العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05/01/ 2014م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لولا إسرائيل وخدامها ... هل تراق دماء السوريين والعرب؟!

 خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

30/12/2013

على الرغم من أن الكثيرين كانوا ينساقون خلف الرأي الذي يذهب إلى أن إسرائيل غير معنية ولا متأثرة بمجريات الثورة السورية وأهدافها بسبب أن قيادتها تريد أن تنأى بنفسها عن حالة التخبط السائدة في بلاد الربيع العربي فإن القليل هم الذين عرفوا أثر وجود إسرائيل كبلد مجاور لسورية ومصر وكيف أنها فاعلة بقوة شديدة في المشهدين هم الذين أصابوا كبد الحقيقة لأنهم قرأوا التاريخ الماضي والحديث قراءة واعية متدبرين مكائد اليهودية والصهيونية المتآمرة مع الصليبية الاستعمارية وربطوا بين ما كان يحدث سابقا وما يحدث اليوم فوجدوا أن الواقع والحال خير برهان على ما يذهبون إليه بل لاحظوا كثيرا من الأدلة التي تثبت خطوات المؤامرة اليهودية ضد الإنسانية جمعاء حيث وجدنا أنه لما تفاقم ظلم اليهود وعتوهم وفسادهم سلط الله عليهم بختنصر عام 587 قبل الميلاد ومَلَك بابل التي هاجر منها إبراهيم عليه السلام إلى بلاد الشام وسار بختنصر بجيشه الكبير حتى بلغ مملكة اليهود في بيت المقدس حيث كانوا يظلمون فيها أهلها الأصليين من الكنعانيين الذين استنجدوا سرا بملك بابل هذا فأمعن في اليهود وساقهم معه أسرى إليها بعد أن أجلاهم عن بلاد الشام, وقرأنا في التاريخ والسِيَر كيف كاد اليهود لعيسى عليه السلام وحرفوا أصل الديانة النصرانية , وقرأنا كيف كادوا لرسول الله محمد عليه السلام وكذلك للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وكيف نقضوا العهود والمواثيق وكم جهدوا للتسلل إلى مراكز السلطة بتآمرهم مع المنافقين والباطنيين والصليبيين إلى أن قوضوا الخلافة الإسلامية بالماسونية التي ترعرعت ونمت في أحضانهم وخصوصا يهود الدونمة تحت ستار الحركات التحررية في تركيا ولذا فإن العرب والمسلمين وسائر الشعوب مدعوون أن يتبصروا بحقيقة مكر وكيد اليهود حتى لا يكرروا خطأهم ولا ينخدعوا بدعوى الافتراق بين الصهيونية وسائر اليهود فالوقائع التاريخية تثبت أن كل يهودي في العالم هو صهيوني أو مؤيد للحركة الصهيونية ومُوالٍ لدولة إسرائيل اليهودية التي يصر نتنياهو على الفلسطينيين أن يعترفوا بها وطنا لليهود, و لا ريب أن إسرائيل اليهودية لا تزال تسعى إلى مصالحها التي تفرض الهيمنة على بلادنا وخصوصا المجاورة لها, وتعمل بقضها وقضيضها على اقناع حلفائها سيما أمريكا أن تبقى حبلها المتين وكذلك روسيا التي قال رئيس وزرائها بوتن بعد زيارته الأخيرة لها وصلاته خلف حائط المبكى وهو يرتدي القلنسوة اليهودية: إن الأواصر  بين روسيا وإسرائيل أقوى من أن يقطعها أحد وكانت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية نشرت منذ تاريخ 28/7/2011 في بدايات الثورة السورية أن إسرائيل طلبت من جميع حلفائها في العالم وقف الحملة ضد النظام السوري, و قد كان حاخامات اليهود ومازالوا يصلون من أجل بقاء بشار الأسد لأنه محبوب إليهم كأبيه بل أعطوه لقب ملك إسرائيل كما نشرت "ها أرتس العبرية", ولعل مما يؤيد  ما ذهب إليه القائلون بأن إسرائيل هي مربط الفرس في الصراع بين شعوب الربيع العربي وحكامهم وخصوصا في مصر وسورية أن نتنياهو قد تبنى هذا الموقف بعد أن فهم أن الديموقراطية لو سادت عند العرب فإنها ستفرز ما لا يعجب إسرائيل ولذا قرر أن سيطرة القوى الإسلامية في بلاد الربيع العربي ستؤدي إلى الانقضاض على إسرائيل وتدميرها وأنه بالنسبة إلى سورية يفضل بقاء الأسد وبالنسبة لمصر فإنه وسائر قادته قد ضغطوا على العالم لتأييد السيسي بعد أن تآمروا على الرئيس مرسي وقال كيري: إن الإخوان سرقوا ثورة 25 يناير! إن إسرائيل تخطط ولا تضيع شيئا من وقتها بلا جدوى تحقيقا لأمنها وجلبا لمصلحتها أليس اليهود هم الذين كانوا وراء كل غنيمة في الثورة الإنجليزية في القرن السابع الميلادي , أليسوا هم الذين دبروا الكيد في الثورة الفرنسية الكبرى خلال القرن الثامن عشر الميلادي واستطاعوا أن يجنوا الثمرات على حساب آلام الشعوب والدماء التي أريقت, واستطاعوا أن يظلوا في الخفاء بعيدا عن الأضواء كما يحدث اليوم في سورية فيُظن أنه لا تأثير لهم وإنما الذي يجري هو من صنع الحاكم الظالم  فقط دون أن يكون العبد المأجور لصالح اليهود من نصبوه على العرش, وإن جهود هؤلاء لا تهدأ في إسرائيل ودول الغرب والشرق المتآمرة معها لتفكيك الجيوش العربية وإضعافها أو إنهائها وهو ما جرى في العراق عام 2003 ويجري اليوم في سورية ومصر لتحطيم جبهتيهما حتى تبقى إسرائيل وحدها القوية لعشرات السنين , وإن الواقع يدل لذلك تماما. وها هو الباحث "ديفيد ويمبرج "مدير مركز "بيغن السادات" للدراسات الاستراتيجية – النرويج يكتب بتاريخ 2/6/2013 عن الجيش العراقي وكيف استطاعوا إضعافه وإنهاكه وعن الجيش السوري اليوم وكيف تقلص إلى النصف وعن الجيش المصري وكيف ينخر الفساد فيه مؤكدا أن هذه هي الجيوش الكبيرة التي تخاف منها إسرائيل ثم استهزأ وسخر قائلا: على العرب ألا يحزنوا من التقدم الإسرائيلي فهم لم يفعلوا شيئا خلال المائة عام الماضية وإن إسرائيل سوف تضمن ألا يقوم عليها عدوان منظم في المستقبل. وهكذا فإن الذي يجري من دمار ودماء في سورية ومصر والعراق خصوصا ليصب في هذا الهدف بعد أن ابتلينا بسفاحين يخيرون شعوبهم بين الخضوع لهم أي لإسرائيل وبين أن يموتوا بجحيم طغيانهم قهرا وذلا فهل من مستبصر لنفهم كيف وأين يتجه الصراع في بوصلة التغيير وكيف يكون الحل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كان عاماً سورياً مأساوياً

حسين العودات

البيان

30/12/2013   

لم يشهد الشعب السوري عاماً أكثر بؤساً، وألماً، وحزناً، من عام 2013، وذلك ليس فقط بسبب تدمير المنازل، والبنية التحتية، والتهجير، والنزوح الداخلي، والخارجي، والتشرد في دول الجوار،وفي جميع دول العالم، وتكبد مئات آلاف القتلى والشهداء والمفقودين، ونصف مليون جريح، لم يشفوا بعد، وتعميم الجوع والعري في هذا العام الجليدي، ليس بسبب هذا فحسب، وإنما أيضاً بسبب الأسلوب، الذي مورس لقتل وتعذيب أبناء الشعب السوري.

فمن غير المفهوم مثلاً، قتل الناس بالسكين، وذبحهم ذبح النعاج، وقطع رؤوسهم، سواء كانوا رجالاً أم نساءً أم أطفالاً، خاصة أن معظم الضحايا هم من المدنيين غير المسلحين، وهذه ظاهرة غريبة على المجتمع السوري، وقيمه وأخلاقه، وعلى قيم المجتمعات الإسلامية عامة، سواء مبدأ القتل المجاني أم أسلوب القتل الوحشي. ولم تكن هذه الظاهرة عابرة ولمرة واحدة، بل شكلت نهجاً مقصوداً وتأديبياً،..

فقد ابتدأت في عام 2011 بمجزرة في ريف حمص الغربي، ثم في "البيضا" في بانياس، وكان آخرها مجزرة النبك، قبل أسبوعين، حيث قتل بالسلاح الأبيض حوالي 205 من السكان الآمنين العزل. ولا يقل وحشية عن هذا قصف المناطق السكنية بالبراميل المتفجرة، التي تلقى عشوائياً على المساكن والسكان، (ألقي 45 برميلاً على أحياء حلب، خلال سبعة أيام فقط، كان ضحيتها 380 شهيداً مدنياً بينهم 100 طفل).

ومن المؤكد أن هذه البراميل لا تقتل "الإرهابيين" فقط، لأنها عمياء تطال الجميع. ولا يقل فظاعة أسلوب قتل الجرحى، ومنع نقلهم إلى المستشفيات، أو إلقاء جثامين الذين يستشهدون تحت التعذيب في العراء، لتأكلها الكلاب (فعلاً لا مجازاً)، وهذا ما شاهده مئات السوريين بأم أعينهم، من دون أن يجرؤوا على الاقتراب لإنقاذهم، بسبب القنص. عندما تدخل القوات العسكرية قرية أو حياً تسرق كل ما فيه..

وتكسّر ما لا تستطيع نقله، أو تتلفه بإطلاق النار عليه، ثم تعمد إلى حرقه. ومن العار إقامة عشرات الأسواق غير النظامية في الهواء الطلق، لبيع المسروقات، تحت سمع السلطات وبصرها، ولا يقل وحشية قيام القناصين بقتل من يمر بالشارع أو بالساحة العامة، ضمن منطقة تواجدهم، ولا يغامر بالمرور عادة إلا مضطر، كمن ينقل مريضاً لأقرب مستشفى، أو يقصد فرناً ليشتري بعض الخبز لأبنائه، أو في سبيله لتأمين حاجة ضرورية لبيته.

من المؤلم والكارثي أن بعض المسلحين ومن جنسيات مختلفة، الذين استنجد بهم النظام، يمارسون أبشع أنواع القتل، وأسوأ أساليبه، وبحقد يصعب وصفه.

يواجه الشعب السوري أيضاً مصائب أخرى غريبة عجيبة، حيث يقوم بعض الفئات المسلحة المتطرفة، تحت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق التي تحكمها، بتنفيذ عقوبة الإعدام التي تقررها "محاكم"، شكلها قادة هذه الفئات وسموها "محاكم شرعية"، ولا أحد يعرف من أين أتت هذه الشرعية، وما هي مرجعيتها، ولا إمكانات قضاتها العلمية والفقهية، ويعضهم بالكاد، يستطيع القراءة والكتابة، بينما بعضهم الآخر لم يقرأ القرآن الكريم ولا مرة، ولا تستغرق المحاكمة أحياناً سوى بضع دقائق!

وقد تمادت هذه الفئات في تطرفها، فأخذ منتسبوها يجلدون من يمارس التدخين، وأغلقوا الجامعات، لأنها تضم الطلاب والطالبات معاً، وقرروا حدوداً للعقاب، لم تأت بها أو بمثلها الشريعة الإسلامية، وهم بذلك يضعون للمسلمين حدوداً جديدة وشرعاً جديداً، جوهره أن الحرام هو القاعدة في الإسلام، والحلال هو الاستثناء، أي عكس ما جاء به الدين الحنيف. ولعل هذا كله غيض من فيض، مما يواجهه السوريون، وقد حلّ بمجتمعهم كالبلاء الأسود.

كأنه لم يكف السوريين أنهم جوعى عراة لا يجدون رغيف الخبز لأطفالهم، ولا الثوب، الذي يكسي أجسامهم العارية، في بلد مشهور بإنتاج القمح، بل وبتصديره، ثم يجوع سكانه ولا يجدون خبزاً غذاءً لأطفالهم، بل يغشاهم التشرد والمرض، ويتعرضون لمصاعب فقدان الوقود، والغاز..

وانقطاع التيار الكهربائي في هذا الشتاء القارس، و"يتوج" هذا ما يواجهونه من غلاء وخوف وقتل، وإهانة لكراماتهم وتقاليدهم وقيمهم، التي مارسوها خلال مئات السنين، ولا شك في أن هذا ليس مؤسفاً فقط، بل إنه عصي على الفهم أيضاً.

وأخيراَ تشهد سوريا انقطاع مليونين ونصف المليون من الأطفال عن المدارس، ما يوحي بقدوم جيل أمي، لا يقرأ ولا يكتب بعد سنوات، من دون أن يحرك ذلك شعرة في مفرق أحد، بما في ذلك مفرق النظام، الذي لا يشعر بأية مسؤولية تجاه شعبه، رغم تغنيه بإنجازاته (الوهمية)، طوال أربعين عاماً!

وبعد ذلك صار طبيعياً أن تملأ المظاهر العسكرية كل جوانب الحياة اليومية، سواءً بتقاليدها أم بتواجدها المادي الفعلي، أم بهيمنتها على الشوارع والساحات، وكأن سوريا الآن مجتمع إسبارطي، ولد من جديد بعد ألفي عام، أليس هذا عصياً على الفهم؟ لنتمنَّ أن يكون العام السوري القادم أفضل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الكيُّ ليس أول الدواء .. في علاج التطرف والتصدي للمتطرفين

04.01.2014

زهير سالم

تقول العرب آخر الدواء الكيُّ . والمفهوم المباشر للحكمة العربية أنه قبل الكيّ تكون هناك ألوان وأنواع من العلاج ومن الدواء . والإسلام الذي شرع الطلاق ونعته بأبغض الحلال إلى الله رتّب قبله للزوجين خطوات للحفاظ على العلاقة من الوعظ والهجر والتحكيم والتأميل قال تعالى في الدفع بالتأميل : (( فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ..)). إلا أن بعض الناس الذين لا يحسنون شيئا مما سبق ذكره يجعلون الطلاق أول كلامهم وأوسطه وختامه. ويرون في الكيّ أول الدواء وآخره .

التطرف وانتشار المتطرفين على الأرض السورية مشكلة خطيرة بدأت تجثم بكلكلها على صدر المجتمع السوري ، وتهدد الحراك الثوري بالخطر ، وتسد الأفق في وجه المستقبل الوطني السوري على أكثر من صعيد .

التطرف وانتشار المتطرفين هي مشكلة شديدة التعقيد ، متعددة الأبعاد ، خطيرة التداعيات والانعكاسات . والسكوت عنها والتهرب من مواجهة استحقاقاتها فاقمها وأزّمها ، وركوب الصعب والذهاب بانفعالية إلى طريقة من قال : ( كسرت كعوبها أو تستقيما ) ربما يقودنا إلى ما هو أشر منها.

لم يملّ العقلاء منذ بروز الظاهرة من التنويه والتذكير والمطالبة بضرورة المبادرة إلى مواجهتها بالتعامل الحكيم الجاد والحازم مع التطرف كظاهرة ومنهج بدأ يقرع أبواب المجتمع السوري ، ومع المتطرفين كأشخاص وقيادات اندفعوا إلى الأرض السورية من فوق ومن تحت ومن يمين وشمال . إلا أن البعض آثر التواري في الضباب ، والاختباء وراء الأصبع ، أو كما تعود الناس أن يقولوا : آثروا أن يغمسوا رؤوسهم في الرمال حتى استشرى الشر وتحول الشرر إلى نار تحرق ولا تدفئ ..

إن أخطر ما في نهج التطرف وكلام المتطرفين تلبسه بأجمل ما في حياتنا : الإسلام والإيمان وقال الله قال رسوله والقرآن وعقيدته وشريعته ومنهجه .

وأقسى ما في أمر المتطرفين في واقع أمرهم في سورية اختلاط المفسد منهم بالمصلح . حتى يصعب على أهل الجد والصدق أن يميزوا في صف فيه خادع ومخدوع أن يميزوا في ظاهر الأمر بين خبيث وطيب . أو أن يميزوا في الغمار المختلط والمشتبك بين المغضوب عليهم والضالين .

إن الأخطر والأقسى معا امتداد خيوط بعض أولئك المغضوب عليهم إلى أصابع ( النفاثين والنفاثات بالعقد ) بحيث أصبح السوريون مع هؤلاء الذين يزعمون أنهم جاؤوا لينصروهم أو ليجيروهم : كالمستجير بعمرو عند كربته أي كالمستجير من الرمضاء بالنار .

وحتى وجد المستضعفون السوريون الذين تقاعس كل العالم عن نصرتهم ، وتآلب عليهم الإلب الروسي والإلب الإيراني مع الإلب الأسدي أنفسهم أمام إِلْب رابع يدخل الساحة فيضيف تهديدا لثورة السوريين بتقديمه ذريعة لمنطق خاذليهم ، ثم ليضيف تهديدا عملياتيا في سياق موثق من الوقائع في إضعاف مشروع الثورة والثوار بحيث انطبق عليهم بكل دقة قوله تعالى (( لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ )) ثم ليختتم مشروع الإيضاع بالفتنة (( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ )) .

