العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 5/5/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الصراع على سوريا والرهان الإيراني

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 26/4/2013

غص المشهد في سوريا ومن حولها هذا الأسبوع بالدم والدمع والتزييف الكثير، والخطط الشديدة الهول والرهبة. وما بقي طرف إلا وأدلى بدلوه، وليس من باب الحرص على إنقاذ سوريا؛ بل من أجل الولوغ في دماء الشعب السوري ومأساته. وفي هذا الصد، فإن هذا «الولوغ» ما اقتصر على الخامنئي ونصر الله والروس الأشاوس؛ بل شمل حتى الأخضر الإبراهيمي، المندوب العربي - الدولي المكلف بإيجاد حل للأزمة، الذي أورد إحصائية «دقيقة» بالطبع للمتشددين والإرهابيين في سوريا، الذين بلغوا، في حساباته بالغة الاعتدال، الأربعين ألفا عدّا ونقدا! لقد دوخ أسامة بن لادن الولايات المتحدة والعالم على مدى عقد من الزمان بـ«جهاديين» بلغ عددهم في أقصى التقديرات الأميركية السبعة آلاف، ولو كان في سوريا الثائرة من هؤلاء «المتطرفين والإرهابيين» عشرة آلاف، لما احتاج الشعب السوري إلى وساطته، ولا تمكن نصر الله والروس وميليشيا أبو الفضل العباس من الدخول إلى سوريا والقتال ضد شعبها!

لكن الإبراهيمي وأمثاله معذورون، فكما يقول المثل العربي القديم: «ليست الثكلى كالمستأجرة»! فالرجل يبحث عن نجاح، وقد حسب منذ اللحظة الأولى أن نجاحه مرتبط بتسوية يكون الأسد طرفها الأبرز والأقوى. وشجعه على هذا الاعتقاد ثلاثة أمور: إصرار الروس والإيرانيين على بقاء الأسد، وحرص الإسرائيليين والأميركيين على النظام السوري أيضا وإن لأسباب مختلفة، واشتهار الجامعة العربية بالعجز عن اتخاذ سياسات حازمة في الأزمات العربية الكبرى. وقد صدق حدسه في الأمرين الأولين، وفوجئ بالخيبة في التوقع الثالث. فقد اتخذت الجامعة العربية قرارات متتالية لعزل النظام السوري وضرب شرعيته وقدراته، وكان آخرها في قمة الدوحة: إعطاء مقعد سوريا بالجامعة للمعارضة السورية، واستحثاث الدول العربية والمجتمع الدولي على إمداد المعارضة السورية بالسلاح الذي يمكنها من تغيير الموازين، والتخلص من النظام القاتل! وعلى أثر ذلك اعتبر الإبراهيمي أن العرب تخلوا عن محاولات التفاوض ولم يعودوا بحاجة إليه، ولذا، فقد قال للأمين العام للجامعة العربية وللأمين العام للأمم المتحدة إنه إذا كان لا بد من بقائه، فليكن مندوبا دوليا، وليعف من وكالته عن الجامعة العربية التي تجاوزته.

لماذا هذا الاستطراد الطويل في تتبع مواقف الإبراهيمي؟ لأن «مقولة» الإبراهيمي هذه هي المظهر أو الجانب الأول الذي يكافح به المعروفون بالمجتمع الدولي الثورة في سوريا. ويبلغ من قوة هذه المقولة أنها أحدثت اضطرابا في الائتلاف والمجلس الوطني، ودفعت لإصدار بيانات شبه يومية عن التبرؤ من التطرف والإرهاب، واصطنعت أعذارا لأنصار الأسد بالداخل السوري وبلبنان من الأقليات ومن المرتبطين بمصالح مع النظام في سوريا، واستطرادا مع الإدارة الإيرانية بلبنان والعراق.

على أن الجانب الإيراني يبقى هو الأهم.. فـ«إيران الولي الفقيه» تقاتل بكل قواها على جبهة النظام السوري منذ عام. وإلى جانب الدعم بالمال والعتاد والخبراء، جاء الدعم بالمقاتلين من عراق المالكي، وحزب الله بلبنان. ويقول الإيرانيون علنا إن سوريا الأسد عزيزة عليهم مثل إحدى محافظاتهم أو أكثر. وقد قال حسن نصر الله قبل أشهر في اجتماع للقيادة العسكرية للحزب عندما ارتفعت الشكوى من تزايد القتل في صفوفهم بسوريا: «إننا نقاتل بالقصير ودمشق حتى لا نضطر للقتال على أبواب النجف وقم»!! ولا أحد يدري لماذا هذا الإصرار على تصوير الأمر باعتبار أن الشيعة جميعا يواجهون تحديا مصيريا أو وجوديا إذا سقط النظام الأسدي في سوريا. ومتى كان السنة بلبنان أو في سوريا أو بالعراق يضعون بين اهتماماتهم الحملة على الشيعة؟ ثم متى اعتبر الشيعة العرب أنفسهم قلة معرضة للاضطهاد والتصفية، بحيث تضطر للاستماتة حتى في الدفاع عن المزارات مثلما يحصل الآن بشأن مزار السيدة زينب بدمشق؟!

لا شك أن هناك متعصبين من السنة والشيعة، وما كان هؤلاء موجودين بلبنان ولا حتى بالعراق. وقد أدت أحداث العقد الماضي إلى ظهورهم في كل مكان، فتحقق ما عجزت الحرب العراقية - الإيرانية عن تحقيقه في الثمانينات من القرن الماضي. إنما في العقد الأخير، وسط الظهور والغلبة الإيرانية بمنطقة المشرق العربي على الخصوص، كان الإيرانيون حريصين بالفعل (رغم التربية الطائفية للكوادر والعامة في العراق وسوريا ولبنان والبحرين والقطيف وصعدة) على عدم الظهور بمظهر طائفي أو مذهبي، خاصة أنهم يحملون شعارات الأكثرية العربية السنية بشأن فلسطين، وبشأن طرد الإمبريالية من المنطقة. لكن هذا المنطق أو المظهر تحول بالاتجاه المعاكس وفي سائر مناطق النفوذ الإيراني: الشيعة - بحسب إيران - يواجهون أخطار الإبادة أو الاستضعاف والاستتباع على الأقل، بسبب الصعود الأصولي والتطرف في أوساط أهل السنة.. فعلى الشيعة الاستقتال لمواجهة هذه الموجة، وإيران بصفتها راعية التشيع تتسلم زمام القيادة في هذه المواجهة المصيرية!

إن الحقيقة أن إيران تجد نفسها في السنوات الثلاث الأخيرة في مواقع الدفاع: بسبب النووي وحصاراته، وبسبب الاضطراب القائم عليها في سائر مناطق نفوذها. ولذلك فهي تستميت بكل الوسائل (بما في ذلك الوسيلة الطائفية والمذهبية) للثبات في كل المواقع، وحساباتها في هذا الاستقتال، تستند إلى أمرين اثنين: تجنب إظهار الضعف أو الضيق لكي لا يجري استضعافها أو الاستهانة بها في التفاوض أو الحرب، والرهان على أن هذا «الثبات» في اللحظات الحاسمة، سيدفع الآخرين من الغربيين والعرب إلى التنازل أو التراجع كما حصل من قبل مرارا. فهي تناكف الولايات المتحدة منذ عقود، وتحصل في كل جولة على قسط وافر من مطالبها. وقد حصلت في العقد الأخير على أكثر مما طلبته. وهي تعلم أنه لن يسمح لها بالنووي السلمي أو الحربي مهما تطلب الأمر، وليس بسبب إسرائيل فقط؛ بل وبسبب التوازن الدولي والإقليمي. ولذا، فقد تكون حساباتها في النهاية تثبيت مواقعها في العراق. لكن حتى في هذا الموقع، لديها التقابل والتنافس مع الأتراك، والكيانية الكردية، وإمكان استمرار التصارع بين الشيعة والسنة.. ثم إنها بهذا السلوك الانتحاري في سوريا (ولبنان) توشك أن تخسر أكبر تجارب نجاحها في الخارج: تجربة حزب الله. وهكذا، فحتى لو تنازلت أميركا عما دون النووي؛ فإن النفوذ العسكري والأمني الإيراني المسلح في المشرق العربي، ليس له مستقبل. ونتيجته الوحيدة مزيد من الشقاء والانقسامات في المشرق العربي، ومزيد من الاستتباع للقوى الدولية! فكل أسبوع تقريبا يلتقي الأميركي والروسي للاتفاق على مستقبل سوريا العربية.. والإيراني يقول لنا إنه يدافع عن نظام الممانعة، ويقول لأتباعه إنه يدافع عن وجودهم في وجه التطرف السني!

ومن أجل استكمال المشهد المقلوب، نذكر بشار الأسد، وهو يتوجه إلى أنصاره من اللبنانيين الذين زاروه في «قصر المهاجرين» بدمشق، بالقول: «السنة طيبون وعروبيون وليسوا طائفيين»! انظروا من يشهد ولمن! السنة هم العرب، فمن أنت؟ سنظل نؤمن بهذه الأمة، ونأبى التنكر لها تحت أي شعار؛ ورائدنا قول شاعر العربية الأكبر أبو الطيب المتنبي:

وكيف ترجي الروم والروس هدمها  وذا الطعن آساس لها ودعائم

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الانتفاضة السورية والعداء للسامية: ستار التضليل وستراتيجية التأثيم

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 26/4/2013

‘لقد أحرقوا الكنائس، وهاجموا الشيعة، وقطعوا الرؤوس، وطردوا ما لا يقلّ عن 80.000 مسيحي من محافظة حمص. إذا كانوا مستعدين لفعل كلّ هذا بحقّ المسيحيين، فتخيّلوا ما الذي سيكونون مستعدين لارتكابه بحقّ اليهود’.

هذه شهادة الصحافي الهندي كابيل كوميريدي، الذي ترتعد فرائصه من فكرة يراها حتمية وآتية لا ريب فيها: بعد أن ينجح إسلاميو سورية في إسقاط نظام بشار الأسد، فإنهم لا محالة سوف يتفرغون لتدمير إسرائيل، وربما إبادة اليهود على امتداد العالم بأسره. نبوءاته هذه تلقى الترحاب في أعمدة صحف إسرائيلية (بعضها رصين، مثل ‘هآرتس)،وأخرىمتعاطفةمعإسرائيل (موقع‘هفنغتونبوست’)، وثالثة تزعم الدفاع عن الأقليات في سورية، وتخشى على البلد من اندثار ‘العلمانية’ وسيطرة السلفيين (وهذه لا تُعدّ ولا تُحصى).

زميل كوميريدي في هذا الترهيب من الانتفاضة السورية، بذريعة أنها إسلامية وستنتهي إلى مناهضة إسرائيل أساساً، هو الصحافي البريطاني جون ر. برادلي؛ الذي ينطلق من ‘رؤية’ أعرض لانتفاضات العرب، مفادها أنّ ما بدأ كحركات احتجاج على الشروط المعيشية المتدنية (وليس، البتة، كانتفاضات شعبية ضدّ أنظمة استبداد وفساد) استولى عليه الإسلاميون، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، وانتهى الأمر! وإذا كان الصحافي الهندي مكتفياً بمقالات متفرقة، ينشرها هنا وهناك؛ فإنّ صاحبنا البريطاني مؤلف جهبذ، له في شؤوننا وشجوننا المؤلفات التالية: ‘انكشاف السعودية: داخل مملكة في أزمة’، 2005؛ و’داخل مصر: أرض الفراعنة على حافة ثورة’، 2008؛ ‘ما وراء حجاب الخطيئة: تجارة وثقافة الجنس في الشرق الأوسط’، 2010؛ وأخيراً ‘ما بعد الربيع العربي: كيف خطف الإسلاميون حركات التمرد في الشرق الأوسط’، 2012.

ثمة، إلى هذا، قاسم مشترك بين كوميريدي وبرادلي، هو العزف على نغمة انتشار روح العداء للسامية في صفوف الثائرين العرب عموماً، ولكن في سورية بصفة أخصّ؛ إذْ لا يكفي أن تقول إنّ هؤلاء يمقتون إسرائيل، وهي في نهاية المطاف دولة معادية احتلت وتحتل أراضي عربية بعد سلسلة حروب، ولا بدّ من استكمال مشهد التأثيم عن طريق التهمة الأكثر رواجاً وترهيباً. خذوا، على سبيل المثال فقط، مقالاً نشره الأوّل في ‘هآرتس،تحت عنوان لا يحتاج إلى تعليق: ‘ثائرون قضيتهم هي العداء للسامية’؛ وأمّا الثاني فقد كتب، في صحيفة ‘جويش كرونيكل’ الناطقة، عملياً، باسم الجالية اليهودية في بريطانيا، أنّ معارضي بشار الأسد ‘ينفثون نوعاً من الكره المعادي للسامية، لم يُعرف منذ النازيين’!

