العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 3/3/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

أهمية العدالة الانتقالية في سياق الثورة السورية

رضوان زيادة *

الخميس ٢١ فبراير ٢٠١٣

الحياة

انطلقت الثورة السورية من أجل تحقيق حلم لطالما حلم السوريون به، إنه حلم الحرية في بساطتها، بيد أن ثمنها بالنسبة إليهم كان وما زال غالياً. كنا نعتقد أن أنظمة كالخمير الحمر في كمبوديا والنظام النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا وبينوشيه في تشيلي، كنا نعتقد أن أنظمة من هذا النوع قد انقرضت، وكنا نظن - وبعض الظن إثم - أن المجتمع الدولي تطور لدرجة لن يسمح معها بظهور نظام شبيه بتلك الأنظمة في زماننا وعصرنا.

بيد أن ما تشهده سورية اليوم ويعيشه السوريون في كل لحظة يبدد كل ذلك ويجعلها مجرد أكاذيب. بعد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي جرت في يوغوسلافيا السابقة تطور النظام الدولي باتجاه ما يعرف بحماية المدنيين ومنع وقوع جرائم الإبادة قبل معالجة آثارها أو محاولة تجنبها قبل التعامل مع نتائجها بعد وقوعها، فتأسست محكمة الجنايات الدولية في عام ٢٠٠٢ وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ما بات يعرف بمبدأ حماية المدنيين في عام ٢٠٠٥ متجاوزة المبدأ التقليدي في حماية سيادة الدول وإدراكاً أنه عندما ترتكب الأنظمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فإنها تفقد سيادتها ويصبح لزاماً على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في اتخاذ كل التدابير الضرورية من أجل حماية المدنيين ومنع وقوع الجرائم بحقهم.

للأسف فإن ما يجري في سورية قصة مختلفة، إذ ترك المجتمع الدولي السوريين كي يعيشوا الألم وحدهم، يقتلون يومياً بأنواع مختلفة من الأسلحة لا قبل لهم بها، فالقصف الجوي بالطائرات الحربية المقاتلة حصد أرواح أكثر من ٢٠ ألف مدنياً إلى الآن، واليوم بدأ الأسد في تكثيف استخدام الصواريخ الباليستية البعيدة المدى والتي تصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته، غير عابئ بعدد الأرواح التي يمكن أن تحصدها هذه الصواريخ وغير مكترث لحجم الدمار الذي يمكن أن تخلفه في المناطق السكنية والبنى التحتية، هذا فضلاً عن ترسانة كاملة من الأسلحة المحرمة دولياً والتي استخدمت وتستخدم يومياً بحق الشعب السوري من القنابل العنقودية والفراغية إلى الألغام الفردية والبحرية وغيرها. وبالتأكيد لم يكن الأسد ليتجرأ على استخدام كل هذه الترسانة لولا أنه لقي لا مبالاة تامة من المجتمع الدولي ومراوغة وكذباً في تغيير ألوان الخطوط الخضر والحمر، وعليه إذا ما قرر المجتمع الدولي أن يستمر في لامبالاته والأسد في جنونه في استخدام كل الترسانة العسكرية والصاروخية ضد شعبه ستكون سورية حينها قد أصبحت الجحيم بعينه.

بدأ المسؤولون الغربيون والإعلام الغربي بوصف ما يجري في سورية على أنه حرب أهلية، وعلى رغم قناعتنا التامة ببعد هذا المصطلح تماماً عما يجري داخل الأراضي السورية إذ إنها ثورة شعبية ضد نظام استبدادي، إلا أننا إذا قمنا بمقارنة بسيطة لعدد الضحايا مع عددها في بلدان أخرى عاشت ظروفاً من الحرب الأهلية كالبيرو على سبيل المثال التي امتد فيها الصراع المسلح بين «الدرب المضيء» المدعومة من الأرياف وبين الأجهزة الأمنية الحكومية التي قررت القضاء على الإرهاب بما أسمته إرهاب البيئة الحاضنة فقد امتد الصراع لمدة عشرين عاماً من عام ١٩٨٠ وحتى عام ٢٠٠٠ وكان عدد الضحايا أكثر من ٧٠ ألفاً وفقاً لتقرير لجنة الحقيقة والمصالحة النهائي، إذا قمنا بهذه المقارنة لوجدنا أنه في أقل من عامين بلغ عدد الضحايا في سورية أكثر من ٦٠ ألفاً أكثر من ٩٠ في المئة منهم من المدنيين، وكانت المفوضة السامية لحقوق الإنسان ذكرت في إيجازها في مجلس الأمن أن عدد الضحايا ارتفع من ألف شهرياً مع بداية الثورة بسبب استخدام الأجهزة الأمنية المكثف لإطلاق النار على المتظاهرين السلميين إلى خمسة آلاف شهرياً بسبب استخدام النظام السوري المكثف لسلاح الطيران والأسلحة الثقيلة كراجمات الصواريخ والقنابل الفراغية والعنقودية.

كل ذلك ينقلنا إلى القول أنه إذا ما سمح للأسد بالاستمرار في حربه ضد الشعب السوري فإن عدد الضحايا سيكون مرشحاً إلى أن يبلغ أكثر من ١٥٠ ألفاً بسبب التزايد الملحوظ للعنف والارتفاع الكبير في عدد المختفين قسرياً والمعتقلين الذين هم عرضة للوفاة تحت التعذيب الشديد كما نشهد على حالات مماثلة يومياً ومنذ بداية الثورة، إذ لم تكف آلة التعذيب عن حصد ضحاياها بشكل يومي في مؤشر على مدى وحشية الأجهزة الأمنية السورية واستخفافها الكامل بأرواح السوريين.

هذا يعني أنه لا إمكانية لبدء عملية حقيقية من العدالة الانتقالية في سورية إذا لم تترافق مع انتهاء كامل للعنف ولآلة الدمار اليومية وبدء نوع من الاستقرار السياسي يتيح بدء عملية الانتقال السياسي نحو التعددية والديموقراطية والمصالحة بين السوريين ونهاية نظام الأسد الدكتاتوري، فكما علمتنا كل تجارب العدالة الانتقالية عبر العالم فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسار الانتقال السياسي كما أنها تعتمد بشكل رئيسي على توافر الإرادة السياسية والرؤية لدى كل اللاعبين والقوى السياسية على الأرض، وشعورها أولاً بأن الاستقرار الأمني والسياسي يتطلب إطلاق عملية العدالة الانتقالية التي يشعر الضحايا معها أن المسؤولين عن ارتكاب الجرائم بحق أبنائهم وبناتهم سيمثلون أمام العدالة وأن زمن الإفلات من العقاب والمحاسبة انتهى، ويشعر السوريون كلهم من دون استثناء أن هناك مساراً للمصالحة الوطنية يشترك فيه كل ممثليهم وقواهم بهدف ضمان التعددية الكافية والصدقية الضرورية.

لا يمكن أحداً أن يتحدث باسم الضحايا أو أن ينطق اسمهم، وقضية العدالة بالنسبة إليهم لا تسامح معها ولا التفاف أو تهاون فيها، وإذا أخذنا في الاعتبار الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السورية كمؤسسات ذات صدقية في عيون المواطنين السوريين ندرك حجم الأذى الفادح الذي لحق بالجهاز القضائي وبدوره في الحياة العامة في سورية. ومعنا اليوم عدد كبير من القضاة الذين أتوا من سورية ومارسوا عملهم حتى وقت قريب قبل انشقاقهم وتأسيسهم لما يسمى مجلس القضاء السوري الحر، وعليه فلن يكون النظام القضائي معداً أو مهيأ أو حتى قادراً على إطلاق عملية المحاسبة الضرورية التي ينشدها أهل الضحايا، وإذا أخذنا في الاعتبار الانقسام المجتمعي الحاصل في سورية اليوم بسبب الموقف من الأسد وميليشياته وتصعيد الأسد عبر التخويف أو تحريض المكونات المجتمعية السورية ضد بعضها بعضاً وآخرها تأسيس ما أطلق عليه «جيش الدفاع الوطني» الذي هو عملياً مأسسة حكومية لمليشيات الشبيحة شبه النظامية التي تدخل في إطار القانون ما يمكن تسميته بالمرتزقة إذ إن تشكيلتها ليست سورية خالصة كما تؤكد شهادات العيان والتقارير الصحافية المتزايدة وهي ستمثل تهديداً متزايداً للاستقرار ولبدء أية عملية للمحاسبة والعدالة. وهنا يأتي خيار اللجوء إلى ما يسمى العدالة الدولية، فجرائم الأسد في الحرب وجرائمه ضد الإنسانية تدخل بكل تأكيد في اختصاص محكمة الجنايات الدولية، ولكن وبسبب الموقف الروسي في مجلس الأمن الذي يمنع إحالة الجرائم المرتكبة في سورية إلى هذه المحكمة فإن أية حكومة مستقبلية تشكلها المعارضة أو تتشكل بعد سقوط نظام الأسد يمكن لها أن تصادق على اتفاق روما الأساسي الذي أنشئت بموجبه محكمة الجنايات الدولية وعندها يمكن للمدعي العام أن يفتح تحقيقاً في تلك الجرائم.

إن مسار العدالة الدولية ليس بالتأكيد خياراً مثالياً إذ يتصف بالبطء الشديد في وقت يحتاج الضحايا فيه إلى التأكد من أن حقهم لن يضيع ولن يتم تجاهله في أي تسويات سياسية، لكن خيار العدالة الدولية في مجتمعات منقسمة يبقى الخيار الأفضل إذ سيرسل الرسالة إلى كل السوريين أن الانتقام ليس هو الهدف كما أنه يطمئنهم إلى أن أشد معايير العدالة والشفافية الدولية سيجري ضمانها ولن يكون الهدف استهداف طائفة بعينها أو محاسبتها وإنما تأسيس مسار للعدالة يضمن تأسيس سورية المستقبل على أسس صحيحة، وفي الوقت نفسه فإن ذلك يعطي ثقة أكبر من المجتمع الدولي بالنظام الجديد والتزامه بالعدالة والمصالحة ولا مكان لسياسات الثأر أو الانتقام ضمن برنامجه، فالسوريون سيحتاجون إلى المجتمع الدولي الذي خذلهم لإعمار بلدهم وبناء مؤسساتهم المستقبلية بكل الأحوال وبناء الثقة فيه مسألة في غاية الأهمية، لكن عليهم أن يدركوا أيضاً أن هناك حدوداً للمساعدة يمكن أن يقدمها المجتمع الدولي وأن عليهم في النهاية الاعتماد على أنفسهم في بناء ديموقراطيتهم في المستقبل.

وبهدف إطلاق مسار العدالة الانتقالية في سورية تأسست اللجنة الوطنية التحضيرية للعدالة الانتقالية بعد مؤتمر «ضمانات العدالة للضحايا والمحاسبة لمرتكبي الجرائم: مسار العدالة الانتقالية في سورية» الذي نظمه المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية في إسطنبول من 26-27 كانون الثاني (يناير) الماضي، وشارك في هذا المؤتمر عدد كبير من ممثلي القوى السياسية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والقضاة والمحامين الذي سيكون الاعتماد عليهم كبيراً في المرحلة المستقبلية، كما شهد المؤتمر تأسيس جمعية مدنية لعائلات شهداء الثورة بحضور ممثلي عائلات أبرز شهداء الثورة السورية الذين صنعوا بنضالهم وشهادتهم حلم السوريين الكبير في التحرر من نظام عائلة الأسد الجاثم على صدر السوريين لأكثر من أربعين عاماً، وستضع اللجنة الوطنية التحضرية للعدالة الانتقالية في سورية على عاتقها البرامج والتصورات والسياسات الضرورية الخاصة بالعدالة الانتقالية في المرحلة المستقبلية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النزال مع إسرائيل في سوريا

سمير الحجاوي

أخر مشاركة: 21/02/2013

الشرق

"الحقيقة وبكل أمانة نحن مع دعم المعارضة بكل ما تحتاجه حتى ولو احتاجت للسلاح للدفاع عن النفس، ولإنهاء هذه الأزمة، لأنه واضح أنه دوليا الآن لا يوجد هناك رأي واضح حول هذا الموضوع، فمن الأولى أن ندعم هذا الشعب".. هذه هي خلاصة رأي رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني حول الطريقة المثلى لوضع حد لحمام الدم في سوريا، والمجازر التي يرتكبها نظام الأسد الإرهابي،

هذه المقاربة القطرية التي لا يستمع لها العالم جديا تتقاطع مع رؤى مماثلة داخل إدارة أوباما يمثلها الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع ليون بانيتا والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ديفيد بترايوس، فهؤلاء القادة الأربعة الكبار في الإدارة الأمريكية يؤيدون تسليح الثوار السوريين للإطاحة بالنظام الإجرامي في دمشق، وقد اعتبروا أن المساعدة في إنهاء الحرب في سوريا تصب في المصلحة الأمريكية، وتحول دون انهيار الدولة السورية وانزلاقها إلى مصاف الدول الفاشلة.

السؤال المنطقي الذي يحتاج إلى إجابة هو: كيف يفشل كبار قيادات الإدارات السياسية والعسكرية والاستخباراتية في إدارة أوباما في دفع الحكومة الأمريكية إلى تبني قرار يجمعون عليه لتسليح الثوار السوريين؟

الإجابة بسيطة: ابحث عن إسرائيل واللوبي اليهودي، فليس هناك من قوة في أمريكا تستطيع أن تفشل إجماع 4 قيادات محورية في الحكومة الأمريكية إلا إسرائيل وأذرعتها هناك، فإسرائيل لعبت بتغيير وجهة إدارة أوباما من خلال أدواتها الفاعلة في واشنطن، وهو ما عبر عنه سفير "إسرائيل" الأسبق في واشنطن "زلمان شوفال"، الذي يُعد أحد أقرب المقربين من "نيتيناهو"، وتربطه علاقات قوية مع المنظمات اليهودية الأمريكية والأغلبية الجمهورية في الكونغرس بقوله: "إن إسرائيل والغرب هما الخاسر الأكبر من غياب الأسد"، وطالب إدارة أوباما بعدم السماح بسقوط نظام الأسد، وحذر من أن الغرب سيخيب ظنه في الجماعات التي ستخلف الأسد في الحكم، وقال: "تبين بشكل لا يقبل التأويل أن القذافي كان صادقاً عندما قال إنه هو الذي كان يمنع "الإسلاميين المتطرفين" من ضرب أوروبا، بدليل أنه بسقوط القذافي تحولت ليبيا إلى ساحة انطلاق للجماعات الإسلامية، ويجزم أن ما حدث في ليبيا سيحدث أفظع منه في سوريا". ولا بد من التذكير بالتقرير الذي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية العام الماضي بعنوان "الأسد ملك إسرائيل" والذي أشارت فيه إلى أن "حالة من القلق تنتاب الأوساط الإسرائيلية من احتمال سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، وأن الكثيرين في تل أبيب يصلون من قلوبهم للرب بأن يحفظ سلامة النظام السوري الذي لم يحارب إسرائيل منذ عام 1973 رغم "شعاراته" المستمرة وعدائه الظاهر لها".