إن المهم الذي نريد أن نذكر به في هذا المقام : أن الشعب السوري والثورة السورية حين تنفض يدا اليوم من هؤلاء الذين يُكفّرون ويفسّقون ويبدّعون والذين يغدرون ويعذبون ويقتلون ويمثلون ، فهي لا تفعل ذلك على أسس ومعايير دولية أو إقليمية . بمعنى وهذا يجب أن يكون واضحا كل الوضوح لهؤلاء أنفسهم أنه حين بادرت الولايات المتحدة إلى إعلان بعض هذه الفصائل بمعاييرها الأمريكية مجموعة إرهابية ، وتابعها مجلس الأمن على ذلك ؛ وقفت كل فصائل الثورة السورية العسكرية منها والسياسية في وجه التصنيف الأمريكي والدولي ورفضته وتحدته . وهي اليوم إذ تجد نفسها مضطرة لمراجعة مواقفها وسياساتها فإنما تفعل ذلك بناء على أطروحات وممارسات تصدر عن فاعلين بأعيانهم . وما زلنا مصممين على ألا نذهب وراء الخلط والتعميم ..

يوم سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حسان بن ثابت : كيف تهجو قريشاً وأنا منهم . أجاب سيدنا حسان : لأسلّنكم منهم كما تُسل الشعرة من العجين . فقه الموقف في لحظتنا يستحضر مثل هذا المنهج وهذه البراعة أيضا .

نعتقد ونحن نتحدث عن أول العلاج وليس عن آخره في علاج التطرف والتصدي للمتطرفين هو أن السبب الأول في انتشار الظاهرة وتكاثر أنصارها في أرض الشام وبين ظهراني أهلها هو غياب البعض ، وقصورهم ، وخفوت صوتهم ، وميوعة موقفهم ، وضعفهم عن التمييز في فحوى الخطاب وشكل الخطاب بين مرحلة ما قبل وما بعد ، وتناسيهم أن لكل مقام مقال . ولكل حديث رجال .

وأول العلاج لو كان هناك من يبحث عن علاج هو في حضور يملأ الفضاء أو يقارب ، وفي خطاب سديد يتوجه إلى العقول والقلوب فيؤكد الثقة ويزرع الأمل ويبشر بالخير . خطاب يتوجه إلى ضمير شعب نعرف جميعا ماذا يريد وإلى ماذا يتطلع فتعتصم الكلمة بالحبل المتين دون أن تقطع شعرات صلة لا بد أن يكون لها من فقه سيدنا معاوية نصيب ..

وثاني خطوة لا بد منها أن نتبين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. )) فهؤلاء الرجال المسلمون الأطهار الأبرار الذين تركوا ما كانوا فيه من دعة ومن استقرار ومن رفاه حين استنفروا فنفروا ما جاؤوا بجملتهم إلى الشام : يريدون علوا في الأرض ولا فسادا . بل الأصل أنهم جاؤوا نصرة للحق وأهله ، جاؤوا غضبا لكلمة الله لتكون العليا ، جاؤوا نصرة للدماء المسفوكة والأعراض المغتصبة ، هذا ظننا فيهم والله حسيبهم، فوجدوا راية مرفوعة باسم الله ، ولواء معقودا للدفاع عن شريعته فانضموا إليه وتحيزوا إلى فئته ، على غير ما بحث ولا تمحيص . والسؤال هنا ما زال في سياقه فأين كان أهل لواء الحق ، بل أين كان لواء الحق ..

والجواب هنا في الخطوة الثانية على الطريق لا بد في معركة أهل القرآن من رجال ثقات يحملون عبء البيان . ولا بد إلى جانب نور البيان . من رفع لواء الراية البديلة ، التي تثوّب للصالحين والصادقين أن هلموا فتكون مثابة هداية وبصيرة ونور ورشاد وعمل وجهاد . خطوة ضرورية التفريط فيها والقعود عنها والتقصير فيها سيدخلنا في إطار لا نحبه ولا نرضاه . وإن نقمنا على أئمة الفتنة خوضهم في العقائد فلا يمكن أن نجاريهم في الخوض فيها . وإن أخذنا عليهم جرأتهم على الدماء فلا يمكن أن ننافسهم في الجرأة عليها ...

نسمع وينقل لنا الكثير أحاديث : قلنا وقالوا ، قدّمنا وفعلوا . ومع أن الاسترسال في المراء والجدل والشر مستنكر مرفوض غير محمود؛ فإن الذي يجب التركيز عليه في السياق : أن مهمة التذكير والبيان والإرشاد والتعليم مهمة مستدامة لا تتوقف ولا تنقطع ولا تنتهي بمجلس . ولا تعامل بمنهج (( فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء )) فذلك كلام رباني آخر قيل في قوم آخرين .

قبل الاندفاع إلى آخر الدواء الذي نرجو أن تسعفنا الحكمة قبل الحاجة فلا نحتاج إليه . لا بد من حضور مهاب يحجم ويردع . وبيان شاف يقيم الحجة وينير الدرب . وبدائل مساعدة تعزل أئمة الفتنة ونسأل الله ألا يكون لهم في هذه الصفوف نصيب ..

أما الاستراحة إلى قوله تعالى (( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )) أو الاستشهاد بـ (( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ..)) فذاك كلام يخشى على صاحبه من منهج قيل في أصحابه : يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ..

ننكر كل المنكر ونرى أن المنكر الأكبر هو المنكر الذي يرتكب باسم كلمة الله ودينه وشريعته ..

ندعو إلى مبادرة عاجلة وجادة وصادقة تبدأ من حضور قوي تمنع كل أشكال التمدد السهل في الناس وعلى الأرض . وبيان من أهله يطرد الشيطان ويصادر الأفق على حزبه . وراية للحق بديلة ومرفوعة يفيء إليها الصادقون الجادون ويثوب إليها المجاهدون المخلصون . ثم جهد جاد للاحتواء والتحجيم . حتى يجد رؤوس الفتنة في طهران أنفسهم بلا أذرع ولا أقدام ..

2 / ربيع الأول / 1435

4 / 1 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا يقع طواغيتنا في الحفرة نفسها مرات ومرات؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28/12/2013

مهما كانت الحلول الأمنية ناجعة، فإن مفعولها لن يدوم طويلاً، فإن استطاعت بعض الأنظمة أن تقمع خصومها بالإرهاب والحديد والنار، فهذا لا يعني أنها قضت عليهم إلى غير رجعة، فربما ربحت معركة ولم تكسب حربا.

فمن المعلوم أن الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد لجأ إلى أقسى أنواع القوة والوحشية لسحق خصومه من الإسلاميين في ثمانينات القرن الماضي، فكانت مذبحة مدينة حماة، سيئة الصيت، التي راح ضحيتها الآلاف، ناهيك عن الدمار الرهيب الذي حل بالمدينة وغيرها من المدن السورية، التي ثارت على النظام آنذاك.

لا شك أن النظام تمكن وقتها – في ظل حالة التعتيم الإعلامي، وانعدام وسائل الاتصال الحديثة – من إخماد حركة الإخوان المسلمين، لا بل سن قانوناً يجرّم كل من ينتمي إلى تلك الحركة، ويحكم عليه بالإعدام.

وقد عاش النظام الحاكم بلا منغصات أو معارضات قوية لأكثر من ثلاثين عاماً لم يستطع السوريون خلالها أن يفتحوا أفواههم إلا عند طبيب الأسنان، لا بل إن سكان حماة نفسها لم يتمكنوا خلال تلك الفترة من أن يهمسوا بما حصل لهم على أيدي النظام من مجازر فاشية بكل المقاييس خوفاً من المقصلة.

وقد سار نظام الجنرالات في الجزائر على خطى النظام السوري، فحارب الجماعات الإسلامية لعقد كامل من الزمان سماه ‘العشرية السوداء’، وقد نجح أخيراً في إخماد تلك الجماعات، وقام بإصلاحات شكلية، وبقي النظام والدولة العميقة مكانهما، لا بل توغلت الدولة أكثر من وراء مظاهر ديمقراطية زائفة.

من الواضح تماماً الآن أن الأنظمة الحاكمة في مصر وسوريا والعراق مثلاً تريد أن تطبق التجربتين الجزائرية والسورية في عهد حافظ الأسد، ظناً منها أنهما كانتا ناجحتين، ويمكن أن يعاد استنساخهما.

وإذا كانت تلك الأنظمة تعتقد فعلاً أن التاريخ يعيد نفسه، فهي غاية في الغباء. فالتاريخ لا يعيد نفسه أبداً، كما قال كارل ماركس، وإن أعاد، فإنه يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة!

ليت من يحاولون أن يعبّدوا طريقهم إلى السلطة في مصر وسوريا والعراق بالدمار والدماء أن ينظروا إلى مقولة ماركس جيداً، ليروا أنهم دخلوا فعلاً في مهزلة حقيقية لا تخطئها عين. ولا بد لهم أن يعلموا أن التجربتين الجزائرية والسورية كانتا فاشلتين بامتياز، ومهدتا لما نراه الآن في سوريا من كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، ولا حتى القديم. فجماعة الإخوان المسلمين – التي حاربها حافظ الأسد في مدينة حماة – تبدو الآن حملاً وديعاً بالمقارنة مع الجماعات الجديدة، التي تواجه بشار الأسد، ونوري المالكي، وربما السيسي لاحقاً في مصر.

أما الجزائر التي تبدو الآن هادئة، فليس هدوؤها مضموناً لوقت طويل، خاصة وأن كل ما أدى إلى اندلاع الثورات في بلاد الربيع العربي متوفر بقوة في الجزائر، وربما بطريقة أكثر خطورة وتشظياً. وبالتالي، فلا يجب أن يعتد أحد بنجاح التجربة الجزائرية في القضاء على الخصوم بالوحشية الفاشية العربية المعهودة.

ربما يعتقد النظام المصري أن بإمكانه أن يعيد سيناريوهات القرن الماضي، حيث نجح بالقبضة الحديدية في القضاء على الجماعات، التي كان يتهمها بالإرهاب. لكن الوضع الآن مختلف تماماً، ناهيك عن أن من يواجههم الآن ليسوا كحركات ‘التكفير والهجرة’ أو ‘الناجون من النار’ أو ‘الجماعة الإسلامية’ أو ‘الجهاد’. إنها – اتفقت معها أو اختلفت – حركة شعبية ذات جذور عميقة جداً لم تنجح الأنظمة المتعاقبة في اجتثاثها منذ عهد عبد الناصر، وهي ليست كالحركات المذكورة، غريبة وشاذة عن المجتمع المصري، ناهيك عن أنها فازت لأول مرة في تاريخ مصر بانتخابات ديمقراطية حرة، وبالتالي فإن التعامل معها كما تم التعامل مع الحركات الإرهابية القديمة مستحيل، ولا يمكن تبريره، ولا يكفي افتعال تفجير هنا وأزمة هناك لتجريمها وشيطنتها وإيجاد المبررات للقضاء عليها.

إن اجتثاث الخصوم بدل استيعابهم يمكن أن يكون فتيلاً لمحرقة تأتي على الأخضر واليابس في بلاد بأمس الحاجة للوئام الاجتماعي والتوافق والمصالحة بعدما وصلت حالة الاستقطاب فيها إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة.

لا أدري لماذا لا تتعلم حكومة مصر من المأساة العراقية، التي أدت إلى جعل العراق دولة فاشلة، بسبب سياسة الإقصاء وتهميش الشرائح السياسية والوطنية المعارضة. لم يمر على العراق أسبوع منذ عشر سنوات، دون تفجيرات وأعمال إرهابية.

ومع ذلك، لا يبدو أن الآخرين يريدون أن يتعلموا من تجربة العراق المريرة، ولا يريد النظام العراقي نفسه أن يتعظ مما حصل للبلاد، بسبب سياساته الإقصائية والاجتثاثية الخرقاء. فبدل أن يستقطب المالكي الشرائح الأخرى ويدمجها في النظام، راح يحشد لها الدبابات والطائرات ظناً منه أنه يستطيع القضاء عليها وعلى الإرهاب، دون أن يدري أن الحل الأمثل لا يكمن في القبضة الأمنية، بل في استيعاب الجميع وإرضائهم!

يكفي المالكي أو أي نظام عربي آخر في عصر الثورات أن يكون خمسة بالمائة من الشعب مغبونين كي يحولوا حياة الدولة إلى جحيم لا يطاق. فلم تعد الشعوب ولا الحركات السياسية تقبل بالحلول الأمنية الاستئصالية على الطريقة العراقية أو الجزائرية أو السورية، فهي مستعدة أن ترد الصاع صاعين، وأن تزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة، حتى لو وضعوا كل قادتها في السجون. مغفل من يعتقد أن الزنازين والمعتقلات مازالت هي الحل الأمثل لوأد المعارضات الشعبية، وتجربة نيلسون مانديلا خير دليل.

من المؤسف جداً أن ينسق النظام المصري مع النظام السوري، أو أن يسير على خطاه بعد كل ما شاهده من خراب ودمار في سوريا. فلتنظروا فقط كيف بدأت الانتفاضة السورية سلمية وشعبية، وكيف حوّلها بطش النظام وعصاه الفاشية الغليظة إلى كارثة كبرى بكل المقاييس على سوريا شعباً ووطناً. فلماذا لا تتعلموا مما حل بسوريا بدل التحالف مع من أوصل سوريا إلى ما وصلت إليه من انهيار وخراب؟

إن نظرة سريعة على ما حققته الحلول الأمنية والقمعية في المنطقة على مدى العقود الماضية تبين لنا أنها كانت كارثة بكل المقاييس، ولم تجلب لنا سوى الإرهاب. والمرعب في الأمر أن لا أحد يتعلم من التاريخ، ولا من التجارب الكارثية لمن سبقوهم.

إن تكرار الأخطاء الفاحشة، التي اقترفتها بعض الدول في سحق الجماعات المعارضة والعواقب الوخيمة التي تمخضت عنها، تجعلنا نتساءل: هل هناك خطة مبرمجة، كي لا نقول مؤامرة مفضوحة، على أوطاننا بين الديكتاتوريات الحاكمة وكفلائها في الخارج لتحويل بلادنا إلى دول فاشلة وصوملتها وأفغنتها وجعلها أرضاً يباباً لا تقوم لها قائمة لعقود وعقود، أم إن طواغيتنا لم يصلوا بعد إلى مرتبة الحمير؟ من المعروف أن الحمير تتجنب الحفر التي وقعت فيها من قبل، بينما يقع طغاتنا في نفس الحفر التي سقط فيها أسلافهم. يا لذكاء الحمير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أكراد «جنوب السكة» سوريون يجرفهم الحنين إلى الشمال

الحسكة (سورية) - حسين جمو

الحياة

السبت 28/12/2013

بين نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى تثبيت الحدود بين تركيا وسلطة الانتداب الفرنسي في سورية عام 1923، كانت قطعان الماشية التي يرعاها أكراد (عثمانيون) تقطع سكة حديداً صدئة توقف العمل فيها نهائياً عام 1918 قبل استئنافها لاحقاً بعد حوالى 20 عاماً، كذلك كان الأطفال يلعبون على السكة قرب التجمعات السكنية التي تمر فيها وتقسمها إلى نصفين.

لم يكلّف طرفا النزاع – أو الاتفاق - في ذلك الحين نفسيهما بترسيم حدود «عقلانية» تأخذ في الاعتبار العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتداعيات السياسية في المستقبل، بل كانت أشبه بقول إقطاعي لزميل آخر في نزاع على الملكية: «حسناً... الأراضي الممتدة من شجرة الجوز غرباً حتى شجرة التين شرقاً هي لك». هكذا، خلقت سكة الحديد الصدئة حدوداً – حتى نصيبين - واقعاً ما زال حديثاً، اسمه «أكراد سورية»، وهذا الواقع – على رغم حداثته - هو قديم قدم سورية الحديثة!

 

جنوب سكة الحديد

حال الذهول الكردية استمرت سنوات طويلة للتخلص من صدمة أنه ليس باستطاعتهم الانتقال إلى شمال السكّة من دون أوراق رسمية، فأطلق عليهم أقرباؤهم في كردستان تركيا اسم «kurdê bixetê»، أي «أكراد ما وراء أو جنوب الخط الحديد»، وهذا هو الاسم الشعبي المتداول حتى الوقت الحالي لأكراد هذا الجزء الكردي الذي عرف في الأدبيات السياسية الكردية بـ «كردستان سورية» ثم «جنوب غربي كردستان» وأخيراً «غرب كردستان».

لم تكن هذه المنطقة التي تضم حالياً أكثر من نصف محافظــــة الحسكة وأجزاء من شمال الرقة وحلب تمتـــلك أي وحدة سياسية، ذلك أن هذه المنطقة – خـــصــوصاً الواقعة في محافظة الحسكة – كانــــت مناطق نفوذ أكثر منها مناطق استقرار للأكراد المــوجودين حالياً في المحافظات الحدودية التركية مع سورية من جهة الشمال، مع استثناءات قليلة.

وتعتبر عشيرة كيكان واحدة من أقدم المجموعات المستقرة في هذه المنطقة، وتتوزع الآن في معظم ناحية الدرباسية. لكن البلدة الأخيرة تمثل الأراضي الزراعية للعشيرة وليست منطقة سكن نهائية. في المواسم الزراعية السيئة كانت تنتقل باكراً باتجاه الشمال مع بقاء مجموعات صغيرة فقط فيها. ويورد الرحالة والسياسي البريطاني مارك سايكس في بحثه المضني الذي نشر لاحقاً في كتاب بعنوان: «القبائل الكردية في الإمبراطوية العثمانية»، ما قاله أحد زعماء عشيرة كيكان من أنهم يأتون جنوباً (جنوب جبل قر جه داغ) الممتدة إلى الدرباسية حالياً «لغرض إظهار حقوقهم في الاستقرار في حالة إقامة أخرى للزراعة» في تلك المنطقة. وهذا وعي نادر في تلك الفترة حول التفكير بحقوق العشيرة في منطقة تقيم فيها فصلياً، وهذا أوضح مثال عما يُقصد به هنا بـ «مناطق النفوذ» عدا عن الاستقرار.