في المقابل، ثمة ـ لحسن الحظّ، كما يتوجب القول! ـ الكثير من الكتّاب اليهود الذين يرفضون استخدام الكوارث اليهودية كيفما اتفق، لا سيما حين تُرفع على هيئة فزّاعات في وجه الإنسانية، لا تستهدف إلا إبقاء اليهودي في صورة الضحية، وتفادي التصاق إسرائيل بصورة الضحية المنقلبة إلى جلاّد. وهؤلاء الكتّاب يساجلون بأنّ تاريخ الهولوكوست ليس ملكاً خالصاً للضحايا، وحدهم، من جانب أوّل؛ وهو، من جانب ثانٍ، لم يعد رهينة الذاكرة اليهودية، حصرياً، وبات سلسلة وقائع تجب دراستها واستخلاص العظات منها؛ وهي، من جانب ثالث، ليست حكراً على الدولة العبرية، لأنّ تراث الهولوكوست، على نقيض من التبشير الصهيوني، يخصّ الإنسانية جمعاء.

أنتوني جوليوس في عداد هؤلاء، وهو محام بريطاني بارز (أشهر قضاياه كانت طلاق الأميرة ديانا من الأمير تشارلز)؛ لكنه أيضاً كاتب يهودي نشيط، وناشط، في المسائل التي تدور حول العداء للسامية بصفة خاصة، وهو يتناول موضوعاته من زوايا تاريخية أو سوسيولوجية (كما في كتابه ‘محاكمات الشتات’)، وكذلك نقدية وأدبية (أصدر، منذ سنوات، كتاباً لامعاً عن جوانب العداء للسامية في شعر ت. س. إليوت). وذات يوم وجد جوليوس نفسه مضطراً إلى الخروج عن قواعد التضامن المألوفة، السائدة عموماً في أوساط الكتّاب اليهود تجاه إسرائيل، فكتب يخطّيء الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في تصريحاته حول طبيعة ونطاق انتشار نزعة العداء للسامية في بريطانيا.

ويتذكّر جوليوس أنّ التهمة الأشهر في تاريخ العداء للسامية، أي قيام اليهود بذبح الأطفال المسيحيين لاستخدام دمائهم في أداء طقوس دينية سرّية، كانت قد وجدت تطبيقها العملي الأوّل في بريطانيا، وأسفرت عن موجات الطرد الأبكر في التاريخ اليهودي، سنة 1290. لكنه يتذكّر، أيضاً، أنّ بريطانيا لم تشهد محاكمة تماثل ‘قضية دريفوسفيفرنسا،ولمتبلغمشاعر العداء للسامية مستوى معسكرات الاعتقال في أوشفتز، أو فظائع الهولوكوست التي جرت هنا وهناك على نطاق أوروبا الشرقية. أغلب الظنّ أنه، وقد نظر إلى الأمر من زاوية حصيفة وذرائعية في آن، كان يعرف أنّ نسبة 60 في المئة من الحوادث التي تُصنّف رسمياً في باب العداء للسامية، إنما تكون أسبابها سياسية صرفة، وبواعثها في الأغلب ناجمة عن الاحتجاج على سياسات إسرائيل ضدّ الفلسطينيين.

الإسرائيلي يوسيف غرودزنسكي، أستاذ الألسنيات في جامعة تل أبيب، ومؤلف كتاب ‘في ظلّ الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية’؛ ينصف ضحايا الهولوكوست من زاوية غير مألوفة أبداً: دور المؤسسة الصهيونية ذاتها في صناعة الهولوكوست، وكيف انطوى ذلك الدور على تواطؤ مباشر صريح بين بعض القيادات الصهيونية وكبار ضبّاط الرايخ الثالث المسؤولين عن تصميم وتنفيذ ما عُرف باسم ‘الحلّ النهائي’ لإبادة اليهود. والوقائع التي يذكرها غرودزنسكي معروفة، ولكنه هذه المرّة يتناولها وقد وُضعت في سياقات جديدة تماماً، تخصّ هذا الجانب تحديداً: كيف جرى ويجري تسويق الهولوكوست لأسباب سياسية صرفة تطمس، وأحياناً تشطب تماماً، الوقائع الإنسانية التي تسرد عذابات الضحايا وآلامهم وتضحياتهم.

كذلك يطرح الكتاب أسئلة، جارحة تماماً، وتسفّه الكثير من عناصر السردية الصهيوينة، مثل هذه: كيف جرى ويجري الضغط على ضحايا الهولوكوست، وأحفادهم من بعدهم، للهجرة إلى فلسطين المحتلة رغم إرادتهم غالباً؟ وكيف استقرّ دافيد بن غوريون على الرأي القائل بضرورة تضخيم حكاية سفينة ‘الخروج’ الشهيرة، سنة 1947، لكي تشدّ أنظار العالم إلى مأساة اليهود، وتستدرّ العطف عليهم، والتعاطف مع الوكالة اليهودية التي كانت تقوم مقام دولة إسرائيل؟ وكيف أنّ حقائق السفينة لا تنطبق أبداً على التمثيلات الملحمية البطولية كما جرى تلفيقها في رواية ليون أوريس الشهيرة، وفي فيلم أوتو بريمنغر الأشهر.

ويتوقف غرودزنسكي مطولاً عند ‘قضية كاستنر’، التي بدأت فصولها سنة 1945 حين نشر اليهودي الهنغاري مالكئيل غرينفالد، أحد الناجين من الهولوكوست، كرّاساً صغيراً يتهم فيه اليهودي الهنغاري رودولف كاستنر (القيادي الصهيوني البارز وأحد أقطاب الـ’ماباي’، حزب بن غوريون) بالتعاون مع النازيين خلال سنتَي 1944 و1945. والوقائع التي سردها غرينفالد يقشعرّ لها البدن حقاً: لقد وافق كاستنر، بعد تنسيق مباشر مع الضابط النازي المعروف أدولف إيخمان قائد الـ’غستابو’، على شحن نصف مليون يهودي هنغاري إلى معسكرات الإبادة، بعد أن طمأنهم كاستنر وبعض معاونيه إلى أنّهم سوف يُنقلون إلى مساكن جديدة، حتى أنّ البعض منهم تسابقوا إلى صعود القطارات بغية الوصول أبكر والحصول على مساكن أفضل. وكان الثمن إنقاذ حياة كاستنر وبعض أقربائه، وغضّ النظر عن هجرة 1600 يهودي إلى فلسطين.

ولقد تحوّل ذلك الكرّاس إلى قضية، حين رفع كاستنر دعوى أمام القضاء ضدّ غرينفالد، بتهمة تشويه سمعته. وبعد أخذ وردّ أصدر القاضي الإسرائيلي بنيامين هاليفي حكمه بأنّ كاستنر تعاون بالفعل مع النازيين و’باع روحه للشيطان’. المثير أنّ الأخير قرّر استئناف الحكم، لكنه اغتيل في عام 1957 ضمن ظروف غامضة، الأمر الذي يشكك في تفاصيله كتاب مهم آخر ـ هو ‘الموت والأمّة: التاريخ، الذاكرة، والسياسة’، للمؤرّخة الإسرائيلية إديث زيرتال ـ يعزو الاغتيال إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لأنّ وجود كاستنر على قيد الحياة بات مصدر إحراج للدولة. صحيح أنّ المحكمة العليا برأت كاستنر بعد وفاته، إلا أنّ القضية كانت قد حطّمت ـ للمرّة الأولى، منذ بدء فصول الهولوكوست ـ الحدود شبه المقدّسة بين الضحية والقاتل، وأسقطت الحصانة المطلقة التي تمتّع بها اليهودي في المسؤولية عن الهولوكوست.

وفي سنة 1993 أحيت الإنسانية الذكرى الخمسين لانتفاضة غيتو وارسو، بحضور إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، الذي حرص قبيل سفره على تحويل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى ‘غيتو فلسطيني’ قسري. وأمّا مارك إيدلمان، القائد العسكري اليهودي الوحيد الذي نجا من غيتو وارسو، فقد أعلن أنه سئم المقابلات الصحافية والتصريحات الجوفاء: ‘ما جدوى غربلة الماضي إذا كنّا قد فشلنا في تعلّم دروسه؟ الغرب ما يزال يضع الخطط الستراتيجية في المرتبة الأولى، ويفضّلها على الأرواح البشرية. ما يجري في يوغوسلافيا اليوم هو انتصار لهتلر وهو في قبره، والغرب يكرّر أخطاء الماضي مثل تكراره بلاغته الكاذبة ونفاقه الفاضح’!

وماذا عن الهولوكوست في سورية، التي قضى 100.000 من بناتها وأبنائها على يد نظام همجي وبهيمي لم يعرف له التاريخ مثيلاً، حتى في ذروة العربدة النازية، وبالقياس إلى أقصى ما ارتكبه الرايخ الثالث من وحشية ضدّ البشرية؟ يندر أن تجد كاتباً يهودياً ـ صهيونياً، من طراز دانييل بايبس مثلاً؛ أو متعاطفاً مع إسرائيل، من طراز كوميريدي أو برادلي، يمكن أن يعقد مقارنة، محض إنسانية، بين مجزرة بلدة ‘جديدة الفضل’ التي ارتكبها النظام السوري مؤخراً (أكثر من 500 قتيل، بين طفل وامرأة وشيخ، قُتلوا ذبحاً بالسلاح الأبيض، أو حرقاً بالنار)، وأيّ نهار كارثي مماثل، أو حتى أقلّ قتامة، من نهارات الهولوكوست.

ولكننا، في المقابل، سنجد الكثير من تنويعات نظرية إيلي فيزل (حامل جائزة نوبل للسلام لعام 1986، وعميد ضحايا الهولوكوست بقرار تعيين ذاتي، والقيّم على شؤونهم الدنيوية والروحية، ومالك القول الفصل في كل ما يتصل بالشطر الهولوكوستي من التاريخ)؛ التي ترفض المقارنة بين الهولوكوست وأيّ وكلّ مآسي الإنسانية، قديمها وحديثها، من إبادة الهنود الحمر (قرابة 70 مليون قتيل)، إلى مذابح رواندا ربيع 1994 (قرابة مليون قتيل)، مروراً بما جرى ويجري في فلسطين وأفغانستان والعراق. هنا يجري إسدال ستار التضليل (حول خطف الإسلاميين للانتفاضات العربية عموماً، والانتفاضة السورية خصوصاً وأوّلاً)، لكي تشتغل مطاحن ستراتيجيات التأثيم (التي لا تشهد تسويد صفحات الشعوب الثائرة، تحت أكاذيب الأسلمة والتشدد الأصولي والسلفية والعداء للسامية… إلا لتقترن بتبييض صفحات الطغاة).

كانوا يخوضون هذا الغمار سرّاً، أو غمغمة ودمدمة وتأتأة، في الماضي؛ واليوم صار الخوض فيه يجري جهاراً نهاراً، باستشراس مشوب بالقلق، وباستئساد يحكمه عصاب الخوف، فضلاً عن وقاحة لم تعد تكترث حتى بإلصاق ورقة التوت!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا: للدم السوري أولياؤه .. لا يكفي أن تقول لأخيك إنني معك إن لم يشعر أنك معه

05.05.2013

زهير سالم

وأخيرا اقتنع السيد الأخضر الإبراهيمي بما توصل إليه سلفه كوفي عنان . تسعة أشهر كانت ثقيلة على الشعب السوري . وسال فيها كثير من الدم السوري، ومع ذلك لم يصغ السيد الأخضر الإبراهيمي خلالها لنصح الناصحين ، وأصر أن يحتفظ بموقع ورقة التوت من سوأة المجتمع الدولي يستر تخاذله وتخلفه وتواطؤه على دماء السوريين ..

وما أن استروح الشعب السوري لخبر مغادرة الأخضر الإبراهيمي، حتى انطلق صوت من طهران يحرك رمة المبادرة المصرية، وذلك بعد أن أصبح لإيران اليد العليا على مصر ، فلم يكن أمام كبار الموظفين المصريين ، ولاسيما المسئولين عن تنشيط ملف السياحة الإيرانية إلى إحياء الحديث عن المبادرة التي أطلق عليها ( الرباعية ) والتي لم تشارك العربية السعودية في أي من اجتماعاتها من قبل ، فظلت مبادرة ثلاثية فقط .

