العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05/02/ 2012


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

جمعة (عذراً حماة سامحينا) .. محمد فاروق الإمام

إن أي كاتب مهما بلغ علو كعبه في البلاغة.. وجودة مفردات كلماته في التشبيه والمقاربة والتصوير.. ليقف عاجزاً أمام الذكرى الأليمة (ذكرى مجزرة حماة) التي تعيدنا إلى ما قبل ثلاثين سنة حيث تم جز الرقاب بقلب بارد وشفرة مثلمة الحدين إمعاناً في زيادة الألم، فما عساني أن أكتب عن هذه الذكرى وفي ذاكرتي الكثير والكثير عنها وقد عشت تلك المأساة عن قرب رغم وجودي في المنفى القسري أستقبل الفارين والناجين من تلك المأساة التي تعيدنا إلى ذكريات الألم والحزن التي تصبغ صفحات تاريخنا في مذبحة القدس عندما أجهز الصليبيون على 70 ألف إنسان بين طفل وامرأة وشيخ ورجل في صحن المسجد الأقصى، وإلى مذبحة دار السلام بغداد التي أجهز فيها التتار على نحو مليون إنسان بوحشية لا تدانيها وحشية إلا ما يفعله جزار الشام اليوم، وقد أجهز في فجر هذا اليوم على أكثر من مئتي مواطن بينهم العشرات من الأطفال والنساء والشيوخ والمعوقين ماتوا تحت الأنقاض بفعل القصف البربري على حي الخالدية في حمص.

الذكرى أليمة والحديث عنها وخز إبر.. ولكن وفاء الثوار في سورية لأرواح أولئك الشهداء الذين قضوا على يد الأسد الأب وأخيه، أبوا إلا تسمية جمعة الثالث من شباط بجمعة (عذراً حماة.. سامحينا) رغم ما هم فيه من جراحات ودماء وآلام وأحزان يعيشونها على يد الأسد الابن وأخيه، وهذه مفارقة عجيبة قلما تحدث إلا نادراً، وقد حدثت بالأمس وتحدث اليوم.. بالأمس حافظ وأخيه رفعت الأسد، واليوم بشار وأخيه ماهر الأسد!!

كما قلت الذكرى مؤلمة والحديث عنها ذو شجون.. فقد انجلت ظلمة هذه المجزرة (باعتراف مرتكبيها) عن أربعين ألف قتيل، وخمسة عشر ألف مفقود، واعتقال وسجن ما يزيد على عشرين ألفاً لا يعرف مصيرهم حتى اليوم وبعد ثلاثين سنة أهم في عالم الأحياء أم في عالم الأموات، وتهجير ما يزيد على مئة ألف انتشروا في كل صقع من أصقاع العالم وأقطاره.

وتسوية ثلثي المدينة بالأرض بما فيها من أماكن عبادة (88 مسجداً و4 كنائس) وما تحوي من دور علم وثقافة ورياضة ومستشفيات ومؤسسات ودور حكومة، ومن تراث عريق يحكي أمجاد هذه المدينة التي تعد من أقدم مدن العالم.

ولتقريب الصورة المفجعة للقارئ عن تلك المجزرة البشعة التي تتكرر مثيلاتها اليوم على يد الجزار الابن بشار وأخيه ماهر الأسد، في أجواء صمت العالم وتهربه من تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه الشعب السوري الذي يُذبح منذ أكثر من عشرة أشهر بوحشية على يد النظام السوري القاتل، الذي تجاوز كل الخطوط الحمر التي يمكن أن يتحملها عقل بشر.. أنقل ما رواه لي بعض من تمكن من الفرار والنجاة من تلك المجزرة الفظيعة من قصص مرعبة وحكايات مفزعة ومشاهد مفجعة حلت بهم وبأهلهم ونزلت بمدينتهم...

يقول هؤلاء الناجون:

داهمت مجموعة من الجنود بيت مفتي حماة الشيخ بشير المراد، وأخرجوه من داره مع مجموعة من أقربائه. وأخذوا يضربونه، ويعفرون لحيته بالتراب، وقاموا بسحله، ثم أحرقوه وهو حي، مع غيره من العلماء أبناء الثمانين.

ويحكي هؤلاء أن مجموعة من الجنود طلبوا من الأهالي التوجه نحو سيارات الخبز في طرف الشارع. فأسرع عدد كبير من الأطفال، وكانوا بالعشرات، وحملوا الخبز وقفلوا عائدين، فاعترضهم الجنود، وطلبوا إليهم الدخول إلى الجامع الجديد، وهناك فتحوا عليهم النار، وسقطت الأجساد الطرية، وسالت دماء الأطفال على الخبز الذي كان لا يزال في الأيدي الصغيرة.

وقال هؤلاء أن الجنود كانوا يدخلون إلى الملاجئ، وينتقون الفتيات الصغيرات، ولا يعرف الأهل بعد ذلك عنهن شيئاً. وفي حمام الأسعدية الكائن في منتصف سوق الطويل، وجدت جثث كثيرة لفتيات معتدى عليهن ومقتولات، حيث ذكر شهود عيان أن الجنود أمروا بممارسة الاغتصاب المنظم وألا يتركوهن إلا حوامل، عرايا من ملابسهن.

وقصة أسرة من آل السواس في منطقة الباشورة، اقتحم الجنود منزلها، فقتلوا الزوج، ثم أرادوا الاعتداء على شرف زوجته، فقاومتهم مقاومة شديدة حتى يئسوا منها، فصبوا مادة مشتعلة (المازوت) عليها في أرجاء غرفتها وأشعلوا النار فيها فقضت نحبها حرقاً.

وأن المدارس والمرافق العامة استخدمت كسجون ومعتقلات (كما يفعل النظام اليوم)، وشهدت تلك السجون والمعتقلات مجازر جماعية، منها ما حدث في أحد السجون، إذ دخل اللواء علي حيدر (قائد الوحدات الخاصة) إلى السجن، وخاف المعتقلون في أحد المهاجع مما قد يحل بهم بعد زيارته فهتفوا بحياته، فأمر لهم بطعام وبطانيات. غير أن السجن كان تابعاً لسرايا الدفاع التي يقودها شقيق الرئيس رفعت الأسد، فجاء جنود من السرايا يحملون رشاشاتهم وصرخوا في وجوه المعتقلين بأن "لا قائد إلا الزعيم رفعت"، ثم فتحوا نيران الرشاشات على كل من كانوا في المهجع وهم نحو 90 شخصاً، فقتلوهم جميعاً.

ويروا أن قائد سرايا الدفاع رفعت الأسد أمر في 22 شباط 1982 بالنداء بمكبرات الصوت لإحضار جميع المشايخ ومؤذني المساجد وخدامها من المعتقلين في السجون، وكانوا حوالي 1000 شخص، سيقوا إلى مصيرهم المجهول ولم يعرف عنهم شيء حتى اليوم.

وأن الجنود اقتادوا الشيخ عبد الله الحلاق ابن الثمانين عاما.. اقتادوه من أحد الملاجئ مع مجموعة من أهل الحي.. وطلب منه الجنود ساخرين أن يتلو القرآن، عسى أن يجد الله له مخرجاً! قرأ الشيخ .. لكن الضابط سخر وقال له: "إن ربك لن ينجدك، لقد حانت ساعتك، وسنضعك في جهنم" واقتادوه إلى سوق الحدادين، وسكبوا عليه برميل المازوت، وأحرقوه حياً.

وحتى دكتور العيون عمر الشيشكلي رئيس أطباء العيون في سورية، وعضو مجلس نقابة الأطباء والبالغ من العمر 45عاما لم ينج منهم، فقد عثر على جثته على طريق بلدة (محردة) حيث أخذ من داره في ساعات الفجر الباكر، وأن الوحدات الخاصة قد ألقت بجثته في الشارع بعد أن اقتلعت عينيه، وقطعت بعض أوصاله وهو حي، وقد بدت من تشنجات وجهه مظاهر التعذيب الشديد الذي تعرض له قبل أن يطلقوا عليه النار ويردوه قتيلاً. وهدموا عيادته الطبية بعد أن نهبوها.

 

وتمركزت وحدة من سرايا الدفاع التي يقودها رفعت الأسد في مداخل المستشفى الوطني بصورة دائمة طوال الأحداث، وكان عملها أن تجهز على الجرحى، حيث تكدست الجثث فوق بعضها، وفاحت روائح الأجساد المتفسخة، فكانوا يجمعونها كل يوم في سيارات النفايات، وتنقلها الشاحنات إلى الحفر الجماعية.

وروى بعضهم أن مجموعات من سرايا الدفاع وأحياناً الوحدات الخاصة كانت تقفل شارعاً كاملاً أو حي كامل وتقوم بإخراج الرجال من البيوت ثم يأمرونهم بوضع وجوههم إلى الحائط ثم يطلقون عليهم النار.

هذه الصور البشعة لتلك المجزرة التي نعيش ذكراها تتكرر اليوم على يد الأسد الابن وأخيه وقد تفوقها بشاعة وفظاعة وهمجية، وهم يسابقون الزمن مستفيدين من كل الفرص والمهل التي تقدم لهم من العرب والمجتمع الدولي، والدعم اللامحدود من طهران وموسكو اللتان تنصبان جسراً جوياً بينهما وبين دمشق لنقل الشبيحة والذخائر وشتى أنواع الأسلحة الفتاكة لقتل الشعب السوري المسالم، الذي انتفض مطالباً بالحرية والكرامة والدولة المدنية والتداول السلمي للسلطة، وكل هذا يحصل والمجتمع الدولي عاجز عن اتخاذ قرار يوقف بموجبه شلال الدم الذي ينزف من جسد السوريين منذ ما يقرب من أحد عشر شهراً، كانت حصيلتها ما يزيد على سبعة آلاف شهيد وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والنازحين والمهجرين دون أن يلوح في الأفق أي تحرك يكف يد هذا الجزار عن ذبح شعبه!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلمات إياك أن تقولها .. أبو عبيدة

نقلا عن موقع رابطة العلماء السوريين

شاعت هذه الأيام كتب من نوع :(كلمات إياك أن تقولها) لزوجتك ، لابنك ، لمديرك ،لأبيك أو لأمك لما لها من آثار خطيرة قد لا ينفع معها بعد النطق بها الإصلاح ،وقد خطر في البال أن هناك كلمات لابد من التحذير من قولها في زمن الثورة على الظلم ،لما فيها من تشويه للحقائق ،أو توهين للنفوس ،أو تثبيط للهمم ،فكم من كلمة يفوه بها المرء لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفا ،أو إن لم تهو به هذا الهوي، عُرقل بها- على أقل تقدير- عمل جليل، أوسُدَّ باب من أبواب الخير، ويكفي أنها يلتبس بها الحق بالباطل ، مما يؤثر سلبا في المعركة الدائرة مع الطاغية المستبد الظالم ،وتوقف قائلها بين يدي حساب شديد ، ومساءلة خطيرة هناك في ساحة العدل المطلق حيث يُعرض الخلق على الحي القيوم ،ويجأرالظالمون ” ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها “  نسأل الله العافية .

 ” الكلمة الأولى ” هي :نحن في بلاد الشام ننعم بأمن تحسدنا عليه الأمم منذ أربعين عاما.

أقول :إن الأمن الذي نعيشه حقيقة ناجم عن طباع الناس وصلاحهم في هذه البلاد ،وليس من منجزات الحاكم ، أو نتائج سياسته ،والأمن أمنان :أمن بين الأفراد ، وهذا من فضل الله على الشام ، ومن بركة الصالحين ، وجهود العلماء ،وأمن بين الساسة والشعب ،وهو أمر مفقود في بلدنا منذ أربعين عاماً ، فمن الطبيعي جدا- في هذا الجو الأمني- أن يؤاخذ الواحد منا بجريرة لم يرتكبها ،وكم استباح الحكام و أزلامهم وزبانيتهم وكلابهم المسعورة من حرمات ، وكم أكلوا من حقوق ،ولا قضاء يحاسب ، ولا أحد من المضطهدين يجرؤ على اللجوء إليه ، يطلب الانتصاف ممَّن أكلوه ، إذن ، فالأمن المُدَّعى ، إن كان هناك من أمن في بلادنا ، ليس من فضائل الحاكم ،بل لعل هذا الأخير هو أول من يعتدي على أمن الناس ، فلا يراعي في أحد ذمة ولا حرمة .

و” الكلمة الثانية “ هي : أن من سيأتي بعد هؤلاء ليس خيرا ممن يحكمنا الآن !!

الحقيقة أن هذا القول مفند بلا تفنيد ، ومع ذلك فلنجار القائل الذي يزعم الخيريَّة ، فنقول:ثمة وجهان لهذا الزعم .

 الأول : ما هي الفضائل التي لهؤلاء ، والتي لا يمكن أن يجاريها أحد؟

والثاني :هل خلت الأمة ممن يمكن أن يسوس الأمور بكفاءة وإخلاص ، وبطريقة تحقق العدل والأمن الحقيقي ، لا الأمن الذي رداؤه الظاهر همس ،لا يجرؤ على المعالنة ، لئلا يفهم منه التضجر والألم الممض ، فإذا بالبلاء الذي تفنَّن به النظام ينصب على رأس الذي ارتفعت حرارة همسه في الأسماع ، بل ، وعلى رؤوس أقاربه في أحيان كثيرة ، وصار مصرفا – حتى يصرف عنه السوء- للابتزاز السنوي ، أو الشهري ، بحسب الطاقة المالية!!! أهذه هي المؤهلات التي تخلق بها النظام، ولا نجد لها مثيلا فيما تنجبه النساء !!!! ويخاف المترامون على أحذيته الضياع ؟

فأما فضائلهم المزعومة التي أصحاب الهلوسات الفكرية- وحدهم- يرونها ، ويبعثهم على استنباتها في قرارات نفوسهم ، خوف هالع ممن سيأتي ، فإننا- وبإنصاف- لا نعرف لهم فضيلة واحدة يمكن أن تذكر، ولا إيجابية يشاد بها ، اللهم إلا قضية الممانعة ، وأرجو عدم ارتفاع وتيرة الضحك ، لئلا يستحكم في الضاحك لهذه الخبرية ضحكه ، فإذا به ينتهي مع النفخ في الصور ، ،أجل :هم منذ ظهر أمرهم ، وتمكنوا – بألاعيب لعبوها- من رقبة البلاد ، وأمور البلاد والعباد في تراجع اقتصادي واجتماعي وأمني وسياسي !!

 لقد خربوا الإنسان ، وعملوا بكل خبث على تهديم قيمه وأخلاقه ،وخربوا التعليم ومؤسساته ،وخربوا مرافق البلاد في كل المجالات ،وانظر إذا أردت إلى شيوع الفساد والرشوة وانتشارها ، حتى صارت فطورا وغداء وعشاء لأصحاب البطون المحدقة بالسلطة ، وصار للرشوة تسعيرة معلنة ، إذ لم يعد هناك خوف من أخذها ، بل والمطالبة بها ، خاصة لدى أجهزة الأمن ، عفوا ” الرعب ” المركب ، ،وانظر- إذا شئت- إلى هبوط قيمة العملة ، وهبوط قيمتها الشرائية حتى صارت الرواتب أقرب إلى النكتة المضحكة المبكية ،وقارن بين مدارس اليوم ومدارس الأمس ،وبين جامعات اليوم وجامعات الأمس ،وبين مؤسسات ومعامل اليوم ومؤسسات ومعامل الأمس ،إن شيمة هؤلاء الوحيدة ، والتي لاينكرها هؤلاء ، أنهم انقلبوا على الحكم فانتزعوه انتزاعا ، ثم أخضعوا الناس لما يريدونه بالقوة والحديد والترهيب ،ثم أذلوا العلماء وأكابر القوم من الصناعيين والتجار والمفكرين وأساتذة الجامعات ،ثم ابتلعوا البلاد وما فيها من خيرات ،وقالوا: إنهم يحاربون إسرائيل- أرجوك- لا تضحك ، ولا تنكر، فإذا بها مؤامرة وسخة أدت إلى نكسة حزيران ،وحرب يتيمة بيعت بها الجولان من قبل من سُمِّي ببطل الجولان ، وكأن تسليم المبيع قد تمَّ الاتفاق عليه تحت غطاء الحرب ، لئلا يقال ” بيعت ” والثمن استقرار للحكم ، مدى الحياة ، ولا تزال المساندة حتى اليوم بناء على هذا الاتفاق ، وإلا فما معنى هذه المواقف التالفة من كثير من الدول ؟؟؟ .

ثم ، أليس حراما في بلاد الشام أن يجوع الناس ، ويفتقدون اللحم والفواكه ، في حين تصدر هذه المواد لتباع في الخارج ، وتصب أموالها في جيوب الحكام وأزلامهم من التجار!

أليس حراما ألا يصل للفلاح أكثر من 10 % من سعر المادة التي يزرعها ويرعاها طول العام في السوق !أليس حراما أن يعيش الناس في بلاد الخير في الشتاء على ماتنبته الأرض من الحشائش والأعشاب من سبانخ وملوخية و براصيا وغيرها ، والحاكم وحاشيته يتنعمون باللحوم والفواكه ، ومنها ماهو مستورد ، وبالمنكرات التي يتجرعونها ويحاربون الله عزوجل بها !أم أن ما ذكرته هو من الفضائل التي يوصف بها هؤلاء على أساس أنهم قد فاقوا فيها الآخرين ، ولم يعد هناك نساء يلدن أمثال هذا القرف السلوكي ،أثم يقال بعد هذا :من سيأتي ليحكمنا خيرا من هؤلاء؟

إن الحق الذي لا مراء فيه ، هو أننا قد رأينا من هؤلاء السفلة ألوانا من الخسة والنذالة والإجرام والحقد الدفين مالا يوجد منه أو مثله إلا لدى إبليس نفسه – وحاشاه عن أمثالها- ، إذ لا يبعد أن يكون قد تتلمذ على أيديهم فيها ، وعليه ، فكل ما عدا إبليس يفترض أن يكون أحسن منهم ، وخيرا من خيارهم ، أم أننا نحتاج إلى أربعين سنة أخرى حتى نقتنع بهذه الحقيقة .

و” الكلمة الثالثة ” :هؤلاء قد شبعوا حتى التخمة المحمضة ، ومن سيأتي غيرهم سيكون جائعا ، وسيعود ليسرق من جديد.

وأصل هذه المقولة قصة شعبية تتحدث عن رئيس عصابة أو (شيخ منصر) كانت له جرة يملؤها من الأتاوات التي يأخذها من اللصوص أفراد عصابته ،وأن هؤلاء الأخيرين فكروا أن يعينوا لهم رئيسا غير رئيسهم الذي أحسوا باستغلاله لهم ،ثم عدلوا عن ذلك عندما فهموا أن أياً منهم سيأتي سيملأ جرة فارغة من جديد ،ومن الواضح أننا هنا نتحدث عن رئيس عصابة ولا مانع من تشبيه هؤلاء بعصابة ورئيسها ،ولكن ألا يمكن في عصر صار عصر مؤسسات و ترتيبات إجرائية تشريعية و تنفيذية وقضائية أن تحكم سورية من قبل آخرين هم أفضل من العصابات وعرابيها ؟! أخلت بلادنا المباركة من رجال مخلصين يقدمون على الحكم بعقلية غير عقلية اللصوص والمجرمين ؟! ثم إنه مامن إشارة تشير إلى أن هؤلاء الأنذال قد شبعوا أو اكتفوا أو اقتربوا من الشبع أو الاكتفاء ، فهم من المنهومين الذين تتَّسع بطونهم باتِّساع الرغبة في الأكل !إذ مازالت خيرات البلاد تنهب على عيون الناس ، ومازالت مُخَصَّصات المشاريع تذهب إلى جيوب المتنفذين مرات ومرات ، دون أن يقام منها شيء ،وقصة المسرح القومي ليست ببعيدة ، وقد انتظر قريبا من عشرين عاما حتى يقام بعد أن سرقت مخصَّصاته أكثر من مرة .

أجل :لا يوجد ما يؤكد أن اللص يمكن أن يصل إلى درك من النهب يكتفي به ، ويترك للناس بعد ذلك أموالهم ،وقد عرفت سوريا نفسها رؤساء عاشوا في بيوت متواضعة ، وماتوا ميتات متواضعة ،لم يبنوا القصور ،ولم يعيشوا عيشة الملوك، فما الذي يمنع أن يوجد أمثال هؤلاء الرجال من المخلصين ،بل ليعش هؤلاء في القصور، ولا مانع ، ولكن ليتركوا خيرات البلاد ومواردها للناس يتنعمون بها ، ويدرؤون عن أنفسهم بها آلام الفقر وقرصات الجوع ، وإحباطات الأمل .

أذكر أنني عندما زرت متحف قصر (توب كابي) في استانبول ،وقد عاش فيه السلاطين العثمانيون حوالي 280 سنة قبل أن ينتقلوا إلى قصر( دولما باشا ) رأيت قصراً لا يمثل أكثر من ركن من قصر من قصور هؤلاء الحثالة من أدعياء الثورة من أجل الفلاحين والعمال ،سلاطين آل عثمان وما يروى عنهم من حكايات يقطنون في قصر لا يرضى به وزير من وزراء الثورة ، والمتحف موجود وشاهد إلى اليوم لمن يريد ،فمن قال :إنه لا يوجد إلا السارق والقاتل والطامع ليحكم سوريا إن ذهب هؤلاء؟

و” الكلمة الرابعة ” :نحن- السوريين أو العرب- لا ينفع معنا إلا الحاكم المستبد حتى تستقرالأمور.

من قال إننا قد خلقنا من طينة أخرى غير طينة الشعوب الأخرى التي تناسبهم الديموقراطية و العدل ؟ لقد شهدت سوريا فترة نيابية كانت خيرا ألف مرة مما عاشته في زمن البعث المستبد، ”الشيشكلي ” نفسه ، والذي كان يوصف بالاستبداد استقال من الرئاسة حفاظا على دماء الناس ،و”شكري القوتلي ” تخلى عن الرئاسة لجمال عبد الناصر حرصا على الوحدة ،ثم إن لكل زمان دولة ورجالا ،نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين لم يعد الاستبداد مقبولاً ولا مطاقاً على الإطلاق في الذائقة العالمية ،يجب أن نفهم أن رجالا- كهتلر ولينين وستالين وموسوليني وعبد الناصر وحافظ الأسد- لا مكان لهم بيننا في أيامنا هذه ،فكيف تريدون لبشار “فرخ أبيه الأسد” الذي افترس العباد والتهم البلاد ، أن يبقى وهو و طاقمه ،من أراد ذلك لم يفهم هذه الطبيعة في تغير الزمان وتبدل الظروف.

ثم إن هذا- الذي تقولون إنه لا تستقر أمورنا إلا به- هو الاستبداد ، الذي هو تكميم الأفواه ،وسرقة الأرزاق ،وإزهاق الأرواح ، خاصة في ” باستيل تدمر ” ،والاعتقالات والسجون ،والاغتصابات والمجون ،ووضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب ،هرس الأحلام والآمال ،قتل الشباب كمدا وحسرات ،إشاعة الفاحشة والمنكرات ،إذلال العلماء ،مراقبة المساجد ومحاصرتها ،إغلاق المعاهد الشرعية ،الغلاء والبلاء بكل أشكالهما وأنواعهما ،هل هناك شعب لا تستقر أموره إلا بهذه الطريقة ،إن من يقول هذا ، ويعلل أنه ضريبة الممانعة المسرحية- بالله عليك لا تضحك- وكأن اليهود المغتصبون يذيقون شعبهم الدائم الاستنفار ألواناً من المذلة والقمع بهذه الحجة ، التي سقوطها أقرب من السقوط نفسه ، إذ كيف يمكن أن يمانع شعب أميتت فيه الحياة !!إن من يزعم ذلك حق عليه أن يعيش حياة العبد المستغل ،ولكن ليتركنا نعيش أحرارا لا نعبد إلا الله .

منذ أن انهار جدار برلين ، وبدأت تماثيل لينين وستالين تتهاوى تحت قبضات الثوار ،كانت بشرى بسقوط بقية أصنام الاستبداد على الأرض ،وهكذا توالت السقوطات ،من صدام إلى زين العابدين وسيده بورقيبة من قبل ،إلى مبارك إلى القذافي صاحب الزنقة التي حشرته في المجرور حتى أخرج منه صاغراً مهووساً ، ،وقريباً جدا الأسد الأب ، والابن بصورة رسمية بعد أن فعلها الثوار علنا وبكل بطولة يحسدون عليها ، ويثابون عليها إن شاء الله .

