العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-05-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

في بديل الائتلاف الوطني

فراس قصاص

القدس العربي

الاثنين 28-4-2014

لم يكن صعبا أبدا توقع فشل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في تأدية مهامه التي وجد من أجلها، كثر أولئك الذين استشرفوا بشكل ناجح مآل الائتلاف، وتوقعوا ضعف أدائه منذ اليوم الأول لتأسيسه مطلع عام 2013، ومنهم كاتب هذه السطور. كيف لا وقد تشكل من ذات المنظور والآليات وبمشاركة معظم المكونات التي أسست المجلس الوطني، الذي سبقه في الفشل حتى انزوى بعيدا عن تصدر المعارضة وبات من الماضي. لم ينقذ الائتلاف من الوضع المتهافت الذي يعانيه الآن، دخول مكونات جديدة لم تكن في المجلس الوطني، وإنما على العكس تعقدت مشاكله وتعددت مصادرها، وتفاقمت الصراعات والاستقطابات داخله، إلى درجة أنها طغت على أخباره. الكارثة الحقيقية، أن من يدفع ثمن هذا الفشل وتلك التجاذبات والصراعات بين من يفترض بهم، الدفاع عن الثورة وقيادة الصراع مع نظام بشار الأسد، ليس الائتلاف ومكوناته، بل إنسان هذا البلد وأهله الأبرياء. والمدهش أن كل هذا الدمار وكل هذه المحصلة الكارثية، بدءا بالموت الذي بات خبرا سوريا بامتياز، سواء كان بالبراميل المتفجرة أو بالكيماوي أو بالجوع والحصار، كوسائل يستخدمها النظام، أو كان من إنتاج الإرهاب التكفيري والصراع البيني بين الكتائب المتشددة وأمراء الحرب والقلة المتبقية من الجيش الحر، لم يعد يسبب لمعارضة الائتلاف، أي ضيق من النوع الخلاق الذي يدفعها للبحث عن حلول جدية، وكأنها بدأت تتعايش مع تلك المآسي، أو ربما، كما يعتقد البعض، تتعيش منها. وأيا تكن إحالات الائتلاف لفشله وعجزه، إلى خذلان المجتمع الدولي للشعب السوري، أو إلى تحول البلاد إلى ساحة صراع إقليمي/دولي بالوكالة، أو إلى أي أسباب أخرى، يبدو من قبيل المؤكد أن الأزمة التي تعانيها هذه المعارضة هي أزمة انسداد معرفي وسياسي وأيديولوجي بنيوية الطابع، وأنها لذلك، لن تجيد سواء في المدى المنظور أو المتوسط أو حتى البعيد، إلا اجترار المزيد من الفشل، ولن تقدم أي فائدة نوعية للسوريين، تساعدهم على إنهاء هذا الكابوس وتعوضهم عن الأثمان الباهظة التي دفعوها من أجل ثورتهم.

لكن إذا كان حال معارضة الائتلاف على هذا النــــحو من العجز، وألا آفاق تسمح بتعديل أدائها، لماذا يمتنع على الشعب الســــوري حتى الآن، إيجاد آلية تصويبية تعيد إنتاج إدارة جديدة للوضع الثوري، من خارج هذه المعارضة طالما يتعذر من داخلها، من أطراف سياسية معارضة لا تنتمي إلى المعارضة التقليدية، أو من جيل الشباب الذي أسهم في إشعال الثورة ونشط فيها بشكل كثيف، خصوصا في أشهرها الأولى؟ هل افتقد المجتمع السوري لقوى مناعة ذاتية يحتاجها بشدة في هذه المرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد؟

لا شك، كما يقول علم الاجتماع السياسي، أن في كل مجتمع قوى مناعة ذاتية تساعده على مقاومة آثار المراحل الصعبة التي يمر فيها، ولا شك هي موجودة في سوريا، لم تزل حية، ولم تتمكن مرحلة الاسدية والاستبداد من قتلها وتشويهها. لكن من المؤكد، أنها حتى الآن غائبة عن التأثير في الأحداث السوريا، ربما لأنها لا تزال أضعف من أن تتغلب على عوامل الإعاقة التي أفرزها قمع النظام للثورة على هذه الشاكلة المأساوية، وتداعيات ذلك المادية والنفسية عليها، بالإضافة إلى الموانع التي وضعتها في طريقها والاستبعاد الذي واجهتها به المعارضة النافذة في الائتلاف الوطني وفي إدارة الملف السياسي للثورة.

تتكون قوى المناعة السوريا وفقا لما تفترضه هذه السطور، أولا، من طبقة سياسية لا تنتمي إلى الجيل التقليدي ولم تنشأ بعد الثورة لدواعي الصراع على التمثيل والمصلحة، لكنها عانت الاستبعاد والإقصاء، منذ ما قبل الثورة، من قبل المعارضة التاريخية للنظام، تلك التي اتبعت ذات المعايير التي يتوسلها النظام للحط من شأنها وقمعها واستبعادها. ثانيا، من عدد كبير من الناشطين الشباب الذين لم تستدمجهم آليات الإلحاق والاستتباع من قبل مشاهير المعارضين القدامى والجدد، الناشطين الذين لا يشبهون الأعداد الواسعة من أقرانهم أولئك الذين إما أفسدتهم منظمات المجتمع المدني الغربي، وحولتهم الى مجرد موظفين غير معنيين عضويا بما يحدث في سوريا، أو الذين لا هدف مركزيا لهم إلا تقوية أوضاعهم وعلاقاتهم مع المعارضة التقليدية وحجز مساحة لهم بينها. ثالثا، من معارضين مستقلين وأكاديميين فلاسفة وسياسيين درسوا وخبروا السياسة وعلومها وأدواتها ومساحاتها، ممن حاولت المعارضة المتنفذة منذ بدء إنتاجها للأطر السياسية التمثيلية، أن تجذبهم لأغراض الزينة فتخفي بهم رغبتها في الاستحواذ، أو ممن أقصتهم مع سواهم عن الفعل والمساهمة في إنتاج سياسة الثورة. وحتى تتمكن هذه القوى الجديدة الممنوعة عن تملك ناصية التأثير في الحدث السوري من تنظيم نفسها وتكوين حالة جديدة تماما تمكنها من أن تتعاطى السياسة تأسيسا على أبعاد جديدة براغماتية وليست أيديولوجية، علمية وليست اعتباطية وشفهية، عملية وليست نظرية متهافتة، فتشكل طبقة سياسية ثورية ناشئة وواعدة، متحررة من الخطابات السياسية المحنطة والأفكار الميتة، وقادرة على اعتماد تقنيات السياسة العلمية، من أجل نحت مسارات عملية تؤثر في معادلات إنتاج الواقع الثوري وحيثياته داخل وخارج سوريا، لجهة توفير عوامل إسقاط الاستبداد من البلاد والقطع معه نهائيا، سيبقى الوضع السوري إلى تفاقم وتعقيد مطرد وسيستمر مصير سوريا يتدحرج بشدة نحو الهاوية.’

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عام الانتخابات العربية

حسين العودات

البيان

الاثنين 28-4-2014   

تجري هذا العام سبع انتخابات عربية بين تشريعية ورئاسية، فقد جرت في هذا الشهر انتخابات الرئاسة الجزائرية، وبدأت في الشهر نفسه عملية الانتخابات الرئاسية اللبنانية، وفي نهاية هذا الشهر كذلك تجري الانتخابات التشريعية العراقية، وبعدها الانتخابات الرئاسية المصرية في الشهر المقبل، ثم الانتخابات الرئاسية السورية، فالانتخابات الرئاسية الموريتانية، ومن المتوقع أن تجري الانتخابات الليبية هذا العام..

ولا شك أن المراقب يصاب بالدهشة من تعدد هذه الانتخابات، والإصرار على إجرائها في أوقاتها القانونية، مما يوحي بأن الديمقراطية العربية بألف خير، وأن ما يقال غير ذلك هو في نظر السلطات مؤامرة أجنبية، وأكاذيب ودعايات استعمارية يرددها الإعلام المعادي.

لكن المراقبين أنفسهم يعرفون أن معظم هذه الانتخابات بعيد نسبياً عن الديمقراطية، سواء بسبب رفض السلطات القائمة لإجراء حوار معمق بين المرشحين قبل الانتخابات، أو بسبب تقييد حرية التعبير وتداول المعلومات، أو لعدم الالتزام بحماية الناخب أثناء عملية الانتخاب وبعدها وضمان عدم محاسبته على اختياره، أو للبعد عن تزوير إرادة الناخب، ولعدم منع السلطات المتعددة (الحكومية والأمنية وغيرها) من ألا تتدخل، كي تكون الانتخابات معبٌراً حقيقياً عن رأي الناخبين.

وفي الواقع لا تحقق الانتخابات العربية بشكل أو آخر، جزئياً أو كلياً، بعضاً من الديمقراطية، ولا تلتزم بقوانينها وتقاليدها، باستثناء محافظتها على موعد الانتخاب، استجابة لرغبة الحاكم واستعجاله لإجراء الانتخابات ليترأس مرحلة جديدة وولاية جديدة.

يمكن للناخب العربي أن يعرف مسبقاً وقبل إجراء الانتخاب، اسم الرئيس الذي سينجح فيها، ولم يحصل مرة واحدة أن فوجئ هذا الناخب بالنتائج (اللهم إلا مع الاستثناء الجزئي للانتخابات الرئاسية اللبنانية)..

للرؤساء المنتخبين حق التشريع، وقد تغولت سلطتهم على صلاحيات المجالس التشريعية، كما أنهم يديرون السلطة التنفيذية ويأمرونها، ولا يسلم القضاء من أوامرهم ومطالبته بتنفيذ رغباتهم. وهكذا فرغم أن الانتخابات الرئاسية العربية هي من أكثر الانتخابات في العالم التي تمنح الصلاحيات للرؤساء، فإن السلطات العربية تتعامل معها بخفة ولا مسؤولية، لأنها تدرك أن أصوات الناخبين لا معنى لها، ومهمتها الأساس هي تحقيق الشكليات الانتخابية، وإعطاء المبرر للرؤساء ليهيمنوا على كل شيء.

يعرف المراقبون أن صلاحية التشريع في معظم البلدان العربية ليست في يد المجالس التشريعية، فقد تحولت مهمة هذه المجالس إلى التصديق على رغبات السلطة، مهما كانت مخالفة للدستور ولمصالح الناس، لأن صلاحية التشريع تقع في أيدي الرؤساء، الذين وسّع بعضهم صلاحياته حتى أعطى لنفسه حق إصدار تشريع أثناء انعقاد المجلس التشريعي، وبمعزل عنه وبغير استشارته.

والصلاحية قبل ذلك في يد السلطة بمعناها الشامل، أعني السلطة الأمنية في بعض البلدان، والقيادة العسكرية في بعضها الآخر، والقيادة الحزبية في بعضها الثالث، وكلها مجتمعة في أغلب الأحيان. وقد يذهب حق التشريع فعلياً للسلطات الطائفية أو الإثنية أو العشائرية، وما أكثر الأمثلة في البلدان العربية...

قبل أربع سنوات جرت انتخابات في العراق، فازت فيها قائمة "العراقية" بأكثرية النواب. وحسب التقاليد الديمقراطية، كان من المفترض أن يُكلف رئيس القائمة بتشكيل الحكومة العراقية (خاصة وأن النظام في العراق اسمياً هو نظام برلماني)، لكن الذي حصل هو أن تشكيل هذه الحكومة، كُلف به رئيس قائمة أخرى حصلت على عدد نواب أقل، وذلك تحت ضغوط طائفية من داخل العراق ومن خارجه. وبالتالي لم يحترم أحد نتائج العملية الانتخابية في بلد ضحى بحياة مئات الألوف، واحتله الجيش الأميركي "ليطبق الديمقراطية".