بل ذهب الجنرال "شلومو غازيت"، القائد الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية أبعد عندما رأى أنه تتوجب على "إسرائيل" المساعدة على نقل السلاح السوري إلى "حزب الله"، وعدم السماح بسقوطه في أيدي الجماعات الإسلامية، لأن هذه الأسلحة "أكثر أمنا" في أيدي عناصر حزب الله.

كل هذه التوجهات الإسرائيلية يمكن ربطها مع الوثيقة الجديدة التي سربها موقع "ويكيليكس" والتي تكشف أن "أمريكا قدمت دعمًا ماليًّا لنظام بشار الأسد بقيمة خمسة مليارات دولار لمواجهة المعارضة"، وهذا ليس غريبا إذا أعدنا إلى الأذهان كيف كانت الإدارة الأمريكية تخطط لنظام القذافي للحيلولة دون سقوطه، وهو ما كشفته الوثائق التي استولى عليها الثوار الليبيون من مقر مخابرات القذافي في طرابلس.

ومن هنا فإن الجهود الإسرائيلية لمنع سقوط نظام الأسد "حقيقة" وليست ضربا من الخيال أو "نظرية مؤامرة"، وهذا ما يعقد الجهود العربية والدولية لوقف مسلسل القتل الدامي بحق الشعب السوري.

وهذا ما تؤكده جريدة نيويورك تايمز الأمريكية التي نقلت عن مسؤولين في البيت الأبيض رفض أوباما لخطة أعدتها وكالة المخابرات ووزارة الخارجية الأمريكيتان لتسليح الثوار السوريين العام الماضي، خوفا من وصول الأسلحة إلى "مقاتلين متشددين يواجهون نظام الرئيس السوري بشار الأسد"، وأن عدم تزويد المعارضة السورية بالأسلحة ناجم عن التردد والخشية من وصولها إلى أياد غير موثوقة، وخشية استخدامها بالتالي ضد مصالح إسرائيلية وأمريكية.

الأمريكيون والأوروبيون يلعبون بالدم السوري ويشاركون بقتل الشعب السوري تماما كما تفعل روسيا والصين وإيران وحزب الله، وهذا ما دفع رئيس الوزراء القطري إلى انتقاد الموقف الأوروبي من حظر تسليح الثوار السوريين ووصفه بأنه "قرار غير صائب" يدفع إلى إطالة أمد الأزمة التي يدفع الشعب ثمنها، وأعاد للتذكير بأن نظام الأسد يشتري الوقت ويسوف، وطالب بنقل السلطة في سوريا "لأن الشعب قال كلمته، ودفع ثمناً كبيراً جداً من دمائه"، ووجه سهام نقده إلى المجتمع الدولي متسائلا: ألا يستحق الشعب السوري تدخل مجلس الأمن أو تدخل دول كبيرة تدعي أو تقول إنها تدعم الشعب السوري". وهذا بالضبط ما دفعه إلى اتخاذ موقف حاسم: "نحن مع دعم المعارضة بكل ما تحتاجه حتى ولو احتاجت للسلاح للدفاع عن النفس"، وهو موقف ينبغي العمل على حشد الرأي العام العربي والعالمي لصالحه، خاصة في الولايات المتحدة، وتحشيد حكومات العالم للدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا وحماية الشعب السوري من حرب الإبادة الأسدية، وهو ما يضع قطر في مواجهة المشروع الإسرائيلي لمنع سقوط الأسد ونظامه.

قطر أقدر على الانتصار في هذه المنازلة لمساعدة الشعب السوري على الخروج من محنته، لأن الرأي العام والقوى الفاعلة في أمريكا وإدارة أوباما مع التوجه القطري، وهذا يتطلب بناء لوبي قطري في مواجهة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا واستخدام الآلة الإعلامية بشكل فاعل والتحالف مع كل القوى الأمريكية والأوروبية التي تدعم حق الشعب السوري في الانعتاق من ظلم واستبداد ودكتاتورية نظام الأسد، لكن من المهم مراقبة إسرائيل جيدا، فهي تجيد اللعب، تجيد الضرب تحت الحزام، خاصة وأن لها "حلفاء عرب" في الرؤية والهدف، وهؤلاء لا يمكن التقليل من أذاهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا - العدوان : بين فكي كماشة خمنئي .. حول عدوان ميليشيات المالكي على شعبنا .. زهير سالم*

بينما كان وليد المعلم وزير الخارجية الأسدي يقدم التحية لحكومة طهران ، على الدعم اللامحدود الذي تقدمه لعصابات الأسد ؛ انطلقت ميليشيات المالكي في عدوان سافر ومكشوف وعبر ما يسمى الحدود الدولية على شعبنا وثورتنا على الأرض السورية عند معبر اليعربية فقصفوا ودمروا وقتلوا وقنصوا .

لا يمكن للمتابع أن يغفل عن ارتباط هذا العدوان بالتصريحات المستنكرة المحرضة على ثورة الشعب السوري التي سبق للمالكي أن أصدرها تمهيدا لهذا العدوان الصارخ والمستنكر على الأرض السورية والشعب السوري .

ولا يمكن أن يفصل هذا العدوان عن نظيره الذي يمارسه حزب الله بميليشياته انطلاقا من الأرض اللبنانية مستحلا هو الآخر الدم والعرض السوري ، مستهينا بسيادة الشعب والأرض .

يؤكد تطور الأحداث أنه قد حان الوقت ليخطو به الولي الفقيه خطوته القادمة ، التي طالما لوح بها مهددا ومتوعدا . لنرى يد الشر تمتد من طهران ممسكة بطرفي الكماشة الطائفية في العراق ولبنان ولتحاصر الشعب السوري والثورة السورية بين فكيها المنتنين . ولتنفذ مخطط الإحراق والتدمير الذي طالما هددوا هذه الأمة به ( من بحر قزوين إلى بحر العرب ) ..

إنه إزاء هذا العدوان السافر والمخطط الخطير الذي يحاول الالتفاف على أمتنا وإجهاض ثورتنا :

لن ينفعنا أن نشجب ونستنكر وندين مع الشاجبين والمستنكرين ..

ولن ينفعهم أن نقول لهم تبصروا في العواقب وانظروا في المآلات فالنار التي تشعلونها ستحرقكم وتزلزل الأرض تحت أقدامكم فهم أكثر طغيانا من أن يستمعوا لنصح الناصحين ..

إن عدوان عصابات المالكي ومن قبله عصابات حسن نصر الله على الأرض والشعب السوريين يفرض استحقاقات كبرى على مجلس الأمن الدولي بهيئته ، وعلى المجتمع الدولي بدوله ، وعلى كل المهتمين والمسئولين عن السلم والأمن الدوليين ومن هؤلاء ومن الأمين العام للأمم المتحدة ننتظر الجواب على هذا العدوان السافر ...

وإن عدوان عصابات المالكي اليوم على الأرض والشعب السوريين ومن قبل عدوان عصابات حسن نصر الله يفرضان استحقاقات أمنية وعسكرية وسياسية على منظمة التعاون الإسلامي وعلى الأمانة العامة للجامعة العربية ودولها مجتمعين ومنفردين ..

إن التخاذل والتغافل والتشاغل عن القيام بالواجب والدور القومي ستكون له انعكاساته الخطيرة على المتخاذلين والمتهاونين والمتواطئين ..

سيهزم الجمع ويولون الدبر ، وستنتصر إرادة شعبنا – بإذن الله – (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )) .

لندن : 20 / ربيع الثاني / 1434

2 / 3 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قطار الحل السياسي ينطلق نحو السورية والركاب يتموضعون

د. رياض العيسمي

2013-02-20

القدس العربي

'سنستمربالضغط على النظام السوري الذي يقتل شعبه، وسنزيد من دعمنا للمعارضة السورية التي تمثل إرادة الشعب'. كانت هذه هي الجملة اليتيمة بخصوص الأزمة السورية التي تضمنها خطاب 'حالة الإتحاد' السنوي للرئيس الإمريكي باراك أوباما. هذا وبالرغم من أن هذه الجملة كانت مُقتضبة ولا تخرج عن سياق الموقف الأمريكي المعروف، إلا أنه يُستشفُ منها الجدية هذه المرة. حيث أنها تختلف عن النبرة الخطابية التي كان يرددها الرئيس أوباما في الماضي للإستهلاك الإعلامي: 'بأن الأسد قد فقد شرعيته في الحكم وعليه أن يتنحى'، أوعما كانت تكرره وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون: 'بأن أيام الأسد باتت معدودة'. لقد جاءت جملة أوباما عن الوضع السوري ضمن سياق حديثه عن العلاقات الخارجية والوضع في الشرق الأوسط. حيث أكد الرئيس أوباما مرة أخرى بأنه يرفض مبدأ الحروب والعسكرة. وأن عقيدته هذه لا تقتصرعلى إنهاء الحرب في إفغانستان بعد العراق، بل ترفض التدخل العسكري بشكل عام. وهذا ما طرحه سابقا في خطاب القسم الذي أداه لدورة رئاسية ثانية في شهر ينايرالماضي. أما حقيقة توجههه بخصوص عدم تزويد المعارضة السورية بأسلحة نوعية كشف عنه مؤخراً ليون بانيتا وزير الدفاع في شهادته أمام الكونغرس الأمريكي. حيث أكد بأن الرئيس أوباما كان قد رفض مقترحا الصيف الماضي قُدم له من قبل هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة وديفيد بترايوس رئيس (السي أي آيه) في حينها وأيده هو والجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان العامة. ويتلخص المقترح بتحديد فئات المعارضة المقاتلة في سورية، الغير جهادية والغير مرتبطة بتنظيم القاعدة كجبهة النصرة، ودعمها بالأسلحة النوعية وتدريبها.

لذا جاءت تصريحات الشيخ معاذ الخطيب رئيس إئتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية حول إمكانية التفاوض مع النظام في الوقت الذي بات فيه من المؤكد بأن الرئيس أوباما لن يتخذ قراراً لا بالتدخل العسكري المباشر في سوريا، ولا السماح بتزويد الثوار بالأسلحة النوعية. وأيضا بعد التأكد من إقتراب الموقف الأمريكي من الموقفين الروسي والصيني بإعتماد الحل السياسي للأزمة السورية. والحل السياسي يعني الحوار مع الطرف الآخر، أي مع النظام. وكذلك تأتي تصريحات الخطيب في وقت دخل فيه الإئتلاف وضعا حرجا نتيجة الأزمة المالية التي نجمت عن نكث الدول المانحة بوعودها. وأيضا جراء الإنحسار السياسي الناجم عن تراجع موقف الولايات المتحدة، والذي تبعه بطبيعة الحال تراجع في إندفاع الدول الأوربية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا. وكذلك تأتي هذه التصريحات في الوقت الذي ما يزال فيه شلال الدم يتدفق غزيراً في سورية. حيث تُقدرالعديد من المصادر بأن أرواح السوريين التي أُزهقت منذ بدء الثورة تزيد عن المائة ألف. ومؤشرعداد الموت اليومي في تسارع مستمر، وكذلك هوعداد اللاجئين الذين يتقاطرون إلى دول الجوار، ومثله النازحين داخل الوطن. هذا غيرالمعتقلين والمفقودين الذين توقف عدادهم عن العمل. إضافةً إلى الدمار الماحق الذي يحل بالبلاد، والتشوه النفسي والجسدي الذي يلحق بالعباد. لابد وإن كل هذه الظروف كانت من ضمن ما دفع بالشيخ الخطيب للإطلاق دعوته للحوار المشروط مع النظام. إلا أن تصريحاته هذه كانت قد فاجأت الكثيرين من أطياف المعارضة بما فيهم أعضاء في الإئتلاف الذي يرأسه. وكذلك داخل المجلس الوطني الذي يمثل أكثر من ثلث الإئتلاف. كما وسادت موجة عارمة من الجدل واللغط حول شرعية و دوافع هذه التصريحات.

من حيث المبدأ، لا نعتقد بأن أية مبادرة سياسية تقود إلى سقوط النظام تتعارض مع مبادئ الثورة. بل بالعكس تحقق هدفها الأساسي (إسقاط النظام)، وتلتقي مع أول شعار رفعته (الشعب يريد إسقاط النظام)، وتعيدها إلى جوهر إنطلاقتها (السِلمية). إذن ليس هناك أي ضير في أي حوار يحقن دماء السوريين وفي نفس الوقت يحقق هدف الثورة الأساسي. وكون الإئتلاف يُعتبر بمثابة الذراع السياسي للثورة، فمهمته تكمن في ممارسة الفعل السياسي في الخارج الذي من شأنه أن يعزز فعل الثوارعلى الأرض. لهذا نعتقد بأن الدعوة إلى الحوار قد حققت حتى اللحظة عدداً من الأهداف السياسية، التي كانت المعارضة والثورة السورية بحاجة لتحقيقها. حيث أنها وبالدرجة الأولى أحرجت النظام ووضعته على المحك. فهو الذي لم يتوقف يوما عن إطلاق دعوات الحوارالوهمية التي لا يمكن أن تتم إلا بشروطه ولا تخدم غير بقائه في السلطة. وأيضا تهدف إلى تصوير الثوار وكأنهم كما يوصفهم 'عصابات مسلحة' لا تؤمن بمنطق الحوار. كما وحركت المياه الراكدة في 'مستنقع' القرارالدولي، وأعادت بالإئتلاف بشكل خاص والثورة السورية بشكل عام إلى واجهة الحدث بعد فترة من التراجع والإنحسار. وكذلك بنت الدعوة المشروطة للحوار برحيل الأسد جسوراً مع المعارضة في الداخل، وبالتحديد مع هيئة التنسيق وفعاليات الثورة الأخرى التي يتجاوب موقفها مع هذا التوجه. وهذا ما قد يمهد الطريق أمام وحدة المعارضة السورية، والتي لم يعد مناصاً منها بعد اليوم. كما وهيأت المعارضة السورية بأن تكون طرفاً فاعلاً في الحل السياسي، الذي يعتقد أغلب المراقبين بأنه أصبح وشيكاً، بدلاً من أن تكون طرفاً ضعيفا فيه تُفرَضُ عليه الحلول.

لقد أطلقت الدعوة للحوارسلسلة من الأفعال وردود الأفعال المكثفة والحثيثة على كافة الأصعدة المحلية والعربية والدولية. فبعد تصريحاته بقبول الحوار، دُعيَّ السيد معاذ الخطيب إلى مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا، والذي لاتحضره عادةً إلا الشخصيات الحكومية الرفيعة من رؤساء ونواب رؤساء ووزراء خارجية ومعنيون بالأمن. وأجتمع على هامش المؤتمر مع من تملك دولهم مفاتيح الحل للأزمة السورية. حيث إلتقى مع جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي، وسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، وعلي أكبر صالحي وزير خارجية أيران. كما وأجتمع مع الأخضر الإبرهيمي المبعوث الدولي والعربي، الذي توجه مباشرة بعد ميونيخ للقاء نبيل العربي أمين عام الجامعة العربية في القاهرة. وبدوره دعا العربي إلى القاهرة رياض حجاب رئيس وزراء سوريا المنشق للتباحث. وفي نهاية الإجتماع طالب حجاب بمقعد سوريا في الجامعة العربية. قطر تُسارع إلى تسليم مقر السفارة السورية في الدوحة للإئتلاف بعدإعتماد سفير له.