و” الكلمة الخامسة ” :من الذي سيقف في وجه إسرائيل إذا سقط هؤلاء؟

 قلت :ومتى وقف هؤلاء في وجهها ، وهم لا يزيدون عن حراس لوجودها على طول الجبهة الممتدة بين سوريا وإسرائيل،أربعون عاما حيد فيه السوريون بكل إيمانهم ووطنيتهم وقدسية الأقصى عندهم من المعركة مع اليهود بفضل هؤلاء الأوغاد ،الذين لم يكتفوا بذلك بل سرقوا ميزانية الدولة كل هذه السنين عندما خصصوا معدلات عالية جدا منها لجيش لا يفعل شيئا ،وثق لو أن السوريين رفع ما بينهم وبين يهود من حواجز وسدود لما تركوا لها أثرا يذكر، وهذا المعنى الذي يدركه يهود اليوم من وراء دعم النظام عبر الدول التي يهيمنون عليها ،عندما قامت ثورة مصر في يناير 2011 خرج حاخام إسرائيلي على الناس يحذر من ملايين من العرب قد تزحف على إسرائيل تشبه الملايين التي خرجت في الشارع لإسقاط مبارك ،هذه الأنظمة التي حمت إسرائيل- وباسم الممانعة- وحيدت الملايين من المعركة مع اليهود لا يحزن عليها إن سقطت تحت الأقدام ،بل إن زوال إسرائيل مرهون بالقضاء على هذه الأنظمة المنافقة .

و” الكلمة السادسة “:ألا يقول بعض المشايخ إنها فتنة ومؤامرة ، القصد منها تقسيم سوريا.

أقول :هؤلاء المشايخ لهم الله عزَّ وجل،ولكن ما الصلة بين الاعتراض على الظلم ورفض الاستبداد والذود عن أدنى حقوق للإنسان ، وبين تقسيم سوريا ،حتى العلويون أنفسهم ،كثير منهم مع المعارضين الذين ذاقوا الضيم ألوانا وأشكالا ،المسيحي والمسلم والسني والشيعي والدرزي و العلوي والإسماعيلي ، كلهم معا في الشارع ينادون بإسقاط الدولة الأسدية ،لا تقبل ذائقة سوري واحد فكرة تقسيم سوريا ،ولكنها لعبة النظام والمنتفعين به من كل الطوائف يريدون من تقسيم سوريا أن يصبح فزاعة تجعل الناس يرجعون إلى بيوتهم ،سوريا بكل طوائفها تقف في وجه عائلة وحاشية شيطانية، ولن تقسَّم سوريا ،بل لعل الضمان الوحيد لبقائها واحدة أن يعامل الأفراد بوصفهم مواطنين مهما كانت طائفتهم ، وهذا مالم نعرفه منذ أربعين عاما.

و”الكلمة السابعة ” :ألا يمثل تحالف سوريا مع حزب الله الخطر الوحيد في المنطقة على إسرائيل؟

أقول: إن الخطر الحقيقي الوحيد على إسرائيل هو هذه الملايين التي راحت تهدر في شوارع تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا غير مبالية حتى بالموت ،أما تحالف سوريا وحزب الله فهو خطر كبير جداً ، ولكن ليس على إسرائيل وإنما على المنطقة العربية برمتها ، ودول الخليج بخاصة ، من حيث تحقيق حلم الهلال الفارسي الشيعي في المنطقة مع العراق ،إن المعركة التي يخوضها الناس العُزَّل اليوم في شوارع حمص وحماة ودرعا وإدلب والقامشلي هي معركة كل العرب وكل المسلمين أمام الطمع الفارسي الشيعي بالمنطقة كاملة وخيراتها ،ويجب على العرب والمسلمين أن يفهموا أن هذه الحرب التي تجري في (حواري) سوريا هي حربهم ، وأن القضية قضيتهم.

و” الكلمة الثامنة ” :قد يقول قائل: هاهي الطائفية تطل بعنقها من جديد

أقول: لسنا نحن الطائفيين ،إنما هم وأطماعهم السياسية وقد ألبست لباس الدين ،لقد أمضى الشيخ القرضاوي بارك الله في عمره شطرا من حياته في جهود التقريب بين السنة والشيعة ،حتى إذا بدأ التشييع المخطط والمنظم في مصر كان كل ما طالب به ألا يدعى إلى التشيع في البلاد ذات الأكثرية السنية ، وألا يدعى إلى التَّسنُّن في البلاد ذات الأكثريَّة الشيعية ،فهاجت كلاب التشيع الفارسي على الشيخ مما جعله (يبصق البحصة ) من فمه ويقول في الشيعة على الطراز الإيراني ما لم يقله في حياته .

ليرحل الأسد وعصابته ،وهو راحل لا محالة بإذن الله تعالى ، ولير كيف سنعيش بخير وسلامة مهما كانت طوائفنا ،فإن واحدا من أهم محركات الثورة ودوافعها هو رفض الطائفية وممارساتها بعد أن أضنت البلاد وأنهكت العباد

و” الكلمة التاسعة ” :وما الذي أستطيع أن أفعله أنا ؟

أقول: إن من يسأل هذا السؤال يعتبر نفسه ودوره أكبر مما يستحق،فلا تظنَّن أن الله عز وجل ينتظر منك أن تفعل شيئا حتى ينفذ قدره ويخسف بالظالمين الأرض إن شاء ،ولكن عليك أنت أن تلحق نفسك لتكون من الفائزين في هذه التجربة التي قد لا تتكرر في حياتك ،واعلم أن الله عز وجل يقيض لأقداره من ينفذها من الإنس والجن والملائكة وما عليك إلا أن تجد لنفسك دورا هو أقصى ما تستطيع فعله مخلصاًًًًً لله وحده ،ابدأ بالدعاء ،وما أظنُّه بعسير عليك ،ولكن بقلب حاضر متضرع إلى الله عز وجل ،تبرع بقسط من مالك ليتامى الثورة وأراملها ،والمستضعفين الذين تأثرت أرزاقهم فهم لا يجدون ما يأكلون أو يتدفؤون به ،لست فقيها ولا أجرؤ على الفتوى ،ولكني أميل إلى القول بأنه لا فضل لواحد منا اليوم من ماله، لا ،فكل ما زاد عن حاجتك ادفعه للثوار، حتى يستطيعوا الصمود في الشارع تحت الضرب والرصاص وأمام خطر الاعتقال والتعذيب ،على الأقل يجدون ما يرجعون به إلى بيوتهم وأطفالهم مما يشبع البطون الجائعة ويدفئ الأجسام الباردة ،إن كنت قادرا على الكلام فتكلم، على الكتابة فاكتب ، على الغناء فغنِّ ،على الرسم فارسم ،على التحريض فحرِّض ،على الوقوف في الشارع فقف ،على التكبير فكبِّر ،على إرهاب العدو فأرهبه ،واطلب من الله القبول ،واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: “من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق” ونحن اليوم في سوريا مستباحون،وعدونا فاجر ماكر ،فجد لنفسك مكانا مع المخلصين واحصل على براءتك من النفاق .

و” الكلمة العاشرة ” :لي أسرة وأولاد ومسؤوليات كثيرة تحول بيني وبين ما تقول .

أقول :إنه تلبيس من الشيطان عليك ،فلست أنت رازقهم ولا كافلهم ،وإن كان الله عزَّ وجل قد حماك وحمى أسرتك حتى الآن من ظلمهم وغدرهم فاحمد الله على ذلك ،وادفع الشرَّ عن إخوانك ،فربما تدور الدائرة عليك لا سمح الله ،وتجد نفسك – عندها – وأسرتك وأعمالك وسط الخطر ،عندها لن تغفر لأحد أن يفكر كما تفكر اليوم ،أما حكم الفقه الشرعي ،فنحن في حال يخرج فيها الولد دون إذن أبيه وأمه ،نحن مستباحون ،وكرامة الإسلام والمسلمين مسؤوليتنا جميعا ، ومن قال إن كرامة المسلم ليست من كرامة الإسلام ؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إنه بعض العجز علينا أن نعترف... لماذا لا تتحول قضية شعبنا إلى قضية رأي عام ؟! .. زهير سالم

بعد ما يقرب من عام على ثورة شعبنا البطولية، وتضحياته الجسام، وبشاعة الجرائم التي تُرتكب بحق أبناء شعبنا؛ من قتل وانتهاك وتعذيب. مع قائمة طويلة من الأطفال الشهداء، وأجسادهم التي نالها التعذيب والتشويه؛ مع كل ذلك فإن هذه المأساة الإنسانية بأبعادها الفاجعة لم تجد سبيلها حتى اليوم إلى الرأي العام لا على المستوى العربي والإسلامي ولا على المستوى الإنساني..

 

فعلى المستوى الأول ( العربي والإسلامي ) ما نظن أن سفك الدم السوري بالطريقة التي يتم بها أقل نكارة في الميزان الشرعي، وفي الحس الإسلامي العام من نكارة الصور المسيئة التي اهتز لها محور ( طنجة – جاكرتا ) بمظاهرات هادرة أذهلت العالم. في الميزان الإسلامي العام دم المسلم أشد حرمة عند الله من هدم الكعبة..

 

وعلى مستوى الرأي العام الإنساني أو لأقل العالمي فإن الحدث الفاجع ما يزال خارج السياق، على الرغم من تجاوز العدوان على الشعب السوري؛ في أمده، وحجمه، وبشاعة جرائمه ، ما جرى في العدوانيين البشعين على لبنان / 2006 ، وعلى غزة 2009 / وما لقيه هذان العدوانان من استنكار الرأي العام العربي والإسلامي والإنساني..

 

نعم لقد تجاوز عدد الضحايا في حجمه ما نجم عن العدوانيين الآثمين معا، وفاق عدد الأطفال الذين قتلوا في سورية ما قتله الإسرائيلي بالفسفور الأبيض في غزة، وبينما لم يمت أحد في غزة ولا في لبنان تحت التعذيب فإن المئات من السوريين قد قضوا بهذه الطريقة الوحشية من بينهم الكثير من الأطفال.

 

 الدرس الذي يجب أن نستفيده – ربما - من هذه الحرب الأثيمة أن نتوقف عن التمييز بين القتلة والمجرمين على هويتهم. فالقاتل مدان مهما تكن هويته، بل لعلي أدعو على مذهب طرفة بن العبد أن تكون إدانتنا للقاتل القريب أشد من إدانتنا للقاتل البعيد. ليس ذلك على سبيل السماحة مع الثاني كما قد يحاول أن يتصيد البعض بل لأننا لا نتوقع من العدو البعيد إلا القتل. وأنه قد كتب علينا أن يقاتلنا ونقاتله.. بينما هؤلاء الذين يلتحفون عباءتنا، ويمتطون دبابتنا ثم يذبحوننا بعتادنا الوطني هم العدو الخفي الذي لن ننتصر على العدو البعيد ما لم ننتصر عليهم..

 

إذن لماذا لم تجد الجريمة التي تُرتكب بحق شعبنا طريقها إلى الرأي العام العربي والإسلامي والإنساني مع كثرة الضحايا، وفظاعة الجريمة وامتداد الزمن؟! سؤال أطرحه ولا أزعم أنني أملك الجواب الشافي عليه...

 

 لن أقبل أن أجيب على التساؤل على طريقة ابن علي ومبارك والقذافي وبشار الأسد بأنها المؤامرة المدبرة ضد الشعب السوري والتواطؤ المبيت على أبنائه..

 

 ولن أتغافل في الوقت نفسه عن هجمة أجهزة النظام المعاكسة والمال الحرام الذي يدفعه إلى شبيحته الإعلاميين على أكثر من مستوى. فكل مقال بمغلف أبيض مكتنز. وكل مقابلة على فضائية بمعيار يعد فيها الكم ويقاس الحجم مع أو ضد. ولا يمكنني أن أُغفل في السياق مؤتمرات واتحادات ونقابات تتحكم فيها نخب احترفت التزوير وكذا مراكز الدراسات المرتبطة بالولي الفقيه مدادا أو ولاء، والتي ترى في دم الشعب السوري إدراكا لثأر من ( تيم وعدي ) كما يردد الرواديد كل يوم على قنوات الفضاء.

 

ربما لا يحق لي في السياق أن أغفل الذين يتحكمون في ماكينة الإعلام العالمي. والذين همزهم رجل الأعمال رامي مخلوف لتنبيههم على حقيقة الجناية التي يمكن أن يجنوها على أنفسهم. مع عدم إدراكه أن الأمر اليوم قد خرج من يديه ومن أيديهم...

 

كل الذي ذكرته من أسباب لم يكن لمتابع سياسي أن يغفل عنه أو ينساه. وهو الجهد المعاكس في الحرب المرتدة، وهو حق الآخر في الدفاع عن باطله، و سيكون الآخر في غاية في الغباء إن لم يسع لحماية وجوده. ولكن كل ذلك ليس كافيا لتفسير غياب قضية الشعب السوري بأبعادها الإنسانية والسياسية عن أجندة الرأي العام.

 

ليبقى السؤال الأساسي مفتوحا لماذا لم تتحول قضية الشعب السوري بكل أبعادها العادلة والكارثية الفاجعة وزمنها المتطاول وحجم ضحاياها إلى قضية رأي عام؟!

 

والعالم هو العالم، والإنسان هو الإنسان، والمسلم هو المسلم، والعربي هو العربي..وفواجعنا أشد وأقسى من كل ما شهدته المنطقة من قبل..!!!!

 

هل علينا أن نعترف أنه شيء من العجز، وشيء من نقص التنظيم، وشيء من التخلي، وشيء من الفوضى وأشياء أخرى كثيرة ربما يثبتها غيري. ليجيب على الاستحقاق الوطني: كيف نجعل من قضية شعبنا قضية رأي عام..

 

كيف نجعل وسائل الإعلام المهنية تعترف أن دماء ما يقرب من ثلاث مائة سوري ذبحوا جمعة ( عذرا حماة سامحينا ) أكثر أهمية من بعض شغب الملاعب يجري في بلاد الآخرين . كيف نوصل حقائق مظلومتنا إلى شعوب العالم ، وكيف يمكن أن نجعل المتظاهرين المتعاطفين معنا يضجون في عواصم العالم مرة حول السفارات السورية وأخرى حول السفارات الروسية وثالثة حول السفارات الإيرانية تندد بالقتلة على أفعالهم لا على هوياتهم..؟! كيف نستنفر العرب والترك والباكستانيين والملاويين والإندونيسيين والبنغال والبريطانيين والفرنسيين والاستراليين والأمريكيين ولا ننسى أننا مشردون أصلا في كل تلك الأصقاع..؟

 

ربما السؤال المفتوح يستحق قيادات للمعارضة مسئولة؟ قيادات ورشات العمل لمعرفة الأسباب وتحديد الطرائق والآليات أولا، ولست من الذين يزعمون أنهم يملكون الأجوبة الجاهزة على كل سؤال.. ويحتاج الأمر أجندة قرار ثانيا، وتكليفا لمجموعة عمل ثالثا. وانطلاقا وفق خطة مخطوطة على كل المسارات لا أزعم أبدا أن الأمر سهلا، ولكنني أؤكد أنه من الممكن القريب بقليل من المعرفة وقليل من الإرادة وبتوظيف بعض الطاقات...

 

قديما قالها أبو الطيب:

ولم أر في عيوب الناس عيبا... كنقص القادرين على التمام

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا وجائزة الكتاب: وراثة الاستبداد  .. علي سعد الموسى

الوطن السعودية

1-2-2012

مهما حاول المرء أن يهضم قرار اتحاد كتاب روسيا بمنح جائزتهم للرئيس السوري بشار الأسد، سيصاب حتما بعسر هضم. ولفترة طويلة حاولت أن أرسم في الخيال صورة مختلفة عن روسيا وحاكيت نفسي كثيرا، متخيلا، أن روسيا ضحية الصورة النمطية التي تخفي تحتها حياة حافلة بالآداب والفنون، وأنها نخبوية تحمل في إرثها الثقافي نزعة إنسانية. حاولت الاقتناع أن روسيا ونخبها ضحية الفكرة الشيوعية وضحية الفكر الشمولي وأنها حين تتحرر إنما ستبدي الوجه المختلف الذي سيكون إضافة هائلة لمجموع الإنسانية.

لكن منح الجائزة لبشار الأسد بالتحديد، في هذا العام، أو حتى في أي عام كان أو سيكون لا تبرهن إلا عن الوجه القبيح لمانحي الجائزة. والفارق اليوم، وللأسف وللمفارقة، أن كتاب روسيا يصبغون الوسام على الديكتاتور وهم تحت مظلة الحرية، ولو أنها منحت قبل عقدين من الزمن لربما كان الجميع سيعطيهم العذر بذريعة أنهم بلا خيار أو أنهم مرغمون بقرار سيادي.

يبرهن المثقف الروسي ذات طباع الدب التي لا تتبدل كثيرا بتغيير الظروف. هو ذات الدب وذات القبضة وذات المخالب سواء كان في قفص الحديقة أو في الهواء الطلق. وكما أشار الكاتب الكبير، سمير عطا، فإن ثقافة الحرية تحتاج إلى قرون طويلة من العمق. الثورة على الأنظمة لا تعني تلقائية فهم الحرية وهذا ما تبرهنه نخب روسيا بعد أكثر من عقدين على سقوط الشمولية وحكم الاستبداد. وأنا أضيف أن الشمولية والاستبداد في بعض الأحيان ليست مجرد منتج تلقائي من الأنظمة.

أحيانا أشك أن المكون – الجيني – والوراثي لشعب ما أو منظومة عرقية تزرع في ذاتها – جين – الاستبداد وتستمطر النزعة إلى الكبت. تأملوا قناة – روسيا اليوم – وقارنوها بفضائيات الدول والشعوب الكبرى لتدركوا أن الفوارق بينها وبين قنوات الجماهيرية أيام الطاووس لا تختلف كثيرا في الجوهر. تابعوا قناة سوريا الرسمية هذا المساء لتكتشفوا أن ضيوف الأستوديو المفتوح يأتون من أمام – الكرملين – في صورة فجة وبلغة منقرضة. أما الفضيحة الكبرى فهي جائزة الكتاب التي يمنحها المثقف الروسي لقاتل في هذه الظروف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أخطأت الجامعة العربية؟! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

1-2-2012

خيرا فعلت الجامعة العربية عندما تبنت عرضا روسيا بحل يمني في سوريا، يؤدي إلى تسليم صلاحيات الرئيس إلى نائبه، وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سياسي من المعارضة، وإجراء مفاوضات بين السلطة ومعارضيها تتمحور حول مرحلة انتقالية تؤدي إلى نظام حريات تمثيلي - تعددي، تغطيه ضمانات داخلية وعربية وإقليمية ودولية هي الخطوة الأخيرة في حل نهائي، سيخرج البلاد من مأزقها.

ولم تحسن الجامعة صنعا عندما أقرت هذا المشروع من دون تشاور مع روسيا، التي اقترحته، وأخطأت كثيرا عندما أخذته إلى مجلس الأمن، الرمز الأميركي في أعين الروس، الذين استفزهم ما حدث وجعلهم يرون في فعلة الجامعة تصرفا غير ودي حيالهم، معاديا لهم وماسا بمصالحهم ومكانتهم الدولية، وضع تحت تصرف الأميركيين مشروعا أرادوا منه ضمانات تتصل بوجودهم ونفوذهم في بلد قريب منهم، من شأن إقراره في المجلس حرمانهم من موقعهم فيه، رغم أهميته وحيويته بالنسبة إليهم، علما بأن خسارتهم له أو تلاشي نفوذهم فيه يعني شيئا يقارب إخراجهم من آسيا، خاصة إن هم خسروا معركة إيران بعد خسارة معركة سوريا.

في ظل هذا الضرب تحت الحزام، كان من الطبيعي أن يتشدد الروس، بعد أن أظهروا مرونة مباغتة واقترحوا حلا لأزمة سوريا يقوم في جوهره على تخليهم عن الرئيس، الذي سيتنازل عن صلاحياته لنائبه، بينما سينخرط أهل النظام في مفاوضات مع المعارضة حول نظام بديل. ولقد كان من الحكمة تماما أن يذهب وفد من الجامعة إلى موسكو للاتفاق معها على حيثيات الحل الذي اقترحته، وعلى آليات تنفيذه والضمانات المطلوبة من نظام سوريا القادم، قبل أن يتم إقراره في الجامعة، وقبل الذهاب بعد إقراره إلى مجلس الأمن، ما دام الأميركيون لم يكونوا مشكلة أصلا، وإن صاروا اليوم مشكلة حقيقية بالنسبة إلى روسيا، بسبب إخراج مشروعها من يدها واحتمال استخدامه ضدها، مع ما سيؤدي إليه ذلك من ضياع مركزها السوري واعتماد موقف يقوم في حقيقته على وجود غالب هو الغرب والمعارضة السورية، ومغلوب هو روسيا والنظام السوري.

تقاوم روسيا اليوم الحل بكل ما أوتيت من قوة وتشدد، وستقاومه في المستقبل أيضا، إلا إذا وقع تصحيح الخطأ الذي اقترفته الجامعة العربية، عبر إرسال وفد عربي واسع يضم دولا عربية متنوعة إلى موسكو، تليه زيارة وفد موحد من المعارضة، على أن يقدم الوفدان ضمانات جدية وبعيدة المدى لروسيا، تتركز في جزء صغير منها حول علاقاتها المستقبلية مع سوريا، وفي قسمها الأكبر حول إحجام نظام دمشق القادم عن فعل أي شيء يمكن أن يقدم بديلا للغاز الروسي في أوروبا، حيث يعطي بيعه هناك كمصدر رئيسي للطاقة الأوروبية مكانة خاصة وتأثيرا كبيرا لروسيا، يستند إليهما جزء بالغ الأهمية والتأثير من دورها الدولي ومكانتها العالمية ومواردها الاقتصادية. لا يريد الروس أن تتحول سوريا إلى مصدر أو ممر طاقة بديلة تصل إلى أوروبا، وهم يريدون ضمانات خاصة حول هذه النقطة بالذات، وإلا ازدادت مقاومتهم للحل في سوريا، وعطلوه تماما، لأن خسارتهم هناك تعني تقليص مكانتهم في آسيا من جهة وفي سوق الطاقة الدولية من جهة أخرى، وفي هذا ما فيه من تقويض لقدراتهم الدولية وتقليص لموارد المافيا الروسية، خاصة الحاكمة منها.

بدورها، أخطأت المعارضة السورية، عندما أعلنت أنها لن تشارك في مفاوضات موسكو مع وفد حكومي غير رسمي. كان عليها أن تربط مشاركتها باستعداد روسيا لاستقبال وفد الجامعة ووفدها الخاص، وللتباحث معهما حول الأزمة بروحية تنتفي منها الأفكار المسبقة حول الحدث السوري، وتلتزم في الوقت نفسه بأساس الحل اليمني، القائم على طي صفحة الرئيس وعائلته، وفتح باب التفاوض الداخلي بين السلطة والمعارضة في شروط متوازنة، بهدف جلي ومحدد مسبقا هو الخروج من النظام القائم إلى بديله الديمقراطي عبر مرحلة انتقالية متوافق عليها. أما الرفض المتسرع لاقتراح روسيا، الذي لا غرض له غير رفع بعض الضغط الدولي عن موسكو، فهو خطوة لا جدوى منها، ما دام الموقف سيقول بربط موقف إيجابي تتخذه موسكو في مجلس الأمن بموقف إيجابي تتخذه المعارضة، ليس من التفاوض عموما، فهذا قراره متخذ، بل من التفاوض برعاية روسية.

في لقاءات وفود المعارضات السورية إلى جامعة الدول العربية، أوصى وفد المعارضين المستقلين الذي كنت منه بعدم تفويض مجلس الأمن بالقضية السورية على غرار ما حدث في المسألة الليبية، وطلب أن يمر أي دور دولي بالجامعة، التي يجب أن تتولى إدارة التفاوض بين السلطة والمعارضة، وأن تبقى علاقاتها متوازنة معهما، باعتبار أنه لا حل دونهما معا. واليوم، تأخذ الجامعة المشروع الروسي، الذي تبنته كحل عربي، وتضعه في مهب العواصف الدولية، تحت رحمة صراع أميركي - روسي دائر على أشده في المنطقة، حيث لم يبق للروس ما يصارعون عليه غير سوريا، التي يبدو أنهم اتفقوا مع نظامها على استخدام أقصى درجات العنف من أجل إخماد انتفاضة شعبها خلال فترة قصيرة لا تتعدى الشهر، في علامة إضافية على تشددهم ويأسهم من بلوغ تسوية مقبولة مع العرب والغرب والمعارضة و... إمارة قطر!