من مشكلات البلدان العربية التي تشوه الديمقراطية وصولاً لإلغائها، أن الصلاحيات لا تعطى لأصحابها. وبالتالي فالانتخابات تتم لاختيار من لا صلاحية لهم، إذا كانت انتخابات تشريعية. أما انتخابات الرؤساء فلا دخل للمشاركة الانتخابية الشعبية بها في الواقع، إذ إن نتائجها مقررة مسبقاً، وما إجراؤها إلا تبرير وتحصيل حاصل، وممارسات شكلية تستوفي بها السلطة مظاهر الديمقراطية.

ولذلك نجد في بعض البلدان أن نسبة المشاركين في الانتخابات الرئاسية، تتجاوز الثمانين في المائة، في بلد متخلف من المستحيل أن يهتم معظم أبنائه بهذه الانتخابات، كما تتجاوز نسبة منتخبي الرئيس 80% أيضاً، وهذه النسبة يتعذر تحقيقها في أي بلد في العالم، خاصة إذا كان متعدد الثقافات والقوميات والأديان والمذاهب، ويفتقر للحرية والديمقراطية وتكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين.

وهكذا فكأن الناخبين يصوتون على إلغاء معايير الدولة الحديثة، كما يؤيدون من دون تحفظ، القمع والاستبداد والنظام الشمولي، التي توصل إلى مثل هذه الانتخابات، وينتج عنها بالتالي وبالضرورة، الفساد والمحاباة والتخلف وطغيان سلطة أجهزة الأمن، التي تكتم أصوات الناس وتنفسهم. وكأن شعوبنا في نهاية المطاف، تصوت في الانتخابات على خنق حريتها واستمرار تخلفها وتهميشها، وعلى استهانة السلطة بحقوق المواطنة، وبالتقاليد الديمقراطية التي لا يمكن تطوير المجتمع وتحديثه من دونها.

إن عام الانتخابات العربية (التشريعية والرئاسية) الحالي، ما هو إلا عبث وملهاة للجماهير الشعبية، وخداع للرأي العام الداخلي والخارجي، ومحاولة بائسة لإقناع الآخر بأن أنظمتنا العتيدة هي أنظمة ديمقراطية، وأن برلماناتنا ورؤساءنا جاؤوا للسلطة ديمقراطياً، وأنه لا ينقصنا من الديمقراطية شيء.

وعليه فإن لغو بعض أطراف المعارضة، ومزاعم بعض وسائل الإعلام العربية والصحافة العالمية، ما هي إلا مؤامرة أو تنفيذ لرغبات أجنبية. لأن أخبارها كاذبة وتعليقاتها مسمومة، أو أنها لم تفهم معنى الديمقراطية الشعبية، التي تمارسها الأنظمة الشمولية في معظم البلدان العربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا ستنهض من تحت الرماد كطائر الفينيق… بشرط!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 26/4/2014

لا يمر يوم إلا وتطالعنا وسائل الإعلام ومراكز البحوث الاجتماعية والاقتصادية بدراسات وإحصائيات متشائمة عن مستقبل سوريا، فبعضها مثلاً يقول إن سوريا بحاجة لثلاثة عقود كي تعود إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الثورة. وبعضها يتحدث عن مبالغ خيالية لإعادة الإعمار. وآخر يحاول أن يصطاد في الماء العكر بالحديث عن تمزق النسيج الاجتماعي السوري إلى غير رجعة.

لا شك أن الدمار الذي حل بسوريا على أيدي نظامها والمتصارعين على سوريا مرعب بكل المقاييس اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، وربما تكون سوريا فعلاً مأساة القرن. لكن علينا ألا ننسى أن بلاداً كثيرة مرت بأزمات مشابهة من احتراب داخلي وخراب ودمار وانهيار ثم ضمّدت جراحها بسرعة، وعادت أفضل مما كانت عليه رغم تناحرها الداخلي ومحنها ومآسيها الاقتصادية والبشرية الرهيبة.

لقد شهدت الجزائر على مدى عقد كامل من الزمان منذ بداية تسعينات القرن الماضي حتى نهايته صراعاً أتى على الأخضر واليابس. ونتذكر عندما كنا في هيئة الإذاعة البريطانية أن الخبر الجزائري الكارثي كان الخبر الأول في وسائل الإعلام لسنوات وسنوات. لقد كانت أخبار القتل والدمار والدماء هي السائدة عن الجزائر. من يتذكر تلك الفترة، بالرغم من أنه لم يمر عليها سوى ثلاثة عشر عاماً فقط؟ لقد أصبحت نسياً منسياً، رغم كل مآسيها وفظاعتها. المهم في الأمر أن الجزائر لم تنته كدولة موحدة كما بشّر البعض وهوّل، وتمكنت خلال فترة وجيزة من ترميم بنيانها الشعبي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي بسرعة فائقة.

قد يجادل البعض هنا بأن الجنرالات الذين تسببوا في مأساة الجزائر ظلوا مكانهم يتحكمون بالبلاد وشعبها، ولم تشهد البلاد إلا قليلاً من الإصلاحات. وهذا صحيح. لكن العبرة في أن الشعب الجزائري استطاع أن يتجاوز محنته الرهيبة، بغض النظر عمن تسبب بها، وأن يعود إلى الحياة من جديد على أمل أن يكمل تحقيق أهدافه عاجلاً أو آجلاً رغماً عن أنوف جنرالات القمح والأرز والغاز والنفط والسكر. أي أن قانون الحياة أقوى من قانون الموت لدى الشعوب.

هل تتذكرون ما حدث في رواندا عام 1994؟ لقد شهدت مذابح وحرباً أهلية لم يسبق لها مثيل، فقد قتلت قبيلتا التوتسي والهوتو من بعضهما البعض أكثر من مليون شخص. لكن رواندا الآن نسيت مأساتها وصراعاتها القبلية الوحشية، وها هي وقد عادت إلى الحياة، كما لو أن شيئاً لم يكن.

وكي لا نذهب بعيداً عن سوريا، فقد شهد جارها لبنان حرباً أهلية حرقت البلاد لمدة ستة عشر عاماً، وتطاحن المسيحيون والدروز والسنّة والشيعة، ولم يبق بيت إلا وفقد عزيزاً. لا بل كان أفراد هذه الطائفة أو تلك يتفاخرون بالتمثيل بجثث ضحايا الطائفة الأخرى. لكن بعد كل ما حصل، ها هو لبنان وقد ضمّد جروحه الطائفية الغائرة، ونسي كل ما حدث، ليعود إلى الحياة من جديد. المهم أنه بعد كل ذلك الخراب والدمار والدماء والانهيار والتطاحن الطائفي استعاد عافيته الاجتماعية والشعبية، وعادت لحمته الوطنية رغم التشظي الطائفي، ورغم كل التهويل والتبشير بتفكك لبنان وزواله.

قد يتساءل البعض: كيف تريد أن يكون الحل السوري على الطريقة الجزائرية، حيث عاد الشعب إلى حضن الجنرالات بعد كل التضحيات التي قدمها الجزائريون للتخلص من نير الاستبداد والطغيان ودولة المخابرات الحقيرة؟ معاذ الله أن يعود الشعب السوري إلى حظيرة الطغيان. لم نحاول من خلال الكلام أعلاه القول إن سوريا ستشهد ما شهدته الجزائر من بقاء للطغمة الحاكمة جاثمة على صدور السوريين بنفس الوسائل والأساليب. فالزمن قد تغير تماماً، ناهيك عن أن موقع سوريا وتركيبتها الموزايكية مختلفة تماماً عن طبيعة الجزائر.

لم يعد النظام الذي ثار عليه السوريون بأساليبه ورموزه مقبولاً لا داخلياً ولا خارجياً. ولو توافق السوريون على نظام جديد مقبول من كل الأطراف، وهو ليس صعباً، فستبدأ سوريا بالتعافي السياسي والاقتصادي والاجتماعي مثل الجزائر ولبنان، وربما بشكل أسرع. لا أتفق أبداً مع التقديرات التي تقول إن سوريا عادت ثلاثين عاماً إلى الوراء، أو إنها بحاجة لعقود كي تعود الى ما كانت عليه من سوء قبل الثورة، أو أن نسيجها الاجتماعي قد اندثر. كل هذا الكلام مجرد تهويلات لا أساس لها من الصحة. لو استقرت الأوضاع، وتوافق السوريون جميعاً على قيادة تمثل الجميع، وليس كالقيادة الحالية التي اعترف رئيسها قبل مدة بأنه يمثل فقط مؤيديه، وأنه يعتبر بقية السوريين عملاء وخونة، لو توفرت القيادة التي يُجمع عليها السوريون، لداوى السوريون جراحاتهم على الفور، ولاستعادوا اللُحمة الوطنية، وتعالوا فوق الأحقاد، وتناسوا ضغائنهم، ولنهضت سوريا من كبوتها في وقت قياسي، لا سيما وأن الشعب السوري شعب مهني قادر أن يعيد بناء البلد خلال فترة وجيزة، ويجعلها تنبض بالحياة ثانية بأسرع وقت ممكن. أما إذا حدث ما حدث في العراق حيث سيطرت عصابة إيران الطائفية، وأقصت بقية العراقيين، فهذا سيكون وصفة لخراب ودمار وانهيار لعقود وعقود. لاحظوا كيف أن العراق لم يتعاف رغم ميزانيته الهائلة مقارنة بميزانية سوريا الهزيلة. لماذا؟ لأنه ليس هناك قيادة يُجمع عليها العراقيون، بل هناك قيادة طائفية تابعة لإيران استعدت عليها بقية الشعب، فتحول العراق الى ساحة وغى وتناحر واقتتال وانهيار. ولو حصل ذلك في سوريا، لا سمح، الله، عندئذ يمكن أن نتوقع أن يصبح وضع سوريا أسوأ من وضع العراق بعشرات المرات لأسباب مذهبية وطائفية واقتصادية مرعبة.

لكن، لا أعتقد أن السوريين سيسمحون بتكرار النموذج العراقي في بلدهم لأسباب موضوعية، فالسوريون لن يقبلوا بحكم مذهبي على الطريقة العراقية، خاصة وأن الغالبية العظمى منهم على عداء مع المذهب الإيراني الذي تم فرضه في العراق بقوة الحديد والنار. وبالتالي، فإن فرص إيران في تثبيت نظام شبيه بنظام المالكي في العراق الطائفي لن تنجح في سوريا، ناهيك عن أنه لم ينجح في العراق بدليل أن وضع العراق يتدهور يوماً بعد يوم منذ تحريره المزعوم عام 2003.

لا تقلقوا على سوريا، فلتهدأ الأوضاع، وليتوافق السوريون على قيادة وطنية حقيقية، وليطهروا أرضهم من رجس الغرباء جميعاً، وسترون أن السوريين سيتصالحون مع بعضهم البعض بأسرع مما يتوقع الكثيرون، وستنهض سوريا من تحت الرماد كطائر الفينيق.

كاتب واعلامي سوري

falkasim@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : تحت الراية الأمريكية يجتمع الأضداد ، الحرب على مشروع التحرر والنهوض باسم الحرب على التكفيريين والحرب على الإرهاب

زهير سالم

في ساحة يحمى فيها الوطيس يذوب جليد الادعاءات ، ويقف جميع ( الكهنة ) حفاة عراة ، لا راية تظلل جرائمهم ومطامعهم غير راية العم سام . كل ( الكهنة ) من الطغاة المستبدين الفاسدين وبطائنهم يكشفون هذه الأيام عن عدائهم السافر لمشروع الأمة في التحرر والنهوض والدعوة إلى الحياة ، بإعلان الحرب المباشرة تحت الراية الأمريكية المبرقعة بأحمرها وأزرقها على المؤمنين بجدارة هذه الأمة ، بحضارتها وثقافتها والحاملين لبرنامجها والمدافعين عنه .

