العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05 /06/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

من أين يأتي كل هؤلاء السوريين؟ .. د. بشير موسى نافع

2011-05-25

القدس العربي

 نعم، من أين يأتي كل هؤلاء السوريين؟ كيف خرجوا بهذا الحجم وهذه الشجاعة، غير المسبوقة لأي شعب، في كل هذه المدن والبلدات والقرى. الذين ظنوا أنهم عرفوا سورية والسوريين فوجئوا بأسماء هذه البلدات والقرى، بلدات وقرى حمص وحماة واللاذقية ودير الزور وريف دمشق ودرعا.

في هذا البلد من الهلال العربي الخصيب، حيث استقر الإنسان قبل أن يستقر في أية بقعة أخرى من العالم، وحيث شيد الإنسان أولى المدن؛ في هذا البلد الذي يضم أقدم مدن معمورة بالحياة بلا انقطاع منذ آلاف السنين؛ في هذا البلد من الهلال العربي الخصيب، حيث عرفت الإنسانية أحرف الكتابة وسنت الشرائع للمرة الأولى؛ في هذا البلد الذي يختزن موروثه وثقافته حضارات العالم الكبرى ومعتقداته، من آشور إلى بيزنطة إلى فضاء الإسلام الفسيح؛ في هذا البلد الذي تقف على أرضه أقدم كنيسة على الإطلاق وأول مسجد جامع خارج مدينة رسول الله؛ في هذا البلد حيث ولدت الفكرة العربية وحملت راية الإصلاح الإسلامي الحديث، وحيث وقف العرب وقفتهم الأولى في مواجهة الغزو الإمبريالي الحديث للمشرق، وثاروا في واحدة من أكبر ثوراتهم بعد سنوات قليلة فقط من الاحتلال الأجنبي؛ في هذا البلد الذي قالت إذاعة عاصمته يوم أن صمتت الإذاعة المصرية في أول أيام العدوان الثلاثي على مصر: 'هنا القاهرة'؛ في هذا البلد الذي تنحى رئيسه يوماً عن الحكم من أجل إنجاز أول وحدة عربية في حقبة ما بعد الاستعمار المباشر؛ في هذا البلد الذي احتضن شعبه قضايا العرب جميعاً، وقدم الفوج وراء الآخر من الشهداء للدفاع عن حقوق العرب ومصالحهم؛ في هذا البلد يخرج السوريون اليوم كما لم يخرج شعب آخر للمطالبة بحريته وكرامته، ولوضع نهاية للاستبداد، مرة وإلى الأبد.

قدمت سورية في جمعة الحرية، جمعة آذادي، كما أطلق عليها ناشطو الثورة السورية، فوجاً آخر من الشهداء، أكثر من أربعين شهيداً في نصف نهار واحد. وفي اليوم التالي، قدم مشيعو فوج اليوم السابق فوجاً جديداً من الشهداء. في جمعة الحرية والأيام التي تلتها من هذا الأسبوع، لا تكاد توجد بقعة من الأرض السورية لم تشهد تظاهرة احتجاج. في المدن التي احتلتها قوات الأمن والجيش الخاصة، كما في درعا، لجأ السوريون إلى البلدات المجاورة للتعبير عن تصميمهم على مواصلة الحركة الشعبية. في المدن التي تراجعت عنها قوات الأمن والجيش قليلاً، كما في بانياس، عادت الحركة الشعبية أقوى وأبلغ تعبيراً عن أية جمعة سابقة.

خرج السوريون في الرستن وتلبيسة وجسر الشغور وإدلب، في القامشلي وعامودا والبوكمال، في دير الزور والسويداء، في ميدان سيف الدولة والمدينة الجامعية بحلب، في ركن الدين وباب السريجة والميدان بدمشق، في سقبا والمعضمية والحجر الأسود وداريا، وفي أحياء اللاذقية وحمص وحماة. الذين اشتكوا من، أو ادعوا، خلال الأسابيع الماضية أن حلب لم تقرر الالتحاق بركب الحركة الشعبية بعد، أو أن دمشق، حيث انطلقت أولى تظاهرات الثورة السورية في منتصف آذار/مارس الماضي، ليست على استعداد بعد للمواجهة مع النظام وآلته الأمنية والعسكرية، ليس لهم أن يشتكوا أو أن يدعوا بعد الآن. ليس ثمة موقع في سورية الآن إلا وشهد على القطيعة بين النظام وشعبه، في مظاهرات حاشدة أحياناً، وفي أخرى أقل حشداً في أحيان أخرى، في الأماكن ذات الوجود الأمني غير ثقيل الوطأة وفي الأماكن حيث الوجود الأمني أثقل وطأة. ولكن الإجماع السوري الشعبي على أن لا مستقبل لهذا النظام لم يعد من الممكن إغفاله.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، واجه النظام الشعب السوري ليس بقوات الأمن ووحدات الجيش الموالية وحسب، بل وبتقديم سرديته الخاصة للحركة الشعبية أيضاً، سردية تسويغ القمع وسياسة القتل المباشر. وهنا كان الخطر الذي تتعرض له حركة الشعب السورية أكبر تهديداً حتى من وقع القتل نفسه ومن الاعتقال والتدمير. لا يكاد يوجد نظام حكم حديث في العالم بأسره وإلا يبذل ما يستطيع من الجهد والدهاء لتوحيد أكبر كتلة من شعبه وراءه. في سورية، بذل النظام جهوداً حثيثة منذ انطلاق الحركة الشعبية ليقسم السوريين طائفياً وإثنياً. في البداية، حاول رشوة الأكراد السوريين بمنح الجنسية السورية لمئات الآلاف ممن حجبت عنهم جنسية بلادهم وحقوقهم الوطنية منذ عقود، وأصدرت الأوامر للأجهزة الأمنية لتجنب إسقاط ضحايا من الأكراد.

وفي المرحلة التالية، وما أن امتدت رياح الحركة الشعبية إلى مناطق سورية واسعة، حتى لجأ النظام إلى الخطاب الطائفي، متهماً المتظاهرين بتهديد المسيحيين والدروز والعلويين من السوريين. كان هدف النظام وما يزال، الإيحاء بأن سورية لا تشهد ثورة شعبية وطنية مثل تلك التي شهدتها تونس ومصر وليبيا واليمن، وأن من يخطط للمظاهرات ويقودها ليس إلا مجموعات من المسلمين السنة المتشددين. ولأن الموجة السائدة لاتهام الإسلام السني منذ أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر محمولة على خطاب نمطي يدين السلفية ويحملها كل الشرور، فلابد أن يكون المتظاهرون السوريون من السلفيين، الذين يسعون إلى إقامة إمارات إسلامية في قرى درعا وبعض أحياء بانياس؛ والسلفيون ليسوا إلا قتلة طائفيين، يهددون وجود المسيحيين والعلويين والدروز وغيرهم.

ما تستهدفه الأقلية الحاكمة في دمشق، وهي ترى الأغلبية السورية ترفع صوتها من أجل الحرية والكرامة، أن تحتمي بالعصبية الطائفية، أن تستدعي الأقليات الإثنية مرة والأقليات الطائفية مرة أخرى للاصطفاف حولها ومواجهة الأكثرية الثائرة، وتأمين سيطرتها هي وتحكمها من جديد. ولكن الصلابة الأخلاقية للشعب السورية أوقعت الهزيمة بخطاب النظام ومخططاته، وكشفت هشاشة سرديته. لم يترد الأكراد السوريون في الالتحاق بأشقائهم العرب، بل وتراجعت مطالبهم الفئوية من أجل التوكيد على المطالب الوطنية. وفي كافة أنحاء سورية، خرجت القرى والبلدات ذات الأكثرية المسيحية، كما خرجت مدن الأغلبية المسلمة والدرزية. ظل المعارضون السوريون من خلفيات علوية على مواقفهم بالرغم من التهديدات التي وجهت إلى حياتهم وأسرهم، وامتنع ضباط وجنود عليون، كما رفاقهم من السنة، عن إطلاق النار على مواطنيهم، بكل ما يحمله هذا القرار من خطر على الحياة.

وكلما ارتفع عدد ضحايا حملة القمع الأمني والعسكري التي أطلقها النظام ضد شعبه، كلما ارتفع صوت الناطقين باسم النظام ومناصريه بادعاءات الخطر الإرهابي الذي يهدد أمن سورية، وأن قوات الأمن تواجه اختراقاً مسلحاً تدعمه دول وجهات أجنبية، وأن ضحايا الجيش وأجهزة الأمن في المواجهات مع المسلحين تفوق المئة.

لم يقل النظام مطلقاً للعالم أو للشعب السوري كيف اخترقت كل هذه العصابات المسلحة أنحاء سورية المختلفة، وأين كانت أشد مؤسسات الأمن في المجال العربي تحكماً وهذه العصابات تنتشر من إدلب إلى درعا ومن القامشلي إلى بنانياس؛ وبخلاف اتهامات ساذجة ومضحكة لنائب لبناني بالوقوف خلف الثورة المسلحة الموهومة، لم يحاول النظام مطلقاً تسمية دولة واحدة من الدول التي ادعى توفيرها الدعم لهؤلاء المسلحين.

ومرة أخرى، تسلح الشعب السوري بصلابته الأخلاقية ووعيه بشروط المواجهة مع النظام وأجهزته. لم يحمل سوري واحد السلاح، بالرغم من أن بيوت السوريين لا تخلو من الأسلحة، وظل العالم، يوماً بعد يوم، وإسبوعاً وراء الآخر، لا يشهد إلا مواطنين عزل، يرفعون شعارات سلمية ووطنية حركة الاحتجاج، يقتلون على أيدي قوات النظام. يخرج السوريون إلى التظاهرات بأطفالهم وأبنائهم، وأحياناً بنسائهم أيضاً. ويقتل السوريون عزلاً بسلاح قوات النظام، رجالاً وأطفالاً ونساءً.

خلال أسابيع قليلة من اندلاع الحركة الشعبية السورية لم يعد هناك من يستمع لادعاءات النظام، ناهيك عن أخذها مأخذ الصدق. وإن كان للشعب السوري أن يعتز بإنجازاته في هذه الفترة القصيرة من نضاله الشجاع من أجل الحرية والكرامة، فليس ثمة شك أن إسقاط سردية النظام وكشف هشاشة خطابه وادعاءاته تقف على رأس هذه الإنجازات. لم يعد ثمة من يصدق بأن الآلاف التي خرجت في جمعة الحرية تنتمي، بأي حال من الاحوال، لقوى راديكالية مندسة، سلفية أو غير سلفية، ولا أن هذه الجموع مدفوعة من الخارج، ولا أنها طائفية التوجه، أو مسلحة. ويأتي هذا الإنجاز في موازاة إسقاط الشعب السوري ل 'خيار حماة' وأوهام النظام في أن تستطيع أجهزة أمنه والقوات العسكرية الموالية له إخماد حركة الشعب بالقوة المسلحة، وبتعليم الشعب السوري درساً يماثل درس حماة قبل ثلاثة عقود. كلما سقط شهيد، سقط حجر آخر في رواية النظام واستراتجية مغالبة الشعب التي يتبعها، وبكل هؤلاء الشهداء لم يعد ثمة من مصداقية لأي من مقولات الأقلية الحاكمة ولا من أمل لها في إخماد حركة الشعب. واليوم، بتقويض مصداقية النظام وإيقاع الهزيمة بسياسة الموت والدمار التي تبناها، تقترب ساعة خلاص سورية كما لم تقترب من قبل.

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

---------****************-------------

سورية: سيناريوات المرحلة المقبلة .. رضوان زيادة *

الخميس, 26 مايو 2011

الحياة

مع بدء الثورات العربية في تونس حيث نجحت في إسقاط زعيمين من أكثر الرؤساء العرب تسلطاً: زين العابدين بن علي في 23 يوماً ثم حسني مبارك في 18 يوماً، امتدت الثورات العربية لتشمل دولاً أخرى كليبيا، حيث تحولت إلى نزاع مسلح سقط فيه أكثر من عشرة آلاف قتيل، واليمن حيث يبدو أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عالق عند الحافة من دون أن يجد من يدفعه إلى السقوط، ثم سورية التي امتدت فيها التظاهرات إلى كل المحافظات تقريباً.

خلال هذه الثورات تبلور نموذجان للتحرير إذا صح التعبير:

* النموذج التونسي والمصري واليمني: وكان أكثر وضوحاً في الشكل المصري عبر احتلال الساحة الرئيسية في العاصمة (ساحة التحرير) ثم ازدياد أعداد المتظاهرين بشكل يومي حتى بلغ درجة دفعت الرئيس إلى التنحي. وفي كل هذه الحالات لعب الجيش دوراً محورياً في رفض الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين أولاً ثم في إجبار الرئيس على التنحي. ويعد هذا النموذج مثالياً لجهة الحد الأدنى من سقوط القتلى.

في هذا النموذج حافظت الثورة على سلميتها المطلقة من قبل المتظاهرين الذين حافظوا على انضباطهم والتزامهم باللاعنف كمبدأ رئيسي من أجل إنجاح الثورة، وهو ما أعطاهم التعاطف المعنوي الكبير من قبل أخوتهم من أبناء الوطن أولاً ثم التعاطف الجماهيري الواسع من قبل المجتمع الدولي، وزاد حجم الضغوط الدولية على الرئيس من أجل التنحي.

* أما النموذج الثاني فكان النموذج الليبي، ويتمثل في تحرير جزء من الأرض ثم التوجه أو الزحف نحو تحرير الأجزاء الباقية، وعلى رغم أن رغبة المحامين والقضاة الليبيين الذين اعتصموا أمام مبنى المحكمة في بنغازي كان الاعتصام السلمي على الطريقة المصرية، إلا أن إطلاق النار الحي والمباشر من قبل أجهزة الأمن الليبية من دون حتى استخدام الغاز المسيل للدموع أو الرصاص المطاطي مما أدى إلى سقوط أعداد ضخمة من المتظاهرين، حوّل وجهة الثورة الليبية وبسرعة من الخيار السلمي إلى خيار العمل المسلح. ومع انتهاج كتائب القذافي خيار الأرض المحروقة باستخدام الطائرات والمدفعية الثقيلة، لم يكن أمام الليبيين من خيار سوى الاستنجاد بالمجتمع الدولي من أجل التدخل لوقف آلة القتل الليبية وهو ما أدخل ليبيا الآن في مرحلة نزاع مسلح ربما يطول بعض الشيء قبل نجاحها في إسقاط القذافي ويفتح ليبيا أمام خيارات مجهولة.

لكن أي من النموذجين ينطبق على الانتفاضة السورية؟ في الحقيقة حافظت التظاهرات السورية على طابعها السلمي المطلق بالرغم من الأعداد الكبيرة للذين سقطوا بالرصاص الحي وبرصاص القناصة، ففي كل مرة حاول فيها المتظاهرون بدء الاعتصام في ساحة رئيسية كانوا يواجهون بالرصاص الحي الذي خلّف سقوط عشرات القتلى. حدث هذا في المسجد العمري في درعا وفي ساحة الصليبية في اللاذقية وفي دوما وحمص أيضاً. في كل مرة تتدخل الأجهزة الأمنية وتقوم بتفريق الاعتصام ليس بالغاز المسيل للدموع أو الرصاص المطاطي وإنما بالرصاص الحي الذي يستهدف رؤوس وصدور المتظاهرين بشكل مباشر، مما يفسر سقوط هذه الأعداد الكبيرة من القتلى في كل مرة يجري فيها فض الاعتصام. إذاً هل ستتجه الانتفاضة السورية باتجاه النموذج الليبي؟ وكيف ستتطور الأمور في سورية؟ أعتقد أن هناك ثلاثة سيناريوات محتملة:

1- تجاوز النظام السوري للأزمة: أي أن يتدخل النظام السوري لقمع التظاهرات وإنهاء الاحتجاجات السلمية بشكل نهائي، وهذا ربما يتم خلال عام أو حتى أقل، كما جرى في إيران بإنهاء «الثورة الخضراء» عام 2009 وفي بورما بإنهاء «ثورة الزعفران» في عام 2007. كلا النظامين التسلطيين الإيراني ذي الوجه الديني، والعسكري في بورما، نجحا في إنهاء التحركات الاحتجاجية عبر استخدام العنف الأعمى تجاه المتظاهرين واستنفاد طاقة كل القوى الأمنية والجيش والميليشيات المختلفة في إنهاء التظاهرات الشعبية. وهو ما يضعه النظام السوري اليوم كنموذج له، إذ يعتقد أن بإمكانه إنهاء التحركات الاحتجاجية عبر استخدام العنف الأقصى وإطلاق الرصاص الحي والمباشر على المتظاهرين واتباع تكتيك القنص مما يزرع الرعب لدى المتظاهرين ويخفف عددهم تدريجياً، وفي حالة المدن التي خرجت عن السيطرة مثل درعا وبانياس يتم إرسال الحرس الجمهوري مع قوات الفرقة الرابعة بكل معداتها العسكرية، وهي الأكثر ولاءً للنظام، من أجل احتلال المدينة بشكل كامل واعتقال كل شبانها عبر فتح مراكز للاعتقال الجماعي واتباع سياسة التعذيب مما يقضي على الحركة الاحتجاجية بشكل نهائي.

كما تم وضع الحواجز الأمنية والعسكرية على مداخل كل المدن وعزلها عن بعضها البعض بما فيها الأحياء، مما يقيد حركة الاحتجاج أو الخروج إلى الشارع بشكل مطلق ويجبر المواطنين على التزام حظر التجول وإلا سيكون القتل نصيبهم، وهذا ما تم في دوما والمعضمية وداريا وغيرها من مدن ريف دمشق، وجاسم وطفس ودرعا البلد وغيرها من المدن داخل محافظة درعا، وبانياس واللاذقية وغيرها، مما أثّر بشكل أكيد في عدد المتظاهرين الذين خرجوا بنسب أقل في الأيام السابقة، إلا أن القاعدة الشعبية للنظام هي أضعف بكثير مما هي عليه في إيران.

فقد بدأت الانتفاضة من محافظة تصنف تقليدياً من قبل النظام على أنها موالية، ولم تبدأ في القامشلي أو الحسكة حيث مناطق تواجد الأكراد السوريين، تلك المناطق التي لديها تاريخ طويل في الخروج والتظاهر ضد النظام الحاكم منذ عام 2004، كما أنها لم تخرج من حماة أو حلب مناطق الوجود التقليدي لحركة «الإخوان المسلمين» السوريين، وبالتالي فإن خروج التظاهرات الكبرى في هذه المدن تبقى مسألة وقت، وحينها لن يفيد النظام الاستخدام الأقصى لقوات الأمن والجيش لأنها ستستنزف بشكل كبير ومتفرق على امتداد رقعة الجغرافيا السورية.