ما لم يتم رد الأمور إلى نصابها، وتصحيح هذه الأخطاء الفادحة، الذي يرجح ألا يتم، ستواصل سوريا طريقها إلى الكارثة الكبرى، ببربرية نظامها، وأخطاء معارضاتها، ومعالجات جامعة الدول العربية، والصراع الدولي الذي لا يبدو حسمه قريبا أو في متناول أي طرف من أطرافه. سوريا مهددة جدا، إلى درجة قد يكون من الصعب تصديقها، رغم تضحيات شعبها من أجل إنقاذها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لسنا شهود زور في سوريا .. راكان حبيب

الوطن السعودية

31-1-2012

كشفت هبات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن وسوريا عن حالة لافتة ومستفزة من العناد الصبياني تلبست رؤساء هذه الدول وأثارت في نفس الوقت استغراباً حول مدى خواء العقلية التي كانوا يديرون بها بلدانهم. فعلى عكس الطفل الصغير الذي يعيد حساباته عندما يرى أو يسمع تهديداً، لم يحاول أي أحد من رؤساء هذه الدول أن ( يحسبها صح ) ويستجيب لأول مطلب خرجت له شعوبهم. ومن أجل ذلك كلما زاد عناد هؤلاء، ارتفع سقف طلبات شعوبهم لسبب بسيط وهو أنهم لم يتحملوا الحاكم الذي يعاندهم ويطلق عليهم نيران مدافعه ويتعمد قتل الأطفال والنساء

في الحالة السورية تتكشف نتائج هذا العناد. فالرئيس بشار الأسد اليوم هو أشد ضعفاً وأصبح محاصراً عربياً ودولياً. وفي كل يوم تزداد وحشية جيشه وشبيحته للقتل، تزداد معه عزيمة السوريين على التخلص منه رغم أنه كان بإمكانه أن يتفادى كل ذلك منذ أول يوم بدأت فيه احتجاجات سكان مدينة درعا في مارس 2011 م . فلم يكتف العسكر بحصد أرواح المتظاهرين والزج بأفواج منهم في السجون بل تعمدوا إذلالهم والدعس على كرامتهم . وإمعاناً في ذلك قبضوا على ( الأطفال ) الأبرياء وألقوا بهم في السجون لأنهم تجرأوا على النظام وكتبوا كلمات الحرية على جدار المدارس وهذه التهمة تكفي هي الأخرى لفضح عقلية هذا النظام .

الوجه الثاني لنتائج هذا العناد هو خسارته للدول العربية التي هي الآن مجتمعة على كلمة واحدة تطلب من مجلس الأمن مساعدتها لإنهاء هذا النظام. فالمعروف أن جامعة الدول العربية تفكر عشرات المرات قبل التدخل في الشأن الداخلي لأي دولة. ولذلك أعطت نظام الأسد الوقت الكافي للإصلاح، إلا أنه قابل ذلك بالعداء والشتم والتخوين لأعضائها. ورغم أنه كان بإمكانه قلب الأوراق باصطناع وقف آلة القتل أثناء عمل المراقبين العرب، إلا أنه تعمد زيادة عدد القتلى وزاد من حصار المدن والقرى ونشر المدرعات فيها أكثر مما كان عليه قبل عمل المراقبين.

ربما لا يحتاج الأمر إلى تحليل الخبراء ليفسروا لنا هذه العقلية التي تجرأت على التحكم في شعب عريق كالشعب السوري الذي عرف عنه الإباء والإقدام منذ الفتوحات الإسلامية وخلال مقاومته للاستعمار. فأقرب تفسير لهذا العناد هو عقلية ( البلطجة ) فهو يعتمد على شبيحة يندسون بين السكان الآمنين لذبحهم ويعتمد على شبيحة في الإعلام ليندسوا بين المفكرين ويعتمد على شبيحة في المؤتمرات ليشتموا الدول وممثليها . ولعل أقرب مثال على هذه البلطجة تهديده بحرق المنطقة ! وهو الذي ظل طوال 30 عاماً لم يطلق رصاصة واحدة في أرض الجولان المحتلة .

الآن أفاق العالم على أنه لم يعد بالإمكان تحمل مزيد من الوقت لنظام لا يريد إلا البلطجة على شعبه وعلى الدول العربية والمجتمع الدولي . ومن أجل ذلك جاء تصريح الأمير سعود الفيصل أننا لسنا شهود زور على مايحدث في سوريا ليضع الجامعة العربية أمام مسؤوليتها التاريخية لكي تتعامل بحسم مع نظام يقتل شعبه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون يريدون استعادة سوريا .. بقلم : خيرالله خيرالله

(كاتب لبناني)

الراية

31-1-2012

ما يجري هذه الايّام في سوريا، مع دخول الثورة الشعبية شهرها الحادي عشر، يدل على ان الشعب السوري يسعى الى استعادة سوريا. كلّ ما في الامر ان هناك شعبا يريد العودة الى الحضن الدافئ لوطنه لا اكثر. يبدو الشعب السوري مصمّما على ذلك، على الرغم من كلّ التضحيات المتمثلة في سقوط آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى وعمليات التدمير المنظمة لمدن وقرى كما يحصل في حمص وحماة او دوما القريبة من دمشق.

المهمّ استعادة الوطن ولكن من دون حرب اهلية يسعى اليها النظام، حرب يمكن ان تهدد وحدة سوريا.

للمرّة الاولى منذ سنوات، اي منذ العام 1990، لدى الاحتلال العراقي للكويت في عهد صدّام حسين، تتخذ جامعة الدول العربية خطوات جريئة.

هذا عائد الى حد كبير الى وجود مجموعة من الدول العربية على استعداد لاخذ المبادرة بعيدا عن اي نوع من العقد. على رأس هذه العقد رفض الاستعانة بمجلس الامن بغية اتخاذ القرارات الواجب ان تتخذ. لو لم تكن هناك تغطية عربية حقيقية لثوار ليبيا وثورتها، لكان العقيد معمّر القذّافي لا يزال جاثما على صدور الليبيين.

صحيح ان الوضع في ليبيا يمكن ان يتدهور في غياب اي مؤسسات وطنية قادرة على ضبطه. لكنّ الصحيح ايضا انه لم يكن هناك اي امل لليبيين بمستقبل افضل مع بقاء القذّافي في السلطة مهيمنا على كلّ ثروات البلد رافضا قيام اي مؤسسة من اي نوع كان باستثناء الاجهزة الامنية الموالية له والتي لا همّ لها سوى حمايته وحماية نظامه القائم على فكرة الغاء ليبيا والليبيين وتحويل هؤلاء شعبا جائعا في حاجة دائمة اليه.

يفترض في العرب جميعا الوقوف مع المبادرة التي أقرّتها الجامعة والهادفة الى اعادة سوريا الى السوريين ومساعدة الشعب السوري في تحقيق طموحاته. لعلّ اخطر ما في الامر ان اي تراجع عربي من اي نوع كان وأي تراجع دولي في مجلس الامن سيصبان في ادخال سوريا في خضم حرب اهلية، حرب تدور حاليا على نار خفيفة.

هناك بوادر لحرب اهلية في سوريا. هذه حقيقة اولى لا يمكن تجاهلها. الحقيقة الاخرى ان الوسيلة الوحيدة للحؤول دون تلك الحرب سير العرب الى النهاية في مبادرتهم الهادفة الى تحقيق انتقال سلمي للسلطة في هذا البلد العربي المهم. لا مخرج من حرب اهلية في سوريا من دون انتقال سلمي للسلطة يضمن عودة سوريا الى السوريين بعد تسعة واربعين عاما من الذلّ والحكم الفردي افقرا البلد وجعلا افضل السوريين يرحلون عن سوريا.

ما يشجع على التفاؤل بمستقبل سوريا البيان الاخير الصادر عن "المجلس الوطني" السوري الذي يحدد مستقبل طبيعة العلاقة مع لبنان. هناك بيان يحرر السوريين للمرة الاولى من عقدة لبنان ويؤكد ان العلاقة بين البلدين الجارين المستقل كلّ منهما عن الآخر هي علاقة بين متساويين وليس بين بلد يمتلك حق الوصاية على بلد آخر.

ما لم يقله البيان التاريخي الصادر عن المعارضة السورية ان ازدهار دمشق من ازدهار بيروت وان ازدهار بيروت من ازدهار دمشق وانه ليس صحيحا ان تدمير بيروت يمكن ان يؤدي الى انتقال الثقل الاقتصادي والسياسي الى دمشق.

ان مثل هذا التفكير الذي كان رائده الرئيس الراحل حافظ الاسد كان وراء خراب لبنان وخراب سوريا في آن. تكمن مشكلة الرئيس بشّار الاسد في انه لم يستطع الخروج عن هذه المدرسة فكرّر اخطاء والده في عالم لم يعد يتحمّل مثل هذا النوع من الاخطاء القاتلة.

ما لم يقله بيان المعارضة السورية ايضا ان العلاقات الطبيعية بين سوريا ولبنان تمثل رفضا للوصاية الايرانية على سوريا كما ستساعد لبنان من الخروج من الوصاية الايرانية التي تحاول الميليشيا المسلحة المسماة "حزب الله" فرضها على الوطن الصغير.

ابعد من استعادة السوريين لوطنهم، هناك استعادة العرب لسوريا. سوريا بلد مهمّ. لكن هذا البلد لا يمكن ان يبني اهميته على سياسة تقوم على الابتزاز ولا شيء آخر غير الابتزاز. هناك لعبة سياسية انتهت. طالت هذه اللعبة اكثر بكثير مما يجب. جاء وقت لم يعد امام العرب سوى قول كلمتهم. فحوى الكلمة ان المصلحة تقضي بتفادي حرب اهلية ذات طابع مذهبي في سوريا وان ليس في الامكان تفادي مثل هذه الحرب من دون انتقال سلمي للسلطة.

آن أوان قول العرب بالفم الملآن انهم ما زالوا موجودين على خريطة الشرق الاوسط وانهم سيساعدون السوريين على استعادة سوريا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بازار «حلب» و«شاه» دمشق!! .. يوسف الكويليت

الرياض

31-1-2012

تتحرك حلب، فيسقط أي نظام في دمشق، هكذا هو المشهد المعروف زمن الانقلابات السورية، فالعاصمة الاقتصادية هي المحرك الأساسي لنبض دمشق، ولعل ادعاءات السلطة أن المدينتين الكبيرتين هما مع النظام، وأن حشد المليونيات في تأييده يأتي تلقائياً من قلب الشارع، هو ما أخفته الأيام الماضية وانكشف من خلال حصار المدينة بالدبابات وإدخال «الشبيحة» لأحيائها ومحيطها القروي..

حلب وتجارها الذين تعرضوا للوم والانتقاد إلى حد التجريم من قبل الشعب السوري الثائر يعلمون أن هذه المدينة ليست في حالة سبات أو استسلام، بل إن (البازار) الحلبي يعيدنا لذكريات البازار الإيراني الذي أسقط الشاه رغم التحالف بينهما بحدود روابط المصلحة، لكن عندما يتحرك الشعب تتحدد الخيارات بالانحياز له، ولذلك كان التضامن بين العاصمتين التجارية والسياسية..

غوطة دمشق الشرقية، وأريافها التي تشهد قصفاً بالأسلحة الثقيلة والطائرات تعيدنا لسيرة المدن والقرى التي محتها الحروب الكبرى، أو المتوسطة مثل «لينينغراد» ولندن، وبرلين وغيرها، وحديثاً «خُرم شهر الإيرانية» و«غروزني الشيشانية» وألحق بها مدن سورية وقراها من قبل بشار الأسد، وهي الظاهرة التي ستعجل برحيل النظام ليس من باب الآمال الكاذبة بل من باب الحقائق التي تتحرك على الأرض، وتفترض هذه النهايات..

فأمس الأول ظهرت لأول مرة أحزمة من الحرس الجمهوري والأمن تنتشر حول القصر الجمهوري والمطار والمواقع الحساسة في دمشق، ما أثار التكهنات بأن حدثاً غير طبيعي جرى في العاصمة، ولعل الجيش الحر الذي بدأ يأخذ حجم القوة المضادة، وضع السلطة أمام تحولات لا تريد حتى وصول أخبارها للأقربين من النظام، لكن الأمور أصبحت تقرأ بحقائقها، وهنا أصبح النظام يأخذ اتجاه الإبادة الشاملة، وهي حالة اليأس والانتحار من عناصر أصبحت تقيس الأيام بديلاً عن الأشهر، والساعات عن الأيام، والرعب المصاحب للانتقام حدث مع القذافي و«شاوشيسكو» وكل جبابرة الدكتاتوريات الشمولية، وهو ما يقرر مصير السلطة السورية لاحقاً..

يبقى الموقف العربي الذي سقطت منه الحلول الدبلوماسية، وكل المحاولات الفاشلة، أن يدعم بشكل مباشر، وبدون تردد أو مواربة، عناصر مقاومة النظام بالإمكانات المادية والعسكرية ليضطر عسكر بشار إلى الهروب وبيع الأسلحة، والخروج من قبضة السلطة، وهي سياسات نجحت في ليبيا، وقد تتكرر في سورية، لأن الدعم المباشر هو الوسيلة الناجحة، وأي تقصير سيقوّي النظام، وحلفاءه الإيرانيين والروس، والذين يحاربون معه لأن القبول بإفلاس عسكري إلى جانب الخسارة الدبلوماسية يعني تعريضهما لسخط عربي بدأت بوادره تظهر على السطح، وهو الرهان الذي وصل حد الغباء في مقايضة خاسرة أصلاً..

دمشق وحلب هما المعادلة الصعبة أمام الحكم، فكل منهما قاعدة هائلة اقتصادياً وأمنياً، وبالتالي مجرد انحيازهما للثوار، يعني الاهتزاز ثم السقوط، وبشار الأسد الذي اختار المجابهة على الإصلاح، هو من يُغرق نظامه بالضربات المتتالية، وأهمها على الإطلاق تمرد العاصمتين الكبيرتين..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أمام سوريا: الحل العربي أو الحرب المذهبية .. سركيس نعوم

2012-01-31

النهار

الرئيس السوري بشار الاسد وعائلته صارا في حكم المنتهين في رأي عدد من المسؤولين الاميركيين استناداً الى متابعين من واشنطن لمواقف ادارة الرئيس باراك اوباما من الأزمة السورية الخطيرة وتداعياتها الاقليمية والدولية. ولا يعني ذلك في رأيهم انهياراً سريعاً، بل يعني فقداناً للقوة والهيبة في الداخل والخارج وانطلاقاً في "قتال تراجعي" سياسي وأمني وعسكري في آن واحد مع الثوار الذين انتقلوا الى المقاومة المسلحة من دون التخلي عن التظاهرات السلمية. ومن أسباب الرأي المذكور اعلاه بدء موجة انشقاق عن الجيش والمؤسسات الامنية من عناصر تنتمي الى المكوّن الشعبي الذي ينتمي اليه الرئيس الاسد وعائلته والذي اتهمه المكوّن "الأكثري" للشعب السوري بحكم البلاد بالقوة وبالسيطرة على مواردها وعلى قرارها. ومن أسبابه ايضاً ان الرئيس الاسد لم يعد يسيطر على عدد من مدن بلاده كما على عدد من ضواحي المدن الكبرى التي تحولت بدورها مدناً.

كيف تنظر الادارة الاميركية الى المبادرة الاخيرة لجامعة الدول العربية التي قدمتها الى الرئيس السوري باعتبارها حلاً لازمته مع شعبه؟ تعتبر الادارة المذكورة، يجيب المتابعون انفسهم، المبادرة العربية الاخيرة حلاً وسطاً، وهي تأمل في ان تلقى قبولاً من روسيا الاتحادية وذلك كي يصبح تطبيقها وتنفيذ مضمونها ممكناً. فهي اطلقت حلاً عربياً، وفتحت له في الوقت نفسه ابواب مجلس الامن الدولي الذي طلبت منه العمل على تنفيذه في حال رفضته القيادة السياسية السورية العليا. وقبول روسيا له يساعد في اقناع الاخيرة به. أما إذا تعذر هذا الاقناع فانه يسهّل توصّل مجلس الامن الى قرار من دون فيتو، اجماعي او اكثري، يتضمن طريقة تنفيذ الحل العربي وادواته. وتعتبر الادارة الاميركية ايضاً ان مبادرة الجامعة العربية يُفترض ان تطمئن "حزب البعث" السوري "القائد" للامة وفقاً للمادة الثامنة من دستور النظام الحاكم منذ عام 1970. وهذا امر مطلوب على رغم اقتناعها وغالبية الشعب السوري وكثيرين من العرب انه ترهّل وصار غير فاعل، وتحوّل غطاء لممارسات فرد وعائلته ول"العصبية" الشعبية التي ينتمي اليها. ذلك ان اعضاءه وهم بالملايين يَعتَبر قسم كبير منهم ان النظام لم يعد بعثياً، وان ممارساته لم يكن فيها شيء من البعث، وانه دفعهم غصباً عنهم الى اصطفافات طائفية ومذهبية كانت نامت عندهم، وكان يُفترض في حزبهم ان يلغي "والى الابد" تأثيراتها السلبية. فضلاً عن ان نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، الذي اقترحت المبادرة العربية ان يتولى صلاحيات الرئاسة انتقالياً، ينتمي حزبياً الى البعث، ومذهبياً الى غالبية الثائرين على النظام، ومناطقياً الى مدينة درعا التي شهدت اول قمع دموي بالغ القسوة من قوات الاسد. ومن شأن ذلك ربما دفع الثوار الى قبوله وإن لمرحلة موقتة. طبعاً لا تزال الادارة الاميركية تشعر بالقلق بسبب اخفاق المعارضين للنظام السوري في تحقيق امور عدة ابرزها اثنان. الاول، عجز المعارضة السورية عن التخلص من الانقسامات وعن إقامة وحدة حقيقية بين اطرافها، هي احوج ما تكون اليها في المرحلة الراهنة بالذات. وقد بدأ يسبب ذلك شيئاً من الاحباط في واشنطن. اما الثاني، فهو إما انتفاء رغبة المعارضة كلها، وخصوصاً غالبيتها المعروفة الانتماء السياسي – الديني وتالياً المذهبي، في "الوصول" الى الاقليات السورية، سواء التي منها حاكمة او الاخرى المتحالفة معها او المحمية منها، وتالياً في طمأنتها الى مصيرها ودورها الفاعل ومواطنيتها الكاملة في النظام الجديد بعد انتصار الثورة.

في اختصار، يقول المتابعون الاميركيون انفسهم، ان دماء كثيرة قد سالت. ووقفها الآن يتوقف على تنفيذ المبادرة العربية، في رأي ادارة اوباما وكل حلفائه الاقليميين والدوليين. فاذا استمر الاسد وعائلته وحزبه و"شعبه" في رفض التسوية (Compromise) فان بلاده ستدخل حرباً بين الاديان والمذاهب، وسيشترك فيها مقاتلون متطوعون غير سوريين سيتدفقون على سوريا من كل انحاء المنطقة وسيتوزعون كل على "فريقه". والتدفق هذا للمتطوعين كما للاسلحة قد بدأ يشق طريقه. ويمكن ان تصبح سوريا ساحة قتال مثلما كان لبنان بين 1975 و1990.

هل ينزلق لبنان الى هذا النوع من العنف؟

المتابعون الاميركيون لا يعتبرون ذلك حتمياً على رغم ارادة قلة لبنانية التورط في ما يجري داخل سوريا، إذ ان غالبية "زعمائه" لا تمتلك ارادة كهذه. الا طبعاً اذا "فُرِض" عليها التورط.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ثمة حقيقة ضائعة في سوريا؟! .. ياسر الزعاترة

الدستور

31-1-2012

تحدث بعض الإعلاميين المرافقين لبعثة المراقبين العرب عن تحيز في نقل الأخبار تمارسه بعض وسائل الإعلام، ما يفرض سؤالا كبيرا حول قدرة ذلك الانحياز (بفرض وجوده) على إخفاء الحقيقة الأساسية الماثلة أمام الأعين.

قبل أسابيع كتبنا مقالا بعنوان "مراقبون تحت الرقابة" يلخص بؤس فكرة المراقبين العرب والجريمة المسبقة التي تمت بحق الشعب السوري يوم وافقت الجامعة على أن يعمل أولئك المراقبون وفق "البروتوكول" المعدل تحت رقابة الدولة السورية، أو أجهزة المخابرات بتعبير أدق.

منذ تلك اللحظة كان طبيعيا أن يرى المراقبون ما يريد النظام لهم أن يروه، فهو يحملهم إلى حيث يكون قد رتب الأمور لصالحه، ومن العبث الاعتقاد أن نظاما مدججا بأقوى أدوات الأمن، وينتشر مخبروه في شرايين البلد بطوله وعرضه، بما في ذلك معسكرات الجيش السوري الحر، وداخل التنسيقيات ذاتها، من العبث أن الاعتقاد بأن نظاما كهذا سيسمح لأولئك المراقبين بمشاهدة ما يمكن أن يصب في صالح أعدائه.

إنها حكاية لا تختلف عن زيارات مندوبي الصليب الأحمر للسجون والمعتقلات في العالم الثالث، تلك التي تتم في موعد محدد يجري فيه إعداد السجون للزيارة والتأكيد على احترام القائمين عليها لحقوق الإنسان.

ولكن دعونا من ذلك كله، وحدثونا بالله عليكم عن "الحقيقة الضائعة" في سوريا اليوم.

لنفترض أن عدد القتلى هو ثلاثة آلاف، وليس ستة آلاف، ولنفترض أن عدد المعتقلين هو عشرة آلاف وليس عشرين أو خمسين، وأن النظام قد أفرج عن الجزء الأكبر منهم (يستطيع أن يعيد اعتقالهم في أي وقت). هل يغير ذلك في الحقيقة شيئا؟!

هل يغير ذلك في حقيقة المشهد الماثل أمام أعين الناس وخلاصته أن هناك شعبا ثائرا في وجه نظام دموي، بينما يستند الأخير في بقائه إلى جيشه وأجهزته الأمنية، إضافة إلى دعم بعض الأقليات والفئات التي ترى مصلحتها في وجوده، والتي لا تغير في حقيقة أن غالبية الشعب لم تعد تريده؟!

هل هناك عاقل يشكك في هذه الحقيقة؟! وإذا كان أكبر حليف للنظام (السيد نصر الله) يعترف بأنه يستند إلى دعم 6 ملايين سوري (يبقى 19 مليونا)، فهل ثمة حقيقة أخرى تبدو ضائعة بعد ذلك؟!

ستقولون إن هناك عملا مسلحا من قبل بعض فئات المعارضة، وهذا شيء صحيح، لكن الصحيح أيضا أن شيئا من ذلك لم يكن موجودا قبل شهور، والأهم أن بروز ذلك العمل المسلح إنما يعود إلى أن قطاعا من الناس قد فقدوا إيمانهم بجدوى الاحتجاج السلمي في ظل استمرار آلة القتل، فضلا عن فرار عناصر من الجيش وتشكيلها جيشا آخر (الجيش السوري الحر). لكن ذلك كله لا يغير في حقيقة أن غالبية فعاليات الشارع هي فعاليات سلمية تواجه بالرصاص الذي كان من المستحيل إطلاقه أمام أعين المراقبين العرب.

ولعلنا نسأل هنا: هل كان بوسع المراقبين أن يؤمنوا اعتصاما حرا، أو مجرد مهرجان في ساحة الأمويين أو العباسيين، يستطيع الناس أن يصلوا إليه ويعودوا آمنين؟! ليتهم فعلوا ذلك مرة واحدة وشاهدوا بأم أعينهم تدفق الملايين على نحو يفوق قدرة الميدان على الاستيعاب. وقد لاحظ الجميع كيف انتشر الجيش في ساحات دمشق خلال الأيام الماضية خشية تدفق الناس إليها بعد وصول الاشتباكات مع المسلحين المنشقين إلى ريف العاصمة.

مثير للقهر أن يجري الحديث عن وجه آخر للصورة تخفيه وسائل الإعلام، لاسيما أن ذلك الوجه تظهره وسائل إعلام النظام بشكل أكثر تزويرا بألف مرة من التزوير المزعوم في وسائل الإعلام الأخرى. وما على المتحدثين باسم بعثة المراقبة العتيدة سوى مشاهدة فضائيات الدنيا والإخبارية السورية والعالم والمنار ومن لف لفها ليتأكدوا من ذلك.

ليس ثمة حقيقة ضائعة في سوريا أيها الناس، لأن كل العقلاء يعرفون أن هناك شعبا ثار على جلاديه بعد عقود من القمع، وأن الرد عليه كان بالرصاص الحي، وأسماء الشهداء موجودة ومعروفة، ويمكن فرز من كان منها من عناصر جيش النظام، ومن كان من الناس العاديين، وأي تفاصيل أخرى ليست ذات أهمية، لأن الشعب سيواصل ثورته وينتصر فيها مهما كانت المواقف، وأيا تكن نصوص التقارير، متجاوزين بالطبع من حكَّموا ضميرهم، وشاهدوا الحقيقة بعين البصيرة أكثر من عين البصر كما هو حال الجزائري أنور مالك الذي تحدث عن وصول الرقابة على المراقبين حد تصويره عاريا في الحمام!!