من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال على الساحة الإقليمية يتحرك الكل اليوم تحت الراية الأمريكية الواحدة راية الحرب على ( التكفيريين والإرهابيين ).

 والتكفيريون والإرهابيون على الحقيقة ما هم إلا بعض مخرجات ومفرزات : الجهل والاستبداد والفساد . فهم ظل مباشر ملازم لهذا المثلث الكريه يسقطون بسقوطه ويضمحلون باضمحلاله ..

أما ( التكفيريون والإرهابيون ) في ادعاءات هؤلاء الأشتات المدعين فهم كل طفل يفتح عينيه للنور ، وكل صبية تستقبل مع نور الصباح شعاع أمل ، هم العامل الذي يرفض أن يسرق أحد منه ثمرة عرقه ، وكل فلاح يتمسك بما تخرج أرضه . التكفيري والإرهابي على أجندة هؤلاء هم متعلم تعلم أن الأرض كروية ، ورجل رأي قال لمن سلب الأمة قرارها : من أين ؟! وإلى أين ؟! وكيف ؟! ولماذا ؟!

( التكفيريون – الإرهابيون ) يحاربهم اليوم تحت الراية الأمريكية المبرقعة : الولي الفقيه ، كما يحاربهم أيضا الفقيه الولي كلهم يسميهم إرهابيين وتكفيريين ويحكمهم بالإعدام بالجملة في مصر ويشل أيديهم في تونس ويباديهم العداوة والبغضاء في العراق ..

ففي زمن العري الفاضح يداري محور المقاومة والممانعة بكل فصوصه ما بدا من عورته بالراية الأمريكية دون أن ينسى تعويذته المعتادة المكرورة : الموت لأمريكا والدمار لإسرائيل .

 الفص الأسدي من هذا المحور مدعي العلمانية والقومية واليسار يؤكد كل يوم أن غازه الكيماوي وبراميله المتفجرة وقنابله العنقودية والفراغية التي تلقيها طائراته بلا شفقة على المدن والبلدات السورية إنما تقصد هؤلاء ( التكفيريين الإرهابيين ) ، الذين تقمصت أرواحهم الشريرة أجساد الأطفال في حلب وحمص والغوطة فأصبح من الواجب إبادتهم بالجوع أو بالتعذيب أو بالسارين أو بالكلور أو بالرجم بحجارة من سجيل ..

قوميو بشار الأسد بمن فيهم الحزب الرجيم حزب البعث العربي الاشتراكي من المحيط إلى الخليج لا يجدون خدشا لعذرية دعوتهم القومية ( العربية ) بالتحالف المشين مع الشعوبية الصفوية التي تصفع وجهوهم الشائهة كل حين عبر شاشات الفضاء :

يبكي على طلل الماضين من أسد ...لا درّ درك قل لي من بنو أسد

ومن تميمٌ ومن قيـسُ ومن يمنٌ ... ليس الأعاريب عند الله من أحد

والفص الآخر من محور المقاومة التابع للولي الفقيه وبعد أن تفنن طويلا في تغيير الرايات فنادى مرة ( وازينباه ..) ، ثم لم يفتأ أن شن الغارة لحماية ما سماه محور المقاومة والممانعة ومشروعها ومستقبله ؛ لم يجد له مناصا أن يأرز أخيرا إلى جحره الحقيقي الجحر الأمريكي فيعلن أن حربه على أرض الشام إنما هي حرب على ( التكفريين الإرهابيين ) التكفيريون الإرهابيون كما يؤكد قادة هؤلاء ( النواصب ) وأتباع ( يزيد ) و ( السفيانيون )

تحت الراية الأمريكية ذاتها ( الحرب على الإرهاب والتكفيريين ) يصفي السيد الماكي خصومه السياسيين على أرض العراق. فكل من يسأله عن رقم في ميزانية ، أو عن امرأة مغتصبة في سجن ؛ هو إرهابي تكفيري يستحق الاستئصال والسوق إلى ما هو أبشع من غوانتنامو

وفي مصر السيسي ( العسكري المنقلب على الشرعية الديمقراطية ) لا تحتاج إلى كثير إصغاء لتتأكد أن جوقة الانقلابيين من عسكريين ومدنيين وسوقة ومثقفين تقدم أوراق اعتمادها بذل بالغ كجنود أوفياء في استكمال معركة الأمريكان ضد إنسان المنطقة تحت شعار الحرب على أعداء الأمريكيين ( الإرهابيين والتكفيريين )

ولن تبعد كثيرا حتى تجد أخيرا بعض الحكام الذين أبلغهم أوباما في زيارته الأخيرة للمنطقة أنهم قد انتهت صلاحيتهم ، وأنه محتاج ليستبدل بهم قوما غيرهم ، قوما ( عمليين استراتيجيين أذكياء ..) قد هُرعوا هم الآخرون أيضا ليبرؤوا من عقيدة ( الولاء والبراء ) ، ومن أجيال صنعوها على أن الدين يقاس بطول الثوب واللحية والسواك ، حتى ضج شبابهم وصباياهم من لغب ، ليحجزوا مكانهم تحت الراية الأمريكية جنودا أوفياء في الحرب على من صنفوهم الإرهابيين والتكفيريين .

كل هؤلاء الأضداد المتناقضين والشركاء المتشاكسين يتحدون اليوم تحت راية سالومي الأمريكية ( الحرب على التكفيريين والحرب على الإرهاب ) .والتكفيريون والإرهابيون – على أجندة هؤلاء - هم كل من يقول لكهنوت الضلال ولسدنة الانحراف وللحطمة من الرعاة ، وشر الرعاة الحطمة ، في زي ولي فقيه أو فقيه ولي أو في زي مدع للحداثة والحداثة منه براء . هؤلاء هم اليوم : كهنوت شيعي وكهنوت سني وكهنوت علماني وكهنوت ليبرالي وكهنوت قومي كلهم في مسلاخ واحد تحت الراية الأمريكية يعلنون الحرب على ( الإرهابيين والتكفيريين ) بمعنى أنهم يعلنون الحرب على هذه الأمة ومشروعها في الدعوة إلى الحياة ، الدعوة إلى الحياة وليس الدعوة إلى الموت (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..)).

لندن : 30 جمادى الآخرة / 1435

30 / 4 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصراع المسلح في سوريا اليوم

مازن كم الماز

القدس العربي

السبت 26/4/2014

بتحليل قدرات قوات النظام والمعارضة في سوريا وتكتيكاتهما من السهل فهم التوازن الهش الحالي بينهما على الأرض كما يمكن التنبؤ بأن هذا التوازن سيستمر في المدى المنظور على الأغلب .. رغم التفوق الواضح لقوات النظام في القوة النارية والسيطرة المطلقة لسلاح جوه على كل الأجواء بما في ذلك المناطقالمحررة، يفتقد النظام قدرة الجيش الحر والكتائب الإسلامية على تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين الجدد وتعويض الخسائر البشرية بسرعة .. هذا التفوق البشري العددي، والانتشار الأوسع جغرافيا لقوات الجيش الحر والكتائب الإسلامية بحكم أنها ما تزال تضم قوات محلية تنتشر على أكثر التراب السوري، تتيح هاتانالميزتان للجيش الحر والكتائب الإسلامية القدرة على فتح جبهات جديدة في زمان ومكان غير متوقعين وانتزاع مكاسب على الأرض وإنزال خسائر بقوات النظام بفعل عامل المفاجأة … مع ذلك أثبتت تجارب بابا عمرو والقصير والقلمون أن النظام قادر جزئيا على استعادة أية منطقة من يد قوات المعارضة المسلحة إذا حشد ما يكفي من قوات من خلال عمليات عسكرية بطيئة تعتمد أساسا على الضغط الهائل على قوات المعارضة عبر كثافة القصف المدفعي والجوي مع تقدم بطيء للمشاة والدبابات، إلى جانب قدرة قوات النظام على فرض الحصار على المناطق التي يدرك جيدا صعوبة احتفاظه بها خاصة في المناطق الحساسة القريبة من العاصمة والساحل .. مع ذلك فإن نجاح مثل هذه العمليات ممكن فقط في مناطق محصورة جغرافيا كالقلمون والغوطة وحمص وبعيدة نسبيا عن خطوط إمداد المعارضة القادمة من الحدود الطويلة المفتوحة مع تركيا، مما يعني أن هذه الاستراتيجية صعبة التحقيق جدا أو مستحيلة في مناطق الشمال ما لم يطرأ تغيير جذري على الموقف التركي الرسمي من الثورة السورية ..

هناك في الشمال نجد قوات النظام في حالة تراجع أو دفاع ويحاول النظام تأخير تقدم المعارضة عبر حملات قصفه الوحشي خاصة على حلب وريفها .. بالمقابل لم يطرأ تغيير جدي على تكتيكات قوات المعارضة التي تعتمد أساسا على حرب المواقع، استراتيجية تقوم على التمدد داخل المدن والقرى في كل مكان يمكن فيه تحييد تفوق قوات النظام في الدروع والطيران والقوة النارية لانتزاع أرض جديدة والتمترس فيها بما يعني أن تصبح هذه المناطق هدفا لبراميل وقصف النظام الهمجي…

استراتيجية حرب المواقع هذه تكرس التوازن النسبي القائم على الأرض، عكس الضربات المفاجئة في كل مكان التي أدت إلى تحرير أجزاء واسعة من سوريا من سيطرة قوات النظام بما في ذلك المناطق المحيطة بدمشق نفسها في أواخر عام 2012… بينما تشهد المنطقتان الشرقية والشرقية الشمالية حالة من المراوحة بين داعش والنصرة وقوات الجيش الحر المحلية وقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المتحالف مع النظام بحيث تبدو كأنها خارج الصراع العام خاصة بعد أن توازعت الكتائب الإسلامية السيطرة على حقول النفط هناك .. ورغم تزايد استهداف المدنيين، بشكل أساسي من قصف النظام وبراميله وأسلحته الكيماوية باعتبارهم هدفا سهلا استهدفه النظام منذ بداية الثورة كجزء أساسي من استراتيجيته لهزيمة واستئصال فكرة الثورة والتمرد من وعي السوريين، لكن استهداف المدنيين، سواء من النظام أو المعارضة لم ولا يمكن أن يؤدي إلى نتائج مؤثرة على الصراع، طبعا عدا عن مفاقمة معاناة السوريين والفلسطينيين العاديين، واستثمار تلك المعاناة دعائيا …

أخيرا يبقى من الضروري أن نعترف باولوية العامل الخارجي في الصراع اليوم بين النظام وقوى الثورة المسلحة، خاصة أنه هو أيضا يمر بمرحلة من عدم الحسم أو التردد سواء بين الغرب وروسيا أو بين إيران والسعودية .. يتجلى هذا في المشاركة الواسعة لميليشيات شيعية مختلفة إلى جانب قوات النظام وفي المعارك ضد داعش مع انطلاق جنيف 2 أو في التقدم الأخير لقوات المعارضة في حلب .. مع هذا التوازن النسبي للقوى المسلحة على الأرض، تدخل مقاومة السوريين مرحلة جديدة، صعبة إن لم تكن شديدة الصعوبة، أصبحت فاتورة قول لا باهظة جدا اليوم في سوريا، ومع تراجع تأثير السوريين العاديين على ما يجري في بلادهم والدور الحاسم للقوى السلطوية المتنافسة في إدارة الصراع على مصيرهم، وأيا كانت نتيجة الصراع المسلح، فإن نهايته ستعني فقط بداية فصل جديد في نضال السوريين العاديين من أجل حريتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مدينة القامشلي؟

خالص جلبي

الشرق السعودية

السبت 26/4/2014

(القامشلي) مدينة وادعة تقع في أقصى الزاوية الشمالية الشرقية لسوريا. مستندة بخاصرتها إلى الحدود التركية في مواجهة مدينة نصيبين التركية التاريخية. وأهلها من عائلة واحدة بالأصل ولكن حيل بينهم بحبل من السياسة غليظ. والبلدة تشبه بابل القديمة. فيها ستة أديان وثماني لغات، بمن فيهم من يعبد الشيطان في جبل سنجار الممتد بين العراق وسوريا. وهم يسمونه طاووس الذي يحكم الأرض لمدة عشرة آلاف سنة. ويتحاشون ذكر أي كلمة فيها حروف كلمة الشيطان مثل شاط وخاط وطشت. وكان في المدينة حي كامل لليهود، وقد هربت غالبيتهم العظمى إلى إسرائيل كما روت يهودية كندية اشتغلت على الموضوع أكثر من عشرين سنة. ونشرت ذلك في جريدة مونتريال الكندية.