2- انشقاق الجيش السوري: أما السيناريو الثاني فهو استمرار خروج التظاهرات ولو بشكل أضعف مما كانت عليه واستمرار أجهزة الأمن السورية في الرد عليها بالرصاص الحي. ومع توريط الجيش في مدن سورية مختلفة فإن الانشقاق داخله سيزداد ويتعمق، كما حصل في درعا ومدينة الرستن في حمص وبانياس مما دفع بأجهزة الأمن السورية إلى تصفية هؤلاء الجنود، كما أكد أكثر من شاهد عيان وعدد من الجنود، وأثبت ذلك الكثير من أشرطة الفيديو المنشورة على الإنترنت.

وبالتالي إذا استمرت عملية توريط الجيش فإن انقسامه وبخاصة على مستوى الرتب العليا سيصبح مسألة وقت، وربما في النهاية يتخذ الكثير من قياداته قراراً بحماية المدنيين من المتظاهرين مما سيدخلها في صراع مسلح مع الأجهزة الأمنية وكتائب الفرقة الرابعة ذات التسليح والتدريب الجيد، وهو ما يضع وحدات الجيش على المحك ويحتم على القيادات العليا اتخاذ قرارات تتعلق بمصير الجيش ولمصلحة المتظاهرين وهو سيناريو يحتاج إلى بعض الوقت حتى تتأكد القيادات العليا من ولاء الرتب الدنيا لها في حال اتخذت قراراً بالانشقاق، كما يعتمد على استمرار الحركة الاحتجاجية وتصاعدها في أكثر من مدينة ومحافظة ومحافظتها على سلميتها.

3- التدخل الخارجي: أما السيناريو الثالث والأخير فهو استمرار التظاهرات وتصاعد المواجهة من قبل أجهزة الأمن وحدوث انشقاق داخل الجيش لكن من دون أن يكون حاسماً مما يزيد من عدد القتلى المدنيين ويفتح الباب للتدخل الدولي المباشر من أجل حمايتهم، ورغم أن هذا السيناريو هو الأسوأ وقد يُدخل سورية في النموذج الليبي تماماً، إلا أنه محتمل في ظل تصاعد أعداد القتلى وعدم اكتراث النظام السوري بالإدانات الدولية والمواقف المتصاعدة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

على العموم فإن فرص السيناريوات الثلاثة متقاربة نسبياً وتعتمد على تطورات الأوضاع الداخلية بشكل أساسي وعلى تطور المواقف الإقليمية والدولية بشكل ثانوي.

* باحث زائر في جامعة جورج واشنطن

---------****************-------------

كلنا أمهات حمزة الخطيب .. عفراء جلبي

أطفال سوريا أطفالنا – عار، عار، عار على من يسكت بعد حمزة! إما مع الضحية أو القاتل! إما مع الحق أو الباطل!

جريمة سجن أطفال درعا وتعذيبهم كانت الشرارة التي أشعلت الثورة السورية. وتعذيب وقتل حمزة الخطيب وإعادة جثته المشنع بها لعائلته هي الآن طعنة في ضمير الشعب السوري، ونداء لضمير الإنسانية كلها. فكيف ستكون استجابتنا؟ هذا امتحان لنا جميعا. كيف ستنصرف؟

 العذراء وهي تحضن الطفل المسيح يمثلان رمز البراءة والمحبة في وجه الحضارة الذكورية المدججة بالسلاح. والمرأة السورية وابنها القتيل الآن هما رمز البراءة والسلمية في وجه الكلاشنكوف البعثي الذكوري القمعي. لقد انتهى وقت رجل المخابرات الذي ألغى كل شيء في الحياة إلا صورة سيده الذكر الدكتاتور القامع للحياة واللطف. وجاء وقت المرأة والطفل والرجل الأعزل، القوي بعدالة قضيته. وجاء وقت الأشجار والأزهار، والقطة والعصفور والكلب الوفي. لقد جاء الوقت لعودة الألوان المشردة وخروج الزهور السجينة من أقبية العذاب والنسيان. حان وقت الخروج من أحادية الدكتاتور الأوحد الذي ادعى لوقت طويل بأنه سيد الحياة والموت.

الصمت والبكاء ما نجدهما أمامنا في هذه اللحظات في عصر تنتحر فيه الكلمات وتتراجع اللغة بحياء لعجزها عن التعبير. حمزة الخطيب هو رمز البراءة في وجه سلطة قدمت استقالتها من أي انتماء إنساني، وهو ضحية أجهزة "أمنية" (قل إرهابية) فقدت انتماءها لهذا الكوكب. بل وفقد رجل المخابرات انتماؤه حتى لحيوانات هذا الكوكب. ولذلك عندما يشبه القرآن الضالين بالأنعام يتراجع، ويقول لنا، "بل أضل." لأن الإنسان عندما يسمو يرتفع حتى عن عالم الملائكة فتسجد له، وعندما ينحط ويبطش فإن بطشه يكون خارجا عن حدود الطبيعة ولذلك يصير أسفل سافلين ويكون أضل من الحيوان والحشرات وحيتان القرش. هذه محنة الإنسان: الاختيار. ولأن خالقه راهن على مخلوق حر يختار فهناك خطورة باحتمالية كل من القباحة والجمال، خارجة بتحد عن حدود الطبيعة. فالإنسان الذي لا يدافع عن نفسه أمام قاتله يخرج بأخلاقيات جمالية عن حدود الطبيعة وغريزة البقاء الحيوانية. والذي يقتل ويعذب ويمثل بطفل ضعيف يخرج أيضا بوحشيات قبيحة عن حدود الطبيعة وحتى عن غريزة الحنان الحيوانية القابعة داخل كل منا.

أعترف أني لم أشاهد الفيديو الذي يظهر جسد حمزة الصغير المعذب والممثل به. لأني عندما شاهدت صورته وجنازته، شعرت بعظم ما حدث لنا وأبقاني ساهرة حتى ذهبت باكية إلى فراشي أتوسل إلى الله أن يقف مع السوريين أمام هذه الغرور المتوحش، وأن يصبر أهله وأن يصبرني وأن يصبر كل الأمهات اللاتي يعتبرن ما أصاب أي أم سورية مصابنا جميعا.

بكلماته الرائعة سجل جبران خليل جبران حقيقة كونية، أن أطفالنا ليسوا أطفالنا وإنما هم أطفال الحياة الذين يأتون من خلالنا. وهذا بالنسبة لي إذن يعني أن كل أطفال الدنيا هم أطفالنا. فالحياة ستأتي بأطفال وتستعمل أجسادنا لتدعوهم إلى زيارة هذا الكوكب. وهكذا فهم أطفالنا جميعا، سواء أتى بعضهم من أجسادنا أو أجساد من حولنا. لأننا نفس واحدة وكائن واحد وضمير واحد مهما تعددت خلايانا الصغيرة بأفراد هناك وهناك.

نصمت من هول الصدمة ونبكي لنستعيد قدرتنا على التنفس والشهقة. ولكن بعدها نجلس بهدوء لندرك بأن هذا تحدي لنا جميعا. وإن روح حمزة الطاهر في مكان أمين مكين الآن، ولكن ضمائرنا تتحدانا وتسألنا: ماذا أنتم فاعلون؟ ماذا أنا قائلون؟ أنظر إلى ضميري وأقول له، إني أم حمزة، ولن أسكت، وسأحفز كل من حولي لخلق وطن لكل السوريين لا تمس فيه شعرة طفل من أطفالنا. إني الآن أدعو كل صديقاتي وأصدقائي وأقربائي بأن نصمم الخروج من نفق القباحة والعنف والتشنيع إلى فجر السلام والأمان خارج أياد القبضة الأمنية. لقد انتهى وقت التذبذب. وكلمات مثل الحوار والإصلاح والموقف الوسط لم يعد لها معنى في وقت يمثل بأطفال أبرياء. ومن يقبل أن يبقى صامتا فإنه بصمته يقبل ويشارك في أن يكون تعذيب الأطفال والتمثيل بجثثهم رمز الثقافة السورية من الآن لكل من لا يقف من أجل حمزة ويرفع صوته.

لماذا فعلوا هذا بحمزة؟ ولماذا أعادوا جثته الطاهرة لأهله وقد فعلوا به ما فعلوا؟ إنها رسالة استفزاز للشعب السوري في محاولة لإيقاظ الحقد وروح الانتقام، ولكسر سلميته. يريدون أن يحرفوا الثورة عن مثارها اللاعنفي. وهم في طغيانهم يتمادون لعل وعسى أن يرفع السوريون يدهم دفاعا عن أنفسهم. ولكن هيهات! الشعب السوري عارف طريقه، ولن يجرونا إلى ملتهم، ملة القتل والقمع والتشنيع والجرائم ضد الإنسانية. هذه ثورة الأخلاق ضد اللاأخلاق. وإن حمزة هو سيد الشهداء في سوريا وسيكون رمز الثورة البيضاء، رمز الطفل الذي قام إلى دكتاتور جائر لرفع الحصار عن درعا فشنع به وقتله. إن صرخة الحق السورية تصل أصدائها إلى المجرات الأخرى وتستجدي ما بقي فينا من إنسانية على هذا الكوكب. حمزة سيوحدنا أكثر، وسيزيدنا إصرارا في سلمتينا وفي إصرارنا على إسقاط دولة الرعب والإرهاب. دولة ترتهن أمة كاملة في قبضة أمنية قميئة وتكسرها الآن روح حمزة الطاهرة. وستبقى هذه الثورة طاهرة وستنتصر بيد بضاء من غير سوء.

أنا أم حمزة وأعاهده وأعاهد كل أطفال سوريا بأنني لن أسكت لأستاذ جامعة أو إمام جامع يقبل بسجن وتعذيب الأطفال وقتلهم والتمثيل بهم مهما كانت أسبابه الاستراتيجية والإقليمية. لن أسكت لعلماني أو متدين أو تقدمي أو رجعي ولو كنت آخر سورية في وجه السلطة الفاشية التي تحكمنا منذ واحد وأربعين عاما. ولكن الجميل أني كل يوم أكتشف أن الآلاف منا بل الملايين مصممون مثلي، مصممون أن يقفوا ولو كان كل واحد منهم هو السوري الأخير، ولذلك فلن تهزمنا سلطة أيقظت بجرائمها ضد الإنسانية وضد الطفولة ضمير الفرد منا، ضمير كل خلية حية في الجسد السوري في وجه سلطة ذكورية عسكرية متبجحة تسجن المرأة وتقتل الشباب وتعذب وتمثل بالأطفال وتتصرف كجرثومة غازية تدمر هذا الجسد. فعلا لقد عاد المسيح وأمه مريم ليقفا ببراءة وسلام في وجه الحاكم العسكري الذكوري القاتل. فمرحبا بالمسيح وأمه مريم أمام الدجال الأعور بعين واحدة، وحزب واحد، وقائد واحد، ورؤية واحدة.

---------****************-------------

وقفة هادئة مع التدخلات الخارجية في سورية .. نبيل شبيب

مداد القلم

الثورة ماضية حتى النصر.. والنظام مسؤول عن الثمن

لا بدّ من التفصيل في الحديث عن رفض التدخل الأجنبي في مجرى ثورة الشعب في سورية، فلا يقتصر الأمر على الرفض من حيث المبدأ، فمجرد الرفض مهما كان قوياً صائباً مشروعاً لا يمنع وقوع التدخل، وإذا وقع التدخل غير المشروع، أو المتستر وراء غايات مشروعة لتحقيق أهداف غير مشروعة، فلا يكفي وصمه بذلك دون العمل الجادّ لمواجهة عواقبه. كذلك فإن مجرد الحديث عن صلابة الموقف الرسمي السوري، وأن سورية عصية على الهيمنة الأجنبية وما شابه ذلك، لا يكفي لمنع التدخل أو التخفيف من وطأة عواقبه إن وقع.

ومن جهة أخرى فإن من يدعو إلى التدخل تحت وطأة القمع الإجرامي، يمكن أن يعذره أن من العسير الجمع بسهولة بين المعاناة الكبرى اليومية التي يعايشها، والمشاهد المفزعة المؤلمة المبكية التي يراها يوميا (كمشهد آثار تعذيب الطفل السوري حمزة الخطيب رحمه الله ورحم جميع الشهداء) وبين النظرة الموضوعية المنهجية "الباردة" لأبعاد ما يمكن أن يوصل إليه التدخل الأجنبي من عواقب من أجل "إنهاء المعاناة".

رغم ذلك لا بد من طرح تلك الأبعاد عبر نظرة موضوعية منهجية هادئة، فهذا جزء من الرؤية الواعية التي تتميّز بها الثورة السورية وهي ماضية على طريق تحقيق أهدافها بإذن الله، وهذا ما تستهدفه الفقرات التالية، انطلاقا منن حقيقة أنّ التدخل الأجنبي متفاوت الدرجات، ابتداء بمواقف وتوصيات وتقارير غير ملزمة لصانعي القرار، تتناول جوانب تتعلق بحقوق الإنسان وحرياته، مرورا بما يسمى الضغوط السياسية والاقتصادية للتأثير على صناعة القرار السياسي والاقتصادي المحلي، انتهاء بالتدخل العسكري المباشر.

التدخل الخارجي وانتهاك الحقوق والحريات

انتهاكات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، بدءا بمجرّد صياغة دساتير وقوانين وتكوين أجهزة تتناقض نصوصها مع الكرامة الإنسانية والمساواة بين أهل البلد الواحد، وسوى ذلك من الحقوق والحريات –كما هو قائم في سورية بصورة صارخة- مروراً بالممارسة المباشرة المتواصلة للاعتقالات العشوائية والمحاكمات الصورية والتعذيب الهمجي كما يجري في سورية منذ عشرات السنين، انتهاء باستخدام الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين سواء "خالفوا" تلك القوانين المشوّهة أم لم يفعلوا، كما جرى قبل عقود في بعض المدن السورية ويتكرر الآن شاملا لمختلف المدن السورية.. جميع هذه الانتهاكات تفرض على كل إنسان، مسؤول في منظمة أو دولة، أو غير مسؤول أن يعلن موقفه.

وليس مجهولاً أننا -شعوباً وحكومات- في المنطقة العربية والإسلامية، نعتبر أنّ من واجبنا –بغض النظر عمن يمارس ذلك الواجب وكيف يمارسه- أو نزعم على الأقل أن من واجبنا إعلان إدانة الانتهاكات عندما ترتكبها دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق وفلسطين وسواها، أو حتى داخل حدود العالم الغربي كما يسري على هيمنة القوى المادية على الطبقات الفقيرة مثلا، أو على "القوانين الاستثنائية" التي استهدفت تخصيصاً المسلمين المقيمين في تلك الدول، أو سوى ذلك.. فالواجب الإنساني بحد ذاته، يوجب رفض تلك الانتهاكات سيان عمّن تصدر وبحق من تُمارس.

شعب سورية "بشر".. وليس عبيداً وإماء لمجموعة متسلّطين باسم حزب أو جهاز حكم (بل للرقيق إذا وجدوا في مجتمعنا المعاصر حقوقهم البشرية أيضاً).. شعب سورية جزء من الأسرة البشرية يسري على انتهاكات حقوقه وحرياته ما يسري على سواه، ولهذا لا بد من مطالبة كل إنسان، في موقع المسؤولية أو خارج نطاق صنع القرار، في المنظمات الدولية أو المنظمات المحلية، أن يعلن موقفاً واضحاً قاطعاً بإدانة الإجرام القمعي بحق شعب سورية الثائر مطالباً بحقوقه وحرياته المشروعة وانتزاعها من قبضة نظام حكم استبدادي قمعي جائر، أو بتوثيق جرائمه وفضحه على الملأ المحلي والعربي والإسلامي والدولي بقصد إسقاطه بعد أن أصبح إصلاحه مستحيلاً.

عندما يصدر هذا الموقف عن جهة من الجهات لغايات أخرى، مرفوضة بحد ذاتها، فمعارضة غاياتها واجبة، أما الخلط بين ذلك وبين أصل الموقف الرافض للانتهاكات، فلا يمكن القبول به، لا سيما وأنه يصدر من أجل الدفاع عن الانتهاكات، بذريعة معارضة تلك الغايات!.

عندما يقترن موقف طرف وطني سوري رافضٍ للانتهاكات مطالبٍ بإدانتها، بمطالبة جهة دولية أيا كانت، بالتدخل العسكري في سورية، وفي ثورة شعب سورية، فمعارضة التدخل العسكري واجبة.. ولكن لا تكتسب هذه المعارضة الضرورية مصداقيتها وفعاليتها دون وضعها في إطار أشمل، ومن ذلك أن تقترن بالمطالبة القاطعة بإنهاء الانتهاكات دون تدخل خارجي، وإلا جرى توظيف رفض التدخل لغرض مرفوض أيضا وهو الدفاع عن نظام استبدادي قمعي، فالتدخل مرفوض وكذلك الدفاع عمّن يمارس الانتهاكات الإجرامية ويصعّدها إلى درجة همجية، ضد شعب أعزل لا يملك ما يكفي من الوسائل لصدّها دفاعا عن حياته وحقوقه وحرياته.

التدخل الدولي والضغوط الرسمية الأجنبية

من السذاجة الاعتقاد بوجود أي جهة رسمية أجنبية –دولة أو منظمة- تمارس ضغوطاً سياسية أو اقتصادية أو –حديثاً التهديد بملاحقة جنائية دولية- دون أن تكون لها (إلا نادراً جداً) غاياتها الذاتية، خارج نطاق قضية الإنسان وقضايا الشعوب، بل داخل نطاق حلقة الصراع على الهيمنة الأجنبية المرفوضة. وتسعى تلك الجهات لأن تتنصل من هذه الصورة الكريهة بأساليب عديدة، منها إنكار ازدواجية تعاملها مع أنظمة مستبدة، وادّعاء ربط ممارسة الضغوط بتصعيد نسبة الانتهاكات من جانب الجهة المستهدفة بالضغوط، ومنها حصر الإجراءات المرتبطة بتلك الضغوط بأشخاص وشركات وهيئات مع ادّعاء أنها لا تستهدف الشعب أو الدولة.

لا بدّ من الرصد البصير لجميع ذلك، إنّما الأهم هو السؤال عن الموقف "الوطني" الذاتي الواجب تجاهها.

من يطالب بمحاكمة مسؤول سوري أمام جهاز قضاء أجنبي، محلي أو دولي، يجب:

- أن تقترن مطالبته أولا بمطالبة مماثلة تجاه المسؤولين في البلدان الأجنبية المعنية، من مرتكبي الانتهاكات على حساب الإنسان وحقوقه وحرياته في أي مكان من الأرض..

- وأن تقترن ثانياً بالمطالبة والسعي من أجل تحرير الأجهزة القضائية المحلية من قبضة الاستبداد المحلي..

