العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 /04/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

درعا كسرت الصمت ومطالب المعارضة تصب في مصلحة النظام

ميشال كيلو

2011/03/26

صحيفة الرأي العام الكويتية/ «هل سينجح التغيير؟» عنوان مقالة كتبها ميشال كيلو في شهر فبراير 2011. المعارض السوري الذي أمضى فترات اعتقال طويلة، ومتقطعة، منذ السبعينات، في السجون السورية بتهمة «الجرائم السياسية»، الى أن تمّ الافراج عنه يوم 19 مايو 2009، يشغل منصب رئيس مركز «حريات» للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، ويعتبر من أبرز نشطاء المجتمع المدني، وأحد المشاركين في صياغة إعلان بيروت – دمشق.

ميشال كيلو الكاتب والمترجم، وعضو اتحاد الصحافيين السوريين، لم يتراجع عن مطالبته، بالحرية واحترام الرأي الآخر، رغم مرارة الاعتقال التي وضعت تحت عناوين كثيرة ومن بينها «إضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية» وهي التهم التي أدانته على اساسها المحكمة العسكرية في مايو 2007، فحكمت عليه بثلاث سنوات في السجن.

وفي ذروة الحراك العربي الذي وصلت أصداؤه الى درعا السورية أجرت «الراي» حواراً مع ميشال كيلو وسألته عن خلفية احداث درعا «الكاشفة» كما يفضل تسميتها وعن مطالب المعارضة وموقع حركة «الاخوان المسلمين» فيها، وإمكان الاصلاح المنشود. وفي ما يأتي نص الحوار:

• أعلنت القيادة السورية عن رزمة قرارات امس تتعلق بالعمل على قانون جديد للأحزاب وتأسيس لجنة لإلغاء قانون الطوارئ ومنع الاعتقال العشوائي وسلسلة من الاجراءات الاخرى. هل هذه المقرارات كافية؟

- إذا كان هناك من جدية لتحقيق هذه المقرارات فهي تكفي، لكن سبق لنا أن تلقينا وعوداً من النظام حول إلغاء قانون الطوارئ وقانون جديد للأحزاب ولم يتحقق شيء من هذه الوعود. ما يحدث اليوم في سورية يختلف عن الفترة الماضية، والاختلاف عن الماضي يحدده الشارع. على النظام أن يقرأ جيداً ما يجري في العالم العربي، ونتمنى أن تطبق كل المقرارات التي أعلنت عنها السيدة بثينة شعبان.

• ما تفسيرك للأحداث الجارية في درعا؟ ولماذا تنحصر الحركة الاحتجاجية في هذه المنطقة تحديداً؟

- في المسار التاريخ ثمة أحداث كاشفة، مثل المعركة التي وقعت بين اليابان وروسيا عام 1905، ومقارنة بهذا الحدث يمكن أن نقرأ ما يجري في درعا المنطقة الحدودية، التي تعاني مشاكل وتقييد لحركة تبادل الأراضي، التي بدأت منذ عشرة اعوام تقريباً. لكن الأهم من ذلك أن درعا منطقة محرومة على المستوى الانمائي، ما أدى الى زيادة الاحتقان عند الناس، وحين بدأت التحولات المفصلية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، والتي كانت مطالبها بالدرجة الاولى، مطالب تتعلق بالحرية وحقوق الانسان، كسر أهالي درعا حاجز الصمت، فكتب الأطفال على الجدران «الشعب يريد اسقاط النظام» الأمر الذي دفع السلطات الى احتجازهم، ومن المعروف أن أسرة الأبزيد من الأسر التي ينتمي اليها أهالي درعا، احتجز أحد أطفالها، فوقعت المظاهرات وطالبت بالحرية، وجرى ما جرى. هذا ما قصدته بالحادثة الكاشفة، وفي رأيي كان من الممكن التعامل مع هذا الحدث بحلول معقولة، لكن الطريقة التي تعاملت بها السلطة أدت الى تفجير الأوضاع التي ذهب ضحيتها كما يؤكد عدد من الشهود مئتي قتيل من أهالي درعا. كل العالم العربي اليوم يريد الحرية، ولا يمكن الوقوف بوجه الموجة الثالثة من الديموقراطية، فالجميع يريد الاصلاح الكامل وليس الجزئي، وإذا لم تتم المباشرة بعملية الاصلاح في سورية والدول العربية الاخرى فلا مجال إلاّ للتمرد.

• ميشال كيلو من أبرز رموز المعارضة السورية. ما الخطوط الاصلاحية التي تبنتها المعارضة؟

- لا يمكن القول إن المعارضة السورية كتلة واحدة، هناك مطالب أعلن عنها منذ اعوام، وعلى رأسها إلغاء حالة الطوارئ، ورفع مستوى الحريات العامة، وتقبل الرأي الآخر، وإيقاف الاعتقال السياسي، وإيجاد الحلول للمشاكل الانمائية تحديداً البطالة، والاهتمام بالتعليم والصحة، وإجراء مراجعة لسياسات الدولة الداخلية، على قاعدة الحوار مع مكونات المجتمع السوري. والمعارضة لا تطالب بإسقاط النظام بل تدعو الى الاصلاح.

• أشرت الى أن المعارضة تطالب بالحرية والتعددية السياسية. أين انتم من مطلب تداول السلطة والى أي مدى تتعارض مطالبكم مع بنية النظام؟

- نحن من حيث المبدأ لا نطالب بتداول السلطة كي لا نتهم بأن لدينا مشروع انقلابي. نحن نطالب بالاصلاح، ومطالبنا مشروعة، وكل ذلك يصب في صالح المصلحة العامة. تداول السلطة يكون في شكل تدريجي لأن أي فراغ يهدد سورية. وفي رأيي أن مطالب المعارضة تصب في مصلحة النظام، الذي يواجه أزمات داخلية، ولا بد من حل هذه الأزمات. ولا شك أن كل الأنظمة القائمة على الحزب الواحد، هذه أنظمة تعتمد على تدابير وإجراءات ضبطية، وليست حوارية.

• هل جرى في الفترة الماضية فتح قنوات اتصال بين المعارضة والنظام؟

- في الاعوام الماضية تعرضنا للقمع، والمشكلة مع النظام لا ترتبط بالخيار الوطني الكبير، وإنما في دعوتنا الى الديموقراطية وتقبل الرأي الآخر. لكن النظام أوهم الرأي العام المحلي والعالمي بأن أي تحول دراماتيكي سيصب في مصلحة المشروع الاسلامي، وقد أثبتت التجارب في مصر وتونس عكس ذلك، وهذا المؤشر مهم جداً.

• الشعب السوري يطالب بالديموقراطية هل يعكس هذا المطلب تبلور بنية ديموقراطية فاعلة في سورية أم العكس؟

- ترسيخ الممارسة الديموقراطية يحتاج لفترات زمنية طويلة، والقسم الأكبر من شرائح المجتمع السوري تفتقد لبنية الديموقراطية، وهي تطالب اليوم بالحرية والتنمية وحل مشاكل البطالة ولقمة العيش. بهذا المعنى الحرية تشكل القاعدة الأولى لتأسيس البنية الديموقراطية، بعد مرور أكثر من خمسين عاماً من القمع وفشل التنمية.

• الرئيس بشّار الأسد قام بإصلاحات محدودة. برأيك هل الاصلاح الشامل قد يجنب سورية أي تحول فجائي؟

- الرئيس السوري مع الاصلاح، وفي هذا السياق أود الاشارة الى حدث نوعي وقع منذ يومين، فقد أكدت احدى الجهات السياسية القريبة من النظام على الأهمية التي يعطيها الرئيس بشار الاسد للاصلاح، والصعوبات التي يواجهها من جهات معينة داخل النظام تعرقل وتيرة الاصلاح. هناك مجموعات تمسك بالقرار والثروة، وأكثر رجال الدولة هم أغنى الأغنياء.

• سورية لها دور استراتيجي في الشرق الاوسط. الى أي حد يؤثر ما يجري في العالم العربي على النظام السوري في شكل ايجابي؟

- لا بد للأنظمة من إعادة النظر في حساباتها انطلاقاً من الأحداث التاريخية الجارية في العالم العربي. التحولات الاقليمية هي لصالح الدور العربي القومي، وهذا الدور ليس بعيداً عن النظام السوري، لكن من المهم جداً الأخذ في الاعتبار مصالح الشعب السوري عبر توسيع دائرة الحرية والديموقراطية، والذي لا يبتعد أبداً عن الرؤية الاستراتيجية السورية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوحدة العربية، وما يجري في الدول العربية ليس لصالح الاستبداد، نحن في زمن ما بعد الأنظمة الاستبدادية.

• أين هو موقع «الاخوان المسلمين» في الحركة الاحتجاجية في سورية؟ وكيف تفسر الموقف الذي اتخذوه في المرحلة الاخيرة؟

- الاخوان المسلمون قوة هامشية في سورية، وهي تبحث عن فكرة الدولة المدنية، والمساواة بين الناس من المنطلق المدني وليس الديني، وهذا مؤشر مهم عند حركة الاخوان.

• هل هناك علاقة تواصل بين المعارضة السورية وحركة «الاخوان المسلمين»؟

- المعارضة السورية تنطلق من معايير مشتركة، وليس لدينا أي اتصال مع حركة «الاخوان المسلمين»، ثمة اتفاق على خطوط عريضة. وأظن أن الذي يجري في سورية سيكون له تأثير مهم في العالم العربي. ومن المهم قراءة الأحداث تحديداً تلك التي تجري في ليبيا، فالقذافي انتصر لكنه هُزم في ميزان القوى الدولية.

• سجناء الرأي في سورية كُثر. بعد تجربتك في السجن ماذا تقول؟

- هؤلاء الناس ليسوا خطرين على البلد ولا على النظام. هؤلاء أشخاص وطنيون، وعلى درجة عالية من الحس الوطني، وليسوا طائفيين، ولا يريدون التآمر على النظام بغية إسقاطه. هم يطالبون فقط بالحرية واحترام الرأي الآخر، ويتبنون اولويات النظام الخارجية تحديداً ما يتعلق بالصراع العربي – الاسرائيلي وبالنهج العروبي ومركزية القضية الفلسطينية.

---------*****************-----------

من قصص الشهداء في درعا ( قصص حقيقية )

رحم الله شهداء الوطن .. بوركت دماؤكم الطاهرة

1- الطفلة ابتسام محمد قاسم المسالمة ( 11 عاما )

الطفلة ابتسام قنصت من قبل القناصة وهي داخل منزلها والسبب الكامن وراء ذلك أن الطفلة ابتسام بينما كانت تنظر من نافذة المنزل شاهدت عناصر من القوات الخاصة وهم يدخلون الأسلحة والنقود إلى المنزل والتي ادعى الاعلام السوري الكاذب وجودها داخل المسجد، فأخذت تصرخ بعفوية الأطفال ( شفناكو شفناكو ) فما كان من هؤلاء المجرمين إلا أن صوبوا النار إليها وقاموا باغتيالها، جريمة ابتسام هي عفويتها وسلاحها هو عيناها ولهذا اعتبروها ارهابية تستحق القتل.

2- الشهيد وسام أمير الغول ( فلسطيني الجنسية )

الشهيد وسام وبينما هو يمر في الشارع على دراجته النارية، شاهد ضحايا مجزرة يوم الأربعاء ضد أبناء القرى الذين زحفوا لنجدة إخوانهم في المدينة، فما كان منه إلا أن تصرف وفعل كما تفعل الرجال، فقام بحمل اثنان من ضحايا المجزرة وأسعفهما إلى المشفى، ثم قام بالتبرع بالدم، وأثناء خروجه من المشفى ما كان من مجرمي ماهر الأسد إلا أن قاموا بإطلاق النار عليه فأصابوه برصاصتين واحدة في الصدر وأخرى في البطن ليلقى وجه ربه شهيدا، جريمة وسام هي إنسانيته ورجولته، وسلاحه هو دمه الذي تبرع به لضحايا المجزرة، لهذا اعتبروه إرهابيا يستحق القتل.

عندما نادوا على الشهيد وسام في المسجد قالوا تقبل "التهاني" في بيت والديه.

3- الطبيب الشهيد علي غصاب المحاميد:

الطبيب علي هو طبيب أخصائي قلبية في المشفى الوطني بدرعا، عندما سمع استغاثات المساجد وطلب المعونة من الأطباء والممرضين والصيادلة بعد اقتحام المسجد العمري ليلة الأربعاء، أصر على أن يأخذ سيارة اسعاف ويتوجه إلى المسجد على الرغم من اطلاق الرصاص المستمر، عندما وصل إلى هناك قام مجرمو ماهر الأسد بإنزاله من سيارة الإسعاف وأطلقوا الرصاص على رأسه مباشرة ثم أطلقوا الرصاص على صدره وأردوه قتيلاً، جريمة الدكتور علي هي إقدامه وشهامته، وسلاحه هو سيارة الإسعاف، ولهذا اعتبروه إرهابيا يستحق القتل.

