العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 /07/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن مؤتمر "سمير أميس" .. عريب الرنتاوي

لم يدّعِ المعارضون السوريون الذين اجتمعوا أمس في دمشق، أنهم يمثلون المعارضة بمختلف أطيافها وأطرافها...والمؤكد أنهم لم يدّعوا تمثيل الشعب السوري والنطق باسمه...ولم يمارس هؤلاء تفوّقاً أو "فوقية" مصطنعة حيال زملائهم وإخوانهم من معارضة الخارج، ولم ألحظ من تصريحات كثيرين منهم أن يسعون في استغلال "الميزة النسبية" للداخل، معنوياً وأخلاقياً وسياسياً...لقد تحدثوا بأسمائهم الشخصية، ووضعوا مؤتمرهم في سياق الحراك الشعبي السوري العام، ونظروا إلى بقية أطياف المعارضة وأطرافها ومؤتمراتها، على أنها "حلقات في سلسلة واحدة"، وهذا تعبير عن نضج وتواضع لافتين.

 لكن الحملة التي تعرض لها المؤتمر والمؤتمرون من قبل "معارضة الخارج"، كانت قاسية جداً...بل و"تجريمية" أحياناً، فمن قائل بأن المؤتمر "شقّ طريقاً إلتفافيا" للنظام حول الثورة السورية وأهدافها...إلى قائل بأن المؤتمرين كانوا جزءا من لعبة "تلميع" صورة النظام و"إعادة تدويره"...إلى متحدث عن رموز "سلطوية" تسللت تحت جنح المعارضة، ومناضليها المحترمين، بهدف "إسقاط القلعة من داخلها"...جميع هذه الاتهامات بدت متهافتة في ضوء ما صدر عن المؤتمر من مواقف وتوصيات ومداولات.

الحجة الرئيسة التي استند إليها "معارضو الخارج" لتبرير هجومهم على المؤتمر والمؤتمرين، هي أن مؤتمراً كهذا، غير مسبوق من نوعه، يعقد في قلب العاصمة دمشق، لا يمكن أن يلتئم شمله، إلا بموافقة النظام والتنسيق معه...وأن النظام لا يمكن أن يمنح مؤتمراً كهذا "بركاته" و"موافقاته"، إن لم يكن متأكداً من أنه سوف يخدم أهدافه.... هذه "المحاججات" وكثيرٌ غيرها، يمكن أن تكون مفهومة ومبررة من الناحية الشكلية،...بيد أنها ليست مقبولة أبداً كذريعة لتبرير الهجوم اللاذع الذي شنته شخصيات معارضة في الخارج، ضد بعض المعارضين في الداخل.

لم يقل أحد أن "قاعات فندق سمير أميس" في دمشق، هي "أرض محررة" من النظام وأدواته وأجهزته...ولم يزعم أي من المعارضين الذين التأم شملهم في العاصمة لأول مرة، أمس الأول، بأنهم فعلوا ذلك رغم أنف النظام وبالضد من إرادته...ولم يصدر عن أي من هؤلاء ما يشي بأن كل من دخل القاعة، خضع لاختبار "دي أن إيه" لإثبات نقاء سريرته وعمق التزامه بهدف إسقاط النظام...الكل أجمع على أنها محاولة لتنظيم صوت المعارضة السلمية الديمقراطية المدنية، وتوفير عنوان لها، في دمشق، وليس في واشنطن أو لندن أو باريس أو حتى في أنقرة واسطنبول...وهذا أمر يعد خطوة للإمام لجهة بلوة صوت سوري وطني معارض، بعيداً عن ضغوط الخارج وابتزازاته وأجنداته، بعيداً عن إدّعاءات "بيزنيس المعارضة" كذلك، خصوصاً بعد أن بدأنا نرى "صبية" على شاشات الفضائيات، يحلمون ألقاباً أكبر منهم، يمنحون صكوك الغفران لهذا ويحجبونها عن ذلك، وقد نصّبوا أنفسهم بكل بساطة، ناطقين باسم 23 مليون سوري على الأقل ؟!.

صحيح أن بعض معا

رضة الداخل قاطع المؤتمر أو انسحب منه...ولهم في ذلك كل الحق، سواء فعلوا ما فعلوا لقناعات خاصة بهم، أو لتجنب "التوظيف والاستخدام" من جانب النظام، أو لتفادي ما تطاير من ابتزازات واتهامات على ألسنة زملائهم وعبر شاشات الفضائيات المستنفرة...لكن في ظني أن المؤتمر نحج في وضع المعارضة على "الخريطة السياسية السورية الداخلية والخارجية"، وأوجد عنواناً لها يمكن الوصول إليها عن طريقه...وأعاد الاعتبار لدور "المركز" بنخبه المدنية والديمقراطية في عملية الإصلاح والتغيير التي تشهدها سوريا، بعد أن كدنا نضيع في متاهة الانتفاضات "الطرفية" التي كادت تتركز في الأمتار الأخيرة للحدود السورية مع دول الجوار.

والمؤكد أن المؤتمر، سوف يخلق ديناميكيات داخلية يصعب التكهن كيف ستتطور، خصوصاً إن كان التكامل بين "داخل" و"خارج" هو السمة المميزة للمرحلة المقبلة، بدل التنافر والتقاتل...المؤكد أن حدثا كهذا سيساعد على "شرعنة" المعارضة وإكسابها قوة زخم جديدة...ولنا ملء الثقة برموز وشخصيات المعارضة، أو العديد منها، التي شاركت في مؤتمر "سمير أميس"، وبعضها قضى في السجون السورية زهرة شبابه وربيع عمره.

كما أن مؤتمرا كهذا، سيكون له دوره في "فرز غث الانتفاضة السورية عن سمينها"...سيجعل من الممكن التمييز بين من يطالب بدولة مدنية ديمقراطية لجميع السوريين من جهة ومن يسعى إلى بناء "إمارات ظلامية" من جهة ثانية، ومن يخدم أجندات معسكرات ومحاور إقليمية ودولية، لا تخفى على أحد من جهة ثالثة.

لقد التقطت واشنطن مغزى انعقاد مؤتمر للمعارضة في دمشق، لم تتوقف طويلاً أمام ما يمكن أن يُعد "توظيفاً" رسمياً للحدث...والأرجح أن الحراك الدولي المصاحب للأزمة السورية، سوف يقيم وزناً خاصا ل"مؤتمر سمير أميس"، ومن بين صفوفه، سينبثق مفاوضون ومحاورون، وستكون لهؤلاء من المطالبات التي ما أن يجد النظام نفسه مضطرا للاستماع إليها، حتى يبدأ "خياره الأمني/ العسكري" بالانهيار والتفكك لصالح حلول ومخارج سياسية سلمية، وهذا ما تطالب به الغالبية العظمى من الشعب السوري.

---------*******************---------

مؤامرتان و ليس مؤامرة واحدة .. عبدالباسط البيك

قال وزير الدفاع السوري العماد علي حبيب إن سورية تتعرض لمؤامرة تأخذ أشكالاً عدة حيث تمارس عليها ضغوط مستمرة ومتصاعدة في محاولة للتدويل والتدخل الخارجي ودعم الانقسام والاقتتال الداخلي. وبين نائب القائد العام للجيش والقوات المسلحة في كلمة له خلال احتفال بتخريج دورتي القيادة والأركان العليا والدفاع الوطني إن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عملت على فرض إجراءات ضد سورية، ومحاولة استصدار قرار من مجلس الأمن يتضمن إدانة لها وصولاً إلى الضغط على مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتحويل ما يسمى بالملف النووي السوري إلى مجلس الأمن متجاهلين التعاون السوري مع الوكالة في محاولة لزيادة الضغوط

 و نحن نؤيد ما قاله العماد حبيب عن وجود مؤامرة خارجية دائمة و مستمرة تخضع لها سورية عقب إستقلالها عن فرنسا و لهذه الساعة . و نضيف على ما قاله العماد حبيب بأن سورية تخضع أيضا لمؤامرة داخلية خطيرة بدأت منذخمسة عقود عندما وثب الضباط العسكريون على السلطة و أعقبه بداية عهد حزب البعث الذي إنفراد بالسلطة عنوة و عنفا . و تصارع الرفاق المدنيون و العسكريون فيما بينهم على السلطة فطارت الرؤوس و أزهقت النفوس و سرقت الأموال و هربت للخارج و خنق صوت كل حر شريف و حلت مرحلة سماع صوت النفاق و الخسة و النذالة , و سادت مفاهيم الطائفية التي زرعها النظام في مجتمع ذو طبيعة تعددية ليسيطر بواسطتها على المجتمع السوري بالقمع و البطش و الإرهاب . لقد قتل النظام الحرية و الكرامة , و سجن العزة و إقتلع روح المواطنة و حب الوطن من عقول و قلوب المواطنين . إن خطر المؤامرة الداخلية أعمق تأثيرا على الوطن من المؤامرة الخارجية . و كان حريا على من يزعم بوجود مؤامرة خارجية على الوطن أن يسعى إلى تقوية الجبهة الداخلية وإلى رص الصفوف إستعداد لمواجهة العدو .و لا سبيل لنجاح الشعار المزعوم الصمود و التصدى إلا بإتخاذ هذا النهج السليم . ما طبقه النظام بدمشق هو نقيض ما ينبغي القيام به . و لا يخفى على أحد سلبية السياسات الإقتصادية و السياسية التي سنها نظام الرئيس الأسد ثم خليفته من بعده . لقد اراد النظام أن يحكم بقوة أجهزة المخابرات و برؤوسها المتعددة , و هكذا كان .لقد سمع الشعب السوري خطابات عديدة من الرئيس بشار عن اصلاحات , و بقي الكلام كلاما معلقا في الهواء و حبرا على الورق , ولم تشهد الحياة السياسية أي مظاهر صحيحة ة لأي إصلاح ضروري موعود. ويعيب الشعب على نظام الرئيس بشار بأن في عهده زادت معالم الفساد المالي و الإداري و برزت شخصية رامي مخلوف كأخطبوط مالي مع بقية المقربين من الأسرة الحاكمة , و تحولت مؤسسات الدولة بكاملها لتكون لعبة بأيادي فئة محدودة تتحكم بمقدرات البلد السياسية و الإقتصادية .

 و مما سلف , يتوضح لنا أن أمر المؤامرة الداخلية هو أعظم سوء من مؤامرات القوى الخارجية على سورية . و الأولى بأهل النظام إصلاح ما تم تخريبه منذ يوم الثامن من آذار 1963 حين إحتكم طائفة من السياسيين و العسكريين إلى السلاح ليقيموا عليه بناء النظام السياسي في سورية ضاربين بعرض الحائط أسس النظام الديمقراطي خدمة لمصالح العدو الذي لا يريد لسورية أن تحظى بإستقرار سياسي قائم على إحترام الصوت الآخر . إن الخلاص من المؤامرة الداخلية يحتم علينا إعادة بناء أسس الوطن على قواعد فكرية و سياسية و إجتماعية التي كان تحكم الحياة السياسية قبل وقوع نكسة الثامن من آذار , حين كانت التعددية الحزبية سائدة و تمثل كل أطياف المجتمع بمذاهبه و طوائفه في الحراك السياسي و لا تستثني أحدا لأن الجميع شركاء في الوطن .

---------*******************---------

مع الشعب السوري وحقّه في الحياة

القدس العربي 29-6-2011

أصدر 'المنتدى الثقافي اللبناني' في باريس بياناً يحمل تواقيع عدد من المثقفين العرب. وهذا نص البيان.

يتعرض الشعب السوري الذي يطالب بالحرية والعدالة، في الكثير من المدن والقرى، للقتل والتعذيب والاعتقال والتهجير، وهذا ما يشكل انتهاكا لأبسط الشرائع والحقوق الإنسانية.

لا يمكن الحلول الأمنية في سوريا، كما في اليمن أو ليبيا أو في أي بلد عربي آخر، أن تسحق تطلّعات الشعوب إلى الكرامة والحرية، فالمتظاهرون السلميون يواجهون الرصاص الحي بصدور عارية.

رغم مخاوفنا الدائمة من السقوط في فخ الانقسامات الطائفية والدينية والمناطقية، إلا إننا على قناعة أن أنظمة القهر والاستبداد هي التي تغذي الانقسامات على أنواعها وتشعل الحروب الأهلية وتهدد الاستقرار، وهي التي شرعت وتشرّع أبواب أوطاننا على التدخل الخارجي.

رياح التغيير انطلقت في العالم العربي ولن تعود إلى الوراء. إنها بداية مرحلة تاريخية جديدة طال انتظارها من اجل تحقيق الديمقراطية والعدالة والدولة المدنية، دولة المواطَنَة وسيادة الشعب.

نعلن إدانتنا لكل أعمال القمع والترويع والقتل ونعلن وقوفنا إلى جانب ثورة الشعب السوري وشعوب العالم العربي الأخرى ونجدد الدعوة لمثقفي العالم اجمع لدعم هذه الثورات والتصدي لأي تواطؤ على حق الشعوب في الحياة.

الموقعون:

صلاح ستيتيه، نبيل أبو شقرا، عيسى مخلوف، رشدي راشد، اتيل عدنان، حسن الشامي، ادونيس، فينوس خوري غاتا، مالك شبل، عائشة ارناؤوط، مصطفى صفوان، عالية ممدوح، عبد اللطيف اللعبي، جيرار خوري، عبد الرحمن الباشا، صفاء فتحي، عبد الغني العاني، حورية عبد الواحد، علي ناصر الدين، دومينيك اده، نبيل الاظن، حياة زبدي، محمود حسين، توفيق علال، بشرى اسطنبولي، طاهر البكري، صلاح الحمداني، ميرا برنس، بشير هلال، سلوى بن عابدة، هالة العبد الله، جمال بودومه، مرام المصري، وليد شميط، إنعام كجاجي، اسادور، ندى عبود، صالح دياب، رفيف فتوح، جاد تابت، ميسا المسعودي، عمر مرزوق، سهام بوهلال، أنطوان جوكي، زاد ملتقى، خلدون زريق، محمد لخضر حامينا، ندى كرامي، جبار ياسين، دارينا الجندي.

---------*******************---------

الدعوة إلى سلميَّة الانتفاضة السورية واستمرارها.. مجد مكي

المركز الإعلامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد:

فإن من شعارات الانتفاضة السورية التي رددتها وأكدت عليها وطبَّقتها على أرض الواقع منذ اندلاع شرارتها الأولى لها بعدما هبت رياح التغيير في البلاد العربية الإسلامية، اللاءات الثلاث: لا عنف، لا طائفية، لا استقواء بالخارج والتدخل الأجنبي .

وقد دعم العلماء والدعاة والمفكرون هذه المبادئ والثوابت حتى لا تنحرف الانتفاضة عن مسارها السلمي والوحدوي والوطني.

وأصدرت رابطة العلماء السوريين عدَّة تصريحات وبيانات تؤكد على هذه الدعائم، وتدعو إلى تأصيلها وترسيخها والثبات عليها، وعدم الانحراف عنها مهما كانت الظروف.

وما يقع من أعمال ومواقف نتيجة استدراج الدولة الباغية وأجهزتها الأمنية العاتية لبعض القوى المعارضة، وإدخال الجيش في قتال أهله وشعبه، وما يقع نتيجة ذلك من ردود فعل غير مسؤولة، أو ما يصدر من بيانات أو فتاوى من جهات خارجيَّة تخالف هذا التوجُّه لا يعبِّر عن مسار الانتفاضة السلمية ولا عن موقف العلماء، ويتحمَّل أصحاب تلك المواقف والبيانات والفتاوى مسؤولية كل ما يخالف مسار الانتفاضة السلميَّة وداعميها، وإنني وإخواني في رابطة العلماء السوريين نشجب ونستنكر أي فتوى أو بيان يؤجِّج الطائفية، أو يدعو إلى العنف والمواجهة المسلحة، أو يدعو إلى التدخُّل الخارجي بأيِّ صورة من صوره.

وإنني وإخواني بعد إصدار البيان الداعي إلى السلميَّة الذي عُمِّم في وسائل الإعلام، نجدِّد المناشدة بالمحافظة على سلميَّة الانتفاضة واستمرارها واستقلالها ومحافظتها على وحدتها الوطنية الجامعة لمكوِّنات الشعب السوري الأبي.

ونجدِّد تحذيرنا أن ينجرَّ شباب الانتفاضة الأطهار إلى هذه المكيدة التي تستجرُّ السلطةُ الغاشمةُ المعارضةَ السلميَّةَ إليها، لأنَّ السُلطة خطِّطت لاستدراج بعض الشباب المنتفض ضد الظلم والاستبداد وإرهاب الدولة، وجرِّهم لحمل السلاح، لتكون ذريعة لها لزيادة القتل والبطش بين أفراد الشعب السوري الحرّ الأبيّ. إن النظام البائس اليائس أيقن نهايته، ويريد أن ينجو برأسه بتأجيج الفتن وافتعال المعارك لينصرف الشعب عن مطالبه الأساسية في الحريّة والعدالة والكرامة.

ولا تعني الدعوة إلى سلميَّة الانتفاضة الاستسلام والخنوع والذل، والتعرض لقوة البطش والتنكيل ، وإنما تعني الحذر والكياسة، وإيجاد البدائل السلمية المتعددة التي تعرِّي قوى البطش والإرهاب، وتظهر عوار الدولة الأمنية الإرهابية، وأخذ كل أسباب استمرار الانتفاضة الشعبية العارمة ضد الدولة القاتلة الظالمة.

وإنني في بياني للحكم الشرعي أقيمه على أدلة كثيرة، فيها مراعاة مقاصد الشريعة، واعتبار المصلحة، وفقه المقاصد والموازنات، والنظر إلى المآلات، ودرء الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، وأبين بعض هذه المقاصد والاعتبارات فيما يلي:

1- إن فتح باب القتال ضد الدولة المتمكنة القائمة أساسًا على القوة والبطش، إنما هو فتح لمعركة بين طرف يمتلك من متطلبات القتال والقتل كل شيء، وطرفٍ لا يملك من ذلك أي شيء، وهذا النوع من المعارك يعدُّ ضرباً من العبث، ونوعًا من الانتحار، فضلاً عن كونه يعطي مسوِّغاً كاملاً للدولة في القتل والإبادة كما أنه لا يخلو من قتل مسلمين أبرياء قصداً أو عَرَضاً، فضلاً عما فيه من جراحات وترويع للآمنين.