وكانت المعارضة السورية بكل قواها وهيئاتها وتشكيلاتها قد أعلنت منذ اليوم الأول لإعلان المبادرة المصرية رفضها لأي مبادرة تطلق بعيدا عنها ، ودون القيام بأي تنسيق أو مشاورة معها . حدث هذا يوم كان الرئيس المصري يصدح بأعلى صوته في مؤتمر مكة أو في مؤتمر طهران : أن المحكمة هي ما ينتظر بشار القاتل ..

وأكدت المعارضة السورية يومها رفضها لأي مبادرة لا تقوم على شرط مسبق يخرج بشار الأسد وكامل زمرته العسكرية والأمنية من المعادلة السورية المستقبلية .

كما اعترضت المعارضة السورية على حشر إيران الدولة المعادية للشعب السوري في دول المبادرة ، مؤكدة أن إيران ستظل جزء من المشكلة في سورية ، ولن تكون جزء من الحل حتى تعلن تخليها الكامل عن بشار القاتل وزمرته ، واعترافها بالشعب السوري وتطلعاته المشروعة في العدل والحرية .

طويت المعارضة المصرية يومها غير مأسوف عليها ، كما يطوي اليوم السيد الأخضر الإبراهيمي أوراقه . ولكن عودة الحديث عن المبادرة تحت تأثير الوحي الإيراني يبعث اليوم ومن جديد الكثير من التساؤلات ، ويثير الكثير من الريبة والظنون والشكوك !!

مما يضطرنا إلى تأكيد القول : ستظل إيران جزء من المشكلة في سورية مالم تعلن صراحة وبلا مواربة تخليها عن بشار الأسد وزمرته العسكرية والأمنية من القتلة والمجرمين .

بل إن مستجدات الواقع اليوم تتطلب منا أن نضيف ومالم تتوقف إيران عن التدخل في الشأن الداخلي للشعب السوري ، وما لم تسحب قواتها وخبرائها وقوات حلفائها وأتباعها ومنها قوات حزب الله من سورية .

ثم نعود نؤكد إن الحل السياسي الذي يتطلع الشعب السوري إليه هو الحل القائم على الحوار الوطني بين قوى المجتمع المدني السوري للتوافق على دستور وطني يصوغ الملامح العامة للدولة المدنية الحديثة التعددية والديمقراطية . الحوار الذي لن يقبل السوريون أي شريك سلطوي فيه يديره تحت الوصاية أو الإكراه .

ومرة بعد مرة نؤكد أنه لا مكان لبشار الأسد ولا لزمرته أي مكان في معادلة سورية المستقبلية . وإن أي مبادرة لمقاربة الواقع السوري لا تنطلق من هذه المسلمات هي مبادرة مرفوضة بل منحازة إلى صف الجلاد ضد الضحايا ..

إن المساعدة التي ينتظرها الشعب السوري من أشقائه هي المساعدة على تحقيق أهدافه كما يريدها ، وليس تزيين التراجع والاستسلام تحت ادعاءات الحكمة والدبلوماسية ..

ولا بد أن نؤكد لأبناء شعبنا ولأبناء أمتنا أننا لم نكن ولن نكون قط جزء من أي مبادرة تخرج عن هذه الثوابت الوطنية المشتركة والتي تكاد تكون إجماعية بين قوى المعارضة السورية .

للدم السوري أولياؤه وهو ليس معروضا للمقايضات والمعاوضات والمبادلات . لا يكون الوفاء لدم الشهداء بالتراجع ولا بالتنازل ولا بالنكوص . وسيظل يجمعنا قول ربنا : (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ))..

نقدر للشعب المصري الشقيق استضافته للاجئين السوريين ، ونقدر لأصحاب المشاعر الطيبة من أبنائه تجاه الثورة والثوار في سورية مشاعرهم . ومع تفهمنا للصعوبات الاقتصادية التي تعيشها مصر ، ولأبعاد الصراعات الصغيرة بين أبنائها ؛ سيظل أبناء العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين يفتقدون الثقل الاستراتيجي لمصر العربية والمسلمة في رد هجمة الغول الإيراني على هذه الأقطار . وإذ تقرر مصر أن تهجر حاضنها إلى الطرف الآخر من المعادلة لا نملك إلا أن ندعو لمصر الدولة ومصر الشعب بالحفظ والحماية والسلامة والتوفيق . كلام قد يجادلنا فيه كثير من أشقاء مصر فيقول : إنا معكم ..لهؤلاء نقول : لا يكفي أن تقول لأخيك إني معك ما لم يشعر هو أنك معه ..

واحسرتاه على يوسف ...

لندن : 23 / جمادى الآخرة / 1434 – 4 / 5 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ماذا عن السلفية الجهادية في سوريا؟

فايز ساره

المستقبل

يتخوف كثير من السوريين من صعود السلفية الجهادية في بلادهم، ويتوزع المتخوفون على الطرفين المتصارعين في البلاد، حيث يتفق بعض الموالين مع معارضين في تخوفهم من وجود الجماعات السلفية الجهادية وبعض ما تبثه من افكار، وما تقوم به من اعمال لا تخلو من اجبار واكراه واستخدام للقوة، ورسم مستقبل آخر للبلاد. وبالاجمال فان التخوفات المشتركة تشكل خرقا لقاعدة التناقض السوري الحاد بين الموالين والمعارضين، وهذا امر واقعي بغض النظر عن اسبابه ودوافعه.

ان السبب الرئيس للتخوف من السلفية الجهادية، يكمن في امرين اساسيين هما توجهاتها الفكرية والسياسية من جهة ونموها السريع المصحوب بالقوة من جهة اخرى. ذلك ان السلفية الجهادية، وان كانت موجودة في سوريا في العقود الاخيرة، فان وجودها كان محدوداً في العدد والانتشار، اضافة الى انها لم تكن قد اتجهت نحو التنظيم العلني والواسع ولم تكن اعلنت نزوعها الى استخدام السلاح، وهذه جميعاً تغيرت في العامين الاخيرين بحيث جعلت تلك الجماعات ذات وزن ملموس عسكرياً وسياسياً.

لقد اخذت السلفية الجهادية بالنمو السريع تحت ضغط اربع عوامل، اولها واهمها سياسة القتل والدمار التي يتابعها النظام ومؤسساته العسكرية الامنية في تعامله مع الحراك الشعبي، وشهدت سياسة النظام نمواً وتسارعاً كبيرين، نتج عنهما مقتل وجرح واعتقال وتهجير ملايين السوريين ممن اصابهم دمار شامل، وفي ظل فشل اي معالجة وحل سياسي للازمة، بدا من الطبيعي توجه قسم منهم لاستخدام السلاح، وهو ما ينسجم مع توجهات السلفية الجهادية واساليبها في العمل الامر الذي وفر اساساً موضوعياً لوجودها ونموها في البيئة السورية، التي لم تكن ميالة للعنف ولا لوجود ملموس فيها للجماعات الجهادية في السابق، قبل ان يتغير الامر.

والعامل الثاني، يمثله توافد قيادات وكوادر في الجماعات السلفية الجهادية من مناطق مختلفة الى سوريا، ولاسيما من دول الجوار بدعوى الانخراط في الجهاد مستغلين ما يقع من قتل ودمار، املين تحويل سوريا الى قاعدة للسلفية الجهادية، وقد كشفت تقارير استخبارية وصحافية معلومات عن تسلل مئات الجهاديين العرب والاجانب الى البلاد، وانخرط بعضهم في تأسيس النواة الصلبة لبعض تشكيلات للسلفية الجهادية ومنها جبهة النصرة لبلاد الشام.

وثمة عامل ثالث في وجود ونشاط السلفية الجهادية، اساسه ان من الصعب تحقيق ذلك لولا دعم رسمي من جانب اجهزة امنية لدول مختلفة ومتصارعة في المنطقة (ومن ضمنها الاجهزة السورية) رغم التناقض الظاهر في مواقفها حيال الثورة السورية من جهة وازاء السلفية الجهادية. ففي بعض الحالات كان دعم تلك الاجهزة هدفه التخلص من قيادات وكوادر الجماعات بدفعها الى سوريا على امل ان يتم القضاء عليها هناك، وفي احيان، جرى دعمها والسماح بمرورها لتعزيز قوة الصراع مع النظام على امل هزيمته، وجرى في اوقات معينة السكوت عنها وربما تقديم مساعدات غير مباشرة عبر السماح لها بالاستيلاء على اسلحة وذخائر تعزز مكانتها، وتجعلها اكثر قدرة في ان تكون قوة مقابلة ومنافسة لتشكيلات الجيش السوري الحر.

والعامل الرابع في تعزيز وجود ونشاط السلفية الجهادية، كان في التركيز الاعلامي والسياسي الذي احيطت به السلفية الجهادية. وفي المثال فان تصريحات مبكرة لمسؤولين غربيين حول حجم وقوة جبهة النصرة واخواتها، مما عزز وزن تلك الجماعات في وسط شعبي مستعد للتعلق بأي قوة على امل الخلاص من القتل والدمار المحيطين به، وقد جهدت وسائل الاعلام المختلفة وخاصة القنوات الفضائية في تناول الاخبار والتحليلات المتصلة بجماعات السلفية الجهادية في سوريا على سبيل السبق الاعلامي، لكن النتيجة كانت دعايات مجانية لهذه الجماعات.

وسط تلك العوامل والشروط، توفرت للسلفية الجهادية فرص مثالية لزيادة حجمها وقوتها عبر طريقين اولهما توسيع انتشارها ونفوذها في بيئة صارت حاضنة من جهة، والتمدد على حساب التشكيلات العسكرية التي سبقتها في الظهور، والتي غالباً ما كانت تعاني من ضعف في امكانيات التسليح والذخيرة وفي توفير اساسيات السلاح واللباس والغذاء لعناصرها، فيما توفرت امكانيات كبيرة لتشكيلات السلفية الجهادية وللتشكيلات الاسلامية، وتمكنت تلك التشكيلات بامكاناتها المادية الكبيرة من السيطرة او ابتلاع تشكيلات للجيش الحر وجماعات المتطوعين الصغيرة ذات الامكانيات المحدودة او السيطرة عليها عبر بوابة المساعدات.

واذا كانت خلاصة المسار العام للواقع السوري بمعطياته الحالية، تؤشر الى ان السلفية الجهادية، سوف تستمر في النمو والتوسع، فان ذلك يعني انها يمكن ان تصبح القوة السائدة في سوريا من الناحيتين السياسية والعسكرية، وهذا يؤشر الى ان المستقبل السوري سيكون لها، وهو امر ممكن ما لم تحدث تحولات في الواقع السوري وفي المحيط الاقليمي والدولي، تبدل البيئة المحيطة بنمو وتنامي الجماعات السلفية الجهادية، والتي يمكن رؤية اهم ملامحها في جملة خطوات ابرزها، دعم الاتجاهات الوطنية الديمقراطية في الحراك الشعبي من الناحيتين السياسية والعسكرية وفي مجال الاغاثة، مما يخلق قوة موازية من النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية، وتقوية وتعزيز الخط الديمقراطي في حركة المعارضة السورية، بدلا للسيطرة التي تسعى اليها جماعات الاسلام السياسي على الشارع، والحد من التدخلات الاقليمية والدولية في الشؤون السورية، وبعضها يفتح مسارات لكادرات واموال سلفية، تتشارك في ارسالها للداخل السوري شخصيات وجماعات ودول، اضافة الى الضغط لتغيير مسارات الاعلام في التعامل مع الوضع السوري كله، ووقف حملات الدعم والمساندة المقصودة وغير المقصودة للسلفية الجهادية وجماعاتها.

ولاشك ان تغييرات في البيئة السورية، يتناول العناصر السابقة، سوف يبدل من المسار المستقبلي لسوريا، وبدل ان يكون المستقبل فيها للسلفية الجهادية الساعية لاقامة دولة اسلامية من مواصفات معينة، فان المستقبل سيكون لصالح الدولة الوطنية الديمقراطية، والتي مازال لها عناصر قوة كامنة في العمق السياسي والثقافي للمجتمع السوري من جهة، والتي رفعت ثورة السوريين منذ لحظاتها الاولى مطالبها بالحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

 الأزمة السورية في لحظة الصراع الدولي

غازي دحمان

المستقبل

دبلوماسية تأجيل إنفجار الأزمات أو إغماض العين عنها وتركها تنتج حلولها بذاتها، أو التعيش على الفرص التي تمنحها. هذا النمط الدبلوماسي الذي تنحاز له إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما، وتقود مراكز صنع القرار الدولية خلفه، سيؤسس لوضع يعيش فيه العالم في قلب البركان، وليس على فوهته.