لذلك كله ينبغي تثمين القرار العربي بتجميد عمل بعثة المراقبين بعد أن أصبحت شاهد زور على ما يجري، فضلا عن تصاعد أعداد الشهداء منذ قدومها الميمون، ومنهم الكثير من الأطفال والنساء (هل يحمل هؤلاء السلاح أيضا؟!).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«القاعدة» وعملياتها في سورية! .. فايز سارة *

الثلاثاء, 31 يناير 2012

الحياة

هل باتت سورية مسرحاً لعمليات «القاعدة» او هي مرشحة بالفعل لتصير كذلك؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم في سورية في ضوء جملة من التطورات الداخلية والخارجية وتفاعلاتها، والتي يمكن ان تكشف بالفعل اذا كانت سورية بعد نحو احد عشر شهراً على بدء ازمتها تتجه لتكون ميداناً لعمليات «القاعدة».

الأساس في امكانية بدء «القاعدة» عمليات لها في سورية، يتمثل في توافر بيئة عامة، وهي بيئة العنف المسلح، وهذه البيئة بدأت بالظهور مع اول طلقات رصاص الاجهزة الامنية التي قابلت المتظاهرين السوريين في درعا اواسط آذار (مارس) الماضي، ثم ما لبثت بيئة العنف المسلح، ان امتدت الى مدن وقرى في انحاء البلاد بما فيها العاصمة دمشق، حيث صار اطلاق الرصاص والقنابل وقذائف المدرعات والمدفعية وحتى التفجيرات بين الامور اليومية والمألوفة، مما يعني ان سماع انفجارات وطلقات ناتجة من عمليات «القاعدة»، سيكون امراً مماثلاً لما تحدثه الانفجارات والطلقات الاخرى، وستكون النتائج متماثلة ايضاً، وهي سقوط ضحايا ووقوع خسائر مادية اخرى.

وإضافة الى البيئة العامة، فإن ثمة معطيات خاصة ومحلية الطابع، تعزز فكرة بدء «القاعدة» عملياتها في سورية، وفي هذا السياق، جاءت اعلانات سورية مكررة نسبت بعض الاعمال التفجيرية والمسلحة في البلاد لل «قاعدة»، وهي ادعاءات لم تؤكدها «القاعدة»، ولم تقم بنفيها في الوقت ذاته، الامر الذي ترك الباب مفتوحاً لتأكيد او نفي وجود «القاعدة» وعملياتها.

غير ان اهم المؤشرات، التي تتعلق بوجود وعمليات «القاعدة» في سورية، تتمثل في اعلان التنظيم بدء عملياته، وهو ما لم يتم الاعلان عنه بعد، لكن ثمة اشارات بهذا الصدد، لعل الاهم فيها تمثله تصريحات الشيخ عمر بكري الاسلامي الذي طردته السلطات البريطانية قبل نحو سبع سنوات الى لبنان بقوله: إن جماعات مسلمة سلفية متشددة، بما في ذلك تنظيم القاعدة وجماعة الغرباء التي يتزعمها «مستعدة لتقديم المساعدة إلى أشقائها المسلمين في سورية من خلال شن حملة من الهجمات الانتحارية».

وعلى رغم ان هذه المؤشرات تكفي للقول ان سورية يمكن ان تكون مسرحاً لعمليات «القاعدة»، فانه لا يمكن التسليم بذلك، والامر في هذا يتصل بمعطيات تتعلق بسورية ايضاً ولعل اهم هذه المعطيات، يندرج في ثلاث نقاط اساسية:

اولى النقاط واهمها، تتركز في السياسة الامنية التي طبقتها السلطات هناك على مدى العقود الاخيرة، وقد ركزت على امرين اثنين، اولهما اتباع سياسة متشددة ضد كل الجماعات السلفية والجهادية وضمنها «القاعدة» والتأكيد على منع تمركزها ونشاطها في سورية وعلى هذا الاساس تمت مواجهة انشطة السلفيين والجهاديين بالعمل على تفكيك جماعاتهم وتوقيف قيادات وافراد تلك الجماعات حيث ظهروا. والثاني التساهل مع نشاط الجماعات السلفية والجهادية ومنها «القاعدة»، طالما كانت اهدافها المرور باتجاه محيط سورية، وقد بدت الاخيرة معبراً للذاهبين الى العراق والى لبنان في احيان اخرى، وقد تكررت الاتهامات للسلطات السورية وبخاصة من قبل العراقيين حول مساندة نشاطات الجماعات السلفية والجهادية بمن فيهم «القاعدة» في العراق.

والنقطة الثانية، انه رغم التدين العام، فان سورية لا توفر بيئة مناسبة للتطرف الديني الذي يولد السلفيين والجهاديين ممن يذهبون الى القاعدة واخواتها، بل ان القلة من الافراد الذين يتبنون هذا الاتجاه، لايستقرون فيها، انما يرحلون في الغالب نحو بلدان اخرى على نحو ماكان الذهاب سابقا الى افغانستان ولبنان والعراق، وفيها اهم المسارح الرئيسية لعمليات القاعدة واخواتها ومقر تنظيماتها.

اما النقطة الثالثة والأهم، فهي موقف السوريين ولا سيما الحراك السوري الذي يعارض توجهات «القاعدة» وسياستها من الناحيتين السياسية والعملية، حيث تبنت الثورة السورية هدف التغيير نحو دولة ديموقراطية مدنية توفر العدل والعدالة والمساواة لكل مواطنيها، واختارت السلمية طريقاً للتغيير، ولا تبدل ميول العسكرة والتسلح التي يجري الكلام عنها من محتويات وتوجهات الثورة السورية، التي تتعارض وفكرة الدولة الدينية التي تسعى اليها «القاعدة» عبر ايمانها بالعنف طريقاً الى هدفها في اقامة الدولة الاسلامية.

ان الحقائق الاساسية التي تحيط بسورية، تشير الى انها لن تكون مسرحاً لعمليات واسعة تشنها «القاعدة» في هذا البلد، غير انه ما من ضمانة لعدم قيام جهات ما بعمليات تتماثل في المحتوى والاسلوب بعمليات «القاعدة» ونسبها الى الاخيرة للدلالة على تصاعد التطرف في سورية بعد ان كثرت الاحاديث الرسمية السورية في الاشهر العشرة الماضية عن تطرف ومتطرفين وارهابيين وسلفيين وتكفيريين وجماعات مسلحة، وهذا لا يمنع من قول ان «القاعدة» حاضرة في قلب هؤلاء، وقد قيل كل هذا الكلام قبل اشهر في سورية، لكنه لا يعني عملياً ان «القاعدة» هناك، وان عملياتها بدأت او انها ستبدأ بالظهور!

* كاتبسوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العمل المسلّح: الوَحدة أو إجهاض الثورة (3) .. أخلاق السلاح قبل حمل السلاح  .. مجاهد مأمون ديرانية

إذا انتشر السلاح في أيدي الناس ولم تجمعهم جامعةٌ واحدة تنظّم أمرَهم وتضع لهم القوانين فلا مفرّ من الوقوع في هاوية “فوضى السلاح”، وإنها لَهاوية بعيدة القرار. جرّبَها غيرنا فدفع للخروج منها الثمنَ الثمين ولبث يتجرع مُرّها العددَ من السنين، فاحذروها؛ إياكم والوقوع فيها فإنكم إذا وقعتم فيها لا تعرفون كم تدفعون ولا تعرفون متى تخرجون.

إن الوقاية خيرٌ من العلاج كما يقول العارفون، فاعتبروا بمن مضى ولا تكرروا المأساة، واعلموا أنه كلما مرّ يوم والسلاحُ في أيدي الناس المتفرقين زادت صعوبة اجتماع كلمتهم وتوحيد سلاحهم، فاجعلوا -يا عقلاء الأمة- هذه المسألة من أهم المهمات ومن أوجب الواجبات، وليَسْعَ فيها أهلُ الرأي والجاه وأهل العلم والدين وأهل القوة والسلاح، كلٌ بقدر نفوذه وطاقته.

إننا نسمع منذ بعض الوقت عن حوادث جِسام يمكن لواحدة منها أن تلوّث الثورة كما تلوث نقطةُ الحبر بياضَ الثوب، أو تفسدها كما تفسد قطرة النفط برميل الحليب، فكيف لو اجتمعت إلى الحادثة حوادثُ وصار هذا النوع من الممارسات والمخالفات منهجاً عاماً لا سمح الله: مسلّح يسلب الآمنين؟ أو يستولي على سيارة مواطن بريء؟ أو يحتل بيتاً هجره ساكنوه؟ أو يخطف شخصاً ويشترط لإطلاقه فديةً من مال؟ وشرٌ من ذلك كله أن يرفع مسلّحٌ سلاحَه في وجه رفيقه أو يهدده برفع السلاح!

أما سمع بقول النبي عليه الصلاة والسلام: “من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله فقد وجب دمه”، وقوله: “من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه”؟

لقد نُهي المسلم أن يشهر سلاحه على المسلم مهما يكن السبب، حتى ولو كان مازحاً؛ قال صلى الله عليه وسلم: “لا يشيرُ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدُكم لعل الشيطان ينزِغ في يده فيقع في حفرة من النار”. وإذا حمل المسلم السلاحَ وتنقل به فإن عليه أن يحتاط ويوجهه بعيداً عن المسلمين لئلا يؤذيهم سهواً بلا قصد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مرّ أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نَبْل فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها”. أرأيتم كيف يكررها ثلاثاً، وليس ذلك إلا لشدّة أهميتها وخطورة نتائجها؟ وفي رواية: “فليمسك على نصالها بكفّه”، أو قال: “ليقبض على نصالها أن يصيبَ أحداً من المسلمين منها بشيء”.

* * *

إذا حمل السلاحَ من لم يتعلم الانضباط ولم يتخلّق بأخلاق السلاح فإنه لا يُؤمَن أن يستعمله في غير حق: أن يعتدي على شخص بريء، أو ينتقم من خصم قديم، أو يستولي على ما ليس له… وقد يقع الخلاف بين رفاق السلاح فلا يجدون لحله أقربَ وأهون من السلاح، فيرتدّ سلاحُنا عن عدونا إلى صدورنا، وننتقل من بلاءٍ يقتل فيه العدوّ أبناءنا إلى بلاءٍ هو شرٌ منه، يقتل فيه أولادُنا بعضُهم بعضاً لا قدّر الله.

إن الطغيان لا يعرف الحق والعدل ولا يفرّق بين قريب وبعيد، وهو ممارسة تبدأ داخل النفس قبل أن تظهر في أعمال الجوارح. ولا يكاد يوجد طغيان إلا مع قوة، فإنّ مَن استغنى بقوّته عن الناس طغى، أليس ربنا تبارك وتعالى يقول: {كلا إن الإنسان لَيطغى أن رآه استغنى}؟ أي رأى نفسه استغنى. والاستغناء يكون بامتلاك القوة المادية من مال وسلاح، أو المعنوية من جاه وسلطان.

تذكّروا دائماً هذه القاعدة: “إن القوة تُطغي”، لا يكاد يَسلم من هذا المصير أحدٌ من الناس إلا الصدّيقون. وليس يَزَعُ النفسَ أن تطغى إلا وازعان، وازعٌ من داخلها ووازع من خارجها، فأما الذي من داخلها فمجاهدتها وتخويفها من الله وتهذيبها بالعبادات والطاعات، وأما الذي من خارجها فليس سوى القانون الذي يضبط ويضع الحدود، وقوة القانون التي تحاسب المعتدي وتمنعه من العدوان.

حينما كنت شاباً في الجامعة جاءنا مدرب كوري أسلم وتسمّى باسم عربي (عبد القوي رو)، وأنشأ فريقاً لتعليم التايكوندو، فصحبته أربع سنين وتدرجت في الأحزمة وصولاً إلى الحزام الأسود من الدرجة الأولى، وكان هو يحمل الحزام الأسود دان 6 (الدرجة السادسة، من أصل تسع درجات). كان يعلمنا الحركات والقتال ويعلمنا معها الانضباط والتواضع، فيمنع أيّ واحد من إظهار مهارته أو التباهي بقوته أمام الناس، ولو وصل التهور بأي متدرّب إلى استعمال قدرته القتالية في مكان عام -خارج ساحة التدريب- أو ضد شخص عادي من العامة فإن الجزاءَ حاسمٌ ولا يمكن التراجع عنه: الفصل النهائي من الفريق.

إن الذين يحملون الأحزمة السوداء في الرياضات القتالية في العالم يُعَدّون بعشرات الملايين، ولكن من النادر أو من أندر النادر أن يُسمَع عن أحد منهم اشتبك مع شخص من العامة بقتال، بل يكاد يكون ذلك من المستحيلات، وحتى لو حصلت حادثة من هذا النوع فلا بد أن تكون حالةَ دفاع عن شخص ضعيف. إنهم يُلَقّنون الصبر وضبط النفس كما يُلَقّنون الحركات الفنية والمهارات القتالية، وهم يعلمون أنهم “أدوات قتل متنقلة”، حيث يمكن لأحدهم أن يقتل غيره بلا سلاح سوى يديه.

كل من حمل سلاحاً قاتلاً عليه أن يتخلق بمثل تلك الأخلاق قبل أن يحمل السلاح، بل ينبغي أن يكون الأقوياء جميعاً على تلك الدرجة العالية من الانضباط، ولو لم يكونوا كذلك لصارت الدنيا غابة يفترس فيها الأقوياء الضعفاء.

* * *

الضمان الأكبر، وقد يكون الوحيد، من الوصول إلى هذه النهاية المؤلمة هو أن نبدأ بداية صحيحة؛ أن لا يحمل السلاحَ إلا من ينتمي إلى جماعة السلاح الرسمية، وهي الجيش الحر، فإن هذه الجماعة ستهتم -كأي مؤسسة عسكرية- بتدريب المقاتلين على استعمال السلاح وعلى آداب وأخلاق وقوانين حمل السلاح. وسوف تهتم بوضع الضوابط وتطبيق القوانين بحيث يصبح من المستحيل أو من شبه المستحيل أن يتفلّت أي عضو من أعضائها أو يتجاوز الحدود، لأنها سوف تضبطه وتعاقبه، وبحيث يصبح من المستحيل أو من شبه المستحيل أن يندسّ فيها من ليس منها ومن لا يؤمن بقوانينها ويلتزم بها، لأنها سوف تَلفظه وتُخرجه، وبحيث يصبح من المستحيل أو من شبه المستحيل أن يوجد في مناطقها من يحمل السلاح للاعتداء على الآمنين، لأنها سوف تمنعه وتلاحقه.

لقد أنذرتكم، وإنما أنا نذير ليس لي من الأمر شيء؛ عالجوا هذا الأمر اليوم ولا تتركوه حتى يستفحل ويستعصي على العلاج، إياكم أن تتهاونوا أو تتأخّروا فتفلت الأمور وتسود بيننا فوضى السلاح لا سمح الله. إني أحذّركم يوماً يأتي على الناس يقولون فيه: ألا ليست عهد الأسود يعود! إياكم أن توصلوا الناس إلى نطق هذه الكلمة، لو فعلتم وفعلوا فلن يسامحكم الناس ولن يسامحكم التاريخ. هذا نداء لكل عاقل ولكل شخص حمل السلاح، أرجو أن يُسمَع وأن يُعمَل به قبل فوات الأوان. اللهمّ إني قد بلّغت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الكتاب السوريين» تندد بمنح الأسد جائزة أدبية روسية

الدستور

30-1-2012

وجهت رابطة الكتاب السوريين رسالة إلى رئيس اتحاد كُتاب روسيا فاليري غانيشييف أدانت من خلالها منح الاتحاد جائزته للرئيس السورى بشار الأسد، واعتبروا منح الجائزة امتهانا لمسؤولية المثقف الأخلاقية والسياسية وإهانة للشعب السورى وللثقافة.

وأعلن الكتاب السوريون من خلالها «استغرابهم البالغ والشعب السوري لنبأ منح جائزتكم المميزة إلى الرئيس السوري بشار الأسد، الطاغية اللاإنساني الذي أمر ويأمر جيش نظامه وأجهزة أمنه وعصاباته اللاشرعية بقتل شعبه الثائر منذ نحو عشرة أشهر».

وأشارت الرسالة التي جاءت في شكل بيان إلى أن «هيئات عالمية مستقلة كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وضعت تقارير موثقة تثبت -بما لا يدع مجالا للشك- أن النظام مسؤول عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري».

ورأت أن قيام اتحاد الكتاب الروسي بمنح الجائزة للأسد «يعتبر امتهانا فظيعا لمسؤولية المثقف الأخلاقية والسياسية، وفيه إهانة بليغة لشعبنا الذي يثور من أجل كرامته، بل وللثقافة الروسية والشعب الروسي».

وذكر المثقفون رئيس اتحاد كتاب روسيا بأن بلاده أنجبت أدباء وفنانين بارزين فى ذاكرة الثقافة الإنسانية منهم ألكسندر بوشكين ونيقولاى غوغول وميخائيل ليرمونتوف وفيودور دستويفكسي، وإيفان تورغنيف وليو تولستوي وأنطون تشيخوف، وفلاديمير ماياكوفسكي ومكسيم غوركي.

وقال المثقفون السوريون إنهم لا يستطيعون فهم دوافع اتحاد كتاب روسيا لمنح هذه الجائزة موضحين أنه «حتى اتحاد الكتاب التابع للنظام السورى لم يفعل شيئا كهذا».

ودعوا رئيس اتحاد كتاب روسيا إلى سحب الجائزة، متسائلين عن ما إذا كانت غالبية الكتاب ال750 ألفا المنضوين في اتحاد كتاب روسيا قد وافقت على هذه البادرة غير المشرفة؟ قائلين إن قرار منحها «غريب.. يورط الشعراء والكتاب والمفكرين الروس بالموافقة على القتل والإرهاب والجرائم الوحشية».

ومن أبرز الموقعين على البيان من شعراء وكتاب ونقاد وصحافيين المفكر والكاتب السوري صادق جلال العظم والناقد مفيد نجم ونوري الجراح وياسين الحاج صالح وبدرخان علي وسمر يزبك وحليم يوسف ومنهل السراج وياسر خنجر وخلدون الشمعة وفرج بيرقدار.

كما وقعه صالح دياب وجورج كتن والمثنى الشيخ عطية وغسان المفلح وإسلام أبو شكير وجهاد صالح وعبد الباقي حسيني ورشا عمران ومحمد عبد المولى وحسام الدين محمد. يذكر أن رابطة الكتاب السوريين تم الإعلان عن تأسيسها فى مطلع العام الجارى وتضم أكثر من 110 مثقفين سوريين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«سوريا جديدة».. بعد قرار الهروب إلى الأمام .. اياد ابو شقرة

الشرق الاوسط

30-1-2012

«قوى الأمن الداخلي حريصة على المضي في الكفاح والنضال لتطهير التراب السوري من رجس المارقين والخارجين على القانون، لإحقاق الحق، وإعادة الأمن والأمان الذي كانت تعيشه سوريا».

(اللواء محمد الشعار، وزير الداخلية السوري)

ساعات حرجة بلا شك، بالنسبة للمنطقة العربية عموما، ولسوريا بصورة خاصة. وأي حوار مع موسكو عندما يكون في رأس اعتباراتها السياسية الاحتفاظ بمواطئ قدم هنا وهناك.. مسألة لا تخلو من صعوبة.

أصلا، كانت القيادات الروسية في مختلف العهود تقريبا، قليلة الاكتراث بمعاناة الشعوب. ولهذا أصلا انتهى صلف روسيا القيصرية بالثورة البلشفية. وبعد عقود من الزمن، تحول «الرفيق الأحمر» الأول و«قوميساراته» إلى نسخ متجددة عن القياصرة، ولم يدرك آخرهم، ميخائيل غورباتشوف وجود فارق جوهري بين من آمن بالاشتراكية، كفكر وممارسة تستند إلى مبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، ومن أجبر على ببغائيات خطابها بفعل انتشار سطوة «الجيش الأحمر». وكانت النتيجة، كما رأينا، سقوط كيان الاتحاد السوفياتي ومعه قياداته العتيقة التي كفرت بإنسانية الشعوب، بينما ظل هناك اشتراكيون واشتراكيات (بشتى الصور والنسب) في كوبا ونيكاراغوا، والكثير من دول الشرق الأقصى وأفريقيا.

روسيا السوفياتية، انتهت مع غورباتشوف محاميا فاشلا عن العدالة الإنسانية وحقوق الشعوب.. وفي النهاية، خذلت نفسها. وفلاديمير بوتين، الذي يرفض اليوم حقن دماء السوريين ويدفعهم دفعا إلى أحضان الراديكالية الدينية، هو ابن حقبة العد التنازلي لانهيار الاتحاد السوفياتي. إنه ربيب مؤسسته الأمنية في سنوات الحكم السوفياتي الأخيرة الممتدة بين ترهّل حكم ليونيد بريجنيف.. وسوء تقدير ميخائيل غورباتشوف وفساد بوريس يلتسين.

ولكن لندع روسيا وشأنها. ففي نهاية المطاف لا أخلاقيات في السياسة. وروسيا اليوم لا تستخف بآلام السوريين حبا في الرئيس بشار الأسد، وإعجابا بنضاليته - بعكس إعلان اتحاد كتابها الجهابذة - بل إنها، كما غدا واضحا، تتواطأ على القتل لاعتبارات تتعلق بتبادل المصالح والابتزاز مع الولايات المتحدة.

فبعد سنة من نجاح المواطن العربي، ابتداء من تونس ومصر في كسر حاجز الخوف من التسلط والديكتاتورية، يظهر أن ثمة أنظمة تسلطية اختارت - أو اختار لها حلفاؤها الإقليميون - اعتماد «أسلوب الهجوم خير وسائل الدفاع». وبدلا من أن تشعر بشيء من وخز الضمير، قررت المضي في «خيار شمشون»؛ عليّ وعلى أعدائي، حتى النهاية.

قد يقول قائل إن الأنظمة التسلطية ليست بالضرورة من نسيج واحد. وهذا صحيح. فهناك مثال أدولف هتلر الباطش باسم العرقية الجرمانية، وبعكسه مثال جوزيف ستالين «الأقلياتي» الجورجي، الذي قاد الاتحاد السوفياتي «الأممي» ذا الأغلبية السلافية. وفي العالم الثالث، تتعدد الأمثلة على مد النظر تحت مختلف المسميات والألقاب.. من «عروبة» صدام حسين و«أممية ملك ملوك أفريقيا»، معمر القذافي، إلى «شعوذة» فرانسوا دوفالييه (بابا دوك) و«إمبراطورية» جان بيديل بوكاسا.. مرورا بنماذج فرديناند ماركوس وسوهارتو ومحمد ضياء الحق.. ذات المذاقات الآسيوية الحرّاقة.

تشكيلة غنية بالشعارات الفضفاضة، وبأنهار الدم الغزيرة أيضا.

اليوم، بعد أكثر من 7 آلاف قتيل ونحو 70 ألف موقوف وسجين، بشرنا وليد المعلم، عميد الدبلوماسية السورية، قبل أيام، بأنه «نزولا عند طلب الجماهير»، قرر نظام الرئيس بشار الأسد إنهاء حالة الاضطراب الحاصلة في سوريا عن طريق «الحل الأمني».

الجديد في هذا الكلام، الذي ما استغربه إطلاقا مستمعوه من السوريين واللبنانيين، وكذلك الفلسطينيون والعراقيون، أنه أولا يعترف بوجود حالة اضطراب أمني خطير، بعدما دأب الإعلام السوري الرسمي قبلا على اعتبار المسألة كلها مجرد اختلاق تآمري من قنوات فضائية بعينها. وثانيا، أن هذا النظام، الذي حكم سوريا منذ خريف 1970 بعضلات أجهزة الأمن والاستخبارات.. ما عاد يستطيع أن يرفض ل«الجماهير» طلبا.. يا سبحان الله!

ولكن إذا لم يكن هناك مبرر لاستغراب الموقفين الحكوميين الروسي والسوري، فماذا عن الموقف العربي، أو بالأحرى المواقف العربية، بعد 11 شهرا على القمع الدامي الممنهج، على امتداد التراب السوري تقريبا؟

الميوعة والارتباك كانا السمة الغالبة على المشهد العربي، ولا أدل على ذلك من «فياسكو» بعثة المراقبين العرب المرسلة إلى سوريا، بناء على خدعة أخرى من خدع دمشق. وهذا مع أن ثمة من يشير إلى دفاع الدكتور نبيل العربي.. بما معناه أن المجتمع الدولي لو كان حقا يريد التدخل لكان قد تدخل من دون انتظار موقف جامعة الدول العربية. ولكن مع وجاهة هذا المنطق، فإن تأمين الجامعة، مرة تلو الأخرى، «غطاء» كافيا للنظام في دمشق لارتكاب مزيد من أعمال القمع والقتل.. ينطوي على خطرين اثنين:

الخطر الأول، هو طمأنة نظام دمشق إلى أن الجامعة عاجزة حقا عن ردعه، مما سيشجعه أكثر على القمع والقتل.