2-إن الإنجازات الهائلة التي تحققت للانتفاضة السورية حتى الآن كانت -بعد فضل الله ومنّته- بفضل سلميَّتها. صحيح أن الثمن غالٍ، ولكن ذلك كان متوقعاً، ومن فاجأه الدم المهراق فهو لا يعي طبيعة هذا النظام. أما التخلص من تراكم أربعين عاماً من الطغيان دون سقوط قطرة دم فخيار وهمي غير متاح أصلاً.

3-إن الموازنات التي يفاضل الشعب السوري البطل بينها لإزاحة الطغمة الحاكمة عن صدر سورية الحبيبة ليست بين حقن الدماء وإراقتها فحسب. وإنما الموازنات بين:

أ- تحمّل إراقة الدماء عبر اعتماد الاحتجاج السلمي بصوره المختلفة الذي يكسب تعاطف الرأي العام العالمي، ويحرك منظمات حقوق الإنسان الدولية لنصرة الشعب السوري، ويحرج حكومات الدول الغربية النافذة أمام شعوبها، ويعرضها لضغط شعبي نحو التفاعل مع الحدث، ويُعرّي النظام تماماً عن آخر ما يمكن أن يستر به عواره الهائل.

ب- المزيد من إراقة الدماء أضعافاً مضاعفة عبر اعتماد حمل السلاح الذي يؤدي إلى إضفاء المشروعية على رواية النظام المهترئة التي ما فتئ يرددها منذ بدء الانتفاضة حول عصابات مسلحة سلفية، التي أضحت مثار سخرية وتندُّر الإعلام والمنظمات الدولية. كما يهيئ الأجواء لاستخدام مزيد من العنف من قبل أجهزة الدولة بدعوى إخماد ثورة مسلحة، وهذا ما يبرع فيه النظام عُدَّةً وعتاداً وشهوة للقتل، ويتفوق فيه بمراحل على الشعب أياً كان نوع تسليحه.

4- إن أجهزة الدولة هي الجهة الوحيدة المخوَّلة بحمل السلاح من أجل فرض النظام وضمان الأمن للمواطنين كما استقرَّت عليه النظرية السياسية المتداولة والمتعارف عليها في جميع أنحاء العالم. فحمل أجهزة الدولة للسلاح من أجل قتل مواطنين متظاهرين سلمياً، يعدُّ أمراً خارجاً عن الشرعيَّة المسلَّم بها دولياً، وانحرافاً في استخدام السلاح عن غايته الأصلية، يستوجب شجباً واستنكاراً دولياً، وإسقاطاً للشرعية عن ذلك السلاح ومَن يستعمله.

 أما إذا التبست الصورة فظهرت الدولة بمظهر مَن يخمد ثورة مسلحة تهدد أمن المواطنين (وهذا ما يحاول النظام عبثاً إقناع العالم به) فإن أسباب التعاطف الدولي والإدانة القانونية الصريحة لأعمال القمع تتوارى بسبب التباس المشهد.

5- إن حدَّ دماء الشهداء في ثورتهم السلمية أكثر مضاءً وأشدُّ قطعاً في عنق النظام من حمل السلاح، وإنما النصر مع الصبر، والوقت عنصر من عناصر النجاح فهو يعمل في صالح الثورة لا في صالح النظام.

لكلِّ تلك الاعتبارات والمصالح حذَّرت وإخواني العلماء من الدعوة إلى حمل السلاح مهما بلغت التضحيات. ففي حمله استنقاذ للنظام من ورطته، وانتشال له من مأزقه الذي أوقع نفسه فيه باعتماده للحل الأمني الذي لا يحسن غيره أصلاً.

عليكم –أيها الشباب الأطهار الأبرار- العض على الجرح والصبر والمصابرة، وضبط النفس، وكبح جماح الحمية والرغبة في الانتقام. ونحن نعلم أن قول ذلك أسهل بكثير من فعله، ولكن مصلحة الوطن تتطلب ذلك، ونجاح الانتفاضة يتطلب ذلك، لأن حمل السلاح الطريق الأقصر نحو إفشال الانتفاضة لا قدَّر الله .

إنَّ قلوبنا –والله- تتمزق ونحن نشاهد من بعيد (أو نشهد من قريب) جرائم أولئك النفر من القتلة السفاحين، ولكن الخيار الذي التزمت به الانتفاضة حتى اليوم هو الخيار الممكن الوحيد مع النظام السوري. مهما فقدنا من شهداء أو قدمنا من تضحيات فلن تُعَدّ شيئاً في جنب ما يمكن أن يحل بنا لو تحولت المواجهة إلى حرب أو صدام مسلح، فسوف نقدم للنظام عندها ذريعة مقبولة لضربنا والتنكيل بنا، وسوف نكشف عن أنفسنا الغطاء الذي يوفر لنا حالياً حداً متدنياً من التعاطف الدولي.

انظروا –أيها الشباب الأحرار والثوار الأطهار- إلى خسائر إخواننا في ليبيا (مع الأخذ بعين الاعتبار أن نظامنا أكثر مراوغة وتحايلاً، وأقوى بكثير من النظام الليبي وأشد إجراماً، وأن خسائرنا يمكن أن تكون أكثر بعشرات الأضعاف لا سمح الله لو وقع في سورية ما يقع في ليبيا): من تدخل دولي، وسقوط آلاف من الشهداء والجرحى، والاعتداء على أعراض الأخوات الحرائر، والدمار العام الشامل الذي أصر النظام الليبي أن يغرق البلاد فيه حين أيقن بزواله.

إننا نطالب أبناء سوريا الأحرار: أن يستمروا في مظاهراتهم السلميّة ومطالبهم المشروعة؛ ليشهد العالم بأسره أنَّهم يريدون الخلاص من الظلم والطغيان، ونقول لهم مبشِّريين: لقد قرب الفَرَج بإذن الله تعالى، وإن الدماء الطاهرة التي سالت ولا تزال في درعا وقرى ريف دمشق وفي حمص وحماة وتلكلخ وبانياس والرستن واللاذقية وحلب أخيراً وفي كل شبر من بلدنا الحبيب لن تذهب سدى، ولن تهدأ الانتفاضة السلميَّة مهما مورس عليها من قمع وعنف.

فعذراً أيها الشعب العربي السوري العظيم! فما أعظم انتفاضتك. كم أدهشت من يتابعها فهي في هدوئها كجريان نهر بردى، وفي عصيانها كنهر العاصي!!

وعذراً للدماء الطاهرة التي تسيل على أرض الشام المباركة بلا ذنب إلا لأنها تنشد الحرية والعدل والكرامة!

وعذراً أيها الشباب الثائر الطاهر فمهما أساء الآخرون لكم فالأمة كلها معكم، وكل القلوب تهفو إليكم، والألسن تهتف لكم، وتدعو من أجلكم!

وإننا ننتظر حراك حلب الشهباء السلمي، وقد عُرف شعبها الحر بإبائه ومروءته ونجدته وغيرته وعزته ورفعته، وكراهيته للظلم والظالمين، والاستبداد والمستبدين، وعدم استدراجه بالفتات والوعود الكاذبة، والحوارات الكاسدة، والإصلاحات المزعومة، ولن يعدم – وهو الشعب الناقم من القهر والاستبداد من نصف قرن– أن يقدم صوراً حضاريةً رائعةً من الممانعة السلميَّة، التي تربك العتاة الجبارين، وتشل أجهزة القمع والإجرام.

إننا على ثقة بالتغيير القادم، ولن تهدر قطرة دم أراقتها أجهزة الأمن التي وجَّهت رصاصها إلى رؤؤس وصدور الشباب المنتفض.

اللهم انتقم من القتلة المجرمين، وزلزل عروش الطغاة المستبدين، وانتصر لعبادك المؤمنين المستضعفين، واثأر لدماء الشهداء، واشف الجرحى، وفرِّج عن المعتقلين، وعجِّل بالنصر والفتح والتمكين لشعبنا السوري الحر الأبي.

حفظكم الله وسدَّد خطاكم وآراءكم يا إخواننا في حلب الشهباء، وجميع أهلنا في سورية الحبيبة، وحقَّق الخير على أيديكم الطاهرة.

---------*******************---------

سورية.. وإنهاء الاستبداد .. معطيات الانتقال بالثورة إلى المرحلة التالية ومخاطر عرقلته .. نبيل شبيب

لم يعد السؤال الجوهري المطروح في قضية سورية: هل تحقق الثورة الشعبية أهدافها أم لا تحقق، بل هو: كيف ومتى؟..

إن التضحيات البطولية الشعبية تجيب بصورة قاطعة حاسمة على ما يمارس النظام من قمع همجي، مستميتا بتأثيرِ وهمِ القدرة على البقاء فوق الأشلاء والدمار".. إنّما ينبغي التركيز أيضا على السؤال، حول ما تصنعه القوى والأطراف الوطنية المختلفة، في جوابها على محاولات النظام المستميتة، أن يدفع بعضها لسلوك طرق منفصلة عن الآخرين، ليبقى له مكان السيطرة على الجميع في نهاية المطاف، وإن قدّم بعض المغريات لها على حساب سواها، والأهم: على حساب الإرادة الشعبية الحرة الجماعية، غير القابلة للمساومة والتجزئة.

كثرة المبادرات والمؤتمرات

تعدّدت المؤتمرات والمبادرات والدعوات إلى مزيد من المؤتمرات والمبادرات، وجميعها تحت عناوين متشابهة، ومحورها الذي يؤكّده الجميع من الناحية الرسمية هو: دعم الثورة الشعبية لتحقيق أهدافها المشروعة، وفي هذا إقرار واضح بأن أصحاب جميع هذه الأنشطة يؤكّدون أنّهم "أطراف تدعم" وأن الشعب هو "القوة الفاعلة الحاسمة".

ولكن كما يتبدل المكان الذي تصدر عنه المؤتمرات أو تنعقد فيه أو يراد أن تنعقد فيه، تتبدل صياغة المبادرات نفسها والمشاركين فيها. في هذا الإطار.. وفي هذه المرحلة على وجه التحديد، يجب أن يعلم جميع الأطراف دون استثناء:

1- أن الشعب الذي صنع ثورة بطولية تاريخية يقدّم فيها من التضحيات ما يفوق الوصف، واستطاع بوعيه وثباته وصموده ووحدته أن يواجه أفجر ممارسات القمع وسط ظروف ومعطيات محلية وعربية وإقليمية ودولية معروفة، يتمتع بدرجة عالية من الوعي وحساسية فائقة للتمييز، فهو قادر أيضا على المتابعة الواعية لما يجري وما يُطرح ومَن يطرح، على صعيد ما يعرف بالمعارضة التقليدية أو الناشطين أو الحقوقيين وغير ذلك.

2- أنّ صانعي الثورة من قلب شعب سورية يقرؤون ويفهمون ما تعنيه كل عبارة من العبارات في تلك المبادرات، ويشهدون ويفسّرون كل خطوة من الخطوات تصدر عن طرف من الأطراف، وهم من خلال ثقة الشعب وإرادته وعطائه البطولي المخوّلون بقبول ما يعبّر عن إرادة الشعب الثائر، وكذلك برفض ما لا يضمن ذلك، سيّان عمّن يصدر وكيف يصدر..

3- أنّ أهم الضمانات في هذه المرحلة بالذات هو أن يتوافر في كل مبادرة أو مؤتمر أو خطوة من الخطوات شرط لا غنى عنه: الأولوية لوحدة الأهداف الأساسية والمطالب الفورية، انطلاقا من التزام الجميع بالإرادة الشعبية والمصلحة المشتركة العليا.

 الإقصاء يساوي الاستبداد

هذا شرط جوهري لا يتحقق دون تجنّب أي صورة من صور إقصاء الآخر، الذي يُفترض أنّه لم يعد في حاجة إلى بحث وتفصيل:

1- إنّ العمود الفقري لكل شكل من أشكال الاستبداد، هو إقصاء الآخر فكرا، وسياسة، وممارسة.. هكذا يبدأ دوما، كما بدأ عام 1963م في سورية، ثم تغوّل ممارسة حتى وصل إلى تشغيل آلة القمع المطلق، حرمانا من إنسانية الإنسان عبر مصادرة الحقوق والحريات، واغتيالا للإنسان والوطن، عبر التقتيل والترويع والتشريد والاعتقال والتعذيب.. إذ وُلد الاستئصال من رحم الإقصاء، ضدّ الآخر: الغالبية العظمى من الشعب..

2- إنّ الثورة الشعبية في سورية انطلقت لإسقاط الاستبداد.. أي إسقاط "إقصاء الآخر" الذي نشأ النظام الاستبدادي الفاسد القمعي بنشأته، ومارس جرائمه معبّرا عنه..

3- إنّ إقصاء الآخر في المرحلة التي وصلت الثورة الشعبية إليها الآن، يضعف جميع أطراف المعارضة التقليدية معا، بمن فيها من يمارس الإقصاء، وإن بقيت الثورة على قوّتها المستمدة من الشعب وليس من معارضين..

4- إنّ ممارسة إقصاء الآخر انطلاقا من موقع من مواقع المعارضة، أحزابا وأفرادا وجماعات، يقطع حبل الانتساب إلى الثورة الشعبية إذ يوهن العلاقة بين مَن يمارس الإقصاء وبين الشعب الثائر..

5- إنّ توظيف إقصاء الآخر من المعارضة التقليدية، وسيلة للتفاهم على حلول وسطية مع النظام الاستبدادي، بدعوى خدمة ثورة الشعب، يعني ممارسة ما يمارس الاستبداد نفسه من إقصاء، ويصبح مَن يصنع ذلك جزءا من "مضمون" الاستبداد الذي يثور الشعب لإسقاطه، حتى وإن لم يكن جزءا من بنيته الهيكلية..

6- لن يستقرّ أي وضع من الأوضاع في سورية بعد الاستبداد الفاسد الحالي، إذا تسرّبت إليه ألغام الصراع القديم على أرضية أهمِّ عناصره: إقصاء الآخر، فلن يكون آنذاك سوى استبداد بديل بلباس آخر، ولن يكون للاستبداد استقرار في سورية بعد هذه الثورة الشعبية البطولية التاريخية..

7- كلّ ممارسة لإقصاء الآخر، هي مشاركة مباشرة في إضعاف روح الوحدة الوطنية، وإن رُفعت شعارا وأعلنت هدفا، فإقصاء الآخر هو النقيض اللغوي والنقيض الواقعي التطبيقي للوحدة الوطنية، التي لا تتحقق بالكلام عنها بل عبر الممارسة على أرض الواقع، في كل وقت وحين، ناهيك عن اللحظة التاريخية الحاسمة في مسار الثورة الشعبية نحو النصر بإذن الله.

 الشعب سيد نفسه وسيد التعددية

المفروض بجميع من يتحرّك بمبادرات ومؤتمرات وسوى ذلك من سبل التحرك، أنهم يدركون وفق ما سبق أنّ مصداقية ارتباط أيّ تحرّك بالثورة الشعبية في سورية رهن بتوافر عدد من الشروط الأساسية هي في منزلة واجباتٍ وطنية مطلقة، وعلى رأسها:

الالتزام بمبادئ وقواعد مشتركة في العمل على أرضية مشتركة تحقق النقلة التاريخية المشتركة -التي فرضتها الثورة الشعبية الجامعة وليس جهود أطياف المعارضة التقليدية- من واقع الاستبداد إلى واقع وطني مشترك يسع الجميع، من خلال التوافق على قواسم مشتركة مستمّدة من الإرادة الشعبية والمصلحة العليا.

هذا ما تعبر عنه الإرادة الشعبية الثائرة في سورية.. والشعب سيد نفسه، يسع الجميع بوحدته، ولا يسعه فريق بمفرده يقصي سواه، وإن تحدّث باسم الشعب.

لقد صنع الشعب ثورته.. فصنع الحدث التاريخي، فهل تصنع قوى المعارضة التقليدية، أحزابا وأفرادا وجماعات، داخل الحدود وخارجها، ثورتها على واقعها، لتصبح جزءا من الحدث التاريخي، ولا تكون عقبة على طريق الشعب في صناعته؟..

هذا ما يجيب عليه التعامل الآن مع عدد من الحقائق الأساسية، وفي مقدمتها:

1- لا يوجد في التعددية بحد ذاتها عيب، فهي مرآة طبيعية ومنطقية لواقع شعبي وتاريخي، إنّما يمكن أن يتحوّل بعض مَن يمثلون التعدّدية إلى ألغام على طريق الثورة، ما لم يتمكّنوا.. الآن.. في اللحظة التاريخية التي وضعهم الشعب فيها أمام مسؤولية جليلة جسيمة، من معالجة جانبٍ خطير -كالورم الخبيث- لا يتجسّد في مجرّد "التعدّد" المقبول، بل يتعدّاه إلى صور موروثة عديدة من صور الإقصاء والعداء والصراع، على محاورِ تعدّدِ المسمّيات والجهات والاتجاهات، فيغيّب الحدّ الضروري من التنسيق الواجب، ناهيك عن التنظيم والتخطيط المشترك..

2- ليس مجهولا أنّ جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذا الواقع السلبي يقع على الاستبداد وأفاعيله خلال العقود الماضية، بتغييب فعاليّة المعارضة داخليا عبر تقييدها في "المعتقلات" وفي "القنوات السياسية المسموحة" وتشريدها خارج الحدود، مع العمل المباشر لزرع الفتن والخلافات والعصبيات على كل صعيد وبكل وسيلة..

3- وليس مجهولا أيضا أن قسطا آخر من هذا الواقع السلبي ناجم مباشرة عن سياسات بعض أطراف المعارضة التقليدية ورؤاهم وممارساتهم، هم أنفسهم، وهذا القسط هو ما تحمّلهم الثورة الشعبية البطولية الآن المسؤولية عن العمل من أجل ألاّ يجعلوه كالعصي في عجلة مجرى التاريخ.. ومن المؤكد أن العصي سوف تتكسر ويرحل معها من يضعها، وتستمرّ عجلة التاريخ بالدوران حتى تحقق الثورة الشعبية أهدافها الجليلة المشروعة.