في الإشكال الحالي الذي يظهر في نقاشات بين عرب وأكراد هذه المناطق في أسبقية أي طرف في الإقامة والاستقرار في المنطقة تُغفل هذه النقطة المفصلية المتعلقة بمفهوم «مناطق النفوذ الحية» التي يقيم في غالبيتها الأكراد - لأنها مناطق نفوذهم التقليدية - عدا أجزاء حدودية تم تصنيع عروبتها سياسياً، إلا أن هذا الامتداد الحدودي ليس متواصلاً من عين ديوار في أقصى الشرق إلى عفرين في أقصى الغرب، كما أن هناك وجوداً عربياً كثيفاً داخل بلدات تعتبر مناطق نفوذ كردية تاريخياً، مثل راس العين (سري كانيه) حيث تصل نسبة العرب هناك إلى أكثر من 30 في المئة.

وفي كل المناطق التي يتنازع على هويتها العرب والأكراد ثمة نواة مسيحية سريانية كلدانية في قلب هذه المدن والبلدات، بما فيها القامشلي التي تضم نسبة غير قليلة من العرب (تعتبر حالياً عاصمة سياسية مفترضة لغرب كردستان) لكن، لم تعد هناك إمكانية لسيادة مسيحية على أي من المراكز السكانية، حتى تلك التي يشكلون فيه غالبية أو مناصفة مع باقي المكونات كما في تل تمر التي يقاتل للسيطرة عليها كل من قوات كردية وتنظيمات معارضة وجهادية.

 

الاندماج أو الهروب

على عكس أكراد العراق وتركيا وإلى حد ما إيران، ما زال التصور السياسي الكردي يبحث عن نفسه في هذا الجزء، ولم تتبلور هوية متماسكة لها خصائصها المحلية والمتمايزة على غرار بقية الأكراد. وعلى رغم مسؤولية الحكومات المتعاقبة في خلق وضع اغترابي لأكراد «جنوب السكّة»، إلا أن طريقة فرز المناطق الكردية الحالية إلى الدولة السورية ما زالت تلعب الدور الأساس في تطلع هؤلاء، إما إلى الاندماج ضمن الدولة السورية بسبب اليأس من تشكيل كيان كردي خاص نتيجة الواقع الجغرافي السلبي، وإما التطلع إلى الأجزاء الأخرى من كردستان بحيث يكون الهاجس هو توحيد كردستان الكبرى للتخلص من عُقدة «الشريط المقطوع في ثلاثة أماكن على امتداد ما يقارب 800 كيلومتر وعمق ضحل لا يتجاوز أحياناً 3 كيلومترات». لذا، لم تنجح حتى اليوم أي حركة كردية - سورية في رسم سياسة غير تابعة لإحدى العواصم الكردية الثلاث: دياربكر وأربيل والسليمانية. هذه التبعية ليست ناتجة من ضعف القيادات، أي أن المشكلة ليست في الأشخاص، إنما المناخ النفسي لنشوء الحركة القومية الكردية في سورية لا تترك خياراً سوى للتفكير بـ «مغادرة سورية جغرافياً» في ظل غياب أي طرح وطني تعددي يمكن البناء عليه على أرض الواقع، بصرف النظر عن البيانات التعايشية والاعترافات اللفظية المتبادلة بحقوق «الآخر». وإذ نقول بخياري الاندماج الوطني أو المشروع القومي، فللتشديد على أن الأكراد ليسوا كتلة صلبة غير حيوية. في الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار توجهات فردية ليس بيدها قرار التأثير في الفضاءات السياسية الجمعية دليلاً على تنوع الخيارات خارج الإطارين المذكورين (القومي - الوطني) واللذين تجسدهما أحزاب سياسية وتشكيلات عسكرية.

 

زوائد كردستانية

غياب الشرط الوطني تاريخياً، إضافة إلى عدم توافر متطلبات «الهوية الكيانية الكردستانية»، وليست العائمة، هي التي جعلت عدد المنخرطين من الكرد السوريين في صفوف حزب العمال الكردستاني خلال التسعينات من القرن الماضي، يقارب عدد المنضمين من أكراد تركيا الذين يتفوقون بعدد السكان بعشرة أضعاف. وعندما قال زعيم هذا الحزب عبدالله أوجلان في منتصف تسعينات القرن الماضي، إنه يعمل على إعادة الأكراد في سورية إلى موطنهم الأصلي في الشمال، لم تلقَ هذه العبارة الخطيرة أي استنكار شعبي خارج الأطر الحزبية المنافسة. هذا النزوع نحو الهروب ليس مجرد مؤامرة من النظام استغل فيها حاجة أوجلان في ذلك الوقت، بل على رغم بساطة أحد مستويات الحاضنة الشعبية للعمال الكردستاني، إلا أنها كانت تدرك ربما أكثر من السياسيين أن لا طاقة لهم بخوض نضال يؤثر في الدولة السورية بسبب مجموع العوامل التي سبق ذكرها، فـ «غرب كردستان» أقرب إلى أن يكون «زوائد كردستانية».

وإذ قد يحاجج بعضهم في نفي غربة القوميين الأكراد – أو تغريبهم سلطوياً - بالوجود الكردي «الثقيل» سكانياً في مدن رئيسة كحلب ودمشق، فإن هذا الوجود أصبح أساسه اقتصادي معيشي في غالبيته، وإن بدأت بدوافع سياسية كما في حال الكثير من أكراد دمشق المنفيين من السلطنة العثمانية. ويمكن بسهولة أن يصرّح كردي من بين بضعة آخرين في مدينة حلب، أنه يتطلع إلى دولة كردية موحّدة، على رغم أن كل متطلبات الحياة الاقتصادية لديه مرتبطة بحلب. وإذا كان على السياسة أن تصوغ حلولاً وفقاً لتمحور الناس حول مصالح اقتصادية تضمن استمرارية هذا المجتمع، فإن هذه البدهية غير متوافرة في «غرب كردستان»، ذلك أن المصطلح نفسه يتجاوز قدرة المجتمع على تجسيده بهذا المعطى، حتى إنه يتم تقديمه كأنه «اكتشاف أثري» – مطلق - يتم إحياؤه بعد تغييب قسري.

يضاف إلى صعوبات تشكُل فضاء اجتماعي سياسي كردي في سورية مقابل تصاعد نزعة التطلع نحو دياربكر كعاصمة يتم ترديدها والتغزل بها مراراً في الأغنيات، أن مدينة ماردين (في تركيا) بقراها ونواحيها هي أقرب ثقافياً واجتماعياً لابن منطقة الجزيرة من عفرين الواقعة حالياً في أقصى شمال غربي سورية. كذلك الأمر بالنسبة لكوباني التي تعتبر امتداداً بشرياً وجغرافياً لمنطقة سروج في ولاية أورفا في «كردستان الشمالية».

 

العودة إلى الحضن الأم

أحلام العودة إلى الحضن الأم «كردستان الشمالية» تعرضت إلى «نكزة» في الآونة الأخير، وذلك كأحد نتائج الخطر الوجودي الذي يحيط بالأكراد السوريين في النطاق الجغرافي الكردستاني من جهة مطامع تنظيم «القاعدة» وأطراف معارضة في المنطقة، كذلك تواصل تركيا مشروعها في إقامة جدار عازل على الحدود السورية - التركية (بين نصيبين والقامشلي)، أي بين غرب كردستان وشمالها، الأمر الذي أدى إلى احتجاجات قادتها رئيسة بلدية نصيبين، إضافة إلى حملات إعلامية من جانب أكراد سوريين.

لم يأتِ هذا الحنين إلى الشمال من فراغ، فكما أسلفنا، الهجمات الشرسة التي تتعرض لها المناطق الكردية من جانب قوى محسوبة على المعارضة، غير «داعش» و «جبهة النصرة»، لا تترك لهم مجالاً في أن تكون سورية خياراً نهائياً غير قابل لـ «الاجتهاد» و «القياس»، على الأقل لدفع الخصم إلى إعادة التفكير في نزعته «الإلغائية». وكما يستعين عرب هذه المنطقة بالتنظيمات الجهادية لكسر أي قيادة كردية للمنطقة، فإن الطرف الكردي أيضاً يلتف حول حزب الاتحاد الديموقراطي بقواه المسلحة رداً على ذلك.

تخضع صيغة الحل السياسية التي تسود بين الشريحة الأوسع من أكراد سورية إلى درجة استجابة الطرف الآخر (السلطة) إلى مطالبهم. وكان الاتجاه الغالب في بدايات الثورة السورية ذا اتجاه وطني يقبل بحل ضمن «سورية ديموقراطية تعددية»، سورية عابرة لمفهوم العروبة الطاردة التي ترى في الأكراد غرباء يقيمون على هذه الأرض، وليس بسبب عدم توافر الوقت والظرف لدى فرنسا وتركيا الكمالية لترسيم حدود غير التي حددتها سكة حديد اسطنبول - بغداد.

غير أنه منذ إطلالة المعارض هيثم المالح في مؤتمر أنطاليا ومبادرته الكارثية – وطنياً - في إعادة ضخ «العروبة الطاردة» في الثورة السورية، وجدت خيبة الأمل الكردية دافعاً للبحث عن خيار آخر التقطه حزب الاتحاد الديموقراطي وسار به وصولاً إلى طرح وتنفيذ مشروع «الإدارة المدنية الانتقالية في غرب كردستان» بالقوة، فيما تعرضت التيارات الكردية التي كانت تربط الحل بالتوافق المباشر مع أطراف المعارضة إلى انتكاسة قد لا تنتعش مجدداً، إلا في حال انهيار مشروع «غرب كردستان». وهذا الأخير يواجه تناقضات، فمن جهة تؤكد الوثائق المتعلقة بها الارتباط النهائي بسورية، فالإدارة الذاتية هي مشروع محلي سوري يخص الأكراد. وهذه النبرة الإطلاقية تتغذى على عداء تاريخي مع الدولة التركية. بما أن أنقرة تتطلع إلى السيطرة على سورية وفق حزب الاتحاد الديموقراطي، والإيعاز للحركات الجهادية بمهاجمة الأكراد السوريين، فلا بد إذاً من سد المنطقة في وجهها مهما كان الثمن. وتبدو سياسة الحزب الكردي هذه غير متوافقة تماماً مع رؤية أوجلان في رسم العلاقة التركية - الكردية في المنطقة. ولهذا الأمر قصة طويلة تأخذنا إلى المحاور السياسية داخل حزب العمال الكردستاني نفسه. التناقض الآخر، أن الحزب يدفع أنصاره إلى الخيار الكردستاني تبدو فيه سورية (الكيان) مسألة منتهية منها، ويظهر المشروع وكأنه يصب في جهود بناء كردستان.

 

مشروع أوجلان المغيّب

الخيار الغائب أو المغيّب في كل ما سلف، هو مشروع وضع أسسه العملية عبدالله أوجلان، لكن لم تتم إثارته سياسياً حتى الوقت الحالي، ولأنه لا وجود لـ «بروتوكولات كردية»، فإن دفعه إلى العلن قد يثير نقاشاً نقدياً وتقويمياً حوله. ما يمكن استنباطه من مشروع السلام الذي طرحه أوجلان في 21 آذار (مارس) الماضي، هو توليفة حديثة للنموذج العثماني. أي جعل المناطق الكردية الواقعة خارج تركيا وداخلها مجالاً للنفوذ التركي، عبر إدارات كردية محلية. وهذا المشروع، هو أقصى ما قد يتطلع إليه كردي ما زال ينظر إلى سكة الحديد على أنها مهزلة تاريخية. هذا المشروع يعفي أكراد سورية من توحيد غرب كردستان المفكك، لتكون كل منطقة مفتوحة مباشرة على الشمال، وقد تغلق جنوباً (جهة سورية) يوماً ما أو يعاد فتحها بصيغة علاقات حكم جديدة مع دمشق. في ظل غياب مشروع وطني سوري، هذا الخيار يبدو أفضل طريقة للتخلص من هاجس الاحتلال الجهادي - العربي - القومي في منطقتهم الضيّقة والممتدة.

لكن تعثر مشروع السلام وتوتر العلاقات بين أنقرة والممثل الأيديولوجي لحزب العمال في سورية (الاتحاد الديموقراطي)، يترك هذا التصور قيد الانتظار وليس الإلغاء، ذلك أن واقع الحال في سورية لا يوحي بوجود حل استقراري حتى سنوات مقبلة قد تأخذ وقتاً أطـــول من العراق الذي ما زال غير مستقر أو آمن. كما أن الشرط السياسي لنجاح «تغيـــير الاتجاه» هو أن يكون تحت رعاية رئيس إقليم كردســـتان مسعود بارزاني وإشرافه. إذ إن وجهة تدفق النفــط تذيب العداوات، هكذا يُفترض، وهـــذا ما يظهر من تطور مســـار العلاقات بين إقليم كردستــــان وتركيا، ولدى أكراد سورية نفط لا طريق له إلا بأن يصــب في الأنبوب الكردستاني الذين سيتدفق عبر تركيا. لكن الحال لن تكون كذلك إذا كان هناك طرف كردستاني سيعادي ويصاحب لحساب غيره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ترتقي (الجبهة الإسلامية) في سوريا إلى مستوى المسؤولية؟

وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 29/12/2013

بنظرةٍ إستراتيجية، نجد أن الجبهة ومكوناتها الأصلية أخذت منذ البداية بعنصرٍ أساسي من عناصر المسؤولية المطلوبة يتمثل في أنها عملت على أن تبقى سوريةً خالصة، وأكدت على هذا الأمر بصريح العبارة في أدبياتها.

وهكذا، لم تقع في الخطيئة الإستراتيجية التي وقعت فيها فصائل قليلة أخرى حين أعلنت الولاء، بل والبيعة، لجهاتٍ خارجية غريبة عن سوريا وخصوصياتها الكثيرة. وأَدخَلت تلك الفصائل بخطوتها، التي حَسِبتها (هينة)، الثورةَ السورية في مسارٍ كان من الخير ألا تُجرﱠ إليه بهذه الطريقة.

تُظهرُ هذه النقطة بحد ذاتها إدراكاً من قِبل الجبهة لدرجة تعقيد الموضوع السوري، ولتشابك مُعطياته المحلية مع كثيرٍ من المعادلات الدولية السياسية والقانونية والدبلوماسية.

بل إننا نعتقد أن هذا الإدراك ينبعُ من فهمٍ للإسلام أقربَ للدقة والصواب في خمسة أبواب من الفقة المطلوب في هذه المرحلة: فقه الواقع وفقه المقاصد وفقه الأولويات وفقه المراحل وفقه الحركة.

وهي أبواب في غاية الأهمية بشكلٍ عام عندما نتحدث عن فهم الإسلام وتنزيله على أرض الواقع، لكنها ذات أهميةٍ استثنائية فيما يتعلق بالثورة السورية تحديداً، خاصةً لدى كل من يتحدث بخطابٍ إسلامي. وترتفع درجة الأهمية إلى أعلى مستوياتها حين يكون هؤلاء في موقع من يؤثر بمصير البلاد والعباد. والمفترض في أصحاب ذلك الخطاب أن يعرفوا من معاني هذه المسؤولية ومُتطلباتها على المستوى العَقَدي ما لا يعرفه الآخرون.

الواضح إذاً أن الجبهة تُعطي أهميةً كبرى لهذا العامل الحساس، وتفهم دوره ودلالاته العملية والنظرية على جميع المستويات.

وهذا مفرقُ طريقٍ أساسي لا يدرك أهميتهُ وتَبِعاته السياسية والثقافية والاجتماعية والأمنية، على المدى البعيد، بعض السوريين الذين يحكمون على الموضوع انطلاقاً من مفهوم الإخلاص. وينسون أن من غير الممكن أبداً تبرير القرارات بذلك المفهوم في مثل هذه القضايا الكبرى التي تمس حاضر ومُستقبل بلدٍ مثل سوريا.

لكن الواضح أيضاً أن أطرافاً هامة في النظامين الإقليمي والدولة أدركت دلالات هذا القرار، وأنها تأخذ قراراتها السياسية والعملياتية بناءً على ذلك.

وهنا تحديداً، تعود لتظهر بقوة المسؤوليةُ المُلقاة على الجبهة، والمتمثلة في الاستمرار في تطوير رؤيتها وواقعها وممارساتها في مختلف المجالات، وانطلاقاً من أبواب الفقه المذكورة أعلاه على وجه التعيين.

نُدرك أن ثمة تحديات يُفرزها الواقع من جهة، وأخرى تُفرزها الثقافة السائدة. وسنضرب عليها مثلاً واضحاً بشفافيةٍ قد يهرب منها الكثيرون.

فحين أعلنت أمريكا عن استعدادها للقاء الجبهة، لم تستطع الجبهة قبول اللقاء.

ورغم الأهمية الكبرى لمثل هذا اللقاء، ومعرفة قيادات الجبهة ومكتبها السياسي أن اللقاء يأتي إدراكاً من أمريكا بحقيقة الواقع على الأرض، وعدم إمكانية تجاوز هذا الواقع. ومع معرفة تلك القيادات بأنه لايوجد في فقه المقاصد وفقه الواقع وفقه الحركة ما يمنع مثل هذا اللقاء، خاصةً حين تحضرهُ وأنت تعلم من أنت، وتعرف ماتريد. إلا أن اللقاء لم يحصل في نهاية المطاف.