رحمكم الله يا شهدائنا وهنيئاً لكم شهادتكم

في درعا يوم الجمعة حصلت مجموعة من المجازر وليس مجزرة واحدة، كانت حصيلة الشهداء في درعا يوم الجمعة ما لا يقل عن 60 شهيدا على أقل تقدير، والقصة تبدأ ليل الخميس على الشكل التالي:

ليل الخميس وعلى حين غرة وبدون سابق انذار انسحبت جميع قوات الأمن من شوارع المدينة ورفعت الحواجز العسكرية، وأخليت المدينة تماما بحيث لم يبق فيها سوى عناصر الجيش الذين وللأمانة لم يقوموا بتوجيه رصاصهم نحو المواطنين، وتم رفع الحصار عن الجامع العمري، فرح الأهالي البسطاء في درعا واحتفلوا وهللوا وخرجوا إلى الشوارع ورفعوا عناصر الجيش وضباطه على أكتافهم، اتصل بي أخي يقول لي حررناها، لم يعلم أحد يومها أنه مجرد كمين.

الخطة التي كان الأهالي قد قررها أنهم سيزحفون يوم الجمعة للصلاة رجالاً ونساء وأطفالاً في الجامع العمري الذي كان محاصراً والجميع مستعد لدفع الثمن مهما غلا، وسيزحف أهالي القرى المجاورة إلى درعا أيضا لنصرة إخوانهم، تغيرت هذه الخطة بعد انسحاب قوات الأمن وخرج الرجال فقط للصلاة ومن ثم تشييع ثلاث شهداء من شهداء مجزرة الجامع، ومن ثم النزول إلى المحطة والبدء باعتصام مفتوح لجميع الأهالي، تمت الصلاة وشيع الشهداء وتوجه الرجال من مقبرة البحار إلى المحطة، وعند وصولهم إلى ما كان يسمى ساحة الأسد " أهالي درعا الآن يسمونها ساحة التحرير"، وصلتهم أنباء تتحدث عن مقتل ما لا يقل عن عشرين شهيداً من أهالي القرى المجاورة أثناء زحفهم سيرا على الأقدام من قراهم، حيث ساروا ما يقرب من 40 كيلو متر سيرا على الأقدام، فاعترضتهم قوات الأمن وأطلقت الرصاص عليهم، عندها ثارت ثائرة الأهالي المتظاهرين، فقاموا بإنزال تمثال حافظ الأسد الجاثم في وسط الساحة منذ سنوات ( أنا شخصيا أراه منذ فتحت عيناي على الدنيا وعمري الآن 25 عاما ) وأنزلوا صورة لبشار الأسد، ففوجئ المتظاهرون بقوات الحرس الجمهوري التي كانت مختبأة في بيت المحافظ وفي نادي الضباط تطلق النار عليهم بشكل عشوائي كالعادة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد ما لا يقل عن 6 متظاهرين.

أربع مجازر ارتكبت في درعا خلال يومين، فمن يوم الأربعاء إلى يوم الجمعة كان هناك أربع مجازر، الأولى هي مجزرة الجامع العمري التي ذهب ضحيتها حوالي 135 شهيد، تلاها مجزرة ارتكبت بحق أهالي القرى الذين زحفوا يوم الأربعاء 23/3 لفك الحصار عن درعا، أيضا نصب لهم كمين حيث تم استدراجهم إلى منتصف المدينة دون التعرض لهم، وعندما وصلوا إلى بيت قائد الشرطة تم فتح النار عليهم، ضحية هذه المجزرة ما لا يقل عن 200 شهيد، سقطوا حوالي الساعة الخامسة مساءً، حسب شهود عيان من المسعفين والمشفى الوطني بدرعا، يومها اختلطت الدماء الطاهرة بمياه الأمطار لتغطي شوارع المدينة.

المجزرة الثالثة هي مجزرة يوم الجمعة بحق أهالي الصنمين والتي وصل عدد شهدائها إلى حوالي 35 شهيد، ومن ثم مجزرة رابعة في مدينة درعا لا يقل عدد ضحاياها عن 40 شهيد.

وجهت النداءات عبر المساجد للاهالي للتبرع بالدم والتبرع بالأغطية والبطانيات لتغطية جثث الشهداء.

في درعا تمت تغطية احتياجات المشفى الوطني من الدم خلال ساعات قليلة.

أما في الصنمين فقد منع الأهالي من التبرع بالدم من قبل مجرمي الأمن الذين ما زالوا حتى لحظة كتابة هذا المقال يحاصرون المدينة، وبذلك فإن أعداد الشهداء قابلة للارتفاع.

طبعا يجب أن لا ننسى الشهداء الستة الذين سقطوا في اليوم الأول من المظاهرات، والشهيد الذي سقط في اليوم الثاني، وبذلك قد يصل عدد الشهداء في درعا وحدها إلى ما يقرب من 450 شهيد خلال أسبوع، في الوقت الذي يجول فيه كلاب النظام شوارع دمشق ويفتحون أبواق سياراتهم حتى الخامسة فجراً احتفالاً بسيلان هذه الدماء، وتأييداً لهذا السفاح العظيم.

فلتنم قرير العين هانيها يا بشار وهنيئاً لك لقب بشار باشا السفاح.

عزائنا الوحيد أنها دماء سالت على مذبح الحرية التي لا توهب بل تنتزع اتنزاعاً، وأملنا أنها دماء لن تضيع هدرا فالقصاص قادم..... قادم... قادم.

---------*****************-----------

الشعب السوري والرصاص المصبوب

بدر الدين حسن قربي

عندما كان الرئيس السوري ومشيرته السيدة شعبان يزعمون أنهم غير تونس وغير مصر، كنا نجادل مقولتهم بحقيقة التماثل والتشابه وأنه سيصيبهم ما أصاب تونس ومصر رئيساً فرداً وحزباً محنطاً، وطبقةً من اللصوص من أقارب ومقربين في خدمتهم قوانين طوارئ ومحاكم أمنية وعسكرية وأجهزة قاهرة قامعة، حتى فهمنا أخيراً قصدهم ومرادهم.

فالسوريون المحكمون بحكم الأسد الأب والابن لأكثر من أربعين عاماً دأباً من ظلم ونهب، يوم طفح كيلهم، وتفجّرت انتفاضتهم، نداؤها سلمية سلمية، إحنا بدنا حرية، والشعب السوري ما بينذل، لم ينتظر قائلو: لسنا تونس ولسنا مصر، غير ساعة من نهار إلا وانطلقت عملية رصاصهم المصبوب لأكثر من أسبوع على مظاهرة الحرية والكرامة في مدينة درعا ولتمتد إلى غيرها قتلاً وجرحاً وضرباً واعتقالاً بالمئات لشباب وشيّاب ممن تحمّلوهم طويلاً على وعود الإصلاح الممتدة.

فإذا هم في البطش وتوحش القتل تجاه شعبهم غير تونس ومصر ممن تأخر القتل عندهم أياماً وأياماً من التظاهرات والاحتجاجات، وهو على ما يبدو ما أرادوا إفهامنا إياه في نفيهم أنهم غير تونس ومصر، مما لم يخطر لنا ببال لظننا أن دماء عشرات الآلاف من أبناء سورية التي سفكها النظام عبر الأب المؤسس لجمهورية القمع والرعب كانت كافية، وأن الابن غير الأب فإذا هو سر أبيه، وأنهم عن حق وحقيقة غير تونس وغير مصر.

فهم وبعد أن أثخنوا قتلاً وجرحاً وتمثيلاً ومجازر بشعب شريف صابر مكافح ليل نهار لكسب لقمته التي يسرقها لصوصه من بين يديه، قالوا بإعفاء محافظ المدينة وكأنه هو من فعل كل هذه الأفاعيل وليسوا هم، وأن الإعفاء كان استجابة لمطالب المدينة وراحتهم. وإنما زيادة في التطمين لأهل درعا فقد خرجت السيدة بثينة شعبان لتقرأ على السوريين وأهالي درعا تحديداً فرمانات النظام المعادة من التسويفات واستحضار اللجان وتحضير الدراسات، وكأن ما ينادي به الناس في مواجهة الجور والفساد والحرية وليد الساعة ولم يكن من سنين وسنين.

ولكننا ومع التقدير للمقامات، فإننا نعتقد أن قتل وجرح المئات من مواطنينا الأبرياء وبالوقاحة التي كانت، يستوجب إطلالةً رئاسية مصحوبة بقرارات إصلاحية فورية ليس فيها لعب في الوقت الضائع وليس فيها تسويف البتة. أما وقد جاء الأمر على هذه الشاكلة من بعد كل هذه الدماء والضحايا فإن هذا يعني فيما يعني أن النظام لم ولن يتجاوز صلفه ومكابرته وممارساته وفلسفته من أن رياح التغيير والإصلاح ستمر من حوالي أسوار جمهورية القمع، وأن حلوله في مواجهتها هي بنفس الطريقة مما كان قبل عقود. وإنما هل يعتقد من يلجأ لمثل هذه الحلول القذافية أنه في مأمن من العاقبة الوخيمة والبهدلة والشرشحة؟ قد يظنّ بنفسه أنه غيرهم في المصير أيضاً. ولكننا ندعو من يُعرض ويتكبر أن يتفكر ملياً فيما آل إليه ملك ملوك إفريقيا وما ينتظره..!! ونذكّره بقول من قال: إما أن تُغيّروا أو تتغيروا. إن الشعب السوري شعب يريد الحياة حرة كريمة، وإن الرصاص المصبوب الذي يواجَه به سيرتد خزياً وعاراً على مستخدميه أياً كانوا، وسيعجّل في رحيلهم ولن ينفعهم، مثلهم مثل القذافي، حلفيهم.  وأن الطريقة التي يعالج بها النظام مسألة الإصلاح بالتسويف والمماطلة واعتماد المجازر أسلوباً، والفساد منهج عمل وكأنها طبخة بحص، تتأكد مجدداً في خروج السيدة شعبان وظهورها على الملأ فيما قالت مما لا جديد فيه البتة.

عمليات الرصاص المصبوب الذي تنفذها السلطات القامعة والفاشية على شعب يريد الحياة، إنما يعني وبوضوح انتهاء أجلها، وأنها وضعت شعبها الأعزل المتطلّع للحرية والكرامة أمام خياره الصائب والوحيد ورسالته: الشعب يريد إسقاط النظام.

---------*****************-----------

نعم أنا مندس من درعا

مندس من آل الحريري

قد عشت ثلاثين سنة ونيف من السنين، قد رأيت خلالها من الوقاحة والسذاجة والاجتراء ما رأيت، لكن ما شاهدته أمس على التلفزيون السوري قد فاق كل ما رأيته طوال سني حياتي كلها، ووصل حداً لم أكن لأراه في أبشع كوابيسي:

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن سوري في درعا: فخرج مسيحة الجوخ يهللون ويحتفلون حتى اعتقدت بأن الجولان قد تم تحريره، وعظمت مصيبتي عندما علمت بأنهم يحتفلون بدماء إخوانهم السوريين، بث التلفزيون العربي السوري ضحكاتهم وبسماتهم على الهواء مباشرة في نفس الوقت الذي كان هناك من يبكي أحبته دماً تحت الهواء.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن سوري في درعا: والخبر الأول في نشرة التلفزيون السوري، مظاهرات تأييد للقيادة الحكيمة والرؤية السديدة، والشخصية العتيدة، والقرارات التاريخية.

 قتل ما لا يقل عن 300 مواطن سوري في درعا: وفي أسبوع واحد بأيدي إخوانهم السوريين، في حين لم يقتل سوري واحد منذ أربعين سنة على يد الصهاينة.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن سوري في درعا: وخرج علينا النظام ليقوم بأن هناك مظاهرات تأييد في درعا، احتفالاً بـ (مكرمة) السيد الرئيس، حتى اعتقدت بأنه دفعهن من جيبه الخاص، وليس من ضرائب تحمل مسميات تدعو للضحك (طاقة شمسية، أطباق فضائية، مسقفات، مجهود حربي، محاربة الإيدز...).

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن سوري في درعا: ثم تخرج علينا عجوز شمطاء لتنقل تعازي الأسد ""الحارة""، ولم تخبرنا كم عدد الشهداء الذين يجب على درعا دفعهم حتى يخرج بنفسه للتعزية.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن سوري في درعا: لم يؤلمونا كما آلمنا وجود عناصر ملتحية بين صفوف الجيش، ووجود كتابات فارسية على جدران المسجد العمري، (الذي بناه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه).

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: وإمعاناً في ذلهم حتى بعد مماتهم، رفض تسليم جثامينهم.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: فخرجت علينا الشمطاء لتقول بأنهم (سيدرسون) و(سيشكلون) و(سيعملون) بئساً لتلك (السين) التي ما زلنا نسمعها منذ وعينا.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: وما زال البعض خائفاً أن ينبس ببنت شفة، بل يجترئ على دماء الشهداء ويبرر, ولعل، ولربما، وقد يكون...