4- لا تحمل المعارضة التقليدية هذه المسؤولية للثورة على نفسها، دون الإدراك الحقيقي لا الكلامي، أنّها -أحزابا وجماعات وأفرادا- لم تصنع الثورة، مهما قيل بحق إنّها صنعت الكثير من صيغ مواجهة الاستبداد من قبل، ولكن الثورة الشعبية الجامعة هي التي ستصنع بشكل طبيعي "الحكم والمعارضة" القويمين في مخاض أحداثها وحصيلة نتائجها.

لقد انطلقت الثورة جوابا تاريخيا محتما على هوّة خطيرة صنعها الاستبداد بينه وبين الشعب في سورية، في جانب منها: البغي والفساد والتسلّط والاستعباد، وفي جانب آخر: المعاناة بجميع تجلّياتها.

ولئن أرادت قوى المعارضة التقليدية أن تكون جزءا من المستقبل وليس من الماضي، وعاملا حاسما في عملية الانتقال من مرحلة الثورة المتواصلة لإسقاط النظام، إلى مرحلة الإعداد لِما بعد سقوطه.. أو إسقاطه، فلا بد أن تتجاوز هي الهوّة الفاصلة الخطيرة الثانية، بين الواقع الشعبي الذي يصنع ثورته ويقودها، وواقع المعارضة التقليدية التي لا تزال تتحرّك بخطوات ثقيلة، بين ماضٍ لم يعد يجدي التشبّث به، ومستقبل ترجوه، ويفرض عليها الوصولُ إليه أن تنفّذ في الوقت المناسب، أثناء الثورة، عددا من الأمور:

1- تثبيت ما يجري تأكيده باستمرار وهو أن الثورة انطلقت شعبيا، ولها تنسيقياتها الشعبية الداخلية الفاعلة

2- تثبيت عدد من المبادئ والقواعد العملية للتلاقي على أرضية مشتركة للتحرك الفعال

3- تثبيت أن هذه أرضية الجميع لتسع الجميع ممّن يوصفون بالمعارضة في الداخل والخارج

4- تحديد آليات التحرك الفعال المطلوب وطرق تفعيلها

5- الالتزام إلى أقصى درجة ممكنة (فالكمال المطلق مستحيل وليس شرطا للنجاح على كل حال) بالمبادئ والقواعد وآليات التحرك.. وكذلك بالنتائج المتحققة، مرحلة بعد أخرى.

تساؤلات ملحّة

يبقى التساؤل: من يصنع ذلك أو من يبادر إلى جمع الشمل عليه؟..

هل يمكن أن يصدر عن مؤتمر ما في اسطنبول، أو أنطالية، أو بروكسل، أو في دمشق؟..

هل يمكن صنع ذلك رغم الاستحالة الموضوعية لجمع جميع من يمثل سائر الأطراف والقوى، في الداخل والخارج، دفعة واحدة، مع ضمان التحرّك معا على طريق دعم الثورة ومن يصنعها في الداخل، وليس على طريق وصاية أو ترشيد أو توجيه أو ما شابه ذلك من المسمّيات؟..

لا بدّ من التمهيد "السريع" لأي خطوة جادّة وفاعلة على هذا الطريق.

لقد كان من الملاحظ في مواكبة الثورة ومسارها البطولي، صدور مواقف أو خطوات، النسبة الأعظم منها -ولا نقول جميعها- تتحرّك بين حدّين: "الممكن حسب وضع صاحبها.. والمطلوب وفق أهداف الثورة الجليلة".. إنّما كان من الملاحَظ أيضا أن مواكبة هذه المواقف والخطوات اقترنت بمراعاة مقولات وتصنيفات عديدة متباينة ولكنها تلتقي على قاسم مشترك وهو أنّها من إنتاج حقبة الاستبداد الطويلة.. وليس من روح الثورة الشعبية والمستقبل الذي بدأت تصنعه، وعلى سبيل المثال:

1- تُصنّف المواقف الصادرة عن شخصية معتبرة مثل عارف دليلة، على أنّها ذات قوة ودلالة كبيرتين.. لأنّه ينتمي إلى الطائفة العلوية من السوريين!..

في هذا الموقف -بغض النظر عن النوايا- ما يدعم بصورة غير مباشرة ما سبق أن صنعه النظام الاستبدادي من تصنيفات تفرّق بين شعب سورية الواحد..

كلا: إن مواقف عارف دليلة ذات قوة وتأثير لأنها تعبر عن مواقف وطنية سورية جامعة، بمنظور الشعب، وليس بسبب أي انتماء.

والمهم: على افتراض أنّ مواقفه وممارساته انحرفت بمنظور الشعب عن هذا المحور: الوطني السوري الجامع، فسيفقد مصداقيته شعبيا، بغض النظر عن موقف أطراف أخرى من المعارضة التقليدية إزاءه.

2- تصدر عن الناشطة السورية المتميزة سهير الأتاسي مواقف وطنية متقدّمة على ما سواها، فتصنّف ردود أفعال بعض أصحاب التوجّه الإسلامي مواقفها على أنّها نقطة التقاء مشتركة مع العلمانيين..

كلا: إن مواقف سهير الأتاسي نقطة التقاء مشتركة لأنها تعبر عن مواقف وطنية سورية جامعة، وليس بسبب ما تتبنّاه من رؤى علمانية..

والمهم: على افتراض أنّ مواقفها وممارساتها انحرفت بمنظور الشعب عن هذا المحور: الوطني السوري الجامع، فستفقد مصداقيتها شعبيا، بغضّ النظر عن موقف أطراف أخرى من المعارضة التقليدية إزاءها.

3- تصدر عن بعض أصحاب التوجه الإسلامي كالإخوان المسلمين في الخارج مواقف وطنية تتحدّث عن الديمقراطية والدولة المدنية وتداول السلطة وما شابه ذلك، فيدور الحديث التصنيفي عن ذلك عبر السؤال التشكيكي ما إذا كان ثوار الداخل يتقبلونها رغم التعرّض لشبهة الانتماء المحظور إلى الإخوان المسلمين..

كلا: معيار الحكم على مواقف الإخوان المسلمين هو معيار كونهم جماعة من الجماعات واتجاه من الاتجاهات على أرضية الوطن السوري الجامع وليس معيار تصنيف الحكم الاستبدادي المرفوض بصددهم..

والمهم: على افتراض أنّ مواقفهم وممارساتهم انحرفت بمنظور الشعب عن هذا المحور: الوطني السوري الجامع، فسيفقدون مصداقيتهم شعبيا، بغضّ النظر عن موقف أطراف أخرى من المعارضة التقليدية إزاءهم.

4- تصدر في الداخل السوري مواقف ما كالدعوة إلى مؤتمر إنقاذ، تليها دعوة إلى مؤتمر وطني، وتتخلّلها دعوات انتقائية من جانب النظام القائم إلى حوار، أو تصريحات ما تصدر عن أحزاب تشكلت سابقا في نطاق "قناة ضيّقة للتظاهر بالديمقراطية" سابقا.. كما يصدر في الخارج بيان عن مؤتمر من المؤتمرات كمؤتمر بروكسل أو أنطالية من قبل، مع الإقرار بأن المرجعية هي الثورة في الداخل، فيتعرض جميع ذلك لتصنيف ما، بصيغة ما، ترحّب أو تشكّك، ويصبح موضع أخذ وردّ، تأييدا أو نقدا أو إهمالا أو رفضا..

كلا: العامل الحاسم هو أن جميع ذلك موضع الرصد من جانب الشعب الثائر، وهو سيّد نفسه.. وقادر على التمييز بين الغث والسمين، والصادر عن إرادة الشعب والصادر عن رؤى ذاتية لا تراعي إرادة الشعب.

والمهم: من حق أي مجموعة أفراد أو جماعات أو تنظيمات أن تعقد مؤتمرا وتطرح رؤى، ولكن باعتبارها رافدا وليس باعتبارها وصية على الرؤية الوطنية السورية الجامعة، فلا تُقبل أو ترفض من منطلق شكليات اللقاء بل يؤخذ بما تطرحه بمقدار ما يكون جزءا طبيعيا من الرؤية الوطنية السورية الجامعة.

والأهمّ من ذلك كلّه ألا تنفرد مجموعة أو فرد أو مؤتمر بادّعاء تمثيل الثورة الشعبية وتُقدم على خطوات وإن وصفتْها بجسّ النبض مثلا، في اتجاه تمكين النظام من البقاء ببعض الترقيعات والرتوش، فالشعب يريد إسقاط النظام، والشعب سيد نفسه.. ولا سيادة لأي طرف من الأطراف عليه. وهنا لا يكفي القول مثلا، إنّ من يتحرّك في الداخل (ناهيك عمّن يتحرّك في الخارج) يتحرّك رغم القيود، فلا يُطالَب إلاّ بما يقدر على عطائه، فالجواب هو مطالبته ألاّ يتحرّك باسم الثورة الشعبية إلا عندما يكون قادرا على التحرّك، بمعيار أنّها كسرت تلك القيود بالذات، ولم يعد يوجد مجال للقبول بموقف أو مبادرة أو حل وسطي أو سوى ذلك ما دام "متناقضا" مع معايير الثورة، أي المطالب الوطنية المشتركة الجامعة.

رموز شعبية كبرى

كيف يمكن وسط هذه المعطيات جميعا، استشراف ما يمكن صنعه الآن.. للمضيّ بمتغيّرات الواقع في الاتجاه الصحيح.

وراء جميع ما يجري تعداده أو تصنيفه من قوى الثورة في الداخل ومن قوى المعارضة في الداخل والخارج، مع شمولها -بسبب الحالة المتميزة للقمع الاستبدادي الطويل في سورية- للأفراد من ناشطين ومعارضين وحقوقيين، وليس للتنظيمات فقط، نجد في الواقع السوري، داخل الحدود وخارجها، رموزا قيادية شعبية، لم تصنعها مواقعها في المعارضة بالضرورة، بل صنعها ثباتها على الأرضية الوطنية المشتركة وما تمليه من مواقف علنية قويمة، وحصولها تبعا لذلك على قدر كبير معروف لجميع الأطراف من الثقة الشعبية بوطنيتها وكفاءتها ونزاهتها، وكذلك بعدم تطلّعها للسلطة قديما.. ولا الآن.

هذه الرموز مرشحة في المرحلة الراهنة ما بين اقتراب الثورة الشعبية البطولية من تحقيق هدفها الأول، وبين مرحلة الإعداد لِما بعد تحقيقه.. أن تكون محاور يلتقي الجميع عليها، من داخل الحدود وخارجها.. ولا يراد هنا ذكر أسماء بعينها، فيما يتعدّى حدود مثال معروف من الداخل: هيثم المالح، ومثال معروف من الخارج: عصام العطار.

لا يعني الالتقاء على هذه المحاور أو القواسم المشتركة أن ينعقد مؤتمر أو ينشأ تنظيم، يشمل الجميع.. وتقوده الرموز، فليس هذا ما يمثل -على أرضية الحدث ومجراه- خطوة عملية ضرورية، بل قد لا يصحّ التحرك في هذا الاتجاه أصلا، كما لو كان ردّا على مقولات تصدر عن النظام القائم، من باب "التعجيز والإنكار" وليس من باب "طلب الحوار" في صيغة سؤال: أين هي المعارضة وأين مطالبها؟.. أو في صيغة دعائية دون مضمون أو هدف كريم: فليحضروا إلى الحوار تحت سقف الوطن!..

المقصود بالالتقاء على هذه المحاور والقواسم مع الرموز الشعبية هو:

إعلان جميع الأطراف في الداخل والخارج التزامها بما يصدر عنها من مطالب وطنية مشتركة، وتفويضها هي بالتعبير عما يتم بلورته وصياغته وكذلك تصنيف ما يعتبر منه شروطا لأي حوار، أو سبلا بديلة عن الحوار لتحقيق هدف الثورة الشعبية.

وعلى رأس الشروط الموضوعية من وراء ذلك:

الأصل الجامع للقواسم المشتركة الآن، هو التعددية المتحررة المتعايشة تحت سقف الوطن الحر في إطار سيادة الشعب على نفسه، دون إقصاء طرف من الأطراف.

إن اغتيال هذا الأصل كان في مقدمة أسباب الثورة الشعبية البطولية على حكم الفرد الاستبدادي وحكم الحزب الاستبدادي، ولهذا.. أصبح عو المعيار لمصداقية الانتساب إلى الثورة الآن، مع إدراك أنّ هذه التعددية كانت قائمة قبل الاستبداد، وهي أهم شروط المصداقية في الفترة الانتقالية التمهيدية لما بعد الاستبداد، وكما أنها في مقدمة ما ينبغي استرداده ليتحقق استرداد الوطن.. من خلال نهاية الاستبداد.

خطورة اللحظة الراهنة

ليس التحرك المطلوب الآن مع رموز شعبية معروفة متأخرا ولا مبكرا، بل يأتي في موعده، أو ينبغي أن يكون الآن كيلا يصبح متأخرا.

أصبح في حكم المتوافق عليه:

أنّ انطلاق الثورة كما انطلقت، هو الذي أعطاها صفة الثورة الشعبية الجامعة..

وأنّ مسارها خلال أكثر من ثلاثة شهور مضت، هو الذي أعطاها صفة السلمية البطولية..

وأنّ السلوك القمعي المتصاعد من جانب النظام الاستبدادي القائم هو الذي أوصله إلى عزلة داخلية وخارجية وبالتالي إلى حتمية التغيير الجذري وليس الإصلاح الترقيعي أو المتدرّج..

ولكن نرصد من وراء ذلك: أنّ اللحظة الراهنة بالمعطيات الحالية في مسار الثورة الشعبية والتعامل معها تنطوي على:

1- خطورة استمرار التصعيد القمعي الهمجي بما يفتح ثغرة بالغة الخطورة لتدخل خارجي بصورة من الصور، بالقوة العسكرية أو الملاحقة الجنائية الدولية، أو المقاطعة والحصار، وجميع ذلك يصيب بمخاطره سورية وطنا وشعبا وحكما، ووضعا داخليا ودورا إقليميا ومكانة دولية.. ولهذا:

كل من يرفض هذا التدخل المحتمل، لا بد أن يعمل على الحيلولة دون أن يستمر النظام في التصعيد القمعي الذي يمارسه حتى الآن، ودون تأخير مسار الثورة عبر حلول وسطية لا يمكن أن تستقر، فالنظام نفسه يدرك -على سبيل الافتراض- أن إخماد الثورة الشعبية الشاملة البطولية بات مستحيلا، وهو ما يحذر منه العقلاء بغض النظر عن مواقعهم، عندما يتحدثون عن وصول الثورة إلى مرحلة اللاعودة.

2- خطورة تصعيد نوعي للقمع الهمجي، تعذيبا وتقتيلا وتدميرا واستخداما للأسلحة الثقيلة، وترويعا منظما وتشريدا للمدنيين الآمنين، أن يؤدي ذلك في لحظة من اللحظات، إلى تحوّل بعض الجهات الشعبية في مسار الثورة السلمية البطولية إلى الأخذ بمبدأ الدفاع عن النفس، فتستغلّ الأجهزة القمعية ذلك وتدفع مسار الثورة في اتجاه لا تحمد عقباه، ليس على الشعب الأعزل فقط، بل على الحكم وأجهزته وعناصره أيضا.. ولهذا:

كل من يرفض هذا الانحراف المحتمل، لا بد أن يعمل على الحيلولة دون أن يستمر النظام في التصعيد القمعي الذي يمارسه حتى الآن، ودون تأخير مسار الثورة عبر حلول وسطية لا يمكن أن تستقر.

3- لقد ظهرت في نسيج النظام الاستبدادي القائم شروخ تتسع يوما بعد يوم، وقد ترى جهات معارضة في ذلك معالم "ترحّب بها" بشأن تساقط النظام من داخله، كما هو الحال على صعيد الجيش الوطني خارج نطاق الكتائب (أو الميليشيات) المشكّلة والمعدّة ابتداءً للقمع الداخلي وإن تحركت تحت راية الجيش العسكرية، بل حتى في نطاق بعض الأجهزة "الأمنية"، بالإضافة إلى صفوف الحزب الحاكم نفسه، وحتى في الأجهزة الإعلامية.. إنّما يمكن أن تتطوّر هذه الشروخ وتتسارع فتؤدّي إلى صدامات داخل نطاق التركيبة البنيوية للحكم القائم، ولئن عجّل هذا في سقوطه، فهو في الوقت نفسه مصدر خطر كبير على "كيان الدولة" وليس على "جهاز الحكم فقط" وعلى الوطن السوري عموما وليس على مكوّنات الاستبداد الفاسد فحسب، ولم تنشأ هذه الشروخ عن أي سبب آخر سوى "همجية القمع وتصعيده" ولهذا يجب التأكيد هنا أيضا:

كل من يخشى من مغبّة هذا التطوّر على نفسه داخل نطاق الحكم الاستبدادي أو على الوطن السوري ومستقبله، لا بد أن يعمل على الحيلولة دون أن يستمر النظام في التصعيد القمعي الذي يمارسه حتى الآن، ودون تأخير مسار الثورة عبر حلول وسطية لا يمكن أن تستقر.

ويمكن تعداد مزيد من الجوانب لبيان المخاطر الحالية المحيقة بمسار الثورة الشعبية في سورية، بما يشمل جميع الأطراف دون استثناء، إنّما المهمّ هو ما تفرضه رؤية المخاطر، من التركيز على ضرورة التحرك "السريع والمدروس الواعي" الآن، في اتجاه الوصول بالثورة إلى غاياتها المشروعة، الشاملة للوطن وجميع مكوّناته، للمضيّ بمتغيّرات الواقع في الاتجاه الصحيح، مع تجنّب المضاعفات المحتملة إلى أقصى درجة ممكنة.. ولهذا لا يمكن التخلّي بحال من الأحوال عن الشرط المعلن لأي خطوة تالية، والذي يحمل النظام وحده المسؤولية عن تنفيذه الفوري:

وقف مسلسل القمع نهائيا، وتفكيك قيادات أجهزته، وتحرّر شامل لضحاياه من معتقلين ومشرّدين ومنفيين، والكفّ المطلق عن مصاردة حق الشعب وحريته في التعبير السلمي عمّا يريد حيث يريد ومتى يريد.