والخطر الثاني، تأخير الوصول إلى نقطة ما، مع تراكم الخسائر البشرية، تجبر المجتمع الدولي على التحرك.

اليوم، يمكن القول بكثير من الأمانة إن النظام السوري أدخل نفسه في نفق لا منفذ آمنا له. فهو راهنا، تحت ستار التصدي لغول الطائفية والمذهبية والأصولية الدينية، يدفع سوريا دفعا إلى شفير الحرب الأهلية، بعدما نمّى في الشارع السوري - عن تعمد أو عن غباء - أسوأ أشكال الاحتقان الفئوي البغيض.

ثم تحت أكذوبة العروبة، سلم القرار الاستراتيجي في حسم مصير سوريا إلى إيران وإسرائيل. والمرجح، مع الأسف، أن إيران وإسرائيل، وبدرجة أقل، تركيا.. ستلعب الدور الأكبر في رسم شكل «سوريا الغد».

وعلى الرغم من سنوات كثيرة من التشدّق اللفظي بالممانعة، مقابل الفرض على الآخرين دفع ثمنها، ها هو النظام يُسقِط سوريا في شرك اللعبة نفسها التي كان «يبيعها» للغير. «الممانعة» كما يكتشف السوريون الآن، كانت شعارا سهلا ومربحا، وكاذبا أيضا، استُخدِم طويلا على أشلاء الفلسطينيين ثم اللبنانيين ثم العراقيين، قبل أن يأتي زمن كشف حقيقته.

إن سرعة قبول إسرائيل برحيل حسني مبارك، على الرغم من «كامب ديفيد»، وتعطيلها حتى الآن تحت الستار أي حسم ضد النظام السوري بعد 11 شهرا من القتل اليومي.. يعني شيئا واحدا فقط، هو أنها لا تمانع في بقاء هذا النظام، بل تفضّل بقاءه تحت سقف مقبول، وبموجب تصور لمستقبله تظل هي شريكة فيه.

غير أن نظام دمشق يتصرف الآن وفق حسابات قد لا تكون بالضرورة واقعية. ولعل تسارع الأحداث خرج عن قدرة النظام على التحكم بها، بمعنى أنه كان ارتأى أن الحل الأمني وحده كاف لدب الرعب في معارضيه، الذين سيتعبون وينقسمون. ولكن مع السير أبعد في قمع تأقلم معه المعارضون.. وجب التفكير في خيارات أخرى.

والمؤسف في حالة القوى الفاشية الساعية إلى مواصلة الهيمنة، أنها عندما تصل إلى المأزق الكبير، تختار التقسيم. وما يظهر الآن أن النظام - من دون أن يعترف بذلك علانية - صار يفكر جديا باحتمال عجزه مستقبلا عن حكم كامل التراب السوري.. وهنا يبرز «الخيار الاحتياطي» المخبأ لحالات الطوارئ، أي التقسيم الذي أعد له بنيته التحتية منذ فترة غير قصيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مئة وثلاثون أسلوباً لإسقاط النظام السوري  .. فاتح الشيخ

كاتب سوري مقيم في ألمانيا

من المعلوم أن الثورة الوطنية الديمقراطية التي أشعلها الشباب الديمقراطي السوري في 15/3/2011 ، والتي توفرت كافة اشتراطاتها الموضوعية وشرارتها الذاتية ،و المعبرة عن ضمير الشعب، قد أتت تلبية لحاجات وطنية داخلية صرفة، ومعتمدة على قواها الوطنية الذاتية، باعتبارها قوام الثورة وأساسها ، والتي تجسدت بشعار إسقاط النظام الدكتاتوري ، وبناء نظام ديمقراطي تداولي ، يقيم دولة وطنية مدنية تسودها الحرية والعدالة الاجتماعية، وجميع المؤثرات الإقليمية والعربية والدولية الضاغطة على الشأن السوري تبقى مؤثرات محدودة الأهمية، ولا تخدم سوى مصالحها، وترتفع وتنخفض مواقفها تبعاً للحراك الثوري الداخلي المستقل، وعليه لا يكون الخارج سوى انعكاساً للداخل الوطني وخادماً له.

إن الطريقة العملية المناسبة لتفكيك النظام السوري لا يمكن أن تأتي إلا من خلال تصميم الشعب السوري نفسه، وثقته بقدراته المحلية ، وخلق و تنمية المقاومة الذاتية والمناعةالداخلية لديه ، وبناء وتمتين مؤسسات وسلطات وطنية ثورية بديلة ، ووضع خطة إستراتيجية للعصيان المدني ، بتكتيكات تنفيذية وبرامج عمل محددة.

إن الأسلوب التنفيذي الذي يمتلكه الشعب السوري صاحب المصلحة الحقيقية في التغيير السياسي ، هو سلوك سبيل النضال السلمي (اللا عنفي) ، الهادف إلى ضرب النقاط الضعيفة التي يرتكز إليها النظام في ( السياسة، الاقتصاد، المالية، الإعلام، الاجتماع، الثقافة، الأيديولوجيا ... )، والتي لا يستطيع العيش بدونها و التي يمكن التركيز فيها على ضرب نقطة محددة أو نقاط متعددة معاً، وتجنب محاولة استهداف النقتطين القويتين العسكرية والأمنية، والتي يتمتع فيهما النظام بفائض القوة، باستثناء الحالات الدفاعية التي يقوم بها الجيش الوطني الحر تجاه المدنيين العزل.

إن تدمير النظام السوري ليس أمرا سهلا ، حيث من المتوقع أن يكون هناك العديد من التضحيات التي يدفعها الشعب أثناء سريان العصيان، لإجباره على الخضوع و التعاون و الطاعة، مع بيان أن سلوك سبيل العصيان المدني ليس بالأسلوب الأمثل ، لكنه الأسلوب الأقل سوءاً ( دون الشهد إبر النحل ) ، مع تأكيدنا أن النضال السلمي (اللاعنفي) المستهدف نقاط ضعف النظام توفر فرصة أكبر للنجاح من اتباع سبيل النضال الهجومي العنفي، المستهدف نقاط قوة النظام (جيش السلطة...).

لقد أصبح النظام السوري عقب قيام الاتحاد الأوربي بحظر شراء نفطه (بالإضافة إلى إيران ) - لا يمتلك قوة اقتصادية ذاتية ريعية ، بل يعتمد في مصادر قوته على تعاون وطاعة أبناء الشعب ومواردهم المحلية فقط ، لذا كانت المقاطعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة من قبل المواطنين هي الكفيلة لقطع مصادر هذه القوة وإصابته بالشلل والإفقار ، من خلال اتباع القاعدة العصيانية الذهبية التي تقول للشعب : ارفض ما يريده النظام ، وقم بما يرفضه النظام .

إن استراتيجية العصيان المدني السلمي هي الخيار الشعبي التطبيقي (الإجرائي) التي يمتلكها الشعب بيديه ، وهي الأكثر تنويعاً وتحديداً ، وأقل كلفة مقارنة بأسلوب العنف، و القادرة على استخدام كافة أسلحة الشعب النفسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، في حصار النظام .

ومن المعروف أن استراتيجية العصيان المدني قد أثبتت نجاحها في إسقاط العديد من الأنظمة الدكتاتورية في (رومانيا و بولندا و هنغاريا و ألبانيا و ألمانيا الشرقية وبلغاريا و تشيكوسلوفاكيا وبوليفيا و تشيلي و مالي ومدغشقر و تونس و مصر...)، مع تذرع كل شعب من شعوبها قبل سقوط نظامه الاستبدادي أن حالته خاصة ومختلفة عن الشعوب الأخرى !!! ومن بينهم الشعب السوري المجاهد.

ومن الجدير بالذكر أن استراتيجية العصيان المدني تتصف بالآتي :-

* أن الشعب هو من يحدد استراتيجية النضال لمعرفته بنقاط قوته ، ونقاط ضعف النظام

* امتلاك الشعب زمام المبادرة ، من حيث التوقيت والتكتيك والمجال .

* امكانية تركيزها على أكثر من مجال ، مع مرونة التركيز على مجال محدد .

* مساهمة أغلب المواطنين فيها .

* تعليم الشعب الاعتماد على نفسه في تحصيل حقوقه ومكتسباته .

* ضامنة بناء نظام ديمقراطي مستقبلي .

* إن إمكانات الشعب دائماً وأبداً أقوى من إمكانات النظام.

* تؤسس لبناء منظمات مجتمعية جديدة، أو إحياء منظمات قديمة من خلال تفعيلها.

لقد بات من الضرورة القصوى العمل على تحقيق نقلة نوعية في النضال الثوري الديمقراطي، من خلال تطويرشكل المجابهة مع النظام السوري من التحدي السياسي إلى التحدي الاقتصادي والاجتماعي ، وعدم الاكتفاء بالإضرابات والمظاهرات الاحتجاجية (إضراب الكرامة) ، والانتقال الفوري من المرحلة الاحتجاجية التظاهراتية إلى المرحلة العصيانية التمردية .

إن تطور المعركة مع النظام يفرض علينا عدم الاقتصار على الأسلوب الأُحادي ، والعمل على استخدام الأساليب المتقدمة والمتنوعة التي يقدحها العقل الجمعي للشعب، باستخدام الأساليب الاحتجاجية واللا تعاون الاقتصادي واللا تعاون الاجتماعي واللا تعاون السياسي ، وأساليب التدخل السلمي ذات النفس الطويل ، التي تتوافق والحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وصلت إليها الحالة الوطنية ، والنضج الثوري ، وتطبيقها بشكل واسع ومدروس في سياق عصيان مدني شامل وبرامج عمل محددة ومفصلة لتفكيك النظام ، وأخذ البلد باتجاه نظام ديمقراطي تعددي.

ويمتلك الشعب السوري بيديه أكثر من (130) أسلوبا لحصار النظام وإضعافه تمهيدا لدفنه، و الهادفة إلى قطع مصادر قوته و ارتزاقه وتجفيف الموارد التي تغذي حكمه و آلته العسكرية و القمعية من موارد بشرية و اقتصادية و مالية و خدمية (1) ... حيث أن النظام يعتاش على الشعب ، و هي:

أساليب احتجاجية

خطابات في الساحات العامة – للذكور والإناث ولكافة الأعمار

المقاطعة الاجتماعية للمسؤولين

الزيارة – الزواج - الهاتف

عرائض موقعة

بيانات تصدر عن المنظمات والمؤسسات

لافتات وملصقات

نشرات وكاريكاتورات

تمثيل انتخابات صورية (هزلية )

رفع علم المرحلة الديمقراطية لسورية

الكتابة على الجدران

الصلوات الجماعية في المساجد والكنائس

اعتصامات

استخدام إشارات معبرة

توزيع أغراض تتضمن رموز خاصة

إذاعات محلية

منشورات وتسجيلات

عرض اللوحات الفنية المعبرة

استخدام الدهانات

استخدام الأصوات كرموز

توبيخ المسؤولين

المؤاخاة بين المواطنين

الاعتكاف

قافلة السيارات والدراجات

مشاهد لمسارح شعبية

عقد اللقاءات

مسيرات ليلية

مسيرات نهارية

هتافات من خلال شرفات المنازل

عزف موسيقى شعبية

الغناء

اعتصامات أمام بيوت المسؤولين

رفض التشريفات

رسائل معارضة أو تأييد

العصيان الاجتماعي

التشييع المهيب للشهداء

زيارة المقابر

اللباس الأسود حداداً

عدم حضور النشاطات الرياضية

عدم حضور النشاطات الاجتماعية

البقاء في البيوت

إضرابات الطلاب

الانسحاب من المؤسسات الاجتماعية

الاختفاء الجماعي من الشوارع

اللا تعاون الشخصي مع المسؤولين

عدم شراء صحف السلطة

مقاطعة إعلام السلطة

مقاطعة سفارات الدول الداعمة للنظام

السلبية مع المسؤولين

التذكير المستمر بالماضي الديمقراطي لسورية

التذكير بالانتقال الديمقراطي للبلدان الأخرى

استثارة حمية الجيش

مظاهرات سريعة – طيارة -

أساليب اللا تعاون الاقتصادي

سحب الودائع البنكية لدى البنوك الحكومية ووقف التعامل معها

سياسة التقشف وخزن المواد الغذائية والمستلزمات الطبية

عدم استهلاك المنتجات المقاطعة داخل البلد

مقاطعة التجار غير الملتزمين بالثورة

حظر بيع المنتجات للدول الداعمة للنظام

مقاطعة المنتجات للدول الداعمة للنظام

الامتناع عن دفع الرسوم والضرائب وفواتير الماء والكهرباء والتلفون

الامتناع عن دفع الاستحقاقات الحكومية

الامتناع عن قبول الليرة السورية

مقاطعة الوكلاء المتحالفين مع النظام

الامتناع عن دفع الديون المستحقة للنظام

الامتناع عن بيع المحاصيل الزراعية للنظام

الامتناع عن تزويد النظام بالمنتجات

الامتناع عن بيع الخدمات للنظام

الإغلاق الاقتصادي على مستوى المدينة أو النشاط أو القطاع

الإضراب الصناعي

الإضراب التصاعدي

إضراب الصدمة

الإضراب المحدود

إضراب عام

الإضراب بالغياب المرضي (تمارُض) للمدنيين والعسكريين

إضراب مؤقت

العمل في أوقات العطل الرسمية

العمل ليلاً لفترة محدودة

العمل نهاراً لفترة محدودة

الامتناع عن تزويد النظام بالخدمات

مقاطعة السجائر والتنباك الحكومية

مقاطعة شركة الطيران السورية

مقاطعة قطارات السكك الحديدية الحكومية

مقاطعة مواصلات النقل الداخلي

للبلديات

أساليب اللا تعاون السياسي

سحب الولاء

مقاطعة الهيئات التشريعية

مقاطعة الوظائف الحكومية

مقاطعة المراكز الحكومية

الانسحاب من المؤسسات الحكومية

الامتثال البطيء

مقاطعة المنظمات التي تدعمها السلطة

رفض حل المؤسسات القائمة

رفض مساعدة الجهات التنفيذية

العصيان العام

العصيان المقنع

الاعتصام

رفض الخدمة العسكرية الإلزامية

قطع خطوط اتصال الإدارة والمعلومات

التمرد

المماطلة والإعاقة

عدم التعاون الإداري

عدم التعاون القضائي

عدم فعالية مقصود

تجمعات لطلب خدمة معينة

إعاقة مرور المسؤولين

أساليب التدخل السلمي

الصيام

الإضراب عن الطعام

التحرش الناعم بالنظام

الاقتحام السلمي

الحاجز السلمي

الاحتلال السلمي

الاعتراض السلمي

المماطلة

سلطات بديلة

أسواق بديلة

أنظمة مواصلات بديلة

مؤسسات اقتصادية بديلة

مؤسسات اجتماعية بديلة

ازدواجية السلطة

كشف هوية العملاء السريين

إرهاق الدوائر الحكومية

إغلاق الهواتف النقالة

إغلاق الطرق الداخلية والدولية

أيها الثوار :

أنتم من أشعل الثورة ، وأنتم من اختار أسلوب النضال السلمي

وأنتم من قرر موت النظام جوعاً

_______________

(1) للمزيد : استراتيجية العصيان المدني طريق الشعب السوري لتفكيك النظام (فاتح الشيخ – جوجل)

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مجزرة حماة 1982 ....... ونصرنا القريب بإذن الله .. بقلم : الدكتور عثمان قدري مكانسي

أسباب اندلاع الأحداث

جاءت تلك الأحداث الأليمة في حماة قبل ثلاثين سنة في سياق صراع عنيف بين نظام الرئيس حافظ الأسد والإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في تلك الفترة من أقوى وأنشط قوى المعارضة في البلاد.

واتهم النظام حينها جماعة الإخوان بتسليح عدد من كوادرها وتنفيذ اغتيالات وأعمال عنف في سوريا من بينها قتل مجموعة من طلاب مدرسة المدفعية في يونيو/حزيران 1979 م في مدينة حلب شمال سوريا.

ورغم بُعد الإخوان عن تلك التهم وتبرّئهم من أحداث مدرسة المدفعية فإن النظام آنذاك اغتنم الحادثة وشن حملة تصفية واسعة في صفوفهم، وأصدر القانون 49 عام 1980 م الذي يعاقب بالإعدام كل من ينتمي لجماعة الإخوان .

أحداث المجزرة

دامت المجزرة 27 يوماً بدءاً من 2 شباط/فبراير 1982 م. وقد قام النظام السوري بحشد:

سرايا الدّفاع.

واللواء 47/دبابات.

واللواء 21/ميكانيك.

والفوج 21/إنزال جوّي (قوات خاصّة).

فضلاً عن مجموعات القمع من مخابرات وفصائل حزبية مسلّحة.

سقط ضحية هذه العملية الأمنية العسكرية قرابة أربعين ألفاً وفق تقديرات اللجنة السورية لحقوق الإنسان، وهدمت أحياء بكاملها على رؤوس أصحابها كما هدم 88 مسجداً وثلاث كنائس، فيما هاجر عشرات الآلاف من سكّان المدينة هرباً من القتل والذّبح والتنكيل.

تشير التقارير التي نشرتها الصحافة الأجنبية عن تلك المجزرة إلى أن النظام السوري منح القوات العسكرية كامل الصلاحيات لضرب المعارضة وتأديب المتعاطفين معها. ولتفادي الاحتجاجات الشعبية والإدانة الخارجية فرضت السلطات تعتيماً على الأخبار، وقطعت طرق المواصلات التي كانت تؤدي إلى المدينة، ولم تسمح لأحد بالخروج منها، وخلال تلك الفترة كانت حماة عرضة لعملية عسكرية واسعة النطاق شاركت فيها قوات من الجيش والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع والاستخبارات العسكرية ووحدات من المخابرات العامة والمليشيات التابعة لحزب البعث. وقاد تلك الحملة العقيد رفعت الأسد الشقيق الأصغر للرئيس السوري حافظ الأسد الذي عين قبل المجزرة بشهرين مسؤولاً عن الحكم العرفي في مناطق وسط سوريا وشمالها ووضعت تحت إمرته قوة تضم 12 ألف عسكري مدربين تدريباً خاصاً على حرب المدن.

وبدلاً من أن تتخذ السلطات السورية الإجراءات الكفيلة بالحد من آثار المجزرة وتداعياتها على سكان المدينة المنكوبة والمجتمع السوري بشكل عام، والتحقيق في أعمال التنكيل والعنف التي وقعت ضد الأهالي وأبيدت خلالها أسر بكاملها، فقد عمدت إلى مكافأة العسكريين المشتبه في تورطهم فيها والذين كان لهم ضلع مباشر في أعمال القمع، ومن بين هؤلاء العقيد رفعت الأسد الذي عين نائباً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، وضباط كبار في الجيش والمخابرات جرى منحهم رتباً أعلى، كما تم تعيين محافظ حماة آنذاك محمد حربة في منصب وزير الداخلية، وكانت تلك الإجراءات بمثابة استهتار بالمشاعر العامة غير مسوغ أبداه النظام الدموي الكاره للشعب ودينه، وتأكيداً واضحاً على استمرار منهجية القوة بدلاً من الحوار في التعاطي مع الشؤون الداخلية. وهذه طبيعة كل نظام ديكتاتوري ظالم.

لقد عكست مجزرة حماة تحولاً واضحاً في السياسة التي اتبعها النظام السوري في حينه تمثل في الاستعانة بالجيش والقوات المسلحة على نطاق واسع لإخماد العنف السياسي الذي اندلع بين عامي 1979 م و 1982 م، والزج بالمدنيين في معترك الصراع مع المعارضة، وقد كان هؤلاء المدنيون هم الضحية الأبرز في هذه المجزرة المروعة، حتى إن سوريا بعد تلك الوحشية التي استخدمها النظام لم تشهد أي احتجاجات شعبية على السياسات التي ينتهجها النظام إلى عام 2011 م عندما اندلعت الثورة السورية

المباركة طاردة الخوف من قلوب الشعب الذي هب بكل فئاته يطالب بحقه المغصوب .مظهراً بطولة رائعة بهرت الأمم جميعاً قاصيها ودانيها .

وظن الجزار بشار ابن الجزار حافظ أن القمع والقتل كفيلان دائماً بقمع الشعب وإرهابه ، ولكن هيهات هيهات ، فالحرية دقت أبواب الأمة ،وشعبنا يزداد تصميمه يوماً بعد يوم على نيل حريته والقضاء على النظام المجرم وأركان الفساد في ربوع وطننا الحبيب ، وهو يبذل الغالي من دماء أبنائه وشبابه في سبيل انتزاع حقه من طغمة الحاكم النذل بشار ومن يسانده .

إن بشائر الحرية تلوح في أفق بلدنا الحبيب ، والصبر والثبات والاتكال على الله تعالى أقوى سلاح في أيدينا ، وسوف ننال ما نسعى إليه ونعمل له بإذن الله ، وإن غداً لناظره قريب .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مدى ملاءمة السيناريو اليمني للحالة السورية .. مها بدر الدين

الرأي العام

29-1-2012

اتفقت جميع الجهات المعنية بحل الأزمة السورية على تقديم مبادرة عربية بنكهة يمنية كحل سياسي قد يرضي أطراف النزاع القائم في سورية سواء النظام الأسدي أو أطياف المعارضة وحتى الشارع الثائر رغم تحفظاته الكثيرة على بنود المبادرة كونها لا تتناسب زمنياً مع قوة الهجمة البربرية العسكرية تجاه المواطنين السوريين الثائرين سلمياً.

هذه المبادرة التي انبثقت عن جامعة الدول العربية بعد دراستها لتقرير بعثتها الرقابية ممهوراً بتوقيع رئيسها سيئ الصيت والذكر، قد أعلنت بشكل واضح وصريح انتهاء حكم بشار الاسد وسقوط نظامه الفاشي، ودعت إلى العمل على إيجاد السبل الكفيلة بإخراجه من دائرة الضوء السياسية السورية وإقصاء رموز الفساد السياسي والاقتصادي والأمني وتسليم السلطة للمعارضة السورية الممثلة للثورة السورية خلال جدول زمني تضمنته بنود المبادرة، ورغم أن هذه المبادرة كانت أقصى ما يمكن للجامعة العربية أن تقدمه للشعب السوري كحل سياسي، إلا أنها أغفلت أو تغافلت عن نقاط الاختلاف بين الواقع اليمني والحال السوري وبالتالي صعوبة تطبيق هذا الطرح على الساحة السورية لأسباب جوهرية.

أولها طبيعة التركيبة الإدارية والعقائدية لكلا النظامين، فالنظام اليمني يعتمد في تركيبته على رئيس الدولة وعائلته الصغيرة والحلقة الضيقة من العائلة الكبيرة وبعض المحابين من العشيرة والمستفيدين من هذا النظام لكن الكلمة العليا في هذا التشكيل للرئيس وحده الذي يسيطر على جميع مفاتيح هذه التركيبة وبالتالي يتحكم بتنفيذ قراراته وتعهداته أمام المجتمع الدولي والعربي، أما النظام السوري فإنه نظام أخطبوطي له رأس واحد يتمثل برئيس الجمهورية والكثير من الأذرع الممتدة هنا وهناك وكل منها يمسك بما قدر له من مقدرات الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية، ورغم أن جميع هذه الأذرع تتصل برأس واحدة إلا أن الخلل في قدرات هذا الرأس السياسية والديبلوماسية أدى إلى فقدانه السيطرة على أذرعه وبالتالي أصبح لكل ذراع الحرية في التحرك نحو الاتجاه الذي تراه مناسباً من وجهة نظرها لتحقيق أهدافها في الاستمرار والبقاء بعيداً عن الرأس الذي تحول بتخبطه العسكري وعدم نضوجه السياسي عبئا على الكثير من هذه الأذرع التي ترى في نفسها الكفاءة لتحل محل الرأس المختل، فالنظام السوري لا يحكمه بشار الأسد فقط بل يشاركه في الحكم مجموعة من أفراد أسرته لكل منهم طموحاته وأهدافه ورؤيته لمجرى الأحداث، بل أن هذه المجموعة تستطيع التحكم بقرارات الرئيس نفسه وتفرض على الواقع السوري بصمتها الخاصة، كما أن للطائفة التي ينتمي لها الرئيس دورا سياسيا مهما تمارسه من خلاله بوصفه مسؤولاً عن الحفاظ على الحكم العلوي الذي شيده والده على دماء الكثير من أبناء الشعب السوري، ويصعب على الكثير من أفراد الطائفة التخلي عن فكرة تسيدهم على الشعب السوري بعد أن تمتعوا ببهجة هذه السلطة ورخائها لأكثر من أربعين سنة مضت كانت لهم خصباً وثراء وكانت للشعب قاحلة جدباء.