وفي الولايات المتحدة يتم الإعلان عن إمكانية فتح مكتبين للإئتلاف، واحد في واشنطن والآخر في نيويرك. المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، يرفض فجأة أي دعوة للحوارالمنفرد مع الولايات المتحدة حول ملف إيران النووي في الوقت الذي كانت فيه إيران تكرر الدعوة إلى هكذا حوار. ويتبع تصريح المرشد الأعلى مقترح من إيران بوضع البحرين وسوريا على جدول أعمال ال 5 + 1 المقرر عقده في كازخستان في 26 الشهر الجاري لمناقشة ملف إيران النووي. الرئيس أوباما في خطاب 'حالة الإتحاد' يجدد إمكانية حل مشكلة ملف إيران النووي بالتفاوض. معاذ الخطيب يُدعى لزيارة الولايات المتحدة وروسيا. وأيضا من المتوقع أن يزور وليد المعلم وزير الخارجية السوري موسكو هذا الشهر. كما وأعلن عن زيارة للملك عبدالله الثاني ملك الأردن لروسيا. جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الجديد سيقوم بزيارة شرق أوسطية. وكان قد صرح مؤخرا بأنه سيناقش مع الدول التي سيزورها مقاربات لحل الأزمة السورية تتركز على الحل السياسي، وإقناع الأسد بأن إنتصاره بات مستحيلا وأن رحيله لامفر منه. كما وكان له إجتماع مع بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة.

ناقش معه إمكانية إستصدار قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السادس لوقف العنف في سوريا وإرسال قوات حفظ سلام، وتطبيق حل سياسي. الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية يعقد إجتماعا مطولا في القاهرة يناقش فيه مبادرة الخطيب وآفاق العمل المستقبلية. الأخضر الإبراهيمي يُعلن من القاهرة بأن مبادرة الشيخ معاذ الخطيب ماتزال قائمة، ويقترح أحد مقرات الأمم المتحدة لبدء الحوار. الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي يُعلن عن سفر وفد من الجامعة العربية مؤلف من ثلاثة وزراء خارجية عرب (مصر، الكويت، لبنان) إلى موسكو للتباحث. الرئيس أوباما سيحمل معه حصيلة ما ستتمخض عنه كل النشاطات والفعاليات بخصوص الأزمة السورية إلى إسرائيل التي سيزوها في الإسبوع الثالث من الشهر القادم، والتي ستكون الأزمة السورية حاضرة بقوه على جدول إجتماعه مع نتنياهو. يأتي كل هذا الزخم الدولي في الوقت الذي مايزال النظام السوري يصعد من حملاته العسكرية محاولا تحقيق مكاسب على الأرض وإستعادة مناطق إستراتيجية كان قد خسرها. وفي الوقت ذاته يستولي الثوارعلى مواقع إستراتيجية جديدة ويغنمون أسلحة نوعية، ويُحرزون تقدما حثيثا على إمتداد الأرضي السورية، ويُطبقون تدريجيا على دمشق المدينة.

ما يمكن إستنتاجه من كل هذه التحركات، بأن قطار الحل السياسي للأزمة السورية قد إنطلق بالفعل، وبدأ ركابه (الأطراف المعنية) يتموضعون إستعداداً للرحلة. أما السؤال المهم هو: هل يمكن لإئتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية أن يحجز للثورة والشعب السوري مكانا في عربة القيادة؟ لأنه ليس من المهم معرفة المحطة التي ينطلق منها القطار، بل المحطة التي سيصل إليها. لاشك بأن مهمة الإئتلاف ستكون صعبة وشاقة، وتحتاج إلى حنكة سياسة كبيرة وخبرة تفاوضية بارعة. فالسياسة والتفاوض هما علم وفن، وكلاهما يحتاج إلى المعرفة والتجربة لتحقيق الأهداف المرجوة منه. إلا أن التجربة المريرة مع النظام السوري علمت الجميع بأنه لا يوجد حوار أو أي حل سياسي يمكن أن يكون مجدياً معه في أي حال، إلا إذا إقترن بعاملين أساسيين: العامل الأول يتمثل بالقوة العسكرية. فالنظام السوري لن يفاوض على رحيله إلا إذا أدرك بأنه سيسقط، والأسد لن يستسلم إلا إذا تأكد من حتمية موته. إذن لا بد من زيادة دعم الثوار بكل الوسائل بما يوسع نفوذهم على الأرض إلى حدٍ يجعل النظام يرضخ للأمرالواقع مُرغماً. أما العامل الثاني فيتمثل بالمرجعية الدولية. حيث أن النظام لن يُطبقَ أي حل سياسي يمكن أن يقود إلى رحيله إن لم يكن بقرار مُلزم من مجلس الأمن الدولي (يوافق عليه الأعضاء الخمسة بما فيهم روسيا والصين)، ويستند إلى آليات وجداول زمنية محددة (تضعها وتشرف عليها الولايات المتحدة بمساعدة فرنسا وبريطانيا وتباركها روسيا والصين)، ويوفرأدوات تنفيذ فاعلة (تفرضها روسيا وإيران). فتجربة مصطفى الدابي وجامعة الدول العربية مازالت ماثلة أمامنا، وكذلك تجربة كوفي عنان والأمم المتحدة.

كما ولم يعد خافياً على أحد بأن الأزمة السورية لم تعد أزمة محلية فحسب، بل إقليمة ودولية. وإن كل الأطراف فيها تحرص على تحقيق مصالحها أكثر من حرصها على مصلحة الشعب السوري، الذي تُرك لعامين يعيش مآساة إنسانية غيرمسبوقة دون أن يهب لنجدته أحد. والآن بدأت جميع هذه الأطراف تحجز لنفسها مقاعداً على طاولةِ حوارٍتَعمدتْ بدمه. والكل يحاول أن يحقق إختراقا ما على حسابه كي يُحسّنَ من شروط تفاوضه، بما فيهم الأسد نفسه، الذي بات الجميع مقتنعا بضرورة رحيله وإن إختلفوا على كيفية الرحيل وثمنه. أما قوة التفاوض الحقيقية التي يمكن أن تمتلكها المعارضة السورية في أي حل سياسي تكمن بوحدتها وإلتزامها بثوابت الثورة وتمسكها بعزيمة الثوارالتي كانت من أهم الأسباب التي فرضت هذا الحوار، وجعلت كافة الأطراف المعنية تتسابق للمشاركة فيه. أما الحل السياسي الذي يمكن أن يقبل به كل الشعب السوري في النهاية هو الذي يضمن له أن تكون سورية واحدة موحدة أرضا وشعبا، ووطنا لكل السوريين. ويؤسس لدولة مدنية تعددية تعتمد الشفافية والتداول السلمي للسلطة. وأن يكون كل مواطنيها متساوون تحت سلطة القانون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ومهمة لافروف المستحيلة؟!

راجح الخوري

2013-02-26

النهار

كل المؤشرات تدل على ان موسكو تنخرط الآن في البحث عن حل للازمة السورية بعدما ألقت واشنطن تلك الكرة النارية في احضان فلاديمير بوتين ورفاقه الحالمين باستعادة دور روسيا في اطار الاستقطاب الثنائي البائد، لكن كما كانت مهمة مستحيلة مع الاخضر الابرهيمي وكوفي انان فقد يثبت انها ايضاً مهمة مستحيلة مع سيرغي لافروف!

وهكذا بعدما حاول دميتري ميدفيديف ان يفتح كوة في الجدار الروسي المقفل، عبر الايحاء بان موسكو بدأت تنظر ضمناً الى سوريا ما بعد الاسد، جاء الجواب سريعاً من دمشق تصعيداً في السياسة وتصعيدا في قصف المدن والاحياء، لكن كان من المثير ان يبشرنا ميدفيديف بأن موسكو ترى ان مستقبل الاسد امر ثانوي امام "الاولوية الروسية المتمثلة بايصال القوى السياسية الى نوع من التوافق للخروج من الازمة وان الحرب الاهلية لن تتوقف حتى لو رحل الاسد"، بما يعني ضمناً ان هناك محاولات روسية لهندسة خريطة سياسية لسوريا خالية من الاسد.

لكن الكلام المهين الذي صدر في دمشق قبل يومين رداً على دعوة الابرهيمي الى ممارسة الضغط على النظام للانخراط في الحل السياسي، بدا وكأنه رد ممهور بالتوقيع الايراني على كلام ميدفيديف "ان شكل النظام وطبيعة الحكومة والانتخابات شأن سوري والرئيس الاسد لا يناقش هذه المسائل الداخلية مع اي احد غير سوري، وان الابرهيمي غير قادر على فهم المنطق السوري..."!

واذا كانت الاوساط الديبلوماسية الغربية قد وضعت تصريحات ميدفيديف في خانة بدء تفكير روسي فعلي بسوريا خالية من الاسد، وأنه لا بد من حل يوقف الحرب الاهلية، فمن الضروري ان نتذكر ان الذي اوصل سوريا الى "الحرب الاهلية" ليس سوى الموقف الروسي الذي عطّل مجلس الامن وحال دون قيام معالجة دولية لهذه الازمة الدامية التي يندى لها شرف الشرعية الدولية. فكما يقول الامير سعود الفيصل ان العالم لم يتخلّف عن تقديم المساعدة الى الشعب السوري فحسب، بل منع هذا الشعب من الحق الانساني والقانوني في الحصول على السلاح الذي يساعده في الدفاع عن نفسه في مواجهة القصف الجوي ومدافع الميدان.

لست ادري في الواقع كيف ستتحرك الديبلوماسية الروسية بحثاً عن حل يمكن ان يقبل به ايضاً الشركاء المضاربون في طهران، الذين يعرفون ان خسارتهم النظام السوري ستعني بالتأكيد بداية خسارتهم تلك العمارة السياسية التي اقاموها، سواء في العراق عبر صفقتهم المشبوهة مع الاميركيين، او على تخوم القضية الفلسطينية وهي محور الوجدان القومي العربي عبر "حزب الله" وحركة "حماس"، كما انها تعني خسارة ثلاثة عقود من الاستثمار السياسي والمادي ستؤدي الى سقوط كل احلام طهران بدور محوري في الاقليم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الرؤوس» أم «الكراسي»؟

حازم صاغيّة

الثلاثاء ٢٦ فبراير ٢٠١٣

الحياة

هناك في البيئة الثقافيّة السوريّة صوتان متعارضان يمثّل كلّ منهما وجهة نظر بالمعنى العريض للكلمة: صوت يقول إنّ التغيير تغيير في «الكراسي» أوّلاً، قاصداً أنّ الثورة هي إطاحة النظام القائم، رموزاً ومؤسّسات وأجهزة، وصوت آخر يقول إنّ التغيير تغيير في «الرؤوس» أوّلاً (وربّما أخيراً)، قاصداً أنّ الثورة الفعليّة هي إطاحة الاجتماع والثقافة السائدين، وفي الصدارة منهما أفكار الإسلام السياسيّ وقيمه وممارساته.

الرأي الأوّل يضع الثقافة بين مزدوجين ويحوّل «الثقافيّ» إلى شتيمة، والرأي الثاني يفعل الشيء نفسه بـ «السياسيّ».

وهذا الانتصاف في فهم «الثورة» هو جزئيّاً وليد أفكار واجتهادات، غير أنّه جزئيّاً أيضاً وليد مواقع في التكوين الاجتماعيّ والأهليّ لم يعد من الصعب الاستدلال عليها. إلاّ أنّه، في حالاته جميعاً، يضعف العمل الثوريّ بقدر ما يدلّ إلى ضعف تكوينيّ ينطوي عليه.

وبالفعل فإنّ الثورات لا تتمّ ولا يكتمل معناها كثورات إن لم تخلخل، في آخر المطاف، الاجتماع والثقافة القائمين. لكنْ كيف، في حالة سوريّة، يمكن الوصول إلى هدف كهذا من دون تغيير النظام الذي لا ينهض إلاّ على العنف، فيسدّ أبسط أبواب الحرّيّة، ويجعل أدنى شكٍّ جريمة «توهن الأمّة»، فيما يحول دون شعور الفرد، وهو من يُفترض به أن يبادر إلى الشكّ والتغيير، بكرامته الفرديّة؟

وإذا جاز الاستشهاد بمصر وتونس بعد ثورتيهما على «الكراسي»، أمكن القول إنّ الانتقال إلى تغيير «الرؤوس» مرّ حكماً بتغيير تلك «الكراسي». وهذا علماً أنّ عنف النظامين السابقين في مصر وتونس نقطة في بحر العنف الذي غرف النظام الأسديّ ويغرف منه.

والحال أنّه في تلك المعمعة السياسيّة وحدها، ومن خلال الصراع على السلطة تحديداً، بل في مناخ يمكن فيه إطلاق الصراع حول السلطة، يصار إلى «توطين نقد الإسلام السياسيّ وتسييسه» (بحسب عبارة سامر فرنجيّة في «الحياة»، ملحق «تيّارات»، يوم الأحد الماضي).

في هذا المعنى يُخشى أن تؤدّي المبالغة في نظريّة تغيير «الرؤوس»، وتقديمها في جدول الأولويّات، إلى التهاون في أمر تغيير «الكراسي»، إن لم يكن غضّ النظر عن هذه «الكراسي» وعن شاغليها. والحقّ أنّ تلك المبالغة مسؤولة جزئيّاً، من خلال مسايرتها المديدة لـ «الكراسي»، عن تصدّر الإسلام السياسيّ وقواه مواقع المظلوميّة أوّلاً، ثمّ مواقع التغيير تالياً.

لكنّ تغيير «الكراسي»، في المقابل، معنيّ بالإيحاء بأنّ تغيير «الرؤوس» موضوع على جدول الأعمال. وضعف مثل هذا الإيحاء لا يطمئن كثيراً. فهو ما يقود أصحابه بعيداً في ردّة فعل عصبيّة حيال منظّري «الرؤوس أوّلاً». ومن أشكال ردّة الفعل تلك المبالغة في التنصّل من الثقافة والمثقّفين، والاستعداد المتعاظم للتسامح مع سلوكيّات شعبويّة، بل الميل إلى الاحتفال بها وتمجيدها أحياناً، ناهيك عن غضّ النظر عن أعمال متعصّبة لا يجوز بحال من الأحوال غضّ النظر عنها. وأحياناً تندفع ردّة الفعل إيّاها إلى إدانة ما هو غربيّ وما هو متقدّم لأنّ «الشعب» ليس كذلك.

