العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 3/11/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

وهم التفسير (الثوري) في بلاد الربيع العربي

بدرالدين حسن قربي

أتذكّر أسطورة قديمة قرأتها في طفولتي، ولم يكن يخطر ببالي البتة أن أحداً مازال يعتقدها، لا لسبب بل لأنها خرافة تُحكى للضحك والتسلية، في تفسير سبب الزلازل وغيرها من حوادث الطبيعة، مفادها: أن أرضنا الجميلة بما فيها وماعليها محمولة على قرن ثور،وعندما ينال منه التعب يقذف بها إلى الأعلى قليلاً بحركة خفيفة منه،تتسبّب بنقلها إلى قرنه الآخر.  ومع هذه الحركة والنقلة معها تهتز الأرض فتحصل الكوارث والزلازل، والتي تختلف شدتها أيضاً تبعاً لقوة النقلة وسرعتها ونشاط الثور ابتداءً، مما يمكن معه اعتبار هالقصة ومافيها بما يمكن تسميته بالتفسير الثوري للكوارث أو للتغيير.

حكاية ثورة الأرض كانت عندي على الدوام مثار شكوك وتساؤلات، لو أنّ هالثور وهَنَ منه العظم وأدركه الموتمن بعد عمر طويل، كيف سيكون حالنا والأرض ومصيرنا بدون ثور.

كبرتُ، ونسيت القصة كلها، وبالثور اللي فيها، غير أن بعض مداخلات إعلامية مكرورة، وتحليلات خنفشارية، أسمعها بين الفترة والفترة عن بلدان الربيع العربي وما حصل فيها من كوارث وهزّات، بأن سببها تغيير زعمائها رحيلاً وتنحيةً ونحنحةً وتشويلاً، لأنهم كانوا عنصر أمنها وثباتها واستقرارها.وكي لاندخل في سوء الظنّ وعطل النية لاسمح الله، فكم وكم من التونسيين والمصريين والليبيين واليمنيين وخصوصاً السوريين يعتقدون بأن مصيبة الشعب المعتّر والمشحّر والمصخّم ليست في رئيسه وحاكمه بل هي حقيقة في موته، أو في محاولة الجماهير المقموعة والمنهوبة تغييره أو الثورة عليه، لأنهم سيكونون من بعده أيتاماً، يمضون سراعاً إلى حتفهم، ولاسيما أنهم مُتَوَعّدون بالفناء والدمار فيما لو فكروا بهكذا مسألة، ومن ثمّ يكونون بلا جدل سبب حرق البلد ودمارها ومذابحها، بل ويُبرِؤون بما فعلوا، ذمة ثورهم ليفعل بهم مايشاء.

ومع قصة الثور، تماشياً معها وابتعاداً عن أي نية سيئة لاسمح الله، ومع ملاحظة حفظ الألقاب واحترام المقامات،يمكن اعتبار الرئيس أي رئيس بلا مواخذة، بمثابة الثور (اللي شايل) البلد على قرنه،بنفس طريقة التور بتاع الأرض.  وإنما يحضر السؤال الدائم:( ليش ثيرانّا) والعياذ بالله غير شكل عن ثيران غيرنا من العالم (لييش)؟  فمثلاً، خلال أربعين سنة مضت، تمّ تغيير ثماني ثيران في أمريكا وماسمعنا لهم صوتاً ولم يُقتل شخص واحد، في مقابل تغيير ثور واحد عن نفس الفترة في ليبيا،فقامت الدنيا مع هالتغيير، وماقعدت وصارت حرباً رهيبة، وهي لم تُلقِ أوزارها بعد؛ وأيضاً في مقابل تغيير واحد في مصر، أُدخلتْ أم الدنيا في صراع لايبدو أن له آخر في المنظور من الأيام؛وكذلك مقابل تغيير واحدٍ في سوريا جاء بالموت، وإنما مع محاولة تغيير ابنه من بعده، فالسورييون ومعهم العالم شاهدٌ على الملايين من قتلاهم ومعتقليهم ومشرديهم، وشاهد على فظائع التوحش في إراقة الدماء والدمار، والقادم منه أدهى وأمرّ. 

قد نتفهّم أن يكون لنظامٍ ما ثورهوثيرانه، ممن يعتقدون بأهميته المحلية والإقليمية والدولية، ولكن ليس إلى حدّ التخريف أو التوهم بأن ثيرانهم غير، وأنهم لو تخلّوا عن ثورنتهم وتثوريهم فلن يبقى لهم شيء يتميّزون به عن غيرهم، فكلنا يعلم أن رؤساء دولٍ عاتية من مثل شيراك وبوش وكلينتون وغوردن بروان وساركوزي جاؤوا مناصبهم، ثم رحلوا بطريقة مميّزة ولافتة، وجاء من بعدهم آخرون من مثل أوباما وكاميرون وأولاند بعيداً عن قصة الأرض وثورها، ولم يحصل عندهم شيء من استباحة الدماء ونشر الدمار.

يتوهم النظام السوري أنه مع ثيرانه يقيم سوريا ويقعدها ويملؤها كوارث لإخماد بركان الثورة فيها، ولكن مهما فعل ومهما ثوّر وأثار، فلن ينفعه اليوم عمل يعمله خيراً أو شرّاً، فقدر الثورة وشعبهاغالب، وهي ماضية بأقدار الله تجري بهم في موج كالجبال، ولن ينفع المجرمين ثورهم ولا بطشهم ولا توحشهم حتى تحقيق الحرية والانتصار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشرق الأوسط شرق بلا وسط  

بقلم : د. مصطفى منيغ

اختاروا البكاء على الأطلال بدموع متحجرة السائل ، ريثما يجدوا لها البديل ، حتى لا يُكَرِّرَ في حقهم القائل ، هم مرتزقة المناسبات والمواسم وكل سبيل يُسلك بالتحايل، متى شئتهم ذارفين عَبَرات التماسيح امتثلوا بمقابل ، أو سخرتهم للضحك في مواقف حزن لبوا ما أَمَرتَ بإتقان شيطاني هائل ، انبطحوا ليظهروك أميرا أو شددوا عليك الخناق لتبدوا ذاك اللص الحقير وكل بثمن يأكل الآكل ، كالزئبق لأي تشكيل سخرته قابل ، مطمحهم إطالة ليل ، حاجبا ما يقترفونه من مجون تخطى في عبثه كل ويل ، مصيبة المصائب هم إن حطوا الرحيل ، في مدينة أو قرية أو بجانب سفح جبل هواؤه عليل ، روث مقذوف منسي للتعفن المقصود الذي مهما جُمِعَ أذاه ليس بزائل ، رائحة كريهة سابحة لأنف بريء تنسل وتميل ، لم يُكتشف بعد ما تُرشّ به من محلول غير الابتعاد عن المكان المصدر قطعا بلا تفكير في عودة اتصال مقبل .

 ... جنس أقرب للخرفان تارة وأخرى للحمير والبغال ، كارثة وجوده بأي صورة تقمصها تخطر أو لا تخطر على بال ، مهما ربطته بأمتن حبال ، تنبهت أن أسره بتلك الطريقة محال في محال ، وكلما فرضت عليه الخناق  اكتشفت أنك المسحور بصنائعه المكتسبة من أباليس له أخوال ، جنس يبكي على الأطلال بدموع متحجرة السائل ، إن كنت عنه سائل ، فلن تفلح بجواب اللهم إن شغلت فكرك جيدا لتجده لك وأمثالك الشرفاء مستغل ، يسري أمامك كالماء المضروب باحثا عن قناة يختفي بين حشراتها وفئرانها مساءا ومع كل شمس جديدة لك بالغ ليريك التناقض والنحس عليك أحداث غير سليمة وعالم غريب تتقاذفك داخله عوالم لا تملك إن ضعفت إرادتك غير الانصياع لها كبديل ، جنس مدرب على الفتك بالمناضلين في العراق خدمة لمن مزق هذا القطر العزيز فما مر يوم دون تسجيل بضعة جرحى وأكثر من قتيل ، جنس وضع نفسه تحت إمرة " بشار" وكم من طاغي حوله انتشر مدجج بسلاح الخيانة والغدر وكل ما هو باطل ، جنس ظهرت له أذرع كالإخطبوط في أرض الكنانة تململت أحجار هرم "خوفو" على وقع جسامة ما فعل ولا زال فاعل ، ودنى النيل في حنين وخشوع منظفا بمياهه الطاهرة دم الساقطين في الطرقات المذبوحة كرامتهم بيد نفس الظالم المجرم المتخاذل .

... المد لازال قائما في ذاك "الشرق الأوسط" الذي جعله ذاك الجنس الخطير "شرق بلا وسط" ، فحبذا لو تنبهت السعودية قبل فوات الأوان وراجعت سياستها وجلست فوق الكرسي المخصص لها في مجلس الأمن ، وشاركت بكل ثقلها الروحي والمادي في "جنيف الثانية" وتحدت بذكاء ما خططته إيران للاستفراد بالولايات المتحدة الأمريكية ، وتتدارك بسرعة الخطأ المرتكب الذي جعل أكبر دولة إسلامية في العالم " اندونيسيا" تساند بكيفية غير عادية الطرح الروسي . الأمل معقود على سعودية الغد ، بدينامكية ملموسة أساسها الحراك الدبلوماسي المتوازن الوسائل والأهداف ، الكفيل بتوقيف من يحمي ذلك الجنس المذكور ويغديه بأكثر ما يحتاج إليه ، المملكة العربية السعودية عزيزة علينا ، فالمفروض أن يصغى حكامها لما ننصح به ، أمريكا وقلناها أكثر من مرة لن تدوم صداقتها لأي كان ، هي مع الحفاظ على مصالحها بالمنطقة يدا في يد ، مع من تراه قويا أكان اسرائل (ربيبتها المدللة) أو إيران (عدوة السعودية الأولى) أو فيتنام الشمالية ، وما يسبب ذلك إن حصل لفيتنام الجنوبية .

مصطفى منيغ

مدير النشر ورئيس تحرير جريدة الأمل المغربية

mounirh45@yahoo.es

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جنيف 2 ومطالب الثوار والمعارضة للذهاب إليه

محمد فاروق الإمام

في صباح هذا اليوم الأحد 27 من تشرين الأول وأنا في طريقي لأتسوق بعض حوائج البيت استوقفني جار لنا محب للسوريين ومشفق على سورية وما آلت إليه حالها من تدمير وتخريب وما لحق أبناءها من قتل وحصار واعتقال وسجن ونزوح وتهجير، وبعد تحية الصباح قال لي بتفاؤل: هناك شيء ما يلوح في الأفق لحلحلة القضية السورية باتفاق المجتمع الدولي الذي بات يشعر بأن تداعيات الوضع في السورية بدأت تنعكس على الأمن والسلم العالميين، وأن الكبار يريدون إيجاد حل لهذه المعضلة التي أخذ دخانها يزكم أنوفهم ويدغدغ مخاوفهم وتوجساتهم، فهذا مؤتمر جنيف 2 سوف يعقد ويفرض على السوريين حل وسط يوقف شلال الدم حتى الانتخابات القادمة التي ستجري تحت إشراف دولي، وعلى السوريين جميعاً أن يقبلوا ما يتخذ في مؤتمر جنيف من قرارات، وأضاف قائلاً: الوصول إلى منتصف الطريق خير من أن لا تصل وأن تحصل على شيء أفضل من أن لا تحصل على شيء، فالفلسطينيون رفضوا قرار التقسيم فراحت فلسطين، والهند قبلت بمقتل مئة ألف هندي وحصلت على الاستقلال من بريطانيا.

استمعت إلى جاري بانتباه شديد حتى أنهى حديثه محترماً رأيه وما أبداه من محبة لسورية وإشفاق على السوريين، وكان بداية ردي على ما تحدث فيه أن تشبيهه الوضع في سورية كالوضع في الهند أبان الاستقلال وقبول الهنود بحل وسط ضمن لهم الاستقلال، ورفض العرب لقرار التقسيم جعلهم لا يحصلون على شيء هو تشبيه غير واقعي لأن الهند وفلسطين تعاملت مع دول محتلة وعدوة أما في سورية فالأمر مختلف، حيث رفض حاكم جبار متكبر طلبات شعبه بالإصلاح والتغيير المتدرج وصب نار غضبه وحقده على الجماهير التي تظاهرت بشكل سلمي مطالبة بالحرية والإصلاح والتغيير، أسوة بما حدث في ـتونس وليبيا ومصر وقد سمعت تأييداً من النظام وإعلامه لما حدث في تونس ومصر، وداومت على هذا الأسلوب السلمي لأكثر من ستة أشهر دون أن تجد عند هذا الحاكم إلا القمع والقتل والاعتقال والسجن والحصار والرصاص يستهدف صدور المتظاهرين السلميين العزل، دافعاً بهم إلى عسكرة انتفاضتهم ظناً منه أنه سيتمكن من قمعهم بحجة مكافحة الإرهاب والتمرد إلى أن ووصلت الثورة إلى ما وصلت إليه، حيث تمكنت بما غنمته من جيش النظام من سلاح وعتاد أن تبسط سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد والمدن السورية، ملحقة بقوات النظام الهزائم والانكسارات مما دفعه للاستنجاد بحلفائه في قم وموسكو والضاحية الجنوبية والنجف الذين خفوا إلى دعمه ومساعدته بكل ما وصلت إليه ترسانتهم الحربية المتطورة، ولم يكتفوا بتزويد النظام بالسلاح والمال بل راحوا يتقاطرون إلى سورية بالآلاف من كل آفاق الأرض ليحاربوا نيابة عنه بعد أن كاد ينفض يديه من كل من شايعوه ونصروه، وفي المقابل تحمل الشعب السوري ما لم يتحمله شعب آخر، فلم يوفر النظام أي نوع من السلاح المدمر القاتل إلا استعمله في مواجهة الشعب السوري الأعزل، حتى تحدثت التقارير الدولية عن مقتل أكثر من مئة ألف مواطن ومئة ألف مفقود واعتقال وسجن أكثر من ربع مليون، ونزوح أكثر من ستة ملايين داخل البلاد، وتهجير نحو أربعة ملايين خارج الوطن إلى دول الجوار ودول العالم، ولا تزال آلته العسكرية المدمرة والمتجددة من قبل حلفائه تزرع الموت والدمار في طول البلاد وعرضها، في غياب أي فعل جاد للمجتمع الدولي لوقف نزيف الدم والقتل والخراب والدمار، الذي يدعو المعارضة والثوار للقبول بجنيف 2 قبل أن تتحقق مضامين جنيف 1 التي تدعو إلى "تشكيل هيئة حكم انتقالية تحظى بموافقة الطرفين ولديها صلاحيات تنفيذية كاملة، بما في ذلك على الأجهزة الأمنية والعسكرية وأجهزة المخابرات"، وأنه "عند تشكيل تلك الهيئة الانتقالية لن يكون للأسد، والمقربين منه ممن تلطخت أيديهم بالدماء، دور في سوريا، ويجب أن تكون هناك محاسبة عن الأفعال التي ارتكبت خلال الصراع الحالي".

