريا).

الاعتقاد السائد هو أن أغلبية المسلحين المتسللين إلى جنوب دمشق أتت من سهل حوران (درعا)، وبينهم مسلحون سلفيون أردنيون، بالإضافة إلى المسلحين المحليين. ولا تعني السيطرة على دمشق أن النظام حسم الوضع فيها. فالدمشقيون (الشوام) يتوقعون مسلسلا متواليا من التسلل لهز قبضة النظام على العاصمة. وهو يستخدم الصواريخ والمدفعية المنصوبة على أعلى جبل قاسيون لقصف الأحياء المتمردة.

انفرجت الأزمة التموينية في العاصمة. خف التزاحم على الأفران ومحطات البنزين. فرت قطاعات من البورجوازية الدمشقية إلى لبنان، وسبقتها إليه مدخراتها ورساميلها المالية، ظنا بأن لبنان أكثر أمنا وأمانا من سوريا. أما الأسر العلوية فقد فرت من «مستوطناتها» في أطراف العاصمة، إلى مسقط رأسها في الجبال المطلة على الساحل السوري، تاركة وراءها شبابها (الشبيحة)، وجنود الحرس الجمهوري، في قواعدها وثكناتها في قلب المدينة وضواحيها.

في إطار الاستراتيجية الجديدة، يحاول النظام استعادة مدينة حلب من التنظيمات المسلحة التي سيطرت على أطرافها وأحيائها الشعبية، وصولا إلى قلبها. ولأنه لم يعد يملك قوة احتياطية كافية في الشمال، فقد زج في معركة حلب، بآخر ما تبقى له من القوات المدرعة المنسحبة من الأرياف الشرقية والغربية.

كان الانسحاب من محافظة إدلب (غرب حلب) تاما، الأمر الذي مكن الجيش الحر هناك من الإيقاع بالمنسحبين. فدمرت دبابات. وأسر جنود. وضباط. وشبيحة. بل اتجهت فصائل مسلحة من إدلب إلى حلب، للمشاركة في معركتها الفاصلة.

معنويات الثوار في حلب عالية، على الرغم من النقص في الذخيرة والعتاد. يتراوح عدد الفصائل المقاتلة بين ثلاثة آلاف، إلى خمسة آلاف مقاتل. ويتوقع أن يرتفع العدد إلى عشرة آلاف مقاتل، إذا ما طالت المعركة أسابيع. ولعل قسوة المعركة تجبر هذه الفصائل على الالتحام والتنسيق بينها.

المعركة بدأت، عمليا، صباح السبت الماضي، بعد قصف جوي استمر نحو أسبوع بالمروحيات والطيران النفاث. لكن محاولة القوات النظامية، في هجمتها الأولى، استعادة حي صلاح الدين الثائر (غرب المدينة) أخفقت.

هذا هو مجمل الوضع الميداني. على المستوى السياسي، أكتفي بالقول، إن معركة حلب ستقرر مصير دمشق. فمعركتها محتمة، إذا تمكن الثوار من الاحتفاظ بحلب. إذا استعادت قوات النظام حلب، فآمل أن أكون مخطئا، في تحميل تركيا التي تدير المعركة من خلف الحدود، مسؤولية الخسارة الفادحة. فقد شجعت ودفعت إلى المدينة بأعداد غير كافية من الثوار، للصمود أسابيع طويلة في مدينة محاصرة.

تركيا، في الواقع، تخوض معركة سوريا بالكلام. لا بالسلاح. نعم، ساعدت في تحرير ريف حلب. لكنها مع قطر والولايات المتحدة ما زالت مترددة في تسليح الثوار. السبب التأخر في فرز فصائل الثورة، لتجنب خطر تسليح الفصائل الجهادية (القاعدة).

يخوض الثوار السوريون معركة حلب وحدهم. وهم يعلمون أن العالم قد تخلى عنهم. لا تركيا. ولا أميركا. ولا أوروبا، ستدخل في هذه المرحلة «الأولمبية». حتى أردوغان ذهب إلى لندن. واكتفى بالصلاة والدعاء هناك، لثوار حلب بالنصر.

موقف الجامعة العربية ليس بحال أحسن من تركيا. سحبت الجامعة التفويض العربي من المبعوث الدولي كوفي أنان. لكنها ما زالت تتفاهم معه بلغة بوتين الروسية! فقد دعت إلى تشكيل حكومة انتقالية من معارضة الداخل. والخارج. والجيش الحر... ومع من أيضا؟ آه. مع «نظام الأمر الواقع». مع نظام بشار!

مع ذلك، تحفظت الجزائر. العراق. لبنان، على قرارات الجامعة، بحجة أنها تتدخل في شؤون سوريا الداخلية. وتمس بكرامة الرئيس الجزار، بدعوته إلى التنحي. لا عتب على «ملا» العراق نوري المالكي. ولا على «الملا» عدنان منصور وزير خارجية «آية الله» نجيب ميقاتي. إنما العتب على بوتفليقة. ينسى الرئيس الجزائري أن ملايين السوريين الفقراء تبرعوا بنقودهم. بمدخراتهم. بحليهم، للثورة الجزائرية، لتعيش الجزائر عربية. حرة. مستقلة.

لا أطالب سي بوتفليقة بأن يتبرع لملايين السوريين الفقراء الثائرين. إنما، على الأقل، أن يرد الجميل للخليجيين المنتصرين لأشقائهم السوريين. فقد آواه الخليجيون وأكرموه، عندما تقطعت به السبل في صحراء السياسة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيرالله خيرالله / لماذا تأجيل إعلان وفاة النظام السوري؟

الرأي العام

30-7-2012

نتهى النظام السوري ولكن من دون ان ينتهي. انتهى منذ فترة طويلة. لكن اعلان الوفاة يتأجل يوميا في ضوء الحاجة الى اطالة عمر الازمة السورية التي هي ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته. يبدو مطلوبا الانتهاء من الكيان والنظام معا. ولذلك يصعب تحديد متى انتهى النظام السوري فعلا. هل انتهى مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات من القرن الماضي؟ يمكن افتراض انه انتهى وقتذاك نظرا الى انه كان جزءا من الحرب الباردة. لكن الرئيس الراحل حافظ الاسد عرف، بفضل مكره المعهود، ايجاد شريان حياة للنظام عندما ارسل قوات الى حفر الباطن شاركت الجيش الاميركي والتحالف الدولي في عملية تحرير الكويت من الاحتلال العراقي.

وقتذاك، لم يقبض الأب ثمن الرهان على الاميركيين ونجاحهم في اخراج صدام حسين من الكويت في سورية فقط. جدّد الاميركيون لوجوده العسكري في لبنان، على الرغم مما نص عليه اتفاق الطائف صراحة. اكثر من ذلك، سمحوا له باخراج ميشال عون، الجنرال المتمرد على الشرعية، من قصر بعبدا الذي احتله فترة لا بأس بها بدعم مباشر من الرئيس العراقي الراحل ونظامه البائس. كان صدّام، بغبائه المعهود، يظنّ ان في استطاعته استخدام ميشال عون في سياق المواجهة بينه وبين حافظ الاسد البعثي الآخر المتحالف مع خصمه الايراني من منطلق مذهبي لا اكثر ولا اقلّ.كان ذلك ممكنا لو لم يذهب صدّام بعيدا في مغامرته الكويتية المجنونة، خصوصا ان ميشال عون يظلّ، على رغم رعونته، اداة جيّدة.

في مرحلة لاحقة، عمل النظام السوري على شراء الوقت. شارك في مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد في اكتوبر 1991 كنتيجة مباشرة للانتهاء من الاحتلال العراقي للكويت. وتظاهر في السنوات التي تلت المؤتمر بانّه يريد فعلا السلام واسترجاع الجولان. الى ان تبين كلّ همه محصور في وضع اليد على لبنان من جهة وابقاء جبهة الجنوب مفتوحة من جهة اخرى. وهذا امر لم تعترض عليه اسرائيل يوما نظرا الى ان مصلحتها كانت دائما في بقاء الجيش اللبناني خارج الجنوب.

من يحتاج الى دليل على التفاهم السوري - الاسرائيلي الذي ظل معمولا به حتى صيف العام 2006 وصدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الامن، يستطيع العودة الى العام 1998. فمن بين الاسباب التي ادت الى فرض قائد الجيش اميل لحود، رئيسا للجمهورية، منعه في العام 1996 الجيش اللبناني من دخول جنوب لبنان على الرغم من اتفاق بين الرؤساء الثلاثة على ذلك.

لعب الأسد الاب ورقة المفاوضات من اجل استرجاع الجولان بشكل جيّد. استخدم الورقة الى ابعد حدود في عملية كسب الوقت واعداد نجله بشّار لخلافته، خصوصا بعد مقتل نجله البكر باسل في حادث سير في العام 1994. من الناحية التكتيكية. تمكّن الاسد الاب من تمهيد الطريق امام التوريث. ولكن، في السنوات الاخيرة من حكم حافظ الاسد، حصل تحولان مهمان سيظهر تأثيرهما بعد وصول بشّار الى الرئاسة في يونيو من السنة 2000.

كان التحول الاول امساك افراد العائلة بكل مقاليد السلطة. شمل ذلك استبعاد كبار الضباط العلويين او السنّة الآتين من الارياف الذين كانوا حلفاء لحافظ الاسد وغطاء لحكمه.

اما التحوّل المهمّ الآخر، فقد تمثّل في زيادة النفوذ الايراني في سورية ولبنان مع اضطرار بشّار الاسد الى التعاطي مع المستجدات الاقليمية. من بين المستجدات «الحرب الاميركية على الارهاب» بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ثم بدء الاعداد لاجتياح العراق. بدا النظام في تلك المرحلة وكأنه فقد توازنه. فقد ما يمكن تسميته بـ «العدو المفيد» المتمثل بالنظام العائلي- البعثي لصدّام حسين. كانت تلك الخسارة منعطفا اساسيا اوصل النظام الى اتخاذ قرارات لا تدل سوى على انه عاجز عن التعاطي مع الواقع المتمثل في فقدان احدى علل وجوده...اي ايجاد توازن مع النظام العائلي- البعثي الآخر الحاكم في العراق!

قاد فقدان التوازن الى قرارات مجنونة تشبه الى حدّ كبير قرار صدّام باجتياح الكويت صيف 1990.

جاء التمديد لاميل لحّود على الرغم من صدور القرار 1559 بمثابة تأكيد لحال فقدان التوازن التي ادّت الى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والى الخروج العسكري من لبنان. جعل هذا الخروج الذي ترافق مع جرائم اخرى، استهدفت تغطية جريمة الرئيس الحريري، النظام السوري تحت رحمة النظام الايراني اكثر من اي وقت.

تأخر سقوط النظام السوري كثيرا. هل كان مطلوبا ان تسقط سورية ايضا مع النظام فجرى تطويل الحبل لأركانه كي يضعوا موضع التنفيذ شعار «عليّ وعلى اعدائي يا ربّ» الذي رفعه السيّد رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري منذ بداية الثورة الشعبية قبل سبعة عشر شهرا؟

في الثامن من نوفمبر 2011 كتب انطوني شديد في «نيويورك تايمز» مقالا تحت عنوان: «في سورية الاسد لا وجود لمخيّلة». في ذلك المقال، يقول الصحافي الاميركي اللبناني الاصل - الذي توفي اثر ازمة صحية تعرّض لها في فبراير الماضي بعد دخول الاراضي السورية من لبنان، ان رامي مخلوف يوحي، بأن سورية كلها ارضا وشعبا «ملك للعائلة». كلّما استعاد المرء قراءة مقالات انطوني شديد، يتأكد امرين. اولهما، انه من افضل الذين فهموا سورية بشكل عميق. امّا الامر الآخر فهو، ان المطلوب الانتهاء من النظام على مراحل، اي من دون عجلة او استعجال، وذلك من اجل تفتيت الكيان السوري، خصوصا ان تصرفات هذا النظام محسوبة جيدا في ظل فقدانه اي مخيّلة من اي نوع كان!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشّار في سوريا: دكتور «جيكل» «ومستر هايد»..؟

د. فايز بن عبدالله الشهري

الرياض

30-7-2012

قصّة الدكتور «جايكل» ومستر «هايد» من القصص العالميّة التي ظهرت عام 1886 للكاتب الانجليزي «لويس ستيفنسون»، وتحكي قصة شخصية مزدوجة لدكتور اخترع مادة جعلته يظهر في شخصيتين الأولى مهنته ودوره الانساني في المجتمع، والثانية شخصية دموية لرجل عصابات وقاتل. ونستحضر وقائع هذه القصة ونحن نراقب سلوك الدكتور «جيكل بشّار الأسد» إذ من الواضح أن «بشّار» لم يتعلّم في مدارس الطبّ وحدها كما حاول النظام أن يسوّق صورته. كما ويبدو أن الشركة الأمريكية (BLJ) Brown Lloyd James المتخصّصة في العلاقات العامة لم تنجح في بيع صورته كرئيس شاب مع زوجة عصرية تتكلم انجليزية الطبقة الارستقراطية بطلاقة. وقريبا جدّا سيرتد نحس شركة BLJ على بشّار كبقية عملائها السابقين وآخرهم «معمر القذافي» الذي سوقته الشركة سياسيا ثوريا فانتهى قتيلا بأحط درجة المهانة والذل على يد شعبه وهو يسأل في ذهول «من أنتم؟».

بكل وضوح يبدو فشل خبراء العلاقات العامة جليا من خلال عجزهم عن فصل صورة دكتور «جيكل» عن مستر «هايد» إذ أن «بشار الأسد» خرّيج نجيب في مدرسة الاغتيالات والمؤامرات. ألم ينشأ ويتعلّم في مدرسة النظام البعثي الطائفي المسؤولة عن قتل وتشريد عشرات الآلاف من ابناء سوريا الشرفاء طوال اربعة عقود. ولعلّ الفارق هنا بين الابن ووالده أن احدهما قاتل محترف صامت، والثاني لا يكاد يقفل فمه من كثرة الثرثرة وهو يبدّل اقنعة دكتور «جيكل» ومستر «هايد» متّبعا نصائح خبراء الصورة ليبدو امام الشاشات طبيبا ورئيسا طامحا لمستقبل زاهر لبلده وأمّته وفي خلف الكواليس متصدرا مجلس القتل والدمار اليومي الموجّه الى شعبه وجيرانه في «لبنان» «والعراق» «ودول» الخليج متى ما دعت الحاجة.

والغريب كيف لم يتعلّم هذا الذي يُسمّى «الأسد» من ذكاء «الضباع» التي اجتمعت حوله ثم تفرّقت وولت الفرار خشية غضب شعوب العالم وعزمهم على إنقاذ دمشق التاريخ والانسان من حرائق «نيرون الأسد». لا لم يتعلّم «بشّار» شأنه شأن كل مستبد ولم يستوعب قصص تاريخ «فَتلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بمَا ظَلَمُوا» وهي تروي كيف ينتهي الظالمون إلى أبشع النهايات. وبكل وضوح يبدو أن «بشار» وهو تحت تأثير خدر الهوى «الفارسي» وتاجر الخردة الروسي لم يعتبر مما مضى من سير الباطشين ليتيقن أن ما من ظالم مستبدّ عرف الطمأنينة في حياته أو كوفئ بالمجد بعد هلاكه. وما اعجب أن ينتسب مثله للإسلام ثم يكون للطغيان والبغي متعهّدا وحليفا كيف يفعل هذا « وَاللّهُ لاَ يُحبُّ الظَّالمينَ». وأي أمل في نصر أو نصرة يرتجيه هذا المستبد «فَمَا للظَّالمينَ من نَّصير». والأعجب كيف تركن «كائنات» عجيبة لهذا الظالم وتدعو الى نصرته مع علمهم بشريعة «وَلاَ تَرْكَنُواْ إلَى الَّذينَ ظَلَمُواْ» وأنّى لهم هناءة العيش وهم يزيّنون صورة الباغي ويبررون جرائمه مع علمهم اليقين «إنَّهُ لاَ يُفْلحُ الظَّالمُونَ» ألا ساء ما يفعلون.

مسارات:

قال ومضى: من دم الأحرار تتعطّر الحرية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا الوطن.. لا سوريا الطائفة..

يوسف الكويليت

الرياض

30-7-2012

هل يمكن تسمية بلد عربي، لديه أقليات قومية مختلفة، وبعضها سابق للعرب بحصرها في هذا الجنس؟

نموذج العراق بارز، حتى رغم وجود أكثرية عربية يمثلها المذهبان السنّي والشيعي، إلا أن العرب حُصروا بالسنّة فقط، ومع أن الأحزاب القومية حاولت أن تقصي بقية الأعراق الأخرى، وهو خطأ تاريخي، فقد نشأت فيما بعدها شعوبية جديدة، تريد نفي هذه الصفات العربية والعودة إلى تاريخ يجعل العراق آشورية، وبلدان الشام (فينيقية) ومصر فرعونية، إلى آخر التقسيمات التي أخذت حيزاً من ثقافة بعض المفكرين..

وحتى لا يتكرر ما جرى بالعراق، وتنتقل حمّاه إلى سوريا، لابد من فهم موضوعي لطبيعة السلسلة الطويلة التي يتكون منها الشعب السوري، والذي طالما تعايش بدون فرز طائفي أو قومي، إلا بعد بروز الانقلابات العسكرية والتخلي عن المولود الديموقراطي الذي خلفته حكومات الاستقلال، حتى أن المفاخرة بمناضلين علويين، وأكراد، ودروز قاوموا الاستعمار وحافظوا على وحدة النسيج الاجتماعي، استمرت إلى ان بدأت الدكتاتوريات العسكرية تأخذ بالمبدأ الانتهازي «فرِّق.. تسد» والذي طبقها بشكل منهجي نظام الأسد، الذي كرسه الأب وطوره الابن مع عائلته وبطانته..

جيش العراق كان يشبه الجيش المصري قوامه كل أنماط الشعب، وكان باستراتيجية أمريكا أن يكون حله هدفاً أساسياً، وهنا بدأت تسود التصفيات الجسدية وتنتشر المليشيات الطائفية، بينما الادعاء بأنه بعثي لم يكن صحيحاً، لأن الذين حاربوا على الجبهة الايرانية شيعة عرب بمبدأ صراع الفرس يجب أن يقف عند حدود إيران، وهذا الحافز حتى لو أراد صدام إجبارهم على خوض هذه الحرب، فإنهم سيكونون مناوئين له وحكومته، بل كان اللجوء للعديد منهم لإيران أحد الدوافع، أو خدمتهم للعدو بالتطوع بأن يكونوا طابوراً خامساً له، لكن كل هذا لم يحدث، لكن تلاقي الأهداف بين أمريكا وإسرائيل، والتي كان أحد بنود الأخيرة حل هذا الجيش، وخاصة بعد انتصاراته في حربه مع إيران ظل جزءاً من أسباب غزو العراق، ومن إنهائه..

ما جرى بالعراق مخيف أن ينسحب على سوريا، فالتطورات التي تجري على الساحة السورية صراع جيش نظامي عماده الطائفة العلوية، وجيش حر جديد يتم تشكيله على الولاء الوطني، وفي حال انتصرت الثورة، يجب أن لا يؤخذ كل من كان في الجيش أنه عدو للشعب، لأن مبررات كثيرة سوف تكشف الوجه الخفي لكل ما جرى من نظام الأسد، لأن المحافظة على جيش وطني يكون نواته الجيش الحر، سوف يجنب سوريا ما حدث من فراغ في العراق جراء حل الجيش، وهي مسألة لابد أخذها في الاعتبار من كل القوى الوطنية التي تحارب النظام الدكتاتوري..

على نفس الخط لابد من إشراك كل التنوعات القومية والدينية في بناء سوريا جديدة، وليأخذوا بنهج غاندي في الهند الذي وحّد وطناً شديد التنوع، وأخذ العبرة من (مانديلا) الذي وقف مع البيض رغم كل الويلات التي عاناها السود، وسوريا التي جربت وحدتها الوطنية، وتجاوزتها للوحدة العربية بطروحات وطنيين، مسيحيين، ومسلمين وأكراد وغيرهم، لديها مقومات المحافظة على نسيجها الوطني، بدون تارات، أو سوابق، لأن الثورة تستطيع أن تعفو وتنسى ما قبلها من أحداث وويلات..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إسرائيل وسوريا ما بعد الأسد

تاريخ النشر: الإثنين 30 يوليو 2012

عائشة المري

الاتحاد

تراقب إسرائيل تطور الأحداث في سوريا، وتتخوف من تطاير شظايا الحرب الدائرة في سوريا إلى ديارها، وتتحسب لتدفق اللاجئين السوريين على هضبة الجولان المحتلة، وهناك قلق إسرائيلي من مرحلة ما بعد الأسد، وهناك تخوف من مصير الأسلحة الكيميائية والبيولوجية السورية من أن توجه ضدها أو أن تقع في أيادي جماعات قد تهدد أمنها. وعلى رغم أن تأثير إسرائيل على تطورات الأوضاع في سوريا ضئيل إلا أن انعكاسات ما يحدث في سوريا سيكون لها تأثير عميق على إسرائيل وأمنها وعلى التوازنات الإقليمية في المنطقة.

لعبت سوريا لسنوات دوراً إقليمياً مهماً من وجهة نظر إسرائيل، فالنظام السوري رفع راية المقاومة وكان شريكاً في عملية السلام وسعى إلى تحقيق توازن استراتيجي مع إسرائيل، وشكل نظام الأسد صمام أمان للنظام الإقليمي. وتعكس تحليلات المهتمين بالشأن السوري تباين تأثير مرحلة ما بعد الأسد على إسرائيل، إذ يرى البعض أن سقوط الأسد يشكل ضربة للتحالف السوري الإيراني، وللتحالف السوري مع "حزب الله" ألد أعداء إسرائيل، ولذا فهو يصب في مصالح إسرائيل، بينما يتخوف آخرون من الفوضى السياسية والأمنية التي ستنجم عن السقوط المدوي للأسد ولعل أكثر ما يقلق الساسة الإسرائيليين ضبابية المشهد السوري، وسيولة الأوضاع في مرحلة ما بعد الأسد والبديل المجهول لنظامه.

يستند القراءة الإسرائيلية للثورة السورية إلى ثلاث قضايا رئيسية تتداخل وتؤثر وتتأثر ببعضها بعضاً: المحور السوري الإيراني، علاقة نظام الأسد ودعمه لـ"حزب الله" اللبناني، وأخيرا مصير الأسلحة السورية غير التقليدية من أسلحة كيميائية وبيولوجية. إذ تعتبر إسرائيل المشروع النووي الإيراني تهديداً استراتيجياً، كما ترى أن العلاقات السورية الإيرانية تجسد امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة، وسقوط الأسد سيوجه ضربة قاسية لإيران وللهيمنة الإيرانية الإقليمية. وسيؤثر سقوط نظام الأسد على "حزب الله" حليفه الاستراتيجي ونقطة اتصاله بحليفته إيران، وسيفقد حينها جسر الإمداد بإيران، وسينعكس ذلك بالتأكيد على قوة ومكانة "حزب الله" في لبنان وفي لعبة التأثير الدولية خاصة مع إسرائيل. ومن المسلم به أن ما يحدث في سوريا سينعكس على لبنان وقد بدأت التوترات والانقسامات تتصاعد في لبنان بين مؤيد لنظام الأسد وعلى رأسهم "حزب الله" وبين مجموعات سنية مناصرة للمعارضة السورية، وقد وجه اختطاف نحو عشرة من الشيعة اللبنانيين واحتجازهم من قبل جماعة معارضة في سوريا ضربة لنصر الله ورسالة لتدخله ولدعمه للأسد.

وتخشى إسرائيل من أن يحصل "حزب الله" على أسلحة غير تقليدية إذا سقط النظام السوري، وهددت إسرائيل بأنها سترد بقوة وفوراً وبأشد طريقة ممكنة في حال نقل النظام السوري أسلحة كيماوية إلى "حزب الله"، وقال وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان: "إن عملية كهذه ستشكل سبباً للحرب"، وقد حذرت روسيا الأسد من مغبة استعمال الأسلحة الكيميائية بموجب التزامات سورية بالاتفاقية الدولية التي تمنع استخدام مثل هذه الأسلحة في الحروب. ويعرف الروس أكثر من غيرهم ما يجري في ساحات القتال السورية وتطورات الأوضاع، ولذا فالتحذير الروسي جاء بناء على معلومات موثوقة تؤكد تقييم تل أبيب وواشنطن وتؤكد صحة المعلومات التي سربها الجيش السوري الحر وتداولتها وسائل الإعلام الدولية.

واقعياً تتمنى إسرائيل إطالة أمد الصراع في سوريا، فإسرائيل ستستفيد من إضعاف نظام الأسد ككيان، كما أنها ستستفيد من إكساب الصراع طابعاً طائفياً، وسيشكل سقوط الأسد ضربة قوية لإيران، ولـ"حزب الله" و"حماس" معاً، لقد بدأت تل أبيب بالتأهب الأمني والحوار والتنسيق مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين استعداداً لمرحلة ما بعد الأسد، فسقوط الأسد لا ينطوي على تهديدات جدية لإسرائيل بقدر ما ينطوي على فرص كامنة في الوضع الجديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"مع" أو "بعد" سوريا؟

نبيل بومنصف

2012-07-30

النهار

احتلت الاستعدادات العسكرية المتقابلة لمعركة حلب مكانة ساحقة في الاعلام العالمي، لم يخرقها سوى تسليط الضوء على بدء العد العكسي لفترة المئة يوم الفاصلة عن الانتخابات الرئاسية الاميركية.

يكتسب الامر دلالة مهمة ليس في طبيعة الحدث العسكري الذي يحمل نتائج حاسمة على مسار الصراع في سوريا فحسب، بل في رمزية تجاوز معركة حلب أطر "ربيع" الثورات العربية الى تحديد معالم مصيرية للشرق الاوسط برمته. ولا ندري امام هذا الحدث، كم ان اللبنانيين محظوظون لانصرافهم عنه بملهاة اليوميات التي تتقدم اولويات السياسة والاعلام عندهم. ونقول ملهاة لا للاستهانة بحجم الازمات الخانقة التي تطبق على أنفاس اللبنانيين، بل للتحذير، ان كان يجدي، من ان الاعلام الغربي في خلفية تعامله مع الحدث السوري بدأ يصنف لبنان البلد الاكثر اهلية وقابلية للانفجار مع، او بعد، سوريا. ولا تعوز هذا الاعلام حجة او ذريعة او خلفية، أمشبوهة كانت ام موضوعية في هذا المنحى، ما دامت اي قضية او ازمة صغيرة او كبيرة في لبنان تضع امنه واستقراره على شفا هوة الانزلاق الى المحظور.

ثم ان التهديد بتفجير لبنان، لم يعد صنيعة السياسات المتحكمة فيه من الداخل او الانتهاكات الوافدة عليه من الخارج فحسب. فها هي صحيفة دمشقية تحرض بالامس حلفاء النظام علنا وبأشد العبارات وضوحاً على إشعال الفتنة في لبنان". دعوة "الى الفتنة لا تشبه الا التهديد باستعمال الاسلحة الكيماوية مما يثبت تكرارا كم هي "الورقة اللبنانية" ثمينة لدى النظام السوري، وكم هو حريص على استعمالها في اللحظات الحاسمة، وكم هو مدرك أيضا لخطورة صدى التهديد بتقويض الاستقرار اللبناني لدى المجتمع الدولي.

امام هذه السحب التي تتلبد في سماء لبنان ترانا أمام مئة يوم مصيرية تعني اللبنانيين، تماما كما تعني السوريين وكل أنحاء الشرق الاوسط، سواء احتفظ باراك اوباما بمنصب الرئاسة الاميركية أم حل مكانه منافسه ميت رومني. هي مئة يوم برمزية المهلة وليس بعدد الايام، لان أحدا في العالم لا يمكنه التكهن بمآل الانفجار السوري وانعكاساته على الجوار بعدما تعولم الصراع السوري على خطى "اللبننة" و"العرقنة" وسائر مشتقات الدمار والتقسيم واستباحة الصراع للمصالح الدولية. ولن تكون مغالاة أبدا ان يعتبر لبنان نفسه في عين عاصفة هذه المهلة الجهنمية. فبين معركة حلب ومعركة الرئاسة الاميركية لن يقوى على الوقوف الا من يخرج من زواريب المياومين والكهرباء والاضطرابات بالجملة والمفرق وحتماً لا ينطبق ذلك على أصحاب ملهاة وافدة في هذه الزواريب اسمها الانتخابات النيابية في كل هذا الجحيم الشرق أوسطي والعالمي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المؤامرة: استدراج القاعدة!

محمد أبو رمان

الغد الاردنية

30-7-2012

يحاول النظام السوري جاهداً اختزال الثورة اليوم بوصفها حرباً مفتوحة مع "القاعدة" والمقاتلين الأجانب. وهي اللعبة التي سعى إلى الوصول إليها، منذ البداية، لترهيب العالم الخارجي (والشعب) من مرحلة ما بعد النظام، وخطورة انهياره، ولتبرير المجازر الدموية البشعة التي يقوم بها بحق المدنيين والمدن والأحياء، طالما أنّها حرب مع "المتطرفين والظلاميين الأجانب"!

نجح النظام في استدراج عناصر من "القاعدة" إلى سورية، وعزّز من دعايته الاهتمام والتركيز الغربيان على عناصر "القاعدة" الوافدين. وكانت صور المتطوعين على الحدود التركية، وبعد تحرير معبر باب الهوى، صيداً ثميناً للنظام؛ ولم يسلم منه أردنيون وعرب حبستهم الظروف في دمشق، فقتلهم واتهمهم بأنّهم من "القاعدة"!

اليوم، لا يمكن تجاهل وصول عناصر من "القاعدة" إلى سورية، وهنالك عناوين عديدة لها، مثل كتائب عبدالله عزام، وجبهة نصرة الشام، وفتح الإسلام، وجند الإسلام، وغيرها من أسماء تنبثق من المجموعات نفسها، لكنّها مجموعات صغيرة ولا تشكّل رقماً صعباً في المعادلة هناك، إلى الآن على الأقل.

قبل أيام، صدر تقرير دقيق للبنتاغون يضع حدّاً لهذا الهوس والأوهام المرتبطة بالقاعدة، يؤكّد أنّهم في أقصى التقديرات بضع مئات، مقارنةً بعشرات الآلاف من الجيش السوري الحرّ. وهي نسبة محدودة جداً بالنسبة للثوّار، الذين لا يحملون بالضرورة فكر "القاعدة" ولا يخضعون لاستراتيجيتها.

بالضرورة، وجود "القاعدة" لا يخدم صورة الثورة السورية ولا مضمونها، ويتناغم مع دعاية النظام السوري. لكن الخلط يحدث لدى المراقبين اليوم بين أي شعار إسلامي و"القاعدة"، وهذا غير صحيح؛ فليس كل من أطلق لحية أو تحدث بخطاب ديني هو من "القاعدة".

الدين في لحظة المحنة العصيبة الحالية هو الملجأ والملاذ للشعب السوري، وهو العمق المعنوي والرمزي لهم، وسط تخاذل المجتمع الدولي أمام آلة القتل والدمار؛ فهذا مجال حيوي مختلف تماماً عن طابع "القاعدة" وأيديولوجيتها، ومن المهم -كذلك- محاولة توظيف العامل الديني الحيوي ضد الطائفية وليس العكس!

وتحت بند "القاعدة" والحرب الأهلية، يجري تسويق نظرية المؤامرة والحديث عن "عراق 2"، وفي السياق ذاته، كتب توماس فريدمان وديفيد اغناتيوس. وهي مغالطات فادحة؛ فدور "القاعدة" يختلف جذرياً بين الحالتين، فضلاً عن اختلاف الشروط الموضوعية.

في العراق، تمكّنت المجموعة القريبة من "القاعدة" (مجموعة الزرقاوي "التوحيد والجهاد، انضم لاحقاً إلى "القاعدة") من تجاوز صدمة السنة بانهيار النظام، وبدأت عمليات المواجهة مع الاحتلال الأميركي منذ اليوم التالي للحرب مباشرة، واستطاعت ملء الفراغ، وشكّل الاحتلال الأميركي شرطاً موضوعياً لقدرة "القاعدة" على التجنيد والتعبئة، فكانت رقماً صعباً في المعادلة في اليوم الأول، قبل أن تأخذ المعركة مساراً طائفياً لاحقاً.

في سورية، الوضع مختلف تماماً. فالكتلة الكبرى من المقاومة السورية هي من أبناء الجيش الحرّ، ومن المواطنين، ولا يوجد احتلال خارجي، وعناوين المعركة واضحة؛ الديمقراطية، والكرامة وحقوق الإنسان والحريات العامة، كباقي ثورات الربيع الديمقراطي العربي، وهي "شعارات" تتناقض جذرياً مع خطاب "القاعدة" ومنهجها.

المحفّز الوحيد لخطاب "القاعدة" هو ما يقوم به النظام من ضرب الطائفة العلوية بالسُنية، وحالة الفوضى التي تقع حالياً. وفي حال تطوّرت الأمور باتجاه الحرب الأهلية واتخذت طابعاً طائفياً، فستكون عندئذٍ فقط الظروف مواتية لنمو خطاب "القاعدة" أو السلفية الجهادية، لكن إلى الآن ما يزال حضورها محدوداً، مقارنةً بالثورة والجيش الحر.

"القاعدة" مصيدة للثورة السورية، وتضخيم وجودها ودورها لا يخدم إلاّ النظام ودعايته لخلط الأوراق. لذلك، فإن التأكيد على أهداف الثورة الوطنية والتحرّرية، ومفهومها المدني الديمقراطي، يمثّل اليوم أولوية مهمة في الصراع مع نظام الأسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لحظة الحقيقة بسقوط الأكاذيب ضد الثورة السورية

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

30-7-2012

أطراف دولية عديدة، من الشرق ومن الغرب، من العرب ومن أصدقاء سوريا، مدوا الحبل على غاربه لطاغية الشام فتمادى في جرائمه الى حد يخجل فيه تيمورلانك من افعاله وكل ذلك يتم بغطاء ورقة توت اسمها رفض التدخل ورفض تزويد الثوار بالسلاح تحت مزاعم منع الأوضاع من التطور الى حرب أهلية. وكل هذه المهزلة السياسية للمجتمع الدولي خدمت بتواطؤ لا مثيل له خطط الاسد الطائفية في تسعير نار الحقد والوحشية بين صفوف كتائب جيشه التي تقوم عقيدتها على حفظ نظام الطائفة حتى لو كان الثمن تدمير سوريا حجرا على حجر وأسالة الدماء انهارا.

يعلق احد السوريين على مزاعم النظام بان منطلقات الثورة طائفية قائلا: لو كنا طائفيين لما قبلنا بحكم عائلة الاسد لأكثر من ٤٠ عاما !. وها هي الاحداث المأساوية في حلب ودرعا ودير الزور ودمشق وكل المدن والقرى حيث يعيش السوريون حالة مواجهة مع جيش يدعي انه جيش الوطن واذا به جيش يرتكب من المجازر وجرائم الحرب ما لا ترتكبه الجيوش الغازية. وهذا ثمن الاستسلام الطويل لأكاذيب النظام والتستر على جرائمه ليس في سوريا وحسب انما في لبنان وحماة وتدمر خلال ربع قرن من رعاية الحروب الطائفية مباشرة، وبالوكالة كما فعل مع العراق اثناء الحرب الإيرانية العراقية وحتى احتلال بغداد.

لقد وصل الوضع في سوريا لحظة الحقيقة ويجب تسمية الاشياء بما هي عليه فعلا، فما يجري من وحشية ومجازر من جيش يفترض انه جيش البلاد هي حملات ابادة وتطهير ضد شعب باسره، يلاحق فيها الناس في الشوارع والحارات، يدمر البيوت على ساكنيها ويصفيهم جماعات ووحدانا تحت مزاعم انهم إرهابيون، اعمال لا يمكن وصفها في قواميس السياسة والحرب الا انها حرب طائفية حقيرة. لان الضحايا مدنيين، ومن حمل السلاح منهم فللدفاع عن النفس ( بعد ان بلغ السيل الزبى ) انهم ليسوا ثوارا ضد النظام لجأوا الى الجبال او جماعة خارجة على القانون التجأت الى حي او مدينة واحدة اتخذتها رهينة، انما ثورة شعب في جميع المدن والمحافظات.

لقد تواطأ الجميع مع الجزار من ما يسمى بأصدقاء سوريا الى حكام روسيا، والى الصين التي لم يشهد لها يوما انها ساعدت شعبا انتفض لحريته، لقد أحكموا الطوق على الثورة السورية فلا مال ولا سلاح بزعم رفض عسكرة الثورة، ولم يصل من اموال الى المجلس الوطني السوري على مدى ١٨ شهرا سوى ١٥ مليون دولار وفق تصريح لاحد أعضائه، بينما خزائن ايران وروسيا لم تتوقف في إمداد الاسد بالأموال والسلاح والطيارين والخبراء.

حلب هي لحظة الحقيقة التي اسقطت أكاذيب النظام عن وجود تدخل خارجي ضده، فهو المعتدي عندما وضع نفسه في حرب على شعبه، شعب في صموده العظيم وتضحياته يثبت انه يستحق الحرية والكرامة. والدعم الخارجي الوحيد الذي يتلقاه السوريون هو نشر وسائل الاعلام لصور دمار مدنهم وصور أجساد شهدائهم من الاطفال والرجال والنساء وقد مزقتهم أسلحة الطاغية، وغير ذلك من دعم مزعوم هو رحلات في الدرجة الاولى لوزراء خارجية ومؤتمرات ٥ نجوم تكرر أكذوبة الوقوف الى جانب شعب يذبح كل يوم بل كل ساعة ودقيقة.

الجميع يعطي الوقت للطاغية، بسياسة عدم الفعل لوقف جرائمه، الذي تقود افعاله الى ولادة دويلات طائفية اخرى تمتد من الخط الأزرق الى جنوب الاسكندرون شمالا ومن المتوسط الى بحر قزوين، لكن السوريين الذين يواجهون التدخل الروسي الإيراني بدمائهم يثبتون كل يوم انهم اهل عزم وارادة لا تهزم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حلب الشهباء.. والشهداء

صبحي حديدي

2012-07-29

القدس العربي

في أواخر الستينيات كانت في سورية جامعتان: دمشق، التي تأسست سنة 1923 تحت اسم 'الجامعة السورية'؛ وحلب، التي تأسست سنة 1958. ورغم أنني كنت من أبناء محافظة الحسكة، إحدى المحافظات الشرقية، وتوجّب بالتالي أن أنتسب إلى جامعة حلب؛ إلا أنّ حصولي على منحة دراسية قادني إلى جامعة دمشق، الأمر الذي جعلني أكثر معرفة بالعاصمة السياسية، خلال سنوات الدراسة، وإقامات أخرى أطول. حلب، المدينة الثانية في سورية، والعاصمة التجارية عملياً، عرفتها خلال زيارات متقطعة، فضلاً عن أداء دورة التدريب للخدمة العسكرية الإلزامية في واحدة من مدارسها.

ولقد شاء الحظّ أن تجري تلك الدورة خلال العام 1979، في ذروة المواجهات العنيفة، والعنفية، بين النظام والجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، فشهدتُ (مثل العشرات من زملائي 'الطلاب الضباط'، كما تسير التسمية) بعض فصول تلك المواجهات. كان قائد اقتحام الأحياء الحلبية ضابط في 'الوحدات الخاصة'، برتبة مقدّم، يُدعى هـ. م.، وكانت فضيلته الوحيدة أنه ظلّ يستهوي مصارحتنا بحقيقة دورنا في تلك العمليات: أنتم تؤدّون الخدمة الإلزامية، وبالتالي لن يستهدفكم 'الإخوان الشياطين' (لم تكن مفردة 'الإرهابيين' أو 'المندسين' رائجة آنذاك)، مثل استهدافهم للعسكريين العاملين؛ ولهذا فأنتم أشبه بالدرع البشري، ننشركم في مدخل الحيّ، قبل أن نبدأ بالاقتحام والتطهير!

كانت تلك 'الفلسفة' تثير القشعريرة حقاً، ليس لأننا بالفعل كنّا نؤدّي 'خدمة العلم'، لا أكثر؛ ولسنا، استطراداً، على دراية بفنون القتال عامة، وقتال الشوارع والأزقة والمدن خاصة؛ بل، كذلك، لأنّ مفهوم 'الدرع البشري' في ذاته يحيل إلى صيغة الدريئة التي تتلقى الرصاص، وتلك هي وظيفتها الوحيدة! المدهش أنّ الضابط كان على حقّ، في نهاية المطاف، لأنّ أياً من زملائنا الطلاب الضباط لم يُقتل في المواجهات، رغم أنّ بعضها كان ساخناً بالفعل (كما في معركة حيّ الصاخور، مثلاً)، ورغم أنّ مجموعاتنا كانت تُنشر على هيئة دروع بشرية، وحدث مراراً أنّ الرصاص كان يمرّ من فوق رؤوسنا!

وفي هذه الأيام تحديداً، إذْ يحاصر عسكر النظام مدينة حلب، ويعتزم حرق الأخضر فيها قبل اليابس، أستعيد ـ ضمن اختلاطات متلاطمة لمشاعر الاعتزاز والأسى، البهجة والسخط، الدهشة واليقين... ـ واقعة ذات مغزى بالغ الخصوصية؛ شهدتها، شخصياً، صحبة عدد من الزملاء، في 'جبّ القبة'، أحد أعرق أحياء المدينة، والذي يقع على مرمى أمتار من سور القلعة. كنّا يومها في ساعات الفجر الأولى، وفرغنا من تفتيش أحد البيوت، ليس دون فظاظة شديدة تعمدها عناصر 'الوحدات الخاصة'، دون أن نعثر على أي سلاح، حين باغتنا المقدّم هـ. م. دخل إلى البيت مجدداً، وألقى نظرة سريعة على المكان، ثمّ سأل الساكن الوحيد (وكانت سيدة سبعينية) إنْ كانت عندها شربة ماء؛ فأجابته بنبرة جافة، ونظرة صقيعية: 'عندك البئر، فانزحْ منه واشربْ'.

ابتسم المقدّم، على نحو ماكر لن ندرك مغزاه إلا بعدئذ، وغادر المكان مع عناصره، وبقينا نحن مرابطين أمام البيت، حتى تصلنا تعليمات أخرى. وبعد دقائق أطلّت السيدة، وهي تحمل 'صدر' قشّ عريضاً، تكدست فوقه أصناف منوّعة من الجبن، والعسل، والمربى، والزيتون، والزعتر، والزيت، والبيض المقلي والمسلوق، وخبز الصاج الساخن... كانت السيدة تجهل مللنا ونحلنا، أدياننا وطوائفنا، مناطقنا وأعراقنا، ولكنها قالت، بصوت واهن ولكنه يطفح حناناً وعذوبة: 'أنتم مجبرون على هذا، وأمهاتكم بعيدات عنكم، فاعتبروني أمّكم، واقبلوا هذا الفطور بالنيابة عنهنّ'. وقبل أن نتحرر من المفاجأة الصاعقة، أو نمتلك الوقت لنتداول في ما إذا كان من الصائب ('عسكرياً'، على الأقلّ!) أن نقبل هذه الدعوة السخية الاستثنائية، تعالى مجدداً صرير عجلات سيارة الـ'رينج روفر'، يقودها المقدّم دون سواه، والابتسامة ذاتها على وجهه. 'ليس عندك شربة ماء يا خالة، أليس كذلك؟'. 'لك ماء البئر' ردّت الخالة بحزم، 'وهؤلاء أولادنا، لهم القلوب والعيون'!

