العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04 / 07 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط 

فرحان الزعبي ..

34 عاما من الاختفاء القسري

1- يعتبر كل عمل من أعمال الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية ويدان بوصفة إنكارا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكا خطيراً وصارخاً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و أعادت تأكيدها وطورتها الصكوك الدولية الصادرة في هذا الشأن .

2- إن عمل الاختفاء القسري يحرم الشخص الذي يتعرض له من حماية القانون وينزل به وبأسرته عذابا شديدا وهو ينتهك قواعد القانون الدولي التي تكفل، ضمن جملة أمور، حق الشخص في الاعتراف به كشخص في نظر القانون، وحقه في الحرية والأمن، وحقه في عدم التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما ينتهك الحق في الحياة أو يشكل تهديدا خطيرا له. 

إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري 1992

 

نشاهد كنشطاء في حقوق الإنسان، وبشكل شبه يومي، لوحة قاتمة معالمها متشابهة إلى حد بعيد:

أم  (أو زوجة ) معذبة، تبدأ سرد قصتها بالكلمات وتنتهي بسيل من الدموع.

ابن (أو زوج) معتقل منذ سنين أقلها عشرون،لا يعرف عنه شيء منذ اعتقاله.

مخبرون ومرتزقة، يبتزون عائلات المفقودين ، ويحيون الأمل لديهم بأن مفقوديهم مازالوا على قيد الحياة ، مقابل حفنة من النقود وأحيانا مقابل زجاجة عطر أو حذاء جديد أو أو ..

رسائل والتماسات وبرقيات إلى مختلف المسؤولين في السلطة للكشف عن مصير المفقود، بدون أية نتائج تذكر.

وقد تختلف قصة فرحان الزعبي بتفصيل واحد فقط إلا أنه على غاية من الأهمية، فالعديد من المسؤولين في السلطة قد أكدوا لعائلته صراحة أو ضمنا أنه ما يزال على قيد الحياة .ورغم مضي أربعة وثلاثين عاما على اختفائه ما زال الأمل بعودته يداعب عائلته الصغيرة ، أبنائه الثلاثة ، ووالدته ذات المئة وأربع سنوات ، وزوجته التي روت لنا قصتها ، ندرجها فيما يلي باختصار شديد وبدون ذكر التفاصيل التي تستغرق صفحات بأكملها:

فرحان تولد 1942 ، خريج الكلية الحربية عام 1965 .عام 1966 وإثر اغتيال سليم حاطوم، اعتقلت مجموعة من الضباط كان زوجي على علاقة زمالة ببعضهم، وقد حوكم زوجي مع بقية الضباط لكن دون أن يعتقل.وبنتيجة المحاكمة لم يثبت عليه أي شيء ، بل وإثر ذلك تم تعيينه في فرع الأمن الداخلي في دمشق ثم في معسكر نبع بردى لتدريب القيادات الحزبية. وعام 1968 تم ترفيعه إلى رتبة ملازم أول.في عام 1969 تم إيفاده إلى جيش التحرير الفلسطيني للإشراف على إعداد وتنظيم الجيش الفلسطيني الذي كان يتبع لهيئة أركان الجيش السوري.بتاريخ 24-9-1970 وقبيل انتهاء أحداث أيلول الأسود تم إيفاده بمهمة حربية إلى الأردن حيث فقد هناك منذ تاريخه، وقيل لنا وقتها بعد بحث مضن ،أنه اعتقل من قبل السلطات الأردنية وأنه موجود في سجن "الجفر"، إلا أننا لم نستطع زيارته أو حتى التأكد من وجوده.

في أيلول من عام 1974 جاء رجل تبين لنا فيما بعد أنه مخبر ، وقال لنا أن فرحان تم تسليمه إلى السلطات السورية منذ أيام وهو موجود الآن في "سجن الحلبوني"، وأن بإمكانه إيصال بعض الأشياء له في السجن، أعطاني بعض "الإمارات" التي أكدت لي معرفته به فأعطيته "لفة" فيها بعض الملابس والحاجيات بالإضافة إلى النقود. 

بعد حوالي الشهر ذهبت إلى منزل هذا الشخص للسؤال عنه وفوجئت بوالده يخبرني أنه اعتقل نتيجة نقله معلومات لي عن زوجي.

ما بين عامي 1975 و 1979 ، طرقت الزوجة أبواب العديد من المسؤولين ،لاقت خلالها شتى أنواع الصعاب . كانوا في كل مرة يؤكدون لها أنه على قيد الحياة وأنه معتقل في سجن المزة ، لكن في اللحظة الأخيرة من كل محاولة، يقال لها بأن "هذا الاسم غير موجود لدينا!!!" ‍‍‍‍‍

أخيرا وبعد محاولات مضنية ، استطعت مقابلة مسؤول أمني كبير عام 1979 ، استمع إلي ووعدني خيرا، وفي الزيارة التالية قال لي: "مبروك زوجك في سجن المزة اذهبي إلى هناك وقولي لهم أنك مرسلة من قبلي لزيارة زوجك". أخذت منه ورقة كتب عليها : يسمح بزيارة فرحان الزعبي من قبل زوجته وأولاده الثلاثة ووالدته.