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: وادعوا بأن العصابات هي من قتلتهم، نعم قد صدقتم في هذه فهي عصابات (ماهر الأسد) و(عاطف نجيب).

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: فجاءهم عضو القيادة القطرية (هشام بختيار)، ليس معزياً، بل مهدداً.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: ولم يطلبوا خبزاً ولا (مكرمة)، إنما طلبوا حرية وكرامة.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: فسموهم تارة، مخربين، وتارة مندسين، وتارة إرهابيين، وتارة عصابات، وتارة مهربين، ولم يسمهم أحد بالأحرار، حتى خلنا أن قاموس حكومتنا الحكيمة لا يحوي هذه الكلمة.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: ولولا كاميرات الجوال، لكانوا 300,000.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: ولم يعلن عنهم يوم حداد واحد.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: فسمعنا حكومتنا الرشيدة تدين القصف الإسرائيلي على غزة ولم نسمعها تدين القصف السوري على درعا.

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: ليس من قبل القوات الإسرائيلية، حاشا لله، بل من القوات العربية السورية الباسلة، والقوات الإيرانية وحزب الله " الشقيقة".

قتل ما لا يقل عن 300 مواطن في درعا: لم يكن أحد منهم يحمل حجراً ولا عصا، بل كانوا يحملون دمائهم وكرامة سورية كلها.

نسأل الله العظيم أن يفجع من قتلتم بمن يحب، كما أفجع عائلات الشهداء.

بقلم أحد المندسين من آل الحريري في محافظة درعا

---------*****************-----------

من مصر إلى الثوار وهم يصنعون النصر في سورية

نبيل شبيب

مداد القلم

رسالة من أرض شباب ثورة مصر إلى أرض سورية الثائرة

العين على سورية والقلب في سورية وكل خفقة من خفقاته ترافق مع الإكبار والاعتزاز والألم والحياء أولئك الثوار الذين خرجوا يوم أمس، يوم جمعة العزة 25/3/2011م، في دمشق وضواحيها دون استثناء، في درعا الأبية والصنمين والسويداء، في حمص وحماة وحلب واللاذقية، في كل مدينة أوقد شهداء الأيام العشرة السابقة مشاعل مسيرة الثورة فيها على طريق النصر بإذن الله..

العين على سورية وهذه الكلمات من مصر، من زيارة للقاهرة بعد أن حققت ثورة مصر هدفها الأول بإسقاط رأس النظام، ودخلت مرحلة فرض إرادة الشعب عبر الفترة الانتقالية، وقبل دقائق فقط رأيت جمعاً من الشباب الثوار، يحملون الأعلام الليبية، ويتجهون إلى مبنى السفارة الليبية في القاهرة، وسيتوجّهون كما يقولون من بعد إلى ميدان التحرير، الذي أصبح رمزاً لثورة سلمية شعبية حضارية لم يسبق مثيلها في تاريخ البشرية، وهم يدركون أن الثورات العربية جميعاً ثورة سلمية حضارية تاريخية مشتركة واحدة، وأنها جميعا ماضية نحو صناعة التغيير الجذري الشامل في هذه الحقبة التاريخية الحاسمة من حياة العرب والمسلمين والعالم أجمع.

ولقد كانت العين على مصر والقلب في مصر طوال أيام صناعة الثورة في قلبها الخافق بميدان التحرير وفي جميع أنحاء مصر، اندلعت يوم 25/1/2011م، وانتصرت يوم 28/1/2011م، في ذلك اليوم تلاقت جموع الثائرين وجهاً لوجه على جسور النيل باتجاه ميدان التحرير مع جموع الميليشيات القمعية التي حملت –مثلما تحمل في سورية- أسماء متعددة لأجهزة أمنية، وخضعت قياداتها –مثلما تخضع في سورية- لرؤوس الهيكل الاستبدادي الفاسد، واستخدمت في المواجهة أسلحتها مثلما تصنع الآن في سورية- وكان من بين تلك المعارك بين الحق والباطل، بين إرادة الشعوب وإجرام الاستبداد، معركة دارت على جسر قصر النيل، غازات مسيّلة للدموع، الرصاص الحيّ، خراطيم المياه الكبريتية الساخنة، ومصفحات تدهس الثائرين ذهاباً وإياباً.. وصمد الثائرون، والشهداء يتساقطون، والجرحى يتساقطون، لمدة ساعتين متواليتين، وانتصر حق الثورة على باطل الاستبداد.. وتراجعت جحافل الإجرام الاستبدادي أمام طهارة الصمود البطولية.

في تلك اللحظة –يا ثوّار سورية- انتصرت ثورة مصر.. وأصبح سقوط النظام محتماً، وسقط، وأصبح الانتصار محتماً، وتحقق، ولا بدّ أن يتكرّر المشهد في سورية، في مكان من الأمكنة، في لحظة من اللحظات التاريخية، وتنتصر الثورة، ويحتضر النظام، لساعات.. أو أيام.. أو أسابيع، كما كان في مصر الثائرة، إنّما لن تكون له نجاة من بعد، ولا يبدو أنّه يعمل الآن للنجاة بنفسه أصلاً، قبل حلول تلك اللحظة التاريخية، فلا يزال يكذب ويكرّر الكذب ولا يصدّقه أحد، ويكيل الوعود والاتهامات معا فيناقض نفسه ولا يصدّقه أحد، ويتظاهر "بالهدوء والتماسك" ويكذّبه الواقع، ويتراجع وهو يبطش، ويترنّح رغماً عنه.

مظاهرات ثورة ومظاهرات استبداد

يقال إن النصر صبر ساعة، ولا أعلم شاهداً على ذلك أصدق من تلك الساعة التي شهدها العالم على ذلك الجسر فوق نهر النيل، وما رأيت تطابقاً في مقدّماتها مثل ذاك الذي رأيته بين الأيام الثلاثة الأولى من عمر صناعة ثورة شعب مصر، وما شهده يوم جمعة العزة في سورية، في مدن سورية جميعاً.

طريق الثورة واحد من حيث الجوهر والحصيلة، وإن فاجأ الثوار في كل بلد الاستبداد القائم في بلدهم بإبداع جديد يصنع النصر، وطريق بناء الاستبداد –كطريق سقوطه- واحد من حيث الجوهر والمظهر وإن تعدّدت الأسماء وتباينت اللهجات، وتعدّدت أساليب الإجرام.

ولم يبدّل الاستبداد في سورية مسلكه منذ اللحظات الأولى لمسيرته يوم 8/3/1963م، وأعود بالذاكرة إلى تلك الأيام، فأذكر كيف بدأ الإجرام في العام التالي بقصف جامع السلطان في حماة واقتحام الدبابات للجامع الأموي في دمشق.. فهل تبدّل شيء من ذلك على امتداد 48 سنة كبيسة؟..

وكيف تقرّرت إقامة أول "مهرجان عسكري" يوم 8 آذار 1964م كي يحلّ تدريجياً مكان الاحتفالات السورية الجامعة بيوم الجلاء في 17 نيسان، وكيف كان يُساق طلبة المدارس سوقاً ليقوموا بمسيرات شعبية مصطنعة لإعطاء النظام الانقلابي الاستبدادي الجديد صبغة شعبية مزعومة، فهل تشهد جموع الميليشيات والمخابرات المصنعة للتظاهر اليوم إلا امتداد ما بدأت صناعته بالإكراه في ذلك اليوم؟..

وكيف كانت "معسكرات الفتوّة" لتلاميذ المرحلة الأخيرة قبل الحصول على الشهادة الثانوية أداة لإكراههم على سماع تعاليم الحزب المتسلّط عبر محاضرات يومية، ولم يكن حافظ الأسد قد وصل إلى السلطة بعد، ولكن كان يدبّر وصوله إليها، ولقد أورد أمين عام حزب البعث منيف الرزاز في كتابه التجربة المرة عن تلك الفترة صورة معبّرة عندما سأل ضباط الطيران حافظ الأسد آنذاك هل يقف إلى جانب هذا الفريق أم ذاك من المتنازعين على السلطة في الجيش فكان جوابه الانتهازي: "سأكون مع الفريق المنتصر"، وصنع ذلك فعلاً ليغدر بمن انتصر من بعد، بانقلاب على زعماء حزبه، ثم بانقلاب آخر على رفاقه في الانقلاب الأول، ثم بتصفية كل من ينطلق من سورية وطناً لحساب من ينطلق من الجناح المتبقي من حزب البعث في السلطة واعتباره هو "الوطن" وهو "الدولة"، وشملت التصفية الأحرار وأصحاب الرؤى الأخرى جميعاً، في جميع ما يوجد في الدولة من أجهزة ومؤسسات، ابتداء بالجيش انتهاء بالمعلمين والمعلمات، جنبا إلى جنب مع تكوين كوادر الميليشيات القمعية، والمخابرات الإجرامية، بمختلف الأسماء والوسائل، وفرض الوصاية على الشعب من خلال مؤسسات ابتدعوها كالمعسكرات الشبابية، ثم الشروع بعد فترة بإعداد ابنه الأول لوراثته في التسلّط على سورية، حتى إذا مات بدأ إعداد ابنه الثاني، وشمل ذلك اعتقال أكثر من 800 من "الأعوان" في الحكم لإزاحتهم من طريقه.. وآنذاك تلقى الرئيس الوارث الدروس في كيفية التسلّط على الشعب من الرئيس الموروث، وشرع في تطبيقه بالفعل عبر وعود مغرية، وإجراءات جزئية، ليتمكّن من السلطة ويتخلّص من المنافسين، ليعود بعد سنوات إلى اتباع نهج أبيه دون تغيير.

أليس هذا الاستبداد هو الذي يصطنع اليوم "مظاهرات التأييد" في مواجهة "مظاهرات الثورة"؟..

مظاهرات تقدّس الفرد.. ومظاهرات تهتف للشعب والوطن والحرية.

مظاهرات يحميها سلاح القمع.. ومظاهرات تتحدّى السلاح بالصدور العارية والحناجر المستهدفة بالرصاص.

مظاهرات فئةٍ متسلّطة انتهى أمرها بالثورة.. ومظاهرات جيل المستقبل يصنع الثورة ويصنع الوطن للمستقبل.

مظاهرات الاحتضار الأخير لنظام بائس يائس.. ومظاهرات ولادة النور في سورية من جديد، وخروجها من نفق الاستبداد والفساد والتخلّف والنعرات والتجزئة ونهب الثروات وهدر الطاقات.

على طريق النصر

إن النصر يا ثوار سورية في أيديكم.. من خلال صمودكم.. من خلال تضحياتكم.. من خلال ما تعلّمون به الأجيال كيف تصنع الثورات، وتستعاد الكرامة، وتنتزع الحرية، وتستيقظ الشعوب، ويُدفن الاستبداد الفاسد في القبر الذي يصنعه لنفسه بنفسه.

كل رصاصة يطلقها في درعا والصنمين وفي اللاذقية ودمشق وفي حمص وحماة وفي كل قرية ومدينة، وفي كل شارع وساحة، رصاصة تصيبه في مقتل، وإن سقط الشهداء والجرحى، وتزيد الشعب غليانا وثورة، وترغم الاستبداد على مزيد من الترنّح والاحتضار.

ألتقي هنا في مصر مع شباب ثائرين وشابات ثائرات، ومع من سار من ورائهم من جيل عانى من الاستبداد لعدّة عقود.. وما كان يدور في خلد الثوار أنفسهم يوم 25 يناير (كانون الثاني) أنّ ذلك المستبد المتربّع فوق آلام الشعب عبر ثلاثين سنة سيسقط خلال 18 يوماً، إنّما لم ينحرفوا قيد أنملة على هدفهم تهدر به الحناجر فيتردّد صوته من أقصى العالم إلى أقصاه: الشعب يريد إسقاط النظام.

وإنكم على يقين.. سيسقط المستبد الحاكم في سورية أيضاً، بقضّه وقضيضه وفساده وإجرامه، كما سقط في مصر تلاحقه حناجر الشعب الثائر: الشعب يريد إسقاط النظام.

كان الألم يعتصر القلوب على مشاهد الشهداء والجرحى في تلك الأيام أثناء صناعة الثورة في مصر.. وما كانت الأعين التي تتابع دموعُها ثورتهم عن بعد، تتصوّر –كما أرى بأم عينيّ اليوم- مشاهد أولئك الثوار الشباب الأحرار، وقد أدركوا أنّهم حققوا نصراً تاريخياً، لا يمكن أن يحمل ما بعده شيئاً ممّا كان من قبله من آثار الاستبداد والفساد.. وما زالت الثورة حيّة ماضية على طريق بناء جديد على أنقاض الاستبداد والفساد.. وقد أصبح هدير الشعب ينادي: الشعب "خلاص" أسقط النظام.

وستنطلق حناجركم آجلاً لا عاجلاً بذلك الهتاف: الشعب في سورية أسقط النظام.