---------*******************---------

أسئلة السوريين البسيطة .. زين الشامي

الرأي العام

28-6-2011

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الاحتجاجات ضد النظام الحاكم في سورية وبعد ثلاثة خطابات وكلمات للرئيس بشار الأسد، وبعد الكثير من المواقف لبعض المسؤولين الرسميين، لوحظ أن هناك لغتين مختلفتين، واحدة تقنع المستمعين وتجلب مزيداً من التعاطف الداخلي والعربي والدولي وهي لغة المحتجين والمعارضين، وأخرى، هي لغة رسمية لكنها غير مقنعة ويعوزها المنطق والواقعية.

سنضرب أمثلة على ذلك من خلال طرح أسئلة، وهي أسئلة بسيطة جداً، ورغم أنها بسيطة فلا يبدو أن النظام السوري أو المدافعين عنه يملكون إجابات شافية أو مقنعة عنها. من بين هذه الأسئلة:

- لماذا لا يقتل أحد ولا تظهر العصابات المسلحة خلال التظاهرات المؤيدة للنظام، بل لماذا يقتل الناس فقط خلال التظاهرات المعارضة ولماذا تظهر العصابات المسلحة في الأماكن التي شهدت تظاهرات واحتجاجات ضد النظام والرئيس بشار الأسد أو طالبت بإسقاطه؟

- لماذا لا يسمح للمعارضين بالتظاهر وهل يحصل المؤيدون على إذن من الجهات المختصة لتنظيم التظاهرات؟

-لماذا يصف الإعلام السوري التظاهرات المعارضة بالقليلة العدد ويقدر المشتركين فيها فقط بالمئات، فيما يصر على «مليونية» أي تظاهرة مؤيدة للنظام؟

- لماذا يصور التلفزيون السوري، وهو تلفزيون وطني يشارك كل السوريين في ميزانيته من خلال الضرائب التي يدفعونها، في تصوير التظاهرات المؤيدة على الهواء مباشرة بينما لا يصور تظاهرات الجزء الآخر من الشعب السوري؟

- هناك إصرار على ان المعارضين للرئيس الأسد هم قلة قليلة، لماذا لا يسمح لهم بالتظاهر، وخاصة في دمشق، ليرى العالم كله أنهم قلة؟

- لماذا يخاطر الشبان السوريون ويذهبون الى الشوارع للتظاهر رغم معرفتهم أنهم قد يقتلون؟

- لماذا يتم التعامل مع «المتطرفين والإسلاميين»، وهي مسألة أمنية، من خلال إرسال الدبابات الثقيلة ومن خلال الحل العسكري واقتحام المدن والبلدات وإرسال الشبيحة، فيما عودتنا أجهزة الاستخبارات السورية على مدار العقود المنصرمة على طريقة تعامل مختلفة مع «الإسلاميين» تقوم على المتابعة الأمنية السرية والرقابة الدائمة للحالات الفردية المشتبه بها، ومن ثم اعتقال الأفراد المتورطين أو الذين يشتبه بانتمائهم لفكر «تكفيري» أو سلفي؟

- ذكر الرئيس بشار الأسد في كلمته الأخيرة أن هناك 64 ألفا من «الخارجين عن القانون في سورية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين وكيف ومتى صار لدى سورية عشرات الآلاف من الخارجين على القانون رغم وجود 17 جهازا أمنيا تغطي كل الخارطة السورية وتعرف كل شاردة وواردة عن السوريين، وتحصي أنفاسهم أيضاً، ثم ما هو المقصود بالخارجين عن القانون، هل المقصود بهم المتظاهرون الذين خرجوا للشوارع وهتفوا للحرية؟ إذا كانوا هم المقصودين فإن الرقم قليل جداً، لأن من خرجوا يقدروا بمئات الآلاف.

- يقول الإعلام الرسمي، والرئيس بشار الأسد نفسه، إضافة للمسؤولين السوريين، قالوا جميعهم أو لمحوا إلى وجود مؤامرة خارجية تستهدف المواقف السياسية السورية. السؤال، ما هي تلك المؤامرة، وهل توجد وثائق تثبت ذلك، وما هي الدول الخارجية أو الأشخاص في الخارج المتورطون في هذه المؤامرة، كذلك من هم السوريون في الداخل الذين قبلوا بالتآمر ضد بلدهم؟

- لماذا لم تسمح السلطات السورية للصحافة العربية والدولية بالدخول إلى سورية إذا كان هناك متطرفون وإسلاميون وعصابات مسلحة، أليس السماح للصحافة ووسائل الإعلام الأجنبية أفضل وأكثر فائدة للحكومة السورية التي «تتصدى» للإرهاب و«المسلحين التكفيريين»؟

- لماذا هرب السوريون في منطقة جسر الشغور نحو الأراضي التركية إذا كان هناك عصابات مسلحة تروع الأهالي ولم يهربوا إلى الداخل السوري، أليس من الأجدى أن يلجأ الناس عادة إلى حكومتهم وجيشهم في مثل هذه الحالات؟ هذا السؤال ينطبق أيضاً على أهل درعا الذين هربوا إلى الأردن، وأهالي تلكلخ الذين هربوا إلى لبنان.

- إذا كانت هناك عصابات مسلحة، هذا يعني أن هناك فكرا سياسيا، ويعني أن هناك تنظيمات وحركات سياسية سرية لها أهداف معينة، لماذا لم يظهر أي بيان سياسي عن هذه العصابات أو الجماعات يعلن عن مسؤوليته عما يجري على الأرض أو يتبنى على سبيل المثال العمليات العسكرية التي أدت الى مقتل بعض عناصر الجيش والشرطة حسب رواية السلطات والاعلام الرسمي؟

- لماذا انزعج وزير الخارجية وليد المعلم من تركيا لأنها عملت تجهيز مخيمات للاجئين السوريين بعد أن توقعت السلطات فيها حركة نزوح من الأراضي السورية، نسأل ذلك لأن السلطات السورية سجنت الصحافي إبراهيم حميدي مراسل صحيفة «الحياة» في دمشق عام 2003 بسبب نشره معلومات نقلاً عن مصدر أمني سوري قال فيها إن السلطات السورية قامت ببعض التجهيزات الفنية واللوجستية على الحدود السورية العراقية لأن دمشق تتوقع حصول حرب على العراق وحركة نزوح كبيرة باتجاه الأراضي السورية؟

- لماذا لم يقم الرئيس بشار الأسد إلى اليوم بزيارة الى محافظة درعا التي قتل المئات من أبنائها ليعزيهم، أليس من واجبه أن يعبر عن مواساته وتعاطفه مع شعبه خلال الازمات والملمات الكبرى؟

- لماذا لم يزر الرئيس الأسد مخيمات النازحين السوريين في تركيا، أليس هناك أكثر من عشرة آلاف سوري قال الإعلام السوري انهم هربوا من المسلحين والعصابات، لماذا لم يتصرف الرئيس السوري مثل اي رئيس في العالم حين تقع كارثة انسانية لشعبه؟

- لماذا لم تسجن السلطات السورية رجل الأعمال رامي مخلوف حين أدلى بتصريحات «توهن نفسية الأمة» لصحيفة أميركية حين قال انه «لا يمكن لإسرائيل ان تنعم بالأمن ما لم يكن هناك استقرار في سورية» في حين ان السلطات السورية سجنت غالبية أعضاء المعارضة السورية وسجنتهم بتهمة «وهن نفسية الأمة» لمجرد أنهم أدلوا بآراء مختلفة عن الحكومة وطالبوا بمطالب محقة؟

- هناك مليون سؤال وسؤال... لكن المشكلة أن السوريين ومنذ عقود لا يسمعهم أحد ولا يتلقون أي إجابة عن أي سؤال.

---------*******************---------

خطاب الأسد.. عش رجباً تر عجباً .. خالد هنداوي

الشرق القطرية 27-6-2011

في ثالثة الأثافي بعد ثلاثة أشهر من الاحتجاجات المشروعة المحقة كما ذكر الرئيس بشار في أول خطاب له نهاية مارس الماضي أخرج اليوم ما في جعبته مما خف حمله من كنوز الإصلاح السحرية هذه المرة التي أراد بها أن يطلع علينا بعد غياب محير فكشف المستور بعد أن بلغ السيل الزبى، ورفع عقيرته واقفا على مدرج جامعة دمشق التي لم يكن الطلاب فيه حضورا اللهم إلا من كان مؤيدا أو له عذر الإحراج في الحضور ثم الإزعاج بالتصفيق، إلى أن انتهى الخطاب على حصان طروادة وسمعنا من قال: لافض فوه وإن من البيان لسحرا ومن قال: يا جماعة لا تنسوا أننا في شهر رجب وحالة:

عش رجبا تر عجبا

إن البلاء موكل بالمنطق

تسمع بالمعيدي خير من أن

تراه وبين هؤلاء وهؤلاء

قرأت ما يقال أن الرئيس شنَّف أسماع الأمة بما أصاب كبد الحقيقة في الحديث عن الوضع السوري الراهن وطرح الإصلاحات المطلوبة فقلت: لقد أطنب القائد في كلامه ليعرف كل من في شوارع الشام أنه أوجس خيفة منهم ولكنه حريص عليهم ولذلك طبخ للجميع اليوم طبخة شهية في اعتباره وأراد منهم أن يأكلوا منها حتى لو لم تعجبهم ولم يستشر أحدا منهم في نوعها وطعمها، فهي من الرئيس الأوحد ولابد أن تكون لذيذة طيبة نافعة وفي عهد الفكر الشمولي للأب والابن فلابد للقطيع أن يستسلموا فالآخر لا مكان له إلا في نفسيهما حتى لو لم تكونا على حق وفضيلة.

فماذا قال صاحبنا في بعض هذا الخطاب وأتى به من جديد، طبعا إن الأسطوانة التي تعود عليها شعبنا منذ أكثر من أربعة عقود هي الاتهام بالمؤامرة فما يقوم الأحرار به من احتجاجات سلمية فعلا ضده، إنما هي جارية في هذا السياق، إنها مؤامرة خارجية من سلسلة المؤامرات الكثيرة التي تعرضت لها سورية في تاريخها الطويل بسبب مواقفها السياسية، أي المشرفة، أي ليست المظاهرات عفوية انطلق بها الشارع نتيجة الاحتقانات والمظالم التي مر عليها قرابة نصف قرن وليست متأثرة باحتجاجات تونس ومصر وليبيا، ثم دعا إلى تقوية المناعة الداخلية والبحث عن نقاط الضعف وترميمها.

أجل: أما المؤامرة فهو ومن لف لفه يدركون أن هذا ليس صحيحا البتة وأن الشعب المهضوم لم يطالب في بداية هبته إلا بالإصلاح والحرية والكرامة والتخلص من حياة القهر والذل والاستعباد والاستبداد وممن يا ترى: من فئة قليلة في أسرة وحيدة ومن يلوذ بها ممن سخروا أي تطوير أو تحديث في البلد لمصلحتهم لا لمصلحته ولا يوجد دليل واحد على أنها مؤامرة خارجية إذ ولدت هذه الثورة في بلادنا ولادة قيصرية ورغم أنها في طريق مخاض عسير فقد ولدت لأن طبيعة السنن الكونية والتاريخية أرادت لها أن تظهر إلى حيز الوجود بعد هذا الكمون الهائل من ضيق الخناق، أما العلاج بتقوية المناعة الداخلية لحل المشكلات فهو ووالده قبله هما اللذان أضعفا هذه المناعة حتى هزل الجسم القوي وتسببا في إلحاق الذل بكل سوري حر أصبح يخجل في عهدهما أن يقول إنه سوري لما لسورية من تاريخ عريق عظيم ومن أعلام بارزين بمواقفهم في جميع جوانب الحياة ولكن:

لقد هزلت حتى بدا من هزالها

كلاها وحتى سامها كل مفلس

ومع ذلك فإن طبيبنا الذي انتقل من العيادة إلى القيادة أي من نطاسي إلى سياسي يبدو أنه نسي حقيقة التشخيص في العيادة العينية وأصبح جراحا بل جزارا يجيد الذبح والجرح والركل والعفس بل واغتصاب الفريسة الذي قام بها شبيحته دون غيره ومازالوا وبالرغم من هذا وبعد فساد أحد عشر عاما يحدثك عن الحل الداخلي وإصلاح الأحياء والأموات لتقوية المناعة إذ بهذا وحده أي الحل الأمني الأنجع تحل الأمراض وتنتعش الجسوم والنفوس من جديد، أما في باب السياسة التي هي حسن التدبير فأي تدبير أحسن من مخالفة المنطق وسحق أبجديات هذه السياسة من أجل السلطة والمغنم، وقد صدق الرافعي الأديب إذ يقول: إذا كانت المشكلة بين الذئب والحمل فلن يكون حلها إلا من أحد اثنين إما لحم الخروف أو عصا الراعي، وإذا كانت المصلحة في السياسة هي المبدأ فمعنى ذلك أن عدم المبدأ هو في ذاته مصلحة السياسة. وإن همّ مثل أولئك الساسة أن يقدموا دائما الكلمة الملائمة للوقت. أي تمويها وخداعا أقول: ولكن نسي الرئيس ومن معه أن الوعي بالحرية أصبح أمنع سد أمامهم وأكد القائد الذكي أن الحل الأمني أثبت فشله بإنزال الجيش والأمن لقمع الاحتجاجات بالنار مهما كان كلفة ذلك من ثمن ولكن بعد ماذا، بعد الصرخات والويلات والانتهاكات وقتل النفس التي طالت الجميع بما فيهم الشيوخ والنساء والأطفال والشباب الذين هم بأعمار الزهور، فهل قال هذا الملهم: حسبنا ما أجرمنا به، كلا إنه برر ضرورة إبقاء الجيش والأمن في المدن والأحياء لأن طبيعة المشكلة الآن تقتضي ذلك اعترافاً منه أن حكمه كما كان حكم أبيه لا يمكن أن يدوم بغير الدبابات والقمع وأن على الشعب أن يحاور جلاده مجبرا في هذا المناخ وإلا.. ونحن نعرف أن الجيش والأمن منذ عهد أبيه كانا الجهازين اللذين أشرفا على كل التحولات في الحياة وأرادا لها أن تأتي على صورتيهما وقد تحولت وزارة الدفاع وكذلك الداخلية إلى مركز تقرير للحياة العامة أي أصبحتا القوة الحاكمة وليستا من أدوات الحكم فحسب، وما الحزب الذي تسمى بحزب البعث العربي الاشتراكي، إلا تابع لهما وممنوع من القرارات المهمة وإن كل سوري نظيف شريف يعرف هذا كما يعرف الإنسان نفسه وأباه وأمه. وقال الأسد: إن العفو الذي أصدره مؤخرا لم يكن مرضيا للكثيرين على الرغم أنه جاء أشمل من غيره، إن جلدك وشعر رأسك يقشعر عندما تسمع هذا الكلام وتتساءل بحق: من يحاسب من ومن يعفو عن من؟ أبعد كل هذه الجرائم والفظاعات السابقة واللاحقة الحاضرة يتجرأ على مثل هذا المن والأذى، لقد اقترف الأسد بحق الضحايا ما يصلح حقيقة أن يعتبر جرائم ضد الإنسانية واليوم يريد أن يتصدق بالعفو على الأحرار أو يعفو المجرم عن غيره، أفبعد هذا المنطق منطق! نعم إننا نقول هذا بمعنى أنه هو المسؤول الأول والأخير عما جرى ويجري من المآسي وإن اشترك معه أخوه ماهر وأركانه وشبيحته الأوغاد.. وقال الأسد: إنه سوف يعرض قوانين للإصلاح السياسي ويكلف لجنة وهيئة للإعداد لحوار وطني يشترك فيه الجميع وسوف يستشير وزارة العدل في ذلك.. ما شاء الله!! متى كان الديكتاتور يأخذ برأي غيره ويحترم رأي القضاة، بل إن هؤلاء القضاة ليعرفون ذلك لأنهم ما داموا أصحاب دين وذكاء وضمير حي فإنهم يعرفون أنهم محكوم عليهم قبل أن يحكموا على الناس، والجدير بالذكر أن حرف "سوف" تكرر في خطاب الأسد كثيرا حتى سماه بعضهم: مستر سوف، أي لأنه لا يمكن أن يكون مصلحا كما يريد الحق وأهله وإنما يعمل ذلك لكسب الوقت أو عمل ديكورات وزخارف لا تنفع حين يهوي البناء.

وأضاف الأسد: لا مبرر لأعمال القتل والتخريب في الاحتجاجات، وهذا كمن يقولون ضربني وبكى وسبقني واشتكى، أهكذا تورد الإبل يا سعد نعم إن الحرب خدعة ولكن مع العدو الإسرائيلي وسواه لا مع الشعب الذي لو كذبت في سبيله فلا مانع أما أن تكذب عليه وتقلب له ظهر المجن فهذا من صفات النعامة وإن كنت أسدا حقا وما من وسيلة إعلامية وشهود عياد وضحايا سقطوا وجرحى ومسجونين وفارين إلا ويشهدون أن الاحتجاجات "سلمية" وقد زورت أنت وحزبك وعصابتك الحقائق بجماعات مسلحة مزعومة لتبرر قمعك ولكن الشمس لن تغطى بالغربال وقد تمت الفضيحة للباطل على رؤوس الأشهاد عالميا.

وقال المؤيدون: ألم يقدم الرئيس التعازي للضحايا واعتبرهم شهداء لأهيلهم وللوطن وحزن عليهم؟!! قلت إذا لماذا اعتبرهم مخربين وهو الذي ناقض نفسه لما قال بداية إن مطالبهم مشروعة هذا من جهة ومن جانب آخر، إنما يقول ذلك كي ينجو مستقبلا من قصاص المحاكم الدولية، حيث إنه منع إطلاق الرصاص ولكن لم يستطع فأخذ يترحم على الشهداء ليكون إثباتا له أيضا أنه لا يرضى بقتلهم!