فإذا لم يتحقق من بنود جنيف 1 أي بند فكيف للسوريين الذهاب إلى جنيف 2، وهم على يقين أنهم لن يحققوا أي شيء أو يحصلوا على أي شيء وخاصة وأنه لا ضمانات حقيقية لما سينتج عن جنيف 2 وهذا ما حصل في جنيف 1 حيث اختلفت الدول الكبرى، خاصة روسيا والولايات المتحدة حول تفسير البند الثالث منه والذي لم يحدد دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية وتضيق التفسيرات أو تتسع إذا ربطت الفقرة السابقة بفقرة أخرى في بيان جنيف – 1 جاء فيها: "إن النزاع في سوريا ينتهي فقط عندما يطمئن كل الأطراف بوجود طريقة سلمية نحو مستقبل مشترك للجميع في سوريا، وبالتالي من الضروري أن توفرّ أية تسوية خطوات واضحة وغير قابلة للإلغاء في العملية الانتقالية وفقاً لإطار زمني محدّد" عطفاً على فقرة ثالثة أكدت على أن "الشعب السوري هو الذي سيحدد مستقبل بلاده، وعلى كل المجموعات وشرائح المجتمع في سوريا أن تتمكن من المشاركة في عملية حوار وطني، يجب أن يكون ليس فقط شاملاً بل أيضاً مجديا".

الحل في سورية (جاري العزيز) ليس بيد الكبار أو الصغار ولا في موسكو أو واشنطن أو طهران أو جنيف.. الحل بيد الثوار الذين لا يقبلون بالحلول الوسط، فهم يريدون حلاً شاملاً متكاملاً يحقق رغبات الشعب السوري وتطلعاته في الحرية والكرامة والديمقراطية، فما جرى في سورية هو دماء وليس مياه آسنة ولهذه الدماء ثمن يجب أن يتحقق وتضمن تحقيقه الدول الكبرى ومجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والمتلخص في رحيل الأسد وجميع مكونات ومرتكزات نظام حكمه، وإحالة من تلطخت أياديه بدماء الشعب السوري إلى محاكم جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وضمانة الدول الكبرى بإعادة أعمار سورية وتأهيل السوريين لحياة طبيعية تكفل لهم الكرامة والحرية والديمقراطية والعيش الكريم، وإذا ما ضمنت الدول الخمس في مجلس الأمن الالتزام بهذه المطالب فإن الثوار والمعارضة سيذهبون إلى جنيف فريقاً واحداً ليوقعوا على بيان جنيف 2 ومقرراته؛ ويلتزمون حرفياً بما يوقعون عليه.  

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليس بالإمكان إغماض العين عن سوريا

فايز ساره

المستقبل

السبت 26/10/2013

يتصور البعض، ان الجهود الدولية لعقد جنيف2 وكأنها محاولة لاحتواء ثورة الشعب السوري، ومحاولة لتجديد صورة نظام القتل والتدمير القائم في دمشق او انها خطوة في هذا الاتجاه. ويجزم اصحاب هذا التصور، ان التعاطي بانفتاح مع جنيف2 من جانب المعارضة والسوريين على نحو عام ينتمي الى عالم المؤامرة على الشعب وعلى الثورة، وبالتالي فان الخطوة الصحيحة المطلوبة في الموقف من جنيف2 هي مقاطعة المؤتمر، بل رفض مقدماته ونتائجه، والاستمرار في خط الصراع المسلح مع النظام، وهو الخيار الذي دفع اليه النظام منذ البداية في مواجهة الثورة الشعبية وفعالياتها السلمية، ومطالبها من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية وتغيير نظام الاستبداد والقتل، وبناء نظام ديمقراطي بديل.

ورغم ان التصور السابق يقوم في جزء من اساسه على وقائع من بينها استمرار النظام في سياسته الدموية قتلاً وتدميراً وتهجيراً بالتزامن مع اطلاقه مواقف التشدد والتطرف مدعوماً بمزيد من قدرات وامكانيات حلفائه الدوليين والاقليميين من روسيا الى ايران ومليشياتها اللبنانية والعراقية وفي ظل تراخي اوساط فاعلة في المجتمع الدولي ولاسيما الدول الكبرى، فان اصحاب هذا التصور، لا يأخذون بعين الاعتبار جملة من الحقائق مطروحة في المستويات السورية والدولية بين الابرز فيها:

ان الصراع في سوريا وصل مستوى من العنف، لم يعد بالامكان تحمله من جانب المجتمع الدولي والرأي العام الدولي، ليس فقط بسبب ارتفاع حجم الخسائر البشرية والمادية، التي تصيب السوريين، وانما ايضاً بفعل متغيرات الصراع لجهة، انه لم يعد صراعاً بين النظام والشعب والمعارضة بما فيها المسلحة في الجهة الاخرى، انما امتد لتدخله قوى التطرف الديني وابرزها تنظيمات القاعدة وشقيقاتها من الدولة الاسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة، وهي قوى آخذة في التمدد والانتشار، اضافة الى دخول تنظيمات كردية مسلحة على خط الصراع، وهو تطور جعل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام عرضة لحرب مزدوجة، وجهها الاول هجمات النظام على سكان تلك المناطق، ثم الحروب البينية التي تقوم بها القوى والتشكيلات المسلحة ضد بعضها وضد السكان هناك وفي الحالتين تزداد عمليات القتل والتدمير وسوء الاوضاع الانسانية، وزيادة عمليات التهجير الداخلية والخارجية.

وقد رفع تطور الصراع في الداخل السوري من حدة التدخلات الاقليمية والدولية في الشؤون السورية، التي لم تعد وحدها السبب في تلك التدخلات، انما اصبحت احدى بوابات الصراع بين اطراف تتوزع بين دول وجماعات لها مصالح متناقضة، وجدت في الساحة السورية مجالاً حيوياً للتعبير عنها، والتأثير على الآخرين، ويكفي القول، ان العراق وحكومة الاقليم الكردي في شمال العراق صارا بين اللاعبين الاساسيين في الواقع السوري رغم ان الطرفين يرفعان مواربة راية الحياد، ولبنان صار بين اللاعبين المؤثرين في الازمة السورية من خلال التدخل العسكري لحزب الله رغم اعلان الدولة اللبنانية شعارها "النأي بالنفس عن الازمة السورية"، وهذه التبدلات تنطبق على الدول الابعد مثل ايران وقطر ومصر وبعض الدول الاجنبية ومنها روسيا، التي صارت أكثر غرقاً في تفاصيل الصراع السوري، وهي تشتغل مع أكثر من طرف خارج النظام.

ان الثمار المباشرة لتطور الصراع في سوريا، لم تعد فقط مزيداً من عمليات القتل والتدمير والتهجير، بل صار في نتائجها مزيد من اللاجئين في بلدان الجوار وفي الابعد منها، وهو امر جعل نحو عشرين دولة في العالم تفتح الباب امام هجرة السوريين الهاربين من الموت وتداعيات الصراع، والهجرة ذاتها لم تعد قائمة بصورتها العادية ومسيطر عليها، انما تحولت الى هجرة غير شرعية، الامر الذي يشكل خرقاً لنظام الهجرة والامن المعتمد وخاصة في البلدان الاوروبية، وفي ضوء زيادة حدة التطرف واليأس الذين يشيعهما الصراع في سوريا، فان المخاوف الامنية تتزايد في الغرب واوروبا بشكل خاص في ظل زيادة اعداد المهاجرين الذين يشكل السوريين بعضهم وبينهم كثير من بلدان اخرى استغلوا الوضع السوري لينضموا الى المهاجرين.

وبين الثمار الاخرى لتطورات الصراع في سوريا، تصاعد الحاجة الى مساعدات متزايدة لتخفيف المعاناة الانسانية عن اللاجئين خاصة وعن عموم السوريين الذين ضربهم الدمار اضافة الى العوز والفقر وصعوبات الحياة الناجمة عن الوضع، وهو امر لا يمكن للمجتمع الدولي وخاصة الدول الاوربية ان تتجاهله، وان تستمر في تقصيرها حيال الكارثة التي صار اليها السوريون، والتي ان لم تعالج سيكون لها تأثيرات سياسية واجتماعية وامنية، ليس في بلدان الجوار مثل الاردن ولبنان، التي تشكو اوضاعها الصعوبات التي تعيشيها، بل في البلدان الابعد، وهذا بعض اسباب ما صارت تعيش فيه تلك البلدان من ازمات، تدفع بعض تلك البلدان للوقوف على حواف ازمات تهدد كيانها وامنها.

ان تطورات الازمة الداخلية في سوريا، التي باتت تشكل تحدياً لعالم اليوم، وتحمل بامتداداتها الاقليمية والدولية اخطار تحديات اكبر للعالم ايضاً، وهو بعض ما يفسر سر التحرك الدولي الراهن للعمل على ايجاد مخرج سياسي للقضية السورية، انطلاقاً من فكرة ان الحل العسكري يبدو اكثر كلفة من الحل السياسي، وأقل امناً منه، ومن هنا تأتي المراهنة والضغط على الاطراف السورية للذهاب الى جنيف2، وليس باعتبار ان الامر مجرد مؤامرة، او محاولة لاعادة تأهيل نظام القتل والتدمير والتهجير، ولعل الاشارات والتأكيدات على ان جنيف2، انما يقوم على محتويات جنيف 1 ذي النقاط الست والحكومة كاملة الصلاحيات بما فيها سيطرتها على الجيش والامن، انما تكشف الاساس في التوجه الدولي باتجاه الحل السياسي وتأكيد ضرورة السير فيه.

ليست الحكاية حكاية مؤامرة اذن، انما حكاية ادراك عميق للمصالح وعمل على اساسها، فليس بالامكان اغماض العين عن سوريا وما يجري فيها وحولها، وتداعيات كل ذلك، وهذا هو الاساس في التوجه الدولي نحو جنيف2.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"جنيف ـ 2" المهدّد بالتأجيل أو الإلغاء

د. نقولا زيدان

المستقبل

السبت 26/10/2013

لأن الشعب السوري بذل حتى اللحظة وقدّم 120 ألف شهيد، و225 ألف معتقل وأكثر من 4 ملايين نازح ومشرّد، وعشرات ألوف المدن والبلدات والقرى والدساكر التي تعرضت للتدمير المبرمج، ولإعادة التدمير. فالحقول تصحرت والكروم يبست وأشجار الزيتون جرى احراقها والمحاصيل أتلفت. وسوريا البلد الزراعي الأول في المنطقة أصبح بحاجة لمساعدات غذائية. إن إهراء روما التي بكاها هرقل امبراطور بيزنطية بعد هزيمته في اليرموك لم تعد تقدم الحنطة والحبوب حتى لأهلها الآن. إن الجوع يضرب سوريا الآن فهل يسمع المجتمع الدولي ويرى أم لا؟

على امتداد سنتين ونصف من الحرب المدمرة التي استخدم فيها النظام الأسدي كل ما أوتي من أنواع الأسلحة والتدمير وأمعن في شعبه قتلاً وذبحاً وحرقاً وتدميراً وتهجيراً، والرأي العام العالمي يتفرج أو يعقد الاجتماعات الصورية التي تنفض عن نتائج ضحلة. وكأن الحرب السورية يجب أن تستمر لتشهد الدنيا كلها مأساة العصر. ويدير بشار الأسد علاوة على بربرية بطشه الدموي سياسة الممانعة والمراوغة والنفاق والتلاعب والتهرب والتملص، بل استجرار واستدعاء الارهابيين القتلة المحترفين ليحول سوريا الى بؤرة للارهاب فيجري طعن المعارضة المسلحة في ظهورها لتفكيك أوصالها وشرذمة صفوفها (الجيش السوري الحر). لا بل يستدعي حلفاءه الايرانيين من الشرق (الحرس الثوري الايراني، لواء أبو الفضل العباس) ومن لبنان (مقاتلي حزب الله) وما هبّ ودبّ من أنصار الطروحات المذهبية السوداء، في وقت لا تتوقف الامدادات الروسية والايرانية عن تزويده بفائض هائل من الأسلحة والذخائر. بل وصل به الأمر الى استخدام السلاح الكيماوي تدريجياً من خان العسل وصولاً الى فاجعة الغوطة الشرقية (1430 قتيلاً في لحظات ليل 20 21 أيلول 2013.

أكفهر الجو الدولي وبدا التدخل العسكري الأممي وشيكاً، فأصبح في مأزق داهم رغماً عن التردد والتخبط الذي اعترى دول الغرب التي قررت ضرب نظامه الدموي، فكان اتفاق كيري لافروف: أن يعمد الأسد لتسليم مخزونه من السلاح الكيماوي طوعاً وأن يصار لعقد مؤتمر جنيف 2 بأقصى سرعة ممكنة.

لقد كانت قرارات جنيف1 حاسمة ألا وهي تنحي الأسد وتسليم كامل صلاحياته لحكومة مؤقتة انتقالية (30 حزيران 2012). والآن يجري السباق المحموم لعقد جنيف2.

تعالوا نقرأ معاً، وهذا من حق الرأي العام السوري والعربي، ما الذي يجري اعداده لعقد جنيف2 الذي تتطلع اليه كل الدوائر وجميع عواصم القرار والدول المعنية وبالأخص الدول المحيطة بسوريا، وأهم من هؤلاء جميعاً الشعب السوري:

نص البيان الختامي لجنيف1 على وجوب تشكيل حكومة سورية انتقالية تنتقل اليها صلاحيات الرئيس الأسد وتكون صلاحياتها كاملة. ما يعني ضمناً وجوب تنحيه عن السلطة. بل تضمن البيان صراحة كلاماً واضحاً عن "مرحلة ما بعد الأسد".

إلا أن الاتصالات التي جرت بين طهران وموسكو ثم الوفود والمبعوثين الذين أرسلتهم دمشق الى الكرملين أدت الى صدور تصريحات عن وزير خارجية روسيا "لافروف" بل "بوتين" نفسه تشكك بالعبارة التي صدرت يومها عن هيلاري كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة وكأن لدى الروس تصوراً ما لإمكانية قيام حكومة انتقالية في سوريا مع بقاء الأسد في سدة الرئاسة.

وقد ظل اللغط والتأويل يدور حول هذه المسألة طيلة الفترة السابقة حتى وضع حداً عملياً لها اتفاق كيري لافروف في جنيف مؤخراً بعد فاجعة الغوطة الشرقية واحتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية لسوريا.

بدا الاتفاق الأميركي الروسي واضحاً بوجوب تسليم الأسد مخزون سلاحه الكيماوي الى الأمم المتحدة فجرى على وجه السرعة تشكيل فريق من الخبراء الدوليين برئاسة البريغادير "مالسروم" النرويجي الذي جاء الى سوريا وباشر مهامه.

في آن معاً بدأ العمل على اعداد جنيف2، حيث أوكل للمبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي الاعداد للمؤتمر.

بعد تأرجح دام بعض الوقت وافقت دمشق رسمياً على حضور المؤتمر. إلا أنه ما لبث نائب الأسد للشؤون الخارجية وليد المعلم أن أدلى بتصريح يقول فيه، "إن الذي يحدد مصير الأسد ليس جنيف2 بل الدستور السوري".

بالرغم من تحفظاته حيال هذا التصريح كان جواب الائتلاف الوطني السوري بالموافقة المشروطة على حضور هذا المؤتمر على خلفية تمثيله المعارضة السورية كلها هناك.