وإذا مررت بهذه المدينة الصغيرة تناهى إلى سمعك الناس وهم يرطنون بلغات شتى في عشرات اللهجات بين أرمينية وسريانية وآشورية وكلدانية وعربية وتركية وكردية. وفيها فرق مسيحية منقرضة. ولم أكن أعلم أن (الكلدان) هم الطائفة النسطورية التي تقول بالطبيعة الواحدة للمسيح حتى قرأت ذلك عند المؤرخ البريطاني (توينبي).

وهذه التعددية جيدة إذا خلقت فضول التعرف على الغريب والجديد في جو التسامح. ولكن معظمها شرانق مغلقة على نفسها تتعامل مع القواقع الإثنية الأخرى ببضاعة من الريبة والحذر. ولكل طائفة كنيسة ومدرسة وفرقة موسيقية. ومن ولد فيها التصق بسلاسل فلا يستطيع أن ينقل قيد نفوسه إلى أي مكان آخر.

والمنطقة فيها البترول وخيرات حسان ولكن آخر من ينتفع بالبترول هم أهلها، ومن تكلم في الموضوع ضاع وهلك. وعندما زرتها بعد غياب 17 سنة تراجعت البنية التحتية أكثر، وخيل لي أنه لا يوجد فيها بلدية. أما مكان الطفولة الذي كنت أدرس فيه وأتجول فقد تحول إلى مدينة مخابرات أمنية كاملة. فلم يكن أمامي إلا أن ألم حسراتي وزفراتي في جو من ضباب الذكريات. ومن سافر من حلب شرقا باتجاه القامشلي خيل إليه أنه خرج من سوريا، حيث يمر على قرى كثيرة دون شجرة. ويتعجب المرء حينما يتذكر أن (هارون الرشيد) كان مصيفه مدينة الرقة. والطريق بين بغداد والرقة الآن حر قاتل وغبار خانق. والمشكلة الكردية فيها هي واحدة من عشرات المشكلات. وعندما ينحط الجسم باتجاه الشيخوخة فتضعف المناعة وتنهار الحضارة تبرز المشكلات تترى يأخذ بعضها برقاب بعض. ويشبه الجسم العربي اليوم مريض العناية المركزة الذي تعرض للنزف فدخل مرحلة القصور الكلوي وفشل عديد من الأعضاء النبيلة. والمشكلات أكبر من كل عقل وأعظم من كل تطويق أمني.

ويجب ألا يستخف السياسيون بسكوت الجماهير الطويل وتحمل الظلم. ويعتبر الوردي أن وعي الثورة هو الذي يفجر الثورة أكثر من الظلم، ولكن حينما يتشكل الوعي لا يتفطن له الطغاة ويمضون سادرين في غيهم حتى يفاجئهم الزلزال، فيقولون هل إلى مرد من سبيل. والشرارة التي أحرقت عرش تشاوسسكو جاءت من قس مغمور في مدينة (تيمي شوارا). ومعظم النار من مستصغر الشرر. والبعوضة تدمي مقلة الأسد. والفيروس ضعيف جدا ولكن فيروس الأنفلونزا الإسبانية قضى عام 1918 م على 25 مليون نسمة. ورصاصة من متعصب هندوسي أنهت حياة داعية السلام غاندي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجلس الإسلامي السوري (1)

د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 27/4/2014

نعم. سيكون هذا من المواضيع الحساسة. وستتراوح مواقفُ البعض تجاهه بين الاتهام والتأنيب، مروراً بالعتب المُعلن أو المكتوم. لكن جدية الموقف

لا تسمح بتمييع التعامل مع مثل هذه الملفات الخطيرة التي لا يمكن أن تظل مُغلقة، خاصةً في ظل العواصف التي تمر بها الثورة السورية، وفي ضوء التأثير الأساسي لهذه المواضيع على مسيرة الثورة من ناحية، وعلى تركيبة سوريا المستقبل من ناحية ثانية.

يُتوقع أن يعترض على الرأي الوارد في هذا المقال مثلاً أولئك الذين يحلمون

بوجود جهةٍ إسلامية (سُنيةٍ) واحدة تكون مصدر الرأي والقرار لغالبية

السوريين.. وسيعتقد هؤلاء أن المقال يناقض الدعوة إلى وحدة الكلمة. لكن من الممكن أيضاً أن يسيء فهم المراد من هذا الكلام بعض المثقفين والعلماء الأكثر موضوعية وحياداً. فالضغوط التي يتعرض لها السوريون من جانب، والواقع الصعب والمعقد لثورتهم من جانب آخر، كلها أسباب تزيد من العبء النفسي المتزايد على الجميع لإيجاد حلٍ ما.. ولما كانت الفرقةُ في الرأي والموقف سبباً أساسياً من أسباب هذا الواقع في نظر الكثيرين، وهذا صحيح، فإن البحث عن كل ما يجمع ولا يُفرﱢق يصبح في نظرهم مشروعاً ومطلوباً ومرغوباً فيه. من هنا يفهم الإنسان شعارات الوحدة ويتفهم الدافع لتشكيل هيئاتٍ ومنظماتٍ تجمع الكلمة، وتُوحد الرأي تجاه القضايا الأساسية التي تواجه الجميع في هذه المرحلة الحساسة.

رغم ذلك، هناك فرقٌ بين الشعور بالحاجة إلى شيء وبين بناء مشروعٍ يحقق أهدافه الحقيقية. إذ لابد من القيام بجردةِ حساب إستراتيجية، من منطلقات شرعية وعلمية وواقعية، تأخذ بعين الاعتبار كلﱠ الآثار والنتائج الإيجابية والسلبية التي ستترتب على البرامج والهياكل التي تُطرح ويعتقد البعض، ببراءةٍ وإخلاصٍ أحياناً، أنها تُحقق المطلوب. خاصة عندما تُؤخذُ القرارات تحت مطارق الضغوط النفسية والعملية الهائلة. ونحن عندما نتحدث عن الصفة الإستراتيجية لجردة الحساب المطلوبة، فإن هذا يعني تحديداً امتلاكَ القدرة على رؤية الآثار بعيدة المدى لأي مشروع، بدلاً من الوقوف عند الآثار الظاهرية القريبة له.

نطرح هذا الكلام تعليقاً على مشروع (المجلس الإسلامي السوري) الذي أُعلن تشكيله منذ فترة ليكون: "مرجعيةً إسلامية للشعب السوري، لتسديد مسيرته والنظر بقضاياه العامة"، كما ورد في بيان الإعلان عن المجلس.

ورغم المقام المحفوظ لمن شاركَ في هذا المشروع، إلا أن هذا لا يعني

وجودَ مناعةٍ أو قدسيةٍ أو أي صفةٍ أخرى تمنع الحوارَ فيه ومناقشته على كل المستويات. وما دام المنطلق المشترك هو البحث عن المصلحة العامة، فإن المجال يصبح مفتوحاً لجميع من يريد أن يدلي بدلوهِ باحترامٍ ومنهجية وموضوعية.

بناءً على هذا يمكن التصريح بأن مثل هذا المشروع، بالشكل الذي تمﱠ عليه، يمكن أن ينطوي على عدة محاذير، نعرضها هنا وفي المقال القادم. فمن جهة، يمكن أن يتحول المجلس إلى ما يشبه (الفاتيكان) السوري، بمعنى أن يتولى مهمات لا يجوز أن تنحصر في أفراده، وأن يُصدرَ توصيات وقرارات وتوجيهات تؤثر في مصير السوريين جميعاً، دون أن تمتلك تلك القرارات بالضرورة كل المقومات والشروط المطلوبة لإصدارها بما يحقق المصالح العامة.

والمسألة الحساسة التي يجب الانتباه إليها هنا تتمثل في ذلك الارتباط الدقيق الذي أصبح سائداً بين الفتوى الشرعية وبين القرارات السياسية والاقتصادية والإدارية. فرغم أن المُعلن أو المُتعارف عليه أن المجلس سيختصﱡ بإصدار فتاوى شرعية، غير أن القاصي والداني يدركان أن تلك الفتاوى الشرعية تتعلق في حقيقتها، وبشكلٍ كبير، بالمسائل الكبرى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تشغل الواقع السوري المعاصر.

والمشكلة هنا أن إصدار تلك الفتاوى، وهي تمثل في حقيقتها مواقفَ سياسية

وأحكاماً اقتصادية وتوجهاتٍ ثقافية، يتطلب وجود دراسات وتحليلات في غاية العمق والتنوع والشمول من جهة الاختصاص.. وحيث إن تخصص الغالبية العظمى من الشخصيات التي تعمل على هذا المشروع، إن لم يكن جميعهم، ينحصر في إطار العلوم الشرعية، فإن من الصعوبة بمكان أن تتوفر الشروط العلمية اللازمة التي تضمنُ كونَ المسألة قيدَ البحث قد فُهمت ودُرست بالشكل المطلوب. وبالتالي، فإن الفتوى أو الحكم الصادر بخصوصها سيحمل، لا محالة، درجةً من النقص والقصور. الأمر الذي

يمكن أن يؤدي إلى ظهور تَبعاتٍ عملية غير محمودة النتائج، هذا إذا لم يؤدِّ الأمر بمجمله إلى حصول كوارث على أكثر من صعيد.

ومع الاحترام المطلوب للمتخصصين في العلوم الشرعية، غير أن الصراحة والواقعية يقتضيان التأكيد بأن عصر الموسوعات الكبرى المتمثل في بعض العلماء انتهى منذ زمن بعيد. وأصغرُ إنسانٍ يمتلك شيئا من العلم الأصيل بالدين في هذا الزمان ويحترم نفسه، يستحي أن يدعي معرفته بجوانب السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والتاريخ والثقافة والأدب والعلوم.

لقد آن الأوان لنأخذ بكل جدﱢية التعقيدَ البالغ الذي أصبح طابَعَ الحياة

اليوم، ونُدرك الحيوية الهائلة التي صارت تميز واقعنا المعاصر، والتي بات من المستحيل إدراك أبعادُها أو التعامل معها بعيداً عن جملةٍ من الفنون والعلوم والتخصصات التي مازالت ثقافتنا الإسلامية والعربية والسورية زاهدةً فيها، وفي مقدمتها تخصصات العلوم الاجتماعية.

ففي حين كانت العوامل التي تؤثر في الماضي في حياة الإنسان، وفي مصير الأمم والشعوب، محدودةً عددياً، ومحصورةً في بيئته الجغرافية وواقعه الاجتماعي والسياسي المعيّن. تزايدت تلك العوامل اليوم وتنوّعت بشكل يستعصي على الحصر.

وفي حين كان العلماء فيما مضى يتّصفون بالموسوعية، فنجدُ أحدهم عالماً في الدين والاجتماع والفلك والطب والكيمياء وما إليها، صارت غايةُ المُنى لعلماء اليوم أن تكفي حياتُهم للإحاطة الشاملة الدقيقة ليس بعلمٍ واحدٍ فقط، وإنما بأمرٍ جزئي في علمٍ من العلوم.