وقال الأسد: إنه تعجب لما فوجئ بعدد المطلوبين للعدالة في سوريا إذ بلغ 64 ألفا أي ما يعادل خمس فرق عسكرية،قلنا وهل هذا تم في غير عهدك المفسد وإن الله لا يصلح عمل المفسدين ولو فرضنا أن هؤلاء لم يكونوا كذلك ووجهناهم إلى جبهة الجولان اما يحررونها ولكن ماذا تقول للمكابر الفوقي المغرور المتعجرف المتجبر الذي لا ينظر بعين البصيرة، أما ما ذكره عن جوازات السفر وأنه أمر هو والمعلم بفتح اللام وزير الخارجية بمنح الوثائق للممنوعين فهذا حقهم لا منة لهما فيه ومع ذلك لم تنفذ الأوامر!

مشكلتنا العويصة معك ومع نظامك أيها الرئيس الوريث أنكم قوالون غير فعالين بكل ما ذكرتم من أمور أخرى وردت في الخطاب، أما شأن النازحين إلى تركيا ولبنان والأردن فعليكم من الله ما تستحقون في إجرامكم الشامل وعودا على بدء فكما قال مصطفى الرافعي: إن النصر أخيرا لمن يحتمل الضربات لا لمن يضربها!

---------*******************---------

هكذا تكلم عبد الرحمن الكواكبي عن الشبّيحة .. محمد حيان السمان *

> في الطريق المُكْلِفة نحو الديموقراطية والعدالة و كرامة المواطن, التي يشقها شباب الثورة السورية اليوم بشجاعة وعزيمة نادرتين,لا بد من استحضار الكواكبي من حين لآخر, لا بد من استلهام صرخته المدوية والنبيلة والشُجاعة في وجه الاستبداد, بوصفها كنزاً إنسانياً و فكرياً, قدّس الحرية والكرامة الإنسانيتين, بمقدار تعريته الاستبداد وتفكيك آليات عمله المتوحش على مستوى السياسة والأخلاق والتعليم والاقتصاد والثقافة...

> إن وعي الممارسة والمعاناة الميدانية المتشكل تراكمياً يوماً بعد يوم, لدى شباب الثورة السورية, هو المحدد الأساسي لرؤيتهم نحو المستقبل. كما أن مصادر القوة والأمل لديهم تتأسس من خلال عدالة مطالبهم وسلمية تحركهم وجدارتهم التاريخية والسياسية والأخلاقية بأحلامهم. بيْد أن صرخة نبيلة كتلك التي أطلقها جدُّهم الشيخ الكواكبي, على مستوى الفكر والنظر, ستكون بمثابة إيماءة للثورة تحمل معنى المؤازرة والرضا والحب, وتبارك عملهم التاريخي العظيم.

* * *

> كيف تكلم الكواكبي عن الشبّيحة – أعوانِ المستبد - – في كتابه ( طبائع الاستبداد) ؟ وبأي لغة صوّر أفعالهم المشينة بحق الوطن والمواطن؟.

> بداية لا بد من الإشارة إلى وجود معنيين اصطلاحيين لهذه الكلمة المقيتة – الشبّيحة – أطرا دلالتها التداولية خلال الثورة السورية :

> المعنى الضيق : مجموعة من القتلة المدربين على البطش بالمواطنين العزّل. منهم الموظفون الرسميون في الأجهزة القمعية, ومنهم أزلام مأجورون لرموز النظام التسلطي وأصحاب الثروات الذين نهبوا, بمؤازرة ودعم السلطة, أموالَ الشعب. هذا الصنف من الشبيحة يظهر بشكل خاص في الأزمات الخطيرة التي يواجهها النظام الاستبدادي, وتستدعي تشغيل أجهزة القمع بصورة قهرية جسدية مباشرة. وقد شاهد العالم أجمع قطعانهم بلباس مدني في شوارع المدن السورية مؤخراً, يلاحقون المتظاهرين المطالبين بالحرية, فيقنصونهم عن بعد, أو يواجهونهم بالرصاص الحي مباشرة, أو ينهالون عليهم ضرباً بالقضبان الحديدية و الهراوات.

> المعنى الواسع : يلجأ النظام التسلطي من أجل احتكار السلطة إلى السطو على أجهزة الدولة, وتسخير وظائفها الإعلامية والثقافية والتعليمية والاقتصادية لخدمة مصالحه الخاصة. وهكذا يظهر الشبيحة في هذه الأجهزة الإيديولوجية كجيشٍ من الموظفين الذين يُسخّرون خبراتهم ومواقعَهم المؤسساتية وسلطاتهم المختلفة لخدمة النظام التسلطي . وفي أوقات الأزمات والصدام المباشر بين السلطة والمجتمع , يفزع هؤلاء إلى مؤازرة الشبيحة من الصنف الأول, بما ملكوا من سلطاتٍ إيديولوجية, حتى لا يكاد المرء يلحظ كبيرَ فارقٍ- لا في المنظر ولا في المخبر- بينهم, كإعلاميين وأساتذة جامعات ورجال دين وقانون, وبين الشبيّحة القتلة.

> * * *

> يستخدم الكواكبي مصطلح التمجّد / المتمجدون بمحتوى دلالي يتطابق إلى حد بعيد مع ما تحيل إليه دلالة الشبيحة بالمعنيين المشار إليهما : كقتلة وجلادين, أو كأبواق تضليل وأدوات هيمنة في خدمة النظام التسلطي.

> التمجّد, يقول الكواكبي, خاصٌّ بالإدارات الاستبدادية, و" هو أن يصير الإنسان مستبداً صغيراً في كنف المستبدِّ الأعظم " ! والمتمجّدون " أعداء للعدل أنصار للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة، وهذا ما يقصده المستبدُّ من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغرِّر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها ".

> وقد لاحظ الكواكبي بنباهة لافتة, أنه كلما أمعن النظام في التسلط وشدة الاستبداد, واختطفَ الدولة ومؤسساتها فحرفها عن شرعيتها القائمة على تمثيل المجموع الاجتماعي والحق العام – بتعبير عبد الإله بلقزيز - ؛ كلما كثُر الشبّيحة من الصنفين, وأمعنوا في الانقضاض على أجساد الناس و كراماتهم وعقولهم :

> " وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقلُّ حسب شدة الاستبداد وخفّته، فكلما كان المستبدُّ حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجّدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدينٍ أو ذمّة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً، ولهذا، لا بدَّ أن يكون الوزير الأعظم للمستبدّ هو اللئيم الأعظم في الأمة " !! .

> تحيل دلالة التمجّد في بعض مستوياتها الدلالية داخل خطاب الكواكبي, إلى معنى الشبيحة كقتلة للشعب : التمجد, يقول الكواكبي, هو " أن يتقلّد الرّجل سيفاً من قِبَل الجبارين يبرهن به على أنَّه جلاد في دولة الاستبداد ".وعندما يتحدث الكواكبي عن حاشية المستبد فإن المجموع الدلالي لكلامه يؤطر بدقة الحقلَ الذي تحيل إليه دلالة الشبيحة كقتلة و مجرمين . فهذه الحاشية, كما يقول الكواكبي, " أشقى خلق الله حياة, يرتكبون كل جريمة وفظيعة لحساب المستبد " .

> إن الحاجة للشبيحة في النظام التسلطي أمر حتمي, وحتميته نابعة من الترابط البنيوي بين المستبد وغياب المشروعية السياسية لسلطته. مما يؤدي به إلى البحث عن أدوات تحميه بالعنف وتكرس, من خلال قهر أفراد المجتمع, سلطته غير الشرعية. من هنا المستبد, كما يقول الكواكبي, "لا يخرج قط عن أنه خائن خائف محتاج لعصابة تعينه وتحميه ". وتمتد هذه العصابة وتتكاثر لتشمل " القائد الذي يحمل سيف المستبد ليغمده في الرقاب بأمر المستبد لا بأمر الأمة ", والجندي الذي " لايكاد يلبس كم السترة العسكرية إلا ويتلبس بشر الأخلاق, فيتنمر على أمه وأبيه, ويتمرد على أهل قريته وذويه, ويكظ أسنانه عطشاً للدماء لا يميز بين أخ وعدو... ". عصابة يستحيل معها الوطن جحيماً يحاصر أبناءه ويئدهم أحياءً. وقد خاطب الكواكبي هذا الوطن وكأنه يلحظ بعين الغيب مستقبلَ بلده يجول ويصول فيه شبيحة النظام التسلطي :

> " أيها الوطن... إلى متى يعبث خلالك اللئام الطغام ؟ يظلمون بنيك و يذلون ذويك ؟ يطاردون أنجالك الأحباب ويمسكون على المساكين الطرق والأبواب ...؟ ".

> * * *

> تنصرف دلالة التمجّد في خطاب الكواكبي إلى المعنى الواسع للشبيحة أيضاً, بوصفهم أبواق تضليل وتزييف للحقائق, أدوات يهيمن بها النظامُ التسلطي على المجتمع, ويحتكر من خلالها وظائفَ الدولة ومؤسساتها, لتأبيد سلطته والإيهام بشرعيتها السياسية والدستورية. يقول الكواكبي عن المتمجدين / الشبيحة بهذا المعنى الأخير ما يلي: " المستبد يتّخذ المتمجّدين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حبّ الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أنَّ كلّ هذه الدواعي الفخيمة العنوان في الأسماع والأذهان ما هي إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة وتضليلها " .

> يقرر الكواكبي أن الاستبداد المشؤوم يقوم على قلب الحقائق , مما يستدعي جيشاً من الموظفين / الشبيحة الذين يعملون, كل حسب موقعه, في خدمة المستبد, من إعلاميين وعلماء وأطباء و مهندسين ورجال دين وأصحاب أموال...الخ. وهؤلاء جميعاً, كما يجزم الكواكبي, لا بد أن يكونوا متصاغرين متملقين أذلة, أي باختصار – شبيحة – حتى يقبل بهم المستبد, ويدرجهم ضمن طاقم القهر والتضليل الذي يستخدمه إزاء المحكومين.

> " الموظفون في عهد الاستبداد للنصح والإرشاد يكونون من المنافقين الذين نالوا الوظيفة بالتملق, وما أبعد هؤلاء عن التأثير.. " وفي مكان آخر يقول " لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً , فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس, يختار الغبيّ المتصاغر المتملق " .

> ومن علامات سياق الاستبداد التي يلتقطها الكواكبي, اشتداد الحرص في رؤوس الناس على التموّل القبيح, بسبب سهولة تحصيل الثروة بالسرقة من خزينة الدولة, وبالتعدي على الحقوق العامة, وبغصْب ما في أيدي الضعفاء. في مثل هذا الفضاء يكثر الأثرياء / الشبيحة أصحابُ رؤوس الأموال الضخمة. وعدة الشخص في السياق الاستبدادي, كي يتحول إلى مليونير أو أكثر, على ما يقول الكواكبي " هو أن يترك الدينَ والوجدان والحياء جانباً, وينحط في أخلاقه إلى ملاءمة المستبد الأعظم, أو أحد أعوانه وعماله ... ويتقرب من أعتابه ويُظهر له أنه في الأخلاق من أمثاله و على شاكلته, ويبرهن له ذلك بأشياء من التملّق وشهادة الزور وخدمة الشهوات والدلالة على السلب و نحو ذلك.. " أي باختصار : أن يغدو شبّيحاً !!

> ولا يفوت الكواكبي الإشارة إلى التساند والتكامل بين صنفيّ الشبيحة, في هجماتهم الشرسة على المجتمع خدمة للمستبد. وبخاصة عندما يلحظ هذا الأخير وجودَ بعض العقلاء بين صفوف الجماهير الخانعة خوفاً وجهلاً, ويتوجس من ساعة المساءلة والمطالبة بالإصلاح. " عندئذ يرجع المستبد إلى نفسه قائلاً : الأعوان .. الأعوان.. الحملة السدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجيش من الأوغاد أحارب بهم هؤلاء العبيد العقلاء, وبغير هذا الحزم لا يدوم لي ملك , بل أبقى أسيراً للعدل معرّضاً للمناقشة منغصاً في نعيم الملك, و من العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون سلطاناً جباراً متفرداً قهاراً " .

> * * *

> وهو يفكك دولة الاستبداد ويبيّن آليات عملها تمهيداً لوعي البدائل وتهيئة للحكومة الشورية والدولة المدنية؛ راح الكواكبي يظهر قبحَ المستبد وشروره وأفاعيله المشينة في حق محكوميه. لقد قال بوضوح : إن دولة الاستبداد دولة بله وأوغاد ! وعندما راح يبسط القول في أعوان المستبد وأوغاد دولته, قاده سردُه الحارق العميق إلى كلام يليق بشبيحة زمننا.

> تتشابه الأزمنة إذاً على الرغم من مرور قرن على صرخة الكواكبي؟ ربما.. لكن لا بد أن نأخذ في الاعتبار أخيراً الفارقَ في درجة المشروعية السياسية والتاريخية – والأخلاقية أيضاً – بين دولة السلطنة العثمانية التي كان الكواكبي يحيل إليها في حديثه عن الاستبداد, وبين الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال, و مآلاتها الراهنة بالغة القبح والقساوة, والتي يمكن اختزالها في معادلة مواطن / شبيح ! و ما بينهما : دولة مختَطفة و مجتمع مستباح .

* باحث سوري. مؤلف كتاب ( خطاب الجنون في الثقافة العربية).

---------*******************---------

في تقدير الموقف.. زهير سالم*

- على طريق مشروعنا الوطني الطويل...

- حول مؤتمر الحوار الوطني غدا في دمشق: هونا ما..

- وما أوردته الصنداي البريطانية عن معارضة إسلامية مسلحة...

 

أولا على طريق مشروعنا الوطني الطويل..

تلفتك بشدة طريقة تعليق فريق معارض على قرار أو موقف فريق وطني آخر اختلف معه في تقدير موقف. تسوؤك عبارات التشكيك والتهوين والتخذيل. ندرك أننا في الطريق إلى مشروعنا الوطني البعيد سنتعرض إلى جملة من التحديات، وسنمر بالعديد من مفترقات الطرق، وسنتفاوت قليلا أو كثيرا في أبعاد الرؤية وفي زواياها، سنفترق ولكن دائما يجب أن نتذكر أننا يمكن أن نلتقي من جديد. فالذين يصعدون في الجبل لا بد أن يلتقوا على قمته مهما اختلفت معارجهم.

 

في القضايا الوطنية التقديرية ليس هناك صواب مطلق أوخطأ مطلق، هناك دائما فرصة لتقدير الموقف وللاجتهاد فيه. أخالفك من حقي، وتخالفني من حقك ولكن لنتعلم كيف نحتفظ بفرصة للقاء من جديد. الآراء الحديدة التي تصادر حق الآخرين لا تخدم المشروع الوطني بل تفتته وتحقق غايات المخذلين.

 

وعلى هذا الطريق يتحمل كل فريق مسئوليات خياره، وحين يترك لكل فريق أن يتحقق من نتائج خياراته ويختبر مخرجاتها ترده تجربته إلى المسار الذي فارقه، وفي الوقت نفسه سيكون لمخرجات اجتهاده الإيجابية إن كانت انعكاسها على المصلحة الوطنية العامة..

 

أعتقد خطابنا الوطني على كل المحاور ينبغي أن يكون أطيب في مطالعه وألين في مفاصله، وأحسن في مضامينه. قال العربي يخاطب بنيه:

بَنيّ إن البر شيء هين ... المنطق الطيب والطعيم

إن أربعين عاما مرت على شعبنا في ظل الاستبداد قد انعكست على الجميع بلا شك توترا وقلقا وشكا ونبذا. ليس  وراء كل كلمة نختلف عليها الكفر، ولا وراء كل مصلحة أو مفسدة نختلف في تقديرها الخيانة أو الجريمة أو الانحراف. يدعونا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن نحب إذا أحببنا هونا ما.. ونكره إذا كرهنا هونا ما...؛. أعلم تماما أن رأيك هو الصواب، ولكن أرجوك أن تقر أنه يحتمل الخطأ، وهذا الاحتمال هو القدر من الصواب الذي يجب أن تعترف به لرأي مخالفك فهونا عليه هونا

 

حول مؤتمر الحوار الوطني غدا في دمشق: هونا ما..

يشكل الحوار الأفق والهدف لأي حراك يسعى لتحقيق أهدافه من أيسر الطرق وأقربها. فالحوار هو الجسر الذي يعبر عليه المختلفون إلى غاياتهم، وفي رحابه تلتقي المجتمعات المتحضرة لتسوية خلافاتها وبناء حاضرها والتأسيس لمستقبلها...

 

ونعتقد أن الحوار لكي أن يكون مثمرا وبناء ينبغي أن تتوفر له الشروط التي تتيح للمتحاورين حرية  التفكير والتعبير، ويكونون فيها قادرين على القبول والرفض والاستدراك والاستثناء والاشتراط... فليس حوارا ما يدور بين الأسير وآسره. ولقد نص فقهاء المسلمين على أن الأسير لا يفاوض ولو كان خليفة أو ملكا..

 

ونؤكد مرة أخرى أن الحوار لا يكون تحت الحراب، وذلك ليس لقدرة المتسلح بالسلطة على الإكراه فقط، وإنما لقدرته أيضا معتمدا على سلطته المادية على الانقلاب على توافقات الحوار عندما يشاء..

 

ثم إن من ضرورات نجاح أي حوار أن يتم في مناخ مساعد عليه بحيث يستشعر المخالفون أو المستهدفون بالحوار أنهم شركاء مكرمون وفعالون فيما يخوضون فيه، وليسوا مكرهين بفعل القتل والقمع والتنكيل. إن ما يجري اليوم على الأرض السورية من قتل وترويع ستظهر كل من يستجيب لأي حوار، في مثل الظرف الذي يعيشه الشباب المناضل كالمنقلب على طريق الثورة، والمراهن على دماء الشهداء، المستهتر بآلام الآباء والأمهات، وإن حسنت النوايا واختلفت التقديرات. ويكفي أحيانا لرفض خطوة المصلحة فيها مقدرة أن يكون لها انعكاسها السلبي في تمزيق الصف الوطني وهو بعض ما يراهن عليه المراهنون ..