في آن معاً، وأثناء انعقاد الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة، فوجئ العالم بالخطاب الودي الملاين حيال السياسة الأميركية من قبل الرئيس روحاني الذي قوبل باتصال مباشر من الرئيس أوباما به. تبعته مباشرة جلسات جانبية بين وزير خارجية ايران "ظريف" ووزراء خارجية الدول الخمس زائد واحد (ألمانيا) حيث جرى الاتفاق على مساع مشتركة دولية ايرانية لحل المشكلة النووية الايرانية.

صدرت تصريحات غربية عدة بوجوب تخفيف العقوبات الاقتصادية عن ايران في حال أبدت سلوكاً عملياً يسهل حل مشكلات مفاعلاتها النووية.

صدرت عن طهران مواقف ايجابية تتضمن موافقتها على السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية (AIEA) بالقيام بزيارات تفتيش مفاجئة لمفاعلاتها النووية في الوقت الذي قبلت فيه طهران بإبقاء تخصيبها لليورانيوم بنسبة أدنى من 20 بالمئة، لكنها أرفقته بموجب إبقاء مخزونها لليورانيوم على أرضها ورفضها ايداعه خارج بلادها.

إن خطف الأضواء والاهتمام من قبل النظام الايراني والمحادثات المتواصلة بين طهران والاتحاد الأوروبي وأميركا قد حجب عملياً المساعي المبذولة لعقد جنيف2. وقد برز تطور لافت من قبل روسيا بوجوب حضور طهران المؤتمر المذكور. وقد عزز ترحيب الأخضر الابراهيمي هذا الاقتراح. إلا أنه أثار حفيظة المعارضة السورية التي اعتبرت النظام الايراني طرفاً ضالعاً في الصراع العسكري الدائر على أرض سوريا فهي والحالة هذه ليست طرفاً محايداً، فرفضت حضورها فيه.

من أجل اضعاف موقف المعارضة السورية، وأمام التطورات المريبة الجارية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من صدامات مسلحة بين "داعش" و"النصرة" وبينهما وبين قوات الجيش السوري الحر كان تصريح لافروف بوجوب أن تتمثل المعارضة المعتدلة وحدها في المؤتمر.

أعلن المجلس الوطني السوري رفضه حضور جنيف2 وهو العمود الفقري للمعارضة ما أفقد الائتلاف كثيراً من صدقية تمثيله المعارضة في المؤتمر.

شنت قوات النظام السوري بالتآزر مع لواء الفضل بن عباس ومقاتلي حزب الله هجومات ضارية على معضمية الشام والغوطتين ومعاقل أخرى للمعارضة في درعا. والهدف الرئيسي من هذا هو اضعاف المعارضة المسلحة الرسمية (الجيش السوري الحر) لتصل بشق النفس لتتمثل في المؤتمر العتيد.

حيال هذا الوضع المربك والتجاذبات البالغة حدودها القصوى في التحضير لجنيف2 وجه بشار الأسد ضربته اليائسة لإجهاض المؤتمر فصرح منذ يومين لإحدى محطات التلفزة انه عازم على ترشيح نفسه لتجديد ولايته ابتداء من صيف 2014.

أثار تصريح الأسد هذا ردة فعل حادة لدى جميع الأوساط المعنية بالمؤتمر.

فالأخضر الابراهيمي أصيبت جولته المكوكية بضربة قاسية. وتوالت المواقف المستنكرة من قبل الائتلاف الوطني السوري، وزير خارجية أميركا كيري الذي صرح أن الاعلان عن نوايا الأسد استمراره في الحكم هو استمرار للحرب في سوريا. ثم أعقب كيري تصريحه هذا بالقول ان حل مشكلة السلاح الكيماوي السوري لا ينهي المأساة السورية المستمرة. كما أعقبه وزير خارجية بريطانيا بالتأكيد أنه لا يمكن القبول بأن يكون الأسد جزءاً من أي حل للأزمة السورية. أما المندوب السعودي في مجلس الأمن فقد ألقى رسالة قوية في كلمته للمجتمع الدولي وبالأخص في قوله: إن النظام الأسدي يحاول تغطية إصراره على استمرار المذبحة السورية باتلاف مخزونه من السلاح الكيمياوي.

إن المعطيات المتوفرة وجميع المؤشرات المؤثرة لتدلّ أن مؤتمر جنيف 2 قد أصبح عملياً مهدداً بالتأجيل والإرجاء بل بالإلغاء. فأمام المجتمع الدولي خيار واحد لا ثانٍ له: تنحية الأسد شرط ضروري وملزم لنجاحه. والأيام المقبلة ستكون حاسمة في هذا الشأن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : لماذا يحرج الأمريكيون شريكهم بشار بكشف المستور والإعلان عن العدوان الإسرائيلي ؟!

03.11.2013

زهير سالم

على مدى أعوام طويلة عودنا الإسرائيليون أنهم يملكون من الخبث والمكر ما يجعلهم يحافظون على ماء وجه عملائهم ، بالتكتم على المستور من أمرهم ، وبالتماهي مع أضاليلهم وخدعهم . هكذا كان شأنهم مع لعبة حافظ وبشار تحت عناوينها وشعاراتها المختلفة ( حرب التحرير الشعبية ) و ( الصمود والتصدي ) و ( التوازن الاستراتيجي ) و( المقاومة والممانعة ) .

وحتى الساعة ما يزال الإسرائيليون يحتفظون بالكثير من أسرار صفقة السابعة والستين ، وأسرار شركائهم فيها وأسرار عقود من العمالة فيما كان فيها وبعدها . لقد استطاعوا بعد أن نفذ الشعب السوري حكم الإعدام بكوهينهم الصغير أن يرفعوا إلى كرسي الرئاسة السورية ( كوهينا كبيرا ) وأن يظللوا عليه بكل ما يستطيعون ، وأن يورثوا حكم البلاد لولده من بعده.

ولا يزال الصهاينة يتسترون على كل الأفعال التي يعتقدون أنها تحرج عملائهم أو تكشف عمالتهم وتفضح دورهم . وفي كل مرة يرتكبون فيها فعلا يكشف جانبا من الدور المريب الذي أداه حافظ ويؤديه بشار الأسد فإنهم يحاولون جهدهم إخفاء هذا الفعل ، وتغييب اليد المسئولية عنه ، وإثارة الغبار حوله . ولم تكن الواقعة الأخيرة إلا حلقة على الطريق الطويل . وهكذا تستر الإسرائيليون على العدوان الجريمة التي قامت بها قواتهم في 30 / 10 / 2013 حيث قصفت قاعدة عسكرية سورية في جبل صنوبر قرب اللاذقية فدمرت بطاريات دفاع جوي من طراز S.A. 13

من حقنا كسوريين نعتبر سورية بسمائها وأرضها وطنا لنا أن ندين العدوان الصهيوني الآثم على أرضنا وديارنا . وأن نعتبر ما حدث جريمة أخرى من جرائم العدوان التي يسكت عليها المجتمع الدولي مما يقع على الشعب السوري والسيادة السورية من قبل الجلادَين الشريكين ( الأسديون والصهاينة ) .

ومن حقنا أن نشجب ونستنكر تستر الأسديين الشركاء في الجريمة عليها . ومداراتها والصمت على العدوان بل وإنكاره من قبل بعض المعلقين كنوع من أنواع التهرب من استحقاقاته ..

ولقد وضع العدوان الجريمة على محك المصداقية التصريح الادعائي الذي كان بشار الأسد قد اطلقه منذ أشهر على قناة ( المنار ) لصاحبها المقاوم والممانع حسن نصر الله وشركاه . حيث قال بشار الأسد في 31 / 5 / أي قبل أربعة أشهر فقط : لقد أبلغنا الجهات العربية والأجنبية وخاصة الأجنبية أننا سنرد ( على أي عدوان إسرائيلي ) في المرة القادمة . وها هو اليوم يواجه بالصمت المرة القادمة ..

وقع العدوان منذ أربعة أيام ، في الوقت الذي كانت المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية تستحوذ على الترسانة الكيماوية السورية ، وتشل قدراتها . ولقد سئل بشار الأسد عن هذه الترسانة قبل ستة أيام فقط على قناة الأخبار اللبنانية فقال : إنه لم يعد بحاجة إليها ( إلى الأسلحة الكيماوية ) وأنه اليوم يملك من الصواريخ ( !!! ) ما يعمي بصر إسرائيل في لحظات . ولكن إسرائيل دمرت هذه الصواريخ بصمت ، دون أن يطرف بشار الأسد بصرها .

التصريح عن الصواريخ التي تعمي بصر إسرائيل من ابن أبيه يذكرنا بما كتبه الأسد الأب قبل حرب الخزي بستة أيام انه فقط ينتظر إذن الإدارة السياسية ليلقي بالإسرائيليين بالبحر ..

كان المفترض بالعدوان أن يمر بين شركاء الجريمة بصمت . وكانت إسرائيل قد تعهدت لعميلها أن تحفظ ماء وجهه كما تعودت أن تفعل كل مرة .ولكن الولايات المتحدة وهي تجدد اليوم عقد العمالة آثرت أن تخضع العميل لاختبار احتماله المزيد من الإهانة والإذلال . فأعلنت عن العدوان كتجربة من تجارب هذا الامتحان ..

والذي يبدو أن بشار الأسد كما كان العهد به دائما قد نجح في هذا الامتحان ...

لندن : 28 ذو الحجة 1434

2 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري بين الموت حرقا أو جوعا أو غرقا

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 26/10/2013

من حسنات النظام السوري أنه لم يكذب على الشعب عندما ثار، بل قدم له خيارات واضحة ومحددة، فقبل شهور شاهد الجميع الشعار الشهير الذي كتبه المؤيدون للنظام على الجدران في كل المناطق السورية: ‘الأسد أو نحرق البلد’. وقد كان النظام وفياً لهذا الشعار، فكلما ارتفعت حدة المطالبة الشعبية برحيل النظام، كان يمعن في إحراق البلد وتدميره بطريقة لم نشهدها حتى أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد تم إزالة مدن وقرى عن الخارطة، وتم تهجير أهلها بالملايين. فمثلاً مدينة حمص وهي ثالث أكبر مدينة في سورية، ومساحتها تزيد على ثلث مساحة سورية، لم يبق منها سوى حي أو حيين فقط من أتباع النظام. أما أكثر من 85 بالمائة من المدينة فقد أصبح أثراً بعد عين. وحدث ولا حرج عن ريف دمشق الذي يتفاخر أتباع النظام بتحويله إلى ‘مزارع بطاطا’، وخاصة منطقة داريا التي تزيد مساحتها عن مدينة دمشق. أما دوما وحرستا والغوطة الشرقية فمناظرها تذكرك بأنقاض الحروب التي لم تبق ولم تذر.

‘الأسد أو نحرق البلد’ ما زال شعاراً معمولاً به، لكنه لم يعد الخيار الوحيد لتركيع الشعب السوري وإعادته إلى حظيرة الطاعة، فقد تفتق ذهن النظام وحلفائه الإيرانيين عن طريقة ناجعة أخرى لا تقل فتكاً بالشعب السوري وإنهاكه وتركيعه وإعادته صاغراً إلى حضن النظام. إنه خيار التجويع والإفقار، وجعل أبسط الحاجيات اليومية الأساسية حلماً بعيد المنال لغالبية السوريين. فقد وصل سعر الطماطم إلى أكثر من 150 ليرة، والبصل إلى سعر مشابه، بعد أن كان بعشر ليرات. أما اللحم فقد اصبح خارج قدرة غالبية السوريين، فثمن ثلاثة كيلو غرامات من اللحم تساوي الراتب الشهري للكثير من الشعب السوري. البعض يربط ارتفاع الأسعار الجنوني في سورية بارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة، لكن المضحك أن غالبية السلع التي ربطوها بالدولار منتجة محلياً، فهل يعقل مثلاً أن تبيع البقدونس أو الخس أو الحلاوة السورية بالجنيه الاسترليني، أو بالين الياباني؟ بالطبع لا، لكن الحكومة عملت على رفع أسعارها لتركيع الشعب وجعله يحن إلى أيام الطغيان الخوالي عندما كان يشتريها بأسعار أقل بكثير، وكأنها تقول له: يجب عليك أيها الشعب أن تكفر بثورتك المزعومة، وتعود إلى زريبة الطاعة كي تحصل على قوتك وأنت خرسان. إياك أن تحلم بالحرية والكرامة، فكرامتك بالنسبة لنا هي أن تملأ معدتك بأسعار تقدر عليها، وإلا رفعنا الأسعار بشكل جنوني، وجعلناك تتحسر على رغيف الخبز، فما بالك بالزيتون، أو الجبنة. ومما يفضح أكاذيب الحكومة السورية هو أن أسعار الدولار ترتفع وتنخفض في سورية، لكن أسعار السلع الاستهلاكية تبقى مرتفعة دون أدنى ارتباط بتقلبات الدولار. وهذا يؤكد أن لا علاقة بين ارتفاع العملات الصعبة وغلاء الأسعار في سورية، بل هي سياسة حكومية ممنهجة لإخضاع الشعب وتركيعه ومحاربته بلقمة عيشه.

إما أن تقبل بالنظام وبكل أساليبه حتى القديم منها، أو تموت من الجوع. تصوروا أن منطقة قدسيا البلد بالقرب من دمشق تعرضت إلى حملة حصار وتجويع منظمة، بحيث منعوا الدخول أو الخروج منها أو إدخال رغيف خبز إليها لأن بعض السكان رفضوا تعليق صور الرئيس السوري في شوارعهم. تصوروا أنه مازال هناك في العالم نظام يقتل شعبه جوعاً فقط لأنه يرفض تعليق صوره في الشوارع. وحدث ولا حرج عن حوالي مليوني سوري يحتاجون إلى أبسط السلع الأساسية من طحين وماء وكهرباء في غوطة دمشق، لكنهم لا يستطيعون الحصول عليها، فباتوا يأكلون أوراق الشجر، لا بل أفتى الشيوخ بأكل لحوم القطط والكلاب كي لا يموت أهل الغوطة جوعاً بسبب الحصار الذي فرضه عليهم النظام، لأنهم ثاروا عليه، أو لمجرد أن الثوار موجودون في مناطقهم. تصوروا أن سعر ربطة الخبز في دمشق التي لم تثر على النظام 15 ليرة سورية، بينما ثمنها 450 ليرة في ريف دمشق الثائر. وكذلك البنزين، فثمنه في دمشق عشر ثمنه في الريف، وذلك عقاباً للريف الثائر. عقاب جماعي لم تمارسه في المنطقة سوى إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. لكن الفرق بين إسرائيل والنظام أن إسرائيل تعاقب أعداءها، بينما النظام يعاقب شعبه. ولا ننسى الوضع المزري لأكثر من مليوني سوري لاجئ في دول الجوار في المخيمات والشوارع والأزقة بفضل قيادته الحكيمة. وقد أشارت آخر التقديرات الدولية إلى أن عدد السوريين الذين أصبحوا تحت خط الفقر يزيد على ثمانية عشر مليوناً، أي أكثر من ثلثي السوريين بكثير، بفضل سياسة الإفقار الممنهج الذي تتبعه الحكومة لابتزاز الشعب وجعله يقبل بالنظام الحالي، وعدم التفكير مطلقاً بتغييره.