نعم، لا ريب في أنّ تغيير «الكراسي» يأتي أوّلاً، غير أنّه من دون المباشرة بتغيير «الرؤوس» قد نجدنا، عاجلاً أو آجلاً، أمام «كراسٍ» أثقل على الصدور والعقول.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ستبقى المقاومة البديل الوحيد لحل القضية السورية؟

خالد هنداوي

25-2-2013

الشرق القطرية

لقد طفحت وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة مؤخرا بالحديث عن الحوار وإمكانيته وجدواه بين اللانظام السوري وبعض من يعرضون هذه الورقة من باب إحجاج الظالم وإفحامه أمام ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي أصبح معظمه غادرا خائنا للأمانة مضحيا بأسرة الشعب السوري العضو الدولي في جسم الأسرة العالمية طلبا للمصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية لحسابها فقط دون أي اكتراث ببحور الدماء الهادرة في كل صعيد على أرض ضاربة في أعماق التاريخ والحضارة على الدوام، فلا قيم ولا مبادئ ولا أخلاق في السياسة لدى هؤلاء جميعا خصوصا أن الصهاينة ضاغطون أساسيون لعدم الوقوف ضد هذا اللانظام حيث وفر لهم الهدوء وبناء المستوطنات لأربعين عاما، لقد أخذ كثيرون بالحديث عن ضرورة المصير إلى حوار مع القتلة الجهنميين الساديين حقنا لما تبقى من دماء السوريين وتخفيفا للدمار الكارثي الذي جعل معظم البلاد العامرة قاعا صفصفا، وهم إذ يدندنون على هذا الرهان يقولون لابد أن نحاول ونجرب ولكن يبدو أنهم ينسون أن الذي يجرب المجرب عقله مخرب أو هكذا غالبا ما يكون، لقد استجاب الأخ الشيخ أحمد معاذ الخطيب رئيس ائتلاف قوى الثورة والمعارضة من باب رفع العذر بل الاتهام بأن المعارضة ربما لا تملك أفقا سياسيا للمحاورة أو المفاوضة وليس لديها إلا ثابتة رحيل اللانظام بكل رموزه وأركانه، فماذا كانت النتيجة ورد فعل القتلة غير المراوغة والإجابات العامة الساخرة والمنكرة للواقع الذي ما زالت تعيشه سورية على إيقاعات الفظائع والشنائع والأسد ما زال بأمر أسياده المعروفين الذين فضحته وفضحتهم الثورة المجيدة متمسكين بالصنائع والخدام الذين يعملون لمصالح هؤلاء الأسياد وعلى رأسهم إسرائيل كما نقل مؤخرا صائب عريقات عن نتنياهو في تصريحاته التي تخشى من زوال الأسد وعصابته، ورغم أن معاذ الخطيب قد رمى هذه الحجرة الصغيرة التي لن تؤثر شيئا في تحريك دولاب المعادلة وإن كانت تثبت أن لدى الطرف الآخر حلحلة للمعضلة السورية إذا كان رأس النظام مستعدا لنقل سلمي للسلطة، ولكن الحصيف المتابع والقارئ السابر لحقائق المشهد السوري مدرك تماما أن كل هذه المحاولات ما هي إلا لعب في وقت حساس ضمن حلبة الصراع وأن الكاسب في النهاية هو من يقتل ويقتل ويدمر ويشتري هذا الوقت لمزيد من جرائمه ومذابحه واستعمال كل سلاح روسي وإيراني لسحق الثورة سيما أنه مطمئن أن أمريكا المخادعة الكاذبة قد أخذت على عاتقها ومعها أوروبا ألا يزودوا الجيش الحر والمقاومة بأي سلاح نوعي يغير من ميزان القوى على الأرض، وعلى هذا فإن الثوار وبإمكاناتهم التقليدية البسيطة إنما يقومون بشبه معجزة عندما يحررون المطارات ويسقطون ويعطبون الطائرات ويدمرون الدبابات والأسلحة الثقيلة، بل وأصبحوا منذ الأشهر الأخيرة يغنمون الكثير الذي أتاح لهم التحدي وضرب معاقل الظالمين بما فيها القصر الجمهوري والأركان في دمشق العاصمة، ومع ذلك فإننا نقول: إن قانون التدافع في الأرض والبشر هو الذي لن يترك المتجبرين على سلطانهم مهما امتد الوقت كما أن من السنة الكونية توفر الأسباب فعندما وفر الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت الأسلحة الفعالة للإمبراطور تشرشل استطاع أن يهزم هتلر ويخرجه من بريطانيا ثم يمنى بالهزيمة، وهكذا فقد جعل الله لكل شيء سببا، وإن تكالب معظم المجتمع الدولي مع الجزار في سورية على الثوار الذين هم يحاربون الأسد وروسيا وإيران والصين وحزب الله ومالكي العراق بل وبعض من يدعون أنهم أصدقاء للشعب السوري وهم أقرب إلى العداوة منهم إلى الصداقة، فمهما بلغ هؤلاء الثوار من الإيمان والعزيمة والإرادة فإن أمامهم تحديات لابد من مجابهتها، وكم تقصر معظم الدول العربية والإسلامية في دعمهم وهي متسببة في إطالة الصراع من جهة وفي التآمر الناعم اللامباشر والمباشر في عدم تحريض شعوبها كاملة أن تدعم الثوار ماديا ومعنويا، وإنه من هذا المنطلق بالذات وبعد امتداد المجازر في كل بقعة من سورية وضرب صواريخ سكود الروسية على مدينة حلب القديمة كان موقف الائتلاف بتعليق مشاركته في مؤتمر روما ومباحثات في واشنطن وموسكو عن سورية صائبا فلابد من المواقف المتوائمة مع فداحة الكارثة والتحدث بالفم الملآن، ما لكم كلكم أو جلكم تطلقون العنان لهذا الوحش جوا وبرا وبحرا يقتات من دمائنا دون عون فعلي إلا بالكلام والاحتجاج والتنديد في حين يقف الآخرون بكل وقاحة دعما لا محدودا لاستمراره وكم زادت شراسة هذا الغول بعد طرح تصريحات الخطيب عن حوار لنقل للسلطة فأخذ يقصف داريا بجنون ليضمن الريف الدمشقي وهو منذ شهرين لم يتمكن ولن يستطيع أبداً إن شاء الله بعد استحكامات الجيش الحر وانضمام الضباط إليه، إننا نرى بكل يقين أنه لا جدوى لأي حوار من أي نوع مع القتلة العملاء لأن الغاية من الحوار الأمان والسلام وهو لا يريده لأن طبيعته الوحشية ما تعودت عليه طوال حكمه وحكم أبيه بل تعودت على الخداع والموت للبقاء في السلطة كما حدث في جرائم مجزرة حماة عام 1982، ولن يكون أي بديل عن أي حوار وتفاوض مع المقاومة والشعب السوري إلا مواصلة الثورة بكل اصطبار وإرادة والاعتماد على الله والنفس وكسب غنائم جديدة نوعية من اللانظام نفسه بنشيد:

سلاحي من عدوي والذخيرة وأهدافي وإن صغرت كبيرة

وعندها سيتنازل كل فرعون للثوار وتقود سورية دولة الحرية والعدل والمواطنة والقانون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تفتيت سوريا بالحرب..

ولبنان بقانون انتخاب!

خيرالله خيرالله

المستقبل

25-2-2013

ثمة من يريد تفتيت سوريا عن طريق تعمّد الاطالة للحرب الداخلية الدائرة في أراضيها منذ عامين.

وثمة من يريد تفتيت لبنان عن طريق اعتماد قانون انتخاب يجعل من الوطن الصغير مجموعة كانتونات يتحكّم بها الكانتون الأقوى والأكبر، أي دويلة "حزب الله" الإيراني الذي يمتلك ميليشيا وأجهزة أمنية قادرة على احتلال أي منطقة لبنانية، بما في ذلك بيروت متى يشاء... أو على الأصحّ متى صدرت الأوامر والتعليمات بذلك من طهران.

كلّما مرّ يوم، يثبت بالدليل الملموس أنّ إطالة أمد الحرب الداخلية الدائرة في سوريا يصب في تنفيذ خطة تصبّ في خدمة توجيه ضربة محكمة، لا شفاء منها، إلى الكيان الذي عرفناه والذي استقلّ في العام 1946. هناك رغبة واضحة لدى أكثر من طرف إقليمي في الانتهاء من سوريا بحدودها المعروفة، التي يعود الفضل في رسمها إلى اتفاق سايكس- بيكو الذي جمع بين دمشق وحلب واللاذقية وجبل العرب (جبل الدروز).

من أفضل من النظام العائلي- البعثي القائم يؤدي هذه المهمة عن طريق التمسّك بالسلطة بغض النظر عن عدد الضحايا والدمار والخراب؟

يتمسّك هذا النظام بالخيار الأمني غير آبه بأن أكثرية الشعب السوري ترفضه. يرفض النظام أخذ العلم بأنّه يتأكد كلّ ساعة أنّ الشعب السوري لن يتراجع. هذا الشعب، الذي لم يعد يهاب الموت، مستعدّ لمتابعة مقاومته إلى ما لا نهاية بغض النظر عن المساعدات أو حجم الدعم الذي يحصل عليه من هذا الطرف الإقليمي أو الدولي أو ذاك.

من الواضح أنّ هناك رغبة اسرائيلية في الذهاب إلى النهاية في دعم النظام القائم في عملية تدمير البلد. ولذلك، تمارس اسرائيل ضغوطاً كبيرة على الولايات المتحدة من أجل اعتماد سياسة تصبّ في خدمة إطالة الحرب السورية قدر الإمكان. ترمي اسرائيل من خلف هذه السياسة إلى تعميق الشرخ الطائفي والمذهبي وتدمير ما بقي من المؤسسات السورية التي يعود الفضل في قيامها الى عهد الانتداب الفرنسي وإلى السنوات الأولى من الاستقلال، أي مرحلة ما قبل إعلان الوحدة مع مصر في العام 1958. وقتذاك، بدأت الدولة السورية تتحوّل تدريجاً إلى دولة أمنية أقرب إلى ما كانت عليه ألمانيا الشرقية، السعيدة الذكر، من أيّ شيء آخر.

لم تعد هذه الرغبة الاسرائيلية، في المحافظة لأطول فترة ممكنة على النظام السوري من أجل استخدامه في تفتيت سوريا، سرّاً عسكرياً. فقد قال الرئيس باراك أوباما، في معرض تبريره لرفض توصيات كبار المسؤولين الأميركيين بتزويد الثوّار السوريين أسلحة معيّنة، أنه يخشى من استخدام هذه الأسلحة ضدّ إسرائيل!

ليست الولايات المتحدة وحدها التي تساعد في إطالة عمر النظام السوري. هناك روسيا وإيران اللتان تجهدان من أجل الحصول على قطعة من سوريا المفككة. وإذا كانت المواقف الروسية مفهومة في ضوء الانتهازية وقصر النظر اللذين يميزان السياسة التقليدية لموسكو في الشرق الأوسط، إلاّ أنّ السياسة الإيرانية بالغة الخطورة. إنها خطرة على مستفبل سوريا ولبنان في آن. تعود هذه الخطورة إلى أن النظام الإيراني يمتلك تفكيراً استراتيجياً يقوم على إبقاء لبنان، كلّ لبنان، تحت سيطرته في حال خسارته سوريا وعجزه عن الاحتفاظ بقسم من أراضيها.

هذا ما يفسّر إلى حد كبير السعي إلى فرض قانون انتخابي مبني على الطائفية والمذهبية في لبنان. مثل هذا القانون الذي يسمّى زوراً وبهتاناً بـ"القانون الأرثوذكسي" ليس سوى صيغة لتدمير لبنان الذي عرفناه تحت شعار مضحكٍ مبكٍ هو تمكين المسيحيين من انتخاب نوّابهم. كيف يستطيع المسيحيون المحافظة على حقوقهم في مؤسسات الدولة اللبنانية في وقت الكلمة الأولى والأخيرة فيها لـ"حزب الله" وسلاحه المشرّع إلى الصدور العارية لأبناء الوطن الصغير من كلّ الطوائف، بمن في ذلك الشيعة الشرفاء؟

لا هدف من "القانون الأرثوذكسي" سوى تفتيت لبنان. الخاسر الأكبر سيكون المسيحيون الذين سيجدون نفسهم في حال ضياع في غياب المؤسسات القوية للدولة اللبنانية التي افتخروا دائماً بدعمهم لها. فما هو مطلوب إيرانياً من القانون الانتخابي المذهبي، الذي يجعل أبناء كل مذهب ينتخبون نوابهم، وجود قوة واحدة متراصة تتحكّم بمقدرات البلد ومفاصل السلطة.

مثل هذه القوّة ستكون الكتلة النيابية لـ"حزب الله" التي تحتكر التمثيل الشيعي وتحتكر السلاح، خصوصاً بعدما وضعت يدها بالقوة على حركة "أمل" التي على رأسها الرئيس نبيه برّي.

خطوة خطوة، تضع إيران يدها على لبنان. فمن خلال التهويل بسلاح "حزب الله" الذي أرعب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وجعله ينضمّ إلى حكومة الحزب الإيراني ويغطيها، استطاع الحزب احتكار السلطة والإمساك بالحكومة. لم يعد في الحكومة التي على رأسها شخصية سنّية، نعم سنّية، من يتجرّأ على السؤال لماذا يتجنب العرب عموماً وأهل الخليج على وجه التهديد المجيء إلى لبنان؟ لماذا صار لبنان امتداداً للمحور الإيراني- السوري؟ لماذا لا يوجد مسؤول حكومي يندد بأرعن مثل النائب المسيحي ميشال عون لا يتردد في الإساءة إلى اللبنانيين العاملين في منطقة الخليج بعدما لعب دوراً أساسياً في تهجير قسم منهم من لبنان؟

في أحسن الأحوال، ليس القانون الانتخابي المذهبي سوى خطوة أخرى على طريق تفتيت لبنان بطريقة قانونية. تخفي هذه الطريقة استخدام السلاح غير الشرعي وشعار "المقاومة" من أجل التمدد في كلّ الاتجاهات. وهذا يعني بكلام مختصر أنّ الطلوب في نهاية المطاف احتكار السلطة، كل السلطة. ستكون هناك أداة لـ"حزب الله"، الذي هو في الأصل أداة إيرانية... تدير المسيحيين وتوجههم وتأخذهم إلى الهاوية. وسيكون هناك رئيس سنّي لمجلس الوزراء ينفّذ ما هو مطلوب منه إيرانياً، وذلك كي لا تعود للبنان علاقة بلبنان!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شظايا الـ"سكود" ترتدّ على دور روسيا

ومقاطعة مؤتمر روما تصيب المعارضة

روزانا بومنصف

2013-02-25

النهار

لزمت روسيا الصمت على اثر اطلاق النظام السوري صواريخ سكود الروسية الصنع في القصف على مدينة حلب بعد اقل من 48 ساعة من اتهامها الولايات المتحدة باعتماد معايير مزدوجة نتيجة رفض واشنطن الموافقة على صدور بيان ادانة عن مجلس الامن للتفجير الاخير في دمشق. فيما سارعت واشنطن الى ادانة قصف النظام حلب بصواريخ سكود مستخدمة تعابير قاسية في وصف هذا القصف. وتزامن ذلك مع بيان للائتلاف السوري المعارض اثر اجتماعات في القاهرة اعلن فيه تعليق مشاركته في اي زيارات او اتصالات مقررة مع الخارج احتجاجا على صمت العالم على "الجرائم" التي يرتكبها النظام في حق شعبه، علما ان على جدول اعمال الائتلاف زيارة قريبة لموسكو متوقعة في مطلع آذار استنادا الى محاولة روسيا رعاية حوار بين النظام والمعارضة في ضوء زيارة يقوم بها وزير الخارجية وليد المعلم لموسكو الاسبوع الطالع واخرى لواشنطن ومشاركة في اجتماع لاصدقاء سوريا في روما في 28 الجاري حيث تلتقي خلاله المعارضة وزير الخارجية الاميركي جون كيري الذي يزور ايطاليا ويشارك في الاجتماع من ضمن جولة له في اوروبا والشرق الاوسط تتناول الوضع السوري في شكل اساسي. ويحرج اطلاق صواريخ سكود وما تسفر عنه من قتلى بالعشرات روسيا التي تعتبر نفسها مؤهلة للعب دور في سوريا خصوصا انها لا تزال ترسل اسلحة الى النظام السوري بذريعة انها تفي بعقود سابقة بينها وبين النظام فضلا عن ان الاسلحة التي ترسلها هي اسلحة دفاعية وليست هجومية، في حين تأتي الوقائع اليومية السورية لتدحض كل الحجج الروسية علما انها ليست المرة الاولى التي يستخدم فيها النظام صواريخ سكود الروسية، لكن موسكو تعتبر انها حققت خطوات على طريق فرض نفسها لاعبا مؤثرا في الازمة السورية وتملك الاوراق اللازمة لذلك.