ثانيها البعد الإقليمي لكلا النظامين، فالنظام اليمني ينحصر دوره الاقليمي في منطقة الخليج التي تجمعها مع اليمن البيئة الخليجية الاجتماعية والسياسية والثقافية والإنسانية، من هنا انحصر التدخل الخارجي في الشأن اليمني بالمبادرة الخليجية التي استطاعت أن تسيطر نوعاً ما على الوضع اليمني واستطاع القائمون عليها إقناع علي صالح بتوقيعها والعمل بمقتضاه وقد كان، أما النظام السوري فله دور اقليمي متشعب مع دول عربية وغير عربية حدودية وغير حدودية إسلامية وغير إسلامية، ولهذا الدور الكثير من التفاصيل الغامضة التي لا يحيط بها الكثيرون ومنها بعض الخطوط العريضة التي أصبحت واضحة للعيان ولا يمكن للمرء أن ينكر وجودها، من أهمها الخط الإيراني الذي يتداخل عقيدياً وعقائدياً مع النظام السوري الحالي بحيث يصعب على الإيرانيين التخلي عن هذا النظام لأن في هذا تخليهم عن عقيدة أساسية في انتمائهم الديني وعن حلم قديم يحاول الفرس تحقيقه في ربط طهران بالجنوب اللبناني عبر المرور من دمشق واللعب على أوتار الطائفة، وهناك الدب الروسي العنيد الذي لم يجد حتى الآن من يدفع له أكثر ثمن إغلاق قاعدته العسكرية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط المشيدة على الساحل السوري والتي تعتبر متنفسه الوحيد لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع التواجد الأميركي في المنطقة، كما لا ننسى إسرائيل التي لا تجد حتى الآن مصلحة لها في التخلي عن حارسها الأمين وحليفها السري المخلص الذي لم يدخر وسعاً خلال أربعين سنة من الحفاظ على هدوء حدودها من الناحية السورية.

ولعل اختلاف التركيبة السكانية في كلا البلدين تلعب دوراً مهما في إمكانية تطبيق هذه المبادرة، فالشعب اليمني له مرجعية عشائرية يلتزم بها عند اللزوم ويرضخ لقرار شيوخها في تحريك الشارع اليمني، أما المجتمع السوري ففيه تنوع اثني عشري كبير تمتاز الاقليات فيه بوجود مرجعيات لها توجهها حسب ما تراه، أما الأغلبية السنية صاحبة الثورة ومحركها الأساسي لا يوجد لها مرجعية واحدة وبالتالي يصعب التحكم بحركتها في الشارع وبتوجهات أفرادها السياسية والميدانية، كما أن التعسف في استخدام القوة العسكرية بشكل إجرامي وممنهج يجعل من تقبل الشارع السوري للمبادرة العربية التي تنقذ رأس النظام من جرائمه وتترك أذرعه منطلقة تعيث فساداً ودمارا في البلاد أمراً بالغ الصعوبة.

من هنا يصعب الحكم على مدى ملاءمة هذا السيناريو للحالة السورية وعلى إمكانية تحقيق هذه المبادرة العربية المستنسخة من المبادرة الخليجية في اليمن، لاختلاف الحال السياسي والواقع الميداني وموقف الشارع والنظام الذي أن قبل رأسه بها فقد تلفظها أذرعه لنعود للدوران بدائرة الجامعة العربية الفارغة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فك الاشتباك بين السّلمية وحق الدفاع عن النفس في سورية  .. د. وائل مرزا

الأحد 29/01/2012

المدينة

في بدايات الملحمة السورية الكبرى، كنت تُبصر في التظاهرات لافتةً كُتبت عليها الآية الكريمة المعروفة: {لئن بسطتَ يدك إليّ لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك}. كان رفعُ هذه الآية محاولةً لمخاطبة ماتبقّى من إنسانيةٍ في قلوب من تبيّن بعد ذلك أنهم أبعد مايكونون ابتداءً عن امتلاك صفات البشر. تتعلق الآية المذكورة أصلاً بقصّة قابيل وهابيل كما تقول بعض الروايات، وهي تقدم نموذجاً لمحاولةٍ استباقية يقوم بها إنسانٌ ليحمي أخاه الإنسان من الوقوع في أكبر جريمة يمكن أن يقع فيها، ألا وهي جريمة القتل.

يستعمل الإنسان الخيّرُ (الكلمة الطيبة) في محاولته تلك ليمنع وقوع جريمةٍ على المستوى الفردي. لكن النجاح في تحقيق الهدف من خلال إرسال تلك الرسالة يتطلب وجود جهاز استقبال لدى الإنسان الآخر.

ذرةٌ من ضمير تكفي في هذا المجال حتى لانطلب شيئاً أكثر من ذلك.

أما حين ينحطُّ الإنسان فيفقد كل مقوماته وصولاً إلى تلك الذرّة. وحين يُمسي القتلُ بالجملة وعن سابق نيةٍ وإصرار هو القاعدة، خاصةً لمن يُفترض بهم أن يكونوا أهلاً ومواطنين، فقط لأنهم يطالبون بالحرية والكرامة، فإن الحكم على الموضوع يُصبح مختلفاً بكل الشرائع والقوانين.

يحاول النظام السوري أن يقتل طهارة الثورة السورية، وأن يُشوّه نقاءها الأصلي، باستخراج أخسّ مافي شخصية زبانيته وأعوانه. فحين يُمعن في ممارسات القتل العشوائي الشامل بكل ألوانها وأساليبها كما جرى في الأيام الماضية، وكما يجري إلى الآن، يُصبح ذلك القتل هدفاً ووسيلةً في آنٍ واحد.

فالقتل هدفٌ لأنه يرمي إلى تصفية أكبر عدد ممكن من الثوار وأنصارهم. وهو وسيلةٌ لأنه يرمي إلى خلط الأوراق من خلال إظهار عمليات الدفاع المشروعة عن النفس وكأنها دليلٌ على أن الثورة السورية عنيفةٌ ومُسلحّة.

والحقيقة أن هذه الثورة تواجه تحدياً كبيراً في هذا الإطار. لكنها تُظهر قدرةً على مواجهة هذا التحدي والعمل وفق التوازنات الدقيقة المطلوبة فيه. ثمة أمثلة كثيرة على الموضوع نطرح منها مثالاً معبراً في هذه العجالة. فعندما نادى البعض بتسمية يوم الجمعة الماضي ب (جمعة الجهاد)، طرحت صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد، أكبر صفحات الثورة على الإنترنت، والتي تنسق تسمية أيام الجمع الرأي المعبّر التالي:

«بالنسبة لما توارد عن تسمية يوم الجمعة القادمة باسم جمعة الجهاد :

صفحة الثورة لن تطرح تسمية الجهاد الجمعة القادمة، وإن كانت قد وصلتها أكثر من مرة في الأسابيع الماضية .. لأنها تعلم تبعاتها وآثارها .. وتعلم أن رسالتها - ككلمة - لا تمثل كل فكر السوريين، فلن تفرض عليهم شيئا لا يريدونه، وإن كان بوسيلة ديمقراطية صحيحة.. فالغاية لا تبرر الوسيلة..

صفحتنا بادرت بجهد تسمية أسماء الجمع، وتنسيق طريقة طرح خيارات التصويت - فليست كلها منها - على اعتبار أن بها أكبر عدد من المعجبين، فبالتالي فهي النافذة الأكبر لهم.. وكانت تجتهد ما استطاعت، فتصيب وتخطئ .. فالقائمون عليها ليسوا ملائكة كذلك .. لكنهم يبذلون ما استطاعوا لأن يكونوا بحق صوتا يمثل الثورة والثوار ..

فلنلتمس لبعضنا الأعذار، بدلا من أن نتصيد الأخطاء .. ولنحسن الظن ببعضنا ونوايانا، بدلا من أن نطلق الاتهامات يمينا ويسارا .. ففي النهاية نحن في خندق واحد، أمام مجرم واحد .. وفرقتنا لن تعين غيره.

منذ أول بخة لطفل على جدران درعا، منذ صرخة الميلاد الأولى في سوق الحميدية: الشعب السوري ما بينذل، منذ أول هتاف - كان يعد جنونا - في شوارع مدننا وحاراتنا؛ فقد كان ذاك هو إعلان الجهاد، بل أعظم أنواع الجهاد .. كلمة حق عند سلطان جائر !

علينا أن نتحرر من ضيق المصطلحات إلى سعة القيم، ومن التسميات الصغيرة إلى النتائج الكبيرة.. ليس فرقا إن سميناه جهادا أو لا، ما دمنا نجاهد هتافا ومظاهرات ..

لكن .. علينا أن نعترف بحق بعضنا بتسمية ما يريد انطلاقا من معرفته ورأيه .. فهذا حقه، فليست الإشكالية أن يسمي كل منا ما يريد، بل أن نفرض على بعضنا أسماء لا نريدها..»

أدرك القائمون على الصفحة أن القضية تتجاوز المفردات إلى معانيها الكبرى، وأنها يجب أن تُوضع في سياقٍ يُحيط بجميع الظروف المعقّدة التي تُحيط بالثورة السورية. وبعد حوارٍ مع رواد الصفحة اتفقت الأغلبية على أن هذه الملحمة العظيمة سلميةٌ في جوهرها، وأنها كانت وستبقى كذلك، وأن هذا لايتضارب أبداً مع تسمية الجمعة بما تمّ الاتفاق عليه: (جمعة حق الدفاع عن النفس).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام آيل للسقوط ... هل تنتصر سوريا؟! .. عريب الرنتاوي

29-1-2012

الدستور

ونحن نُقلّب صفحات الأزمة السورية، نقف أمام ظاهرة “انفلات” الصراع الدائر في سوريا وعليها، من دائرة التحكم والسيطرة...النظام يفقد سيطرته على مناطق واسعة في سوريا، بما فيها ريف دمشق وأطرافها وضواحيها القريبة (وليس البعيدة فقط)....لكن المعارضة الوطنية والديمقراطية في المقابل، تعجز عن ملء فراغ السلطة، وتنخرط “المناطق المحررة”، فيما يشبه الحرب الأهلية (الطائفية)، وتنتشر فيها الفوضى غير البناءة، وتتعمم يوماً إثر آخر، ظاهرة “القتل على الهوية”، والجثث المرمية على قوارع الطرق ومفترقاتها.

وتدخل القاعدة والسلفية الجهادية على خط الأزمة....النظام يبالغ في تقدير حجم هذه الظاهرة لإخافة العرب والغرب من خطر تحول سوريا بمجملها إلى “أنبار 2005 – 2007”، والمعارضة تبالغ في نفيها لوجود القاعدة، للبرهنة على أن ما يجري في سوريا هو فعل خالص من أفعال الإصلاح والتحوّل الديمقراطي، وفيما الجدل يستمر ويتصاعد بين هاتين الروايتين، تُظهر القاعدة والسلفية الجهادية، مدعومة من اطراف “الجهاد العالمي في أفغانستان” قبل ثلاثين عاماً، تُظهر نجاحاً ملموساً في توفير مواطئ أقدام وملاذات آمنة لها على الأرض السورية.

ويزداد الأمر تعقيداً، بدخول الأزمة السورية على خط “الأقلمة” الساخنة، من أوسع أبوابها، فالسعودية تبدي حماساً لتدويل الأزمة، وتسحب مراقبيها العاملين تحت إمرة الجنرال الدابي، وتستقبل المعارضات السورية، وتلوح بالاعتراف بالمجلس الوطني السوري، ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري.

ويبدو أن المملكة المشتبكة فيما يشبه صراع الوجود مع إيران، ترى أن كسب المعركة على سوريا، هو المحطة الرئيسة في هذا الصراع، والتي من شأن النجاح فيها، أن يضع حزب الله في أضيق الزوايا من جهة، ويحد من التمدد الإيراني، ويبقيه في المحافظات الجنوبية والوسطى من العراق، وليس في العراق كله، خصوصاً بعد أن تصاعدت وتائر “التمرد السني” في وجه “الهيمنة الشيعية” على مقاليد الحكم في العراق، واتجاه المحافظات العراقية السنية، لطلب التحوّل إلى أقاليم، وعودة النشاط المسلح للقاعدة في وجه حكومة المالكي وحلفائه، وعلى نحو مفاجئ ومتزامن مع تطورات الأزمة السورية والصراع الإقليمي المفتوح.

في المقابل، يبدو أن “أمر العمليات” قد صدر من عواصم “محور المقاومة والممانعة” لنقل المعركة من سوريا إلى قلب العواصم التي تناصبها العداء.

لقد هدد رموز النظام السوري بنقل المعركة خارج حدود بلادهم، وقال وليد المعلم أن بيوت كثير من خصوم سوريا من زجاج، والمؤكد أن ليس لسوريا “دالة” على المكون الشيعي لكثير من الدول والمجتمعات المعنية، لكن لإيران وحزب الله مثل هذه الدالة، ومن الواضح أن “الأقلمة” التي تشتعل هذه الأيام، سوف تتحول إلى حريق مع اقتراب ساعة “التدويل” التي تشير كافة الدلائل إلى أنها لم تعد بعيدة، وإن كنا لا نعرف أي شكل ستتخذ.

والمؤسف حقاً، أن سوريا تنزلق إلى ما لا تحمد عقباه من سيناريوهات وخيارات وبدائل، في ظل غياب “القدرة على الحسم” لدى أي من الأطراف المحلية والإقليمية...النظام في تراجع وإلى تفكك، وربما ينكفئ إلى “دويلة الساحل”...والمعارضة أعجز من أن تنظم مؤتمراً وطنياً ينسق جهودها ويوحدها خلف برنامج انتقالي.....فيما “العسكرة” و”التطيف” و”التمذهب” تعصف بالأزمة وتميز مواقف أصحابها، والجيش الحر يتحوّل وفق تقارير دولية، إلى ميليشيا سنية متشددة، مقابل جيش نظامي وأجهزة أمنية تخرج عن دورها الرئيس إلى دور الميليشيا المكرّسة لخدمة النظام والعائلة وامتداداتهما الطائفية، فيما الإقليم المنشق على نفسه، يصب زيتاً حارا على جمر الأزمة ونارها....أما المعارضة الوطنية الديمقراطية بمختلف أجنحتها وشرائحها، فإن المساحة التي تحتلها تتقلص باستمرار لصالح “الجيوب المستقلة” والمدارة من قبل جماعات يغلب عليها اللون الأصولي والطائفي.

ستنتهي هذه المواجهة برحيل النظام، لا شك في ذلك، وإن طال الزمن وعظمت التضحيات...لكن السؤال الذي سيظل حائراً، هل ستخرج سوريا منتصرة من هذه المواجهة؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثة تطورات سورية فارقة .. عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

29-1-2012

مع أنها وقعت جميعها في غضون فترة زمنية واحدة، وصبت مجرياتها المختلفة في مصب واحد، إلا أن أياً من التطورات السورية الفارقة هذه لم تحدث على نحو مباغت كطفرة مفاجئة، ولم يسر كل منها في مسار منعزل عن الآخر، حتى لا نقول إنها كانت متوقعة من قبل، وإن حصولها على هذا النحو المتزامن أو ذاك المدى المتفاوت كان مسألة وقت ليس إلا.

ففي خلال الأيام القليلة الماضية سجلت الثورة السورية أولاً درجة تصعيد لافتة، انتقلت فيها من طور التظاهر السلمي، الذي تمسكت به طوال نحو عشرة أشهر، إلى طور أقرب ما يكون إلى شكل التمرد العسكري، وعبرت الثورة ثانياً، وفي الوقت ذاته، باب الحل العربي إلى بوابة الحل الدولي، وأغلقت ثالثاً في غضون ذلك ملف المراقبين العرب، بل وأسقطته من التداول تماماً.

إذ تحت ضغط آلة قمع دموي لا كوابح لها ولا سقوف، ومع تزايد انغلاق النظام الاستبدادي على خياره الأمني، كان من الطبيعي أن يلجأ المطاردون في نهاية مطاف لن يطول إلى المجابهة، وأن يعمد ذوو الضحايا المقتولين بدم بارد آخر الأمر، إلى امتشاق السلاح دفاعاً عن النفس، وإحداث نقطة تعادل نسبي في ميزان علاقة قوة غير متكافئة بكل المعايير.

ولعل اتساع حالات الانشقاقات عن الجيش الذي أصابته بعض مظاهر الإعياء والوهن، وتعاظم قوة زخم الانتفاضة الشعبية وامتدادها على معظم أرجاء الديار الشامية، قد هيأ الظروف الموضوعية المواتية لمثل هذه النقلة النوعية في مسار الثورة، التي تمكنت من تجاوز نقطة اللاعودة، ونجحت مع مرور الوقت في اكتساب بعض من الأرض المتفرقة هنا وهناك وهنالك.

وبالتزامن مع هذا التحول المفضي إلى تداعيات لا يمكن التقليل من خطورتها، ولا التهوين من مضاعفاتها على النسيج الداخلي، اتكأت الثورة السورية على اكتفاف الجامعة العربية، المفتقرة إلى أدوات التدخل الناجعة، كي تضع مصير النظام فاقد الشرعية على مائدة مجلس الأمن الدولي، لا من أجل حثه على تحقيق وعوده الإصلاحية البائسة، وإنما من أجل دفعه إلى التسليم بأقداره الحتمية كنظام بات جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.

ومع أن الطبق الرئيس على مائدة مجلس الأمن لم ينضج بما فيه الكفاية بعد، وأن واحداً على الأقل من الضيوف الدائمين على هذه المائدة يرفض الانضمام إلى هذه الوليمة حتى اليوم، إلا أنه من المتوقع وفق كل الحسابات الرائجة، أن تنفتح شهية الجميع في وقت لاحق، بفعل بعض المقبلات السياسية والتسويات تحت الطاولة، وأن يقبلوا على الوليمة، أو قل على سورية ما بعد الأسد

أما التطور الثالث الذي تزامن مع سابقيه، فقد تمثل في إنهاء ملف بعثة المراقبين العرب، وإخراجه من دائرة الاهتمام، وجعله صفحة من ماضٍ مضى إلى غير رجعة، وذلك بعد أن فقدت البعثة قوة دفعها إثر انسحاب دول الخليج منها، وغدت تقاريرها خارج دائرة اهتمام أحد، سوى النظام الذي ما يزال يواصل احتفاله بتقرير رئيس البعثة القادم من عالم الجنجويد إلى دنيا الشبيحة.

إزاء ذلك كله، فإنه يمكن اعتبار التطورات الثلاثة المشار إليها آنفاً، على أنها تشكل في مجموعها نقلة موضوعية في مسار الثورة السورية، تؤسس لمرحلة جديدة ومختلفة عما كانت عليه في السابق، وتحدث الفارق النوعي في المجرى العريض لنهر التطورات اللاحقة، حيث من المتوقع أن تتدفق بين ضفتيه دماء أغزر مع الأسف، وأن تصب في روافده الفرعية مياه عكرة أكثر فأكثر.

بكلام آخر، فإن هذه التطورات الفارقة في مسار الثورة السورية، من شأن تفاعلاتها المتوقعة في المدى المنظور، أن تنقل السجال الجاري من حيز التداول حول مآلات الثورة إلى أرضية التعاطي مع مرحلة ما بعد بشار الأسد، من منطلق تقصير أجل النظام المتوحش، وتخفيف آلام الشعب الذي اكتشف قدراته الكامنة على التغيير، ناهيك عن احتواء التداعيات السلبية المترتبة على هذا التغيير، سواء في الداخل السوري أو في خارجه

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يريد بشار الأسد ؟ .. د. مشاري بن عبدالله النعيم

الرياض

28-1-2012

هل يتصور سيادة الرئيس أنه قادر بعد الآن أن يقنع السوريين أنه الرئيس الأصلح لهم؟ في اعتقادي أن الأسد وصل إلى قناعة داخل نفسه أن الوقت فات وأنه لم يعد باستطاعته أن يحكم السوريين بعد اليوم

صرت اسأل نفسي كل يوم: ماذا يريد بشار الأسد من السوريين؟ كيف يمكنه أن يشعر أن باستطاعته أن يحكم سوريا مرة أخرى بعد أن فعل بمواطنيه ما فعل؟ هل يتصور سيادة الرئيس أنه قادر بعد الآن أن يقنع السوريين أنه الرئيس الأصلح لهم؟ في اعتقادي أن الأسد وصل إلى قناعة داخل نفسه أن الوقت فات وأنه لم يعد باستطاعته أن يحكم السوريين بعد اليوم، لكن لماذا هذا التسلط وهذا التعنت وهذا القتل اليومي للأبرياء، لماذا يريد أن يهدم المعبد فوق رأس كل السوريين؟ هذا السؤال المحير تكمن إجابته في من يقف وراء الرئيس، فمرة نسمع أن أخاه هو من يدير البلد وهو المسؤول عن القتل ومرة نسمع أن أمه هي التي تتحكم في الأمور في سوريا، والذي يظهر لنا أن من يدير سوريا هم مجموعة من المنتفعين الذين لم يفكروا في يوم في مصير سوريا ومستقبلها ولم يقفوا للحظة واحدة من أجل العمل لمصلحة المواطن السوري.

نحن أمام معضلة كبيرة فمن يدير الأمور في سوريا هذه الأيام هم أمثال وزير الخارجية (المعلم) الذي خرج علينا قبل ايام ليستعرض عضلاته البلاغية ويتهكم على السوريين والعرب ويكيل لهم الاتهامات، وكأنه لا يرى مشاهد القتل اليومي في المدن السورية، لكنه كيف يرى ورئيسه خرج قبل فترة ليؤكد أنه باق مهما حدث وكأنه يقول للسوريين: إذا أردتم تغييري فابحثوا عن أرض أخرى فأنا سأظل ومن لا يرغب في وجودي فعليه مغادرة سوريا. المشكلة تكمن في هذه العقلية التي مازالت تعيش أوهام القبضة الحديدية، فبشار مازال يعيش في "جلباب" أبيه ويتصور أنه يستطيع حرق سوريا بأكملها كما فعل أبوه بحماة في مطلع الثمانينيات، ونحن نقول له هيهات هيهات، أن تقدر على فعل ذلك فالعالم تغير وما كان يسكت عنه في الماضي أصبح اليوم مكشوفا أمام العالم ولن تستطيع يا بشار أن تهرب من الجرائم التي ارتكبها جيشك بحق السوريين حتى لو إدعيت أنك لم تأمر بإطلاق النار.

المثير حقا هو موقف الجامعة العربية المتردد تجاه سوريا واتجاه كل ما حدث في العالم العربي خلال العام الفائت، هذا الموقف الذي يفقدنا الثقة في هذه المؤسسة يوما بعد يوم، فمتى يمكن أن تكون هذه الجامعة جريئة وتتخذ قرارات مسؤولة، تقرير (الدابي) حول سوريا يبرر للأسد قتل السوريين تقريبا، ويجعل من لجنة المراقبة غطاء لجرائم النظام السوري. إذن يحق للمعلم أن يخرج ويتبجح في مؤتمره الصحفي، فهناك من يوفر له غطاء سياسيا وبتوقيع العرب وجامعتهم. الأمر المحزن أن تستمر الجامعة العربية في ترددها وفي مجاملتها للنظام السوري، فتمديد عمل لجنة المراقبين ما هو إلا مبرر للنظام السوري للتنكيل بالسوريين وقتلهم اليومي، بل إن وتيرة القتل ارتفعت خلال الأيام الأخيرة وكأن النظام يقول للجامعة العربية والعالم بأسره (اشربوا من البحر)، هذا التحدي السافر يضع العالم بأسره (لأننا فقدنا الأمل في الجامعة العربية) أمام مسؤوليات كبيرة.

لقد أحسنت السعودية ودول الخليج بسحب مراقبيهم من لجنة المراقبة العربية، فالأدلة واضحة ولا حاجة لتمديد فترة القتل والتنكيل، والعمل يجب أن يكون باتجاه مجلس الأمن، لأن سوريا لا تأبه بالجامعة العربية أصلا، وفكرة إرسال قوات عربية لسوريا غير مجدية ولا يمكن أن تثمر عن شيء فردع نظام متحجر مثل النظام السوري لا يمكن أن يحدث إلا بقرار دولي، لكن يجب أن يكون للعرب اليد الطولى في هذا القرار. إن الضغط على مجلس الأمن (حتى لو أن روسيا تعارض أي قرار باتجاه سوريا) سوف يرعب النظام السوري وسوف يهدمه من الداخل وسوف يقوى المعارضة والمتظاهرين في الشوارع، لكن الحصول على مزيد من التأييد العالمي لابد أن يمر من البوابة العربية التي تبدو أنها مغلقة أو مواربة، وهذا يعطي النظام السوري مزيدا من الوقت لقتل النساء والأطفال. السوريون بحاجة إلى الدعم العربي، وهذا من حقهم، إلا إذا كانت الجامعة العربية هي من أجل حماية الأنظمة الفاسدة، فالمواطن العربي يعطي الشرعية لهذه الجامعة من أجل حمايته هو لا حماية أنظمة عربية عفى عليها الدهر.