 

كما يعتقد البعض – وهم محقون إلى حد كبير – أن دعوة النظام السوري إلى الحوار في الوقت الذي تخترق فيه الدبابات المدن والبلدات وتطارد الأبرياء هي محاولة لشق صف المعارضة السورية بين قابل للحوار ورافض له مشكك بالمشاركين فيه لهؤلاء وأولئك نقول هونا ما.

 

ولتفويت مثل هذه المقاربة على أصحابها من المفيد أن يكون واضحا أن المشاركة في أي حوار وطني مع أي جهة هي مسألة اجتهادية تقديرية، يتحمل مسئوليتها أي شخص أو فريق ينخرط فيها. وخياره هذا لا يجوز أن يكون مدخلا للتشكيك أو التهوين أو التخوين، وتظل نتائج أي جهد هي المعطى الأساسي للحكم عليه.

 

من المفيد دائما أن نتذكر أنه ليس من حق أي فريق  أن يفرض الوصاية على الآخر الوطني بالتقويم الذي يرفع ويخفض. من حقنا جميعا أن نناقش المواقف وأن نسددها وأن نشير إلى ما فيها من ضعف أو قصور وما لها وعليها من سلبيات وإيجابيات؛ ولكن ليس من حق أي فريق  أن يعتقد أنه الأولى بالمادة الثامنة من الدستور فيمنح شهادة حسن سلوك هنا وينزعها هناك. حديث عام يستغرق الكثير من الوقائع التي ربما نستقبلها في قابل الأيام..

 

وبينما يسارع البعض إلى التشكيك في نوايا ومواقف وأهداف الذين سيجتمعون في دمشق غدا؛ يؤكد هؤلاء أن مؤتمرهم هو محاولة حوارية وتنسيقية بين بعض الشخصيات الوطنية  المعارضة نفسها. وفي هذا الإطار المحدد، إن تم الالتزام به ، تكون المبادرة المشار إليها خطوة على الطريق طال انتظارها. فكما كان لمعارضة الخارج لقاءاتها ومبادراتها من المفيد جدا أن تباشر معارضة  الداخل جهدها على الطريق نفسه. ليس من الحكمة أن يبادر البعض إلى احتكار الساحة الوطنية لذاته أو جهده أو رؤيته، ومن سوء التقدير للموقف أن يسارع المرء إلى حجب الثقة عن كل من يختلف معه في تقدير أو تدبير فبنيّات الطريق كثيرة، و( إعجاب كل ذي رأي برأيه ) من فواصم العمل الجماعي كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم..

 

إنه من الضروري أن نعترف أن أي لقاء تشاوري لمعارضة سورية تتم على الأرض السورية هي أرجح في تقدير الأوزان من أي جهد، مع مباركة كل جهد، يتم بعيدا عن الميدان. في الإطار المحدد للحراك المعارض من المفيد أن تتبع مؤتمر الغد مؤتمرات. وأن يكون من أهداف حراكنا الوطني جعل هذه المؤتمرات الوطنية المتحررة من سيطرة النظام وتوظيفه فعلا يوميا وحقا ديمقراطيا يمارسه أبناء الوطن عندما يقررون، وليس عندما يُقرر لهم.

 

ونتمنى دائما أن يكون بقدرة المتحد السياسي الوطني أن يصنع توافقاته وأن يحافظ على وحدته. وأن تضع كافة القوى والأحزاب السياسية طاقتها في دعم المشروع الوطني الذي يصنعه الشباب المناضل بدمه وجهده.

 

وما أوردته الصنداي البريطانية عن معارضة إسلامية مسلحة...

يبدو أن ما توثقه عدسات التصوير من خروج عشرات الألوف من المتظاهرين السلميين في شوارع درعا ودمشق ودوما وحمص وتلبيسة وبانياس وحماة وجسر الشغور لم تقنع محرر تقرير الصنداي البريطانية أن هذه التظاهرات التي يتحدى شبابها الموت بصدور عارية هي وطنية في بعدها الأول بمعنى أنها ليست وقفا على فريق وطني دون فريق، وليست وقفا على قوم دون قوم، ولا على أتباع دين دون دين، أو أتباع مذهب دون مذهب.

 

وهي سلمية في بعدها الثاني يخرج المتظاهرون إلى الساحات العامة والشوارع والأحياء لا يحملون سلاحا ولا عصا ولا حجرا يتقدمون بصدورهم ولا يرفعون غير أصواتهم تعلي من شأن وطنيتهم وتؤكد سلمية نضالهم تنادي بالحرية والوطنية وتندد بالفتنة الطائفية..

 

مئات الألوف من الرجال المسالمين مع مئات من الصور التوثيقية تبثها كل يوم وسائل الإعلام لم تكن كافية لدحض كذبة تمسك نظام القمع منذ اليوم الأول بتكرارها في روايات وأساليب متعددة وأحيانا متناقضة، فينسب  أعمال العنف المزعوم مرة  إلى فلسطينيين وأخرى إلى أردنيين وثالثة إلى لبنانيين ورابعة إلى مجرمين خارجين على القانون كما في خطاب بشار الأسد الأخير وخامسة إلى سلفيين وتكفيريين!!!

 

لماذا أعجبت هذه النسبة الأخيرة مراسل الصنداي البريطانية لسنا ندري؟! لماذا تتجاهل صحيفة رصينة آلاف الشواهد على وطنية الثورة وسلميتها وبراءة شبابها لتنحاز إلى تأكيد  حديث النظام عن ( إسلاميين مسلحين ) في تقرير نتساءل عن مصدره ومخرجه؟! لماذا لم تقنع شهادات العشرات من رجال الجيش العربي السوري المنشقين عن وحداتهم العسكرية الباحثين عن الحقيقة براويتهم لها؟! ولنفترض جدلا أن بعض الأفراد  المفجوعين في أبنائهم والمهددين بأسرهم قد رفعوا سلاحا فرديا للدفاع عن أنفسهم فهل هذا يشفع لتدبيج تقرير كالذي دبجته الصنداي البريطانية  أم نعود فتقول إن  وراء الأكمة ما وراءها؟!

----------------

*مدير مركز الشرق العربي  

---------*******************---------

الثورة السورية .. التطور الاستراتيجي .. مهنّا الحبيل

السياسي 25/6/2011

مشهدان سنبدأ بهما دلالات تطورات الثورة السورية وما نعنيه من انعطاف محوري للأحداث: الأول يبدو مشهدا بسيطا لكن له رسالته العميقة بالربط مع البرنامج العام هذا المشهد هو ما تعرض له الرئيس بشار الأسد في خطابه الثاني عن الأحداث الذي ألقاه في مدرج جامعة دمشق مع حشد من معاونيه ومن أنصاره فخلال الخطاب تعرّض الرئيس لغصّة جعلت كلامه ينقطع دون مفردة واضحة وإذا بالجمهور المحتشد يضج بالتصفيق فقط بعد غصة الرئيس .. ونحن نعرض المشهد كما جاء على الهواء، أما المشهد الثاني فهو مئات اللقطات وعشرات الأفلام التي بدأت تهطل على عالم اليوتيوب والإعلام الجديد بعد خطاب الرئيس مباشرة بل إن بعضها كان قبيل اختتامه لكلمته، وكانت هذه الأفلام الموثقة من غالبية مدن القطر السوري تُصوّر حركة الرفض الشديدة لخطاب الرئيس بشار الأسد وتُجدد مطالبها بإسقاط نظامه ورفض الحوار مع ملاحظة أن هذا الخطاب يأتي في ذروة حركة القتل للمتظاهرين السلميين والحرب العسكرية التي شُنّت على مدن الاحتجاج الرئيسية وخاصة الشريط الحدودي ولكن كان الأفدح توثيق برنامج الاغتصاب الحقير التي تعرضّت لها بعض الحالات في هذه المنطقة الريفية على الحدود التركية.

 ورغم محاولات النظام تفجير الحالة طائفيا واستماتته لذلك الغرض مع خدمة الإعلام الإيراني والحزب اللبناني الموالي له في هذا الضجيج إلاّ أنّ الثورة السورية أسقطت بتفوق هذا الضجيج منذ بدايات الثورة ثم كان إعلان الجمعة قبل الماضية باسم الشيخ صالح العلي - جمعة الوحدة الوطنية - والتي كانت من أقوى جُمع الحراك الشعبي الاحتجاجي لتسجل الثورة وجودا قويا راسخا في خطابها الوطني خاصة بان الشيخ صالح العلي وهو احد الزعماء العشائريين من أبناء الطائفة العلوية الذين خاضوا الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي ورفض استدراج الفرنسيين له وعرضهم عليه أن يقيم دولة علوية مقابل مناهضته للثورة فاصطف مع الثوار في حركة الوحدة الوطنية لسوريا، وكأنما استدعاء هذا التاريخ النضالي الوحدوي رسالة حسم للداخل والخارج لثقافة هذه الثورة وقوة وعيها الوطني.

لكن الانعطاف المهم للغاية لدلالات المشهد السوري هو أن ما أثبتته الثورة هو تمتعها بعنصر القيادة والحسم الذاتي وقوة التحامها مع الشعب واندماجها وهو ما سنفُصله في النقاط التالية:

1- أظهرت الثورة السورية صعودا مضطردا على الأرض وتزايداً في شعبيتها وارتفاعا في حصيلة روح التضحية والفدائية لمناضليها من كل الشرائح والأعمار خاصة شباب وصبايا الشام بل وحركة الاحتجاج الطفولية البريئة.

 2- قوة التناغم والتغطية الذاتية بين الداخل الثوري والإعلام الجديد والفضائي العربي والعالمي وكيف تحول ثلة في كل مدينة من الشباب والصبايا إلى مراسلين فدائيين ينقلون قصة الشعب العظيم وقرار حريته رغم دموية المشهد الذي زاد إصرار الإعلاميين الفدائيين بصدورهم العارية وعزّز ثقة العالم بهم.

 3- حركة تطور التضامن المذهل بين مدن وقرى وريف وبوادي القطر وتلك المسارعة لتحريك برنامج التظاهر الاحتجاجي لنصرة المدن المحاصرة ورفع درجة الالتحام المعنوي والمادي بتهريب الأغذية وحليب الأطفال ونقل الهواتف الفضائية بينهم رغم ندرتها.

 4- وهو العامل القوي مركزيا ونقصد ثقافة التنسيقيات ولغتها الوطنية التضامنية وتواجدها الميداني المنظم وسرية برنامجها وتصعيد خطابها , ثم إعلانها المركزي الذي تضمن عرض المرحلة الانتقالية على النظام بصيغة سياسية وطنية راقية رغم علم الجميع لرفض النظام لقرار التغيير لكن مستوى الوعي السياسي والبرنامج المدني للبيانات أعطى ثقة إضافية إضافة إلى دقة تعاطي الميدان مع بياناتها.

 5- قوة القيادة الجمعية لدى التنسيقيات في مدن القطر والإعلان عن اتحاد التنسيقيات العام لكل القطر والاستعداد لإعلان المجلس الانتقالي الموحد مع فروعه في مدن القطر لكن اُحتفظ بهذه الخطوة إلى توقيتها المناسب.

 6- سنلاحظ أنّ هذه العناصر شكّلت عنصر ثقة آخر ورئيسيا جدا وهو أنّ الثورة وقيادتها الميدانية باتت تتصدر المشهد وتنفذ خطتها ولا تنتظر البعد التركي أو العربي أو العالمي مع موقف العرب الرسمي المخزي الذي لم يقرأ الرسالة جيدا , المهم أن الداخل والخارج بات ينظر بإعجاب وثقة للقيادات الميدانية ورؤيتها في قرار تحريك الجماهير المركزي نحو حسم الثورة سلميا كمدار نهائي تتوجه فيه نحو هدفها الأخير.

 تشجيع استيعاب العناصر والمفارز العسكرية التي تمردت رفضا للمشاركة في قتل الشعب وتسجيل شهاداتهم الموثقة للأوامر التي صدرت لهم وحركة الشبيحة التي فُضحت ومن ثم إعادة تجميعهم وعدم الزج بهم في أي عمل عسكري وربما كان الرهان توجيههم لحماية الزحف الشعبي في أوقات الإعلان الأخير.

وبلا شك فان حراك المعارضة السورية والحقوقية في الخارج كان عنصر إسناد كبير وحيوي وحركة سوريي المهجر التضامنية وقد نسّق برنامجه بصورة ممتازة خاصة حين أعلن أن أعماله وجهوده تنصب على خدمة الشعب في الداخل والإسناد السياسي والمعنوي لهم وان القرار المركزي سيكون لدى قيادة الشعب الميدانية التي ستُشكّل التنسيقيات عمودها المركزي دون أي تورط مع البعد العسكري الدولي الذي أعلنت الثورة رفضها المطلق له خاصة بعد تجربة ليبيا المثيرة للمخاوف.

ورغم الآلام والتضحيات إلا أننا يتبين لنا دقة معنى الانعطاف النوعي الناجح للثورة السورية الذي بدأت حلب وأحياء جديدة من دمشق تتحد معها في إشارة مهمة تعكسها تلك الهتافات الليلية والنهارية التي تستمر طوال الأسبوع ثم تشتعل الجمع في تصعيد ممنهج يقول: إن الشعب لا محالة بهذه الإرادة التي يباركها الله لشآم رسوله يقطف ثمرة تضحيته ..سوريا عربية ديمقراطية حرة ..عليها لا مساومة.

---------*******************---------

خطابات الرؤساء وخيبات الشعوب .. سالم الفلاحات

الدستور 26-6-2011

يمسك المترددون والحائرون أنفاسهم انتظاراً لمخرج حقيقي يأتي على ألسنة حكام العرب ملوكاً أو رؤساء على حد سواء ، وتنطلق الآمال الواسعة والتوقعات المجنحة وبخاصة أن بعضهم يغيب عن المشهد شهراً أو شهرين ، ولا تسمع له ركزاً فمنهم من يُنظَّر إلى موقف جديد سيعلن اليوم ..

وإلى انتظار مخرج مقنع عظيم سيبادر به الرئيس في خطابه القادم المنتظر

وسيوضع حدّ للمعاناة والمناكفة التي توالت شهورها هنا وهناك ، وحرصاً على مقدرات الأمة ووحدتها وقوتها .

ثم تكون الفاجعة والصدمة الشعبية العامة ... وحتى ممن تظن فيهم النباهة والذكاء والفهلوة من الحكام فتجدهم يتحدثون عن الموضوع وكأنهم يعيشون قبل سنوات أو أشهر طويلة , ويظهر أن الزمن الفاعل توقف بهم قبل سنين عديدة ، وكل ما يجري في دنيا العرب منذ بدايات هذا العام لم يمر بذاكرتهم ولم يدخل حساباتهم السياسية ومراجعاتهم المنتظرة المأمولة لإخراج البلاد والعباد مما هم فيه ، سيما وهم -دون أزمات ومشكلات- مهددون باستقرارهم وبناهم الاجتماعية ، واستمرار كياناتهم السياسية التي يتلمظ العدو الصهيوني عليها غيظاً لتمزيقها أو تهديد بقائها .يعطل الناس أشغالهم ويعدلون مواعيدهم ويضبطون ساعاتهم للاستماع للخطاب التاريخي .. ويا حسرة هؤلاء الذين يعصرون الكلمات ويحاولون تضخيمها لعلها تحتوي على معنى جديد أو بارقة أمل ولكن هيهات هيهات.

وسلاح الرؤساء جميعاً ان خطبوا اخاطبوا بعد انقطاع هو:

1- ( سين سوف "س") تضاف إلى ضمير المتلك المفرد سأقوم ، سأعدل ، سأشرع ، سأعطي ، سأغير ، سأمنح ، سأعفو ، سأتكرم عليكم ب ، سأشكل لجنة أو لجاناً . !! وكأن الدنيا اختصرت بشخصه فقط اما ضمير الجمع فغائب ومستتر لا يبين .

وهذه السين لا تفيد الا التسويف الذي لا يرتبط بزمن محدود ، سين سوف هذه التي حاربها الجادون منذ الأزل وعلموا أنها قد تكون القاتلة .

2- ومعها يستخدمون سلاحاً آخر هو الإشارة إلى العدو الوهمي المندس في صفوف الشعب ، والمتآمر عليه ، هذا العدو الأخطبوطي وهو من فصيلة العنقاء والغول والشيطان الرجيم الذي دخل للوطن بأعداد كبيرة , وهو آلاف مؤلفة عندما كان الأمن العربي لا يراقب الحشرات والزواحف والطيور والفراشات ، ولا يمنعها من الدخول عبر الحدود المحروسة ، وقد كان حضارياً في لحظات تجارب على الديمقراطية فدخل هؤلاء الأعداء ، وسمموا الأجواء وأفسدوا الضمائر وشوهوا الثقافات – هكذا يدعون.

3- والسلاح الثالث هو التهديد والوعيد والإشارة إلى الجيوش الأمنية الوطنية التي ستعيد الأمور إلى نصابها وتعيد انتاج ثقافة الناس ومشاعرهم ، وتبني قناعتهم بكل الوسائل المشروعة عادة ،والمشروعة بسبب الطوارىء والظرف الراهن ، ولتفهيم من لا يفهم .

4- ثم الإعلان عن التنازل المؤلم عن بعض صلاحيات الحاكم بأمره تقديراً للظروف العامة، لكنها شكلية لا معنى لها ، وكان أكثرها تضحية ما قدمه ملك المغرب " محمد السادس " وإن كان أبقى بيده ما يجعل ما تنازل عنه ليس بذي جدوى .

ومنهم من لم يقل شيئاً سوى أنه أعاد تركيب كلمات قالها في سنوات خلت ، أو من علَّق خطابه على القدر المجهول وإلى زمن غير معلوم .

أو إعادة فك وتركيب بعض القوانين أو مواد الدستور لتبقى على حالها في الواقع .

إن الشعوب غادرت طفوليتها منذ زمن بعيد وما عادت تتلهى بلعب الأطفال ، وقد بلغت سن الرشد وهي في مطالبتها بالتغيير في بعضها أو بالإصلاح الشامل تعني ما تقول لا تعرف التعنت ولا الفردية ، ولكنها وصلت لقناعات حتمية بأن مخرجها مما هي فيه وبناءها لأوطانها وحفاظها على مستقبلها ومستقبل أجيالها يقتضي أن تتحمل مسؤولياتها كاملة وأن تحك جلدها بظفرها وليس بأظفار من يعتبرون الوطن والشعب هما ممتلكات وموجودات ومزارع ورثها بحكم قدراته العقلية ومؤهلاته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد .

