العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 4/8/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

شراء الذمم بالفساد

د. محمود نديم نحاس

أصدر بشار الأسد قرارات لزيادة رواتب موظفي الدولة ومعاشات التقاعد، كما رفع الحد الأدنى للأجور لغير العاملين لدى الدولة ليناهز 13 ألف ليرة.

إن هذا الحد الأدنى للأجور يعادل حوالي 60 دولارا حسب سعر صرف الليرة بالسوق السوداء، أي حوالي دولارين في اليوم، فإذا كانت الأسرة مكونة من أربعة أشخاص، فمعنى هذا أن حصة الفرد فيها نصف دولار! في حين أن خط الفقر المقرر عالمياً منذ سنة 2008م هو دولار وربع في اليوم، ما يعني أن هؤلاء في فقر مدقع.

إنها محاولة الأسد في الزمن الضائع لشراء الذمم لإيقاف عجلة الثورة, ولكن هيهات.

ربما شراء الذمم بالمال أمر معروف ومقبول عند بعض الناس، لكن ما كتبه بعض الطلبة السوريين على الفيسبوك يثير حفيظة الذين يهمهم أمر بلدهم أكثر بكثير مما يهمهم موضوع المال. فقد أقيمت امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق التي مازالت محكومة من قِبل النظام في أجواء غريبة عن حس الطالب السوري.

فمن المعروف أن امتحان الشهادة الثانوية السورية يتم في العادة في منتهى الصرامة من حيث الانضباط ومنع الغش. والأسئلة مركزية من وزارة التربية، ويتم اختبار الطالب في مركز امتحان غير مدرسته... الخ

لكن ما كتبه بعض الطلبة على صفحات التواصل الاجتماعي عما رأوه بأعينهم من السماح للطلاب بالغش أمر غريب جداً. بل كتب بعضهم بأن بعض المراقبين كانوا يأخذون الإجابات الصحيحة من طالب لينقلوها إلى طالب آخر.

لا أجزم أن هذا هو الذي حصل في كل مراكز الامتحان، لكن الطلاب المجدّين الذين كتبوا ذلك كانوا منزعجين أن يحصل الطلاب الذين مستواهم أدنى على درجات أعلى تؤهلهم لدخول الجامعة، في حين قد لا يستطيع الطالب المجد أن يحصل على مقعد في الكلية التي يرغب.

في الثمانينيات من القرن الماضي، يوم كان هناك ثورة على الأسد الأب، لم يحصل مثل هذا الغش، لكن اخترع الأب زيادة فاسدة للدرجات. فالطالب المنتسب لما يُسمى منظمة الشبيبة يحصل على عشر علامات، وأكثر منها لمن ينتسب لحزب البعث، وإذا التحق بمعسكر الصاعقة يحصل على خمس وعشرين علامة، أما إذا التحق بدورة المظليين فيحصل على خمس وأربعين علامة، علماً بأن المجموع الكلي لعلامات الثانوية السورية هو مائتان وأربعون علامة دون علامة مادة الدين التي لا تُحسب أصلاً ضمن الدرجات وذلك لجعل الطلاب يهملون مادة الدين.

كل تلك العلامات كانوا يأخذونها بلا تعب، لكنها أهّلتهم لدخول الكليات التي لم يمكنهم دخولها من خلال علاماتهم الحقيقية. لكن النتيجة السيئة كانت جاهزة، إذ ارتفعت نسبة الرسوب في الجامعات، ونتج عن ذلك أن ترك كثير من هؤلاء الجامعة في السنوات الأولى لأنهم لم يستطيعوا التقدم.

إنها طرق شيطانية لشراء ذمم الطلاب ليؤيدوا النظام على حساب المبادئ والأخلاق. فمعايير الولاء مقدَّمة على معايير الكفاءة. لكن! أي ولاء يأتي ممن تشتريه بالفساد والإفساد؟ وقد قيل: مَن تشتريه سوف يشتريه غيرك إذا دفع أكثر! وبئس ما يشترون! لقد وصفهم الشاعر بأن عروشهم زَبَدٌ أٌقيمَ على أساس الماءِ، كما وصف قهرهم لجموع الناس بأن قصورهم مبنية بجماجمِ الضعفاءِ!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأمة تولد من جديد

مجاهد ديرانية

هذا موضوع يطول لو أطلقت فيه القلم، وهو قطعاً موضوع خطير يستحق التطويل والتفصيل، أما الآن فإنني أكتفي بخلاصته كما نشرتها قبل قليل في حسابي التويتري في ست وعشرين تغريدة:

 

1- طبول الحرب تُقرع بشدة على الأرض وعبر الأثير؛ لقد بدأ للتو هجوم كبير على الإسلام وأهل الإسلام. إنه الهجوم الثاني الذي أشهده في حياتي الواعية.

 

2- الهجوم الأول بدأه قبل ستين عاماً الطاغية البائد جمال عبد الناصر في مصر، ثم تبعه الشيوعيون والبعثيون في العراق وسوريا وعدن والجزائر وغيرها.

 

3- على المدى القصير كانت الضربة شديدة وخسرنا الجولة الأولى: مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمشردين،ولكن الإسلام انتصر على المدى الطويل.

 

 

4- طوى الزمنُ الطغاةَ وذرَت الرياح مشروعاتهم الضالة، وعاد الإسلام وأهله أقوى مما كانوا، وانتشر التدين وزاد الوعي واسترجعت الأمة هويتها المفقودة.

 

5- قواعد الحرب اختلفت هذه المرة، فالأمة اليوم أكثر وعياً وتماسكاً، وقد كسر "الإعلام البديل" احتكار الطغاة القديم للمعلومات، وتغيرت نفوس الناس.

 

6- وهذا هو الإنجاز الأعظم على الإطلاق. ربُّنا تبارك وتعالى علّق تغيير الحال بتغيير ما بالأنفس، فانظروا إلى التغيير الهائل في نفوس الناس اليوم.

 

7- الناس ارتقى تدينهم وتحسنت عبادتهم وأخلاقهم من عشرات السنين، لكن السنوات الأخيرة شهدت للمرة الأولى منذ قرون تغيراً جوهرياً حقيقياً في النفوس.

 

8- الناس غيروا ما بأنفسهم: استبدلوا بالخوف شجاعة وبالتردد إقداماً وباليأس أملاً وبالتواكل عملاً.. كل ما بالنفس تغير، فكيف لا يغير الله الحال؟

 

9- قبل نصف قرن بحث مالك بن نبي في أسباب استعمار الأوربيين لبلاد المسلمين، فاستنتج أن المشكلة الحقيقية لم تكن في ضعف الجيوش بل في ضعف النفوس.

 

10- حسب تشخيصه فإن المسلمين استُعمروا لأنهم كانوا مستعدين أو قابلين للاستعمار، أو -بتعبيره الخاص- لأنهم كانوا يملكون "القابلية للاستعمار".

 

11- وأنا أستعير نظريته فأقول إننا ابتلينا بالانقلابات العسكرية والحكم الاستبدادي خلال نصف القرن الأخير لأننا كنا نملك "القابلية للاستبداد".

 

12- لهذه النظرية أصل علمي؛ عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر قال قبل مئة سنة إن علاقة المسيطِر بالمسيطَر عليه تتضمن حداً أدنى من الطاعة الطوعية.

 

13- بل إن في التعبير القرآني الدقيق تصديقاً لها: {استخف قومه فأطاعوه}. لم يقل "قهرهم فأطاعوه" لأنهم أطاعوه طائعين بسبب حالتهم النفسية والعقلية.

 

14- الذي حصل الآن أن الشعوب -التي تربت على الاستسلام والطاعة الطوعية لوقت طويل- تغيرت تركيبتها النفسية (غيرت ما بالنفس) فصارت عصية على التطويع.

 

15- الطغاة المعاصرون مستعجلون ويريدون خنق الثورات وتطويع الشعوب، ولكن هذه العملية لا تتم بأدوات عسكرية بل بأدوات اجتماعية، والزمن لن يمهلهم.

 

16- التغيير الاجتماعي بطيء جداً،وحتى لو وضعوا أعظم المخططات لإعادة "تدجين" الشعوب فإن هذا الأمر يستغرق عشرات السنين. الشعوب حركتها أسرع بكثير.

 

17- الأدلة الدينية والعقلية والعلمية والتاريخية تقول إن معركة الأنظمة مع الشعوب محسومة لصالح الشعوب. هذا من حيث النتيجة أما الثمن فإنه كبير.

 

18- الأمة فقدت حريتها تقريباً منذ قرنين، وقد كانت حركات التحرر في القرن العشرين حركات وهمية، الآن فقط بدأت الأمة بمشروعها الحقيقي للاستقلال.

 

19- هذا الهدف العظيم لا يمكن تحقيقه في أيام قليلة ولا يتوصل إليه إلا بتضحية كبيرة. لا أحد يحب المعاناة ولكن طريق الحرية محفوف دوماً بالتضحيات.

 

20- شوقي لوّن الحرية فوهبها حمرة الدم: "وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يُدَقّ"، فإن لم تَدقّ عليه الأيدي المضرجة بالدم وتُلحّ بالدق فلن يفتح أبداً.

 

21- وشوقي أيضاً كبّل أعناقَ الأحرار بديون للأوطان لا تُستوفى إلا دماً: "وللأوطان في دم كل حر يدٌ سلفت ودين مُستحق". إنه ثمن المجد والحرية والكرامة.

 

22- المنطقة العربية كلها تستقبل اليوم زلزالاً من أشد الزلازل التي شهدتها في القرون الخمسة الأخيرة. إنها "إعادة إنتاج" أو ولادة جديدة للأمة.

 

23- مهما طالت المحنة واشتد الكرب فإن المعركة ستنجلي هذه المرة -بإذن الله- عن نصر أكبر بكثير من النصر الذي انجلت عنه معركتنا السابقة.

 

24- لعل الله أذن لهذه الأمة أخيراً أن تعود إلى الصدارة واختار هذا الجيل ليأتي النصر على يديه، فلم تعد المعركة معركة شعب أو بلد بل معركة أمة.

 

25- المعركة كبيرة وطويلة، فجهزوا أنفسكم للعطاء والعمل وأخلصوا النيات، وتوكلوا ولا تتواكلوا، واعلموا أن دوام الحال من المحال وأن لكل ليل نهاية.

 

26- فاصبروا أيها المؤمنون وصابروا وثقوا بالله وبنصره في النهاية، فإن العاقبة للمتقين (قال "العاقبة" التي هي آخر الطريق، ولم يقل مراحل الطريق).

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يجوز اعتبار مَن يخرجون على أوامر مكتب الإرشاد في تنظيم، كالإخوان المسلمين خارجين عن فكرة التنظيم نفسه؟

لا - ... «الإخوان المسلمون» تنظيم مدني يقوم على قواعد العمل السياسي الحديث

الشرق الأوسط

4/8/2013

زهير سالم

يتحدث بعض المثقفين عن جماعة الإخوان المسلمين منطلقا من تصورات ذاتية مسبقة أو حالمة تسعى إلى تصوير الجماعة كمؤسسة ماضوية من مؤسسات القرون البعيدة.

الحقيقة أن «جماعة الإخوان المسلمين» تنظيم مدني يقوم على قواعد العمل السياسي الحديث أكثر مما يتوفر لكثير من البنى السياسية في عالمنا العربي، وقواعدها وكوادرها وقياداتها من أكثر النخب العربية تأهيلا علميا وأكاديميا.ويقوم تنظيم الجماعة على قواعد محددة يوضحها نظام داخلي متوافق عليه بطريقة شورية أو ديمقراطية إلى أبعد الحدود. «نظام داخلي» يحدد الأدوار والمسؤوليات وطرائق اتخاذ القرار، لتبقى الشورى الملزمة في كل وحدة من وحدات التنظيم هي القاعدة الأساسية التي يحتكم إليها الجميع.

من هنا يتضح أن مفهوم «السمع والطاعة»، الذي يردده البعض دائما، لا يعني حالة من الخضوع المطلق في العلاقة مع شيخ تقوم على قاعدة «ما أفلح مريد قال لشيخه لمَ؟». إن الحب والاحترام والعلاقة الأخوية لا تلغي حقوق الأفراد في الحوار وفي النقاش. وحتى حين يصدر القرار الجماعي يبقى شرط الإخوان المسلمين في كل نصوص بيعتهم: أن الطاعة في المعروف. وأن الطاعة المبصرة لا العمياء هي أساس الالتزام.

في أي وحدة للقرار هنا رجال أكفاء يتشاورون ويتحاورون فيتفقون أو يختلفون، ويحسم التصويت خلافاتهم فيلتزمون، وأحيانا يتململون لكنهم يلتزمون. ومن خلال هذا الحوار والاختلاف يكون التطور العملي في أفكار الجماعة وفي مواقفها وسياساتها.

صحيح أن عمر الجماعة السياسي اليوم أكثر من ثمانية عقود، ولكن أحدا لا يستطيع أن يقول إنها تعيد «طرح الأفكار نفسها باللغة نفسها»، التي كانت تتحدث بها في ثلاثينات أو أربعينات القرن الـ20.

وهذا يسلمنا إلى التساؤل: هل كانت الجماعة تاريخيا محصنة ضد فيروس الانقسام أو الانشقاق أو الخسارة في الرجال والأفراد؟! بنظرة عامة متفائلة قد يقول البعض: «نعم»، معتمدا حساب السلامة في لحظة النهاية، إلا أننا بنظرة متفحصة تاريخية سنحصل على غير هذا الجواب. فالواقع يخبرنا أن بعض المؤسسين في مصر تخلوا عن الإمام حسن البنا (رحمه الله) منذ أول الطريق. ونستمع إليه منذ المؤتمر الخامس يشكو من «المتعجلين»، ليقول قبل استشهاده عن البعض إنهم «ليسوا (إخوانا) وليسوا مسلمين».

وفي الخمسينات والستينات في مصر تابعنا في المشهد المصري بروز ظواهر خطيرة لا نستطيع إلا أن نصنفها على أنها شكل من أشكال التمرد على فكر الجماعة ومواقفها. ولتكون الظاهرة الأوضح في شخص كاتب في حجم سيد قطب (رحمه الله)، الذي فرض فكره على واقع الجماعة، والذي لا تزال تهادنه تارة، وتتملص من تبعاته أخرى.

في الأيام التي نعيش، لا يمكن أن نمر على الموضوع من دون الإشارة إلى تجارب انشقاق أو انسلال فردية لقيادات كان لها دورها في واقع الجماعة الحديث.

وبالانتقال إلى سوريا تاريخيا سنمر بمعاناة الدكتور مصطفى السباعي وسط إخوانه في الخمسينات، وبمحاولة الانشقاق الممولة التي قادها نجيب جويفل. إلا أن الانشقاق العملي الأخطر في تاريخ الجماعة السورية، الذي لا تزال له مفاعيله في بنية الجماعة هو مغادرة النخبة الفكرية والسياسية «الدمشقية» مركب التنظيم في الانشقاق الذي عرف بعنوان «دمشق - حلب». وأزعم أن الإخوان السوريين دفعوا وما زالوا يدفعون ثمنا باهظا للانشقاق المذكور الذي خلف فجوة لم يردمها ولم يجسرها أحد بعد.

بل أجرؤ على الكتابة أن أحداث الثمانينات بأحد وجوهها كانت ثمرة من ثمرات ذلك الانشقاق المرة. تلك الثمرة التي أدت فيما بعد إلى انشقاق الجماعة السورية مرة أخرى في الثمانينات ليعود الصف السوري إلى الالتئام.

إن الانشقاقات ظاهرة عامة تضرب الحياة الحزبية في أكثر نماذجها استقرارا. ولا شك أنها تكون أوضح في المجتمعات التي لا يزال وعيها السياسي يتشكل. والانشقاقات الحزبية ليست عملا سلبيا دائما، ولا سيما تلك التي تأتي ملبية لنداء الأفكار. إذ لا معنى لبقاء أناس ينطلقون من تصورات مختلفة أو يسعون إلى أهداف مرحلية مختلفة، أو يفضلون آليات عمل مختلفة، أو يتمسكون بأخلاقيات مختلفة في فريق عمل واحد.

في الأحزاب ذات المضمون الديني والبُعد العقائدي تبقى «الجوامع» أكثر وضوحا واستقرارا، والغايات الربانية أكثر إقناعا بالصبر على المخالفين، ومن هنا يلحظ المراقب الثبات والاستقرار. يردد المسلم دائما في محنته في مركبه الجماعي «وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون»؟ فيقول: نصبر يا رب.

* قيادي إسلامي سوري، مدير مركز الشرق العربي - لندن

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تمخض الجبل فولد فأراً

محمد فاروق الإمام

نقلت وكالة رويترز عن دبلوماسيين قولهم إنّ حكومات الاتّحاد الأوروبي وافقت يوم الاثنين 22 تموز الحالي على إدراج "الجناح العسكري" لجماعة "حزب الله" اللبنانية على قائمة الاتّحاد للمنظّمات الإرهابية.