تلك هي حلب، وهذه حكاية واحدة صغيرة تعكس وجدانها السوري الثرّ، وتؤشر على بعض أسفارها وأطوارها وأحوالها، بوصفها الشهباء الكريمة المجيدة الأبية، صاحبة الموقع السياسي والثقافي والحضاري، الإنساني والوطني والكفاحي، الذي تضرب جذوره عميقاً، بل تغوص في الأعمق من تاريخ سورية، القديم والوسيط والحديث والمعاصر.

وتلك هي الحاضرة التي حرص النظام أن يُطبق عليها الخناق (وربما أكثر ممّا فعل مع دمشق)، ففرض عليها حصاراً خارجياً، وأقام الحواجز في الشوارع والأحياء الرئيسية، كما نصب عدسات المراقبة في الساحات العامة وأمام المساجد، ولجأ إلى طرائق أشدّ شراسة في تفريق التظاهرات أو الاعتصامات. وهي، أيضاً، حلب بعض كبار التجّار، الذين تحالفوا مع بعض المشايخ ورجال الدين، فلعبوا دوراً ميدانياً مباشراً في إخماد النقمة الشعبية، واعتمدوا في هذا أساليب شتى تبدأ من التلويح بقطع الأرزاق، ولا تنتهي عند إصدار الفتاوى.

'حلب الشهباء'، مدينة تلك السيدة الفريدة، 'الأمّ شجاعة' على نحو ما صوّر برتولت بريخت، وأرفع؛ صارت، أيضاً، 'حلب الشهداء'، بالعشرات كلّ يوم. هي، كذلك، عاصمة الانتفاضة، راهناً وحتى إشعار آخر؛ وتلك التي تشهد، وتستعيد، أمثولة محمود درويش: 'في كلّ مئذنة/ حاوٍ، ومغتصب/ يدعو لأندلسٍ، إنْ حوصرت حلبُ'!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قبل الحريق الكبير في سورية

عبدالعزيز التويجري *

الإثنين ٣٠ يوليو ٢٠١٢

الحياة

منذ سنوات عدة وشهر رمضان يقترن بالأحداث العاصفة المدمرة التي تقع في عدد من الدول العربية الإسلامية، فتحيل الشهر الكريم إلى موسم للبكاء والحزن نتيجة الكوارث الإنسانية الفظيعة التي تترتب على تلك الأحداث المروعة. وقد بدأ شـهر رمضان هذه السـنة بهذا التـصـعيد العنيف المدمّر للأزمة التي تشهدها سورية، منذ أكثر من ثمانية عشر شهراً، نتيجة لإصرار النظام الطائفي الاستبدادي الذي يحكم هذا البلد العربي بقوة الحديد والنار، على المضي قدماً في ممارسة الخيار الأمني، ومواصلة الحرب ضد شعبه المنتفض الثائر على الظلم والقهر والقمع والحرمان من الحقوق وامتهان الكرامة والإضرار بالمصالح العليا للبلد من خلال استشراء الفساد والإفساد على أوسع مدى، على أيدي الطغمة الحاكمة المستبدة المستفيدة العابثة بمقدرات الشعب والمستغلة للثروة الوطنية.

وإذا تجاوزنا النظرة التقليدية إلى مجريات الأحداث، وتعمقنا في تحليل الوضع المزري البالغ أقصى درجات التدهور، نجد أننا أمام حالة شاذة تكاد تكون غير مسبوقة، ليس فقط على الصعيد العربي، ولكن على الصعيد العالمي، أللهم إلا بعض الاستثناءات التي لا تمنع من القول إنها حالة فريدة من نوعها. ذلك أن طبيعة النظام الطائفي الديكتاتوري في سورية، تنفرد بخاصية لا تتوافر في الأنظمة الشمولية الطاغية التي عرفها العالم خلال القرن العشرين. فالحكم في سورية هو، وفق التوصيف الواقعي، حكم عصابة إجرامية طائفية قام على أساس دولة بوليسية حديد منغلقة تمارس أقسى أنواع القمع ضد إرادة الشعب المقهور المغلوب على نفسه المحروم من كل الحقوق تستفيد منها فئة محدودة ورثت الحكم المستبد في ظروف مشبوهة، وتتصرف وكأنها صاحبة الحق المطلق الذي لا ينازع، في إدارة دفة الحكم بمقدار كبير من الجهل والبطش وعمى البصيرة والطيش والإصرار الغريب على ممارسة الإجرام في حق المواطنين والوطن.

ونظام تكون هذه هي ملامحُه وأوصافه ودوافعه ومحركاته، لا يمكن أن يكون نظام دولة، وإنما هو نظام عصابة بكل دلالات العبارة. لقد جاءت الأحداث المدوية المروعة لتؤكد أن سقوط نظام العصابة أضحى وشيكاً بالمقياس الواقعي، كما جاء ردّ الفعل من جانب النظام على ما يجري على الأرض، مؤكداً حالة الغيبوبة وانعدام التوازن التي يعيش فيها أفراد هذه العصابة الإجرامية؛ إذ تبيّن أن هذا النظام الطائفي مقطوع الصلة بالواقع، وهو لا يزال متقوقعاً على نفسه متوهماً - توهماً مرضياً - أن الوضع سليم ومسيطر عليه، وأن الأمر كله، كما يزعم، إنما يتعلق بعصابات إجرامية وجماعات إرهابية في الاستطاعة القضاء عليها في أقرب الآجال. وتلك أوهام غرقت في مستنقعها العصابة المجرمة التي تقتل الشعب السوري وتهدد بالإبادة الجماعية له حتى تبقى هي سيدة الموقف.

وهنا يكمن الخطر الذي يتهدد سورية بالمزيد من الكوارث المدمرة. وإذا كان النظام الطائفي في سورية ينحدر سريعاً نحو الهاوية، فإن أحداً لا يمكن أن يجزم بأنه سينتهي قريباً، على رغم ظهور المؤشرات الدالة على ذلك؛ لأن الطغاة حينما يجدون أنفسهم محاصرين ووجوههم إلى الحائط وواقعينَ تحت الضغوط القاهرة الشديدة الوطأة، لا يتورعون عن التصعيد في الموقف والضرب في كل اتجاه، ولا يترددون عن حرق الأرض بمن عليها. فهؤلاء مجرمون عتاة لا خلاق لهم ولا ذمة ولا رادع من دين أو عاصم من فكر مستنير يهديهم سواء السبيل، ابتلي بهم الشعب السوري الشقيق منذ أكثر من أربعة عقود.

إن التحليل الموضوعي للأوضاع في سورية الآخذة في التأزم البالغ الذروة، تطرح في هذه المرحلة العصيبة، أسئلة كثيرة عن موقف المجتمع الدولي إزاء المأساة التي تعصف بالشعب السوري والتي تهدد الدولة السورية بالتلاشي والانهيار. فالحلول السياسية والديبلوماسية فقدت صلاحيتها وأصبحت ضرباً من الخيال، واستخدام القوة لردع النظام في سورية من خلال تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بات دونه خرط القتاد كما تقول العرب، والقرار الذي اتخذته جامعة الدول العربية في شأن تأمين خروج الرئيس القاتل بشار بعد تنحيه عن الحكم مع أسرته، لا جدوى منه ولا فائدة فيه. وهي الصفة اللازمة لجميع القرارات التي اتخذتها الجامعة منذ نشوب الأزمة في سورية وإيران وروسيا والصين لن تكف عن مساندة النظام السوري إلا إذا شعرت بتهديد مباشر لمصالحها من خلال موقف صريح وجريء وشجاع تتخذه جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. وفي غياب ذلك كله، فلا أمل في وضع حد سريع لهذه المأساة المروعة، ولإنقاذ سورية من الحرب الأهلية العارمة الشاملة.

تحركوا قبل أن تُحرق الفيحاء والشهباء. تحركوا قبل فوات الأوان. والنداء موجّه إلى العرب والمسلمين كافة وإلى المجتمع الدولي برمته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق تحرك حروب الاقليم والحسم بعيد

الإثنين ٣٠ يوليو ٢٠١٢

الحياة

لم يكشف الجنرال روبرت مود جديداً. جميع اللاعبين في الساحة السورية يعرفون أن سقوط النظام مسألة وقت. وما يقلقهم ليس سقوطه بل احتمال سقوط سورية كلها وغياب أي قدرة على استعادة حكمها أو بناء نظام جديد. ما جرى منذ زمن وما يجري هذه الأيام هو استكمال التدمير الممنهج لمعظم المدن والحواضر السورية. لم تخرج المعارضة من مدن حمص وحماة وإدلب ودرعا وغيرها، لكن هذه لم يبق من معالمها شيء. وهذا ما يحصل وسيحصل للعاصمتين أيضاً. عملية «بركان دمشق» قبل أسبوع انتهت بلا حسم. لم يحقق «الجيش الحر» والجماعات المقاتلة ما كانت تطمح إليه. نفدت ذخيرتها، وجيش النظام لم يتورع عن استخدام كل آلته التدميرية.

ولا ينتظر أن تشكل «أم المعارك» في حلب مصيراً مغايراً. علماً أن المجتمع الأهلي فيها عبر عن تمرد واسع بمختلف تشكيلاته وهيئاته. ولا يتوقع أن توفر تركيا الدعم المطلوب لتحويل عاصمة الشمال «بنغازي» جديدة يمكن أن تشكل منطلقاً للمنشقين وتسهل على القوى الخارجية أداء دور أكبر في دعم الثورة. وفي حين تمعن موسكو في «قهر» أنقرة لا ترى واشنطن وجهاً للشبه بين حلب وبنغازي! ولا يعني ذلك أن النظام انتصر أو سينتصر في هذا «البركان» المتنقل في كل أرجاء البلاد. لم يربح أحد حتى الآن. ولن يربح أحد في المستقبل المنظور، وإن كانت النتيجة النهائية معروفة لمصلحة الناس.

ما صرح به الرئيس السابق للمراقبين الدوليين نعي واضح لمهمة المبعوث الدولي - العربي كوفي أنان الذي لم يكن مطلوباً منه في الأساس سوى السعي إلى توفير مزيد من الوقت للاعبين الدوليين والإقليميين. وبات واضحاً أن هذه المهمة استنفدت غرضها. لذلك، لجأ النظام إلى تشريع الأبواب واسعة أمام تصدير «حروبه الأهلية» إلى أكثر من جبهة: من إثارة قضية الأسلحة الكيماوية والجرثومية التي قضّت مضاجع كثيرين، خصوصاً إسرائيل. إلى قضية تسليم تنظيمات كردية مناطق واسعة محاذية للحدود مع تركيا التي لم تتأخر في التعبير عن مخاوفها. ومثلها فعلت قوى في المعارضة السورية التي أقلقتها إثارة قضية قد تشغلها عن المواجهة الكبرى مع النظام. إلى قضية اللاجئين الذين يتدفقون إلى دول الجوار وقد يشكلون مستقبلاً بؤر توتر في مجتمعات هشة تقف على شفير الهاوية، من لبنان إلى الأردن والعراق. وفوق هذا وذاك تصاعد الحديث عن احتمال تفتيت البلاد وتقسيمها على غرار ما حل بيوغسلافيا وما ينذر ذلك بحروب مذهبية لن تكون إيران ودول عربية بمنأى عن الانخراط فيها.

اللعب بالقضية الكردية في سورية أكثر خطورة وأشد تعقيداً. منذ البداية لزم الكرد ما يشبه الحياد في الأزمة. لم ينخرطوا في الحراك كما كانت تأمل المعارضة. ولم يشايعوا النظام كما فعلت أقليات أخرى. انتظروا هذا الاهتراء ليبدأوا مسيرة إقامة أمر واقع في مناطق وجودهم الكثيف. لذلك، لم تفلح كل مؤتمرات «المجلس الوطني» من اسطنبول إلى القاهرة في ضمهم إلى صفوف المعارضة. كما لم تفلح كل الإغراءات التي قدمها النظام منذ البداية في دفعهم إلى الدفاع عنه. مشكلتهم تشبه مشكلة إخوانهم في العراق قبل انهيار نظام صدام حسين. لم يغفروا للبعث في دمشق محاولات طمس هويتهم القومية. بعض أدبياته تحدث صراحة عن وجوب «تعريب الكرد». وبعض سياساته وفرت للعناصر العربية التي تتجاور معهم في المدن والنواحي وكثير من القرى كل الدعم لإخضاعهم. هذا من دون الحديث عن حرمان عشرات الآلاف منهم من بطاقات الهوية. وعندما وجد النظام حاجة إليهم في عز صراعه مع البعث في بغداد لم يتأخر في إرضائهم إلى حين. ولم ينسوا ما حل بهم بعد الغزو الأميركي العراق من ممارسات القمع والتكنيل والحرمان والتضييق، عندما انتفضوا في وجه الأجهزة الأمنية.

تجربة أشقائهم في كردستان العراق تغريهم. لن يصلوا إلى مرحلة المطالبة بالاستقلال. ولكن لا بأس من تكريس أمر واقع قد يتحول إلى ما يشبه الإقليم الفيديرالي في العراق. ولكن هذا الأمر قد يستثير ليس العرب السوريين فحسب، بل قد يفتح باب التدخل واسعاً أمام تركيا عندما يحين وقت التدخل.

هذه «الخطوة» الكردية عززت المخاوف من تفتيت سورية. فالجميع يدرك أن نظام الرئيس بشار الأسد لن يسلم بأي حل سياسي. لن يسلم بمرحلة انتقالية حتى وإن سقطت العاصمتان. ثمة سيناريو قديم كان خصوم النظام يتحدثون عنه باستمرار: إذا ضاق الخناق على أركان النظام وقواه المقاتلة لن يكون صعباً عليهم الانتقال إلى منطقة الساحل الغربي للتحصن هناك والدفاع عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فإن لم يؤدِ ذلك إلى تقسيم حقيقي فإنه سيوفر لهم ملاذاً آمناً. ويقيهم على الأقل من المحاسبة والمطاردة لاحقاً إلى أن تنضج الظروف لتحقيق تسوية ما. وهو ما ترى إليه غالبية السوريين مؤشراً إلى بداية تفتيت بلادهم، على طريقة ما حدث في البلقان وأدى إلى تفتيت يوغسلافيا. خصوصاً في ضوء محاولة الكرد الاستقلال ببعض مناطق انتشارهم لإقامة منطقة حكم ذاتي يمكنهم الانطلاق منها لاحقاً للتفاوض أيضاً على حدود «استقلالهم» في إدارتها.

والسؤال هنا هل يعقل أن ترضى روسيا في نهاية المطاف بمثل هذا السيناريو؟ تتصرف موسكو على أنها تسعى إلى استعادة موقعها قوة عظمى ونداً للولايات المتحدة فهل ترضى بالنزول إلى هذا النوع من الحلول؟ إذا كان المنطق يطرد مثل هذا الرضى، فإن مثال جورجيا مثال حي وقائم. اقتطعت موسكو «دويلتي أوسيتيا وأبخازيا» رداً على «تدخل» الغرب في فضائها الحيوي.

وبعيداً من موقف موسكو، لا يمكن هنا تجاهل موقف الغالبية السورية التي وحدها حددت وتحدد حتى اليوم مجرى الأزمة وأحداثها بصرف النظر عن موقف روسيا أو الولايات المتحدة وأوربا وغيرها من الدول. السنّة في سورية قد يكررون تجربة الشيعة العراقيين الذين ظلوا طوال سنين يشعرون بأن «شرعية» االحكم يجب أن تؤول إليهم نظراً إلى رجحان كفة تعدادهم في مواجهة تعداد السنّة العرب. ويبدو سنّة سورية بعد هذه الشهور الدموية الطويلة من مقارعة النظام مصممين على استعادة ما يعدونه «شرعية» الحكم الذي يجب أن تؤول إليهم في النهاية. وانطلاقاً من هذه القاعدة قد لا يتوانون عن مواصلة حربهم لمنع تقسيم البلاد وتفتيتها. وهو ما قد يرفع من وتيرة الحرب المذهبية بين السنّة والعلويين وربما الحرب الإثنية بين العرب والكرد. ولن تقف هذه الحروب عند حدود سورية وحدها. قد تمتد إلى العراق بشيعته وكرده، وإلى لبنان أيضاً. ولوحت إيران صراحة على لسان أحد جنرالاتها مسعود جزائري بأن «الشعب السوري وجبهة المقاومة لن يسمحا بتغيير النظام». وهددت بتوجيه «ضربات حاسمة إلى جبهة العدو خصوصاً العرب المكروهين»!

والتحرك الإيراني بمقدار ما يخدم الموقف الروسي يقلق الإدارة الأميركية التي كان تركيزها الأساس أولاً وأخيراً على إيران أكثر منه على سورية. وهو موقف إسرائيل أيضاً. صحيح أن سورية شكلت وتشكل جسر عبور لإيران وصواريخها إلى جنوب لبنان وأن تدمير هذا الجسر سيلحق خسارة كبرى بالعنصر الأهم من استراتيجيتها في الشرق الأوسط. لكن الصحيح أيضاً أن واشنطن وتل أبيب تدركان عظم الأخطار التي يعنيها جر طهران إلى حرب واسعة في المنطقة كلها. وتشعر الولايات المتحدة في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى شراء مزيد من الوقت. وهي تالياً بحاجة إلى الدور الروسي في التعامل مع الملفات الإيرانية. وهو ما دفعها ويدفعها حتى اليوم إلى سياسة الانكفاء عن التدخل المباشر في الأزمة السورية.

وأفادت روسيا بالطبع من إحجام البنتاغون عن الاستعداد لأي تحرك عسكري في وقت لا تزال أميركا تعاني من عقدة حربي أفغانستان والعراق ومن العبء الاقتصادي الذي ترتب عليهما. وهي إذ استحوذت على الورقة السورية كاملة بحيث بات مصير الأسد في يدها وحدها، ستحاول التلويح بالورقة الإيرانية حتى استنفاد كل أدواتها من أجل فرض نفسها شريكاً أساسياً في رسم مستقبل المنطقة ونظامها الأمني والسياسي. نظراً إلى ارتباط هذا النظام بمسائل الإسلام السياسي وانعكاساته على الداخل الروسي والدول الإسلامية المحيطة بهذا الداخل. ونظراً إلى ارتباط هذا النظام بمستقبل الطاقة والمشاريع الكبرى المتعلقة بهذا القطاع الحيوي للعالم أجمع.

وليس مصادفة في هذا الوقت تكرار التهديدات الإيرانية بالتدخل لمنع سقوط نظام الأسد. وليس مصادفة أن تقر غالبية في البرلمان الإيراني مشروع قانون يهدد بإغلاق مضيق هرمز رداً على العقوبات الأوروبية على النفط الإيراني. وليس مصادفة أن توجه صنعاء اتهامات إلى طهران بالتدخل في اليمن، فهي تتدخل منذ زمن لدعم الحوثيين وبعض مجموعات «الحراك الجنوبي». وليس مصادفة أن توجه أميركا وإسرائيل اتهامات إلى طهران و «حزب الله» بالوقوف وراء الاعتداء في مطار بلغاريا. وليس مصادفة تململ دول الخليج ودول عربية أخرى كثيرة من التدخل الإيراني في شؤونها.

أن يدخل العامل الإيراني بقوة على الأزمة السورية، وأن تهتز المنطقة كلها على وقع الصراع المذهبي والعرقي ليس ما يضير روسيا، بمقدار ما يعزز موقعها في مواجهة الغرب وعرب كثيرين. وأن تتفتت سورية وتصبح عاجزة عن إدارة شؤونها بعد غياب النظام ليس ما يضير أميركا وإسرائيل. وهذا فصل جديد قد يطول وتطول معه آلام السوريين وجيرانهم أيضاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصورة الكاملة في سوريا

سميح ايديز

الشرق الاوسط

30-7-3023

من الصعب رؤية الصورة الكاملة لما يحدث في سوريا بأي درجة من الوضوح في تركيا بسبب سياسة حكومة رجب طيب أردوغان ذات البعد الواحد والداعمة للسنة تجاه النظام السوري، وتحت تأثير خطاب حزب العدالة والتنمية كان الانطباع الذي ترسخ في نفوس الشعب هو وجود نظام وحشي غير متدين على طرف، وعلى الطرف الآخر شعب مسلم مظلوم يقتل على أيدي هذا النظام، ومع تزايد العنف في سوريا، يرى الناس «الواقع السوري» بشكل أفضل، ويعد هذا بمثابة جرس إنذار على المستوى القومي، لأن أكراد سوريا يتجهون على نحو غير متوقع وبطريقة لا تنزع إلى العنف نحو إقامة منطقة حكم ذاتي على طول الحدود مع تركيا. القوميون الأتراك غاضبون حاليا لأن الظروف التي لم تستطع أنقرة التنبؤ بها أو السيطرة عليها ستساعد على ميلاد «كردستان الكبرى»، ويهاجمون الحكومة، خاصة وزير الخارجية صاحب الطموحات الكبيرة داود أوغلو بتوجيه، نقد لاذع بسبب ذلك.

على الجانب الآخر، كان ينبغي على رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أن يسلط الضوء خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو على الأهمية التي توليها تركيا لوحدة الأراضي السورية، ولا عجب إذن أن نسمع أنقرة تردد هذا من الآن فصاعدا.

بطبيعة الحال تزعم مصادر في حزب العمال الكردستاني أن تركيا أكدت قبل ذلك كثيرا على هذا الأمر، لكنها لم تقدمها كقضية رئيسية في خطاب الحكومة، الذي لم يركز سوى على فكرة واحدة تقريبا هي ضرورة رحيل النظام السوري، كذلك تم تجاهل قلق العلويين والمسيحيين في سوريا، والذين يرون أن النظام يوفر لهم الحماية من السنة الذين يمثلون الأكثرية.

كذلك تم إغفال الأكراد، الذين اقتنصوا فرصة تاريخية تمثلت في الغزو الأميركي للعراق، وأمامهم حاليا فرصة تاريخية أخرى في سوريا. مع ذلك تتغير هذه الأمور حاليا، وكما يحدث، ينبغي توضيح بعض الاحتمالات البغيضة بالنسبة لتركيا والتي تتعلق بـ«الصورة الكاملة» في سوريا.

ينبغي أولا ملاحظة أن سوريا صورة معكوسة للعراق، حيث قهر النظام السني الذي يمثل الأقلية، بقيادة صدام حسين، الشيعة، الذين يمثلون الأكثرية، أما في سوريا، فكانت الأقلية العلوية هي التي تحكم البلاد، وتظلم السنة الذين يمثلون الأكثرية حتى وإن كان يعمل بالحكومة والجيش أفراد من السنة العلمانيين، والأكراد عالقون في الوسط، حيث تعرضوا للظلم في الدولتين.

بكلمات بسيطة يمكن القول: إن الانقسامات الطائفية والدينية والعرقية في العراق تنذر بما يمكن أن يحدث في سوريا، وتعد التفجيرات المميتة التي حدثت في أنحاء متفرقة من العراق خلال الأسبوع الحالي من أوضح الأمثلة على ذلك، وتتزايد الأدلة التي تشير إلى أن هذه التفجيرات ليست منفصلة عما يحدث في سوريا من تطورات، كما يخبرنا الواقع، يقول تنظيم القاعدة إنه يريد جمهورية إسلامية تضم الدولتين.

من السيناريوهات المحتملة الأخرى في سوريا، تزايد وتيرة العنف والتوتر بين العرب والأكراد، كما يحدث في العراق، وهو ما من شأنه أن يضيف بعدا جديدا إلى الألم في رأس تركيا، وهناك احتمال مختلف هو أن يتوحد العلويون والمسيحيون، الذين يمثلون ربع عدد السكان، ضد «العدو المشترك» ويحاولون تحديد منطقتهم الآمنة على طول الساحل. ومن الواضح أن هذا سيسرع وتيرة انقسام البلد، وهو ما تخشاه تركيا حاليا.

على الجانب الآخر، صرح رئيس الوزراء رجب طيب لقناة خاصة يوم الأربعاء بأنهم لن يشاهدوا ما يحدث في الجزء الشمالي من سوريا، الذي يسيطر عليه الأكراد، دون أن يحركوا ساكنا. وأضاف أن تركيا لها الحق في التدخل هناك، مع ذلك أي عملية عسكرية تشنها تركيا ضد العناصر الموالية لحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا ستجرف البلاد إلى مغامرة جديدة غير مرحب بها، لن تفسد فقط التقارب المستمر مع إقليم كردستان العراق في الشمال، بل أيضا سوف تؤدي إلى تفاقم المشكلة الكردية في تركيا.

ومع تزايد وضوح «الصورة الكاملة» في سوريا بالنسبة للأتراك، بات من الواضح لهم أن كل الخيارات المطروحة في البلد ليست لصالح تركيا.

* بالاتفاق مع صحيفة «حرييت ديلي نيوز» التركية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورة سوريا الكاشفة الفاضحة

حمد الماجد

الشرق الاوسط

30-7-2012

ثورة سوريا إذا انتصرت فلن تقلب موازين القوى في المنطقة أو تربك بعض التحالفات فحسب، بل هي في الحقيقة شرعت في هز بعض المفاهيم التي لو لامسها أحد أو حام حول حماها لصنف على أنه طائفي. فقبل اندلاع الثورة السورية، كان الذي يحذر من امتطاء إيران للتبشير الشيعي لتعزيز تمددها السياسي، أو يتحدث عن التوافق الطائفي بين نظام إيران ونظام سوريا - يعتبر في الحقيقة طائفيا أو في أقل الأحوال فيه لوثة طائفية، وقد كان هذا التحذير المبكر من خطورة هذه الاستراتيجية الإيرانية حكرا على التيارات السلفية التقليدية والسلفية المسيسة، وأما حركة الإخوان والتيارات الإسلامية المقاربة لمنهجها فكانت تتحاشى منازلة الاستراتيجية الإيرانية أو التصدي لها ناهيك بفضحها وتعريتها، صحيح أنها تتذمر من النفس الطائفي في الاستراتيجية الإيرانية، لكنها تمتنع عن المصادمة بسبب وجود تقاطعات في المصالح بين بعض أذرعها في الدول العربية وإيران التي عرفت من أين تؤكل كتف العالم السني.

وقد نجحت آلة الدعاية الإيرانية منذ اندلاع ثورة الخميني، ومعها دعاية حلفائها في المنطقة، في خداع الشعوب العربية والإسلامية، مرة تحت شعار الوحدة الإسلامية، ومرة باسم مقاومة إسرائيل، ومرة من خلال ابتزاز الدعم المادي، كما هو حاصل مع حركة حماس، التي ما إن اندلعت الثورة السورية حتى أحرق لهيبها المظلة المزيفة التي تجمعها بالثورة الإيرانية.

وحتى لو سكت قادة حماس عن الحديث عن التورط الإيراني الطائفي في سوريا، فقد كفتهم أذرع «الإخوان» في بقية الدول العربية عن الحديث الصريح في كشف المخطط الإيراني الذي عرته الثورة السورية، فمن تصريحات الشيخ القرضاوي المحذرة من انتشار التشيع في مصر، إلى موقف الشيخ الغنوشي المعترض على التبشير الشيعي في تونس وتأييده لتصريحات القرضاوي، إلى التحول الواضح في الخطاب الإسلامي الحركي الناقد لإيران ودعمها لنظام بشار، المدفوع بأجندة طائفية واضحة، وأما ذروة هذا التحول فكانت في التصريح المدوي للرئيس المصري محمد مرسي حين قال إن السعودية ترعى الإسلام السني ومصر عليها الحماية، ولا نحتاج إلى مزيد تأمل حتى نخلص إلى أن هذا التصريح موجه بالدرجة الأولى لإيران، التي لم تترك بلدا سنيا واحدا إلا ورعت نشاطها التبشيري فيه، فأحدثت خلخلة في الوحدة المذهبية لهذه الدول التي لا تعرف للتشيع وجودا، وشوهت تناغمه الذي كانت تتفاخر به.

وهذا الأزهر المتسامح، الذي وصل تسامحه درجة تدريسه المذهب الفقهي الجعفري بالتساوي مع المذاهب الفقهية السنية الأخرى، غيّر هو الآخر لهجة خطابه بعد إدراكه لخطورة الأخطبوط الإيراني الملوث بتصدير آيديولوجيته المذهبية، وأيد في خطوة لافتة إدراج مواد جديدة في الدستور المصري تحرم وتجرم سب الصحابة وأمهات المؤمنين، مما يدل على أن إيران بالغت في استغباء العالم السني ومؤسساته وعلمائه وحركاته، فانقلب السحر على الساحر وصارت تندب حظها وهي ترى تنامي الوعي بمخططاتها في نشر آيديولوجيتها.

أعود إلى التحول الاستراتيجي في موقف الحركات الإسلامية السياسية تجاه إيران ومخططاتها التي عرتها الثورة السورية، الذي يجب أن يرعى ويؤخذ بيده، خاصة أن هذه الحركات وصلت إلى قمة الهرم السياسي في كل من مصر وتونس. فإذا كنا نحذر من خطورة التقارب بين الحركات الإسلامية السياسية مع إيران وهي في المعارضة، فمن باب أولى أن توثق الدول العربية العلاقة معها وهي في السلطة، وخاصة السعودية.

دماء الشهداء السوريين الزكية عزيزة وغالية على نفوس العرب، والدمار الذي تسبب فيه نظام بشار الفاشي شديد، والتضحيات ضخمة، لكن المقابل كبير وكبير للغاية، فالثورة السورية هي الكاشفة لمخططات إيران الطائفية، الفاضحة لدعاواهم بمناصرة المظلومين، تماما مثل سورة التوبة التي سميت بالكاشفة الفاضحة، لأنها كشفت أساليب وألاعيب النفاق في العهد النبوي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله وإسرائيل.. لماذا اتفقا على بقاء الأسد؟!

بينة الملحم

الرياض

29-7-2012

منذ أن بدأت الأحداث في سورية وانعكاساتها على موازين القوى في لبنان واضحة. هناك انشقاقات حصلت وأبرزها انشقاق وليد جنبلاط المعروف بتحولاته تبعاً لميزان القوة وتبعاً للمصلحة التي يريدها لطائفته. لبنان بلد يعتمد على مصلحة الطائفة لا مصلحة الوطن. من هنا فإن الحدث السوري أثّر كثيراً على لبنان. وربما كان من أوضح تجليات الانعكاس ما نراه من مواقف هزيلة لحزب الله، الذي يصارع على البقاء. والتقارير تتحدث عن أن نصر الله جنّد ألفين من حزبه ووضعهم بأمر بشار الأسد. لأن قوة النظام السوري مهمة لحزب الله وسقوطه هو سقوط لذراع أو لسند كان يدعم الحزب بالمال والسلاح وبالمواقف السياسية. الغريب أن حزب الله يتفق الآن مع إسرائيل من ناحية الرؤية لمستقبل النظام السوري.

مواقف إسرائيل من النظام السوري متناقضة، بين من يريد إسقاطه ومن يدافع عنه، غير أن الرؤية الاستراتيجية لإسرائيل تعتبر بقاء الأسد ضمانة لسلامة الجولان. ولهذا انطلقت إسرائيل لتبني الجدار العازل في الجولان خوفاً من النظام السوري القادم الذي سيلي نظام الأسد. حزب الله وإسرائيل في خطٍ متفق، كلاهما لا يريدان زوال النظام السوري. حزب الله يعتبر وجود النظام السوري قوة له، وإسرائيل ترى في بقاء النظام السوري كل الأمن والأمان. بقيت إسرائيل بأمنٍ مطلق بفضل نظام الأسد، والجولان لم تنطلق منها رصاصة واحدة خلال العقود الماضية باتجاه إسرائيل. لهذا فأي نظام مقاوم هو نظام بشار الأسد؟! هل هو فعلاً مقاوم؟!

اتفاق حزب الله وإسرائيل على ضرورة بقاء النظام السوري يعني أن النظام السوري ليس كما يزعم بأنه نظام مقاومة وممانعة، بل هو نظام نفوذ في لبنان ونظام دعم ومنع للشر عن إسرائيل. حاول أمين عام حزب الله حسن نصر الله أن يتحدث في خطبه عن مقاومة النظام السوري، وإمداده له بالسلاح والمال والعتاد. حاول أن يجند كل الأتباع الذين يستمعونه لصالحه. بل وفي موقف استفزازي للثورة السورية وصف نصر الله القتلى في عملية مبنى الأمن العام بالشهداء. وبأنهم هم الذين ساندوه، وكانوا رفقاء سلاح له. إنه موقف استفزازي واضح لتثبيط همة الثوار والمجتمع السوري الذي اختار أن يغير النظام السوري الغاشم.

لبنان يمر بهذا التحول، قوة حزب الله تتضاءل، حتى مع امتلاكه للسلاح لا يمكنه أن يحتكر لبنان لصالحه هو فقط من دون شركائه في الوطن. المواقف اللبنانية الأخيرة توضح أن الرؤية العامة للسياسيين وللمجتمع تعرف أن النظام السوري ساقط لا محالة، وأن عملية مبنى الأمن العام النوعية كانت قاصمة الظهر للنظام السوري ولحلفائه في لبنان. ولا يمكن لحزب الله إلا أن يخضع في آخر المطاف للواقع الماثل أمامه.

أنكر حزب الله أي اعتداء من النظام السوري على المدنيين، وأخذ نفس المنطق السوري والروسي من أن هؤلاء مجموعة من الإرهابيين، بل ويأخذون على المملكة وقفتها الشجاعة مع الشعب السوي منذ أن بدأت الثورة. والموقف الاجتماعي السعودي الذي جمع تبرعات بالقنوات الرسمية للشعب السوري خير مثال على تفاني المجتمع، وهو التفاني الذي ضاق به ذرعاً حزب الله وأنصاره.

الثورة السورية تتصاعد والقوة للجيش الحر تزداد، والنظام السوري يستطيع فقط أن يقتل؛ أما أكثر من ذلك فليس لديه أي قدرة على إدارة البلد، حتى وإن بقي لعدة أشهر فإنه بقاء مافيا تقتل فقط، وليس بقاء نظام يحكم. ولهذا فإن تشكيل حكومة مؤقتة من قبل الثوار أمر ضروري كما قالت فرنسا. والواقع السوري سيتشكل وفق ما تتطلبه الثورة الشجاعة، اما حزب الله فسيرى إذا انجلى الغبار أفرس تحته أم حمار كما قالت العرب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مستقبل سوريا

تاريخ النشر: الأحد 29 يوليو 2012

الاتحاد

بعد تزايد وتيرة العنف والقتال في العاصمة دمشق، وانتقالها الآن إلى مدينة حلب، تراجعت كثيراً احتمالات التغيير السلمي الذي سعت إليه الجامعة العربية والمنظمات الدولية بقيادة أمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان لإرساء السلام في سوريا.

فالوضع في سوريا قد تغير الآن كثيراً، ولم يعد منطقياً العودة إلى ما كان عليه الحال في السابق، فالقتال العنيف لا يزال مستمراً، وعملية إسقاط النظام أصبحت مسألة وقت فقط كما قال رئيس بعثة المراقبين الأمميين، ربما تطول أو تقصر... وقد أعلن المتحدث باسم "الجيش السوري الحر" أن سقوط النظام أصبح أمراً وشيك الحدوث وقد يكون في نهاية هذا الشهر الفضيل أو بعده بقليل.

أنصار النظام يرون بأن معركتهم ضد الإرهابيين المدعومين من الغرب ودول الخليج، وتحديداً قطر والسعودية، سوف تنتهي قريباً جداً.

أما الدول الغربية، بما فيها روسيا، إضافة إلى الصين، فقد أصدرت بيانات متعددة تحذر فيها من لجوء النظام السوري إلى استعمال مخزوناته من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية المحظورة دولياً.

وهناك بالفعل قلق متزايد على مستقبل سوريا، ومن الذي سيحكمها بعد سقوط نظام الأسد؟ لكن لا أحد يشكك في مقدرة الشعب السوري على إقامة نظام تعددي ديمقراطي مدني حر بعد رحيل الأسد. هذا رغم حقيقة أن التجارب العربية مع ثورات "الربيع العربي" التي أطاحت بالأنظمة الاستبدادية في تونس ومصر واليمن، ووعدت شعوبها بالحرية والديمقراطية والنظام التعددي الحر... أفرزت أنظمة حزبية إسلامية إقصائية، لديها مواقف واضحة معادية للحريات وللتعددية الفكرية والدينية، وتسود هذه الأنظمة ثقافة الاحتكار وإقصاء الآخر.

ما يقلقنا فعلاً على مستقبل سوريا هو تزايد الخلافات والانشقاقات بين أقطاب المعارضة. هذه الخلافات برزت في الوقت الذي يتصدى فيه الشعب السوري وشباب الجيش الحر لآليات القتل والحرق والتشريد واستعمال الأسلحة الثقيلة والدبابات والمدفعية والصواريخ الراجمة والطيران... ضد المدنيين في الأحياء السكنية بمختلف المدن السورية.

إن تماسك الشعب السوري ومحافظته على نسيجه الاجتماعي المتعدد والمتنوع، هو الضمانة الوحيدة لاستقرار سوريا المستقبل، وهذا يعني ببساطة احتضان الدولة الجديدة كل فئات المجتمع، من أديان وطوائف وقوميات، وألا يتم إقصاء أحد مهما كانت الأسباب، وهذا يتطلب إعطاء ضمانات تطمئن الطائفة العلوية وغيرها من الطوائف والفئات والقوى الاجتماعية والسياسية، إلى أن سوريا الجديدة ستكون بلدهم، وأنه لن يتم حسابهم على جرائم النظام.

دول الاعتدال العربي، ومعها الدول الغربية والدول الديمقراطية في العالم، متخوفة من انحراف الثوار والثورة إلى العنف والانتقام، فالنظام الاستبدادي مزق نسيج المجتمع السوري وخلق فتنة بين فئاته المختلفة، حيث سوّق للطائفية والأحقاد الدينية بين الطوائف، مما جعل من الصعب جداً تصور بروز نظام مستقر في سوريا خلال الفترة القريبة القادمة. مطلوب من المجتمع الدولي وقوى السلام والتقدم، مساعدة الشعب السوري في محنته الحالية، لضمان مستقبل أفضل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف تطورت ثقة الثوار السوريين بأنفسهم؟

المستقبل

29-7-2012

كان يُقال عن مقاتلي "الجيش السوري الحرّ" أنهم غير مزودين بالسلاح اللازم، غير منظمين، غير مجرِّبين. ولكن المعركة المباشرة التي بدأوها في 16 تموز الجاري ضد نظام بشار الأسد غيرت هذه السمعة. وإذا لم يكن بوسع أحد ضمان انتصار مقاتلي المعارضة هؤلاء، فانهم بالتأكيد فاجأوا الجميع، وأثبتوا أن المخرج العسكري لثورتهم لم يعد من المستحيلات.

بات "الجيش السوري الحرّ" يعبّر عن ثقة جديدة، اكتسبها بعدما أظهر مقاتلوه شجاعة فائقة في معارك دمشق، بل صارت حماستهم أعظم بعد عملية 18 تموز الجاري، التي فقد فيها أربعة مسؤولين أمنيين كبار حياتهم، ثم ما تلاها من انشقاقات في صفوف الجيش، غير مسبوقة بكثافتها. فهد المصري، مدير المكتب الاعلامي لقيادة "الجيش السوري الحرّ" في الخارج، المقيم في باريس يقول ان "أيام بشار الأسد باتت معدودة"، ويضيف بثقة: "قد نحتفل بنهاية شهر رمضان المبارك مع نهاية بشار في الآن عينه".

إن صعود "الجيش السوري الحرّ" أخذ بعداً جديداً في صبيحة 17 تموز الجاري. المقاتلون في ذاك اليوم باشروا بنتفيذ خطتهم؛ فهاجموا كل الحواجز التابعة للجيش السوري الرسمي، وكذلك مكاتب أجهزة المخابرات ومراكز حرس الحدود. وعمّدوا عمليتهم تحت اسم "بركان دمشق زلزال سوريا".

أضواء الإعلام ركزت يومها على دمشق فحسب، خصوصاً على أحيائها الجنوبية مثل الميدان والتضامن. ولكن القتال كان مندلعاً في كل انحاء البلاد؛ في أعزاز، وهي بلدة تقع شمال حلب، حيث استولى الثوار على مركز المخابرات العسكرية، وقبضوا على ثلاث مسؤولين كبار، ومن بينهم، كفاح ملحم، أحد المقربين من بشار الأسد، والحافظ للعديد من أسرار النظام. الناطق باسم "الجيش السوري الحرّ" يؤكد بأن معركة تحرير سوريا قد بدأت.

هذه المعركة المفاجئة بزخمها وجرأتها هي في الواقع نتيجة هيكلة بطيئة قام بها "الجيش السوري الحرّ" لقواته، وأيضاً، نتيجة لإستقلاليته عن الضباط الذين أسسوه في تموز من العام الماضي. معظم هؤلاء الضباط الأوائل لجأوا إلى تركيا، كما فعل الكولونيل رياض الأسعد، الذي لم يفلح بضبط عناصره وتنظيمهم ميدانياً. في شهر أيار الماضي، انشق الثوار نهائياً عن الأسعد، ورفضوا وقف اطلاق النار الذي كان كوفي أنان يسعى لإلزامهم به، تبعاً للخطة الأممية والعربية. فالمقاتلون على الأرض كانوا قد اختاروا العصيان ومواجهة التحدي العسكري الذي يفرضه النظام بقواهم الذاتية. يقول فهد المصري: "من يود أن يصبح قائداً عليه العمل ميدانيا. وتأثير الضباط الباقين في تركيا لا يتجاوز حدود مخيمهم".

ومن ذيول هذا الإنشقاق أيضاً إنشاء القيادة الموحّدة للـ"الجيش السوري الحرّ" في الداخل. هذه القيادة تتألف من عشرة مجالس عسكرية محلية تضم عدة كتائب، وترمي بطابعها الجماعي إلى التعامل مع الفوضى التي سادت في الأيام الأولى للعسكرة. يقول الديبلوماسي الفرنسي، إنياس لوفيرييه الذي كان مركزه دمشق: "السوريون في الداخل فهموا أن عليهم توحيد قواهم، بعد الضربات التي تلقوها. انهم غير مسيسين، ولا دينيين، وهم على هذا الأساس استطاعوا أن يوسعوا صفوف كتائبهم".