أنتم يا ثوار سورية تصنعون التاريخ، وتغسلون صفحة كئيبة سوداء من بين صفحات التاريخ في سورية وأخواتها، من درن الاستبداد والفساد.

أنتم تعيدون المجد لهذا الوطن.. الذي يخترع اليوم ثورة الحق على الباطل مثلما اخترع الكتابة للبشرية، ومثلما اخترع الأمن والأمان في العالم عندما كانت دولة الأمويين ممتدة من أقصى الأرض إلى أقصاها.

لقد سرقوا من سورية بهجة الأمن والحضارة، والسلم والعدالة، والحرية والكرامة، وهم يدفعون الثمن الآن احتضاراً وانحساراً، ليعلو جبين سورية في العلاء من جديد، ولتنضم إلى قافلة التحرر في المنطقة العربية والإسلامية، على طريق تحرير كل أرض مغتصبة، ومسح كل دمعة ألم من عين طفل فقد أباه أو أمه، وكل امرأة فقدت ابنها أو زوجها، وكل شيخ يستعيد ذكريات الماضي قبل كابوس الاستبداد، وينتظر منكم أنتم بإقدامكم البطولي وصمودكم أن تضعوا حدّاً لهذا الكابوس.

لقد أصبح النصر قاب قوسين أو أدنى، وإنّه وأيم الله آت، وما نهاية الاستبداد والفساد إلا ساعة من الصبر في مواجهة آخر حلقة من حلقات إجرامه بحق سورية وشعبها، وحق العرب والمسلمين، وحق الإنسان والإنسانية، وحق الحضارة البشرية.

---------*****************-----------

المريض السوري... ومعالجة السرطان بالاسبيرين!

خيرالله خيرالله

 يمكن للحراك الشعبي الذي تشهده سوريا ان يؤدي الى نتيجة حاسمة، مثلما يمكن للنظام القائم في دمشق القضاء عليه ولكن لفترة موقتة ليس الاّ... في انتظار حراك جديد اكثر عنفا. فالحراك الحالي، تعبير عن ازمة عميقة هي ازمة نظام  قبل اي شيء آخر.

 الى الآن، وعلى الرغم من الاحداث الخطيرة التي شهدتها اللاذقية، بما تمثله من رمزية طائفيا ومذهبيا، لا يزال من الباكر اعطاء رأي في المدى الذي يمكن ان يصل اليه الحراك الذي شمل مناطق سورية عدة. لم يعط الحراك حقه الاّ من خلال ما تعرضت له درعا القريبة من الحدود الاردنية.

 الاكيد ان القضاء على الحراك الشعبي، الذي بات على شفا التحول الى ثورة شعبية عارمة، لا يمكن ان يكون عن طريق قرارات ذات طابع اصلاحي من النوع المضحك المبكي صدرت عن الرئاسة السورية. مثل هذه القرارات اشبه بمحاولة مداوة مريض مصاب بالسرطان بواسطة الاسبيرين. الموضوع يتجاوز اصلاحات ما، حتى لو تناولت اعترافا بضرورة اطلاق حرية الاعلام وانشاء احزاب وتوفير الضمان الصحّي لموظفي الدولة وزيادة الرواتب والغاء حال الطوارئ. الموضوع موضوع نظام يعتقد ان الشعب السوري مجرد قطيع وانه قادر على قيادة هذا القطيع بمجرد اطلاق شعارات لها علاقة بالممانعة والمقاومة في حين لا وجود لمقاومة او مانعة، في سوريا، سوى لدى ذوي المخيللات المريضة المستعدين للتضحية بآخر لبناني وآخر فلسطيني بحجة وجود مقاومة. لا يستطيع المواطن السوري ان يشبع من سندويش اسمه ممانعة وآخر اسمه مقاومة. هناك ما هو اعمق من ذلك بكثير.

في النهاية، ان المواطن السوري ينتمي الى شعب يمتلك حضارة قديمة تعرف معنى تسخيف النظام السياسي والاقتصادي على يد حزب البعث بغية وضع السلطة والدولة في يد مجموعة لا تشبه سوى النظام البعثي- العائلي الذي كان قائما في العراق في عهد المرحوم صدّام حسين.

ما ينقذ سوريا هو اعتراف النظام بازمته العميقة التي لا يستطيع الاستمرار في الهرب منها. عملية الهروب الى امام التي مارسها النظام، والتي صارت جزءا منه، كانت ممكنة في الماضي، خصوصا ايام الحرب الباردة عندما كان الرئيس الراحل حافظ الاسد يمارس لعبة الاستفادة من التوازنات الاقليمية والدولية بطريقة ذكية مكنته حتى من الدخول عسكريا الى لبنان بضوء اخضر اميركي- اسرائيلي وفره هنري كيسينجر. الحرب الباردة انتهت. التوازنات الاقليمية صارت مختلفة. لم يعد هناك مجال للمناورات. لم تعد لعبة تجاهل التوازنات الجديدة تجدي. الدليل على ذلك طبيعة العلاقة الجديدة القائمة بين دمشق وطهران والتي تجعل من النظام الايراني صاحب الكلمة الاخيرة في كل ما هو مرتبط بهذه العلاقة، خصوصا بالنسبة الى لبنان الذي تحول ضحية السياسة التوسعية القائمة على اثارة الغرائز المذهبية للنظام الايراني...

يظل لبنان المقياس الحقيقي لقدرة النظام السوري على ان يتغيّر. لا ينفع اي كلام عن اصلاحات في سوريا من دون مراجعة للسياسة الخارجية للدولة بما يمكنها من لعب دور ايجابي في الاقليم. انها سياسة مبنية، الى اشعار آخر، على تغطية الازمة الداخلية بالهرب الى الخارج. مثل هذه السياسة لم تعد ممكنة لسبب في غاية البساطة يتمثل في ان العالم تغيّر. من كان يصدّق ان القوات السورية المنتشرة في لبنان يمكن ان تنسحب يوما من الاراضي اللبنانية؟

 من الواضح ان النظام السوري لم يفهم يوما ان دم رفيق الحريري الذي سعى الى كل ما يمكن ان يخدم سوريا ولبنان سياسيا وماليا واقتصاديا وحضاريا هو الذي اخرج القوات السورية من لبنان. هناك اصرار على عدم استيعاب معنى الانسحاب العسكري السوري من لبنان وان ذلك كان مفترضا ان يمهد لعملية اصلاح حقيقية في سوريا نفسها بدل اعتماد المكابرة ولا شيء آخر غير المكابرة، وكانه يمكن ان تقوم سياسة على المكابرة.

في السنة 2011 ، تجد سوريا نفسها تحت رحمة ميليشيا مذهبية تابعة لايران في لبنان. تقبل بهذا الوضع، بل ترضخ له، من اجل ان تقول ان في استطاعتها التحكم بالسياسيات الداخلية اللبنانية، علما بان ذلك ليس صحيحا وان كل ما في الامر انها مضطرة الى التعاطي مع حثالات الحثالات من سنّة ومسيحيين ودروز في لبنان من اجل القول انها تمتلك اوراقا لبنانية وان في استطاعتها فرض رئيس للوزراء غير سعد الحريري. من حسن الحظ ان رئيس الوزراء الذي تحاول فرضه، والذي تعتقد ان  في استطاعتها ارضاء اهل السنة في لبنان عبره، غير قادر على تجاوز خطوط حمر معينة لاسباب مذهبية واخرى مرتبطة بطبيعة الاعمال الخاصة التي يمارسها الشخص المعني في الوقت نفسه.

يظل لبنان المكان الذي يستطيع ان يبرهن النظام السوري من خلاله انه يستطيع ان يتغيّر في العمق. كل ما تبقى تفاصيل. يستطيع النظام ان يتغيّر في حال تصرف بطريقة مختلفة في لبنان. وهذا يعني ان يتصرّف تصرفا طبيعيا تجاهه، بصفة كون سوريا دولة مجاورة وليست قوة اقليمية عظمى تعطي دروسا في المقاومة والممانعة اللتين لا وجود لهما اصلا. مثل هذا النظام يستطيع عندئذ التصالح مع شعبه. كذلك، يستطيع الاعتراف بان هناك تيارا دينيا متطرفا يزداد قوة في سوريا وان ذلك ليس في مصلحة مستقبل البلد والمنطقة والمجتمع السوري في اي شكل. ويستطيع الاعتراف بان لا وجود لاقتصاد منتج في سوريا وان رجال الاعمال القادرين على خلق وظائف في البلد انما فرّوا من سوريا منذ فترة طويلة. ويستطيع الاعتراف بان ليس طبيعيا ان يكون النظام التعليمي متدنيا الى هذه الدرجة وان لا مفر من وضع حدّ للنمو السكاني غير الطبيعي في وقت لا مجال لاي تقدم في مجال زيادة الدخل القومي وحتى زيادة المساحات الزراعية او الحد من العشوائيات المحيطة بالمدن.

هل في استطاعة النظام السوري اصلاح نفسه؟ ليس في الامكان اعطاء جواب حاسم. كل ما يمكن قوله ان الخطوة الاولى التي يمكنها حماية النظام تتمثل في الابتعاد عن المكابرة. سوريا ليست قوة اقليمية. موقعها الجغرافي في غاية الاهمية، لكنّ اقتصادها لا يسمح بذلك. سقوط الاتحاد السوفياتي وانهياره اهمّ دليل على ذلك. كان الاتحاد السوفياتي، الذي انهار قبل عقدين، يستطيع على الاقلّ صنع لمبة كهربائية وجرارا زراعيا وحتى قنبلة نووية فضلا عن دبابات وصواريخ...

 للمرّة الالف، ان الابتزاز والمكابرة لا يمكن ان يكونا سياسة. من يراهن على الانقسامات الطائفية والمذهبية في لبنان وعلى "هشاشة"  الصيغة في لبنان، سيكتشف يوما ان هذه الانقسامات لا يمكن الا ان ترتد عليه، كذلك "الهشاشة" اللبنانية. من يراهن على اسوأ نوع من اللبنانيين من امثال ميشال عون وما شابه ذلك من اشباه الاميين، من الذين لا يريدون الخير لا لسوريا ولا لبنان، لا يمكن الا ان يفشل. لن يخدم هذا الفشل السوري لا لبنان ولا سوريا... ولا اللبنانيين ولا السوريين للاسف الشديد!

ثمة حاجة الى مراجعة تامة وفي العمق لكل ما له علاقة بالسياسات السورية على الصعيدين الداخلي والخارجي. كان اغتيال رفيق الحريري، بغض النظر عن مدى تورط النظام السوري في الجريمة، افضل تعبير عن الازمة العميقة لهذا النظام. انها الازمة التي تطل براسها كلّ يوم والتي ربما يكون افضل تعبير عنها العجز عن فهم ان ليس في الامكان حلّ اي مشكلة عن طريق الغاء الآخر، بما في ذلك الغاء الشعب السوري!

---------*****************-----------

يا إخواننا وأخواتنا

في درعا والصنمين وسائر حوران

عصام العطار

يا إخواننا وأخواتنا في درعا والصنمين وسائر حوران

لم يذهب شهداؤكم ولم تذهب دماؤكم هَدْرا

لقد وحّدَتْ دماؤكم الغالية، وبطولتكُم الرائعة سوريةَ من أقصاها إلى أقصاها: من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، على مطالب الحرية والعدالة والتغيير، والثقة بانتصار الحرية والعدالة والتغيير، والتضحية من أجل الحرية والعدالة والتغيير، وقدّمتُم المثل الحيّ الملهِم للعزّة والعدالة والفداء، وأنَّ الإنسانَ المؤمن الحرّ أقوى بإيمانه وإرادته من الرشاشات والرصاص ومن الموت الذي يرتفع به الشهداء إلى جنة الخلد، وحركتم في النفوس النخوةَ والشجاعةَ ومشاعرَ التضامن الأخويّ والوطنيّ والإنسانيّ فخرجت سورية كلُّها بمدنها وقراها تهتف من أعماق قلوبها: (بالروح والدم نفديك يا درعا) (بالروح والدم نفديك يا درعا)

كلُّ شهيدٍ من شهدائكم أو شهداء سورية هو أخي أو ولدي أو حفيدي

كلُّ شهيدةٍ من شهيداتِ سورية هي أختي أو بنتي أو حفيدتي

نحنُ الآن في سورية أسرةٌ واحدةٌ متوادّة متعاطفة متراحمة هي أسرة التغيير والتحرير، وصياغةِ الواقع الحرّ الكريم، والمستقبل الحرّ الكريم لسورية العزيزة الحبيبة كلِّها كلِّها دون استثناء ولا تمييز، ولشعبنا كلِّه كلِّه دون استثناء ولا تمييز

يا إخواننا في درعا والصنمين وسائر حوران

أناشدكم وأناشد السوريين جميعاً في كلِّ بلدةٍ أو قرية أو مصنع أو حقل

أناشدكم بحرمة دمائنا ودمائكم

أناشدكم من خلال دموعنا ودموعكم ، وفواجعنا وفواجعكم، وآلامنا وآلامكم أن تستمروا على المحافظة على تحرككم السلميّ النظيف، وعلى طريقكم الواضح القويم، إلى أهدافكم الجوهرية الكبرى

إنّ علينا أن نربح معركتين عظيمتين حاسمتين: معركة الحرية والكرامة، ومعركة الوحدة الوطنية الشاملة، في وقت واحد

هذا هو التحدّي

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا  [آل عمران: 172-173]حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

صدق الله العظيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عصام العطار

السبت: 21 ربيع الآخر 1432

و26/03/2011م

---------*****************-----------

بيان من الأستاذ هيثم المالح رداً على بثينة شعبان

قول على قول

استمعت إلى السيدة بثينة شعبان وهي تتلو بيانا حكوميا في مؤتمرها الصحفي.