مع إدارة اوباما تنحط السياسة الأميركية إلى مستويات من التخلف تقارب فيه مستوى أداء مثيلاتها في العالم الثالث، ولعل من أهم مؤشرات هذا الإنحدار، خروج هذه السياسة عن السياقات العلمية التي تميز سياسات الدول المتقدمة من سواها، كالقدرة على تحليل هذه السياسات وبناء تقديرات مواقف خاصة بها ومعاينة خياراتها وممكناتها، أي تحليل العملية السياسية التي تؤطر هذه العناصر بداخلها، حيث بات من الصعب تقدير موقف حول إستجابة الإدارة الأميركيه تجاه أي من النزاعات الحاصلة على مستوى العالم في ظل فوضى صراعات الرؤى التي تزخر بها مؤسسات الحكم في واشنطن.

ومستوى التخلف هذا لا يتأتى، فقط، من إفتقاد القدرة على تحليل هذه السياسة، بل لعله صار يطال عملية صناعة السياسة ذاتها في الإدارة الأميركية نفسها، والتي باتت، وبخاصة على مستوى السياسة الخارجية، وهي في الحالة الأميركية جزء من السياسة الداخلية بحكم إنتشار المصالح الأميركية على رقعة العالم وتشابك الداخلي بالخارجي في ذلك، باتت لا تختلف عن عمليات صنع السياسة في البلدان المتخلفة ذات الطابع التسلطي الأوليغارشي، وما يؤكد هذه الخلاصة الصراع الجاري في أروقة الإدارة الأميركية ومؤسسات الحكم الأميركي عموما حول سورية وعدم قدرتها على التأثير في قرار الرئيس الأميركي أو زحزحتها لمواقفه.

لعل هذا ما يجعل السياسة الأميركية في عهد باراك اوباما تفتقد ميزتها الأساسية التي ميزتها في القرن العشرين، والتي جعلت منها أعظم قوة على وجه الأرض، وهو امتلاكها زمام المبادرة، وإن كانت سياسات واشنطن في هذا السياق قد وقعت في مطبات الخطأ نتيجة نقص في التقدير أو الوقوع تحت تأثير هيمنة الرئيس وبعض النخب ذات المصالح المعينة، لكنها حولت أميركا إلى قلب العالم ومحركة إتجاهاته وصانعة أحداثه على مدار ما يقرب من قرن، من مبادرة ويلسون الشهيرة إلى مشروع مارشال وعملية السلام في الشرق الأوسط، مروراً بالحروب الكورية والفيتنامية والعراقية.

صحيح أن الأزمة السورية كشفت هذا العطل والخلل السياسي الأميركي ووضحته بشكل كبير، حتى ليمكن القول إن الأزمة السورية أعادت تعريف الدور الأميركي على المستوى العالمي، لكن هذا التراجع في الحضور كان يحاول أن يعبر عن نفسه منذ مدة، لدرجة أنه في ليبيا كان دوراً خافتاً ومختبئاً خلف الزخم الأوروبي. وفي الواقع وحتى لا نظلم إدارة الرئيس اوباما فإن الوقائع تشير إلى أن هذه الحالة هي نتيجة انعكاس مزاج أميركي بات يميل بقوة إلى عدم زج أميركا في أزمات ومشاكل العالم، وربما هذا ما يقوي موقف اوباما، أو حتى يمنعه من إتخاذ قرارات مهمة بهذا الخصوص.

من الواضح تماماً أن صناع سياسات الدول المنافسة لأميركا أدركوا هذا العطل وباتوا يشتغلون على أساسه، وما يدلل على ذلك هذا التواتر المتناسق لتفجير الأزمات في أكثر من مكان في العالم دفعة واحدة، فيما يبدو أنه محاولة لإغراق السياسة الأميركية المترددة بمزيد من الأزمات. لكن الإشكالية تظل في نمط الإستجابة الأميركي المتردد، فهو لا يعدو سوى استثمار في الخراب واستثمار في المتاعب الأميركية القادمة، ذلك أن العجز في القراءة الإستراتيجية للمتغيرات والتطورات الحاصلة لن يتأخر كثيراً قبل أن يظهر على شكل أزمات تواجهها الولايات المتحدة الأميركية فيما خص مصالحها المنتشرة في العالم، وفق منطق مبدأ "جناح الفراشة" في الفيزياء. الذي يرصد أثر التداعيات الفيزيائية، مهما كانت صغيرة، على الحركة الكونية،"إذا قامت فراشة بهز جناحيها على حافة المياه في الصين، فإنها قد تتسبب في وقوع أعاصير في البرازيل أو في جزر الكاريبي". ذلك أن التاريخ الإنساني مليء بأحداث لها من التداعيات والعواقب ما يتخطى آثارها المباشرة المتوقعة، بما توجده وتستحدثه من تطورات وتغيرات جذرية على البنى والهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولو بعد حين، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي والدولي.

المشكلة أن هذه السياسة الأميركية التي تؤجل حل الأزمات، فيما تعمل القوى المنافسة لأميركا على تزخيم هذه المشاكل وتفعيل دينامياتها لتتفاقم في وجه أميركا وتضعفها مع الزمن، وهذه لن تتم إلا من خلال التضحية بساحات معينة تشكل خطوط تماس الصراع بين أميركا وهذه القوى، وخاصة وأن هذه القوى غير قادرة على ضرب المصالح الأميركية بشكل مباشر فتعمد لتعويض ذلك على خلق أزمات على حافة هذه المصالح في محاولة لدفع واشنطن إلى الرضوخ لمطالب هذه القوى لتغيير تراتبية سلم القوى في صناعة السياسات الدولية، بإعتبار أن أميركا هي الفاعل الأكبر والمؤثر في هيكلية النظام العالمي الحالي.

سورية أرض كاشفة لهذه السياسات، فهي بالمعنى المباشر لمفهوم المصالح الأميركية تقع خارج هذا الإطار، وهي بالمعيار الآخر لروسيا وإيران ساحة حافة لتلك المصالح، ووقوع سورية بين حدي الإدراك الأميركي الضيق والنهم الروسي الإيراني، حوّلها إلى أرض خراب معمم، وينذر بتحويلها إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير، السياسات الأميركية الضعيفة اكتفت بردة الفعل تجاه الحدث السوري مثل تصنيف "جبهة النصرة" في قائمة المنظمات الإرهابية، أو في أحسن الأحوال إقامة مناطق عازلة في الجنوب وحصر الهدف الإستراتيجي من ورائها بحماية إسرائيل والمملكة الأردنية، وحصر الخراب والآثار السلبية للحدث في أماكن خارج الحيز القريب من حدود إسرائيل والأردن، أو البحث عن الجهات غير المتطرفة في كتائب المعارضة المسلحة من أجل تزويدها بأسلحة غير فتاكة!، وفي ذلك سذاجة غير مسبوقة، فكما أنه يصعب حصر الخراب في مناطق ما بعد الجنوب السوري بالنظر للتداخل الجغرافي والديمغرافي بحيث يبدو الفصل عملية شبه مستحيلة ولوجود عملية تغذية لا يمكن قطعها، كذلك لا يمكن فصل التشابك المعقد بين كتائب الجيش الحر بين إسلامييه ومعتدليه وحتى متطرفيه في ميدان المعركة لوجود حالة إعتمادية متكاملة، ومن شأن محاولة تفكيكها تدمير الثورة برمتها.

في مقابل ذلك، كل الخيارات الأميركية التي يجري ترويجها في الإعلام وفي بعض مؤسسات الحكم الأميركية تجاه سورية، من خطط عسكرية وسواها، لا تعدو مجرد بيع وقت للحلفاء وبيع أوهام للثوار السوريين، ما دامت تفعيل كل هذه الخيارات مرهون بالعواقب التي قد تطرأ، فالمقصود يصبح إبراز هذه العوائق وتحويلها إلى حائط سد بوجه منتقدي السياسات الأميركية، إذ من السهل دائما العثور على العوائق وتصنيعها إن لزم الأمر.

تمتاز سياسات الدول العظمى برؤيويتها وحساباتها الإستراتيجية البعيدة المدى، وذلك بقصد إبقاء منظومات مصالحها بعيدة عن المخاطر، وتبدو واشنطن تبتعد شيئا فشيئا عن هذا الأمر، وهي إنتهت في عهد باراك اوباما الى فرح طفولي بزيادة كمية النفط المستخلص من الصخور الزيتية، بعد أن كانت تحلم بأن يكون لها إستثمار في كل نقطة نفط يتم إنتاجها في العالم!.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : حرب إبادة وتطهير طائفي .. شبيحة الأسد وإرهابيي الولي الفقيه

04.05.2013

زهير سالم

يدخل الوضع في سورية هذه الأيام مرحلة جديدة . مرحلة كان عنوانها تصريح الولي الفقيه في طهران أن الثوار في سورية هم من العلمانيين المعادين للإسلام الذين يجب قتالهم والانتصار عليهم باسم الإسلام . وهو التصريح الذي التزم أن يضعه موضع التنفيذ ليس تهديدا فقط ؛ حسن نصر الله في خطابه الأخير ، والذي تمت ترجمته من خلال الاجتياح المفتوح على تسعة محاور في حمص من قبل قوات الولي الفقيه المؤتمرة بأمر حسن نصر الله . هذا الاجتياح الذي يشكل خرقا للقانون الدولي ، وفرضا لحرب طائفية على مستوى الإقليم ، وعدوانا صارخا على الشعب السوري وعلى المدنيين الآمنين من نساء وأطفال .

إن ما تقوم به قوات الولي الفقيه اللبنانية في القصير وعلى كل الأرض السورية هو حرب طائفية مقيتة . وهو جريمة ضد الإنسانية . وهو غزو خارجي للأرض السورية ، وخرق للقانون الدولي بكل معانيه . إنه فعل إرهابي وحشي يطلب من كل قوى الخير في العالم أن تبادر لوضع حد له . وللأخذ على أيدي القتلة والمجرمين .

إننا ابناء الشعب السوري إذ نحمل كل بعيد وقريب في هذا العالم مسئوليته عما يجري هناك ، نؤكد أن الصمت سيحسب على أهله ، وأن شعبنا وهو يعيش عمق المحنة لن يغفل عن المتفرجين على مأساتنا والعابثين بجراحنا ، والمتواطئين مع أعدائنا من روس وإيرانيين ولبنانيين ..

وفي السياق نفسه تتوارد الأخبار منذ ساعات عن مجزرة كبرى ، أو حرب إبادة طائفية تشنها عصابات الأسد ومناصريه من الروس والإيرانيين وجنود الولي الفقيه من اللبنانيين على المواطنين الآمنين في مدينة بانياس وبلدة البيضة . قتل وإعدامات ميدانية للعشرات مع ذبح وسحل واغتصاب . إنه هولكست جديد ينفذ على أبناء الشعب السوري في القرن الحادي والعشرين ..

والعالم متشاغل عن كل ما يجري هناك . بل هو متواطئ ليعطي بشار الأسد فرصته ليكسر إرادة هذا الشعب الأبيّ ، ليعيده إلى بيت الطاعة من جديد . هذه هي استراتيجية المبعوث الدولي وكل الخافقين في ركابه من داخل المعارضة الوطنية وخارجها ..

ما الجديد الذي نستطيع أن نضيفه على هذه الجريمة المنكرة ؟! أندين أو نشجب أو نستنكر ؟! لقد ملّ شعبنا من الجريمة الإدانة والشجب والاستنكار . بل لم يعد من الحكمة في شيء أن نتحدث عن وحشية القتلة وطائفية الغزاة والمجرمين من براميل الحقد والكراهية التاريخية . إن المطلوب أمام هذه الجريمة النكراء ما هو أكبر من الإدانة ، وأكبر من الموقف السياسي مهما كان شأن هذا الموقف . إن المطلوب من الممسكين بقرار المعارضة في كافة هيئاتها فعل ثوري مكافئ للجريمة وهم قادرون لو كانوا مريدين . إن المطلوب من المتصدين لقيادة المعارضة السياسية تشعر القريب والبعيد أن الأمر جد ، وأن دماء الشعب السوري لن تذهب هدرا ، وأنهم سيفاصلون ويواصلون على قاعدة الموقف الحقيقي من هذه الدماء . و على المجتمع الدولي أجمع أن يدرك أن حصاد جرائم الحرب المزيد من الثبات والمزيد من الرفض والمزيد من الإصرار .

سيصبر شعبنا ، وسيخرج من هذه الحرب التي فرضها عليه أعداء الله وأعداء الإسلام وأعداء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي منتصرا بإذن الله . سينتصر وسينتصر وسينتصر بأمر من قال (( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )).