الضربات المتتالية التي تلقاها النظام، منذ بدء الهجوم، هي نتيجة جهود إعادة التنظيم هذه. بفضلها، تمكن المئات من المقاتلين من درعا من التوجه إلى دمشق، ما شجع قوات الثورة في دمشق وأثار حماستها. هيثم المناع، رئيس هئية التنسيق للتغيير الديموقراطي، يقول: "هناك تقدم، هناك تكثيف للتنظيم وتطوير للاستراتيجية، ولكن السرعات تختلف من منطقة إلى أخرى. بعض المجموعات تستفيد من تجربة المنشقين، وبعض المجموعات الأخرى ما زالت تعمل بطرق بدائية. ليس هناك جيش سوري حرّ واحد، انما عدة جيوش" (...).

بانجمان كوستان

صحيفة "لوموند" الفرنسية (23 تموز 2012)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأب باولو والتنوير السوري

دمشق ـ غازي دحمان

المستقبل

29-7-2012

يشكل الراهب باولو ديلو، أو "أبونا"، كما يحلو للثوار أن يسموه تحبباً، حالة منفردة من بين رجالات الدين الذين يؤيدون الثورة السورية، وذلك بما تتضمنه مواقفه وتصريحاته السياسية من رؤية خاصة للثورة، فضلاً عن مسيرته الدؤوبة في العمل التنويري الجاد، في إطار المجتمع السوري، على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

ولعل من أهم عناصر رؤيته هذه إعتبارها ثورة مدنية بإمتياز تنتمي لعصرها بتمثلها قيم الحداثة من حقوق للإنسان والحريات العامة، من دون تمييزات طائفية أو عرقية، ورفضه للإشارات التي من شأنها الإيحاء بطائفية الحراك الثوري السوري، والتي طالما إستند إليها مناوئو الثورة في إتهامهم لها. على العكس من ذلك، فإنه لا يرى في الإيمان الديني قضية معيبة بحق أنصار الثورة، أو بعضهم، فهو يرى أن "الإيمان جسر لابد أن نقطعه جميعا لنكون بشراً أفضل"، في ما يبدو أنه إظهار للبعد الإنساني للإيمان، في مقابل قناعته بأن الرغبة المحمومة في السلطة والمجد الشخصي هي ما تجعل الناس يحيدون عن الدين، والمتطرفين منهم يتحولون إلى طغاة.

ما يميز سلوك الأب باولو هو عمله في إطار المكون السني. إذ أن غالبية من إنخرط معهم في الحراك الثوري كانوا من أبناء هذه الطائفة، وكان يمثل مرجعاً يستأنسون بآرائه ويسترشدون بها، وتأتي أهمية ذلك من كونه كان يعمل في منطقة إنقسام طائفي، حيث تنمو الأفكار المتطرفة بسهولة. كما يستبطن هذا السلوك بعداً تنويرياً واضحاً، حيث تغيب الوظيفة الدينية ذات الطابع التبشيري، أو الدعوي، ليحل مكانها خدمة الإنسان أياً تكن طائفته، ما يذكرنا بالسيرة الحميدة للأم تيريزا.

وما يشدّ الإنتباه في سيرة هذا الرجل، أنه لم يكن مجرد ناسك في دير، على ما تظهره الصورة النمطية لمثل هذه الحالات ولم يكن منغلقاً ضمن ثقافته الدينية ومتطلبات التقرب من الرب، لناسك إعتزل صخب الحياة الاوروبية في دير على تخوم الصحارى السورية، إستطاع أن يجعل منه مركزا للحوار بين الطوائف الدينية والأعراق المتعددة في سوريا، ويتعاون كذلك مع جماعات مسلمة، لتحسين مستقبل الشبان، وتشجيع الحوار بين رجال الدين، واحترام البيئة المحلية.

بل أكثر من ذلك، يذهلك الراهب باولو بمعرفته بتفاصيل التاريخ السوري الحديث، وبخاصة في جانبه المقاوم للإستبداد، ومتابعته لتعبيراته المختلفة، والتي يعجز حتى بعض الباحثين المهتمين في رصدها وتحقيبها وتفصيل مستوياتها وأشكالها، من "الكتابة والاستقلالية ونظافة الكف والمحافظة على القيم داخل البيوت والحفاظ على الدين الخالي من الفساد"، في مواجهة نظام فقد كل مبررات وجوده الأيديولوجية والأخلاقية، وأصبح عبارة عن هيكلية من القمع واحتكار السلطة ونهب الأموال العامة.

إنحياز الراهب باولو للثورة وقواها، ليس مطلقاً أو على بياض، كما يقال بالمثل الدارج. فهو لا يتردد في إنتقاد أخطاء الثورة إنطلاقاً من حرصه على صفائها وإيمانه بأن "الثورة التي لا تضبط نفسها، هي ثورة خاسرة اليوم وغداً". لذا فهو وبرغم قناعته بان المجتمع السوري غني في التنوع وقيم حسن الجوار والتعايش المشترك والاحترام المتبادل بين الناس، فإنه يحذر من التطرف الذي سرعان ما يجفف الوسط الثقافي والروحي والأخلاقي والأدبي، الحامل للتنوع ويسحبه باتجاه التطرف.

وبصراحة جارحة، إفتقدت الثورة السورية لمثل هذا النمط من رجال الدين، ومن كل الطوائف من دون أي إستثناء، فبين سلوك محابي للنظام رغم كل إرتكاباته، وسلوك ينتهج التطرف بحجة محاربة النظام، كشفت الثورة السورية عن ثقافة دينية إنتهازية ومتخلفة وغير أمينة، وربما نبهت إلى ضرورة تحييد هذه الفئة من المجتمع السوري، والإعتماد على رؤى الجيل الشبابي وتصوراته عن التغيير والمستقبل، لأنها الأضمن للعبور إلى سورية المشتهاة، وليست سورية المظلمة والمفككة، المستبطنة في عقول رجال الدين وهواجسهم، والتي لا يمكن أن تخدم سوى الطغمة الحاكمة وأحلامها في البقاء.

ليس غريباً ولا صدفة إذاً، أن يدعو الثوار الراهب باولو" أبونا "، فالرجل الذي يعتبر الثوار أبناءه، إستطاع أن يحوز على ثقتهم المطلقة بإنسانيته المنفتحة ورعايته وخدمته اللامحدودة. وهذه الثقة إن دلت على شيء فإنما تدلل على مقدار مكانة الرجل في التنوير والتثوير السوري، لدرجة يمكن موازاة عمله بجهود النخبة الثقافية على مدار عقود من التنظير، فطوبى للذي يبحث عن السلام وطوبى للذي يُضطَهد في سبيل البر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تسليم جريح إلى مستشفى يعني موته!

في تطبيع المجزرة

بكر صدقي

المستقبل

29-7-2012

في المجازر النوعية التي يرتكبها نظام بشار الأسد في المنطقة الوسطى من سوريا المختلطة طائفياً، تكرار "تكتيكي" لمجزرتي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا في لبنان. يقوم التكتيك العسكري في جميع تلك الحالات على تطويق الجيش السوري أو الإسرائيلي لـ"الهدف"، لتقوم ميليشيات مدنية مسلحة من طائفة بعينها بذبح السكان بصرف النظر عن العمر أو الجنس أو اللون. لا يمكن اعتبار حصائل مجازر جماعية بشعة من هذا النوع انتصارات بالمعنى العسكري. والهدف منها هو خلق ترويع شديد يدفع الخصم إلى الاستسلام أو النزوح. لذلك ترتكب مثل هذه المجازر عادةً في الحروب الأهلية لتحقيق تطهير عرقي، وفرض توازنات ديموغرافية جديدة كأمر واقع على الأرض، من الصعوبة بمكان التراجع عنها.

لهذه المجازر أثمان قد يدفعها المرتكبون يوماً ماً، لكنها لا تعيد ضحاياها إلى الحياة، وتكون الأثمان رمزية وتطال بعض الرموز، ويفلت الباقون من العقاب. والحال أن أحد أهم دوافع النظام السوري لارتكاب المزيد من المجازر الطائفية، إنما هو شد العصبية الموالية له، وطمأنتها بأنها قوية وفي منأى عن المحاسبة.

لكن هناك وجهاً آخر لهذه المجازر البارزة (الحولة والقبير والتريمسة وغيرها) هو أنها تكثيف للمجزرة الواحدة المتصلة ضد الشعب السوري منذ 16 شهراً. فهذه الأخيرة، الممتدة على بساط الزمن، تضمنت أنواعاً من الانتهاكات لا مثيل لها في أي احتراب داخلي آخر، سنعمل في هذه العجالة على تقديم عينات بارزة منها.

يركز إعلام المعارضة عموماً على عدد الضحايا في صفوف المدنيين العزل، أو المسلحين المناهضين للنظام. ويكتفي إعلام النظام برصد جزء صغير من ضحايا قواته المسلحة للتدليل على وحشية خصومه. هناك فجوة ضائعة بين الطرفين هي عدد الضحايا الحقيقي في صفوف قوات النظام وميليشيات الشبيحة المناصرة له، كما في عدد أولئك الجنود الذين يقتلهم النظام بدم بارد بسبب رفضهم الأوامر بإطلاق النار على المدنيين العزل، أو أثناء محاولتهم الانشقاق. معظم هذه الحالات تنتهي إما في مقابر جماعية أو ضحايا مفترضين لعمليات تفجير كبيرة بسيارات مفخخة، أمام مراكز الأمن، كما حدث قبل حين أمام فرع فلسطين في دمشق. فهذه التفجيرات، التي يسود الاعتقاد بأنها من تدبير أجهزة أمن النظام البارعة في هذا النوع من الأعمال الإرهابية، يكون التخلص من بعض جثث الضحايا أحد فوائدها الجانبية بالنسبة للنظام. وبعض هؤلاء الضحايا هم معتقلون تم تعذيبهم حتى الموت، إما لانتزاع اعترافات منهم، أو لإرغامهم على القول بألوهية بشار الأسد وأخيه ماهر.

غير أن الفظاعة السورية إنما تبلغ ذرى سوريالية فائقة في المستشفيات. منذ بداية الثورة اقتنع المشاركون فيها بأن تسليم جريح إلى مستشفى من أجل العلاج، يعني تسليمه للموت. هناك شهادات كثيرة عن تعذيب الجرحى في المستشفيات الحكومية على يد أطباء وممرضات لا يتورعون عن اقتلاع عين الجريح أو بتر أحد أعضائه. فإذا نجا الجريح من تلك الأهوال على قيد الحياة، اقتيد إلى أحد فروع الأمن، حيث تبدأ فصول جديدة من التعذيب الذي قد يؤدي إلى الموت. وفي حالات أخرى تم الإجهاز على الجرحى مباشرةً أثناء إلقاء القبض عليهم في التظاهرات، أو قضوا في إطلاق النار على سيارات الإسعاف التي تقلهم. أما المستشفيات الخاصة، فبعضها يمتنع عن استقبال جرحى المظاهرات خوفاً من الأجهزة الأمنية. ويستقبلهم بعض آخر من تلك المستشفيات، لكن عناصر الأجهزة المسلحين بالبنادق موجودون في كل المستشفيات الخاصة. فإذا غضوا النظر نجا الجريح، لكن المطلوب منهم هو إبلاغ رؤسائهم بكل حالة، لتأتي دورية من الفرع فتلقي القبض على الجريح متلبساً بجرحه.

هذا ما خلق الحاجة إلى المشافي الميدانية. ففي كل مدينة ثائرة تتعرض لقمع النظام، قام السكان، بجهودهم الخاصة، بتأمين بعض التجهيزات، والأدوية الضرورية للحالات الإسعافية، وأطباء متطوعين يفعلون ما في وسعهم لإنقاذ الجرحى. قضى كثير من المصابين بإصابات عادية بسبب نقص التجهيزات أو الأدوية أو بسبب تعرض "المستشفى الميداني" للقصف من قبل قوات النظام (في حمص ودوما وغيرهما من المدن المنكوبة). لكن ما لا يمكن تصديقه حقاً هو تحول الطبيب المتطوع لإسعاف الجرحى إلى مجرم يستحق العقاب في نظر النظام وأجهزته الإرهابية. قبل ثلاثة أسابيع عثر في مدينة حلب على جثث أطباء ومسعفين كانت أجهزة النظام اعتقلتهم بتهمة معالجة الجرحى. ولم تكن عقوبتهم السجن لفترة محددة من الزمن بل القتل وإحراق الجثث.

وسوريا هي البلد الوحيد في العالم الذي تجري فيه عمليات إغاثة النازحين بسرية تامة. أولئك الجنود المجهولين ممن كرسوا وقتهم لتأمين المأوى، وغيره من مستلزمات الحياة، لعشرات آلاف النازحين من المدن والقرى المنكوبة، متهمون تحت الطلب من قبل أجهزة النظام، بتهمة "مساعدة الإرهابيين". قال لي أحد المتطوعين في أعمال الإغاثة: "نحن نحل مشكلة للنظام. ماذا لو توقفنا جميعاً عما نقوم به؟ ألن يكون النظام مرغماً على أداء هذه المهمة؟". لا.. لن يكون مرغماً على أي شيء. تصح هذه المحاكمة على أي نظام دكتاتوري أو فاشي دموي، ولكن ليس على نظام بشار الأسد الذي لا يكتفي بإرغام السكان على النزوح أو بتركهم في العراء لمصيرهم، بل كثيراً ما يقتلهم على الحواجز أو يعتقلهم، لمجرد أنهم من حمص أو حماة أو الزبداني أو درعا أو جبل الزاوية مثلاً.

هذه مجرد عناصر من لوحة فظيعة، ربما لم تشهدها أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ. نظام إرهابي شعاره: "الأسد أو لا أحد"، و: "الأسد أو نحرق البلد".

ولكن ماذا عن الجيران؟ ماذا عن لبنان الذي يرفض معالجة الجرحى السوريين في مستشفياته؟ وماذا عن العراق الذي أغلق أبوابه أمام نزوح السوريين؟

هذه منطقة ابتلت بشيء رهيب، ألبسته فوق ذلك ثوب "قضية"! حين تعلو القضية ينحط الإنسان. وحاملو القضية يتحولون إلى جزارين ووحوش. حسن نصر الله ونوري المالكي يمنعان معالجة الجرحى السوريين واستقبال النازحين السوريين، في إطار مقاومتهما البطولية للامبريالية والصهيونية! تباً!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقلاء سوريا ومجانين لبنان

احمد عياش

2012-07-29

النهار

أذكر في العام 1984 أني كنت في مهمة صحافية في سوريا وعلى موعد مع العماد مصطفى طلاس لاجراء مقابلة تطلعت أن أفوز فيها بسبق تسجيل مواقف من كان أحد أركان نظام الرئيس حافظ الأسد في الشؤون العسكرية. وفوجئت انه أراد اللقاء في منزله بدمشق وليس في مكتبه في وزارة الدفاع. وبدلاً من أن تمضي الأمور في اتجاه اجراء حديث يتناول مسائل السلم والحرب بعد اجتياح اسرائيل للبنان عام 1982 أخذ طلاس الكلام نحو هواية التصوير التي يتمتع بها وعرض أمامي مجموعة آلات تصوير. وانتهى اللقاء يومذاك بأن أهداني كتابه الأنيق المؤلف من مجلدين والذي يحمل عنوان "ورد الشام". وكلما عدت الى هذا الكتاب أجد فيه مرجعاً علمياً لورود الشام ومعها لبنان وسائر منطقة الشرق الاوسط. لكن ما يشد الانتباه الى الكتاب اليوم حديثه عن "مواسم الزهر طوال السنة"، كما يقول طلاس عن حمص مسقط رأسه حيث "كانت معظم مراجعاتي لدروسي تتم تحت ظلال الزيزفون بجوار سور المشتل الزراعي من الناحية الشمالية من حمص على طريق الرستن". كل اسماء اماكن ورد الشام في الكتاب هي اليوم أسماء الخراب الذي الحقه بشار الأسد في كل انحاء سوريا.

من يستمع هذه الايام الى ما يقوله عبد الحليم خدام يوم كان وزيراً لخارجية سوريا في الثمانينات ايضاً ثم ليصبح بعد ذلك نائباً لرئيس الجمهورية أي حافظ الأسد، ثم يقرأ كتابه "التحالف السوري الايراني والمنطقة" الصادر قبل عامين يجد ان الرجل من طينة قول الاشياء كما هي فلا ينكر خطأ ولا يقلل صواباً في عهد الأسد الأب.

في لبنان، يطل الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله في احتفال حرب تموز 2006 ليشيد بسوريا بشار الأسد لا سوريا خدام. وكأن الاخير الذي أمضى عقوداً في ادارة ملفات سوريا الخارجية المتعلقة بلبنان وفلسطين والخليج وايران هو عابر سبيل لا يرتقي الى النظام الذي ربط نصرالله مصيره حالياً به. ومثل نصرالله، النائب ميشال عون الذي محا من تاريخه زمناً طويلاً من العداء لسوريا في عهد الأسد الأب ومن ثم في القسم الأول من عهد الأسد الابن بين عامي 2000 و2005 ليصبح اليوم مدافعاً عن نظام يمارس أبشع أنواع الظلم بحق شعبه. فيكرر بذلك سيرته مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين عندما كان عون حليفاً له في زمن التحولات التي أطاحت بديكتاتور العراق لاحقاً.

الفارق بين طلاس وخدام من جهة وبين نصرالله وعون من جهة أخرى، ان معدن الرجال هو فارق جوهري. فعلى رغم العواصف التي تهب على سوريا اليوم لا ينزلق رجالاتها في حقبة حافظ الأسد الى درك المهاترات. في حين أن رجالات زمن الوصاية السورية، على غرار نصرالله وعون يسابقان الطاغية في التعبير عن تبعيتهما له ومساندة بطشه لشعبه. إذا عاد للشام وردها لا بد للبنان من أن يتخلص من أشواكه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تورط " حزب الله" في سوريا ؟

علي حماده

2012-07-29

النهار

حتى الآن اقتصرت المعلومات عن تورط "حزب الله" مع النظام في سوريا وقتل المواطنين السوريين على بعض الجثامين العائدة من سوريا، او بعض الوثائق المصورة التي يحصل عليها الثوار لدى دهمهم مقار امنية في مناطق ريفية وفيها اشارات مكتوبة الى مشاركة عناصر من "حزب الله" في عمليات عسكرية او امنية. وثمة معلومات اخرى مصدرها جهات حليفة للحزب في لبنان وضمنا لا تكنّ له الكثير من "الحب" تكشف ان الحزب المذكورمتورط في اعمال قمعية في الداخل السوري وان نطاق عملياته الاساسي هو المناطق القريبة لا الحدود مع لبنان اي على تخوم البقاع الشمالي وصولا الى عكار، وفي العمق وصولا الى مدينة حمص نفسها.

بالطبع لا تزال هذه معلومات متداولة على نطاق ضيق، ولا يتم البناء في شأنها على مواكب السيارات ذات الزجاج الاسود التي تعبر الحدود ذهابا وايابا خارج اي رقابة للجيش أو الأسلاك الأمنية المعنية بضبط الحدود. ولا يغيب عن البال ان العديد من الشاحنات المموهة تعبر من دون تفتيش على الخطوط العسكرية بين البلدين ولا يسمح للسلطات اللبنانية بمراقبتها ويقال انها محملة سلاحاً وذخائر و ربما اشياء اخرى.

في لبنان ليس ثمة دولة. و ليس ثمة سلطة رسمية. هناك تافهون يتقاتلون على مناصب تافهة لاسباب اتفه. وبقولنا هذا لا نشمل الاستقلاليين الذين يناضلون منذ سنوات طويلة في مواجهة أعتى آلتي قتل محلية (حزب الله) واقليمية (نظام بشار الاسد) ويتعرضون لشتى أنواع الحصار الامني والمخابراتي الترهيبيين. ولا ننسى ايضا ان اللبنانيين في بيروت يعيشون تحت احتلال "حزب الله" المقنع بحراسة شرعية الجيش اللبناني الذي بالكاد يصلح لأن يكون بفعل هذه السياسة فرقة كشافة في خدمة حزب حارة حريك!

العالم كله يعرف ان ايران متورطة في القتل في سوريا حتى النخاع. و"حزب الله" تنظيم امني - عسكري فاشيستي طبيعيّ "يمثل جزءا" لا يتجزأ من النظام الإيراني وهو ليس ببعيد عن التورط. وخشيتنا من اجل لبنان خصوصا، وبالتحديد الحاضنة الشعبية للحزب ان يكون تورطه اكبر مما نعرف حتى اليوم، وان تكون يداه ملطختين بدم السوريين ايضا، بعدما تلطختا بدم اللبنانيين وفي مقدمهم رفيق الحريري.

ليس ثمة دولة في لبنان، ليس بفعل ضعف الامكانات، بل بفعل قرار بني في الاساس على مصالح ضيقة من جهة، ومن جهة على ضعف واستضعاف. في لبنان على سبيل المثال رئيس حكومة يقول في احدث تصريحاته: "عند تغيير الدول احفظ رأسك"، ولكنه فيما ينبطح يمنة و يسرة عند اعتاب السعودية و دول الخليج والاميركيين والاوروبيين، لا يتأخر عن خدمة بشار الاسد والمشروع الايراني من خلال "حزب الله". مهم اليوم ان يدرك "حزب الله" ان لتورطه في قمع الثورة عواقب خطيرة للغاية، وخطورتها مباشرة عليه كتنظيم وبيئة حاضنة، و يا للاسف غائبة عن الوعي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن ثورة حلب ومساعي الحل السياسي * ياسر الزعاترة

الدستور

29-7-2012

نكتب بينما تتعرض مدينة حلب الشهباء لحصار وقصف بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والطيران. حلب التي كانت إلى جانب دمشق عنوان التبريرات التي تساق للتقليل من شأن الثورة السورية عبر الإصرار على أنها ثورة أطراف وأرياف تحركها قوىً خارجية متآمرة مع “الإمبريالية” العالمية والصهيونية المجرمة!!

بعد انخراط دمشق وحلب في الثورة لم تعد هذه التبريرات قابلة للتسويق، لكن من استخدموها شهورا طويلة لم يغيروا رأيهم، بمن فيهم محمد حسنين هيكل الذي رددها غير مرة، فضلا عن جحافل الشبيحة المنبثين في دول عربية كثيرة.

في معركة دمشق على سبيل المثال، وبعد أن ضرب الثوار رؤوس الإجرام في عملية مبنى الأمن القومي، بل قبل ذلك بأيام حين كانت الصدامات المسلحة مندلعة في أحيائها الرئيسة؛ في المعركة المذكورة استعاد النظام زمام المبادرة بهذا القدر أو ذاك عبر سيطرته من جديد على الكثير من الأحياء التي سيطر عليها الثوار لبعض الوقت، لكن ذلك لا يغير في الحقيقة شيئا، أعني انخراط المدينة بمختلف أحيائها في الثورة.

الآن يحدث مثل ذلك في حلب. وفيما يصعب الجزم بنهاية المواجهة الدائرة فيها، فإن نهج الثورة هو حرب العصابات، ولا يمكن القول إن النظام قد تفوق لمجرد استعادة السيطرة على المدينة أو أجزاء منها، لاسيما أن الفارق في السلاح والإمكانات كبير بين النظام وبين الثوار الذين يعتمدون على الأسلحة الخفيفة والكمائن التي تستخدم فيها متفجرات أكثرها من صناعة محلية.

لا يُستبعد بالطبع أن تتفوق حلب في المعركة وتكون بمثابة بنغازي ليبيا، لكن ذلك يتطلب حظرا جويا لا يلوح في الأفق في ظل الموقفين الروسي والصيني، ما يعني أن حرب العصابات ستتوالى؛ وتتسع معها دائرة الانشقاقات في الجيش والمؤسسة السياسية وصولا إلى تداعي النظام بالكامل.

هذا البعد لا ينفي أن ثمة حديثا جديا عن شكل من أشكال التدخل العسكري يتمثل في استحداث مناطق آمنة أو عازلة تكون بمثابة مأوىً للثوار، ويبدو هذا التطور على صلة بشعور أكثر المعنيين بإمكانية سقوط النظام في أية لحظة، واحتمال أن تحل مكانه قوىً تصعب السيطرة عليها في ظل وجود سلاح كيماوي يخشون من وقوعه بين أيديها، فضلا عن المخاوف من تقسيم البلد، لاسيما بالنسبة لتركيا التي تتابع بقلق تحركات الأكراد في مناطقهم، فضلا عن إمكانية لجوء العلويين إلى مناطق الساحل وتشكيل دولة لهم فيها.

من هنا تكثر التحركات المتعلقة بإيجاد البديل الذي يملأ الفراغ، وما قصة مناف طلاس عنا ببعيد، حيث استقبل الرجل من قبل كثير من العرب والأتراك ومن الغربيين، ما يعني إمكانية البحث عن بديل يحول دون فراغ مخيف، أو تقسيم محتمل.

والحال أن خيار التقسيم يبدو مستبعدا؛ ليس فقط لأن تركيا ترفضه، بل لأن الثورة التي دفعت الكثير من التضحيات لن تقبل بأن تكون خاتمتها تقسيم سوريا مهما كان الثمن؛ وحتى لو استمرت المعركة فترة طويلة.

المجلس الوطني المعارض، ومعه الجيش السوري الحر لا يقول الكثير على صعيد الموقف من التحركات السياسية الجارية، وهو موقف يبدو عاقلا إلى حد كبير، لأن النظام هو المعني بهذه التحركات، وليس من الحكمة أن تقدم هي تنازلات مجانية في وقت يعلن النظام وداعموه وفي مقدمتهم روسيا وإيران بأن مسألة تنحي الرئيس غير واردة.

إذا يئس النظام من وضعه وقرر بشار الرحيل مع عائلته، فلكل حادث حديث، وأية ترتيبات أخرى تأخذ في الاعتبار التطورات على الأرض يمكن أن تكون قابلة للتفكير، لاسيما أن من اقتلع نظاما دمويا عمره 40 سنة، لن يعجز عن مواجهة آخرين في حال لم يعبروا عن تطلعاته في الحرية والكرامة.

وفي حين تبدو الهواجس الإسرائيلية هي الأكثر تحكما بالموقف الأمريكي والغربي عموما، مع أخذها في الاعتبار بالنسبة لروسيا، فإن عموم المواقف لم تعد تشك في رحيل النظام، وضرورة ترتيب الوضع التالي.

الأمل بالطبع أن تؤدي إطالة أمد المداولات السياسية إلى الإطاحة العملية بالنظام، وحينها لن تعجز المعارضة بشقيها السياسي والعسكري عن تشكيل حكومة انتقالية لمدة معينة، حتى لو استغرق ذلك بعض الوقت وقدر من الإشكالات الطبيعية في حالة ثورة تقتلع نظام دمويا يستند في بعض تجلياته إلى بُعد طائفي واضح، فضلا عن تعددية مذهبية وعرقية يتمتع بها البلد، ولن يكون من السهل التعامل معها.

الثورة بعد انخراط حلب ودمشق فيها بقوة تسير نحو الانتصار، بصرف النظر عن أسئلة اليوم التالي الكثيرة والمعقدة؛ تلك التي لا ينبغي أن تشكك أحدا في مشروعية الثورة وروعتها وما ستحققه من إنجاز تاريخي يتمثل في التخلص من نظام دكتاتوري فاسد جثم على صدور الناس لأربعة عقود.

التاريخ : 29-07-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«أم المهالك» !

صالح القلاب

الرأي الاردنية

29-7-2012

ليس فألاً حسناً ،لا بلْ هو فألُ شؤمٍ، أن يعطي النظام السوري ،الذي يبدو الآن وكأنه معلقٌ من رموش عينيه، لمعركة حلب الإسم ،الذي من المفترض أنه ماركة مسجلة لصدام حسين ولوزير إعلامه محمد سعيد الصحاف صاحب إصطلاح «العلوج»، وهو :»أم المعارك» والفرق هنا هو ان الرئيس العراقي السابق كان في مواجهة مع تحالف دولي كانت قواته تزحف في اتجاه بغداد بينما بشار الأسد يقول هذا الذي يقوله وهو في مواجهة مع شعب من المفترض أنه شعبه ويهدد مدينة أي «حلب» من المفترض أنها العاصمة الثانية لبلده.

غير معروف من الذي أشار على بشار الأسد أن يطلق على معركة حلب إسم «ام المعارك» الذي كان من الأحرى أن يكون «أم المهالك» فالرئيس السوري فقد قبل أيام قليلة أربعة من كبار مستشاريه.. أو خمسة أو ستة في ضربة واحدة كان يجب أن تُعطى إسم «أم الضربات» إذا كان لابد من الأخذ بالأسلوب الأميركي في هذا المجال على الأقل وإعطاء كل عمل عسكري إسماً ذا دلالة في أغلب الأحيان يتم أخْذه من أحداث وخرافات التاريخ.

لن تكون معركة حلب «أم المعارك» حتى وإن دمَّرتها دبابات بشار الأسد وصواريخه وطائراته المروحية والمجنحة عن بكرة أبيها وتحويلها الى ما كان أصاب «حماه» أم النواعير في عام 1982 فالشعب السوري الذي واصل طريقه بعد تدمير حمص وبعد تدمير إدلب وبعد تدمير ما جرى تدميره في دمشق وريفها وفي درعا ودير الزور سوف يواصل طريقه التي بات على مسافة مرمى حجر من نهايتها.. والتدمير الأكثر خطورة هي تدمير معنويات الشعوب وتدمير إرادتها أما المدن وبخاصة المدن التاريخية ومن بينها مدينة «أبو فراس الحمداني» هذه فإنها بقيت يدمرها إما الغزاة أو الحكام المستبدون لكنها بقيت تبنى من جديد وبصورة أبهى من الصور السابقة!!.

لم يعد هناك مجال للتعلق بزبد البحر فهذا النظام ،الذي أضاع فرصة ثمينة عندما اختار منذ اللحظة الأولى خيار العنف والقوة العسكرية الغاشمة، لم يعد امامه إلاّ حزم أمتعته والتسلل تحت جنح الظلام للوصول الى الملجأ الآمن الذي من المفترض أنه بادر لتأمينه منذ ان بدأت المناطق السورية تتسرب من بين أصابعه ومنذ أن كانت هناك «أم الضربات» في يوم الأربعاء الذي سيكرس على أنه إحدى المحطات الرئيسية التي حددت ملامح سوريا الجديدة.

لقد كانت قوات النظام السوري وإلى ما قبل شهورٍ قليلة تسيطر على كل ما في سوريا من مدنٍ وقرى وأرياف وصحارى قريبة وبعيدة ولقد كانت هناك معركة بابا عمرو في حمص.. وأمس الأول كانت هناك معركة الميدان والمزة وكفر سوسة واليرموك في دمشق ولكن الشعب السوري بقي يفرض نفسه على واقع الأحداث فالغلبة دائماً وأبداً هي لإرادة الشعوب وإلا لكان عرش الطاؤوس في إيران لا يزال باقياً ولكان «الرفيق» الذي انتهت إليه رئاسة المكتب السياسي يصطاف الآن في ذلك المنتجع الجميل على شواطئ البحر الأسود.. ولكان القذافي لا يزال في ساحته «الغبراء» ولكان العنصريون في ذروة تألقهم في إفريقيا الجنوبية.

لا يفيد هذا النظام ،الذي قد وصل الى قعر البئر ولا يزال يرفض الاعتراف بالحقيقة، ان يحتل في «ام المعارك» هذه مدينة حلب وان يستعيد احتلال كل من حمص والرستن وإدلب وحماه والمدن الشمالية-الشرقية التي «اهداها» لحزب العمال الكردستاني التركي لصاحبه عبد الله أوجلان فالإحتلال الأخطر هو احتلال إرادة الناس والواضح أن إرادة الشعب السوري غدت بعيدة عن أيدي أي احتلال لا في أمهات معارك ولا في أمهات مهالك.. وهذه هي الحقيقة ومن لا يستطيع رؤيتها لاشك في انه مصابٌ بعمى البصر والبصيرة!!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نداء من أجل سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

29-7-2012

تبدو ثورة السوريين، وكأنها آخذة في المراوحة بالمكان. إذ تواجه صعوبات جدية في إكمال مسيرتها نحو التغيير الشامل للنظام، وإقامة نظام ديمقراطي جديد يوفر العدالة والمساواة للمواطنين كافة دون تمييز من أي نوع، كما يجد النظام صعوبة كبيرة في إخضاع السوريين وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل انطلاق حركة الاحتجاج والمظاهرة في مارس (آذار) 2011، التي تحولت إلى ثورة عارمة.

السبب الرئيس للوضع السوري الحالي، هو توازن القوة بين النظام والثورة، وهو بين أسباب أدت إلى انتقال أزمة سوريا من أزمة داخلية إلى أزمة إقليمية ودولية، صار السوريون في ظلها، نظاما ومجتمعا ومعارضة، عرضة لتأثيرات الخارج الإقليمي والدولي، وصار وجودهم في الأزمة هو الأقل تأثيرا على مستقبل سوريا، رغم استمرار الحل الأمني العسكري من جانب النظام من جهة واستمرار عمليات التظاهر والاحتجاج من جهة أخرى، وقد زاد عليها دخول الجيش السوري الحر دائرة الفعل الداخلي في سياق إفشال سياسات وممارسات النظام وأجهزته.

وأدى مسار الحل الأمني العسكري وتصاعده إلى زيادة حجم الخسائر البشرية والمادية التي تصيب السوريين قتلا وجرحا واعتقالا ونزوحا، وتدميرا للممتلكات ومصادر عيش السكان، وساهم دخول «الجيش الحر» دائرة الهجمات، بعد ما حصل ويحصل في دمشق وحلب، في زيادة نتائج القتل والدمار في الواقع السوري. ولعل هذا التطور يمثل أحد العوامل الضاغطة على السوريين من أجل تصعيد النشاط السياسي من أجل حل الأزمة وتحقيق الانتقال من نظام الاستبداد والفساد والقتل إلى النظام الديمقراطي التعددي المنشود، وكان أحد تعبيرات التصعيد في النشاط السياسي، تزايد دعوات من جماعات سياسية ومدنية، ولا سيما الشبابية منها، إلى إعادة الاعتبار للنشاط السياسي والسلمي بأشكاله المختلفة من التظاهر إلى الاحتجاج وصولا إلى العصيان المدني.

وفي سياق هذه التوجهات، شاركت مجموعة نشطاء سياسيين سوريين في ندوة أقيمت الأسبوع الماضي بالعاصمة الإيطالية حول سوريا ومستقبل العمل السياسي فيها بدعوة من جمعية سانت اجيدو إحدى أهم الجمعيات غير الحكومية في أوروبا، وهي مهتمة بالسلام وحل النزاعات، وبمحصلة الأطروحات والنقاشات، التي تمت في الندوة، أصدر المشاركون ما سموه «نداء روما من أجل سوريا» الذي تضمن خلاصات رسمت مسار العمل السياسي بطابعه السلمي في مواجهة تحديات الحل الأمني العسكري الذي اختاره النظام في مواجهة الثورة، وما أدت إليه تداعياته من توسع لمظاهر وتجليات العنف والدمار الذي لحق بأشخاص سوريين وبممتلكاتهم وكيانهم السياسي ومستقبله.

وخلص المشاركون إلى تأكيدات، أولها أنهم عرفوا أنفسهم باعتبارهم مواطنين ينتمون إلى فصائل من المعارضة الناشطة داخل البلاد وخارجها، وأنهم جزء من الشعب السوري الذي يعاني قمع الديكتاتورية وفسادها، ويقفون بحزم ضد الممارسات الطائفية والتمييزية، ويريدون مستقبلا لسوريا، يحترم الحياة والكرامة البشرية في إطار العدالة. وهم يرون المستقبل عبر مسار سياسي سلمي، يمنعه استمرار الحل الأمني العسكري وتصاعد العنف بما يخلفه كلاهما من دمار عام.

وبسبب من تلك الأوضاع والتطورات، أكد المشاركون أنهم وإن كانوا يؤيدون حق المواطنين في الدفاع المشروع عن أنفسهم، فإنهم يأخذون على عاتقهم العمل من أجل وقف العنف، ودعم كل أشكال النضال السياسي السلمي والمقاومة المدنية بديلا للسلاح ورفضا للعنف اللذين يدفعان البلاد نحو الحرب الأهلية، ويعرضان وحدة الشعب والدولة والسيادة الوطنية للخطر.

ويجزم أصحاب النداء، بأن هناك حاجة إلى مخرج سياسي للأوضاع في سوريا باعتباره الطريقة الملائمة للدفاع أيضا عن قيم وأهداف من يضحون ويعرّضون حياتهم للخطر من أجل الحرية والكرامة، ويدعون جميع السوريين، وخاصة الشباب والمواطنين المنضوين في الجيش السوري الحر وكل من حمل السلاح، للمشاركة في عملية سياسية تؤدي إلى سوريا سلمية آمنة وديمقراطية.

وإزاء ما لاحظوه من تحول البلاد إلى ساحة للصراعات الدولية والإقليمية، فقد أكدوا ضرورة سعي المجتمع الدولي لتحقيق توافق دولي يؤسس لمخرج سياسي من الأوضاع المأساوية الراهنة، يقوم على فرض فوري لوقف إطلاق النار، وسحب المظاهر المسلحة وإطلاق سراح المعتقلين والإغاثة العاجلة للمنكوبين وعودة المهجرين وصولا إلى مفاوضات شاملة، تستكمل بمصالحة وطنية أصيلة، تستند إلى قواعد العدالة والإنصاف.

في نداء ذلك النفر القليل من السوريين، ثمة محاولة جديدة، تنطلق للخروج من نفق الأزمة، تقوم على خيارات أساسها توسيع المشاركة الشعبية لتكريس خط سياسي سلمي على نحو ما بدأت الثورة في أولها، وخروجا من محنة الدم التي أصر النظام عليها منذ البداية وما زال مستمرا فيها، وسعيا إلى كسب دعم وتأييد المجتمع الدولي لهذا المسار، وقيامه بالضغط على النظام للاستجابة إلى مطالب الشعب في بناء سوريا ديمقراطية مدنية وتعددية، تعتمد أسس العهد الوطني المشترك الذي أقره بالإجماع مؤتمر المعارضة السورية الأخير بالقاهرة. ولا شك في أن القريب من الزمن يمكن أن يبين لنا القيمة الحقيقية لهذه المبادرة الساعية لإخراج سوريا من الأزمة بطريقة وربما بأدوات مختلفة عما سبقها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

والآن.. ما العمل؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

29-7-2012

يوحي سؤال «ما العمل؟» بالتقدم الذي أحرزته الثورة السورية ويطرح سؤالا مفصليا وحاسما علينا اليوم: ماذا انتم فاعلون، كمعارضة، في ظل وضع قائم يدور القتال فيه داخل دمشق، بما تمثله من معركتها من أهمية لمصير الدولة والمجتمع السوريين؟

جوابي على هذا السؤال من ثلاث نقاط:

1) لا بد من تشكيل حكومة مرحلة انتقالية تكون حكومة وحدة وطنية بأفضل معاني الكلمة، على أن يتم ذلك بالتشاور مع التنسيقيات والجيش الحر والمعارضة الداخلية والخارجية، ويكون معظم أعضائها من التنسيقيات والجيش الحر، وتترك فيها مقاعد لأفراد من النظام لم تتلوث أيديهم بالدماء. هذه مهمة للأيام القليلة القادمة. بعد تشكيلها، من المحتم أن تصدر الحكومة بيانا وزاريا يجب البدء بكتابته منذ اليوم، ليحدد الإجراءات والسياسات الكفيلة بالحفاظ على وحدة سوريا دولة ومجتمعا، ويعطي أدوارا مطمئنة لما يسمونه في الغرب «الأقليات»، ويشركها في وقف إطلاق النار وتهدئة الأوضاع والمصالحة الوطنية والإشراف على مناطق بعينها تضررت وحدتها بسبب سياسات النظام الطائفية وما قابلها من سياسات مذهبية مارستها بعض أطراف المعارضة. هذه الحكومة لا يجوز بأي حال أن تكون حكومة محاصصة، أو خلافات سخيفة حول الأحجام المزعومة لهذه الجهة أو تلك، لكونها ستتولى إدارة البلاد في المناطق المحررة اليوم، وفي كامل البلاد بعد سقوط النظام، وستضمن الحدود مع العدو الصهيوني وتعمل لمنع أي فريق إقليمي من استغلال الأزمة السورية كي يفجر الأوضاع ويحبط التسوية بين السوريين ويحول دون رحيل الأسد، وتطلب معونة عربية قد تشارك فيها أطراف دولية لضبط الوضع خلال الطور الأول من مرحلة الانتقال. كما يجب أن تضم الحكومة ممثلين عن كافة مكونات المجتمع السوري، وتعمل ببرنامج وطني عام وتوافقي لا خلاف بين السوريين عليه، يدور أساسا حول وحدة الدولة والمجتمع، وحقوق المواطن والإنسان وحقوق القوميات والأقليات، وأسس مرحلة الانتقال العامة.

2) إصدار إعلان وطني تشارك في صياغته وتوقيعه جميع أطياف المعارضة من تنسيقيات وجيش حر ومجلس وطني وأحزاب - بغض النظر عن تسمياتها الحالية - على أن يتضمن صورة سوريا الغد، التي تتعهد هذه القوى مجتمعة بالتوافق عليها وإقامتها، سوريا الحرة مع تحديد إجرائي لسبل الوصول إليها ومراحله، وللخطوات التي سيتم القيام بها لتحقيق كل مرحلة، والحوامل القانونية والعملية للأدوار المباشرة التي سيقوم بها مختلف السوريين للخروج من الأزمة الراهنة، وتستبعد نزعة انتقامية أو تمييزية أو إقصائية، وتقوم على التسامح وما يراد لسوريا الحرة دولة ومجتمعا من تماسك مجتمعي ووطني، بالنظر إلى أن النظام لم يكن نظام فئة أو طائفة بعينها، بل كان نظام مافيا متنوعة المنابت والمذاهب، يوحدها عداؤها للشعب وتجمعها مصالح موحدة أو متقاربة، سيتحرر السوريون من مختلف الفئات والأطياف بسقوطها وانتهاء حكمها، فلا يجوز أن تنسب إلى فئة أو طائفة غير طائفة سلطة تضم فاسدي المذاهب والفئات والتيارات السياسية وأعداء الوطن والشعب، ويجب أن تعتبر مسؤولة عن العنف الذي مورس ضد المواطنين، والتنكر لحقوق الشعب، والعمل لتحويل ثورة تريد الحرية لجميع السوريين إلى اقتتال طائفي وحرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

3) حيوية وأهمية أن يتخذ ضباط الجيش والأمن السوريون موقفا واضحا من النظام، يفكهم عنه، ويضعهم في صف شعبهم الذي ينتمون إليه، حيث مكانهم الحقيقي ودورهم في تسوية تاريخية أعظم مهامها إعادة تأسيس الدولة والمجتمع في سوريا على أسس ديمقراطية تراعي حقوق الإنسان وتنمي حرية المواطن بغض النظر عن مذهبه ومنبته المجتمعي وإثنيته وعرقه ووضعه الطبقي.. الخ. لا بد أن يلتقي موقف الجيش والأمن مع موقف الشعب، الذي ينشد التعاون مع أشخاص وطنيين ونزيهين من داخل النظام لم تتلوث أيديهم بدمائه، فمن الطبيعي أن يتعاونوا هم أيضا مع أشخاص من المعارضة لم تتلوث أيديهم بدورهم بأي دماء بريئة، وليس في مشروعهم ما يتنافى مع مصالحة وطنية وحكومة وحدة وتفاهم تحفظ حقوق المواطنات والمواطنين وتضمن أدوارهم الحرة في سوريا المستقبل، التي ستطوي صفحة الإقصاء والتمييز، وستفتح أبواب التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعمل السياسي أمام جميع أبنائها، ما دام بناؤها بأيدي أي فريق بمفرده مستحيلا، وسيؤدي حكما إلى وضع شبيه بالوضع الذي يضحي الناس اليوم بالغالي والنفيس من أجل التخلص منه. لا بد إذن من حركة متعاكسة، واحدة من داخل المعارضة وأخرى من داخل النظام، يلتقي طرفاها عند التصميم على إخراج بلادنا من مأزقها، وإلا فلن تتكامل بغير ذلك الجهود والنيات ويلتقي المتقاتلون الحاليون على طريق يأخذهم في اتجاه واحد يقود إلى دولة حديثة ووطنية تقدم الحرية للجميع وتجعلها في متناول أيدي الجميع، لأن الأصل في المواطنين أن يكونوا أحرارا ومتساوين.