إن حكام العرب أو معظمهم لما يغادروا مربع العصمة والعظمة المؤهلة ، واحتقار الآخرين مرددين بلسان الحال ولسان المقال

" وَمَا أريكم إلا ما أرى أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ... "

" أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ "

" أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَذَا الّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ "

" لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ"

" لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ"

" وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ..."

ويظهر انه ليس من الحكام العرب اليوم من هو مستعد او قابل للإصلاح أو التعاون أو التعاطي مع الأصوات الجادة الصادقة الوطنية المنتمية المنادية بالإصلاح لفقدان أجهزة الاستقبال أو لعدم توجيهها نحو الشعوب ، وإنما نحو المنتفعين بخراب الوطن فقط ، الراقصين على جراحات أبنائه المنزرعين فيه .

إن الذي يعيش في البطر والنعيم بلا تعب لا يطيق التفكير بالانتقال إلى حياة الناس العادية ، وإن المتمتع بنعيم الحياة لا يقبل الموت ، وإن الذي يتحكم بمصائر الشعوب خلسة دون مؤهلات يخشى من شروق الشمس ، وانكشاف صورته على حقيقتها ولذا فهو يعشق الظلام .

وإلى الشعوب المثابرة الجادة الباحثة عن الجادة ، الحريات لا توهب مجاناً ولا تقدم على أطباق من ذهب فدونها استفراغ الجهد والطاقة , ومهما كان الثمن الذي تدفعه فهو أقل من ضريبة الاستمرار في عهود الذل والعبودية ... وستشرق الشمس في موعدها المحدد ، وعسى أن يكون موعد شروق الشمس العربية قريباً.

---------*******************---------

الانتفاضة السورية والخارج .. مازن ميالة

لا يستطيع الباحث أو المراقب ألا يلحظ البون الشاسع في مواقف دول العالم العربي ومختلف الدول الاقليمية والمجتمع الدولي من انتفاضة الشعب السوري من جهة، وبقية الاحداث والانتفاضات الاخرى في العالم العربي من جهة أخرى.

 ولا أعتقد أني بحاجة الى تذكير القارئ بمواقف الدول التي تقود ما يسمى بالمجتمع الدولي قبل بضعة أسابيع او في الحد الاقصىى شهور قليلة، حين اتخذت أو اضطرت لاتخاذ مواقف واضحة وصريحة بعد اسبوعين أو ثلاثة من أحداث انتفاضة تونس ومن بعدها مصر يدعو الى استقالة رأس النظام في الدولتين. ولم يستغرق الامر مدة اسبوع في ليبيا، حتى تسابق زعماء العالم الغربي والعربي الى رفع الغطاء وسحب الشرعية عن نظام القذافي وبدؤوا في دعوته للاستقالة.

أما فيما يتعلق بسوريا، الامر يختلف جذريا. ثلاثة شهور من القتل ومنع اسعاف الجرحى أو قتلهم في المستشفيات والاعتقال والتعذيب حتى الموت في أقبية الارهاب، والاحتلال العسكري للمدن والقرى الثائرة وحصارها، وقطع للمؤن والماء والكهرباء والاتصالات والادوية وحليب الاطفال، وتعدي على الاعراض والارزاق والممتلكات وسرقتها وتخريبها وحرق للمحاصيل وقتل للماشية. كل هذا يحدث ولم نسمع بأن دولة ما قد سحبت الشرعية عن هذا النظام الدموي وقطعت العلاقات الدبلوماسية معه وفيما عدا عقوبات مشكوك بجديتها ومردودها لم تفعل هذه الدول شيئا آخر.

لم نسمع بأن دولة عربية واحدة قد عبرت عن مجرد أسف أو حزن لما يصيب الشعب السوري من محن وفظائع، أما جامعة الدول العربية فهي تبدو وكأنها بعين واحدة لا ترى بها، ربما تضامنا مع حلف الناتو، سوى ليبيا ودكتاتورها الوحيد الذي يسيء الى سمعة العالم العربي الحضارية، معمر القذافي.

لا بل الكثير ممن يسمون أنفسهم بزعماء العرب، لا يجد أي حرج في أن يعلن تضامنه مع أخيه الجزار وعصابته على رأس النظام. أما الحلفاء في محور المقاومة والممانعة "باستثناء حماس" فقد هبوا هبة رجل واحد لمؤازرة حليفهم السوري في مأزقه ضد شعبه "المدجج" بسلاح التوق للحرية والناكر لفضائل العبودية والقهر والذل الذي يغدق عليه بها حكامه.

أما روسيا فلا أجد تفسيرا لموقفها، فيما عدا بعض المصالح التي تربطها بالنظام، سوى أنها لا تريد أيضا أن تزعل اسرائيل وشخوصها او اللوبي التابع لها في الخارجية الروسية، الذين لا يرون بطبيعة الحال، بديلا للنظام يخدم أهدافهم الاستراتيجية. واذا كان الروس أو الصينيين ينتظرون أن يأخذوا ثمنا من الادارة الاميركية، لموقف مختلف يدين النظام السوري، فهم بلا شك على خطأ، لان موقفهم الذي يحول دون ادانة هذا النظام العاتي في الامم المتحدة، لا يزعج الادارة الاميركية، بل قد يفيد غاياتها المستترة بالحفاظ على النظام ويجنبها عار أن تكون هي من يكون السبب في عدم ادانته.

حتى تركيا، التي تربطها بسوريا "نظاما وشعبا" روابط الجوار ولديها مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، ورغم التهديد الذي يمثله عدم الاستقرار في سوريا للامن القومي التركي، فهي لا تزال تسعى لتحقيق المهمة المستحيلة في جر النظام الى النزول ولو جزئيا الى تحقيق رغبات الشارع السوري المحتج، من خلال البدء الفعلي في اجراءآت الاصلاح والاحجام عن التمادي في استخدام العنف ضد المحتجين.

هذا هو قدرنا نحن السوريين. ليس لنا بين الانظمة والحكومات حليف نعتمد عليه. واذا أراد القارئ معرفة رأيي في السبب الكامن وراء هذه الحقيقة، فاني أدعوه لقراءة موضوعين كتبتهما مطلع هذا العام بعنوان "الانسان أولا" و"البقاء للاسوأ" وهما موجودان على موقعي على الفيسبوك.

هذا الامر سوف يعني بأن الثورة في سوريا وبالنظر الى أهميتها الاستثنائية على الصعيد الاقليمي والدولي، سوف تكون الأكثر كلفة ربما، لكنها مع ذلك وبسبب ذلك، وبالرغم من بعض المساعي للتدخل الخارجي، وبالرغم من عدم نضوج البعض في المعارضة لمستوى التحدي الذي يفرضه مثل هذا الصراع بعدم التمثل الكامل للمصلحة الانسانية والوطنية العليا للشعب السوري، ستكون وبفضل الاغلبية الوطنية الواعية، الثورة الاكثرنقاءا بين ثورات المنطقة والثورة ذات الاثر الاعمق على الصعيد الاقليمي.

---------*******************---------

المعلم يريد.. إلغاء أوروبا! ... محمد الرميحي

الشرق الاوسط 25-6-2011

التواضع سمة الدبلوماسي الحصيف، ووليد المعلم وزير الخارجية السوري، بعد استخدامه لبعض الألفاظ الخارجة عن الدبلوماسية في لقاء الصحافيين، قرر أن ينسى أن أوروبا موجودة على الخريطة! وهو تعبير مجازي، بجانب أنه بعيد عن التواضع، يحمل تصورا عن النفس مكذوبا يزيد من الأعداء.

السؤال: وهل الاستغناء عن أوروبا لو تم، سوف يحل المشكلة السورية؟ بالطبع لا.

لا أحد يحسد النظام السوري في هذه المرحلة، فهو إن تحرك إلى الأمام زادت المظاهرات المطالبة برحيله، وإن تحرك إلى الخلف تعاظمت المصاعب حوله، وإن بقي مكانه صوبت تجاهه نيران معادية ونيران صديقة في الوقت نفسه، أي إن الوضع ذاك، يوصف، عادة، بالفشل في إدارة الوقت السياسي.

القضية في سوريا تكمن في شقين، التوقيت والقراءة. من حيث التوقيت لم يلاحظ النظام، مثله في الغالب مثل غيره، تنامي التوتر البنائي بين مكونات المجتمع المدني الذي يتطور، وبين بناء الدولة المستقر في سبات. تنامي الوعي الاجتماعي في سوريا ليس سرا، فقد أسر لي صديق سوري بعثي، ومنذ سنوات طويلة، بقوله لو حدثت انتخابات حرة ونزيهة في سوريا اليوم، لما حصل حزب البعث على أكثر من 10 في المائة من الأصوات. هذا الحديث مر عليه أكثر من عشر سنوات، وفرق الزمن يحسب إلى جانب الخسارة لا إلى جانب الربح. لقد قال الرئيس الأسد في خطابه الأخير إن بعض القوانين «الإصلاحية» كانت جاهزة منذ زمن، والسؤال: لماذا لم تفعّل؟ موضوع التوقيت واحد من المواضيع المسكوت عنها في هذا العالم الذي نعيش فيه، في الحقيقة ليس في سوريا فقط، ولكن في الكثير من العواصم.

لو - وهي تعبير شرطي، يفتح بابا للشيطان - أدير الوقت السياسي بحصافة لما واجهت لا سوريا ولا غيرها هذه الأزمات الحادة.

الشق الثاني هو القراءة، بمعناها الحقيقي والرمزي، فلو قرر الرئيس المصري السابق أن يعلن أن له موقفا ضد التوريث واضحا وجليا، وقرأ فقط - من بين كتابات أخرى - كتاب «وجع المصريين» للدكتور خليل فاضل الذي صدر قبل ثلاث سنوات من الانتفاضة المصرية، لعرف أن هناك قنبلة موقوتة، هي الشباب المصري الحديث الذي وصفه خليل بهذا الوصف. كما أن النظام السوري لو وزع الكتاب الذي صدر منذ أكثر من مائة عام، وحسنا فعلت مجلة «الدوحة» بإعادة نشره وتوزيعه مع العدد الأخير، وهو كتاب السوري الكبير عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد»، لاستغنى عن معظم التقارير التي تصل إليه. في هذا الكتاب، الذي مر عليه أكثر من قرن، التوصيف لما هو قائم والترياق للخروج منه. وترياقه قول سوري آخر بلدته ليست بعيدة عن الانتفاضة الحالية، هو المعري الذي قال:

إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة

فنحن على تغييرها قدراء

المشكلة موصوفة منذ زمن طويل، والحلول للعقلاء معروفة أيضا. إنما ما يلفت النظر هو أن البعض لا يريد أن يقرأ قراءة حقيقية ما يحدث في بداية القرن الحادي والعشرين، قرن التقنية الهائلة والتواصل الإنساني العظيم.

ما يحدث ليس له علاقة بالتطبيع مع إسرائيل أو موقف الممانعة تجاههها، أو حتى الموقف المعادي أو المهادن للغرب، هنا إسرائيل والغرب متفرج خارج الملعب، هذا ملف وجب عدم التخفي خلفه، لأنه لم يعد يقنع العقلاء، بدليل أن النظامين التونسي والمصري السابقين، كانا أصدقاء للغرب وفي هدنة مع إسرائيل، ومع ذلك حدث لهم ما نعرف. من جهة أخرى، فإن الهلامية التي تسيطر على الخطاب السياسي في دمشق لا تتعامل مع العقل وواقع الأمور، بل تسدل الستار عليه، مثلها، مع الفارق، مثل خطابات وعمل القذافي، أي اللجوء إلى الحل الأمني المفرط.

أتفق مع السيد وليد المعلم في جزئية مر عليها في مؤتمره الصحافي قبل أيام، قال إن الغرب لن يكرر سيناريو ليبيا مع دمشق، تلك حقيقة، لا لسبب إلا لأن الغرب ليس لديه القدرة، حتى لو توافرت الرغبة، فسوريا تختلف كثيرا لا بسبب تفسيرات المعلم، ولكن لأنه ما زال هناك بعض من الوقت للخروج الآمن، فقط يحتاج إلى شجاعة في القرار. المزاج السوري العام ليس المطالبة بأسلمة الدولة، ولا عولمتها، ولا حتى «تطييفها» (من الطائفية). مرة أخرى ننظر في الكواكبي، وهذا النص الذي يتجاوز الزمان والصادر من مواطن حلب الشهباء، يقول «الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى كناس الشوارع»، كما يقول في علاقة المثقف بالسلطة، إنها إن عجزت عن إفسادهم (المثقفين) تبادر إلى إبعادهم وتنكل بهم! عجيبة تلك النصوص، وكأنها تفوقت على الزمن، أم ترى أن الزمن العربي قد تجمد في مكانه؟!

على الرغم من بلاغة الرئيس بشار الأسد وقدرته اللغوية وفصاحته، فإن لديه مشكلة مع اللغة السياسية التي تأخذه في كثير من الأوقات إما للمبالغة في ما يرى أنها قوته، وإما لتسفيه الآخرين والتهوين مما تواجهه سوريا، بينما المطلوب هو بناء سياسي جديد في سوريا يساير الوضع العالمي والإقليمي، دون أن يصغي، وهو الرجل الذكي، إلى تبريرات المحيطين، من أن «الجراثيم» هي المشكلة، القضية أكبر من الجراثيم. القضية هي فقع العين الخلفية التي قال عن أهميتها في الحكم المرحوم الحسن الثاني، أي المعارضة، هي عين خلفية، تنجي من المآزق حتى لو كرهت من البعض، لقد فقعت العين الخلفية السورية واختفى قادتها إما في المهاجر وإما خلف بوابات السجون، فأصبح التعامل مع أشباح، جماهير تخرج للتظاهر دون رأس. وهو موضوع ليس سهلا التعامل معه. في سوريا بعض من رؤوس المعارضة، وفي خارجها أيضا، تلك العين، حتى لو كانت عوراء في رأي البعض، فإن ما تراه قد يقدم بصيصا من أمل للخروج من هذا المأزق.

آخر الكلام..

نقلت وسائل الإعلام للجميع في الأسبوع الماضي غضب أحد الأطباء في مستشفى بريطاني كان يزوره رئيس الوزراء، امتثل رئيس الوزراء لاحتجاج الطبيب الغاضب، وترك المكان هو وطاقمه. بالمناسبة الطبيب ما زال يمارس عمله!

---------*******************---------

سورية والرهان على الوقت .. الياس حرفوش

السبت, 25 يونيو 2011

الحياة

واضحٌ من كلام رأس الديبلوماسية السورية الوزير وليد المعلم، ومن خلال التحركات العسكرية قرب الحدود التركية، أن دمشق اختارت في هذه المرحلة اتباع سياسة المواجهة مع الخارج، الذي يرفع صوته احتجاجاً على سلوكها الأمني ضد معارضيها في الداخل، بدل الاستجابة للأصوات الاوروبية المعترضة والاصوات التركية الناصحة.

فما قاله المعلم في مؤتمره الصحافي هو ما أغفله رئيسه بشار الاسد في خطابه، وهو ما يمكن ان يُستنتج منه ان هناك تقاسمَ ادوار بين الخطابين: فبينما قصد خطاب الاسد التعاطي مع مشاكل الداخل ورفض التفصيل في نظرية «المؤامرة» الخارجية، وركّز بدلاً من ذلك على الإصلاحات الموعودة ومشاريع القوانين الجديدة التي قال إنه يجري إعدادُها، كان المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية موجَّهاً اكثر الى الخارج، فمَسَح اوروبا من خريطة العالم، ونبّه الجارة تركيا الى انها هي التي تحتاج الى دروس في الديموقراطية، كما ذكّر من نسي، أن سورية لا تحب التدخل في لبنان، وذلك تعليقاً على الاشتباكات الاخيرة في مدينة طرابلس بين متظاهرين ضد النظام السوري وآخرين مؤيدين له.

غير أن من يملك النية والجدية للتغيير والانفتاح في الداخل، لا يجب ان يقلق من الاصوات التي تطالبه بالإصلاح، حتى لو أتت من الخارج، خصوصاً أن هذا الخارج لا يطالب النظام بالرحيل، حتى الآن، بل بالتجاوب مع مطالب الاصلاح هذه والتوقف عن مواجهة من يتظاهرون للمطالبة بها بالسلاح. لذلك، شكّك الذين سمعوا الخطابين في النوايا الاصلاحية للنظام، وكان ردُّ المسؤولين في الاتحاد الاوروبي هو المبادرة الى تشديد العقوبات على عدد من الشخصيات السورية والايرانية، التي قالوا انها تدعم عملية قمع الاحتجاجات في سورية، كما أطلق الامين العام للامم المتحدة ذلك التقويم الاستثنائي في صراحته لمواقف الاسد، بالقول إنها «تفتقر الى الصدقية».

إلى جانب اعتماد التصعيد مع الخارج، يبدو ان النظام السوري اختار ان يمارس لعبة الرهان على الوقت، التي يتقنها جيداً، فهو يراهن على ان التماسك الخارجي في وجهه مفقود، وذلك بسبب المواقف الروسية والصينية، التي رفضت الى الآن اي تحرك ضد دمشق في مجلس الأمن. كما يراهن على صعوبة القيام بعمل عسكري ضد سورية، على غرار ما حصل في ليبيا، وهو ما أكده الوزير المعلم في مؤتمره الصحافي، مبرراً ذلك بأن سورية لا تملك الثروات التي لدى ليبيا، والتي تدفع في رأيه المتدخلين الى التدخل، على أمل استثمار مواقفهم الى جانب المعارضة من خلال مبيعات النفط، بعد سيطرة المعارضين على النظام. ومع ان المعلم كان صريحاً في القول ان من «حظ» سورية انها لا تملك مثل هذه الثروات، وبالتالي لا تشكل هدفاً للتدخل الخارجي، فإن ما كان يمكن ان يضيفه أيضاً، ان من سوء حظ المعارضين السوريين أنهم ابتلوا بنظام يراهن على غياب الثروات الطبيعية في بلده ليستمر في سحق معارضيه، من غير ان يكون أحد في الخارج قادراً على وقف ذلك.