وأصبح من أهم ملامح هذا العصر أن كثيراً من تلك العمليات الحياتية العفوية التي كانت تمارسُها المجتمعات، أو التي كان الأفراد يقومون بها في الماضي، صارت اليوم علوماً تُدرّسُ في المدارس والجامعات، تُكتبُ حولها المقالات والكتب والأبحاث، وتُقام لها حلقات البحث والندوات والمؤتمرات.

وفي الخلاصة، فإنه لم يعد هناك تقريباً شيءٌ من أمور البشر يُمارسُ عفوياً في هذا الزمان. وإذا كان في بلادنا من لا يزال يعتقد ذلك بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال، فإنما ينتج ذلك عن جهلٍ بهذا العصر وبهذا العالم، وبالإنسان الذي يعيش فيهما. وبالتالي، فإن من الطبيعي أنه لا يستطيع إنسانٌ يحمل رسالةً أو قضية أن يعيش كما يستحق أن يعيش في هذا العصر وفي هذا العالم، فضلاً عن أن يؤدي رسالته ويخدم قضيته، ما لم يدرك تلك الحقيقة الكبرى أولاً، ثم يتحرك وفقاً لمقتضياتها في واقع الحياة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيماوي الأسد مجددا!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 27/4/2014

تكثفت الدلائل في الشهرين الأخيرين على قيام نظام الأسد باستخدام الكيماوي مجددا في أنحاء مختلفة من سوريا وخصوصا في منطقة ريف دمشق، والغوطة على نحو خاص، حيث تدور معارك قوات النظام والميليشيات الطائفية التابعة من مسلحي حزب الله ولواء أبو الفضل العباس ضد قوات المعارضة السورية.

ورغم أن استخدام الكيماوي مجددا ارتبط باتهام المعارضة لنظام الأسد باستخدامه، فإن الأخير لم ينف استخدام الكيماوي، لكنه اتهم المعارضة بذلك، وهو سلوك طبيعي لنظام اعتاد الكذب والتلفيق، وفي موضوع الكيماوي ذاته، كان قد اتهم المعارضة باستخدام الكيماوي في المجزرة التي ارتكبها صيف العام الماضي في الغوطة، قبل أن تبين التحقيقات الدولية أكاذيبه، وتؤكد عبر التحقيق، أنه قام بالمجزرة عن سابق إصرار وتصميم، وهو ما دفع المجتمع الدولي للتحرك من أجل نزع السلاح الكيماوي من يد النظام تحت التهديد باستخدام القوه ما لم يستجب للطلب الدولي.

وكما هو معروف، فإن نتائج المساعي الدولية في نزع الأسنان الكيماوية للنظام كانت محدودة، ولم تتمخض عن نتائج حاسمة. ورغم أنه تم تأمين المنشآت الكيماوية المعروفة، لكن لم يتم إخراج سوى قسم صغير لا يتجاوز 15 في المائة من ترسانة كيماوية هي الأهم والأخطر في العالم، وهو إنجاز محدود بكل المعايير في قضية، تتصل بنظام كاذب ومراوغ، اعتاد التهرب من أي التزامات، اضطر لإعلان قبولها، وقد تحدثت تقارير ذات مصداقية عالية، عن قيام نظام الأسد بتهريب جزء من ترسانته الكيماوية إلى لبنان، ووضعها هناك في مستودعات حزب الله لتكون احتياطا لهما في معارك لاحقة. بل إن بعض التقارير، أكدت أنه حتى لو سلم نظام الأسد كل مخزونه الكيماوي، فإنه لن يمتنع عن إنتاج واستعمال سلاح كيماوي جديد في حربه على السوريين، ولن يمنعه عن ذلك عدم توفر مراكز تقنية لهذه الصناعة القاتلة، لأن بإمكانه إنتاجها بوسائل بدائية وبتكاليف بسيطة، واستخدامها عبر سلاح الجو ولا سيما الحوامات على نحو ما يجري في استخدامه للبراميل المتفجرة، التي يصنعها بمواد ووسائل بدائية وبأقل التكاليف، ويرميها على المناطق المدنية بواسطة الطائرات، فتقتل وتدمر بأكثر الأشكال وحشية.

وسط هذه الوقائع، ثمة حقيقة مؤكدة، خلاصتها أن ملف كيماوي الأسد ما زال مفتوحا رغم أن كثيرين في العالم ولا سيما في الولايات المتحدة قدروا، أنه تم إغلاق الملف، وأن السلاح الكيماوي للأسد خرج من المعادلة السورية، وقد اضطر الأميركيون وغيرهم مؤخرا إلى الاعتراف بخروقات الأسد في استخدام الكيماوي، وثمة مطالبات متزايدة للتحقيق في ذلك، والنتائج الدالة على استخدام الكيماوي من جانب قوات الأسد تبدو مؤكدة، لأن ثمة وقائع ومعطيات معروفة وثابتة، لن تحتاج لجان التحقيق الدولية إلى جهد ووقت كبيرين للوصول إليها والتأكد من صدقيتها، الأمر الذي سيضع المجتمع الدولي وخصوصا كلا من روسيا والولايات المتحدة أمام حقيقة الكذب والخداع الذي مارسه نظام الأسد في موضوع الكيماوي، كما في كل القضايا التي أحاطت بالقضية السورية طوال أكثر من ثلاث سنوات مضت.

لقد بات على العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى اتخاذ مواقف جدية وحاسمة، ليس من الملف الكيماوي لنظام الأسد، وإنما من النظام كله بسياساته وممارساته في ضوء إصراره على مسار الحل الأمني العسكري ورفضه الذهاب إلى حل سياسي أو الدخول في مسار تطبيقي إليه وفق ما تجلى في «جنيف2» باعتراف الأمم المتحدة، وهذا يعني ثلاثة أمور أساسية، أولها أن سياسة الكذب والمراوغة سوف تستمر، والثاني أن ممارساته ضد الشعب السوري في القتل والتدمير والتهجير وإنتاج الإرهاب مستمرة أيضا، والثالث، أن تلك السياسات والممارسات، ستظل تشكل مصدرا لتهديد الأمن والسلام الدوليين، ليس في الشرق الأوسط وحده، وإنما على الصعيد الأبعد، مما يفرض ضرورة غياب هذا النظام، وذهابه إلى غير رجعة، ومساعدة السوريين لإقامة نظام ديمقراطي، يوفر لهم الحرية والعدالة والمساواة، ويجعل سوريا قوة هدوء وسلام وتعاون في الشرق الأوسط والعالم، كما ينبغي أن تكون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين الجلاء والإجلاء

د. محمود نديم نحاس

"يوم الاستقلال" لأي بلد هو اليوم الذي استعاد فيه حريته من محتل أجنبي أو وصاية خارجية، وصار يحكم نفسه بنفسه، أخذاً من التعبير الإنجليزي Independence Day. وتحتفل كثير من البلدان كل عام بيوم استقلالها، لتذكّر الأجيال بمعاناة الآباء المؤسسين من أجل الحصول على الحرية، ولغرس روح المواطنة وحب الوطن في قلوبهم.

لكن سوريا انفردت بتسميته "يوم الجلاء". ذلك أن السوريين عندما أخرجوا الفرنسيين من بلدهم في مثل هذا الشهر (نيسان/إبريل) من سنة 1946، بعد ربع قرن من الوصاية، أرادوا أن يتميزوا بأن يأخذوا التسمية من اللغة العربية. كيف لا وهم الذين اعتمدوها حتى في التعليم الجامعي بكل تخصصاته، من الطب إلى الهندسة إلى علوم الذرة. فمن أين جاءت كلمة الجلاء، التي عندما تُذكر يتبادر إلى الذهن أحد معانيها الأكثر استخداماً، وهو الوضوح؟

ومن معاجم العربية: جَلا القومُ يَجْلُون جَلاءً وأَجْلَوْا إِذا خرجوا من بلد إِلى بلد. وأَجْلاهم هو فأَجْلَوْا أَي أَخرجهم فخرجوا. وقد جَلَوْا عن أَوطانهم وجَلَوْتُهم أَنا. وأَجْلَوْا عن البلد وأَجْلَيْتُهم أَنا. والجَالِيَة: الذين جَلَوْا عن أَوْطانهم. وجَلا القومُ عن الموضع ومنه، جَلْواً جَلاءً، وأَجْلَوْا: تفرَّقوا. وقيل: جَلَوا من الخوف، وأَجْلَوْا من الجَدْب. وأَجْلاهم هو، وجَلاَّهم، وكذلك اجتلاهم. وجَلاهُ عن وطنه فجَلا أَي طرده فهرب.

ومن معانيها الأخرى: جَلا الرجلُ الأَمرَ وجَلاَّه وجَلَّى عنه كشَفه وأَظهره، وقد انْجَلى وتجَلَّى. وأَمرٌ جَلِيٌّ: واضح. وجَلا لي الخبرُ أَي وَضَح. والجَلاءُ: الأَمرُ البَيِّنُ الواضحُ الجَليُّ. وفي القرآن الكريم عن الساعة (لا يُجَلِّيها لِوْقْتِها إِلا هو) أَي يظهرها. وفيه أيضاً (فلما تجَلَّى ربُّه للجبل) أَي ظهر وبانَ. وأَخْبرْني عن جَلِيَّةِ الأَمر أَي حقيقته. والجَلِيُّ: نقيض الخَفِيِّ. والجَلِيَّة: الخبر اليقين. وجَلا السيفَ والمِرآةَ جَلْواً وجِلاءً صَقَلَهما. والجَلا كحل يَجْلو البصر. والجَلاءُ والجِلاءُ الكحل لأَنه يجلو العين. ويقال للمريض: جَلا اللهُ عنه المرضَ أَي كشَفَه. وأَجْلَيْتُ عنه الهمَّ إِذا فرَّجتُ عنه. وجَلَوْتُ عني هَمِّي جَلْواً إِذا أَذهبته. وانْجَلى الغَمُّ أو الظلام انكشف، وفي التنزيل العزيز (والنَّهارِ إِذا جَلاَّها) أي إِذا جَلَّى الظُّلمةَ وبيَّنَ الشمسَ.

وهكذا عندما تم إجلاء الفرنسيين عن سوريا، تمت تسمية ذلك اليوم بيوم الجَلاء. ورغم أن الذين عاصروا الجلاء لم يبق منهم إلا قلة ممن عُمِّروا، فإن السوريين اليوم قد سمعوا من الآباء والأجداد عن ممارسات المحتل ضد أبناء الوطن، والتي - رغم قسوتها - فإنها تُعدّ مداعبات مقارنة بما يصيبهم اليوم من الأسلحة الكيماوية والعنقودية والغازات السامة والبراميل المتفجرة التي تمطرهم بها الطائرات التي اشتُريت بأموالهم. وإذا كان الآباء والأجداد قد أَجبَروا المحتلَّ على الجلاء، فإن الأبناء والأحفاد هم من أُجبروا على الجلاء، إذ اضطر ما يقرب من نصف السكان إلى الجلاء عن موطنهم هرباً، وهم في وضع مأساوي من التشرد والجوع حسب أحدث تقرير لمنظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.

عندما ارتفعت فاتورة بقاء المحتل في سوريا أسرع فجلا، لكنه ضمن ما يريد من ذلك البلد! فقد وصلته رسالة من بعض السوريين تطالبه بعدم الجلاء! فكان الحل أن يوكل إذلال الشعب السوري إلى أصحاب تلك الرسالة وأبنائهم وأحفادهم. ولقد بقيت تلك المراسلة بين الزيف والحقيقة إلى أن أبرزها في العام الماضي مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة، فصارت حقيقة دامغة. وربما هذا يفسر بعض ما يجري في ذلك البلد العريق الذي يحتضن أقدم مدن العالم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جرائم لها تاريخ

بدرالدين حسن قربي

في صباح 8 نيسان/ابريل 1970، في نفس العام الذي انقلب فيه الأسد الأب على رفاقه وسيطر على مقاليد حكم سوريا قصفت القوات الإسرائيلية في قرية بحر البقر في محافظة الشرقية في مصر مدرستها الابتدائية بخمس قنابل وصاروخين، تسبّبت بمقتل 30 طفلاً وإصابة 50 آخرين بجروح بعضها خطيرة، وتدمير مبنى المدرسة تماماً.