هذه النقاط الثلاث يجب أن يعمل عليها للتو، دون أي إبطاء أو انتظار، فالحكومة المرحلية ضرورة لا بد منها لإدارة المناطق المحررة اليوم وسوريا الحرة غدا، والتوافق العام الذي يرسم صورة المستقبل وطريقه التزام سياسي وإنساني ووطني يستبعد أن يكون هناك أي تغيير جدي من دونه، وقيام ضباط الجيش والأمن بملاقاة الشعب في منتصف الطريق أفضل ضمانة لمستقبل الشعب السوري ولوحدته وتضامنه، وخير وسيلة لفتح طريقه بأيدي جميع أبنائه> فإن تكاملت هذه الخطوات، وجد العالم نفسه راغبا، وإلا فمجبرا، على التخلي عن الأسد والدائرة القريبة منه، التي بنت سياساتها على تعقيد الأزمة وتطييفها وطبعها بطابع العنف الأشد قسوة ورعبا، وعلى تسليح المواطنين كي يفتكوا بعضهم ببعض، بينما ستطبّع الخطوات المطلوبة الأجواء وستعيدها إلى شيء قريب مما كانت عليه قبل البعث وحكمه الرهيب.

تقف المعارضة ويقف كثيرون من أهل النظام أمام امتحان جدارة من طبيعة وطنية استثنائية لا سبيل إلى تنصلهم منه، بينما يضغط الوقت وتتسارع الأحداث، فلا عذر بعد الآن لمن يفوت على الشعب سانحة تاريخية خلقتها تضحيات المواطنين، ومن غير الجائز أن تضيعها إهمالات أو ألاعيب سياسية تافهة يمارسها من يعتقدون أنفسهم أوصياء عليه، لمجرد أن كرتونة رفعت هنا وأخرى هناك، تجعلهم ممثلين «شرعيين ووحيدين» لأصحابها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لسان لافروف.. "ترمومتر" عمليات الأسد

2012-07-28 12:00 AM

الوطن السعودية

لا يمكن لأزمة بدأت من الأرض إلا أن تنتهي على الأرض؛ فما حدث في سورية منذ البداية كان يشير إلى أن الكلمة الفصل لـ"العسكرة" دون غيرها من الحلول السلمية مهما حاول المجتمع الدولي الدفع بها قدما عبر اجتماعاته المتلاحقة التي لا يزال نظام الأسد يضرب بنتائجها عرض الحائط.

كان من الملاحظ أن الروس حاولوا فيما مضى من وقت، وتحديدا عقب العملية التي أطاحت بـ4 من أهم القياديين في النظام السوري، الإيحاء للمجتمع الدولي بقبول الأسد لفكرة الحوار بين النظام والمعارضة من أجل الخروج من الأزمة، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك عبر تصريحات سفيرهم في باريس بقبول الأسد التنحي.

غير أن ذلك الهدوء الذي كان يلف المشهد سرعان ما تحول إلى عاصفة هوجاء شن من خلالها الجيش النظامي العديد من الهجمات على المدن السورية وأهمها العاصمة الاقتصادية حلب التي خرج الأميركيون بتحذيرات مما قد يصيبها جراء الحشد العسكري الهائل في محيطها، فيما أسفرت عمليات يوم واحد عن سقوط أكثر من 200 قتيل.

وبعد 17 شهرا من الأزمة، يمكن قياس مستوى العمليات العسكرية لنظام الأسد، تبعا للتصريحات التي يطلقها الروس بشكل عام ووزير خارجيتهم سيرجي لافروف على وجه الخصوص، فأي تصعيد كلامي من موسكو يرافقه تصعيد في عمليات جيش نظام الأسد، والعكس صحيح، والتصعيد الأخير على حلب ـ الذي حذر أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون من تبعاته ـ جاء بعد أن أعلن لافروف رفض بلاده للطريقة التي تدير بها الدول الغربية الأزمة السورية.

المؤكد أن نظام الأسد، ورغم كل القوة التي يستمدها من حلفائه ومنهم طهران التي صرح 3 من كبار مسؤوليها في يوم واحد عن ثبات موقفهم معه، لم يعد يمسك بمفاصل الدولة كما كان في بداية الأزمة، فوزير الخارجية الفرنسي يقول إنه سيسقط عاجلا أم آجلا، والبيت الأبيض يشير إلى أن أيامه معدودة، وإردوغان يتحدث عن أنه سيصبح خارج السلطة، وأخيرا رئيس المراقبين روبرت مود يؤكد أن سقوطه مسألة وقت.

وبغض النظر عن كل التصريحات، يمكن التوصل إلى النتيجة نفسها بالنظر إلى المعطيات على الأرض حيث خرج أكثر من نصف أراضي سورية عن سيطرة الأسد، وهو ما يعني حرب استعادة وحرب سيطرة، مما يستعصي على جيش متصدع من كثرة الانشقاقات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية ... أنقذوا حلب

الراية

28-7-2012

كل الدلائل تشير إلى أن النظام السوري مقبل ومصمم على ارتكاب مجازر بشرية بمدنية حلب التي سيطر الثوار على بعض أحيائها، وأنه استعد لما أسماها بأم المعارك بمختلف أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات والدبابات في مواجهة أسلحة الثوار الخفيفة.

وهذا يعني أن دك المدينة بمن فيها بصرف النظر عن هويته بات أمرا وشيكا، ولذلك فإن القلق الدولي الذي ظهر أمس تجاه هذا التطور الخطير يجب أن يتطور إلى قرار دولي شجاع بتحرك جماعي لمنع المجزرة البشرية المتوقعة وإنقاذ مدينة حلب وسكانها من براثن النظام الجائر.

وفي ظل هذا التصعيد الخطير الذي ينتهجه النظام السوري فإن القلق الدولي فقط ليس كافيا بدون التدخل السريع وحسم الأمر اليوم قبل فوات الأوان، باعتبار أن التأخير في اتخاذ قرار لإنقاذ سكان حلب سيقود إلى كارثة بشرية لا تقل فظاعة عن المجازر الأخرى التي ارتكبها النظام بحق شعبه، فالقضية واضحة ولا تتحمل التسويف والتأخير، خاصة أن الجميع يدرك أن النظام مصمم على القضاء على الثورة السورية بكل الوسائل وأن حلب التي تشكل منطقة استراتيجية للثوار والنظام أصبحت في فوهة المدفع بعدما اتجه الثوار لجعلها معركة للانطلاق والقضاء على النظام.

وبسبب التراجع عن اتخاذ قرارات دولية جادة ومسؤولة لإنقاذ الشعب السوري، فإن النظام وجد فرصة للتمادي بسبب تراخي المجتمع الدولي الذي ظل يتفرج على المجازر التي ارتكبها والتي خطط لارتكابها مجددا ليس في حلب وحدها وإنما في دمشق وريفها وإدلب، وأنه ليس أمام المجتمع الدولي إلا اتخاذ موقف جماعي صارم ينقذ الشعب السوري من نظام البطش، فالقضية أصبحت واضحة ولا تتحمل أي تسويف أو مماطلة، فالشعب السوري لن يتراجع عن ثورته وأن المطلوب دوليا حمايته حتى ولو تم ذلك من خارج مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة.

فليس من المقبول أن يظل المجتمع الدولي يعرب عن القلق فقط تجاه الأزمة السورية وهو يدرك حقيقة نوايا وتوجهات النظام تجاه شعبه، الشعب السوري لا يطلب الإعراب عن القلق فقط وإنما يطالب بإنقاذه من الإبادة وهذا لن يتم إلا بتدخل دولي سريع، إن حلب أصبحت تحت رحمة نظام لا يرحم وإن أية كارثة تحل بها هي مسؤولية المجتمع الدولي الذي تراخى في مواجهة النظام الذي خطط ودبر المجازر تحت سمع وبصر الجميع، ولذلك فإن إنقاذ حلب مسؤولية دولية وعربية وإسلامية وإن الوقت قد حان للتحرك قبل فوات الأوان بردع نظام الأسد وتخليص الشعب السوري منه، فالسكوت على ما يحدث في حلب يمثل جريمة وعارا في جبين المجتمع الدولي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يجر الأسد دول الجوار إلى حرب معه؟!

يوسف الكويليت

الرياض

28-7-2012

سوريا بين الهم العربي وعدم الاهتمام الدولي دخلت مرحلة الموت المقنن من قبل قوات الأسد، ولعل شعوره بالنهايات غير السعيدة، أو الهزيمة المقبلة، أن يسعى لتوسيع المعركة وإطالتها..

فقد دخلت القوات السورية العديد من المرات الأراضي اللبنانية، وتحركت الأقلية العلوية في مناصرته والتخفيف عنه، ثم بالأمس الأول جرت مناوشات مع الجيش الأردني، وقد يحدث هذا مع العراق إذا ما قررت القبائل والمناصرين للثورة التحرك باتجاه سوريا ليفتح جيش الأسد معركة أخرى..

تركيا، ورغم وجود علويين مجاورين للحدود السورية ويتعاطفون مع النظام، إلا أن الموقف لا يتعدى المناصرة المعنوية، ولو بقدرة الأسد تحريكهم لصالحه لقام بهذا الدور، ثم إن أي صدام مع تركيا، سيعطي الأخيرة العذر بالقيام بعمليات عسكرية ولو محدودة، ومع فارق القوة، فإن الأسد قد ينجر لحماقة كهذه، لكن النتائج ستبقى معقدة وصعبة على مستقبله..

إسرائيل ظلت صامتة، وبلا حراك، وإن كانت تراقب وتدقق، لكن عندما أثير موضوع الأسلحة الكيماوية، والخشية من تسربها لحزب الله، أخذت الأمور بجدية، إلى حد التهديد بالتدخل العسكري، والحصار الذي يعيشه الأسد وشعوره أن المنافذ بدأت تنغلق، قد يورط سوريا بحرب مع إسرائيل، لكن الأخيرة لها حساباتها، أي أن ذلك يعطي ذرائع أنها دولة معتدية، استغلت الظروف وقامت بفعلها، لكن تجربتها مع احتلال بيروت، ثم حربها مع الجنوب لا بد أن تقلل حافز الدخول مع سوريا بحرب جديدة..

الموقف الدولي متراخ، وهناك من يرسم تقسيم سوريا بتوافق روسي، أمريكي، وإسرائيلي، لكن لو وجد مثل هذا السيناريو، فإن بيئة سوريا ستنقلب إلى بؤر كاملة للتطرف مما يعني التأثير على كل الدول المجاورة، وقد يكون المتضرر الأكبر إسرائيل ذاتها إذا ما تلاصقت مع القاعدة في سوريا، وحزب الله في لبنان وصارت قوى إقليمية تدفع بهذا الاتجاه إلى حدوده القصوى، وقد تصل الأضرار إلى تركيا ولبنان والأردن والعراق، وتصبح ورطة أمنية وسياسية..

الحلول الدولية غير واردة، لأن لعبة مجلس الأمن، وإن أعطت الأسد المساحات القصوى في قتل شعبه، فعملية ترحيل القضية إلى الأمم المتحدة حل جديد، أي أن المجتمع الدولي سيكون صاحب الصوت الأقوى، والذي لا يمكن أن يسمح باللعبة الدولية أن تدوم، إذا ما فرض قرار التدخل العسكري في حسم قضية انقاذ الشعب السوري، وقد تعارض روسيا ومعها بعض الدول، ويبقى موقف أوروبا وأمريكا مكشوفاً، فأما التصويت وكسب الرأي العام العالمي لإظهار روسيا الخصم، أو اتخاذ الحياد بعدم التصويت، وهذا ستراه الدول موقفاً متخاذلاً وغير منطقي، وفي كل الاحوال فسوريا على خط النار، وهي من تحسم كل الأمور..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصير الأسد بيد العلويين

روبرت فيسك

السفير

28-7-2012

فيما صعقت دراما اعتداء الأسبوع الفائت على نظام بشار الأسد في دمشق العالم العربي، فإن الانفجار المفاجئ للعنف في حلب بدا إلى حد بعيد أهم بكثير. ذاك أن حلب تعدّ المدينة الأغنى في سوريا ـ حتى أكثر بكثير من دمشق - وإذا لامست الثورة مركز الثروة هذا، فإن الاتفاق الضمني بين الحكومة المسيطر عليها علوياً والطبقات الوسطى السنية سيتعرض للتصدع فعلاً.

إذ كمركز ولادة الزراعة - نهر الفرات يقع على مبعدة 60 ميلاً فقط إلى الشرق ـ تحتضن حلب أيضاً المركز الرئيس لـ"المركز الدولي للأبحاث الزراعية في المناطق الجافة" أحد أفضل المراكز في هذا المجال في العالم بأسره. فهو يزيد إنتاج الغذاء في آسيا وأفريقيا في منطقة تحوي مليار شخص، حيث 50 في المئة من هؤلاء يكسبون عيشهم من خلال الزراعة. وبين الجهات المانحة للمركز: بريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وهولندا والبنك الدولي. ولا يزال العاملون الـ500 فيه يشتغلون في حلب.

للأسف، تعرضت محطة الأبحاث الرئيسة في تل هاديا، التي تقع على مسافة 20 ميلاً من حلب، لاعتداء من رجال مسلحين سرقوا المركبات لاستعمالها كعربات مزودة برشاشات، بالإضافة إلى آلات زراعية وحواسيب. لكن، لحسن الحظ فإن «بنك الجينات» العائد للمركز، ظل آمناً وجرى استنساخه خارج سوريا. وقد نقلت الحكومة السورية نقطة تفتيش عسكرية إلى جانب عقار المركز في تل هاديا ـ وزارة الزراعة السورية كانت دوماً واحدة من الوزارات الأكثر تقدمية في دمشق ـ وستظهر فائدة هذا الإجراء في الأيام المقبلة كما سنرى.

والحال، أن الثورة انتشرت على امتداد سوريا برمتها. وبصورة مأسوية، يبدو ان الاتجاه البعثي ينحو منحى تدمير القرى السنية المحاذية للمعقل العلوي، على حدود علويستان في السهل الزراعي الممتد في مقاطعة حماه، والتي تقع أسفل الجبال حيث يرسو مسقط رأس الأسد في القرداحة.

خلال الأسبوع الماضي هاجمت الطائرات السورية القرية السنية الصغيرة الحوش، مرغمة سكانها السبعة آلاف على الفرار للنجاة بأرواحهم. ولأسبوعين، تعرضت الحوش وسواها من القرى السنية الصغيرة للقصف؛ وهي قرى تحتضن ثواراً، لكنّ ثمة شكوكاً متنامية، ولو من دون دلائل، تفيد بأنها سياسة متعمدة من قبل البعث لتهيئة سوريا للتقسيم حال سقوط دمشق.

وثمة شكوك متزايدة، أن المجزرة الكبرى الاولى في القرى السنية في الحولة في 25 أيار، جاءت نتيجة انتقام اثر محاولة تسميم صهر بشار الأسد آصف شوكت، الذي قضى عليه الثوار في التفجير الذي وقع في دمشق. على أن البعض يقولون ان محاولة التسميم جاءت في فترة لاحقة، لكن كل ما جرى في سوريا ويجري اليوم يتصل بعضه ببعض.

ومن شأن بعض الإحصاءات النهائية أن تفسر أسباب نشوب الثورة خارج دمشق. فقد أظهرت البيانات أن 58 في المئة من السوريين تحت الـ24 عاماً يعانون من البطالة (نسبة أعلى حتى من مصر)، في حين أن 48 في المئة من المندرجين في فئة 18 ـ 29 عاماً ـ إحصاء لا تقارعه سوى اليمن ـ لا وظيفة لديهم. بالطبع، صار لديهم اليوم واحدة. فقد انضمت غالبيتهم إلى الثورة السورية.

روبرت فيسك

ترجمة: حسن الحاف

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البعد الاقتصادي في أزمة سوريا

فايز سارة

السفير

28-7-2012

بعد عـام ونصــف العــام، ما زالت تأثيرات أزمة سوريا المتصاعدة في الجانــب الاقتصادي غير واضحة ولا صادمة بمــا يكفــي. والســبب في ذلك، أن الأطراف السورية مشغولة أكثر بالوضعين الامني والسياسي، خاصة أن الاحتياجات المعاشية الاولية، لا تزال مـتوافرة، سواء بالحــدود المقــبولة أو وسط صعوبات جزئية أو متوسطة، وذلك يعود الى أمــرين أو لواحد منهما: الاول توافر مصادر محلية، وهذا يتعلق أساسا بالمواد الغذائية، والاخــرى المصنعة محلياً، والثاني، وجود احــتياط مستورد لم ينفد بعد، ولوجــود مـسارب للتــهريب ترعاها وتستفيد منها مفاصل في السلطة، تم تنشيطها بحيث توفر بعض احتياجات السوق السورية.

غير انه خارج الضباب الذي يغطي تجليات الازمة في جانبها الاقتصادي، يمكن القول، ان الوضع الاقتصادي في سوريا أوشك على الانهيار بفعل مجموعة من التطورات التي أحاطت به، والمستمرة في التدهور المتسارع، كلما أوغلت الازمة السورية نحو الأبعد، والأهم في هذه التطورات يظهر في ثلاثة مسارات:

الاول خلاصته توقف شبه كلي لحركة القطاعات الاقتصادية، وهو أمر ينطبق بصــورة واضــحة على قطاع السياحة والخدمات، وقد أصيــبا بانهيار شبه كامل مع بدايــات الأزمـة، ليس نتيجة وقف تدفق السياح والوافدين السوريين فقط، بل بسبب ميل أغلب السوريين الى التخــلي عن كل ما هو غير ضروري من خدمــات، ثم تبع ذلك توقف، تزايدت معدلاته تباعاً في القطاع الصناعي والحرفي، نتيجة عوامل كثيرة، منها عدم توافر مستلزمات الإنتاج، ونقص السيولة وصعوبات النقل والتسويق، واستمر النشاط الزراعي بحدود رغم الظروف، وخاصة نتيجة اجتياح المناطق الزراعية وتدميرها من قبل الجيش، وبفعل عمليات التهجير الواسعة في الارياف، ونقص مستلزمات الانتاج وصعوبات النقل والتسويق.

وثاني المسارات، التدمــير الواسع للبــنى التحتية للاقتصاد الــسوري أو تدهــور أداء بعضها، خاصة قطاعات الكهرباء والنقل والاتصالات، إضافة الى التدمــير الواسع الذي لحق بمدن وقرى كثيرة في القسم الأنشــط من البلاد وهي مناطق الوسط والجنوب، التي أصيبت بنيتها السكانية بأضرار كبيرة وخاصــة في المناطق الريفية التي تقــوم على الزراعــة والإنتاج الحيواني، وتتم فيها أنشطة ممهدة للصناعات المحلية ومنها الصناعات الغذائية وصناعة الألبان.

وثالث المسارات يجسده تردي الأحـوال الاقتصادية لقطاعات كبيرة من السوريين. واذا كانت معدلات الفقر قبل بد الثــورة قبل عام ونصف، تشير الى واحد من كل ثلاثة سوريين، يعيش تحت خط الفـقر، فإن هذه المــعدلات تغيرت بصورة جوهرية، ذلك أن تدمير البيوت والممتلكات وأعمال النهب والســرقة وفـقدان مصادر العيش، وفقدان المعيلين، ثم عملـيات تهجير أكثر من مليوني نسمة من بيوتهم في داخل سوريا، ونصف مليون خارجها، إضافة الى أن البطالة والغلاء، عوامل تؤدي الى زيادة الفقر والبؤس.

وباستثناء التطورات الداخلية في مساراتها الثلاثة السابقة، فإن تطــورات خارجية تمثل مساراً رابعاً، أدت الى تزايد التردي في الواقع الاقتصادي لسوريا في ظل الازمة الراهــنة، والاهم في هذه التطورات الخارجيــة أمران، أولهــما توقف معظــم المشاريــع التي كانت تمولها وتنفذها جهات دولية في سوريا، كما هو حال مشاريع الامم المتحدة ومنظماتها ومشــاريع الاتحاد الاوروبي، وبعض هذه المشــاريع كــانت له مساهمة ملموسة في تنشيــط جوانب من الحياة السورية، والامر الثاني، تمثله العقوبات التي فرضتها جهات عدة، وشــملت عقــوبات مالية وتجــارية ومصــرفية، أثرت بصــورة سلبية على أداء قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري.

وبطبيعة الحــال، فــإن أجواء الازمة، والــقلق من احتــمالات تطورها، أديـا الى فقدان ثقة بالنظام القائم، وبالمؤسسات السـورية، وتخوف مما يمكن ان يؤول اليه واقع الاستثــمار في البلاد، وكله أدى الى سحب كثير من الاستثــمارات العربية والاجنبية الموجودة في البلد، وامتناع الراغبين بالاستثمار في سوريا عن تنفـيذ استثماراته وسحب أموالهم منها الى أماكن أكثر أمناً وأماناً.

خلاصة الامر، ان واقع الاقتصاد السوري ببيئته وقطاعاته المختلفة وبمتمماته كلها، يسير في منحدر نحو الانهيار الشامل، والسبب الرئيس لهذا المسار، يمثله توجه النظام نحو حل عسكري ـ أمني لأزمة سوريا السياسية الاقتصادية والاجتماعية، كان ينبغي أن يكون لها حل ومعالجة سياسية. ولا شك بأن أي بداية لمعالجة الوضع الاقتصادي في سوريا، تبدأ من وقـف الاعمال الامنية العسكرية الجاري تنفيذها، والتوجه الى عمل سياسي يفتح الباب أمام معالجة الازمة وإجراء تحول سلمي نحو نظام ديموقراطي يوفر الحرية والكرامة والعدالة والمساواة للسوريين.

كاتب سياسي ـ سوريا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة حلب

علي حماده

2012-07-28

النهار

بين ساعة واخرى ستبدأ معركة حلب. نسميها معركة حلب لانها مفصلية وان لم تكن حاسمة على المدى الاقرب. مفصلية لأنها ستحدد ما اذا كان ممكناً في هذه المرحلة رسم حدود لمنطقة عازلة تمتد بين حدود تركيا شمالا وحدود محافظة حماه جنوبا، محافظة ادلب غربا، وتكون مدينة حلب الاكثر كثافة من بين المدن السورية قلبها تماما كمدينة بنغازي الليبية التي شكلت اول منطقة عازلة في الاسابيع الاولى من الثورة. ومفصلية لأنها ستشكل نطاقا جغرافيا واسعا يقدر بربع مساحة سوريا خالياً من سيطرة نظام بشار الاسد، ويمتلك تواصلا مباشرا مع الخارج الداعم للثورة السورية، الذي يمكن ان يمنح "الجيش السوري الحر" امدادات بيسر اكبر، فضلا عن ان المساعدات الانسانية التي يمكن لها ان تعبر مباشرة الى قلب سوريا. ومفصليتها ثالثا لأن حلب هي ثاني مدن سوريا الكبرى، والعاصمة الاقتصادية وصاحبة تاريخ عريق قد تكون الارض التي عليها ستقف الحكومة الانتقالية المقبلة وبيدها شرعية الارض. ومفصليتها رابعا لأنها ستحصل من دون تدخل خارجي مباشر وبأيد سورية على عكس ما حصل في ليبيا.

نقول ان معركة حلب مفصلية لانها قد تؤسس اذا كسبها الجيش الحر لمرحلة جديدة تقرب النظام من نهايته المحتومة. ولا نقول حاسمة لان حلب تحت سيطرة الجيش الحر لا تعني ان قوات بشار اندحرت في كل مكان، وبالعكس اذا ما استعادت الاخيرة السيطرة على المدينة فإن ذلك لا يعني بالضرورة اندحار الجيش الحر والثورة. فريق حلب تستحيل السيطرة عليه على اعتبار ان النظام ما عاد يمتلك ما يكفي من القوات لنشرها في كل مكان. وهذا ما يفسر اضطراره الى سحب وحدات مقاتلة من ادلب وحماه وغيرهما لحشدها تمهيدا لمعركة حلب. لقد بين استيلاء الجيش على مناطق واسعة من مدينة حلب ان جيش بشار لا يسيطر الا بالقوة النارية وبكثافتها، لكنه غير قادر على السيطرة الميدانية في كل مكان.

لقد استعاد بشار السيطرة على احياء ثائرة في قلب دمشق، ولم تسقط العاصمة كما خيل لبعض المتحمسين. في المقابل يجوز القول ان السيطرة على العاصمة ليس ميسرا، والجيش الحر الذي انسحب سيعود عاجلا ام آجلا لخوض معركة دمشق. فهو راسخ في معظم ريف دمشق، اي انه يشكل حزاما ثوريا حول العاصمة.

لقد سمعت كلاما في باريس مفاده ان الثوار استعجلوا بفتح معركة وبالتالي خسروها. ويقولون ان هذا الامر سيتكرر في حلب ايضا. وردي ان التجربة علمتنا ان ما من معركة فتحها الثوار ضد نظام في منطقة ما إلا وغيرت المشهد السوري في غير صالح النظام. حصل هذا في كل مكان وإلا لما خرجت الثورة من درعا في آذار ٢٠١١ لتنتشر اليوم في كل انحاء سوريا من اقصاها الى اقصاها، ولما وصلنا الى مرحلة صارت فيها "العاصمتان" دمشق وحلب في قلب المعركة لاسقاط النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما يحاول عنان' قضم' الثورة السورية!

د. عبدالله تركماني

2012-07-27

القدس العربي

في الوقت الذي تواصل فيه سلطة الأمر الواقع جرائمها، التي تأنف منها الوحوش، ضد الشعب السوري الثائر من أجل الحرية والكرامة، بطرق لم يعرف لها التاريخ الإنساني مثيلاً من قبل حكومة ضد شعبها، والتي شملت ذبح الأطفال بالسكاكين، وقصف البيوت على ساكنيها وحرقها، وهدم المساجد على المصلين وتدنيسها، وجرائم القتل الجماعي، وجرائم الاغتصاب، وغير ذلك مما وثّقته المنظمات الحقوقية وأكدته بعثة المراقبين الدوليين، لا يزال مجلس الأمن عاجزاً عن اتخاذ ما يلزم من إجراءات تقضي بتوفير الحماية الدولية للمدنيين السوريين، مختبئاً وراء خطة عنان لتوفير ذرائع التعامي عن حمامات الدم السوري المتزايدة.

وفي المقابل فإنّ مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سورية كوفي عنان يحاول الهروب إلى الأمام، فبدلاً من إعلان فشله في إيقاف المذابح وحمامات الدم الجارية، يضع العربة أمام الحصان باقتراحه، في مؤتمر جنيف، الحوار بين سلطة الاستبداد والفساد لتشكيل حكومة انتقالية من النظام والمعارضة، بينما كانت المدن السورية تحت وابل من قصف مدفعية ومروحيات قوات الأسد.

والأنكى من ذلك أنه أعلن اتفاقه مع القاتل على 'خطة الأسد' التدريجية لـ'وقف إطلاق النار'، إذ قال للصحافيين بعد إجراء محادثات في طهران: إنّ الأسد 'اقترح وضع منهج تدريجي يبدأ من بعض المناطق التي شهدت أسوأ أعمال عنف في محاولة لاحتوائه فيها والبناء خطوة بخطوة على ذلك لإنهاء العنف في كافة أرجاء البلاد'. بما يشكل خرقاً لتفويضه ولخطة النقاط الست التي كان وضعها بنفسه وصادق عليها مجلس الأمن، والتي تنص على وقف فوري وشامل لإطلاق النار وخصوصاً من جانب القوات الحكومية، وسحب الجيش من المدن والمناطق الآهلة وإطلاق المعتقلين السياسيين والسماح بكل أشكال التعبير السلمي. ويصعب التصديق أنّ عنان لم يكتشف الخدعة في اقتراح القاتل وقف إطلاق النار أولاً في الجبهات الأكثر عنفاً، بما يريح قواته ويسمح لها بالقضاء على بؤر الثورة الأقل قوة واحدة تلو الأخرى.

وهكذا فإنّ المقاربة التي يعتمدها كوفي عنان لم تكن موفقة من زوايا متعددة، فالرجل أخطأ في التسليم بمنطق سلطة الأمر الواقع وخطتها لـ'وقف العنف'، في حين أنّ هذه المقاربة كفلت له انعكاساً خطيراً على مهمته: مجزرة 'التريمسة' تظهر أنّ التسليم لرأس هذه السلطة بأية خطة، يضع هذا الأخير عناصرها أو يساهم فيها، يعني أنّ الموفد الدولي تم خداعه، من خلال الموافقة العلنية على خطته ثم نسفها من تحت الطاولة كما جرى سابقاً.

لقد بات واضحاً للجميع أنّ مهمة عنان في سورية وصلت إلى طريق مسدود، وأنّ ما يطرحه من مبادرات ومساعٍ ومحاولات تصب في قنوات إطالة أمد القتل القائم. بل أنّ كل المؤشرات تدل على أنّ مهمته لم تكن أكثر من مرحلة لتقطيع الوقت، إذ لم يكن في الخطة ذاتها ما يشير إلى إمكانية استيلاد واقع جديد أو تطوير حالة أفضل، بل كانت إعلاناً عن أنّ العالم سيذهب باتجاه موازنة خياراته وقدراته، وحين الفراغ من كل ذلك تكون الحالة السورية قد استولدت صورة جديدة ومختلفة تقدم من خلالها نفسها للعالم، الذي ربما سيكون حينها قادراً على التعاطي مع الوضع الجديد، انطلاقاً من ترتيباته وحساباته.

إذ بدا واضحاً أنّ لعبة المراقبين الدوليين كانت غطاء لحاجة الدول الكبرى، بما فيها أصدقاء الشعب السوري، إلى مزيد من الوقت لإيجاد صيغة تخرج الأزمة السورية من النفق، إنها لعبة مددت فرص الصفقة الدولية، لكنها مددت معها معاناة السوريين.

ومن هنا لم يتبقَ على مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري، التي تدرك مخاطر الحالة السورية على المنطقة والعالم، والتي تعلن شعورها بآلام الإنسان السوري وتريد وقف المجزرة، أن تعرف أنه لا يوجد سوى حل فاعل واحد، وهو دعم الثوار السوريين وفرض تدخل إنساني لحماية المدنيين السوريين، والتعجيل بإنهاء المأساة. بحيث يجب أن يصار إلى تفعيل غرفة عمليات الحلفاء الراغبين في إنقاذ سورية، سواء عرباً، أو أتراكاً، أو غربيين، للتحرك من أجل فرض أمر واقع على الأرض، وذلك حقناً للدماء السورية.

وما يجب أن يعيه المجتمع الدولي أنّ سلطة آل الأسد تقوم بالتصعيد المستمر، والدفع دائماً إلى حافة الهاوية لتصعّب الحلول على الآخرين. ولذا فلا بد أن يتحرك تحالف أصدقاء الشعب السوري ليرفع السقف أكثر على هذه السلطة، بخطوات عملية وفعلية على الأرض، لأنها لا تفهم إلا لغة القوة.

ولعل مسارعة عنان إلى الإعلان عن صدمته إزاء مجزرة 'التريمسة' وتحميله سلطة الأمر الواقع المسؤولية فيها، ارتكازاً على حركة المروحيات والقصف المدفعي اللذين لا تملكهما قوات الجيش السوري الحر، إضافة إلى إعلان الشعب السوري 'إسقاط عنان .. خادم الأسد وإيران'، يجعلانه يطوي صفحة مبادرته، ويطالب مجلس الأمن الدولي بحماية المدنيين السوريين طبقاً للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

.. عن نظام الأسد وكلامه على أسلحته الكيماوية

محمد مشموشي *

السبت ٢٨ يوليو ٢٠١٢

الحياة

لم يعد جائزاً للمجتمع الدولي، ولا لروسيا والصين بخاصة، الإبقاء على موقف اللامبالاة الذي ينتهجه إزاء الوضع في سورية بعد حديث النظام فيها عن مخزونه من الأسلحة الكيماوية والجرثومية، وتهديده بإمكان استخدامها في حال تعرضه لعدوان، ولو أنه استدرك لاحقاً بإضافة كلمة «إن وجدت» (يقصد هذه الأسلحة) إلى نص البيان الذي أدلى به الناطق بلسانه جهاد المقدسي حولها. وللاستدراك هنا أكثر من معنى، أحدها إبلاغ من يعنيهم الأمر بأن لا حدود أخلاقية للجريمة التي يرتكبها ضد شعبه منذ أكثر من ستة عشر شهراً، وأن ما يخبئه للأيام المقبلة يتجاوز كل ما يخطر على بال عاقل.

فهذا الحديث العلني، غير المسبوق في الأدبيات السياسية الدولية، والتهديد باستخدام هذه الأسلحة المحرمة دولياً، إنما يترجمان بجلاء لا لبس فيه طبيعة الخطوة التي قد يقدم عليها مستقبلا، والتي طالما تحدث عنها بعبارات مثل «زلزال يهز المنطقة» و «حروب لا تقف عند حد» و «أحداث لا ينجو منها أحد» منذ الأيام الأولى للثورة الشعبية في آذار (مارس) الماضي. وعملياً، فأن يعمد النظام إلى هذا الموقف بعد وصول الثوار إلى عقر داره في دمشق، بل وإلى دائرته الضيقة في مجلس الأمن القومي، ففي ذلك إعلان صريح بأنه لن يتورع عن ارتكاب أي فعل للدفاع عن نفسه ولا حتى عما لا يخطر في ذهن أحد: اللجوء إلى الأسلحة الكيماوية والجرثومية.

قد يتوهم النظام السوري أنه بهذا التصعيد يرد على تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بالتدخل عسكرياً لمنع تسرب هذا النوع من الأسلحة إلى «حزب الله» أو غيره من المنظمات، أو على احتمال لجوء بعض الدول للعمل من خارج مجلس الأمن لإنشاء منطقة حظر دولي في سورية، أو حتى أنه يقدم ذريعة جديدة لحليفه في موسكو في سياق تحذيراته المتكررة من تداعيات سقوط هذا النظام إقليمياً ودولياً وعلى صعيد سورية نفسها، لكن الانعكاسات السلبية لكلا الوهمين أبعد من ذلك وأفدح... وعلى النظام ذاته قبل أي شيء آخر.

هل كان الاستدراك بكلمة «إن وجدت» مؤشراً إلى إدراك النظام المتأخر خطأ قاتلاً ارتكبته ديبلوماسيته في حديثها غير المسبوق عن هذا النوع من الأسلحة، أم إن المسألة كلها دليل جديد على مدى عمق الارتباك الذي يعيشه في أيامه الأخيرة هذه؟ أياً كان الجواب، يمكن القول ببساطة إن النظام السوري، بموقفه هذا، إنما يعترف بما باتت دول وقوى كثيرة في العالم تردده منذ فترة من الزمن، وهو أن أيامه في السلطة باتت معدودة. كيف ذلك؟

لأن المجتمع الدولي، بما فيه روسيا والصين هذه المرة، لم يتوقف لحظة عن التحذير من مغبة حيازة قوى ومنظمات غير مسؤولة أي صنف من هذه الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً، فضلاً عن أن ما يتفق العالم على تسميته «الحرب على الإرهاب» يضع هذه المسألة في رأس سلم أولوياته.

ألا يساهم نظام بشار الأسد بموقفه هذا، وبقرار متعمد أو حتى بسبب ارتباكه، في إدراج نفسه في عداد هذه القوى والمنظمات غير المسؤولة؟

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن دولاً أخرى شبيهة في العالم (كوريا الشمالية مثلاً) تملك من هذه الأسلحة، وكذلك الأسلحة النووية، أضعاف ما قد يكون يمتلكه النظام في سورية، إلا أنها على رغم اشتباكها الواسع ومنذ سنوات مع العالم لم تصل مرة إلى حد التهديد العلني باستخدام ما في حوزتها من قدرات جرثومية أو كيماوية أو نووية في حال تعرضها للعدوان. ولعل مثال صدام حسين نفسه ينفع في هذا المجال أيضاً، إذ استمر في إنكار واقعة قصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية حتى آخر لحظة من حياته وحياة نظامه، على رغم توثيق الكثير من المنظمات الدولية المعنية لهذه الواقعة وشهادات ضحاياها بالصوت والصورة.

ألا يقول نظام بشار الأسد، هنا أيضاً، إن على العالم أن يتوقع منه أكثر مما توقع من صدام قبل أو نتيجة غزو العراق، وحتى أكثر مما ينتظر من كيم جونغ أون على خلفية اشتباكه معه حول ترسانته من الأسلحة النووية؟ وما هي الفائدة التي يتصور نظام بشار الأسد أنه يمكن أن يجنيها من تحديه هذا للعالم في أزمته الحالية مع شعبه؟

أكثر من ذلك، فالواقع أن دول العالم المعنية تعرف أن لدى سورية ترسانة من الأسلحة الكيماوية (يقدرها بعض المصادر بحوالى 500 رأس متعدد الأنواع)، وأنها كانت تخشى، كما قال وزير الدفاع الأميركي، من وصولها إلى أيدي جماعات إرهابية في حال سقوط النظام فجأة، لكنها لم تتصور أبداً أن يتحدث عنها النظام بهذه الطريقة الفجة ولا أن يهدد باستخدامها تحت أي عنوان... بما في ذلك إمكان التعرض لعدوان من الخارج.

ثم ما هو، في حالة الحرب الشاملة القائمة حالياً في سورية، المعيار الذي يعتمده النظام فيها لتحديد ما يصفه بعمل «عصابات مسلحة» وما يمكن أن يسميه عدواناً من الخارج؟ وألا يتهم النظام الثوار ضده من اللحظة الأولى لتحركهم بأنهم ينفذون مؤامرة أجنبية وبأن قرارتهم وأموالهم وأسلحتهم تأتي كلها من الخارج؟ وبعد ذلك كله، هل أعطى النظام على مدى الشهور الـ16 الماضية ما يمكن أن يفهم منه أنه مستعد لإعادة النظر بالخيار الأمني الذي اعتمده منذ لحظة تصديه لأطفال درعا في 15 آذار 2011 بالقمع والاعتقال والذبح بدماء باردة؟

واقع الحال أن النظام الذي بات يدرك جيداً أنه يعيش أيامه الأخيرة إنما يتصرف على هذا الأساس في هذه المرحلة، وليس كلامه العلني على الأسلحة المحرمة دولياً والتهديد باستخدامها إلا في هذا الإطار. والأهم، أن العالم (تحذير موسكو من استخدام هذه الأسلحة، دليل على ذلك) بات يعطي أشارات إلى أنه يرى المسألة من هذا المنظار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا هي العراق

توماس فريدمان

الشرق الاوسط

28-7-2012

الله وحده يعلم أنني أدعو لقوات المعارضة في سوريا بأن تنتصر بمفردها بأسرع وقت ممكن وأن يتضح فيما بعد أن نواياها ديمقراطية كما نأمل جميعا، ولكن فرصة حدوث هذا الأمر تعد قليلة للغاية، وهو ما يرجع بالأساس إلى أوجه التشابه الكبيرة بين سوريا والعراق.

وبالتأكيد تعتبر سوريا هي توأم العراق؛ حيث تتعدد الطوائف الدينية في البلدين كما حكمت الأقلية في البلدين بطريقة ديكتاتورية وبقبضة حديدية بموجب آيديولوجية حزب البعث. وبالنسبة لي، فالدرس المستفاد من العراق هو في غاية البساطة: لا يمكنك الانتقال من نظام صدام حسين إلى النظام السويسري دون أن تعلق في فترة عنف انتقالية - حرب يشنها الجميع ضد الجميع - إلا في حالة واحدة وهي أن يكون لديك «قابلة» مدربة ومسلحة جيدا، «قابلة» يخشاها الجميع ويثقون بها في الوقت نفسه لإدارة المرحلة الانتقالية. وفي الحالة العراقية، كانت الولايات المتحدة هي من قام بدور «القابلة».

أما دور «القابلة» منخفض التكاليف الذي قامت به الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي (الناتو) باستخدام أجهزة التحكم عن بعد لإسقاط القذافي وخلق دولة جديدة في ليبيا، فليس من المحتمل أن يتكرر في سوريا. فالوضع في سوريا أكثر تعقيدا، فسوريا هي العراق.

كانت العراق بمثابة التجربة المريرة بالنسبة للولايات المتحدة والتي نفضل عدم الحديث عنها مرة أخرى، ولكن من الجيد الحديث عن التجربة العراقية في مثل هذا السياق. يعتبر السبب الوحيد الذي مكن العراق من أن يحظى بأي فرصة لإدراك النتائج الرائعة التي تحققت في الوقت الحالي هو وجود الولايات المتحدة الأميركية على الأرض بعشرات الآلاف من الجنود للعب دور «القابلة» هناك، حيث إنها طرف موثوق به، نوعا ما، ويخشاه الجميع، بكل تأكيد، لإدارة المرحلة الانتقالية في العراق حتى يتسنى الوصول إلى المزيد من التوافق السياسي. يخبرني حدسي بأن سوريا ستحتاج لنفس الأمر حتى تستطيع تحقيق نفس النتائج.

وحيث إنني بكل تأكيد لا أنصح الولايات المتحدة الأميركية بالتدخل العسكري على الأرض في سوريا أو في أي مكان في العالم العربي مرة أخرى، وحيث إن الرأي العام الأميركي لن يدعم مثل هذه الخطوة، فإنني آمل أن يكون تحليلي هذا تحليلا خاطئا وأن يتمكن السوريون من إبهارنا عن طريق العثور على الطريق الخاص بهم نحو مستقبل سياسي أفضل في البلاد فقط باستخدام السلاح المتوافر في أيديهم والدعم الدبلوماسي.