- وأن تقترن ثالثاً بالمطالبة والسعي من أجل إيجاد ميثاق مشترك للإنسان وحقوقه وحرياته في المنطقة العربية والإسلامية مع مرجعية قضائية مشتركة، واعتبار ذلك أحد الأهداف الرئيسية لربيع الثورات العربية.

ولكن.. ما الذي يمكن صنعه إلى ذلك الحين؟..

هل يستمر الاعتقال والتعذيب والتقتيل دون ملاحقة ولا محاسبة؟.. ولئن تقرّر تحمل المعاناة لتجنب ذلك الشكل الملغوم من التدخلات الدولية (وهو قرار يصدر غالباً عمّن لا يتحملون تلك المعاناة بأنفسهم) فهل يكفي رفضه لمنع وقوعه؟..

إنّ الشواهد من الواقع العالمي الذي نعايشه تؤكّد أن الرفض لا يكفي ولا يفيد.

المطلوب للتعامل مع الواقع القائم الآن هو الموقف الذي يميّز بين صناعة "الأسباب"، وبين توظيفها لتكون "ذرائع" لتدخلات دولية ذات غايات مرفوضة..

- إذا كانت الأسباب مصطنعة وتحولت إلى ذرائع كاذبة، يسري مفعول شعارات الصمود والرفض وضرورة اقترانها بالعمل على المدى القريب والبعيد من أجل تغيير واقع دولي مرفوض..

- أما إذا كانت الأسباب حقيقية، تسبّب ما تسبّبه في وضع مثل الوضع السوري حالياً، فلا يكفي التعلّق بمقولات "مؤامرات خارجية" حقيقية أو وهمية، لرفض تدخلات بذرائع ما ولغايات ما، جنباً إلى جنب مع استمرار الأسباب "الحقيقية" التي تعتمد عليها، بل يجب:

توجيه الجهد الأعظم الآنيّ والمكثف من أجل مطالبة من يوجدون تلك الأسباب بالكف عن إعطائها، اعتقالاً وتعذيباً وتقتيلاً وحصاراً للمدن والقرى واقتحاماً للحرمات المنزلية والتعبدية واستخداما للأسلحة الفتاكة الخفيفة والثقيلة، لقمع ثورة شعبية سلمية مشروعة، كما هو الحال في سورية الآن.

إن المسؤول عن صناعة وقائع يتخذها "أعداء سورية" ذرائع لممارسة ضغوطهم السياسية والاقتصادية وغيرها، ضدّ سورية، مع وضعها في قالب "ضد النظام الإجرامي" هو ذلك النظام الإجرامي، فلا بد من المطالبة بوقف مسلسل جرائمه، أو بإسقاطه، مع تعزيز الجبهة السورية والعربية والإسلامية للعمل على تغيير واقع دولي مرفوض وممارسات دولية مرفوضة.

التدخل الأجنبي بصيغة عسكرية

التدخل الأجنبي العسكري، الغربي عادة، الدولي عنواناً، في سورية وفي سواها من الدول العربية والإسلامية هو التدخل المرفوض جملة وتفصيلاً، سواء كان تعليله بأسباب موضوعية أم لم يكن، فعواقبه الوخيمة تنطوي فيما تنطوي عليه، على انتهاك حقوق الإنسان وحرياته، وحقوق الشعوب والأقليات، وتدمير الطاقات البشرية والمادية في الأوطان المستهدفة، وترسيخ أسباب الهيمنة، بل وترسيخ شكل جديد مكان شكل مهترئ من الاستبداد المحلي المرفوض.

إنّما نعلم أيضاً أنّ ممارسة التدخل العسكري الأجنبي لا يمنعها "الرفض" من موقع الضعف، وسيّان كم جرى التأكيد أن كل تدخل عسكري أجنبي يفضي إلى زعزعة الهيمنة الدولية في نهاية المطاف، كما تشهد حالتا العراق وأفغانستان، فلا بد في الوقت نفسه من التأكيد أن "الثمن" الذي تسدّده الشعوب والأوطان المستهدفة، سواء سقطت الأنظمة الاستبدادية أم لم تسقط، أكبر بكثير مما يسمح بتسويغ ذلك التدخل، ناهيك عن المطالبة به تحت وطأة المعاناة أو لأغراض أخرى مرفوضة.

إن التعامل مع "الواقع الدولي" كما هو –إلى أن يتحقق تغييره إلى واقع قويم مشروع- يفرض التأكيد بشأن سورية ما يمكن اعتبار ليبيا مثالا عليه:

إن الاستبداد الحاكم في ليبيا منذ أربعة عقود ونيف، ارتكب من الجرائم الاستبدادية القمعية ما لا يحصى، ووجبت الثورة الشعبية المشروعة عليه بسبب جرائمه، وارتكب وهو يترنح أمام هذه الثورة، الجريمةَ الأكبر والأخطر بحق شعب ليبيا والوطن الليبي والمنطقة العربية والإسلامية، بتحويله مجرى أحداث الثورة وقمعها، إلى وضع صنع واقعاً أدّى إلى اتخاذه ذريعة دولية، بمشاركة عربية، لتدخل عسكري أجنبي خطير المضمون والنتائج..

ويُرجى أن يتمكن شعب ليبيا الثائر، بدعم الشعوب العربية الثائرة الأخرى، من أن يواجه بليبيا وبالمنطقة، تلك النتائج في نهاية المطاف، ليتحقق هدف التحرر من مختلف أشكال الهيمنة الأجنبية إلى جانب تحقيق هدف التحرر من الاستبداد المحلي، وكلاهما هدف مشروع مفروض، والعمل من أجل الهدفين معا مشروع مفروض، بعد أن وقع التدخل العسكري الأجنبي المرفوض من حيث المبدأ.

وإن الاستبداد الحاكم في سورية منذ أربعة عقود ونيف، ارتكب من الجرائم الاستبدادية القمعية ما لا يحصى، ووجبت الثورة الشعبية المشروعة عليه بسبب جرائمه، وسلك وهو يترنح رغما عنه في مواجهة هذه الثورة السلمية المتصاعدة، طريقا يرشحه الآن لارتكاب الجريمة الأكبر والأخطر بحق شعب سورية والوطن السوري والمنطقة العربية والإسلامية، بتحويله مجرى أحداث الثورة وقمعها، إلى وضع يصنع "وقائع" يمكن أن تؤدّي -رغم خصوصيات موقع سورية- إلى اتخاذها ذريعة دولية، بمشاركة عربية أو من دونها، لتدخل عسكري أجنبي خطير المضمون والنتائج.

يا حكام سورية

لهذا كله نقول من منطلق رفض التدخل العسكري الأجنبي الخطير في سورية:

يا حكام سورية كفوا عن القمع الإجرامي بحق سورية وشعبها وثورته السلمية..

يا حكام سورية لا تعرّضوا سورية وشعبها لجريمة تدخل عسكري أجنبي إضافة إلى جرائم الاستبداد القمعي..

يا حكام سورية لا جدوى من المراوغة وراء مقولات "المؤامرة الخارجية" و"العصابات المسلّحة" و"الإمارات السلفية" وسوى ذلك من مقولات، فلن يوقف الجدل حولها مسار الثورة الشعبية، ولن يمنع تدخلاً أجنبياً مرفوضاً في هذا المسار..

يا حكام سورية..

أوقفوا القمع..

دمّروا آلات التعذيب وآلياته بدلاً من المساجد والأحياء السكنية..

أعيدوا الفرق العسكرية التي تتزعمونها عائلياً وأسلحتها إلى الثكنات..

كفوا الأيدي الآثمة عما ترتكبه عبر أجهزة قمعية باسم "الأمنية"..

طهّروا السجون والمعتقلات من جميع من فيها من الأبرياء..

استخدموا طريقة "المراسيم" التي تتقنونها لإلغاء المواد المنحرفة في الدستور والقوانين المنحرفة التي اصطنعتموها من قبل..

أغلقوا البوابات "الأمنية المخابراتية" وافتحوا الحدود عبر بوابات الكرامة الوطنية أمام من شرّدتم من أهل سورية في أنحاء الأرض..

ضعوا طاولة مستديرة في مكان كريم، تجلسون عليها جنباً إلى جنب مع الأحرار، من الشخصيات المعارضة من مختلف الأطياف التي تتمتع من دونكم بثقة شعب سورية، والأحرار الثوار من ممثلي صانعي الثورة ضدكم أنتم وليس ضد سورية، وضد كل عدو خارجي وليس ضد الوطن ودوره الإقليمي والعربي والإسلامي.. فهذا وحده المدخل إلى بناء سورية ما بعد الثورة.

يا حكام سورية..

شاركوا من خلال ذلك كله في بناء سورية ما بعد الثورة، فالثورة ستنتصر بإذن الله، سواء وقعت تدخلات أجنبية أم لم تقع، وسواء تصاعد قمعكم أم انقطع، وسيبدأ البناء، فإما أن تستبقوا السقوط لتشاركوا فيه، أو يتحقق من بعدكم، من دونكم، بمشاركة شعب سورية بمختلف أطيافه وطوائفه وفئاته واتجاهاته.. وآنذاك ستكون محاكمتكم محتمة، على ما ارتكبتم داخل أرض سورية العزيزة الكريمة، وستكون في نطاق حكم عادل قويم، ولا يبقى أمامكم سوى الندم بعد فوات الأوان.. وتحمّل شيء من المعاناة بحق، كالتي سببتموها دون وجه حق، أضعافا مضاعفة، لشعب سورية الأبي الثائر المنتصر بإذن الله.

---------****************-------------

قمع أم إصلاح؟ .. ميشيل كيلو

السفير

28-5-2011

يتصارع في سوريا اليوم تصوران متناقضان: يقول أحدهما: الإصلاح بعد الأمن أو الأمن ثم الإصلاح، فيرد الآخر: لا امن بلا إصلاح .

تكمن مشكلة التصور الأول في الطريقة التي يفهم الأمن من خلالها، وتقيم تساويا بينه وبين القمع، يسلبه هويته كمفهوم سياسي يكثف جملة متشابكة من العلاقات والمصالح والعقود تتيح الاختلاف وتشرعنه وتقوم عليه، دون أن يتطلب تحقيقه استخدام العنف بين الأطراف المنخرطة فيه، لأن العنف ليس وسيلة لإنتاج الإجماع داخل المجال العام، وفي العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين الجماعات المتنوعة، بما في ذلك السياسية منها. بينما يقوم القمع على العنف العاري وحده، فهو نقيض الأمن، وكثيرا ما يكون سبب تقويضه: عندما يعتمد وسيلة رئيسة أو وحيدة لإنتاج إجماع سياسي أو اجتماعي، ذلك أن ما ينتجه يكون سلبيا على الدوام، يسمح بوجود آراء ومصالح طرف واحد لا يجوز وجود غيره في الحقل العام هو الطرف المسيطر أو الحاكم، في حين يبطل ما عداه، إلا إذا انضوى تحته ورأى نفسه بعينيه وبدلالته، كرها وغصبا في معظم الحالات. بينما إجماع الأمن إيجابي، يقوم على التوافق والتشارك والتفاعل في الآراء والمصالح، لكونه يقر بالتنوع ويقوم على توازناته، السلمية والحوارية غالبا، المنظمة والخاضعة للرقابة، والمعرفة قانونيا أو بالممارسات السائدة والشرعية دوما. المشكلة أن النظم المركزية، حتى لا أقول الشمولية، كالنظام السوري، تحول الأمن إلى قمع وتجعله مساويا له، فالأمن يعني هنا القمع، والقمع هو وسيلة إنتاج الإجماع، الذي يكون سلبيا على الدوام، يتعارض مع السياسة ويلغيها، بما هي حقل وظيفته الوحيدة إنتاج إجماع إيجابي. في الشمولية، ينضوي الأمن تحت القمع، ويحمل اسمه، ويصير مساويا له في الظاهر والجوهر، ويزيله تماما من الحياة الخاصة والعامة.

ويزيد الطين بلة أن للقمع عقلا يعمل بطريقة خاصة تدرج الأحداث تحت رؤية تضفي عليها موقفا مسبقا، تحملها مضامين آتية من المجال السياسي باعتباره حقل صراع، وليس حقل توافق أو إجماع. في التطبيق تتجسد هذه الرؤية في الممارسة التالية: ما أن يقع شيء ما، حتى يبادر النظام القمعي إلى «تنسيب» القائمين به أو الذين على علاقة معه إلى الجهة السياسية التي يكون على خصومة أو خلاف معها. اذكر أنني دعوت قبل وقت طويل إلى تأسيس نواة اتحاد كتاب بديل في سوريا، فاتهمت أول الأمر بأنني من جماعة حسني مبارك، ثم تغيرت التهمة بعد حين فصرت من جماعة الكتائب اللبنانية، قبل أن تتغير من جديد وأصير من جماعة صدام حسين وبعد ذلك ياسر عرفات بالتتالي والتتابع. حدث هذه خلال أشهر قليلة. لو أنني اعتقلت آنذاك، لكان علي الاعتراف بأنني من جماعة مبارك ثم الكتائب ثم صدام حسين ثم عرفات، على ما كان بين هؤلاء من انسجام!

عندما يعتقل مواطن، فإنه يدرج فورا في السياق المقابل لموقف النظام ويصير عميلا أو متآمرا مفترضا، لصالح الطرف الذي يكون النظام على خلاف معه، فإن كان جماعة الإخوان المسلمين تحول المعتقل إلى عضو في الجماعة، أو عميل لها، أو متصل بها، أو إلى فرد في بيئتها، وهناك قصص طريفة ومؤلمة حول مسيحيين وقعوا اعترافات بأنهم من الجماعة، بل إن وزيرا سابقا اتهمني بأنني من الإخوان المسلمين، وحين لفت نظره أحدهم إلى اسمي، رد عليه: شو يعني، الإخوان حزب! هكذا، أزال السيد الوزير صفة المسلمين عن الإخوان كي يتهمني بالانتماء إليهم، وجعل منهم حزبا يقبل مسيحيين!

لا داعي للتذكير بالنتائج الخطيرة التي تترتب على تحويل الأمن إلى قمع. من ذلك مثلا أن الأمن يسمح بالتظاهر ويتسع لمختلف أشكاله، بينما القمع يضيق ذرعا به ويمنعه، حتى إن كان النظام العام يسمح ،من حيث المبدأ، بالتظاهر. عندما يشارك شاب ما في مظاهرة، فإن أقصى ما يمكن أن يواجهه في دولة أمن هو الإحالة الفورية إلى محكمة تفرض عليه في أسوأ الحالات غرامة نقدية بسيطة، دون أن يتعرض في أي مكان للإهانة أو التعذيب، أما عندما يتظاهر في دولة قمعية، فإنه يعذب ويهان، لأن التظاهر يكون ممنوعا وإن سمح القانون به. عندئذ، يقر المتظاهر، بقوة العنف والتعذيب، بانتمائه إلى تلك الجهة التي يكون جهاز القمع ودولته في صراع معها، ويتحول إلى سياسي متآمر، وهكذا، عندما يتم تحويله إلى محكمة تكون تهمته سياسية تتخطى المخالفة الإدارية التي ارتكبها، ويتحول من شخص قد يكون مطلبه تحسين أجره أو ظروف عمله، إلى متآمر يوهن نفسية الأمة أو يضعف الشعور القومي أو يدس الدسائس لدى الأجانب أو يثير النعرات القومية والطائفية ... الخ، ويغيب في السجن لفترة لا تقل عن ثلاثة أعوام، ويعتبر لبقية حياته سياسيا معاديا للأمر القائم وخطيرا على السلامة العامة، لا مفر من إخضاعه للرقابة والتخويف الدائمين، وفي أحيان كثيرة من قطع رزقه ومعاقبته وأسرته ما دام حيا.

خلاصة القول: ليس تحويل الأمن إلى قمع ضروريا للإصلاح بل هو يبطله تماما، فالقمع يتعارض مع الأمن ويتناقض مع الإصلاح، أقله لأن الإصلاح يريد تطبيع علاقات الحكومة مع شعبها أو قطاعات واسعة منه، لإبطال أسباب الخلاف وتقييد الحاجة إلى قمعه أو ممارسة العنف ضده، وإرغامه على قبول علاقة معها جوهرها الإجماع السلبي، بينما يبطل القمع الحاجة إلى الإصلاح، بإيهام أولي الأمر أن ما يجري في البلاد ليس غير «مؤامرة» على النظام بوسعه هو القضاء عليها بالقضاء على القائمين بها والمشاركين فيها، وإذاً، لا يجوز القيام بأي تغيير أو إصلاح، وإلا كان تحقيقهما تنازلا وهزيمة أمام المتآمرين، وتحقق هدفهم المضمر والوحيد: إزاحة النظام عن مواقعه وتغيير طبيعته، تمهيدا للتخلص منه. يستهدف الإصلاح تغييرا ما في أمر قائم ظهرت عيوبه، هنا أو هناك، كليا أو جزئيا. بينما يستهدف القمع تغيير رأي من يقولون بوجود عيوب كهذه، وبالتالي الحفاظ على النظام كما هو، دون أي تغيير، وإلا اعتبر الإصلاح خطأ على الصعيد السياسي، وتنازلا أمام المؤامرات، وفشلا للأجهزة التي تحمي الأمر القائم وطعنة في ظهرها تتخطى الإصلاح إلى إضعاف وربما تقويض أسس وركائز النظام ذاته، الذي لا بد أن يقوم على معادلة بسيطة: القيادة على حق في كل ما تقول وتفعل، والأجهزة على حق في إقناع المواطن بصحة هذه المسلمة، بغض النظر عن الطرق التي تستخدمها، وتعتبر جميعها شرعية وقانونية، مهما بلغت من لعنف والشدة وخالفت القانون. وكل من يشكك بهذه المعادلة أو يفكر بالخروج عليها أو يخرج عليها بالفعل يستحق «معالجة» تقنعه بخطئه وترده إلى الصواب، ذلك أن المشكلات الحقيقية التي يواجهها النظام ليست في الواقع بل في النفوس التي تفتعلها، وتستحق، لهذا السبب، معالجة تجتث الفساد والشر والضلال منها. ولعله مما يبين عمق الأرضية التي تقف عليها هذه النظرة المشوهة أن من يعتقلون يصنفون دوما إلى فئتين: واحدة تغرر بالمواطن وأخرى تدعوه إلى الفعل، واحدة تحدد وعيه وأخرى سلوكه، فلا بد من قطع الطريق على تفاعل الوعي مع السلوك بقمع الوعي، فإن حدث واكتسب المواطن وعيه قبل أن يلاحظ الجهاز ذلك، اعتبر صاحبه بيئة خطرة لن تلبث أن تنتقل إلى الفعل، من الضروري «معالجتها « بشتى الوسائل التي تحول دون انتقال الوعي إلى فعل .