في 11& 12 نيسان/ابريل 2014 يومي الجمعة والسبت قصف الطيران الحربي بلدة كفرزيتا في ريف مدينة حماة ببراميل متفجرة فيها مواد سامّة (غاز الكلور) ليومين على التوالي، وقد تكرر ذلك في أيام تالية. وأشارت الأخبار عن وقوع حالات تسمم واختناق بين المدنيين بلغت نحو 100 حالة، بينها 15 حالة خطيرة، وبثّ ناشطون معارضون على موقع اليوتوب أشرطة فيديو تظهر أطفالاً وشباناً بدا عليهم الإعياء، ويعانون من السعال والاختناق. ورغم أن الهجمات كانت بواسطة مروحيات وبراميل متفجرة، وهي تقنيات تمتلكها قوات الأسد وشبيحته فقط فإن إعلام النظام الأسدي ألقى باللائمة على جبهة النصرة بزعم أنها هي التي استخدمت الغاز السام نافياً عن نفسه الجريمة رغم الدليل عليه.

في 29 نيسان/ابريل 2014 وبشار الأسد يعلن عن ترشحه لولاية رئاسية ثامنة، تم قصف مدرسة بدرالدين الحسيني في حي الشاغور في مدينة دمشق بقذيفة هاون تسببت بمقتل 17 طفلاً وجرح العشرات ممن جراح بعضهم خطيرة.

في 30 نيسان/ابريل 2014 وبعض مسيرات التأييد الجاهزة لترشح بشار الكيماوي، قصف طيرانه بصاروخ فراغي مدرسة عين جالوت الابتدائية في منطقة الأنصاري/حلب يُقام فيها معرض لرسوم الأطفال تسبب بمقتل 30 من الحضور معظمهم من أطفال المدرسة ومعهم المدير وأحد المعلمين، إضافة إلى عشرات الجرحى والمصابين.

وبالعودة إلى الجريمة الإسرائيلية المشار إليها في بحر البقر، فإن مصر ومعها كل الدول العربية نددت بها، ووصفتها بعمل وحشي يتنافى تماماً مع كل الأعراف والقوانين الإنسانية، في وقت برّرت فيه إسرائيل جريمتها بأنها كانت تستهدف أهدافاً عسكرية فقط، وأن المدرسة كانت عبارة عن منشأة عسكرية مخفية. ولكن مع جريمة مدرسة عين جالوت الوحشية لعصابة النظام الأسدي لم يحصل شيء من النكير والاستنكار، بل مضت الجريمة وكأن شيئاً لم يكن، بل بدت في أجواء السكوت العربي والدولي، وكأن المجرم الفاشي النازي ألقى على المدرسة وأطفالها كتباً مدرسية وإعاناتٍ غذائية.

إن السكوت عن جريمة عين جالوت وأمثالها، هو سكوت مخجل ومعيب يكلله العار، لأنه سكوت يتصل بعشرة آلاف طفل من السوريين قام النظام الأسدي بقتلهم بكافة أنواع الأسلحة بمافيها الكيماوي، ويتواصل أيضاً مع تشريد الملايين منهم. ولئن ذكر تقرير منظمة اليونسيف أن نحو ثلاثة ملايين طفل في الداخل السوري ودول الجوار غير قادرين على الذهاب إلى المدارس بانتظام، فإن واقع من يحرص منهم على مواصلة التعلم والذهاب إلى المدرسة رغم المصاعب الكثيرة، لايسلم من جرائم الأسد وتوحشه في قصف مدرستهم تحت شعار استراتيجي غير معلن، اقتلوا أبناء الذين ثاروا علينا وتمردوا على ألوهيتنا، اقتلوا الذين ثاروا وأبناءهم، اقتلوا الذين طالبوا بحريتهم وكرامتهم وأطفالَهم لعلهم يرهبون، ولئن احتاج الصهاينة لخمسة قنابل وصاروخين لقتل ثلاثين طفلاً، فإننا على نفس العدد من قتل الأطفال بصاروخٍ فراغيٍ واحدٍ لقادرون.

يظنّ المجرم ومعه شبيحته أنه لن يقدر عليه أحد، وأنه بإجرامه وتوحشه قادر ومقتدر على كسر إرادة السوريين، ولكن ماباله ولم يترك باباً من أبواب الإجرام معروفاً لأولاد الحرام أو غير معروف، لم يستخدمه بما فيه الكيماوي والبراميل، ولكنه لم يصل إلى نتيجة، وذلك لأن معركته مع الشعب، وأيّما معركة طرفها الجماهير فلا ناصر له منها، وسقوطه قدر أياً كان مناصروه، ومهما كثر عدد شبيحته وموالوه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ملابسات

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 30/4/2014

أثار انتباهي حديث أجرته «زمان الوصل» قبل شهرين مع الصديق العزيز الأستاذ حسن عبد العظيم منسق هيئة التنسيق في دمشق، عبّر فيه عن جملة أشياء مهمة كالدعوة إلى عقد لقاء تشاوري يسبق «جنيف3» – إن كان سيتم عقد «جنيف3» في مدى منظور (الملاحظة من عندي) - يجري خلاله توافق على موقف موحد للمعارضة، وخطة تفاوضية... إلخ، وروى قصة اللقاءات التي تمت في القاهرة بينه وبين السيد أحمد الجربا رئيس «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية»، وترأسه ووفد من الائتلاف، عقب لقاء جنيف الأول. وقد توقفت عند حديث الأستاذ عن إدارة الحكم الذاتي المؤقتة في مناطق من الجزيرة، التي كرر حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» الإعلان عنها، ولفتني قوله: إن الهيئة قررت إجراء حوار مع الحزب حول ما يقوم به، في ضوء وثائقها، كأن وثائقها أكثر أهمية مما يجري على الأرض من وقائع وأحداث تتخطاها إن لم أقل إنها تنسفها، أو كأن الحزب يترجم وثائق الهيئة إلى وقائع من خلال سياساته، أو يلتزم بها فيما يتخذه من خطوات!

قال المناضل والصديق العزيز، في حديثه عن مفاوضات جنيف، بالحرف: «... كان على الوفد - وفد الائتلاف - أن يبدأ بأولوية وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين والأسرى والمخطوفين، وتسهيل مرور الإغاثة بأنواعها للمناطق المحاصرة كخطوات تمهد لتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وذلك وفق بنود جنيف». يعرف الأستاذ حسن أن الخلاف الرئيس في جنيف كان حول الأولويات، فقد أراد وفد النظام البدء بوقف إطلاق النار ومحاربة الإرهاب، متذرعا بتطبيق بنود جنيف الستة واحدا بعد آخر، على أن يكون آخرها تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية. بينما دعا وفد المعارضة للبدء بتشكيل الهيئة برضا الطرفين، لأن قرار مجلس الأمن رقم 2118 يقول إنها ستتولى إقامة أجواء محايدة تنقل سوريا إلى النظام الديمقراطي. وفي حين رفض وفد السلطة البدء بتشكيل الهيئة، وافق وفدنا على وقف إطلاق النار ومكافحة الإرهاب وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بالتظاهر السلمي... إلخ من قبل الهيئة وبرضا الطرفين، لأن تحقيق هذه البنود هو الذي سيؤسس البيئة المحايدة الضرورية للانتقال إلى الديمقراطية، بينما لن يفضي وقف إطلاق النار الذي يركز على مكافحة الإرهاب إلى ذلك.

ثمة نقطتان مهمتان هنا؛ هما:

- اختلف الأميركيون والروس على بنود جنيف واحد وأولوياتها، ثم اتفقوا على آلية لتطبيقه حددوها في القرار 2118، الذي يجب أن يعتمد مرجعية وحيدة، لانفراده بتقديم هذه الآلية، ولأنه يعد ملزما بنصه الصريح للطرفين. ماذا تقول آلية القرار 2118 المعتمدة من مجلس الأمن بالإجماع، بما في ذلك من روسيا؟ إنها تقول بتطبيق فوري وشامل لجنيف واحد بدءا بتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، التي ستتولى تطبيق بنود مبادرة كوفي عنان الستة بمختلف تفاصيلها ومسمياتها.

- اتبع النظام عن عمد نهجا معاكسا للقرار 2118، قام على وقف إطلاق نار مفصول عن المرحلة الانتقالية، أي عن الجانب السياسي من الحل، يكتفي بضم جهود المعارضة والنظام لمحاربة الإرهاب، ومن ثم لحرب لا يعرف أحد متى تنتهي، ومن سيكونون خصوم النظام خلالها - للعلم: اتهم المعارضة طيلة الوقت بأنها مجموعة تنظيمات إرهابية - وما هي نتائجها العسكرية والسياسية، وفي أي إطار عربي وإقليمي ودولي ستنضوي. بنى وفد النظام موقفه من أي حل سياسي على قبول فهمه للأزمة باعتبارها محض معركة أمنية بينه وبين الإرهاب، الوافد من الدول الخليجية وتركيا... إلخ، ورهن استتباب الأمن والسلام وقبول حل سياسي بانضمامنا إليه وقتالنا إلى جانبه ضد إرهاب نحن جزء منه. لا داعي للقول: إن هدفه هو استمرار إطلاق النار وليس وقفه، وتحويلنا إلى شبيحة يساعدونه على إنجاز حله الأمني، كي ترجع الأمور إلى سابق عهدها وتنتهي الأزمة، دون أن يقع أي تغيير سياسي باستثناء دخول عضوين أو ثلاثة من المعارضة إلى الحكومة، التي ستسمى انتقالية.

فاجأني أن الأستاذ حسن قدم تصورا للحل يتفق في أولوياته مع تصور النظام. أنا أعلم أنه يريد إحلال نظام ديمقراطي محل النظام الحالي، واثق بأنه لا يقبل الإبقاء على الأسدية، لكنني أعتقد في الوقت نفسه أننا لن نصل إلى النظام البديل عبر أولويات خاطئة، تتعارض نصا وروحا مع نص القرار 2118 وآليته المعتمدة دوليا والإلزامية. وأظن أن الترتيب الذي قدمه النظام للتفاوض لن يوقف الحل الأمني، وأنه يفصل وقف إطلاق النار عن أي بعد سياسي أو هدف ديمقراطي للحل الذي اعتمدته وثيقة جنيف واحد والقرار 2118 ودعوة بان كي مون إلى عقد المؤتمر، ولن يفضي إلى وقف الصراع الدامي الذي فرضته الأسدية على الشعب، وإلى ترحيلها.

نعم، لا بد من اتفاق على موقف موحد وخطة تفاوض، ولقاء تشاوري يعزز وحدتنا ويحجم خلافاتنا، ويحول وفد الائتلاف إلى وفد وطني يمثل السوريين جميعا، وبكل معنى الكلمة، إلا أنه لا بد أيضا من حوار يضبط خلافاتنا ويحدد مواقفنا ويقربها بعضها من بعض!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : كيف نحمي حقوق شعبنا في المعونات الإغاثية .. قرارنا في وجه ابتزازهم

زهير سالم

بينما تنام القيادات المعطلة للمعارضة السورية في خدورها ومخادعها يدور الجدل الإنساني والدولي حول الوضع المأساوي للإنسان السوري ، وإصرار بشار الأسد وعصابته من المجرمين على ابتزاز المنظمات الإغاثية الدولية ، والتحكم اللاأخلاقي في توزيع المساعدات الإنسانية من أموال المانحين الذين هم في جلهم عرب ومسلمون ، على شبيحتهم وقطعانهم من القتلة والمجرمين ..