الواضح أن السبب الأكبر كان يكمن في تخوفٍ من (المزايدات) التي يمكن أن تواجهها الجبهة من قِبل فصائل أخرى، بل ومن بعض الشخصيات والأفراد الأقل علماً في صفوفها الداخلية، وحتى من قواعدها. وهذا التخوف ليس شخصياً بالضرورة، وإنما ينبع من درجة وحجم (التشويش) الذي يمكن أن ينجم عن الموضوع في إطار تحقيق المصلحة العامة، وحسابات المصالح والأضرار.

فرغم الهوية الواضحة التي تُعلنها الجبهة، ورغم ممارستها التي تؤكد تلك الهوية، يَسهُل في ثقافتنا، وفي ظرفنا السوري المتعلق بهذا الموضوع، اتهامُ الجبهة بأنها أصبحت (عميلةً) للأمريكان، وبأنها ستكون مشروع (صحوات) مستقبلي، وبأنها وبأنها... كل هذا من لقاءٍ واحد!؟

المصيبة الكبرى التي يجب أن نواجهها كشعبٍ سوري، بكل صراحةٍ ووضوح، تكمن في أن مثل تلك المزايدات يمكن أن تلقى أرضاً خصبة في ثقافتنا السائدة، وفي ظل الواقع المُعقد للثورة السورية.

من هنا، تأتي مسؤولية المثقفين والعلماء وصُناع الرأي العام لأداء دورهم فيما يتعلق بمثل هذه المواضيع. بل إن الوقت حانَ لحدوث نقلةٍ في طرق التفكير والتعامل معها. إذ لا مانع مثلاً أن تطرح قيادات الجبهة الموضوع على طاولة البحث لمن تثق بهم، ولتكن مهمة العلماء والمثقفين والسياسيين توضيح الموقف الشرعي والسياسي والفكري من المسألة.

وإذا كان شيءٌ من المناصحة يجري بالفعل مع بعض العلماء ممن يحملون صفة الاعتدال والعلم والقُرب لروح الثورة، فليكن هناك إخراجٌ علني لهذا الموضوع يُوضح للناس الحقائق ويضع الأمور في نصابها. ولتكن هذه الممارسة خطوةً فعالة على طريق منع اختطاف سوريا وثورتها بمبررات الإخلاص، ولإزالة عقباتٍ كُبرى توضع في طريقها على المدى الطويل باسم إنجازاتٍ راهنة..

لكن جزءاً من المسؤولية يعود إلى الجبهة، لأن من المطلوب منها أن (تقود)، في مجال اختصاصها ودورها بطبيعة الحال.. بمعنى ألا تتحرك إلى (الأمام) وإلى مواقع متقدمة وهي تلتفت باستمرار إلى (الخلف) وإلى من يُصرﱡ على البقاء في مواقع متأخرة لاتتناسب مع مقتضيات الحركة والحيوية والتطور، المطلوبة جميعاً لتحقيق المصالح الكبرى لسوريا وثورتها وشعبها في ظل العواصف الدولية المُحيطة بها..

ويتعلق بهذا الموضوع عنصرٌ آخر من عناصر المسؤولية المُلقاة على عاتق الجبهة يتمثل في العمل الجدي لتأكيد كل ما يُكمل عملية الوحدة الحقيقية في داخلها تنظيمياً وفكرياً. فإنجاز هذه المهمة يقوي موقفها ويُشجعها على القيام بمبادرات جريئةٍ مسؤولة بغضﱢ النظر عن الثقافة التقليدية السائدة، وبعض المزاج الشعبي الذي لا مُشاحة في وجوده لأنه يتشكل تحت ضغط وحشية النظام وجرائمه.

وأخيراً، فإننا لا نعتقد أن قيادات الجبهة تفترض في نفسها الكمال، خاصةً في مجال الفكر السياسي المطلوب في هذه المرحلة، وتُدرك الحاجة لتطويره بناءً على مُعطيات فقه الواقع وفقه المقاصد وفقه الأولويات وفقه المراحل وفقه الحركة.

من هنا، تأتي مسؤوليتها الكبيرة جداً في تطوير جوانب عديدة من فكرها السياسي، وعدم التحرج من إعادة النظر في كثيرٍ من عناصره. وقد يأتي في مقدمة هذا العلاقةُ بين (السياسي) و(العسكري)، وطبيعة الدولة القادمة، وإدراك طبيعة الدور والمهمة الآن وفي المستقبل، وغير ذلك من قضايا تحتاجُ لكثيرٍ من البحث والدراسة. إبراءً للذمة أمام الله والوطن والشعب والتاريخ، وأداءً للمسؤولية من خلال استفراغ الوسع والأخذ بالأسباب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحروب الأهلية وطرائق معالجة النزاعات

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 29/12/2013

قبل أسبوعين، كنت أقرأُ دراسة لباحث أميركي، ترجمها مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية عام 2010. والدراسة تنظر في مآلات النزاعات الداخلية في الدول، بآسيا، وإفريقيا، وأميركا اللاتينية. وهي تعالج الفكرة التي صارت مألوفةَ الطرح في هذه الأيام: كيف يمكن الخروج من النزاعات الإثنية والسياسية التي يكاد يكون متعذراً في خضمّ العنف والدم، التفكير في حل تفاوضي لها؟ هناك بحسب الباحث أحد ثلاثة حلول: الإصرار على المعالجة السياسية بإشراك المتمردين في النظام السياسي بطرائق أفضل وأنجع. أو اللجوء إلى التقسيم إذا كان المتمردون في مناطق جغرافية خالصة لهم. أو اللجوء للامركزية الموسَّعة أو الفيدراليات. ثم انفجر النزاع في جنوب السودان، وتجلّى عن انقسام قَبَلي وإثني عميق. فقد كان جون جرنج الذي تزعم الحركة الثورية في جنوب السودان منذ عام 1984 من قبيلة الدينكا، وكان له نائبان أحدهما من قبيلة النوير والآخر من قبيلة الشُلُك. وعندما قُتل فرنق في حادث تحطم طائرة، تزعم الحركة نائبه سلفاكير من قبيلة الدينكا أيضاً. وقد تمرد الآن نائبه رياك مشار من النوير، وما يزال موقف نائبه الآخر من الشُلُك غير واضح. ومع أنّ مشار هذا لا يطالب ظاهراً حتى الآن إلا بإطلاق سراح المعتقلين من النوير والشلك؛ فإن التقارير من تلك المنطقة التي تحضُرُ فيها قوات للأمم المتحدة، تذهب إلى أن النزاع هناك عميق، لأنّ وجهاء قبيلتي النوير والشلك يشْكون من أن سلفاكير وقبيلته يستأثرون بمفاصل السلطة في الجيش والشرطة وإدارات الدولة. وقد تعذّر فيما يبدو إقناع سلفاكير وبني قومه بإشراك الآخرين عبر السنوات القليلة الماضية، بعد الانفصال عن شمال السودان، فحدث التمرد الذي تلته مذابح وتهجيرات ذات طابع قبلي وإثني. موظفو الأُمم المتحدة يَرَون حتى الآن أنه لا حلَّ غير الحل السياسي المتمثل في المزيد من إشراك الآخرين، رغم صعوبة ذلك. وتأتي الصعوبات من أنّ سلفاكير تأخر كثيراً في الإصغاء لشكوى زملائه، ولأن الوضع المتميز لقبيلة الدينكا الآن يصادم الواقع على الأرض والذي يفيد بأن القبيلة وحلفاءها يشكلون أقليةً وسط قبائل جنوب السودان. والأمر الآخَر وليس الأخير أن جنوب السودان أو دولته نفسها هي انقسام في الأصل أو انفصال عن شمال السودان المقسم بدوره إلى مناطق وإثنيات وديانات، وإن يكن الإسلام هو دين الغالبية. والواقع أن أصل المشكلة يعود إلى حكومة البشير والترابي وإسلامييها الذين وصلوا للسلطة عام 1989 في انقلاب مشهور وكانت مشكلة جنوب السودان حاضرةً -وللإنصاف- قبل انقلاب البشير وعسكرييه. بيد أنّ أحداً بالداخل أو بالخارج ما فكّر في الانفصال، ربما باستثناء الإنجيليات التي كانت تدعمها الكنيسة البريطانية وبعض الكنائس الأميركية. إنما بعد الانقلاب، وإصرار الترابي وإسلامييه على أسلمة الدولة والمجتمع، ظهرت لدى الدوليين جميعاً ذريعة الإسلام الأُصولي في الشمال، مسوِّغاً للفصل بين الشمال والجنوب. إنّ العبرة من مَثَل السودان أنّ العسكريين حين يسيطرون، وسواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين أو وثنيين أو علمانيين؛ فإنهم يسعون عامدين متعمدين من أجل الاحتفاظ بالسلطة بأي ثمن إلى خَلْق عصبية من بني قومهم الأقربين ديناً أو إثنيةً، ثم يعمدون إلى الالتحاق بإحدى الجهات الدولية ذات المصلحة لدعم هذا التشبُّث بالسلطة. وقد ظهر عاملٌ جديدٌ منذ الثمانينات في المجالين الإقليمي والدولي، وهو سوءُ منظر الإسلام السياسي في كل مكان وبشُعْبتَيه: الجهادية والتنظيمية. وقد جمعت سلطةُ البشير والترابي الحُسْنَيين إذا صحَّ التعبير: الميليشيا التي شكّلوها وأعادوا صياغة الجيش السوداني على صورتها، والحزبية الإخوانية أو شبه الإخوانية. وإذا أضفنا إلى ذلك ثوران الإنجيليات التبشيرية التي أرادت وتريد مصارعة الإسلام في كل مكان، تصبح مأساة السودان كاملة! لقد أطلْتُ في عرض مشكلة السودان جنوباً وشمالا، باعتبارها نموذجاً، أو يمكن أن تشكّل نموذجاً لما يفكّر فيه الدوليون بشأن دول الثورات العربية وجوارها. إنما قبل الوصول إلى سوريا ولبنان واليمن والبحرين، لا ينبغي أن ننسى نموذجاً اصطنعه الأميركيون لنا في العراق. فعندما احتلّ الأميركيون العراق عام 2003 كانت فيه المشكلة الكردية. وهي مشكلةٌ ما كانت قاصرةً عليه، بل هي موجودة بنفس العنف والعنفوان في تركيا وإيران. ولأنّ الأميركيين أرادوا اجتراح حلول جذرية تُنهي وهماً كلَّ المشكلات؛ فإنهم عمَّموا «الحلَّ» على العراق كُلّه، أي اصطنعوا من أجل مواجهة المشكلة الكردية (القومية أو الإثنية) دستوراً يفكّك العراق كُلَّه، وليس على أساس: أكراد/ عرب، بل أكراد وشيعة وسنة. والشيعةُ والسنة عربٌ في سوادهم الساحق، لكنّ الحساسيات الناجمة عن الديكتاتورية السابقة، ما لبثت أن حوَّلت، وبمقتضى علاقات السلطة الجديدة وترتيباتها، السنّة إلى قومية (تشعر بالاضطهاد والتهميش)، والشيعة إلى قومية (تشعر بالانتصار والتفوق). وبذلك صار العراق ثلاث دويلات أو أقاليم (بغضّ النظر عن عدد المحافظات) متصارعة فيما بينها، على الحدود الداخلية، وعلى السلطة والثروة والسلاح (بحسب تعبير القذافي). وزاد الطين بِلَّةً تحالف الشيعة والأكراد الذي صار واقعاً كذلك استئثاراً بالموارد والمناصب والسلطات. كما زاد الطين طيناً التدخُّلُ الإيراني العسكري والأمني (بموافقة أميركية واتفاق منذ بدء الاحتلال) لضمان تحول البلاد إلى كيان تابع لها، ولاستغلال موارده بقدر الإمكان في غزواتها الخارجية في العالم العربي. الجيش العراقي الجديد 85 في المئة منه شيعة. والشرطة العراقية وأجهزة الأمن 90 في المئة منها شعية. والأكراد يملكون جيشهم المستقلّ ( البشمركة). ورغم ذلك كُلِّه، ورغم الحروب المشنونة على السنّة تارةً من الجيش الجديد والشرطة الجديدة، وطوراً من متطرفي «القاعدة» الذين يقبع زعيمهم الظواهري في إيران؛ فإن معظم السنّة والشيعة لا يريدون الانفصال حتى الآن! تُشنُّ السلطة العراقية الجديدة إذن حرباً على قسم من شعبها (ثمانية ملايين فقط!) وكذلك يفعل النظام السوري منذ ثلاث سنوات. وتساعد إيران عسكرياً ومالياً بشار الأسد ضد شعبه. وقد أرسلت ميليشيات «حزب الله» من لبنان، وميليشيات من شيعة العراق، للهدف نفسِه. وبالطبع فإن السنة بسوريا (يشكّلون نسبة 80 في المئة من السكان) لا يريدون تقسيم بلدهم. وقد قال الأسد لأحد أصدقائه اللبنانيين قبل شهور: إذا كانوا يريدون مني (أي السنة) تسليم البلاد إليهم، فَسَأسلمها لهم كما استلمها والدي عام 1970، أي سبعة ملايين! ومع ذلك؛ فإن لافروف وزير خارجية روسيا، وظريف وزير خارجية إيران، يقولان إنهم لا يستطيعان تصور بقاء الدولة السورية بدون الأسد! ويعاني لبنان مما قبل الثورة على يد الأسد من استيلاءٍ «حزب الله» على الدولة والشارع بالسلاح. وتبدو كثرةٌ من سكانه المسيحيين مائلةً للاعتزال أو الفيدرالية. أما اليمن فيُعاني من ثوران شيعي في شماله، ومن نزعة انفصالية في جنوبه، وكلا الانقسامين مدعومٌ من إيران! فهل يكون التقسيم حلا وسط النزاعات المتكاثرة، والدماء الهادرة؟ مَثَلُ العراق لا يسمح بمجرد التفكير في ذلك، لأن الحرب ستصبح حروباً حتى في الفيدراليات، فكيف بالانقسامات والانفصالات؟! كان مارك سايكس وجورج بيكو رجلين وحدويين، أكثر بكثير من العسكريين العرب والإسلاميين العرب والإيرانيين!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
في مطلع العام الجديد وفي اليوم العالمي للسلام .. رسالتنا إلى الحبر الأعظم وجميع رجال الكنائس في العالم : نريد عدلا وكفى

02.01.2014

زهير سالم

لم يعد الشعب السوري بحاجة إلى أن يطيل الشرح حول معاناته التاريخية بأبعادها ، وحول سلوك جلاديه الذين لا يتجاهل جرائمهم صاحب عقل أو قلب .

ولقد أصبح من الضروري في سياق الممارسات اليومية لنظام الأسد الذي يرتكب كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية وبكل عنفها وقسوتها وهمجيتها أن ننبه وأن نقر بقدرات قيادة هذا النظام على طمس الحقائق وتزوير الوقائع وخلط الأوراق ، والاختباء وراء الشعارات المرفوعة التي تخاطب كل فصيل من البشر بما يعنيهم ويرضيهم ..

ويكفي أن يتأمل العاقل المنصف الباحث عن الحقيقة كيف تتوافق الأضداد جميعا من قوى دولية وإقليمية ومحلية رسمية وشعبية على ترك الميدان فسيحا أمام تصرفات هذا النظام .

ولم يكن خافيا على أحد لا على المستوى الدولي ، ولا على المستوى الإقليمي ولا على المستوى الداخلي في سورية والعراق ولبنان الحلف المتين الذي عقدته أسرة الأسد مع قوى التطرف والإرهاب والتي كانت تفوّج انتحارييها أفواجا من سورية إلى العراق لتقتل في العراق السني والشيعي والمسلم والمسيحي ولتحرق هناك المسجد والمرقد والكنيسة .

وهاهي اليوم تجدد حلفها هذا اليوم لتفسد على الشعب السوري ثورته ، ولتثير الغبار حول مطالبه الإنسانية العادلة ..

إننا أبناء هذه الثورة السورية المباركة

 وفي اليوم العالمي للسلام ...

وتفنيدا لجملة المزاعم والادعاءات التي تضمنتها رسالة بشار الأسد إلى حبر الكنيسة الكاثولكية الأعظم ....

وتوضيحا لبعض ما يردده بعض رجال الكنائس السورية واللبنانية المغلوبين على أمرهم المكرهين منذ نصف قرن على بعض ما يقولون ..

نحب أن نوضح الحقائق التالي :

إن الزج بقوى التطرف والإرهاب في سياق الثورة السورية هي إحدى ألاعيب هذا النظام للتشويش على الثورة السورية ولتدنيس وجهها الحقيقي ولقطع الطريق على مطالبها العادلة .

ولقد تميزت العلاقة الإسلامية – المسيحية على مدى قرون طويلة بالبر والقسط والود والعدل . وإن الأحداث التاريخية التي خرجت على هذا السياق كانت دائما أحداثا شاذة استطاع العقلاء من النسيج المجتمعي الواحد أن يطوقوها وأن يضعوا حدا لتداعياتها ..

لقد كان لجماعة الإخوان المسلمين – بوصفها كبرى الحركات الإسلامية المعتدلة - منذ خمسينات القرن الماضي وبمشاركة الدكتور مصطفى السباعي السبق إلى المشاركة في رعاية مؤتمرات الإخاء الإسلامي المسيحي . كما بادرت هذه الجماعة ومن موقعها الإسلامي والوطني منذ عقد من الزمن إلى إصدار وثائقها التاريخية الثلاث / ميثاق الشرف الوطني / 2001 / المشروع السياسي / 2004 / والعهد والميثاق الوطني 2012 / و التي تضمنت جميعها تمسكها في  بناء سورية دولة مدنية حديثة لجميع أبنائها . تقوم على دستور عصري يعتبر المواطنة مناطا للحقوق والواجبات . وعلى هذا توافقت جميع القوى السياسية والثورية في سورية ..