بعد كل الذي فعله حزب اللات في سورية من تدخل سافر عبر ميليشياته تأييداً لباغي سورية ونمرود الشام، الذي يسيم السوريين لنحو ثلاث سنوات أبشع أنواع القتل والتدمير والقمع والاعتقال والسجن والتهجير والحصار، خرج علينا الاتحاد الأوروبي الذي يضع هالة نرجسية حول مكوناته على أن البلدان التي تنتمي إليه هي الأكثر تحضراً واحتراماً لحقوق الإنسان في العالم.. خرج علينا هذا الاتحاد بقرار، بعد مخاض عسير، أقل ما يوصف به أنه قرار هزيل لا يرقى إلى مستوى الجرائم البشعة التي ارتكبها هذا الحزب الظلامي بحق أهلنا في سورية ولبنان، ولا تزال ميليشياته تشارك في عمليات القتل والتدمير والتخريب في كل مواقع الاشتباك بين الثوار والجيش الحر، دعما لجيش بغاة السلطة في طول أراضي سورية وعرضها، مستخدماً أعتى ما وصل إلى يديه من أسلحة فتاكة ومدمرة من مدينة أشباح قم وملالي الحقد في طهران، يقتلون ويدمرون ويخربون ويحرقون ويرتكبون المجازر الوحشية البشعة بمن يقع بأيديهم أو يصلون إليهم بوسائل بدائية يندى لها جبين الإنسانية ويستحي التاريخ من ذكرها في قابل الأيام، حيث يقوم هؤلاء البرابرة بذبح ونحر الأطفال والنساء بالفؤوس والسواطير والسكاكين وإلقاء جثثهم في الآبار المهجورة والأماكن غير المأهولة، كما حدث الشهر الماضي في قرية رسم النفل الواقعة على الطريق بين خناصر ودير حافر والسفيرة  في الريف الجنوبي لمحافظة حلب، حيث أقدمت ميليشيات هذا الحزب الإرهابي بالاشتراك مع مجموعات من قتلة أبي الفضل العباس العراقية وشبيحة النظام الباغي على قتل وحرق وتقطيع أوصال وجز الرقاب لأكثر من مئتي طفل وامرأة ورجل، إشباعاً لحقد دفين على أهل التوحيد الذين أطفئوا نارهم في القادسية، ونقلوهم من عبادة تلك النار إلى عبادة الواحد القهار قبل 1400 سنة، يرتكبون كل هذه الوحشية في القتل تحت شعار (يا لثارات الحسين) والحسين بريء منهم ومن فعالهم إلى يوم الدين.

هذا القرار الهزيل الذي تمخض عنه مؤتمر الاتحاد الأوربي الأخير لا يسمن ولا يغني من جوع أو يدفع أذى أو يوقف قتل أو تدمير أو تخريب أو حصار أو نزوح أو تهجير، فقد كنا نرجو من ذلك الاتحاد، الذي يدعي ما يدعيه من نصرة المظلومين والدفاع عن حقوق الإنسان، أن تكون قراراته في مستوى الحدث ومستوى ما يرتكبه هذا الحزب من جرائم.. كنا ننتظر منه في الحد الأدنى أن يساعد في تقديم وسائل الدفاع التي تمكّن الشعب السوري من دفع هذا الأذى عن نفسه وعن نسائه وأطفاله وشيوخه ومقدساته، فما قيمة هذا القرار الذي هو تكرار ممجوج إلى ما سبقه من قرارات الشجب والتنديد والإدانة التي سمعناها لنحو ثلاث سنوات دموية من هذا الاتحاد، الذي فعل الكثير لغيرنا وأدار ظهره لنا، رغم البون الشاسع فيما دفعه أولئك وما يدفعه الشعب السوري من فواتير باهظة الثمن في الأرواح والدماء والسجون والمعتقلات والتدمير والحصار والنزوح والتهجير.. وهكذا تمخض الاتحاد عن قرار ممجوج كما تمخض الجبل فولد فأراً هزيلاً لا يسمن ولا يغني من جوع !!  

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ذكرى بدر وحال الشام

د. محمود نديم نحاس

تمر ذكرى غزوة بدر والدماء تسيل على أرض الشام، فتبعث في قلوبنا الأمل بأن نصر المستضعفين قادم بإذن الله، فالنصر في غزوة بدر إنما كان انتصاراً لدماء ياسر وسمية اللذين قُتلا تحت التعذيب في مكة المكرمة، وانتصاراً لبلال الذي عُذِّب في الرمضاء وهو يقول: أحد أحد، وانتصاراً لأولئك الذين ضُيِّق عليهم في مكة فاضطروا للهجرة تاركين وراءهم كل ما يملكون. فكان يومُ بدرٍ يوماً تاريخياً عظيماً سمّاه الله يوم الفرقان، وفرق فيه بين الحق والباطل، فأعزَّ الحقَّ ونصرَ أهلَه، وأذلَّ الباطلَ ودحرَ أتباعه، وتغيَّر وجه التاريخ، وتحقق وعد الله (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). وليس بِدعاً أن نتذكر غزوة بدر في هذا الوقت العصيب الذي يستمر فيه طاغية الشام بتدنيس الأرض، وإراقة الدماء، وتكديس تلال من الضحايا والأشلاء، متجاوزاً كل المواثيق والأعراف، بل متجرداً من كل معاني الإنسانية. فهل يتعظ الذين يقتلون الناس بغير ذنب إذا عرفوا أن أبا جهل الذي عذَّب آل ياسر حتى الموت قد قُتل يوم بدر؟

لقد خرج الناس في بلاد الشام في ثورة سلمية، مثَلهم كمثل أهل بدر الذين وعدهم الله بالنصر على العير أو النفير، ولكنهم كانوا يفضلون التي ليس فيها قتال (وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)، لكن النظام تعامل معهم معاملة قاسية فاضطرهم إلى الدفاع عن أنفسهم (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، أي عسى أن تكرهوا ما في القتال من المشقة، وهو خير لكم في أنكم تَغلبون وتَظفرون وتَغنمون وتُؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال، وهو شر لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون ويذهب أمركم.

والمؤمن بعد الإعداد والأخذ بالأسباب يكون على يقين تامٍّ أن الفاعل الحقيقي هو الله (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، فإن شاء سبحانه أمضى الأسباب، وجعل قوتها المؤثرة أقوى من قوة القائم بها، وإن شاء عطَّلها وسلبَها الأثر. ومن هنا فإن المؤمن يلجأ إلى الدعاء. وفي حديث الترمذي عن غزوة بدر (نظرَ نبيُّ اللهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إلى المشرِكينَ وَهم ألفٌ، وأصحابُهُ ثلاثُمائةٍ وبضعةُ عشرَ رجلاً، فاستقبَلَ نبيُّ اللهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ القبلةَ، ثمَّ مدَّ يدَيهِ وجعلَ يَهتِفُ بربِّهِ: اللَّهمَّ أنجِز لي ما وعدتَني، اللَّهمَّ إنَّكَ إن تُهلِك هذهِ العصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ لا تُعبدُ في الأرضِ. فما زالَ يَهتِفُ بربِّهِ، مادًّا يدَيهِ، مُستقبِلَ القِبلةِ، حتَّى سقطَ رداؤُهُ عن مَنكِبَيهِ. فأتاهُ أبو بكرٍ فأخذَ رداءَهُ فألقاهُ علَى مَنكبَيهِ ثمَّ التزمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نبيَّ اللهِ، كفاكَ مناشدتَكَ ربَّكَ، فإنَّهُ سَينجِزُ لَكَ ما وعدَكَ. فأنزلَ اللَّهُ تبارَك وتعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِألْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمدَّهُم اللَّهُ بالملائكةِ).

وبعد قوة الإيمان تأتي قوة الترابط والمحبة والتآلف بين القلوب، وهكذا نقرأ في القرآن الكريم عن غزوة بدر (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ، قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) فهذه من مقومات النصر ولوازمه. والتفرق والتنازع من أعظم مسببات الضعف والفشل (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

ونقرأ في كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب ممن يقابل أبا البختري بن هشام في جيش العدو ألا يقتله، لأنه كان يكفُّ القومَ عنه وهو بمكة، وكان ممن قام بنقض صحيفة المقاطعة. فأي درس في الوفاء نتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم!؟ كما نقرأ وصيته بالأسرى وإكرام معاملتهم، فنبكي على أنفسنا عندما نسمع أن سجون طاغية الشام قد غصَّت، ليس بأسرى، وإنما بأحرار أبرياء، لم تثبت عليهم أي تهمة سوى أنهم قالوا كفى للظلم، فحرمهم حق الحياة، فمنهم من قضى نحبه تحت التعذيب، ومنهم من ينتظر. ولا نملك إلا أن ندعو الله أن يعجّل بنصرهم.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسوأ كارثة إنسانية

د. محمود نديم نحاس

قرأت مقالاً لكاتبة فاضلة بعنوان "عفواً لم أعد أثق بأحد" تحدثت فيه عن الناس الطيبين الذين ساعدوا إخوانهم السوريين المتضررين، لكنهم مازالوا يسمعون بالوضع المزري للسوريين سواء في البلدان التي نزحوا إليها أو الذين نزحوا في الداخل السوري إلى المناطق التي يظنونها أكثر أمناً. وتتساءل أين تذهب تلك الأموال، وتستنتج أنها لم تعد تثق بأحد من الذين يجمعون المساعدات.

ربما معها حق، بأن بعض من يجمع المساعدات يجدون جيوبهم أقرب. لكن من يعمل في الرياضيات مثلي ربما لا يستنتج أي نتيجة قبل أن يقوم ببعض الحسابات. وقبل حساب ما يحتاجه النازحون أذكر المسألة الحسابية للقصة المشهورة، والتي تقول بأن الإمبراطور أراد أن يكافئ مخترع الشطرنج بهدية يختارها بنفسه. فقال المخترع: أريد قمحاً! ضع لي في أول مربع من لوحة الشطرنج حبة قمح واحدة، ثم في المربع الثاني حبتين، وفي الثالث ضعف الثاني، وهكذا ضع لي في كل مربع ضعف ما تضع في سابقه حتى تمتلئ المربعات كلها (وعددها أربع وستون). فأمر له الإمبراطور بذلك. فلما ذهب به الوزير ليعطيه القمح اكتشف أنها خدعة كبيرة وأنه لا يمكن تلبية طلبه! لكن لماذا؟

عندما نعطي هذه المسألة لطلابنا يحاول بعضهم حسابها ذهنياً، ثم يمسكون بالورقة والقلم، ثم يحاولون بالآلة الحاسبة، ثم نرشدهم بأن الآلة الحاسبة لن تستوعب الأعداد الكبيرة بل لابد من الحاسوب! وعندها يكتشفون أن عدد الحبات يبلغ قريبا من اثنين وأمامه تسعة عشر صفراً، ومعروف أن وزن الألف حبة يتراوح بين 20-40 جراماً، أي 30 جراماً في المتوسط، فيكون وزن القمح المطلوب يعادل إنتاج العالم من القمح لمدة 790 سنة وذلك حسب الإنتاج العالمي لسنة 2011 والبالغ 700 مليون طن. ربما لا أحد يصدق هذا الرقم غير المعقول لمسألة حسابية بسيطة، لكن جربوا وستصلون إليه.

ونعود إلى حاجات النازحين، حيث يقول تقرير صدر عن الأمم المتحدة في اليوم العالمي للاجئين في 20 يونيو/حزيران 2013م بأن هناك مهجّر كل أربع ثوانٍ على مستوى العالم، وأن الأزمة السورية أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب الباردة، حيث نصف سكان سوريا مهددون بالتهجير مع نهاية العام الحالي لأسباب أهمها الدمار الواسع والقصف اليومي والانتهاكات الجنسية. علماً بأن نصف اللاجئين هم من الأطفال الذين أصبحوا بعيدين عن مقاعد الدراسة منذ عامين.

وإذا كان التقرير يتحدث عن نصف السكان في نهاية العام الحالي فإن اللاجئين اليوم أكثر من خمسة ملايين، مليونان في الخارج وثلاثة ملايين في الداخل. وإذا افترضنا أن كل واحد من هؤلاء يحتاج فقط لعشرة ريالات يومياً، فهذا يعني خمسين مليون ريال في اليوم، أي مليار ونصف في الشهر، أي ثمانية عشر ملياراً في السنة.

إنه رقم مذهل حقاً! فأي منظمة إغاثية تستطيع جمعَه؟ وأي دولة من الدول المستضيفة تستطيع أن تتحمل نفقاتهم؟ بإمكاننا أن نبحث في الإنترنت لنرى ميزانيات الدول المستضيفة ونستنتج إن كانت تستطيع الإنفاق عليهم أم لا. وعندها ستتم الإجابة على سؤال الكاتبة المذكور في بداية المقال: لماذا مازال وضع اللاجئين مزرياً. هذا كله دون الحديث عن تكاليف إقامة المخيمات والرعاية الصحية وإنشاء المدارس والإنفاق عليها.

نحن في شهر رمضان الذي تجود به النفوس أضعاف ما تجود في غيره، إنه شهر الخير، والناس يحبون لإخوانهم ما يحبونه لأنفسهم. وإنه مطلوب من الإنسان أن يضع ما يدفعه في أيد أمينة، وليتحقق قدر استطاعته، فإن حصل خلاف ذلك فليعلم أنه مأجور على نيته. وقد ورد في الحديث النبوي قصة رجل خرج بصدقته ليلاً بعيداً عن أعين الناس، فوضعها في يد زانية، وهو لا يدري أنها زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصدق الليلة على زانية! فخرج في الليلة التالية بصدقته، فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على غني! فخرج في الليلة التالية بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأُتِيَ فقيل له: أما صدقتُك فقد قُبِلَتْ. أما الزانيةُ فلعلها تستَعِفُّ بها عن زناها. ولعل الغنىَّ يعتبر فينفق مما أعطاه اللهُ. ولعل السارقَ يستعفُّ بها عن سرقتِه).

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 44)

الطليعة المقاتلة في اللاذقية

محمد فاروق الإمام

كان الوضع في اللاذقية كما هو في حلب، حيث حاول الأخوة من تنظيم الطليعة المقاتلة في حماة إرسال بعض العناصر لتنشيط العمل في اللاذقية بالتعاون مع إخوة من المحافظة، إلا أن هذه الجهود أيضاً لم تكن تفي بالمطلوب وتعرضت للكشف والانهيار بسبب ضعف التنظيم هناك وقوة شوكة الطائفة العلوية في المحافظة .

الطليعة المقاتلة في حمص

أمّا في حمص فقد تهاوى العمل العسكري بشكل كاملٍ تماماً بعدما تمكنت السلطة من تجنيد عدد من الجواسيس في صفوف الإسلاميين، وقد أدت المواجهات والاعتقالات في صفوف الطليعيين إلى قتل العشرات واعتقال المئات منهم، كما وتم للسلطة كشف العديد من القواعد في المحافظة .

الطليعة المقاتلة في حماة

أمّا في حماة فبالرغم من أن الأوضاع والظروف الأمنية لم تكن بأحسن حالاً مما عليه بعض المحافظات الأخرى إلا أن تنظيم الطليعة كان يُبدي تماسكاً وصموداً كبيرين في وجه ما يجري حتى هذه الفترة، من هنا كانت محاولةالمقاتلين في قيادة الطليعة لاستباق الأحداث والاستفادة من الإمكانات المتبقية لهم مع نهاية عام 1981 في كل من حماة وحلب ودمشق وبعض المحافظات الأخرى على قلتها، وذلك بتسخيرها للقيام بثورة شعبية تدعم انقلاباً عسكرياً في الجيش يقوده ضبّاطٌ إسلاميون في الجيش، إلا أنه ومع تزايد التوتر في الآونة الأخيرة من عام 1981 كانت الاتصالات بين هذه الفصائل قد انقطعت صلتها مع القيادة تماماً، وأخطر هذه الحالات كان اعتقال مراسل قيادة الطليعة المقاتلة بين حماة ودمشق كما مرَّ معنا وانقطاع الأخبار عن تنظيم دمشق نهائياً مع مطلع عام 1982 وبالتالي غياب التنسيق فيما بينهم .

وكذلك كان على القيادة في حماة أيضاً أن تجد حلاًّ لبضع عشراتٍ من الأخوة طلاّب جامعة حلب المحاصرين في مدينة حلب والذين انقطعت فيهم السبُل بعد انكشاف تنظيمهم هناك، وفعلاً وفي أواسط شهر كانون ثاني 1982 تمكن الأخوة من تهريب حوالي عشرين من الأخوة وإيصالهم إلى حماة وتوزيعهم على عدّة قواعدٍ فيها، بالإضافة إلى تمكن بعض الأخوة بجهودهم الخاصّة من مغادرة حلب ودخول حماة بشكل إفراديّ وجماعيّ .

أمّا في حماة نفسها فكان تنظيم الطليعة بكامله قيادة وعناصر يعانون معاناةٍ شديدة من ضغط السلطة الأمني على المدينة، فمسلسل الاشتباكات اليومية في شوارع المدينة، وانكشاف العديد من القواعد، واعتقال المئات من المقاتلين وذويهم لم ينقطع طوال كل الفترة الماضية، وحسب تقديرات القيادة بلغ عدد الشهداء من الطليعيين أكثر من مئة مقاتل وعدد المعتقلين تجاوز بضع مئات منهم، وأصبح تأزم الوضع وتعقيداته هاجساً يومياً للقيادة التي لم تعد ترى أيَّ فائدة من الانتظار، لأنه في الواقع كان الانتظار عملية موت بطيء وإفناءٌ لإمكانيات الطليعة في حماة وفي سورية ككل .

يقول أحدهم: (كان الأسى والحزن يعصف بنا ونحن نرى الأخوة يُستشهدون تباعاً، والقواعد تُدمر واحدة بعد أخرى، وأصبحنا لا نأمنُ على أنفسنا حتى من بزوغ شمس النهار أو حتى حلول ظلام الليل، وأصبح الأخوة في حالة دفاع عن النفس وبلا أي تحرك مدروسٍ، وهم في انتظار التعليمات الجديدة من القيادة والمتوقعة في أية لحظة. ولم يكن أحدٌ يعلم لماذا هذا التأخير وما هي أسبابه؟ أو حتى إن كان هناك مَنْ يريد أن يُعطِّل اتخاذ مثل هذا القرار " قرار المواجهة الشاملة مع النظام الطائفي")؟

بدأت الطليعة تشعر أكثر من أي وقت مضى بأن السلطة قد أعطت الصلاحيات المطلقة للجيش وسرايا الدفاع والوحدات الخاصة وللأجهزة الأمنية المختلفة وحتى للعملاء والجواسيس بتدمير المدينة وإبادة شعبها، وحتّمت عليهم الحالة والظروف هذه أن يتفقد كلٌّ منهم من يعرف من رفاقه يومياً، بل صاروا يتفقدون بعضهم صباحاً ومساءً خوفاً من أن يُعتقل أحدهم فيقعوا في مصيدة الأمن، خصوصاً بعدما حصل قدرٌ من الانفتاح أكثر من اللازم بين عناصر الطليعة بسبب التطورات السريعة والأوضاع المتأزمة التي كانت تعصِفُ بهم فلم يعد يتوقع أحد من أين سيأتيهم الخرق فقد أصبح كل شيء ممكناً ومتوقعاً.