وبالإضافة إلى سياسة إحراق البلد وتجويع الشعب، هناك خيار ثالث أمام السوريين الآن، إما أن تقبلوا بالنظام، أو تهربوا من البلد على متن قوارب الموت إلى سواحل أوروبا لتأكلكم الأسماك والحيتان. وقد شاهدنا كيف غرق العديد من السوريين في البحار في الأيام الماضية وهم يبحثون عن مكان يؤويهم ويغنيهم من جوع.

قد يجادل بعض المؤيدين للنظام بأن سبب الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة في سورية العقوبات الدولية، والتخريب الذي مارسه ‘الإرهابيون’، وخاصة في حلب. لا شك أن سورية تعرضت لتخريب اقتصادي لا ينكره عاقل، لكن ما علاقة التخريب الاقتصادي والعقوبات الدولية بالحصار الذي يفرضه النظام على ملايين السوريين، ويحرمهم من خلاله من الطحين والخبز والكهرباء؟ ما علاقة التخريب بمنع الممرات الإنسانية لإيصال الغذاء والدواء إلى ملايين المحاصرين والمجوعين قسراً؟

فرق كبير بين هذا وذاك. ثم إن النظام قادر أن ينزل سعر الدولار من 300 ليرة للدولار إلى 170 ليرة، فإذا كان لديه هذه القدرة العجيبة لإخضاع الدولار، فلماذا لا يستخدم هذه القدرة العجيبة في التحكم بالأسعار وتأمين الحاجيات الإنسانية للشعب بأسعار معقولة؟

إن السياسة التي يتبعها النظام السوري مع الشعب لإعادته إلى زريبة الطاعة والخضوع تذكرنا بقصة الفلاح والإقطاعي، فذات يوم استأجر فلاح بسيط غرفة ومطبخاً من إقطاعي، وعاش في تلك الغرفة الصغيرة مع زوجته وأولاده السبعة.

وكانوا يعانون معاناة شديدة من صغر الغرفة وضيقها. لكنه احتج ذات يوم للإقطاعي على صغر الغرفة، وطالب بتوسيعها قليلاً. لكن الإقطاعي جاءه بعد مدة وقال له يا فلاح: عندي عنزتان وديك وقرد لا أجد لهم مكاناً، وأريد منك أن تسكنهم معك في الغرفة، فاضطر الفلاح إلى قبول الطلب مرغماً، فزادت معاناة العائلة أضعافاً مضاعفة من العنزتين والديك والقرد المزعج الذين حولوا الغرفة إلى جحيم لا يطاق. وبعد مدة عاد الإقطاعي وأخذ العنزتين والقرد والديك، ثم اتصل بالفلاح بعد أيام ليسأله عن حاله: فقال الفلاح: حالنا عال العال، ممتاز، فنحن في نعمة، والبيت كبير ومريح، ولا ينقصنا من هذه الدنيا شيئاً. (تلك هي سياسة النظام السوري مع الشعب لأنه حاول أن يستعيد بعضاً من حريته وكرامته المهدورة منذ عقود).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مشوار الحرية في سورية طويل ومكلف ولكنه ناجح

مازن كم الماز

القدس العربي

الخميس 31/10/2013

ليست جنيف 2 إلا محطة جديدة في النزاع بين القوى السلطوية المتنافسة على سورية. صحيح أن القوى السلطوية المتنافسة دفعت الكثير الكثير من الأموال ومن جهود ماكيناتها الإعلامية و’الإيديولوجية’ والاستخباراتية الخ ، لكن الشعب السوري هو الذي يدفع الثمن الأغلى لهذا الصراع.

وصحيح أيضا أن الشعب السوري بدأ صراعه مع طاغيته بهدف استعادة مصيره، بينما

تتنافس هذه القوى السلطوية على السيطرة عليه، الشعب السوري هو الغنيمة التي يتصارع عليها كل هؤلاء. لا يمكن الجزم أيضا عن دور ‘أصدقاء’ الشعب السوري السلطويين في تحجيم قمع ديكتاتورية الأسد، لا يمكن اليوم الحكم إذا كان من الممكن للشعب السوري أن يتغلب بقواه الذاتية على هذا النظام أم أنه كان سينحر بصمت في الظلام كما جرى مع الكثير من الشعوب في التاريخين القديم والحديث، أم أن تدخل خصوم الأسد قد رفع فاتورة الحرية التي على السوريين دفعها أو أنه حولها من فاتورة للحرية إلى فاتورة لاستعباد جديد.

وباعتبار مواقف هذه القوى السلطوية المتنافسة، الأرجح ألا يؤدي جنيف 2 إلى تخفيف فاتورة الدم والآلام التي يدفعها السوريون العاديون لأن القوى التي تملك القرار في سورية، المحلية والإقليمية والدولية، ما تزال غير مكترثة أو غير راغبة بإيقاف نزيف دمائهم وأولها نظامي دمشق و طهران.

كما أن أهمية مشاغلة النظام الإيراني في سورية قد زادت كثيرا بالنسبة للسعودية مع بوادر ‘انفراج’ ما بين طهران وإدارة أوباما، وزادت أهمية الساحة السورية أيضا في التنافس القطري السعودي بعد انقلاب السيسي على مرسي في مصر، وطالما كانت هذه عوامل حاسمة في تقرير سلوك وقرارات أمثال هؤلاء السادة.

قد تكون إدارة أوباما هي أكثر الراغبين باحتواء النزاع في سورية لأنها تشعر بأنها تخسر من استمراره، لكن رغبتها هذه لم تعد العامل الحاسم اليوم في تقرير مصير سورية، فقد تراجع نفوذها مع تراجع قوة ردعها ولا تبدو إدارة أوباما راغبة أو مستعجلة في استعادة دورها كشرطي المنطقة.

الأكيد أن كل هذه القوى لا تقيم أي وزن لدم السوريين العاديين، والأكيد أن كل هذه القوى، حتى تلك التي ترغب بزوال نظام الأسد، لا ترغب أبدا بأن يصبح السوريين العاديين أحرارا وسادة مصيرهم. إذا صدقنا أن الشعب السوري ثار لينتزع مصيره، فإن جنيف 2، كما كل ألاعيب السياسة الإقليمية والدولية، لا تعني له الكثير. إنه محكوم بمواصلة ‘ثورته’ ضد القوى التي تريد استعباده ولا يوجد أمامه طريق آخر للحرية وسيحصل السوريون العاديون على ذلك القدر من الحرية الذي سيقاتلون في سبيله، ليس فقط ضد نظام الأسد، بل ضد أية قوة تريد استعبادهم.

يعرف السوريون اليوم أكثر من غيرهم أن ثمن الحرية باهظ جدا في هذا العالم الذي تسيطر عليه أنظمة قمعية وقوى سلطوية مهووسة باستعباد البشر، وأن مشوار الحرية طويل وربما أطول مما اعتقد السوريون صبيحة 15 آذار 2011.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جرائم الأسد إبادة جماعية للسوريين

رضوان زيادة *

الحياة

الخميس 31/10/2013

تدخل معظم الجرائم والمجازر الجماعية التي ارتكبها الرئيس بشار الأسد منذ بداية الثورة السورية في باب جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بالمعنى القانوني والجنائي، فهي تدخل في هذا الإطار من جهة اتساعها وتكرارها ومن جهة ترتيب الإطار القانوني في تنفيذ الأوامر من القائد الأعلى للجيش ممثلاً في الأسد إلى أصغر عنصر في الجيش النظامي أو مليشيات «الشبيحة»، ولا تدخل كل هذه الجرائم في باب ما يسمى الإبادة الجماعية أو Genocide وهو الاسم الذي يطلق قانونياً على تلك الجرائم التي تستهدف عرقاً أو أثنية معينة بهدف القضاء عليها ومحوها من الوجود، وكان هذا التعبير وما زال محل جدال قانوني كبير وخلاف بين رجال القضاء والقانون، فالبعض يعتبر ما جرى في دارفور جريمة إبادة جماعية، لكن آخرين يرون أنها كانت جريمة ضد الإنسانية وليست جريمة إبادة، ونستطيع أن نستغرق في كل الجدال القانوني حول كل جرائم الإبادة التي سجلها التاريخ.

ما يجب التوقف عنده هنا هو تحليل الدوافع القانونية التي تثبت أن الأسد يمتلك الشخصية التي تدفعه إلى ارتكاب جرائم الإبادة مستدلاً على ذلك بحادثتين:

الأولى استخدام السلاح الكيماوي المحرم دولياً في الغوطة الشرقية، فإذا قرأنا تقرير اكي سيلستروم رئيس فريق الأمم المتحدة للتحري عن استخدام الأسلحة الكيماوية فإنه يكرر أكثر من مرة عبارة designed to cause maximum suffering to the Syrian people أي أن الضربات في استخدام السلاح الكيماوي صممت كي تسبب المعاناة القصوى للشعب السوري، فقد أطلقت الصواريخ المحملة بالسلاح الكيماوي في الساعة الثانية والنصف تقريباً بعد منتصف الليل بحيث يكون هناك هدوء كامل في الجو تسبب في انحراف المواد المتفجرة، كما أن كل الأهالي والمدنيين كانوا نياماً بشكل كامل في تلك المنطقة مما سيؤدي إلى وفاة عائلات بأكملها وعدم قدرتهم على النجاة، كما وجرى استخدام الصواريخ في منطقة مكتظة بالسكان المدنيين وبعدد كبير مما أدى إلى مضاعفة أعداد الضحايا من النساء والأطفال، وبالتالي فقد كانت الضربات مصممة بهدف قتل وإبادة كل السكان المدنيين في المنطقة، وهي تثبت بكل تأكيد النية المبيتة لدى الأسد لارتكاب فعل الإبادة بحق السكان المدنيين.

أما الحادثة الثانية فهي السياسة الجديدة التي بدأ يتبعها الأسد في حصار المدن (الجوع أو الركوع) التي تخضع لسيطرة المعارضة وبخاصة كما في المعضمية وداريا ومدينة حمص والغوطة الشرقية، والتي أدت إلى وفاة عدد من الأطفال بسبب الجوع عبر منع كل المساعدات الإغاثية أو الإنسانية من الدخول إلى المدينة بما فيها الطحين وكل أنواع الغذاء الأساسية، فهذه تعد بكل تأكيد سياسة منهجية في تجويع المدنيين وإجبارهم حتى الخضوع أو الاستسلام أو الوفاة بسبب نقص الغذاء والدواء. كل ذلك يظهر حس الإبادة لدى الأسد والنية المتعمدة في ارتكاب هذه الجرائم حتى لو أدت إلى إبادة سكان المنطقة بأكملها.

إذاً يمكن إثبات نية الأسد في ارتكاب جرائم الإبادة هذه بحق الشعب السوري ويمكن القول باختصار لمن يشكك داخل المعارضة باستمرار بأن الأسد يملك غريزة الإبادة التي لا يستبعد استخدامها بشكل أوسع في الشهور المقبلة إذا لم يضع له حد ينهي المأساة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب السوريّة على الإرهاب

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 29/10/2013

على مدى عامين ونصف العام راحت نظريّة «مكافحة الإرهاب» تتقدّم على سواها من نظريّات النظام السوريّ في حربه على مجتمعه. فنظريّة الدفاع عن «العروبة» بدت منذ البداية هشّة وسخيفة، ليس فقط لاصطدامها بغالبيّة ساحقة من العرب تتعاطف مع الثورة، بل أيضاً لتضاربها الذاتيّ تبعاً لاقترانها بجرعة عنصريّة ضدّ العرب و»العربان». وأكثر منها هشاشة وسخافة كانت نظريّة الدفاع عن «الإسلام الحقّ» التي ماتت لحظة ولادتها. أمّا نظريّة التصدّي لإسرائيل فبدل أن تُسعف النظام، أفقدت حليفه «حزب الله» صدقيّته، هو الذي جعل يبحث عن طيف إسرائيل في شوارع حمص والقصير.

واقع الحال أنّ «مكافحة الإرهاب»، على عكس الأخريات، نظريّة مربحة، على ما لاحظ غير مراقب محلّيّ وغربيّ. فهي تبني جسراً بين النظام السوريّ وبين رأي عام غربيّ، وجسراً آخر يصل هذا النظام بمحطّة للتقاطع الأميركيّ - الروسيّ. وهي إذ تطمئن الإسرائيليّين، لا سيّما بعد التخلّص من السلاح الكيماويّ، فإنّها تقدّم بشّار الأسد وجهاً من وجوه الأمن والاستقرار في المنطقة وفي العالم. هكذا تمسّك بها النظام وحاول تطويرها كي تبدو حجّة متماسكة تتسابق البراهين لإنجادها.

و»الحرب على الإرهاب»، كما نعلم، إبداع من إبداعات عهد جورج دبليو بوش، ارتبط خصوصاً بجماعة «المحافظين الجدد». لكنّ هذا المفهوم بقي منذ ولادته يعاني فقره النظريّ وضعف إنجازه العمليّ. وربّما كان أسوأ ما في هذه النظريّة أنّها أحلّت المعالجة الأمنيّة الضيّقة، وصولاً إلى شنّ الحروب، محلّ الإدراك الأعرض للمجتمعات المعنيّة، بتواريخها المحلّيّة واقتصاداتها وثقافاتها، ومن ثمّ مدى قدرتها على احتمال الديموقراطيّة التي طرحتها إدارة بوش علاجاً من الإرهاب.

لكنْ يبقى أنّ ذاك الإرهاب موجود فعليّاً، وأنّه وجّه، في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وقبلذاك وبعده، ضربات موجعة في غير عاصمة من عواصم العالم.

وكلّنا يذكر أنّ دمشق، في ذلك الحين، كانت تقرن التنسيق الأمنيّ مع الأميركيّين ضدّ الإرهاب بلغة تتّهم الأميركيّين بأنّهم هم الإرهابيّون، وبالمزدوجات الكثيرة التي توضع حول كلمة إرهاب، تدليلاً منها على أنّه ليس كذلك.

بلغة أخرى، يستعير النظام السوريّ لغة فقيرة ومتناقضة ليطبّقها على نحو أكثر فقراً وتناقضاً، خصوصاً أنّه ليس النظام الذي تعرّض لـ11 أيلول، بل ذاك الذي رعى لسنوات الأميركيّ اللاتينيّ كارلوس، والسوريّ - الفلسطينيّ أحمد جبريل، وأعداداً من اللبنانيّين الذين لا أسماء لهم، فضلاً عن تأمين طرق الإرهابيّين، وبينهم عديد التكفيريّين والجهاديّين، إلى قلب العراق.

وهذا، مرّة أخرى، يضعنا وجهاً لوجه أمام آلة من الكذب لا تتعب، آلةٍ تتساوى حيالها العروبة والإسلام وفلسطين والإرهاب وكلّ ما ينفع، وفق الموسم، لإطالة عمر النظام. غير أنّ المدهش أنّ النظام نجح، وهو كاذب، في أن يستورد، إلى الحدّ الأقصى، مكافحة الإرهاب، فيما فشلت المعارضة، وهي في ما نظنّ صادقة، في أن تستورد الحدّ الأدنى، والمشذّب، من هذه النظريّة. هنا، لم يكن الرأي العامّ مطلوباً، ولا التقاطع مع العالم في همومه ومعاركه، وهو العالم المطالَب بالوقوف مع السوريّين في همومهم ومعاركهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصراعات الطائفية بين الفعل وردّ الفعل

محمد السمَّاك

المستقبل

الاثنين 28/10/2013

عندما احتلت فرنسا لبنان وسوريا بعد الحرب العالمية الأولى، حاولت فرض هيمنتها بتوظيف التعدد الديني والمذهبي في المنطقة من خلال تحويله الى أداة للصراع والتفجير الطائفي. ولما وضعت المنطقة تحت انتدابها، أقرت فرنسا مخططاً لإقامة دول طائفية علوية ودرزية وسنية في سوريا، وذلك بعد أن ضمت مناطق من سوريا الى لبنان وأعلنت دولة لبنان الكبير في عام 1920 على يد الجنرال غورو. وكردّ فعل على ذلك، قامت حركات قومية معارضة تمثلت في حركة القوميين العرب وحزب البعث والحزب القومي الاجتماعي وكذلك الحزب الشيوعي، كقوى عابرة للطوائف والمذاهب ورافضة ليس فقط للانتداب الفرنسي، ولكنها رافضة ايضاً وأساساً لإعادة رسم الخريطة السورية على أساس ديني ومذهبي.