ما ورد في البيان الحكومي غير زيادة الرواتب (وهي غير ذات قيمة) إنما هو ما سوف تفعله السلطة في المستقبل.

بعد خمسين عاما من الأنظمة الاستبدادية الشمولية آن الأوان لاتخاذ قرارات حاسمة ،ومن هنا فأننا لم نسمع في بيان السيدة شعبان أي كلام حول إلغاء القانون 49 لعام 1980 والمخالف للدستور ولقانون العقوبات والذي أسس لارتكاب مجازر ،وكذلك المادة 16 من المرسوم 14 لعام 1969 والذي يحّصن العاملين في أجهزة أمن الدولة من المساءلة القانونية حين ارتكابهم جرائم .

كما لم نسمع أي قول حول طي الملفات العالقة منذ حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي منها ملف المفقودين في أحداث حماه وحلب وتدمر ،وملف الدور المصادرة وهي بالآلاف ،وملف السوريين الموجودين خارج سوريا والممنوعين من العودة إليها.

إن الحالة القائمة في سوريا تقتضي من الرئيس نفسه أن يظهر على شاشة التلفاز وأن يخاطب الشعب خطابا شفافا وواضحا ويقدم لهم القرارات التي تلبي مطالبهم التي قدمت منها مثالا إضافة إلى إلغاء حالة الطوارئ والتي تدخل في صلاحيتها بمقتضى الدستور وأن يقدم مشروعاً مستعجلا إلى مجلس الشعب لتعديل الدستور وإلغاء المادة الثامنة منه كما إلغاء القوانين المخافة له والتي ذكرتها آنفا.

إن الظروف التي تم فيها بلادنا تقتضي منا جميعا من كان في السلطة أو معها أو كان من معارضيها أن لا نلجأ إلى الاستفزاز واستعمال أساليب البلطجة أو إثارة النعرات الأثنية أو الطائفية ومن هنا فأنني أهيب بالجميع أن يكونوا منضبطين سواء في حالة المطالبة بالإصلاحات أو في حالة محاولة السلطة كبح جماح المتظاهرين .

إن الزمن عمل حاسم في تهدئة الأوضاع أو جعلها تنفجر ومن هنا فأن مسؤولية السلطة مسؤولية كبيرة تدفعها لإنفاذ القرارات الحاسمة إشعارا للمواطنين بمصداقيتها.

والله أسأل أن يسدد خطانا جميعا لما فيه خير البلاد والعباد وإلى لقاء آخر .

المحامي هيثم المالح

دمشق 26 آذار 2011

---------*****************-----------

التغيير الجذري الشامل أو الثورة الشعبية السورية الشاملة

فايق عمر

النظام السوري يتجرّع الآن من الكأس التي طالما أذاق منها الشعب السوري …إنها كأس الخوف. لا شكّ أن فرائص المسؤولين السوريين ترتعد الآن خوفاً وهلعاً من الغضب السوري الذي تفجّر أخيراً، ولو طال انتظاره. كيف لا وقد رأوا بأم أعينهم مصائر أنظمة عربية، على شاكلتهم، كانت تحكم البلاد والعباد، حيث الخدم والحشم والجواري، هي اليوم في عداد الأموات بعد أن غضبت عليها شعوبها، وأعلنت لعنتها عليها.

ما يجري الآن في سوريا، على صعيد توسيع الانتفاضة والتنازلات الطرديّة التي يقدّمها النظام السوري، يضعنا أمام المشهد الأول للثورات الشعبية التي اندلعت في تونس، مصر، اليمن وليبيا. فأنظمة الدول المذكورة هذه كانت، اليمن لا يزال، تقدّم التنازل تلو التنازل وذلك طرديّاً مع الضغط تلو الضغط من قبل شعبوها الثائرة. كل تلك التنازلات، والوعود بالتطبيق، والتطمينات التي كانت ترافقها، لم تُسعف هذه الأنظمة في امتصاص غضب شعوبها. كلّ ما بدر من هذه الأنظمة وضعته الشعوب الثائرة في خانة الفاقد للصلاحية والمعسول والمستهلك من الكلام.

الهدوء الحذر الذي تشهده سوريا الآن لا يعني، البتّة، أن الانتفاضة السورية قد أُخمدت. أربع ثورات شعبية، من النوع الذي بات معروفاً ودراجاً، البعض يقول مازحاً أنها أصبحت موضةً، شهدها الوطن العربي حتى الآن، والغالب أن الخامسة، حسب المعطيات المتوافرة، ستكون سورية. جميعها بدأت صغيرة ثم كبُرت ككرة الثلج، بدأت انتفاضة من بلدة صغيرة بحكم المنسيّة، سيدي بوزيد التونسية مثالاً، حيث الافتقار إلى المرافق العامة والخدمات، وانعدام كلّي لمظاهر الحياة في القرن الحادي والعشرين، ثم سرعان ما انتشرت كالسرطان لتشمل كلّ مدينةٍ، وقريةٍ، ودارٍ، وخيمةٍ وزنقةٍ، لتتحوّل في النهاية إلى ثورات شعبية عارمة أقلعت طغاةً من عروشهم، وتهتزّ وتُزلزل لها الآن عروش آخرين.

النظام السوري الآن في وضع لا يُحسد عليه، وهناك تسريبات، مسنودة إلى مصادر دبلوماسية في السفارة الفرنسية بدمشق، عن وجود خلافات عميقة بين أركانه، وتكهنات عن قرب انفجارها، وحدوث تصفيات داخلية على طريقة حرب العصابات. وتواري الرئيس السوري بشار الأسد عن الأنظار، ودفعه بمستشارته السياسية والإعلامية بثينة شعبان لتتحدث باسمه، والذي يرى فيه البعض بلادةً في الإحساس واستخفافاً منه بدماء السوريين واستباحاً لها، هو من منظار آخر تأكيد على ما يُسرّب عن وجود خلافات حادّة وانشقاقات في الرؤى، حول كيفية تدارك الأزمة الراهنة، بينه وبين باقي أركان نظامه والحاشية.

أياً يكن الأمر، توراي واختفاء الأسد، إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على التخلخل الكبير الذي أحدثته الانتفاضة السورية في أركان النظام. كما أنه مؤشّر على أن النظام يعيش خوفاً وهلعاً رهيباً ولم يطمئن له بالٌ بعدُ من أن الانتفاضة انتهت وأُخمدت. وهو قد يكون تحسّباً لتفادي تكرار تجربة الثورات الأخرى التي كان ظهور الرؤساء فيها يعقبه غليان وفوران لدماء الثوار، وهذا هو أقصى درجات الخوف الذي يمنع العايش فيه حتّى من الخروج من أوكاره.

الشعب السوري رأى كيف استُبيحت ورخُصت دماء أبنائه، ولهذا من الصعب جداً أن تُهدّئه بعض حقنات النظام، الذي جرّب أوّلها بإطلاق سراح بعض المعتقلين، وثانيها بإقالة الحكومة، واللاحقات، حسب ما يُطلق من وعود، ستكون قريبة. الأنظمة المستبدّة التي أُقيلت، وتلك التي باتت قاب قوسين أو أدنى من نيل مثل هذا المصير، لم يحالفها الحظّ بالتهدئة من روع شعوبها الثائرة عليها، ولا أظن أن الشعب السوري من هذه العملية استثناء.

هناك بالتأكيد حكومة ستخلف هذه التي أُقيلت لتوّها، وقانون الطوارىء والأحكام العرفية، وغيرها من المطالب التي ينادي بها الشعب السوري، ليس هناك أسهل على النظام من الإتيان ببدائل، وربما أجحف، فور خروجه سالماً غانماً من أزمته الراهنة، وعودته إلى سابق عهده. السوريون يريدون التغيير الجذري الكلّي والشامل ولن تنطلي عليهم محاولات امتصاص غضبهم، هذا هو الخيار العسير أمام النظام السوري الآن، ولا خيار آخر، وإن لم يستجب له فعليه أن يستعد للثورة الشعبية السورية الشاملة.

---------*****************-----------

الشعب يريد السيد الرئيس ، الشعب يريد أن يبقى تحت الجزمة!

نوال السباعي - مدريد

حزن وألم عميقين..يتملكان المرء وهو يرى مايحدث في شوارع دمشق وطرابلس وصنعاء ، تتطابق الخطوات التي تتخذها هذه الأنظمة بشكل مذهل ، يحاكي كل منهم صاحبه ، ولايفهم ، ولايتعلم ، ويظن أن "خصوصيته" مانعته ، يلجأ كل منهم بدوره إلى حشر شعبه بأوامر ملزمة  ليطبل ويزمر ويرقص ويغني – على رأي القذافي- ، كالمهووسين في حلبات الجنون ، وبالضبط كما فعل القذافي وأبناؤه ، وعلي صالح وأسرته ، وصل الدور على النظام السوري الذي كان كثيرون يظنون أنه خير من صاحبيه ، فإذا به لايختلف عنهم إلا في صغر سن الرئيس ، وأناقة أدائه مقارنة مع صاحبيه هذين .

قتل وحشي عشوائي – فقط للمتظاهرين ضد النظام، الخونة ، المارقين، المدسوسين- ، عصابات من الأغوال الجَرْعَبيلية  التي تختلف تسميتها من قطر إلى آخر- انظر ترجمة الجَرْعَبيل في مفردات الوحوش- ! من بلطجية إلى شبيحة إلى أولاد حرام !، اعتقالات تعسفية همجية ، تهديد بتمزيق البلاد ، وإثارة النعرات الطائفية ، وإشاعة الفوضى ، في حال تخليهم عن الحكم الذي يستمرون فيه جميعا - مساكين – رغم أنوفهم رأفة بشعوبهم !!، ادعاآت المؤامرة الخارجية ، وليس لوضع البلد ومافيها من فقر وذل وخوف أي علاقة إطلاقاً!، بل إن هذه البلاد تعيش حياة الرخاء والحقوق التي تحسدها عليها سويسرا نفسها!،بل ويتمنى سكان سويسرا وألمانيا الهجرة إليها !- حسب أبواق النظام الموزعة على الفضائيات الناطقة بالعربية الثلاث الرئيسية ، العربية ، والبي بي سي، والجزيرة التي التحقت بالركب في آخر المطاف تحت الضغط الشعبي الكبير-.

 توزيع الاتهامات على كل حرّ شريف يأبى السكوت ، وخاصة على المغتربين ،من صفوة الصفوة من المهاجرين والمهجرين ، لا لأنها ضاقت بهم البلاد والعباد ، بل سياحة من عند انفسهم !، والذين كانت مستشارة الرئيس السوري عينها وزيرة لشؤونهم !!.

 ركوب موجات الثورة ، حتى أن المستمع إليهم وإلى كلماتهم "العبقرية" يخلط بينهم وبين الثوار ، من حيث المطالب والفكر والصياغة !!، إعلام كاذب يبلغ بهتانه كل مبلغ ،يوظف أبواقه التي توزع الدجل والكذب على الآفاق ، أفظع مافيهم ظنهم أن الناس لهم مصدقون !!،لقد امتهنوا الكذب واستمرأوه حتى صدقوا أنفسهم – كما قال الرئيس السوري - الذي قليل عليه أن يكون زعيما للعرب والمسلمين ، ولكنه يستحق أن يكون زعيما للكرة الارضية – كما قال أحد ممثلي الشعب السوري- وبعض الكواكب والمجرات!!.

بدلا من الاحتكام الى صناديق الاقتراع ، يرسل الطغاة  في المدائن حاشرين ، ليثبتوا لعالم يعرفهم أن الشعب يؤيدهم ، مجلس المنافقين يقول : "الله ، سورية ، الرئيس ، وبس" ، والرئيس الذي بدا واهنا ومرهقا ، يصحح للمنافقين ويقول لهم : "الله ، سورية ، الشعب "!، المنافقون يتهمون كل من يفتح فمه بالخيانة وبأنه لايحب الرئيس ، والأحرار الذين يتجرأون على القول في هذه الأيام بالغة الصعوبة والخطورة ، هم أشد حبا وإشفاقا عليه من المنافقين الكذبة ، لأن هؤلاء يخدعونه ، وأولئك يخلصون النصح لشعبهم وأمتهم ولايخافون في الله لومة لائم، ولايطمعون إلا في تحرير شعوبهم من الذل والمسكنة .