وقد تبين لهم فيما بعد أنه كان هناك تضارباً في التوجهات لم يعرفوا أسبابها لدى قيادة الطليعة في الخارج حول تبني قرار إعلان الثورة في سورية رغم ما بين أيديهم من معطيات وأسباب قوية تجعلهم يتخذون قرار المواجهة بأسرع ما يمكن.

كانت الأمور في حماة ليست هادئة، بل على العكس كانت الأمور في حماة تغلي مثل المرجل والمواجهات على أشدها بين الطليعة والسلطة، إلا أن الفارق الوحيد بين الماضي والحاضر هو أنه في الماضي أي قبل سنة أو سنتين أو أكثر كان عناصر الطليعة هم الذين يحددون ضربتهم وأين وكيف ومتى، أما في النصف الثاني من عام 1981 أصبحوا في موقع الدفاع عن النفس في أغلب الأحوال تجاه ما يحدث.

استفزاز التنظيم في حماة

والإعلان عن النفير

اتبعت الأجهزة الأمنية السورية ما يعرف في أساليب مكافحة حرب العصابات بـ(استفزاز العصابيين) وقد أنهكت هذه الإستراتيجية تنظيم الطليعة في حماة تماماً، وكشفت معظم قواعده، وباتت قاعدته القيادية المركزية مرشحة في كل لحظة للانكشاف والسقوط. من هنا أخذ عمر جواد (أبو بكر) القائد الميداني للتنظيم يخطط للمواجهة وإعلان النفير. وكان ذلك يعني أنه قد وقع تماماً في فخ خطة (استفزاز العصابيين) التي تستهدف أساساً إخراج (العصابي) من مكمنه، فالقاعدة هي أن العصابات المحاصرة تخسر دوماً معركة المواجهة والدفاع المتمركز في منطقة محدودة.

يتبع

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 43)

انقطاع الاتصال بين مقاتلي الطليعة في حماة ودمشق

محمد فاروق الإمام

مع تمكن المحنة من الطليعة في حماة في مطلع عام 1982 انقطع الاتصال بين قيادة الطليعة في حماة وبين قيادة الطليعة الميدانية في دمشق والتي كان على رأسها أيمن شربجي، وذلك بسبب اعتقال المراسل بين حماة ودمشق في ظروف غامضة لم يعرف عنها شيء، والجدير بالذكر أن أيمن وقيادة الطليعة كانوا في أعلى درجات التنسيق فيما بينهم منذ مقتل يوسف عبيد قائد منطقة دمشق وتسلُّم أيمن شربجي زمام القيادة في دمشق، وقد نقل أيمن العمل العسكري في دمشق نقلة نوعية أرعبت السلطة وجعلتها تحسب له ألف حساب، خصوصاً بعد أن تمكن من توجيه ضربات نوعية إلى مبنى رئاسة الوزراء، والآمرية الجوية، ومقر الخبراء الروس، وغيرها من هذه العمليات التي أصبحت السلطة تفكر فقط أين ستكون الضربة القادمة؟

 

 وضع العمل العسكري للطليعة المقاتلة في المحافظات مع نهاية 1981

كان الخط البياني للثورة خلال السنوات القليلة الماضية في تصاعد مستمر حتى عام1980، فقد استقطبت الطليعة المقاتلة جماهير عريضة من الشعب، وكان تلاحم الشعب ووقوفه بكل فئاته وشرائحه السياسية في وجه النظام القمعي الطائفيّ واضحاً بتحرك النقابات المهنية وإضرابها الشهير في30/3/1980 .

إلا أن الإجراءات القمعية والتعسفية التي مارستها السلطة بحق الشعب ومن ورائه حركة الإخوان المسلمين هو إعلان حرب إبادة وتصفية لخصومها، فقد أصدر حافظ الأسد المرسوم 49 بتاريخ 7/7/1980 والقاضي بإعدام كل من ينتسب للإخوان المسلمين وبأثر رجعي، كما وقامت السلطة أيضاً بحصار وتفتيش مدينتي حلب وحماة عشرات المرّات على وجه الخصوص وللمدن والقرى السورية الأخرى على وجه العموم (في عام 1980 اقتحم فجر أحد الأيام اللواء 21 التابع للفرقة الثالثة التي احتلت حلب بلدة عندان الواقعة شمالي مدينة حلب وكان عدد الآليات بين دبابة ومدرعة وناقلة جند تزيد على 120 آلية، تحمل أكثر من ثلاثة آلاف جندي وضابط عاثوا في المدينة فساداً ورعباً واعتقلوا العشرات ومارسوا بحقهم أقسى أنواع التعذيب والإهانة أمام أهليهم وذويهم، وحملوهم عند مغادرتهم للبلدة إلى مدينة حلب وأودعوهم سجن ثكنة هنانوا وساموهم هناك ألوان وألوان من التعذيب الذي خلف على ظهورهم وجنوبهم وأقدامهم الندبات والآثار العميقة للسع السياط، وكان أكثر من مورس بحقه هذا العذاب النخبة المثقفة من حملة الشهادات العالية)، وواجهت بالقمع والقتل والسحق والانتقام من الأبرياء كل أشكال المعارضة للضغط على المقاتلين عن طريق إيذاء أهاليهم وذويهم، ولم تأخذهم رأفة ولا شفقة بطفل ولا فتاة ولا امرأةٍ ولا شيخ ولا أم ولا أب ولا أخ ولا أخت، أصبح المهم عندهم هو ممارسة فنون التعذيب والإذلال على هؤلاء العزّل بعد أن عجزوا عن مواجهة المقاتلين.

وبدأ العد التنازلي لمكانة المقاتلين التي اكتسبوها من أعمالهم البطولية في مواجهة السلطة بسبب تراجعهم أمام ما يحصل للأهالي من ظلم وقمع وتعسف على يد السلطة الباغية، وذهبت كثير من الإمكانات أدراج الرياح، وانقلبت الأحوال وتبدلت الظروف والمعطيات.

تنظيم الطليعة المقاتلة في دمشق

كان تنظيم الطليعة قوياً جداً في بدايات تأسيسه في عهد الشيخ مروان حديد ومن بعده الدكتور عبد الستّار الزعيم، وقد تعرّض التنظيم لنكسة حقيقية باعتقال مجموعة من أنشط أعضائه وعلى رأسهم يوسف عبيد، وبعدما آلت قيادة التنظيم لأيمن شربجي تمكنت الطليعة في دمشق من تنفيذ عدة عمليات نوعيّة ضد السلطة كانت قمتها في عام 1981 عندما تم تنفيذ عمليات تفجير مبنى رئاسة مجلس الوزراء وقيادة القوى الجوية ومقر الخبراء الروس، إلا أن الوضع الأمني للطليعة تدهور نسبياً إذا ما تمت مقارنته في السابق، حيث وبالرغم مما حصل لعناصر الطليعة من مداهمات واعتقالات إلا أنهم بقوا يحتفظون بهامش من السريّة والقدرة على الحركة.

الطليعة المقاتلة في حلب

في الواقع حلب لم يكن بها أي نوع من أعمال المواجهة العسكرية مع السلطة نهائياً في ذلك الوقت، بل يمكن القول أنه كانت توجد بعض الإمكانات المبعثرة وبعض الشباب المتقطع الأوصال، ومن المعلوم أن تنظيم الطليعة المقاتلة في حلب والذي كان بقيادة عدنان عقلة قد سلك أسلوب التصعيد مباشرة بعد أحداث عملية مدرسة المدفعية، ولم يكن هذا التصعيد متناسقاً ومتناغماً مع المحافظات الأخرى ومع خطط الطليعة ككل للوصول إلى ساعة الحسم العسكري مع النظام، وقد تسبب هذا التصعيد في انفتاح المقاتلين على بعضهم وتشابك المجموعات تنظيمياً وحركياً وفقدان عامل الأمان الأساسي المتمثل باستقلالية كل مجموعة عن الأخرى، مما زاد من مخاطر كشف المقاتلين بعد انكشافهم على بعضهم البعض بواسطة القيام بعمليات عسكرية مشتركة تستلزم أعداداً كبيرة من المقاتلين أو بسبب تنقلاتهم بين القواعد بسبب انكشاف بعض القواعد واضطرار البعض للذهاب من واحدة إلى أخرى، وأسبابٍ كثيرة أخرى ساعدت على تهاوى العمل العسكري بحلب وكشف عناصره وقواعده بهذه الوتيرة المخيفة، حيث قدرت مصادر الطليعة المقاتلة عدد القتلى في حلب خلال الفترة من عام 1979 بعد أحداث مدرسة المدفعية وحتى أواخر عام 1980 بما يقارب من أكثر من 600 عنصر واعتقال المئات وتشريد الآلاف داخل سورية وخارجها، وكشف العشرات من قواعدها، بينما تقول نفس المصادر بأنّ عدد القتلى من مقاتلي الطليعة في حلب خلال الفترة السابقة فيما بين انطلاق العمل العسكري وحتى مدرسة المدفعية بحوالي 60 مقاتل.

وبعد انهيار تنظيم الطليعة في حلب في أواخر عام 1980 حاول بعض القادة من تنظيم الطليعة المقاتلة في حماة وغالبيتهم كانوا من طلاب جامعة حلب القيام بشيء ما في حلب لتخفيف الضغط عن حماة، إلا أن هذه الجهود كانت بسيطة وغير كافية والاتصالات بمن تبقّى من الحمويين في حلب من شباب التنظيم الذين تقطعت بهم السُبُل بعد أن انكشف أمرهم للسلطة لم تكن في معظم الأحوال سهلة ومأمونة، كما وكانت تنقص الحمويين الخبرة الميدانية في المدينة وكذلك الإمكانات الأخرى المتعددة، وبالرغم من ذلك كله قام هؤلاء بفعل شيء ما، إلا أنهم شكّلوا فيما بعد عبئاً جديداً على القيادة في حماة بعد انكشاف تنظيمهم في حلب، وسعت القيادة سعياً حثيثاً لتأمين طريقة لإيوائهم في حلب أو توصيلهم إلى حماة على أسوأ تقدير، وبالرغم من أن الأوضاع في حماة كانت سيئة للغاية في مطلع شهر كانون ثاني 1982 إلا أنها كانت أفضل من حلب، وبالتالي كان يمكن تدبير الأخوة في حماة بطريقةٍ أو بأخرى.

يتبع

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 42)

مأساة تبديل بطاقات الهوية الشخصية في حماة

محمد فاروق الإمام

ابتداءً من مطلع شهر تشرين أول 1981 قامت السلطة بالبدء باستبدال بطاقات الهوية القديمة بأخرى جديدة من نوع آخر، وكانت السلطة قبل ذلك بعامٍ تقريباً قد أصدرت أمراً للمواطنين بضرورة تقديمهم طلبات للحصول على بطاقات هوية جديدة بدل بطاقات الهوية الشخصية القديمة التي تقول السلطة أن الإخوان المسلمين تمكنوا من تزوريها وتوزيعها على مستوى واسع في البلاد، وكان مركز استلام بطاقات الهوية الشخصية فخّاً كبيراً لاعتقال من تريد السلطة اعتقاله، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت السلطة ومن خلال دورياتها الراجلة بنصب حواجز تفتيش ثابتة وغير ثابتة تفاجئ المواطنين للكشف عن هويَّاتهم الجديدة، واتخذت من هذه اللعبة القذرة ذريعةً لإهانة الناس وخصوصاً منهم كبار السنِّ المُسنين من النساء والرجال، أمّا الشباب الذين لم يكونوا يحملون هذه البطاقات الجديدة فكانوا يلاقون أقسى أنواع التعذيب والاضطهاد حتى يتبين للمجرمين ويتأكدون بأن ذلك الشاب أو تلك الفتاة لم تستلم بعد بطاقتها الجديدة، وكثير من الشباب اختفى من على هذه الحواجز الثابتة والطيّارة. 

اضطهاد السلطة للناس في شوارع حماة

لقد صبّت السلطة العذاب والقمع على سُكّان مدينة حماة جملةً واحدة، فلم تميز حقيقة بين مسلم ومسيحي ولا بين إخوانيّ أو بعثيّ، فأولاً يأخذ كُلٌّ نصيبه من التعذيب والاضطهاد ثم يرى قائد الدورية من يكون ذاك الشخص الذي أمامه، فبداية أول ما يوقفوا شخصاً ما للتفتيش والاستفسار عن هويته توجه إليه البنادق من كل صوب وتوجه المسدسات إلى رأسه وتحيط به الرشاشات من كل جانب، وكل ذلك يتم بمرافقة السبِّ والشتائم بأبشع وأقذر ما عرفته قواميس الشتيمة والسباب، والويل لمن تشابهت كنيته بكُنية أحد الملاحقين المطلوبين للاعتقال، فعندها يقوم عناصر الدورية بضربه بأعقاب بنادقهم ومؤخرات مسدساتهم على رأسه ووجه وأنحاء جسمه المختلفة، وإذا ما سقط إلى الأرض تناولته أقدامهم بالركل والرفس كالبغال والحمير الهائجة، ولا يخرج الشخص من هذه الحفلة إلا وقد أدمى رأسه وجسده، وكثيراً ما كانت تتكسر بعض أطرافه.

ومن الصور التي شاع استخدامها لإذلال المواطنين وقمعهم وإهانتهم وتمزيق كرامتهم هو إخراج الناس من بيوتهم عند تطويق أحد الأحياء وتفتيشه، وذلك بإيقافهم ووجوههم إلى الجدار ولساعات طويلة وعلى رجل واحدة مرفوعي الأيدي، ثم يقوم بعض الزبانية بضربهم بشكل عشوائي بالسياط على ظهورهم وأرجلهم والويل لمن تذمر أو اعترض، ثم تبدأ حلقات التعذيب المختلفة فيختارون عدداً من الناس فيحلقون نصف شعر رؤوسهم، والبعض يحلقون لهم نصف الشارب، والبعض الآخر يحرقون لهم بالنار لحاهم وينتفونها للبعض الآخر، أو يطلبون من الرجال المُسنين الذين تجاوزوا السبعين من العمر أن يرقصوا وبقوة، ويأمرون بعض الناس على الاستلقاء على الأرض ويرغمون بعضاً آخر أن يدوسوا فوقهم بأرجلهم، أو يرمونهم على منحدر قاسي فيتدحرجون وبقسوة إلى أسفل الحفر، ويأمرون بعضاً آخر من الناس بالركوع والسجود لصورة حافظ الأسد ومن يرفض تفقأُ عينه حتى يركع ويسجد، وإذا رفضَ فيكون مصيره القتل.

هذه صورٌ بسيطة من التعذيب والاضطهاد الذي كانت تمارسه السلطة ضد أهالي مدينة حماة أبي الفداء الباسلة التي كانت عصية على الفرنسيين، وأخيراً وبعد نهارٍ طويل من التعذيب الوحشيّ يعود من يعود من الناس إلى بيوتهم مقهورين مُهانين، فكيف لا يريد هؤلاء أن يبقى الشعب يُكنُّ لهم أي نوع من الحب أو حتى الكره البسيط، لا بل إنه حقد وكره ملأ جنبات قلوبهم ضدهم.

مداهمة السلطة لقاعدة احتياطية لقيادة الطليعة في حماة

بتاريخ 17/1/1982 داهمت السلطة بأعداد كبيرة من الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع والمخابرات العسكرية قاعدة مسلم الطمّاس ( مريوما ) في حيّ الشيخ عنبر، وكان ترتيب هذه القاعدة هو الثاني من حيث الأهمية حيث تضم بعض القادة في تنظيم الطليعة المقاتلة بعد أن انقسمت القيادة إلى قسمين خوفاً من حصول مكروه لأعضاء القيادة وهم في قاعدة واحدة، وبعد اشتباك عنيف مع قوّات الوحدات الخاصّة والمخابرات استمر لعدة ساعات قتل في القاعدة مجموعة من الطليعيين ونجى من الموت صاحب البيت وهو جريحاً جراح بالغة نتيجة إصابته بشظايا قذيفة R.B.G. .

مداهمة السلطة لقاعدة حي السخّانة في حماة

بتاريخ 22/1/1982 وبعد وصول مجموعة من طلاب جامعة حلب إلى حماة واستقرارهم في إحدى القواعد في حيّ السخّانة بحماة، انكشف أمر القاعدة وقامت السلطة بمحاصرتها بأعداد كبيرة من الوحدات الخاصّة وسرايا الدفاع والمخابرات العسكرية، ودارت اشتباكات عنيفة حول القاعدة استشهد على إثرها عدد من الأخوة وتمكن البعض الآخر من الإفلات من هذا الحصار المريع حول القاعدة، ومما رواه أحد الناجين من هذه القاعدة أنه لم يتمكن من متابعة الخروج من منطقة الحصار حول القاعدة بسلاحه الكامل، فرمى بندقيته واحتفظ بمسدسه وغادر المنطقة من بين الجنود المحاصرين والقتال حول القاعدة يكاد لم ينتهي بعد وهو يقرأ سورة ياسين، ونجى ووصل إلى مكان آمن حيث اتصل برفاقه الطليعيين ونقل لهم تفاصيل ما جرى.