أعلم أنه من المفترض أن يقوم كتاب الأعمدة بقلب الطاولة والإعلان صراحة عما يرونه ضروريا. ولكن عندما تعتقد أن ما تراه ضروريا، والذي يتمثل في «قابلة» أجنبية في سوريا، هو أمر مستحيل، فستكون بحاجة لقول مثل هذا الكلام. أعتقد أن هؤلاء الأشخاص الذين يدافعون عن قيام الولايات المتحدة الأميركية بالمزيد من التدخل النشط في سوريا وينتقدون الرئيس الأميركي باراك أوباما بشدة لعدم قيامه بهذا الأمر لا يتسمون بالواقعية حول ما سيتطلبه الأمر للتوصل إلى نتائج جيدة في سوريا.

والسبب في ذلك يرجع إلى أن البديل للأوضاع السيئة في الشرق الأوسط لا يكون دوما أمرا جيدا، حيث من الممكن أن يكون أكثر سوءا. أنا مفتون بشجاعة هؤلاء الثوار السوريين الذين قاموا بهذه الثورة بصورة سلمية ومن دون استخدام أية أسلحة ضد نظام يتبع ما أسميه «قوانين حماه»، ألا وهو عدم وجود أية قوانين على الإطلاق. قام نظام الأسد بقتل الثوار عن عمد حتى يتسنى له تحويل الثورة إلى صراع طائفي بين الأقلية العلوية الحاكمة، بقيادة عشيرة الأسد، والأغلبية المسلمة السنية في البلاد. ولهذا، فقد يكون البديل لديكتاتورية الأسد هو تفكيك سوريا، حيث سيتراجع العلويون إلى معاقلهم الساحلية بينما ستشتعل حرب أهلية طاحنة في البلاد.

هناك أمران ربما يجنبوننا حدوث مثل هذا السيناريو في سوريا، أولهما هو النموذج العراقي، حيث ذهبت الولايات المتحدة إلى هناك وأطاحت بنظام صدام حسين واحتلت البلاد وغيرتها بالقوة من ديكتاتورية تحكمها الأقلية السنية إلى ديمقراطية يحكمها الأغلبية الشيعية.

وبسبب عجز الولايات المتحدة وطبيعة العراق على حد سواء، أدى هذا التدخل الأميركي إلى إشعال حرب أهلية شارك فيها كافة الأطراف في العراق - السنة والشيعة والأكراد - وهو ما كان بمثابة اختبار توازن جديد للقوى هناك والذي ألحق خسائر هائلة بكافة الأطراف وأدى إلى حدوث عمليات تطهير عرقي مأساوية والتي قامت بدورها بإعادة ترتيب الدولة إلى كتل أكثر تجانسا من السنة والشيعة والأكراد.

ولكن وجود الولايات المتحدة الأميركية في العراق مكنها من احتواء الحرب الأهلية وحملات التطهير العرقي من الانتشار إلى الدول المجاورة. وبمجرد أن خبتت نيران الحرب الأهلية وخارت قوى جميع الأطراف وزادت الانقسامات داخل كل فصيل، نجحت الولايات المتحدة الأميركية في التوسط لعمل دستور جديد واتفاقية لتقاسم السلطة في العراق، وهي الاتفاقية التي تمنح الأغلبية الشيعية الحكم وتخرج الأقلية السنية من الحكم ولكنها لم تتركها عاجزة من دون أي سلطة وتؤمن للأكراد حكما شبه ذاتي. كانت تكلفة هذه العملية الانتقالية هائلة في الأرواح والأموال، وحتى الآن لم تصبح العراق ديمقراطية مستقرة أو صحية بعد، ولكن لا يزال أمامها فرصة للوصول إلى ذلك، والأمر الآن يعود للعراقيين أنفسهم.

وحيث إنه من المستبعد تماما أن تجرؤ «قابلة» مسلحة وموثوق بها ويخشاها كافة الأطراف على الدخول وسط معمعة الحرب الطاحنة الدائرة في سوريا، سيكون على الثوار السوريين القيام بهذا الأمر بأنفسهم. وبالنظر إلى المجتمع السوري الممزق، فلن يكون هذا الأمر سهلا على الإطلاق، إلا إذا حدثت مفاجأة ما.

ربما تتمثل هذه المفاجأة في توحد مجموعات المعارضة السورية المختلفة في جبهة سياسية موحدة، بمساعدة ضباط الاستخبارات الأميركية والتركية والسعودية الموجودين على الأرض هناك. يجب أن تمتد هذه الجبهة الجديدة لتشمل العلويين والمسيحيين المعتدلين الذين أيدوا الأسد بدافع الخوف وأن يتفق كافة الأطراف على بناء نظام جديد سويا لحماية حقوق الأقلية والأغلبية في البلاد على حد سواء. سوف يكون من الرائع أن يتم استبدال المحور الاستبدادي المتمثل في الأسد وروسيا وإيران وحزب الله بسوريا ديمقراطية وليس بسوريا تسودها الفوضى.

ولكن ينتابني بعض الشك حيال هذا الأمر، حيث ستشعر الأقلية العلوية والمسيحية التي دعمت الأسد، والتي تمثل 20 في المائة من السكان في سوريا، بالذعر من حكم الأغلبية السنية، وبداخلها جماعة الإخوان المسلمين، والتي عانت كثيرا من وحشية النظام السابق وسيكون من الصعب بالنسبة لها التسامح في هذه الأمر، ولا سيما مع استمرار إراقة الدماء في كل يوم. ومن دون «قابلة» أجنبية أو وجود شخص مثل نيلسون مانديلا في سوريا، فربما تستمر نيران الصراع لفترة طويلة من الوقت. أتمنى أن تحدث مفاجأة هناك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«اليوم التالي» في سوريا

ديفيد اغناتيوس

الشرق الاوسط

28-7-2012

إنه الوقت المناسب لواشنطن للتأكيد على ما تستطيع أميركا القيام به، بدلا مما لا تستطيع فعله، في سوريا. فسياسة أميركا في سوريا محصورة بين مطرقة حتمية رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن سوريا، وسندان ضرورة وقف عمليات القتل هناك. ولكن في الوقت الذي أصبح فيه سقوط حكومة الأسد أمرا مرجحا للغاية، فمن شبه المؤكد أيضا أن أعمال القتل ستستمر في سوريا، على الرغم من الجهود التي تبذلها أميركا وحلفاؤها للحد من الأضرار التي ستترتب على ذلك. ينبغي على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بذل المزيد من الجهد لمنع انتشار الأزمة الإنسانية السورية إلى بلدان أخرى، في الوقت الذي تقوم فيه بتقديم المساعدات لإعادة إعمار سوريا.

وبادئ ذي بدء، تستطيع أميركا مساعدة تركيا والأردن عن طريق توصيل الإمدادات الغذائية ومواد الإغاثة لعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الموجودين في هاتين الدولتين، فضلا عن دعم دول الجوار، لا سيما العراق ولبنان، حتى تتمكن من احتواء الاقتتال الطائفي. وبمقدور أميركا مساعدة المعارضة السورية على صياغة خطط واقعية لعملية التحول السياسي، وذلك لطمأنة الأقليات الموجودة في سوريا بأنها لن تتعرض للذبح في المستقبل.

وبالإضافة إلى ذلك، أود وبشدة رؤية أميركا وروسيا تقومان بجهود إنسانية مشتركة في وسط سوريا، وذلك باستخدام السفن البحرية الروسية التي ترسو في القاعدة الروسية الموجودة في ميناء طرطوس السوري. يردد الروس دوما أن هدفهم الرئيسي يتمثل في الحيلولة دون انتشار الفوضى في سوريا، مثلما حدث في العراق عقب سقوط صدام حسين وفي ليبيا عقب الإطاحة بمعمر القذافي. وإذا كانت موسكو تشعر بهذه الرغبة القوية في حماية الشعب السوري، فها هي الطريقة التي تمكنها من القيام بذلك.

كان الإعلان عن حدود قوة أميركا الأسبوع الماضي هو ما دفع المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، سوزان رايس، للهجوم على روسيا، ووصفها بـ«المؤسفة» و«الخطيرة» و«التي يرثى لها»، وذلك بعد رفض روسيا تأييد فرض مجلس الأمن لعقوبات قاسية على سوريا. وباستخدامها ذلك الأسلوب المستنكر، كانت رايس تحاكي في ذلك رئيستها، وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي وصفت الأفعال الروسية بـ«الحقيرة» التي «لا تطاق». إن توجيه الدبلوماسية الأميركية لهذه الألفاظ المهينة لدولة نسعى بقوة لاتخاذها شريكا لنا هو أمر يأتي بنتائج عكسية. كفى عبثا.

والحقيقة، سواء أحب الروس ذلك أو كرهوه، هي أن المعارضة السورية تتعثر في طريقها نحو بوابات دمشق. تتزايد أعداد الشخصيات السورية المهمة التي تقوم بالانشقاق عن النظام السوري، كما يقال إن كثيرين غيرهم في طريقهم للقيام بمثل هذه الخطوة. وفي الوقت نفسه، تشارك أميركا بعض حلفائها في القيام ببرنامج عمل سري وقوي بصورة متزايدة، حيث يقوم السعوديون والقطريون بتزويد المعارضة السورية بالأموال والسلاح، بينما تقوم أميركا بتزويدهم بوسائل الاتصال والخدمات اللوجيستية (وهو ما يعرف بالقيادة والسيطرة)، في الوقت الذي يقوم فيه الأتراك والأردنيون والإسرائيليون والإماراتيون بتوفير الدعم الاستخباراتي على الأرض في سوريا.

وحتى في الوقت الذي تدفع فيه المعارضة السورية الأسد بقوة للخروج من الحكم، ينبغي على المسؤولين القلق حيال ما سيحدث لاحقا، حيث يرجح بعض المسؤولين الأميركيين أن أكثر من 100 من مقاتلي تنظيم القاعدة في العراق ينشطون في سوريا، وأن أعدادهم تتزايد كلما تزايدت حدة القتال. وسيكون من شأن إعلان الجهاد في سوريا تمكين تنظيم القاعدة من أن يصبح له موطئ قدم في ذلك البلد، وهو ما يمثل كارثة بالنسبة للإقليم بأسره. لذا، فإنه ينبغي على كل اللاعبين الكبار في المنطقة - بما فيهم روسيا وأميركا وإسرائيل وتركيا والأردن ولبنان والعراق وإيران - التوحد للحيلولة دون حدوث مثل هذا السيناريو.

ولا يزال بعض الأميركيين يتحدثون عن تدخل عسكري بقيادة أميركا، لكن هذا الخيار ينحسر في مواجهة الواقع، حيث تمتلك سوريا نظام دفاع جوي أقوى من النظام الدفاعي الباكستاني، علاوة على ترسانة من الأسلحة الكيماوية التي يمكن أن تصل إلى عشرات المواقع بسرعة كبيرة. في الواقع، سيكون إدخال قوات عسكرية إلى سوريا صعبا، لكن الأصعب هو خروج تلك القوات. ولحسن الحظ، يبدو أن المعارضة السورية لا ترغب في أن يقاتل حلف شمال الأطلسي بالنيابة عنها.

وأكد أحد المسؤولين الأميركيين على أن اقتراحات التدخل العسكري لا تستوفي الشرط الأول مما وصفه بـ«الاستراتيجية 101»، بمعنى أنه في الحالات غير المؤكدة ينبغي أن تكون المكاسب المحتملة من التدخل أكبر من التكاليف المحتملة بكثير.

وثمة مؤشر إيجابي يتمثل في بدء التخطيط بجدية لسوريا ما بعد الأسد، ففي مطلع شهر يوليو (تموز) الحالي أقرت المعارضة السورية، بمساعدة من أميركا «ميثاقا وطنيا» للتواصل مع الأقليات في سوريا ووضع خطة انتقالية تهدف إلى «إعادة هيكلة» الجيش السوري والحكومة. وفي تلك الأثناء، يقوم معهد السلام الأميركي برعاية مباحثات مماثلة، وفقا لما أعلن عنه الكاتب بمجلة «فورين بوليسي» غوش روغين. ومع ذلك، لا تعدو هذه الجهود كونها مجرد بداية، أما الشيء المخيف في ما يتعلق بالوضع في سوريا فيكمن في أن الأسابيع الأولى بعد سقوط الأسد ستشهد على الأرجح تزايد موجة العنف. ربما لن تتدخل أميركا عسكريا في سوريا كما فعلت في العراق، لكنها ستساعد على حل الوضع السوري على أي حال.

إن أفضل ما يقال عن السياسة الخارجية للإدارة الأميركية هو أنها صبورة، ويبدو أن المسؤولين الأميركيين واثقون من أن العملية الحالية ستؤدي في النهاية إلى سقوط الأسد. ويذكرني الوضع الحالي بالصيف الماضي في ليبيا، عندما كان النقاد يطالبون بالتصعيد لمنع وصول الوضع إلى حالة الجمود، لكن الإدارة الأميركية كانت على حق في هدوئها حينئذ، كما هي محقة في هدوئها الآن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية من "بابا عمرو" إلى "صلاح الدين"

2012-07-27 12:00 AM

الوطن السعودية

أذهلت مشاهد القتل والدمار في حي "بابا عمرو" في حمص العالم بسبب بشاعتها وقسوتها. وبرغم كل المحاولات التي بذلها المجتمع الدولي لإخراج الأزمة السورية من الطريق المسدود الذي تراوح فيه منذ شهور، لا يزال الصراع بين قوى المعارضة السورية وقوات النظام يتصاعد بصورة سريعة، وهناك خشية حقيقية من أن تشهد الأيام القليلة المقبلة زيادة كبيرة في أعداد الضحايا، خاصة في مدينة حلب، حيث حشدت قوات النظام السوري قوات ومدرعات ضخمة لضرب قوى المعارضة التي تتواجد بكثافة في شوارع هذه المدينة وأحيائها القديمة، خاصة في حي "صلاح الدين" الذي يحوي كثافة سكانية كبيرة.

إصرار المعارضة السورية على تحقيق انتصار حاسم في حلب يعود إلى الأهمية الكبيرة لهذه المدينة التي تعد العاصمة الاقتصادية لسورية، والتي يأملون في تحويلها إلى "بنغازي" سورية. وتقول المعارضة إنها تسيطر بالفعل على عدة أحياء رئيسية في حلب، لكن مواقعهم تتعرض لقصف جوي ومدفعي مكثف من قوات النظام، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من سكان هذه الأحياء إلى مناطق أكثر أمنا. إن استمرار القمع الدموي الذي يقوم به النظام ضد شعبه قد غير مواقف كثيرين من أبناء مدينة حلب وجعلهم يميلون إلى تأييد الثورة، تماما كما حدث مع أبناء دمشق وبعض كبار المسؤولين.

مشاهد النزوح المؤسفة والمؤلمة للنساء والأطفال والرجال من الأحياء الساخنة في حلب تعيد إلى الأذهان المشاهد التي شهدها العالم في مناطق أخرى من سورية، وخاصة من أحياء حمص الساخنة التي كان أشهرها حي بابا عمرو الذي سجل ملحمة في صمود أبنائه في وجه قوات النظام وميليشياته. وحتى لا تتكرر مشاهد القمع الدموي مرة أخرى في شوارع حي "صلاح الدين" وغيره من أحياء حلب، يجب على المجتمع الدولي بذل جهود حقيقية وفعالة لمنع النظام من ارتكاب مجازر جديدة بحق المدنيين في هذه المدينة المنكوبة.

لقد أصبح السوريون يقابلون عبارات الاستنكار والشجب والإدانة التي تصدر من المجتمع الدولي ضد ممارسات النظام بالسخرية، لأنهم يعرفون جيدا أنها لم ولن تردع النظام ولن تؤثر على قراره بالاستمرار في تبني الحل الأمني والعسكري لحل هذه الأزمة مهما كلف ذلك من نزيف دماء أبناء الشعب السوري. فهل يتحرك العالم لإيجاد حل حقيقي ينهي معاناة السوريين بعد كل هذه الشهور الدامية؟

الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة، وقد تشهد تطورات تقرر مصير الثورة السورية بالكامل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الانقسام الطائفي في سوريا

المصدر: صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأميركية

التاريخ: 27 يوليو 2012

البيان

تمثل الاضطرابات الدامية في سوريا، التي تسيء إلى إحساس الأميركيين بالعدالة والحرية بقدر ما تضر بمصالحهم الوطنية، مشكلة تتحدى، في ما يبدو، جميع الحلول.

ويدعو كل من المثقفين والسياسيين وخبراء السياسة الخارجية، إلى تجديد التركيز على الدبلوماسية والتخطيط للانتقال إلى الديمقراطية، ومع ذلك فإنه بينما يخيم الدخان الأسود على دمشق وتدير الأمم المتحدة عجلاتها، يصعب إدراك أي النهجين يحرز تقدما أكبر، ولعل الوقت قد حان للنظر في خيارات أخرى.

ومنذ أيام قليلة، عارضت روسيا والصين - للمرة الثالثة ـ مشروع قرار في مجلس الأمن، كان من شأنه أن يؤدي إلى فرض عقوبات ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذا ما استمر في انتهاك خطة السلام التي وضعتها الأمم المتحدة، عبر المبعوث المشترك كوفي عنان.

ويمكن للعقوبات أن تشكل أداة سياسة خارجية فعالة، ويتعين على المجتمع الدولي الاستمرار في محاولة فرضها. إلا أن المعركة صعبة في سوريا، إذ ترتبط المصالح المالية والاستراتيجية الروسية ارتباطا وثيقا بنظام الأسد، ومن المستبعد جدا أن تتراجع موسكو الآن.

ويأتي أحدث فشل دبلوماسي، في أعقاب أوضح دليل حتى الآن على أن الرئيس السوري بشار الأسد يفقد قبضته على السلطة، إذ إن التفجير الذي شهدته العاصمة السورية دمشق مؤخرا، لم يقتل ثلاثة من كبار مسؤولي النظام فحسب، بل إنه أثبت بشكل قاطع أن أجهزة الدولة الأمنية ليست منيعة، الأمر الذي يعد انتصارا نفسيا من شأنه أن يزيد الثوار حماسة واندفاعاً.

وتشهد سوريا حرباً أهلية تعتبر في جانب منها صراعاً من قبل أغلبية محرومة ضد نظام استبدادي، وفي الجانب الآخر يأخذ النزاع بعدا طائفيا بين السنة والأقلية العلوية التي تقود إدارة البلاد.

وفي حين أن الأسد، الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية، يشكل، بالطبع، موضع التركيز الرئيسي للتوترات، فإن هذا الصراع يمكن ألا ينتهي بسلام، حتى لو تنحى عن منصبه.

فالعلويون وحلفاؤهم لا يخشون فقدان السلطة الذي من شأنه أن ينجم عن سيطرة السنة فحسب، ولكنهم يخشون أيضا مواجهة تهديد لحياتهم وسبل عيشهم، فيما يتولى شعب عانى طويلاً من الاضطهاد زمام السيطرة.

ويمثل الانتقال إلى هذا النوع من حكم الأغلبية، بالضرورة، هدف المجتمع الدولي. ومع ذلك، فإنه ما لم يتم التوصل إلى طريقة ما لحماية الأقلية العلوية وضمان عدم حرمانها من المشاركة في الحكومة مستقبلاً، ودعمها بقوة وضمانات دولية، فإن القتل يمكن أن يستمر في سوريا لبعض الوقت. وهذا يعني مزيداً من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو الاحتمال الذي يضر بالمصالح الأميركية إلى حد كبير.

ولعل هذه القضية الطائفية تحصل على أقل مما تستحق من الاهتمام، لأن العلويين، في نظر الكثيرين، هم الأشرار، فلم ينبغي على المجتمع الدولي أن يركز على حمايتهم؟

إن الإجابة تنطوي على مزيج من العدالة والتطبيق العملي؛ فالعمليات الانتقامية العنيفة نادرا ما تكون رداً عادلاً على اضطهاد ماض، وفي غياب ضمانات إضافية، سيصعب تصور وضع نهاية سلمية لهذا الصراع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اغتيالات واسعة النطاق لكن الثوار السوريين لم ينالوا جائزتهم الكبرى

روبرت فيسك ()

المستقبل

27-7-2012

لقد أصبحوا من الماضي الآن. صهر الرئيس، وزير الدفاع، قنبلة ضخمة على مقربة من أو داخل- مقر الاستخبارات العسكرية الذي يديره شقيق الرئيس. الاغتيالات تتطلب وقتاً للتخطيط، لكن هذه العملية جاءت على مستوى ضخم جداً تتناسب مع حمّامات الدم التي تشهدها سوريا.

لقد فقدت بشرى، شقيقة الرئيس السوري بشار الأسد وإحدى ركائز حزب البعث، زوجها في انفجار ضخم وقع في قلب العاصمة دمشق. ليس عجيباً أن يتحدث الروس إذاً عن "معركة حاسمة".

لن تكون استعادة لمعركة ستالينغراد، لكن مخالب الثورة أصبحت على مقربة من القلب. وبالطبع هناك مجازر كثيرة ستقع. وإلا فما الذي دفع آلاف المواطنين السوريين الى الهرب باتجاه مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين أمس طلباً للحماية من أكثر الشعوب العربية تعرضاَ للخيانة؟

ثم هناك ما يكفي من الكراهية للمحافظة على هذا المستوى الشرس من الهجوم ضد الحكومة السورية. قبل ثمانية أشهر وخلال إحدى التظاهرات المؤيدة للنظام التي سارت في منطقة الروضة، مررت قرب مبنى الأمن القومي الذي استُهدف بالتفجير أمس.

في ذلك اليوم، تطلع إلي أحد أصدقائي وقال لي إن التعذيب يجري تحت الأرض في المبنى، مضيفاً "لا تريد حتى أن تعرف ماذا يجري هنا". لكنّ من يخرج حياً من هناك، سيكون سعيداً بقتل من عذّبه، ناهيك عن رؤساء الجهاز وفريق التعذيب.

إن غضب الشعب قادر على تحمل خسارة دوق أو اثنين. كان نموذجياً أن يسارع النظام في خطوة يائسة لملء الفراغ الذي خلّفته عملية الاغتيال بتعيين (العماد) فهد جاسم الفريجي وزيراً للدفاع، وهو رجل من حماه مركز الانتفاضة القائمة ضد حاكم سوريا.

لدينا نحن الغربيين عادة التطلع دائماً إلى الشرق الأوسط من خلال خارطتنا الشرق الأوسط يقع إلى "شرقنا" أليس كذلك؟- لكن تطلّعْ في الخارطة وسوف تدرك مدى قرب سوريا من الشيشان المسلم. لا عجب إذاً أن تخشى موسكو من الثورة في سوريا.

وكان (الرئيس السوري الراحل) حافظ الأسد، والد (الرئيس الحالي) بشار، يخشى في سنواته الأخيرة أن تنشب في سوريا حركة تمرد على شكل الصراع الذي كان يتابعه يومياً عبر التلفزيون: تفكيك يوغوسلافيا "العلمانية" التي كانت تعاني من انقسامات مذهبية في ذلك الحين شبيهة تماماً لسوريا اليوم. وغريب أيضاً أنه على الرغم من عمليات الذبح، فإن المجازر التي ترتكبها الميليشيات ضد المدنيين ومذبحة الأطفال في حرب التسعينات في الجزائر، الدولة الحليفة لسوريا، فإن المشاهد المقززة التي نشهدها في سوريا اليوم بدأت تعكس البربرية التي كانت تسود البوسنة، وكرواتيا وصربيا خلال حروبها.

ماذا بإمكان بشار أن يفعل اليوم؟ إليكم هذا السؤال المهم الذي طرحه علي صديق سوري منذ عدة أيام. قال، "فلنفترض أن الرئيس بشار قرر الهروب؛ سوف يقوده إلى المطار ضابط علوي. هل سيسمح له الضابط بالمغادرة؟ أشك بذلك".

احتمالان قاتمان. نعم سيستمر بشار متمسكاً بالسطلة إلى فترة أطول مما نعتقد. لن يغادر؛ شقيقه ماهر الذي يدير ما يسمّى بالفرقة الرابعة في الجيش السوري قد يشكل حالة مختلفة. لكن الدبابات تجول في شوارع دمشق، أقدم مدينة مأهولة في العالم، ويمكن سماع أصوات رصاص المعارك من القصر الجمهوري؛ هذه أيام غير مسبوقة في دمشق. لماذا أجبر التلفزيون السوري أمس على قول الحقيقة عدة مرات. الحكم؟ سيرحل بشار، لكنه لم يفعل بعد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استعدادات إسرائيلية لما بعد الأسد

رندى حيدر

2012-07-27

النهار

يضع تلاحق التطورات الدراماتيكية في سوريا إسرائيل في مواجهة عدد من المواضيع الشائكة، وفي طليعتها كيفية التصرف إذا انتقلت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي تملكها سوريا إلى "حزب الله"، وما ستكون ردات فعل كل من إيران و"حزب الله" في حال سقوط نظام بشار الأسد، واحتمالات نشوب مواجهة جديدة بينها وبين "حزب الله" في لبنان.

تجمع التقديرات الإسرائيلية على أن نظام بشار الأسد يوشك على السقوط، ومن أهم المؤشرات لذلك في رأيهم توسع حركة انشقاق كبار الجنرالات في الجيش السوري مع فرقهم العسكرية، وسيطرة الجيش السوري الحر على ضواحي دمشق وحلب. وفي ظل هذا الواقع تكاثرت التحليلات والسيناريوات الإسرائيلية لمواجهة مرحلة ما بعد الأسد.

ويبدو واضحاً أن النقاش الإسرائيلي الدائر حالياً في شأن سبل التصدي لانتقال الأسلحة غير التقليدية السورية الى "حزب الله" أو أطراف آخرين معادين، إنما يشكل غطاء للبحث في مسألة أخرى فائقة الأهمية هي إمكان استغلال تدهور الأوضاع في سوريا والسقوط الوشيك للنظام هناك، من أجل توجيه ضربة الى كل من سوريا و"حزب الله"، وتغيير المعادلة التي كانت قائمة حتى الآن على حدودها الشمالية، بذريعة منع انتقال الأسلحة الكيميائية.

ويبدو أن عدداً من السياسيين الإسرائيليين في مقدمهم رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع باراك ووزير الخارجية افيغدور ليبرمان يؤيدون هذه الفكرة لأنها في يؤيدون ستسمح لهم بالتخلص أخيراً من الترسانة الصاروخية التي يملكها "حزب الله" في لبنان، وستساعدهم على تنفيذ الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية لاحقاً، من دون الاضطرار الى دخول مواجهة عسكرية على الجبهة الشمالية.

في مقابل هؤلاء تبرز وجهة نظر القيادة العسكرية كما عبر عنها رئيس الأركان اللفتنانت جنرال بني غانتس والمعارضة لمثل هذه الخطوة لأنها تنطوي على مخاطر نشوب حرب شاملة، ومن شأنها تقوية موقع الأسد عوض اضعافه، ولن تحظى بدعم دولي.

بيد أن التوجه الإسرائيلي الى استخدام القوة العسكرية لحسم المسائل لمصلحتها، يخفي وراءه أيضاً مخاوف كثيرة مما قد يحدث في المرحلة المقبلة اذا قرر الأسد مهاجمة إسرائيل كمخرج أخير ينقذ من خلاله نظامه، أو اذا هاجم "حزب الله" كردة فعل على سقوط الأسد، إسرائيل بصواريخه. وما يقلق إسرائيل أيضاً موقف إيران، فهل تسمح بذلك أم تفضل عدم انجرار الحزب نحو المواجهة العسكرية الآن، والاستفادة من توازن الرعب القائم حالياً على الحدود لردع إسرائيل عن مهاجمة منشآتها النووية؟

يظهر مما سبق أن مصير نظام الأسد لن يحدد مستقبل سوريا وحدها، وانما مستقبل الصراع بين "حزب الله" وإسرائيل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تقسيم سوريا مطلب الجميع؟

راجح الخوري

2012-07-27

النهار

دعونا من التراشق الدولي بالتصريحات الساخنة والسخيفة طبعا حول الأزمة السورية التي دخلت، بعد انفجار دمشق وبداية المعارك في العاصمة وحلب، منعطفاً نهائياً لا يفضي إلا الى نتيجة من اثنتين:

إما الانغماس في حرب اهلية طويلة تجعل سوريا ساحة معركة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية، وإما تنظيم الخلافات الاقليمية والدولية حول مستقبل سوريا على قاعدة حصول الجميع على جائزة ترضية من الجغرافيا الجديدة التي قد تنشأ من التقسيم.

واضح تماماً ان مهمة كوفي انان انتهت ولن ينفع كلام سيرغي لافروف العصبي والمضحك في احيائها. واضح ايضاً ان النظام لن يتمكن من استعادة السيطرة، وواضح ان المعارضة التي تمسك بقسم من الاراضي السورية لن تتمكن من حسم المعركة في ظل الدعم الايراني والروسي المتزايد للنظام.

بإزاء كل هذا، فان السؤال المطروح في المطابخ السياسية الكبرى هو: أوليس التقسيم المتفاهم عليه ضمناً (من دون مشاورات او حوارات) افضل من دخول المنطقة جحيم الصوملة عبر نار سورية تمتد في كل الاتجاهات؟

ليس هناك اي رد معلن على هذا السؤال، لكن التدقيق في الوقائع بعدما وصلت الأمور الى حافة "الجحيم السوري" يساعد في تظهير مجموعة من الاحتمالات لا جدال فيها:

اولاً: اذا كان النظام يعجز عن استعادة سيطرته على البلد وخسائره الى ازدياد، فلماذا لا يذهب الى دولته العلوية التي يؤكد سير المعارك في حمص وحلب وشريط القرى السنيّة عند السهل، حيث تبدأ جبال العلويين، انها كانت في حساباته منذ البداية؟

ثانياً: اذا كانت روسيا قد تيقنت من ان النظام لن يتمكن من الاحتفاظ بسيطرته، فلماذا لا تقبل بدولة علوية تبقي لها نفوذها ومواطئ اقدامها؟

ثالثاً: لماذا تخسر ايران 35 عاماً من الجهود التي بذلتها للوصول الى شواطئ المتوسط عبر سوريا، ولماذا تنخرط مع النظام الى النهاية في لعبة دموية خطرة وخاسرة، وما المانع من ان تدعمه لا بل ان تسيطر عليه اكثر في دولته العلوية؟

رابعاً: وماذا يضير الاميركيين من تقسيم سوريا وقيام دولة علوية في مواجهة دولة سنية وربما ثالثة للدروز والاقليات ورابعة كردية منضبطة إرضاء لتركيا؟

خامساً: هل هناك من سيكون اكثر سعادة من العدو الاسرائيلي الذي يضاعف الآن من حركة دفن فلسطين وقضيتها تحت ركام هذا الخواء العربي الطويل والمرعب سواء كان خواء انظمة الممانعة والصمود والتصدي المنهارة او انظمة التسويات الواهمة واللاهية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خفايا تفجير دمشق اكبر بكثير مما رشح عنها

2012-07-26

القدس العربي

بدأ الانحدار في النظام السوري نحو الهاوية منذ هروب العميد مناف مصطفى طلاس وما تلاه من انشقاقات واسعة لرتب ومناصب كبيرة كان السفير السوري في بغداد ابرزها، الا ان تسارع الاحداث صاعد من نيران الهواجس المرعبة في اعقاب تفجير مبنى الأمن القومي ومقتل الرؤوس المفكرة والمدبرة والمخططة للنظام السوري وهي المسؤولة مباشرة عن سيل الدماء التي سالت على الارض السورية.

كان الاثر عميقا ومربكا ومفزعا على النظام نفسه ايضا مع مقتل وزير الداخلية محمد الشعار ومقتل العماد داوود عبد الله راجحة وزير الدفاع السوري ومقتل آصف شوكت صهر الرئيس ونائب وزير الدفاع وكذلك رئيس المكتب القومي هشام بختيار وكان على رأسهم معاون نائب الأسد للشؤون العسكرية ورئيس خلية الأزمة حسن التركماني، بالاضافة الى بقية المجموعة المؤلفة من رؤساء وقيادات الاجهزة الامنية وقادة الفرق المشاركة في واجب حرب الشوارع والمدن في سورية والتي قامت بعمليات القتل الممنهج للشعب وتحديدا المغاوير والحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وكافة المؤسسات الاستخبارية خاصة المخابرات الجوية.

الا ان السلطات السورية ما زالت تتحفظ وتمارس اعلى درجات السرية والتكتم على عدد واسماء وتفاصيل انفجار مبنى الامن القومي، مما افسح المجال لتداول معلومات كثيرة ومتداخلة عن مقتل خبراء من خارج سورية في هذا التفجير كان يستعين بهم نظام الممانعة كمسؤول المخابرات المصرية السابق عمر سليمان و بن عويز شامير قائد جهاز المعلومات الخارجية في الشاباك الصهيوني اضافة الى مسؤولين من المخابرات الايرانية وشخصيات اخرى ونحو عشرين مسؤولا وشخصية قيادية واجنبية لقوا حتفهم.

ورغم ظهور الرئيس السوري العارض والسريع مع وزير الدفاع السوري الجديد الا انه تصاعدت الهواجس المرعبة مع غياب الرئيس بشار الغامض عن الساحة السورية وعدم معرفة مكان وجوده؛ سواء لتدني معنوياته التي لا تسمح له بالظهور، اوالاختباء لاعتبارات امنية تكتيكية بعد تفجير مبنى الامن القومي في دمشق ومقتل اكبر قادته العسكريين والامنيين التي تدير الازمة وتشكل خلية متكاملة واستمرار المعارك يعمق من تدهور المعنويات لدى اتباع النظام وقادته، بالمقابل يعظم من معنويات الثوار والجيش السوري الحر، وكل ذلك يفاقم الوضع تعقيدا ويدخل الساحة السورية في حالة الفوضى وعدم الاستقرار مما يسارع من حالة الانهيار الفوضوي غير المنظم وغير المسيطر عليه. هذا اذ لم يكن الامر يتعلق باختفائه الى حين ترتيب اجراءات هروبه وهو ما ترجحه مراجع استخبارية غربية سربت هذه التحليلات، مما يعمق ويصاعد من حجم الهواجس اكبر واعظم والتي تتعلق اولا : بالحرب الاهلية وتداعياتها، وثانيا : وهوالاخطر؛ سوء استخدام اسلحة الدمار الشامل، او وقوع هذه الاسلحة بايدي منظمات متحمسة او مندفعة اوتجهل استخدامها، سيما ان الملك عبدالله الثاني اشار مؤكدا الى معلومات حول ذلك سيما القاعدة وابدى تخوفه الواضح في هذا الاتجاه..

لقد ورد لاحقا ان السفير الروسي في باريس قال ان الرئيس السوري يوافق على التنحي لكن بطريقة حضارية، وهو ما سارعت دمشق الى نفيه، الا ان الحقيقة الواضحة ان دبلوماسي بمرتبة سفير لا يدلي بهذا التصريح الا اذا كان مكلفا بذلك وربما لغايات جس النبض.

ان السيناريو المتوقع والاخطر على الاطلاق هو قيام النظام نفسه، باسلوب او بآخر، بتسليم هذه الاسلحة من باب الانتقام وخلق حالة هستيرية، قد يظن انها تخدمه، من خلال تسليم او تسريب هذه الاسلحة الى اطراف متهورة اومتطرفة تستخدمها كما يحلو لها، وبما يعرض سورية والمنطقة الى ابادة او كارثة حقيقية.

كل السيناريوهات مفتوحة، والثابت الوحيد ان النظام يحتضر في حالة غير مسيطر عليها، ولا بد من اجراءات فاعلة لتفادي التداعيات الخطيرة والمرعبة.

والامر جد خطير ولن يتوانى النظام المحتضر من استغلال كل الظروف باتجاه الانتقام، حيث انه دائم الاستحضار لمفهوم البطولة ويعتبر نفسه ممانعا ومقاوما، ولكن هذه المرة سيستخدم الواقع ومفاهيمه بطريقة عشوائية انتقامية هستيرية مدمرة لشعبه وللاخرين، سيما انه سبق وهدد وتوعد على نظرية ' عليا وعلى اعدائي'.

د. محمد جميعان

drmjumian@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الموقف الروسي من الثورة السورية.. هل تخرج موسكو من المستنقع؟

محمد بزيان

2012-07-26

القدس العربي

في حديث لنا سابق قبل أسابيع تحت عنوان ((المعضلة السورية)) حاولنا حصر العقد أو الإشكالات التي صعبت إلى حد كبير إنهاء الصراع في سوريا. وذكرنا من بين العقد موقف روسيا المساند للنظام القائم في دمشق.

ذلك أن روسيا تورطت مع نفسها في مساندة نظام بشار الأسد، بحيث لم تعد قادرة على الخروج من المستنقع الذي وقع فيه هذا النظام، ومحاولتها انتشاله منه بعد هذه المجازر المتتالية التي صار ارتكابها نهجا متبعا يسلكه النظام الذي قرر تدمير كل ما على التراب السوري من بشر وشجر وحجر بما توفره له روسيا من حماية سياسية ودبلوماسية وبما تمده من سلاح وذخيرة. لدرجة أن تكونت قناعة لدى البعض فاعتبر روسيا شريكا في ما يجري من مجازر. وبالنتيجة أصبحت روسيا تبدو في نظر هذا البعض دولة كبرى خارجة عن المجموعة الدولية. وأن موقفها مبني أساسا على ((المكابرة)) وليس على العقلانية وروح المسؤولية في معالجة المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري.

ولعله من المفيد في هذا السياق أن نحاول فهم الموقف الروسي وخلفياته باعتباره بقي حتى الآن عقبـة كأداء في طريق وضع حد للفظائع المقترفة في حق الشعب السوري على يد نظام دخل عالم الجنون فلم يعد يعي ما يفعل.

وعليه كي نستطيع فهم الموقف الروسي، ثم بعد ذلك نحاول تقييمه، علينا أولا إدراك بعض الخلفيات الأساسية. أهمها أن الموقف الروسي هو رد فعل على الموقف الغربي. وهو من جهة أخرى ارتداد لما تعرض له النظام الدولي لما يشبه الزلزال في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا النظام مازال يبحث له عن توازن واستقرار أو قل هو يحاول البحث عن قواعد يستطيع أن يقوم عليها وتحكمه على مدى سنوات عديدة مقبلة. ولذلك كانت ((المسألة السورية)) محـل صراع حاد بين روسيا والغرب خاصة. فأخذ كل طرف يسعى إلى فرض إرادته بصورة ما، واضعا مصلحته أولا. بغية تحقيق مكاسب أو مواقع على خريطة النفوذ التي أخذت تتضح معالم حدودها مع بداية الربيع العربي. وظهر فيها نفوذ روسيا ينحسر خارج جغرافية سوريا وإيران. ومن الطبيعي والحال هذه أن تشعر روسيا بالقلق جراء تمدد النفوذ الغربي في المنطقة ليمتد إلى أفغانستان التي أعلنت بشأنها الوزيرة كلينتون أخيرا بأنها ((دولة حليفة خارج الحلف الأطلسي)).

وكما ترى فإن موقف روسيا من الثورة السورية نابع من نظرتها إلى أن الغرب الذي يسعى إلى توسيع دائرة نفوذه في المنطقة على حسابها.

أما موقف الغرب فنابع من نظرة تقوم على أساس نشر الديمقراطية القائمة على النظام التعددي ديمقراطية تخدم مصالحه بطبيعة الحال. وما الثورة السورية بالنسبة له سوى حلقة في سلسلة الثورات العربية التي توجت كلها حتى الآن بإقامة نظم تعددية. لم يحلم في يوم من الأيام بأن يرى عالما عربيا يحتل قلب العالم القديم يتحول بسرعة مدهشة وبخطوات تبدو ثابتة نحو تغيير يحدث من الأسفل ضد الأحادية والاستبداد باتجاه التعددية والديمقراطية بأقل كلفة ممكنة، إذا استثنينا الحالة الليبية.

إن الصراع في سوريا لسوء حظ الشعب السوري يخفي صراعا بين قوى الاستكبار العالمي على حد تعبير الإيرانيين. وقد عبر المبعوث الآممي السيد كوفي عنان بدقة حينما وصف الخلاف بين الغرب وروسيا حول المسألة السورية بقوله ((التنافس الهدام بين الغرب وروسيا..)).

عندما نحاول النظر إلى مجريات الأحداث في سوريا وإلى موقفي الطرفين الروسي والغربي منها ومدى تماسك كل منهما، فإننا نجد اختلالا في الموقف الروسي. حتى وإن حاولنا النظر إلى المسألة من زاوية النظرة الروسية. فالموقف الروسي مثلما يبدو لنا غير متماسك بحيث نلاحظ وجود ما يمكن اعتباره خطأ في الوسيلة وفي الهدف. فمن حيث الوسيلة، روسيا تتمسك وبكل إصرار بنظام فقد مبررات استمراره بعد أن أخرج دباباته وكل أسلحته الثقيلة لقتل شعبه وتدمير مدنه وإضرام النار في بيوت مواطنيه وحقولهم ! إن مساندة مثل هذا النظام سياسة تنطوي على خطأ فادح. بعبارة أخرى هذا الموقف يفتقر إلى كل المبررات الشرعية والأخلاقية وبخاصة بالنسبة لدولة كبرى تقع على عاتقها كغيرها من الدول الكبرى الأخرى مسؤولية الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين. وإذا كان وزير خارجية روسيا صرح يوما بأن بلاده تدافع عن احترام مبادئ القانون الدولي الذي لا يسمح بالتدخل في شؤون الدول فهذا أمر مقبول ويستحق الثناء. لكن إذا تعلق الأمر بأعمال القتل الذي يطال المدنيين من الأطفال والنساء فإن مبدأ عدم التدخل يفقد معناه لأن حق الإنسان في الحياة مقدم على غيره من الحقوق. فليس معقولا أن تبقى المجموعة الدولية تتفرج على ما يقترف من مجازر على يد طغمـة كأنها ليست من بني آدم وإنما جاءت من كوكب آخـر فجعلت تدمر كل ما على أديم الأرض التي يقيم عليها شعب هو جزء من الأسرة الدولية مثلما. كان في إمكان روسيا أن تطلب من الأسد التنحي مثلما فعلت الولايات المتحدة مع حليفها حسني مبارك. كان مثل هذا الطلب كفيلا بأن يشعر بشار الأسد وزبانيته بأن سياسة القمع مرفوضة ولن تجديه نفعا. ولن توفر حماية لنظامه. وبذلك كان من يمكن تجنيب الشعب السوري ما تعرض له من مجازر..

ومن الضروري الإشارة إلى أن هناك تقصيرا فادحا من جماهير الأمة في النهي بالكلمة عما يتعرض له الشعب السوري من مذابح. إنه لمن المحزن أن لا تتحرك جماهير الأمة فتخرج في مظاهرات احتجاجا وتنديدا بما يتعرض له الشعب السوري من ذبح كما تذبح الخرفان أو أسوأ من ذلك. لأن الخرفان تذبح وفقا للأوامر الشرعية، فلا تطعن ولا تنحر بغير الحاد ولا يسفح دمها على مرأى من أمهاتها وأخواتها من البهائم. بينما يقتل أطفال سورية على مرأى من أمهاتهم وإخوانهم. يحدث هذا والأمة شعوبا وحكاما ينظرون ويأكلون حتى التخمة وينامون ملء الجفون. لو تحركت الشعوب في مظاهرات منــددة بالقتلة وبمن يقف وراءهم ممن حولوا الدم السوري إلى أوراق يساومون بها في سوق المصالــح بدلا من لغة التأسف والتوسل وانتظار مجلس الأمن ومبعوثه، لأحس هؤلاء أن مواقفهم المخزية تسخط الأمة وتغضبها. ولغيروا حينها من مواقفهم وسياساتهم قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. ويتم تدمير أقدم مدينة وأعرقها دمشق بالمروحيات والدبابات ويدفن سكانها تحت أنقاضها..