وبحسب مراقبين متابعين للوضع في سوريا، فان توقيت استخدام النظام صواريخ سكود بدا في توقيت يثير التساؤل. اذ ان هناك حربا جارية في المدن السورية، واللجوء الى صواريخ روسية الصنع معروفة بقوتها التدميرية وسقوط قتلى بالعشرات عشية توجه المعلم الى موسكو قد لا يكون بريئا في اهدافه. اذ هو يساهم في وضع روسيا في موقف حرج جدا في الوقت الذي تبدو الاخيرة متحمسة للعب دور الراعي لحوار ثنائي بين النظام والمعارضة حيث لا يستطيع النظام القول بانه يرفض الحوار ولراعيته روسيا بالذات التي اثنت على مبادرة معاذ الخطيب التي ازاحت من الواجهة مبادرة الرئيس السوري وعطلتها فيما النظام يرغب في رمي التبعة على خصومه في رفض الحوار وتعطيل المبادرات. واستخدام النظام صواريخ سكود هو الذريعة التي اعتمدتها المعارضة من اجل تعليق زيارة العاصمة الروسية التي حملها بيان الائتلاف السوري الذي يحتج على الصمت الدولي على استمرار القتل في سوريا "مسؤولية خاصة اخلاقية وسياسية لكونها لا تزال تدعم النظام بالسلاح". ذلك علما ان معطيات تحدثت عن جملة اعتبارات وراء قرار المعارضة وليس فقط استمرار الصمت الدولي على ما يجري في سوريا. اذ هناك الضغط من اجل الحصول على مواقف دولية اكثر حزما والعمل على مساعدة المعارضة السورية من خلال خروج الدول الكبرى عن ترددها. وهناك ايضا خلافات داخل المعارضة حول مبادرة رئيس الائتلاف معاذ الخطيب بالحوار مع شخصيات من النظام لم تتلوث ايديها بالدماء والتي فاجأت اعضاء الائتلاف وظلت تتفاعل داخله على وقع الاقتناع الكلي بان النظام لن يحاور اطلاقا وهو يستفيد من موقف المعارضة لتوظيفه ضدها على ما افاد الموفد الاممي الى سوريا الاخضر الابرهيمي في موقف له قبل ايام. يضاف الى ذلك اختلافات حول الدور الذي تستعد موسكو للعبه في هذا الاطار وهي لا تزال على موقفها المستمر بدعم النظام وتوفير الاسلحة له. والتطورات الاخيرة وفرت المجال لقطع الطريق امام زيارة الخطيب لموسكو وعدم استكمالها وتاليا على المبادرة للحوار كما سلطت الضوء ايضا على دور سلبي لروسيا يتخطى الدور الايجابي الذي تستعد للعبه في الوقت الذي تجهد موسكو لنفي عدم حيادها ودعمها للنظام.

ويعتقد المراقبون انه في الوقت الذي تبدو زيارة رئيس الائتلاف لكل من موسكو وواشنطن لاحقا معلقة حتى اشعار اخر على الاقل تحت وطأة الموقف الذي اتخذه الائتلاف، فان تعليق المشاركة في اجتماع اصدقاء سوريا في روما لن يصب في الاطار الصحيح بالنسبة اليها او الى الشعب السوري وفق ما يقول هؤلاء. وهو الامر الذي تعرفه المعارضة وقد يضطرها الى مراجعة موقفها خصوصا اذا اثمر موقفها ردود فعل مناسبة. اذ سارعت بريطانيا مثلا الى تلقف الموقف لمعالجة ذلك ولتقديم مخرج للمعارضة التي لا يقع في مصلحتها مقاطعة الدول الداعمة لها ولو ان هذه مترددة ولا تقدم خيارات حاسمة، وذلك من خلال اعلان وزارة الخارجية البريطانية انها "تعد عرضا جديدا لدعم الائتلاف" ستقدمه في روما مشجعة الائتلاف على اعادة النظر في قراره تعليق مشاركته ومصرة على ان "الوقت ليس للانسحاب". كما سارعت واشنطن الى ادانة استخدام النظام صواريخ سكود في اطار "حربه على شعبه" لكن من دون ان تبدي رد فعل على موقف الائتلاف ودعت المعارضة الى الحوار. لكن الايام المقبلة الفاصلة عن موعد الاجتماع قد تساعد اكثر على بلورة الاتجاهات في هذا الاطار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن بعض المحظورات التي بناها النظام الأسدي

اسطنبول ـ عمر كوش

المستقبل

24-2-2013

أماطت الثورة السورية اللثام عن كثير من القضايا والأفكار والمسائل المسكوت عنها، أو المغيبة والمهمشة، وكانت تعتبر من الخطوط الحمراء، التي تضع من يتناولها في خانة الخارج عن القانون، وتستوجب ملاحقته وإسكاته. وما كان ممكنا تناول تنوع المجتمع السوري، ولا الحديث عن مكوناته الاثنية والدينية والمذهبية والعشائرية، ولا الخوض في نقاش عام، يتناول مسائل المواطنة والدستور والحريات وسواها، لأن السلطة الحاكمة كانت تحتكر جميع ممكنات ووسائل النقاش العام، وتمنع مختلف تعينات الاختلاف في التوجهات والآراء والأفكار في سوريا، وتعتبر أي حديث خارج توجهاتها، ولا يخدم قبضتها على المجتمع، حديثاً محرماً، ويدخل في عداد المس بالمحظورات، مع أن المشكلة في سوريا النظام الأسدي لا تختصر في إشكاليات سياسية او اجتماعية أو دستورية، مهما كانت أهميتها، بل في إشكالية نظام فاشي بأكلمه، نهض على حالات مركبة من الاستثناء والاستبعاد والانكار، يدعمها نهج تسلطي، يستند إلى الاستعباد والقمع والهيمنة، وعلى مركبات توظيف مختلف الانتماءات ما قبل المدنية، خدمة لتأبيد حكمها وسطوتها وسيطرتها على الدولة والمجتمع.

وفي ظل سيادة حالات الاستثناء والاستبعاد، التي ضربت حياة قطاعات واسعة من السوريين، ابتعدت الدولة السورية عن الدولة الجامعة، الساعية إلى بناء وطنية سورية، بل، فقدت الدولة صورتها المدنية، حيث لم يعرف السوريون فيها سوى سلطة، تتسلط عليهم من خلال سطوة قوانين الطوارئ والمحاكم العرفية، وتعطيل العمل بالدستور، والقفز فوق القانون من طرف الأجهزة الأمنية والمتنفذين والمسؤولين وأولادهم، مع سعي قوى السلطة الدائم إلى الهيمنة على الفضاء العام للمجتمع وحراكه، فانتفى الرأي العام، وغابت تعددية أصوات قوى المجتمع الحيّة المتنوعة، مع اختفاء المؤسسات والمنظمات والهيئات، التي يمكنها الدفاع عن الصالح العام، وانتفاء مختلف أشكال الجسور والتوسطات ما بين الدولة وبين المجتمع.

وعمل النظام الأسدي طوال عقود عديدة على استغلال مختلف تكوينات المجتمع، وتجييرها قواها واختلافاتها لأهدافه السياسية، سواء من جهة ضرب القوى الحية، أم بالاستناد إلى فئة أو لنقل أقلية بعينها، وجعلها رهينة بين يديه، أو من جهة تخويف المكونات من بعضها البعض، وبخاصة عند استغلاله المكونات الأقلية لضرب المكون الأكثري وتهميش وحرمان غالبية ناسه من حقوقها الإنسانية المشروعة.

كل ذلك كان يجري لصالح نزع صفة المواطنة عن جملة الأفراد السوريين، وتحويلهم إلى رعايا، ينتظرون عطاء الحاكم، وتحويلهم إلى أبناء أقليات، وإلى أقلويين، والنظر إلى سوريا بوصفها تجمع أقليات تابعة أو خاضعة، وأقليات يجب ترويضها وإخضاعها، بغية إدامة نظام سلطوي مافيوي، يعتمد الزبونية والاستزلام، اختلفت تعيناته، ولم تختلف مركباته ودعائمه بين نظام الأسد الأب والأسد الابن.

وحين بدأت الثورة السورية حراكاً احتجاجياً سلمياً في الخامس عشر من شهر آذار/مارس 2011، لجأ النظام الحاكم منذ البداية إلى شن حرب شاملة على المحتجين وعلى البيئة الحاضنة له، الأمر الذي أعلن عن تغيرات في مسار الثورة، وتغاير مركبات ومكوناتها، بوصفها حدثاً تاريخياً، لم يشهد تاريخ سوريا مثيلاً له، ولن يتوقف عند حدود التغيير السياسي فقط، بل ستكون له تأثرات وامتدادات، تطاول إعادة بناء الدولة، وولادة شعب جديد وهوية وطنية سورية جديدة.

ونشأت أزمة وطنية عامة، عمقتها طريقة تعاطي النظام وممارساته مع الثورة وناسها، وهي أزمة تضرب جذورها في ممارسات عقود عديدة خلت، أفضت إلى تآكل قيم العيش المشترك والتعاقد الاجتماعي، وبدأت منذ وصول حزب البعث إلى السلطة، بانقلاب عسكري في الثامن آذار / مارس عام 1963، الذي أعلن عن اعتلاء فئات، عسكرية ومدنية من الطبقة الوسطى والدنيا الريفية، سدة الحكم، وإزاحة الفئات البرجوازية المدينية التقليدية، بعد أن تمكن الحزب من قطف ثمار الحراك السياسي في سوريا، إبان فترة خمسينيات القرن العشرين المنصرم.

وترجع جذور الأزمة المركبة، إلى النظام السياسي، الذي بنته النخبة العسكرية الانقلابية، التي حكمت سوريا منذ سبعينيات القرن العشرين المنصرم، وصادر وقمع جميع أشكال الحراك السياسي والمدني والاجتماعي المخالفة له، أو تلك التي لا تصب في مصلحة خدمة نظامه.

وقد عملت سلطة النظام الأسدي على تدمير القوى السياسية للنخب المدينية الغنية في دمشق وحلب وحمص وسواها، مقابل تنمية وتقوية نخب ريفية جديدة. وأسهم حزب البعث في بقاء سلطة النظام واستمرارها، من خلال توسيع قاعدتها اجتماعياً، حيث سعى إلى إدخال جموع كبيرة من الشغيلة والفلاحين في مؤسساته ومنظماته، لكنه اُستخدم في الوقت نفسه كأداة لقتل السياسة في المجتمع، واكتفى قادته بالتمتع بامتيازاتهم السلطوية، فسكنوا أبنية فخمة ومقرات شبيهة بالقلاع، في مراكز المدن والبلدات وحواشيها، بعد أن لجأت سلطة النظام إلى تقديم غنائم مادية لمحازبيه وأزلامه، وخصوصاً في مجال خدمات الدولة والعلاوات وتسهيل الرشوة والعمولات، أو على الأقل غض الطرف عنها، فضلاً عن الامتيازات السياسية.

وأنتجت السياسة السلطوية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، نمطاً من الإذعان، مورس على مختلف التكوينات الاجتماعية. نهض على قوة من الضبط والمراقبة، الرمزية والمادية، طاولت حتى حزب البعث نفسه، فلم يعد حزب البعث فاعلاً أو مؤثراً في قرارات السلطة الحاكمة وتوجهاتها، بل أن القيادة القطرية للحزب، فقدت دورها القيادي، ولم تعد تقوم، بدءاً من التسعينيات، بدور الهيئة أو المطبخ السياسي، الذي يصنع القرارات، بل مجرد مركز من مراكز السلطة.

وقد رفع منظّرو حزب البعث السوري رايات العروبة والقومية وفق رؤى وتوظيفات شعبوية، جعلتها أقرب إلى إيديولوجيا منها إلى هوية ثقافية ومواطنية وعيش مشترك، وبالتقابل والتضاد مع ما كانت تطرحه الأحزاب والحركات الشيوعية ومن لفّ في فلكها من شعارات وإيديولوجيات أممية وبروليتارية فجة. وراحت السلطة التي حكمت باسمه، تمارس الاجحاف والتفتيت والتخريب بحق مختلف تكوينات ومركبات المجتمع السوري، وبحق الوطنية السورية، نظراً لأن هذا الحزب فهم القومية العربية فهماً قسرياً، إلحاقياً، يعتمد اللغة كأساس جوهري لانتماء الجماعة القومية، تحولت وفقه الأمة إلى كائن أنثوي، حددها زكي الأرسوزي في مفهوم "الأمة الرحمانية"، الذي لم يكن الأرسوزي ذاته مدركاً لمعانيه ومركباته، نظراً إلى أن مؤسسي البعث "الأشاوس"، كانوا مشدودين إلى ميتافيزيقا اللغة، وكارهين للتاريخ، ولم يدركوا من معاني اللغة ومبانيها سوى ظاهرها، وراحوا يسحبون الرابط الأبوي بشكل خيالي ومصطنع حين يتعلق الأمر بالشخصنة، والرابط الأمومي حين يتعلق الأمر بالجماعة، التي باتت متخيلة في مخيلتهم، وبعيدة عن التربة والواقع. ووصل تأثيرهم إلى شاعر مثل أدونيس، القومي غير البعثي، الذي كان يستحضر صورة المرأة الجارية، كي يصور عبودية الأمة العربية، ومازال يستهجن أي حراك ثوري فيها لا يوافق انتماءاته الضيقة، وبخاصة حراك السوريين، الذي وقف ضده، منحازاً إلى طرف النظام الأسدي.