يتبع

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 41)

الإرهاصات التي سبقت مجزرة تدمر

دوريات السلطة الراجلة في حماة

محمد فاروق الإمام

مع تصاعد التوتر بين الطليعة المقاتلة والسلطة، خصوصاً بعد النتائج التي أفرزتها أحداث نيسان 1981 سيّرت السلطة دوريات راجلة مشتركة على امتداد مدينة حماة، وكانت هذه الدوريات مؤلفة من عناصر الوحدات الخاصّة والمخابرات وعناصر الكتائب الحزبية الذين كان دورهم الرئيسي في الدورية كمخبرين عندما يشاهدون أحد المشتبه بهم يشيرون إليه فيتم اعتقاله أو قتله، وكان عدد أفراد هذه الدورية يتراوح ما بين 15عنصراً إلى 25 عنصراً ويمشون متباعدين وعلى طرفي الشارع خوفاً من الوقوع بكمين أو حتى حصرهم في زاوية معينة ومهاجمتهم، وبهذا التطور الخطير تعقدت الأمور كثيراً وأصبح الناس لا يأمنون على أنفسهم من الدوريات الراجلة والمنتشرة حتى داخل الأزقة والحارات الضيقة والتي كان من صلاحياتها إيقاف كل شخص يريدون تفتيشه واعتقاله أو حتى قتله، وكان العنف والقهر أسلوبهم في التعامل فلم يكونوا يظهروا للناس العاديين في الشوارع من نساء وأطفال وشيوخ أي رحمة أو شفقة، بل كانت نظراتهم إلى من حولهم من الناس موزعةً بين الشك والخوف والارتياب، في حين كان كثير من الجنود غير الحزبيين يتعاملون بأدب واحترام ورحمة مع الآخرين ويقولون للأهالي نحن لا يُرضينا ما نفعله هنا ولكن والله ما باليد حيلة، إلا أن هؤلاء الجنود لا يتأخرون عن مساعدة أي أحد من الأهالي عندما تسمحُ لهم الفرصة وكثيراً ما أبدوا التعاون مع الأهالي أثناء حصار الأحياء أو حتى عند الحواجز الثابتة أو الطيّارة، وكان هؤلاء الجنود مع الأهالي بعيداً عن عيون ضبّاطهم النصيريين الحاقدين على أبناء هذه المدينة، وقد حصلت وقائع كثيرة جداً لتعاون هؤلاء الجنود مع المعتقلين أيضاً حيث كانوا يوصلون الأخبار لأهليهم وعائلاتهم وبالعكس، كما ساهم كثير منهم بتنبيه سكّان الأحياء وعزم السلطة على حصارها وتفتيشها قبل العملية بساعات فيتدارك شباب الحي الأمر ويخرجون من المنطقة أثناء التفتيش.

تمَّ تسيير هذه الدوريات ابتداء من مطلع شهر تشرين أول  عام 1981 بعد أن تم دمج فرعيّ مخابرات أمن الدولة تحت قيادة رئيس فرع أمن الدولة بحمص المقدم مصطفى أيوب وبين فرع أمن الدولة بحماة الذي كان برئاسة الرائد راغب حمدون وهو من مدينة حماة، أمّا أيوب فقد تم تكليفه بإدارة العمليات لكلتا المحافظتين بحجة أنَّ أداء الفرع بحماة لا يُرضي طموحات الأسياد، فجاء مصطفى أيوب بهذه الفكرة الشيطانية، والمقدم مصطفى أيوب شيعي من متاولة جنوب لبنان منطقة بنت جبيل، هاجر مع أهله إلى مدينة درعا في سورية وانتسب للجيش وتخرج على يدي الطائفي محمد الخولي وانتهى به المطاف رئيساً لفرع مخابرات أمن الدولة بحمص، وفي شهر تشرين أول 1981انتُدِبَ لرئاسة فرعي حمص وحماة بعد أن تم دمجهما، أيوب هذا الذي اخترع فكرة الدوريات الراجلة المشتركة بين عناصر المخابرات والوحدات والكتائب الحزبية وإعطائها الصلاحيات المطلقة في اعتقال أي شخص من المارة ولو على مجرد الاشتباه، أو تفتيشه أو حتى بإطلاق النار عليه وقتله أيضاً، واستمرت هذه المرحلة الحرجة لأكثر من خمسة شهور تقريباً ولم تتوقف إلا قبل أحداث المجزرة الكبرى في شباط 1982 بقليل، وسقط نتيجة هذه السياسة الجهنمية العشرات من شباب الطليعة وقياديهم.

دوريات الطليعة المقاتلة الراجلة في حماة

وفي مقابل دوريّات السلطة الراجلة قامت الطليعة المقاتلة بتسيير دوريات راجلة ليلية ونهارية تتألف ما بين ثلاثة عناصر إلى خمسة عناصر، وكان لباس الدوريات النهارية كلباس الناس المدنيين، أمّا الدوريات الليلية فكان لباسهم مختَلطاً على نمط دوريات السلطة مدنياً وعسكرياً بلباس الوحدات الخاصّة، وكانت تُحدد لدوريات شباب الطليعة مناطق نفوذ محددة ولساعات معينة نهاراً أو ليلاً يحظر على كل الإخوة الملاحقين أن يتواجدوا فيها أثناء ساعات الدورية، وكانت مع أفراد الدورية صلاحية مهاجمة وإطلاق النار على أي هدف من أهداف السلطة ودوريّاتها، كما وتم توزيع صوراً لبعض الضباط والحزبيين والمخبرين على عناصر هذه الدوريات لتنفيذ حكم الإعدام فيهم في أي مكان يتمكنون منهم فيه، لقد كان الهدف العام لهذه الدوريات ضرب أية أهداف أمنية للسلطة واردة ضمن قائمة طويلة أُعطيت للمجموعات الضاربة. لم يكن أمام المقاتلين في الطليعة المقاتلة من خَيَارٍ آخر لمواجهة التصعيد الخطير الذي أقدمَ عليه مصطفى أيوب والذي حدَّ من حركتهم وقَلَّصَها إلى أبعد الحدود إلاَّ بأن يخطو خطوة مماثلة لإرباك السلطة والتشويش عليها ومحاربتها بنفس الأسلوب .

وبالفعل تحركت مجموعات الطليعة المقاتلة بتسيير دورياتها وتنفيذ أهدافها في شوارع المدينة وفي وضح النهار مما أربك السلطة كثيراً، وكان أخطر هذه الدوريات هي الدوريات الليلية التي تتخفى بلباس الوحدات الخاصّة، وذات مساء بتاريخ 11/10/1981 أوقفت دورية للطليعة سيارة دورية مشتركة تابعة للسلطة فيها ثمانية عناصر من الوحدات والمخابرات والكتائب الحزبية في منطقة عين اللوزة، وتجرأ قائد الدورية وشهر سلاحه في وجه دورية السلطة وطلب منهم تسليم أسلحتهم باعتبارهم دورية مزيفة تابعة لعصابة الإخوان المسلمين، ولم ينتظر الأخوة عليهم ليتناقشوا بالموضوع حيث بادروهم بإطلاق النار عليهم وتم إعدام الثمانية رمياً بالرصاص وغنم هؤلاء أسلحتهم ومعداتهم وأخلوا المنطقة على الفور، وجُنَّ جنون السلطة لما جرى وزجّوا بقوات عسكرية كبيرة وحاصروا منطقة البرازية والمحالبة وباب البلد عين اللوزة وقامت بتفتيشها بحثاً عن عناصر الطليعة ولكنهم لم يعثروا لهم على أثر. تنبهت السلطة لما يجري في المدينة فصعّدت الأمور أكثر وزجّت بأعداد كبيرة من الدوريات الراجلة والمتحركة في الشوارع التي أصبحت كساحة معركة حقيقية، وباتت أعداد عناصر الجيش والأمن في الشوارع تفوق أعداد الناس في بعض الأحيان، وصارت الاشتباكات بين السلطة والطليعة يومية وعلى مدار الساعة ليلاً ونهاراً، وبدلاً من الضغط على السلطة لتخفيف حملتها زادت السلطة في غيّها وقمعها، وضاقت الأمور على الطليعة أكثر من قبل.

ويروي أحد عناصر الطليعة (الذي طلب عدم ذكر اسمه) أنه  من خلال مقابلاته الميدانية في حماة في تلك الفترة أن أحد مقاتلي الطليعة من الذين شاركوا في هذه الدوريات حدثه قائلاً: (لقد كُلِّفَتْ مجموعتنا ضمن عدة مجموعات أخرى للقيام بتنفيذ هذه المهمة في الفترة الصباحية الممتدة من الصباح وحتى الظهيرة، وباشرنا فعلاً بتنفيذ مهمتنا اليومية التي سارت على أكمل وجه لأكثر من ثلاثة أسابيع، كانت رؤيتي الشخصية لهذه العمليات مختلفة عن نظرة بعض الأخوة لها، حيث كان البعض منهم يرون فيها رداً مباشراً على استفزازات السلطة للمجاهدين، وكنت أرى أن هذه العمليات فاشلة من الناحية العسكرية لعدة أسباب:

أولاً: فيها تعريضٌ مباشر وغير ذي نفعٍ كبير لحياة الإخوة للخطر المحقق في مواجهة المئات من عناصر السلطة يوميا.ً

ثانياً: إنّ فقداننا لأي أخ في هذه العمليات تُعتبر خسارة كبيرة لنا في ظل هذه الظروف القاسية التي أودت بحياة العشرات من شبابنا واعتقال المئات منهم مما يعني خسارة كبيرة للجماعة.

ثالثاً: إنّ الأخ الذي يُستشهد أو يُعتقل من الصعب علينا تأمين بديل له يملك نفس الخبرة والتجربة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لهؤلاء الشباب المتدربين ونحن نسمع من هنا وهناك عن أنَّ موعد الحسم مع السلطة قد اقترب أوانه).

ويتابع الطليعي حديثه فيقول: (حاولت الاعتراض بادئ الأمر على تنفيذ هذه العمليات فلم أُفلح وصِرت كمن يواجه الأمواج العاتية والسيول الهادرة بصدره المنعزل والوحيد، فتوجهات الشباب بمجملها كانت مندفعة بدون تحفظ وراء الاستمرار بتنفيذ هذه العمليات، ثم كررت المحاولة بحزمٍ بعد أن ثبتت لي ولبعض الأخوة عدم وجود ذلك النفع أو تلك الفائدة التي تتناسب وتلكمُ المخاطر التي نتعرض لها أثناء هذه العمليات، ولمَّا لم تفلح جهودي في إقناع أمير مجموعتنا ليقوم هو بالتباحث مع القيادة للعدول عن العملية وإيقافها قررت أن أتصل بالقيادة مباشرةً، وفي مساء ذلك اليوم قمت بكتابة رسالة خطية للقيادة مباشرة وكلّفتُ أمير مجموعتنا بنقلها للقيادة على الفور بخصوص الموضوع المذكور، وتم ترتيب لقاءٍ لي مع أحد الأخوة من طرف القيادة لسماع ما عندي من وجهات نظري حول العمليات الجارية وخطورة تصعيد الموقف أكثر مما هو عليه في المدينة، خصوصاً إذا ما علمنا بأن حركة الأخوة أصبحت شبه معدومة ومن يتحرك منهم كان يلاقي ما يلاقي من تلك الدوريات الراجلة والتي أصبحت شبحاً يلاحق الأخوة في كل مكان، ولم تنقض تلك الليلة حتى تمَّ إصدار الأمر من القيادة بإيقاف عمل تلك الدوريات والتزام الإخوة قواعدهم بفضل الله رب العالمين، ومرَّت أول ليلة بسلام وسطعت شمس نهار أول يوم على هدوء كامل عمَّ أرجاء المدينة ونفوس أهلها.

يتبع

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المشهد في الإعلام السوري

جهاد المومني

الرأي الاردنية

الخميس 1/8/2013

لا غرابة ان يستغل الاعلام الرسمي السوري اتجاهات الرأي العام الغربي والمزاج الشعبي المناهض للتطرف وللحركات الاسلامية وللتشدد الديني ليظهر النظام في دمشق على انه خيمة العلمانية والاعتدال في المنطقة العربية المتجهة بسرعة نحو صراع عميق على اسس دينية وطائفية، وعلى رأي الجعفري مندوب سوريا لدى الامم المتحدة فإن سوريا اليوم هي آخر حصون الاعتدال وتتعرض لمؤامرة لانها كذلك، وهو ايضا الذي خاطب الغرب قائلا ان سوريا اليوم تقاتل نيابة عن كل العالم، ويبدو ان الغرب يقبل بهذه الرواية السورية تماما او انه معجب بما يقوم به النظام السوري كما تدل على ذلك المواقف السياسية للغرب من الحرب في سوريا.

في الاعلام السوري الذراع المساند للدبلوماسية السورية النشطة محاولات واضحة لوضع سوريا في صف الدول الغربية ازاء التشدد ومن الاسلام الراديكالي وموجات التكفير، ويقترب الاعلام الرسمي السوري كثيرا من وضع المعارضين للحكم في الجهة المقابلة له ولنمط الحياة الغربية وللنظام الغربي عموما ومن نظام البعث بعد التحديث عليه في زمن الرئيس بشار الاسد، وكيف ان سوريا دولة مختلفة وذات توجه علماني واضح وتقدم خطابا عصريا مقارنة مع انظمة المنطقة التي تدعم الثورة المناهضة للنظام، ويعمل الاعلام الرسمي في هذه الاوقات على اشاعة فكرة ان الدول التي تدعم الثورة المسلحة ضد نظام الحكم انما هي تعمل ضد سوريا الحديثة التي تنبذ التطرف والتشدد ولها تاريخ حافل في مواجهة الحركات الاسلامية وهذا هو سر الهجمة عليها من قبل دول وانظمة وصفها مندوب سوريا بالمتخلفة وهكذا يصفها الاعلام الرسمي السوري.

شاشة التلفزيون السوري الرسمي تعمل ليل نهار على نقل مشاهد من الحياة السورية لا مكان فيها للتدين كما هي حال المجتمع السوري الذي نعرفه، فلا صور ابدا للنساء المجلببات ولا للرجال الملتحين وقلما يشار الى الجوانب المتعلقة بالطقوس الدينية خاصة في شهر رمضان، فالمشهد على عكس الواقع تماما حيث يبدو الشارع السوري على شاشة التلفزيون مختلفا عما هو في حقيقة الامر وكأن الاعلام هناك يقول للعالم انظر كيف هي سوريا وكيف يخطط هؤلاء الارهابيون لها ان تكون، ولا يغفل الاعلام السوري عن اظهار المسيحيين وغيرهم من الطوائف الدينية في سوريا بكثافة على شاشة التلفزيون الرسمي ويبرع القائمون على هذا الاعلام في جعل المشاهد متعلقا بما يرى من اختلاف بين سوريا التي يعيث فيها الارهابيون تدميرا وبين هذه التي تبدو على الشاشة بعمقها الحضاري وحداثتها بل وفي بعض الاحيان يتجرأ الاعلام السوري على اظهار بعض الديمقراطية ويسمح بانتقادات لم يسبق ان عرفها الاعلام السوري لانها بكل بساطة لم تكن مسموحة ابدا وتدخل ضمن باب المحظورات التي تؤدي الى غياهب السجون والمعتقلات.

وعلى صعيد الوجوه التي تظهر ويتحدث اصحابها للمشاهدين عبر الشاشة الرسمية, فمن الملاحظ ان التركيز الان ينصب على اظهار الوجوه الجميلة وخاصة النسائية وبتركيز على الشباب، في مقابل وجوه اخرى تمثلها العصابات التكفيرية المسلحة تلك التي تظهر دميمة يرتكب اصحابها المجازر ويجبرون الناس على تطبيق الشريعة ويمنعون النساء من قيادة السيارات وينفذون الاعدامات ذبحا بكل من يختلف معهم او يعترض طريقهم، وثمة مقارنات تظهر في الاعلام السوري بين نموذجين واحد يمثله النظام العصري المنفتح على العالم، وآخر هو الاقرب الى النموذج الافغاني والى حكم طالبان، هذا بالاضافة الى الموقف الثابت من التطرف والتشدد الديني في كل الاحوال وهو ما ميز الاعلام السوري دائما طوال حكم البعث.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المساومات على رأس الأسد سبب تأجيل الحسم في سوريا

صالح القلاب

الشرق الاوسط

الخميس 1/8/2013

حتى بعد التخلي عن موقفها السابق والإعلان عن دعمها للجيش الحر والمعارضة السورية بالأسلحة المطلوبة فإن الواضح أن الولايات المتحدة لا تزال لم تحسم أمرها تجاه الأوضاع في سوريا وأنها لا تزال مترددة، سياسيا وعسكريا، وهذا يجعل حتى أصدقاءها يتساءلون عما تريده إدارة الرئيس باراك أوباما وما الذي ينتظره الأميركيون حتى يتخذوا هذا الموقف غير المفهوم وغير المبرر الذي لو أن واشنطن لم تبق لائذة به لما طالت هذه الأزمة، التي أصبحت أزمة إقليمية ودولية لأكثر من عامين، ولما صمد بشار الأسد ونظامه حتى الآن، ولما كانت هناك لا «نصرة» ولا «قاعدة»، ولما استجدت كل هذه التعقيدات التي نراها الآن، ولما وصل الذبح والدمار والخراب إلى هذا الحد المرعب الذي وصل إليه.