لندن : 21 / جمادى الآخرة / 1434 – 2 / 5 / 2013م

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

اختطاف المطرانين والإمارات الأمنية

ميشيل كيلو

السفير

اختطف المطرانان اليازجي وحنا في مكان قريب من حلب، وبعد يوم ونيف تم اطلاق سراحهما فاعتقلتهما على بعد كيلومترات قليلة من مكان الامارة الامنية الاولى قوات امارة امنية ثانية. منذ ذلك الوقت، صار مصيرهما مجهولا.

هذه باختصار شديد قصة اختطاف المطرانين المؤلمة والمحرجة، وقصة قسم كبير من الحال السورية أيضا، التي لم يعد أحد يعرف رأسها من قدميها، ومن يقودها ومن ينقاد لها، وهل نحن حقا في الثورة التي لطالما حلمنا بها وناضلنا في سبيلها، أم اننا انتقلنا الى «هوجة» عمياء، بعد أن نجح النظام وبعض ثوار آخر زمن في تطييف وعسكرة قوى كانت سلمية ووطنية، ومكنت الخلافات والتناقضات من اختراق عديد من تنظيماتها وكتائبها. باختطاف المطرانين تدخل الثورة السورية في طور عراقي، وبدخول «حزب الله» إلى سوريا كي يلتقي رجاله القادمون من الغرب بقوات مقتدى الصدر القادمة من الشرق، وينضموا الى متطوعي «جيش القدس» الإيراني المنقض علينا من السماء، بينما ينتقل أصوليون سوريون إلى العراق من جهة الغرب، لتكتمل عدة الحرب الطائفية الإقليمية، التي بين مستلزماتها قيام الجميع بذبح الجميع، على الهوية أو حتى اذا كانوا من «البدون» العربي والإسلامي.

ليس إنجازا قليل الأهمية على الإطلاق أن يكون عندنا اليوم إمارة أمنية كل عشرة كيلومترات، وان تخضع لقواعد وسياسات لا تتشارك فيها مع أحد، أقله من حيث الظاهر، وإلا كيف نفسر اختطاف مطرانَين مسالمَين وطاعنَين في السن وقتل شماس كان يقود سيارتهما، وإطلاق سراحهما السريع، إن كان من اختطفوهما خططوا حقا للعملية وارسوها على أسس ثابتة أو واضحة، ام انهم اخطأوا في التخطيط والتنفيذ وادركوا خطأهم فقرروا اطلاق سراحهم ليتم اختطاف ثان هو اقرب في حقيقته إلى عملية تسليم منه إلى اختطاف؟ ما هي ملابسات الحدث المحير الذي ما ان سمعنا به حتى وضعنا أيدينا على قلوبنا وقلنا: «يا ساتر استر، اللهم اجعل العاقبة سليمة». واليوم، نظن أن العاقبة لن تكون سليمة، والدليل أن الاختطاف الأول كان علنيا ومعروفا، وبالتالي كان بدائيا وغير مهني، بينما الثاني قوي، لأنه غامض وتسبب في جعلنا نفتقر إلى معلومات جدية عنه، رغم أنه تم تحت سمع وبصر الدنيا، فكأن الأرض انشقت وابتلعت رجلَين فاضلَين لم يؤذيا في حياتهما نملة، اكتمل باختطافهما الثاني اختطافهما الأول وزالت منه عيوبه ونقاط ضعفه، في أغلب الظن.

ليس الحديث عن المطرانين الجليلين غير مقدمة للحديث عن أمر غير جليل وغير مقبول في أية ثورة هو ما اسميته «الإمارات الأمنية»، التي اخذت تنتشر في كل مكان على شكل لجان شعبية موالية للنظام، أو كائنات غريبة تسيطر على اماكن مختلفة من المناطق النائية والفقيرة، وتكمل نشاط اللجان «الثوري» من خلال عمليات النهب وقطع الطرق واختطاف الأبرياء وفرض الأتاوات والخوات، والامتناع المطلق عن رفع سلاحها في وجه السلطة والتركيز على من يعيشون في ظلها، فلا عجب أننا لم نسمع أنها سعت في اي وقت إلى الاندماج مع غيرها من الكتائب والوحدات المقاتلة في مناطق انتشارها، ولا غرابة ان نكون قد سمعنا مؤخرا عن معارك دارت بينها حول الاستيلاء على ممتلكات عامة، وان وظيفتها تقتصر على بث الفوضى في اوساط الشعب والمقاومة بدل مقاتلة النظام، الذي ما ان يخرج من مناطقها حتى تتولى ترويع المواطنات والمواطنين بالنيابة عنه، وتتفرغ للابرياء والمسالمين، حتى إن واحدة منها، هي الكتيبة التي نفذت اختطاف المطرانين الأول، قطعت أصابع شبان شوهدوا يدخنون، فالتدخين عندها فعل جرمي لأنه لم يوجد تبغ في العصر النبوي، ومن يدخن يخرج عن الإسلام ويستحق قطع أصابعه.

هذه المصيبة العمياء، تكتمل باجواء التسبب والفوضى العارمة السائدة في قطاعات من الجيش الحر، الذي يتحول تدريجيا إلى «جيوش» معظمها «ليس حراً» وليس محبا للحرية من قريب أو بعيد، ويدار للاسف الشديد بأيد رخوة جدا، أيد مائية لا تقوى على اتخاذ أي قرار وتنفيذه، وتمارس دورا غير قيادي على الإطلاق، أقرب إلى ما يفعله امين مستودع يوزع ما لديه من مؤن على مناصريه ومحبيه، إن كان عنده شيء يوزعه أو وصلته شحنة ما، وليس دور جهة تستبق الأحداث وتخطط وتنسق وتحشد القوى وتشرف على ميادين القتال وتتابع تطوراتها وتتكفل بامداد المقاتلين بما يلزم من مقومات القتال والانتصار بصورة مسبقة. بسبب استقلالية الإمارات الأمنية وضعف أمانة المستودع، تسود الفوضى أكثر فأكثر حتى لتكاد تعم في كل مكان، وينطبع الوضع بطابع سقوط عام يشمل النظام والثورة، سيهزم فيه من يسقط أولا، وسيكون المنتصر هو الطرف الذي لا يحقق انتصارا بل يؤجل سقوطه إلى ما بعد سقوط خصمه. في أجواء وجود وانتشار»الإمارات الامنية»، لا يكون من المستغرب، بل من الطبيعي، ان نكون وصلنا إلى هنا، وأن لا يقف أحد في طريق قطاع طرق يسمون أنفسهم «جيشا حرا «، والجيش والحرية منهم براء، ولا يستطيع احد فعل شيء ضدهم، بما أن محلية تنظيماتهم تحميهم وتجعلهم قادرين على تعبئة قوات يمكن أن تقاتل أية جهة تحاول كبح جماحهم وحل كتائبهم أو منعها من التشبيح. وللاسف، فإن «الجيش الحر» يفتقر الى قوام منظم أو مستقل يتيح له التصدي لهم، بعد أن غدا ضباطه ورجاله مجرد تجمعات صغيرة استشارية الوظيفة مبثوثة في بحر من مسلحين مدنيين، لا سلطة لاحد عليهم غير قادتهم المحليين، الذين يقودون تشكيلات مؤدلجة وممذهبة وعلى قدر مخيف من التشدد المذهبي والفلتان التنظيمي، فتتوا الثورة الى انشطة جزئية ومحلية، شخصية الطابع غالبا، لا يربطها رابط مع اي جهد مقاوم في بقية أنحاء البلاد، يسمي القائمون بها انفسهم «مجاهدين» رغم انهم لم يجاهدوا ولا يجاهدون خارج مناطقهم، وفي احيان كثيرة خارج أحيائهم وشوارعهم، ويتركون غيرهم يقاتل بمفرده، حتى ان كانت هزيمته تمهد لهزيمتهم، كما حدث مرات متكررة في حمص وادلب، حيث حالت محلية «امير يحرب» دون سقوط «وادي الضيف» الاستراتيجي، وتسببت بالاحرى في سقوط اعداد هائلة من قتلى تنظيميهما المتنافسين، اللذين تبادلا التخلي عن مواقعهما وتركاها للشبيحة والامن، دون أن يقول أحد كلمة لوم او عتاب لهما، او يبعدهما عن مكان صار اليوم ملكا لهما لا يجد غيرهما في نفسه الجرأة على الاقتراب منه او الدخول اليه. هل نستغرب بعد هذا أن يسلم كبار ضباط «الجيش الحر» قيادهم لامراء حرب محليين مدنيين، وأن يكون بين نواب رئيس الاركان دهان وقصاب وكومجي، وأن يقع تبرير هذا الواقع المخيف عبر حجة سخيفة تقول: إن المدنيين هم الذين اطلقوا الثورة ولا بد من إبقائها في ايديهم باعتبارهم اصحابها، فكأن الثورة ملكية خاصة لهم من غير الجائز التدخل فيها لغير أصحابها، مهما أخطأ هؤلاء و«خبصوا» واعتدوا على المواطنين واختطفوهم وفرضوا عليهم الاتاوات وقمعوهم واخضعوهم عمليا للاحكام العرفية وحالة الطوارئ.

لا احد يستطيع انتزاع المقاومة من ايدي الذين «يتسلبطون» عليها من أمراء حرب يعلم الله وحده أن معظمهم لم يكن على علاقة بالثورة في طورها السلمي، وأنه لا يرى اليوم في الثورة غير مغانم شخصية يحصل عليها بطرق كالتي استخدمت في اختطاف المطرانين المسالمين وآلاف السوريات والسوريين المساكين، الذين ظنوا أنهم سيخرجون من الظلم بخروجهم من النظام وعليه، فوقعوا في ظلم لا يقل فظاعة عنه، لانهم وقعوا بين أيدي نصابين ومرتزقة غدوا أمراء حرب، يتحكمون بإمارات أمنية تقاتل الشعب ولا تقاتل النظام، يكمل نشاطها جرائمه ضد الشعب.

ستهزم الثورة السورية او سيكون انتصارها محدودا وبعيد المنال، إذا ما استمر وضعها الراهن، وتواصلت سيطرة أمراء الحرب على إماراتهم الأمنية. ومن يتابع ما يقوله كثيرون داخل سوريا سيجد في نفسه الشجاعة ليقول: إن الناس اخذوا يشكون في نزاهة كثير من الذين يسمون انفسهم «ثوارا»، ويخشون ان يصير موتهم مجانيا وتذهب تضحياتهم هباء.

 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المعارضة السورية المسلحة.. التعدد والتنافس

حسين العودات

البيان

الاثنين 29/4/2013

بقيت الانتفاضة (الثورة) السورية سلمية حتى مرور ستة أشهر على انطلاقتها، وكانت السلطة طوال هذه المدة، بل ومنذ اليوم الأول، تواجهها بالرصاص الحي والعنف واعتقال نشطائها وتعذيبهم حتى الموت أحياناً، ونزل الجيش السوري للشوارع لتطبيق هذه السياسة، وقد استفزت سياسة السلطة وإجراءاتها ضباطاً وجنوداً في الجيش السوري فرفضوا المشاركة.

ثم ما لبث بعضهم أن انشق عن الجيش النظامي، وتجمع هؤلاء الضباط والجنود وشكلوا نواة لمقاومة مسلحة، وسموا أنفسهم الجيش الحر، وأخذت أعدادهم تتنامى وتكبر، وكذلك عملياتهم العسكرية، وأعلنوا أن هدفهم هو حماية المدنيين، والتحق بهم مناضلون مدنيون ممن تعرضوا للقمع والعنف، ثم انبثق عن هذا التنظيم العسكري تنظيمات عديدة، بأسماء متعددة، وقد تأثرت هذه التشكيلات العسكرية بأمرين: أولهما مساعدة دول أجنبية لبعض هذه التشكيلات وكسب ودها، ومدها بمساعدات مالية تؤهلها للاستمرار وامتلاك السلاح، إضافة إلى مشاركة بعض التنظيمات السياسية السورية في عملية إنشاء تنظيمات مسلحة أو دعمها.

وخاصة الإخوان المسلمون وبعض التيارات السياسية الإسلامية، وثانيهما أنه خارج هذا الإطار تأسس تنظيم عسكري في سوريا في فبراير عام 2012 سمى نفسه (جبهة النصرة) انتمى فيما بعد لتنظيم القاعدة، وانضم إليها مقاتلون غير سوريين، ولكن بقي عدد السوريين فيها يزيد على (90%) من تعدادها المقدر بستة آلاف مقاتل.