يفضي الأمن بمعناه القمعي إلى تكسير ما يريد الإصلاح الحفاظ عليه: الدولة والسلطة والمجتمع والمواطن، والعلاقات الإيجابية بين هؤلاء. يفعل القمع ذلك بوسائل عنيفة يستهدف الإصلاح عادة تقييدها والحد من انتشارها واستخدامها. لذلك، لا يصح إطلاقا ربط الإصلاح بالقمع، واعتبار القمع مقدمة ضرورية للإصلاح، ليس بسبب تعارض أهدافهما وحسب، وإنما تناقض وسائلهما كذلك، فالقمع يلغيك ويرفض الإقرار بحقك في الاختلاف، ويجبرك بالعنف على تبني ما يجب أن تؤمن به، وعلى تأكيد فرضياته المسبقة، السياسية الطابع، حول وجود مؤامرة تنسبك اعترافات منتزعة منك بالقوة والعنف إليها، بينما يقر الإصلاح بحق الخلاف والاختلاف، ويؤمن بالحلول الوسط والتسويات، ويستهدف تصحيح ما قد يشوب وضعا عاما من عيوب ونواقص، مع أخذ آراء الآخرين حولها في الاعتبار والحسبان.

لا بد من وقف القمع، الذي يسمى «الحل الأمني» ليكون فتح طريق الإصلاح ممكنا وجديا. ولا مفر من بدء الإصلاح لوقف القمع. ولا بد من تغيير الحاضنة السياسية التي تجعل القمع ضروريا، وجعلته خلال نيف وأربعين عاما وسيلة التعامل الرئيسة مع المجتمع، فلا عجب أن كانت نتائجه ما نراه ونعيشه اليوم: مطالبة قطاعات واسعة من المواطنين بإصلاح يحقق أمرين لا ثالث لهما: حرية تحميهم من القمع، وعدالة تحميهم من الفقر. الغريب أن كبار قادة الدولة أقروا بشرعية هذين المطلبين، لكنهم لم يبادروا إلى إطلاق إصلاح يحققهما في أقصر وقت ممكن، وسمحوا ليد «الأمن» الطويلة أن تكون وسيلتهم الرئيسة في التعامل مع المطالبين بهما، ومع أزمة سياسية هي الأخطر في تاريخ سوريا، لكنها تعالج حتى الآن بعقلية غير سياسية، غامضة الأهداف، كثيرة الأخطاء، لطالما تجاهلت الواقع الذي كان يصرخ منذ عقد كامل مطالبا بإصلاح يكون توافقيا وسلميا وتصالحيا وحواريا وآمنا ومتدرجا وبطيئا ومدروسا، لكنها زعمت أنه ليس حاجة ملحة، وأن تحقيقه ليس مطلبا مجتمعيا أو عاما وأنه يقبل الإرجاء. وحين انفجرت المطالبة وأخذت شكلا مجتمعيا واسعا، قيل بأولوية «الأمن» على الإصلاح، وتم التصدي للمطالبين بوسائل قمعية وضعت السياسة في خدمتها!.

يقطع القمع الطريق على الإصلاح، ويفتح الإصلاح باب الأمن واسعا: للسلطة والدولة والمجتمع والمواطن. فلنخرج إذن من المعادلة المقلوبة، التي تربط الإصلاح بأولوية الأمن، ولنبدأ العمل بالمعادلة الصحيحة، التي ترى أنه لا أمن بلا إصلاح، وأن الإصلاح هو الأمن، والأمن يفرض الإصلاح لا القمع. نحن في فترة مفصلية تتطلب عقلية جديدة ونظرة مختلفة إلى واقعنا، تمكننا من رؤية مفرداته خارج النظرة القمعية التي يسمونها أمنية، فتكون المؤامرة شيئا والأزمة شيئا آخر، وتعالج المؤامرة بالقانون والأزمة بالسياسة والتدبير العام والمشاركة، ونخرج أخيرا من احتجاز أثبتت الأيام أنه خطير جدا، ولا مصلحة لأحد فيه، وأن لا سبيل إلى مبارحته غير إصلاح عميق وواضح وحاسم!

---------****************-------------

الأغلبية الصامتة أم المرعوبة في سوريا؟! .. ياسر الزعاترة

الدستور

28-5-2011

عقب كل تقرير عن سوريا تضطر فضائية الجزيرة لاستضافة كاتب أو ناشط مقرب من الدوائر الرسمية، وتعبير «مقرب» هو من باب السخرية لا غير، لأن من يدافع عن النظام وممارساته لا يمكن أن يكون مقرباً فقط، بل لا بد أن يكون ممن يجلسون في حضن النظام ويتمتعون بامتيازاته.

لا شك أن تلك خطوة ذكية من النظام، لأن هؤلاء «المقربين» يقدمون خطاباً أفضل في سياق الدفاع عنه من مسؤوليه فيما لو ظهروا على الهواء مباشرة وتعرضوا لأسئلة المذيعين، لاسيما أن الكتاب إياهم أكثر قدرة على التبرير في أغلب الأحيان، فيما سيكون بوسعهم مجاملة الناس وإظهار استقلاليتهم عبر الاعتراف ببعض الأخطاء وضرورة الإصلاح، مع القول إن ذلك لا يتم عبر الغوغائية والإرهاب إلى آخر تلك المصطلحات التي يستخدمونها كل يوم. وفي ذات السياق يضطر مذيعو الجزيرة للاستماع إلى وصلات من هجاء محطتهم من أولئك النفر، معطوفة على دروس في المهنية والموضوعية.

ثمة نكتة يرددها عباقرة النظام كل يوم تقول إن على من يريد التظاهر أن يتقدم بطلب إلى وزارة الداخلية، ولا يخرج إلى الشوارع بطريقة غوغائية، لكأنهم يتحدثون عن سويسرا وليس عن سوريا. أما «اللفتة العبقرية» التي يظنون أنهم من خلالها يفحمون خصمهم فتتعلق بعدد المتظاهرين، حيث يسألون مذيع الجزيرة بذكاء يحسدون عليه: «كم عدد المتظاهرين الذين تتحدثون عنهم، مع أنكم تبالغون بالطبع، هل هم ألف، عشرة، ليكونوا مئة ألف، بل ليكونوا مليوناً، ماذا عمن تبقى من الشعب، وهم 23 مليوناً من البشر؟».

يا الله، تلك هي الأغلبية الصامتة، بحسب هؤلاء، وهي أغلبية ترفض ما يجري من احتجاجات، وتصرّ على الإصلاح التدريجي في ظل النظام المقاوم والممانع (نصرّ على أننا لا ننكر هذا، لكنا لا نرى المقاومة والممانعة نقيضاً للحرية والديمقراطية)، لكأن هؤلاء قد استفتوا تلك الأغلبية وقرروا أنها مع النظام بكل جوارحها، وأنه لو أطلق لها العنان، فستأكل المتظاهرين في الشوارع بأيديها وأسنانها دفاعاً عنه!!

لا بأس أيها المحللون البارعون. إذا كانت الأغلبية الصامتة مع النظام، وإذا كانت الملايين، كل الملايين معه بقلبها وروحها، فلماذا تخافون من الحرية والديمقراطية إذن؟! لماذا لا تشرّعون الأحزاب والنقابات، ولماذا لا يخوض حزبكم الحاكم (حزب البعث) انتخابات حقيقية في مواجهة القوى الأخرى حتى يعرف حجمه، ولماذا يخاف السيد القائد من انتخابات رئاسية حرة وشفافة كي يتأكد أن كل الجماهير تهتف حقاً باسمه ومن أجل بقائه إلى الأبد ؟.

من كان متأكداً من أن وقوف الناس معه، لن يخشى مواجهة الناس، بل سيعلن في المدائن بالصوت العالي قائلا: بيننا وبينكم الصناديق أيها الغوغاء، فتفضلوا إليها، وذلك بعد أن تجري صياغة قوانين ناظمة للحياة الحزبية والسياسية الحرة، وهي بالمناسبة ليست اختراعاً عظيما يحتاج إلى لجان تمضي سنوات من اللقاءات واللت والعجن.

والحق أنهم يعلمون تمام العلم أن الأغلبية الصامتة ليست معهم، بل هي مع المتظاهرين في الشوارع. مع الشهداء وأسرهم. مع الأسرى الأبطال. مع الذين يضعون أرواحهم على أكفهم، فيبادرون للاتصال بالفضائيات لفضح القتلة.

الأغلبية الصامتة ليست في واقع الحال سوى الأغلبية المرعوبة، فالتظاهر هنا في سوريا ليس مثل التظاهر في مصر أو اليمن، إنه تظاهر مكلف، لأن من سيخرج إلى الشوارع سيكون عرضة للموت أو السجن باحتمال كبير جداً قياساً إلى الدول الأخرى.

لو كان المشهد مختلفاً لرأينا مظاهرات مليونية حقيقية، ربما أكبر من اليمن، ولن يعثر النظام على بضع مئات من الآلاف يحشدهم كما يفعل علي عبد الله صالح، مع أن أكثرهم يُحشدون من خلال المال والقات كما يعرف الجميع، وقلة منهم مَنْ جاؤوا قناعة بإبداعه في الحكم!!.

في سوريا ليس ثمة أغلبية صامتة، بل أغلبية مرعوبة، لكن الذين خرجوا ويخرجون هم الأبطال الذين يعبرون عن ضمير الشعب، فيما يعلم الجميع أن الجزء الأكبر من الناس لا يتظاهرون في الأوضاع الطبيعية لاعتبارات الظروف الخاصة بهم، مثل طبيعة العمل أو النساء ذوات الأطفال، أو الأطفال أنفسهم أو كبار السن إلى غير ذلك. وفي سوريا تحديدا عندما تخرج كل هذه الحشود التي لا تجمعها سوى كلمة حرية، وحيث لا أحزاب ولا تنظيمات حقيقية، وحيث مخاوف الموت والاعتقال، فإن ذلك يؤكد أنها (أعني الحشود) تعبر عن الأغلبية الصامتة أكثر من الحشود التي يجري تجميعها بالتخويف من أجل الهتاف بحياة الرئيس وبقاء حزبه العظيم!! .

---------****************-------------

سورية: النظام من الإصلاح إلى الإلغاء .. جورج طرابيشي *

السبت, 28 مايو 2011

الحياة

لأبدأ بهذه المصارحة للقارئ: فلكم قاومت الرغبة وأنا أقرأ خطابَي أوباما المتتاليين عن التطورات الثورية المستجدة في العالم العربي، واللذين أنهى ثانيهما بدعوة الرئيس بشار الأسد إلى إنجاز الإصلاحات الموعودة أو التنحي، أقول: لكم قاومت الرغبة في كتابة رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي أعيد فيها وضع بعض النقاط على الحروف بصدد أزمة الانسداد الديموقراطي في العالم العربي، وتحديداً في القطر السوري، والعوامل التي قدّمت اللبنات الأولى لبناء نسخة سورية من «الستار الحديدي» السوفياتي أو «الجدار العازل» الإسرائيلي بهدف قطع الطريق أمام كل إمكانية للتواصل مع سيرورة الدقْرَطة المنداحة موجتها في كل مكان آخر من العالم باستثناء العالم العربي، وفي المقدمة منه القطر السوري.

وبديهي أني لم أكتب تلك الرسالة المفتوحة. أولاً لأنها غير مجدية، وثانياً لأنها تتطلب قدرة على الادعاء لست أملكها، وثالثاً، ولكن في المقام الأول، لأن مثل تلك الرسالة يمكن أن تُستخدم كحجة تضاف إلى جملة الحجج الموظّفة في تغذية وتبرير ذلك المشجب الكبير الذي كانت ولا تزال تُعلّق عليه قضية الانفتاح الديموقراطي في ما كان يُسمّى بدول المواجهة، القريبة منها (مصر وسورية والأردن) والبعيدة (العراق وليبيا) على حدّ سواء، وفي المقدمة منها سورية بطبيعة الحال. مع العلم أن ذلك المشجب اللاجم للسيرورة الديموقراطية بقي شديد الفاعلية حتى في الدول التي انسحبت من المواجهة، وفي المقدمة منها مصر الساداتية والمباركية.

ماذا كانت ستقول تلك الرسالة التي لم أكتبها؟

بلى، إن الرئيس أوباما محق إذ يندّد بالاستخدام المفرط للعنف من قبل أجهزة النظام في قمع تطلعات شعب سورية إلى الانعتاق الديموقراطي. ولكن ما يغيّبه تماماً عن وعي سامعيه هو السيرورة التولّدية والتضخمية لهذا النظام عينه، وهي سيرورة تتحمل فيها الولايات المتحدة الأميركية نفسها، بعد أن آلت إليها قيادة الغرب، مسؤولية لا يمكن إسقاطها من المحصلة النهائية للحساب.

ولنستعد القصة من أولها.

سورية، قبيل الاستقلال وبعيده، كانت نموذجاً مبكراً وغير مسبوق في المنطقة العربية لدولة ديموقراطية، أو على الأقل لدولة واعدة ديموقراطياً. ولكن هذا الوليد السوري ما لبث أن وئد في مهده. فعقب الهزيمة العربية أمام «الدويلة» الإسرائيلية عام 1948 عصفت بسورية موجة تسونامية متتالية الحلقات من الانقلابات العسكرية تمخّضت عن تضخّم متسارع وغير مسبوق في تاريخ المنطقة، وربما في العالم: ففي سنوات قليلة لا تزيد على العشر تحوّل الجيش السوري إلى واحد من أكبر جيوش العالم قياساً إلى تعداد السكان. وفي البداية تقبّل الشعب السوري هذا التضخم وتحمّل كلفته الباهظة بقدر ما تبدّى له – وهو الشعب الحامل للوعي القومي العربي الأكثر تطوراً في حينه – أنّ تلك هي الضريبة التي لا بد من دفعها التزاماً منه بعبء المواجهة.

ولسنا هنا بصدد عرض تاريخي معروفة تفاصيله للجميع. وكل ما نريد قوله، باختصار شديد، هو أن تلك السيرورة التضخمية للمؤسسة العسكرية قد آلت إلى سلسلة متوالية ومتضامّة الحلقات من الابتلاعات: ابتلاع الجيش للمجتمع، وابتلاع الدولة من قبل ما بات يُعرف باسم «النظام»، ثم ابتلاع الجيش نفسه بقدر ما تمّ تحويله من جيش وطني إلى جيش «عقائدي»؛ وبالتوازي والتضافر، ابتلاع حزب البعث نفسه بقدر ما تمّ تحويله من إفراز سياسي – طليعي في حينه – للمجتمع المدني إلى أداة متحكم بها لمصادرة كل إمكانية لتطور ذاتي لذلك المجتمع المدني إياه.

بل أكثر من ذلك بعد: فإن تلك المهمة التي طُوّرت من أجلها المؤسسة العسكرية السورية إلى حد التضخم والتي تحمّل الشعب السوري في سبيلها ما تحمّل قد جرى إسقاطها بدورها من جدول الأعمال المعتمد من قبل النظام. فمنذ 1973 غدت الجبهة السورية هي الجبهة الأكثر صمتاً مما تبقى من جبهات دول المواجهة، وإن يكن هذا الصمت قد اصطُنعت مقابله جبهة صاخبة على حدود الحلقة الأضعف من حلقات المواجهة، أعني اللبنانية.

بل أكثر وأكثر من ذلك بعد: فمعادلة المواجهة قُلبت رأساً على عقب، أي بدلاً من المواجهة الافتراضية غدت المهمة الواقعية تصميت الحدود وإخراسها، وهذا إلى حدّ لم يمنع أحد أعمدة النظام من أن يطلق مؤخراً تصريحه الذي أحرج النظام نفسه بتأكيده أن ضمانة استقرار إسرائيل هي استقرار سورية نفسها.

هنا تحديداً تفرض نفسها مهمة إعادة قراءة لأبجدية العلاقة بين الدولة والنظام لأن أكثر ما ميّز سورية خلال الأربعين سنة الأخيرة هو انقلاب هذه العلاقة لمصلحة تغييب شبه مطلق للدولة وإحضار شبه مطلق للنظام.

والحال أنه ما دام مدار كل العاصفة التي تعصف بسورية اليوم هو على المطلب الديموقراطي، الذي تقدّم بالنسبة إلى الشعب السوري على أي مطلب آخر، فلنقل إن العلاقة بين الدولة والنظام قد آلت في الحالة السورية إلى محض علاقة ضدّية. فلم يعد يكفي أن نقول إن الدولة شيء والنظام شيء آخر، بل لا بد أن نضيف أن أزمة المجتمع السوري تعود حصراً إلى ابتلاع النظام للدولة، واستتباع سلطتها لسلطته، وبتعبير أقل تجريداً: تغييب السلطة الافتراضية للقانون ممثلاً برجل الشرطة، وإحضار السلطة الواقعية وفوق القانونية للنظام ممثلاً برجل المباحث كما كان يقال في جيلي، أو بعنصر الأمن السياسي كما بات يقال بلغة أكثر معاصرة.

وإذ يقف النظام والدولة على هذا النحو على طرفي نقيض، وإذ تغدو الدولة مستتبعة للنظام بدلاً من أن يكون النظام عاملاً في إمرة الدولة، فلنا أن نفهم لماذا يستحيل أن يكون النظام ديموقراطياً. فلئن تكن الديموقراطية هي بالتعريف المعجمي حكم الشعب، فإنها بالتعريف القانوني تقديم سلطة الدولة المجردة، والعادلة بحكم تجريدها، على كل سلطة مشخّصة، وغير عادلة بالضرورة بحكم تشخّصها، سواء كانت سلطة فرد أم أسرة أم حزب أم طائفة.

من هنا لامنطقية فكرة «إصلاح النظام». فبصرف النظر عن الغاية التخديرية التي قد تكون – وهي كائنة حتماً – وراء إطلاق مثل هذا الشعار، فإن التجربة التاريخية، التي قدّمت العينات الهتلرية والستالينية والتيتوية والناصرية والصدامية والقذافية أشهر نماذجها في القرن العشرين، تثبت أن النظام أياً كانت طبيعته وواجهته الأيديولوجية لا يقبل بأي خيار آخر سوى تأبيد نفسه.

والحال أن الديموقراطية هي بالتعريف تداول السلطة من دون أن تتعداه إلى الاستيلاء على الدولة. والسبيل الوحيد أمام أي نظام إلى إصلاح حقيقي لنفسه هو إلغاء نفسه وردّ الاعتبار، كل الاعتبار، إلى الدولة التي يكون قد صادرها لمصلحته.