جاء قرار تسليح الجيش الحر والمعارضة السورية، بعد طول تردد وبعد الاستمرار بالتلطي وراء مبررات لا هي مقنعة ولا هي مقبولة، من بينها الخوف والحرص من وصول الأسلحة «النوعية» الأميركية إلى التنظيمات المتطرفة والإرهابية على غرار ما جرى في أفغانستان، مفاجئا ومثيرا للكثير من التساؤلات التي لا تزال تطرح حتى الآن مع أنه كان واضحا ولا يزال واضحا أن دافع هذه الخطوة «الدراماتيكية» التي أقدمت عليها إدارة الرئيس باراك أوباما، بعد طول تردد و«ممانعة»!!، هو الضغط على روسيا في إطار مبارزة تبادل عض أطراف الأصابع وحملها على الالتقاء مع وجهة النظر الأميركية عند نقطة معقولة ليصبح بالإمكان عقد مؤتمر «جنيف2» في أقرب وقت ممكن والاتفاق على حل يضع حدا لهذه الأزمة التي غدت مستفحلة وغدت تهدد الشرق الأوسط كله وفقا لما كان هدد به بشار الأسد مرارا وتكرارا منذ بدايات انفجار هذا الصراع المرعب الذي اتخذ طابع هذه الحرب التدميرية.

ولعل ما يعزز وجهة النظر هذه أن هدف هذه الخطوة، التي أقدمت عليها إدارة الرئيس باراك أوباما، ليس ضمان انتصار الجيش الحر ولا تعديل موازين القوى العسكرية بين نظام بشار الأسد والمعارضة السورية وإنما الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأركان حكمه للقبول بالتسوية التي لا تزال يلفها الغموض والتي يتردد لدى بعض الأوساط الدولية العاملة على هذا «الخط» أنها تتعلق بالحصة التي يريدها الروس في سوريا المستقبل وأنها تتعلق أيضا بالثمن الذي من الممكن أن يقبل به الأميركيون لإعطاء موسكو ما تريده، وهل هو رحيل الرئيس السوري فقط أم رحيله هو ونظامه؟!

والمعروف أن سوريا بقيت تشكل مجالا حيويا للاتحاد السوفياتي السابق، ليس منذ استفراد حافظ الأسد بالسلطة بعد حركته التصحيحية في عام 1970، ولا منذ هيمنة الجناح اليساري بزعامة اللواء صلاح جديد على نظام حزب البعث بعد حركة فبراير (شباط) عام 1966 التي من رموزها أيضا رئيس الدولة الأسبق الدكتور نور الدين الأتاسي ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور يوسف زعين ووزير خارجية تلك المرحلة إبراهيم ماخوس، ولا منذ انقلاب «البعث» على حكم «الانفصال» في عام 1964، ولا منذ الوحدة المصرية السورية في عام 1958، وإنما بعد عام 1949 عندما أصبح خالد العظم رئيسا للوزراء في مرحلة تتابع الانقلابات العسكرية في إطار ما سمي: «الصراع على سوريا» الذي أوصل هذا البلد العربي المركزي إلى ما وصل إليه.

وحسب ما تقوله أوساط الجهات الدولية المعنية بهذه المسألة والمتابعة لها فإن الروس يصرون على بقاء سوريا مجالا حيويا، عسكريا وسياسيا، لهم ولنفوذهم في الشرق الأوسط وعلى غرار ما بقي عليه الوضع في عهد الاتحاد السوفياتي منذ نهايات أربعينات القرن الماضي وحتى الآن، وأن الأميركيين يريدون مقابل هذا أن يسلم لهم فلاديمير بوتين بكل مجالاتهم الحيوية التي استجدت بعد زلازل بدايات تسعينات القرن الماضي إن في أوروبا الشرقية وإن في منطقة بحر قزوين وإن في بعض ما يسمى «الجمهوريات الإسلامية» التي كانت جزءا من الحقبة السوفياتية.. إن الأميركيين يريدون «يالطا» جديدة غير تلك الـ«يالطا» التي تقاسم فيها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية مساحات النفوذ والسيطرة في معظم أجزاء الكرة الأرضية.

وتقول أوساط الجهات الدولية المعنية بهذه المسألة والمتابعة لها أيضا إن عقدة المساومات المحتدمة الآن بين الروس والأميركيين هي أن إدارة الرئيس باراك أوباما تريد حلا في سوريا يتم إقراره في «جنيف2» يستند أساسا إلى تجريد بشار الأسد من كل صلاحياته في المرحلة الانتقالية التي يجري الحديث عنها وتفويض كل مسؤوليات الدولة ومن بينها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والبنك المركزي إلى الحكومة الانتقالية التي من المفترض أن تكون حكومة وحدة وطنية للمعارضة السورية فيها النصيب الأكبر وليس لهذا النظام الحالي فيها، ما قد يوحي بأنه مستمر بعد تجريد رئيسه من كل صلاحياته الرئاسية العسكرية والمدنية وفي كل المجالات وعلى كل الأصعدة.

والمؤكد أن الروس في إطار مبارزة تبادل عض الأصابع هذه هم الذين دفعوا في الآونة الأخيرة في اتجاه كل هذا التصعيد العسكري الذي لجأ إليه هذا النظام بمشاركة حزب الله وإيران وبمشاركة المجموعات الطائفية المسلحة التي استقدمت من العراق ومن اليمن وأيضا من البحرين لإحداث خلل في موازين القوى العسكرية لمصلحة بشار الأسد يمكنهم من فرض وجهة نظرهم على الأميركيين الذين لجأوا هم بدورهم إلى اتخاذ قرار تسليح الجيش السوري للغاية إياها وللسبب نفسه.

لكن ورغم هذا القرار «الدراماتيكي» الذي اتخذته إدارة الرئيس باراك أوباما بالنسبة لتسليح الجيش الحر والمعارضة السورية فإن الواضح أن الأميركيين لم يقطعوا شعرة معاوية مع الروس وأن رهانهم بقي على «جنيف2» وليس على انتصار عسكري تحققه هذه المعارضة، ولهذا فإن وفد «الائتلاف الوطني السوري» بقيادة هذا الشاب أحمد ناصر الجربا الذي أثبت منذ اللحظة الأولى أنه أهل لهذا الموقع ولأكبر منه قد ووجه إن في باريس وإن في نيويورك بأنه لا حل عسكريا لهذه الأزمة وأنه لا بد من التعاطي مع «جنيف2» ولا بد من الاستعداد لحضوره والمشاركة فيه على الأسس التي تم إقرارها في «جنيف1»، والمعروف هنا أن الروس قد ارتدوا على قرارات «جنيف1» وأنهم تنصلوا من الاتفاق على أن لا يكون لـ«بشار الأسد» أي دور في المرحلة الانتقالية التي تم الاتفاق عليها رغم بقائه الشكلي في موقع الرئاسة حتى يوليو (تموز) في العام المقبل 2014.

في كل الأحوال هناك الكثير من الملاحظات التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار، ونحن في مجال الحديث عن هذه المساومات المحتدمة بين الروس والأميركيين التي تجعل الأزمة السورية تستمر في المراوحة مكانها عسكريا وسياسيا، وهي:

* أن الأميركيين رفضوا استقبال وفد المعارضة السوية في واشنطن وأنهم أصروا على أن يكون ذلك الاستقبال في نيويورك التي يقع فيها مقر الأمم المتحدة.

* أن الخارجية الأميركية قد أصرت على أن لا يشارك رئيس هيئة أركان الجيش الحر الجنرال سليم إدريس في هذا الوفد رغبة منها في عدم إعطائه أي صفة عسكرية.

* أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رفض استقبال هذا الوفد وأنه بعد ضغط عربي وافق على اجتماع مع نائبه، ليس في مبنى الهيئة الدولية وإنما في أحد الفنادق المجاورة. ويبقى في النهاية أنه لا بد من الإشارة إلى أن إيران التي أصبحت رقما رئيسا في هذه المعادلة الصعبة لا يمكن أن تقبل بأي تنحٍّ للأسد لا شكليا ولا فعليا ما دامت تعتبر أن خسارة سوريا ستعني خسارة لها في العراق وفي لبنان، وستعني ضربة قاصمة لمشروعها التوسعي في الشرق الأوسط وفي هذه المنطقة العربية كلها.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا يقف بوتين وراء بشار؟!

ياسر الزعاترة

الدستور

الاربعاء  31/7/2013

يتعامل بعض بقايا اليسار العربي مع التدخل الروسي في الشأن السوري كما لو كان جزءا من الحرب الباردة حيث كان الاتحاد السوفياتي يدعم القوى الشيوعية واليسارية في مواجهة “الإمبريالية الأمريكية والغربية”، متجاهلين حقيقة أن روسيا اليوم لم تعد قوة اشتراكية، بل قوة رأسمالية إمبريالية، شأنها في ذلك شأن القوى الأخرى التي تقيس تدخلاتها في الشؤون العالمية بمقدار ما تجنيه من مكاسب على مختلف الأصعدة، ولذلك يبدو رفض التدخل الأجنبي في سوريا عبثيا حين يتجاهل التدخل الروسي، والذي يصل في بعض تجلياته حدود الوصاية على النظام، في ذات الوقت الذي يتجاهل فيه قوميون (ويساريون) أيضا التدخل الإيراني، والذي يجري التعامل معه كما لو أن إيران حركة ثورية مبدأية على غرار غيفارا تحمل سلاحها من أجل نصرة المستضعفين في أي مكان، وليست دولة قومية إقليمية لها مشروعها السياسي الخاص، والذي يتجاوز المذهب حين يتعارض مع مصالحها، كما حصل عندما وقفت إلى جانب أرمينيا ضد أذربيجان في الصراع على إقليم ناغورنو كاراباخ، رغم أن غالبية سكان أذربيجان هم من الشيعة. أما الأسوأ فيتمثل في مقارنة الوصاية الروسية على النظام السوري بدعم كلامي لثوار سوريا من قبل الغرب الذي ظل طوال الوقت يضغط لمنع السلاح النوعي عن الثوار للحيلولة دون الحسم، مع الإبقاء على النزيف مستمرا.

لن نتوقف هنا عند مشروع إيران الذي تحدثنا عنه كثيرا، وسنتوقف عند المشروع الروسي في طبعته البوتينية (نسبة إلى بوتين)، ولنسأل عن الأسباب التي تدفعه إلى هذا المستوى من التصلب في الانحياز لنظام بشار في معركته ضد شعبه.

كثيرة هي الأسباب التي تدفع بوتين إلى هذا المستوى من التعويل على المعركة السورية، لكن ما ينبغي قوله ابتداءً هو أن روسيا في المرحلة السورية تختلف عنها في مراحل سابقة، كما في المرحلة العراقية على سبيل المثال حين سكتت موسكو على احتلال العراق، فقد كانت يومها في حالة ضعف، وإذا قورن الأمر بالمرحلة الليبية، فإن موسكو تعتبر أنها تعرضت لخديعة بموافقتها على التدخل العسكري في ليبيا، مع أنها ربما فعلت ذلك لأنها وجدت أن التدخل واقع لا محالة، ولو من خارج مجلس الأمن، كما في العراق، ولذلك فضلت الموافقة عليه على أمل جني بعض المكاسب بدل الخسارة الكاملة.

في هذه المرحلة يبدو بوتين في وضع جيد، فقد تجاوز أزمته الاقتصادية بسبب أسعار النفط والغاز، وأحكم قبضته على السلطة بعد تهميش معارضيه، فيما تراجع نفوذ الولايات المتحدة بعد هزيمتها في العراق وترنحها في أفغانستان، وصار المشهد الدولي أقرب إلى التعددية القطبية منه إلى الأحادية التي وسمته منذ مطلع التسعينات بعد حرب البلقان التي جاءت عقب تفكك الاتحاد السوفياتي.

هكذا وجد بوتين أن المشهد الدولي صار يمنح روسيا القدرة على احتلال موقع قطب كبير، وذلك بدل البقاء في موقعها القديم كقوة أقل نفوذا يمكن للولايات المتحدة والغرب أن تقدم لها بين الحين والآخر نصائح في احترام حقوق الإنسان والحرية والتعددية.

والحال أن هذا البعد المتعلق باستخدام الملف السوري في استعراض القوة والنفوذ هو الأكثر أهمية في عقل ضابط الكي جي بي، من دون أن يجري تهميش الأبعاد الأخرى المتعلقة بالمصالح والعقد النفسية أيضا، وها إن بوتين يجد نفسه الأقوى بين زعماء الدول، والزعيم الذي يحج إليه الجميع طمعا في التفاهم معه، وهو بُعد نفسي بالغ الأهمية، له كزعيم، ولدولته كقوة وحضور.

في سوريا، ثمة رمزية لبقايا النفوذ الدولي العسكري لسوريا، إذ تتواجد أكبر قاعدة عسكرية روسية في طرطوس، وفي سوريا استثمارات كبيرة في النفط والغاز وتبادلات تجارية، من دون أن يجري تهميش البعد المتعلق بكره بوتين للثورات بشكل عام، فكيف حين تأخذ في كثير من تجلياتها الطابع الإسلامي الذي يذكّره بمعركته الكبيرة في الشيشان والقوقاز، تلك التي لا يمكن القول إنها انتهت تماما في ظل حقيقة أن 15 في المئة من سكان روسيا مسلمون، ووجود دول آسيا الوسطى التي يشكل المسلمون 90 في المئة من سكانها كجزء من النفوذ الطبيعي لروسيا كوريث للاتحاد السوفياتي.

في ذات السياق، لا ينبغي لنا أن نتجاهل البعد الإسرائيلي في مشهد التعاطي الروسي مع الملف السوري، وهنا يفتضح تعاطي المؤيدين للنظام من طائفيين وقوميين ويساريين حين يتوسلون حكاية المقاومة والممانعة، إذ تتبدى روسيا كأحد أهم الدول المتعاطفة مع مطالب الأمن الإسرائيلي، وحين يتوقف بوتين عن تزويد النظام السوري بمنظومة أس300 الصاروخية بناء على طلب نتنياهو، فهذا دليل على سقف التعاطي الروسي مع الصراع العربي الصهيوني، ويصل الأمر حد صمته المطبق على استهداف الطيران الإسرائيلي لشحنة صواريخ “ياخنوت” الروسية المضادة للسفن في ميناء اللاذقية (سكت النظام وإيران وحزب الله أيضا)، ولا ننسى أن روسيا جزء من الرباعية الدولية ذات المطالب البائسة من الفلسطينيين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستربح روسيا معركتها في سوريا؟ الإجابة هي لا؛  لأن الوضع في سوريا لن يعود بحال إلى ما كان عليه قبل الثورة مهما طال أمد المعركة التي ترتب عليها أيضا خسارة روسيا لغالبية المسلمين، لكن الاستنزاف هنا سيكون من نصيب إيران أكثر من روسيا التي لا تدفع غير القليل في المعركة تاركة لطهران مهمة التمويل.

يبقى القول: إن روسيا لا زالت تخدم، ومعها إيران، فضلا عن الغرب، نظرية الصهاينة في التعاطي مع المعركة ممثلة في إطالة أمد المعركة التي تستنزف كل خصومهم (سوريا كدولة محورية، إيران، حزب الله، تركيا، ربيع العرب، مع خلق فتنة سنية شيعية).

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : دماء الساجدين المستباحة من الدبلان إلى عندان ومجلس الأمن المستقيل

01.08.2013

زهير سالم

وسط الصمت واللامبالاة تمضي فصول المأساة الإنسانية بأبعادها . دماء الساجدين تسيل شلالات على مربعات الجغرافية الإسلامية . ولا يكاد الإنسان يتوقف عند مجزرة حتى يفجؤه الحديث عن أختها ؛ في غضون أيام مضت سقط صاروخ سكود على حي باب النيرب في حلب جل ضحاياه ساعة الإفطار من النساء والأطفال ، وقصف المجرمون معرة النعمان فكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال ، وقصف ثالث على من يصلي التراويح في مسجد الدبلان في حمص ،  ورابع على مسجد يتهجى فيه الأطفال كلمات الله في عندان فتتناثر أشلاء العشرات من الأطفال على المكان ..

 

إن الحرب الممنهجة المفتوحة على الركع السجود من أبناء امتنا والتي تمتد من الشام إلى مصر هذه الأيام ،وتتواطأ عليها قوى الشر الدولي والإقليمي لم تعد تخفى على أحد ..

 

ولقد غدت هذه الحرب الشرسة بفصولها الإجرامية وضحاياها من المدنيين والأبرياء  من النساء والأطفال أكبر من كل بيانات الإدانة والشجب والاستنكار ؛ ولاسيما حين تقترن هذه الحرب بفصولها الدامية بالصمت المنهجي واللامبالاة العملية التي ينتهجها المجتمع الدولي بقياداته السياسية ومنظماته الإنسانية .

 

وفي سياق هذه الجريمة الدولية ضد الركع السجود من أبناء شعوبنا  نؤكد :

إن هذه الحرب وهذه المجازر بحصادها الدامي لم تعد أحداثا عارضة يرتكبها حكام طغاة مستبدون ، بل غدت سياسة ذات أبعاد دولية وإقليمية معتمدة ومقررة يتوزع أطرافها الأدوار ويتحملون جميعا المسئولية الأخلاقية والسياسية والجنائية ..

 

وسيكون لهذه الحرب المفتوحة على الركع السجود من أبناء أمتنا وعلى الشريحتين الأضعف من أبناء مجتمعاتنا– النساء والأطفال -  بين من يقترفها ومن يدعمها ومن يصمت عليها مكتفيا دائما بشجب شاحب لا يسمن ولا يغني من جوع ، استحقاقاتها الخطيرة الكفيلة بحسمها إذ يصر مجلس الأمن الدولي ومنظماته التابعة على الاستقالة من مهماتهم الأساسية المناطة بهم ، وفق القانون الدولي ؛ وهي حفظ الأمن والسلم الدوليين ، وحماية المدنيين ، وصيانة ما توافق البشر على احترامه تحت عناوين شريعة حقوق الإنسان . إن الاستحقاق العملي لهذه الاستقالة غير المسوغة ولا المفهومة هو أن يتحول العالم إلى غابة بلا شرعة ولا قانون وهو أخطر ما تنحدر إليه حضارة الإنسان . إن التحذير لا التهديد عمليا هو المفهوم العملي لهذا البيان .