كانت اثارة النعرات الطائفية هي الفعل. وكان قيام هذه الحركات القومية هو رد فعل.

وعندما اجتاح السوفيات أفغانستان وفرضوا سيطرتهم عليها، قامت حركة طالبان كرد فعل على هذا الاحتلال. صحيح ان هذه الحركة تعززت بالدعم الأميركي، الا ان تخلي الولايات المتحدة عنها بعد الانسحاب السوفياتي، أدى الى رد فعل ثان دفع الحركة الى السيطرة على الدولة الأفغانية، ومن ثم الى قيام تنظيم القاعدة واحتضانه.

ووقع الأمر ذاته في العراق بعد اجتياح القوات الأميركية واحتلالها له في عام 2003. فقد قامت كرد فعل على الاحتلال، حركة مقاومة بأسلوب وشعارات ونموذج تنظيم القاعدة. ولأن الطبيعة الديموغرافية العراقية تختلف عن الطبيعة الديموغرافية في افغانستان، فقد ادى الاحتلال ورد الفعل عليه الى تمزق العراق مذهبياً وعنصرياً، علماً بأنه لم يكن قبل ذلك مجتمعاً سليماً ومعافى من أمراض الطائفية والعنصرية.

حتى الثورة الاسلامية في ايران لم تنفجر في عام 1979 بقيادة الامام الخميني الا كردّ فعل على التبعية الإيرانية في عهد الشاه للولايات المتحدة وعلى الانفتاح الإيراني على اسرائيل والتعاون معها. ويرمز الى ذلك تحويل السفارة الاسرائيلية في طهران بعد الثورة الى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية التي لم يكن الشاه الراحل يعترف بها.

ولقد ولد حزب الله من رحم الاحتلال الاسرائيلي للبنان في عام 1982، ولا يزال يستمد مبررات وجوده واستمراره من وجود الاحتلال واستمراره في بعض المناطق اللبنانية في الجنوب والجنوب الشرقي. وحتى لو صح الادعاء بأن الحزب خرج من رحم الثورة الإيرانية وان مقاومته الناجحة للاحتلال الاسرائيلي للبنان قدمت خدمة جليلة للستراتيجية الايرانية في اقامة رأس جسر لها على المتوسط واعلانها لاعباً رئيساً في تقرير مصير السلم والحرب في المنطقة، فان ذلك لا يغير من جوهر الأمر. وهو ان العدوان الاسرائيلي والاحتلال كانا الحافز وراء ذلك.

وفي عام 1967 عندما احتلت اسرائيل القدس مع الضفة الغربية وغزة وسيناء ومرتفعات الجولان، صورت انتصارها في الحرب على انه تجسيد للارادة الإلهية. وان هذا الانتصار الإلهي هو الثاني بعد الانتصار في اقامة اسرائيل في عام 1948. وان الانتصار الثالث القادم هو بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.

وقد تلقفت هذا التوظيف الديني للانتصار العسكري الاسرائيلي الحركة الصهيونية المسيحانية في الولايات المتحدة. وهي حركة سياسية دينية كبيرة ومنظمة تؤمن بالعودة الثانية للمسيح، وبان لهذه العودة شروطاً لا بد من توفرها والعمل عليها وهي تجميع يهود العالم في فلسطين صهيون وبناء الهيكل الذي يعود المسيح اليه ويحكم العالم منه لمدة ألف عام، يسمونها الألفية، بعدل وسلام. ولذلك اعتبرت هذه الحركة الانتصار الاسرائيلي انتصاراً لنظريتها الدينية وانطلقت في حملة سياسية مالية واسعة النطاق لدعم اسرائيل والدفاع عنها داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وكرد فعل على ذلك قامت حركات الاسلام السياسي.. وانطلقت هذه الحركات من أمرين. الأول اعتبارها ان حركات القومية العربية التي تولت القضية الفلسطينية منذ عام 1948 فشلت فشلاً ذريعاً ولم يعد يجوز الاعتماد عليها في استرجاع الحقوق المغتصبة. والأمر الثاني هو ان الله مع المسلمين وليس مع اليهود. وان الانتصار الاسرائيلي كان عقاباً إلهياً للمسلمين لأنهم تخلوا عن الجهاد في سبيل الله، وانه تبعاً لذلك على المسلمين أن ينصروا الله حتى ينصرهم. ونصر الله لا يكون الا بتطبيق شريعته. ولذلك اصطدم قيام هذه الحركات الاسلامية بالأنظمة السياسية. وعرف هذا الصدام موجات مد وجزر الى ان انفجر "الربيع العربي"، فخرج معظم هذه الحركات من تحت الأرض حيث كانت تمارس العمل السياسي السري- الى قمة السلطة كما حدث في تونس (حزب النهضة) ومصر (حزب الاخوان المسلمين)، وقبل ذلك في غزة (حركة حماس). وتتطلع هذه الحركات الى الوصول الى السلطة ايضاً في سوريا (من خلال الثورة) وفي الأردن. وهي تحاول الوصول اليها في ليبيا بعد الاطاحة بنظام (أو بلا نظام) معمر القذافي.

ولكن قبل "الربيع العربي" عرفت ثلاث دول عربية هي لبنان وسوريا والعراق، نماذج من الصراعات المذهبية على خلفيات ردود فعل لتدخلات خارجية.

فلبنان المتعدد الأديان والمذاهب وحتى العناصر (الأرمن والسريان)، كان دائماً في مرمى الستراتيجية الاسرائيلية التي تستهدف تقسيم المنطقة الى دويلات دينية توفر بصراعاتها الداخلية الأمن الستراتيجي لاسرائيل. ومنذ الخمسينات من القرن الماضي وجّه بن غوريون اول رئيس حكومة اسرائيلية رسالة الى وزير خارجيته موشى شاريت يحضه فيها على العمل على تقسيم لبنان. ومشهورة مقولته : "اعطني جنرالاً مسيحياً موالياً لاسرائيل أعطيك دولة مسيحية في لبنان". ولقد حصلت اسرائيل على جنرالين وليس على جنرال واحد، هما سعد حداد وانطوان لحد، ولكنها لم تحقق هدفها بسبب الوعي المسيحي الوطني.

صحيح ان المسيحيين اللبنانيين عانوا طويلاً من التجاوزات الفلسطينية الى حد ان منظمة التحرير الفلسطينية فرضت سيطرتها على لبنان لحين من الزمن، الا ان هذه المعاناة لم تذهب بهم الى التخلي عن لبنان الموحد الا لفترة قصيرة وكرد فعل موقت. ولقد جاء اتفاق الطائف 1989 ليقيم قاعدة جديدة للوحدة الوطنية تتجاوز الديمقراطية العددية الى الديمقراطية التوافقية في اطار المناصفة في المناصب الوزارية والمقاعد النيابية وفي توزيع السلطات الرئيسة الثلاث على الطوائف.

اما في سوريا فان الأمر مختلف. فالرئيس السابق حافظ الاسد ومنذ "الحركة التصحيحية" التي قام بها، أمسك بمقاليد الحكم ومارس السلطة المطلقة، الا انه فعل ذلك ولو شكلاً- تحت مظلة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يرفع شعار القومية والعلمانية. ثم انه عندما توفي كان قد أوصى بأن يصلي على جثمانه الشيخ محمد سعيد البوطي وهو شيخ سني من أصل كردي. ولقد قبِل المشايخ العلويون بهذا الأمر على مضض.

صحيح ان الأسد حوّل الجيش السوري بقياداته وأركانه الى قوة علوية وأقصى عنها المسلمين السنة، الا انه اضطهد عشائر علوية أيضاً واستوطن عدداً من قيادييها في سجونه. وهو ما عرفه العراق أيضاً في عهد رئيسه السابق صدام حسين. فقد اضطهد مواطنيه الشيعة، واضطهد في الوقت ذاته مواطنيه السنة من الأكراد خصوصاً. وما ارتكبته قواته في حلبجة من مجازر استخدم فيها السلاح الكيماوي يفوق في هوله ما ارتكبته هذه القوات في النجف الأشرف والبصرة وسواها من المدن الشيعية التي رفعت في وجهه العصيان المدني. مع ذلك فان الجيش العراقي الذي حارب ايران في عام 1980 كان يتألف في أكثريته من عناصر وقيادات شيعية.

لقد ادى اقصاء السنة الطائفة الأكبر في سوريا- عن السلطة الى رد فعل تمثل في الثورة التي انفجرت من حادث عادي في درعا كان يمكن احتواؤه بسهولة لو توفر حد أدنى من الحكمة والعقلانية. وادى اقصاء السنة الطائفة الموازية للشيعة في العراق- عن السلطة الى رد فعل تمثل في حركات التمرد والعصيان التي تشهدها مناطق متعددة من العراق. ولكن أوضاع هذه المناطق السنية تنموياً واجتماعياً، ليست أسوأ حالاً من المناطق الشيعية التي تعاني من الحرمان نتيجة الفساد والهدر وسوء الادارة.

في قوانين الطبيعة ان لكل فعل رد فعل. والعلاقات بين الجماعات وخاصة داخل الدولة الواحدة- هي جزء من هذه الطبيعة.

عرف التاريخ حكاماً كثيرين حاولوا لي ذراع هذه الطبيعة فما نجحوا. وعرف كثيرين أيضاً حاولوا صنع طبيعته على قياس طموحاتهم فانقلبت وبالاً عليهم وعلى أوطانهم. وما أكثر الأمثلة الحية !!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواقفهم هذه... أهي من الثورة السورية أو من مشروع الحرية والديمقراطية في سورية ؟! أيها السوريون .. لو خرجتم من جلودكم !!

31.10.2013

زهير سالم

حتى لا يستمر السوريون في جلد أنفسهم ، وفي إلقاء اللائمة بعضهم على بعض ؛ نحتاج إلى إعادة قراءة المشهد الوطني والإقليمي والدولي على ضوء معطيات الواقع بعد تجارب ودروس عمليّة عمرها قريبا من  ألف يوم .

قوى وطنية ( نسبة إلى الداخل الوطني فقط ) وإقليمية ودولية تفننت منذ الأيام الأولى للثورة في تقديم المطالب، وإبداء التخوفات ، والمطالبة بالتطمينات ، واشتراط التمثيليات ؛ ثم كان بعد أن أجيبوا إلى كل شيء  ألا يتغير شيء ، وأن لا يُقبل من الثورة السورية وثوارها ومعارضتها  صرف ولا عدل ...

وكما سبقت بثينة شعبان منذ الأسبوع الأول للثورة إلى اتهام المطالبين بالإصلاح في درعا بأنهم ( مندسون ) و( سلفيون ) و( مسلحون ) ؛ عزف آخرون ممن ادعوا أنهم معارضون وطنيون أو مساندون إقليميون أو أصدقاء دوليون المعزوفة نفسها . وتقدموا باعتراضات واشتراطات لم  تنته ولن تنتهي ،  وباتهامات لا أصل لها عن استيلاء فصيل ما على الهيئات المعارضة ، وباعتراضات على من يحمل العبء على الأرض بالتطرف والأصولية ثم بالإرهاب والعلاقة بتنظيم القاعدة ..

تذكروا – أيها السوريون – أنهم قبل السماع بالنصرة أولا وبداعش ثانيا كانوا قد اعترضوا على خروج المظاهرات السلمية من المساجد ، واحتجوا على أسماء الجمع التي تذكر ( الله ) . وتساءلوا بريبة لماذا يوم الجمعة وما هي دلالته الأصولية ؟!  ثم توقفوا عند أسماء الكتائب والألوية ولماذا أبو عبيدة ولماذا خالد ؟! ..

مؤيدون وداعمون وأصدقاء اخترعوا في كل مرحلة من مراحل الثورة ذرائعهم الاتهامية للتشكيك في الثورة والثوار حتى أصبحنا في علاقتنا معهم وكأننا تاجر الجاحظ البغدادي أمام صديقه المروزي ، يوم خلع البغدادي عمامته ثم قفطانه ليتعرف عليه صديقه المروزي البخيل الذي أنكره ؛ فما كان من المروزي إلا أن أجابه : لو خرجت من جلدك لم أعرفك ..

أيها السوريون لو خرجتم من جلودكم لن يعرفكم هؤلاء ...

هؤلاء الذين يشاركون بشار الأسد ويشاركونكم المقاعد ، يقطفون ثمار امتيازات الأمس ولن يتنازلوا عن أمسهم إلا بضمان أكثر منها في امتيازات غد ينتظرون أن يحقق لهم أكثر منها ..

أيها السوريون لو خرجتم من جلودكم لن يدعمكم هؤلاء ...

الذين ما زالوا يرون مشروع ثورتكم حلما مزعجا يروح ويجيء على وسائد نومهم . في الجمهوريات الوراثية العربية ، وفي إصرار لابس البدلة العسكرية أو وارثها وإن لم يقاتل ، وفي إصرار طبقة ( العلق ) بممصاتها الشرهة كما نراها في أكثر من قطر بعضها من أقطار الربيع العربي كلها تخبركم أنهم قد تعلموا الدرس ، وأنهم يتصورون بعد التجربة أن قطع الطريق عليكم أفضل من الردة عنه ....

أيها السوريون لو خرجتم من جلودكم لن يغامروا مرة أخرى بتمرير مشروع ديمقراطيتكم ..

لا يقبل بهذا لا أمريكي ولا روسي لا أوربي ولا إيراني ؛ إنهم لا يعترضون على ثورتكم وإنما يعترضون عليكم أنتم ، يعترضون على إنسانيتكم ، وعلى مشروع تحرركم  وديمقراطيتكم وعدلكم ..

توقفوا عن التلاوم فوالله لو خرجتم من جلودكم ما قبلوا منكم ولا رضوا عنكم . وتمسكوا أكثر بمشروع تحرركم وعدلكم وإخائكم ..