موقف السعودية ودول الخليج شجاع ومنحاز للحق، وهذا ما يجب عليه أن يكون موقف الجامعة العربية، ولن يكون لهذه المؤسسة أي مستقبل طالما أنها نذرت نفسها لحماية الطغاة والمستبدين وتجاهلت المواطن العربي الذي يستحق حمايتها ودعمها. إنني أتساءل: هل سأل أمين عام الجامعة (العربي) الأسد عما يريد من السوريين، هل يريدهم أن يعيشوا أذلة في بلادهم، وهل يقبل أن يحكم بلدا لا يريده ولا يقبل به. لقد كشف الربيع العربي ضعف الجامعة العربية، فهذه المؤسسة لم تستفد من الظروف التاريخية التي كان من الممكن أن تجعل من الجامعة مؤسسة قوية وموثوق فيها، لكنها للأسف استمرت في ترددها وفي ضعفها، ولعل هذا يجعلنا نقول أن الجامعة بشكلها الحالي لم تعد مقبولة ويجب إعادة هيكلتها وإعطاؤها صلاحيات أكبر لاتخاذ قرارات جريئة تتناسب مع ظروف العصر.

المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، لا تتناسب مع الصورة الهزيلة التي عليها الجامعة العربية، فمن المعيب فعلا أن يكون الشارع العربي أقوى من الجامعة، فهذا الشارع صار يفرض التغيير، بينما تقف الجامعة عاجزة. إن هذا يكرس الفوضى، فإذا كان الشارع بادر بالتغيير يجب أن تقوم الجامعة بدورها وأن تعيد تنظيم هذا الشارع وتحقق رغباته. يجب أن تتخلص الجامعة من كونها مؤسسة أنظمة إلى مؤسسة المواطن العربي. في الحقيقة، أشعر بحماس كبير إلى إعادة هيكلة الجامعة العربية، بل إنني أتمنى أن تعبر هذه الجامعة عن صوت الجماهير العربية، لأني على قناعة أنه سوف يفوتها القطار وسيهملها المواطن العربي الذي صار يبحث عن بدائل أخرى يعبر بها عن صوته، بل ويرفعه عاليا دون خوف أو تردد، فإما ان تقف الجامعة وتحاسب نفسها وتسأل الأسد ماذا تريد، وإلا سوف يسأل الشارع العربي الجامعة نفسها وسيقول لها: "ماهو دورك على وجه التحديد".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطوة حاسمة لمرحلة نهائية في سوريا؟ .. ميشيل كيلو

السفير

28-1-2012

تجاوزت جامعة الدول العربية بقفزة واحدة عقبتين رئيستين كانتا تبدوان عصيتين على التجاوز هما موقف النظام من المبادرة العربية، والموقف الروسي في مجلس الأمن من الأزمة السورية.

وكانت سوريا الرسمية تراهن على إقناع المراقبين ب«أن هناك عصابات مسلحة تقتل المواطنين الأبرياء»، كما قال الوزير المعلم في آخر مؤتمر صحفي عقده، وإلا فإنها ستفشل مبادرتها. ومع أن مراقبي الجامعة تحدثوا عن مسلحين وأحياء ومدن خارجة عن سيطرة الدولة، فإن السلطة السورية لم تنفذ فعليا أي بند من بنود مبادرتها، بل أنها ضيقت عليها وحصرتها في مسألة المراقبين والأماكن السيادية التي يحق أو لا يحق لهم دخولها، وغرضها تفادي إطلاق سراح المعتقلين الذين يقدرون بعشرات الآلاف، والامتناع عن وقف إطلاق النار وسحب الجيش من المدن إلى ثكناته، والسماح بالتظاهر السلمي وبحرية عمل الإعلام الدولي في سوريا. هكذا، بدل أن تقف الجامعة عند قيام النظام السوري بإفشال الجزء الأول من مبادرتها، الخاص بوقف إطلاق النار وسحب الجيش وإطلاق سراح المعتقلين... الخ، وعوض دخولها في خلافات بلا نهاية مع النظام، نجد أنها نقلت عملها إلى القسم الثاني من مبادرتها، المتعلق بإيجاد حل سياسي تفاوضي للأزمة بين السلطة والمعارضة، يبدأ بمرحلة انتقالية تنتهي إلى نظام ديموقراطي تعددي / تمثيلي.

يلفت النظر هنا أن الجامعة تبنت ضربا من «حل يمني» يحدد مسبقا ما يجب أن يترتب على التفاوض من نتائج، ويقوم على تخلي الرئيس عن منصبه وتسليمه إلى نائبه خلال شهرين، على أن يشكل النائب حكومة وحدة وطنية خلال أسبوعين، تعمل في ظل ضمانات داخلية وعربية ودولية تكفل تطبيقه، في زمن متوافق عليه بين أطراف الحل المختلفة.

فضلا عن هذا، قرر مجلس وزراء الجامعة الحصول على تأييد مجلس الأمن لمبادرته وللحل الذي حدده، كي لا يعطي روسيا أو الصين فرصة الاعتراض على خطوته، التي قال إنه سيحصل على موافقة المجلس عليها ودعمها بما لديه من خبرات وإداريين. وهذا إن نجح، سيكون حلا لمشكلة روسيا وموقفها في المجلس، الذي يعطل كل شيء، ويؤيد النظام في موقفه من الأزمة، رغم تطور الأمور السلبي، الذي يأخذ سوريا إلى حرب أهلية ستكون أسوأ ما يمكن أن تواجهه من كوارث. وللعلم، فإنه كان معلوما أن روسيا ستجد صعوبة كبيرة في استخدام حق النقض في حال كان هناك طلب عربي جماعي بتدخل مجلس الأمن، فماذا يمكن أن يكون موقفها بينما يتقدم العرب جماعيا بطلب يناشد مجلس الأمن دعم مبادرتهم، وهو أمر سيكون من الصعوبة بمكان أن ترفضه روسيا، لأن نتائجه قد تكون جد سلبية على مصالحها في منطقة عربية قررت بالإجماع التخلص من الرئيس السوري، لديها من القدرات والإمكانات ما يتيح لها حشرها في وضع يلحق بها اشد الضرر، ستكون فيه على خلاف مع دول عربية لها فيها مصالح أكبر بكثير من مصالحها السورية.

ثمة هنا أمران يلفتان النظر: حسم الموقف العربي ضد النظام دون ربطه بما تتوافق المعارضة والنظام عليه، وتحديد نتيجة الحل السياسي قبل الشروع فيه، علما بأن العرب وافقوا على ذلك بالإجماع، أي أنهم أيدوا جميعهم بلا استثناء تغيير النظام السوري الراهن، ووضعوا الآلية الضرورية لذلك، من خلال ما صار يسمى «الحل اليمني»، الذي ألمح وزير خارجية روسيا إلى أن بلاده ستؤيد تطبيقه على سوريا، وها هي الجامعة تقطع نصف الطريق إليه، فهل ستغير روسيا قرارها وتؤيد بدورها التغيير على الطريقة اليمنية في سوريا، ليتم بذلك القفز فوق العقبة الروسية الكأداء، والخلاف الروسي/ الأميركي، الذي كان يعطل التدخل الدولي لحل الأزمة، لكنه دخل في مرحلة إيجابية خلال الأسبوعين الأخيرين، ينتظر أن تشجع موسكو على إحداث تعديلات في موقفها، بعد أن دخلت الأزمة السورية في حقبتها الأكثر خطورة، وبدأت تأخذ صورة حرب منظمة للقضاء على «المسلحين» انظر المتظاهرين - أعلن عنها وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمره الصحفي يوم الثلاثاء الماضي (24/1)؟ إذا كان هذا صحيحا أو ممكن الحدوث، فإنه يعني فعليا نهاية النظام السوري القائم، كما قال متابعون كثيرون بحق، في تعليقهم على قرارات مجلس وزراء خارجية الجامعة، ودور مجلس الأمن المرتقب.

ثمة أمر ثان يلفت النظر، هو الإجماع العربي على القرار الخطير، وهو إجماع مباغت تماما، بالنظر إلى أن العرب لم يجمعوا قبل أشهر قليلة على المبادرة، وها هم يتخذون قرار إنهاء رئاسة بشار الأسد بالإجماع، فما الذي جعلهم يجمعون اليوم على قبول حل نهائي غير تفاوضي لقسم مبادرتهم السياسي، الذي قال نص المبادرة إن نتائجه ستترتب على التفاوض بين النظام والمعارضة، علما بأنه القسم الأكثر أهمية وخطورة بكثير من قسمها الأول، التمهيدي والتقني. ومع أن الأمين العام للجامعة برر القرار بعدم قيام النظام بوقف القتل، فإن هذا بحد ذاته لم يكن كافيا لإقناع جميع الدول العربية بالتخلي عن الرئيس السوري. ما الذي حدث؟ لا أعتقد أنه يوجد اليوم جواب نهائي على هذا السؤال المحير، الذي قد تقدم مداولات مجلس الأمن تفسيرا حول بعض أسراره ومعلومات عنها.

هناك أمر أخير يلفت النظر هو قصر الفترة الانتقالية، التي وضعت للحل، وهي شهران. السؤال الآن هو التالي: ما الذي سيفعله العالم خلال هذه الفترة، التي ستشهد تصعيدا هائلا للعنف الرسمي في سوريا، لأن الأمل الوحيد المتبقي للأسد يكمن في تحسين موقفه على الأرض، بعد تدهوره السريع في أعقاب قبوله المبادرة العربية، وتصاعد المظاهرات والاحتجاجات ضد نظامه، وخروج مناطق كثيرة عن سيطرته، وانتقال الموقف العربي منه إلى مرحلة التدويل بما سيترتب حتما عليه من تعاظم في الضغوط الداخلية والعربية والإقليمية والدولية. ما الذي ستفعله الجماعة الدولية إن رفض الأسد التخلي عن الرئاسة، ووسع الحل الأمني خلال وبعد انتهاء المرحلة الانتقالية؟ لا شك أن هناك شيئا ما سيحدث، يتفق والحل العربي / الدولي المطروح الآن، فما هو؟ هذا أيضا سؤال مهم سيبقى الجواب عليه بانتظار الفترة القصيرة القادمة، التي لن تتجاوز بالتأكيد شهري فترة الانتقال!

دخلت الأزمة السورية في مرحلة انتقالية زال غموضها وتحدد هدفها، تشهد تصعيدا داخليا حاسما حققه المتظاهرون خلال الشهر الماضي، يشير إلى بداية كسر التوازن الداخلي بين السلطة والمحتجين، وعربيا أنجزته جامعة الدول العربية بانتقالها إلى تقرير هوية الحل السياسي ومدته، ودوليا بطلب عون مجلس الأمن الدولي للعمل العربي، في تجاوز ذكي لأقلمة الصراع، ولردود فعل النظام الداخلية، وللموقف الروسي، الذي صار وحيدا ويقال إنه على مشارف تبدل قد يكون نتاج تفاهم مع أميركا على حل وسط يحفظ دور ومصالح روسيا في سوريا، يلي خروج الرئيس الأسد من السلطة.

بذلك، سيؤدي تغير البيئة الداخلية والعربية والدولية إلى قصم ظهر نظام لم يجد حلا لأزمة سياسية / اجتماعية / اقتصادية / ثقافية / أخلاقية شاملة غير قصم ظهر شعبه، الذي أثبتت فئاته المختلفة في كل مكان وموقع من وطنه، أنها عازمة على الموت من أجل حريتها، وأكدت بأدلة قاطعة أنها لن تتراجع عما عزمت عليه، مهما كانت التضحيات والمصاعب، وهي اليوم أشد عزما وتصميما على بلوغ هدفها، بعد أن وقعت نقلة نوعية لصالحها في الموقفين العربي والدولي، فلم يبق عليها غير تجاوز الفترة القصيرة القادمة، التي يرجح أن لا تمتد لشهرين آتيين!

تقف سوريا اليوم على مشارف مرحلة جديدة من تاريخها، أوصل شعبها خلالها الدور النضالي للشعب إلى ذروة غير مسبوقة في تاريخ العرب، لا شك في أن اقتراب تحققها سيعطيه المزيد من الإصرار على طي صفحة مؤلمة ومكلفة فرضت نفسها عليه خلال نصف قرن مضى، صنعت خلاله بيدها عناصر انهيارها، الذي بات وشيكا، يقاس بأشهر، وربما بأسابيع قليلة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العسكرة والحرب الأهلية في سوريا .. ياسر الزعاترة

الدستور

28-1-2012

ثمة فرق بين أن يرى المراقب ملامح العسكرة في الثورة السورية، وبين طروحات النظام وأزلامه وشبيحته التي تحشر ما يجري في سياق الصراع بين الجيش السوري وأجهزته الأمنية وبين “إرهابيين” خارجين عن القانون، لأن العمى وحده هو ما يمكن أن يؤدي إلى تجاهل العشرات الذين يسقطون يوميا برصاص الجيش أثناء فعاليات شعبية سلمية لا صلة لها بالقتال المسلح، فضلا عن مئات المعتقلين الذين سلمت جثثهم للأهالي وهي مشوهة وتناقلت صورها وسائل الإعلام على نحو لا يقبل التأويل.

وإذا كنا كمؤيدين للثورة السورية نتعاطى مع أخبار الجزيرة و”بي بي سي” وسواهما من الوكالات الأجنبية التي طالما اعتمد عليها العالم العربي في متابعة مختلف الأحداث، فإن الطرف الآخر لا يعتمد في روايته سوى على فضائية النظام ومعها فضائية الدنيا “المستقلة جدا جدا”، فضلا عن الإخبارية السورية (يمكن إضافة المنار التابعة لحزب الله والعالم الإيرانية)، وجميعها لا تنقل سوى رواية النظام بطريقة مثيرة للسخرية تذكّر الجميع بفيديو وليد المعلم التي تبين لاحقا أن تسجيل لوقائع جريمة ارتكبت في لبنان!!

لم ننكر يوما أن هناك من يحمل السلاح، ومن يمكن أن يحمله لاحقا. حدث هذا قبل تأسيس الجيش السوري الحر، ويوم أن اقتصر الأمر على بضع خلايا سلفية جهادية مخترقة من قبل النظام، قبل أن يتسع نطاق العسكرة على نحو تدريجي لا نعرف إن كان النظام يريده أم لا، وبالطبع لما يمكن أن يثيره من جدل في أوساط نخبته الأمنية والعسكرية بين من يراه مطلوبا لشطب مطلب سحب الجيش من الشوارع الذي سيؤدي إلى اتساع نطاق الاحتجاجات، وبين من يراه خطيرا ويؤدي لحرب أهلية سيخسرها النظام.

عندما يصل عناصر الجيش السوري الحر المنشقين حدود العشرين ألفا، فهذا يعني أمرين اثنين، حتى لو قيل إنهم أقل من ذلك: الأول أن هناك قناعة آخذة في الاتساع في أوساط الجيش بأن النظام آيل للسقوط بعد زمن لن يطول، لاسيما أن انشقاق العنصر ليس بالأمر الهين بسبب تبعات ذلك على أهله وذويه. أما الأمر الآخر فيتعلق بشعور أبناء الجيش الذين زُج بهم في المعركة بأن عليهم الاختيار بين العمل كقتلة يصبون الموت والدمار على رؤوس الأبرياء، وبين الانشقاق ومواجهة الموت في معركة غير متكافئة مع نظام دموي.

ما ينبغي أن يقال هنا هو أن الجيش السوري الحر لا يزال ملتزما بتفاهماته مع المجلس الوطني من حيث اقتصار مهمته على حماية المظاهرات السلمية التي تخرج يوميا في شوارع المدن السورية، فيما يعلم الجميع أن التظاهر والعودة بسلام ليس بالأمر الهين في ظل سطوة النظام وجيشه وشبيحته، وهذه المهمة لا تعني عدم الاشتباك بأي حال، إذ تنطوي في بعض جوانبها على معارك محدودة على مشارف المدن والأحياء، مع العلم أنه لولا الحاضنة الشعبية لعناصر الجيش (أعني السوري الحر) لما كان بوسعه العمل على هذا النحو.

الجانب الآخر من العسكرة الذي بدأ يظهر مؤخرا هو المتعلق بمجموعات من الشبان العاديين الذي لم يطيقوا الصبر على استمرار عمليات القتل مقابل التظاهر السلمي، فقرروا الرد على النار بالمثل، بل ذهبوا نحو مهاجمة بعض القطاعات الأمنية والعسكرية في أماكن تواجدها، أكان في الشوارع، أم في أماكن أخرى، وهؤلاء أيضا يتمتعون كما يبدو بحاضنة شعبية يوفرها السخط العارم على النظام، فيما لا يعدمون بعض المدد من الخارج، ومن أسلحة يغنمونها من بعض المواجهات، وأخرى من بعض المنشقين أو المتعاطفين من داخل الجيش النظامي. ولا ننفي أيضا احتمال دخول عناصر “قاعدية” على الخط، سواءً قدموا من العراق أم من لبنان.

هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية بمرور الوقت، وهي حرب يتحمل النظام مسؤوليتها قبل أي أحد آخر، وعلى من يدَّعون الخوف على سوريا وأهلها أن يطالبوا النظام بالرحيل السريع، لا أن يكون لسان حالهم “إما بشار الأسد وعائلته وإما سوريا المدمرة”!!

على أن ما ينبغي أن يقال أيضا هو أن الفعاليات الأكبر والأهم في الثورة السورية لا تزال سلمية الطابع يواجهها النظام بالرصاص ما وسعه ذلك، مع حرص على إبقاء عدد القتلى في الإطار الذي يتحمله المجتمع الدولي (بضع عشرات يوميا). وفي اعتقادنا أن على قوى المعارضة السورية أن تركز جهدها على الفعاليات الشعبية وتنويعها على نحو يضم المزيد من الناس إليها، وهو أمر يبدو أقل كلفة على الحاضر والمستقبل من كلفة العسكرة، وإن آمنا بأن النتيجة في الحالتين هي رحيل النظام الذي فقد تماما مشروعيته الأخلاقية والسياسية.

التاريخ : 28-01-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الضمير العالمي والنظام السوري .. محمد بن علي المحمود

الرياض

26-1-2012

الجرائم الإنسانية الكبرى لايمكن بأي حال التبرير لها ، فضلًا عن الدفاع الصريح عنها ، وإلا أصبح المُدافع تحت طائلة إدانة الضمير الإنساني ، وقبل ذلك وبعده تحت طائلة القانون ، وخاصة في تلك الدول التي تأنسنت فيها القوانين ، وأصبحت الحامية الراعية الضامنة لحقوق كل الناس ، وليس لحقوق بعض الناس !.

ما يقوم به النظام السوري ، منذ بداية الاحتجاجات السلمية الغاضبة من مذابح علنية ، لا يترك أية فرصة للتبرير له ، ولا للاعتذار عنه بأية صورة من صور الاعتذار ، حتى الممجوج منها .

والمذابح العلنية المرصودة إعلامياً (غير تلك التي تجري بعيدا عن الأعين في أقبية المعتقلات) ليست حدثا متقطعا ؛ بحيث تمنح الضمير الحي شيئا من التراخي الطبيعي ، الذي قد يصيبه نتيجة تباعد طرفيْ الحدث ، وإنما هي مذابح متواصلة بشكل يومي ، مذابح متواصلة لا تترك فرصة لتشتيت الانتباه عنها ، مذابح لايمكن لأي ضمير حي - مهما كان دينه ، أو طائفته ، أو وطنه ، أو انتماؤه السياسي - إلا أن يُدينها بأقصى درجات الإدانة ، أقصى الدرجات المتمثلة بالوقوف المادي والمعنوي من أجل الإطاحة بهكذا نظام .

في مشهد مُمعن في دمويته ؛ كهذا المشهد الذي يحدث على يد النظام السوري اليوم ؛ لابد أن يستيقظ الضمير ؛ فتسقط كل الحسابات (الماقبل إنسانية) ، سواء أكانت حسابات أفراد أم حسابات دول . فالذي يجري اليوم على الأرض السورية ، لا يُشكّل قمعا دمويا للإنسان السوري وحده ، لا يُشكل انتهاكا إجراميا واسع النطاق لإنسانية الإنسان السوري وحده ، وإنما هو قمع دموي متوحش للجميع ، وانتهاك إجرامي للجميع ، أي لكل من ينتمي إلى الفصيل الإنساني ؛ لأن العبث الإجرامي بالإنسان على هذا النحو الافتراسي الصارخ والفاضح ، هو (منطقيا وقانونيا وسيكيولوجيا) عبث بالإنسان ، الإنسان بمعناه العام المتجاوز لكل التصنيفات المضافة إلى الإنسان .

ربما يجوز الاختلاف عند مستوى معين من اضطهاد الإنسان ؛ تبعاً للرؤية الدينية أو الفلسفية ، أو الظرفية ، أو حتى النفعية الخاصة المغلفة بشيء من التبرير المُتحايل . لكن عندما يصل الأمر إلى مذابح ومعتقلات وإبادة شاملة ، وعلى نحو مستمر ، فهذا أمر يتجاوز إمكانية الاختلاف ، ولا يترك أي مجال للخيار . أي أن الاختلاف - في أسوأ الأحوال ، وفي أسوأ الضمائر - يجب أن يقف عند مستوى معين من علانية الجريمة ، وعمقها القمعي ، وشموليتها . وعندما تتجاوز الجريمة القمعية هذا المستوى ؛ يصبح الساكت ، فضلًا عن المؤيد والمناصر والمُمالئ ، شريكاً أساسياً في كل ما يجري على أرض الواقع ، شريكاً بحكم القانون وبحكم الضمير الإنساني العام .

هذا أمر أجمع عليه الضمير الإنساني ، بل وسُنّت القوانين لتنظيمه ودعمه ، وخاصة عند الأمم التي يحيا الهَمُّ الإنساني في وجدانها العام . لهذا ، لا أحد اليوم يمكن أن يدافع عن جرائم النازية ، ولا عن الإبادات والمعتقلات الستالينية ، ولا عن التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة ، ولا عن جرائم صدام حسين العرقية بحق الأكراد ، أو المذهبية بحق الشيعة ، ولا عن الإبادة الصامتة في كوريا الشمالية ...إلخ.

الجرائم الإنسانية الكبرى لايمكن بأي حال التبرير لها ، فضلًا عن الدفاع الصريح عنها ، وإلا أصبح المُدافع تحت طائلة إدانة الضمير الإنساني ، وقبل ذلك وبعده تحت طائلة القانون ، وخاصة في تلك الدول التي تأنسنت فيها القوانين ، وأصبحت الحامية الراعية الضامنة لحقوق كل الناس ، وليس لحقوق بعض الناس !.

أعي أن الفلسفة البراغماتية تهيمن على مُجمل النشاط السياسي الغربي ، وخاصة في مجال السياسة الخارجية . وأعي أن الفعل السياسي الغربي ، ورغم كونه يقف على بحر زاخر من التفاعلات الإنسانية على المستوى الثقافي والاجتماعي ، يبقى مشروطا بمصالحه ومنافعه في السياسة الخارجية . لكن ، كل هذا لا يعني أن هذه البراغماتية عابرة لكل القيم ، ولكل محفزات الضمير ، وأنها حاضرة وفاعلة حتى في أسوأ الظروف التي يبلغ فيها نفي الإنسان وسحقه أقصى مداه .

أذكر عندما قامت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بتحرير العراق من صدام ، أنني قلت : إن حدث التحرير فهو حدث تحرري كبير بامتياز ، وأن للغرب كل الفضل في هذا التحرير ، ولكن في الوقت نفسه يجب علينا عدم التعويل الكامل (فيما بعد حدث التحرير الذي لم يكن العراقيون قادرين على تحقيقه بأنفسهم) على السياسي الأمريكي البراغماتي المشدود بقوة ووضوح إلى مصالحه ، لا إلى مصالحنا .

وأذكر حينها أن أحدهم قام بمهاجمتي ، وزعم أنني تناقضت ؛ لأنني أجمع بين فعل التحرير ، وبين فاعله (-* الأمريكي - الغربي) الساعي لمصالحه الخاصة (لم يخطر بباله إمكانية التقاء هدف العراقيين التحرري بمصالح البراغماتي الأمريكي) ، بل وزعم أنني تناقضت بشكل أكبر ؛ لأني ربط الحراك السياسي الغربي بشرط المصالح الخاصة ؛ في الوقت الذي أزعم فيه بوضوح أن الغرب أنتج أعظم وأضخم وأرقى ثقافة إنسانية داعمة للإنسان .