 

من واجبنا مرة أخرى أن نحذر من خطورة وتداعيات أن تحل التصرفات الغرائزية مكان السياسات الإنسانية والمدنية . إن لجم هذه الغرائز من جميع الأطراف وليس إطلاقها هو المطلوب .

 

من بين أشلاء  الساجدين في الدبلان وبقايا أعضاء الأطفال الغضة في معرة النعمان و في عندان نستمطر الرحمة لشهداء أمتنا ، نستمطر الرحمة للأطفال والنساء يقتلهم سلاح المجرمين ولامبالاة المتواطئين .

 

القتل سيجر القتل  والغريزة ستهيج الغريزة ..

 

23/ رمضان المبارك 1434

1 / 8 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وحشية النظام وخفة المعارضة

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء  31/7/2013

ليس هناك اليوم أي شيء عادي أو طبيعي لدى السوريين: نظامهم متوحش إلى الحد الذي يجعله يقاس بمعايير يستحيل أن تكون على علاقة بالإنسان وقيمه. ومعارضتهم منقسمة، متناقضة ومتصارعة، وعاجزة في الوقت نفسه إلى درجة تكاد تخرجها من عالم السياسة، وتجعل من المحتم إدراج ممارساتها في سياقات فوضوية: منظمة وعشوائية، تحول انقساماتها إلى هدف قائم بذاته، وقبوله إلى شكل توافقها الوحيد المعترف به في ساحة عملها العام. أما جيشهم الرسمي فقد أثبت أنه أشد فتكا وبطشا من أي جيش احتلال مر على أي بلد في عالمنا القديم والحديث: من أيام الفرس والرومان إلى أيام التتار، إلى أيام الغزو الأوروبي وصولا إلى يومنا هذا. بينما يغرق جيشهم الحر في عجز يبدو معه كمن يتفرج دون انفعال على الأحداث، دون أن يفعل شيئا لمواجهتها أو يبدي أي رغبة في القيام بخطى استباقية تحول دون نجاح خطط النظام، بما في ذلك تلك التي يعلن أربابه عنها بكل صراحة. ومع أن هذا الجيش قد يستفيق من حين لآخر، فإن استفاقته تكون غالبا وقتية لا تكفي لاتخاذ تدابير فاعلة تمليها ضرورات الصراع مع النظام المتوحش، لذلك يشعر مقاتلوه بالغضب، وحجتهم أن قياداتهم لا تحسن التصرف ولا تعرف إلى أين تتجه الأمور، فهي تتحدث على اليسار وتوزع ما لديها من سلاح وذخيرة على اليمين أو بالعكس، وتسكت عن تجاوزات خطيرة وكثيرة هنا وهناك، فلا عجب إن تململ الشعب في الآونة الأخيرة من مواقفها وسياساتها، خاصة بعد أن طورت آلية عمل جعلتها أشبه بأمانة مستودع منها بقيادات جيش ثوري مقاتل، ونافست التزاماتها ومواقفها في الخفة وعدم الجدية التزامات ومواقف المعارضة السياسية، مع الفارق الكبير بين نتائج الخفتين، التي تفوق في حال الجيش ما يترتب من ضرر على الخفة السياسية. بينما شعبها حائر لا يفهم ما الذي جعل ثورة أطلقها من أجل حرية ووحدة المجتمع والدولة واستقلال الوطن تنقلب إلى فوضى متزايدة الاتساع، وسعار طائفي لا كوابح له، ومذهبية تأكل الأخضر واليابس، يدفع المواطن ثمنها من دمائه ودموعه. ويزيد من حيرة الشعب أن ما آلت إليه الثورة كان من أهداف النظام، وأنه تم على أيدي أطراف معارضة زعمت طيلة عقود أنها ثائرة، وها هي تباغته بعملها المنظم طيلة عامين ونصف لملاقاته في منتصف الطريق، كأنه هو الذي يرسم خطاها، أو كأنها تتبع سياساته وتتعهد بتنفيذها!

يمثل التناقض بين وحشية النظام في التعامل مع الثورة، وخفة المعارضة في التعاطي مع هذه الوحشية هوة كانت ستبتلع بكل تأكيد البلاد والعباد، لو أن الشعب لم يقدم تضحيات تجل عن أي وصف وتفوق أي شيء كان منتظرا منه. فهل الثورة هي التي كشفت هذا التناقض، مع أنه كان ظاهرا بجلاء قبلها، لكن معظم السوريين تجاهلوه خشية وحشية القمع السلطوي، الذي كان الناس يخافون التعرض لما بلغه من استفحال مريع؟ مهما كان الجواب، فإن نتيجة هذا الوضع تتجلى اليوم في حقائق خطيرة منها أن جميع المعارضين يعلنون عزمهم على التخلص من الخفة التي تسم سياساتهم، لكن أيا منهم لا يبادر إلى اتخاذ ما يلزم من خطوات عملية للتخلص منها، رغم أنه لا يوجد بين أحزابهم حزب أو شخص أو تجمع واحد لا يدعي امتلاك حلول جاهزة تستطيع وضع حد نهائي لها!

سيتأرجح حالنا الراهن إلى إشعار آخر على حبال التناقض الصارخ بين وحشية النظام في تصديه للثورة وخفة المعارضة في قيادتها ومواجهة جيش السلطة. هذا التناقض ليس اليوم، ولم يكن بالأمس، أمرا عارضا أو ثانويا، بل هو نتاج استبداد قتل الشعب طيلة خمسين عاما، ومعارضة هشة قوض القمع المنظم عافيتها ودمر قدراتها وأفقدها الشجاعة وحسن التدبير والتفكير، تقف عاجزة منذ عامين ونصف عن فعل أي شيء مفصلي وحاسم بوسعه إخراج الثورة من عثارها والإفادة من تضحيات شعبها، وتجنب الفخاخ التي يضعها النظام في طريقه، ورسم سياسات تقضي على هوامش المناورة التي تعينه على البقاء، وتعزز تفوق ثورة الحرية الاستراتيجي عليه.

هل هناك ما هو أخطر من تناقض يعاني منه الجميع، ويقرون بوجوده، ويبدون الخوف من نتائجه، لكنهم لا يبادرون إلى العمل كجسم واحد لردم ما يحدثه من هوة في الواقع السياسي والعسكري بين نظام يخطط ويقتل بوحشية ومعارضة تتخبط بين الخفة والعجز؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تحديات تواجه الائتلاف الوطني السوري

عمر كوش

المستقبل

الاثنين 29/7/2013

بعد انتخاب الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة المعارضة السورية رئيساً جديداً، ونواباً للرئيس وأميناً عاماً وهيئة سياسية، فإن القيادة الجديدة مطالبة بأن تؤكد للسوريين أن الائتلاف يشكل مظلة للثورة وحاضنتها، يثق بها السوريون من خلال ما تقدمه على الأرض، وأن تثبت كذلك للمجتمع الدولي أنها تحظى بتأييد وقبول الداخل، كي تحظى بمكانها المستحق في كل المؤسسات الدولية والإقليمية لتمثيل الشعب السوري بمختلف أطيافه ومكوناته. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تقديم بديل سياسي وعملي، يمكنه الإسهام في تغيير موازين القوى، والتأثير على مسارات الثورة السورية، ومن خلال إقناع السوريين بأنها تشكل بديلاً مقنعاً، يثبت جدارته في دعم الثورة، وفي العمل على توحيد عمل الكتائب والمجموعات العسكرية، بالتعاون الوثيق مع قيادة أركان الجيش الحر والكتائب الأخرى، من خلال وضع أسس عملية لبسط السيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتوحيد كافة الجهود لإحداث تغيير في موازين القوى على الأرض، بهدف إسقاط نظام بشار الأسد بكل أركانه، خاصة وأن معركة إسقاط النظام باتت، اليوم، معركة بقاء السوريين أيضاً.

ويأتي انتخاب قيادة جديدة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، في وقت يركز النظام حربه الشاملة المدمرة على المناطق الثائرة، خاصة على مدينة حمص، حيث تخرج نداءات استغاثة من أحيائها القديمة، التي يحاصرها النظام منذ أكثر من عام، ويشن عليه حرباً طاحنة، بمساندة ميليشيات حزب الله، وفق منهج التدمير الشامل والأرض المحروقة، الأمر الذي فرض نفسه على اجتماعات الهيئة العامة للائتلاف في اسطنبول، وألقى بظلال ثقيلة عليها.

وتفرض المسؤولية الملقاة على الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية تحديات واستحقاقات عديدة، في الداخل السوري والخارج، إذ يتعين عليه أن يضع خطة عامة لمواجهتها، يكون منطلقها التوجه إلى الداخل، وهذا يعني التواصل مع كافة الأطياف السياسية والاجتماعية، ومع الجهاز العسكري، ومع القوى الأخرى داخل تشكيلة الهيئة العامة لائتلاف قوى المعارضة والثورة السورية.

ولا شك في أن الاستحقاقات والتحديات المطروحة على قيادة الائتلاف الوطني السوري ليست بالسهلة، وطريق مواجهتها ومعالجتها شاق، ويتطلب عملاً جماعياً، ودعماً داخلياً ودولياً، من خلال وضع خطة واضحة المعالم والأهداف، تقطع الطريق أمام نظام الأسد الآيل إلى السقوط لا محالة، وأمام تلاعب الداعمين له، وبخاصة النظامين الإيراني والروسي، والتحرك دولياً للمطالبة بتحقيق الوعود التي أعلنتها كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وبعض الدول الخليجية، التي تحدثت عن تسليح الجيش الحر، وعن سعيها إلى إحداث تغيير في موازين القوى على الأرض، والاستفادة من ذلك في التعجيل بنهاية النظام الأسدي.

وتتجسد ممكنات تغيير موازين القوى في تأمين الدعم الدولي والإقليمي والعربي الضروري، من أجل تمكين الجيش الحر والمجموعات الأخرى، من تحقيق مزيد من التقدم على الأرض، بما يعني إمداد الثوار بأسلحة نوعية تمكنهم من المقاومة، والاستمرار بالثورة حتى إسقاط النظام الدموي، وتجنيب البلاد المزيد من الويلات والدمار. كما تتجسد في بناء علاقات قوية مع قوى الداخل، من مجالس مدنية ومنظمات مدنية وإغاثية وطبية، واتباع أسلوب تمويل محدد لهذه القوى، وفق آلية معروفة وممأسسة لوصول المال والمعدات إليها. والأهم هو تأمين احتياجات الناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من مواد معيشية واحتياجات ضرورية، وتوفير الأمن لهم وسبل عيشهم الكريم.

ولعل المطلوب من قيادة الائتلاف في المرحلة الحالية هو إنجاز خطة سياسية توافقية طويلة الأمد، يشارك في إعدادها كل أطياف الائتلاف ومكونات المعارضة الأخرى، وذلك بعد انتخاب الهيئة العامة للائتلاف هيئة سياسية، تمثل جميع التيارات والقوى، ما يعني أن تكون أعمال الائتلاف منطلقة من إرادة سورية مشتركة، من خلال تولي جميع الأطراف في الهيئة السياسية مسؤولية الاشراف على عمل الائتلاف في فترة ما بين انعقاد اجتماعات الهيئة العامة له. وهذا يتطلب وضع خارطة طريق، تكون بمثابة خطة تتوافق عليها كل أطياف المعارضة وتتبناها، وتقوم بتوحيد جهود المعارضة، وتقرب أهدافها من بعضها البعض.

غير أن مثل هكذا خطة لن تنجح إلا بالتواصل مع جميع شرائح المجتمع، ما يعني أن وضعها أمام مسؤولية تاريخية في زمن الثورة السورية، وتقتضي من الائتلاف أن يثبت أهليته وجدارته، حيث يتوجب عليه أن يؤكد للسوريين أنه يشكل مظلة للثورة وحاضنتها، يثق بها السوريون من خلال ما تقدمه على الأرض، وأن تثبت كذلك للمجتمع الدولي أنها تحظى بتأييد وقبول الداخل، كي تحظى بمكانها المستحق في كل المؤسسات الدولية والإقليمية لتمثيل الشعب السوري بمختلف أطيافه ومكوناته.

ويشير النظر في الموقف الراهن إلى أن مسار الأحداث في سوريا، مرهون بمدى قدرة قوى الثورة السورية على التأثير في موازين القوى، وتغييرها باتجاه الدفع بكل إمكانيات الثورة في مواجهة النظام، وذلك من خلال إعطاء دفعة قوية لحراك الناس، ووضع رؤية واضحة استراتيجية للمرحلة الراهنة، وطمأنة السوريين، بمختلف أطيافهم وحساسياتهم، والإجابة على مخاوفهم وهواجسهم من المستقبل في مرحلة ما بعد الأسد.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تآكل سوريا وملامح التقسيم

حسين العودات

البيان

الاثنين 29/7/2013

أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بلسان رئيسه صالح مسلم، أنه قرر إقامة ما سماه حكماً محلياً أو إدارياً في مناطق القامشلي والميادين وتل أبيض شمال شرق سوريا، وأكد مسلم أن هذه الخطوة تهدف إلى تأمين حياة الناس المعيشية، وتوفير الأغذية والمحروقات والأدوية لهم، ورعاية شؤونهم اليومية والحياتية، وأنها ليست انفصالاً عن سوريا ولا خطوة في طريق الانفصال، لأن الحزب، حسب تصريح مسلم، يؤمن بوحدة سوريا، وبأن المناطق الكردية جزء من الأراضي السورية الموحدة.

وقد أصدر المجلس الوطني الكردي (الذي يضم ائتلاف عشرة أحزاب كردية أخرى) بياناً رفض فيه هذا القرار، وأكد أن القضية الكردية هي جزء من القضية السورية بشكل عام، وأنها لا تحل، ولا يمكن أن تحل، إلا في إطار نظام سياسي سوري ديمقراطي تعددي، يحترم الحريات وحقوق الإنسان، ومنها حقوق الأكراد، وقال إن النظام السوري المقبل سيضمّن الدستور حقوق الأكراد ويحترمها ويحفظها، واتهم الاتحاد الديمقراطي الكردي بأنه سار بقراره هذا الخطوة الأولى في طريق الانفصال.

وقد هددت الحكومة التركية بدورها، وتوعدت بالعمل ضد هذه الخطوة التي ستحرض الأكراد في تركيا على المطالبة بالحكم الذاتي وبالانفصال مستقبلاً.

لو كان الهدف هو الذي صرح به صالح مسلم، أي الاهتمام بالأمور المعيشية للسكان، لكان الأمر قابلاً للحوار والتداول، إلا أن الهدف الحقيقي كما يعتقد السوريون، هو السير في طريق إقامة الحكم الذاتي، وصولاً للانفصال مستقبلاً، ذلك أن مسيرة الحزب في العام ونصف العام الأخيرين، تؤكد هذا الافتراض.

فقد كان مناصرو الحزب يرفعون في مظاهراتهم العلم الكردي فقط، وعندما سئل صالح مسلم في المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق، وهو نائب رئيسها، عن السبب لم يجب جواباً واضحاً، وإنما بجمل وعبارات غير مفهومة، وقد طلبت منه هيئة التنسيق رفع العلم السوري إلى جانب الكردي في المظاهرات المقبلة، لكنه لم يفعل حتى الآن.

 وفي الوقت نفسه، كان أنصاره يقفون في وجه الأكراد الآخرين وفي وجه المتظاهرين عامة المعادين للنظام، ويقاومون مسيراتهم، ويستخدمون العنف غالباً، والسلاح أحياناً، مما حدا بالفصائل الكردية والسورية والفصائل السياسية السورية، أن تتهم الحزب بالتحالف مع النظام فعلياً، وإن كان ينكر ذلك قولاً، إضافة إلى أنه تسرب خبر من قلب النظام إلى هيئة التنسيق بتحالف الحزب مع النظام، حيث كان يطلعه دورياً على مجمل نشاطات الهيئة.

إضافة إلى هذا، فإن برنامج الحزب الذي أعلن، هو في الواقع أكبر من مشروع الإدارة المحلية أو تسيير الأمور المعاشية، حيث تضمن إصدار دستور، ويكون الدستور عادة للدول وليس للإدارات المحلية، وإجراء انتخابات، وكل هذه وغيرها تتجاوز حاجة الإدارة المحلية.

لقد عانى الأكراد في سوريا خلال العقود الخمسة الماضية معاناة شديدة، فلم يعترف النظام لهم بأي حق ثقافي أو حتى إجرائي، فلم يكن لهم الحق في تعلم لغتهم، أو الاهتمام بثقافتهم، وبقي عشرات الآلاف منهم دون بطاقات شخصية، لأن النظام يعتبرهم غير سوريين (والمفارقة أن هؤلاء غير السوريين يؤدون خدمة العلم)، ونادراً ما كان يقبل أحدهم موظفاً في الدولة، وقائمة الممنوعات عليهم تطول، هذا إضافة إلى الإذلال والاعتقال وغير ذلك.. ومع هذا تنبغي الإشارة إلى أن قضية الأكراد السوريين أكثر تعقيداً مما يظن المراقب..

أولاً: من المتعذر حل قضية أكراد سوريا دون الأخذ بعين الاعتبار أن الأكراد موزعون على أربع دول إقليمية، وهي إيران (8 ملايين) وتركيا (15 مليونا) والعراق (5 ملايين) وسوريا (مليونان)، وهذه بالطبع أرقام تقديرية.. وعلى أية حال، فأي انفصال لأي مجموعة كردية في أي بلد منها، يتعذر إلا بقرار دولي أو إقليمي بإقامة دولة كردية، وهذا يكاد يكون مستحيلاً حالياً، وعليه فمأساة الأكراد ستبقى قائمة إلى زمن غير معلوم.