وأمام هذه الوقائع والوثائق التاريخية الناطقة والصادقة فإنه لا يجوز لأحد أن يغفل أو أن ينسى ....

أنه في ظل حكم حافظ وبشار الأسد انخفض عدد المسيحيين في سورية وفي لبنان إلى أقل من النصف . وأن الكثير من وجوه المجتمع المسيحي في لبنان اضطروا إلى مغادرة وطنهم للعيش في مواطن اللجوء السياسي وكان ميشيل عون أحد أبرز هذه الوجوه .

وأنه في ظل حكم أسرة الأسد عانى المسيحيون كما عانى المسلمون في لبنان ما لا يخفى على حصيف متابع لوقائع السياسة ويومياتها على مدى عقود . إن أبسط ما يجمع عليه السوريون واللبنانيون أن الحرب الأهلية في لبنان كان مدخلا من مدخلات حافظ ومن بعده بشار الأسد للسيطرة على لبنان بمسلميه ومسيحييه وسنته وشيعته ودروزه ..

ولا يستطيع متابع لشأن لبنان والمنطقة أن يغفل أو أن يتغافل عن أن عمليات الاغتيال في لبنان في موجاتها المتعددة كانت تتم برعاية الأسد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . وقد شملت الموجة الأولى لهذه الاغتيالات رئيسين للجمهورية اللبنانية  رينية معوضو بشير الجميل . كما شملت الزعيم اللبناني الدرزي كمال جنبلاط والمفتي اللبناني السني حسن خالد وغيرهما من القيادات اللبنانية كثير .

كما لا يمكن لمتابع للشأن اللبناني مهتم بالحقيقة أن ينكر دور بشار الأسد في قتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ومن تلاه من رموز المجتمع اللبناني ووجوهه من مسلمين ومسيحيين ...

ولتبقى قبل كل ذلك وبعد كل ذلك المؤامرة ، التي أسند رجل بشار الأسد علي مملوك – بحسب القضاء اللبناني -  تنفيذها إلى الوزير اللبناني السابق ميشيل سماحة والتي كانت تقضي باغتيال رموز من الصف الأول من رجال الدين المسيحي في لبنان لإشعار المسيحيين بالخطر واتهام المسلمين بالبغي والعدوان ؛ القولَ الفصل في كل ما نقول ...

وبعد كل ما تقدم لن يبقى مسوغا لعاقل ليرى في بشار الأسد حاميا للمسيحية أو مدافعا عن المسيحيين .

أما في سياق الحديث عن ثورتنا السورية الوطنية المتطلعة للعدل والحرية والإخاء والسلام فيكفينا من أمرها أن نتمنى على كل الذين يشكون في عدالة مطلبية الشعب السوري أن يراجعوا تقارير المنظمات الحقوقية والإنمائية الدولية ليدركوا حجم الظلم وحجم الفساد وحجم التمييز الطائفي المقيت الذي عاشه ولا يزال يعيشه الشعب السوري ...

وبعيدا عن ضوضاء القيل والقال ، وصخب السياسة بخداعها ونفاق القائمين عليها نقول في يوم السلام العالمي مخاطبين كل المعنيين بصناعة وحماية هذا السلام ونخص بالخطاب حبر المسيحية الأعظم ورجال الكنائس أجمعين :لقد خرج الشعب السوري في ثورته يريد عدلا . فقط عدلا والسلام الذي لا يقوم على العدل لا يدوم ...

والظالم لا يصنع العدل ولا يمكن أن يكون شريكا فيه ..

وما قدمناه كان بعض ثمار شجرة الشر لبشار الأسد ولأبيه من قبل .

 في يوم السلام العالمي ومن  سورية بلد المسيح نذكر بقول المسيح روح الله وكلمته : من ثمارهم تعرفونهم ...

فهل نعرفهم حقا ؟!

29 / صفر / 1435

1 / 1 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الدلالات السورية للحدث اللبناني

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 29/12/2013

اغتيل في بيروت قبل يومين الوزير السابق محمد شطح أحد أبرز شخصيات تيار المستقبل اللبناني في عملية تفجير سيارة مفخخة، تقارب الكثير من عمليات التفجير التي شهدها لبنان في السنوات الثماني الماضية، واستهدفت شخصيات لبنانية قيادية بينهم رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. وكان القاسم الرئيس في عمليات الاغتيال، هو اتهام نظام الأسد وأنصاره في لبنان، وخاصة حزب الله، بالقيام بهذه العمليات في إطار سياسة تستهدف الرافضين لسياسات نظام دمشق في لبنان، والرغبة في استمرار الهيمنة على البلد الجار.

ورغم أن من الضروري رؤية عملية اغتيال شطح في إطار الوضع الداخلي اللبناني، باعتبارها أحد تعبيرات الصراع بين طرفي 14 و8 آذار، وهو صراع مستمر وسوف يستمر في ظل تصادم سياسي وأمني قائم في لبنان، فإنه لا يمكن عزل اغتيال شطح عن تطورات القضية السورية وصلتها بالوضع في لبنان، وهي صلات لا يمكن للبنان واللبنانيين الانعتاق منها في ظل المعطيات الراهنة اللبنانية والسورية.

فاغتيال شطح هو أحد تعبيرات الاحتدام اللبناني وعلاقته بالواقع السوري، وهذا الاحتدام قائم في كل لبنان وفي المجالات كافة، وإن كان بمستويات مختلفة، وله تعبيرات حاضرة في المجتمع والدولة وفي تفاصيل كل منهما، واغتيال شطح هو رسالة من أحد طرفي الاحتدام الواقف إلى جانب نظام الأسد بقيادة حزب الله إلى مؤيدي ثورة السوريين من اللبنانيين، وفي مقدمتهم تيار المستقبل الذي ينتمي إليه الوزير الراحل.

كما أن اغتيال شطح يمثل رفعا لمستوى الصراع في الواقع اللبناني وعمقه السوري إلى حد الاغتيال الدموي، مما يمكن أن يجر إلى اشتباك مباشر، وهو مستوى بدأ وكان الوضع اللبناني لا يرغب في الوصول إليه، لكن اغتيال شطح قد يعكس رغبة لبنانية مرتبطة بنظام الأسد في الخروج عن تلك القاعدة بهدف تغيير توازنات القوة بين الطرفين، وحسم الصراع لصالح حزب الله وحلفائه خاصة في ظل الأزمة السياسية القائمة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يحتاج إلى تأكيد أن الدلالات السابقة لا تنفصل عن تطورات الوضع السوري وخاصة التطورات الميدانية، التي عكست أمرين اثنين، أولهما المزيد من انغماس ميليشيات حزب الله اللبناني وميليشيات لبنانية حزبوية وطائفية أخرى في الصراع السوري، والثاني تقدم ملموس لقوات النظام في المناطق المحاذية للحدود مع لبنان، ولا سيما في منطقة القلمون، وكلاهما أمر يحتاج إلى التعبير عنه في لبنان بإظهار مزيد من قوة حلفاء النظام هناك، واغتيال شخصية قيادية مثل محمد شطح هو تعبير عن ذلك، بل ربما كان مطلوبا القيام بها لإشعار اللبنانيين والسوريين وغيرهم بالإصرار على متابعة حزب الله وميليشياته مسارهما الدموي إلى جانب نظام الأسد، وضرورة التعبير عن قوتهما، وما قاما به من تقدم ميداني في منطقة القلمون.

كما أن اغتيال الوزير شطح كوجه معتدل وتوافقي في لبنان وفي تيار المستقبل، لا يمكن فصله عن سياسية تطرف وتشدد يتابعها النظام في سوريا في تدمير خط الاعتدال والمعتدلين، وكان المقصود بعملية اغتيال شطح إضعاف المعتدلين، مما يقوي المتشددين وهذا يعزز سياسة التشدد والتطرف لدى حلفاء نظام الأسد في لبنان، وسوف نلاحظ مزيدا من تشدد حزب الله وحلفائه في الفترة المقبلة.

وثمة أمر لا بد من التوقف عنده في الدلالات السورية للحدث اللبناني، وهو أن توقيت عملية الاغتيال يحمل دلالة مهمة بفعل تزامنه مع قرب انعقاد المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري.. الأمر الذي يعكس تحديا واستهتارا بالمحكمة وبالمجتمع الدولي والرأي العام العالمي، وتأكيد عدم قدرتهم في التأثير على الوقائع الإجرامية ما حصل منها في لبنان وما يحصل في سوريا، وهي سياسة كانت ملموسة من جانب نظام الأسد وحلفائه اللبنانيين، ويجري تأكيدها في الوقت الحالي تعبيرا عما يعتقدونه من صعود في قوة الحلف الإقليمي بزعامة إيران الذي يشكل نظام نوري المالكي في العراق ونظام بشار في سوريا وحزب الله وحلفائه امتداداته في شرق المتوسط.

إن الدلالات السورية للحدث اللبناني وما يجسده اغتيال محمد شطح من تحول فيه، تستحق أن تقرأ ويدقق فيها، ليس من جانب اللبنانيين والسوريين فقط، بل من المحيط الإقليمي والدولي، نظرا لتأثيراتها، التي ستكون أخطر مع مرور الوقت.. الأمر الذي يفرض مواجهتها بكل حزم وبأقرب وقت ممكن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من يجرؤ على التفكير؟

حسام عيتاني

الحياة

الثلاثاء 31/12/2013

بعد كل اغتيال يظهر من يقول إن «ما بعد هذه الجريمة ليس كما قبلها». وهذا صحيح لكن بمعان ربما لم يقصدها قائلها.

ولا يخرج تطلّب الرد على اغتيال الوزير السابق محمد شطح عن يوميات الجماعات اللبنانية المتناحرة. وتبدو الكلمات المشددة على سلمية كل التحركات الرامية إلى نزع السلاح غير الشرعي من البلاد المسؤول عن اغتيال شطح وغيره من السياسيين والصحافيين كانعكاس لآمال وتمنيات أكثر من تمثيلها حقيقة المشاعر عند جمهور لبناني عريض.

المناخ في لبنان اليوم مناخ صراع سني- شيعي مفتوح. مسلح وسياسي سيمتد ليشمل حتى التبادلات الاقتصادية والخدمية. ومن المفيد التذكير أن عمق العداء بين هاتين الطائفتين لم يشهد له لبنان مثيلاً منذ تأسيسه في 1920 حتى في ذروة الحرب الأهلية. وتجاوز في حدته الصراع الإسلامي المسيحي القديم. ولا تلوح في الأفق بارقة أمل واحدة لتحول دون انفجار الصراع. من نافل القول إن الحلفين السياسيين 8 و14 آذار (مارس) قابلان للاختزال في المواجهة هذه إلى القوتين الأبرز بينهما: «حزب الله» و «تيار المستقبل». وتؤدي الأطراف المنضوية في إطار التحالفين أدواراً ثانوية إلى جانب هاتين الجهتين.

لكن ثمة اختلافاً كبيراً في فهم الصراع وإدارته وخوضه بين الجانبين. فـ «حزب الله» يأتي إلى ساحة الصراع محاطاً بتأييد يداني الإجماع من طائفته، بالتعاطف والتفهم إن لم يكن بالمساندة المادية والعملانية، بعدما انتزعت قيادة الحزب الموقع الأول، وتركت «الثنائية الشيعية» التي تضمها إلى جانب حركة «أمل»، شكلاً من دون مضمون. يضاف إلى ذلك أن الحزب أكثر «لبنانية» بمعنى القدرة على التعبئة والحشد الطائفيين وتسليح الأنصار سيراً على عادات الأقليات المشرقية منذ زمن سحيق، من خصومه في «المستقبل».

في المقابل، فشلت كل محاولات عسكرة الطائفة السنية أو زج كتلتها الرئيسة في أي جولة من جولات القتال منذ ما قبل الاستقلال لأسباب تتعلق ببنيتها وهيمنة الزعامات المدينية عليها وشعورها الدائم أنها «حصة الدولة» ونوع من الطمأنينة إلى الحاضر والمستقبل والإرث الراسخ في السلطة. البؤر المحاربة في حارات طرابلس وتجربة الشيخ أحمد الأسير في صيدا تبدو استثناءات من النوع الذي يؤكد القاعدة. الانتشار الجغرافي على امتداد الخريطة اللبنانية والتركز في المدن من السمات المانعة لتشكل عصبية الجماعة المقاتلة. لهذه الأسباب ولغيرها يبدو انتظار تبلور القيادة المحاربة للسنة اللبنانيين يجافي الصواب تمام المجافاة.

لا يعدم ذلك ظهور ردود فعل عنيفة موضعية وآنية قدم التفجيران الانتحاريان قرب السفارة الإيرانية عينة عنها. لكن هذه الأعمال لا تمثل المزاج السني العام.

هل يعني ذلك التسليم بنهاية الصراع السني- الشيعي في لبنان بتحقيق الشيعة انتصاراً جديداً؟ اختصار الجواب بنعم أو لا، يبتسر تعقيد الوضع المحلي وما يجري في سورية وفي المنطقة عموماً. ويجوز الاعتقاد أن أي صدام مسلح واسع النطاق سيسجل فيه «حزب الله» تقدماً ميدانياً لا يُبارى آخذاً في الاعتبار غياب البنية العسكرية والتنظيمية عند كل الأطراف المواجهة له مجتمعة.

بيد أن اقتصار الحساب على الجوانب العسكرية في الصراع يبدو قصير النظر وطفولياً. ذلك أن «اليوم التالي» لأي مواجهة سيحمل السؤال عن الترجمة السياسية لها. مع من سيتفق «حزب الله»؟ من سيمثل الطائفة السنية في أية تسوية؟ ما هو تصوره للعلاقات بين الجماعات اللبنانية؟ غني عن البيان أن من يسمّون «الاختراقات» بين السنّة يكادون لا يمثلون أنفسهم. وفي ظل الفراغ الميثاقي بعد الوفاة السريرية لاتفاق الطائف وبعد اضمحلال مفاعيل اتفاق الدوحة، تتسم الأسئلة أعلاه بأهمية استثنائية. وانتخابات 2009 التي خسر فيها الحزب بعد عام واحد من اقتحامه بيروت في أيار (مايو) 2008، نموذج للتفكير، عند من يجرؤ عليه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية ... أمنيات صغيرة لعام جديد!

أكرم البني *

الحياة

الثلاثاء 31/12/2013

هي ليست أمنيات سياسية بالمعنى المعروف، ولا تتعلق بمؤتمر «جنيف-2» وفرصته في وضع حد لنهر الدماء الجاري، ولا بمجتمع دولي يسترد ضميره وتنظر حكوماته وشعوبه بعين العطف إلى ما يكابده بشر يشبهونهم ويستحقون مثلهم الحياة على سطح هذا الكوكب، ولا بصورة مرجوة لمعارضة ديموقراطية تنسجم قولاً وعملاً وأخلاقاً مع شعارات الثورة عن الحرية والكرامة، بل برغبات صغيرة لم يكن أحد يعيرها انتباهاً في مجرى الصراع تنجلي عن معاناة شديدة ومؤلمة كرسها عنف منفلت لا يعرف الشفقة.

هنا ظل امرأة امتص عافيتها التشرد، أمنيتها أن تقي أطفالها الثلاثة صقيع الشتاء القارس، أن لا يطردها صاحب بناء قيد الانشاء من مأوى لجأت اليه هناك، لا يتعدى زاوية صغيرة بين أعمدة عارية حددتها بقايا حجارة وخرق مهملة وبساط عتيق.

تلاحقك عيون صغارها بالسؤال عما حل بهم، لا حاجة لأن تعرف من أية مدينة أو قرية منكوبة قدموا، فالأماكن والدوافع متشابهة، وثمة ملايين المشردين السوريين يبحثون عن مأوى، تركوا مساكنهم وقد حولها العنف والقصف البربري إلى أطلال، وغالبيتهم من أطفال ونساء صاروا فريسة قهر وحرمان وانتهاكات متنوعة!.

وهناك عجوز سبعيني، أمنيته أن يعرف مصير ابنه الذي اختفى منذ شهور، يحلم بفرصة لرؤيته أو إيصال بعض الحاجات اليه، جاءه من يخبره بأنه نزيل أحد السجون، فصار يواظب كل يوم، برغم ما يتعرض له من زجر، على الحضور إلى هناك للسؤال عنه، يجلس على حافة رصيف بعيداً من الحاجز الأمني حتى مغيب الشمس، عساه يلمح وجه ولده بين الذاهبين والغادين، وحاله كحال عشرات الألوف من أهالي المفقودين، منهم أسر اختفت بأكملها مع أطفالها الصغار من دون علم أو خبر، وعليك أن تقدر المعاناة المضاعفة التي يعانيها ذووهم في البحث عنهم، وأنواع الاذلال والابتزاز التي يتعرضون لها!.

وهنا فتاة صغيرة تتشح بالسواد تقف عند باب المقبرة، تخشى الدخول وحيدة، تتفحص وجوه القادمين ليقرأوا الفاتحة على أرواح موتاهم، تراها تتحرك بسرعة، ربما وجدت ضالتها، وتعرف بعد حين، أن أمنيتها هي أن تطمئن لإحداهن كي ترافقها وتشاركها قراءة الفاتحة على روحي أبيها وأخيها، فقد أخبروها أنهما قتلا ولم يبق غيرها لاستلام بطاقتي الهوية وبعض الأوراق الخاصة بهما، وأمثالها كثيرات، فثمة ألوف الأسر والعائلات السورية لم تستلم جثامين أبنائها الشهداء، برغم أن غالبيتهم لا علاقة لهم بالثورة وأنشطتها.