لندن : 26 / ذو الحجة / 1434

31 / 10 /  2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

.. والدور على رستم غزالي!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 28/10/2013

اللواء أنور كامل جامع (واسم السجع الأشهر: جامع جامع)، قُتل مؤخراً في مدينة دير الزور، حيث كان يتولى رئاسة فرع المخابرات العسكرية هناك، ويشرف على الطرائق الأقذر والأشدّ همجية في قمع الانتفاضة؛ فضلاً عن سلسلة من المهامّ غير المعلَنة، بينها تفتيت وحدة الصفّ الوطني المعارض في صفوف العشائر والأكراد. مراسم تشييع جامع حضرها اللواء عصام زهر الدين، قائد اللواء 105؛ المسؤول عن مجازر بابا عمرو، صاحب الشاربين المعقوفين، وحامل اللقب الذي اختارته له مواقع التواصل الاجتماعي: غرندايزر! زين الدين هذا ودّع زميله في خدمة النظام، بالعبارة التالية: ‘وحياة ترابك الغالي لأمحي دير الزور وإزرعها بطاطا’؛ هكذا، دون أن يرفّ له جفن أو يرتدع لسان، وليس دون تزامن لفظي ودلالي اقترن بجيش النظام طيلة عقود، بين البوط والبطاطا!

وفي مطلع الانتفاضة السورية كان النظام، ممثلاً في بشار الأسد وشقيقه ماهر، قد اعتبر زهر الدين موضوع صفقة يمكن إبرامها، حتى من طرف واحد، مع أبناء السويداء وجبل العرب عموماً؛ فنُقل صاحبنا من قائد كتيبة، متواضع مغمور وراضٍ قنوع، إلى قائد لواء في الحرس الجمهوري. وكان طبيعياً، بعدئذ، أن يُرسل إلى المواقع الأكثر سخونة في حرب النظام ضدّ الشعب، فمرّ بمجازر دير الزور والتلّ ودرعا وحلب، قبل أن تستقرّ شهرته في أفانين البطش بمدينة حمص.

أمّا جامع، فإنّ ولاءه المطلق للنظام، وتاريخه الحافل بأصناف المخازي كافة، خاصة في لبنان طيلة ربع قرن، ثمّ في سورية بعد سنة 2005، حين كان ضمن لائحة الضباط السوريين المتهمين بالتورّط في اغتيال رفيق الحريري؛ فإنه كان من ‘عظام الرقبة’ كما في التعبير الشعبي الشائع، وتحصيل حاصل لا يستوجب صفقة مع أحد. لهذا، أسوة برفيقه في سلاح الاستبداد، رُفّع إلى رتبة لواء، تقديراً للخدمات (الدموية، الوحشية، البربرية…) التي أسداها للنظام في دير الزور، دون المرور بالحدّ الأدنى من فترة الخدمة الضرورية؛ وبعد مقتله كان طبيعياً أن يرُفّع أعلى فأعلى: إلى رتبة عماد شرف.

أمثال زهر الدين وجامع يمثّلون نمطاً من ضباط النظام، ممّن يحتلون الصفّ الثاني في سلّم المسؤوليات العسكرية والأمنية؛ لكنّ مقادير ولاءهم المطلق للنظام، وطاعتهم العمياء في تنفيذ سياساته وأوامره، تتفوّق غالباً على ضبّاط الصفّ الأوّل (أمثال ذو الهمة شاليش، حافظ مخلوف، جميل حسن، علي مملوك…). وكان السوريون قد تعرّفوا على نموذج ثالث خاصّ من هؤلاء، هو العقيد علي نظير خزام، ابن بلدة القرداحة، ضابط المهامّ الخاصة في الحرس الجمهوري، وأحد مساعدي ماهر الأسد المقرّبين.

وهذا رجل امتزجت في نفسه هستيريا الولاء لنظام آل الأسد، بحميّة الدفاع عن ‘مولانا أمير النحل’ و’خالق الكرة الأرضية’! وقبل مقتله، في دير الزور أيضاً كما رجحت معظم التقارير، انتشر على الـ’يوتيوب’ شريط يلتقطه في أحد أعراس قرى الساحل، مخاطباً الناس هكذا: ‘وحقّ أمير المؤمنين أنتم تقاتلون منذ 1400 سنة’؛ معيداً معركة النظام ضدّ الشعب، إلى قتال الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، ونزاع الشيعة والسنّة، ليس دون إدراج الخوارج أيضاً!

غير أنّ ولاء ضباط هذا الصفّ الثاني ليس عاصماً لأيّ منهم، بصرف النظر عن رتبته العسكرية أو موقعه الميداني أو حتى أصوله الدينية أو الطائفية أو الإثنية، من جولات التصفية الناجمة عن خلافات هنا أو هناك، حول اقتسام المغانم أو المسّ بالتوازنات أو التطلّع إلى موقع الصفّ الأوّل أو نكث العهود؛ أو، في سياقات ليست أقلّ أهمية، حين يصبح وجود الضابط، رغم أنه مطيع موالٍ قانع مدافع، خطراً على هذه أو تلك من معادلات منجاة النظام. فإذا صحّ أنّ أكثر من جهة معارضة مسلحة نسبت إلى نفسها واقعة استهداف اللواء جامع جامع، بما في ذلك ‘جبهة النصرة’ و’داعش’ ومقاتلي قرية ‘البوليل’ الديرية؛ فإنه يصحّ استطراداً افتراض تورّط النظام ذاته في تصفية ضابط كان أميناً على كثير من أسرار ‘الحركة التصحيحية’ في لبنان، وفي رأسها ملفات الصراع بين ‘أمل’ و’حزب الله’ خلال الثمانينيات، وخفايا اغتيال الحريري.

وهذا تفصيل يعيدنا إلى اللواء غازي كنعان، الذي نُحر أو انتحر أو انتُحر في مثل هذه الأيام سنة 2005، وكان تغييبه تطوّراً استثنائياً في النهج الذي اختطه حافظ الأسد لرجالاته المخلصين، ونقلة طارئة على معمار الآلة الأمنية وتوازناتها الداخلية، وعلى محاصصات القوّة إجمالاً. وجامع جامع ليس غازي كنعان، بالطبع، ولا السياقات التاريخية لمقتل الأوّل ذات صلة تفسيرية بتغييب الثاني؛ بيد أنّ الاثنين انتميا، وإنْ في مرحلة تاريخية سابقة، إلى تلك الحلقة التي تنتقل تداعياتها من الماضي إلى الحاضر والمستقبل القريب، وتستوجب ‘تعزيل’ البيت داخلياً، بيد أصحابه أنفسهم، لا بيد زيد أو عمرو في جنيف ـ 2، أو في طهران أو موسكو أو واشنطن.

اتكاءً على منطق كهذا، إذا صحّ كلّه أو بعضه، فإنّ الدور التالي في ‘التعزيل’ قد يشمل نماذج رستم غزالي؛ وإنْ جاز الترجيح بأنّ الأخير لا يستحقّ التصفية، إذْ أنّ وضعه على الرفّ أيسر من نفخ ريشة غراب!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدولة الوطنية والدول الأخرى

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 27/10/2013

في مناقشاتهم حول مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي، يتسم الكثير مما ينشره الكتاب العرب بالسلبية، جزئياً أو كلياً. ولا شكّ أنهم تأثروا بالظروف الراهنة أو ظروف العقد الماضي بشكل عام. وهي ظروف وانطباعات طرحت وتطرح ثلاثة تحديات: التحول الذي طرأ على الدولة الوطنية العربية الناشئة حيث سادها العسكريون الذين أنتجوا أنظمةً ديكتاتوريةً حقّقت بعض الاستقرار، لكنها اعتمدت القمع في السياسات الداخلية، والتلاؤم والاستتباع على مستوى الإقليم والعالم. والتحدي الثاني تحدّي الإسلامَين الجهادي والسياسي وأصلُهُما واحد. وهو تحد يضع الدين في مواجهة القومية، وفي مواجهة الفئات الاجتماعية، ويتظاهر بالتصالح مع العالم (وليس مع الداخل) من أجل الوصول للسلطة والاستقرار فيها. والتحدي الثالث الاستنزاف الإقليمي والدولي، فقد غاب العرب لزمن طويل عن المسرح، بحيث اعتبر الإقليميون (الإيرانيون والأتراك والإسرائيليون) أن هناك فراغاً لابد من ملئه، فاندفعوا لإقامة مناطق نفوذ، وللتلاؤم مع الولايات المتحدة والأوروبيين أو مع الروس والصينيين أو مع سائر الأطراف. ولذلك فإنّ الناس والشبان الذين خضعوا طويلا، سارعوا أو اندفعوا في حركات مدنية زاخرة لإقامة أنظمة بديلة، فواجهتهم العناصر والعوامل سالفة الذكر. واجهتهم الجيوش أو بقاياها التي كانت الديكتاتوريات تحتضنها وتحكم من خلالها. وواجههم الإيرانيون والأتراك والإسرائيليون. وواجههم الأميركيون والروس. وواجههم منذ البداية الإسلاميون الجهاديون والحزبيون. وبالتالي فإنه ما من بلد عربي قامت فيه ثورة إلا وهو يواجه إحدى هذه المشكلات أو كلها مجتمعة.

وبدلا من البحث في أسباب الفشل أو الإعاقات؛ فإن كثيرين من المثقفين الذين تظاهروا بدعم الحركات المدنية في البداية، عادوا فقالوا إنهم ضدها لأن الديمقراطية ثقافة، والعرب لم تصبح الديمقراطية جزءاً من ثقافتهم، لذلك فهم لم يعودوا مع الثورات لأنهم ضد الإسلام السياسي، وضد التدخل الدولي والإقليمي. وصرَّح بعضهم بتفضيل بقاء هذا النظام العسكري أو ذاك وبخاصة نظام الأسد!

لقد واجهت الدولة الوطنية انتكاسةً كبيرةً منذ سبعينيات القرن الماضي. وما كانت للجهاديين ولا للحزبيين الإسلاميين علاقة بذلك، بل كان سبب الانتكاسة عجز العسكريين والحزبيين القائمين على الأنظمة الوطنية عن النهوض بالداخل، وعن تحقيق الأهداف التي طمحوا إليها، وانهماكهم في حروب ونزاعات فيما بينهم، وانضواءهم بالتدريج تحت راية الولايات المتحدة. والأسـوأ من ذلك أن قمعهم انصبَّ على الداخل فقسّموه وشرذموه وحوَّلوه إلـى إثنيات ومذهبـيات، وحكموا بتحـالُفات بين الأقليات. وبذلك فقد صار الداخل -من وجهة نظرهم على الأقل- هو الخصم الحاضر لهم، وصارت مُعاداته أَولويةً لديهم. ونتيجةً لذلك انفتح خياران: الخيار الوطني الديمقراطي، والخيار الأصولي الإسلامي (بشقّيه الجهادي والحزبي). وما كانت لدى القوميين الديمقراطيين أية همةٍ أو وعيٍ واسع. فقد اعتبر كثيرون منهم أن الأنظمة القائمة هي أنظمة وطنية وقومية وتقدمية، والمطلوب وحسْب أن تتدمقرط (كما يقال) ولا شيء أكثر. أما كيف تمضي أنظمة الأقليات العسكرية والأمنية باتجاه الحل الديمقراطي، فهو الأمر الذي ما فكر فيه هؤلاء كثيراً. بل إن وعي بعضٍ من مُستنيريهم اندفع مرةً واحدةً باتجاه الإسلاميين، وأرادوا إجراء مُصالحة معهم لتشكيل ما سمَّوه بالكتلة التاريخية للنهوض والتي تضم القوميين والإسلاميين الذين توافقوا على شكل المستقبل. وبذلك فإن هؤلاء الذين كانوا مستتبعين للأنظمة، ذهبوا باتجاه الاستتباع أو الندية مع الإسلاميين (الإخوان). وقد تظاهر بعض المشاركين في الحوارات من الإسلاميين بالموافقة على هذه الكتلة، إنما شأنهم في ذلك شأن العسكريين الحاكمين، ما كانوا يرضون أن يتنازلوا عن شيء من سلطاتهم وممارساتهم.

وبالطبع ما كان الجهاديون ممكني الاستعادة. فهؤلاء مضوا باتجاهات التكفير والقتال، وحوَّلوا الإسلام إلى مشكلة عالمية. أما الحزبيون منهم فقد كانت لدى بعضهم ميول للملاءمة من أجل أن يصبحوا صالحين لتولّي السلطة. فالأنظمة العسكرية الفاسدة فقدت شعبيتها لأسباب كثيرة. ومن الطبيعي أن لا تكون للقوميين التائبين أو الفاشلين شعبية أيضاً، ولا لأُولئك العنيفين، لأن شعوبنا تكره العنف من أي جهة أتى. ولذلك فقد كانت هذه الخيارات السيئة الواردة من كلّ جهة تمضي باتجاه الإسلاميين الحزبيين الكامنين والذين يقطفون الثمرات التي خلّفها الجميعُ وراءهم. وقد زاد الطين بلّة اضطرارُ الأمنيين والعسكريين للمجاملة في مسائل الانتخابات المحدودة والمزوَّرة. وما منع ذلك «الإخوان» من المشاركة فيها على سبيل التحدي والتلاؤم وإظهار حُسن النية أيضاً. ولأنّ الاطمئنان خالط العسكريين والأمنيين الخالدين في السلطة، فما كان عندهم مانع أن يعطوا الإسلاميين المتظاهرين بالتلاؤم بعض الفُتات هنا وهناك. فقد كان كُلٌّ منهم يحتال على الآخر، وكان القوميون القُدامى يقومون بالوساطة لخدمة العسكريين أولا وخدمة أنفُسهم ثانياً.

وخلال تبادل تلك السِلَع الوهمية، كانت الحرب الباردة قد انتهت، واتجه الأميركيون للهيمنة الأحادية، فسارعت سائر الأنظمة للانضواء تحت جناحهم، وتلقّت وظائف جديدةً (قمع الإسلاميين، وإرضاء القوميين والإسرائيليين) أو تجددت وظائفها القديمة في تسكين الداخل بالقوة، وحماية الأقليات، والمشاركة في الحرب على الإرهاب الإسلامي!

وسط الفراغ العربي القاحل بعد حروب صدّام حسين والقذافي وانتكاساتهما الفظيعة، تقدّمت تركيا وإسرائيل وإيران للعمل شركاء مضاربين عند نظام الهيمنة. وبالفعل فقد أسهمت إسرائيل سراً في عدة عمليات لصالح الولايات المتحدة وتمدد الأتراك بمعونة الأميركيين في آسيا الوسطى ومناطق أُخرى، بل ودخلوا مع الأميركيين إلى البوسنة وكوسوفو وأفغانستان. أما الإيرانيون فقد دخلوا مع الأميركيين وحلفائهم إلى غزوتي أفغانستان والعراق. فبدأ لأول وهلةٍ أن الأمر استقرّ لنظام الهيمنة وحلفائه الإقليميين. لكن فريقاً من الأفغان والعراقيين ثاروا على أميركا وإيران. وعندما تزايد الاستنزاف عليهم، قرورا الانسحاب من العراق ولاحقاً من أفغانستان، وأشركوا في الحالتين إيران، والتي تمدد نفوذها إلى لبنان بواسطة «حزب الله»، وتعاظم في سوريا أيام بشار الأسد. والطريف أنه وسط الودّ والتقاسُم فإنّ تركيا أرادت مشاركة إيران في سوريا، وقد أظهر الأسد ترحيباً، وما اعتبرت إيران ذلك مشكلة.

وحدثت الثورات العربية التي انطلقت في الأساس ضد أنظمة الفساد والاستبداد. وهكذا سارع الأميركيون إلى التبنّي، والإيرانيون والأتراك للتدخل لصالح «الإخوان» إنما خارج سوريا. وما فشلت حركات التغيير، فالأنظمة ذاهبةٌ جميعاً، إنما المشكلة عدم القدرة على اجتراح البدائل وسط استقطابات الأقليات والأميركيين والإيرانيين والإسلاميين.