أما من حيث الهدف وهو المحافظة على استمرار العلاقة الحسنة بينها وبين سوريا فالأمر يقتضي قيام هذه العلاقة على أساس وجود مشاعر صداقة لدى الشعب السوري نحو روسيا. أما محاولة إقامة صداقة متينة بالاعتماد على رعاية مصلحة الحكم غير الشعبي فسياسة غير منتجة..

فالنظرة السليمة التي نرى أنها غائبة في الموقف الروسي من الثورة السورية فهي ظن روسيا أن سقوط النظام القائم الآن في سوريا. ومجيء نظام جديد يعني أنها خسرت سوريا تماما وانقطعت العلاقة الحسنة معها. بينما الواقع لن يكون بهذه الصورة المتوقعة. إلا إن أرادت روسيا نفسها ذلك مثلما تفعل الآن بسياستها المتبعة حاليا تجاه الشعب السوري. أما غير هذا فإن الواقع سيفرض على أي قيادة في دمشق أن تكون علاقتها بموسكو حسنة ومتينة. أولا بسبب عمق العلاقة بين الشعبين والدولتين التي مرت عليها فترة زمنية طويلة. وثانيا بسبب ((الضرورة)) كذلك. إذ لا يمكن لسوريا أن تستغني عن إقامة علاقة قوية مع روسيا في ظل وقوف الغرب وانحيازه إلى إسرائيل المحتلة.

وخلاصة القول إن الدفاع على نظام دموي خطأ يرتكب وأن السعي إلى الصداقة المتينة مع الدول تقتضي إيجاد روابط التواصل بين الشعوب بحيث تجد هذه الشعوب ضرورة تدفعها إلى التقارب والتفاهم مع غيرها. ونعتقد أن بشار الأسد ونظامه هو من يعمل اليوم على تقويض علاقة الصداقة مع روسيا.

ومن المفارقات العجيبة التي يأتي بها التاريخ أحيانا. أن الثورات في القرن الماضي على الاستعمار أو الاحتلال كانت تزعج الغرب وترضي الشرق، أما الثورات على الاستبداد اليوم فتزعج الشرق وترضي الغرب على الرغم من أن هدف الثورات واحد في الحالتين وهو سعيها إلى الحرية. وبنظرة ربما أكثر عمقا نجد أن الموقف الروسي يتجه إلى معالجة المسألة في الظاهر أو النتيجة وليس في اللب أو السبب. ونحن على قناعة لو أن القيادة الروسية أعادت النظر في تصوراتها لغيرت موقفها. وإن كان ذلك صعبا عليها لأسباب ذاتية لكن ليس مستحيلا.

خلاصة القول إذا كان النظام المستبد والمتعنت في دمشق قد أوصل البلد والمنطقة إلى أبواب المجهول. ووضع نفسه في ورطة فإن القوى الدولية هي أيضا في موقف لا تحسد عليه بسبب الموقف الروسي الذي تمسك إلى آخر لحظة بنظام مجنون فجره معه إلى حافة المجهول..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الممانعة الكيماوية

د. عبدالوهاب الأفندي

2012-07-26

القدس العربي

(1) هناك سؤال ظل يطرح نفسه بإلحاح منذ أن قسم العرب أنفسهم إلى 'ممانعين' من أهل الصمود والتصدي، و'معتدلين' من أهل السلام والتعاون مع 'المجتمع الدولي'، وهو السؤال التالي: متى يمانع الممانعون؟ وكيف ومتى يصمد الصامدون؟ وهو سؤال ما يزال ينتظر الإجابة المقنعة. وقد أعاد السؤال طرح نفسه في الأيام الأخيرة في الحديث حول أسلحة الدمار الشامل التي قيل أن سورية تمتلكها، وذلك بصيغة: متى ستستخدم سورية هذه الأسلحة؟

(2)

في الحقبة الأولى من المواجهة بين ما سمي وقتها بالأنظمة 'الرجعية' وتلك التي سمت نفسها 'تقدمية' (أطلق بعضهم على تلك الفترة تسمية 'حقبة الحرب الباردة العربية')، كانت الأنظمة 'التقدمية' تفخر بأنها تصارع الاستعمار والامبريالية، وتجتهد في تحرير العرب منهما، مقابل احتماء الأنظمة الرجعية بالدول الاستعمارية. كان 'التقدميون' عندها في موقع الهجوم، حيث كانت الأنظمة التقليدية تتهاوى بسرعة تحت زحف قوى التغيير. وقد تطور الأمر بحيث أصبحت الدول 'التقدمية' تصرف جهداً أكبر في الصراع مع الدول التقليدية منها مع أعداء الخارج (من أمثلة ذلك تدخل مصر في اليمن، وصراع اليمن الجنوبي والعراق مع جيرانهما، ناهيك عن مغامرات ليبيا القذافي).

(3)

في بعض الأحيان، لم يكن التمايز بهذا الوضوح. على سبيل المثال، فإن دولاً مصنفة 'رجعية' (تونس، المغرب، وليبيا) ساهمت بقدر أكبر من غيرها في حرب تحرير الجزائر، كما أن مساهمة الدول التقليدية في دعم نضال فلسطين لم يكن أقل من غيره. ولكن الأمور انقلبت رأساً على عقب بعد حرب عام 1967 الكارثية، حيث اعترفت الأنظمة 'التقدمية' لأول مرة باعتمادها على خصومها 'الرجعيين'، خاصة بعد مؤتمر الخرطوم الذي تعهدت فيه الدول التقليدية برصد موارد كبيرة لدعم 'صمود' الصامدين. وتعمق الأمر بعد حرب أكتوبر 1973 التي لعب فيها سلاح النفط دوراً كبيراً.

(4)

منذ ذلك الحين، لم تعد ظاهرة 'الصمود والتصدي' ودعاوى 'الممانعة' أكثر من شعارات صوتية. وحتى قبل ذلك فإن 'الممانعة' كانت دائماً بالوكالة، حيث تقوم الأنظمة بدعم حركات 'مقاومة'، فلسطينية في الغالب، ولبنانية أحياناً. ولكن حتى هذا النضال بالوكالة تراجع بسرعة، لعدة أسباب، أولها أن التنافس والصراع الذي احتدم بين الأنظمة 'التقدمية' ورط الحركات الفلسطينية وغيرها في صراعات هذه الدول مع بعضها. أيضاً أدى إخراج المقاومة من الأردن ولبنان إلى إغلاق هذه الساحة، كما أن ظهور حركات مقاومة إسلامية إما مستقلة أوموالية لإيران، سحب البساط من تحت الأنظمة. وفوق ذلك فإن تورط العراق، أكبر وأقوى الدول 'التقدمية' في الحرب مع إيران، نتج عنه تبعية شبه كاملة لدول الخليج وقد تلقى ضربات قاصمة حين حاول التمرد عليها.

(5)

الإشكالية الأكبر لدول 'الممانعة' لم تكن حروبها الجانبية الكثيرة (مع بعضها البعض أو مع الدول الجوار)، وإنما حروبها المستمرة مع شعوبها. فعلى الرغم من أن هذه الأنظمة رفعت شعارات 'شعبوية' حول المقاومة، ومقارعة الاستعمار، والعدالة الاجتماعية، إلا أن واقع سياساتها تعارض كثيراً مع هذه الشعارات، كما أن ترويجها لنموذج حكم الفرد وسطوة المخابرات قوض الثقة بها، وجعلها تنفق معظم جهودها في قمع الشعوب. وبالتالي لم يعد لهذه الأنظمة فائض طاقة لمقارعة عدو الخارج، بل حتى للدفاع عن السيادة. بل إن هذه الأنظمة أصبحت أكثر ارتهاناً للخارج من خصومها. فمن لم يكن تابعاً لروسيا تحول إلى قن لإيران أو ملحق بدول الخليج.

(6)

ورغم ما أنفقته هذه الدول على التسلح، وما فرضته على شعوبها من تضحيات بالحرية والكرامة باسم الممانعة، فإن أياً من هذه الأنظمة لم يطور قدرات دفاعية تؤهله للصمود في وجه هجوم خارجي من إسرائيل، أو حتى من إيران، فضلاً عن أن تسمح له بالتحرك لاسترداد أراض محتلة أو استعادة حقوق مسلوبة. وعندما تعرضت هذه الدول (أو مناطق نفوذها كما في لبنان) لهجوم، لم تكن لها أي قدرة على التصدي، فكانت في ممانعاتها مثل ربات الخدور العزل، بل لعلها كانت أقل ممانعة.

(7)

هذا يعيد طرح السؤال الأساسي: متى يمانعون إن كانوا أصلاً ينوون ذلك؟ بنى العراق، على سبيل المثال، ترسانة ضخمة من الأسلحة غير التقليدية، ولكنه لم يستخدم أياً منها عندما هوجم واستبيح. وشهدنا بعد ذلك أغرب المشاهد التي وصلت حداً من الإذلال بلغ تفتيش غرف نوم زعيم البلاد وهو راغم بحثاً عن أسلحة مخبأة. وهكذا تحولت المسألة من كون السلاح مرصوداً للدفاع عن أمن الدولة، إلى تحول الدولة إلى مدافعة عن سلاح ثبت أنه لم يكن سوى وهم. نفس الأمر نشهده في سورية اليوم، حيث أكد النظام رسمياً أنه لن يستخدم ترسانته من الأسلحة غير التقليدية إلا إذا هوجم، ثم عاد فقال إنه لن يستخدمها أبداً، حتى إذا هوجم. فلماذا إذن كان تضييع المال والجهد في تكديس أسلحة لن تستخدم تحت أي ظرف؟

(8)

الذي تأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك هو أن قادة الأنظمة الاستبدادية هم أجبن الخلق، وكذلك جيوشهم، لأن هذه الجيوش تخضع لنظام إرهابي يغرس الجبن غرساً في النفوس. ولهذا شهدنا كيف انهارت هذه الجيوش وفر قادتها قبل جنودها في أي مواجهة ذات بال. بل إن ما نراه اليوم من تعامل الجيش السوري مع جيوب المقاومة، حيث لا يجرؤ على الدخول في مواجهة مع الثوار، وإنما يكتفي بالتصدي للمدنيين، أو قصف المواقع من بعد. فمن كان يخاف من حفنة مسلحين بالأسلحة بالخفيفة، كيف يجرؤ على مواجهة إسرائيل وترسانتها؟

(9)

ما ننصح به الآن هو تحويل المنطقة العربية برمتها إلى منطقة منزوعة السلاح. ذلك أن أعظم انجازات الشعوب العربية، من ثورة 1919 في مصر إلى ثورات الربيع العربي، مروراً بالانتفاضات الفلسطينية، ظلت حتى الآن هي تلك التي أنجزتها الشعوب المجردة من كل سلاح. أما الأسلحة المكدسة في مخازن الحكام العرب فهي إما عديمة الجدوى، وإما يستخدمها الجبناء للاستئساد على العزل من النساء والأطفال، ثم يلقونها ويهربون عند أول طلقة، بل أول زجرة من عدو. النظام السوري، مثلاً، تراجع خلال ساعات عن التهديد باستخدام سلاحه، وذلك لمجرد صدور تصريحات زجرية ضده. وأنا متأكد من أن الشعب السوري الأعزل كان سيكون أكثر صموداً في وجه أي عدوان خارجي من قادة لا يجرؤ أي منهم على المشي في شارع عاصمته. قبح الله الجبن والجبناء، خاصة من يحمل السلاح منهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران والنظام السوري: أي منقلب ينقلبون؟

صبحي حديدي

2012-07-26

القدس العربي

وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي لم يكن سعيداً، أغلب الظنّ، بتصريحات زميله العميد سيد مسعود جزائري، مساعد قائد الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية؛ وليس، فحسب، لأنّ الأوّل يتوجب أن يحتكم إلى الخطاب الدبلوماسي حمّال الأوجه، والثاني يستطيب الخطاب العسكري الناريّ و'الحربجي'. ثمة، إلى هذا، ما يميط اللثام عن مقدار، ومستويات، الارتباك الذي يطبع تصريحات السلطات الإيرانية بصدد الانتفاضة السورية عموماً، و'منافذ النجاة' الكفيلة بحفظ الحدّ الأدنى من المصالح الإيرانية في سورية ما بعد آل الأسد، خصوصاً.

وثمة، أيضاً، ذلك الخيط (الرفيع الخفيّ تارة، الغليظ الصريح طوراً) الذي يقود في منتهاه إلى تضارب الرأي ـ بين الساسة والعسكر، والحكومة المدنية والمؤسسة الدينية ـ حول صحة أو خطل الوقوف مع النظام السوري ضدّ الشعب؛ وكيف يتطابق هذا الانحياز، أو يتناقض، مع أوامر الإسلام ونواهيه، إذا وُضعت مبادىء الأخلاق والخُلُق جانباً.

صالحي، قبل أيام فقط، في العاصمة طهران، وقف إلى يسار كوفي أنان، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية، ليشدد مجدداً على دعم الحكومة الإيرانية لخطة النقاط الستّ، رغم معرفته (أسوة بصاحب الخطة، نفسه) أنها إذا لم تكن قد سقطت في واحدة من سلال مهملات التاريخ، فإنها قد صارت لتوّها محض حبر على ورق. وكان صالحي قد بلغ أقصى الكياسة الدبلوماسية حين صاغ مسألة تنحي الأسد على النحو التالي: 'يجب أن يبقى في منصبه حتى الانتخابات المقررة عام 2014، التي يختار فيها الشعب السوري رئيسه الجديد'. ورغم أنّ الصيغة تلتزم مساندة الأسد ضمناً، وتمنحه أكثر من 23 شهراً إضافياً في حكم شعب ثائر عليه وعلى نظامه، فإنّ صالحي نطق بمفردة 'الجديد'، التي أوحت أنّ الرئيس القادم لن يكون 'الحالي' أو 'القديم'.

أمّا العسكري، العميد جزائري، فإنه أحكم قبضته وهدّد 'أعداء' النظام السوري بـ'ضربة كبيرة'، و'درساً لن ينسوه أبداً'، إذا ما قرّر 'حلفاء' النظام السوري الدخول على الخطّ، عسكرياً هذه المرّة، وليس سياسياً فقط (كأنّ هؤلاء 'الحلفاء' كانوا حتى الساعة، قانعين بمراقبة الموقف عن بُعد، ليس أكثر!). وقال جزائري: 'حلفاء سورية الكبار لم يدخلوا الساحة لصالح سورية حتى الآن ولكن اذا ما دخلوا فانهم سيوجهون ضربة كبيرة لأعداء سورية، لا سيما الى الدول العربية العميلة لأمريكا والكيان الإسرائيلي'؛ معتبراً أنّ 'الحرب ضدّ سورية لن تفلح، وستهزم جبهة الشيطان هزيمة نكراء يسجلها التاريخ، حيث أنهم في الوقت الراهن لا يستطيعون القيام بفعل شيء سوى التفجيرات وترويع الناس والحرب النفسية ضد الشعب السوري'. دليله على 'هشاشة القرارات الأمريكية وضعفها في الأداء'، هو التالي: 'لو كانت تمتلك القوة والسلطة لما سمحت بسقوط أكبر حليف لها في المنطقة، ألا وهو الدكتاتور المخلوع حسني مبارك'.

لاحظوا أنّ الرجل، الذي يمثّل الشريحة العليا من عساكر 'الثورة الإسلامية'، لا يمتلك ذرّة ثقة في الشعوب الثائرة، التي يمكن أن تنتصر ليس على طغاتها المحليين وحدهم، بل أن تُلحق الهزيمة بقوى عظمى صنعت أولئك الطغاة، كما واظبت على دعمهم وإسنادهم، ما وسعتها الوسائل. والعميد جزائري لا يهين الشعب السوري الثائر، حين يخلط بين سورية والنظام الحاكم فيصبح الأخير اختزال الأولى، فحسب؛ بل يهين شعب مصر أيضاً، لأنه لولا 'هشاشة' الولايات المتحدة، لما قُيّض لمصر أن تخرج ظافرة في ثورتها ضدّ نظام مبارك. لاحظوا، كذلك، أنّ هذا الضابط الرفيع لا يؤمن بأنّ الشعب السوري يمكن أن يثور على الاستبداد، إلا إذا كانت ثوّاره عملاء لجهات خارجية، أمريكية أو إسرائيلية أو خليجية؛ متناسياً أنّ هذه الجهات كانت من أشدّ داعمي النظام السوري قبيل الانتفاضة السورية. أخيراً، لاحظوا أنّ جزائري لا ينبس ببنت شفة عن أكثر من 20 ألف شهيد سوري، ومئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمفقودين، فضلاً عن اليتامى والأرامل والمغتصبات، مفترضاً أنهم في صفّ 'جبهة الشيطان'، ضدّ... جبهة الرحمن، كما قد يوحي التداعي اللفظي!

محزن، بذلك، أن تنقلب صورة 'الثورة الإسلامية' الإيرانية إلى هذا المنقلب في أعين الشعب السوري، الذي كان قد هلل لها منذ ساعات انطلاقتها الأولى، واعتبرتها قوى المعارضة السورية بمثابة حدث تاريخي كبير وفاصل، يبشّر بأنّ الكثير من أوضاع المنطقة قد 'فات أوانها، وأصبحت مخالفة للزمن، ومعادية لسير التاريخ'، كما جاء في أدبيات الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي (حزب الشعب الديمقراطي السوري، حالياً)، الذي رأى فيها تذكرة بالثورة الفرنسية 1798، وبثورتَيْ شباط (فبراير) وتشرين الأوّل (أكتوبر) 1917 في روسيا. ولم يكن الحزب يسير عكس المزاج الشعبي العريض، في سورية والعالم العربي والإسلامي، ودول 'العالم الثالث'، من جهة؛ كما كان، من جهة ثانية، يبدي ردّ الفعل الطبيعي الذي تبنّته الغالبية الساحقة من القوى الديمقراطية والوطنية الساعية إلى التحرّر من ربقة أنظمة الاستبداد والفساد، والمناهضة للإمبريالية الأمريكية في آن.

الآمال التي عُلّقت، آنذاك، على الثورة الإيرانية كانت كبيرة، وربما أكبر بكثير ممّا وعدت به الثورة، أو كان في مقدورها إنجازه، سواء على الصعيد الإيراني الداخلي، أم على مستوى إقليمي ودولي. لقد جرى، في مثال أوّل، الإفراط في تثمين 'مدرسة الخميني' السياسية والفكرية، وامتداح امتناعها عن طرح برنامج يقوم على أساس ديني لصالح ما سُمّي بـ'بديل اجتماعي وقومي، في إطار ديني ثوري'، يسند إلى رجال الدين أدواراً اجتماعية وسياسية وإيديولوجية عابرة للطبقات والأديان والعقائد. كما وقعت مبالغة مماثلة في تقييم مدى قدرة هذا البديل على الحلول محلّ الأحزاب السياسية، وبالتالي احتكار السياسة عملياً وتجميد المعارضة أو تدجينها، واعتبار الشعب جيشاً ثانياً موضوعاً بالضرورة في خدمة جيش الثورة الإسلامية.

وفي كلّ حال، وريثما تتبدّل المعادلات جذرياً داخل هذه الثورة، ثمة مصلحة سياسية وفكرية وتاريخية في التوقف ملياً عند مبدأ ولاية الفقيه، ذلك العمود الجبار الأكبر في صرح المدرسة الخمينية، الذي غاب تماماً عن أنظار مراقبي الثورة والمتحمسين لها، ليس بسبب النظر الحسير على الأرجح، بل لأنّ المبدأ ذاته كان خافياً، عالي التمويه، أو متخفياً. وليس غير مشروع للمرء أن يقول اليوم، كما في الماضي وعلى امتداد ثلاثة عقود ونيف من عمر الثورة، أنّ الأمل لن يكون كبيراً في السير خطوات أبعد على طريق الذي وُعدت به إيران سنة 1979، وتحقيق انفراج داخلي إيراني، سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، ما لم يقف الإيرانيون موقف المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ والحقوق.

ومن النافع أن ترسخ في البال تلك الحقيقة التي تقول إنّ معارك الانتخابات الرئاسية في إيران إنما تدور بين الإصلاحيين في وجه المحافظين، وبين التنمية السياسية ضدّ الجمود المؤسساتي، وبين ديمقراطية تسعى إلى تولية الشعب وأخرى تتشبث بولاية الفقيه. ذلك، في عبارة أخرى، يعني أنّ المعركة لا تدور حول مسائل الإنفتاح على الغرب، وصواب أو خطل سياسة إغلاق جميع البوّابات في وجه 'الشيطان الأكبر'، ومواصلة الكفاح ضدّ الإمبريالية العالمية أو 'الاستكبار الدولي'، والإصرار على البرنامج النووي، ومحو الدولة العبرية من الخريطة. إنها، في الجوهر، ما تزال تدور حول حاضر ومستقبل إيران، وحول مسائل داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

والعودة إلى تجربة الانتخابات الرئاسية الأولى، وإلى مآلاتها الراهنة تحديداً، تمدّ أصحاب هذا الرأي بالكثير من أسباب التثبّت والترجيح. ففي عام 1997 انتخب الإيرانيون رئيسهم الجديد محمد خاتمي بأغلبية ساحقة (بل وفاضحة، بالنسبة إلى خصمه علي أكبر ناطق نوري)؛ واختار خاتمي تشكيلة وزارية هي الأكثر تعددية (والأكثر 'إعتدالاً' كما قرأنا في التقديرات الغربية) منذ أن وطأ الإمام الخميني أرض مطار طهران عائداً من منافيه الطوال؛ وصوّت البرلمان الإيراني على منح الثقة لهذه الحكومة (ليس دون صعوبات ومقاومة ودسائس). إزاء هذه التطورات كتب ريشارد مورفي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي أيام السنوات الحافلة 1983 ـ 1989، مقالة مطوّلة في صحيفة 'واشنطن بوست'، كشف فيها النقاب عن حقيقة أنّ الإدارة بوغتت بانتخاب خاتمي، وكانت تنتظر انتخاب خصمه 'المتشدد' نوري، لأنّ فوز الأخير هو الذي يثبّت الأسطورة، ويندرج بسهولة في المخطط التحليلي القياسي المعتمد في واشنطن منذ عقود.

الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون كان، في حينه، قد نطق بما سيستعيده بعدئذ الرئيس الحالي باراك أوباما: 'لم أكن في أيّ يوم سعيداً بهذه الحالة من الاغتراب بين شعب الولايات المتحدة وشعب إيران، هذا الشعب العظيم'. ولا ريب في أنّ أوباما أعطى قيمة مضافة إلى تعبير 'الشعب العظيم'، متذكراً أنّ سياسات سلفه جورج بوش، في الغزو والغطرسة وتغطية الهمجية الإسرائيلية وشنّ الحروب الصليبية المعاصرة، جعلت من إيران قوّة إقليمية كبرى لم يعد من الممكن ضبط طموحاتها الإمبراطورية بوسيلة أخرى غير مساومتها، أو شنّ الحرب عليها!

وحين كانت أجهزة النظام السوري، عسكره وأمنه وشبيحته، تواصل ارتكاب المجازر وقصف المدن والبلدات والقرى، كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يستقبل فيصل المقداد، مبعوث الأسد الخاص ، ويعرب له عن 'سعادته الشخصية البالغة' بالطرائق التي يعتمدها النظام في 'حُسْن إدارة الموقف'! ولكي لا يرقى الشكّ إلى مسامع أحد، أضاف نجاد أنّ إيران 'لن تترك حجراً إلا وتقلبه بحثاً عن وسائل دعم النظام'؛ مزاوداً في هذا على تصريحات جنرالات 'الحرس الثوري'، وخاصة أولئك الذين ذكّروا بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع النظام السوري، أو زلّ لسانهم فأكدوا وجود مهمات قتالية تمارسها مجموعات من الحرس داخل سورية (أقوال إسماعيل غاني، نائب قائد 'فيلق القدس'، التي نشرتها وكالة 'إيسنا' الإيرانية، ثمّ حذفتها من موقعها الرسمي).

وكما أنّ سورية لا تُختصر في طغاتها، فإنّ إيران الحقة لا تُختصر في انحيازات خامنئي أو نجاد أو صالحي أو جزائري؛ وثمة تقارير ملموسة تروي تعاظم السخط الشعبي تجاه مضيّ النظام الإيراني أبعد فأبعد في السكوت على جرائم حليفه النظام السوري، واستعداء الشعب السوري، وخيانة حزمة المبادىء الأسمى التي نادى بها صنّاع ثورة 1979. صحيح أنّ لإيران مصالح حيوية كبرى وحاسمة في سورية، إلا أنّ فاقدي الثقة بالشعوب وبثوراتها هم الذين يفترضون سلفاً أنّ سورية الآتية سوف تكون خصم إيران، أو حليفة أعداء الشعب الإيراني. كلّنا، هم ونحن، إزاء هذه أو تلك من مستويات الطغيان، في الهمّ شرق... فعلى مَنْ، وأيّ منقلب، ينقلبون!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة حلب الحاسمة

رأي القدس

2012-07-26

القدس العربي

تشهد مدينة حلب، العاصمة التجارية لسورية، اشتباكات شرسة بين قوات النظام والعناصر التابعة للجيش السوري الحر مدعومة بجماعات اسلامية متشددة، ومن المتوقع ان تقرر نتائج هذه الاشتباكات مستقبل الصراع في سورية بطريقة او باخرى، وربما فتح الطريق الى معركة دمشق النهائية والحاسمة، في حال جاءت الغلبة لصالح القوات المعادية للنظام.

مدينة حلب التي ظلت هادئة طوال العام الماضي بالمقارنة مع المدن الرئيسية الاخرى، مثل حمص وحماة ودير الزور تتمتع بمكانة استراتيجية، مهمة لكونها ملاصقة جغرافيا واقتصاديا لتركيا، ومقر البرجوازية التجارية السورية، وظلت موالية للنظام منذ انطلاقة الانتفاضة الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي.

المعارضة السورية باطيافها المتعددة، تريد ان تتحول مدينة حلب الى 'بنغازي' سورية بمعنى ان تتحول، في حال سقوطها، الى ملاذ آمن للمقاتلين ضد النظام، والعناصر العسكرية المنشقة، او التي في طريقها للانشقاق عن النظام.

الجماعات الاسلامية المتشددة نجحت في الاستيلاء على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، وهي خطوة تعني تسهيل مرور الاسلحة والمقاتلين الى العمق السوري، وتوجيه ضربة معنوية قاصمة للنظام.

سقوط بنغازي في يد المعارضة الليبية، وتحويلها الى جيب آمن خارج سيطرة نظام العقيد القذافي وكتائبه، ادى الى التركيز على مدينة مصراتة وهزيمة قوات النظام فيها بمساعدة غارات حلف الناتو، مما سهل اقتحام مدينة طرابلس مقر القيادة الليبية.

النظام السوري يدرك المكانة الاستراتيجية والمعنوية لمدينة حلب والخسارة الكبيرة التي ستلحق به في حال سقوطها، ولهذا ارسل تعزيزات عسكرية ضخمة الى المدينة، استعدادا لشن هجوم كبير في محاولة لاستعادة الاحياء التي سيطر عليها المقاتلون المعارضون التي تشهد منذ اسبوع اشتباكات شرسة.

الانباء القادمة من حلب تفيد ان قيادة النظام التي تشرف على سير المعارك ارسلت وربما للمرة الاولى قوات خاصة لمساندة القوات النظامية الموجودة في المدينة، وفي المقابل وصل حوالي 1500 الى 2000 مقاتل لتعزيز قوات المعارضة في المدينة.

اننا على ابواب معركة كبرى، بل المعركة الاكبر منذ بدء الصراع المسلح، الامر الذي يعني سقوط اعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين طرفي هذه المعركة، علاوة على المدنيين الذين باتوا محشورين في الوسط.

الازمة السورية تتفاقم وسط جمود كامل في الجهود الدبلوماسية لايجاد حلول ومخارج سلمية بعد وصول مهمة المبعوث الدولي كوفي عنان الى طريق مسدود، وتصاعد التوقعات باحتمال تدخل عسكري من قبل تحالف يضم قوات عربية وغربية.

التدخل العسكري الخارجي الذي بات احتمالا قويا حسب تسريبات مصادر غربية في واشنطن ولندن قد يؤدي الى انفجار حرب اقليمية في المنطقة بعد تهديدات ايرانية صريحة بان طهران لن تسمح بسقوط النظام السوري.

فمن الواضح ان وصول العميد مناف طلاس قائد الفرقة 105 في الحرس الجمهوري السوري قبل انشقاقه الى اسطنبول بعد زيارة الى المملكة العربية السعودية التقى خلالها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز هو مقدمة لتأهيله لدور قيادي في مرحلة ما بعد سقوط النظام حسب ما يأمل تحالف اصدقاء سورية الذي تتزعمه كل من تركيا والولايات المتحدة.

معركة حلب ستكون هي المعركة الفاصلة وقد تؤدي السيطرة عليها الى اعلانها منطقة محررة ومقر حكومة الوحدة الوطنية التي يجري العمل على تشكيلها من اطياف فصائل المعارضة السورية.

Twitter: @abdelbariatwan

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية في مواجهة الدمار الشامل

باتريك سيل *

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٢

الحياة

تواجه سورية التي كانت تعدّ إحدى أكثر الدول صلابة في الشرق الأوسط ومحوراً أساسياً في منظومة القوى الإقليمية، دماراً شاملاً. ومن المرجّح أن تكون عواقب هذه المأساة المستجدّة كارثية على وحدة أراضي سورية وعلى سلامة شعبها وعلى السلام الإقليمي وعلى مصالح القوى الخارجية المعنية بعمق بهذه الأزمة. ويكمن الخطر الفوري في أن يُطلق القتال في سورية إلى جانب الضغوط الكبيرة التي يتعرّض لها حليفها الإيراني حالياً، شرارة حريق هائل لن يسلم منه أحد.

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ؟ تتحمّل كلّ جهة فاعلة في الأزمة جزءاً من المسؤولية. تعدّ سورية ضحية مخاوف أعدائها ورغباتهم، إلا أنها ضحية أخطاء قادتها أيضاً.

وبالنظر إلى مجرى الأحداث الماضية، من الواضح أنّ الرئيس بشار الأسد فوّت فرصة إصلاح الدولة الأمنية الضيّقة التي ورثها عن والده عام 2000. وبدلاً من أن يقرّ الأسد بالحاجة إلى الحريات السياسية والكرامة الشخصية والفرصة الاقتصادية التي شكّلت رسالة «ربيع دمشق» خلال العام الأوّل على توليه السلطة ويوسع منها، ضيّق الخناق أكثر وأكثر.

فتمّ تعزيز الرقابة الخانقة على كلّ وجه من وجوه المجتمع السوري وتشديدها إلى حدّ لا يطاق نتيجة الفساد الواضح والامتيازات التي حظيت بها قلّة من الأشخاص والمحن التي عانى منها الكثيرون. فبات القمع الجسدي ممارسة يومية. وبدلاً من تطهير جهازه الأمني ووضع حدّ للعنف الذي تمارسه الشرطة وتحسين أوضاع السجون، أدت اعماله الى ان يصبح مكروهاً أكثر من أي وقت مضى.

فضلاً عن ذلك، وعلى مرّ العقد الماضي، أخفق بشار الأسد ومستشاروه المقرّبون في إدراك الطابع الثوري لتطوّرين أساسيين هما التفجّر السكاني في سورية وموجة الجفاف الطويلة التي ضربت البلد من عام 2006 لغاية عام 2010 علماً أنّها الأسوأ منذ مئات السنوات. وأدى التطوّر الأوّل الى ان مجموعة من الشباب من أنصاف المتعلمين كانوا عاجزين عن إيجاد الوظائف فيما أدّى التطوّر الثاني إلى نزوح قسري لمئات آلاف المزارعين من حقولهم الجافة باتجاه الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الرئيسة. وخسر الرعاة في شمال شرقي سورية 85 في المئة من ماشيتهم. كما تشير التقديرات إلى أنّ نحو مليونين أو ثلاثة ملايين سوري وقعوا في فقر مدقع مع حلول عام 2011. ولا شكّ في أنّ التغيّر المناخي كان مسؤولاً عن ذلك، إلا أنّ إهمال الحكومة وعدم كفايتها فاقما من هذه الكارثة.

شكّل هذان العاملان، أي بطالة الشباب والنزوح الريفي، المحرّكين الأساسيين للانتفاضة التي انتشرت بسرعة فائقة عقب اندلاعها جرّاء حادث وحشي وقع في مدينة درعا في شهر آذار (مارس) 2011. أما الذين كانوا وراء الانتفاضة فهم شباب المدن العاطلون من العمل ومزارعون فقراء.

هل كان النظام قادراً على القيام بشيء حيال هذا الموضوع؟ نعم، كان في وسعه ذلك. في نهاية عام 2006 وبداية عام 2007، كان في وسعه تحذير العالم من الوضع وتخصيص كل الموارد المتاحة لخلق فرص عمل ولإطلاق برنامج إغاثة مكثّف لشعبه المنكوب وحشد جهود مواطنيه لإنجاز هذه المهام. ولا شكّ في أنّ هيئات المساعدة الدولية الأساسية ودول الخليج الثرية كانت ستقدّم يد العون لو تمّ وضع تلك الخطط.

بدلاً من ذلك، تلهّى النظام بالمخاطر الخارجية مثل الأزمة اللبنانية عام 2005 التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري ومحاولة إسرائيل تدمير «حزب الله» عبر اجتياحها لبنان عام 2006 فضلاً عن الهجوم الذي شنّته إسرائيل على منشأة سورية النووية عام 2007 ومحاولتها تدمير حركة «حماس» عبر شنّ هجوم قاتل على قطاع غزة في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009.

ومنذ تسلّم بشار الأسد زمام السلطة، واجهت سورية مساعي مستمرة من إسرائيل وحليفها الأميركي المتواطئ معها لإسقاط ما سمّي «محور الممانعة» الذي يضمّ طهران ودمشق و «حزب الله» والذي تجرأ على تحدي الهيمنة الإقليمية لإسرائيل والولايات المتحدّة.

وأفلتت سورية من تلك الهجمة بصعوبة في عامي 2003 و2004. إذ كان المحافظون الجدد الموالون لإسرائيل في إدارة جورج بوش الابن عازمين بقيادة بول وولفوفيتز في وزارة الدفاع على إعادة تشكيل المنطقة لخدمة مصلحة إسرائيل وأميركا. وكان هدفهم الأول هو الرئيس العراقي صدام حسين الذي اعتُبر أنه يشكّل خطراً محتملاً على إسرائيل. ولو نجحت الولايات المتحدة في العراق لكانت سورية هي التالية. لم يتعافَ العراق ولا الولايات المتحدّة حتى الآن من حرب العراق الكارثية التي كان وولفوفيتز «مهندسها» الرئيس.

تواجه سورية وحليفها الإيراني خطراً كبيراً. ولا تخفي الولايات المتحدّة ولا إسرائيل هدفهما إسقاط نظامي دمشق وطهران. ولا شكّ في أنّ بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين يعتبرون أنّ تقطيع أوصال سورية وإضعافها عبر إنشاء دولة علوية صغيرة حول ميناء اللاذقية شمال غربي البلد بالطريقة نفسها التي تمّ قطع أوصال العراق وإضعافه من خلال إنشاء المنطقة الكردية في الشمال وعاصمتها أربيل، يصب في مصلحة بلدهم. وليس سهلاً أن تكون أي دولة الى جوار دولة يهودية توسعية وعدائية تعتبر أنّ ضمان أمنها لا يتمّ من خلال عقد اتفاقية سلام مع الدول المجاورة لها بل من خلال إخضاعهم والإخلال باستقرارهم وتدميرهم بمساعدة القوة الأميركية.

ليست الولايات المتحدّة وإسرائيل العدوتين الوحيدتين لسورية. فقد كانت جماعة «الإخوان المسلمين» تحلم بالثأر منذ محاولتها منذ 30 سنة إسقاط نظام البعث العلماني في سورية عبر حملة إرهاب قمعها الرئيس حافظ الأسد في حينه. واليوم، تكرّر جماعة «الإخوان المسلمين» الخطأ نفسه الذي اقترفته حينها من خلال اللجوء إلى الإرهاب بمساعدة تنظيمات سلفية قادمة من الخارج، بمن فيهم مقاتلون مع تنظيم «القاعدة» يتدفقون إلى سورية من العراق ومن لبنان ومن تركيا ومن الأردن ومن الدول الأخرى البعيدة عن حدودها. ويوفر الأعضاء الليبراليون في المعارضة السورية الموجودون في المنفى بمن فيهم أكاديميون مرموقون ومعارضون محنكون التغطية السياسية لهذه العناصر الاكثر تطرفاً.

ولا تزال بعض دول الخليج العربية تنظر إلى المنطقة من منظار مذهبي. فهي قلقة من طموحات إيران المزعومة للهيمنة. حتى أنها غير راضية لأنّ العراق الذي كان قوة سنية قادرة على السيطرة على إيران بات تحت قيادة شيعية. كما يبدو أنّ الحديث عن «الهلال الشيعي» يهدّد الهيمنة السنية. لهذه الأسباب، تموّل هذه الدول وتسلّح المتمردين السوريين على أمل أن يؤدي إسقاط النظام السوري إلى قطع روابط إيران بالعالم العربي. غير أنّ هذه السياسة تساهم في إطالة معاناة سورية وفي التسبب بمقتل أبرز رجالها وبضرر مادي كبير.

وارتكبت أميركا، القوة الخارجية المهيمنة أخطاء سياسية فادحة. فعلى مرّ العقود القليلة الماضية، أخفقت في إقناع حليفها الإسرائيلي المتعنت بإبرام اتفاقية سلام مع الفلسطينيين من شأنها أن تؤدي إلى سلام مع العالم العربي برمته. وخاضت حربين كارثيتين في أفغانستان والعراق. وأخفقت في التوصّل إلى «صفقة كبيرة» مع إيران من شأنها إبعاد شبح الحرب في الخليج وفرض الاستقرار في منطقة هشة. كما أنها على خلاف حالياً مع موسكو وتعيد إحياء الحرب الباردة من خلال تقويض خطة كوفي أنان للسلام في سورية.

لا يمكن حلّ الأزمة السورية عسكرياً. أما الطريقة الوحيدة للتخلّص من هذا الكابوس الحالي فيجب أن تكون من خلال إجبار الطرفين على وقف إطلاق النار، تلي ذلك مفاوضات وتشكيل حكومة وطنية للإشراف على العملية الانتقالية. وحينها فقط، يمكن سورية أن تتفادى الدمار الشامل الذي قد يستغرق إصلاحه جيلاً أو جيلين.

* كاتب بريطاني مختص في شؤون الشرق الاوسط

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اكلاف الفيتو الروسي الثالث في مجلس الامن

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٢

راغدة درغام

الحياة

ماذا أمام كل من موسكو وطهران بعدما دخلت القيادتان الروسية والإيرانية عينَ العاصفة في أعقاب الخسارة الفادحة لكل منهما عبر البوابة السورية؟ القيادة الإيرانية أفرطت في شروطها ومماطلتها في الملف النووي، كما في إصرارها على حقها بهيمنة إقليمية، فخسرت. والقيادة الروسية هسترت في عاطفية قومية وأفرطت في إطالة الأزمة السورية تحصيناً لمطالبها ولتموضعها في المنطقة وفي المفاوضات، فباتت أوراقها أضعف وبدت سمات الخسارة الإستراتيجية على ملامحها ومواقفها. فأيهما سيكون سبيل استدراك الأمور لكل من موسكو وطهران: المواجهة أم الاستدراك؟ وإن كان حقاً لم يفت الأوان على إصلاح سياستيهما، فهل ما زال هناك هامش جدي أمام إتمام الصفقة الكبرى، أم أن النظام الإقليمي الجديد انطلق الآن بوتيرة أسرع تاركاً وراءه الدب الروسي غاضباً وملالي طهران في حالة استنفار؟

القيادة الروسية ارتكبت خطأ مميّزاً قبل أسبوع عندما استخدمت الفيتو في مجلس الأمن للمرة الثالثة لمنع الأسرة الدولية من إنذار النظام في دمشق من أبعاد استمراره في الممانعة الدموية. الفيتو الصيني الذي تزاوج للمرة الثالثة مع الفيتو الروسي ليس أقل وزناً في مجلس الأمن، إنما الصين أقل عنفاً في مواقفها نحو سورية مما هي روسيا. فالفيتو المزدوج يعكس الالتزام الدائم بالحفاظ على علاقة التحالف الاستراتيجي بين الشيوعيين (سابقاً أو حاضراً)، لا سيما في وجه امتداد ذراع الغرب – بالذات الولايات المتحدة – إلى المناطق الإستراتيجية الغنية بالنفط والغاز والمهمة تاريخياً. لكن الفارق واضح بين الدور الروسي في سورية وبقية منطقة الشرق الأوسط وبين ابتعاد الصين عن دور مماثل واكتفائها بدعم روسيا في مجلس الأمن. وللتأكيد، أن الأذى المواكب للفيتو الصيني ليس أقل من ذلك الملازم للفيتو الروسي. فكلاهما عطّل قدرة مجلس الأمن على تحمل مسؤولياته وساهم في إطالة محنة سورية وزيادة ضحاياها بآلاف وآلاف.

قد يكون الفيتو الصيني فيتو المجاملة مع روسيا أو فيتو التحالف الموجّه ضد الغرب، إنما الصين ليست ضالعة في سورية وإيران – سلباً أو إيجاباً – كما روسيا. بكين لن تتورط أكثر، لا سيما بعدما انهارت جهود الصفقة الكبرى على ذبذبات الهستيريا الروسية التي انطلقت في أعقاب الانفجار الأمني الضخم في دمشق الأسبوع الماضي وتمثلت في قرار استخدام الفيتو الروسية بدلاً من التقاط الفرصة النادرة لتكون موسكو في صدارة رعاية التحوّل في سورية وفي عمق الشراكة في صوغ النظام الإقليمي الجديد.

كثيرون راهنوا على حكمة القيادة الروسية واغتنامها الفرص المواتية لمصالحها ومكانتها وموقعها في منطقة الشرق الأوسط. كثيرون اعتقدوا أن الإطالة كانت جزءاً من فن التفاوض للحصول على أكثر – ثنائياً مع الولايات المتحدة وإقليمياً مع دول المنطقة. كثيرون افترضوا أن موسكو لن تهدر فرصة نادرة لها لقيادة صناعة البديل في دمشق – أو على الأقل لمشاركة جذرية لها في صنع البديل.