وهناك تتمنى امرأة أن تحظى ببعض الطحين والسكر بعد طول حصار، لم يذق أولادها طعم الخبز منذ شهور عديدة، ولعل مرارة أوراق الشجر التي أكرهوا على أكلها تسكيناً لجوعهم أنستهم حلاوة السكر، ليس من ذنب ارتكبته سوى أنها إحدى بنات الغوطة المحاصرة، ولدت وتعلمت وتزوجت هناك، ولم يعد لديها من خيار، بعد أن غيب العنف زوجها، سوى رعاية أطفالها في ما تبقى من بيتها المهدم.

ولا تحتاج إلى كبير عناء لكي تكتشف الأمنيات الصغيرة لملايين السوريين اللاجئين إلى بلدان الجوار، مرة فيما يكابدونه من فاقة وعوز، بخاصة مع موجة البرد الشديد، فخيماتهم لا تتحمل هذا المستوى من غضب الطبيعة، ويزيد الطين بلة، قلة اللباس والتدفئة والنقص الحاد في الغذاء والدواء وانتشار الأمراض المعدية بين الأطفال، ومرة في لهفتهم على تلقف الأخبار من القادمين الجدد، عن أوضاع الأهل والأحبة، من منهم لا يزال بخير ومن تعرض لأذى أو اعتقال، عن وطأة المعاناة في المناطق الملتهبة وأحوال من هم تحت الحصار، وعن الأثمان والتكلفة التي لا يزال يتطلبها اجتراح المستقبل.

ثم من ينسى المشهد الشهير لرجل حلبي مدمى الوجه، وهو ينادي أطفاله الثلاثة: «براءة، بشرى، بشر، هل تسمعوني يا حبيباتي؟!» قبل أن يحول إحدى أذنيه نحو ثغرة صغيرة تخترق الأعمدة الاسمنتية المتهالكة بفعل البراميل المتفجرة، متمنياً أن يسمع صوتاً... ثم يرفع نظره إلى السماء كأنه يبتهل أو يصلي، يرفض ترك المكان، وينظر بعيون دامعة إلى صديق له يحاول أخذه بعيداً من الدمار، كأنه يستجدي منه محاولة أخرى، قبل أن يجهش بالبكاء، ويلتقط أنفاسه ليعاود النداء من جديد!.

وأمام رجل آخر طحنته المعاناة ذاتها، تقف مرتبكاً ومتسائلاً كيف يقف على قدميه بعدما خسر أحبته وكل ما يملك، تلحظ عمق ارتياحه حين يتأكد من صدق مشاعرك وأنك تشاركه فعلاً، آلامه وصدق السؤال عن «الحق» في إطلاق هذا الفتك والتنكيل المريعين لقاء «الحق الطبيعي» في بناء مجتمع حي يضمن للإنسان كرامته وحقوقه، وتستشف من عيونه الحائرة أمنيته بأن لا ترى في إمارات وجهه المتعب بعض العجز أو احساساً بضيق الحال، وأن لا تلمس في يده المرتعشة وهي تصافحك، ثقل المعاناة ووطأة التوجس والقلق مما فقده ومن شروط حياة تزداد سوءاً، ومن تأخر لحظة الخلاص أمام عنف منفلت، كي لا يشي ذلك، ومن دون قصد منه، بأن ثمة تغيراً طرأ على عزيمته وإيمانه بالتغيير.

والحال، لا نعرف إلى أي حد موجع ومدمر يمكن أن تصل بنا الأمور قبل أن تطوى صفحة الاستبداد، وحتى تقتنع أطراف الصراع، بأن لا جدوى من استمرار الفتك والتنكيل، أو إلى متى يبقى الآخرون، عرباً وعجماً، يتفرجون على هذا العنف وهو ينهش لحمنا قطعة قطعة، وإلى النار المستعرة تأكل الاخضر واليابس، وتحصد البشر، زرافات ووحدانا، والأنكى حين يدمن بعضهم ما يجري، وتغدو المشاهد اليومية للاحتراب والاعتقال والإذلال أشبه بمشاهد روتينية يتابعونها وهم يحتسون قهوة الصباح ويتهيأون للالتحاق بأعمالهم، ربما لأنهم يدركون بأن ثمة رمالاً كثيرة في الطريق يمكنهم دفن رؤوسهم فيها.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا... الحكم ببراميل الموت

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 31/12/2013

كم على الإنسان أن يتجرد من إنسانيته ليتماهى مع ما ليس إنساناً، أو الحق أنه من السهل أن تتصور هذا الذي ليس إنساناً، ولكن كم نحتاج إلى قوة تخيل حتى نعرف ملمحاً أو آخر من هذا «اللاإنسان»، ومن أجل ألا نقع في التباس.

ما حدث أظهر أن تطور الإنسان إياه عملية تاريخية تقوم على التناقض والصراع، ها هنا، يظهر فعل السلطة السياسية وتوزيع الثروة المجتمعية والقدرة الإعلامية على توجيه الرأي العام في هذا الاتجاه أو في ذلك، وفق احتمالات الصراع الاجتماعي الطبقي وغيره من الأحداث المجتمعية، فما كان يراد له أن يسير وفق مستلزمات تطويع العالم لصالح أنسنته ورفع مستوياته لصالح المجموع، وخصوصاً لصالح القوى المجتمعية التغييرية الحية، يأخذ منحى آخر من استبدال العملية الإنتاجية على أيدي سادة السلطة السياسية المالكة لوسائل الإنتاج.

إنهم يملكون هذه الأخيرة وهم الذين يحتكرون الثروة الاجتماعية ووسائل الاستئثار بها والتصرف بها.

والحروب هي- في هذه الحال- الإمكانات التي تتيح لسادة المصالح والمال أن تثري أكثر وتمكن سيطرتها على البلد إلى فترات أطول من مدد استمرارها في السلطة.

هذا هو واقع الحال في سوريا، فالسلطة إلى الأبد تبقى في أيدي النظام الأمني القائم لقد حرمت سوريا من الحراك السياسي منذ عام 1969 على أيدي حافظ الأسد وبشار الأسد، دونما مساءلة أو مناقشة، رغم الحطام الهائل الذي ألم بالبلد، وثمة القصة المذهلة التي ألمت بالبلد الحزين على أيدي شخصين في البلد، هما اللذان استباحا درعا، وهما المحافظ وأمين الحزب الوحيد، وحتى الآن، كما نعرف، لم تتم مساءلتهما.

ورغم الدعوات الكثيفة التي قدمت للسلطة العليا لاستخدام الحكمة والعقلانية لحل الأزمة، لم يلجأ أحد إلى ذلك، فظل التدمير سيد الموقف. وقد زاد الموقف اضطرابا وإحراماً، حين لجأ سادة الحرب إلى إلقاء «براميل متفجرة» على الأحياء المدنية الآمنة في حلب المنكوبة، كيف يتجرأ هؤلاء على ذلك؟

لقد استلم النظام الأمني أيقونة متفردة في سيرها على طريق التقدم النسبي، بعد الاستقلال الوطني من فرنسا، وها هي هذه الأيقونة تتصدع تحت قبضة البراميل المتفجرة والسؤال الأعظم ها هنا يفرض نفسه، ويأتي على النحو التالي: من الذي أقر من النظام الحالي قرار إمطار سوريا بتلك البراميل؟ كيف ذلك؟ وتحت مسؤولية من، هل هي مسؤولية روسيا أو إيران أو «حزب الله»؟ فالقيام بهذه العملية إنما هو أمر يقود إلى أسئلة كبرى لا تحصى. ألا يعلم من أطلق هذا القرار أنه يمثل قرارا بقتل الشعب السوري، وفي مقدمته أطفاله ونساؤه وشيوخه، وبتدمير ما كلف الشعب السوري مليارات من الأموال والجهد البنائي.

إنها لم تحدث في التاريخ البشري: إن النظام السوري الذي وجد نفسه قبل ثلاث سنوات أمام تظاهرات شعبية تطالب بإصلاحات مشروعة كل الشرعية، لم يقرأ هذا المطلب بروح وطنية نقدية، ولكن-بمساعدة مستشارين متمرسين بقهر الشعب السوري. وهذا ما خبرته تماماً، حين كان الأمر في البلد منوطاً بلجنة استشارية ديمقراطية كنت على رأسها، فأطيح بتلك اللجنة، وحلت محلها مجموعة هي التي تصرفت على النحو الذي جاء بعد ذلك.

ما جاء بعد ذلك يمثل سابقة خطيرة في التاريخ السياسي والعسكري، يتحمل مسؤوليتها من خطط لتدمير سوريا، كيف ذلك، ولم ذلك، وما هو القادم بعد ارتكاب نكبة غير مسبوقة؟ إنها كارثة وطنية يراد لها أن تنتهي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
لماذا تدهور الاهتمام الدولي بقضية السوريين؟

فايز سارة

المستقبل

الاربعاء 1/1/2014

يعكس الواقع اليوم تدهوراً دولياً في الاهتمام بالقضية السورية، ولعل الابرز في مؤشرات هذا التدهور، بطء التفاعلات الدولية الخاصة بتطورات الوضع السوري من النواحي السياسية، حيث الحراك الساعي لمعالجة الازمة السورية دون الحدود المطلوبة، وقد استطالت زمنياً، وتراكمت نتائجها محلياً وخارجياً، والامر على هذا النحو في معالجة تجليات الكارثة الانسانية التي تصيب السوريين وبين ضحاياها معظم سكان سوريا الذين باتوا مهجرين ولاجئين وجائعين ومرضى وقسم كبير منهم مشوهين ومعتقلين، كما ان بين المؤشرات، تراجع مستوى الاهتمام الاعلامي بما يجري في سوريا، او اقتصار ذلك الاهتمام على جوانب معينة ابرزها نشر اخبار تتعلق بالتشدد الديني والجماعات المتطرفة وما تقوم به من اعمال.

وسط تلك المؤشرات، يبدو السؤال عن اسباب تدهور الاهتمام الدولي بالقضية السورية امراً طبيعياً، يحتاج الى مقاربة للاسباب التي ادت الى هذا التحول، وتنقسم الاسباب الى داخلية وخارجية، ولعل الابرز في الاسباب الداخلية، تحول ثورة السوريين من الحراك المدني والسياسي الى التسلح والعسكرة، وهو تحول كانت له اسبابه الموضوعية واهمها استمرار القمع العنيف الذي يمارسه النظام، وحاجة الثائرين للدفاع عن انفسهم وحماية تظاهراتهم السلمية، لكن الامر في مآله النهائي كان يخدم استراتيجية النظام في جلب الثورة الى المواجهة العسكرية، التي لديه امكانيات وخبرات كبيرة فيها، تكفل له الحفاظ على وجوده ان لم توفر له القدرة على هزيمة الثورة.

ووسط التحول نحو تسليح وعسكرة الثورة، صار الحراك المدني من تظاهرات واعتصامات ونشاط سياسي ومدني موضع اتهام، بل ان بعض التشكيلات المسلحة ولاسيما التشكيلات المتطرفة تلاحق الناشطين وتعتقلهم او تهجرهم او تقتلهم، تماماً في صورة تماثل ماتقوم به اجهزة النظام وشبيحته في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام.

والسبب الثاني عجز المعارضة عن توحيد قواها السياسية والعسكرية في بنية واحدة، وهو امر تجاوز حدود الحاجة وصار ضرورة. لكن النتائج كانت اضعف من الاستجابة للحاجة والضرورة في ان معاً، لدرجة الشك في اهمية وقدرة التحالفات التي تمت اقامتها من الناحيتين السياسية والعسكرية، وهذا ما تبينه حالة الائتلاف الوطني الذي يعتبر افضل التحالفات السياسية في سوريا، والامر اسوأ في غيره، وكذلك الحال بالنسبة للتحالفات العسكرية، التي لم تستقر على اشكال محددة، وعجزت هيئة الاركان للجيش الحر في جمع وتنظيم التشكيلات العسكرية تحت امرتها بما ذلك التشكيلات التي تتكنى وتحمل اسم الجيش الحر.

والسبب الثالث، حالة الفوضى التي عمت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي عجزت مختلف قوى المعارضة والحراك المدني عن ايجاد ادارة تأخذ على عاتقها مهمة تسيير الحياة العامة فيها وخاصة في الموضوعات الاساسية ومنها الامن وتأمين الخدمات الاساسية من اغاثة وتعليم وصحة. بل ان الامر من هذه النواحي تردى اكثر فاكثر ليس فقط بسبب استمرار سياسة النظام في قصف تلك المناطق بالصواريخ والبراميل المتفجرة وعلميات الاقتحام، بل بسبب تعدد وتصادم نشاطات التشكيلات العسكرية المسيطرة هناك، وبعض قادتها اخذ يتصرف مثل امراء الحرب وقادة عصابات مسلحة، اضافة الى تصرفات قادة الجماعات المتطرفة مثل "جبهة النصرة" و"داعش" وقوات الحماية الشعبية الكردية التابعة ل"pyd"، وكلها طرحت برامج سيطرة سياسية وعسكرية وامنية وايديولوجية في اماكن تواجدها للسيطرة على الاهالي والموارد، وتسخير الاخيرة لخدمة اجنداتها الخاصة بغض النظر عن اهداف الثورة والمصالح العامة للسوريين.

ورغم اهمية الاسباب الداخلية في تأثيرها على تراجع الاهتمام الدولي بقضية السوريين باعتبارها الاسباب الاساسية، فان ثمة اسباباً خارجية، افرزت تأثيراتها المباشرة، وعززت تدهور الاهتمام الدولي وابرزها:

انقسام دولي واقليمي ازاء القضية السورية، ادى الى ظهور معسكرين احدهما يؤيد ويدعم النظام وسياساته بكل الامكانيات والقدرات وابرز اطرافه روسيا وايران ومليشيات مسلحة منها حزب الله اللبناني ولواء ابو الفضل العباس العراقي، مقابل معسكر آخر يتعاطف مع ثورة الشعب السوري، ابرز اطرافه الولايات المتحدة ودول اوروبية وعربية. ورغم ان قوى المعسكر المؤيدة للنظام تشكل اقلية في المجتمع الدولي، لكن حضورها الى جانب النظام كان اكثر فاعلية ودعماً من الاطراف المتعاطفة مع ثورة الشعب السوري وطموحاته في الخلاص من نظام الاستبداد والقتل والدمار والوصول الى تغيير ديمقراطي في سوريا يحقق الحرية والعدالة والمساواة.

والسبب الثاني، كان تواصل التدخلات الاقليمية والدولية في القضية السورية، وهي تدخلات تجاوزت التدخلات السياسية الى العسكرية، وشملت تقديم اسلحة وذخائر واموال ليس للنظام فقط، بل لجماعات وتشكيلات سياسية وعسكرية، تخدم استراتيجية النظام واخرى تعارضه الى هذا الحد او ذاك، لكنها تتقاطع ايضاً مع مصلحة القوى الاقليمية والدولية الداعمة واجنداتها التفصيلية، وكله ادى الى استمرار الصراع السوري في ظل توازنات ضعف القوى الداخلية وعدم قدرتها على حسمه لمصلحة احد طرفي الصراع الداخلي.

والسبب الثالث وربما هو الاهم، يمثله غياب ارادة دولية في مباشرة حل ومعالجة جدية للقضية السورية، وهذا الامر واضح في سياق المساعي الدولية لعقد مؤتمر جنيف2 الذي تسعى اليه الامم المتحدة وبمشاركة كل من روسيا والولايات المتحدة، اذ هو في احسن الاحوال، يفتح بوابة لحل سياسي، لكنه لا يكفل الوصول الى هذا الحل، لانه لا يقدم فهماً موحداً لخريطة طريق في القضية السورية، ولا يقدم ضمانات لتنفيذ مايمكن الاتفاق عليه، رغم ان الاتفاق في ظل الوقائع على الارض ومحتويات جنيف2 سيكون مستحيلاً بين وفدي النظام والمعارضة في حال انعقاد المؤتمر حتى لو تدخلت الاطراف الراعية لتقريب المواقف.

لقد تحولت القضية السورية في احد التصورات عنها لدى المجتمع الدولي والرأي العام الى حرب تقليدية بين النظام ومعارضين له في احسن الاحوال، وهي حرب بين النظام وجماعات تكفيرية متطرفة في اسوأ الاحوال، وبين هذين الحدين ينبغي العمل على اعادة رسم صورة حقيقية لقضية السوريين باعتبارها قضية شعب خرج من اجل الحرية ومن اجل العدالة والمساواة لكل السوريين وفي مواجهة نظام مستبد يحفل سجله بجرائم لاعدد لها، وهذا بالفعل مايمكن ان يوقف تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية، ويعزز دور المجتمع الدولي واهتمامه وسعيه في حل القضية لمصلحة الشعب السوري ومن اجل مستقبله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

منظورات ضيقة في التفاعل السوري - التركي

ياسين الحاج صالح *

الحياة

الاربعاء 1/1/2014

باستثناء مجموعات تروتسكية صغيرة، للطيف الأوسع من اليسار التقليدي التركي موقف يراوح بين التشكك والعداء حيال الثورة السورية منذ بداياتها. التنظيمات الشيوعية ذات الأصول الستالينية معادية كلها للثورة، وكذلك ما يسمى هنا «اليسار القومي»، وهم مجموعات يسارية موالية لمشروع أتاتورك التحديثي.