وأفضت العروبة، التي طرحتها السلطة الحاكمة باسم البعث، إلى إيديولوجيا استبعادية؛ وزّع ممثلوها تهم الخيانة والعمالة على كل مختلف بالرأي والتوجه، واستبعدوا كل ما هو غير عربي، سواء أكان كردياً أم آشورياً أم سريانياً أم غير ذلك. ثم فعلت المقايسة الميتافيزيقية فعلها الإيديولوجي الإقصائي ليتم استبعاد جميع من هم في حكم "غير العروبيين" من العرب أنفسهم، والمحصلة لمثل هذه الممارسات، كانت عروبة متعالية، معزولة منغلقة على نفسها، تبرر الاستبداد والقمع، وتقصي جميع المختلفين مع دعاتها بالرأي أو التفكير، فاقتصرت على ثلة من الشعبويين المعزولين عن الناس، وعن المجال المجتمعي السوري، وبالتالي، ابتعدت العروبة عن وصفها دالة انتماء وحاضنة هوية، بعد أن تحولت إلى إيديولوجيا طاردة للمواطنة والإجماع والتعايش، لذلك بقيت مختلف تكوينات الشعب السوري تنتظر المناخ الديموقراطي الذي يصحح ما جرى من ممارسات، ويوصل إلى حلّ سليم لتشييد وطنية سورية جديدة، تتسع للجميع ضمن فضاء العيش المشترك واحترام الخصوصيات اللغوية والدينية والثقافية.

والمفارق في الأمر هو أن معظم السوريين، وخصوصاً من جيل الشباب، عاشوا ازدواجية مقيمة، أو لنقل وضعوا ضمن ازدواجية عميقة ومزمنة، ما بين ما يسمعونه ويلقنون به من شعارات إيديولوجية ومقولات وأهداف قومية وعروبية، عابرة للوطنية السورية، ومتعالية عليها، وبين ما يرونه على أرض الواقع السوري، ويعيشونه في مختلف تفاصيل حياتهم اليومية، من انتماءات وعلاقات وممارسات مذهبية وطائفية واثنية ما دون وطنية، بل طاردة لأية إمكانية لتشكيل هوية وطنية سورية جامعة، وأفضت إلى انتفاء بناء دولة سورية لمجموع مواطنيها، لصالح تورم "قطر" سوري للمناضلين الأشاوس، الساعين إلى دولة عربية واحدة، وأمة عربية واحدة، يقصون في طريقهم إليها العرب من غير البعثيين، ويقصون الكرد على وجه الخصوص، ويقصون معهم السريان والآشوريين والتركمان والشراكسة وسواهم.

وتطرح، اليوم، مهام كثيرة على قوى التغيير الديموقراطي، من أجل بناء دولة وطنية سورية، تنهض على عقد اجتماعي جديد، يجسد قيم ومبادئ المواطنة والتعددية والديموقراطية، ويفتح صيرورة لاندماج اجتماعي، ولصيرورة خلق شعب سوري، يحمل هوية وطنية سورية جامعة. ويا لها من مهمة عظيمة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أسئلةٌ مُعَلّقة: الوحدة الوطنية في سوريا

دمشق ـ طلال المَيْهَني()

المستقبل

24-2-2013

يتم طرح مفهوم "الوحدة الوطنية" عبر خِطَابٍ روّجتْ له، على مدى عقودٍ من التاريخ السوري الحديث، حكوماتُ ما بعد الاستقلال، بما فيها النظام الاستبدادي الحالي. إلا أن هذا الطرْح لم يتعدَ أسلوب التسويق العاطفي، ولم يترافق مع تطبيقٍ لمفهوم المواطنة، أو مع اهتمامٍ حقيقي ببناء هويةٍ وطنية، أو تأسيس انتماءٍ وطني سوري.

ويبدو أن التركيزُ المُفْرِط على التكرار الخطابي لـ"الوحدة الوطنية" كان محاولةً لنُكْرَان عدم نضجها، ودليلاً ضِمْنِياً ولا واعياً على ذلك. وتتقاطع هذه الحالة غير الناضجة "للوحدة الوطنية" على المستوى العملي، مع حال الإبهام وعدم الوضوح على المستوى النظري المفاهيمي، كنتيجةٍ لعجزٍ مُزْمِنٍ في "النظرية السياسية" في منطقتنا. ويؤدي ما سبق إلى انعكاساتٍ جِدِّيَة على مفهوم "الدولة/ الوطن"، الذي يبقى مَلاذاً رومانسياً للمخيال الأدبي والنضالي، مع عدم قابلية الترجمة في ممارساتٍ سياسيةٍ/ اجتماعيةٍ واعيةٍ وناضجة.

ولكن مع التسليم بأن "الوحدة الوطنية"، التي يتم تلميعها شعاراتياً وخطابياً، لا تعكس بالضرورة حالاً من الممارسة الفعلية والواعية والمتجذّرة على امتداد الوطن السوري، إلا أن هذا لا يعني، في الوقت نفسه، بأن المُكوّنات السكانية في سوريا كانت تَنْهَشُ بعضها البعض. وللدقة يمكن توصيف "الوحدة الوطنية" التي شاعتْ في السياق السوري بأنها حالةٌ مهذبةٌ من "التعايش الأهلي" المُعْتَمِد أساساً على حُسْنِ النيات وحسن الجوار، وعلى إرْثٍ من القِيَم الأهليّة التقليدية. كما أن التداخلات الديموغرافية والمساحة الجغرافية لسوريا ساعدتْ على عدم تحول المكونات السكانية إلى كينوناتٍ متصارعةٍ ذات انتماءاتٍ متضاربة، ولم تظهر بالتالي أي زعاماتٍ تتحدث "أهلياً" بالنيابة عن هذه الكينونات. ومع أن مثل هذا "التعايش الأهلي" يحملُ بُذُورَ الارتقاء، في حال تَوَفَّرَت الشروط الملائمة، إلا أنه لم يتحوَّل بعد إلى "تعايشٍ مَدَني" حتى على مستوى التجمُّعات المَدينية التي ضَعُفَتْ فيها "القيم الأهلية". هذا التحول من "الأهلي" إلى "المدني" ضروريٌ للتأقلم مع المتطلبات المتغيرة باضطراد، حيث لا يُمْكِنُ "للتعايش الأهلي"، الذي لَعِبَ دوراً ملحوظاً على مستوى التجمعات السكانية الصغيرة في الماضي، أن يستمر لوَحْدِهِ كَضَامِنٍ للهوية والانتماء والسلم المجتمعي في إطار "الدولة الحديثة" في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

لَعَلَّه من البَدَهِي القول بأن هذه الحال غير المثالية "للوحدة الوطنية"، المُتَجَمِّدة في حدودها الأهلية واللامدنية، هي منتجٌ استبداديٌ بامتياز. ولكن من المهم هنا الإشارة إلى الدور المتناقض (والمُدَمِّر) الذي يلعبه الاستبداد؛ عبر المحافظة، مبدئياً وظاهرياً، على "وحدةٍ وطنيةٍ" مجوّفةٍ وشعاراتية. لكن هذه المُقاربة الاستبدادية هَشّةٌ، ولا يمكن لها أن تَصْمُدَ أمام التحليل النظري الجاد، كما لا يمكن لها أن تَتَّصِفَ بالدّيْمُومَة على المستوى العملي، بل تحمل في باطنها بذور التنكُّس والانفجار والتَفَتُّت. فهي لا تعتمد على تعاقُدٍ حُرٍّ وواعٍ وسَلِيمٍ سواء بين السلطة والمكونات السكانية، أو بين مختلف أطراف المكونات السكانية، مما يُرَسِّخُ التَهَتُّك في النسيج الاجتماعي على المدى البعيد. حيث تسعى الأنظمة المستبدة، في أوقات الاستقرار "الكاذب"، إلى اللعب على التناقضات السكانية، بالإكراه والطغيان والعَسَف، وتحويل "التنوع والاختلاف" من حاضنٍ للخُصوبة والإبداع، إلى مصدرٍ للخلاف وإلى تَوَتُّرٍ سَلْبِيٍ يُؤَسِّسُ لبُغْضٍ غير مُعْلَنٍ تحت الرماد، ما يؤدي إلى إبادة "الثقة" وترسيخ "اللا ثقة" على مستوى المكونات السكانية، أو على مستوى الأفراد. ويستغل المستبد ما سبق كورقة تهديدٍ في لحظات التحوُّل التاريخية الكبرى، آخذاً السكان والأوطان رهينةً لاستبداده.

ويزداد الأمر تعقيداً في الحال السورية، حيث حاول النظام فرض صِيغَةٍ شُمولِيّةٍ سطحيةٍ على مجتمعٍ غنيٍ ومتنوع، وذلك عَبْرَ طرْحِه لفكرة "الوحدة الوطنية" من زاويةٍ مُتَخَشِّبَةٍ تُصِرُّ على اعتبار الاختلاف (بأبعاده الثقافية والقومية والفكرية إلخ) جُرْماً معيباً يتناقض مع الروح الوطنية. ويضفي ما سبق نكهةً إيديولوجيةً مُنَفِّرةً على مصطلح "الوحدة الوطنية"، الذي غدا عنصراً أساسياً في اللغة الخشبية التي يستخدمها النظام البعثي، ومكافئاً للتجانس الشمولي المُصْمَتْ الذي يَأْنَفُ من التعدد والتنوع.

ومنذ آذار 2011 بَرَزَ مفهوم "الوحدة الوطنية" بِحُلَّةٍ جديدةٍ وغير رسميةٍ في سياق الحراك الشعبي على شكل شعاراتٍ وهتافاتٍ كثيرة، ليعكس إرادة شريحةٍ واسعةٍ من السوريين الطامحين إلى تغييرٍ جذريٍ وحداثيٍ يضمن الحرية والكرامة والعدالة. لكنه مع ذلك بقي محصوراً في إطار خطابٍ مبهمٍ، ومعتمداً على اللحظة العاطفية. ومع شُحِّ وانكفاءِ "النخب" وعدم تفاعلها المناسب مع الحدث، ومع تصعيد النظام المَهْوُوس بالسلطة من خِياراتِه الأمنية والعسكرية، وانتشار الصراع العنفي في أرجاء البلاد، لم يأخذ هذا الخطاب الواعد جداً حَظَّه من الإغناء والارتقاء، حيث بقي مُفْتَقِراً إلى العُمْق النظري (وهذه مُعْضِلَةٌ مُلازِمةٌ للظواهر الاجتماعية والسياسية في منطقتنا)، كما لم يجد طريقه إلى الترجمة العملية على كامل الأرض السورية.

وكان متوقعاً أن تنكشف، في سياق الصراع العنفي الذي تشهده سوريا، الهشاشةُ التي وَسَمَتْ مفهوم "الوحدة الوطنية" طيلة عقود، وأن تطفو على السطح أمراض "المجتمع السوري" التي خلّفها المستبد بعد أن تَكَوَّرَتْ بعض المُكَوِّنات السكانية، في ظلِّ العنف السائد، على مُحَدِّداتها اللاحداثية، مُحاوِلةً التمايُز بنفسها "وُجُودياً" عن المكونات السكانية الأخرى. فبدأتِ الأخبار المُريعة تَصِلُ تِبَاعاً، وتزداد تواتراً، عن ممارساتٍ رهيبة، على مستوى الجماعات الرسمية وغير الرسمية والأهلية من كل الأطراف، لسوريين بحقّ سوريين آخرين، وانتشر خطابٌ طائفيٌ تحريضيٌ بَغِيض، ودعواتٌ إلى التصفية والاستئصال والتَشَفّي، لا يمكن تفسيرها أو تبريرها في سياق الاختلاف السياسي فقط. ما دفع بعض الأطراف السورية الداخلية (الرسمية وغير الرسمية)، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، إلى الاستقواء بالخارج على حساب أطرافٍ سوريةٍ داخليةٍ أخرى، مما يعطي دليلاً إضافياً على عدم نضج "الوحدة الوطنية".

في رأيي، فإنكار ما نراه ونسمع عنه، أو وصفه بأنه ليس سوى "ممارساتٍ فردية"، أو مُحاولةُ سَوْقِ الحُجَجِ لتبريره، أو رَمْي كلِّ هذه البَلايا في خانة النظام (أو بعض الكتائب) وكأن زوال النظام (أو بعض الكتائب) سيُشْفينا من كل تلك العِلَل في ضَغْطَةِ زر... في رأيي، فإن كلَّ ذلك إمعانٌ في دسِّ الرأس في التراب، وابتعادٌ عن مجابهة المشهد السوري في تجلّياته المُرّة. كما لا يُمْكِنُ أن نَحْتَجَّ في هذا السياق بمنطق "الضحية والجلاد"، لأننا حتى لو أخذنا بهذا المنطق، في صيغته الجامدة والمُفْرِطة في التبسيط، فإننا سنعود إلى جوهر الأسئلة التي تَطْرَحُها هذه المقالة حول "الوحدة الوطنية": كيف استطاع "السوري الجلاد" أن يفعل ما يفعله "بالسوري الضحية"؟ كيف استطاعتِ الانتماءات السياسية أو الطائفية أو القومية أو الطبقية أو غيرها، أن تفرض نفسها كعُنْصرٍ حاسِمٍ يُحَدِّدُ مصير الإنسان السوري في القرن الحادي والعشرين؟ ألا يَدُلُّ ذلك على خَلَلٍ عَميقٍ يحْكُمُ العلاقة بين بعض السوريين؟ ألا يُشِيرُ ذلك على أن بعض السوريين ينظر إلى بعضهم الآخر نظرةً ملؤها الاختلاف الذي يبيح القتل والاستئصال؟ ألا يُظْهِر ما سبق أن للحَدَثِ الأليم جذوراً عميقةً وتراكماتٍ تتجاوز سَطْحِيّة الخطاب السائد؟ أين اخْتَفَتِ هذه الوحدة في حال افترضنا وجودها؟ ألا يؤكد هذا مسؤولية السلطات السورية وفشلها الذريع، على مدى عقودٍ، في بناء هويةٍ وانتماءٍ وطنيٍ جامِع؟

وينقلنا هذا كُلُّهُ إلى واقعٍ أليمٍ يُفترَضُ أن نواجهه بشجاعة: فالمآسي التي يَحْفل بها المشهد السوري ليستْ سوى أعراضٍ ظاهِرِيّةٍ لِعِلَلٍ مُزْمِنةٍ، ولإرثٍ تراكمي. لقد بدأتْ هذه الأعراض منذ لحظة تأسيس "الدولة السورية" ككيانٍ سياسي وليدٍ دون إرادةٍ واعيةٍ وذاتيةٍ وجَمْعِيةٍ، ودون مُسَاهَمَةٍ مباشرةٍ من أبنائه. ثم دخلتْ مرحلة الاستفحال المُسْتَتِر والتدريجي عبر عقودٍ من الاستبداد وما خلّفه من فسادٍ، وظلمٍ اجتماعيٍ، وقمعٍ للحريات.

وقبالة هذا الواقع الأليم، تقف الأصوات السورية العاقِلةُ شبه عاجزة: أزمةٌ ثقافيةٌ/ اجتماعيةٌ تتجاوز كونها مُجَرَّد أزمةٍ سياسية، أزمةٌ لا يَصِحُّ في خِضَمِّها التباكي على "وحدةٍ وطنيةٍ" مُبْهَمَةٍ وغير ناضجةٍ بالأساس.