ثانياً: إن الأكراد السوريين موزعون على سوريا بكاملها وغير مجمعين في منطقة واحدة، وتجدهم في محافظات دمشق وحلب وإدلب ودير الزور والحسكة وغيرها، ويقول الأكراد إن عددهم يتجاوز (3) ملايين، ولكن هذه الملايين موزعة عشوائياً، وقسم كبير منهم لا يتكلم الكردية ولا يعرف عن الثقافة الكردية وعن الأكراد شيئاً، أما الذين يسكنون في مناطق متجاورة، فلا يتجاوز عددهم المليونين غالباً.

ثالثاً: إن القضية الكردية متداخلة و"متلاحمة" مع القضية السورية، أعني أن حلها يقتضي قيام نظام ديمقراطي تعددي أولاً، ثم تضمين الدستور نصوصاً تحترم حقوقهم القومية والثقافية والمعيشية وغيرها من الحقوق.

رابعاً: إن تركيا التي يسكنها خمسة عشر مليون كردي، لهم مطالب قومية وثقافية، ما زالت ترفض حتى الآن إعطاءهم حكماً ذاتياً، وتخشى أي حركة تعطي للأكراد السوريين بعضاً من حقوقهم، لئلا يكونوا مثالاً لأكراد تركيا يمكن الاحتذاء به.

خامساً: تزامن إعلان التجمع الديمقراطي الكردي، مع إعلان آخر للمسلحين من القاعدة وحلفائها يقول إنها ترغب في إقامة إمارة إسلامية في شمال سوريا، وهناك بعض الحمقى من متطرفي أهل النظام يضعون في اعتبارهم إقامة دويلة على الساحل السوري إن خسروا سوريا، ويهيئون الشروط المناسبة لذلك، فهل بدأت سوريا تتآكل؟

لقد ألقى الاتحاد الديمقراطي الكردي حجراً في المياه الراكدة، وحاول انتهاز فرصة الظروف السورية الحالية ليحقق ما يعتقد أنه مكاسب، لكنه في الواقع أسس لصراعات مقبلة بين الأكراد السوريين بعضهم تجاه البعض الآخر من جهة، وبينهم وبين العرب من جهة أخرى، وأربك الجهود التي تبذل لحل المشكلة الكردية لدى الطرفين السوريين العربي والكردي.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

شرق أوسط جديد بنكهة إيرانية

فيصل القاسم

الشرق القطرية

السبت 28/7/2013

دعكم من العقوبات الغربية على إيران. ودعكم من عنتريات الإسرائيليين وتهديداتهم بضرب المفاعل النووي الإيراني، فإسرائيل دمرت المفاعل النووي العراقي وهو قيد البناء، بينما يتفاوض الغرب مع إيران حول مفاعلها النووي منذ أكثر من عشر سنوات بعد أن اكتمل. ودعكم من النغمة العدائية التي تظهر أحياناً في وسائل الإعلام الغربية ضد إيران. ففي السياسة ليس المهم ما تسمعه، بل ما تراه يتحقق على أرض الواقع. ولو نظرنا إلى الإنجازات التي تحققها إيران في المنطقة على حساب الآخرين وبمباركة غربية وأميركية تحديداً لوجدناها إنجازات كبرى وتاريخية بكل المقاييس. فلا تغرنكم البلهلوانيات الأميركية الإعلامية والسياسية ضد إيران، فقد ذكر أحد كبار الخبراء الإستراتيجيين الأميركيين في بحث إستراتيجي قبل أكثر من عقد من الزمان وفي خضم الهيجان الإعلامي الأميركي ضد إيران أن "أهم حدث في بداية القرن الحادي والعشرين هو التحالف الأميركي الإيراني". نعم التحالف الأميركي الإيراني. ولو نظرنا إلى تطورات الأحداث في المنطقة منذ بداية القرن الحالي لوجدنا ذلك التحالف يتجلى في أكثر من مكان خلف ستار شفاف من العداء الغربي المفتعل والمبرمج لذر الرماد في عيون العرب والمسلمين الآخرين في المنطقة، ومنهم تركيا طبعاً.

ليس صحيحاً أبداً ما يشاع بأن الغرب يناصر المسلمين السنة في الشرق الأوسط، وأن روسيا والصين وبقية مجموعة بريكس تناصر المسلمين الشيعة ممثلين بإيران وحلفائها. على العكس تماماً، فهناك ما يشبه الإجماع بين القوى الكبرى في الشرق والغرب على تقوية إيران ودعمها على حساب القوى الأخرى في المنطقة، رغم أن بلداً سنياً مهماً كتركيا هو عضو في حلف الناتو. ولا نقول هذا الكلام جزافاَ. فلو نظرنا إلى التمدد الإيراني في الشرق الأوسط على حساب تركيا والعرب لوجدنا أنه يتوسع بشكل لا تخطئه عين. خذ مثلاَ النفوذ الإيراني في العراق وقارنه مع النفوذ التركي والعربي، لرأيت أن إيران سحبت البساط من تحت الكثيرين في هذا الجزء الحيوي جداَ من المنطقة، خاصة أن العراق يقع في مكان إستراتيجي يحاذي تركيا وبلداناً عربية. وحتى في أفغانستان التي تحالف الأميركان والعرب السنة لتحريرها من السوفيات، أصبح لإيران فيها نفوذ يفوق نفوذ الكثيرين المعنيين بالأمر. ولا ننسى المقولة التاريخية لنائب الرئيس الإيراني وقتها علي أبطحي عندا جاهر بالتحالف مع أميركا لتعزيز النفوذ الإيراني قائلاً: "لولا إيران لما استطاعت أميركا غزو العراق وأفغانستان". ومن الواضح أنه كان لتلك المقولة الثمينة ما بعدها على صعيد إطلاق اليد الإيرانية في المنطقة.

ولا ننسى طبعاً كيف أن النفوذ الإيراني في لبنان يتفوق كثيراً على النفوذ العربي والإسلامي الآخر من خلال الذراع العسكري المتمثل بحزب الله. وحدث ولا حرج كيف أن لها تأثيراً لا يستهان به في البحرين.

ولو نظرنا إلى النفوذ الإيراني في سوريا لوجدنا أنه بات يتفوق على النفوذ التركي والعربي، وبمباركة غربية واضحة. دعكم من السخافات والتنديدات الغربية بالتدخل الإيراني في سوريا. فهناك ضوء أخضر واضح لتفويز الجانب الإيراني في سوريا على حساب الآخرين، بدليل أن الغرب والشرق أوعز لإيران بالتدخل لصالح النظام في سوريا بدعم من العراق وحزب الله لترجيح كفة القوات السورية عندما بدأت تشتد عليها هجمة قوات المعارضة. ماذا نفهم عندما نجد أن النظام السوري يحصل على السلاح من كل حدب وصوب، بينما تمنع أميركا والغرب عموماً الأسلحة عن المعارضين؟ ألا يعني ذلك عملياً تفويز إيران وحلفها في سوريا على حساب الجهات الداعمة للمعارضة، خاصة تركيا والعرب؟

إن من ساعد إيران على الاستحواذ على العراق لا يمكن أن يسمح بأن تخسر إيران في سوريا. بعبارة أخرى، فإن تمكين إيران في العراق كان مجرد البداية لجعلها تتمدد أكثر فأكثر. قد يقول البعض إن سوريا كانت مجالاً استراتيجياً لإيران من قبل. وهذا صحيح، لكن لماذا تغاضى الشرق والغرب عن التدخل الإيراني العسكري الواضح لصالح النظام في سوريا لو لم يكونا يدعمان فكرة تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة بدل إضعافه؟ ولو انتصرت إيران في سوريا، فهذا سيغير وجه الشرق الأوسط ليصبح بنكهة إيرانية لا تخطئها عين وبترتيب وبمباركة أميركية روسية إسرائيلية.

ولعل أكبر دليل على أن حصة الأسد ستكون من نصيب إيران في الشرق الأوسط الجديد أن هناك الآن كتلة شيعية متحدة ومتحالفة توازي، إن لم نقل، تفوق حجم وقوة الأكثرية القديمة في سوريا والعراق ولبنان. ويذكر الباحث اللبناني المخضرم إلياس الزغبي في هذا السياق أن حجم الكتلة الشيعية في المنطقة أصبح يزيد الآن على مائة مليون نسمة موزعين على إيران والعراق وسوريا ولبنان. وبذلك يكون الهلال الشيعي الذي تحدث عنه العاهل الأردني قبل سنوات أمراً واقعاً من الناحية السكانية والعقدية. بعبارة أخرى أصبح للشيعة ثقل يوازن الثقل السني تقريباً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأخير ليس متحداً ومتحالفاً كالتحالف الشيعي.

لا نقول هذا الكلام تحريضاً على أحد.لا أبداً. بل نكشف كيف أن شرقاً أوسط جديداً يتشكل أمام أعيننا تلعب فيه إيران دور القيادة، بينما تجري المياه تحت أقدام الكثيرين من العرب وغير العرب دون أن يدروا. لا شك أن من حق الغرب وعلى رأسه أميركا أن تصوغ المنطقة على هواها بالتنسيق مع من تشاء، لكن من حق العرب وتركيا أيضاً أن يسألوا أميركا: هل أنت حليفتنا فعلاً؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

إشكالية تأزيم الحلول: أين الليبرالية الحقيقية؟

د. وائل مرزا

المدينة

السبت 28/7/2013

إشكالية تأزيم الحلول: أين الليبرالية الحقيقية؟من المؤكد أن إيجاد الإجابات للأسئلة المتعلقة بالثورة السورية لن يأتي من فراغ، وإنما من منظومات للحياة والتفكير والثقافة تمت بِصِلةٍ لعناوين مثل الإسلام والديمقراطية والليبرالية. لكن مايجري في كثير من الأحيان على أرض الواقع يأتي في خانة ما يمكن أن نسميه مَنطق تأزيم الحلول. بمعنى أن ثقافتنا وممارساتنا تضع تلك العناوين في مصائد متنوعة تصبُ في باب تعميق الأزمة بدلاً من المساهمة في حلها.

تحدثنا في مقال الأسبوع السابق عن أزمةٍ في فهم النصوص الإسلامية وفي تنزيلها على أرض الواقع لدى البعض. لكن البحث عن إجابات لأسئلة الثورة السورية لايقف عند ذلك الموضوع.

وعلى سبيل المثال، ثمة خلطٌ للأوراق لدى البعض عند الحديث عن الليبرالية والليبراليين يجب توضيحهُ والحوار فيه. فالمفارقةُ أن المضمون يكاد يكون مقلوباً عند المقارنة بين معنى الليبرالية وممارسات أغلب الليبراليين في البيئة التي استُورد منها المفهوم، وهي الغرب عموماً. وبين معنى الليبرالية وممارسات بعض الليبراليين في بيئتنا السورية تحديداً، والعربية إجمالاً، وهي البيئة التي تَستورد إليها المفاهيم دون ضوابط ويتم التعامل معها بفوضويةٍ لامثيل لها.

يوجد بطبيعة الحال في الواقع السوري والعربي مثقفون ونُشطاء وإعلاميون يَصِفون أنفسهم أو يَصِفهم الآخرون بالليبرالية، ممن يتمثّلون في تفكيرهم وحركتهم المعنى الحقيقي الأصيل لليبرالية. والطريفُ أن هؤلاء هم أقلُّ الناس تركيزاً على الشعارات والتصريحات والصخب الإعلامي، وأكثرُ الناس عملاً على خدمة بلادهم وشعوبهم من خلال معاني ذلك المفهوم. لكن ذلك الصخب والضجيج يبدو من نصيب شريحةٍ أخرى تُصرُّ على رفع الشعارات وعلى تأكيد صفتها (الليبرالية) في كل مناسبة، وأحياناً من غير مناسبة. رغم أن طروحات هؤلاء وممارساتهم تبدو أبعدَ ماتكون عن كلّ مايمتُّ لليبرالية الحقيقية بِصِلة.

كَتبنا سابقاً ونُعيدها مرةً أخرى. قد يكون هذا مقصوداً، وجزءاً من عملية خلط الأوراق الكبيرة التي تجري في المنطقة. وربما يكون جهلاً، أو مجرّدَ بحثٍ عن لافتة جديدة تقدّمية تُرفع لتبرير تقلّباتٍ فكريةٍ عشوائية، أو لتمرير ممارساتٍ هدفُها تحقيق المصالح الذاتية. لهذا، يبدو التوضيح ممكناً بالمقارنة مع النموذج الأكبر الذي يلعب مفهومُ الليبرالية دوراً رئيساً فيه، والمتمثل في الولايات المتحدة.

فأنت إذا تحدّثتَ عن الليبرالية والليبراليين في أميركا، فالمقصودُ هم تلك الشريحة من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين والنُشطاء والساسة التي لازالت تؤمن بمبادىء العدل والمساواة بين الناس، وترفضُ تعميم الاتهامات على الأقليات وعلى (الآخر)، وتواجهُ أخطبوط المؤسسة العسكرية / الصناعية، وتحاربُ محاولات تلك المؤسسة للهيمنة على أميركا، ومن خلالها على العالم، بإشاعة الحروب والنزاعات والصراعات والأزمات. وهي الشرائح التي ترفض القوانين التي تحدّ من الحريات، والممارسات التي تُشيع الخوف بين الناس وتزرع الشقاق بين أبناء المجتمع الواحد حيناً، وبين المجتمعات المختلفة حيناً آخر.

ليبرالية أميركا هي التي حشدت المظاهرات ضد الغزو الأمريكي للعراق، وأخرجت إلى الشوارع ملايينَ لم تشهد مثلها مدينةٌ عربيةٌ أو إسلامية. وهي التي شكّلت عشرات المنظمات لمناهضة التوجه اليميني الانعزالي المتطرف الذي كان ولايزال يحاول أن يختطف أميركا والعالم بناءً على مصالح شخصية عملاقة لقلةٍ من الناس. وهي قلةٌ تتلاعب بعواطف ملايين من البسطاء الأمريكان يعيشون حياتهم بناءً على رؤيةٍ دينيةٍ خرافيةٍ غرائبية، هي لمن يعرفُ تفاصيلَها أقربُ إلى الجنون من كلّ مايوجد في العالمين العربي والإسلامي من آراء شاذة يطرحها البعض تحت شعارات الدين والتديّن.

ليبراليو أميركا من الصحافيين والإعلاميين الحِرفيين الباحثين عن الحقيقة هم الذين كشفوا فضائح أبو غريب وغوانتانامو والسجون السرية الأخرى في أوروبا وغيرها من بلاد العالم. لأن هؤلاء في غالبيتهم يمتلكون درجة من الالتزام بالمبادىء والأخلاقيات من جهة، ولأنهم يحترمون مهنتهم ولاينظرون إليها على أنها وسيلةٌ للانتهازية وتسلّق المناصب وعقد الصفقات وبناء الثروات وتصفية الحسابات الشخصية والأيديولوجية. لم يكشف تلك الفضائح صحافيونَ يتلقّون التقارير من الجهات الأمنية وينشرونها على أنها آراء رأي ومقالات وتحليلات. ولا إعلاميونَ يتلاعبون بشرف المهنة فيمارسون أبشع أنواع التزوير والكذب والاحتيال بأساليبَ تقنية متقدمة، وبتوظيف أسوأ مافي نظريات الإعلام والاتصال البشري من مكونات تتعلق بالتأثير على الأفكار وغسيل الأدمغة وتحديد أجندة مايتلقاه الناس من معلومات ومعرفة.

ليبرالية أمريكا هي التي أفرزت أشخاصاً ومنظمات ترفض قوانين التمييز ضد المسلمين والعرب، وتحارب قوانين مراقبتهم والتنصت عليهم أجمعين تحت حجة تعميم الشبهة بانتمائهم للإرهابيين فقط لكونهم عرباً ومسلمين.

لم يكن ليبراليو أمريكا ولن يكونوا من جنس الملائكة، ورغم التقصير في إيصال الصورة الحقيقية للثورة السورية في أميركا والعالم، إلا أن المرء ينتظر منهم موقفاً ينسجم مع مواقفهم المذكورة أعلاه. لكن المقصود أن مبادئهم كانت معروفة وممارساتهم كانت واضحة لكل من يريد أن يرى ويفهم.

والسؤالُ هنا، ماعلاقة الليبرالية بتوجهٍ يعتاشُ على التخويف من كل ماله علاقة بالإسلام وأحياناً العروبة، وعاد الآن يُشجّع على وجود السياسات الأمنية كحلٍ وحيد لإشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع، ماعلاقة توجهٍ تلك هي أفكاره وتلك هي ممارساتهُ بالليبرالية؟

لانريد الدخول هنا في حوارٍ أيديولوجي وفلسفي عن مفهوم الليبرالية، لكن من الواضح أن هذا المفهوم بمعظم عناصره الفكرية، وبتطبيقات أهله المخلصين لمعانيه الحقيقية، لايتناقضُ مع تطلعات ومطالب السوريين والعرب. كما أنه يتقاطع مع جوانب عديدة في منظومتهم الفكرية والثقافية.

من هنا تنبع مسؤولية الليبراليين السوريين الحقيقيين في حماية المفهوم من الاختطاف كما تمّ اختطافُ مفاهيم أخرى. بحيث يعود ليُصبح من المشترك الثقافي الذي يدفعُ عمليات الإصلاح، بدلاً من أن يكون أداةً في يد الخاطفين للهدم والتخريب وزراعة الفوضى الفكرية والعملية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

هروب «القاعدة» إلى سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 28/7/2013

يحتاج الكشف عن تفاصيل عملية هروب قيادات وعناصر تنظيم القاعدة من سجن أبو غريب العراقي والتباساتها إلى مزيد من الوقت، كما يحتاج إلى جهود متعددة وكثيرة لمعرفة تفاصيل مثل هذه العملية الخطيرة والمعقدة، التي لا شك أن تحقيقات عملية وجدية، سوف تكشف تفاصيلها.