منذ أيام أصدر ثلاثون محاميا دوليا حول العالم بيانا وزعوه عبر وسائل الإعلام يتهمون فيه ( بان كيمون ) بسوء تفسير القانون الدولي . وأن هذا القانون يفسر نفسه لمصلحة الحق والعدل والمستضعفين وليس لمصلحة القتلة والمجرمين . ويدينون فيه اقتصار منظمات الإغاثة الإنسانية العاملة باسم ( بان كيمون ) على توزيع أعطياتها وتنفيذ برامجها حيث يرسم القاتل المجرم الأثيم بشار الأسد وشركاه ..

ومع أن قراءة ثلاثين محام وقاض من بينهم القاضي ريتشارد غولدستون الذي شغل كبير ممثلي الادعاء في محاكم الأمم المتحدة حول رواندا ويوغسلافيا السابقة لا يمكن أن تنطلق من فراغ ، كما لا يمكن أن تكسر عنق إلا القانون الدولي ؛ إلا أن الرد المخزي لبان كيمون المصر على إثمه لم يتأخر طويلا ليخرج على الناس خلال أربع وعشرين ساعة المدعو المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك ليؤكد صوابية اجتهاد بان كيمون الآثم ، وأن اجتهاده هذا قائم وثابت منذ فترة ومنسجم مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة : أنه لا يجوز للمنظمة المشاركة في أنشطة في أي بلد إلا بموافقة حكومتها ..

وأنه لا يمكن إرسال مساعدات عبر الحدود إلا بموافقة الحكومة السورية وهذا لا يمكن الحصول عليه في الوقت الراهن إلا بقرار تحت الفصل السابع ، والقرار تحت الفصل السابع رهن الإرادة الروسية والصينية ..

وبغض النظر عن صوابية تعريف من هي ( الحكومة السورية ) التي يراوغ عليها الأثيم بان كيمون . لا يعترف ببشار الأسد إلا أحد عشر دولة من دول الجمعية العامة للأمم المتحدة ؛ فإنه ما زال أمام قيادة المعارضة فرصة للانحياز للمرأة الطيبة آموس ..

آموس كانت بالأمس تعترف أو تقرر أن المعونات التي يستبد بها بان كيمون من أموال المانحين العرب والمسلمين توزع فقط والرقم من تقريرها على 12 % من المستحقين من أبناء الشعب السوري . و12 % وهو الرقم المعبر حقيقة عن المرتسم الطائفي الأقلوي الذي يتبادل المنافع مع بشار الأسد .

وتؤكد السيدة الجميلة آموس أن هذه المساعدات الإنسانية إنما توزع على 15 % من الجغرافيا السورية وهذا الرقم الشاهد العدل الثاني الذي يؤكد حقيقة أن ما تدفعه دول عربية مثل الكويت والإمارات والسعودية ودول أجنبية مثل الولايات المتحدة ويتحمل جميلته الشعب السوري إنما يذهب عمليا لتغذية القتلة والمجرمين والمغتصبين عن طريق قنوات بان كيمون الغارقة في الإثم ..

وقفت السيدة آموس أمام مجلس الأمن تطالب بخطط عادلة لإيصال المساعدات إلى مستحقيها مؤكدة أن العنف قد ازداد في سورية وأن الوضع الإنساني قد ازداد تدهورا منذ أن أصدر مجلس الأمن قراره منذ شهرين يطالب الجميع بالسماح بدخول المساعدات للمحتاجين والذين تقدر السيدة آموس عددهم بثلاثة ملايين ونصف مليون إنسان . ونؤكد هنا على كلمة إنسان ...

وبينما يتمسك بان كيمون يتفسيره المنحاز للقانون الدولي . وبينما يظل مصرا على قبض أموال المانحين وتغذية القتلة بها ماذا يمكن لقيادة المعارضة لو كانت جادة أو صادقة أن تفعل ..

أولا تتوجه إلى السيد بان كيمون عبر منظمات إغاثية سورية معتمدة ومشهود لها لقبض استحقاقات الفئات المحرومة من المساعدات الإغاثية العينية . ثم يترك لهذه المنظمات أمر تحمل مسئولية القانون الدولي بإيصال المساعدات إلى مستحقيها على كل الأرض السورية مع التأكد من المصداقية عن بعد.

ثانيا – في حال أصر بان كيمون على إثمه ، فإن المنتظر من قيادات المعارضة السورية أجمع اعتبار الأمم المتحدة وسيطا منحازا وغير نزيه وأن تصدر بيانات توافقية من جميع قوى المعارضة للدول المانحة وأكثرها دول شقيقة وصديقة لوقف تقديم المساعدات عن طريق الأمم المتحدة . واقتراح الوسائل البديلة لإيصال المساعدات إلى مستحقيها الحقيقيين ..

ثالثا _ صحيح أن أسطورة شمشون هي أسطورة عبرانية يهودية إلا انه قد جاء عندنا في الأثر حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج . ولا يجوز لبان كيمون ولا لغيره أن يعتبر بشار الأسد وحده صاحب الحق في تحديد أين توزع المساعدات في الأرض السورية . الائتلاف الوطني وكل القوى والأحزاب والجماعات الوطنية هي صاحبة حق في هذا ولا يضيع حق وراءه من يبحث عنه .

لندن : 2 / رجب / 1435

1 / 5 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سحْق سوريا

د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 30/4/2014

الشعب السوري في رحلته إلى الحرية يشبه عبور بني إسرائيل البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، بفارق أن موسى وعصاه ليست برفقة عشاق الحرية الحاليين، فماذا يحصل إذن؟

حين يتفقد المنشق «حازم نهار» وضع المعارضة السورية، فهو يرى أن برج بابل من الأصوات المتناقضة والمتنافسة يودي بالجميع، وأن الوضع بات كما أراد النظام: «معارضة مفككة ومنقسمة على مسائل لا أساس لها في الواقع». وخلف كل هذا آفتان: تصحر المجتمع السوري لنصف قرن، والتسلح والاحتراب.

أمام سوريا إذن بعد الخلاص من نظام الأسد رحلة طويلة لاستعادة مرونة المفاصل ونظافة العقل وطهارة الضمير؛ بل أمام الشعب السوري مهمة التخلص من فريقين خطرين جداً متقابلين متواجهين، القبوريين والتكفيريين. نسختان متشابهتان كلاهما تظن أنها الأفضل، أناس شكلهم بشري، ولسانهم إلهي، يعتقدون أنهم الممثل الشرعي الوحيد لله، بإضافة اسم الجلالة لاسم تنظيماتها، مثل «حزب الله»! ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.

أما بقاء النظام، وترقيع معارضة ضعيفة قد تصبح ذنَباً للنظام، فذلك ما سماه أحد الكتاب «معارضة ورقة التين» التي تغطي عورة النظام.

وحين يصف «ديفيد ليش»، صاحب كتاب «سقوط مملكة الأسد»، النظام البعثي الطائفي، يذكره بما يلي: «نظام الأسد رمز للركود والسيطرة، وهو ليس مصمم للاستجابة لمطالب الناس، بل للسيطرة على مطالب الناس، إنه نظام مصمم ليس للقيام بالإصلاحات، بل مصمم للحفاظ على الوضع والبقاء، والإصلاح الأعمق والأسرع يعني نهاية النظام، كما أن الإصلاح السريع يعني العمل ضد الغرائز الأساسية للنظام الأبوي المتسلط».

لقد ضل الأسد طريقه في مكان ما أمام غطرسة القوة، وحسب أيمن عبد النور، فإن مَن حوله نفخوا فيه «الأنا» لديه حتى تغير كلياً.

من اللافت للنظر أيضاً أن المسافة الزمنية بين تولي الأسد الأب والابن، وبين حفلات التدمير كانت 12 سنة على وجه غريب؛ فالأب مسح نصف مدينة حماة، وكان خطأ منه أن لم يدمرها كلية ويزيلها من الوجود، كما فعل روما مع قرطاج بعد معركة زاما؛ فهي مخالفة شنيعة لقانون روبرت غرين الذي ينص على سحق العدو كلية حتى لا يبقى جمر تحت الرماد لحريق قادم في المستقبل ونفوس مستعدة للثأر ولو بعد حين. أما الابن، فكان ابن أبيه فعلاً، فإذا كان الأب بعد استتباب الأمر له بعد عقد ونيف، مسح مدينة، فالابن يقوم بتدمير البلد كله!

يقول «روبرت غرين» في كتابه «القوة»: «لقد عرف كل القادة العظام أن العدو المرهوب يجب سحقه بصورة كاملة، وكانوا يتعلمون ذلك أحياناً بالطريقة الصعبة والتجربة المريرة؛ فإن أنت تركت جمرة واحدة مشتعلة مهما كان احتراقها داكناً خافتاً، فإن ناراً ستندلع منها آخر الأمر. فالتوقف في وسط الطريق يؤدي إلى خسارة ما هو أكثر مما لو كانت الإبادة كلية، فالعدو سوف يتعافى، وسيبحث عن الانتقام فاسحقه، لا جسدياً فحسب، بل في الروح كذلك».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثي «الممانعة» المتهاوي

حسان حيدر

الحياة

الخميس 1/5/2014

يشبهون بعضهم. ثلاثتهم في حالة عجز فاقع، وكل على طريقته. منهم من هو عاجز جسدياً وربما أكثر، لكنه يعتبر أن الموت وحده يجبره على تسليم كرسيه، وآخر يحكم بالاسم وطناً مقطع الأوصال ولا يقبل الاعتراف بأن سجنه الكبير شارف على الانهيار، وثالث يستجير من الرمضاء بالنار فيعادي شعبه الراغب في التغيير ويحالف دعاة الثأر التاريخي من بلاده.

انهم الثلاثي «الممانع» عبد العزيز بوتفليقة وبشار الأسد ونوري المالكي، يصوّت كل منهم للآخر ويدافع عن نظامه ومواقفه، ويملأون الشاشات والصفحات بشعارات الوطنية والقومية وبقية الإسطوانة المشروخة، فيما همهم الأساس البقاء في الحكم اياً تكن المقدمات والتبعات. يحتفلون بـ «انتصاراتهم» المتوهّمة ويجبرون الناس على الخروج الى الشوارع ابتهاجاً بهم، وإلا تصرفت الأجهزة وأبدعت.

يحكم الرئيس الجزائري من كرسيّه المدولب، نظراته زائغة وبالكاد يسمع ما يجرى من حوله. لا يقوى على الكلام إلا همساً، ولا يقوى على الوقوف حتى لأداء اليمين الدستورية. اضطر رئيس المحكمة العليا ان يشهد زوراً بأنه كفء للرئاسة. واقتصرت الجمل القليلة التي باح بها على شكر قوات الشرطة والجيش التي يحكم بواسطتها. اعتبر في كلمته ان «الدولة هي التي انتصرت». لا يفرق بين نفسه وبين الدولة، ويختصر الشعب والمؤسسات بذاته. من يحاجج حكمه كمن يتبرأ من هويّته. المرونة الوحيدة التي أظهرها كانت في قبوله بنسبة تأييد تزيد قليلاً عن 80 في المئة بعدما كانت لا تنخفض عن بضع تسعات متراصفة. يقول لنفسه إن الجزائريين لا يقوون على فراقه، وربما يعتقد أنهم سينتخبون صورته بعد وفاته. انه الرئيس المتوفى مع وقف الدفن.