وعليه، فالانتفاضة السورية لم تقتل أو تقتلع "الوحدة الوطنية" كما يتم الترويج له في بعض الأوساط، بل أظهرتْ هشاشتها، وعَرّتْها من الوَهْم المُعاش الذي يعيق رؤية الحقيقة على قساوتها. وعلى العكس، تُشَكِّلُ الانتفاضة السورية نقطة التحول الكبرى والأهم على مستوى "الذات السورية" منذ الاستقلال، مع ما يعنيه ذلك من انتقالٍ مُحْتَمَلٍ لهذه "الذات السورية" بتناقضاتها وأَزَمَاتِها، على المستوى الفردي على الأقل، إلى حيّز الوعي بالأزمة. فهذه الانتفاضة هي الهَزّة الأولى؛ هَزّةُ المكاشفة الصريحة والمؤلمة، وللأسف، "المتأخرة" التي حَرّكَتِ الركود المستنقعي المزمن في الأفكار، وعَرَضَتِ المُكَوِّنات السكانية في سوريا بإيجابياتها وسلبياتها الكثيرة، وقامتْ بتَعْرِية الهياكل الهشّة للدولة السورية، ككينونةٍ سياسيةٍ، من نفاق الأقنعة والأنظمة المستبدة والكذب على الذات، والأهم أنها جعلتْ قطاعاً لا بأس به من النخب الشابة تُدْرِكُ ذلك.

هذا الإدراك بحدِّ ذاته خطوةٌ أولى وأساسية، قد تُمَهِّدُ للمسير في دربٍ طويلٍ يمكن البناء عليه، عبر إعادة تعريفٍ "للوحدة الوطنية" نظرياً وعملياً، وإعادة التفكير فيما يتّصلُ بها من مفاهيم كالهوية والانتماء والوطن والأمة إلخ. فمقاربة أسئلة "الوحدة الوطنية"، وتجاوزُ هذا النوع من الأزمات المُعَقَّدَة، يتطلب انخراطاً كاملاً في عملية تفكيكٍ مُمَنْهَجٍ لمُسَبِّبات وآليات الحدوث، المباشرة واللامباشرة، الواعية واللاواعية. ومن النَّافِلِ الإشارةُ إلى أن هذه المقاربة التفكيكية تستلزِمُ زمناً أطول بكثير من وتيرة الأحداث الآنية والأليمة والمتسارعة كل يوم، وإلى جهدٍ أكبر من مُجَرّد النّوايا الصّادِقة والمُخْلِصَة. كما أن هذه المقاربة مشروطةٌ، كي تَضْمَنَ تَحَقُّقَ النتائج، بمستوىً من الاستقرار، ومساحةٍ من الحرية، وحَدٍّ أدنى من العناصر والنخب التنويرية الفاعِلَة والقادِرَة على لعبِ دورٍ إيجابيٍ في التغيير.

قد لا تتوفر في هذه المرحلة العَصِيبَةِ كل هذه الشروطُ المُثْلى، فالساحة السورية غارقةٌ بمشاهد العنف والدماء. إلا أن هذا لا يعني الاستِكانَة والاستسلام: فالتغيير، والسعي نحو التغيير، لا يحتمل التأجيل والتسويف والانتظار المُنْفَعِلُ للظروف كي تتحسن. هذا ما أدركه قطاعٌ لا بأس به من الشباب المدني في الداخل السوري؛ ففي خِضَم هذا الألم الذي يكتسح الوطن، تُمْكِنُ الإشارة إلى إيجابياتٍ محتملةٍ قد تنجم عن تعارف والتقاء (أو بدء تعارف والتقاء) المكوّنات السكانية السورية مع بعضها بشكل صريحٍ وواعٍ، مما قد يزرع في مرحلةٍ لاحقةٍ بذور "الثقة" على أسسٍ أكثر صلابة. فالصورة ليست قاتمةً بالمُطْلَق، وهناك يقظةٌ فِكْرِيةٌ ومَدَنِيَةٌ تشقّ طريقها بصعوبةٍ وخجلٍ في هذا الزمان الرديء، يسعى بها بعض العقلاء الذين يغلب عليهم العنصر الشبابي التوّاق إلى تغييرٍ جذريٍ وكامل. لكن العنف يجعل الجهود محصورةً، في الوقت الحالي، في أعمال الإغاثة عوضاً عن الترميم الوطني والبناء الفكري. كما أن جعجعة السلاح، وهمجية النظام، وتدخلات اللاعبين الخارجيين، والغرائز ومشاعر الثأر التي تعصفُ بالبلاد، تمنع هذه اليقظة من أخذ حقّها في الظهور والتسويق وتَصَدُّرِ المشهد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإحساس بالسوريين "يا الله ما إلنا غيرك يا الله"

نيويورك ـ ماجد كيالي

المستقبل

24-2-2013

يحتاج السوريون اليوم، إلى من يدعمهم، ويساندهم، ويتعاطف معهم، بأي شكل من الأشكال، وبأي صورة من الصور، ولكنهم يحتاجون أكثر من كل ذلك إلى من يحسّ بهم، بآلامهم، ومعاناتهم، وعذاباتهم، فغياب مثل هذا الإحساس، هو ما يثقل على السوريين، أكثر من أي شيء أخر، وهو الذي يفاقم من شعورهم بالوحدة، وبأنهم تركوا في مواجهة مصيرهم، وهذا هو مصدر صيحاتهم في المظاهرات والحارات والبيوت: "يا الله يا الله ما إلنا غيرك يا الله".

لا شكّ أن ثورة السوريين تتضمّن ثغرات ومشكلات ونواقص، وهي كأي ثورة غير منزّهة من الأخطاء والانحرافات، فهذه وتلك من طبيعة البشر ومن طبائع الصراعات السياسية، لاسيما في المراحل الانتقالية، حيث يسود نوع من عدم الاستقرار، وحيث تظهر على السطح كل المعادن، الأصيلة والرديئة، النفيسة والرخيصة، ولاسيما أننا نتحدث عن ثورة عفوية بكل معنى الكلمة، كانت انطلقت من نقطة الصفر تقريبا في علاقة السوريين بالسياسة.

لكن هذا كله لا يغطّي ولا يبرّر للبعض عدم التعاطف ولو الإنساني مع جراحات السوريين وعذاباتهم والظلم الواقع عليهم، منذ أزيد أربعة عقود، ولا اعتقاد البعض بأن هذه الثورة جلبت الفوضى، لكأن البلد كانت تعيش حالة نظام، ولم تكن من الأصل تعيش حالة فوضى وتهميش للدولة والمجتمع والأفراد، وللماضي والحاضر والمستقبل، منذ 42 عاما، أي منذ باتت تقبع في أسر عائلة اعتقدت ان البلد دانت لها إلى الأبد.

والحال فإن سوريا هذه كانت أصلا في حالة عطالة، وشلل، في ظل حكم القائد الواحد، والقائد الخالد، فقد تم تغييب أو تهميش السوريين، فالقائد لاشيء قبله ولا بعده، فهو صانع سوريا، وباني مجدها، فهو وحده التاريخ، والسوريون من دونه لاشيء.

والأنكى من كل ماتقدم أن ثمة من يحمّل السوريين، أي الضحايا، مسؤولية قتلهم بالطائرات والدبابات والمدفعية، وضمن ذلك تدمير ممتلكاتهم وبيوتهم، ومعه تدمير عمران سوريا، وتخريب نسيجها المجتمعي، مع أنه واضح تماما من يقوم بكل ذلك، وواضح تماما من يمتلك هذه الأسلحة.

إزاء كل ذلك، ما المطلوب؟ هل المطلوب من السوريين الخنوع والقبول بالذل والهوان والعيش خارج التاريخ؟ أليس هذا هو معنى العيش في ظل نظام "سوريا الأسد إلى الأبد"؟ ثم ماهي السياسة أو ماهي الأخلاق السياسية التي تبيح للبعض اتخاذ قرار بشأن بقاء شعباً بأكمله أسيراً لعائلة تتوارث البلد، وضمنه أن يبقى هذا الشعب يعيش في خوف ورعب مقيمين، تحت رحمة نظام أمني، يتحكم بكل شاردة وواردة، وفي ظل نظام صادر الزمان والمكان، والبشر والحجر.

حقاً هذا شيء لا إنساني، وقاسي، وصعب، وغير مسبوق، وليس له علاقة بمجرد قصور أو انحراف في الوعي السياسي فقط، وإنما هو فوق ذلك ينمّ عن قصور مريع في الإحساس السياسي والأخلاقي أيضاً، فهذا هو معنى إنكار مظلومية المظلوم، والأنكى مطالبته باعتبار الظلم، والحرمان من الحرية، وامتهان الكرامة الانسانية، منّة، ونعمة، ينبغي أن يسبح بحمدها!

نعم ينبغي الإحساس بالسوريين، ليس من أجلهم فقط، بل من أجلنا أيضا، من أجل انسانيتنا، وحقنا في الحرية والكرامة، من أجل أولادنا، ومن أجل مستقبل افضل لنا.

نعم ينبغي الإحساس بالسوريين العاديين، أهل البلد من أبناء الضيع والأرياف، وسكان الضواحي والعشوائيات، والقاطنين في الأحياء الشعبية وحارات المدن العميقة، الذين يمنحون سوريا اسمها، ولونها، ونكهتها، الشوام والحلبية والحماصنة والحوارنة والديرية والرقاوية وأهل الساحل والجبل، على تعدد لهجاتهم، وتباين أمزجتهم، وتنوع عاداتهم وشكل لباسهم، واختلاف نمط دبكاتهم وأهازيجهم.

المعنى من ذلك أن ثورة السوريين لا تستمد أهميتها، فقط، من كونها ثورة سياسية، أو باعتبارها ثورة ضد الاستبداد، فثمة كثير من الثورات من هذا الطراز، وإنما تستمد أهميتها من تميزها بشيء أكبر وأغلى وأهم من كل ماتقدم، وهو يتمثل في أنها هي بالذات التي مكّنت السوريين، وبعد عقود من التهميش والضياع والمحو، من اكتشاف ذواتهم، والتعّرف على حقيقتهم، كبشر عاديين، يحق لهم أن يحبوا أو أن يكرهوا، وأن يتفقوا أو أن يختلفوا، وأن يفرحوا أو أن يحزنوا، لاعتباراتهم هم، وبسبب حاجتهم هم إلى ذلك، وليس لاعتبار أخر، يخصّ "الأب القائد" أو "الرئيس الخالد".

المهم الآن أن الثورة السورية التي كانت تعتبر من سابع المستحيلات قبل عامين، باتت تعرف اليوم بأنها الثورة الأكثر ادهاشاً، والأكثر صعوبة وتعقيداً، والأبهظ ثمناً، بين ثورات الربيع العربي، بل إنها باتت تعرف أيضاً بأنها الثورة اليتيمة، أي التي تعتمد فقط على تضحيات السوريين وشجاعتهم وتصميمهم، وعلى التوق للحرية لديهم، أكثر من أحد أخر في هذا العالم.

هكذا ثمة ثمن باهظ تم دفعه في الثورة السورية، من أعمار السوريين وعمرانهم ومعاناتهم، لكن هذا لا يقلل من اعتبار هذه الثورة الأكثر مشروعية، بين الثورات الشعبية العربية، على رغم كل المشكلات، إذ يكفي انها اقتلعت أسطورة "الأسد إلى الأبد"، ويكفي أنها أنهت الخوف من قلوب السوريين، مع صيحة "الشعب السوري ما بينذل"، ويكفي أنها وضعتهم على مسرح التاريخ، كفاعلين أحرار يقرّرون مصيرهم، وإن بطريقة فجّة أو صادمة.

قصارى القول فقد يمكن للبعض أن لا يتعاطف سياسيا مع السوريين، وحتى ولا مع أهداف ثورتهم، لكن عدم التعاطف، وعدم ابداء أي حساسية، ولو حتى أخلاقية، لما يحصل لهم، لاسيما مع 70 ألف شهيد واضعافهم من المعتقلين والجرحى، ومع أربعة ملايين نازح ومتشرد، وكل هذا الخراب في البيوت والعمران، فإن عدم التعاطف الأخلاقي إنما ينمّ عن وجود شيء مرضي، ولا إنساني، وغير أخلاقي، في أحوال مجتمعاتنا ونخبها السياسية والثقافية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النكبة السورية الكبرى

دلال البزري

المستقبل

24-2-2013

من مخيم اليرموك، وفي طريقها الى القاهرة، مكثت أم ابراهيم ثلاثة أيام في بيروت. كانت هاربة، هي وبناتها وحفيداتها، من المخيم حيث اشتعلت نيران الصراع وباتت تهدّد أخضره ويابسه. بالكثير من الحنين تروي أم ابراهم قصة هروبها الأول، من قريتها الفلسطينية... ترتسم الابتسامة على وجهها التعِب، تقول: "رزق الله على تلك الأيام.... قريتنا، القريبة من حدود بلادكم، هاجمتها عصابة صهيونية وقتلت ثمانية عشر رجلاً منها. لم يتحمل الناجون البقاء لحظة واحدة فيها. حملنا مفاتيحنا وصررنا والقليل من ذهبنا وسافرنا الى لبنان... استقبلنا أقاربنا البعيدون، أولاد أولاد عمة أمي. كانوا مرحّبين وكرماء... يسكنون في الشمال، بالقرب من طرابلس. كان لبنان جميلاً. نظيفا، مرتباً، أخضر... عشتُ هناك ثمانية أشهر. وبعد ذلك انتقلنا الى مخيم كان استحدث في البقاع لإيوائنا. ولم تمضِ اسابيع حتى تعرّفت الى شاب له أقارب في سوريا. كان من نصيبي... تزوجنا هناك وانتقلنا الى دمشق حيث عشت في مخيم اليرموك حتى هذه اللحظة...".

تقول كل هذا بالكثير من الحنين، كأن النكبة الأولى كانت نزهة، ذكرى جميلة، تقيسها بما شاهدته، ما عاشته، ما سمعت عنه، هي وحدها، مع بناتها وحفيداتها. ذلك ان أم ابراهيم يمكن اعتبارها، ولو نسبياً، من اللاجئين الممتازين مقارنةً بما يقاسيه السواد الأعظم من السوريين، وأكثر منهم الفلسطينيين، من النكبة الجديدة التي لم تَعُد تحتاج حتى أن ترتسم في الأفق.

ليس القصد هنا مجرّد مقارنة بين الوحشيتين، الصهيونية والبعثية؛ إنما الاعتماد على النكبة التي تسبّبت بها الأولى، لتقدير الحجم غير المتخَّيل حتى الآن، للنكبة الثانية التي أحدثتها الوحشية البعثية.

الأوجه الواضحة لهذه النكبة الجديدة، حتى هذه اللحظة، من دمار للحياة والروح، للحياة العامة والعائلية والشخصية، للإقتصاد والبيئة والعمران والبنى التحتية. دمار للأرواح بازهاقها أو جرحها أو إماتتها وهي حية، بعمق ندوبها، بانتشار مآسيها، بانتقال عدواها إلى ما بعد حدودها، بانخراط من هم خلف هذه الحدود في حربها، خصوصا العراق ولبنان. بتهديدها لديموغرافيات هذه البلدان، بانتشار عنفها المنظَّم ضد النساء، بالزيجات الرهيبة مع نازحات قاصرات وغير قاصرات، بالاغتصابات، بالابتزازات، بالتداخلات، بانهيار منظومات بعينها، القيم، العمل، الصحة.