والانطباع الذي يكوّنه الشخص المهتم أن جذور هذا الموقف تعود إلى أمرين: أولهما النظر إلى الصراع السوري من منظور الموقف من حكومة أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وفي هذا يشارك أيضاً حزب الشعب الجمهوري، الحزب المعارض الرئيس. في مناسبتين مختلفتين، كان أول ما يقوله محدثونا عن الشأن السوري شيئاً عن... رجب طيب أردوغان. يلزم الإلحاح كثيراً على أننا نتكلم عن سورية، وليس عن أردوغان وتركيا، كي يستقيم النقاش، وقلّما يستقيم. في حالة ثالثة، كان عليّ الاستماع إلى شروح عن الوضع السوري، تشابه ما يقوله الفاشي مهراج أورال، بطل مذبحة بانياس.

الشيء الثاني هو الموقع القيادي في اليسار في تركيا الذي تشغله مجموعات يتركز تفكيرها بمقدار كبير حول سياسات الهوية، الكرد من جهة والعلويون من جهة ثانية. كانت المجموعتان، وكل منهما تمثل نحو خمس سكان البلد، ضحية السياسات القومية الأتاتوركية النزّاعة نحو محو الفوارق الثقافية، وصنع تركيا حديثة متجانسة وموحدة اللغة والثقافة والتفكير والإرادة. ومنذ قيام الجمهوررية عام 1923 حتى وقت قريب، كان في تهميش الهوية عنصر طبقي، يتضمن هامشية اجتماعية وفرصاً للترقي الفردي والعام أقل من المتوسط الوطني، بخاصة في ما يتعلق بالكرد.

لكنّ للانفتاح السياسي النسبي للنظام التركي في العقد الأخير تأثيراً متناقضاً في سياسات الهوية هذه. فمن جهة، توافرت لها مساحة متسعة للتعبير عن نفسها، والظهور في الفضاء العام وصولاً إلى إشغال موقع مهيمن في الطيف اليساري التركي؛ ومن جهة ثانية، ظهورها كحركات هوية متمركزة حول مطالبها الخاصة، وغير مؤهلة لقيادة حركة تغير اجتماعي تعيد النظر في أسس الجمهورية الأتاتوركية من منظور تحرري. وقد يمكن القول أيضاً إنها تساهم في تغذية الاستقطاب المتصلب في الساحة السياسية التركية، بين حزب العدالة والتنمية الذي يتابع سياسات هوية خاصة به، ويتكلم على «نحن» و «هم»، وبين طيف معارض متنوع، يستنفر بعضه الجمهورية الأتاتوركية التقليدية في وجه العدالة والتنمية، ويتطلع قسم آخر منه إلى تجاوزها، ودخول تركيا طوراً سياسياً واجتماعياً جديداً، بَعد قومي وبعد أتاتوركي، لكنه لا يبدو قادراً على كسر الاستقطاب المتصلب المشار إليه. كان لافتاً في تظاهرة علويين في اسطنبول في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، رفع بعض المتظاهرين العلم التركي وقد طُبعت عليه صورة أتاتورك. وكان ظاهراً أن صورة «الغازي مصطفى كمال» عنصر رمزي في حقل سياسي إيديولوجي، يشغل فيه موقعاً «علمانياً» مضاداً لإسلاميي حزب العدالة والتنمية. العلمانية التسلطية المفتقرة إلى مضمون تحرري، على نحو يذكّر بـ «علمانية» بشار الأسد، لا تفيد إلا في تثبيت البنية الاستبدادية الموروثة للجمهورية التركية. حزب العدالة والتنمية ليس تجاوزاً للأتاتوركية، إنه بالأحرى أتاتوركية مقلوبة، «إسلامية».

تبدو تركيا اليوم في حالة حرب أهلية باردة، قد تتفجر حرباً ساخنة، إن لم تتجاوز شرط الاستقطاب المتصلب الحالي، في سياق ينفتح على تجاوز الجمهورية الأتاتوركية ككل.

منبع التشوش الأساس عند المعارضة في تركيا حيال الصراع السوري هو مقاربته من منظور متمركز حول تركيا وصراعاتها واستقطاباتها (فضلاً عن محدد بنيوي مديد، هو الصورة السلبية للعرب في الثقافة والإعلام التركي على نحو ما أظهره المثقف اليساري التركي تنل بورا في مقالة ترجمت إلى العربية أخيراً). سورية ذاتها غير مرئية. المجتمع السوري غير مرئي. تاريخ سورية الاجتماعي والسياسي غير مرئي وغير معروف. والمشكلة أنه إذا كان من هم ضد الحكومة مناهضين للثورة السورية في معظمهم، ويتبنى غير قليلين منهم الخطاب الأسدي حيالها (مؤامرة امبريالية، صراع ضد الإرهاب والقاعدة)، فإن الموقف المساند لمن هم مع الحكومة يفتقر، في حكم الموقع، إلى مضمون قيمي مستقل، وتقيّده اعتبارات سياسية محلية ودولية ضيقة، تجرده من أي بعد تحرري.

وهكذا تدفع الثورة السورية ثمن مناهضة المعارضة التركية لها، من دون أن تستفيد كثيراً من غنم مساندة الحكومة.

لكن ضيق المنظور لا يقتصر على الجانب التركي. في الجهة السورية نعاين الضيق نفسه ولأسباب سياسية ضيقة بدورها، يغيب عنها البعد القيمي، وكذلك أية معرفة جدية بالمجتمع التركي.

لا يقتصر الأمر هنا على ميل عام إلى موقف سلبي من طرف المعارضين السوريين حيال احتجاجات تركية نشطة على الحزب الحاكم وسياساته، بل إلى ما يقارب التجاهل التام لما يجري في المجتمع التركي من تيارات سياسية وفكرية، ومن حركات اجتماعية، يحتاج مئات ألوف السوريين المقيمين في تركيا حالياً إلى معرفة المزيد في شأنها. هنا أيضاً يجرى تحكيم منظور ضيق متمركز حول ما يفترض أنه مصلحة الثورة بالموقف من الشؤون التركية. سيكون مساندو الثورة إلى جانب الحكومة التركية استناداً إلى اعتبار سياسي نفعي بالغ الضيق، وهو ما يضعهم خارج حركة الاحتجاج التركية وضدها، وفي موقع أسوأ لطلب التفهم والمساعدة من المعارضة وقطاعات من المجتمع في تركيا.

ليس هناك ما يوجب على المعارضين السوريين استعداء الحكومة التركية أو الاستخفاف بحساسياتها. لكن من باب التضييق على النفس أن تمر علاقة السوريين بتركيا حصراً عبر الحكومة، وعبر حزب حاكم اليوم، وقد لا يكون حاكماً غداً. إن لم يكن لاعتبارات قيمية، فالحصافة وحدها تقتضي مد اليد إلى المجتمع التركي وإلى القوى الاجتماعية السياسية والثقافية التركية. هناك ناشطون ومثقفون في تركيا مساندون لكفاح السوريين ومعارضون لحكومة أردوغان، وهم يجدون أنفسهم في وضع صعب ضمن الطيف المعارض التركي، وضع لا يسهّله عليهم السوريون الذين يكادون يقولون لهم: إنكم لا تستطيعون أن تكونوا معنا إن لم تكونوا مع أردوغان أيضاً!

آخر ما يحتاجه السوريون توسع دائرة خصومهم. إن مزيجاً مرناً من التعاون مع الحكومة التركية، ومن الانفتاح وتوسيع مجالات التعاون مع المجتمع التركي المتنوع، هو ما يمكن أن يكون أساساً لسياسة ملائمة للثورة في هذا البلد الكبير والحيوي. هذا فوق أن فرصتنا أكبر في الاعتراض على سياسات المعارضة التركية حين أننا لا نحصر محاورينا الأتراك في الحكومة وحدها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقف مطلوب !

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 1/1/2014

يتردى الوضع السوري بسرعة، لأسباب بينها دخول قوى أجنبية إلى ساحة الصراع الدائر فيها من غير البوابة التي اختارها شعبها لبلوغ مطلبه الرئيس، حريته، التي يريد استعادتها بعد 50 عاما من استبداد البعث الأسدي. والمفارقة أن تردي الوضع لا يعود إلى نقص في عدد أو قوة من يقاتلون النظام، بل إلى غرباء وأجانب دخلوا بلادنا ليحدثوا تبدلا جذريا في الثورة وهويتها، تدفعهم إلى ذلك عقيدة متشددة وقسوة مفرطة أخذت تقنع قطاعات متزايدة من المواطنين المطالبين بالحرية أن نظام بشار الأسد أفضل من الثورة، إن كانت ستؤدي إلى حكم تتولاه جهات تدعي أنها إسلامية، بيد أنها لا تعد الشعب بغير الإبادة والتنكيل، إذا رفض حكمها ولم يعتبره «خلافة إسلامية» رشيدة، مع أن من سيدير أمورها هم قادة هؤلاء الغرباء عن شعب سوريا، الذين ينكرون حقوق الناس، مثلما أنكرتها فترات الانحطاط التي مر بها العرب والمسلمون.

كي لا يدور حديثي عن مجهول، أسارع إلى تسمية الجهة التي أعنيها، إنها منظمة أصولية تسمي نفسها «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، تواضع السوريون على إطلاق لقب «داعش» عليها، بعد أن أعلن قائدها العراقي - من بغداد - إلغاء دولتنا الوطنية السورية واستبدال كيان لا هوية له بها، لا يعدو أن يكون مجرد رهان أصولي غامض يحيل إلى مبهم يحمل اسم دولة، مع أنه ليس كذلك بأي مقياس، وليس إسلاميا بأي معيار، وليس قائما بعد سواء في العراق أو في بلاد الشام، تجلت أولى بركاته في فرض 70 جلدة على كل من لا يذكره بالاسم، أو يسميه «داعش»!

هذا الكيان مكلف بالقضاء على الثورة ماديا، من خلال قتل المقاتلين من أجل الحرية والكرامة، ومعنويا عبر تشويه روح ونص الإسلام والقيام بأفعال تتعارض جذريا مع تسامحه وقبوله بالآخر وانحيازه إلى المؤمنين واعتداله ووسطيته ورسالته العمرانية - الحضارية. وللعلم، فإن قادة «داعش» تلقوا «علومهم» أو تربيتهم الآيديولوجية في واحدة من أكثر مناطق العالم الإسلامي تخلفا على الصعيدين الروحي والديني، تنكرت طيلة العصر الحديث لوسطية الإسلام وتبنت منظورات ترفض الاعتراف بأن المجتمعات الإسلامية الحالية مسلمة، والإقرار بصحة إسلام رافضي نظرياتها في الحكم، وتركز على جاهلية مجتمعاتنا وحتمية أسلمة المسلمين، فهي تنتمي إلى تيار ينقل تناقض العالم الإسلامي مع خارجه إلى إطاره الداخلي، واضعة المسلمين أمام حتمية حرب أهلية تؤجج نيرانها بينهم، بعد تحويل كتلتهم الكبرى إلى أهل جاهلية يصح قتلهم.

وبالفعل، لم يترك أتباع هذا التيار عملا يسيء إلى الإسلام ويبيض صفحة النظام الأسدي إلا وقاموا به، وسيبين القادم من الأيام أنهم قتلوا عددا من المسلمين والمؤمنين السوريين والسوريات يعادل أو يفوق العدد الذي قتله النظام في مناطق سيطرتهم، التي حررها الجيش الحر وينتزعونها منه كي يقيموا فيها نظاما أشد استبدادية ووحشية من نظام الأسد.

هذا الوضع لا يهدد سوريا وثورتها فحسب، بل يهدد أيضا الإسلام كدين ودنيا، ويهدد المسلمين أفرادا وأمة، وما منّ الله به علينا من وحدة بين المؤمنين، ويهدد أخيرا بإعادتنا إلى زمن وثني حافل بالشقاق وغارق في دم الأبرياء، الذين حرم الله قتلهم إلا بالحق، وتقتلهم «داعش» اليوم فرادى وجماعات، بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، كهذه التي أصدرها أحد «علمائها»، عندما سئل عن حكم قاتل البريء، فأجاب: أجره عند الله، لأنه قتل ضحيته وهو يراه مذنبا، لكن الله أثابه لعلمه أنه بريء، وهكذا يكون للمجاهد الذي قتله أجره، لأنه ساعده على نيل الإنصاف الإلهي. هذا «الاجتهاد» ليس غير دعوة مفتوحة إلى قتل الناس من دون تمييز، باسم دين حرم قتل النفس وأعلى مكانة الإنسان، وجعله خليفة الله في الأرض.

لم يعد السكوت عن اجتهادات وممارسات «داعش» ممكنا. ولا بد من موقف يتخذه علماؤنا ورجال ديننا الأجلاء يفضح عدوان هؤلاء على دين الحق الذي أعزنا الله به كعرب ومسلمين، وإلا وقعنا ضحية غفلتنا وندمنا بعد فوات الأوان، وخرجنا من ظلم الأسدية إلى ظلام وظلم عملائها، الذين يقاتلون الجيش الحر ويقتلون خيرة أبنائه ويبطشون بمن نظموا الثورة وأداموها، ويتوهمون أن بوسعهم تغطية جرائمهم برداء دين لطالما أدان وجرم أمثالهم. لا بد أن يقول المدافعون عن وسطيته واحترامه للإنسان ولكرامته كلمتهم بصوت مجلجل في ما يلحقه من تشويه مشين على يد قتلة «داعش»، الذين يسفكون دماء المسلمين وسواهم من المؤمنين باسم دين أنزله الله للحفاظ عليها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تدهور الاهتمام الدولي بقضية السوريين؟

فايز سارة

المستقبل

الخميس 2/1/2014

يعكس الواقع اليوم تدهوراً دولياً في الاهتمام بالقضية السورية، ولعل الابرز في مؤشرات هذا التدهور، بطء التفاعلات الدولية الخاصة بتطورات الوضع السوري من النواحي السياسية، حيث الحراك الساعي لمعالجة الازمة السورية دون الحدود المطلوبة، وقد استطالت زمنياً، وتراكمت نتائجها محلياً وخارجياً، والامر على هذا النحو في معالجة تجليات الكارثة الانسانية التي تصيب السوريين وبين ضحاياها معظم سكان سوريا الذين باتوا مهجرين ولاجئين وجائعين ومرضى وقسم كبير منهم مشوهين ومعتقلين، كما ان بين المؤشرات، تراجع مستوى الاهتمام الاعلامي بما يجري في سوريا، او اقتصار ذلك الاهتمام على جوانب معينة ابرزها نشر اخبار تتعلق بالتشدد الديني والجماعات المتطرفة وما تقوم به من اعمال.

وسط تلك المؤشرات، يبدو السؤال عن اسباب تدهور الاهتمام الدولي بالقضية السورية امراً طبيعياً، يحتاج الى مقاربة للاسباب التي ادت الى هذا التحول، وتنقسم الاسباب الى داخلية وخارجية، ولعل الابرز في الاسباب الداخلية، تحول ثورة السوريين من الحراك المدني والسياسي الى التسلح والعسكرة، وهو تحول كانت له اسبابه الموضوعية واهمها استمرار القمع العنيف الذي يمارسه النظام، وحاجة الثائرين للدفاع عن انفسهم وحماية تظاهراتهم السلمية، لكن الامر في مآله النهائي كان يخدم استراتيجية النظام في جلب الثورة الى المواجهة العسكرية، التي لديه امكانيات وخبرات كبيرة فيها، تكفل له الحفاظ على وجوده ان لم توفر له القدرة على هزيمة الثورة.

ووسط التحول نحو تسليح وعسكرة الثورة، صار الحراك المدني من تظاهرات واعتصامات ونشاط سياسي ومدني موضع اتهام، بل ان بعض التشكيلات المسلحة ولاسيما التشكيلات المتطرفة تلاحق الناشطين وتعتقلهم او تهجرهم او تقتلهم، تماماً في صورة تماثل ماتقوم به اجهزة النظام وشبيحته في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام.

والسبب الثاني عجز المعارضة عن توحيد قواها السياسية والعسكرية في بنية واحدة، وهو امر تجاوز حدود الحاجة وصار ضرورة. لكن النتائج كانت اضعف من الاستجابة للحاجة والضرورة في ان معاً، لدرجة الشك في اهمية وقدرة التحالفات التي تمت اقامتها من الناحيتين السياسية والعسكرية، وهذا ما تبينه حالة الائتلاف الوطني الذي يعتبر افضل التحالفات السياسية في سوريا، والامر اسوأ في غيره، وكذلك الحال بالنسبة للتحالفات العسكرية، التي لم تستقر على اشكال محددة، وعجزت هيئة الاركان للجيش الحر في جمع وتنظيم التشكيلات العسكرية تحت امرتها بما ذلك التشكيلات التي تتكنى وتحمل اسم الجيش الحر.

والسبب الثالث، حالة الفوضى التي عمت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي عجزت مختلف قوى المعارضة والحراك المدني عن ايجاد ادارة تأخذ على عاتقها مهمة تسيير الحياة العامة فيها وخاصة في الموضوعات الاساسية ومنها الامن وتأمين الخدمات الاساسية من اغاثة وتعليم وصحة. بل ان الامر من هذه النواحي تردى اكثر فاكثر ليس فقط بسبب استمرار سياسة النظام في قصف تلك المناطق بالصواريخ والبراميل المتفجرة وعلميات الاقتحام، بل بسبب تعدد وتصادم نشاطات التشكيلات العسكرية المسيطرة هناك، وبعض قادتها اخذ يتصرف مثل امراء الحرب وقادة عصابات مسلحة، اضافة الى تصرفات قادة الجماعات المتطرفة مثل "جبهة النصرة" و"داعش" وقوات الحماية الشعبية الكردية التابعة ل"pyd"، وكلها طرحت برامج سيطرة سياسية وعسكرية وامنية وايديولوجية في اماكن تواجدها للسيطرة على الاهالي والموارد، وتسخير الاخيرة لخدمة اجنداتها الخاصة بغض النظر عن اهداف الثورة والمصالح العامة للسوريين.