بلغ عدد الفصائل السورية المعارضة المسلحة (الفعّالة) أكثر من إثني عشر فصيلاً، أهمها (الجيش السوري الحر)، الذي يضم غالباً 60% من عدد المقاتلين أو أكثر قليلاً، وهو ذو توجه وطني بعيد عن التعصب الديني أو المذهبي، وأهدافه المعلنة إقامة نظام ديمقراطي مدني تعددي.

ويحاول أن تكون جميع التنظيمات الأخرى المسلحة تحت مظلته.

وقد شكل مجلساً عسكرياً أعلى بهدف أن ينضم إليه الجميع. ومن التنظيمات الأخرى (جبهة تحرير سوريا الإسلامية) وهي حصيلة اتفاق بين أربع مجموعات مسلحة على رأسها لواء الإسلام، وتنتمي إلى تيار إسلامي معتدل، و(جبهة الفاروق) وهي جبهة مستقلة غير متطرفة، وجبهة (أحرار الشام) وتضم مقاتلين سلفيين، وتهدف إلى إقامة نظام إسلامي في سوريا.

 وهناك لواء (أحفاد الرسول) وهدفه إسقاط النظام ومحاكمة المرتكبين فقط، ولا يضع من بين أهدافه إنشاء دولة إسلامية في سوريا، و(كتائب صقور الشام)، وهي من أقدم التنظيمات المقاتلة، حيث تأسست في منتصف عام 2011، وتهدف لإقامة حكم إسلامي في سوريا، لكنها تشدد على احترام حقوق الأقليات الدينية والمذهبية، وعلى التسامح معها.

أما تجمع (أنصار الإسلام) فقد تأسس في منتصف عام 2012 وهو حليف للجيش السوري الحر، ويرفع العلم الأسود للتدليل على انتمائه الإسلامي، وتتركز نشاطاته في دمشق وريفها، وأخيراً هناك (جبهة النصرة) التي أعلنت مؤخرا تبعيتها للقاعدة، وقد ظهر نشاطها للمرة الأولى في مطلع عام 2012.

باستثناء هدف إسقاط النظام، لا يجمع هذه التنظيمات العسكرية هدف آخر، سواء تعلق بأسلوب النضال أو طرق إسقاط النظام، أم الموقف من المفاوضات السياسية، أم ما يتعلق ببنية النظام المقبل لسوريا، وعلى ذلك بقي كل من هذه المجموعات المسلحة يغني على ليلاه، ويعتبر نفسه هو الجدير بتحقيق الانتصار، وتكاد هذه المجموعات تتقاسم الأرض السورية، فكل منها يعمل ضمن مساحة تكون فيها هي الأقوى والأفضل تسليحاً.

وقد عمد بعضها في المنطقة التي يتواجد فيها، إلى تشكيل إدارة محلية، وشرطة ومحاكم شرعية، وحاول بعضها الآخر فرض سلوك على الناس قرره دون استشارتهم ولا رضاهم، مما أدى في بعض الأحيان إلى صراعات مسلحة، بين هذه المجموعات، أو بين المجموعة التي أرادت فرض هذا السلوك، وبين السكان الذين رفضوا استبدال نظام قمعي بنظام قمعي آخر.

حاولت قيادة الجيش الحر، وبعض التنظيمات السياسية أن تتوصل هذه المجموعات المسلحة إلى قيادتة موحدة، وتنفذ استراتيجية وخططا عسكرية موحدة، كما ضغطت عدة أطراف على هذه المجموعات لتتوحد، ولكن لم يتحقق ذلك، وبقي تعدد هذه المجموعات قائماً وبعثرتها سائدة، سواء في العمليات العسكرية أم بالأهداف الاستراتيجية (باستثناء بعض التنسيق أو التشارك في بعض العمليات)، والأسوأ من هذا كله أن التواصل بينها وبين الفصائل السياسية يكاد يكون معدوماً، سوى أن بعضها يستمع لتمنيات الجهات الممولة له أو الداعمة.

وفي الخلاصة لم تنجح الجهود لتحقيق التوحيد بين هذه المجموعات، أو إيجاد صلة تحقق نوعاً من قبولها لقرارات الفصائل السياسية، وبقيت بذلك المعارضة السورية تشكل طرفين منفصلين تربطهما روابط واهية، دون الوصول إلى كيان له قيادة سياسية، وقيادة عسكرية تأتمر بأمرها.

وتنبغي الإشارة إلى أن عدد المقاتلين في هذه الفصائل مجتمعة، ربما يصل إلى حوالي 150 ألف مقاتل، وأن الجيش الحر هو الفصيل الأكثر تنظيماً والأقوى عسكريا، والأكثر قبولاً لقيادة السياسيين والعودة إلى ثكناته بعد انتصار الثورة، كما أنه لم يتورط بأية ارتكابات أو مخالفات كبيرة، ولذلك كسب احترام الجميع.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

كفى لعبا... من يحمي الأكثرية في سورية؟!

خالد هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 29/4/2013

بعد أكثر من عامين على همجية آلة القمع الأسدية التي أحرقت الأخضر واليابس في معظم سورية استجابة للمحتل الصهيوني وأعداء العروبة والإسلام لم يعد الحديث عن فكرة حماية الشعب المذبوح ذا جدوى فالذي يراد منه أن يكون الحامي هو هو الحرامي الذي لا يدخر جهدا مهما كان نوعه وتحت أي ذريعة كي يسرق وينهب ويحرز مصالحه الدنيئة على حساب حقوق الناس ودمائهم، ويجب أن لا ندس رؤوسنا في التراب إخفاء لهذه الحقيقة وتدسيم بعض ما عرض ويعرض علينا من أفكار بل وألاعيب من خصوم الشرق والغرب ناسين قول عمر رضي الله عنه: لست بالخب ولا الخب يخدعني، فكل ذلك يطحطحنا ويدعثرنا كي نصبح أيادي سبأ، وإن من جملة أهم هذه البروق الخلبية ما نحاول أن نقنع به أنفسنا أننا كثرة ولابد للأكثرين أن يغلبوا الأقلين في النهاية سيما أن الشاعر قال: وإنما العزة للكاثر، وننسى أونتناسى أن مجرد لعبة الكثرة في الحلبة من دون قوة السماء وقوة الأرض الرادعة يلغيها ما حذرنا الله منه كما في غزوة حنين [إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا] (التوبة:25) وأن الفهم السوي هو ما يعلمنا أن القلة الممتنعة بالقوة المادية أو المعنوية أو بهما هي الغالبة في الحياة بظواهر السنن الكونية في الزمان على الوجه الراجح وإذ وجد الاستعمار والصهيونية المتلونان منذ القرن الماضي من يكونون جنودا أوفياء لهما في هذا المجال دون أن تبقى جيوشهما في بلادنا فقد عملا على تمكينهم نيابة عنهما لنعرف حقا أن المعضلة بالمستبد أخطر حتى من المحتل وهو ما أحسسناه زمن زين العابدين في تونس ومبارك في مصر والقذافي بليبيا وصالح في اليمن ولا زال الأسد في الشام ندعكه ويدعكنا حتى يرحل الاستبداد الذي هو أشد من الاحتلال حتما فإن المستعمر لم يشن ما شنه ويقوم به السفاح من غارات ودمار ومجازر تشيب لهولها الولدان ولا مجيب ولا حامي أبدا في البلاد العربية والإسلامية فكيف ببقية العالم أجمع وإن ما يلهى به شعبنا مما لا يسمن ولا يغني من جوع في الداخل والمهجر إنما هو مجرد مسكنات لذر الرماد في العيون وستر السقوط الأخلاقي المريع الذي مني به المجتمع الدولي أمام هذه الثورة الفاضحة الكاشفة أكاذيبه وألاعيبه حيال بلدنا المكلوم وإن المخلصين من العلماء والمفكرين والساسة يعرفون جيدا أن من أنبل العظائم في هذه الثورة أنها تجاوزت كل الحساسيات المفترضة في نسيج شعبنا العظيم وخصوصا مسألة الأقليات حيث تناغمت معها كما هي تماما عبر التاريخ المديد فكانت "الجمعة العظيمة" عن المسيحيين و"جمعة صالح العلي" عن العلويين إلى أن وصلت الجمعة السابقة إلى عنوان "حماية الأكثرية" أي الطائفة السنية المكون الأساسي في البلاد لتعلم القاصي والداني أنه في عهد حافظ القاتل أمس وبشار الجزار اليوم لم تكن البتة دولة وطنية بل سلطة وطغيان وعصابة تطييف عائلية أقلوية، وإن الذي تم اللعب به على وتر المواطنة ما كان إلا لتحقيق مصالحهم الضيقة ونحن كسوريين يعرف الصغير منا قبل الكبير كيف دام التمييز الدنيء الفاضح في كل مرافق الحياة على هذا الأساس مع طائفة المنافع بل الايديولوجيا معها، وطبعا فقد قرب من أهل السنة من تماهى معهم ولو في الحكومة تزييفا ولعبا على الشعب، ولكن بدلا من أن تستغل هذه الأقلية بشيئ من الفهم دين الأكثرية وعروبتها ألغت اسم المذهب من جوازات السفر وتحالفت مع إيران ضد العراق وهي تدعي نصرة القومية العربية مع أنها منها براء، وبحجة الممانعة والمقاومة سلمت الجولان للصهاينة وقتلت من العرب اللبنانيين المسلمين والمسيحيين ونكلت في تل الزعتر وسواه بالفلسطينيين ونسائهم بشنائع فظيعة وذلك خلال وصايتها على لبنان مدة ثلاثة عقود، وانحاز معها الحزب القومي السوري اللبناني المؤيد للأقليات وذو الشعارات الفارغة من محتواها وقد قاتل ضد الثوار الآن مع جنود حزب نصر الله المصطف مع الظالم ضد المظلوم ورفع بندقية ولاية الفقيه في إيران، فيا للعجب من هذه المقاومة العلمانية القميئة والفارسية الحاقدة التي فضحت بتصريح أحد كبارها أن سورية هي المحافظة الخامسة والثلاثون في إيران وأنه لا إيران بغير سورية، وإننا نتذكر منذ كنا شبابا وعقد القاتل حافظ أسد مع إيران تحالفا استراتيجيا أنه سيكون وارء الأكمة ما وراءها من خطر داهم مستقبلا وهو ما نراه اليوم.

 

وإننا نقول للعرب في هذا الصدد ما قاله الباحث رضوان السيد: إن بقاء المشرق العربي مرهون بانتصار الثورة السورية أو قد لا نرى عربا وعروبة بعد ذلك. وإن فكرة الانفصال عن العروبة إنما حدثت هزتها بانفصال سورية عن مصر على يد ضباط من الأقليات عام 1961م ثم الانفصال عن العروبة والإسلام في الثامن مارس عام1963  لمعاداة الأكثرية العربية السنية وليصبح حافظ بعدها عام 1970 الرئيس غير السني المسؤول عنها وعن حماية الأقليات المسيحية والعلوية والدرزية والكردية كما زعم، ولكنه وعصابته استأثروا بالحكم في الداخل ولم يسعوا أبدا لتحرير الجولان ولا كذلك ابنه وعصابته رغم الشعارات الدعائية وأنى للشركاء أن يتخاصموا؟ وبقيت هذه الطغمة من القلة تظلم وتقهر الكثرة الكاثرة على كل صعيد وكانت السيدة أمريكا تعمل على تعديل سلوكها في النظام لا تغييره كما تفعل اليوم تماما وتبيع الحمقى وبعض من ينسبون إلى السياسة كلاما معسولا، كما ظل الأب والابن ضمن لعبتها على تحالف مع روسيا في عهديها السوفيتي والاتحادي، إن المهم لدى اسرائيل وأمريكا وايران وروسيا ليس إلا إلغاء الهوية السورية الوطنية الدينية وخصوصا من الأكثرية ولو أدى إلى الدخول في مشاريع التقسيم التي تحفظ عبيدها المستبدين، وبذلك يكون السعي لجعل الأكثرية أقلية، ولا ننسى في هذا الصدد ماذا كان يقال للسجناء من الأكثرية من قبل الأقلية العلوية: أنتم أكثر منا بكثير ولكننا سوف نجعل الألف منكم واحدا، وهكذا يعملون اليوم بسلاح الدم والسجن والتشريد والتدمير لبنى سورية التحتية وإرجاعها كما كانت فرنسا تريد أن تبقى دمشق وحلب كيانين ثم يجري التقسيم، ولكنها لم تفلح وقت ذاك لتناقضات عشائرية معروفة ووجود التمسك القوي بالدين وظهور جهاد وجهود رجال عظماء حالوا دون المؤامرة، وإن ثورتنا المجيدة ستفوت مكر الجميع بعون الله وتعتمد على النفس والخبرة وإسناد الدول العربية .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

محطّات غير مرئيّة على الطريق السوريّ

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 30/4/2013

في عموم الأنظمة الاستبداديّة يقول المعارض رأيه بالمواربة، أو يوصله همساً من وراء ظهر الحاكم المستبدّ. ويمكننا اليوم أن نقرأ ارتجاعيّاً مواقف سوريّة مناهضة للنظام حيال المسائل غير السوريّة التي كان رأي النظام منها معروفاً. بل يمكن القول إنّ تلك المواقف تقبل الربط بالعاطفة الأكثريّة التي اتّسمت بها الثورة السوريّة اللاحقة، تماماً كما ترتبط مواقف النظام في عمومها بالعاطفة الأقليّة.