غير أن ما يحيط من صعوبات في الكشف عن حيثيات العملية، لا يقف عائقا أمام محاولة فهم العملية وأهدافها السياسية، وترك مجرياتها وتفاصيلها الفنية لمجريات التحقيق الذي سيتم لاحقا من جانب جهات عراقية وإقليمية ودولية، نظرا لما لهذه العملية من آثار أمنية وسياسية تتجاوز العراق إلى بلدان الإقليم وخصوصا سوريا وإلى الأبعد في المحيط الدولي بفعل روابط العملية بموضوع الحرب على الإرهاب.

إن فهم العملية ووضعها في إطارها السياسي، يتطلب التوقف عند المعطيات المحيطة بها، وهي معطيات تتوزع على نوعين، أولها معطيات عملية، والثاني مؤلف من معطيات سياسية، وبطبيعة الحال، فإنه لا يمكن الفصل بين المعطيات العملية والسياسية المتصلة وتفاعلهما المشترك في عملية لا شك أنها معقدة.

والتوقف عند أبرز المعطيات العملية المعروفة التي تحيط بهروب عناصر وقيادات القاعدة، تتجسد في أن العملية تمت في سجن أبو غريب وهو أحد أخطر السجون في العراق وأكثرها ضبطا، وقد كان سجنا رئيسا استخدمته القوات الأميركية لاحتجاز أعدائها، عندما كانت في العراق مما يعني أن الإجراءات الأمنية المطبقة هناك من أشد الإجراءات التي يمكن القيام بها، والأمر الثاني يمثله العدد الكبير من قيادات وعناصر القاعدة الموجودين في هذا السجن والذين قدر عددهم بأكثر من خمسمائة شخص بينهم عدد كبير من المحكومين بالإعدام، مما يفرض انتباها وتركيزا أمنيا شديدا واستثنائيا على السجن والسجناء، والأمر الثالث سهولة العملية التي تمت لتهريب السجناء بعددهم الكبير وسط أوضاع أمنية متوترة في العراق عامة وفي بغداد ومحيطها بشكل خاص، أما الأمر الرابع والأهم في المعطيات العملية، فهو أن رئيس الوزراء نوري المالكي هو المسؤول الأول عن الملف الأمني في العراق، وهو الذي يتابع الملفات الخطرة، وملف القاعدة هو أخطر تلك الملفات حسب الإعلانات الرسمية العراقية.

والمعطيات السياسية المحيطة بالعملية، لا تقل أهمية عن المعطيات العملية، وأولها أن العملية جاءت في ظل تنامي الحديث عن تصاعد قوة القاعدة وأخواتها في بلدان المنطقة ولا سيما في سوريا والعراق، وعملية كهذه يمكن تقديمها برهانا على تلك الأحاديث، التي تخدم من الناحية السياسية مقولة الحرب على الإرهاب، التي يتبناها النظامان السوري والعراقي، ويزعمان في إطارها محاربة الإرهاب والتطرف في البلدين وفي المنطقة، وأن النظام في البلدين يتصدى لجماعات إرهابية متطرفة، وليس لقوى شعبية وجماعات سياسية معارضة تسعى إلى تغيير عميق في حياة الشعب.

وجاءت العملية في ثاني معطياتها السياسية في ظل تحالف معلن بين القيادة العراقية والنظام الحاكم في دمشق، وهو تحالف كلف العراق تقديم مساعدات مهمة ومتنوعة للنظام في دمشق بينها إرسال متطوعين عراقيين يحاربون إلى جانب قوات النظام، وتسهيل مرور عناصر «جهادية» للقتال في سوريا، مما يزكي دورة العنف هناك، التي يتبناها النظام السوري باعتبارها طريقه لمعالجة الأزمة في البلاد ومنهجا لإعادة إحكام قبضته على سوريا والسوريين في آن معا.

وثمة معطى ثالث يحيط بالعملية من الناحية السياسية، لكنه يتعلق بالوضع العراقي أساسا، من حيث هروب عناصر وقيادات القاعدة من أبو غريب، وما سيكون له من تأثيرات على الصراع بين رئيس الوزراء وخصومه. إذ من شأن القضية أن تنقل تلك الصراعات خارج سياقها التقليدي والحالي على السلطة بجعله صراعا تفصيليا يتصل بهروب سجناء ليس إلا، وحتى في هذا الجانب، فإن العملية ستكون مفيدة للمالكي، حيث يستخدمها أداة ضد خصومه أو معارضيه في الإدارة الحكومية، ولاستبعاد الضعفاء من أنصاره داخل المؤسسة الأمنية أو مواقع أخرى في الحكومة، واستبدالهم بعناصر أكثر قوة وولاء له.

خلاصة القول، إن ثمة معطيات عملية وأخرى سياسية، تجعل من ناحية التحليل، وليس الوقائع، عملية هروب أكثر من خمسمائة من قيادات «القاعدة» وعناصرها في سجن أبو غريب عملية مدبرة، ليس من جانب «القاعدة»، وإن شاركت الأخيرة في تنفيذها، وإنما من جهات استخبارية مجاورة بمعرفة، ربما، أهل الحكم، لدفع حشد من «القاعدة» للذهاب إلى سوريا والقتال هناك، بما يعزز مسارات العنف والإرهاب، ويقوي الحديث عن الجماعات والعناصر الإرهابية والمتطرفة التي يحاربها النظام، حتى لو كانت تلك الجماعات تناهض أهداف الثورة وتقاتل تشكيلات الجيش الحر، وتفرض إرهابها على كثير من السوريين ونشطاء الثورة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

رسائل سورية ملحّة

فايز سارة

المستقبل

السبت 27/7/2013

يتفق كثيرون على أن القضية السورية تجتاز مرحلة صعبة وحساسة في اللحظة الراهنة. والأساس في هذه اللحظة ثلاثة مظاهر أساسية، أولها استمرار النظام في مسيرة القتل والتدمير وتصعيدها بصورة غير مسبوقة، مستغلاً كل قدراته من جهة ومستعيناً من جهة أخرى بقدرات حلفائه في المستويين الإقليمي والدولي من قوات وسلاح حزب الله والميليشيات العراقية الى قدرات إيران ومساعدات روسيا المتعددة الأوجه. والثاني إصرار السوريين على المضي بالثورة الى نهايتها رغم كل ما لحق بهم من قتل ودمار من قبل النظام وحلفائه، وسعي المعارضة السورية ولا سيما في الائتلاف الوطني الى إجراء تغييرات جوهرية في تركيبها وفي أدائها وعلاقاتها مع الداخل السوري ولا سيما مع الجيش السوري الحر، إضافة الى علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية، ويبدو المظهر الثالث مجسداً في التغييرات الجديدة على الساحة الدولية، والتي تشهد مقدمات لتبدل في نظرة وعلاقات بعض الدول بالقضية السورية وبخاصة كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية إضافة الى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والناتجة أصلاً عن مسارات الدم والدمار في سوريا وتأثيراتها المتصاعدة على المحيط الإقليمي والدولي في ظل إصرار النظام الحاكم في دمشق على المضي في عمليته العسكرية الى النهاية.

وإذا كانت ثورة السوريين في بدايتها عام 2011، قد أرسلت رسائل واضحة وقوية على المستويات المحلية والخارجية باعتبارها ثورة حرية وكرامة وتغيير من أجل بناء نظام ديموقراطي تعددي يوفر العدالة والمساواة لكل السوريين، فإن تطورات عامين ونصف العام من عمر الثورة وما رافقها من أحداث والتباسات، لا تتصل بالثورة وبالسوريين وسياسات النظام وحدهم، وإنما أيضاً بالسياسات الدولية حيال القضية السورية، فإن بعضاً من رسائل الثورة أدت في محيطها الى بعض الالتباس وكثير من سوء الفهم وبعضه مقصود، الأمر الذي بات يتطلب في المرحلة الراهنة إعادة تأكيد مضمون ثورة السوريين في ظل الظروف الصعبة والمعقدة، عبر مجموعة من الرسائل بينها:

- إن ثورة السوريين بأهدافها وغاياتها ما زالت ثورة حرية وكرامة، وأن هدفها الأساسي ما زال بناء نظام ديموقراطي يوفر العدالة والمساواة لكل السوريين، ويضمن مشاركتهم في إقامة النظام، وبناء مستقبل أفضل لكل السوريين، يؤكد حضور ودور دولتهم الايجابي والحضاري في المستويين الإقليمي والدولي.

- وينفي مضمون الرسالة حول طبيعة الثورة السورية، ما يشاع ويجري العمل على ترسيخه من قبل جماعات التطرف من القاعدة وأخواتها ومن بعض وسائل الإعلام ومن النظام في أن ثورة السوريين، ثورة متطرفين ومتشددين، ستؤدي الى قيام "دولة إسلامية" متطرفة، تتقارب أو تتماثل مع مشروع القاعدة أو ما يمثلها، وكل هذا يخالف طبيعة المجتمع السوري والوجه المعتدل للمجتمع وللإسلام السوريين.

- قيام المعارضة بتأكيد محتوى توجهاتها نحو بناء مجتمع تعددي حر لمستقبل سوريا، يضمن وجود ومشاركة كل السوريين بغض النظر عن خلفياتهم الاثنية والدينية والمذهبية في إعادة بناء وتطوير سوريا المستقبل، بما يعنيه ذلك من نبذ للإقصاء والاستبعاد والتهميش المقصود أو غير المقصود، والذي سيؤدي الى نتيجة واحدة في الحالتين، تخالف طبيعة ومحتوى الحياة السورية، التي قامت دائماً على تشارك السوريين في حياتهم الوطنية.

- تأكيد مسعى أدوات الثورة من الحراك المدني والثوري والتشكيلات المسلحة وبخاصة الجيش السوري الحر وقوى المعارضة نحو تعزيز علاقاتها وتوحيد جهودها على الأهداف الأساسية في إسقاط النظام وبالسير نحو الحرية والديموقراطية وبناء نظام ديموقراطي بديل، وأن الجهود متواصلة لتأكيد قيادة سياسية واحدة للثورة وللشعب السوري، وأن هذه المساعي تجد لها سنداً جدياً في توجهات وتأكيدات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

- إبراز أن ثورة السوريين التي انطلقت سلمياً من أجل تحقيق أهدافها في التغيير، لم تكن العسكرة والتسلح والعنف في خياراتها الأساسية، وأن عنف النظام هو من خلق المقاومة المسلحة، التي هي حق مشروع للسوريين في مواجهة نظامهم وأدواته وحلفائه، وهجماتهم بمختلف صنوف الأسلحة على التجمعات السكانية من المدن والقرى، الأمر الذي يتطلب قيام التشكيلات المسلحة للدفاع عن المدنيين والتصدي لهجمات قوات النظام. وهذه التشكيلات المسلحة ينبغي أن تتوحد تحت قيادة الجيش السوري الحر.

- إن الائتلاف الوطني وقوى المعارضة السورية، وإن كانت تؤكد أهداف الثورة وضرورة تحقيقها، فإنها منفتحة على الجهود الدولية الهادفة الى حلول معالجات سياسية للقضية السورية بما يؤمن تحقيق أهداف الثورة وتوفير فواتير الدم والدمار على السوريين، ويعجل بانتهاء المحنة السورية.

إن الهدف الرئيس لمثل هذه الرسائل، هو إعادة إحياء وتطوير خطاب الثورة السورية عبر إعادة تاكيد أهدافها وثوابتها الرئيسية في المستويات الداخلية والخارجية، ثم الذهاب الى الأبعد في تقديم تصورات متطابقة أو متفاعلة مع مضمون أهداف الثورة بالنسبة لما طرأ على أوضاعها من تطورات وتبدلات تعيد وتعزز بناء منظومة الثورة، التي وإن بدأت عفوية ومن دون قيادات متمرسة ومجربة ومن دون رسائل عميقة، فقد بات من الصعب استمرارها على هذا النحو في ظل إصرار النظام على قتل وإعطاب واعتقال ونفي قيادات وكوادر الثورة، وحرف أهدافها وتشويه صورتها في المستويين الداخل والخارجي.

غير أن هذه الرسائل بمحتوياتها ومضامينها، لا يمكن أن تحقق الغاية المرجوة منها، من دون تفاعل ايجابي معها في المستويين الداخلي والخارجي، وفي الأمرين هناك مؤشرات على حاجة المستويين الداخلي والخارجي لمثل هذه الرسائل. ففي المستوى الداخلي تزداد الأوضاع سوءاً في حياة السوريين المقيمين منهم واللاجئين في بلدان الجوار وخصوصاً لجهة الأوضاع الأمنية والمعاشية بكل محتوياتها، وتزداد في صفوفهم المطالبات بضرورة إنهاء المعاناة الإنسانية وتحقيق أهداف الثورة والعودة الى الحياة الطبيعية، وفي المستوى الخارجي، فإن ثمة تخوفات من استمرار مسار الدم والدمار ووصوله الى مستويات تفوق كل ما سبق من جهة، ومخاوف من اندفاع الوضع السوري نحو امتدادات إقليمية من جهة ثانية، وما يمكن أن يفرزه ذلك من ترديات حول موضوعي الهجرة والأمن وكلاهما من انشغالات السياسة الغربية، والأمر في كل الأحوال، ينبغي أن يكون حاضراً ليس في إطلاق الرسائل فقط، وإنما في استلامها، وفي تهيئة ظروف نجاحها لتكون أكثر تأثيراً على الرأي العام وعلى السياسات الإقليمية والدولية بما ينعكس ايجابياً على ثورة السوريين وعلى مجمل القضية السورية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الحالة السورية: مكانك سر

د. عبدالله جمعة الحاج

الاتحاد

السبت 27/7/2013

هذه الأيام، وقد مر زمن طويل نسبياً منذ نشوب الحرب الأهلية السورية، تتجلى الحقائق الصعبة الواحدة منها تلو الأخرى سواء بالنسبة للثوار أو للنظام الحاكم. وإحدى تلك الحقائق المرة هي أن العنف من جانب الثوار أو استخدام الوسائل القمعية من قبل النظام لم يحل المشكلة أو يعيد الهدوء إلى المدن السورية، فالنظام بإرساله الجيش العرمرم إلى شوارع المدن أعتقد بأنه سيقضي سريعاً على الثورة، لكن هذا الاعتقاد خاطئ لأن القضاء على الثورة بالقوة لم يحدث.

والحقيقة الثانية أن حزب "البعث" لا يزال يحتفظ بالسلطة وقابع فيها ويسيطر على الدولة والمجتمع، وكأن شيئاً لم يحدث.

والحقيقة الثالثة، أن المعارضة التي تطمح في إسقاط النظام ظهرت وهي ضعيفة جداً ومفككة وغير قادرة على الفعل وردة الفعل الحقيقيين، فتصوراتها الحالية المكونة من معارضين يعيش معظمهم خارج سوريا لا تستطيع إدارة حكومة انتقالية، وقيادتها تتضمن مفكرين وأدباء وأساتذة جامعات ومنظرين ووجهاء مجتمع، لكنهم ليسوا بسياسيين محنكين أو أن السياسة قد صقلتهم، فهم لم يمارسوها فعلا.

المعارضة السورية منقسمة وفقا لشرائح تتكون من كبار السن في مقابل الشباب، والعلمانيين في مقابل الإسلاميين، وأولئك الذين يعيشون في خارج سوريا في مقابل الذين يعيون في داخلها، والمسيسون في مقابل الذين لا يفقهون في السياسة شيئاً، والمقاتلين في الجيش "الحر" وجبهة النصرة في مقابل المدنيين المسالمين الذين اشعلوا الثورة بعفوية في بادئ الأمر. وفوق كل ذلك أن من يوصفون بقادة المعارضة لا يملكون حقيقة من أمر الشارع والمجتمع السوري شيئاً، لا النفوذ ولا السيطرة.

وثالثة الأثافي أن قادة المعارضة مختلفون فيما بينهم منذ اندلاع الشرارة الأولى للثورة عام 2011 ، فالجيل الأصغر سناً الذي يعيش في الخارج أكثر ارتباطاً بالإنترنت، وتركيبته متنوعة ويعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي لتبادل الآراء والمعلومات وتحريك الأمور، وهو أكثر جاذبية لأقرانه في الداخل لأنه يتحدث بلغة يفهمونها بوضوح. إن هؤلاء القادة يعتمدون بكثافة على "فيسبوك" و"تويتر" ويعيش أغلبهم في دول الغرب، وهؤلاء أكثر راديكالية من القادة كبار السن، وهم متأثرون بما فعله ويفعله الثوار في الدول العربية الأخرى.

ويتكون المعارضون العلمانيون من اليساريين والبعثيين المنشقين المنتمين إلى الأجيال القديمة، ويقع ضمنهم عدد من الشخصيات المرموقة على الصعيد العالمي كمفكرين ورجال أعمال وأساتذة جامعات . أما المعارضون الإسلاميون فهم أكثر ارتباطاً بـ"الإخوان المسلمين"، وهؤلاء بالإضافة إلى الإسلام السياسي ذاته، آخذين في أن يصبحوا أكثر شعبية في الداخل السوري.

وبعد مرور الوقت منذ 2011 يقر العديد من قادة المعارضة سواء كانوا في الداخل أو الخارج بأن النظام أثبت بأنه أقوى كثيرا مما كانوا يعتقدون، فعندما انطلقت شرارة الثورة الأولى كانوا يأملون بأن ينهار النظام سريعاً كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن، لكن ذلك لم يحدث، وتبقى الأمور السورية إلى الآن معقدة، ويبدو بأن العنف الحاصل حاليا لن يحلها، ولن تهدأ الأوضاع إلا بوجود حل سلمي رغم أن جراح الشعب السوري أصبحت مثخونة جداً، وما يدفعه من دم أبنائه وماله وبنية وطنه التحتية باهظ الثمن جدا وليس من السهل التغاضي عنه أو نسيانه. خلاصة القول هي أنك أفدت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-  

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com