ورغم اهمية الاسباب الداخلية في تأثيرها على تراجع الاهتمام الدولي بقضية السوريين باعتبارها الاسباب الاساسية، فان ثمة اسباباً خارجية، افرزت تأثيراتها المباشرة، وعززت تدهور الاهتمام الدولي وابرزها:

انقسام دولي واقليمي ازاء القضية السورية، ادى الى ظهور معسكرين احدهما يؤيد ويدعم النظام وسياساته بكل الامكانيات والقدرات وابرز اطرافه روسيا وايران ومليشيات مسلحة منها حزب الله اللبناني ولواء ابو الفضل العباس العراقي، مقابل معسكر آخر يتعاطف مع ثورة الشعب السوري، ابرز اطرافه الولايات المتحدة ودول اوروبية وعربية. ورغم ان قوى المعسكر المؤيدة للنظام تشكل اقلية في المجتمع الدولي، لكن حضورها الى جانب النظام كان اكثر فاعلية ودعماً من الاطراف المتعاطفة مع ثورة الشعب السوري وطموحاته في الخلاص من نظام الاستبداد والقتل والدمار والوصول الى تغيير ديمقراطي في سوريا يحقق الحرية والعدالة والمساواة.

والسبب الثاني، كان تواصل التدخلات الاقليمية والدولية في القضية السورية، وهي تدخلات تجاوزت التدخلات السياسية الى العسكرية، وشملت تقديم اسلحة وذخائر واموال ليس للنظام فقط، بل لجماعات وتشكيلات سياسية وعسكرية، تخدم استراتيجية النظام واخرى تعارضه الى هذا الحد او ذاك، لكنها تتقاطع ايضاً مع مصلحة القوى الاقليمية والدولية الداعمة واجنداتها التفصيلية، وكله ادى الى استمرار الصراع السوري في ظل توازنات ضعف القوى الداخلية وعدم قدرتها على حسمه لمصلحة احد طرفي الصراع الداخلي.

والسبب الثالث وربما هو الاهم، يمثله غياب ارادة دولية في مباشرة حل ومعالجة جدية للقضية السورية، وهذا الامر واضح في سياق المساعي الدولية لعقد مؤتمر جنيف2 الذي تسعى اليه الامم المتحدة وبمشاركة كل من روسيا والولايات المتحدة، اذ هو في احسن الاحوال، يفتح بوابة لحل سياسي، لكنه لا يكفل الوصول الى هذا الحل، لانه لا يقدم فهماً موحداً لخريطة طريق في القضية السورية، ولا يقدم ضمانات لتنفيذ مايمكن الاتفاق عليه، رغم ان الاتفاق في ظل الوقائع على الارض ومحتويات جنيف2 سيكون مستحيلاً بين وفدي النظام والمعارضة في حال انعقاد المؤتمر حتى لو تدخلت الاطراف الراعية لتقريب المواقف.

لقد تحولت القضية السورية في احد التصورات عنها لدى المجتمع الدولي والرأي العام الى حرب تقليدية بين النظام ومعارضين له في احسن الاحوال، وهي حرب بين النظام وجماعات تكفيرية متطرفة في اسوأ الاحوال، وبين هذين الحدين ينبغي العمل على اعادة رسم صورة حقيقية لقضية السوريين باعتبارها قضية شعب خرج من اجل الحرية ومن اجل العدالة والمساواة لكل السوريين وفي مواجهة نظام مستبد يحفل سجله بجرائم لاعدد لها، وهذا بالفعل مايمكن ان يوقف تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية، ويعزز دور المجتمع الدولي واهتمامه وسعيه في حل القضية لمصلحة الشعب السوري ومن اجل مستقبله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من أجل إنشاء محكمة دولية سورية خاصة

رضوان زيادة *

الحياة

الخميس 2/1/2014

بعد ما ارتُكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في يوغسلافيا سابقاً، تطور النظام الدولي باتجاه ما يعرف بمبدأ حماية المدنيين ومنع وقوع جرائم الإبادة قبل معالجة آثارها ونتائجها بعد وقوعها، فتأسست محكمة الجنايات الدولية في عام ٢٠٠٢، وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مبدأً بات يعرف بمبدأ حماية المدنيين (Responsibility to Protect) في عام ٢٠٠٥، متجاوزةً المبدأ التقليدي في حماية سيادة الدول وإدراك أنه عندما ترتكب الأنظمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فإنها تفقد سيادتها ويصبح لزاماً على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في اتخاذ كل التدابير الضرورية من أجل حماية المدنيين ومنع وقوع الجرائم بحقهم.

ترك المجتمع الدولي السوريين كي يعيشوا الألم وحدهم، يقتلون يومياً بأنواع مختلفة من الأسلحة لا قبل لهم بها، فالقصف الجوي بالطائرات الحربية المقاتلة حصد أرواح أكثر من 20 ألف مدني إلى الآن، وتشهد حلب همجية من نوع جديد في استهداف المدنيين بالبراميل المتفجرة، كما كثف الأسد استخدامه للصواريخ البالستية بعيدة المدى والتي تصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته، غير عابئ بعدد الأرواح التي يمكن أن تحصدها هذه الصواريخ وغير مكترث لحجم الدمار الذي يمكن أن تخلفه في المناطق السكنية والبنى التحتية، هذا فضلاً عن ترسانة كاملة من الأسلحة المحرمة دولياً والتي استخدمت وتستخدم يومياً بحق الشعب السوري، من القنابل العنقودية والفراغية إلى الألغام الفردية والبحرية وغيرها، وآخرها كان استخدام الأسلحة الكيماوية في 21 آب (أغسطس) الماضي في الغوطتين وعلى نطاق واسع، الذي خلف أكثر من 1400 قتيل وآلاف المصابين.

إن إطلاق عملية العدالة الانتقالية في سورية هو من أصعب وأعقد الأمور التي ستواجه المجتمع السوري بعد سقوط النظام، إذ لا يمكن أحداً أن يتحدث باسم الضحايا أو ينطق باسمهم، وقضية تحقيق العدالة بالنسبة إلى الكثيرين من أسر الضحايا لا تسامح معها ولا التفاف أو تهاون فيها، وإذا أُخذ بعين الاعتبار الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السورية كمؤسسات ذات مصداقية لدى العديد من المواطنين السوريين يتضح حجم الأذى الفادح الذي لحق على سبيل المثال بالجهاز القضائي، وبدوره في الحياة العامة في سورية، وعليه فلن يكون النظام القضائي معداً أو مهيأً أو حتى قادراً على إطلاق عملية المحاسبة الضرورية التي ينشدها أهالي الضحايا. كما ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الانقسام المجتمعي الحاصل في سورية اليوم بسبب الموقف من النظام وميليشياته وتصعيد الأخير عبر التخويف أو تحريض المكونات المجتمعية السورية بعضها ضد بعض، وآخرها تأسيس ما أطلق عليه «جيش الدفاع الوطني»، الذي صار عملياً مؤسسة حكومية لمليشيات «الشبيحة» شبه النظامية التي تدخل في إطار ما يمكن تسميته بالمرتزقة، إذ إن تشكيلاتها ليست سورية خالصة كما يؤكد شهود العيان والتقارير الصحافية المتزايدة، وهي ستمثل تهديداً متزايداً للاستقرار ولبدء أي عملية للمحاسبة والعدالة، وهنا يأتي خيار اللجوء إلى ما يسمى العدالة الدولية، فجرائم نظام الأسد ضد الإنسانية تدخل بكل تأكيد في اختصاص محكمة الجنايات الدولية، ولكن بسبب الموقف الروسي في مجلس الأمن، الذي يمنع إحالة الجرائم المرتكبة في سورية إلى محكمة الجنايات الدولية، ما يعني عدم قدرة المحكمة على فتح التحقيق بجرائم الأسد التي ترتكب يومياً، فإن الخيار الوحيد هو أن تنشئ الحكومة المؤقتة محكمة دولية خاصة تتم المصادقة عليها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يسمى بالمحكمة المختلطة، وهو الخيار الأفضل بالنسبة إلى سورية والسوريين، إذ تتشكل محاكم على الأراضي السورية متخصصة في محاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت بحق الشعب السوري خلال فترة الثورة السورية مدعّمة بخبرات دولية ربما تكون بإشراف الأمم المتحدة.

إن الحاجة إلى الخبرات الدولية في المحاكم الوطنية (المحاكم المختلطة) في مجتمعات منقسمة، تبقى الخيار الأفضل، إذ سترسل الرسالة إلى كل السوريين أن الانتقام ليس هو الهدف، كما أنه يطمئنهم إلى أن أشد معايير العدالة والشفافية الدولية سيجري ضمانها، ولن يكون الهدف استهداف طائفة بعينها أو محاسبتها، وإنما تأسيس مسار للعدالة يضمن تأسيس سورية المستقبل على أسس صحيحة. وفي الوقت ذاته فإن ذلك يعطي ثقة أكبر من المجتمع الدولي بالنظام الجديد والتزامه بالعدالة والمصالحة، ويثبت أنه لا مكان لسياسات الثأر أو الانتقام ضمن برنامجه، في وقت سيحتاج السوريون الى دعم المجتمع الدولي -الذي خذلهم بشكل كبير- لإعمار بلدهم وبناء مؤسساتهم المستقبلية بكل الأحوال، وبالتالي فإن بناء الثقة بالنظام الجديد هي مسألة بغاية الأهمية، لكن على السوريين أن يدركوا أيضاً أن هناك حدوداً للمساعدة يمكن أن يقدمها المجتمع الدولي، وأن عليهم في النهاية الاعتماد على أنفسهم في بناء ديموقراطيتهم في المستقبل.

* مدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مركزية الرئيس في النظام السوري

منذر خدام *

الحياة

الخميس 2/1/2014

ليست خافية مركزية دور الرئيس في كل الأنظمة الديموقراطية الرئاسية، لكنها هنا مركزية قانونية، كل جانب من جوانبها يحدده قانون، ولا يستطيع الرئيس تخطي الحدود التي يرسمها له، وهي قبل كل شيء مركزية مفوضة من قبل الشعب يمارسها تكليفاً.

غير أن مركزية الرئيس في الأنظمة الدكتاتورية، والاستبدادية تختلف كثيراً عنها في الأنظمة الديموقراطية، بل تختلف بين النظام الديكتاتوري والنظام الاستبدادي أيضاً. في النظام الديكتاتوري، أو ذي الطابع الديكتاتوري، يشكل بناء الدولة محور اهتمامات النظام، في حين أنه في النظام الاستبدادي، وخصوصاً من نمط الاستبداد السوري (أي الاستبداد المنبثق من رحم ما يسمى بالشرعية الثورية)، كل شيء فيه يتمحور حول بناء السلطة واستقرارها وديمومتها، على حساب بناء الدولة والمجتمع.

في النظام الديكتاتوري، حيث يجري التشدد في تطبيق القانون، فإن آليات اشتغال النظام، ونتيجة لبناء الدولة وتطورها، يعاد تكييفه باستمرار في ضوء متطلبات بناء الدولة. وعندما يؤدي الفعل التراكمي فيه إلى طرح مهمة التغيير، كمهة تاريخية، فإن الإجابة عن أسئلتها تكون أكثر سهولة بالمقارنة مع الأنظمة الاستبدادية، إذ يكفي هنا إزاحة «الصدفة الواقفة في طليعة الحركة» بحسب إنجلز، أي السلطة السياسية، حتى يصير طريق التغيير في كامل بنى النظام وفي جميع مستوياته سالكاً.

أما في النظام الاستبدادي فإن الرئيس يتغول في السلـطة، التي بدورها تتغول في الدولة والمجتمع، بحيـث يصعب الحـديـث عن دولـة، بـل عن سلطة متغولة، فإن إزاحة الرئيس، أو إسقاط السلطة، قد يتسبب في انهيار الدولة والمجتمع على حد سواء، كما حصل في ليبيا مثلاً، وقبله في العراق، وكما يحصل في سورية. بطبيعة الحال كما أن الأنظمة الديكتاتورية ليست كلها متماثلة فإن الأنظمة الاستبدادية ليست متماثلة، وبالتالي فإن طريقة تغييرها تختلف أيضاً.

في سورية، ومنذ أن استولى حافظ الأسد على السلطة فيها في عام 1970، في انقلاب أبيض كان يعد له منذ سنتين على الأقل، حتى جعل من نفسه محور النظام برمته، منه وإليه تنتهي جميع علاقات النظام الداخلية وترابطاته، وحتى أشخاصه. فهو لم يسمح طيلة فترة حكمه التي امتدت نحو ثلاثة عقود ببروز أية شخصية من شخصيات النظام، إلا بالقدر الذي يريده هو، ولأداء الدور الذي يطلبه منه.

وعندما حل أبنه، الرئيس الحالي بشار الأسد، محله في هرم السلطة، في عملية تسليم واستلام، هي الأخرى كان يجري الإعداد لها منذ بضع سنين على الأقل، بقي النظام على حاله يعمل بقوة العطالة السابقة، لكن موقع الرئيس فيه، في البداية، لم يكن محورياً، كما كان في عهد والده، من جهة، للاختلاف الجوهري بين كاريزمية كلا الرجلين، ومن جهة ثانية، بالنظر إلى استمرار وجود طاقم والده في الحكم.

غير أن نمط الحكم الذي بناه حافظ الأسد لا يكون، ولا يستمر بالوجود، من دون محورية موقع ودور الرئيس فيه، وهذا ما عمل الرئيس الابن على تحقيقه في عام 2005 بعد أن أزاح جميع رجالات والده من السلطة، والإتيان برجاله الخاصين. منذ ذلك التاريخ صار النظام السوري يتحدد بدلالة رئيسه فيسمى نظام بشار الأسد، كما كان يسمى في حينه نظام والده بنظام حافظ الأسد، وبذلك أعيد تطويب البلد لرئيسها من جديد، أو لعائلته الدالة عليه، فعادت تعرف بـ «سورية الأسد».

لقد بنى حافظ الأسد نظامه على أربعة دعائم أساسية هي: أولاً، منع أية حياة سياسية طبيعة في سورية، بما في ذلك في حزب البعث ذاته، وفي الأحزاب المتحالفة معه، إذ تم تحويلها إلى مجرد أجهزة للسلطة. وثانياً، تقوية أجهزة الأمن والجيش وربطها به شخصياً. وثالثاً، التحالف مع البرجوازية السورية، وخصوصاً البرجوازية الدمشقية والحلبية. ورابعاً التحالف مع رجال الدين وخصوصاً رجال الدين السنّة. وفي توزيع للأدوار غير معلن، لكنه معروف، فقد أوكلت للأجهزة الأمنية والعسكرية مهمة الحفاظ على النظام بالمعنى المباشر، ومن أجل ذلك فقد منحها امتيازات واسعة، وتغاضى عن فسادها، بل أصدر قوانين تحول دون مساءلتها عما ترتكبه من جرائم، مما سمح لها بالتغلغل في جميع مفاصل الدولة والمجتمع. إضافة إلى ذلك فقد ركز في بنائها على الحضور المكثف والواسع فيها للعناصر الموالية له عضوياً.

أما في ما يخص تحالف النظام مع البرجوازية السورية وتأمين ولائها له، فقد أناط هذه المهمة ببرجوازية النظام البيروقراطية (حيتان النظام الجدد) لتولي هذه المهمة وذلك بنسج شراكات مع البرجوازية التقليدية، وهي برجوازية مدينية سنّية الانتماء المذهبي في غالبيتها الأعم، لاقتسام فائض القيمة المنتجة خصوصاً في قطاع الدولة الاقتصادية، مما ساعد في تحولها شيئاً فشيئاً إلى برجوازية طفيلية وكمبرادورية.

وإذا كان تأمين تحالف النظام مع البرجوازية السورية، تطلب منه تقديم تنازلات كثيرة لها على الصعيد الاقتصادي، في مقابل تخليها عن دورها السياسي التاريخي المفروض أن تؤديه في ظروف التحولات الرأسمالية، فإن تأمين ولاء فئة رجال الدين له لم يكن يتطلب منه الكثير. فشيء من تحسين امتيازاتهم المعنوية والمادية الشخصية، إضافة إلى منحهم فسحة واسعة نسبياً لممارسة شعائرهم الدينية، وبناء دور العبادة، ومعاهد تحفيظ القرآن، كانت أكثر من كافية لتأمين ولائهم له ومنحه غطاء أيديولوجيا دينياً، كان في حاجة إليه.

نظام مبني بهذه الطريقة، لا يقيم أي وزن للشعب، الذي هو بالنسبة اليه ليس أكثر من دهماء تملأ الشوارع، عندما تؤمر بذلك، ليعلو صراخها «بالروح بالدم نفديك يا ...»، من الطبيعي أن لا يتوقع رئيسه أن ينتفض ضده، وعندما انتفض بعضه بتحفيز شديد من انتفاضات الشعوب العربية في تونس ومصر واليمن وغيرها، جاءه الرد بالنار، في استدعاء وظيفي لدعائمه الأربعة السابقة الذكر لتؤدي دورها، فأدته بأمانة إلى حد كبير.

النظام السوري لا يقبل الإصلاح، بل يقبل الكسر بتدخل عسكري خارجي، كما حصل بالنسبة لنظام صدام حسين، ولنظام معمر القذافي، لكن هذا لن يحصل في سورية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، ومن الصعوبة بمكان أن يسقط نتيجة لصراع عسكري داخلي، كما برهنت على ذلك نتائج الانتفاضة المسلحة ضده خلال ما يزيد على سنتين ونصف من عمرها، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا أيضاً، لكنه يقبل التفكيك، وهذا ما سوف يكون موضوع حديث آخر.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com