كما قلنا، ليس رهان سورية على الوقت جديداً، هي تراهن على ان يفقد المعترضون صبرهم، وأن تفقد الحملة الخارجية زخمها، وأن يعيد الغرب حساباته في تقدير ما تسميه سورية دورها «المركزي» في المنطقة، وهو ما فعله الغرب في مواجهات سابقة مع دمشق. غير ان ما يبدو ان النظام السوري لا يدركه اليوم، هو ان هذه المواجهة هي من طبيعة أخرى، فالضحايا هذه المرة سوريون، وليسوا لبنانيين او عراقيين او فلسطينيين، كما كانت التضحيات في السابق، كما ان الغرب، الذي كان مستعداً لعقد الصفقات في الماضي، لن يكون قادراً عليها اليوم، مع نظام يمارس ما مارسته دمشق مع شعبها.

========================

النظام السوري وخطاب الرحيل 3/3 ... بدرالدين حسن قربي

في خطاب الرحيل بتاريخ 20 حزيران/يونيو 2011 على مدرج جامعة دمشق، أشار بشار الأسد إلى أنه في لقاءاته المتأخرة مع مجموعات شعبية معدّ لها من قبل الجهات الرسمية، استمع مباشرةً إلى قضايا كثيرة ومشاكل متراكمة، ذكر منها على سبيل المثال ماتدفعه الأجيال الجديدة من أثمان مرحلة من الصدام كانت بين السلطة والإخوان المسلمين منذ أكثر من ثلاثين عاماً في عدم التوظيف وعدم إعطاء موافقات أمنية لقضايا مختلفة، بما فيها عدم منحهم حتى جوازات سفر بمن فيهم المقيمين في الخارج. ويعترف بأنه حمّل نفساً وزر أخرى، وأنها قضاياتتعلق بالعدالة والظلم الذي يحس به كل مواطن وأشار إلى أنه منذ سنتين تقريباً أعطى توجيهات لكل السفراء بالخارج أن يبدؤوا بإعطاء جوازات سفر لهم. وهي إشارة لافتة تستوجب بعض التوقف والتوضيح.

ابتداءً، لسنا في موطن التقييم والإدانة لأي طرف فيما كان من الصدام في حينه فهذا ليس وقته، ولكن مما لاشك فيه أنه نتج عن هذه الكارثة عشرات الآلاف من المفقودين في ذمة النظام السوري على امتداد أكثر من أربعين عاماً ممن قضوا قتلاً وتعذيباً وذبحاً وحرقاً وسحلاً ومجازر فرادى وجماعات ممن لايُعرَف لهم مقر ولا قرار، ومازالوا في مستندات الدولة ووثائقها أحياء،ومثلهم من المنفيين والمهجرين قسراً وطوعاً وأمثال أمثالهم من الأجيال الجديدة ممن أشير إليها في الخطاب، وهي أعداد لو ضُمت إلى بعضها فإنها تقترب من المليون مواطن عندهم من الآلام والأوجاع والقهر الكثير الكثير.

كنا دائماً نكتب وماأكثر من كتب من الخيّرين، ونناشد مع كل صاحب ضميرلفك حصار الإخفاء والتعتيم وتكسير جدر الصمت عن هذه الآلاف ممن هم في بلدهم مفقودون. وكنا نقول وماأكثر ماقيل بأن استحقاقات مثل هذا الأمر قادمة لامحالة، طال الزمان أو قصر. وكان النظام في مقاومته وممانعته يذهب أبعد وأبعد عناداً وضلالاً، فيمعن في ملاحقة الأحياء من أسرهم وأقاربهم وأولادهم وأحفادهم في أنحاء الأرض الأربعة، ويصرّ على تجريدهم من حقوقهم المدنية والإنسانية ومنع حتى المستندات عنهم بما فيها الجوازات وهو مما أشير إليها في الخطاب.

هل يمكن لأحد تصور معاناة عشرات الآلاف من المهجرين والمنفيين في كل دول العالم في مسألة منع الجوازات عنهم على وجه التحديد قرابة ربع قرن مما أشير له بالذات في الخطاب الأخير لبشار الأسد، بأنه منذ حوالي سنتين أعطى أوامره بإيقاف المنع وتسهيل منحها. وهل يمكن لأحد تصور حجم الفساد والرشاوي والنهب والابتزاز في عموم السفارات السورية الذي كان في مقابل ذلك؟

إن عيون مئات الآلاف من الضحاياكانت ترنو معاً من عالم الغيب والشهادة، وتستصرخ دائماًالضمائر والمروءات في الدعوة إلى فك الحصار عنهم والكشف عنهم أحياء وأمواتاً، وعن أماكن دفنهم فرادى أو جماعات ورفع الظلم والمعاناة عن الأحياء منهم، ولكنها كانت على الدوام تواجَه بمقاومة النظام وممانعته وقهره وبطشه، لتوضع في خيار وحيد ويتيم، هو انتظار سقوط السجّانولتسأل دائماً: لماذا كل هذا الصلف والعجرفة والغطرسة، إذا كان المصير هو السقوط.

إن عيون مئات الآلاف من الضحايا ومعها عيون الملايين من السوريين الصابرين والمصابرين، هي اليوم في خير حال من أحوالها وهي ترى نهضة شعب من رقدة العدم عرف طريقه، بعد إذ صبر على قامعه وسجّانه طويلاً طويلاً، وكانت قيامته ليأخذه أخذاً وبيلاً، بصرخته المدوية في أنحاء الأرض: هيهات منّا الذلة، الشعب السوري مابينذل، الموت ولا المذلّة. وقراره القاطع: الشعب يريد إسقاط النظام.

تبقى كلمة حق لابد منها، بأن ماأشار إليه بشار الأسد من المظلومية الكبيرة وللمرة الأولى في تاريخ النظام السوري من الأب والابن للأجيال الجديدة تحتسب له ولكنها جاءت متأخرة جداً جداً، بل وهو يودّع السوريين في خطاب الرحيل.

http://www.youtube.com/watch?v=zq5hgHUvPF4&NR=1

http://www.youtube.com/watch?v=F-N9RyhvuJY&feature=related

http://www.youtube.com/watch?v=FjhNaiKqJs8&feature=youtube_gdata_player

========================

مشروع قانون الأحزاب في سورية: مرجعيته دستور 1973 الباطل الذي نعاه رئيس الجمهورية .. المحامي محمد أحمد بكور

23-6-2011

القى رئيس الجمهورية العربية السورية بشار الأسد خطاباً بتاريخ 20-6-2011 تناول فيه الأوضاع الراهنة في البلاد.

 وأسهب في الحالة الوصفية كمراسلي الفضائيات حسبما يعتقد بها أو يريد تسويقها بعد قراءته العميقة للماضي وفهمه الدقيق للمستقبل كما أدّعى، وليس رئيس دولة وصانع القرار الوحيد فيها وكرر كيل الاتهامات للحراك الشعبي ناعتاً اياه مرة بالفتنة ومرات بالمؤامرة. واعترف ان هناك متراكمات وممارسات تتنافى مع العدالة والتي الحقت ظلماً بعشرات الالاف من العائلات بالاضافة الى الشهداء والمفقودين خلال عدة عقود.

 وتناول الفساد وعزا سببه لانحدار الأخلاق وتفشي المحسوبيات وغياب المؤسسات انتج تفرقة وتمييز غير عادل على أسس بغيضة.

وبدورنا نتساءل هل كان يدري بهذا الفساد وهذه المظالم وهو المسؤول عن خمسة عشر جهازاً أمنياً أم لا ؟.

 فاذا كان يدري ولم يحارب الفساد ولم ينصف المظلومين فتلك مصيبة، وأن كان لا يدري فالمصيبة أعظم وهذا يؤشر على عدم أهليّته للرئاسة والحكم، فالخليفة عمر بن الخطاب قال : " لو عثرت شاة على نهر الفرات لكان عمر مسؤولاً عنها ".

 ووعد باصدار مجموعة من القوانين، توّجها بمرسوم العفو رقم 72 بتاريخ 20-6-2011 الذي شمل في معظمه الجرائم الجنائية واطلاق سراح المجرمين ليجندهم الى جانب الشبيحة لقمع الانتفاضة.

 وأكد بان الحوار الوطني بات عنوان المرحلة الحالية وسنفرد لهذا مقالاً يعبّر عن وجهة نظرنا بشكل مفصل مستقبلاً.وأصدر مشروع قانون الأحزاب اذ أعلنت رئاسة مجلس الوزراء عن وضع مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية على موقع التشاركية للرئاسة بصيغته الأولية.

 لن نناقش مواد المشروع ال 38 وندخل في تفاصيلها وسنحصر رأينا في المادة الخامسة منه الفقرة ( أ ) لنبين انه ولد ميتاً ولا قيمة له.

نص المادة : ( 5 )

يشترط لتأسيس أي حزب أن يقوم على الأهداف والمبادئ الآتية :

أ – الالتزام بأحكام الدستور ومبادئ الديمقراطية وسيادة القانون ...

 ان هذا يعني الالتزام بأحكام دستور 1973 الذي تنص مادته الثامنة على أن : " حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة "، والاعتراف بتكريس الاستبداد وحكم الفرد وهذا مرفوض جملة وتفصيلاً وكما يقال فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ، وقد استخدم هذا الدستور غطاءاً شرعياً لكل مآسي المجتمع، فادرك شعبنا العظيم خطورته عند اصداره؛ لأنه قسمه الى فئتين : حاكم ومحكوم، سادة وعبيد، فكانت المظاهرات والاحتجاجات والاعتراضات عليه منذ عام 1973 واستمرت بشكل أو باخر حتى انتفاضة آذار 2011 التي رفعت شعارات شعب واحد، نريد الحرية والكرامة .

 لقد نعى الرئيس هذا الدستور في خطابه عندما تساءل : " هل نبدل بضع مواد منه بما فيها المادة 8 أم نبدل كل الدستور، على اعتبار انه مضى على عمره حوالي أربعين عاماً ولربما يكون الأفضل تبديله ".

 لقد أصبح هذا الدستور فاقد الشرعية من المواطن بالشارع الى رئيس الجمهورية الذي أسقط عنه شرعيته أو مشككاً فيها عندما ابدى استعداده لبحث تعديله أو الغائه فافقده الشرعية الرسمية؛ لأن رئيس الدولة هو الذي يسهر على احترامه حسب المادة 93.

 اذن كيف يبنى قانون أحزاب أو أي قوانين اخرى الانتخاب - الحكم المحلي – الاعلام .... وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية على مرجعية هذا الدستور ؟ الذي لم يعد يتمتع بالثقة الشعبية والرسمية وبمعنى آخر لقد أصبح باطلاً فعلاً وما بنيَّ على الباطل فهو باطل.

 رغم كل ادعاءات النظام بالاصلاحات يزداد يومياً تمركزه على ذاته ولم يستطع تجاوز العقدة الثابتة المتحكمة بسلوكه وتصرفاته ويعمل على اعادة انتاج نفسه وأفكاره والتي تجاوزها الزمن وتتناقض مع معطيات الحاضر وأصبحت من مخلفات الماضي.

 لقد عرضنا في مقال سابق تحت عنوان : " مقترحات لحل الأزمة السورية " التعديل شبه الكامل أو الالغاء للدستور ولكن أمام تصاعد حركة الانتفاضة وتسارع وتيرة مطالبها وتخلي رئيس الجمهورية عن حماية الدستور، فالحل الأمثل هو الغاؤه وتشكيل حكومة وطنية من التكنوقراط المستقلين بموافقة قيادات الانتفاضة والمعارضة مهامها :

- الاشراف على عملية الانتقال السلمي للسلطة وتهيئة كافة مستلزمات التحول الى الديمقراطية .

- الاشراف على انتخاب هيئة تأسيسية لوضع دستور يقوم على عقد اجتماعي جديد تكون السلطة فيه للشعب ويستند على فصل السلطات الثلاث بما يحقق التوازن والتعاون فيما بينها.

- انتخاب مجلس نيابي بارادة حرة وباشراف عربي ودولي للتشريع والاشراف على التنفيذ والرقابة والمسائلة.

وبعد هذه الخطوات تسّن القوانين كلها استناداً الى الدستور الجديد .

 نعتقد ان هذا الحل هو الذي ينقذ سورية، فالثقة بين الحاكم والمحكوم أصبحت معدومة فالشعب لا يثق بوعوده الذي يطلق بالونات هوائية عن الحوار أو غيره لكسب الوقت وراء وهم احتواء الأزمة وليس حلها. ولو كان صادقاً لتمت تعديلات جوهرية واجراء استفتاء عليها بموجب المادة 112 من الدستور لتهيئة المناخ للتغيير والانتقال السلمي للديمقراطية وقد مضى على الانتفاضة أكثر من 3 أشهر. ألم يعدّل الدستور بعشر دقائق للتحول الى جمهورية وراثية ؟.

 ولكن لا يزال النظام يتظاهر بالعنتريات والعنجهية الكاذبة والصلف والغرور مدّعيا بأنه : " لا يأخذ دروساً من أحد وسوف نعطيهم دروساً "، لأنه مالك بناصية العلم ويعد نفسه فوق كل عالم وعليم، فالحكمة ضالة العاقل يأخذها من اي مكان خرجت.

 أن هذه الغطرسة يستهجنها شعبنا بموروثه الروحي والثقافي ولا يؤمن بعصمة البشر؛ فالانسان في الحياة عالماً ومتعلماً.

 وعليه ان لا يقرأ خطأ بعض المواقف الدولية المشجعة له فهي ليست من الثوابت سلباً أو ايجاباً وتابعة لحركة الشارع السوري ومصالح هذه الدول، وعليه ان يتمعن جيداً الموقف الروسي والصيني من القذافي وأن يفهم جيداً كلمة رئيس وزراء روسيا في لقائه مع رئيس وزراء فرنسا.

 ولا يفوتنا أن ندعو الجيش مجدداً الى دعم انتفاضة الشعب لأختصار الزمن والتضحيات وتجنيب البلاد الهزات والانشقاقات وان يكون جيش الشعب والوطن ويحافظ على سيادته والضامن لوحدة البلاد والمجتمع ويضع حداً لانتهاكات الأجهزة الأمنية لكل المحرمات والمقدسات حتى لا ينظر له كجيش احتلال وما سيترتب على هذه النظرة من نتائج خطيرة.

==============================

ليعقد الملتقى التشاوري وننتظر نتائجه ... محمد فاروق الإمام

يعقد اليوم الاثنين 27 حزيران في فندق سمير أميس بالعاصمة دمشق الملتقى التشاوري الذي يضم عدداً من النخب السورية المعارضة والمستقلة تضم كتّاباً وصحافيين وفنانين وناشطين ومهتمين بالشأن العام، بعيداً عن مشاركة مسؤولين في النظام السوري أو موالين له أو أعضاء في حزب البعث الحاكم، بحسب تصريح الإعلامي المنسق للملتقى (محيي الدين عيسو) والذي قال إن المؤتمر سيعقد تحت شعار (سورية للجميع في ظل دولة ديمقراطية مدنية) وأن هدف الملتقى هو مناقشة الوضع السوري الراهن وكيفية الانتقال إلى دولة ديمقراطية مدنية.

ولقد ثارت كثيراً من الزوابع حول شرعية الملتقى وتمثيله للمعارضة في سورية بين مسفّه ومؤيد ولا مبال، وحتى نكون منصفين علينا محاكاة ما أدلى به عدد من المشاركين من تصريحات يمكن أن تكون عناوين لما سيثار في هذا الملتقى، فهذا المحامي أنور البني يقول: (إن هذا الاجتماع الذي سيجمع نحو مئة مثقف ويستمر يوماً واحداً يهدف إلى بحث الوضع للخروج من الأزمة)، في حين أعلن الكاتب ميشيل كيلو أن (المعارضين لن يحاوروا النظام إذا لم يتوافر مناخ ملائم لذلك)، مضيفاً (أنه من حق الناس أن يتظاهروا سلمياً وينبغي الإفراج عن المعتقلين وعلى السلطات أن تعترف بوجود المعارضة في موازاة وقف استخدام القوة، وإلا لن ينجح الحوار).

هذه التصريحات التي هي جزء مما يطالب به الكثيرون في الشارع السوري تجعلنا نطمئن لمواقف هذه الشخصيات التي ستشارك في هذا الملتقى التشاوري.

وبعيداً عن التشنج والمغالاة علينا انتظار ما سيسفر عنه هذا الملتقى ونقرأ بيانه الختامي فإن كان يضع النقاط على الحروف بكلام صريح وواضح وبيّن لا لبس فيه ولا غموض معبراً عن مطالب الجماهير الثائرة والمعارضة التي تدعو صراحة إلى إسقاط النظام وإلى قيام الدولة المدنية الديمقراطية التي ينعم فيها الجميع بالحرية والكرامة والعدل والمساواة، فإن ذلك سيعزز من موقف المعارضة وشخوص المجتمعين في الملتقى، ويمتن من اللحمة بينهم وبين الثائرين ويعطي لهم دفعة قوية تعزز من ثورتهم وتزيد من انكشاف عورات النظام وكذب دعاويه في صدق نواياه وجدية إعلانه عن سعيه للحوار مع المعارضة وممثلي الشارع الثائر، وبعكس ذلك فإن كان الإعلان الذي سيسفر عنه هذا الملتقى في ختام لقائه هزيلاً مفبركاً لخدمة النظام وطوقاً لنجاته فسيكون أول الخاسرين هذه النخبة التي دعت إلى هذا الملتقى وشاركت فيه، حيث ستفقد ما كسبته من حب وتعاطف الجماهير معها في السنوات الماضية، وستمضي الثورة كما هو مخطط لها في طريقها التي اختارته الجماهير السورية لها ثورة سلمية حتى إسقاط النظام وقيام الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على الحرية والكرامة والعدل والمساواة، ولن يبالي شبابها بالثمن الذي سيدفعونه لانتزاع الحرية والفوز بالكرامة، وقد وطنوا أنفسهم على دفعها وخاطوا أكفانهم بأيديهم ووضعوا أرواحهم على أكفهم (شهداء بالملايين إلى الجنة رايحين).

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com