كان عيدا حقيقيا لنا، الأولاد لبسوا "كنزات" عليها صور الرئيس الراحل، قالوا "الرئيس سيعيد لنا أبانا"، اشترينا كل ما يمكن أن نشتريه ، فواكه خضار حلويات ، كل شيء .ووصلنا سجن المزة ليواجهنا عسكري ببندقيته: إلى أين؟ ، قلنا لزيارة المعتقل فرحان الزعبي، لمجرد سماعه بالاسم قلب البندقية بعصبية وبدأ بالضرب على مؤخرة السيارة وهو يصرخ: هذا المعتقل ممنوع من الزيارة ، اذهبوا من هنا.

بعد أن أبرزنا له ورقة الزيارة ، قام باتصال قصير سمح لنا بعده بالدخول وقال: إذا سئلتم قولوا "يومية"‍‍!! أخذنا معنا كلمة السر هذه التي ستمكننا من رؤية فرحان وصعدنا إلى السجن، وهناك سئلنا وأجبنا "يومية" ، فبدأ الجنود بالتهكم علينا والسخرية منا ..أبرزنا لهم كرت الزيارة ، دخلوا وخرجوا وقالوا : لا يوجد أحد بهذا الاسم.

أخذ غياث الذي كان ابن تسعة أعوام في ذلك الوقت الحديث عن أمه بينما تداري دمعها : وقعت الأكياس التي كنا نحملها من بين أيدينا، تدحرجت الفاكهة والأشياء التي انتقيناها لوالدي وتبعثرت في كل مكان، بينما كانت أمي قد دخلت في حالة إغماء.

تستعيد الزوجة تماسكها وتتابع: في هذه الأثناء أتى مساعد كان يعمل لدى زوجي، ساعدني على النهوض وهمس لي : زوجك موجود هنا .. اطمئني واذهبي.

استمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 1986 عندما التقينا صدفة أحد الأشخاص المقربين من السلطة، ووعد بالبحث عن زوجي بدون أي مقابل ،وبعد فترة جاء الجواب منه ، بأن فرحان ما يزال على قيد الحياة.

عام 1994 كنا بدأنا نفقد الأمل وقررنا أن نجري معاملة وفاة لزوجي نظرا للمصاعب التي أواجهها أنا وأولادي على مختلف الأصعدة المادية والاجتماعية ،حصلنا على إخراج قيد له من النفوس في درعا وذهبنا به إلى منظمة الصاعقة التابعة للجيش الفلسطيني ، وهناك قابلني المسؤول عن الموضوع، وفاجئني برفضه استلام المعاملة ، مؤكدا بأن فرحان ما زال على قيد الحياة ، ونصحني بالصبر ، بمزيد من الصبر والانتظار!!

من ناحية أخرى ، منذ أن فقد زوجي كنا نتقاضى راتب "مفقود" وراتب "شهيد" معا . في العام 1995 فوجئت بطلب "منظمة التحرير الفلسطينية- مؤسسة الشؤون الاجتماعية ورعاية أسر الشهداء والأسرى" التي أتقاضى منها راتب "الشهيد" ، بطلبها معلومات عن زوجي ، رويت لهم القصة باختصار، فقالوا ، زوجك حي، وقطعوا الراتب عني بعد كتابة عبارة " الشهيد حي يرزق ولا دخل للمؤسسة فيه" على البطاقة التي أتقاضى الراتب بموجبها.

ـ ألم تحاولوا طلب المساعدة من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان ؟

ـ لم نكن نعلم بوجود مثل هذه المنظمات في سورية ، لكننا وعبر شبكة الإنترنت تواصلنا مع بعض المنظمات في الخارج كمنظمة العفو الدولية والمجلس الوطني للعدالة والمصالحة الذي كانت رسائله الإخبارية تصلنا على البريد الالكتروني، وأرسلنا لها تفاصيل القصة كاملة أملا بمساعدتنا ، نريد إسماع شكوانا لمن بيده الأمر، من حقنا أن نعرف ، كيف ولماذا حصل ما حصل ، وأين فرحان الآن....... لقد تعذبنا بما فيه الكفاية ، فهم لم يعتقلوا فرحان وحده، لقد اعتقلوني أنا أيضا منذ أربعة وثلاثين عاما مضت.

مع التأكيد على أن الاختفاء القسري يشكل جريمة ضد الإنسانية خاصة وأنه يحرم الشخص الذي تعرض له من حماية القانون وينزل به وبأسرته عذابا شديدا وفقا لما جاء في إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فإن جمعية حقوق الإنسان في سورية تتوجه إلى السلطات المعنية للتحقيق في قضية فرحان الزعبي والكشف الفوري عن مصيره وعن مصير المفقودين كافة ، مع ضرورة التعويض على عائلاتهم ماديا ومعنويا وإغلاق هذا الملف الأشد إيلاما بين من ملفات حقوق الإنسان في سورية.

المرصد

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org