وباستثناء الاستثناء اللبناني الذي أرغمته تعدديته الدينية والطائفية على التوافق على ضرب من التداول والتقاسم للسلطة (وعلى أي حال بين العائلات وليس بين الأحزاب بالمعنى السياسي للكلمة كما تفترض الديموقراطية)، فليس في العالم العربي، المأسور لأنظمته على اختلاف طبائعها وأسمائها، دولة ديموقراطية واحدة، وأقلّه بانتظار النتائج التي ستسفر عنها الثورتان الشبابيتان التونسية والمصرية اللتان يتهددهما احتمال «سرقتهما» بالسقوط من جديد في أسر نظام يعطي لنفسه الأولوية على الدولة.

وفي ما يتعلق بالنظام السوري تحديداً فإن أقل ما هو مطالَب به مرحلياً، تمهيداً لإصلاح نفسه، أي إلغاء نفسه بنفسه في خاتمة المطاف، هو إقرار التعددية السياسية والحزبية التي تقتضي، أول ما تقتضي، إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على قيادية حزب البعث للدولة، وإطلاق حرية الإعلام في زمن غدت فيه هذه الحرية، بفضل الثورة الإنترنتية، هي المقياس والضمانة لكل حرية أخرى. وأخيراً، وليس آخراً بطبيعة الحال، إلغاء جميع مظاهر عبادة الشخصية، وإزالة الصور والتماثيل والشعارات من الشوارع والساحات العامة، وحصر وجود صور رئيس الجمهورية بالمؤسسات الحكومية على أن تكون متواضعة الحجم وقابلة للتغيير مع انتهاء ولاية كل رئيس طبقاً لما سينص عليه الدستور بخصوص تجديد الولايات والتداول الدوري للسلطة.

وحرصاً على تداول سلمي وديموقراطي للسلطة يجنّب سورية، المتعددة قومياً ودينياً وطائفياً، مهلكة الحرب الأهلية – وربما التقسيم – فإن الدور الذي ينتظر الرئيس الأسد، الذي يقال لنا إنه كان سبّاقاً منذ توليه السلطة إلى رفع شعار الإصلاح، هو أن يجمع في شخصه، بالإحالة إلى تجربة النظام السوفياتي على الأقل، بين غورباتشوف ويلتسن معاً، ليجعل من إصلاح النظام مقدمة لإلغائه.

ولكن السؤال، كل السؤال: هل ذلك ممكن؟

ليس في التاريخ مستحيل، وإن يكن التاريخ نفسه يقدّم أمثلة لا تحصى على أن دعاوى إصلاح النظام من داخله تكون محكومة في غالب الأحيان بمنطق المناورة، أو عاجزة إذا كانت صادرة عن نية صادقة.

وأياً ما يكن من أمر فإن الشعب السوري الذي دل على شجاعة منقطعة النظير ولامتوقعة - على الأقل بالنسبة إلى كاتب هذه السطور الذي عاش ولا يزال في المهجر منذ أربعين سنة – لم يعد يقبل بأي خيار آخر: بلى لإصلاح النظام إذا كان مقدمة لإلغائه، ولا لإصلاح النظام إذا كانت الغاية منه تأبيده.

***

هنا تحديداً تفرض نفسها العودة إلى مشروع الرسالة المفتوحة برسم الرئيس أوباما. فحلمه بقيام شرق أوسط عربي ديموقراطي لا يمكن أن يكون - بصرف النظر عن النيّات والمخططات – موضع اعتراض من قبل أحد. بل أكثر من ذلك: فهو موضع ترحيب، إذ إن العالم العربي هو، أولاً وأخيراً، جزء من العالم. والعالم اليوم عالم يضع الديموقراطية في أعلى سلّم قيَمه السياسية. ولكن الشرق الأوسط يمثل مع ذلك حالة لها خصوصيتها. فالديموقراطية نبتة غير مؤهلة للنماء في تربة حربية. والشرق الأوسط العربي، وبخاصة جناحه السوري، ما زال منذ 1948، وعلى الأخص منذ 1967، في حالة حرب ولو موقوفة عن القتال. وحالة الحرب تربة مولّدة لجراثيم الديكتاتورية، وهذا إلى حدّ أن الأنظمة الديكتاتورية ذاتها غالباً ما تبقي عليها قائمة حتى تشرْعِن نفسها بقدر أو آخر في نظر مواطنيها، أو بتعبير أكثر مطابقة لواقع الحال في سورية كما في معظم الأقطار العربية الأخرى: رعاياها.

وقد يكون النجاح السلمي النسبي للثورة الشبابية المصرية يدين بعض الدينونة لكون مصر قد استعادت سيناءها. ولا شك في أن عدم استعادة سورية لجولانها قد جرى توظيفه من قبل النظام لإبقائها معزولة عن سيرورة الدقْرَطة المنداحة موجتها عالمياً منذ سقوط المعسكر السوفياتي.

ومن هنا بالتحديد تقع على عاتق الرئيس أوباما، بوصفه رئيساً لأقوى دولة في العالم، مسؤولية عقد قران غير قابل للفصم بين شرق أوسط ديموقراطي وشرق أوسط سلمي.

ولقد كانت آمال العديدين من الديموقراطيين العرب قد انعقدت على أوباما منذ أن أعلن من بداية ولايته أنّ وضع خاتمة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني (– السوري) يأتي في مقدمة أولويات الدبلوماسية الأميركية. ولكن ها هي ولايته الأولى على وشك الانقضاء من دون أن يكون وفى بشيء من عهده. بل لنقل إنه أخلف وعده طبقاً لرواية الرئيس محمود عباس، إذ قال: لقد طلب منا الرئيس أوباما أن نصعد معه الشجرة، فصعدنا، فما كان منه إلا أن نزل، ثم سحب السلم أيضاً.

وليس يدري أحد ما إذا كانت ولايته ستتجدد. ولكن سواء نجح أم أخفق، فإن إيجاد حل سلمي وعادل بقدر الإمكان للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني – السوري يبقى هو الضمانة التي لا مناص منها لنماء النبتة الديموقراطية وعدم انتكاسها في ما كان يُعرف سابقاً باسم دول المواجهة. ولأعترف مرة أخرى وأخيرة بأنني لست متفائلاً بهذا الخصوص. وحسب القارئ أن يكون شاهد على القنوات التلفزيونية الكيفية التي استُقبل بها نتانياهو بالأمس في الكونغرس الأميركي: فشخصياً لم يستحضر هذا المشهد التهريجي إلى ذهني سوى مشهد ما يسمى بمجلس الشعب السوري وهو يستقبل رئيس الجمهورية.

---------****************-------------

قتلوا حمزة وأحيوا أمة! .. حلمي الأسمر

الدستور

30-5-2011

تنثال عليك ذكريات وذكريات، وأنت ترى جسد الفتى الشهيد حمزة الخطيب، وقد دق بقصة استشهاده أبواب النصر، واستدعى حادثات الليالي، ورياح التاريخ القديم والجديد، فما تدري أيها أكثر دلالة، وكلها تحمل رموزا مؤثرة!

حمزة الخطيب، يستدعي ذكرى محمد الدرة، الطفل الذي قتله زبانية شارون، ولكن شارون لم يقتل أبناء شعبه، وإن حفرت حادثة استشهاد الدرة ضوءا في الضمير البشري لا يمكن أن يُطفأ!

حمزة الخطيب الآن، الطفل السوري الذي قتله شبيحة النظام، غدا صنو خالد سعيد، الذي قتله مخبرو مبارك، كما هو شأن البوعزيزي، الذي أطلق شرارة الثورة التونسية، بعد أن صفعته شرطية تونسية جاءها مطالبا بحقه، أصبحوا جميعا رموزا تاريخية، تلهم الملايين عربا وعجما، للثورة على الظلم، والانتصار على القتلة!

حمزة ابن الثلاثة عشر ربيعا، يحمل نفس اسم حمزة، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قتله وحشي، ومثل بجثته، ووحشي له مُعادل موضوعي في هذا الزمان اسما وفعلا.

قصة استشهاد حمزة قصة تروى للأجيال، الطفل حمزة من بلدة الجيزة، القريبة من درعا، اعتقل قرب صيدا في حوران يوم 29 نيسان الماضي أثناء محاولته إدخال الطعام إلى المحاصرين في مدينة درعا، اختفى منذ ذلك التاريخ، ولم يظهر إلا بعد شهر: جثة هامدة، ملأت صورها صفحات الإنترنت، والصحافة الدولية، حيث تبدو على جسده آثار التعذيب (الوحشي) والتمثيل بجثته، والأنكى من ذلك قطع عضوه التناسلي، وكأنها رسالة من الأمن السوري لكل رجال الشام!!

طبعا، لم تصدر رواية رسمية عن السلطات السورية حول هذه الجريمة البشعة، لكن تلفزيون «الدنيا» المقرب من الحكومة استضاف طبيبا شرعيا أكد أن جثة الطفل كانت سليمة عندما عاينها(!) ولم يذكر الطبيب كيف قتل حمزة، وقد استمعت لكل ما قاله هذا الطبيب، فكان مضحكا حد البكاء، ولم يفسر شيئا مما بدا على جسد الشهيد من طلقات نارية أو قطع عضوه الذكري، أو كسر عنقه، بل ادعى أن التغير والندوب على جسمه هو بفعل تفسخ الجثة، لأن الوفاة حصلت قبل شهر، ولم يقل لنا الطبيب الهمام، لم بقيت الجثة في حوزة السلطات كل هذه المدة، وأين كانت محفوظة كي تتفسخ على هذا النحو!!

وفاة حمزة، الطفل، ومحنة الشام برمتها، تستدعي أبياتا مؤثرة من الشعر لأمير الشعراء أحمد شوقي، في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ

وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وفيها أبيات، كأنها تصف حال اليوم، وإن كان المقصود بالقتلة جنود فرنسا الاستعمارية، الذين يسمون طلاب الحق والحرية: عصابات سلفية خارجة عن القانون، شاقة لعصا الطاعة، يقول شوقي:

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ

أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ

وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا

قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا

أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ

إِذا ما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ

يقولُ عِصابَةٌ خَرَجوا وَشَقّوا

دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا

وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ

إلى أن يقول:

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ

بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ

وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ

رحم الله شوقي، والبوعزيزي وخالد سعيد، وعم رسول الله، وسميَّه حمزة، فقد لاحت بشائر الانتصار، وبإذن الله سيكون دم حمزة الصبي، لعنة على الوحوش، وأذنابهم وشبيحتهم، كما كان دم حمزة لعنة على كفار قريش!

---------****************-------------

"كلنا حمزة الخطيب" .. محمد أبو رمان

29/05/2011

الغد الاردنية

"ما يحدث في سورية مؤامرة على النظام والممانعة"، "كل ما نراه من جرائم التعذيب والقتل والإبادة العنصرية والطائفية هو مجرد أفلام مدبلجة"، "المعارضة مدعومة من الخارج والأصوات التي تنتقد مجازر النظام السوري لها أجندتها الخاصة"، و"المعركة هي فقط مع تكفيريين وجماعات متطرفة وعصابات خارجة على القانون"!

هكذا هي رواية النظام السوري وأتباعه. حسناً، سنفترض أن كلّ ذلك صحيحٌ تماماً، لكن هل يمكن أن يكذب أيّ منكم أباً وهو يبكي أمام جسد ابنه المسجّى، وقد قُتل بالرصاص أو تحت التعذيب! أو حين يرى ابنه الذي اعتقل، وقد خرج محطّماً نفسياً وجسدياً، عاجزاً عن الحديث ويلوذ بالصمت والبكاء من حجم الويلات التي عاشها في المعتقلات السورية؟! هل مئات الشهادات الموثقة (هذه) أيضاً كذب ومؤامرة، وهل ما قاله رامي مخلوف حول ضمان النظام السوري لأمن إسرائيل أيضاً مفبرك؟!

نعود لقصة الطفل حمزة الخطيب (13 عاماً)، وقد كان بصحبة أهله في مسيرة لفك الحصار عن مدينة درعا، فالتقطته قوات الأمن، واعتقلته، ثم بعد أيام أعادته "جثّة هامدة" لأهله، لكنها متخمة بآثار التعذيب الوحشي، بما في ذلك بتر عضوه التناسلي، ورصاص في أنحاء متعددة من جسده، ثم بعد أن تتكشف القصة ويرفض أهله الصمت، يقوم الأمن السوري باعتقال والده!

فقط لو قيل لأولئك الذين يتنطحون للدفاع عن هذه الجرائم والقتل، ويتواطؤون على تصوير الشعب بوصفه عصابات مسلّحة، والملاعب التي يجري فيها التعذيب للمتظاهرين، ب"مراكز ترفيه وتأهيل": فقط تخيلوا أن الطفل حمزة هو ابنكم، وأنه تعرّض للتعذيب الوحشي قبل أن يُقتل! ولو أنّ مئات الأطفال السوريين الذين عُذِّبوا واعتُقلوا أو قُتلوا هم أبناؤكم أو إخوانكم، وحدث معهم ما حدث، هل ستبقى هذه هي مواقفكم؟!

ما يحدث حالياً في سورية هو قصة استثنائية غريبة فعلاً، تعكس واقعة وجود جهاز أمني وعسكري خارج التاريخ، أدمن التعذيب والقتل وإهانة الكرامة الإنسانية، ولا يتقن صنعةً أخرى، ولا يمتلك الخروج من عصر المجازر والمذابح، لذلك لا يعرف بعد أن هذه الجرائم في عصر اليوتيوب والثورة المعلوماتية والإعلامية، جميعها تتحول إلى وثائق مروّعة ومرعبة، تكشف حجم الفساد والقمع الذي وصلت إليه الأمور.

لا يصل جهاز ما إلى المتعة بتعذيب الأطفال بهذه الصورة البشعة إلاّ وقد تجاوز حالة "الإفلاس الأخلاقي"، وخلع "روح الإنسانية" منه، وارتدى ثوباً آخر (!).

الصمت على ما حدث مع حمزة الخطيب وإخوانه من الأطفال والشباب السوريين بمثابة جريمة نشارك فيها جميعاً، محبي النظام السوري أو شانئيه. فليس هنالك تبرير واحد يمكن أن يفسّر القفز على قتل الناس وتعذيبهم والاعتقالات الجماعية وحملات الإبادة ومئات الشهادات التي توثق ذلك، ومنها ما نشره مؤخراً الزميل سليمان الخالدي حول مشاهداته في أيام الاعتقال في سورية.

"كلنا حمزة الخطيب"، "كلنا أطفال درعا"، "كلنا طل الملوحي"، وليست هذه المآسي إلاّ "قمة جبل الجليد"، مما هو واقع حقاً. وأقل ما يمكن أن نقوم به دفاعاً عن أطفالنا ونسائنا وإخواننا في دمشق وحمص ودرعا والمدن السورية الأخرى هو أن نرفع أصواتنا عاليةً برفض هذه المذابح، وبدعم مطالبهم الحقّة بالحرية والكرامة، وقبل ذلك الإنسانية.

---------****************-------------

أطفال سورية الأشرار .. حازم صاغيّة

الثلاثاء, 31 مايو 2011

الحياة

لسبب ما، هناك أطفال في سورية يولدون إسلاميين أصوليين. يحصل هذا في سورية وحدها من دون سائر المعمورة.

فلماذا تلد الأمهات في سورية أطفالاً كهؤلاء؟ ما هذا السر السوري العجيب؟

لكن الأطفال هناك، وللسبب الغامض ذاته، يولدون أيضاً إرهابيين. وإذ تجتمع فيهم الأصولية والارهابية، يكونون جيشاً احتياطياً للراحل أسامة بن لادن و «قاعدته». يكونون خلايا نائمة، وأحياناً مستيقظة، وهذا سبب كافٍ للتعامل معهم بما توجبه الأخطار الكامنة فيهم. وما داموا سيكبرون ويكبر معهم خطرهم، بات الواجب الوطني والقومي يستدعي منعهم من أن يكبروا: يتمّ هذا بتقنيات مختلفة تمتدّ من قلع الأظافر إلى التعذيب على اختلافه، انتهاء بالاجتثاث الخالص.

نعم، لا بدّ من «حل نهائي»، إن لم يكن للأطفال كفئة عمرية، فلمؤامرة الأطفال مرموزاً إليها بعدد منهم يسكنهم الشيطان. إنهم يعملون بجِدٍّ للنيل من «الأمة» وإضعاف مناعتها.

ثم، بعد كل حساب، لماذا الأطفال؟ فهم مرشَّحون لأن يكونوا مخرِّبين، وغير مرشحين البتة لأن يكونوا جنوداً يقمعون المخرّبين، هذا فضلاً عن أن تعليمهم مكلف، فيما الدولة حريصة على حصر الإنفاق في المواجهة الطاحنة مع العدوّ الذي لا يعلو صوت على صوت مواجهته.

الأطفال السوريون يلعبون. إنهم مثلاً يكتبون على الحيطان فينتزعون لأنفسهم حصّة من الفضاء العام المخصَّص لرموز الحزب الحاكم وشعاراته. وهذه «الغرافيتي» البدائية التي صنَّفتها البلدان الغربية فنّاً، لا تحمل هذا المعنى في سورية، بل تحضّ على اكتشاف المؤامرة وراء التصنيف الغربي ل «الغرافيتي».

ثم إنه سبق لألمانيا الشرقية وعراق صدام أن أوجدا للأطفال مهنة محترمة تردعهم عن التسكع في الطرقات والكتابة على الحيطان: إنها التجسس على آبائهم وأمهاتهم وإبلاغ الأمن بحركاتهم وسكناتهم، وذلك «حرصاً عليهم» بطبيعة الحال. والنظام السوري كان ألطف من مثيليه المذكورين، وكان أكرم مع الأطفال: لم يُرد إشغالهم بمثل تلك المهن، علّهم يصرفون وقتهم كله للتحصيل العلمي المكلف جداً والمُقتطَع من موازنة الصمود. لكن النتيجة كانت ما نرى الآن!

وهناك تقليد تربوي معروف، يدين به سائر المحافظين في العالم، مفاده أن الطفل ينبغي أن يخاف السلطة، أكانت أبوية أم سياسية أم دينية، فهذا الخوف شرط شارط لبناء إنسان صالح. لكنّ أطفال سورية، بسبب أصوليتهم الارهابية التي تولد معهم، لا يخافون، تراهم يتجرّأون على التمثال والصورة المقدّسين، متحالفين في ذلك مع أهلهم، الذين بدل أن يقمعوهم، يشاركونهم ذاك اللعب بالنار.

إن الأطفال الذين لا يخافون أطفالٌ مخيفون. هذه حكمة، وهي حكمة تستوجب إخراج هؤلاء الصغار من ثقافة الرحمة التي يجلوها تعبير «الأطفال والشيوخ»، فالمناشدات الأخلاقية المعروفة، مثلها مثل الأعراف والقوانين وجهود المنظمات الانسانية، تضع هذين الطرفين الأقصيين خارج الممارسات العنفية والحربية وخارج تبعاتها، ذاك أن الأطفال سابقون على العمر المسؤول، فيما الشيوخ تحول أعمارهم المتقدّمة دون التأثير في الواقع والمشاركة النشطة في منازعاته.