ولنعُدْ إلى الأساس. أطلقت حركات التغيير نداء الديمقراطية والحكم الصالح. فالتفّ عليها الأميركيون والجيش وجاؤوا بـ«الإخوان» إلى السلطة، عن طريق قناة «الجزيرة» ومن دونها. وفشل الإسلاميون وسيفشلون بسبب سوء الممارسة، والتعامل المزدوج في مسألة الدولة والنظام.

لا بديل عن الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية العربية. فهذا الإطار الوطني القومي هو الذي ما يزال ماشياً ومدْعواً إليه. وأعتقد أنّ المطلوب بعد الإحياء القومي، هو الاستكمال الديمقراطي للمؤسَّسات، بحيث يستطيع الناس ممارسة سلطاتهم بثقةٍ واطمئنان. ما فشلت الدولة الوطنية، بل الذي فشل هم الإسلاميون الذين صوَّت لهم الناس ودعوهم للمشاركة في السلطة، لكنهم ما أرادوا إلا السلطة كلها!

انتكست الدولة الوطنية إذن في مرحلتها الثانية بعد استيلاء العسكريين عليها، وقد حاول الإسلاميون الحزبيون الاستيلاء ففشلوا في الفكرة والممارسة. ولا بديل عن الدولة الوطنية العربية اليومَ وغداً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا مكان في سوريا لفكر التطرف

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 27/10/2013

لا مكان في سوريا لفكر التطرفبغض النظر عن الهياكل والمُسميات، يجب أن يبقى فكرُ الغلو والتطرف مرفوضاً في سوريا على جميع المستويات، ويجب أن يُعلِن كل من يستطيع الإعلان عن رفضه لهذه الظاهرة في كل مكان. يسري هذا على الأفراد كما يسري على المؤسسات، ويسري على السوريين في الخارج كما يسري على كل من يستطيع منهم في الداخل.

وكلما كان الإنسان، أو المؤسسة، أقربَ للعمل العام، أصبح الإعلانُ المذكور أكثر وجوباً في حقهِ وحقها.

لامجال هنا للتذرع بشبهة تشتيت الأنظار عن المواجهة مع النظام، لأن صعود التطرف نفسَهُ بات أكبرَ ورقةٍ في يد هذا النظام إعلامياً وسياسياً واجتماعياً، يستعمُلها ضد الثورة وأهلها داخلياً وإقليمياً وعالمياً، وصار أكبر عائقٍ داخلي يخلق الكوابح والمطبات في كل مايتعلق بالثورة وأدواتها وحاضنتها.

لافُسحة أيضاً لخوفٍ زائف بأن رفض الغلو يأتي استجابة لرغبات الغرب أو أمريكا أو أي طرفٍ من الأطراف. فبعض هذه الأطراف يطربُ أصلاً لوجود الغلو ويعتبره عنصراً رئيساً في تبرير الاستقالة السياسية والأخلاقية للنظام الدولي من (الهم) السوري. والمتضررُ الأولُ والأكبرُ من كل ماله علاقة بالتطرف والغلو هو سوريا وثورتها، وإسلامُها الأصيل.

ماهذا الذي يجري في بعض أرجاء سوريا؟

أيﱡ دينٍ هذا الذي أصبح مُختزلاً في التحريم والمنع والإجبار وملاحقة الناس وضمائرهم ومصادرة حقوقهم؟

ماعلاقة سوريا والإسلام بواقعٍ أصبح فيه الإسهامُ في التحريم، والإبداعُ في الضبط، والتفننُ في المنع، وظيفةً وإنجازاً وطريقاً لتحقيق أهداف الثورة؟!

لماذا حميت المنافسة، واحتدم السباق في هذه القضايا، حتى صار هناك ملكيون أكثر من الملك. ولم يعد التحريم في الدين موقوفاً على عالم دين، بل شارك فيه كل من حفظَ آيةً وحديثين وأطلق لحيةً طويلة؟

كيف خرجت مفاهيم وأدوات الضبط الاجتماعي والثقافي والأخلاقي والأدبي والفني من دائرة أهل العلم والاختصاص،وتجاوزتهم إلى كل من هبَّ ودبَّ؟

من الذي أباح لنفسه توسيع دوائر المحرﱠمات والمُقدﱠسات حتى باتت هي الأصلَ في الدين وصارت محورَ تنزيله على حياة الناس وواقعهم؟

نسي البعض أن كتاب عقيدتهم يُوصف عندما يُذكر بالـ (كريم) وليس بالمُقدّس. وأن نبيهم أيضاً يُوصف عندما يُذكر بالـ (كريم) وليس بالمقدﱠس. لم ينتبهوا إلى دلالات الفرق المعرفي والفلسفي العميق بين استخدام وصف (المقدس) للإشارة إلى الكتب والأنبياء في اللغات الأخرى، وعدم استخدامه في اللغة العربية.

غفلوا أن ذلك الكتاب لايدعو الناس إلى (تقديسه)، وإنما يدعو بدلاً من ذلك إلى النظر والتفكر والتدبر والسعي والعمل والرحمة. تجاوزوا حقيقة أن الكعبة (مُشرّفة) وليست (مقدّسة).

قفزوا فوق المعاني الكامنة وراء عدم إمكانية استخدام تصريف (القدُّوس) إلا للإشارة إلى الخالق.

لم يدركوا الإشارات الكامنة وراء الحرص الشديد على تجنّب التقديس للأشخاص وللأماكن وللمظاهر في النص الصحيح نظرياً، وفي العصر النقي الأول عملياً.

امتلأ قاموس الحياة في بعض مناطق سوريا بالمحرمات حُكماً وعُرفاً. ووصلنا إلى درجة تشبه ماقصده الشاعر حين قال (حمارُ الزعيمِ زعيمُ الحمير). فبات الناس يخشون حتى من الحديث عن ذلك الحمار. ومابين تحريم الحديث عن الزعيم وتجريم الحديث عن حماره، تكاثرت مواضيعُ التحريم ومواضِعُهُ كالأرانب.

عَمَرَ قاموس الأخلاق والعادات الاجتماعية بجميع مصطلحات ومشتقات العيب والحرام.

تمّت محاصرة معاني الحرية. وجرى تضييق معاني الاستقلالية والاختيار الشخصي. حتى بات مطلوباً من الإنسان السوري ألا يختلف عن الآلة سوى في قدرته على الطعام والشراب والإنجاب.

توقف الإبداع في مجالات الفكر والثقافة والأدب والفن، حتى لو كان لخدمة الثورة!

صار سهلاً وصفُ كل إبداع بأنه ابتداع. واتهامُ كل تجديد بأنه طعنٌ للأصالة. و أيﱢ خروجٍ على المألوف بأنه منكرٌ وخطيئة. وكل رأي آخر بأنه مخالفٌ للإجماع.

لايُدرك من يمارس هذه الطريقة في فهم الإسلام وتنزيله بأن توسيع دائرة المحرﱠمات بشكل سرطاني هو الوصفة المثالية لقتل عقلية الوقوف عند الحدود بشكلٍ نهائي، وهي عقليةٌ ضرورية، بتوازناتها، لاستمرار الحياة نفسها.

لايعرف هؤلاء أن جهلهم بالموضوع ليس عذراً مقبولاً على طريق صناعة مستقبل الجماعات البشرية. وأن الضغط يولد الانفجار، وأن كل ممنوعٍ يُصبح مرغوباً. وأن من المستحيل عزل السوريين ومحاصرتهم في القرن الحادي والعشرين الميلادي في أقفاصَ زجاجية مُحصنة، ولو كانت تتسمى بأسماء دولٍ وإمارات إسلامية.

ينسى هؤلاء أنهم يعيشون في عصرٍ عاصف، ولايعرفون شيئاً عن حيوية الإنسان بشكلٍ عام، وفي هذا الزمن تحديداً.

لايفهمون طلاقة الحياة البشرية، حيث يمكن أن تتشكل دوماً ظروف تدفع المجتمعات للانتقال من النقيض إلى النقيض. ويُمكن لممارسات الضبط والمنع والتحريم والتقليد والإجبار على (نمطٍ) معين في التفكير والحياة أن تجعل (التغيير) في حد ذاته هدفاً، وأن يريد أولئك (المُجبَرون)تجربة كل شيءٍ كان محرﱠماً عليهم، بأي طريقةٍ وبأي ثمن.

الأهمﱡ من هذا كله، ينسى البعض في غمرة انغماسهم بنشوة حمل رشاش أو ركوب عربة (بي كي سي) أن السوريين ثاروا على أعتى نظامٍ في العالم إن لم يكن في تاريخ الإنسانية، وأن ثورتهم كانت أولاً وقبل كل شيء بحثاً عن الحرية والكرامة. وأن هؤلاء قد يصبرون على ممارساتهم بُرهةً من عمر الزمان لأسباب متفرقة، لكنهم لن يقبلوا في نهاية المطاف بأن يعيشوا دون حريةٍ وكرامة، وسينقلبون بكل طريقةٍ،قد لاتخطر ببال أحد،على مثل ذلك الواقع، حتى لو تمت تغطيته بأسماء وشعارات إسلامية، والإسلامُ منها براء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسارات خطرة للتدخل في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 27/10/2013

مما لا شك فيه أن الأزمة في سوريا بدأت أزمة داخلية، كان أساسها ثورة السوريين ضد نظامهم الاستبدادي بعد أن صادر حقوق السوريين واستعبدهم، ورسم ملامح حياتهم ومستقبلهم وفق مصالحه، التي لا تمثل في الأساس سوى مصلحة أقلية، اتخذت لها ملامح عائلية وطائفية ومناطقية، وطبقية، بل إن النظام استطاع دمج كل تلك الاعتبارات في بنية واحدة، ولدت هذا الشكل من النظام الأمني العسكري الذي لم يتأخر في كل تاريخه عن الانخراط في عنف شامل ضد السوريين، حيث تطلب الأمر ذلك قبل أن يبلغ هذا العنف حده الوحشي على نحو ما يظهر اليوم.

لقد واجه المحيط الإقليمي الأزمة السورية باعتبارها صراعا بين السوريين ونظامهم بقليل من الاهتمام وكثير من الحذر، والسبب الرئيس في ذلك عاملان؛ أولهما حذر المحيط الإقليمي من رد فعل النظام في حال اتخاذ موقف مؤيد للحركة الشعبية ومطالبها في التغيير، وقد اعتادت الدول المحيطة على سياسة انتقامية يطبقها النظام ضد أي دولة، تعارض سياسته أو تؤيد تحركات معارضيه من خلال فتح ملفات جاهزة وتدخلات أمنية وسياسية ذات طبيعة انتقامية. والأمر الثاني، رغبة الدول المحيطة في الابتعاد عن صراعات دول الجوار، والانتباه إلى مشكلاتها الداخلية، ومعظم الدول المجاورة لسوريا والقريبة منها لديها مشكلات سياسية واقتصادية وأمنية، تدفعها للابتعاد عن التدخل في شؤون بلد لا تأمن نتائج تدخلها فيه.

لقد بدت السياسة الإقليمية حيال الأزمة السورية في الأشهر الأولى من الثورة هادئة وحذرة كما ظهر الموقفان العراقي والأردني، وبعضها طرح مبادرات وعلاجات للازمة على نحو ما حاولت تركيا، في حين اتخذ لبنان موقفه الشهير «النأي بالنفس عن الأزمة»، بل إن دولة حليفة للنظام السوري مثل إيران، سعت للظهور بموقف المحايد من الأزمة السورية.

غير أنه وإزاء دخول الصراع بوابة الصراع العسكري مع إصرار النظام على الحل الأمني – العسكري، أخذت مواقف الدول المحيطة والقريبة من سوريا تتغير وتتبدل، وكان الأبرز في هذا التبدل وقوف إيران بكل قوتها إلى جانب النظام، وزادت على ما سبق تقديم دعم سياسي واقتصادي، وتجاوزتهما إلى دعم عسكري، شمل في البداية معونات عسكرية وخبراء، قبل أن تضغط على تنظيمات موالية لدعم النظام بالمقاتلين على نحو ما فعل حزب الله اللبناني، ثم ميليشيات أبو الفضل العباس العراقية، اللذان يشاركان في الحرب على السوريين، ولا سيما في حمص وريف دمشق.

وتوازى مع توسع التدخل الإيراني في الأزمة السورية، اتخاذ تركيا موقفا هو الأقوى إقليميا في معارضة سياسة النظام السوري، وكانت مؤشراته تقديم دعم سياسي ولوجيستي للمعارضة، وجعل تركيا مقرا رئيسا للمعارضة وبوابة عبور رئيسة للأسلحة والذخائر إلى الداخل السوري، إضافة إلى تحملها عبء مرور وإقامة أكثر من مليون سوري أغلبهم في مخيمات ترعاها الحكومة التركية وسط قلة من المساعدات الدولية.

ولم يكن التبدل في تدخلات الجوار في الأزمة السورية مقتصرا على الإيرانيين والأتراك، إنما شمل دولا أخرى، وإن كان بأشكال مختلفة على نحو ما طرأ على الموقفين اللبناني والعراقي؛ فالأول رغم الإبقاء على شعار «النأي بالنفس» ناصر بالمحصلة سياسة النظام في دمشق في المستويين العربي والدولي من خلال الامتناع عن اتخاذ موقف يدين تلك السياسة، بل هو ناصرها أحيانا بصورة مباشرة، وذهب إلى الأبعد في عدم ممانعة التدخل العسكري لحزب الله في سوريا، وهو شريك رئيس في الحكومة والبرلمان اللبناني، كما رسمت السلطات اللبنانية سياسة أمنية تناهض المعارضة وتتعاون مع السلطات السورية في مجالات عدة بما فيها اعتقال وتسليم معارضين للنظام.

واتخذ التبدل العراقي شكلا مختلفا، يكرس سياسة الدولة العميقة، التي تمثلها سلطة المالكي. ففي الظاهر ظلت ادعاءات الحياد معلنة، أما في الباطن فقد قدمت السلطات العراقية دعما مميزا للنظام السوري وسياسته في مواجهة الثورة، شمل تقديم مساعدات مالية ونفطية كبيرة، وتسهيلات لتنظيم ومرور الميليشيات العراقية وأسلحتها إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام وتأمين خطوط إمدادها، وترافق هذا الخط من السياسة العراقية مع خط حصار أي نشاط يدعم المعارضة السورية في العراق، ودفع وحدات من الجيش العراقي إلى الحدود لمنع المرور عبرها في الاتجاهين، وإغلاق الحدود العراقية بوجه الهاربين السوريين من عنف النظام وإرهابه. وتشير معلومات محصورة التداول إلى خط ثالث في السياسة العراقية وهو نشاط استخباري يخدم سياسات النظام السوري ونظريته في قول إن المعارضة السورية جماعات إرهابية أصولية ترتبط بـ«القاعدة»، وفي هذا السياق يمكن رؤية عملية تهريب مئات من قيادات وكوادر تنظيم القاعدة من سجن أبو غريب الصيف الماضي، وفتح باب تمرير أسلحة وذخائر وأموال عراقية إلى تنظيمات ترتبط بـ«القاعدة» في إطار عمل استخباري، تقول المعلومات، إنه يجري بالتنسيق مع أجهزة تابعة للنظامين السوري والإيراني.