تحت عنوان العاطفة القومية والعنفوان الوطني، ثارت مشاعر الديبلوماسية الروسية وغلبت على المنطق الذي كان أجدى بموسكو أن تلجأ إليه مهما ثار غضبها، بحق كان أو بباطل. ذلك الفيتو المشحون بالغضب المثقل بالعاطفة والعنفوان قضى أيضاً على المبعوث الأممي والعربي، كوفي أنان، الذي كان يتصرف منذ البداية استرضاءً لروسيا بأمل كسب تعاونها في إبرام حل سلمي في سورية يلمّ شمل الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن. فيتو موسكو في مجلس الأمن قضى على مهمة كوفي أنان وعلى الرجل نفسه الذي خرج خاسراً، اسمه مقترن بالإطالة وبالحذر والحرص على مصالح روسيا وإيران أكثر من مصير سورية.

كوفي أنان مسؤول عن نفسه وعما اختاره من سياسة وإستراتيجية لتنفيذ المهمة الموكلة اليه من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. لعله يعتقد أنه أُفشِلَ ليس عبر الفيتو الروسي وإنما نتيجة المواقف العربية والغربية والتركية. لعله مقتنع بأنه لو أفلح في إقحام دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسمياً على طاولة التفاوض حول المستقبل في سورية، لما آلت الأمور الى ما هي عليه. إنما، لعله بدلاً من ذلك قد توصل إلى استنتاج بأنه أخطأ في تصوّره لمهمته، كما في رهانه على صدق النظام في دمشق، كما في اعتقاده بأن أسلوب الإبحار الحذر المميز به كان ممكناً وسط تراكم جثث السوريين آلافاً بآلاف.

قد لا يكون فات الأوان على مسار تصحيحي يُصلح السمعة التي تلاحق كوفي أنان الآن. إنما ذلك يتطلب نفضة جذرية في ذهن الرجل تأخذ في الحساب انحسار الوزن الروسي في المعادلة وانحسار الدور الإيراني في المنطقة. فكوفي أنان أيضاً خسر فرصة نادرة بأن يصبح لاعباً أساسياً في صوغ النظام الإقليمي الجديد. لقد اصطف في الخندق الخاسر – أقله حتى الآن – وفي اصطفافه هذا، أثار النفور ليس فقط لدى جزء كبير من الشعب السوري وإنما أثار أيضاً نفور دول عربية ذات وزن كبير بالذات داخل مجلس التعاون الخليجي.

فالمعادلة اختلفت بعد الفتيو الروسي – الصيني الثالث. الولايات المتحدة خفّضت جذرياً أية ثقة لها بصدق النيات الروسية وبحل سلمي في سورية مبني على ضغوط روسية على الرئيس بشار الأسد للتنحي عن السلطة عبر عملية سياسية انتقالية. وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لم تقفل الباب أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف ولا في وجه بشار الأسد. تحدثت عن «ملاذ آمن» بلغة عدم فوات الأوان، تاركة هامشاً للاستدراك يضيق أفقه الزمني بسرعة. كذلك الدول العربية لم توصد الباب وإنما بادرت للمرة الأولى إلى تقديم ممر آمن لمغادرة الرئيس السوري وعائلته السلطة والبلاد. إنما كل هذا يفيد بأن لا مجال أبداً لما أرادته القيادة الروسية والإيرانية والسورية، أي بقاء الأسد في السلطة الى حين استكمال العملية السياسية الانتقالية. فات الأوان. إن الكلام الآن يصب في خانة التنحي كجزء أساسي من عملية نقل السلطة في سورية.

يلازم ذلك قرار استراتيجي، إقليمي وغربي، بمباركة تسليح المعارضة. الولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تسلّح المعارضة، لكنها ستعزز ما تساعدها به من معلومات استخبارية خارقة وما يشابهها. الفيتو الروسي – الصيني أجبر واشنطن على احتضان خيار مباركة التسليح، ذلك أن الفيتو نسف ما تم الاتفاق عليه في جنيف، بما في ذلك التوافق على عدم عسكرة النزاع.

سيرغي لافروف يتحدث بلغتين ما بعد ذلك الفيتو الخاطئ. انه يتحدث بلغة خشبية معهودة يرافقها كلام عن أن العسكرة والتسليح يعنيان دعم انطلاق الإرهاب الإسلامي في الساحة السورية وعلى رأسه «القاعدة». ومن ناحية أخرى، يترك الباب مفتوحاً على احتمال استدراك موسكو أخطاءها لتقدم إلى الغرب والعرب دوراً يجعل من غير الممكن الاستغناء عنها، دور العرّاب الحقيقي لما بعد تنحي بشار الأسد عن السلطة ولمعالم النظام البديل في دمشق.

الانشقاقات العسكرية والديبلوماسية وفي أوساط العائلات الموالية تقليدياً لنظام الأسد، مثل عائلة طلاس، أطلقت بدورها خطوة نوعية أخرى في الساحة السورية. وموسكو لا بد أنها تراقب بقلق. تراقب انزلاق فرصتها بأن تكون جزءاً من النظام الإقليمي الجديد بدلاً من وقوفها خارجه مُتهمةً بأنها خذلت الشعوب، وأطالت صراعات أدت إلى تغذية التطرف الإسلامي ودخول عناصر «القاعدة» إلى الساحة السورية عبر البوابة العراقية. بل أكثر. أن ما كانت تخشاه موسكو وكانت محقة في إبراز معارضتها له بناءً على مصالحها المشروعة بات وارداً بسبب المواقف الروسية نفسها. ذلك أن عسكرة النزاع في سورية أتت بالتأكيد نتيجة المواقف الروسية الممانعة.

إقليمياً، خسرت روسيا خسارة كبرى وهي تشاهد تحالف الأمر الواقع بين الدول العربية ومن ضمنها مجلس التعاون الخليجي، ودول حلف شمال الأطلسي (ناتو) ومن ضمنها تركيا. مصر باتت النموذج للتوافق والاتفاق بين هؤلاء اللاعبين على أساس نموذج التعايش والمحاسبة المتبادلة بين الجيش وبين الإسلاميين في السلطة. أميركا تبدو شريكة طموحات الشعوب، فيما من وجهة نظرها تتأقلم مع واقع جديد يجعلها تستخدم «الإسلام المعتدل» لمحاربة التطرف الإسلامي، فتضمن بذلك موطئ قدم لها مع الذين في السلطة، وتبدو متعاطفة مع الشعوب ومع التحولات الديموقراطية، وتضمن مصالحها البعيدة المدى في الوقت نفسه.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الشريكة للنظام في سورية ولروسيا، خاسر كبير جداً في ما آلت إليه الأمور بعد الفيتو الروسي – الصيني. واشنطن وافقت أخيراً على ما كانت قاومته لفترة طويلة، وهو تبني إستراتيجية قصم ظهر طهران في سورية لتطويقها وسلبها طموحات إقليمية تشمل مطلاً استراتيجياً لها على البحر المتوسط. طهران خاسرة لأنها كانت استثمرت غالياً، مادياً وعسكرياً، في سورية لتكسب ذلك الموقع الاستراتيجي.

فالجمهورية الإسلامية الإيرانية باتت مطوّقة من الداخل بمعارضتها، ومن الخارج عبر حظر نفطي غربي مؤلم، أو في أواصر مواقع نفوذها الإقليمي. نووياً، أنها تحت رحمة تكنولوجيا التخريب المتفوقة التي قد لا تضطر إسرائيل أو الولايات المتحدة لشن عمليات قصف محددة لمواقع نووية في إيران. انها على عتبة اندلاع انتفاضة إيرانية بعد استكمال الانتفاضة السورية. العراق الذي كان يعتبر حديقتها الخلفية تبدو عليه ملامح الواقعية واستعادة مكانته العربية وهو يقرأ جيداً معنى تعميق الخيار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف شمال الأطلسي وانعكاسه على مصير إيران وتقزيمها إقليمياً. والآن، وبعد الفيتو الروسي – الصيني، لا دور لطهران على طاولة المفاوضات على مستقبل سورية، كما أرادت موسكو وسعى وراءه كوفي أنان.

التهديدات الإيرانية يجب أن تُؤخَذ بجدية، إنما ليس ضرورياً الافتراض ان حليف طهران في لبنان، «حزب الله»، سيتصرف تلقائياً بما يخدم طهران ويؤذيه جذرياً في بنيته التحتية في لبنان في حال استفزاز إسرائيل لعملية عسكرية ضده في لبنان. إسرائيل نفسها قد تقرر ان الفرصة مواتية لها للتخلص من سلاح «حزب الله» في جيرتها المباشرة في لبنان. لكن هناك من يستبعد هذا الاحتمال ويؤكد ان هناك نوعاً من تفاهم الأمر الواقع بأن لا «حزب الله» ولا إسرائيل يريدان ان يخوضا حرباً في لبنان مهما كان ذلك في مصلحة النظام في دمشق أو طهران.

روسيا أثارت الخوف من احتمال نقل انتقامها ونقمتها في اتجاه تقسيم في سورية أو تصدير للنزاع إلى لبنان أو تحريض على مواجهة إيرانية – إسرائيلية عبر حروب بالنيابة. لكن روسيا تبقى دولة كبرى لن تتحمل مسؤولية حروب لعلها تشهد استخدام أسلحة كيماوية غير شرعية. لذلك انضمت روسيا إلى الدول الغربية التي حذرت دمشق من استخدام هذه الأسلحة.

ماذا ستفعل روسيا بعدما خسرت أوراق نفوذ ومساومة ومقايضة قوية، بما فيها ورقة محورها مع دمشق وطهران في مفاوضاتها الثنائية مع الولايات المتحدة؟ الإجابة تكمن في ما إذا كانت القيادة الروسية اعترفت أمام نفسها بالخطأ الفادح الذي ارتكبته في الفيتو الثالث، وبالتالي بإمكانها الاستدراك لاستعادة بعض زمام المبادرة. أما إذا تصلبت معتقدة أنها محقة في هذه السياسة، فستقودنا أجواء الحرب الباردة الجديدة الى مواجهة وتطرف وحروب بالنيابة وحروب استنزاف ستكون مكلفة ليس فقط للمنطقة وإنما أيضاً لروسيا نفسها في عقر دارها، وجيرتها، وفي مكانتها العالمية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوثان وأصنام

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٢

حسام عيتاني

الحياة

في شهادات العشرات من المعتقلين السوريين السابقين ولقطات الفيديو والصور، أحاديث وأدلة عن إرغام عناصر الأجهزة الأمنية من يقع بين أيديهم، على التلفظ بعبارات تؤلّه الرئيس بشار الأسد وحزب البعث.

قد تدخل هذه الممارسات في إطار مبالغة جلاوزة النظام وزبانيته في تحطيم السجين وإذلاله عبر تحقير ما يؤمن به والحطّ من قيمه ومُثُله وإظهارها عديمة النفع أمام جبروتهم وسطوتهم، اللذين يطلبان باسمهما الطاعة من الأسير أو الُمعتقل، على جاري عادة السجانين الساديين. وفاقمت من تفشي هذا السلوك «علمانية» مزعومة للبعث الذي رأى في الدين أداة يبسطها ويقبضها وفق الحاجة السياسية، على ما فعل صدام حسين في الأعوام الأخيرة من حكمه، وعلى النحو الذي نشر فيه حافظ الأسد صنفاً من التدين غير السياسي في سورية (بناء مئات المساجد، افتتاح المدارس القرآنية، ظاهرة القبيسيات...) بعد صدامه مع جماعة «الإخوان المسلمين»، وهذا نهج سار بشار الأسد عليه.

ولا مفر من القول إن إهانة معتقدات السجناء وتعريضهم إلى «التشبيح» المعنوي والنفسي، اندرجت ضمن عدة الهيمنة الطائفية، في حين راح التنديد بهذه الممارسات تنديداً عنيفاً ومادياً يكتسي شكل استعادة هيمنة طائفية مقابلة.

من جهة ثانية، كان تأليه الزعيم الذي تراقب صوره وتماثيله المواطنين في الساحات العامة والذي أُدخل في ذهن السوريين أنه «باق إلى الأبد» وأنه الأحكم والأصلح والأنسب لحكم بلادهم هو وذريته، على مدى أربعة عقود، يصدر (التأليه) عن التمسك الشديد باللحظة وبالحاضر ومحاولة تأبيدهما وإدامتهما إلى ما لا نهاية له، لإدراك النظام ضيق قاعدته وهشاشتها، باختراع رموز ولغة وسلوك عام يتقمصها الموالي في حياته اليومية.

وما يصح على سلطة الأسد الأب ثم الابن، يصح بالقدر ذاته على إلغاء السياسة وحظرها ليس كآلية لإدارة الاختلاف في المجتمع فقط، بل أيضاً كعلامة على تغير الزمن وما ينطوي على التغير هذا من زوال دول وسقوط ممالك. فيصير النظر العقلاني في أحوال الاجتماع والسياسة والاقتصاد، موضع شبهة لا يمحوها غير الانخراط في اللغو الرسمي عن «المبادئ» و»الثوابت» و»الإنجازات التاريخية» و»القيادة الحكيمة»، ما يفاقم الفارق بين الكلمات ومعانيها، ليصبح الدخول السوري العنيف إلى لبنان في عام 1976، تلبية لنداءات الاستغاثة من اللبنانيين، ولتصير حرب المخيمات في الثمانينات جزءاً من «التصدي للمؤامرة العرفاتية» على حقوق الشعب الفلسطيني...وتصبح المسافة قصيرة جداً بين تصنيم الخطاب وبين عبادته كنص مقدس.

نتائج الخروج على العقلانية وتجميد الخطاب السياسي، ليست أقل من وثنية جديدة تشمل الصور والعادات والأعراف الحزبية المتحكمة في عمل إدارات الدولة وأجهزتها ورموزها. ليس بمعنى نشوء دين جديد يكون فيه «البعث» كائناً متعالياً ويحتل الرئيس وعائلته مراتب طقوسية ما، بل بوضع الحزب والرئيس وكل ما يتصل بهما خارج الُمفكّر فيه كمواضيع قابلة للتبدل والفناء. وليس غريباً- في هذا السياق- أن يكون المتشبثون بحكم بشار الأسد غير قادرين على تصور أي مستقبل لسورية من دونه وأن يكونوا هم أصحاب السيناريوات الكارثية عن حكم المجموعات الإرهابية الدينية. لا يُفسر ذلك بارتباطهم بالمصالح المادية التي يستفيدون منها بفضل الحكم القائم فقط، بل أيضاً بسبب رسوخ مقولات تربط الاستقرار والمعاش اليومي والطبيعي لملايين السوريين ببقاء الحال على ما هي عليه.

ويبدو أن موجات عبادة الفرد التي بدأت في أواخر سبعينات القرن الماضي، قد فعلت فعلها عند مؤيدي النظام من جهة، لكنها أدت، من جهة ثانية، إلى عزل أركان الحكم عن الواقع وانفصالهم عن قوانينه ومتغيراته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحذير سليمان وهواجس ما بعد الأسد

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٢

وليد شقير

الحياة

دخل خطاب الرئيس اللبناني ميشال سليمان أول من أمس على قضايا وأسئلة ضمنية وجوهرية تهجس بها أوساط ضيقة في بعض الدوائر الشيعية والسنّية في لبنان، تنطلق من الحاجة الملحة عند اللبنانيين للتهيؤ لفرضية سقوط النظام السوري.

ففي معرض حضّه الأطراف على الإقبال على الحوار الذي دعا إليه، حذّر الرئيس اللبناني «من المواقف والقرارات الخاطئة المبنية على قراءات ملتبسة أو على حسابات ظرفية، إذ لا إمكان في منطق تاريخ مجتمعنا التعددي لسيطرة فريق فئوي على آخر أو طائفة على طائفة أو مذهب على مذهب في لبنان، ولا غلبة للسلاح على أراضيه، مهما ترسّخت أو تقلّبت موازين القوى الداخلية والإقليمية».

ومن المنطقي وصف هذا الكلام بأنه جوهري إذا ما لاحظ المرء أن الهواجس العميقة التي تعتمل في صفوف الفئتين المتقابلتين في لبنان أي قوى 8 آذار وقوى 14 آذار، وتحديداً أكثر، الشيعة والسنّة، تتلخص بالآتي:

1 – يخشى جزء من الجمهور الشيعي من أن يُستخدم إضعاف سورية وسقوط النظام فيها للمسّ بما يعتقده مكتسبات حصل عليها بفعل الدعم السوري للمقاومة وبسبب الرعاية الكاملة للتحالف السوري – الإيراني لمصلحة الطائفة ودورها الذي تنامى تأثيره في المعادلة اللبنانية. ويتشدد في التمسك بسلاح الحزب والمقاومة، معتبراً أن الهجوم على هذا السلاح يحصل بفعل التغيير المحتمل في سورية. ويميل هذا الجمهور، ومعه قيادات عدة في صفوفه، الى إنكار وجود ثورة في سورية ويصر على نظرية المؤامرة الخارجية، وقدرة النظام الحليف على الانتصار، وعلى أن أوراقه الإقليمية، من إيران الى العراق الى بعض دول الخليج، فضلاً عن قدراته في مواجهة إسرائيل، تجعل منه قوة إقليمية يصعب إضعافها. وفي المقابل ترى حفنة من هذا الجمهور، وحتى داخل «حزب الله» وحركة «أمل»، أن التغيير الآتي في سورية، في سياق التحولات الإقليمية، يوجب حواراً بين الحزب وبين تيار «المستقبل» تحديداً، ولا يستبعد حصول أخطاء في السلوك السياسي خلال المرحلة الماضية تجاه الشريك، وأنه لا بد من صيغة تفاهم جديدة.

2 – أن السواد الأعظم من الجمهور السنّي يعتقد أن بلاطة الهيمنة السورية على البلد، التي أدت الى إضعاف دوره في المعادلة اللبنانية، وإلى المس برموزه... بدأت تنزاح عن صدره، وأنه لا بد للقوى التي استفادت من تلك الهيمنة، لا سيما القوى الشيعية، من أن تعود الى حجمها وتتراجع قياساً الى تراجع المعادلة الإقليمية التي أنتجت سلاحها ونفوذها في القرار السياسي والأمني في البلاد، خصوصاً أن هيمنة القوى المسلحة أدت الى فلتان في الشارع، وفي مؤسسات رسمية، يجب أن تنكفئ عنها تلك القوى... ومقابل هذا الجمهور، تعتقد حفنة من القياديين والمفكرين في الوسط السنّي وفي تيار «المستقبل» نفسه أنه حان الوقت لحوار جدي مع «حزب الله» للتفاهم معه على إنقاذ البلد من تداعيات الأزمة السورية على أوضاعه الداخلية أولاً، وعلى مستقبل البلد ثانياً انطلاقاً من الحاجة الى طمأنة الجمهور الشيعي والحزب الى أن نهاية حقبة من التأثيرات الخارجية في المعادلة اللبنانية لا تعني المسّ بموقع الطائفة وقواها في المعادلة اللبنانية، وأن معالجة السلاح يجب أن تتم على مراحل تأخذ في الاعتبار إمكان الإفادة منه لمصلحة الحد الأدنى من الاستقرار اللبناني في شكل يوفر على البلد الدخول في مواجهات جديدة لها وظائف غير لبنانية.

بين هذين المناخين قد يكون تحذير الرئيس سليمان من القراءات الخاطئة أو الظرفية لامس عن قصد أو عن غير قصد ما يعتمل ضمنهما إلا أنه حكماً طرق الهواجس الضمنية لدى الفرقاء المعنيين.

قد يقول قائل إن رسم هذا المشهد، وموقع خطاب الرئيس سليمان فيه، هو استعجال غير واقعي لقرب سقوط النظام السوري والبحث في ما بعده. وواقع الأمر أن هذا السقوط ليس سريعاً كما يتمنى البعض، إلا إذا وقعت مفاجأة ما، بل إن الحقيقة المرة هي أن فريقاً لبنانياً بات يربط سياساته في لبنان بالعمل الدؤوب بكل الوسائل على الدفاع عن النظام. فعندما يكون قرار طهران القيام بكل ما يحول دون التغيير في سورية الى درجة التهديد بحرب إقليمية تقوم بها قوى المقاومة والممانعة، فإن لسان حال قيادة «حزب الله» يصبح أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، بحيث يتعطل دور أي حفنة، في الحزب وبالتالي في الجهة المقابلة، في فتح أبواب الحوار.

ومن المؤكد أن الرئيس سليمان لا يبني حساباته على «قراءة ظرفية» بقرب سقوط النظام، وليس معروفاً عنه التسرع على رغم تأكيده أن «السلاح أصبح في صلب النقاش الوطني». لكنه والكثير من اللبنانيين، يستشعرون حساسية المرحلة التي بلغتها المواجهة في سورية. فتصاعد الأدوار الإقليمية في المجابهة مع إمعان النظام السوري في الحل الأمني يتم في ظل حديث عن دوري تركيا والأردن واستبعاد لبنان. إلا أن الخوف هو من أن يستخدم ساحته الفريق الإقليمي الآخر الذي يخوض حرب تكريس بقاء النظام.

وربما يساعد تحذير سليمان في استباق هذا الاستخدام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد معركة دمشق: هل بدأت وليمة الذئاب؟

بكر صدقي *

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٢

الحياة

كان الخبر الأبرز بعد ضرب خلية إدارة الأزمة في دمشق، هو استيلاء ثوار الجيش السوري الحر على عدد من المعابر الحدودية مع تركيا والعراق. ويعني هذا واقعياً ورمزياً انفتاح المشكلة السورية على جميع التدخلات.

هذه مفارقة غريبة: في الوقت الذي لا تريد القوى العظمى أي تدخل عسكري في سورية، تنفتح جميع بوابات التدخل من كل الجهات. لا يتعلق الأمر فقط بالبوابات الحدودية المشار إليها، بل كذلك بثلاثة تطورات أخرى تجعل من سورية ساحة مفتوحة للجميع.

الأول هو وصف منظمة الصليب الأحمر الدولية ما يجري في سورية بأنه «حرب أهلية». وتقتضي هذه في العرف الدولي تدخل طرف ثالث للفصل بين القوات المتحاربة. الفرنسيون، كما نستشف من تصريحات أركانهم، هم أكثر المتحمسين لسيناريو الحرب الأهلية هذا. ألم يكن مشروع تقسيم سورية إلى خمس دويلات، في 1926، مشروع فرنسا المنتدبة أممياً لحكمها؟

التطور الثاني هو «تحرير» مقاتلي حزب العمال الكردستاني، من دون قتال، غالبية مناطق الشمال الكردي من الوجود الرمزي للنظام الذي سبق وسلمهم تلك المناطق طوعاً. لا يغير من الأمر شيئاً القول إن «مجموعات مشتركة» من الفرع السوري للحزب التركي والمجلس الوطني الكردي في سورية هي التي سيطرت على الوضع بموجب اتفاق هولير بين الطرفين الذي رعاه مسعود البارزاني. فالواقع أن الاتفاق المذكور لم يكن غير إعادة تموضع للمجلس الوطني الكردي الذي يضم معظم الحركة السياسية التقليدية الكردية في سورية، وانتقاله إلى موقع حزب العمال الكردستاني.

التطور الثالث هو إطلاق معركة السلاح الكيميائي الذي يملكه نظام الأسد. قبل نحو شهرين جرى تدريب على السيطرة على مواقع هذا السلاح في إطار مناورات عسكرية جرت في الأردن تحت اسم «الأسد المتأهب» بمشاركة قوات عسكرية لـ19 دولة بينها الولايات المتحدة الأميركية. بعد ذلك تواترت تصريحات أميركية محذرة من وقوع تلك الأسلحة بأيدي مجموعات متشددة. ثم جاء التهديد الإسرائيلي الصريح بالتدخل العسكري في سورية إذا حاول النظام نقل سلاحه الكيميائي إلى حزب الله في لبنان. وجاء رد النظام على كل ذلك فاجعاً في وقاحته. قال جهاد مقدسي الناطق باسم الخارجية السورية إن النظام لن يستخدم سلاحه الكيميائي إلا إذا تعرض لتدخل خارجي. وقبل أن يتيح الفرصة للتكهنات عما يعنيه بالتدخل الخارجي (فهو جارٍ على قدم وساق – كما يزعم النظام – منذ بداية الثورة السورية، ومن دول عدة، بما في ذلك ما يسميه بالتحريض الإعلامي والفبركة الإعلامية)، هدد المقدسي صراحةً بضرب السكان في المدن السورية بالسلاح الكيميائي، حين قال إن «المجموعات المسلحة» ستستخدمه لاتهام النظام باستخدامه. نحن نعرف ما يعنيه ذلك. ففي المجازر الطائفية التي ارتكبتها قوات النظام وميليشياته المحلية في الحولة والقبير والتريمسة وغيرها، اتهم النظام المجموعات الإرهابية المسلحة بارتكاب تلك المجازر فقط لتتهمه بها. نتذكر بهذه المناسبة تصريحات إعلامية لأحد أتباع النظام في لبنان، اتهم فيها سعد الحريري باغتيال والده رفيق الحريري، فقط ليتهم النظام السوري بدم أبيه.

توحي جميع التطورات الأخيرة منذ بدء معركة دمشق واغتيال خلية إدارة الأزمة، ثم إعلان أحد فصائل الجيش الحر عن بدء معركة تحرير حلب، بأن النظام دخل ربع الساعة الأخير قبيل سقوطه. غير أن إسقاط النظام الذي هو هدف الثورة السورية بجناحيها المدني والعسكري، من المحتمل أن يتحول إلى مادة الصراع الدولي على سورية ومبتدأها معاً. فقد نضجت الثمرة السورية الآن، وستبدأ معركة اقتسامها.

تركيا التي اكتفت طوال فترة حرب النظام على الشعب السوري، بإطلاق التصريحات النارية، وسكتت على اختراق حدودها السيادية مرات كما على إسقاط طائرة استطلاع تابعة لقواتها الجوية، تستعد اليوم لخوض معركتها ضد دويلة حزب العمال الكردستاني على طول الحدود الشمالية لسورية. نشرت الصحف التركية في 23/7/2012 خبر تقرير استخباري مرفوع إلى أنقرة، يحدد مواقع تخزين سلاح حزب العمال الكردستاني في منطقتي كوباني وعفرين في محافظة حلب، مع أسماء الأشخاص المسؤولين عن حمايتها. كما اجتمعت القيادة التركية مع وفد من قيادة المجلس الوطني المعارض في أنقرة، وأبلغته «حرص تركيا على وحدة الأراضي السورية».

ورصدت استخبارات الولايات المتحدة تحريكاً للأسلحة الكيميائية في الفترة الأخيرة. فإذا أخذنا في الاعتبار أن نظام الأسد لا يتمتع بأي حصافة إلا حين يتعلق الأمر بحرصه على أمن إسرائيل، أمكننا توقع الأسوأ: ضرب بعض المناطق داخل سورية بالسلاح الكيميائي تتويجاً لمجازر الحولة والقبير والتريمسة ذات الطابع الطائفي المكشوف. وبعد ضرب خلية إدارة الأزمة وانتقال المعركة إلى عاصمتي الجنوب والشمال، لم يعد لدى النظام أي وهم بإمكان استعادة سيطرته على الوضع في عموم البلاد.

إذاً، فالهدف من الاستخدام المحتمل للسلاح الكيميائي – إذا حدث – سيكون إجراء المزيد من التغيير الديموغرافي في المناطق المتداخلة طائفياً. وهنا تتدخل الأمم المتحدة بقوات فصل لـ «حماية الأقلية العلوية من الإبادة على يد السنّة». وربما يتكفل الروس على المدى الاستراتيجي بحماية الدويلة العلوية المفترضة. وستكون إسرائيل «مطمئنة» لبقاء أسلحة التدمير الشامل الأسدية بأيد أمينة.

هذه ساحة مثالية لحركة المجموعات الجهادية المسلحة من منظمة القاعدة ومن خارجها، وقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تسللها إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

ترى هل وئدت ثورة الحرية والكرامة وتأفغنت سورياً؟

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لمجابهة قوات القمع في بلاد الشام

وفيق السامرائي

الشرق الأوسط

27-7-2012

أظهرت معارك دمشق وحلب أن النظام مصمم على المضي في الحل الأمني، مما يتطلب أقصى درجات التحسب من قبل الثوار، لأجل تقليل حجم التضحيات وتقريب يوم الحسم. ومع أن المعارك الأخيرة أظهرت تقدما نسبيا في تسليح الجيش الحر، وتطور حالة التنسيق الميداني بين الألوية والكتائب الثورية، فإن الأيام المقبلة مرشحة للمزيد من التصعيد القتالي، وستحاول قوات القمع استعادة مناطق محررة، من خلال استخدام ثقل ناري كبير. مما يجعل تغيير أساليب القتال ضروريا، لتفويت الفرصة عليها في تحقيق مواقف مثيرة لمصلحتها. كما أنه من الضروري العمل على عرقلة مناورة قوات القمع بين مناطق العمليات، وجعل تنقلاتها على المحاور الرئيسية مكلفة للغاية ومعقدة. واستثمار سحب قوات السلطة من المناطق البعيدة، لتكوين قواعد انطلاق راسخة لحماية المدنيين.

ويستنتج مما يظهر على شاشات التلفزيون ما يشير إلى حصول الجيش الحر على عدد من أسلحة مقاومة الدبابات، إلا أن الزيادة المرصودة لا تزال قليلة للغاية، مقابل زج النظام بآلاف المدرعات لمحاولة سحق الإرادة الشعبية. والتهديد الرئيسي يأتي من المدرعات أكثر من أي شيء آخر. ومن دونها لا يستطيع خريجو السجون من مرتزقة الشبيحة مجابهة الثوار. فالمرتزقة على الدوام يعملون في ظروف انتهازية وظلامية. وعلى المجتمع الدولي عدم التخوف من حصول الثوار على صواريخ متطورة لمقاومة الدبابات، لأنها لم تعد عنصرا مهما في حسابات صراع استراتيجي لقوى كبرى. وهذه وصفة لا تتعارض كثيرا مع هواجس الأمن التركي.

وليس معقولا أن يدمر بلد ويذبح شعب بهذه الطريقة السافرة، ولا تتاح للثوار صواريخ لمجابهة الهليكوبترات الهجومية. وإذا كان الاستخفاف بعقول الناس ممكنا، عندما تعتبر القدرة المزعومة للدفاع الجوي لجيش السلطة سببا في عدم فرض منطقة حظر طيران، فإن عدم تزويد الثوار بصواريخ كتف مضادة للطائرات يطرح علامات استفهام كبيرة، حيث جرى إعطاء أفضل أنواع الصواريخ للمقاتلين القبليين والمتطوعين العرب في حرب طرد الجيش الأحمر من أفغانستان. ويفترض إعطاء الثوار من الصواريخ التي استخدمت قبل ثلاثين عاما، ليدافعوا بها عن الأطفال، بدل إشغال العالم بالحديث عن أسلحة كيماوية، لن يجرؤ النظام على استخدامها.

وحتى إذا ثبت ما يقال عن وجود عشرات أو مئات المتطوعين من دول عربية يقاتلون إلى جانب الجيش الحر، فلا ينبغي تضخيم الأمر والتوقف عنده كثيرا، أو إخافة جهات معينة منه. فالثورة الشعبية عارمة، والمدد العربي بدأ يأخذ طريقه إلى الشعب السوري، داخل سوريا وخارجها، للسياسيين وللثوار واللاجئين، مما يعطي الشباب حصانة كبيرة. ولنأخذ نتائج الانتخابات الليبية قياسا ممكن التطبيق على الوضع السوري، الذي بقي لفترة طويلة قاعدة انطلاق للفكر القومي. وهو ما يسوق إلى تجاهل عبارات القلق على مستقبل سوريا، ومن سيحكمها بعد النظام الحالي، فالشعب السوري قادر بثقافته وعراقته على إعادة وحدة بلاده وبناء نظام متحضر. أما التحذير الروسي من أن بديل الأسد قد يكون أكثر عنفا وتشددا، فلا يستحق إلا السخرية.

ومع أن الحسم يتحقق دائما في الميدان، فإن النجاح الميداني له شروطه. ومع أن شباب الجيش الحر وغيرهم قدموا أرفع أمثلة للتضحية، فإن الشخصيات العسكرية والسياسية والأمنية التي عملت في مؤسسات الدولة يمكن أن تقدم دعما مضافا للثورة. وهو ما يؤيده تزايد الانشقاقات بعد التحاق السفير نواف الفارس بالثورة، وما أحدث من صدمة للنظام بحكم مواقعه المعروفة. ثم تلاه العميد مناف طلاس الذي وجه صفعة ستترك أثرا على النظام، «إذا» ما استخدم خزينة من المعلومات. ويفترض إبراز دورهما في الجوانب الميدانية والسياسية والإعلامية، لتسريع وتيرة النشاطات الإيجابية، من دون إخلال بحق فرسان الثورة وسياسييها. ومن الضروري جدا تشجيع انسلاخ جنود المناطق الثائرة عن تشكيلات القمع وتركها هياكل جامدة.

ولا يزال الموقف العربي - عدا الخليجي والأردني - دون مستوى المشاركة الإنسانية. وحسنا فعل العراق عندما قرر - ولو متأخرا - فتح حدوده أمام اللاجئين السوريين. ولمجابهة قوات القمع، فإن الدول العربية مدعوة إلى مساندة الشعب السوري «بكل الوسائل»، وأولاها دعم الثوار وتعزيز قدراتهم الدفاعية، لتعزيز حماية المدنيين، فحق الشعوب في حريتها فوق كل شيء. وبما أن الأغلبية الساحقة تريد التغيير واختارت طريق الثورة فإن الحق معها، بعيدا عن التوصيفات والمصالح الحزبية والسلطوية والعرقية والطائفية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد يجهز دفاعه في لاهاي

أمير طاهري

الشرق الأوسط

27-7-2012

ما هي عاقبة بشار الأسد؟ سؤال يتردد كثيرا في المحادثات غير الرسمية الرامية لوقف نهر الدماء في سوريا.

يزعم الوسطاء أن الرئيس الأسد سيوافق على التنحي إذا ما حصل هو وعائلته على ضمانات بعدم ملاحقته قضائيا. في بداية الأسبوع الحالي، أوشك المجلس الوطني السوري، المظلة التي تجمع تيارات المعارضة، على عرض مثل هذا الاتفاق عبر اقتراح «الحل اليمني» لإنهاء أزمة حصدت ما لا يقل عن 20 ألف شخص. وقضى الاتفاق اليمني بتنحي الرئيس علي عبد الله صالح عن الرئاسة لنائبه عبد ربه منصور هادي، في مقابل الحصانة من الملاحقة القضائية. النسخة السورية من الحل اليمني ستشهد تسليم الأسد للسلطة لأحد نوابه الذي سيضطلع بتشكيل حكومة انتقالية وإقامة انتخابات حرة في غضون فترة زمنية معقولة.

لم يتضح بعد المكان الذي قد يتوجه الأسد إليه بموجب مثل هذا الاتفاق، هل سيظل في سوريا؟ وهل سيملك المجلس الوطني السوري السلطة لمنح الأسد وأمه وزوجته وأخاه ماهر الحصانة؟ لم يجب المجلس الوطني السوري عن هذه التساؤلات.

نظريا، ستتمكن الحكومة المؤقتة التي سيشكلها أحد نواب الأسد من منحه الحصانة. بيد أن مثل هذا القرار لن يثني الحكومات السورية المقبلة، ولن يثني 139 دولة وقعت على نظام روما الأساسي الذي أنشئت بموجبه محكمة العدل الدولية. تم التوقيع على نظام روما الأساسي في عام 1998 بعد عقد من المفاوضات التي شملت 70 دولة. ويعطي النظام محكمة العدل الدولية الحق في تحريك الدعاوى القضائية في القضايا المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب والإبادة العراقية والتطهير العرقي. حتى الآن وقعت 139 دولة على الميثاق الأساسي، وصدقت عليه 121 دولة كجزء من قانونها الوطني.

المشكلة هي أن محكمة العدل الدولية تختص فقط بالانتهاكات التي وقعت في الدول التي وقعت على النظام الأساسي، وسوريا لم تفعل ذلك. يمكن للملاحقة القضائية أن تصدر بتفويض من مجلس الأمن في الدول الواقعة خارج نطاق محكمة العدل الدولية. وقد يأمل الأسد في أن تستخدم روسيا التي دعمته لفترة طويلة الفيتو في منع اتخاذ مثل هذه الإجراء ضده.

لكن هل سترغب روسيا في إغضاب سوريا الجديدة، والعالم الإسلامي، من أجل إرضاء بيدقها الخاسر؟ ولحماية رهاناته أعد الأسد دفاعه ضد التهم التي قد توجه إليه. والمقابلات التي أجراها مع قنوات أميركية وإيرانية وألمانية وتركية خلال السنوات السبع الماضية تقدم لمحات عن هذه الخطة.

ويبدو دفاع الأسد قائما على أربعة أركان:

الأول أنه لم يعلم بهذه المذابح. ففي مقابلته مع شبكة «إيه بي سي» الأميركية، استخدم عبارات «لم أعلم» و«لم أسمع» ما لا يقل عن 11 مرة. ويزعم أنه لم يطلع على الوثائق التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى حكومته في ديسمبر (كانون الأول) وتحوي تفاصيل بشأن 225 قضية تعذيب واغتصاب وقتل نفذتها قوات الأمن التابعة له.

بيد أن كل الأنظمة القضائية لا تعتبر الجهل بالقانون عذرا، والنظام الأساسي ليس استثناء. كان ذلك هو الخط الذي استخدمه الصربي المخلوع سلوبودان ميلوسوفيتش وديكتاتور ليبيريا تشارلز تايلور، دون جدوى. كل ما كان يحتاجه الأسد لاكتشاف ما يدور حوله مشاهدة التلفزيون الحكومي لرؤية الشعب يقتل على يد جلاوزته.

الركن الثاني في خطة دفاع الأسد سيكون نفي علاقته بالقوات الأمنية السورية، ليلقي عليها بالمسؤولية وحدها عن هذه المذابح. ففي مقابلته مع قناة «إيه بي سي»، قال «هذه ليست قواتي، إنهم قوات عسكرية تابعة للحكومة وليست تابعة لي. أنا لا أملك هذه القوات ولذا فهي ليست قواتي». وعاد ليدندن حول هذه الفكرة في المقابلة التي أجراها مع التلفزيون الإيراني، حيث زعم أن «القادة فقط هم من يحددون كيفية التعامل مع الموقف».

أبدى قادة الجيش السوري قلقا من جهود الأسد لإلقاء اللوم على الجيش. فاستقال وزير الدفاع السابق علي حبيب بعد مطالبته - في ما يتعلق بإطلاق النار على المدنيين - بأن يعطي الأسد أوامره كتابة. ويقال إن خلفه داود راجحة طلب الأمر نفسه قبل أيام من مقتله في التفجير الانتحاري. وخلال الأسبوع الحالي، أعاد المتحدث باسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي ترديد المزاعم ذاتها للأسد بالإشارة إلى الأسلحة الكيميائية. وقال إن هذه الأسلحة ستستخدم فقط «بأوامر من الجنرالات»، ويقصد بهذا تبرئة الرئيس مسبقا.

هذا النهج أيضا يصعب ترويجه، فبموجب الدستور السوري يعتبر الأسد القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يعني أنه لا يمكن تنفيذ أي من قواعد الاشتباك من دون موافقته.

استخدم نهج دفاع مماثلا من قبل رادوفان كاراديتش في محكمة العدل الدولية. وعلى الرغم من ذلك فإن سيادة السلطة السياسية على الجيش قائمة في كل نظام قضائي. اللواءات السوريون ربما يكونون عرضة للمقاضاة لدورهم في المذبحة، لكن ذلك لا يعفي الأسد بوصفه السلطة السياسية الأعلى في البلاد.

الخطة الثالثة لدفاع الأسد هي إنكار وقوع حرب في سوريا، وأن ما يجري ليس سوى حملة تشنها عصابات إرهابية تعمل نيابة عن القوى الغاضبة من تحالفه مع ما يسمى «جبهة الممانعة». هذه هي الفكرة الرئيسية التي استخدمت في المقابلة مع القنوات الإيرانية والتركية.

مشكلة الأسد هي أنه أضعف حجته بإعلانه أن سوريا تواجه حربا حقيقية قبل أيام فقط من إعلان منظمة الصليب الأحمر الدولية بلاده منطقة حرب أهلية. وسواء أكانت تلك حربا حقيقية أم أهلية، ما يهم هو ضرورة تطبيق معاهدات جنيف في سوريا اليوم. وهذا يعني إمكانية توجيه تهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الأسد.

خطة دفاع الأسد الرابعة ظهرت جلية في مقابلته مع التلفزيون الألماني، وتتمثل في رفض الأمم المتحدة وووصف محكمة العدل الدولية - ضمنيا - بأنها عار، فقال «الأمم المتحدة تخضع لسيطرة الولايات المتحدة، وتفتقر إلى المصداقية». وبعبارة أخرى فهو لا يعترف بشرعية محكمة العدل الدولية لمحاكمته، حتى وإن بدأ مجلس الأمن الدولي هذه الدعوى.

الخط الدفاعي استخدمه ديكتاتور ساحل العاج السابق لوران غباغبو والرئيس السوداني عمر البشير. والأسد يغامر بأن يجد نفسه في موقف مشوه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخاوف «مناف»

مشاري الذايدي

الشرق الأوسط

الانطباع الذي يخرج به المرء من كلام العميد السوري المنشق، مناف طلاس، هو أن سقوط بشار الأسد يجب أن يكون محصورا به، وبزمرته التي تلوثت يدها بدماء السوريين، وحتى بجزء معين من الجيش والقوات الأمنية.

في بيانه المقتضب على شاشة «العربية»، أو في حواره الموسع أمس مع الزميل طارق الحميد، رئيس التحرير، هنا، كان الجنرال السوري السني محددا، واضحا، في الحرص على «تماسك» الدولة السورية، ونسيج المجتمع، وحصر الأضرار في أضيق نطاق. الجنرال يستند إلى عدة مزايا، منها أنه كان من «نخاع» البيت الأسدي، وورث من والده العماد مصطفى طلاس، صداقة بيت الأسد، حيث كان الابن مناف صديقا لباسل، ولي العهد الذي مات فجأة، ثم ولي العهد الثاني بشار، كما كان الوالد صديقا حميما مخلصا لأبعد قطرة دم، للوالد حافظ الأسد، إضافة إلى كونه – ما دام الحديث الطائفي طاغيا الآن - من أهل السنة، بل من مدينة الرستن التي تعرضت لأبشع صور القتل وإجرام قوات الأسد. فهو من جهة مطمئن للطبقة الاجتماعية - وهي ليست قليلة - التي استفادت من حقبة الأسد، إضافة للطائفة العلوية وبقية الطوائف، على اعتبار أن مناف كان «تقريبا» ابنا لحافظ الأسد، فهو ليس غريبا ولا طارئا على هذا المناخ، ومن طرف آخر هو ينتمي إلى المكون السني التقليدي. فضلا عن كونه ابنا للجيش والمدرسة العسكرية.