لكن النظام السوري، لأنه نظام قوي، يملك القدرة على تغيير طبائع الأشياء ومعانيها، وهذه من مواصفات الأنظمة القوية التي تغيِّر الطبيعة والطبائع، فهناك في درعا وبانياس وحمص واللاذقية، يكتهل الأطفال بسرعة من دون أن يفقدوا العزيمة، أما الشيوخ، فيبقون شباباً ذوي عزائم لا تفتر: أليس رجال كحسن عبد العظيم ورياض الترك وهيثم المالح وشبلي العيسمي براهين حيّة ومفحِمة على ذلك؟

حقّاً، الأعمار لا قيمة لها في الملاحم، وما يفعله البعث في سورية منذ 1963 لا يقلّ عن ملحمة. أمّا اللغويّون، فيسعهم أن يشرحوا لنا العلاقة بين هذا التعبير، المسكون بالخوارق والمعجزات، وبين... اللحم.

---------****************-------------

الطفل الشهيد حمزة الخطيب.. "خالد سعيد" سوريا .. علياء ماضي

أون إسلام

31-5-2011

فيديو انتشر على مواقع الإنترنت لطفل سوري اسمه "حمزة علي الخطيب"، يبلغ من العمر 13 ربيعا، أعادت إلى الأذهان صورة الشاب المصري خالد سعيد المشوهة بعد مقتله على يد مخبرين من الشرطة (في نظام الرئيس المصري البائد حسن مبارك) ، والتعذيب الذي لقيه على أيديهم ظلما.نفس السيناريو تكرر مع الطفل حمزة، فعلى غرار صفحة "كلنا خالد سعيد" دشن ناشطون سوريون صفحة اسمها "كلنا حمزة الخطيب" وضعوا عليها صورة الطفل الشهيد وكتبوا عليها: "نقسم بالله العظيم لن تذهب دماء حمزة هدرا ولن نهدأ ولن يغمض لنا جفن حتى نحاكم عصابات النظام الذين قتلوه وتفننوا بتعذيبه"، ووصل عدد المشتركين في الصفحة حتى الآن أكثر من 34 ألف شخص.

وتعود قصة الشهيد حمزة الخطيب مثلما قال أهله، حين خرج يوم "جمعة الغضب" للمطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد 29 أبريل الماضي من قريته الجيزة مع آخرين لفك الحصار عن أهل درعا، وتم اعتقاله عند حاجز للجيش قرب مساكن صيدا.

يوم الأربعاء الماضي 25 مايو الجاري تسلم أهله جثمانه، و بدت على جسمه آثار التعذيب الذي تعرض له و مكان طلقات الرصاص في جسمه الغض ، ولم يكتف جلادوه بذلك بل عمدوا إلى التمثيل بجثته فقاموا بقطع عضوه التناسلي وأطلقوا النار عليه.

تبدو على جسد حمزة آثار كدمات على الوجه والساق وكسر العنق، ومن ثم تعرض لإطلاق الرصاص، حيث تبين الصور أن طلقة اخترقت ذراعه، واستقرت في خاصرته اليسرى، وطلقة أخرى في خاصرته اليمنى، خرجت من ظهره، وهناك طلقة ثالثة في صدره.

من جانبها صرحت مرح البقاعي رئيس معهد الوارف للدراسات الإنسانية في حوار مع قناة "روسيا اليوم" أن استشهاد الطفل حمزة الخطيب، والدماء السورية التي أريقت أثبتت أن الحوار الذي دعا إليه بشار الأسد قد انتهى".

وتابعت مرح: "الشعب السوري لن يقبل بأقل من إسقاط النظام"، وطالبت بوجود إجماع دولي على وقف العنف من قبل نظام الأسد ضد المتظاهرين، الذي اتهمته بأنه "يشق الصف السوري الوطني"، وأضافت: "النظام فقد شرعيته بعد سقوط أول نقطة دم".

 "سبت حمزة الخطيب"

وتحت عنوان "سبت الشهيد حمزة الخطيب"، دعا نشطاء إلى تظاهرات يومية في مختلف المحافظات تبدأ أمس السبت، في محاولة لإخراج الاحتجاجات من إطار يوم الجمعة، بينما ارتفعت أصوات منظمات حقوقية لفتح ملف تعذيب المعتقلين الذي "لا يمكن السكوت عنه"، حسب مرصد حقوقي سوري.

وبثت مواقع سورية معارضة مقاطع فيديو لمظاهرات في بلدة عربين بريف دمشق، أظهرت مئات المحتجين وهم يهتفون بشعار: "الشعب يريد إسقاط النظام" .

وفي مدينة قطنا في ريف دمشق، خرج المئات في تشييع قتيلين سقطا، أول من أمس، برصاص الأمن، وسرعان ما تحول التشييع إلى احتجاج غاضب ضد النظام حمل خلالها المشاركون صوراً لحمزة الخطيب.

وأوردت شبكة "شام" السورية أخباراً عن تظاهرات في مدينة درعا للتضامن مع عائلة الخطيب، وكانت المظاهرات اختفت من منطقة "درعا البلد" بعد اقتحام الجيش للمدينة أبريل الماضي.

كما خرجت تظاهرة في بلدة غصم التابعة لدرعا على ما ذكرت مواقع داعمة ل"الثورة السورية" التي ذكرت أيضاً وجود حملة اعتقالات في المنازل نفذتها قوات الأمن في حي الجميلية بمدينة حلب، فيما نقل نشطاء على الإنترنت عن "تظاهرات ليلية" يومية.

 "وصمة عار"

وأثارت حادثة مقتل الطفل السوري حمزة الخطيب ردود أفعال غاضبة، حيث قالت الكاتبة جمانة نعيمات، على موقع صحيفة "الغد" الأردنية: "ما حصل لحمزة الخطيب وصمة عار في وجه من قتله، وفي وجه الأنظمة الدموية التي تاجرت طويلا بالمقاومة والممانعة، وباعت واشترت بمشاعر العرب جميعا حينما سوقت لنا مشروعا وهميا استغل طموحات الأمة ورغبتها بالمقاومة وباستعادة حقوقها".

وأضافت: "الرصاصات التي استقرت في جسد حمزة لم نر منها واحدة تتجاوز حدود الجولان، رغم المزايدات الكثيرة التي أشبعنا إياها النظام السوري منذ الأزل".

 أما الكاتب كامل النصيرات، فقال بمقاله اليوم الأحد 29-5-2011 على موقع صحيفة "الدستور" الأردنية: "ما دام حمزة واجه هذا المصير وبهذه الطريقة.. فإن ربيع سوريا الحقيقي قادم لا محالة.. فأمّة يُصبح فيها حمزة و أمثاله خطراً على نظام عربي، هذا يعني أن أمتنا "ولاّدة" ولن تنقطع ولو قطّعوا كل أعضاء الأمّة".

وأنهى مقاله بعبارة: "لله درّك يا حمزة ..! أنت تنام للأبد وهم من يحلمون بك ليل نهار فأنت كوابيسهم التي لن تنته".

---------****************-------------

الثورة السورية ومستقبلها .. غسان المفلح

تتكاثر هذه الأيام الأصوات التي تتحدث عن قضيتين متلازمتين: الأولى غياب قيادة موحدة للثورة، وغياب المعارضة التقليدية المعروفة. وبنفس الوقت بدأ الحديث بصوت عال عن طائفية النظام وعن خوف الأقليات السورية من الثورة من جهة، وعن عدم وجود برنامج واضح للثورة عن مستقبل سورية. وهنالك أصوات نشاز تحت ستار العلمانية تحاول الدفاع عن النظام بطرق متعددة منها التشكيك بعمليات القتل التي تحدث على يد أجهزة القمع، أو التشكيك بالمعطيات المتوفرة أنها تصنع صناعة في بعض الأمكنة، وتحشد لها قنوات فضائية عربية كالجزيرة والعربية- أوجه شكري لهما- أو أن التظاهرات لها طابع طائفي سني لكونها تخرج من المسجد وتنادي بشعار الله أكبر وهذه قضايا تعرضنا لها في السابق أنا وغيري من الكتاب. وثمة أمر آخر لايقل أهمية وهو حول قضية التدخل الدولي، إنها كلها قضايا مترابطة تتمحور حول السؤال عن مستقبل الانتفاضة السورية.

سأبدأ من النقطة الأخيرة، لم أكن يوما ضد التدخل الدولي من أجل دعم الديمقراطية في بلداننا المستولى عليها من شخصانيات سلطوية عالية العداء لكل ما هو وطني وأخلاقي من الزاوية المجتمعية، ولا تتوانى عن استخدام كل الوسائل من أجل استمرارها. لكن إبان وجود المحافظين الجدد في الادارة بأمريكا، وفي سياق المتابعة اليومية للحدث الجاري في المنطقة، وجدت أن إسرائيل ترفض أي تدخل دولي في الشأن السوري، وخاصة إذا كان عسكريا، ربما هذه النقطة لا يوافقني عليها كثر من المتابعين ولكنني لمستها ووفقا لمعطياتي وبطريقة لا تقبل اللبس ربما نتعرض لها في مقال مستقل. لا تريد قوات فعلية دولية على حدودوها، والعراق ليس على حدودها ولا ليبيا، وبالطبع يختلف الحديث عن قوات دولية لفصل الجبهات وهي رمزية كما هي الحال على الجبهة المصرية أو اللبنانية، والحديث عن قوات دولية مؤللة كما هي الحال في أفغانستان أو العراق أمر مرفوض إسرائيليا. لهذا ولكون إسرائيل حريصة على بقاء النظام، فالحديث عن تدخل عسكري دولي حديث لاضاعة الوقت لا أكثر ولا أقل. وهذا سبب من جملة الأسباب التي تجعل الموقف الدولي تجاه النظام في سورية موقفا مخجلا إلى حد كبير، لأن سقف الضغط على النظام هو الالتزام بالرؤية الإسرائيلية، وقولهم أنه في النهاية لإسرائيل الأولوية، وإسرائيل دولة تعرف كيف تحمي نفسها ومصالحها. وأيضا للأصوات التي يعلو صوتها كل مرة في اتهامها للمعارضة بطلب تدخل عسكري، لتسترخي من هذه القضية لأن هذا لن يحصل مطلقا، إلا في حالة واحدة وهي أن يطلبها النظام بالتنسيق مع إسرائيل وهذا أمر لايبدو الآن بالأفق. ومن جهة أخرى يجب على المعارضين الذين يأملون بمثل هذا التدخل أن يكفوا عن التنويه له، لأنه أمر غير قابل للتحقق ليس فقط لأن إسرائيل لا تريده بل هنالك أسباب أخرى غربية وروسية وصينية وعربية أيضا.

نعود للنقاط الأخرى، بمايخص طائفية النظام هذه قضية لم تعد بحاجة لسؤال بقدر ما هي بحاجة لطرحها من أجل تجاوزها سوريا، وعبر الثورة، في النهاية مهما كانت طائفية النظام لا يعني ان الطائفة هي الحاكمة، وكنت كتبت منذ سنة تقريبا مقالا عن فك الارتباط بين التمثيل الديني للطائفة العلوية وبين النظام.

وفك الارتباط بين التمثيل الديني للطوائف جميعها والتمثيل السياسي، النظام الآن يحاول استخدام كل الأوراق ومن ضمنها تجييش الطائفة العلوية وتسليح شبابها، ويستخدم بنفس الوقت وبنفس القوة رشوة المشايخ والتجار والفاسدين في المدن الرئيسية، ورشوة الفعاليات في الأقليات الطائفية وغير الطائفية في سورية، وتخويفها أيضا. لكن هل هذه تزيل عن النظام طائفيته؟ أبدا.. بالعكس تماما أنها تؤكدها. لكن الشعب السوري وثورته ستجد الحل في استمرارها في اسابيعها المقبلة، والشعب السوري متعايش قبل آل الأسد، وقبل وجود هذه الفعاليات الأقلاوية والفعاليات المدينية عند السنة كأكثرية مشايخ حلب ودمشق، هذه الفعاليات المرتشية والفاسدة. والتي تخاف على مصالحها أكثر مما تخاف على هذا النظام، ومن جهة أخرى لا تريد الفعاليات في الطوائف المسيحية والإسلامية الأقلاوية أن تفقد امتيازها في الاستيلاء كما النظام على المجال العام لهذه الأقليات.

والحل يكون بدايته في عدم تجاهل هذه المسألة لأنها تثير الحساسيات بل يجب طرحها للنقاش العام، وطرح تصور لمستقبل سورية، وهذا ما طرحه شباب الثورة في شعاراتهم" شعب واحد ايد وحدة" لا سنية ولا علوية الشعب السوري واحد" الشعب يريد إسقاط النظام" والنظام هو محصلة قوى وليس إسقاط الطائفة العلوية. على شباب الثورة أن يستمروا في اشتقاق شعاراتهم من تصورهم الفعلي عن مستقبل سورية، كأن يشتقون شعارا يلغي المادة الثالثة من الدستور الحالي التي تجعل منصب رئيس الجمهورية حكرا على المسلمين. وهذا من شأنه أن يجعل شعارات الانتفاضة السورية مكتملة البرنامج من أجل تأسيس دولة سورية ديمقراطية فعلية لكل أبناءها، أليس هذا مافعلوه عندما أسموا جمعة آزادي وتعني الحرية بالكردي؟ وهذه أول مرة في تاريخ القضية الكردية يخرج شعب ينادي بالحرية للكورد، فهذه لم تحدث لا في تركيا ولا في العراق ولا في إيران. وهذا إن دل فهو يدل على إعلاء الانتماء السوري للحرية أولا ولكل أبناءها.

فلاخوف على أقليات سورية من أكثريتها السنية العربية. ويجب فضح أي خطاب بخلاف ذلك.

والنقطة الأخرى التي تتعلق بقيادة موحدة للثورة، هذه القيادة موجودة، ومنها من اصبح بالمعتقلات، وهي خليط من جيل شاب جديد وفعاليات دخلت على خط معارضة النظام مع الثورة، ومن شخصيات من المعارضة التقليدية، والأهم من كل هذا أن القيادة الآن للمطلب السوري في الحرية والكرامة، مشكلة معارضة الخارج أنها لم تستطع التقاط هذه القيادة، وبقيت تراوح مكانها، وتفعل انشقاقاتها. القيادة الآن لخطاب موحد يعبر عن المطلب الموحد للشباب السوري الذي ثبته بدماءه، وهو مطلب الحرية والكرامة.

المعارضة التقليدية في الداخل الآن تواجه أحزابها أزمة عميقة لأنها، لم تعد قادرة على التحرك كأحزاب، بل أن شخصياتها تجاوزت أحزابها في التصاقها بهموم الثورة والمشاركة في قيادات التظاهرات بعيدا عن وجود موقف معلن لأحزاب هذه الشخصيات، ولن أضرب أمثلة لأنهم أكثر من أن يعدوا. وهذا يشير على أن الثورة تعيش مخاض ولادة قيادتها الجديدة والتي تجمع كل هؤلاء، وعلى معارضة الخارج أن تكون مساهمة في هذه الصيرورة من الولادة لا أن تكون عقبة من خلال طرح بدائل شخصانية من الخارج، أو الحديث عن مجالس انتقالية معظم أعضاءها من الخارج، هذا لن يجدي نفعا أبدا. وأمر آخر في هذا السياق، على المعارضة التقليدية أن تتجاوز نفسها من أجل ان ترى ما قام به الشباب السوري من تجاوز للنظام وكسر لحاجز الخوف وتجاوز للمعارضة التقليدية كأنساق تخشبت على حركتها وأشخاصها، بسبب القمع الذي يمنع على هذه الأحزاب أن تجدد دمها علنيا. الشباب في الثورة يتبنون بشكل واضح تصورا مستقبليا عن سورية ديمقراطية ودولة قانون وحريات عامة وفردية، ينبذون العنف والطائفية، أم أن مطلوبا منهم أن يقوموا بكتابة برنامج وحمله في التظاهرات. ألا تكفي شعاراتهم لكي نحدد اتجاه حركتهم.

ثمة إشكالية اخرى علينا ان نواجهها بشيء من عدم الضبابية، لم تحاول شخصيات معارضة الداخل أن تقوم بمهمة تشكيل هيئة وطنية لحمل شعارات الثورة. وتتحرك بناء عليها كمطلب رئيسي، لهذا وجدت معارضة الخارج نفسها أمام تحد لا أعرف إن كانت قادرة عليه، وهو ألا تسمح لأصحاب الأجندات الخاصة بأن تطفو على سطح المعارضة سواء كانوا مفكرين أو كتاب أو قادة أحزاب حقيقية أو وهمية أو اصحاب مشاريع تحتاج لتمويل غربي!! كيف؟ هذا سؤال للجميع.

وقبل أن أختم هذا المقال أعود لأؤكد على نقطة مهمة، لو أن الشباب السوري كان ينتظر إشارة المعارضة المعروفة بكل احزابها وشخصياتها ولا استثني نفسي، لما خرج إلى الشارع مطلقا...وهذه قضية علينا مواجهتها، ولاتزال المعارضة تعمل بنفس الطرق والخطاب والوسائل، وهذا أيضا نجده عند من التحق بالثورة من شخصيات فاعلة، علينا أن ننفض الغبار عن أنفسنا جميعا، غبار ما تشوه منا نتيجة لعمر التسلط والقمع المديد وبروبغاندا تسمى ثقافة في عرف بعضنا

---------****************-------------

سوريا: إذا لم يسقط المتظاهرون النظام فإن الاقتصاد سيفعل .. مجلة التايم الأمريكية

27/5/2011

ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي

مع استمرار الأزمة في سوريا, فإن العديد من المراقبين بدؤوا بالقول بأن المحتجين لا يمكن أن يسقطوا النظام, ولكن الاقتصاد يمكن أن يفعل ذلك. مع حالة عدم الاستقرار السياسي على مستويات عالية, فإن الليرة السورية قد تراجعت أمام الدولار . و نتيجة لذلك. فإن السوريين يقومون وبصورة محمومة بسحب أموالهم من البنوك – حوالي 8% من مجموع الودائع تم سحبه- و يقومون في المقابل بتحويلها إلى عملات أجنبية أكثر أمانا. لقد كان من المتوقع أن ينمو الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 6% هذا العام. و الآن, فإن التوقعات قريبة من سالب 3% . يقول دبلوماسي غربي رفيع المستوى في سوريا "أعتقد أن قمع المحتجين سوف ينجح في الشهرين القادمين, و لكن في غضون 6 أشهر فإن الاقتصاد سوف يسحب الدعم من الرئيس السوري بشار الأسد من غالبية السوريين".