والتدخلات في الأزمة السورية وغيرها، إنما تقوم أساسا على مبدأ الحفاظ على مصالح القوى المتدخلة، وتعزيز حضورها وتأثيرها لدى أطراف الأزمة وفي البيئة العامة، غير أن هذه القاعدة تطورت في واقع الأزمة وتداعياتها، بحيث صار للتدخلات أهداف تتجاوز الواقع السوري إلى محيطه الإقليمي والدولي، وعلى سبيل المثال، فإن تدخل إيران وأنصارها في الأزمة السورية تعدى مجال حفاظها على النظام إلى استخدام الأزمة السورية ورقة في الملف النووي الإيراني، وهو ملف له أبعاد إقليمية ودولية، وفي مثال آخر، فقد صار للتدخل التركي في الأزمة السورية أبعاد تركية داخلية وإقليمية ودولية، منها أن تركيا معنية بالأزمة السورية في ثلاثة أمور داخلية؛ أولها مواجهة التطرف الديني الذي يمثله نمو نفوذ «القاعدة» من دولة العراق والشام وجبهة النصرة، والثانية عودة تطرف حزب العمال الكردستاني (P.K.K) وأنصاره السوريين من «P.Y.D»، والثالث مواجهة التمايز الذي يمثله موقف بعض العلويين الأتراك في تقاربهم مع سياسات النظام في الأزمة السورية، وبالتأكيد فإن لهذه الأمور الداخلية تأثيرات إقليمية ودولية في السياسة التركية.

إن التدخلات الإقليمية في الأزمة السورية وتطوراتها، أدت وتؤدي إلى تعقيدات في الأزمة، الأمر الذي يتطلب السعي نحو ثلاث خطوات إقليمية ودولية، أولها تأكيد الطبيعة الداخلية للأزمة في سوريا باعتبارها أزمة بين النظام والشعب، وأنها ينبغي علاجها على هذا الأساس، والثانية وقف التدخلات الإقليمية أو الحد منها على الأقل، والثالثة السعي لحل الأزمة في سوريا سلميا وبصورة عاجلة، وما لم يحدث ذلك فإن الأمور تتجه نحو استمرار الأزمة وتشعبها، مما يجعل شعوب المنطقة، وخصوصا السوريين، تتحمل مزيدا من الأعباء وفواتير الدم والدمار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدولة العبيدية (الحلقة الأولى)

نشأة وسلوك

محمد فاروق الإمام

لابد بداية عن الحديث عن بذور هذه الدعوة وأصل دعاتها، والأرض التي نمت فيها، وعوامل هذا النماء الذي روى شجرتها حتى اشتد جذعها ونمت أغصانها، لتصبح دولة قوية بسطت نفوذها - فيما بعد - على بلاد واسعة من بلاد المسلمين، لتغير اسمها من (الدولة العبيدية) في المغرب إلى (الدولة الفاطمية) بعد تمكنّها من دخول مصر.

لقد لاقى فقهاء المغرب وإفريقية أيام نشوء الدولة العبيدية وبسط نفوذها على المغرب العربي على يد ملوكها وحكامها وقضاتها من المظالم الشيء الكثير، وتعرضوا إلى محن تقشعر لها الأبدان، وصلت في بعضها حد القتل والصلب وتقطيع الأوصال والتشهير، ولكن هؤلاء الفقهاء رغم كل هذه الإحن لم تلن لهم قناة في مجابهة هذه الدولة الغاشمة التي شقت عصا المسلمين، والتصدي لدعوتها الباطلة التي استطالت على القرآن والسنة، وحرَّفت تعاليم الإسلام وأبطلت أركانها، وطعنت بالصحابة الكرام، وفي مقدمتهم الشيخين أبي بكر الصديق والفاروق عمر بن الخطاب وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم.

عوامل نماء هذه الدعوة

لقد كانت أرض العراق وفارس أرضاً خصبة لقيام الدعوات الباطلة المنحرفة، ذلك لأن هذه البلاد كانت مرتع الديانات المجوسية قبل الإسلام، وكان كثير ممن دخل الإسلام من المجوس دخلوه تقية، إما خوفاً أو إحجاماً عن دفع الجزية. وتوالد هؤلاء مع السنين وعاشوا بين أظهر المسلمين والعرب، يتكلمون لغتهم ويدينون بدينهم، ويخططون بالخفاء لتدمير هذا الدين الذي سلب - باعتقاد هؤلاء - العز والجاه والأرض والمال والملك، واستغل هؤلاء ما تعرض له آل بيت رسول الله صلى الله عيه سلم من ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنهم من ضيم على يد الأمويين، ومن ثم على يد العباسيين أبناء عمومتهم. ومن هنا بدأت تنشط الدعوات لآل البيت على أنهم الأحق بالخلافة وإمامة المسلمين. ومن جملة هذه الدعوات (الدعوة العبيدية).

لقد لجأ العبيديون إلى نشر دعوتهم في الخفاء، وفي بلاد بعيدة عن مركز الدولة العباسية في بغداد، ليدرؤوا عن أنفسهم الفضيحة والانكشاف الذي سيؤدي بهم إلى حتفهم كما حصل لغيرهم من الدعاة، وخاصة وأن العباسيين قد قامت دولتهم على دعوة سرية ولهم تجربة غنية في هذا المضمار، فاتخذ العبيديون مدينة "سلمية" من أعمال مدينة "حماة" ببلاد الشام "سورية حالياً" مكاناً لتجمع أتباعهم وشيعتهم لنشر هذه الدعوة بعيداً عن عيون العباسيين.

رأي المؤرخين في الدولة العبيدية

ومن المفيد أن نتتبع ما قاله المؤرخون في هذه الدعوة ودعاتها. حيث يقول الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم الصنهاجي في كتابه "الجمع والبيان في أخبار القيروان ومن كان فيها من سائر المغرب من الملوك والأعيان":

يقول ابن شداد:

أول من أظهر "الزندقة" في الإسلام أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان، صاحب كتاب "الميدان" في نصرة الزندقة، وأبو سعيد من أهل "رامهرمز" من كورة "الأهواز". وكان من "خرمية المجوس" فألقى هؤلاء إلى من اختصوا به أن لكل شيء من العبادات باطناً، وأن الله ما أوجب على أوليائه ومن عرف من الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا صوماً ولا حجاً، ولا حرَّم عليهم شيئاً من المحرمات، وأباح لهم نكاح الأمهات والأخوات.

وقال: إنما هذه العبادات عذاب على الأمة وأهل الظاهر، وهي ساقطة عن الخاصة، وإن آدم وجميع الأنبياء كذّابون محتالون طلاب رئاسة. ولما كان في أيام بني العباس اشتدت شوكتهم مع أبي الخطاب وأصحابه لانتحالهم التشيع لبني هاشم، وحماهم بنو العباس. فلما قامت البيّنة عليهم في الكوفة، وأن أبا الخطاب أسقط العبادات وحلل المحرمات، أخذه عيسى بن موسى الهاشمي مع سبعين من أصحابه فضرب أعناقهم.

وتفرق باقيهم في البلاد فصار منهم جماعة في نواحي خراسان والهند، وصار أبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان إلى بيت المقدس مع جماعة من أصحابه وأخذوا في تعليم الشعوذة والنارنجات ومعرفة الزرق "أعمال السحر والطلاسم" وصفة النجوم والكيمياء، وإظهار الزهد والورع. ونشأ لأبي شاكر ميمون ابن يقال له عبد الله القداح.

وقد وصف المؤرخ المقريزي في خططه "عبد الله القداح" فقال: إنه كان عالماً بجميع الشرائع والسنن والمذاهب، وأنه اعتنق مذهب الشيعة، لا للدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق أو ابنه "محمد"، بل كان ذلك لحيلة اتخذها ليجمع حوله أنصاراً، بمعنى أنه اتخذ هذه الدعوة وسيلة لتنفيذ أغراضه، وهي تكوين دولة فارسية.

ويعتبر عبد الله المؤسس الحقيقي لذلك "المذهب الإسماعيلي" الذي انتشر بين "القرامطة" وغيرهم فيما بعد.

أما النويري في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" فيقول عن عبد الله القداح: أنه كان من كبار الشعوبية، رجل يسمى محمد بن الحسن بن جهار نجار، الملقب دندان، وهو بنواحي الكرج وأصبهان، له حال واسعة وضياع عظيمة، وهو المتولي على تلك المواضع.

وكان يبغض العرب ويذمهم، ويجمع معايبهم. وكان كل من طمع في نواله تقرب إليه بذم العرب، فسمع به عبد الله بن ميمون القداح، وما ينتحله من بغض العرب وصنعة النجوم، فسار إليه. وكان عبد الله يتعاطى الطب وعلاج العين، ويقدح الماء النازل فيها، ويظهر أنه إنما يفعل ذلك حسبة "زلفى إلى الله" وتقرباً إلى الله عز وجل بنواحي أصفهان الجبل. فأحضره دندان، وفاتحه الحديث فوجده كما يحب ويهوى، وأظهر له عبد الله من مساوئ العرب والطعن عليهم أكثر مما عنده، فاشتد إعجابه به وقال له: مثلك لا ينبغي أن يطبب، وإن قدرك يرتفع ويجل عن ذلك، فقال: إنما جعلت ذلك ذريعة لما وراءه، ألقيه إلى الناس وإلى من أسكن إليه على مهل ورفق من الطعن على الإسلام. وأنا أشير عليك ألا تظهر ما في نفسك إلى العرب ومن يتعصب لهذا الدين، فإن هذا الدين قد غلب على الأديان كلها، فما يطيقه الروم ولا الترك ولا الفرس والهند مع بأسهم ونجدتهم. وقد علمت شدة "بابك" صاحب الخرمية وكثرة عساكره وأنه نفسك، والزم التشيع والبكاء لآل البيت، فإنك تجد من يساعدك من المسلمين، ويقول هذا هو الإسلام. وسب أبي بكر وعمر، وأقع عليهما عداوة الرسول وتغيير القرآن وتبديل الأحكام، فإنك إذا سببتهما سببت صاحبهما، فإذا استوى لك الطعن عليهما، فقد اشتفيت من محمد، ثم تعمل بعد ذلك في استئصال دينه. ومن خرج على ذلك فقد خرج من الإسلام من حيث لا يشعر، ويتم لك الأمر كما تريد. فقال دندان: هذا هو الرأي، ثم قال له عبد الله: إن لي أصحاباً وأتباعاً أبثهم في البلاد، فيظهرون التقشف والتصوف والتشيع. ويدعون إلى ما نريده من إحكام الأمر. فاستصوب دندان ذلك وسر به، وبعث لعبد الله القداح ألفي ألف دينار "مليوني دينار"، فقبل المال وفرقه في كور الأهواز وسواد الكوفة، و"بطالقان" خراسان، وسلمية من أرض حماة ثم مات دندان، فخرج عبد الله إلى البصرة وسواد العراق، وبث الدعاة، وتقوّى بالمال، وتدبر الحال.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدولة العبيدية (الحلقة الثانية)

الأهواز المركز الأول لنشر دعوة العبيديين

محمد فاروق الإمام

اتخذ عبد الله الأهواز مركزاً لنشر دعوته. ولما اتصل خبره بواليها أضمر له الشر، ففر إلى البصرة. وقد عزا المقريزي في كتابه "اتعاظ الحنفا" هرب عبد الله إلى ما ظهر منه "من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة"، فثارت به الشيعة والمعتزلة، فكبسوا داره، ففر إلى البصرة، وأقام في أسرة "عقيل بن أبي طالب" مدّعياً انتماءه إليهم، فحامت حوله الشبهات، فرحل إلى الشام، وأقام في سلمية إلى أن مات.

وقام ابنه أحمد مقامه في حمل الدعوة التي وضع أسسها أبوه عبد الله والتي تتلخص في الدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وقد ابتدع لذلك دعوة منظمة قسمها سبع درجات أو مراتب، زيدت بعده حتى أصبحت تسعاً في أيام العبيديين. وبثَّ أحمد الدعاة، واستدعى رجلاً من أهل الكوفة يقال له رستم أبو الحسين بن الكرخين بن حوشب ابن زادان النجار، وكان هذا الرجل من الإمامية يقول بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. وكانوا يرصدون من يرد المشاهد بالعراق و"كربلاء" فمن كان لهم فيه طمع استدعوه. وورد عليهم أبو الحسن محمد بن الفضل الجيشاني من أهل (جيشان)، من أرض اليمن فدخل، وهو يبكي، على الحسين بن علي رضي الله عنه، فصبروا عليه حتى خرج من زيارته، وأخذ الداعي بيده فقال له: قد رأيت ما كان منك من البكاء والقلق على صاحب هذا القبر. فلو أدركته ما كنت تصنع؟

قال كنت أجاهد بين يديه وأبذل مالي ودمي دونه.

فقال: أتظن أنه ما بقي لله حجة "أي خليفة أو نائباً أو وصياً" بعد صاحب هذا القبر؟

قال: بلى، ولكن لا أعرفه بعينه.

قال: فتريده؟

قال: أي والله.

فسكت الداعي. فقال له: ما قلت لي هذا القول إلا أنت عارف به.

فقوي ظن ابن الفضل بأن الرجل يعرف الإمام والحجة، فألح عليه، فقال له: دعني أفكر، واطلب واصبر ولا تعجل، وأقم، فإن هذا الأمر لا يتم بالعجلة، ولا بد له من صبر.

فمضى الداعي إلى ابن القداح وعرّفه حال ابن الفضل فأخذه وجمع بينه وبين أحمد ابن القداح. وكان أحمد أبداً يقول للحسن بن حوشب: هل لك في غربة في الله؟ فيقول: الأمر إليك يا سيدي. فلما اجتمع بابن الفضل، قال له: قد جاء ما كنت تريد يا أبا القاسم: هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن كثير المال ومن الشيعة، وقد أمكنك ما تريد، وثمة خلق من الشيعة فاخرج وعرفهم أنك رسول المهدي، وأنه في هذا الزمان يخرج من اليمن، واجمع المال والرجال، والزم الصوم والصلاة والتقشف. وجمع بينه وبين ابن الفضل وأخرجه معه وقال: يا أبا القاسم، الزم الباطن وقل: لكل شيء باطن. وإن ورد عليك شيء لا تعلمه فقل: لهذا من يعلمه وليس هذا وقت ذكره.

وخرجا إلى أرض اليمن، ونزل ابن حوشب "بعدن" وفيها قوم يعرفون ببني موسى، وخبرهم عند ابن القداح. فلما قدم ابن حوشب اجتمعوا به وقالوا له: أنت رسول المهدي ونحن إخوانك.

ولم يزل ابن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة من الإمامية فيبادرون إليه ويقول بعضهم لبعض: دار الهجرة. فكثر عددهم واشتد بأسهم. وكانوا قد نفذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف "بالحلواني" والآخر "بأبي سفيان". وتقدموا إليهما بالوصول إلى أقاصي المغرب والبعد عن المدن والمنابر، وقالوا لهما: ينزل كل واحد منكما بعيداً عن صاحبه وقولا: قد قيل لنا: اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها واكرباها حتى يجيء صاحب البذر. فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة تسمى "مرمجنة" والآخر بمدينة "سوجمار" فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما. وماتا على قرب بينهما.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com