لا براءة من التناقض لأي أحد (حتى أرسطو الذي يَعده كثيرون أعظم العقول البشرية ، وقع في تناقضات واضحة ؛ لأن هذه طبيعة الفكر البشري المرتهن بظروفه ونِسبياته) . ولكني هنا ، وفي هذه النقطة خصوصا ، أزعم أن ليس ثمة تناقض بين وصف الغرب بالغرب الإنساني ، وتوصيف سلوكه السياسي بأنه سلوك براغماتي أولًا ، وإنساني ثانيا ؛ لأن التحقق الإنساني نسبي من جهة (نسبي على مستوى تباينه واختلاف درجته في الفرد الواحد ، وعلى مستوى تباينه واختلاف درجته بين الأفراد) ، وخاضع - بدرجة ما - لظرفه من جهة أخرى .

إذن ، رغم كون الغرب إنسانياً في العموم (لا من حيث اكتماله في تحقيق هذه الصفة فعليا ، وإنما من حيث كونه الأكثر تحقيقا للإنساني من غيره بمسافات شاسعة تنعدم فيها المقارنة) إلا أنه قد يخضع لتشتت ما ، وقد يفتر بدرجة ما ، وقد يصعب عليه ، ولأسباب شتى ، تحقيق التضافر الضروري بين معظم مُكوناته ، ذلك التضافر الضروري لتفعيل المسار الإنساني في هذا المكان أو ذاك المكان . كما يجب علينا أن نتذكر جيدا أن النازية والفاشية ، ورغم كونهما الاستثناء الغربي ، إلا أنهما إحدى صور تجليات الوعي الأوروبي - الغربي ، وأن نواة رؤيتهما الفلسفية موجودة في التراث الفلسفي الإغريقي ، ذلك التراث الذي يشكل نقطة الانطلاق الحقيقية للوعي الغربي ، بل ويراه بعضهم المشرعن الفكري لكثير من التوجهات والتيارات الفلسفية ، حتى تلك التي قطعت معه على نحو من الأنحاء ، أو تلك التي انقلبت عليه بصورة ما من صور الانقلاب .

لا شك أن الضمير العالمي اليوم يقوده الغرب . والغرب / العالم إلى اليوم لم يتخذ إجراء عملياً تجاه ما يحدث في سورية ، إجراء يُوازي حجم المذابح التي ينتظر الإعلام رصدها كل صباح وكل مساء ، وكأنه على يقين من أن آلة القتل لن تكف عن الدوران ، وأن هذا النظام الإجرامي لن يقف عند حد ؛ ما لم يكن ثمة تدخّل دولي عسكري حاسم ، يوقف نزيف الدماء التي تسفح بالمجان .

كون السياسة في جوهرها تعكس ارتباطا وثيقا بالمصالح ، لا يعني أن هذا هو ما يحدث وما يجب أن يحدث ؛ مهما كانت الظروف ، ومهما كان حجم المذابح وجحيم المعتقلات .

الغربي يعي ذلك ، وفرنسا اليوم ، وبوحي من الضمير الإنساني الصادق ، تُقرّ قانوناً يُجرّم إنكار مذابح الأرمن على يد الأتراك ، رغم كثير من الخسائر المادية ، وربما السياسية التي ستطالها ؛ فيما لو نظرنا إلى الأمر سياسيا واقتصاديا من خلال رؤية ضيقة ، رؤية نفعية براغماتية محدودة جدا . أي أن الانتهاكات الإنسانية إذا وصلت إلى حد معين ؛ لايستطيع حتى أكثر السياسيين ارتهاناً إلى السياسة الخالصة أن يلتف عليها ، ولا أن يُراوغ بشأنها ؛ لأن الضمير الإنساني له بالمرصاد .

اليوم ، وجراء ما يحدث في سورية ؛ يقف الضمير العالمي في مواجهة مع نفسه ، يدخل الغرب في أزمة واضحة مع ضميره . لقد وصلنا (-* نحن المنتمين إلى إلإنسان في كل مكان) مع النظام السوري إلى نقطة تنتفي فيها كل المبررات ، وكل الاعتذاريات ، وكل صور التأجيل ...إلخ ، ولم يبق إلا الحسم الكامل ، حسم كل فرد على المستوى الفردي ، وحسم كل دولة على مستوى الدول ؛ بعيدا عن كل الحسابات الفردية ، وكل الحسابات السياسية ، وكل الحسابات الإيديولوجية ، وكل الحسابات التي يجب أن تُطرح جانبا في هذا الظرف الإنساني الاستثنائي الذي يلغي ابتداء كل الحسابات .

الزمن اليوم هو زمن الجماهير . والجماهير في كل مكان هي التي ستحدد معالم المستقبل القريب والبعيد . لن تتسامح هذه الجماهير مع أي فرد أو كيان تسامَح مع هذه المذابح التي يرتكبها النظام السوري لأنها ستعده شريكا له . ما يعني أن على كل سياسي ، مهما كانت ميكافيليّته ، ومهما بلغت درجة تجرده من حسه الإنساني ، أن يعي أن مصلحته المادية قبل الإنسانية هي في التصدي لهذا النظام القمعي المتوحش ، تصدياً لا يرضى بما دون إسقاط الرئيس وإسقاط النظام ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فداحة انفصام شخصية نظام الأسد: علاج مقترح .. د. هشام أحمد فرارجة

2012-01-25

القدس العربي

ما يميز نظاما سياسيا عن غيره يكمن في التفاصيل التركيبية والوظيفية لأي نظام، وكذلك في العلاقة بين هذين المميزين. ان احدى مقومات الشرعية تتأتى من خلال نسبة مصداقية ما يقوله النظام مقارنة مع ما يفعله.

ولو حاولنا استقراء ما يمكن أن يقوله لنا ابن خلدون الآن عن طبيعة النظام السوري، فلا شك أنه سينبهنا الى أن هذا النظام يعاني من مواطن انفصام عدة في شخصيته منذ تربعه على الحكم عام 1970. فبنظرة تحليلية لتركيبة نظام الأسد ووظائفه، يمكن تحديد معالم الانكسارات التالية:

أولا: ادعاء المبدأية مقابل الانتهازية: فخلافا للكثير من ممارساته، فان نظام الأسد، بدءا بالأب وانتهاء بالابن، يدعي أنه أكثر النظم السياسية العربية مبدأية في مسيرته وفي المحافظة على حقوق الأمة العربية في وجه التحديات الداخلية والخارجية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وجد نظام الأسد في التفاهمات التي أقامها مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق،هنري كيسنجر، بعد حرب 1973، فرصة ذهبية لمحاولة اثبات جدارته بالحكم من خلال الالتزام القاطع والقطعي لمنع انطلاق أية مقاومة فلسطينية، أو حتى سورية، للاحتلال الأسرائيلي من الأراضي السورية. فمن خلال تعهداته لكيسنجر، كان نظام الأسد يطمح الى انتهاز الفرصة لاثبات مصداقيته مع الولايات المتحدة، بغض النظر عن تزعمه اللفظي والبلاغي لمبادئ العروبة وقيمها، كما جاءت في أدبيات حزب البعث. وكذلك كان الحال أيضا عندما طلبت جامعة الدول العربية من نظام الأسد ارسال قوات عسكرية الى لبنان للمساعدة في وضع حد للحرب الأهلية التي اندلعت في منتصف السبعينات من القرن الماضي. فمن خلال قوات الردع العربية، ساهم نظام الأسد، ليس فقط في تأجيج الصراعات الداخلية في لبنان، وانما ايضا، في تعميق التجزئة الطائفية.

ولربما كانت واحدة من أهم محطات الانتهازية في مسيرة نظام الأسد عام 1990-91 عندما قام باستغلال الفرصة للانقضاض على منافسه الأيديولوجي من حزب البعث في العراق، حيث أرسل نظام الأسد قوات للمشاركة في التحالف الدولي الذي أقامته الولايات المتحدة. لا شك أن دافع مشاركة الأسد في ذلك التحالف كان انتهازيا بامتياز، حيث كان يهدف الى كسب ود الولايات المتحدة، خاصة في الوقت الذي كان فيه حليفه السوفيتي، الداعم للعراق أيضا، في حالة تصدع وانهيار.

ثانيا: الادعاء بالتقدمية مقابل الرجعية: قد تختلف التحليلات والرؤى بخصوص ماهية نظام الأسد. ولكنه ليس مبالغة القول أنه قد يكون هناك اجماع على أن نظام الأسد هو من أكثر النظم السياسية العربية رجعية من حيث تركيبته، على عكس ما يتبجح به من تقدمية. ففي الوقت الذي يصنف فيه النظام السياسي في سوريا على أنه جمهوري رئاسي، نجد الرئيس الأب، حافظ الأسد يسارع الى احتضان مبدأ التوريث في الحكم، وذلك من خلال تجهيز ابنه الاكبر، باسل، لكي يخلفه عند وفاته، لولا تدخل القدر وتعرض باسل للموت جراء حادث سير عام 1994. وبعدها، لم يتراجع الأسد الأب عن أصراره على تبني أسلوب التوريث، وانما تحول الى تهيئة ابنه بشار، الرئيس الحالي لمنصب الرئاسة، رغم عزوف بشار عن هموم السياسة، كما تؤكد غالبية الدراسات. وبأكثر الطرق رجعية وتخلفا، أقدم النظام السوري، بالتأكيد باشارة من الأسد الأب قبيل وفاته عام 2000، على تعديل الدستور السوري وتفصيله على مقاس الأسد الابن، بشار، بحيث يتغير سن الترشح للرئاسة من 40 الى 35 عاما. ونظام الأسد هو أول من تسبب في استحداث مصطلح الجمهورية-الملكية في تركيبة النظم السياسية. وهو أيضا من أكثر النظم السياسية العربية التي شجعت على اعتماد أسلوب التوريث للحكم، حتى في النظم التي تدعي أنها جمهورية، كما كان في اعداد مبارك لابنه جمال، وكذلك في تجهيز القذافي لإبنه، سيف الأسلام.

ثالثا: ادعاء المقاومة مقابل المساومة: فلا يتغنى نظام عربي آخر بأنه زعيم جبهة 'الصمود والتصدي' ومحور 'الممانعة' كما يفعل نظام الأسد، علما بأنه، كما ذكر أعلاه، لم يسمح لعملية مقاومة واحدة أن تنطلق من الحدود السورية، حتى عندما تعرضت بعض المنشآت السورية للقصف من قبل الطيران الأسرائيلي، وأيضا عندما حلق الطيران الأسرائيلي فوق ما يعرف بالقصر الجمهوري في دمشق، ليس بالزمن البعيد. ورغم ادعاءات نظام الأسد برفض معاهدات الصلح مع الأسرائيليين، الا أن رفضه يتم على طريقته هو، ويتنافى مع سلوكه وممارساته. فنظام الأسد شارك في مفاوضات وقف اطلاق النار على الجبهة السورية بعد حرب 1973، وكان ضالعا في مفاوضات مؤتمر مدريد عام 1991 وفيما تلاه من مفاوضات متعددة الجوانب والأطراف. وكما صرح أحد ركائز هذا النظام مؤخرا، رامي مخلوف، ابن خال بشار، فان نظام الأسد يعتبر أمن أسرائيل جزءا من الأمن السوري.

رابعا: الادعاء بدعم المقاومة الفلسطينية مقابل ضربها وتفكيكها: فمراجعة سريعة لتعامل نظام الأسد مع المقاومة الفلسطينية تبين كيفية قيامه بمحاولة اجهاض هذه المقاومة في مراحل متعاقبة. فهو وقف في وجه نجاة الفدائيين الفلسطينيين من الأردن جراء أحداث أيلول عام 1970. وكل فلسطيني يتذكر مرارة محاصرة قوات الأسد لمخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1976، ومن ثم مساندة القوات الأنعزالية في ارتكاب المجازر هناك. وكل متابع للشأن الفلسطيني اللبناني يستذكر انقضاض قوات الأسد على منظمة التحرير الفلسطينية بعد غزو أسرائيل للبنان عام 1982، وكذلك دعم نظام الأسد لشق الصفوف داخل حركة فتح، في الوقت الذي أعطى فيه الأوامر لقواته المتواجدة في لبنان للانسحاب من أمام القوات الأسرائيلية الغازية. وحتى قيام نظام الأسد بتقديم الدعم ل'حماس' يجب أن ينظر اليه بعين الريبة، حيث يهدف الى شرخ الصف الفلسطيني وتحريض طرف ضد آخر. فدعم هذا النظام ل'حماس' ذات الارتباط العضوي بحركة الاخوان المسلمين يتناقض كلية مع توجيه الضربات القاصمة لهذه الحركة في مدينة حماة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.

وأخيرا: ادعاء الاشتراكية مقابل ترسيخ الاقطاعية: ان نظام الأسد قد عمق الطبقية في المجتمع السوري وعزز تفرد القلة القليلة بمقدرات البلد وموارده، بينما غالبية المجتمع ترزح تحت وطأة الفقر والعوز. وهذا النظام أيضا كان قد غذى المحسوبية والفساد والافساد داخل المجتمع السوري . فعلى سبيل المثال، يقر كل مسافر عبر الحدود السورية أن عناصر هذا النظام لا تقدم أية خدمة بسلاسة دونما ارتشاء.

وأما بخصوص احترام الحريات السياسية وصيانتها، فحدث بلا حرج. فالقتل اليومي المنظم الذي يقوم به نظام الأسد حاليا ضد الشعب السوري ينسجم مع اصراره للمحافظة على نفسه بأية طريقة كانت. فهو يدرك أنه يفتقر الى أدنى مقومات الشرعية، شعبية كانت، نضالية، أو دينية. وهو يدرك أيضا أن أصلاحا حقيقيا يتناقض بالكامل مع فكرة وجوده كنظام مبني على القبلية والطائفية، والحزبية الضيقة، وكذلك على شخصية الرئيس. وكل متابع لكيفية تعامل نظام الأسد مع المعتقلين، على مدى سني حكمه، يعرف أن سجون نظام الأسد هي من أكثر السجون في العالم امتهانا لكرامة الانسان وحقوقه.

قد يختلف المهتمون حول كيفية حل الأشكالية القائمة في سوريا اليوم، ولكن قد يكون هناك اتفاق، حتى من قبل من يدعمون هذا النظام، أن استمرار حكم الأسد لم يعد ممكنا. فغزارة الدم الذي أراق لا يمكن أن تسمح بأعادة عقارب الساعة الى الوراء. فانهيار نظام الأسد قد أصبح حتميا، بالتأكيد. والسؤال الأهم هو: كيف يمكن الوصول الى ذلك.

فالى من يعتقدون أن تدويل القضية سوف يحل المشكلة، يجدر التذكير بحال ليبيا اليوم كمرتع لقوى استخبارية عالمية متعددة. وبالتأكيد، فان حال العراق، ممزقا ومستباحا، لا يزال حاضرا في الأذهان. ان التدخل الأجنبي لا يمكن أن يكون بدون مقابل.

وواضح أن الاعتماد على مراقبين عرب لحلحلة الأوضاع في سوريا لن يخفف من حدة القتل الدموي اليومي. ومن المؤكد أيضا أن ترك الأمور تسير على عواهنها لا يمكن أن يغير من الحال شيئا.

لذلك، فان العلاج المقترح يرتكز على محورين، لا بد من بحث تفاصيلهما وتطويرهما بما ينسجم مع كافة المستجدات. المحور الأول يكمن في ضرورة تفعيل الشارع العربي بشكل منتظم وصاخب في تظاهرات جماهيرية حاشدة ضد ما يفعله نظام الأسد بالشعب السوري، وذلك من أجل احراجه وتعرية ممارساته. فاذا ما كان هذا النظام يحاول الاختباء وراء ادعاءاته بأن كل انتقاد اعلامي أو سياسي رسمي له يندرج في اطار المؤامرة ضد 'عروبته' و'تقدميته'، و'مبدئيته'، فان احتجاجات الشارع العربي سوف تبطل هذا الادعاء وتشعر الشعب السوري بأنه ليس وحيدا.

وأما المحور الثاني، فيتمثل في ضرورة ارسال قوات عربية للمحافظة على أمن المواطن السوري وتوفير الحماية له من بطش النظام وعربدته. وهنا، ليس مقبولا لنظام الأسد أن يجادل في مثل هذا المقترح الذي بدأ تداوله مؤخرا، لأن هناك سابقة اضطلعت بها جامعة الدول العربية بتشريع قيام نظام الأسد نفسه لأرسال قوات الردع العربية الى لبنان للمساعدة في انهاء الحرب الأهلية هناك.

أن اطالة أمد المأساة في سوريا هو ما يسعى الى تحقيقه نظام الأسد الآن، اعتقادا منه أن صمود الشعب السوري في وجه آلته القمعية سوف يذوي. وفي ذات الوقت، فان اطالة أمد هجمة النظام على الشعب في سوريا هو ما قد يمهد، فعلا، لحياكة كافة أنواع المؤامرات من قبل أطراف متعددة ضد هذا البلد العربي ذي الأهمية الاستراتيجية.

ورغم عناد نظام الأسد وصلفه، فلا شك أنه سوف ينهار أمام الكشف عن بطلان ادعاءاته وزيف شخصيته.

' أستاذ للعلوم السياسية في جامعة سينت ماري في كلفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا أكتب عن سورية وأنسى فلسطين!

سهيل كيوان

2012-01-25

القدس العربي

لماذا أكتب عن سورية وأنسى فلسطين!سؤال وجيه بالطبع لمن لا يعرف التاريخ والجغرافية، سؤال مقبول لو وجهه مواطن يعيش في كينيا في قرية معزولة عن العالم ولم تصلها ولن تصلها الكهرباء في العقدين القادمين. ولكنه سؤال وجهه قارئ عربي ردًا على مقال لي قبل أسبوعين هنا في هذا المكان!

نعم لماذا لا أكتب لفلسطين، وأنا المتهم أصلا بالكتابة المشبعة بفلسطين مكانًا وزمانًا وبشرًا منذ بداياتي وحتى نهاياتي!ببساطة لأنني عندما أكتب عن سورية فأنا أكتب لفلسطين، قضية العرب الأولى تحتاج إلى أمة حرّة قادرة على الحركة والتعبير، تحتاج إلى أمة متحررة من اللهاث الأبدي وراء رغيف الخبز، قادرة على اختيار حكامها ومناقشة مصائرها، شعوب لا يختزلها شخص ولا حزب ولا قبيلة أو عشيرة ولا طائفة ولا طبقة ولا إقليم.

هناك من حاولوا حصر قضية فلسطين بالفلسطينيين، ثم حصروها بفلسطينيي الضفة والقطاع ثم مزقوها لتصبح قضية حماس وفتح ثم عباس وهنية، هؤلاء هم أعداء فلسطين، كذلك من يريدون عزل شعب سورية عن محيطه العربي لا يحلمون له بالخير، ولنا أن نلاحظ في هذا السياق أن الأنظمة الفاسدة تعزز وتعمق المشاعر الإقليمية والطائفية والقبلية في كل مناسبة وخصوصًا عندما تتململ شعوبها.

معظم عائلات فلسطين لها أصول أو امتدادات في سورية ولبنان والأردن، وهناك عائلات بل قرى كاملة في فلسطين تعود أصول سكانها الى الشمال العربي الإفريقي ومصر والجزيرة العربية، ونادرًا ما تجد اسم عائلة في فلسطين بلا رديف له في قطر عربي خصوصًا في سورية.

سورية رغم (سايكس بيكو) كانت وستبقى قلب العروبة، ولكن قلب العروبة مريض ومتعب فهناك من احتكره ودسّه في خزائنه واعتبره من غنائمه الخاصة، هناك من غلبته أنانيته وسبى هذا القلب بقوة السلاح وراح يتاجر به ليشبع أمراضه وجنونه، نعم قلب العروبة مريض ويمر بعملية جراحية خطيرة ومعقدة ولكن لا مفر منها.

لولا قلب العروبة المريض ورأس العروبة الفاسد وأطراف العروبة المشلولة لما ضاعت فلسطين، ولما بقيت كل هذه العقود في الأسر، ولما كانت أيدينا على قلوبنا خشية أن تكون فلسطين أندلساً جديدة ونفقدها إلى الأبد، لا يمر أسبوع حتى يسن الكنيست قانونًا عنصريًا جديدًا، لا هدف له إلا ابتلاع ما تبقى من فلسطين وتشريد من لم يتشرد بعد من أبنائها أو تيئيسه حتى يرحل باختياره، وتأكيد حقيقة أنها لم تعد عربية.

لا مفر من تعافي الجسد العربي كله من الخوف والقمع والفساد والمرض والفقر والأمية، لا مفر من حرية التعبير والحركة والتنظيم وتداول السلطة وكل من يقف عائقًا أمام هذه الأهداف يجب إزاحته حتى ولو تزين بمعطف 'الممانعة'، نحن نبكي ضحايا سورية أكثر مما نبكي ضحايا فلسطين، لأنها بنادق الأخوة وسيوفهم ودماؤهم، كل قطرة دم تسيل في سورية الآن إنما سالت في غير مكانها الصحيح، وكل طاقة نزفت وهدرت هي إدانة يومية جديدة لنظام لم يعد صالحًا وجديرًا بقيادة قلب العروبة بل أصبح عبئا على هذا القلب ويجب التخلص منه حتى لو صرخ ليلا ونهارًا بأنه 'ممانع'.

لقد ملّ الكثيرون الكتابة عن سورية، وهذا ما يطمع به النظام بالضبط، أن تتحول الثورة السورية إلى شأن هامشي ليستفرد بها بأسلحته وجيوشه التي بُنيت من عرق ودماء وجوع الشعب، ولكن معضلة النظام أن الثوار لم يُستجلبوا من بلاد واق الواق، إنهم من الأزقة والحواري نفسها التي يخرج منها الجنود.

لقد ضحى الشعب السوري بالكثير لأجل فلسطين، ولا يمكن لفلسطيني أن ينسى فضل هذا الشعب الشقيق العريق في معاملته الخاصة للفلسطيني منذ النكبة الأولى، ولهذا فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهذا الشعب الكريم والعظيم هو هذه الكلمات، فإذا كان قد قدم من دمه وأرواح أبنائه فلماذا يستكثر البعض علينا أن نقف معه في محنته بأقلامنا وحواسيبنا وعلى شبكات التواصل الاجتماعي على الأقل!

الناس يريدون أمورًا جديدة تواكب الأحداث العظيمة الجارية، ينتظرون من الفنان أن يكون حقيقيًا، أن يكون ثائرًا في الواقع مثلما هو ثائر في المسلسل والمسرحية والفيلم والرواية واللوحة، وإلا فقد مصداقيته، انتقاد موظف هنا وآخر هناك لم يعد كافيًا، ولا انتقاد الرشوات والمحسوبيات وغيرها من موبقات، لأن ساعة تغيير هذا الواقع قد أزفت، النظام كله يحتاج إلى تغيير وليس الشعب، وحينئذ وعندما يعتاش القاضي والشرطي والموظف بكرامة فهو لن يمد يده للرشوة، وعندما يكون الضابط والطيار محترمًا فلن تغريه جهات معادية، وعندما يكون ابن الأقلية من طوائف أو قوميات أخرى حاصلا على حقوقه التامة ومتساويًا مع الأكثرية أمام القانون فهو لن يستقوي بالأجنبي على حكام بلاده، ولن يطلب الأمان في بلاد الغرباء، وعندما لا تكون فوارق اجتماعية شاسعة بين الناس تتلاشى الأحقاد، فكيف يفرز نظامٌ تحتل الاشراكية حيزًا كبيرًا في أدبياته أناسًا لا يملكون لقمة يومهم بينما يتلاعب آخرون بالمليارات!

الجامعة العربية ليست بريئة تمامًا من الدم السوري، لأن صمود النظام السوري وتطويل عمره الاصطناعي يصب في صالح الأنظمة التي لم تزرها الثورة بعد، النظام حجر عثرة الآن أمام الطوفان الذي بدأ به شعب تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، الأنظمة المتبقية ترى بالنظام السوري جدارًا واقيًا لها رغم محاولة بعضها الظهور بمظهر العداء للنظام، فمن خلاله يحاولون الظهور والتصديق أنهم أفضل حالا وأنهم 'ثوار ولآخر مدى'، ولكنهم في الواقع مثل غيرهم ومطالب الأمة العربية ومظالمها متشابهة جدا، وبلا شك ستكون مصائر شعوبها مشتركة، مستقبل الأمة هو أن تكون موحدة مع مراعاة الخصوصية، وقد يحدث هذا بعد عقود قليلة، وهو أمر كان يبدو على مسافة سنوات ضوئية قبل عام فقط، ولكن قطار الثورة بدأ بالتحرك بدماء البوعزيزي وما تلاه من دماء عربية طاهرة ولن يتوقف حتى يدخل كل مدينة وقرية عربية من المحيط إلى الخليج ويطهّرها تطهيرّا من رجس أنظمة الفساد والكبت والتخاذل، وحينئذ سنتأكد أن فلسطين وشعبها لن يكونوا أندلسًا جديدة في تاريخ هذه الأمة.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com