لقد كان الاقتصاد عاملا رئيسا في شعبية الأسد قبل الانتفاضة. إن تصوير نفسه كمصلح اقتصادي و سياسي أدى بالرئيس الأسد إلى أن ينأى بنفسه خلال السنوات الخمس الماضية عن الاقتصاد الاجتماعي المركزي و الموجه و الذي كان مخيبا للسوريين. مع وجود فريق من الليبراليين الاقتصاديين فقد بدأ الأسد بفتح الاقتصاد أمام القطاع الخاص و دعم التجارة الحرة و الحد من الإعانات. و قد بدأت السياحة بالازدهار كما أن الاستثمار الأجنبي قد بدأ بالتدفق إلى البلاد. و فجأة, استطاعت الطبقة المتوسطة من السوريين شراء سيارات و بيوت جديدة. و قد تطورت النزعة الاستهلاكية مع دخول البضائع الأجنبية مثل المكيفات و التلفزيونات الصينية إلى السوق. كما أن سوق مشروبات الأسبرسو لطبقة رجال الأعمال السوريين قد بدأ بالنمو.

و الآن, فإن أعمدة سوريا الجديدة تنهار. اليوم , فإن الناس لا يقومون بشراء السيارات. في الواقع ليس هناك أي شخص ينفق أمواله في أي مكان في سوريا. إن الناس يعملون لساعات أقل و هناك حالة من الركود العام – بعض الشركات توقفت عن دفع الرواتب. خلال 3 أشهر ابتعد الاقتصاد السوري عن النمو حتى مع قيام الحكومة و بشكل يائس محاولة دفع معونات للمواطنين الموالين لها – وهي الأموال التي بحوزتها.

إن السياحة و التي تشكل ما يقرب من 18% من مجموع الاقتصاد الكلي, كانت أول المتضررين. قبل عام, كان هناك أعداد كبيرة من السياح الأوروبيين الذين كانوا يمشون في سوق دمشق القديم المرصوف بالبلاط, و الذي يضمن أعمالا للشباب السوريين, إن العديد من هؤلاء الشباب يتكلم 5 لغات من أجل التعامل مع الأجانب. و الآن فإن هؤلاء الباعة يجلسون على مقاعد بلاستيكية قديمة و يحتسون الشاي الحلو في محالهم الممتلئة بالسجاد العتيق و الجواهر الفضية. يقول أحد البائعين مع محاولته بيع صندوق للعملات القديمة من الصحراء الشرقية لسوريا وهو أحد الأمور التذكارية التي تباع هنا " المدينة القديمة لا تزال آمنة, و لكنها فارغة".

إن معظم شركات السياحة قد قامت بإلغاء سوريا من رحلاتها؛ و مجموعات الشرق الأوسط السياحية تتجنب السفر إلى سوريا حتى أنها تختار السفر من الأردن إلى تركيا جوا, عوضا عن الدخول إلى سوريا كما كان عليه الحال من قبل. يقول أصحاب المحال التجارية في دمشق إن العديد من شركات السياحة قد أغلقت و فنادق العاصمة و حلب و هي أكبر مدن سوريا فارغة تماما. يقول أحدهم "سوف نضطر إلى الإغلاق قريبا".

المتضرر الثاني هو الاستثمار الأجنبي. مع تلاشي عائدات النفط, فإن الحكومة السورية تراهن على الاستثمار الأجنبي من أجل دفع مصاريفها الحكومية خلال السنة القادمة. إن المستثمرين المتوقعين ينتظرون الآن ليروا إن كان الوضع يتجه إلى الاستقرار أو أنهم سوف يقوموا بتحويل أموالهم إلى أماكن أخرى. لقد ألغت شركة قطرية مشروعا بقيمة 900 مليون دولار من أجل بناء مشروع طاقة في سوريا. يقول اقتصادي سوريا بارز رفض الكشف عن اسمه " إن الأفق لا يبدو جيدا, إن هناك إحساسا عميقا بأن الأزمة مستمرة و أن العمل سيتوقف".

و الأسوأ من هذا كله, بحسب الكثيرين في مجتمع الأعمال السوري, هو أن الحكومة قد تراجعت عن إصلاحاتها الليبرالية في الفترة الأخيرة في محاولة لتهدئة المتظاهرين, الذين يشكون من البطالة و الفساد و تجني الأجور و ارتفاع الأسعار. يوم الثلاثاء, أعلن البنك المركزي أنه سوف يدعم أسعار السولار بنسبة 25% و هذا آخر إجراء اتخذته الحكومة حيث تضمنت الإجراءات قبل ذلك زيادة سخية في الأجور للقطاع العام و إعادة الدعم على الغذاء و أسعار الوقود. يقول الاقتصادي السوري البارز "ليس من المجدي للحكومة أن تتبنى الاقتصاد الاجتماعي مرة أخرى. ليس لديهم المال بكل بساطة. إن جميع الإجراءات التي قامت بها الحكومة كانت تحركات طارئة وقصيرة المدى , و ليس هناك أي إستراتيجية".

مصابا بالذعر بسبب الاحتجاجات, أقال الرئيس الأسد حكومته في شهر أبريل في خطوة وصفها أحد المعارضين في دمشق بأنها "ذريعة للديمقراطية". و قد تضمنت الإقالة نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية عبدالله الدردري , و هو مهندس التحرر الاقتصادي. على الرغم من أن سياسات الدردري طويلة الأمد لم تكن تحظى بشعبية فيما بين الفقراء , إلا أن الوزير الناطق باللغة الإنجليزية قام بفتح الاقتصاد للتجارة الخارجية كما أن البنوك الخاصة قد دخلت إلى البلاد عن طريقه أيضا.

يقول أحد محللي الأعمال الأوروبيين المقيمين في سوريا بأنه و بينما تؤثر الاحتجاجات بشكل سلبي على الاقتصاد, إلا أن تراجع الحكومة عن الإصلاحات قد يؤدي إلى حالة شلل في سوريا. و يضيف "هناك حالة من الشك في السياسة المتبعة في المستقبل. إن الناس الذين يريدون الاستثمار يريدون أن يكونوا متأكدين لعشرين سنة قادمة", إن إجراءات الأسد الطارئة تعني أن أسعار النفط و نسب التضخم لا يمكن التنبؤ بها. يضيف المحلل "عندما لا يكون هناك حالة تأكد لدى المستثمر بسبب أنك تراجعت عن كل الإصلاحات الاقتصادية , فإنه لن يستثمر" . يقول المحلل أنه من الممكن أن يكون هناك قطع في الكهرباء في سوريا لأن الحكومة لن تكون قادرة على جلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لإنشاء منشآت طاقة جديدة."

على خلاف مصر, حيث استخدمت الطبقة الوسطى المثقفة معرفتها بالإنترنت و الإعلام من أجل المساعدة في الإطاحة بالرئيس حسني مبارك, إلا أنه في سوريا فإن الطبقة الفقيرة هي التي قادت الاحتجاجات بينما نأت طبقة الأعمال المتنامية بنفسها عن الأمر. قريبا, فإن العديد من طبقة رجال الأعمال السورية – التي تكون عادة بعيدة عن الاحتجاجات المضادة للأسد- سوف تبدأ بالشعور بوجود مشكلة عندما لا يستطيعون أن يرسلوا أطفالهم إلى المدارس أو أن يدفعوا فواتير المستشفيات. يقول المحلل الاقتصادي السوري بأن هذه المرحلة سوف تؤشر إلى بداية نهاية الأسد. و يضيف "إن مجتمع الأعمال يقوم بأعماله مع المقربين للأٍسد في الحكومة. و هم قادرون على تحمل بعض الخسائر , و لكنهم في مرحلة ما سوف يطالبون بالإصلاح"

---------****************-------------

الصمت على الجريمة جريمة! .. حلمي الأسمر

 الدستور

29-5-2011

ما يجري في الشقيقة سوريا وصل حدا خانقا حتى أصبح السكوت حياله مؤامرة دنيئة، وتواطؤا مبرمجا، ومن يشاهد الفيديوهات التي ينشرها أبناء الشام عن ثورتهم تصيب المرء بقشعيرة في ضميره، ويطير النوم من عينيه!

لم يعد مقبولا تحت أي مسمى سكوت العرب عما يجري، وانتظار ما يقرره العجم من تحركات تأخذ طابع الضغط الناعم أحيانا، والضغط المتناغم مع همة ابناء الثورة حينا آخر، مطلوب صوت عربي ضاغط يقول للقتلة كفى، فقد بلغوا مرتبة جعلت من جرائم إسرائيل تبدو وكأنها «قتلا» رحيما، إن جاز التعبير والتقاء الرحمة مع القتل!

ما ينشر حول هذه الجرائم قليل جدا، وهو محصور بما يستطيع أن يسربه أبناء الثورة من فيدوهات وصور واخبار عبر ستار النظام الفولاذي، فما بالنا إن عرفنا الحقيقة كاملة؟

قبل فترة وصلتني رسالة من امرأة سورية حرة، تصف فيها هول ما جرى ويجري، وتأكد لي صوابية كل ما تحدثت عنه، عبر ما بثه ابناء الثورة من صور وأفلام، سجلت هذه الحرة بعضا من مشاهداتها، وقالت أن درعا تنزف وتدمر وترتكب فيها مجازر وحشية، الجيش لم ينسحب اولا لا تدريجيا ولا غيره، القبضة الحديدية ما زالت قوية تعتصر اهلنا، الملعب البلدي محاط بالدبابات والجثث على المدرجات والمعتقلون على ارض الملعب ينهالون عليهم بالضرب والتعذيب (رأينا طرفا من هذه الجرائم عبر يوتيوب) المشفى ثكنة عسكرية واي مريض مصيره الموت ان احتاج لأي علاج، امرأة تحتاج غسيل الكلى اخذها ابنها وراءه على الدراجة النارية اطلق عليه احد الشبيحة طلقة دخلت في صدره خرجت من ظهر أمه، (هذا المشهد رأيته بأم عيني عبر فيلم بث في موقع على اليوتيوب، ولم يزل موجودا على الموقع)، الدبابات و35 باص أمن تحركت من دمشق لمحاصرة قرى جاسم- نوى – طفس، أما بالنسبة الى نثر الورود والرياحين على جيشنا الباسل الذي يفتك بنا: باصات دخلت درعا كلها نساء والأهالي يتابعون من الأباجور المغلق كيف صفر أحدهم بصافرته فخلعن ملابسهن (التي عالموضة) ولبسن اللباس الحوراني والجلابيات ثم مرت سيارات والجيش وبدأ التصوير وهن ينثرن الأرز والورود على الجيش، أما بالنسبة الى لجنة التحقيق التي استخدمت الجمل كوسيلة مواصلات لتصل الينا لكثرة ما تأخرت، فقط تم أخذهم الى حي السبيل وهي منطقة أبنية حديثة جديدة لم يطلها تدمير وقد أوصلوا لها الكهرباء وجعلوا الأولاد يلعبون بالكرة فيها، وصوروا وشاهدوا كيف أن الأمور بخير ثم طلبوا مشاهدة الجامع العمري فأخذوهم الى جامع بالسحاري واطمأنت لجنة التحقيق وذهبت، الجامع العمري تبث فيه أغاني فيروز واغاني تمجيد للزعيم، وحوران كلها لا يرفع بها الآذان تخيلوا ذلك، الأهالي والشباب يسحبون ما استطاعوا ان يسحبوا من الجثث ويدفنونهم في حدائق منازلهم، برادات الخضار ممتلئة بالجثث (هذا المشهد بثته فضائيات ووسائل إعلام) المقبرة الجماعية في منطقة غرز تشهد ايضا على كم هائل من الجثث وقد دفن معهم جرحى ما زالوا أحياء (مشهد نبث القبر الجماعي شاهده الملايين) !!

هذا غيض من فيض مما ورد في رسالة المرأة، وكله شاهدناه بالصوت والصورة، فماذا تخفي الأسوار العالية وأقبية التعذيب والقتل، وماذا نقول للطفل الذي شيع بالأمس بعدما رأينا جميعا آثار التعذيب المريع على جثته؟؟

الصمت على الجريمة جريمة، من يمتلك صوتا فليرفعه عاليا، ومن يمتلك سلطة فليشهرها في وجوه القتلة!

---------****************-------------

رسائل الطفل السوري الشهيد حمزة علي الخطيب.. نبيل شبيب

مداد القلم

إلى بشار بن حافظ الأسد.. وعناصر السلطة من غير المجرمين.. والثوار الأبرار

ما أبشع وأدنى قول من يقول عبر شاشات التلفزة إنّ في هذه الدنيا من "يحرّض" على الثورة في سورية!..

إنّ الذين "يحرّضون" هم المجرمون الذي يرتكبون جرائمهم جهاراً نهاراً.. ويجعلون من استعراضها على الملأ وقوداً يشعل الثورة ويمضي بها نحو النصر المؤكد.. رغماً عنهم، وعلى النقيض ممّا يريدون نشره في سورية الثائرة الأبية من ترهيب إجرامي!..

يجب أن تكون شهادة حمزة حداً فاصلاً بين الانطلاقة الأولى لثورة شعب سورية السلمية البطولية، وبين مرحلة الوصول بها إلى غايتها الحاسمة الأولى: إسقاط النظام ومحاكمته.

يجب أن توضع هذه الشهادة في مكانها، فلقد عرفت الأنظمة الاستبدادية القمعية ألواناً لا تحصى من الجرائم في مواجهة ثورات الشعوب الأبية، ولكن جميع تلك الجرائم لم يصل إلى مثل هذا الحضيض بكل معيار من معايير الأرض والسماء.

بالرصاص غير القاتل يخترق الذراعين إلى جسد الشهيد..

بعلامات الحرق على جسده الصغير..

بكسر عنقه..

بسلخ قطع من جلده الرقيق..

باستخدام أسلوب لا يعرفه إلا المجرمون الساديون السافلون بقطع عضوه التناسلي..

وبكل ما لا يمكن رؤية آثاره من أساليب التعذيب الشيطانية وراء القضبان..

هم الذين اعتقلوا الطفل الثائر في درعا.. وهم الذين أعادوه شهيداً إلى أهله في درعا.. فلا أحد سواهم من "شبيحة المريخ وعصابات زحل" ارتكب جريمة التعذيب الآثمة الدنيئة ما بين يوم الاعتقال ويوم التسليم..

يردّون جثته بآثار التعذيب الظاهرة عليها إلى أهله.. عامدين متعمدين.. ليقولوا للسوريين جميعاً، ابتداء من منطقة العلويين الذين لم ينقطعوا عن استخدام اسمهم لإثارة الفتنة الطائفية، انتهاء بدرعا الأبية التي انتشرت صور التدمير بالدبابات والمدفعية لأحيائها ومساكنها وسيارات أهاليها ومتاعهم، وجميعُهم إمّا معتقل محاصر في مدينته أو معتقل حيث كان الشهيد الطفل حمزة معتقلاً..

يردّون الجثمان عامدين متعمّدين ليقولوا علناً للسوريين جميعاً: إنّ الذين يحكمون في سورية مجرمون، لا يتورعون عن التعذيب والتقتيل والتدمير، مجرمون.. فكفوا عن ثورتكم، كفوا عن طلب الحرية، كفوا عن الخروج إلى الشوارع في مظاهرات سلمية، كفوا عن التكبير وأنتم تعلنون من خلاله أن الله أكبر من الطواغيت الصغار وأنهم سيلقون ما يستحقون من عقوبة في الدنيا وسيلقون من عذاب الخلد في الآخرة ما هو أشد وأبقى وأنكى..

إنّ شهادة الطفل الدرعاوي ابن الثلاثة عشر ربيعاً، حمزة علي الخطيب، على أيدي زبانية التعذيب في أجهزة القمع التي تشكل النسبة الأعظم من البنية الهيكلية للسلطة الحاكمة برئاسة بشار الأسد في سورية، شهادة ترفع حمزة إلى أعلى عليين لدى رب العالمين في جنات الخلد كما وعد الرحمن، وتهبط بهذه السلطة وجميع المسؤولين فيها وجميع مكوّناتها إلى الدرك الأسفل في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وتحتّم عليهم المحاكمة والعقوبة، كما قضى ربّ السموات والأرض العزيز الجبّار.

سيادة (!) الرئيس

إن الطفل الشهيد السوري حمزة علي الخطيب.. يردّ على هؤلاء جميعهم وفي مقدمتهم الرئيس السوري بشار الأسد أولاً:

أنت المسؤول الأول والمسؤول الأكبر عن هذه الجريمة وعن سائر ما ارتُكب ويُرتكب في سورية من جرائم على امتداد سنوات حكمك الموروث وراثة غير شرعية..

أنت المسؤول عن كل عنصر جرى تدريبه وترويضه في أجهزة قمعك ومخابراتك ليتصرّف باسمك أنت –أيها الأسد!- ويصنع ما لا يصنع مثلَه الوحوشُ المفترسة في الغابات..

أنت المسؤول عن كل جهاز قمعي وشبيحي من عصابات إجرامية وقناصة مسلحين بأسلحتك –أيها الرئيس!- ليتناوبوا إطلاق النار في الشوارع على الأبرياء..

أنت المسؤول عن كل فرقة آثمة وعصابة مخابرات عسكرية تشكلت تحت إمرة أقاربك ومواليك –أيها المسؤول الأول عنها- لتعتقل الجيشَ الوطني السوري في ثكناته، بعيداً عن الحدود وعن الأرض المحتلة، ولتمضي داخل مدن سورية وقراها وأحيائها ومساجدها ومدارسها ومساكنها، فتعمل على تلطيخ سمعة الجيش الوطني السوري الأبي باستخدام الدبابات والمدفعية والرشاشات ضد الشعب الثائر من أجل كرامته وحريته..

أنت المسؤول عن كلّ آهة طفل يعذّب، وقلب أم تثكّل، ودمعة إنسان سوري وغير سوري من غير جنس الوحوش في أجهزتك القمعية يشهد على إجرامها ويشهد على مسؤوليتك عن إجرامها..

أنت المسؤول عن هذه العصابة بكل ما صنَعَتْ وصنعتَ وما تصنع هي وأنت.. في هذه الدنيا أمام الشعب الثائر حتى يسقط "نظامك" برأسه وفروعه.. بكبار مجرميه وصغارهم.. وأنت مسؤول عنها وعن أفاعيلها في يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.. فهل تدرك ما تعنيه هذه الكلمات يا سيادة الرئيس؟..

إن لم تدرك ذلك اليوم فتستقيل أو تقيل المجرمين، وتحاكم نفسك أو تحاكم عناصر العصابة من حولك، فستدرك ذلك قريباً، في يوم ترونه بعيداً ونراه قريباً.. قريباً بإذن الله الذي لا يغفل عما يعمل الظالمون.

إلى عناصر أجهزة السلطة

إن الطفل الشهيد حمزة على الخطيب.. ينادي عناصر جيش سورية الوطني من غير المجرمين..