لكنْ إلى هذا، تقول تلك المواقف حيال جملة المحطّات غير المرئيّة كيف كانت أكثريّة السوريّين تنفصل تدريجاً عن ترسيمة النظام الإيديولوجيّة، أي عن التركيبة العسكريّة والرطانة الاشتراكيّة والصداقة مع الاتّحاد السوفياتيّ ووريثته روسيا.

وربّما أمكن الاستدلال على هذا الافتراق في الموقف من حرب أفغانستان بين السوفيات تؤيّدهم الأنظمة العسكريّة البيروقراطيّة وبين «المجاهدين» المدعومين من دول الغرب والخليج وعموم المسلمين. وهو اصطفاف لا يمكن إلاّ أن يذكّر بالاصطفاف الراهن حيال الثورة السوريّة نفسها.

وفي الحرب العراقيّة – الإيرانيّة على مدى الثمانينات، وقف النظام البعثيّ إلى جانب طهران الخمينيّة، مخالفاً عموم المواقف العربيّة، فيما كانت العواطف الشعبيّة تميل إلى بغداد الصدّاميّة، مثلها مثل عمّان وباقي عواصم العالم السنّي. والاصطفاف هذا من دون أن ينفع أيّاً من وجهتي النظر أخلاقيّاً وسياسيّاً، نمّ عن أسبقيّة عادت لتتكرّر اليوم مع وقوف «سوريّة الأسد» وحيدة في مقابل إجماع عربيّ عريض.

وفي الحرب الأهليّة في الجزائر، أوائل التسعينات، لم يُخف النظام السوريّ تعاطفه مع شقيقه النظام العسكريّ و «التقدّميّ» الذي عطّل الانتخابات، حائلاً دون السيطرة «الهمجيّة» لـ «جبهة الإنقاذ» وباقي قوى الإسلام السياسيّ المسلّحة. وهنا أيضاً عناصر شبه لا تخطئها العين.

ثمّ في حرب صربيا والبوسنة، في التسعينات، وقف النظام قريباً من صرب ميلوشيفيتش، وريث تيتو وحليف الروس، فيما تُرجم تأييد صربيا، في المشرق العربيّ، دفاعاً عن حقّ الأقليّات المسيحيّة الشرقيّة، وذلك في معزل عن حقّ البوسنيّين المسلمين وعن رغبتهم في الاستقلال عن بقايا الإمبراطوريّة اليوغوسلافيّة. وكانت الحجّة الجاهزة أنّ الغرب الأميركيّ والأوروبيّ، الامبرياليّ طبعاً، يدعم البوسنيّين. وهذه أيضاً مسائل تعود اليوم إلى صدارة السجال السوريّ بأسماء وعناوين مختلفة.

امّا في لبنان، فلم يكن مصادفاً أنّ عواطف الشعب السوريّ، في 1976، كانت مناهضة تماماً لتدخّل النظام يومذاك ضدّ المقاومة الفلسطينيّة، تماماً كما كانت مناهضة له في 2005، حين اغتيل رفيق الحريري واتُّهم القيّمون على أمور دمشق بذلك. وإذا ما استعنّا بقاموس التأويل تبعاً للأكثريّات والأقليّات، وهو قد بات اليوم قاموساً عامّاً وصريحاً، أمكننا أن نفكّ الكثير من ألغاز الموقفين والمعارضتين.

صحيح أنّ معارضي النظام السوريّ لم يعبّروا، ولا كان ممكناً أن يعبّروا، عن عواطفهم، بالوضوح والصراحة اللذين اتّسم بهما تعبير النظام عن عواطفه، لكنْ ما من شيء يوحي أنّهم كانوا يقفون مع النظام في تلك المسائل البعيدة، وهذا قبل سنوات على صدامهم المباشر به في المسألة المباشرة. ففي أمكنة أخرى، وبأسماء مختلفة، جرى الصراع قبل أن يجري في درعا وحمص وحلب.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أي حل سياسي؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 1/5/2013

إذا افترضنا جدلا أن المسألة السورية لن تحل إلا سياسيا، كما تقول الدول الكبرى. وافترضنا أن الحل السياسي في متناول اليد وليس حلما بعيد المنال واستحالة شبه تامة، وصدقنا مع الأميركيين والروس أن جهودهم ستنجح في تحقيق حل سلمي سوري، هل يعني هذا كله أن الحل سيكون واحدا بالنسبة إلى النظام والمعارضة، أم أنه سيكون هناك حلان: واحد يخدم النظام وربما بشار الأسد شخصيا، وآخر ضده؟

في ظل العجز الغربي القائم، والروح الهجومية الكاسحة التي يتحلى بها الروس والإيرانيون، لن ينتج الحل عن النوايا الطيبة والتفاهمات السياسية، بل سيكون، كأي حل بين قوى متصارعة، نتاج موازين القوى القائمة على الأرض، نتاج العلاقات الأميركية - الروسية وعلاقات القوى السورية الداخلية، التي تعينت منذ بدء الأزمة بعوامل رئيسية منها تراخي وسلبية الموقف الغربي وتصلب وهجومية الموقف الروسي - الإيراني، وتصميم النظام الأسدي على الحل الأمني - الإجرامي، والمجتمع السوري على الحرية، وتاليا المقاومة وتحرير الوطن من الكارثة التي يجسدها نظام فرض عليه منذ خمسين عاما ونيف.

لا بد لنجاح حل سياسي من شرطين؛ أولا: تبدل جدي في سياسات الغرب والشرق السورية، بحيث تصير الأولى أكثر هجومية والثانية أقل عدائية وتصلبا حيال الشعب السوري المظلوم، وثانيا: تغير في موازين القوى الداخلية بين النظام والمقاومة، وإلا جاء الحل لصالح النظام، في حال تم التوصل إليه في الوضع الحالي، ووجدنا أنفسنا أمام سؤال آخر محير سيطرحه علينا موقف الغرب ونوع الحل هو: إذا كان صحيحا أن بشار الأسد يجب أن يرحل، كما يقال في واشنطن ولندن وباريس، هل يكفي لرحيله المطالبة به أم يجب إحداث تغيير جدي في موازين القوى لصالح المقاومة، من شأنه إجباره على الرحيل وتحقيق الحل الذي يريده الشعب؟ وإذا لم يتقدم الغرب باتجاه إحداث هذا التغيير، ما معنى الكلام عن حل سياسي لمصلحة النظام ورئيسه، الذي بدل أن يرحل سيبقى في السلطة ليعيد ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة عام 2014. كما هدد السوريين أكثر من مرة؟

هناك حلان سياسيان في سوريا: واحد يريده الشعب وآخر النظام، فعن أي حل سياسي مجرد ولا هوية له يتحدث ساسة الغرب عامة والأميركيون خاصة؟ وإذا كان نمط الحل سيتعين بعلاقات القوى على الأرض، وكان الروس والإيرانيون في حالة هجوم والمقاومة وبقية العالم في حالة دفاع، ألا يكون من المنطقي القول: إن الحل الحقيقي الذي سيفرض نفسه لن يكون لصالح شعب سوريا، الذي لم يقدم طوفانا من الدماء والدموع كي يقبل في نهاية الأمر حلا في مصلحة نظام يدمره ويقتل بناته وأبناءه دون هوادة منذ عامين ونيف؟ ألا يكون السوريون مجبرين في هذه الحال على رفض حل يبقيهم مستعبدين، ولا يبقى لهم من خيار غير مواصلة نضالهم في سبيل مخرج يحقق حريتهم ويضمن رحيل حاكم قاتل لن يقبلوا استمراره في السلطة تحت أي ظرف؟

لا يجري ساسة الغرب هذه الحسابات ولا يتفهمونها عندما يواجهون بها. لذلك يكتفون بترديد كلمات عامة عن حل سياسي هو الممكن الوحيد، يضعونه في مقابل حل عسكري مستحيل في نظرهم بنسبة 100%، تنبع استحالته في نظرنا نحن من سياستهم المتحفظة والدفاعية وسياسات الروس والإيرانيين الهجومية. يبرر الغرب موقفه من الحل العسكري باحتمالاته التي يرجح أن تخرج عن السيطرة، كأن سياسات النظام وحلفائه تحت السيطرة، أو كأنها لم تتسبب في خروج الوضع كله عن السيطرة، ودخول قوى متنوعة إلى الصراع تطيفه محليا وإقليميا، على عكس ما كانت السياسات الغربية والروسية تقول: إنها تستهدفه، ألا وهو الحؤول دون حضور التطرف إلى الساحة السورية ودون قيامه بدور فيها. ثم يقال لنا بعد هذا كله وبإلحاح متعاظم: ليس هناك حل عسكري ولا بد من حل سياسي، علما بأن أحدا لا يعرف متى سيكون الثاني، ونعرف كلنا أن الأول ممكن التحقيق إن حصلت المقاومة على أسلحة نوعية ضد الطيران والمدرعات. أليس من حقنا، في هذه الحسابات، أن نشكك في سياسات الغرب عموما وأميركا خصوصا حيال الأزمة السورية، وفي نوايا قيادتيهما، التي أثارت ريبتنا منذ أيام الثورة الأولى، وجعلتنا نميل إلى اعتبارها نوايا مراوغة في أقل تقدير، تعادل في نتائجها أي سياسات مراوغة ومتواطئة على سوريا وثورتها؟

هناك حلان سياسيان للمعضلة السورية. إذا كان الغرب يريد الحل الذي يخدم الشعب، عليه المبادرة إلى تغيير ميزان القوى العسكري والسياسي لصالح الشعب السوري الثائر، والانتقال من سياساته الرخوة والمتوجسة إلى سياسات صلبة وهجومية نعرف جميعا أنه قادر عليها، وأن الروس لن يمتلكوا ما يواجهونها به، وأنهم سينفصلون عن الأسد، ولن يجدوا مفرا من إجبار نظامه على قبول حل يطيح به، ويقبل انتقال سوريا إلى نظام ديمقراطي بديل، هو حلم السوريات والسوريين ومطلبهم العادل!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل نضجت شروط الحرب الأميركية في سورية؟

غازي دحمان *

الحياة

الاربعاء 1/5/2013

ليس استخدام الأسلحة الكيمياوية من قبل النظام السوري هو السبب المباشر الذي جعل الولايات المتحدة الأميركية ترفع مستوى نبرتها التهديدية ضده، فإذا كانت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل قد كشفت الأمر مؤخراً، فإن واشنطن تعلم به من لحظة تجهيزه وإعداده للاستخدام وتحريكه، وليس في الأمر سر، فقد سبق أن صرح البنتاعون الأميركي أنه يعرف أين تحركت الأسلحة الكيماوية وأين جرى تخزينها.

الجديد في الأمر هو أن دائرة الحدث السوري جرى إقفالها على تطور شبه وحيد حتى اللحظة، وهو السير الحتمي باتجاه الحرب، ربما ليس غداً، لكن لم يعد هناك مفر منها. لم تترك روسيا وإيران سبيلاً لغير هذا الاحتمال. هجومهما الكاسح مؤخراً أصاب كل الأطراف بالذعر، والانتظار بات يعني تركهما تهندسان المنطقة على هواهما، والسكوت صار بمثابة انتظار الموت، كل طرف وفق وضعه وظروفه.

الضوء الأخضر أتى من إسرائيل أخيراً، فبعد أن رفضت هذه الأخيرة بشدة التدخل ضد نظام بشار الأسد، على اعتبار أن ما يحصل يشكل هدية مجانية لإزاحة سورية من معادلات القوة المستقبلية في الشرق الأوسط، اكتشفت قياداتها أنها بالغت في هذا التقدير الذي يستثني من حساباته المخاطر والسلبيات. تقدير ساذج يبنى على العواطف أكثر من الحسابات العقلية، لتجد إسرائيل بعدها أن سورية «تتحول بسرعة إلى ثقب أسود يمكن أن يمتصنا ويبقينا منشغلين لسنوات طويلة مقبلة»، وفق تصريح مسؤول إسرائيلي.