الشعب يريد السيد الرئيس ، الشعب يريد أن يبقى تحت الجزمة ، الشعب يريد أن يموت جوعا ، الشعب يريد أن تتحكم في حياته وموته أجهزة الغُناجَل الأمنية المتوحشة – انظر القاموس المحيط !- ، الشعب يريد أن تستمر عصابات السراق في نهب كل خيرات الشعب وثرواته، الشعب يريد أن يبقى متخلفا ، محصورا في القرون الوسطى ، وإن كان يرتدي ربطات العنق التي يمكن أن يُجَر منها نحو حتفه لو تفوه بكلمة حق واحدة !.

لعبة قديمة ، وطاعة معروفة ، تحت تهديد الخوف ، الخوف يصنع بالإنسان مالايمكن أن يفعله أي شيء آخر ، لقد حول الخوف المنطقة العربية وخلال نصف قرن إلى مزارع خاصة بالمستبدين ، تحشد فيها الجماهير وكأنها قطعان خاصة بهم ، يمتلكون حياتهم ومصائرهم وأقدارهم ..وموتهم – بالطبع- ، يحركونهم كيفما شاؤوا وأنى شاؤوا ، يرثونهم ويورثونهم كممتلكات شخصية ، ويسوسونهم بالخوف ، هذا الخوف الذي أحدث البوعزيزي في جداره ثغرة ، مازالت تتسع على الراقع ، وامتد التسونامي ، ومازال ، ولاعودة إلى عهود الخوف والجوع والإهانة ..على الرغم من المجعجعين والخائفين والمرتجفين والمرعوبين والحريصين على فتات يرميها لهم "أسيادهم" ، خاصة من أصحاب الجبة والعمامة ، والجبة والعمامة منهم تستغيث.

أشفق أحياناً على بعض هؤلاء الرؤساء ، من مثل هؤلاء الذين يشكلون مجالس المهرجين والذمالقة – انظرإحدى الموسوعات اللغوية !-  المسماة مجالس الشعب والشعبيات والثوريات والجماهيريات ، أشفق لهم بصدق ، عندما يكونون أصحاب عقائد قومية ووطنية ، ومواقف صامدة لدعم القضية ، يتفق معهم عليها حتى ألدّ أعدائهم ومعارضيهم من أبناء الوطن الواحد،أشفق عليهم لأن الحق لايحتاج إلى الظلم والاستبداد ليكون أبلجاً، ولأن الباطل لا ولن يكون حقا قط ولو وقفت قوى الأرض كلها معه.

لقد انطلق المارد ، ولارجعة إلى الوراء ،باذن الله، بشارة نزفها لكل مستبد متمسك بخصوصيته ، وإلى رفاق دربه ممن يدعمونه في ظلمه وقهره من المحيط إلى الخليج ، سواء كان المقهورون شيعة أم سنة أم نصارى أم أمازيغ أم أكرادا أم أقباطا أم عربا ، إنها الثورة ، وإنه استيقاظ أمة ، ونهوضها من مواتها بكل مايستدعيه ذلك من وقت وشهداء وتضحيات ، لقد سُدِدَت للأمة ضربة  أرادوها قاتلة ، فدخلت في مرحلة سبات سريري ، وظننا أنها لن تنجو ، ولكنها قامت .

إنها الثورة ،  وقد ولدت للتو من تونس ومصر ، وإن الحرية تؤخذ ولاتمنح بفرمانات إصلاحية ، إنه الشعب عندما يعرف مايريد ، ويقرر أنه يريد أن لايكون في سياق العبيد.

يسألونك ..في الحالة السورية عن درعا ، ولماذا الثورة من درعا ؟! وهو سؤال عجيب ، ولكن من يعرف أكاذيب هذا النظام واختلاقاته لايتعجب منه كثيرا !، لقد اعتقلت قوى "الأمن" في درعا أطفالا!! ، أطفال لم يبلغوا الحلم ، كانوا يلعبون لعبة الحرية ، التي مافتئوا يشاهدونها على الهواء مباشرة منذ ثلاثة أشهر في الفضائيات ، ومنها الفضائية السورية نفسها التي نقلت وقائع خلع حسني مبارك في بث حي ومباشر ، واثقة بأن أجهزة قمعها قد استلت من الشعب وإلى الأبد ، الشعور بالكرامة ، والرغبة في الحرية ، و…إرادة الحياة .

كيف يمكن لشعب كائنة ماكانت الجراح التي كسرت ركبتيه أن يترك فلذات أكباده في سجون القتلة؟!، ولو أن الامر اقتصر على اعتقال هؤلاء الأطفال لكان جريمة يستحق عليها كل من تورط فيها السجن مع الأشغال الشاقة المؤبدة ، فمابالنا ، وقد عذب هؤلاء الأطفال ، شوهت طفولتهم ، وهدرت حرمة براءتهم ، أراد الجلادون القتلة أن يردعوا بهذا الإرهاب الأرعن شعباً ، ظنوا أنه قد مات في حماة وحلب وتدمر قبل ثلاثين عاماً.

الكلمة الأخيرة دوما هي للشعب ، فهو الحَكم طال زمان اغترابه وتغييبه أم قصر ، ولاأحد على الإطلاق يرغب في الفوضى والخراب وسيل الدماء ، الكل متفقون على أن محاولات الإصلاح بالتي هي أحسن ، هي رغبة الوطنيين الشرفاء من الحكام والمحكومين الحريصين على أمن بلادهم ، وحقن دماء شعوبهم ، ولكن لاأحد يختلف على أن الأمن والاستقرار لايجب ان توضع في مقابل كرامة الإنسان ، والوحدة الوطنية وخدمة القضية الفلسطينية لايمكن أن تكون أبدا مقابل الحرية .

كل الإجراآت التي "سَ" ، و"سوف"، يدرس اتخاذها النظام السوري في المكان المناسب والزمان المناسب – كما عودنا-  ، وسيدعي شرف منحها لشعبه ، إنما هي منحة خاصة ، تفضل بها  شعب درعا وشهداء درعا وأطفال درعا على سورية .

 إنها لعبة السيادة ، فالأحرار هم السادة ، لقد ولت الأزمان التي يكون فيها فرد واحد  سيداً للبلاد ، ولاسيد لهذا الوطن إلا الشعب ، ولكن ليس ذلك الشعب المستعبد الذي يمكن جره وحشره للتصفيق للطغاة ، ولكنه الشعب الذي انتفض واستشهد من أجل حريته وكرامته وأطفاله ، الذين سيطالبون بحقهم عاجلا ام آجلا ، قط..لم يتمكن الجلادون عن طريق قلع الأظافر من التمكن من رقاب أمة ..وإلى الأبد.

---------*****************-----------

"سورية بعد الأربعاء الدامي في "درعا".. هي غير سورية التي كانت قبله"!

الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

أحداث جمعة "العزة" في سورية في25 آذار ذهب فيها المعلقون مذاهب شتى في التنظير لما حدث في سورية بشكل عام وفي درعا وبلدة الصنمين على وجه الخصوص. أدلى المراقبون كل بدلوه عما ينبغي أن يكون عليه الحل الناجع للخروج من الأزمة التي ضربت سورية من نهر الخابور في أقصى الشمال الشرقي، إلى درعا في جنوب غرب سورية.

لفت انتباهي أن هناك من حاول تبرئة الرئيس السوري "بشار أسد" من المسئولية عما حدث، بأن حاول إلقاء التبعة على فريق استئصالي في النظام وعلى الأجهزة الأمنية التي "أخذت حريتها" الكاملة بإطلاق الرصاص الحي على كل من هب ودب. ليس المهم والمفيد القول أن الرئيس هو الذي أمر أو هو الذي يستطيع أن ينهي. لأن الأمور لم تعد تحسب بهذا الشكل، وأن الدماء التي أهريقت لها حرمتها التي تفرض حسابات أخرى.

ما يجب أن نؤكده أنه من المفترض أن النظام مؤتمن على دماء السوريين، وأن عليه الدفاع عن هذه الدماء، لا أن يسفكها، لكن الذي حصل هو العكس. فقد أوغلت أجهزته الأمنية في إهراق دماء السوريين في درعا والصنمين وفي اللاذقية وفي المعضمية، وقد جاء الدستور ليُجرّم سفك أي قطرة دم لمواطن سوري بغير حق. هذه الدماء إن كانت قد سفحت بأمر من النظام فهو متواطئ، وقد خان الأمانة وعليه أن يرحل. وإن كانت الأجهزة الأمنية فعلت ذلك من عند أنفسها، ومن دون علم القيادة السورية، فالنظام عاجز وعليه أن يرحل.

النظام السوري الحالي، كمعظم جمهوريات الأمر الواقع العربية، لم يصل إلى الحكم بطريق الانتخاب الحر النزيه، وإنما جاء بشريعة الأمر الواقع. بعض الأنظمة التي جاءت بشريعة الأمر الواقع، استطاعت أن تتكيف –ولو جزئيا- مع مصلحة شعبها فقامت بإصلاحات، وإن لم تكن كاملة، فرضي الشعب هذه الإصلاحات ولو على "مضض"، على أمل أن تتحسن الأحوال أكثر فيما بعد، لأن البديل هو الاحتراب الداخلي.

أما في سورية، وخصوصا في عهد "حافظ أسد" فقد كانت أحوال الشعب تسوء أكثر فأكثر، على الأخص في ثمانينات القرن العشرين حيث تم قمع الشعب، كما تم إفقاره عن عمد. كان على معظم أفراد الشعب إن لم نقل كله، اعتقال ألسنتهم في أفواههم، وأن يفرضوا عليها حصارا، فلا يتكلم الواحد إلا بأمور معيشته، بعيدا عن أي تذمر، خوفا من سوء العاقبة.

على أنه لم تتحسن الأمور كثيرا في عهد الرئيس "بشار أسد" عنها في عهد أبيه "حافظ أسد" إلا بالقدر الذي يعبر عنه المثل السوري "العمش* أهون من العمى". ما يعني أن المواطن السوري كان يمشي "الحيط الحيط ويقول يا رب الستر".

الاستراتيجيون يعتقدون أن "محمدالبوعزيزي" من بلدة "سيدي بو زيد" الصغيرة عندما أحرق نفسه إنما كان "القشة التي قصمت ظهر البعير". لم يكن ذلك منه احتجاجا-وهو كذلك- وإنما كان ذلك منه ردة فعل لا شعورية في ساعة انغلاق نفسي رهيبة. ثم كان ما كان ما عرفه الناس في تونس وفي مصر وفي ليبيا وفي اليمن، ثم أخيرا في سورية.

لن يغير من الأمر كثيرا أن الرئيس "بشار أسد" قد لا يكون في صورة ما حصل في "درعا" يوم الأربعاء الدامي عندما استشهد أكثر من خمسين مواطنا، مابين طفل وامرأة ورجل، وأن الأجهزة الأمنية تصرفت من عند أنفسها،فإن النتيجة واحدة وهي أن الدم السوري أهريق من دون وجه حق بل ظلما وعدوانا. إن الاستعمال المفرط للرصاص الحي -بدلا من استعمال خراطيم الماء على أسوأ تقدير- أشعر السوريين أن الدم السوري لاقيمة لهم عند النظام. هذا ما جعل السوريين يعلنون: "إن سورية بعد أحداث درعا هي غير سورية التي كانت قبلها".

ترجمة هذا الكلام، أن السوريين لا يمكن أن يغمضوا أعينهم عن دماء إخوانهم التي أهريقت في درعا والصنمين وغيرهما، وأن الذين ذبحوهم ليسوا إسرائيليين بل إخوانا لهم في الوطن قاموا بفعلتهم الشنعاء بدم بارد وعن عمد وسابق إصرار.

لن يكون مقبولا التعايش مع نظام سمح باقتراف هذه الجريمة النكراء،سواء كان بعلم الرئيس بشار أو أنه كان مغلوبا على أمره، على ما تم تسريبه من أن الحاكم الفعلي في سورية الآن هو شقيقه العقيد "ماهر أسد" قائد الحرس الجمهوري. وكأن الأحداث أفرزت غرفة عمليات جديدة داخل النظام في دمشق يقودها "ماهر أسد" ومجموعة من الضباط يأتمرون بأمره. وسواء أصح ذلك أم لا، فإن على النظام أن يرحل. كما أنه لن يغير من الأمر شيئا أن تعلن "بثينة شعبان" مستشارة الرئيس بأن القيادة السورية ستقوم بدراسة مجموعة قرارات لتخفيف الاحتقان الذي خلفته أحداث درعا وباقي المدن السورية، حيث زعمت أنه سيتم إلغاء قانون الطوارئ، كما سيتم محاسبة الذين أطلقوا النار في درعا وفي غيرها.