ينادي عناصر الأمن من الشعب السوري.. من غير المجرمين..

ينادي عناصر أجهزة السلطة المتسلّطة على سورية.. من غير المجرمين..

ينادي عناصر القضاء السوري في سورية.. من غير المجرمين..

ينادي عناصر الهيئات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية السورية من غير المجرمين..

أعلنوا براءتكم من الإجرام..

أعلنوا براءتكم ممن لا يتورع عن تعذيب الأطفال وقتلهم، وملاحقة المتظاهرين الثائرين العزل وقتلهم، وترويع الآمنين وقتلهم، واعتقال الأبرياء وقتلهم.. وتدمير المدن والقرى السورية وحصارها وقتل أهلها..

أعلنوا براءتكم.. فلم يعد يوجد مجال للتخيير بين الصبر خشية الاعتقال والقتل.. وبين الاعتقال والقتل رغم الصبر..

أعلنوا براءتكم قبل سقوط "النظام".. فقد سقط في الأوحال –فلا تسقطوا معه في الأوحال- من قبل أن يسقط راغماً من مواقع السلطة التي حوّلها إلى عصابة إجرامية فاسدة..

لا تكونوا عوناً له.. بوجودكم معه..

لا تكونوا عوناً له بالسكوت عن جرائمه..

لا تكونوا في أذيال وحوشه من أجل حياة ذليلة فقدت كل مضمون لها من بعد أن فقدت قيمتها وأنتم تشهدون أطفالكم يعذبون، شبابكم يقتلون، أحراركم يعتقلون.. ونساؤكم عرضة للقتل في الشوارع أو القتل وهنّ على قيد الحياة عبر قتل أطفالهن وأزواجهن وآبائهن الثائرين من أجلهن ومن أجل مستقبل بلدهن.. من أجل بلدكم أنتم.. فلا تتركوه مستباحا لعصابة المجرمين..

كل من يبقى جزءاً من هذا الذي فقد حتى قابلية تسميته نظاماً، وما كانت له مشروعية "النظام" في أي وقت من الأوقات ليفقدها.. كل من يساهم في تطويل فترة بقائه يساهم في تطويل فترة ارتكابه مزيداً من الجرائم بحق شعبكم.. ويحمل قسطاً أكبر يزداد ضخامة يوما بعد يوم من وبال تلك الآثام..

يا أحرار سورية في جميع أجهزة السلطة في سورية..

إن كل مشاركة لكم في عمل تلك الأجهزة، جيشاً وأمناً وقضاء –وقد فقدت مواصفات الجيش والأمن والقضاء- ووزارات وهيئات وجامعات، يفقدكم أنتم وصف أحرار سورية، فهي مشاركة فيما يفعله المتسلّطون على سورية وثرواتها وأرضها وشعبها، الذين يفتكون بمدنها وقراها وشعبها..

إن دم الشهداء يلوّث ثيابكم فطهروها..

إن دم الشهداء يسيل على أعينكم فافتحوها وأبصروا ما يُصنع في بلادكم..

تحرّروا فما يتحرّر من هذه العصابة إلا الشرفاء..

تحرّروا من إثم السكوت وجريمة المشاركة..

ثورة شعب سورية البطولية الأبية تناديكم بلسان شهيدكم.. الطفل الدرعاوي الشهيد حمزة

ثورة شعب سورية البطولية الأبية تحمّلكم إثم كل لحظة انتظار قبل الاستجابة لنداء الشهداء

أيها الثوار الأبرار

إن الطفل الشهيد حمزة على الخطيب.. يخاطب من جنّة الشهداء الثوار الأبرار الأحرار الأطهار وهتافات حناجرهم الهادرة بصوت واحد: "شهداء بالملايين.. عالجنّة رايحين"..

لقد أفزعتم هذه الطغمة الإجرامية بهتافكم، وزلزلتم الأرض تحت أقدامها، فلجأت إلى أساليب انتحارية لتقطّع حناجركم وأرجلكم ولتعيدكم إلى بيوتكم وحياة الذلّة في قبضتها.. وقد أقسمتم: "الموت ولا المذلّة".. وقد أعلنتم: "بعد اليوم ما في خوف".. فما هو ردّكم اليوم على المزيد من جرائمها الآثمة؟..

إن المجرمين يقولون لكم أنتم عبر إعلانهم الصفيق عن جريمة التعذيب: احذروا.. وارجعوا إلى بيوتكم!.. فاعلموا أن الرجوع إلى البيوت هو رجوع إلى القبور، وأن القضبان التي تكسّرها ثورتكم ليست داخل البيوت، وليست داخل المعتقلات، وليست داخل أقبية المخابرات فقط.. بل هي قضبان السجن الكبير الذي أقاموه وشوّهوا به اسم سورية.. وتاريخ سورية.. ووطنية سورية.. ومكانة سورية.. ودور سورية على كل صعيد.. فتابعوا ثورتكم لتحطيم قضبان السجن الكبير وما فيه من سجون ومعتقلات وأقبية تعذيب، كانت تعمل دون انقطاع قبل اندلاع ثورتكم، وستضاعف عملها دون انقطاع إن توقفت ثورتكم.. قبل دحر هذه العصابة الآثمة الفاجرة بجميع رموزها وأركانها وعناصرها وأقبية التعذيب فيها.

إنّ المجرمين الذين مارسوا التعذيب والتقتيل، بحق أهليكم وحق وطنكم، من قبل هذه الجريمة الوحشية المعلنة، هم الذين أطلقوا ثورتكم من عقالها.. فقد طفح الكيل بالدماء، وضجت أرض سورية وسماؤها بآهات المعذبين والمعتقلين واليتامى والثكالى والأيامى، من قبل مجزرة حماة، إلى ما بعد مجزرة درعا، وإن وصول هذه الثورة البطولية الأبية إلى هدفها الأول: إسقاط العصابة المسماة نظاماً، هو وحده الضمان.. ألا تتابع جرائمها بحق الشعب والوطن، وحق العروبة والإسلام، وحق القضايا المصيرية، وحق الإنسانية.. التي فقدوا الانتساب إليها.

أيها الثوار الأبرار الأحرار الأطهار..

كل طفل شهيد في طريق الثورة.. يطالبكم.. أن ينضم إلى الثورة العشرات.. المئات.. الألوف.. عشرات الألوف.. في جميع مدن سورية وقراها.. فهذا وحده ما يستحق وصف "تأبين الشهيد"..

كل آهة ألم يطلقها معتقل تحت التعذيب.. صرخة في آذان كل إنسان من أبناء الوطن، أنّه يحمل المسؤولية الفردية عن المضي بهذه الثورة إلى أن يتحقق هدفها المشروع: اعتقال أفراد عصابة التعذيب ومحاكمتهم فرداً فرداً، ومسؤولاً مسؤولاً.. أمام قضاء عادل.. لم يعرفوا له وجوداً منذ وجدوا، ولم يعد يملك أحد حق العفو عنهم، سوى الشهداء.. وهؤلاء فات الأوان على المجرمين أن يسترحموهم ويطلبوا العفو منهم.

أيها الثوار الأبرار الأحرار الأطهار..

الشهداء تحت التعذيب أمانة في أعناقكم أنتم.. الضحايا الذين يتلقون الرصاص في صدورهم وأعناقهم ورؤوسهم أمانة في أعناقكم أنتم.. الأطفال والشباب والنساء والشيوخ وجميع المعتقلين والمعذبين والمختطفين والمشردين أمانة في أعناقكم أنتم.. سورية أمانة في أعناقكم أنتم، حاضر سورية ومستقبلها، حاضر العرب والمسلمين، حاضر القضايا المصيرية وفي مقدمتها فلسطين، أمانة في أعناقكم.. فانتزعوها من قضبان المعتقل الكبير الذي صنعته العصابة الآثمة، انتزعوها من حملات التضليل التي تردّدها عبر أربعة عقود لم تحقق خلالها نصراً عزيزاً واحداً يمكن أن يكفّر عن بعض جرائمها التي لا تغتفر.. انتزعوها من أيدي العصابة.. لتستلمها من جديد أيدي الوطن الطاهرة.

أيها الثوار الأبرار الأحرار الأطهار..

لقد قطعتم وأيم الله أكثر من نصف الطريق.. فأكلموا الطريق..

لقد أصبحتم وأيم الله قاب قوسين أو أدنى من إحدى الحسنيين.. فتابعوا ثورتكم السلمية الأبية البطولية حتى النصر..

ويوم انتصاركم أنتم -أيها الثوار الأحرار- تقرّ عين طفلكم الدرعاوي الشهيد، حمزة علي الخطيب، وأعين أقرانه ممن نالوا إحدى الحسنيين.

من ربّ العزة

{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴿١٦٨﴾ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًاۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴿١٧٠﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴿١٧١﴾ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴿١٧٣﴾} –سورة آل عمران-

{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴿٤٢﴾ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴿٤٣﴾ وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴿٤٤﴾ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴿٤٥﴾وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴿٤٦﴾ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴿٤٧﴾ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴿٤٨﴾وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴿٤٩﴾ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴿٥٠﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴿٥١﴾ هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٥٢﴾} – سورة إبراهيم-.

---------****************-------------

أبلغ خطيب.. الطفل الشهيد حمزة الخطيب.. د. خالد هنداوي

الشرق القطرية

مما لم يعد فيه أدنى شك أن الانتفاضة المباركة التي اندلعت في سوريا بكل عفوية وبراءة اقتداء بمثيلتيها في تونس ومصر ثم في ليبيا واليمن قد انبثقت كانبثاق النور من جنح الظلام لترفض الواقع المر الأليم الذي طوقها باختناقات، الاحتقانات المستمرة التي كان وما يزال الأحرار في الشام يتعرضون لأذاها من عصابات حكمت وتحكم بالدم منذ أربعة عقود وتكذب على شعبها وتوهمه والعالم أنها نظام ممانع مقاوم وأن ما يجري عليه اليوم من احتجاجات إنما هو مؤامرة خارجية تنفذ على يد جماعات إرهابية أو سلفية أو مندسين مما أدرك العالم كله أن هذه الادعاءات أو هي من خيط العنكبوت وأن سنين التغيير سوف تطول الظالمين في كل زمان ومكان وأن غلبة الحق هي الحقيقة التي لا يمكن لأي دولة ظالمة أن تغطيها ولو نجحت في ذلك بعض الوقت فإن حبل الكذب قصير وإن الفطرة هي التي ستقول كلمتها في نهاية الصراع، إذ أنها تعني بكل بساطة – كما قال العلماء – غلبة الخير والحق على الشر والباطل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكننا أن ننسى دور هذه الفطرة التي دفعت سيد شهداء أطفال سوريا حمزة علي الخطيب أن يقف بقامته البريئة خطيباً بليغاً يزجي الحكم والنصائح ويلهم الملايين أفكاراً نفيسة هي من صلب الفطرة النقية التي جبلوا عليها حتى قالوا: كلنا حمزة وأنشأوا صفحة باسمه لن نسكت لأجل براءتك ودموع أمك وأبيك، إنه حمزة الذي قتله الأوغاد وتفننوا في تعذيبه والتمثيل بجثته حتى قاموا بقطع عضوه التناسلي وقد شوهد جسده عندما سلم لأهله يوم الأربعاء الماضي 25 مايو من قبل زبانية الأمن المجرم وقد ظهرت على جسده كدمات في الوجه والساق وكسر في العنق وأثر طلقة رصاص اخترقت ذراعه واستقرت في خاصرته اليسرى وطلقة أخرى في اليمنى خرجت من ظهره وطلقة ثالثة في صدره، وقد رأينا هذا بأعيننا على صورة الفيديو ليس من القنوات فقط، وإنما بشكل واضح يدمي القلوب ويهز المشاعر هزا، أتدرون لماذا؟ فقط لأن الطفل حمزة ذا الثالثة عشر ربيعاً أراد أن يصبح شاباً وينضم إلى فئة الرجال كما ربته أسرته، أراد أن يشارك في تظاهرة يوم الغضب في 29 أبريل الماضي، في بلدة الجيزة مسقط رأسه بالقرب من درعا الصامدة فخرج مع المشاركين لفك الحصار عن المدينة فاعتقله المجرمون مع خمسة وعشرين من المتظاهرين ما يزال مصيرهم مجهولاً، إنه حمزة الذي أكمل مشوار إخوانه الأطفال البسطاء الذين كانوا بفطرتهم البريئة سبب تفجير هذه الثورة الكبرى اليوم في سوريا، حيث دفعتهم عدوى الفتيان الثائرين في الدول العربية إلى ترديد الهتاف الشعب يريد إسقاط النظام ثم كتبوه على الجدران فما كان مصيرهم إلا الاعتقال في سجون درعا وقد ثبت أنهم عذبوا بقسوة متناهية إلى درجة أن قلعت أظافر أيديهم بل وأرجلهم ولما أراد ذووهم مراجعة السلطات ذهبوا إلى محافظ درعا وقابلوه وكذلك المسؤول الأمني وكانوا وضعوا عقالاتهم على الطاولة أثناء اللقاء كي لا ينصرفوا إلا بعد أن تقضى حاجاتهم أو هم سيبقون كذلك حتى يفرج عن أبنائهم كما هي العادة والعرف هناك وأهل درعا معروفون بالشهامة والكرامة والنخوة وهذا ما اعترف به الرئيس بشار في خطبته أمام مجلس الشعب، فما كان من المسؤولين هؤلاء إلا أن رموا عقالات رؤوسهم في القمامة ثم وجهوا لهم أقذع الألفاظ ومنها: هؤلاء ليسوا أولادكم انسوهم وائتوا بغيرهم وإذا لم تستطيعوا نحن نفعل بنسائكم ونأتي بالأولاد منهم!! وهنا رجع القوم إلى بيوتهم حانقين وقد أقسموا على الرد فبدأت التظاهرات وأخذ الجامع العمري الحزين اليوم دوره ثم انتقلت الشرارة إلى جميع سوريا وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات حتى بلغت في جمعة حماة الديار قبل ثلاثة أيام إلى 132 بلدة ومنطقة وبؤرة وعمت سوريا كلها يوم سبت الشهيد حمزة المظاهرات المنددة بنظام القمع والوحشية الذي لا يستغرب منه هذه الجرائم ضد الإنسانية قديماً وحديثاً فقد نشأ على ذلك وإنما استمر بهذه الدموية ولولاها لما بقي سنة واحدة ويعرف ذلك الأحرار لا المنافقون..

إنه حمزة الشهيد الحي الذي نتذكر مع قصته سيد الشهداء حمزة أسد الله وأسد رسوله الذي كان قتله وحشي بن حرب قبل أن يسلم وقتل حمزتنا هؤلاء المتوحشون الجدد، ولئن قاتل حمزة بسيفين في غزوة بدر وفعل بالمشركين الأفاعيل فقد قاتل حمزتنا الفتى اليوم بلسانه وهتافه ضمن الجهاد المدني السلمي مع رفاقه متبعاً توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجهاد باللسان مقرون مع جهاد النفس والمال ولكنه قوبل بالنار والتعذيب والتمثيل، كما كانت هند بنت عتبة قبل إسلامها قد شقت بطن حمزة ولاكت كبده وكما قطع المشركون أنف حمزة وأذنيه ومثلوا به حتى قال الرسول: ما وقفت موقفاً قط أغيظ من هذا لأن حمزة كان أعز فتى في قريش وأشدها شكيمة أفلا نحزن على حمزة الخطيب الذي هو سيد شهداء أطفالنا اليوم والذين يبدو أن السلطة الآثمة والشبيحة الوحوش مستمرون في مسلسل قتل الأطفال، وقد عرفت الآن من الإعلام وقنواته كيف أن هجمات هؤلاء الهمج على مدينة تلبيسة التابعة لحمص قد أسفرت عن مقتل الطفلة هاجر تيسير الخطيب، وهي أيضاً من آل الخطيب طفل وطفلة خطيب وخطيبة سيرتعان في الجنة ليروا جناتهم وقاتليهم في النار، وكذلك سقطت الطفلة نادية صفوع وعبده بعجة والملازم الحر بسام كلاس شهداء إذ كان هذا الأخير يريد إنقاذهم لقطع الشارع وهم ينزلون من الحافلة لدى ذهابهم إلى المدرسة، إنه عصر الشهداء رحمهم الله إضافة إلى العديد الذين جرحوا في هذا الهجوم الدنيء ثم يقولون لك إن الرئيس منع إطلاق الرصاص! ليت هذا الرئيس عرف أن العرب قالوا في أمثلتهم: إن أشر الناس من يحسن القول ولا يحسن الفعل وهذا ما أدركه الرئيس الروسي ميديديف في اجتماع الدول الثماني فقال: نريد من الرئيس بشار أفعالاً لا أقوالاً فحتى حلفاؤهم عرفوهم كما هو الشأن في القذافي، إن بشار لم يقرأ سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي بين صفات الحاكم الناجح بأنه الذي يكون ليّناً في غير ضعف قوياً في غير عنف!

تلك الذكرى الغضة لحمزة الخطيب الذي يبدو أنه تربى على تحمل المسؤولية وزرع الثقة بنفسه فقام ببعض واجبات هم المسلمين ضد الظالمين ونصرة لإخوانه الأطفال والمستضعفين مع خمسة وعشرين طفلاً قتلوا في الأحداث من بين أكثر من ألف وثلاثمائة شهيد وشهيدة فضلاً عن الجرحى والمفقودين والمعتقلين، فأين دعاة حقوق الأطفال، والدول الكبرى ومنظمات حقوق الإنسان؟ وأين مجلس الخوف لا الأمن؟ وأين الجامعة العربية بموقفها الجبان ومنظمة المؤتمر الإسلامي الشكلية للأسف الشديد؟ حيث سياستها مع النظام المجرم، أين هي من قول الله تعالى في الدفاع عن حق الأطفال ونصرتهم وتخليصهم من الظالمين (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها..) "النساء: 75".

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رفع علينا السلاح فليس منا، وإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله في الآخرة"، ما أقسى قلوبكم فأنتم أشد حتى من المستعمر الفرنسي الذي احتل سوريا ولم يعذب الأطفال فقال شوقي:

وللمستعمرين وإن ألانوا

قلوب كالحجارة لا ترق

وأما حمزة فيقول لكم:

بلاد مات فتيتها لتحيا

وزالوا دون قومهم ليبقوا

إن لذة الانتقام لا تدوم سوى لحظة كما في المثل الإسباني وإن حمزة لن يكون بازاراً في سوق المزايدات لأن الأمن لا يتحمل قتله، كما أن أحد أبواق النظام يقول: ولكنه سيبقى وقوداً للثورة والتغيير يبث روح العزة كما بثها السلف من قبله، سلاماً يا حمزة يا رائد بطولات الأطفال ويا صديق خالد سعيد في مصر ستحيون فينا كما في قلب حطان بن المعلى:

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com