عملانياً، بتنا أمام اعتبارات كثيرة تتحكم بهذا المسار، منها: اكتمال بناء إدارة اوباما، مما يعني أنها باتت قادرة على تقدير موقف صحيح من الوضع في الأزمة وقدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه وخاصة في ظل وجود مناخ من الشك يخيم على أغلب المؤسسات الأميركية، من الدفاع إلى الخارجية والكونغرس، وحتى في البيت الأبيض نفسه من سياسة أوباما الانتظارية وجدواها.

ولعل ما يعزز هذا الاحتمال توجه الإدارة الأميركية إلى بناء وتجهيز البنية التحتية الأساسية للحرب في المنطقة، ومنها تأكيد جهوزية البنتاغون لمثل هذا الاحتمال، إذ هو أتم وضع خطط عسكرية تتراوح بين شن عمليات كوماندوس أميركية داخل الأراضي السورية للسيطرة على مخزون الأسلحة الكيماوية، إلى قصف الطائرات والمطارات العسكرية، وصولاً في وقت لاحق إلى إقامة منطقة حظر جوي قرب الحدود الأردنية.

يتزامن ذلك مع قيام واشنطن بتعزيز شبكة تحالفات واسعة مع دول الإقليم المعنية بالحدث مباشرة والتي قد تلعب أدواراً معينة في المرحلة القادمة، سبقها بعض الإجراءات التقنية الضرورية، مثل نصب صواريخ «باتريوت» في تركيا وإعادة بث الروح في التحالف التركي–الإسرائيلي، فضلاً عن تجهيز البيئة اللوجستية في الأردن لكي يكون قادراً على استيعاب القدرات الحربية اللازمة للمعركة.

لكن ما الذي أدى إلى مثل هذ ه النقلة في السياسة الأميركية، وما هو الأمر الذي أدى إلى رفع درجة الخطر في الأزمة السورية إلى هذا المقدار؟ لعل أهم الأسباب وراء ذلك يتمثل بوجود تحول في إدراك البيئة الداخلية للأزمة السورية، شكلت رافعة مهمة لهذه النقلة الأميركية، وقد لوحظت مسارعة أعضاء الكونغرس من الحزبين معاً إلى التأكيد على تغيير المعادلة في سورية، إذا تبين استخدام غاز الأعصاب، بل حتى الرأي العام يوحي بأن تغيراً في المزاج العام تجاه الحرب بدأ يظهر وفق العديد من استطلاعات الرأي.

إضافة الى ذلك، تكونت لدى الإدارة الأميركية رؤية دقيقة وتصور أكثر شمولية عن الحدث وطبيعته، فقد كان واضحاً حجم الانخراط الديبلوماسي الأميركي في الحدث السوري والذي استغرق أكثر من ثلاثة أرباع نشاط وزير الخارجية جون كيري، حتى أنه تمكن تسميته بوزير خارجية الأزمة السورية.

فضلاً عن ذلك، فإن أفق الأزمة بات أكثر وضوحاً بالنسبة إلى صانع القرار الأميركي، كما أن تكشف خريطتها بشكل نهائي سهّل قراءة مآلاتها وخاصة على الأمن الإقليمي، وربما الأهم من كل ذلك وصول واشنطن إلى قناعة بأن الأزمة السورية هي من نوع الأزمات المغلقة التي لا تنطوي على ممكنات كثيرة لإجراء صفقات، إن على المستوى الداخلي (بين النظام وخصومه) أو على المستويين الإقليمي والدولي مع روسيا وإيران، مع توضّح حقيقة أن ما تطرحه هذه الأطراف لا يعدو كونه إخراج أميركا من دائرة التأثير في هذه المنطقة، والمقابل لذلك عدم استمرار استنزافها كطرف جريح لم يشفَ بعد من تدخلات خارجية في أفغانستان والعراق.

لم يعد خافياً على أميركا وغيرها أن روسيا وإيران تسعيان إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ، بما يتطلبه ذلك من إعادة صياغة خرائط المنطقة وإعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي ولو بالنار والحديد عبر الدعم المكثف لحليفهما في سورية وشراء الوقت لتنفيذ مخططاته واستثمار حالة التردد والحذر التي أبدتها واشنطن تجاه الأزمة وإستثمار مخاوفها من انفلات الأزمة إلى حدودها القصوى.

وليس غريباً والحال هذه، أن ما استدعى هذه النقلة الأميركية الغربية هو الاستنفار الروسي-الإيراني في سورية والذي تجاوز كل الخطوط الحمر، ليس باستخدام النظام الكيماوي الموضعي في أماكن متفرقة وإنما هذا الزخم من الهجوم لقمع الثورة السورية عبر أدوات إيران في المنطقة (حزب الله وميلشيات متعددة) لفرض أمر واقع على الأرض وإجبار واشنطن على التفاوض عليه والتكيف معه، ولعل ذلك ما أوحى للأميركيين بمحاولات تغيير قواعد اللعبة أو المس بالتفاهم الضمني مع روسيا باستمرار توازن القوى إلى حين التوافق على مخرج مناسب ومتفق عليه.

العمليات الجراحية التي تسعى كل من موسكو وطهران إلى إجرائها على جسد الشرق الأوسط لتثبيت مكانتهما على المستويين الإقليمي والدولي، وضعت المنطقة في قلب فوضى وأعادت خلط الأوراق بطريقة لم يعد بالإمكان إعادة ترتيبها إلا عبر حرب. ذلك أن العطل الذي أحدثته هاتان الدولتان في نسق النظام الإقليمي بات كبيراً، وما مساعيهما في احتواء مصر «الإخوانية» إلا محاولة لقلب رياح الربيع العربي في مصلحتهما، ما يعني بالمقابل زيادة الإرباك الأميركي في المنطقة وتثقيل عوامل خروجها بالنظر إلى أهمية مصر الجغرافية والسياسية في النظام العربي والشرق الأوسط عموماً.

الأكيد أن واشنطن استنفدت كل فرص المساومة في سورية وإمكاناتها. فرص الصراع الديبلوماسي انتهت بفشل ذريعِ، والمؤشرات تؤكد أن واشنطن بصدد تطوير خيارات أخرى للتعامل مع الأزمة السورية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة السورية والخطوط الحمراء!

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 1/5/2013

منذ الصغر ارتبط اللون الأحمر في أذهاننا بالتحذير والأمور الجدية والتضحية والفداء، فاللون الأحمر في إشارات المرور، كي تقف السيارات عند تقاطعات الطرق، ولون سيارات الإسعاف، أو لون ضوئها على الأقل أحمر، كي يتم فسح الطريق لها لتعبر بسرعة، من أجل إنقاذ حياة أشخاص تحملهم، وهو إشارة أيضا إلى لون الدم الذي يراق سواء في المعارك أو الحوادث.

واستخدم هذا اللون في الشعر العربي عند الفخر والحماسة وتهديد الأعداء، ومن ذلك قول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم متحديا عمرو بن هند:

أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا

بأنا نورد الرايات بيضاً ونصدرهنَّ حمراً قد روينا

وفي مفردات السياسة والإعلام صار مصطلح "الخط الأحمر"، متداولاً للإشارة إلى أمر ينبغي على الأشخاص أو الجماعات أو الدول أو الهيئات عدم تجاوزه، وإلا تعرضوا للعقوبات والأذى، بما في ذلك شن الحرب عليهم، من قبل الأغلبية (المجتمع الدولي) أو طرف قوي.

لكن هذا الخط في عهد الثورة السورية التي يمتد عمرها لأكثر من سنتين امتهن كثيرا على ما يبدو، وصار مائعاً هزيلا، على لسان من يقومون بالتنويه إليه في خطاباتهم من الزعماء والقادة و، لأنه لم يعد يثير في نفوس من يتوجه إليه خوفا أو رهبة، كما يتضح، رغم ما يقوم به النظام المجرم في دمشق من فظائع دموية ومجازر وحشية، تقشعر لها الأبدان، وتدمير ممنهج للبشر والحجر والبنى التحتية.

الشعب السوري منذ بداية الثورة يراق دمه على مذابح الحرية، بدءا من المظاهرات السلمية ومرورا بالقصف الجوي لبيوته وأحيائه وقراه ومدنه، ورغم ذلك لم يجر الحديث عن الخط الأحمر لدى البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي إلا عندما تحدث الثوار والنشطاء عن قيام النظام السوري باستخدام الغازات والسلاح الكيماوي وما شابهه، وكأن دم السوريين الذي سفك لأكثر من عامين بلا لون، أليس هذا عمى الألوان وزيف الخطوط بآن معا؟!

أول من تحدث عن الخط الأحمر كان رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان، كما أذكر، إذ اعتبر أن اجتياح مدينة حماة من قبل النظام السوري خطا أحمر، ثم ما لبث النظام أن اجتاح المدينة التي سبق لها أن تعرضت لمجزرة عام 1982، ولم يفعل أردوغان ولا المجتمع الدولي شيئا، ثم توالى حديث المجتمع الدولي والأمم المتحدة وتصريحات قادة الدول عن الخط الأحمر، لكن ما لبث أن تبين أن هذه التهديدات والخطوط غير جدية أبدا، بل إنها كانت ذات مفعول عكسي على النظام إذ دفعته لارتكاب مزيد من الجرائم، وقتل عدد أكبر من الأبرياء والمدنيين العزل، ومنحته فرصة إضافية للقتل من دون حسيب ولا رقيب.

الإدارة الأمريكية ربما تكون ذات المسؤولية والحرج الأكبرين في تمادي الأسد، فبعد أن استخدم الطائرات والصواريخ وكافة صنوف الأسلحة في قصف واستهداف شعبه، دون أن يثني ذلك الشعب عن مواصلة حراكه الثوري، وتوقع المراقبون أن يستخدم الأسد الورقة المتبقية في يده وهي السلاح الكيماوي، أعلنت الإدارة الأميركية أن الكيماوي خط أحمر، ربما لتداري عن نفسها تباطؤها في حماية المدنيين من حلال توفير الغطاء الجوي، أو المناطق الآمنة، أو تقصيرها في دعم الثوار بالسلاح النوعي.

لكن عندما تواردت الشهادات والتأكيدات المحلية والدولية سواء شهادات السوريين التي خرجت من حمص ومن ريف دمشق مدعمة بالأدلة والصور وموثقة بتقارير الأطباء والمختصين، أو التحقيقات العلمية البريطانية، التي استطاعت أن تحصل على عينات من تربة (خان العسل) وتأكيد استخدام غاز السارين السام والقاتل، أو التي وردت عن طريق الاستخبارات الإسرائيلية، حول استخدام النظام للغازات والكيماوي، وتأكيد انتهاك الخط الأحمر الأمريكي، صرنا نسمع من الإدارة الأمريكية عن أدلة غير كافية عن هذا الاستخدام، وضرورة إجراء مزيد من التحقيقات للتثبت من تورط النظام السوري، قبل اتخاذ أي إجراءات ضده، في حالة أقرب إلى الإنكار، لمداراة الإحراج، والسبب أنها لا تزال تبقي الخط أحمر، وبالوقت نفسه تترك الجاني يسرح ويمرح، مع غمس رأسها في الرمال.

الخط الأحمر المزيف لإدارة أوباما والغرب فيما يتعلق بمواجهة استخدام الأسد للأسلحة الكيمائية، يشبه حديثهم المذبذب عن تسليح الجيش الحر، الذي لم يتم رغم وعود بعضهم بذلك، ثم تراجعهم تحت أعذار واهية.

لا يبدو أن إدارة أوباما ستتخذ إجراء ما ضد كيماوي الأسد، وإذا اتخذت إجراء ما، فهو لن يكون من باب الحرص على أرواح السوريين، الذين يبادون به الآن ـ وإن كان في مناطق محدودة ـ دون أن تحرك ساكنا، وإنما للحفاظ على أمن إسرائيل والخوف من وقوعه في أيد غير أيادي الأسد، لأن الأخير كان ومازال حارسا أمينا هو ومن قبله أبوه لأمن جارتهم ومنع أي اختراق لها.

إن على الثورة السورية أن تعوّل بعد الله على جهود أحرارها وثوارها فقط، لتحقيق الانتصار على طاغية دمشق، وألا تلقي بالا للخطوط الحمراء لأوباما، أو لوعود تسليحها بالأسلحة النوعية، فقد ثبت مراوغة الإدارة الأمريكية والغرب في الأولى والأخرى، لأسباب كثيرة ليس من بينها مصلحة الشعب السوري طبعاً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com