الشيء الغريب أنه خلال أسبوع كامل كان النظام السوري كله غائبا عن المشهد، ابتداء من الرئيس بشار إلى رئيس الحكومة وباقي الوزراء. فلم يكن هناك في الساحة إلا أجهزة الأمن تصول وتجول وتعتقل وتقتل. والسيدة "بثينة شعبان" مستشارة الرئيس، التي توالى ظهورها في وسائل الإعلام، مبشرة مرة ومتوعدة ومنذرة مرات عدة. أما الوعود التي أطلقتها "بثينة شعبان" فلم يكن أحد يعرف من طلب منها أن تَعدَ بها.

 ولم تكتف مستشارة الرئيس بهذه الوعود التي ما عاد الشعب السوري يصدقها بعد أن سالت الدماء، بل بدأت من حيث انتهت جميع الأنظمة التي أطاحت بها شعوبها. فعندما كان يضيق الأمر بالرئيس (تونس ومصر وليبيا واليمن)، فهو يعلن -متوددا لواشنطن يطلب منها النجدة وأنى له ذلك- متهما الإخوان المسلمين بأنهم وراء القلاقل. هذا الإعلان كان دائما نهاية مدة حكم الرئيس، كما حصل في تونس ومصر، وهاهو القذافي و"صالح" على نفس السكة.

وهكذا فعلت "بثينة شعبان" يوم الأحد 27 آذار الجاري عندما زعمت بأن الإخوان المسلمين هم وراء الأحداث في سورية. مع أن العالم كله يعرف أن الثورة ثورة الشباب في سورية، وأن واشنطن تقر بذلك، وأنها قد لا تريد مد يدها للنظام الذي يغرق في بحر أخطائه، ولو مدت يدها إليه لما استطاعت له شيئا.

يبقى أن ننوه بأن الأوضاع في مدينة اللاذقية ذات الخصوصية المذهبية -حيث يتقاسم العيش فيها أهل السنة والعلويون والمسيحيون- علم أن مجموعة أطلقت عليهم السلطات السورية اسم "الزعران"، وهم مجموعة يقودها "نمير بن جميل الأسد" وهو واحد من أبناء عم الرئيس يقود عصابة "الشبّيحة"، حيث كانوا من قبل يفرضون "الإتاوات" في كل مدن سورية. هؤلاء "الشبيحة" قاموا بالقنص على بعض المواطنين في الشوارع فقتل أكثر من 12 مواطنا ومنهم بعض رجال الشرطة، وأن النظام سكت عما يحدث، بل على ما يظهر أنه عاجز عن إيقافهم عند حدهم.

* العمش: يصيب عيني الإنسان فيصبح لا يرى إلا خيالات

---------*****************-----------

طريق الساحل السوري

صبحي حديدي

 انضمت اللاذقية إلى حوران في تعميد الإنتفاضة السورية بدم الشهداء، ولاح على الفور أنّ الفاجعة هنا تتجاوز خسران الدم الزكيّ الغالي، إلى اتضاح ما يُحاك لهذه المحافظة من شدائد، إذ قرّرت السلطة الإنتقال إلى خطّ دفاع جديد يلوّح، بعد الإنهيار السريع لسيناريو 'المندسّين'، ب'مخطط فتنة طائفية'، بدأت أبواق النظام تُنذر به فور شيوع الأنباء عن سقوط شهداء في المدينة. المجتمع السوري، اللاذقيّ، في شرائحه المتديّنة خاصة، قدّم ردّاً سريعاً، قاطعاً وبليغاً: مسجد بساتين الريحان، الذي يستقبل المصلّين السنّة غالباً، أمّ الصلاة فيه إمام من الطائفة العلوية؛ ومسجد الحسن العسكري، وأغلبية مصلّيه من أبناء الطائفة العلوية، استقبل إمام المسجد السنّي ليؤمّ الصلاة.

وفي وقائع التاريخ المعاصر، وعلى امتداد العقود الأربعة من نظام 'الحركة التصحيحية'، بين الأسد الأب والأسد الوريث، ثمة حقيقة ذات مغزى وطني كبير، ظلّت تترسخ سنة بعد أخرى، وتتأكد أكثر فأكثر كلما نفّذت السلطة حملة اعتقالات جديدة: أنّ المعارضين من بنات وأبناء الطائفة العلوية لم يكونوا في صدارة معتقلي، وشهداء، مختلف التيارات اليسارية والقومية التي طوّرت الحراك الديمقراطي السوري، فحسب؛ بل كانت السلطة توفّر لهم عقاباً إضافياً، أو مضاعفاً أحياناً، جرّاء خيار سياسي تعتبره 'خيانة'... عظمى، أحياناً! وأمّا تاريخ سورية الحديث، خلال سنوات الإنتداب الفرنسي تحديداً، فقد سجّل صفحات وطنية لجبال الساحل السوري، تحت قيادة المناضل الوطني الكبير الشيخ صالح العلي؛ وأسقط، في المهد، مؤامرة سلطات الإنتداب في إنشاء دولة للعلويين، سنة 1920، إسوة بدول دمشق وحلب والدروز، قبيل التمهيد لسلخ لواء الإسكندرون، وتلك إجراءات استهدفت تفتيت الوحدة الوطنية السورية مرّة وإلى الأبد، كما توهّم الفرنسيون.

وهكذا، في تحية جبال الساحل السوري ومدنه وبلداته وضِيَعه، الفاتنة المنفتحة الكريمة، أجدني أفتقد صديقاً عزيزاً، وأخاً كبيراً، وأستاذاً لامعاً من أبناء محافظة اللاذقية، هو الروائي الكبير هاني الراهب (1939 2000)، كان إسوة بالعشرات من أبناء المحافظة الكبار، الغائبين في طليعة مستحقّي الوقوف على مشهد الساحل إذْ ينتفض أبناؤه اليوم، على اختلاف انتماءاتهم، في سبيل الحرّية والحقّ والكرامة والديمقراطية. أستعيده، وأعود بذكراه إلى العام 1985، حين شارك في مؤتمر إتحاد الكتّاب، فاعتبر المكتب التنفيذي 'مجرّد عناصر شرطة عند الحكومة'؛ وأطلق على علي عقلة عرسان، رئيس الإتحاد آنذاك، صفة 'الرقيب علي، رئيس مخفر إتحاد الكتّاب'، وفقاً للرواية التي يعرفها معظم المثقفين السوريين، وأعاد تفصيلها 'المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية'، ضمن تقرير موسع حول بنية السلطة.

وبالطبع، بعد أيّام معدودات اعتُقل الراهب في مطار دمشق وهو في طريقه إلى اليمن، حيث كان يعمل مدرّساً بالإعارة، وسُحب جواز سفره، وظلّ طيلة سنتين ممنوعاً من السفر. المحرّض على هذه الإجراءات الزجرية كان أحمد درغام، عميد كلية الآداب آنذاك، إلى جانب موقعه القيادي في حزب البعث، والذي استحقّ لقب 'جدانوف البعث' بسبب هوسه بممارسة الرقابة الثقافية والفكرية. الأسد الوريث، للمقارنة، استكثر هذه الصلاحية الجدانوفية على أكاديميين أو أعضاء قياديين في الحزب، فنقلها إلى اللواء علي مملوك، مدير إدارة المخابرات العامة، الذي منع سفر العشرات من المثقفين والناشطين، وصار إلغاء المنع يتطلّب إرسال 'واسطة ثقيلة' إلى سيادته، من عيار... دريد لحام!

وليس مفاجئاً أنّ تكون الهزيمة الشاملة هي الموضوعة المركزية الطاغية على نتاج الراهب، خصوصاً في روايته الأولى 'المهزومون'، التي نالت جائزة مجلة 'الآداب' مطلع الستينيات، وكان مؤلفها في الثانية والعشرين من العمر. كذلك تلمّس الراهب، مبكّراً، معنى ارتباط الإحتجاج بالحرّية، ومدى الحاجة إلى الديمقراطية على صعيد المجتمع العريض بأسره أوّلاً؛ ثم على صعيد المبدع بعدئذ، واستطراداً. وليس من المبالغة التذكير بأنّ الحديث عن الديمقراطية بدون صفات لاحقة (مثل 'الديمقراطية الشعبية'، على سبيل المثال) كان، في مطلع الستينيات، أقرب إلى السُبّة؛ لأنّ التبشير العقائدي صنّف المفردة في المعجم الإمبريالي وحده، وبالتالي كان القائل بها يُزجّ في عداد الطابور الخامس.

وهكذا، بعد أن وضعه أمثال درغام وعرسان في صفّ 'عملاء كامب دافيد'، مُنع الراهب من الكتابة في الصحف السورية (مراراً، بقرارات رسمية كانت تصدر عن وزراء الإعلام المتعاقبين)؛ ثم فُصل من جامعة دمشق، وخُيّر بين التقاعد المبكّر، أو تدريس اللغة الإنكليزية في المدارس الثانوية (وهو الحائز على الدكتوراة في الأدب الإنكليزي، عن أطروحة متميّزة تناولت الشخصية الصهيونية في الرواية الإنكليزية). ولقد اضطرّ الراحل إلى الإستقالة، ومغادرة سورية للتدريس في جامعة الكويت، ثمّ صنعاء.

استذكار هاني الراهب اليوم هو مسير على طريق الشطر الساحلي من انتفاضة سورية، حيث يلحّ محمود درويش على البال: 'أنا ابن الساحل السوري/ أسكنه رحيلاً أو مقاما/ بين أهل البحر/ لكنّ السراب يشدّني شرقاً/ إلى البدو القدامى/ أورد الخيل الجميلة ماءها/ وأجس نبض الأبجدية في الصدى/ وأعود نافذة على جهتين/ أنسى مَنْ أكون لكي أكون/ جماعة في واحدٍ...'. والاستذكار، كذلك، مسير على واحد من دروب سورية المستقبل، حيث الجهات لا تنغلق على صفة أحادية أو متفردة، ولا تتعدد الصفات إلا لكي تغتني، ولكي تتحد.

---------*****************-----------

سورية الإصلاح.. أم القوة؟

يتردد أن هناك توجهين في دمشق يصارع كلاهما الآخر، حول كيفية التعامل مع الأحداث السورية الراهنة، بعد خروج موجة المظاهرات في عدة مدن؛ فطرف يرى أن ساعة الإصلاح قد حانت ولا مفر منها، بينما يرى الطرف الآخر أن استخدام مزيد من القوة لقمع المظاهرات هو الأجدى، فأيهما سينجح في الحالة السورية؟

المؤكد أن القمع قد يشتري للنظام، أي نظام، مزيدا من الوقت، لكنه لن يؤدي به للنجاة. وأبسط مثال، بل قل أمثلة، عراق صدام حسين، ومعمر القذافي، حيث استنفدا الحيل، وكل الأساليب القمعية، لكن لحظة التغيير قد حانت، وبقسوة توازي قسوتهما. فهل يمكن لدمشق أن تستمر في محاكمة كاتب صحافي، مثلا، بتهمة «وهن نفسية الأمة»، كما فعلت قبل فترة قصيرة، أو أن تقوم بسجن طفلة عمرها 15 عاما، كما حدث قبل أسابيع بتهمة تهديد الأمن القومي؟ أمر لا يستقيم في ظل متغيرات حقيقية حدثت في المنطقة، وأيا كانت نتائجها، سواء سلبا أو إيجابا، فالتغيير قد وقع في منطقتنا فعليا.

ففي حال أصبحت مصر ديمقراطية حقيقية، أو لا، وإن كان النجاح المصري الأولي سيتحقق في حال نجحت التجربة المصرية في ضمان تحديد فترة ولاية الرئيس فعليا، والأمر نفسه في ليبيا، وتونس، ودول أخرى، فهل يستطيع النظام السوري بعد كل ذلك البقاء وحيدا في مرحلة اللاتحرك، أو الجمود؟ بالطبع لا.. فما حدث في سورية يقول الكثير، حيث أسقط السوريون شعارات طال ترديدها.. أسقط السوريون شعار أن البلد مشغولة بالمقاومة، وعلقوا الجرس حول خطورة التلاعب بملفات الأقلية والأكثرية والطائفية، وذكر السوريون العالم بأنهم مثل المصريين ملوا من قانون الطوارئ الأقدم في المنطقة، وأشياء أخرى.

ولذا، فإن سير الأحداث اليوم بمنطقتنا، وسورية ليست بمعزل عنها، يقول إنه ليس أمام دمشق إلا المزيد من الإصلاحات، وفي التوقيت المناسب، لكي لا تأتي بعد فوات الأوان، ويرتفع سقف مطالب المعارضة لما هو أصعب وأقسى، فقد آن الأوان لتلتفت دمشق لشأنها الداخلي أكثر وتعمل جديا على توفير حلول حاسمة لقضايا الأحزاب، وتداول السلطة؛ فالجمهورية تظل جمهورية، ولا حل سحريا لهذا المأزق.