أما وارث الرئاسة السورية الشاب الذي تدغدغ صور بوتفليقة خياله، فيغرق في حساب كم بقي له ليحطم الرقم القياسي الجزائري. لكنه بدأ أولاً في تحطيم بلده، ونجح. ومع انه لم يعد «يحكم» سوى اربعين في المئة من ارض سورية، فهو يتصرف وكأن لديه «وكالة مصدّقة» بتمثيل السوريين كلهم رغماً عنهم «الى الأبد». هو فعلاً «ظاهرة» و «رمز عالمي» كما وصفه حزب «البعث» المملوك لعائلته، فقد بزّ معاصريه من الديكتاتوريين العرب والأجانب في عدد ضحاياه، وبرع في ابتكار وسائل الهدم والقتل الجماعي، وكان له فضل إنشاء أول «دياسبورا» سورية، رغم ان «الظروف» لم تسمح لمشروعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي «ان يأخذ كامل مساحته» على حد تعبير «البعثيين» انفسهم. ولكم ان تتصوروا النتائج لو تغيّرت الظروف.

ويبقى المالكي، «أسد» بغداد، والدمية الإيرانية الأخرى الذي يخفي بطش يديه بلباس البريء المغلوب على أمره، و «المضطر» اضطراراً الى «التضحية» وحكم العراق «لإنقاذ وحدته»، حتى لو كان الثمن معاداة غالبية شعبه، الأكراد والسنّة جميعهم ونصف الشيعة. ديدنه الحكم وحزبه «الدعوة» مولع بالسلطة. مستعد دوماً لاسترضاء طهران ونيل «بركتها» على حساب انتماء العراق العربي.

ثلاثة من قادة «الممانعة» التي لم يعودوا يعنون سوى الممانعة في ترك الحكم، يتشابهون في الإطباق على انفاس شعوبهم، لكنهم بالتأكيد لن يبقوا طويلاً، سواء لأسباب ربانية، أو لأن الناس والتاريخ لا يرحمون الطغاة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النواح على صدام والاشتغال عند إيران!

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 25/4/2014

في عام 1987 فيما أحسب، حصلت حوادث في الحج بين الحجاج الإيرانيين المتظاهرين والشرطة السعودية. فتعرضت السفارة السعودية في بيروت، وسفارات الدول العربية الأخرى (باستثناء السفارة الجزائرية) للحصار والحملة على العرب. وانعقدت عدة مؤتمرات للتنديد بالعرب من جانب أنصار إيران، وأنصار النظام السوري. وذلك بسبب حرب صدام حسين على إيران، ووقوف الدول العربية معه باستثناء سوريا حافظ الأسد، والجزائر، وليبيا القذافي. ووقتها، صعدت لأول مرة النغمة التي تقول: إن إيران تدعم المقاومة وتحرير فلسطين، بينما العرب جميعا ما قاتلوا ولا يقاتلون إسرائيل. وخشي الشيخ عبد الأمير قبلان، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ـ في لبنان ـ اليوم (وكان وقتها نائبا للرئيس)، أن يتأثر الرئيس حافظ الأسد لاتهام العرب جميعا، فقال في تصريح شهير من صور: العرب جرب، والله لولا الرئيس الأسد ومواقفه ووفاؤه لغادرنا هذه العروبة الشقية!

وعلى هول تلك الأيام، وما تسبب فيه صدام حسين (حتى اليوم)، في حربه آنذاك على إيران؛ فإن المصائب النازلة في الواقع أو الوعي، هذه الأيام، تجعلنا نترحم على «مراحم» تلك الفترة. يومها، ما بقي أحد في العالم إلا ودعا وناضل لإيقاف الحرب ين العراق وإيران. وبالفعل، فقد وافقت إيران على وقف الحرب (1988)، وذهبنا نحن اللبنانيين إلى الطائف (1989)، وحدثت الانتفاضة الفلسطينية (1988)، وبشرَنا حافظ الأسد بأنه يسعى للتوازن الاستراتيجي مع إسرائيل. وعبر التسعينات، ولولا حرب الخليج الثانية التي أنعم علينا بها صدام أيضا، لنسينا أهوال الثمانينات، وإن تبين لنا بعد غزو الولايات المتحدة للعراق (2003) أن الإيرانيين لم ينسوا شيئا، وأنهم ما عادوا عبر ثنائية عجم - عرب فقط؛ بل وعبر ثنائية: شيعة - سنة أيضا!

ما قصدْت من وراء هذه الخلفية، عرْض أصول النزاع الإيراني - العربي في الأزمنة المعاصرة؛ بل تتبع انهيار فكرة العروبة إلى حد أن أنصار صدام في حربه على إيران آنذاك، هم أنصار إيران اليوم في حربها على العرب ومجتمعاتهم ودولهم ودينهم والعلاقات فيما بينهم، وعلاقاتهم بالعالم!

كيف حصل ذلك، ولماذا؟

كانت النخب القومية العربية في الستينات مكونة من حزب البعث، والناصريين، وبعض الحزبيات الصغيرة التابعة لأحد الطرفين. ثم مات جمال عبد الناصر فتكأكأ الناصريون بين ليبيا والعراق. أما القوميون العرب الموالون لعبد الناصر، فقد اعتنقوا الماركسية - اللينينية واستراحوا من الهم. في حين انقسم «البعث» بسبب الصراع على السلطة إلى سوريين وعراقيين. وفي أواخر الثمانينات، وبسبب سياسات الشخصنة لدى حافظ وصدام، كان حزب البعث (أو الأولى: عروبته) قد انتهى. أما «البعث» السوري فقد تطيف، وعاد علويا وسنيا ودرزيا ومسيحيا، وكنت أرى أناسا من بعث الأسد، وبعد حديث شرس في الأحقاد الطائفية، يعتذرون بأنهم في الحقيقة لا يحترمون الأديان والطوائف، وإنما هم شيوعيون أو قوميون سوريون! أما البعثيون العراقيون، فإنهم اعتصموا بصدام على السطح، وإذا وثقوا بالمتحدث إليهم: إن كانوا شيعة أو مسيحيين حاولوا إقناعك بعلمانية الدولة. وإن كانوا سنة حاولوا إقناعك بتدين صدام وصوفيته وانتسابه إلى آل البيت!

لست أدري بالضبط، متى بدأ تفكك الوعي العربي، وتضاؤل الإحساس بالانتماء إلى أمة واحدة. أنا أعرف أنه ورغم الفتور بين الملك فيصل وجمال عبد الناصر، أنه بعد عام 1967 فإن الفيصل وباسم التضامن العربي هب لنجدة مصر والتضامن معها. ونعرف أيضا أن الملك فيصل بعد حرب عام 1973 فرض الحظر البترولي، وقال إنه يريد استعادة الأرض العربية، والصلاة في القدس.

نتساءل اليوم: أين ذهب ذلك الإحساس القومي، وكيف تفكك الوعي الذي ينبني على الإحساس؟ هل حدث ذلك عندما اتخذت مصر طريقها الخاص وتصالحت مع إسرائيل (1977 – 1979)، واعتبرت الصراع دينيا والمصالحة (بين الديانات الثلاث) دينية؟ هكذا انقسم الوعي المصري، فتكأكأ الناصريون (كما سبق القول) بين ليبيا والعراق لبعض الوقت باسم القومية، ثم عادوا إلى يساريتهم السابقة على الناصرية، أو تعولموا من دون لون ولا طعم ولا رائحة، إلى أن وقعوا أو وقعت كثرة منهم بأيدي إيران في السنوات العشر الأخيرة.

ولنعد إلى البعثيين، باعتبار أنهم هم وحدهم صناع «الآيديولوجيا» القومية العربية. لقد كان العلويون السوريون هم الأسرع خروجا من «البعث» وعليه باتجاه اليسار أو القومية السورية أو الطائفية البحتة. ومن الصعوبة بمكان معرفة العلة في ذلك، فقد وصلوا عبر عسكرييهم للسلطة في زمن مبكر، وتمتعوا تحت ستار عروبة «البعث» بما لم يشهدوه من قرون وقرون. وقد كان الأولى بهم التمسك بالآيديولوجيا التي أوصلتهم. إنما يبدو أن عمق الإحساس بكونهم أقلية دفع قسما منهم باتجاه غرائزية القوميين السوريين المتنكرين للجمهور وإحساساته العامة. أما ذوو الدعوى الثقافية منهم (من أنصاف المتعلمين)، فقد استعلوا على العامة باليساريات الماركسية وغير الماركسية. وعلى أي حال، فقد أصاب معظم نخبهم العوار النفسي والعقلي، ومضوا من احتقار الإسلام إلى التنكر للعروبة. بينما لاذ المسيحيون البعثيون بعد ذهاب عفلق (وهو على أي حال ما كان ذا شعبية بينهم!) بالأسد وشاركوه في السلطة من مواقع متصاغرة، شأن الأرثوذكس في سوريا ولبنان. وصار سنة «البعث» في سوريا موظفين في دولة الأسد، والأكثر ولاء ظاهرا لـ«البعث» والعروبة. أما شيعة العراق البعثيون، فهم مثل سنة سوريا بمعنى تمسكهم بـ«البعث» والقائد، لكنهم كانوا الأسرع مضيا بعد سقوط صدام، باتجاه إيران والأميركان معا!

فلنلملم أطراف المشهد: لقد تخلت النخب القومية العربية عن النظرية والفكرة والممارسة منذ عقدين وأكثر، أي قبل سقوط دول «البعث». وربما كان السبب في ذلك أنظمة الدولة الوطنية في مرحلتها الثانية الأمنية والعسكرية، التي تنكرت للعروبة والإسلام من ضمن تنكرها للجمهور العربي والمسلم. ولذا، فإن النخب القومية العاملة مع الأنظمة، اتجه المثالي منها إلى اليسار، والآخرون إلى الطائفيات والإثنيات والأمنيات. ولا ننسى أنه في الوقت الذي مات فيه عبد الناصر، وتحول السادات إلى دولة العلم والإيمان (= دستور عام 1971)، كان المثقفون العرب الكبار، وعلى مدى الثلاثين عاما اللاحقة، يطورون أطروحات في نقض الموروث الإسلامي، ونقد القومية الفاشية. وقد أحسسنا جميعا بانهيار العروبة فكرة وممارسة، من واقعة أن المظاهرات الهائلة التي قامت ضد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، إنما قام بها الإسلاميون، وما كان للقوميين ظهور بارز فيها - وهو الأمر نفسه الذي كان قد ظهر عام 1990 أيضا.

منذ أكثر من خمس أو ست سنوات، ونحن نشهد في لبنان حجا قوميا عربيا وإسلاميا إلى إيران عبر لبنان. كان الشيوخ والشبان العرب القوميون والإسلاميون يأتون من مصر والأردن وسوريا واليمن والكويت وتونس والمغرب، فيؤدون فروض الولاء والطاعة لحسن نصر الله أو من يتفضل بإرساله لمقابلتهم. ثم يمضون من الضاحية إلى طهران، أو إلى دمشق، أو يظهرون على تلفزيون «المنار» ويوجهون التحية إلى القائد الأسد وإلى الإمام. فإن كانوا شيعة قدموا نصر الله والإمام. وإن كانوا سنة قدموا الأسد فالإمام. وبعض هؤلاء بعثيون عراقيون سابقون. ثم إن أكثر من نصف المترددين من السنة الأشاوس، وخاصة المصريين. وعندما احتل نصر الله بيروت عيّرنا بأن أشراف السنة معه، ثم عرض لنا تلفزيون «المنار» محمد حسنين هيكل ومحمد سليم العوا وسليم الحص، وعبد الله الأشعل، وهم يشيدون جميعا بالعظمة الأسطورية المتجلية في غزو بيروت بعد تحرير غزة وضرب تل أبيب!

في عام 1974، نشر المفكر اللبناني منح الصلح رسالة بعنوان: «عروبة النخبة وإسلامية الجماهير». أما الجماهير، فما تزال عربية ومسلمة، وأما النخبة فما حافظ منها على الأمرين غير قلة قليلة!

قال لي سياسي أردني لاذع النكتة تعليقا على زيارة وفد أردني للأسد: إن أرامل القومية العربية يلتفون حول الأسد الوارث للقومية، وتقاليد الإبادة عن أبيه، وينوحون على صدام، ويشتغلون عند إيران!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com