جنرال سني «مودرن» مقرب من بيت الأسد، وأخيرا منشق عن النظام، ولكنه يؤكد كل مرة، كما حديثه مع «الشرق الأوسط»، قضية تماسك الجيش السوري، وأن «الجيش الحر» هو امتداد للجيش السوري «غير الملوث»، إضافة لتكراره الحرص على تماسك «النسيج السوري». هذه هي المواصفات المطلوبة دوليا للخروج من الأزمة، بل وتقطع الطريق على «الرطانة» الروسية حول الخوف على الأقليات.

من أهم ما طرحه العميد مناف طلاس، هو التحذير من فكرة «الاجتثاث»، وهي بالفعل فكرة خطيرة، ذاق العراق - وما زال - منها الويل والثبور، وهي فكرة انتقامية غرائزية، إضافة لكونها غير عملية. المطلوب هو حصر الضرر في أضيق نطاق، هذا هو الوضع المثالي، وقد كان مناف أيضا حريصا على تبيين أنه ليس طالبا لسلطة، بل تهمه فكرة تماسك الوطن السوري ونسيجه الاجتماعي، وهو قال صراحة إنه لا يرى مستقبلا لسوريا مع بشار الأسد.

كل هذه أفكار جميلة لو تحققت، وأتمنى تحققها، بمناف أو بغيره، وتقليص آلام المرحلة الانتقالية، ولكن الواقع يقول إن هذا الأمر قد يكون صعبا على الأرض، هناك جردة حساب معقدة من الدماء والمجازر، نتوقع - ولا نتمنى - أنها لن تزول بسهولة. فنظام الأسد جرف البلد واستثار كمية مهولة من أحقاد التاريخ، صبغها بالدم والأشلاء، هو الذي جلب الوحش الطائفي الكامن في الأعماق، وليس غيره.

الرهان هو على تاريخ مشرق من التناغم الاجتماعي السوري منذ الاستقلال السوري.

بكل حال، النظام السوري زرع الريح فحصد العاصفة، ونتمنى أن يسلم الوطن السوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قائمة الخاسرين في معركة الحرية السورية

الوطن السعودية

26-7-2012

نهاية مايو المنصرم كتبت مقالي "الصين الخاسر الأكبر في اللعبة السورية"، بطبيعة الحال فإنها أصرت على موقفها الداعم لنظام دكتاتوري لا يختلف عن نظامها الذي يحكم بالحديد والنار ويقتل مسلمي الصين ويضطهدهم، وخسر تحالفاً إستراتيجياً مع القوى العربية الصاعدة والتي تقود اليوم منطقة ذات رؤى جديدة، فهي خسرت عقوداً وصداقة وجسراً لعالم نشط، ولن تكون خسائرها فقط في دول التعاون لكن لعنة سورية ستطاردها إلى أفريقيا وما بعد بعد أفريقيا.

لكن قرار الجيش السوري الحر الشرعي طرد الروس من قاعدة طرطوس التي تحتلها سيجعل السفن الروسية حبيسة موانئ بعيدة وستحرر البحر الأبيض المتوسط من إزعاج هذه القوات التي تبتز العالم بمناورات دائمة وتفرض وجودها ضمن معادلة الوجود الأميركي في أوروبا الشرقية، فهي تخسر إضافة إلى خروج سورية من قائمة مشتري السلاح الروسي الفاشل لتكون خارج معادلة التحالف والعقود والمستقبل في المنطقة.

أما إيران فهي التي لن تكون خاسرة فقط بل ستودع مع الأسد أحلامها بإمبراطورية مذهبية عنصرية، وتخسر مع عميلها في دمشق مليارات الدولارات التي استثمرتها في زرع الفتنة بدلا من أن تقدمها للشعب الإيراني المسكين على شكل دعم لأسعار الوقود والمواد الغذائية والتعليم والصحة، إلا أنها أنفقته على تسليح الغير وأدلجة المنطقة وتدريب جيوش غير إيرانية ومحاولة فرض سلطة شخص ما في طهران ليكون له نفوذ على شعوب أخرى، لا ليعطيهم صوت الفكر العاقل المستنير الداعم لمشاريع التنمية، بل ليذيقهم سوط العذاب الذي يضرب به باسم الإمام الغائب ليدعم مشاريع الموت والدمار والفتنة في المنطقة، إضافة إلى دعمه لتنظيم القاعدة الذي يجلس بضيافته ليقدم الخراب في العالم.

فيما يمكن إضافة إسرائيل إلى هذه القائمة، لأنها ستواجه نظاما وطنيا لن يجامل مقابل البقاء في الحكم لأربعة عقود، ومع المواقف المتخاذلة لأميركا وأوروبا فإن الشعب السوري وحده من يحدد كيف يتعامل معهم بعد أن تستتب الأمور له في إدارة موارد هذا الركن الهام في العالم العربي، والذي يتكون من السعودية قلب مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وسورية، ومصر، والعراق.

عمر الزبيدي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية ... "كلنا الشام"

الراية

26-7-2012

تأتي حملة "كلنا الشام"التي انطلقت في الدوحة وتنظمها الجمعيات الخيرية القطرية لدعم وإغاثة الشعب السوري الشقيق في إطار الدعم القطري الرسمي والشعبي للأشقاء في سوريا، وترجمة لأواصر الأخوّة والعقيدة التي تربط بين الشعبين، وتلبية للحاجات المتزايدة للاجئين والنازحين السوريين الذين تتزايد أعدادهم يوما بعد يوم جراء استمرار أعمال العنف.

لقد سعت الجمعيات الخيرية القطرية ومنذ اليوم الأول لثورة الشعب السوري المطالبة بالحرية والتغيير والتي واجهها النظام السوري بالقتل والعنف إلى القيام بواجبها الديني والإنساني فسيرت العديد من حملات الدعم والمساعدات الإنسانية والطبية والغذائية إلى اللاجئين السورين في مخيمات اللجوء في دول الجوار ما كان له أكبر الأثر في التخفيف عن معاناتهم. حيث كان الشارع القطري سباقا في دعم جهود الجمعيات الخيرية القطرية التي حرصت ولا زالت على القيام بحملات إيصال مساعدات الإغاثة للاجئين السوريين في دول الجوار تركيا، لبنان، الأردن.

الوقفة الأخويّة التي تعكسها حملة "كلنا الشام " تعبر عن انحياز دولة قطر رسميا وشعبيا إلى خيار الشعب السوري وحقه في العيش بحرية وكرامة ورفضها القاطع وإدانتها للمجازر التي يقوم بها النظام ضد أبناء الشعب السوري كما تعبر عن التناغم الكبير بين الجهد الرسمي الذي تقوم به الدولة من خلال السعي المتواصل لوقف العنف والقتل والمجازر وإخراج سوريا من محنتها المؤلمة والجهد الشعبي في تقديم الدعم المساندة والإغاثة العاجلة والمساعدات الإنسانية الغذائية والإيوائية والطبية للنازحين واللاجئين السوريين.

الشعب السوري الذي يعيش المحنة بسبب دموية النظام وبطشه يحتاج منا إلى أن نمد له يد العون وأن نقف معه وقفة الأخ لأخيه حتى تنتهي هذه المأساة التي حصدت أرواح آلاف الأبرياء فضلا عن الجرحى والمرضى والمشردين.

إن استمرار سياسة البطش التي يتبعها النظام ضد الشعب السوري الذي بات يستخدم الطائرات العسكرية والأسلحة الثقيلة في قصف المدن والبلدات السورية، أدت إلى زيادة تدفق اللاجئين السوريين إلى دول الجوار ما يؤكد الحاجة إلى تكاتف وتعاون الجميع من منظمات خيرية وإغاثة ودول من أجل مد يد العون لهم. وتقديم المساعدات الإغاثية العاجلة لهم.

لقد كانت ولا زالت دولة قطر سباقة رسميا وشعبيا في دعم ومساندة الشعوب العربية والوقوف إلى جانبها لنيل حريتها وكرامتها، والشعب القطري الذي وقف إلى جانب الشعوب العربية وثوراتها في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا يجسد من خلال حملة "كلنا الشام" كل معاني الإخوة الإسلامية وهو يقدم أنموذجا حيا على وحدة الأمة العربية والإسلامية التي هي كالجسد الواحد الذي تتداعى كل أعضائه بالسهر والحمى حتى يستعيد عافيته ويتخلص من الظلم والطغيان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد الأسد.. الأسئلة الحائرة!!

يوسف الكويليت

الرياض

26-7-2012

لم تستطع القوى المتنازعة في مجلس الأمن، روسيا والصين من جهة، وأوروبا وأمريكا من جانب آخر، فرض رئيس على دول الربيع العربي، أو خلق حزب موال، حتى لو قيل إن حوارات ولقاءات جرت مع قوى إسلامية، أفرزت تلاقي وجهات نظر على نقاط حساسة، ومع ذلك بقي الشارع قوة الضغط في تفويت أي اتفاقات ترسم سرياً، مما أجبر تلك الدول التعامل بواقعية مع الواقع الجديد، ومستجداته..

فالتيار الإسلامي الذي حكم تونس ومصر، خالفته ليبيا بانتخاب الجبهة الليبرالية وهي المفاجأة التي لم ينتظرها أعضاء مجلس الأمن، وتبقى اليمن على ذات الاتجاه، أي أن زوال سلطة الرئيس السابق مهدت لقيام حكومة وطنية لا تنتمي لتيار معين، بل تحاول أن تكون توافقية لكل اليمنيين.

سوريا طرحت الأسئلة المعقدة، ففي الوقت الذي ترى روسيا أن التغيير يتم بإرادة الشعب السوري، تشعر بخوف أن تتسع الثورة، ويأخذ الجيش الحر دور الجيش النظامي، وهنا قد يكون المتغير يتجه بغير الرياح الروسية، أي أن اقتلاع السلطة بقوة الدفع الشعبي يعني أن الخيارات أخذت ثقلها وقانونها من هذه الدوافع..

الغرب على العكس، يسأل عمن يخلف الأسد ونظامه، فهو يراوح بين القبول برحيل الأسد، وتولي أحد أركانه الحكم، وهو ما ترفضه المعارضة إلا بشروط لا يقبلها الطرف الآخر، وتخشى أن يسيطر تيار إسلامي أو قومي متطرف يأخذ بنزعة تصفية الحسابات مع الطائفة العلوية، مما يعني تفجير حرب أهلية، ويأتي الإصرار على شخصية توافقية صيغة مطروحة، لكن من يكون هذا الشخص، ومن يتفق عليه؟!

المتفائل ينزع إلى أن حتمية الحرب الأهلية غير واردة، لأن من بين العلويين من اضطهدتهم السلطة، وأن إلحاق الجريمة بهم جميعاً لمجرد أن الأسد وحزامه الأمني والعسكري من هذه الطائفة، وهم من مارسوا القتل والتعذيب والتشريد، يجد أن من بين القيادات العليا عناصر سنية ساهمت بالجريمة، ثم أن الشعب السوري أكثر ثقافة ووعياً من بقية الدول العربية الأخرى، وهذا سبب جوهري لتوحيد الوطن وعدم تناثره بين القوى الأخرى، وحتى الأكثرية السنية طرحت ميثاقا وطنيا يحمي كل الأقليات وحقوقها..

نزاع القوى الكبرى حول سوريا، لا يفسر بصيغته الساذجة، وكأنه خلاف يحيي الحرب الباردة، لكنه اختبار بمن سيفوز بالنتيجة النهائية كأحد أهم رسم الخطط للمراحل القادمة؟

فالروس هم الأكبر في حشد قوتهم العسكرية، وخبراؤهم يديرون المعارك بجانب الأسد، معتقدين أنها الورقة الأخيرة الدخول إلى منفذ على الأرض العربية، ومقابلة لأوروبا من خلال تواجدها في البحر الأبيض المتوسط الذي يعتبر مياهاً أوروبية واستراتيجية لها..

دول الأطلسي ترسم خططها بحتمية سقوط الأسد، ومسألة بقائه لا ترتكز على قوته العسكرية مقابل نسبة شعبية هائلة ترفض نظامه، ومن خلال هذا المسار يرى الأطلسيون أن دعم الجيش الحر والمعارضة سيكون البديل عن تدخل مباشر، إلا إذا فرض الأسد دخولهم باستعماله الأسلحة المحرمة، وهذا ما يعاكس أهداف روسيا ذاتها، ثم أن أي تطور قادم بوصول حكومة وطنية، لن يكون للروس دور وحتى تواجد في سوريا، والرهان على المستقبل أصبح بيد الشعب السوري الذي يقرر ما يريد، وما يفعل..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العاصفة الكيميائية... الحرب الاقليمية؟!

راجح الخوري

2012-07-26

النهار

تراوح الازمة السورية منذ اشهر امام احتمالات ثلاثة: ان يتنحى الاسد وفقاً لخطة كوفي انان عن الانتقال السياسي، او ان تذهب سوريا الى حرب اهلية طويلة، او ان ينتقل الى الجبال الشمالية لاعلان دولته العلوية من اللاذقية.

بعد الانفجار الذي اطاح الرأس الامني للنظام وانتقال القتال الى احياء دمشق العاصمة السياسية التي قال الجيش انه استعادها، والى احياء حلب العاصمة الاقتصادية، وبعدما بات ظهرالنظام الى الحائط كما قيل، برزت فجأة عاصفة الاسلحة الكيميائية والجرثومية لتفتح صفحة جديدة في الصراع زادت الخوف من تحول القتال حرباً اقليمية تنجرّ اليها دول من الاقليم ومن خارجه!

المثير ان العاصفة الكيميائية انطلقت بتعمد واضح من النظام الذي لم يكن يقر بوجود هذه الاسلحة لديه، وهو ما ساعد على تأجيج كل ما قيل عن ان سقوط النظام سينسف التوازن الاستراتيجي في المنطقة وسيدمر اربعة عقود من الجهود الايرانية التي اقامت "حلف الممانعة والمقاومة".

والمفارقة ان اثارة النظام مسألة الاسلحة الكيميائية كانت بدافع التحذير من تدخل خارجي يساعد في انهاء الازمة وفقاً لنظرية الانتقال السياسي، لكن هذا سرعان ما اثار زوبعة دولية اكدت وجود استعدادات عملية للتدخل ليس حرصاً على مستقبل سوريا بل خوفاً من انتقال هذه الاسلحة كما قيل الى "حزب الله" او الى عناصر التطرف ورجال "القاعدة"! ومنذ ثلاثة ايام لا تتحدث الانباء إلا عن تأهب عسكري اقليمي ودولي لمنع الاسد من استعمال هذه الاسلحة في الداخل، وكذلك لمنع نقلها الى الخارج او انتقالها الى مجموعات من المتطرفين في الداخل.

ولم يتوقف الامر عند حدود التحذير بل تزايدت الانباء عن استعدادات وخطط للتدخل إما لتدمير هذه الاسلحة في عملية جراحية اسرائيلية - اميركية، وإما لوضع اليد عليها والحيلولة دون وقوعها في ايدي المتطرفين عبر عمليات دقيقة منسقة اقليمياً ودولياً تنفذها قوات تركية واردنية. ووفقاً لتقرير مؤسسة "مابلكروفت" المتخصصة بتقويم المخاطر، فان اميركا و18 دولة اخرى تشارك منذ ايار الماضي في تدريبات عسكرية لتنفيذ خطة "الاسد المتأهب" التي قد تستند الى دور اساسي للقوات الاردنية الخاصة بهدف تأمين مخزون الاسلحة المذكورة.

ومع اعلان طهران انها وحلفاءها سيوجهون ضربات حاسمة لاعداء سوريا، وان الشعب السوري واصدقاء سوريا لن يسمحوا بتغيير النظام و"ان جبهة المقاومة لم تدخل الحلبة بعد واذا دخلت فستوجه ضربات حاسمة لجبهة العدو وخصوصاً العرب المكروهين "(هكذا بالحرف العرب المكروهين!)، يتبين ان النظام اصبح على الحافة وان هذه الحافة يمكن ان تقود الى حرب اقليمية واسعة لان الصراع بات على هوية "الشرق الاوسط الجديد" كما اشار السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: تحريك «الكيماوي» إيذان باستخدامه ضد الشعب - العدو

الخميس ٢٦ يوليو ٢٠١٢

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

إنها مرحلة كل الأخطار، كل العنف، كل الأخطاء والخطايا. لا شك في أن الشعب السوري يلامس أخيراً بداية تحقيق أهدافه، لكن النظام الذي أدرك أنه ماضٍ إلى الخسارة لا يزال قادراً على الأذى، أقصى الأذى، للشعب ولسورية نعرفها. إذا كانت الولايات المتحدة مسؤولة تاريخياً عن تخريب النسيج العراقي وتمزيقه بإقدامها على الغزو والاحتلال غير المتبصّرَين، فإن روسيا باتت وستستمر مسؤولة عما سيشوب النسيج السوري من تشرذم وتفتيت على رغم ادعائها أنها بمنعها التدخل الدولي إنما تحول دون نشوب حرب أهلية في سورية. إنها في الواقع تدير هذه الحرب إذ سعى النظام إليها وهي تدعمه بمشاركة إيران وتراهنان عليه.

لم يظهر السلاح الكيماوي في سياق الأزمة إلا عندما عمد النظام نفسه إلى «تحريكه» من مخازنه المعروفة. كان يطلق رسالة إلى من يهمه الأمر بأنه يتأهب لاستخدام هذا السلاح طالما أن الجميع يتكهن حالياً باقتراب نهايته.

حين ظهرت البنادق والرشاشات في أيدي المعرضين اعتلى النظام الموجة باللجوء إلى الأسلحة الثقيلة والقصف المدفعي والصاروخي، وحين دمّر الكثير من آلياته ودباباته دفع بسلاح الجو وكثّف استخدام الراجمات، ومع توقعه حصول «الجيش السوري الحرّ» على مضادات حديثة وصواريخ ها هو يلوّح بالسلاح الكيماوي. ليس صحيحاً أنه يريد نقله إلى «حزب الله» في لبنان - ليس الآن على الأقل - ولا صحيح أيضاً أنه قد يستخدمه فقط لردع تدخل خارجي يتمنّاه ويعلم أنه ليس وارداً.

هذا سلاح أعدّه النظام أساساً للفتك بالشعب الذي اعتبره دائماً أعدى أعدائه، ولديه سابقة صدام حسين في حلبجة. هذا التهديد بالكيماوي موجّه إلى الدول التي تسلّح «الجيش الحرّ»، ومن قبيل «أُعذِر من أَنذر»، فالجميع صار يعرف هذا النظام وتصميمه الدموي على البقاء أو نحر سورية وانتحارها قبل أن تنتحره.

كان أحد القادة الأمنيين في إدلب أطلق قبل فترة تهديداً موثقاً بـ «أننا سنضرب بالكيماوي ولا نهتم بمجلس الأمن». ويتداول السوريون على نحو واسع أن هشام بختيار (أو اختيار، رئيس الأمن القومي ورابع القتلى الكبار بتفجير مقره) قال في لقاء موسع «ولا بمليون قتيل يمكن أن يسقط النظام».

أما مندوب النظام في الأمم المتحدة فقدّم في طيّات كلامه السيناريو الأكثر ابتكاراً إذ لمّح إلى أن «جماعات متطرفة» قد تستولي على الكيماوي وتستخدمه «وبعدئذ ستقولون إنه النظام من استخدمه». وأخيراً نُقل عن الرئيس السوري نفسه قوله لأركان غرفة التجارة أنه إذا اضطر للانسحاب «فسيسلّم دمشق رماداً». هذه الشطحة مشابهة لما روي عن اللقاء المختصر والأخير بين رفيق الحريري وبشار الأسد حين أبلغه وقوفاً أن دمشق قررت تمديد رئاسة إميل لحود و «هذا غير قابل للنقاش» و «معك ثمانٍ وأربعون ساعة لتصدر حكومتك مشروع قانون للتمديد»، وأنهى المقابلة فاستدار الحريري منصرفاً لكن الآخر أضاف «إذا كنتَ وشيراك (الرئيس الفرنسي آنذاك) تعتقدان أنكما سترغمانني على الخروج من بيروت فإني سأكسّرها على رأسك ورأسه»...

هذا نظام لم تعد تعنيه سورية وبرهن أن خطوطه الحمر تقف عند العائلة التي صادرت طائفتها بذريعة حمايتها لكنها أمعنت في الإساءة إليها. هذا نظام عُهدت إليه جوهرة البلدان وواسطة العقد العربي ولا يأبه الآن بإعادتها إلى عهد الدويلات المتنافرة كما كانت إبان الحملة الصليبية، وإلى عقلية ذلك العهد الغابر وثقافته. وكما قيل في تبرير التشظي العراقي، يختصّ كتاب إسرائيليون بالقول اليوم إن سورية هي أيضاً «كيان مصطنع» لم يستطع مثله مثل العراقي أن يصمد مئة عام، فالتشرذم بالنسبة إليهم هو ما ستؤول إليه الأزمة. لا ينفك النظام يتحدث عن «مؤامرة» ويتجاهل أنه جزء منها بل أداتها. فهو قدّم نفسه رمزاً للعروبة والمقاومة والممانعة، وإذا به مجرد عنوان لـ «الشر المطلق» مع طاقة إجرامية غير مسبوقة تنافس أعتى الطغاة، حتى لم يعد ممكناً التعامل معه بأي منطق معروف، سياسياً كان أو أخلاقياً، عربياً أو دولياً. القادة المحاربون يقصفون عاصمة العدو لهزمه، وهو باسم المقاومة والممانعة يقصف دمشق التي يفترض أنها عاصمته. وحده نيرون أحرق عاصمته روما.

منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، الشهر السادس لهبّة الشعب السوري، أدرك النظام أن عليه أن يتنازل لإنهاء الأزمة، وقرر أن لا يتنازل بل أن يلوذ بموسكو فأرسل الرئيس إليها مستشارته وليس وزير خارجيته لأخذ الموافقة على الاستراتيجية التي وضعها النظام في ضوء قراءة عميقة للغضب الروسي بعد الاستعراض الأطلسي في ليبيا. لم يكن النظام باحثاً عن حل سياسي داخلي وإنما عن «حل عائلي» وعن دعم صلب يعينه على البقاء باعتباره منحة ربانية لا غنى لسورية والسوريين عنها. وكان له ما أراد، وما لبثت إيران أن مدّت أيضاً روسيا بأوراق إضافية مكّنتها من توسيع إطار المساومة الدولية. وهكذا جرى تكبيل تدويل الأزمة فيما دُفع تعريبها إلى الفشل، وعندما طلب العرب التدويل دُفع هذا بدوره إلى متاهة. ومع «الفيتو» الروسي - الصيني الثالث بدا المجتمع الدولي تائهاً ومضعضعاً. انتهت مهمة كوفي أنان عملياً، وانتهت مهمة المراقبين الدوليين، أي لن يكون هناك شهود في حال استخدم النظام السلاح الكيماوي في حمص أو دمشق أو حلب. لم يبقََ سوى البديل الذي طالبت به دول عربية، أي تسليح المعارضة السورية. كانت واشنطن وعواصم أخرى تتشكك وتجادل وتسوّف، لكنها باتت تقول أن لم يعد لديها سوى هذا الخيار «الاضطراري»، بعدما تحوّل الحل السياسي إلى سراب. فالأسد خادع أنان، وموسكو خادعت واشنطن والجميع بالنيابة عنه. بعض من هذه الأدوار سبق أن لُعب أمام العالم خلال الأزمة البوسنية وقبيل حرب كوسوفو.

نجحت روسيا في تعطيل مجلس الأمن ولم تنجح في بلورة «الحل» الذي يعطيها دوراً في تطبيع الوضع السوري، بما يمكن أن يحفظ مصالحها. تتظاهر بأنها محتاجة إلى النظام ومستغنية عنه في آن، وبأنها يمكن أن تُسقط الأسد لو أرادت والواقع أنها لا تستطيع، لكن الأكيد أنها قدّمت إليه ضمانات في حال اضطر للانكفاء إلى «دويلة الساحل» للتمتع بحماية قاعدتها في طرطوس. إذاً، إلى اللعب من خارج مجلس الأمن، وبلا تدخل مباشر، أقلّه الآن، أي عودة إلى «الحروب بالوكالة» بكامل كلاسيكيتها.

في مقابل انهيار التدويل كان من الطبيعي أن تهتز أيضاً استراتيجية الجامعة العربية في التعامل مع الأزمة، فهي بدورها تشهد انقساماً في المواقف بسبب العراق ولبنان تحديداً، ما عزز الميل إلى التعامل مع الأزمة خارج مظلتها. لكنها مع ذلك حافظت على خطّها التصاعدي بعرض «الخروج الآمن» للنظام متوقعة من رئيسه «خطوة شجاعة» لا يمكن أن تكون أقل من التنحي والرحيل. وفي العادة لا يُطرح عرض كهذا إلا عشية الانهيار الحتمي وتجنباً لكوارثه. لكن النظام لا يبحث عن خروج آمن بل يحلم بالانتصار على شعبه. سبقه كثيرون ولم يتعظ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيارات ما بعد موت خطة أنان في سوريا

عبد العزيز بن عثمان بن صقر

الشرق الاوسط

26-7-2012

فشل خطة أنان لتسوية الأزمة السورية لا يعد مفاجأة لكل من يعلم محتويات هذه الخطة والمبادئ التي قامت عليها؛ فالخطة لم تقتل عمدا من أي طرف من الأطراف السورية المتنازعة أو الأطراف الخارجية المتنافسة، بل ماتت موتا طبيعيا لأنها أصلا ولدت مشوهة وغير قابلة للحياة.

من غرائب هذه الخطة أنها تعاملت مع ثورة الشعب السوري بأسلوب يوحي بأن الثورة مجرد حالة تمرد واحتجاج بسيط، تحمل مطالب يمكن التعامل معها بيسر، ولم تتعامل مع الأزمة على أنها ثورة شعب تسعى لتغيير النظام القائم، والأدهى أن هذه الخطة تقوم على الاعتراف الكامل بسلطة النظام السوري، واعتباره الشريك الأساسي في تسوية الأزمة. وعهدت للنظام بتنفيذ بنود الخطة، ومنها قيام النظام بإصلاح الوضع السياسي في سوريا، أي الطلب من النظام إصلاح نفسه، وتبني الأسس الديمقراطية في الحكم، وغيرها من المطالب التي لا يرغب النظام في تطبيقها، ولن يتمكن من تطبيقها وحتى البقاء في السلطة.

جاء قرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 2059 يوم 20 يوليو (تموز) بالتمديد لفريق المراقبين لمدة أخيرة ونهائية أمدها شهر واحد غير قابلة للتغيير، ليعزز القناعة بموت خطة أنان، وربما معها موت ونهاية جميع جهود المنظمة الدولية للتعامل مع الأزمة السورية. وبناء على القرار الأممي الأخير فإن يوم 20 من أغسطس (آب) المقبل سيكون النهاية الرسمية لجهود المنظمة الدولية في التعامل مع الأزمة السورية.

جميع الأطراف توقن أنه لن تحدث معجزة خلال هذه الأيام القليلة؛ لذا فإن هناك حالة من الاستسلام للحقيقة الحتمية التي تؤكد أن تاريخ انتهاء مهمة المراقبين الدوليين سيمثل موعد خروج الملف السوري من سيطرة المنظمة الدولية وفتح الأبواب واسعة للخيارات الأخرى. لذا فإن يوم 20 أغسطس المقبل سيؤرخ لانقضاء أربعة أشهر كاملة على محاولات تنفيذ خطة أنان على أرض الواقع، وخلال هذه الفترة سقط ما يقارب الألفين من الضحايا السوريين الإضافيين، ليرتفع إجمالي عدد الضحايا إلى عدة آلاف، بما يفوق عدد الضحايا الذين سقطوا في ثورات الربيع العربي.

انتهاء الخيار الأممي، وعجز وشلل مجلس الأمن الدولي عن التدخل الفعال في تسوية الأزمة السورية، ستعيد ثقل الحسم إلى الاختيارات الثلاثة الأخرى المتبقية، وهي: الاختيار الدولي خارج آلية مجلس الأمن الدولي، والاختيار الإقليمي، ثم الاختيار السوري الداخلي.

ففي ظل الشلل وحالة العجز التي سيطرت على آلية مجلس الأمن نتيجة للاستخدام المتكرر للفيتو الروسي – الصيني المزدوج، فإن الخيار الدولي خارج إطار مجلس الأمن أمسى يتمتع بدرجة من الشرعية والقبول لم يكن يتمتع بها سابقا. وقد يأتي هذا التدخل عبر منظمات إقليمية - دولية، مثل منظمة حلف شمال الأطلسي التي لعبت سابقا دورا محوريا في إنهاء الأزمة الليبية والأزمة في البلقان، ولها دور أساسي في الصراع الدائر في أفغانستان. أو قد يأتي التدخل بشكل تحالف مجموعة من الدول الراغبة خارج إطار أي منظمة قائمة من أجل تطوير آلية للتدخل العسكري، وهذا ما حدث عام 1991 بقرار أربع دول معنية، هي الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، وتركيا، للتدخل العسكري في «تحالف الراغبين» لحماية الشعب الكردي في شمال العراق من بطش النظام العراقي آنذاك، وضمن هذا الخيار، وفي حالة تجاوز عنصر التبرير أو الشرعية، يكمن سؤال من شقين أساسين، الأول: هل هناك رغبة دولية قائمة لتكرار هذه التجربة من أجل حماية الشعب السوري؟ والشق الثاني: هل هناك قدرة على تنفيذ خطة عسكرية فعالة قليلة الخسائر البشرية، والمادية، والسياسية، ومضمونة النتائج، وقادرة على الحسم السريع للأمر؟ الجواب المنطق لهذا التساؤل، وبناء على الاعتبارات القائمة في الوقت الراهن هو بالنفي؛ فلا توجد دلائل على وجود رغبات حقيقية، أو قدرات عسكرية لتنفيذ هذا الهدف، ولا توجد حتى اليوم أدلة على قيام حلف شمال الأطلسي أو نواة «لتحالف الراغبين» بمهمة التدخل نيابة عن المجتمع الدولي.

حظوظ التدخل الإقليمي قد تكون بالتساوي والتوازي مخيبة للآمال، مثلها مثل احتمالات التدخل الدولي، فلا توجد أدلة كافية على قيام أو بلورة تحالف إقليمي يأخذ على عاتقه مهمة توفير الدعم الفعلي للثورة السورية> هذا على الرغم من التأييد الكاسح والتعاطف الكبير مع ثورة الشعب السوري على المستوى الإقليمي؛ فإيران الداعمة والمؤيدة للنظام السوري تقف وحيدة وفي عزلة تامة أمام التأييد والتعاطف الرسمي والشعبي الذي يعم العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط عموما، ولكن هذا النوع من التعاطف لم يترجم حتى اليوم إلى آلية حقيقية تقوم بمهمة توفير الدعم الفعلي للثورة السورية.

يبقى الخيار الأخير، وهو خيار انتصار الثورة من داخل سوريا دون الاعتماد على وسائل الدعم الخارجي، هذا الخيار هو الأكثر واقعية، على الرغم من كونه الخيار الأكثر تكلفة بالمقارنة مع جميع الخيارات الأخرى؛ فإسقاط النظام نتيجة المقاومة الداخلية قد يأتي بعدة احتمالات وصيغ مختلفة ومتنوعة، قد تتمثل بشكل جماعي أو منفرد، فقد أفرزت الأيام القليلة الماضية حقائق مهمة، وهذه الحقائق فتحت الأبواب واسعة على احتمال سقوط النظام نتيجة اشتداد العمليات العسكرية ضد قوات النظام التي تتصف اليوم بالشمولية والانتشار الجغرافي والتخطيط والإعداد المتطور، بجانب استخدام أسلحة جديدة وأساليب قتالية عالية القدرة، مما أنهك قوات النظام ووضعها في موقف حرج عاجزة عن التعامل مع هذه الضغوط الميدانية المتصاعدة، وخلال الأيام القليلة الماضية برز سلاح الاغتيال كآلية جديدة وفعالة لزعزعة النظام وإضعاف معنويات قيادته؛ فالعملية الأمنية الناجحة التي تم من خلالها تصفية أربعة من كبار القيادات الأمنية للنظام، تعد طفرة نوعية في حرب الثوار ضد النظام. وهذا النوع من العمليات سيؤدي إلى تفكك النظام واضمحلال الولاءات، وسيقود إلى الانهيار الداخلي والتدريجي للنظام. وهناك احتمال الانقلابات العسكرية ضمن الدائرة الداخلية للنظام، الذي يجب عدم استبعاده من الحسابات المنطقية، فهناك شريحة محددة ضمن النظام ستعمل على إنقاذ نفسها قبل الغرق الكلي لسفينة نظام الأسد، وربما ستحاول استباق الانهيار النهائي والحتمي بأخذ زمام المبادرة، وتغير قيادات النظام كحل وسط لتهدئة الأزمة. وعلى الرغم من أن هذا الخيار سيقوم على افتراض تولي عناصر من النظام زمام السلطة، وعلى إحداث تغيرات جذرية ولكنها غير كاملة على تركيبة السلطة داخل سوريا، فإن رد فعل الثوار ورد الفعل الشعبي لا يمكن تخمينه بشكل دقيق، بجانب صعوبة التنبؤ بردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه هذا النوع من التطورات.

إذن السؤال القائم اليوم الذي يستعصي على الإجابة الدقيقة هو: كيف ستكون نهاية النظام السوري؟ وكيف ستكون طبيعة ومسيرة الثورة السورية؟ فالاحتمالات جميعها واردة دون القدرة على تحديد: متى وكيف، ولكن يبقى أهم هذه الاستنتاجات هو الاستنتاج القائل بأن سقوط النظام السوري أمسى قضية حتمية.

* رئيس مركز الخليج للأبحاث في دبي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الروس والأميركيون والإيرانيون متواطئون على تقسيم سوريا!

هدى الحسيني

الشرق الاوسط

26-7-2012

مع بداية الأحداث في سوريا، يوم 15 من شهر (مارس) 2011، (اضطرابات درعا)، كان مسؤول عربي في زيارة لدمشق حيث التقى رجل الاستخبارات السرية هناك، اللواء محمد ناصيف، الذي فاجأه لدى استفساره عما يجري بالجواب التالي: «إما نحن وإما هم»، وكان يقصد بذلك إما نحن العلويين أو هم السنة. ومنذ ذلك الوقت لاحظ المسؤول العربي التدمير المنهجي للقرى والمدن السنية. ولم يستبعد أن تقود الأحداث إلى تقسيم سوريا، وزاد القصف على حمص فأدرك أنها محور هذا المخطط الجهنمي.

محطة أخرى، هذه المرة في إسطنبول، التقى مسؤول عربي آخر مسؤولا أميركيا يعمل في البيت الأبيض، فسأله عما إذا كان هناك من احتمال لتقسيم سوريا، فكان الجواب: «كل الاحتمالات واردة».

بعد العملية التي أودت بحياة كبار الضباط السوريين، دخلت سوريا في حالة من الدمار والتدمير، اعتقد كثيرون بأن الوقت قد حان لتوفير «مخرج آمن» للرئيس السوري، بشار الأسد، وعائلته إلى روسيا، والذي زاد في تفاؤل البعض، وارتباك البعض الآخر، تصريحات السفير الروسي في باريس، وكثرت التوقعات بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 19 من يوليو (تموز) إثر الانفجار الذي وقع في دمشق، ربما فات البعض أن يقرأ تصريح يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، ذلك اليوم، الذي أكد أن «الرئيسين لم يناقشا مصير الرئيس السوري، بشار الأسد، ولا حتى الجهة التي يمكن أن يتوجه إليها» وأضاف: «إن هذا الموضوع لم يتم التطرق إليه أيضا خلال اللقاء الذي جمع الرئيس بوتين ورئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان»، (جرى يوم 18 من يوليو في موسكو).

لا يستغرب مسؤول أممي تعويل إدارة أوباما على تغيير في الموقف الروسي ويقول: «إن في هذا منطقا، إذ كيف ستحافظ روسيا على مصالحها بالتمسك ببشار الأسد»، لكنه يضيف: «إن من بين الأشياء التي نراها ونعرفها، هو أن بشار الأسد يواجه تهديدا وجوديا لحكم عائلته، وربما للهيمنة العلوية، ولهذا تدعم إيران بقوة بشار حتى النهاية».

ماذا يعني هذا؟ يقول: «حتى لو أن روسيا (أمرت) الأسد بالتنحي، فهناك احتمال بأنه لن يصغي إليها، وبالتالي لماذا تريد روسيا اختبار هذه الفرضية فتثبت للعالم أن تأثيرها أقل بكثير مما نتصور». لكن إطالة أمد هذا الصراع، لا يبرئ بقية الأطراف، لذلك صارت هناك قناعة لدى كثيرين، وأكثر من أي وقت مضى، بأن الكل قد يغض الطرف عن تقسيم سوريا إلى دويلة علوية وأخرى سنية وربما ثالثة للأقليات.

في اتصالات بين دبلوماسيين عرب وأجانب وبعض أعضاء المعارضة، تأكيد بأن الحسم صار حتميا، لكن في المقابل ستشهد سوريا مزيدا من العنف والتعقيدات قبل سقوط النظام!

يقول لي مسؤول عربي: «لا يوجد نظام في سوريا. النظام هناك كناية عن ثلاثة أشخاص هم: بشار الأسد، وماهر الأسد، ورامي مخلوف. المشكلة أنه بعد مصر واتفاقية (كامب ديفيد)، كانت هناك سوريا، الآن يجري تدميرها بالكامل».

ما كان يخشاه كثيرون من احتمالات الدخول في مواجهات طائفية تكون الطائفة العلوية أبرز أطرافها، لذلك تكتب على الجدران في دمشق شعارات لتطمين العلويين بأنه لن يتم المساس بهم بعد رحيل الأسد. لكن هذا لم يخف المخاوف من سيناريوهات التقسيم، يدعم هذا تزايد وتيرة التطهير في مناطق الوسط والساحل، وشبه الاستقلال في المناطق الكردية ونمو النزعات المناطقية في بعض الأماكن وتشتت المعارضة السورية والخوف من الأصوليين والإسلاميين، وخصوصا مع إعلان جماعة الإخوان المسلمين السورية عن عزمها على تأسيس حزب سياسي على غرار مصر وتركيا.

في هذا الإطار (الدولة العلوية) يدخل تدمير حمص، معظم الأحياء السنية دمر، وكذلك المدينة القديمة، حيث كان يعيش عشرات الآلاف من المسيحيين. تعتبر حمص المدخل البري السني إلى الساحل، أي الأرض العلوية، يلي ذلك إخراج السنة من اللاذقية، وتدمير كل القرى السنية حول جبال العلويين، فتلك المنطقة مجاورة للإسكندرون في تركيا، حيث يعيش فيها «النصيريون».

الروس، أغرتهم فكرة دولة علوية تدور في فلكهم، تضم طرطوس (إطلالتهم على البحر المتوسط)، مع ما يتردد عن وجود غاز ونفط هناك.

وهنا، قد يكون الأوروبيون أخطأوا، إذ أبلغوا بشار الأسد، عبر موفد سوري، بأنه إذا ما أوقف هجماته على المدنيين، يمكن أن يبقى في الحكم لفترة سنتين، لأن الغرب يرغب بمد أنابيب نفط وغاز من قطر والسعودية عبر سوريا إلى المتوسط للتخلص من تحكم روسيا بإمدادات الغاز والنفط إلى أوروبا.

بالنسبة لدولة بشار الأسد، فإنه يفكر بربطها بالعراق، أي أنه مستعد أن يقسم سوريا إلى ثلاثة أقسام، ولهذا كان قصف دير الزور على الحدود العراقية. ويبدو أن الروس يدعمون هذا التوجه. والربط من طرطوس إلى العراق قد يكون لإعادة إصلاح خط أنابيب النفط من البصرة إلى المتوسط.

ينكب كثير من المراقبين والسياسيين والصحافيين على مراجعة الاتفاقيات القديمة من «سايكس بيكو»، إلى «سيفر»، وبالذات «سان ريمو»، حيث أراد الجنرال غورو معاقبة السوريين على تصديهم لفرنسا في معركة ميسلون فأعلن عام 1920 تقسيم سوريا إلى خمس دويلات مستقلة على أساس طائفي: دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، ودولة جبل الدروز، ولواء الإسكندرون، الذي أعطي لاحقا لتركيا كمال أتاتورك.

لكن، بسبب الرفض الشعبي للتقسيم واتفاقهم على القومية السورية قامت فرنسا بإنشاء اتحاد فيدرالي فضفاض بين ثلاث من هذه الدويلات؛ دمشق وحلب والعلويين، تحت اسم «الاتحاد السوري»، لكن في نهاية عام 1924 ألغى الفرنسيون الاتحاد وتم توحيد دمشق وحلب في دولة سوريا، أما دولة العلويين فقد فصلت مجددا وعادت دولة مستقلة عاصمتها اللاذقية.

الآن، والعراق غير مستقر ومفكك، والميل في العالم العربي إلى أنظمة أصولية يحكمها الإخوان المسلمون، يشعر النظام السوري بأن لديه مبررا قويا، فالأقلية العلوية (12 في المائة من الشعب السوري) لن تستطيع على المدى المتوسط مواجهة هذه القوى، لكن قبل أن يقسم سوريا فإنه سيدمر أهم مدنها.

الأقليات الأخرى، من دروز ومسيحيين وإسماعيليين، يعيشون خوفا على مصيرهم من وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في سوريا، حتى الأكراد، الذين هم من السنة ومرتبطون أرضا بأكراد العراق، يرون في الإخوان المسلمين خطرا على هويتهم وثقافتهم، لأنه بالنسبة إلى الإخوان المسلمين، لا يكفي أن تكون سنيا كي تكون مقبولا لديهم، وهذا ما يعرفه تماما المسلمون المعتدلون والليبراليون في كل الدول العربية التي زارها «الربيع العربي» أو «يهدد» بزيارتها.

كانوا يتكلمون عن شرق أوسط جديد، فإذا به شرق أوسط جديد بكل معنى الكلمة، أي بدول جديدة قد تبرز على السطح، بفضل الوافدين الجدد إلى المنطقة: الروس والإيرانيون، وسبب التواطؤ الخفي ما بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فإذا ما تم فعلا تنفيذ المخطط القاضي بتقسيم سوريا إلى دويلات، فإن هذا سينعكس سلبا على لبنان بالذات، خصوصا أن الدولة العلوية المزمع إنشاؤها ستتجاور حدوديا مع الشريط اللبناني ذي الغالبية الشيعية، وبالتالي ستتم محاصرة سنة ودروز لبنان من جهة، ومحاصرة سنة ودروز سوريا من جهة أخرى. أما مسيحيو البلدين فعلامات أسئلة كثيرة تحوم حول مستقبلهم، خصوصا مسيحيي سوريا.

تبقى هناك قناعة لدى كثيرين من العرب بأن روسيا وإيران والولايات المتحدة ضالعة في مشروع تقسيم سوريا، بالإضافة إلى النظام السوري برئاسة بشار الأسد. وإلا، ما معنى ما تردد من أن مسؤولا (...) اتصل هاتفيا بالرئيس السوري قبل حدوث الانفجار الكبير، وطلب منه عدم مغادرة القصر ذلك اليوم؟

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com