وبكل تأكيد، فإن ما أعلن عنه من قرارات في سورية ستتخذ، أو اتخذت، من إلغاء قانون الطوارئ، وقانون جديد للإعلام، وإقالة للحكومة، وخلافه، كلها تعد قرارات مهمة، وحيوية، بالمقاييس السورية. لكن السؤال هو: هل هذا يكفي؟ أم لا بد من مواصلة الإصلاح، واتخاذ خطوات جذرية؟ أعتقد أن سير الأحداث يقول إنه لا حل إلا بالإصلاح، فالجمود يؤدي إلى الموت. وعليه، فإن دمشق اليوم أمام لحظة حاسمة تتطلب التفكير جديا في نهجها الداخلي والخارجي.. فاليوم غير الأمس، وغدا قد يكون أصعب بكثير، خصوصا أن حاجز الخوف لم ينكسر في سورية وحدها، لنكون منصفين، بل في كل المنطقة العربية. وكلنا يعلم أن العنف يؤدي إلى مزيد من العنف، وبالتالي فلا حلول سحرية غير الإصلاح الحقيقي.

---------*****************-----------

على الشعب السوري الآن الاختيار للسير في طريق النصر

د.عبد الغني حمدو

لقد أصبح السيناريو واضحاً أمام الشعب السوري بكل فئاته وأطيافه وأحزابه في الداخل والخارج, وأمامهما طريقان لا ثالث لهما..

قبل استكشاف الممران علينا العودة لمركز الانطلاق أولاً، وعلينا أن نسأل أنفسنا جميعاً السؤال الآتي:

ما هي خطة العائلة الحاكمة في المستقبل القريب؟

تسربت الأنباء عن وجود انقسام حاد بين بشار وماهر, ولكل أنصاره داخل المنظومة القمعية الحاكمة, ولا بد من وجود منتصر بينهما في النهاية حتى يكون حاكماً أبدياً لسورية كما يهتف مناصروا النظام إلى الأبد..

نحن لا نعرف بالضبط ما الذي جرى ويجري حتى الآن, ولكن توجد دلائل على الأرض ترجح تفوق طرف على طرف آخر, ومن أهم هذه الدلائل هو غياب العصابات والقتلة والشبيحة عن الأنظار, والكل يعلم أن الذي يقود هذه العصابات هو ماهر الأسد, ودخول الجيش لمدينة اللاذقية والمساعدة بين المتظاهرين والأمن وعناصر الجيش, جعلت هذه العناصر تنزوي لبعض الوقت, والجيش موالي لبشار مع القوة الفاعلة فيه وهو سلاح الطيران, والمخصص بعضاً منه لحماية الرئيس ونائبه كما أكدت مصادر السفارة الفرنسية في دمشق.

وتأخر بشار عن الخطاب مرده إلى أن الأمور لم تحسم بعد بينه وبين شقيقه, ولكن الدلائل على الأرض تؤكد سيطرة جناح بشار بشكل شبه كامل ويحتاج لبعض الوقت حتى يلقي خطابه, وقد لا يلقيه غداً إذا لم تحسم الأمور بينهما بعد.

وحسم الأمور لصالح بشار سوف تظهره بطلاً يبدأ حياته السياسية الثانية بحركة تصحيحية في استبدال أشخاص موالين مكان أشخاص موالين له على نفس الطينة التي بدأها أبوه فيما يسمى بالحركة التصحيحية.

والمظاهرات التي جرت يوم أمس هي البداية لحملة إعلامية للرئيس القديم الجديد, وليست ضد الثوار كما يتخيل للبعض.

هم يتصارعون على كعكة الحكم.. حكم الشعب السوري, وكأن الشعب السوري ليس له وجود ولا صوت ولا كيان, ولكن المسبب لأزمة النظام هذه هو فئة قليلة من المجتمع السوري المتمثلة بثورة أهل درعا بشكل أساسي والخطر الذي تمثل في انتفاضة أهل اللاذقية, وكانت هذه الانتفاضة هي التي قصمت ظهر النظام وهي التي عملت على الانقسام داخله, لأنها لو استمرت مجابهتها بالطريقة التي جوبهت فيها في البداية والتي نحا فيها القتلة لمنحى طائفي, هذا المنحى البغيض وجده بعض أركان النظام, من أن البلد سيجر لحرب طائفية بين السنة والعلوية, وهذه الحرب ستدخل فيها أطراف دولية وأهمها تركية لتدافع عن السنة, والذي يؤكد ذلك هو الحشود العسكرية التركية الهائلة قرب الحدود السورية.

إذا خرج بشار غداً وألقى خطابه في مجلس الشعب كما يزعمون, معنى ذلك أن فريقه قد انتصر على الفريق الآخر, إذا لم يسبق ذلك معارك طاحنة بين الفريقين في الساعات القادمة.

نترك النظام الآن ونتوجه للشعب السوري..

فأنت يا شعبي العزيز تقف على مفترق الطريقين:

الطريق الأول: تطبيق المثل الشعبي السوري (اللي بجوز أمي بؤلو يا عمي) والعودة لسيرتك الأولى (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا أبداً)..(صم بكم عمي فهم لا يفقهون)..

الطريق الثاني: إن اختلف أركان النظام الحاكم أو اتفقوا فهذا لا يهمنا بشيء, الطريق واضح أمامنا, الوطن وطننا والأرض أرضنا والنظام لا يمثل إلا نفسه, وعلينا نحن الواجب أن نختار من يقودنا لبر الأمان وإن اعوج مرة أخرى فنحن له بالمرصاد, فنحن الشعب هو الذي يصنع النظام وهو الذي يزيله.

وكما نادى وينادي شباب الثورة أن يوم الجمعة هي جمعة الحسم, والخروج للشوارع والأزقة والاعتصام في الساحات العامة إلى أن يصبح الشعب هو مصدر الحكم, والقرار بيديه كامل غير منقوص.

ولكي يتيسر لنا المشي والسير في هذا الطريق، لا بد من وجود عناصر تدعم الثورة يوم الجمعة وهي:

1- الاعتصام يجب أن يكون مستمراً وليس فقط الخروج بمظاهرة وهتافات وعودة للبيوت.

2- على السوريون الموجودون في الخارج التجمع أمام السفارات والقنصليات السورية في جميع أنحاء العالم وأن تتبنى قيادات أحزاب المعارضة هذا العمل وتدعو منتسبيها للتجمع, وكل من يتخلف عن ذلك يعتبر من مؤيدي النظام إلا الذي عنده عذر يعيق وصوله للمكان المحدد.

3- لا يوجد أي عذر لأي محافظة في سورية, فهذا العمل يحتاج لقوة وعزيمة واندفاع, وكثرة الحسابات تؤدي للتردد وعدم الخروج, وكذلك تزيد الوهم وتشعر الإنسان الخوف من المجهول ولكن لو خرج لسوف يجد أن الذي يخشاه كان وهماً في عقله وخياله.

4- المشاورات السياسية بين النظام وممثلي لجنة الحوار الوطني لن تكون مثبطة للمظاهرات إن حصلت ولكن يجب أن تزيد الثورة اشتعالاً وقوة حتى تحقيق الأهداف المرجوة من الثورة.

وأخيراً ليس أمامنا غير هذا الطريق, ويوم الجمعة القادم إن شاء الله هو العزة للشعب السوري الجريح, ولا عذر لأحد أبداً.

وفقنا الله للخير جميعاً لكي نبني وطناً يعلو بأبنائه وشيمه وعزته ونبني نظاماً خادماً للشعب وليس إلهاً كما يدعي حاكموه الآن, وليهتف الجميع.

الله أكبر الله أكبر..

---------*****************-----------

في دلالات غياب الرئيس السوري عن المشهد منذ انطلاق الانتفاضة السورية

محمد فتوح

كان الرئيس السوري منشغلاً خلال السنوات الماضية بالسياسة الخارجية، فبالنسبة للنظام السوري أن عوامل قوته تتمثل في الأوراق الإقليمية والدولية التي يمسكها بيده. وفي المقابل، تُرك التعامل مع الشأن الداخلي لتقدير أجهزة الأمن المتعددة في سورية التي فاق عددها مع تفرعاتها المختلفة عدد أصابع اليدين، فيما أسندت مهمة إدارة الاقتصاد إلى مجموعات متنفذة مرتبطة بالدائرة الضيقة للنظام. وكانت النتيجة: حالة من الدولة البوليسية وفساد اقتصادي لا تخطئه العين عند الوصول إلى أول نقطة حدودية.

وبسهولة يمكن تلمس التوصيف الذي انطلقنا منه عبر الهتافات التي أطلقها المتظاهرون في المدن السورية، وخصوصاً في درعا، على مدى الأسبوع الماضي. فعندما يهتف السوريون "الله سورية وحرية وبس" أو "حرية حرية" فهذا يشي بعطشهم للحرية، وعندما يردد أبناء مدينة بأكملها، كدرعا، "بعد اليوم ما في خوف"، فهذا يذكرنا بقبضة أجهزة المخابرات التي ذاق مرارتها السوريون وكثير من العرب أيضاً. ولنتذكر أن أول تظاهرة خرجت في سورية في 17 شباط/ فبراير، وهي كانت عفوية بكل المقاييس، قد كان شعارها "الشعب السوري ما بينذل" فكانت ترد على تعمد رجال الشرطة والأمن إذلال المواطنين.

وفي ظل سلسلة الثورات التي اجتاحت العالم العربي خلال الشهرين الماضيين، دأب النظام السوري ومنظريه على تكرار المحاولة لإقناعنا بأن سورية عصية على التغيير. فشعارات المقاومة والممانعة التي يرفعها النظام، ستقاوم، وبحسب اعتقاده، أصوات الحرية التي بدأ يهمس بها مواطنوه على صفحات الفضاء لالكتروني قبل أن يصدحوا بها في شوارع سورية، والنظام غير مصدق لما يسمع ويرى.

لقد تفاجأ النظام السوري باندلاع انتفاضة السوريين التي أبطلت توقعات أشد المتشائمين بالوضع في سورية، وزاد من ذهوله لأن شرارتها كانت من درعا التي ينحدر منها كثير من وجوه النظام علاوة على أن المدينة غير معروفة بتاريخها المتمرد على السلطة. إذاً، أخطأ الممسكون بزمام الحكم في دمشق مرتين: مرة بالتقليل من شأن رغبة شعبهم المتعطش للحرية، ومرة أخرى بعدم توقع مكان الشرارة الأولى وزمانها.

وانعكس حجم الصدمة على ردة فعل النظام، فألقى كل نظرياته بشأن الثورات العربية التي طالما كررها قبل أسابيع فقط؛ وراء ظهره، ووجه الرصاص الحي إلى جموع المواطنين التي أرادت اختبار نظرية مستشارة الرئيس حول عصر "حركة الجماهير" التي "سئمت من عدم التغيير" وتريد الحرية" و"الديمقراطية" في العالم العربي. ربما أخطأ الشعب السوري هذه المرة في التقاط الرسالة، فالسيدة المستشارة لم تتحدث عن الديمقراطية في بلادها بل في البلاد التي تختلف أنظمتها مع "نظام الممانعة".

وبعد مرور نحو أسبوعين على "جمعة الكرامة" لم يستطع النظام السوري الخروج من حالة الارتباك التي أصيب بها، وهذا يفسر عدم خروج الرئيس السوري للحديث إلى الشعب.

فالنظام السوري لم يتمكن حتى الآن من وضع رؤية شاملة وحاسمة للتعامل مع الوضع الحالي وبما يمثل استجابة لمطالب الشارع المنتفض. فهو الآن في حالة غير مريحة على الإطلاق، فإذا خرج بوعود لا تلبي مطامح الشارع فسيكون ذلك عاملاً في تأجيج الاحتجاجات بدلاً من تهدئتها. وفي المقابل، إذا تأخر في الخروج فقد يُفسر ذلك من قبل الناس بأنه تجاهل لحركتهم. وفي الواقع أن في ذلك رد على الذين يدعون أن المشروع الإصلاح كان بدأ منذ فترة طويلة، فإذا كانت هناك مشروعات ورؤى إصلاحية كانت جاهزة أو قيد الإعداد لماذا لم تخرج قرارات سريعة ومُرضية للناس منذ انطلاق انتفاضة السوريين وحتى الآن، وهي حافز للتسريع بلا شك؟ أم أن الملف الداخلي لم يقفز بعد إلى رأس سلم اهتمامات الرئيس، فقد رأيناه يلتقي وفوداً لبنانية الأسبوع الماضي لمناقشة تشكيل الحكومة في لبنان رغم أن درعا كانت تشتغل والشهداء يتساقطون بالعشرات؟

لقد كان أسبوعان أن يمضيا على انطلاق الانتفاضة السورية، ووصلت شعارات المنتفضين في بعض مظاهرات سورية إلى "الشعب يريد إسقاط لنظام" فهل يستجيب المعني بهذا الشعار قبل أن يصبح الأمر مطلباً وحيداً في سورية؟!

__________

محمد فتوح: إعلامي سوري - لندن

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com