واذا لم يفضِ كل هذا الى حرب عالمية ثالثة، كما يتوقع البعض، يمكننا استحضار مصائب سفر برلك، قبل نكبة فلسطين... لنتصور كيف تكون الحروب في أفضل أحوالها... اذا لم ينتهِ الأتون، أو يعود بزخم أقوى.... اذا سقط بشار الأسد، وتحقق المطلب المحوري لكل المعارضات السورية، فان العقل يملي علينا بعدم توقع إلا المزيد من الصراع، وإن مختلفاً: على جبهة الانقاذ الانساني، سوف يتلوّع السوريون من الممولين الذين وعدوهم بالمبالغ. هذا اذا لم يكن الفساد قد أهدر معظم الأموال "الواصلة"، أو اختفت أخرى...

السوريون صاروا الآن أقسى، لما قاسوه. وهذه جبهة نفسية جماعية، لن تعالجها إنجازات سريعة، يراها كل طرف مختلفة عن الأخرى. فالانقسام بين الذين سوف يتولون الأمر بعد بشار واضح من الآن، ومتعدد المشارب والتوجهات: بين مسلحين إسلاميين وآخرين غير إسلاميين، بين مسلحين إسلاميين أنفسهم، بينهم كلهم وبين "القيادة السياسية" الموزعة، على الأقل على أربعة أطراف رئيسية؛ لا نعرف الكثير عن الأطراف "الفرعية"، ربما تكون مضاعفة... عن الصراع بين الطوائف، الذي لن يكون متكافئاً، عن الثارات، عن "التسويات"، عن تصفية الحسابات. وما يؤججها، من أسلمة. لا يدخل التأسلم مكاناً إلا وصعدت معه العصبيات الطائفية-المذهبية.

صراعات مركّبة، عشوائية، شغوفة، مقنّعة، مرمّزة بالهوية والتاريخ، بخيوط عريضة أو دقيقة. تجري في نهر الحرية المتوحشة، تديرها الفوضى الجديدة، التي لم تكن قد ألغت القديمة منها. فوضى مضاعفة، لها قوة القفز عن حدودها وتجيير مصير جيرانها لصالحها. فوضى غامضة، توقظ، بالخوف الذي تبثّه، طاقات العنف النائمة.

لا يقصد كل هذا القول تثبيط همم الثوار السوريين، أو المتعاطفين معهم. إذ ما زالت الثورة السورية ثورة، انطلقت كثورة. أي كفعل إرادي حرّ. وما زال هناك ثوار سوريون. لكن حظوظ تاريخية وأقدار استثنائية مكّنت بشار من تحويلها الى نكبة. من دون نفي مسؤوليات الانزلاقات، هنا شيء يشبه الحتمية في هذا التحول. شيء يستدعي التاريخ، والجغرافيا، ويستنفر قدرتنا على الفهم.

أولى النقاط التي تثيرها كل هذه الملاحظات تعيد النكبة الأولى الى الأذهان. عندما كانت أم ابراهيم تتذكر الثمانية أشهر الممتعة التي قضتها في لبنان إثر تهجيرها من فلسطين... كانت تصف، أيضاً، عصراً ومناخاً مختلفين عن عصرنا. كانت البيوت أوسع، والقرابات أرحب؛ وشيء من النظافة كانت تتنشّقه أم ابراهيم في الهواء. وعندما عادت الى لبنان ثانية، منذ بضعة أشهر، كان لبنان مجرد محطة محطمة، ومنها الى القاهرة، التي لا تقلّ خراباً. فهي حتى الآن لم تنل، لا هي، ولا بناتها ولا حفيداتها، أوراق الإقامة في مصر؛ عوملت هناك كفلسطينية... تحمل على اكتافها الهرمة ندوب النكبة الاولى.

أما النكبة الجديدة، فتغنيها تماما عن الكلام. لا تعرف ماذا تقول، ماذا تعّدد، ماذا تشكو، عن أبناء توزعوا في انحاء المعمورة كلها... عن بيتها في اليرموك... عن قتلى المخيم، عن جيرانها. وهي بعد كل ذلك محظوظة. فوق رأسها سقف، وعلى جوانبها حيطان، ولا ينقصها الحرامات أو السكر أو الطحين أو دواء السكّري... لم تفقد أبناءها أو أهلها أو عقلها أو حتى قدرتها على الابتسام... عندما تتذكر لبنان عام 1948، عام النكبة.

النكبة لم تعد حكراً على الفلسطينيين. بات لزاما علينا، عندما ننطقها، ان نضيف اليها الصفة؛ القديمة أم الجديدة، الفلسطينية أم السورية. والنكبة السورية، فضلاً عن عصرها، أقل رحمة، أقل بساطة، أقل تموْضعاً... من النكبة الفلسطينية.

رحيل بشار، أو "تسوية" سوف تغلق مرحلة من الصراع، أو نوع من الصراع. من بعده، صراعات شتى. معطوفة على مصائب ليست معروفة حتى الآن دقة هولها. ولا مدى توطن بعضها خارج سوريا. لا يهمّ أن نبدي تفاؤلاً أو تشاؤماً بهذا الخصوص. انه تفاؤل باندلاع صراعات كان يجب ان تُخاض منذ عقود. ولم يكن ممكناً للدولة الأسدية ان تظل ممسكة بأقفالها. انه تشاؤم بالتكلفة الزمنية والبشرية والانسانية التي سنتكبّدها، نتيجة تلك الصراعات. والتي لم يعد من الممكن تفاديها أو التغاضي عنها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف السوري.. جولة إقناع أم تعليق المشاركة؟

2013-02-24 12:00 AM

الوطن السعودية

جاء تعليق الائتلاف السوري مشاركته في مؤتمر "أصدقاء سورية" المقبل في روما للتعبير عن احتجاجه على الصمت الدولي على الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، ومثله قرار الائتلاف برفض تلبية دعوة لزيارة واشنطن وموسكو.

النقطتان السابقتان ـ بحسب بيان الائتلاف الذي صدر أمس ـ كانتا أهم ما تمخض عنه اجتماع القاهرة، غير أن واقع الأمر يقول إن المسألة ما زالت قابلة للحوار، فقد يكون مبرراً قرار رفض زيارة واشنطن وموسكو، فالأولى ما زالت غير فاعلة في الشأن السوري رغم قدرتها على ذلك، والثانية تسهم من حيث تدري بمزيد من بطش النظام بشعبه فهي تصر على حماية النظام بالفيتو وغير الفيتو وتزوده بالأسلحة، وتريد حلاً تفصله بطريقتها على مقاس رأس النظام.

أما ما هو قابل للنقاش فهو تعليق المشاركة في مؤتمر أصدقاء سورية، لأنه باعتبار الائتلاف المعارض جهة تمثل الشعب معترفا بها من كثير من الدول، فغياب الائتلاف عن المؤتمر يعني عدم وجود من يمثل الشعب ويطرح الحقائق على المشاركين، والقول بأن المجتمع الدولي صامت تجاه الجرائم فيه مبالغة، فدول مجلس التعاون الخليجي على سبيل المثال قطعت علاقاتها مع النظام واعترفت بالائتلاف السوري كممثل للشعب، وهناك دول أخرى عملت الشيء ذاته، ومنها دول طردت سفراء النظام السوري لديها وعينت سفراء من الائتلاف المعارض. مما يعني أن المجتمع الدولي ليس صامتاً برمته بل إن الظروف والقوانين الدولية لم تتح له التدخل لإنهاء الأزمة، وأهمها إصرار روسيا ومن بعدها الصين على حماية النظام واستخدام الفيتو وتعطيلهما كل مشروع قرار يلوح باستخدام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في مجلس الأمن.

أمام هذا الوضع ليس بوسع المجتمع الدولي أن يفعل شيئاً من جهة إجراء عسكري، أما الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية فقد اتخذت وطبقت كما في قرارات لجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.

إذاً، على الائتلاف السوري المعارض أن يحزم أمره ويزيل الخلافات الداخلية بين تياراته وأعضائه بخصوص مبادرات الحوار وغيرها، ويبدأ بتحركات دبلوماسية واسعة على مستوى العالم ليثبت للجميع ويقنعهم بأنه قادر على إدارة الدولة بعد سقوط النظام، ويمتلك رؤية مستقبلية لما يجب أن يكون عليه الوضع في مختلف المجالات والمستويات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية بين الأمل والواقعية

الواقعية تُعيدنا إلى المعنى الحقيقي الذي تحدثنا عنه للثورة السورية:نهراً يجرف المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس

د. وائل مرزا

الأحد 24/02/2013

المدينة

الثورة السورية بين الأمل والواقعية

كي لانجلد أنفسنا ليل نهار.

كي لانقع فريسة الأحلام الوردية والتوقعات الكبيرة قصيرة الأجل.

كي لانعيش على وقع ردود الأفعال النفسية والعاطفية الناجمة عن طول عملية التغيير وصعوبتها.

كي لانقع في قبضة اليأس والإحباط من حجم التحديات الراهنة والقادمة.

كي لانتقلب كل يوم، مع اختلاف الوقائع، بين طرفي نقيض، فلانقذف أنفسنا من أقصى مشاعر الأمل إلى أعلى درجات اليأس، مابين تحرير مطارٍ هنا وانسحابٍ تكتيكي للجيش الحر هناك، وبين سقوط حاجزٍ في منطقة وأخبار مذبحةٍ جديدة يقوم بها النظام في منطقةٍ أخرى.

كي لايصبح توقّعُ الإنجازات الكبيرة دافعاً للاستعجال في العمل والقرارات، ولايكون ظهور التحديات على حقيقتها سبباً للانسحاب والسلبية.

كي نعيش لثورتنا بواقعية وفعالية وإيجابية. وأهم من هذا كله، كي نُعطي تضحيات شعبنا القيمة الحضارية الكبرى التي تستحقها. لامفر من أن نفهم الحقيقة الكبرى الكامنة وراء هذه الملحمة البشرية التي بدأت في سوريا منذ عامين.

ربما ينطبق على الثورة السورية أكثر من غيرها التحليل الذي ذكره المثقف العربي خالد الحروب حين قال: «الوصف الذي أستخدمه وأراه جامعاً لإجمال حالة الثورات العربية وما ثارت عليه وما قد يترتب عنها هو (النهر ضد المستنقع)..الأنظمة الحاكمة أضاعت على شعوبنا عقوداً طويلة وثمينة من ناحية تاريخية من دون أن تعمل على إدراج تلك المجتمعات في شكل الدولة الدستورية والقانونية المعاصرة، بل نامت على ما هو قائم من بنيات ما قبل الدولة الحديثة. والأسوأ من ذلك أن تلك الأنظمة كانت مستبدة وتعزز استبدادها مع الزمن ما فاقم من العفن الموجود في قاع المستنقع. الثورات العربية هي النهر الذي يجرف هذه المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس، وهو البداية الحقيقية وربما الوحيدة لمعالجته، ومن ذلك العفن الطائفية والقبلية والجهوية. النهر يجلب الماء الجاري الصحي، لكنه يجرف العفن المتراكم دفعة واحدة وهو ما نراه الآن من مشكلات وأمراض وتخوفات. كما قد يجرنا هذا النهر في بداية الأمر إلى اتجاهات ومسارات فيها مخاطر كبيرة، وهي مخاطر لا بد منها إن كنا نريد الاندراج في المستقبل والتاريخ وننقطع عن التكلس. الآن بدأنا المرحلة الثانية من الاستقلال حيث تتصارع القوى الاجتماعية والسياسية والدينية داخل كل مجتمع للوصول إلى معادلة التعايش في ما بينها على قاعدة المواطنة والديمقراطية بعيداً عن أوهام استقرار المستنقع. في المرحلة الراهنة، سوف تختلف الجماعات والتيارات السياسية بشكل جذري وربما دموي، وسوف نرى كل أنواع الشعارات القصوى بما فيها الانشقاق والتجزئة أو الاقصاء. لكن في نهاية المطاف سوف تصل كل المجموعات المتصارعة إلى خلاصة لا مناص عنها وهي أنه لا بد من التعايش السلمي في ما بينها، وأفضل وسيلة للتعايش هي بناء أنظمة سياسية ومجتمعات قائمة على قاعدة المواطنة التي تساوي بين الجميع بغض النظر عن الطائفة والدين والقبيلة والمدينة. بكلمة أخرى بدأنا المسيرة الطويلة للبحث عن صيغة الاستقرار القائم على الحرية بديلا من الاستقرار القائم على الاستبداد، استقرار مع حرية الناس وليس على حسابها».فحين كسر الشعب السوري حاجز الخوف وخرج إلى الشوارع كان يعلم أنه خرج يطالب بالحرية والكرامة، وكان يعلم جيداً أنه يواجه نظاماً همجياً، وأنه سيقدم الكثير من التضحيات.

لم يكن ثوار سوريا واهمين حين أطلقوا شرارة الثورة. كانوا يدركون أنهم يعيشون في ظل نظامٍ لايمكن مقارنته من جهة الوحشية والقمع بنظامي بن علي ومبارك. كانوا يعرفون أن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي هي لونٌ من ألوان (الترف) بالنسبة للنظام، وأن استخدامها في نظره هو مجرد مضيعةٍ للوقت لاأكثر ولاأقلّ. ورغم كل هذا، حملوا أرواحهم على أكفّهم، وخرجوا بحثاً عن كرامة لم يعد هناك طعمٌ للحياة بعيداً عنها.

لكنهم لم يكونوا يعلمون، في حقيقة الأمر،أن مايواجهونه أكبرُ كثيراً من النظام، وأنهم يبدؤون عملية تغييرٍ كبرى ستكون لها أبعادها الحضارية، وليس فقط السياسية.وأن النظر إلى نتائجها سيكون بمقياس أعمار الأمم والشعوب وليس بمقياس أعمار الأفراد. من هنا، يغدو معيباً أن نشعر بمثالية مفرطة، إذا قلنا أن ثمة احتمالاً بأن مايزرعه جيلُ الثورة السورية اليوم سيجني ثماره الحقيقية أبناؤهم..

قد يدّعي البعض أنهم كانوا يعرفون هذه الحقيقة منذ البداية، وقد يبرر آخرون رفضهم للثورة أو عدم تأييدها بهذا المبرر، لكن مثل هذه التحولات التاريخية لاتأتي محسوبةً بمعادلات رياضية ودراسات هندسية تقوم بها الشعوب. والاعترافُ بعفوية ماجرى لدى الغالبية العظمى من الشعب السوري الثائر ليس مدعاةً للندم أو الاعتذار أو التراجع.

بل إن هناك دلائل بأن هذا الشعب كان يشعر في أعماقه بأنه يُقدم على أمرٍ يتجاوز حسابات جيلٍ واحد. لاغرابةً إذاً حين يقول أحد الشباب من ثوار دمشق: «لقد ورثتُ هذا الواقع عن آبائي ولن أدعه ترِكةً لأبنائي بأي حالٍ من الأحوال». ولاغرابة أن تسمع من جيل الآباء والأجداد السوريين قولهم: «لو فعلنا ماعلينا وقمنا بواجبنا في شبابنا، لما وصلنا إلى هذا اليوم».. هكذا تتكامل أفكار الأجيال بأن سوريا العقود الماضية لم تكن سوريا التي تليقُ بحضارتها وثقافتها وخبرتها عبر القرون.

لكن البعض قد يشعر بالحرج لمجرد التفكير بهذه الطريقة. يخجل هؤلاء، وهم يرون الكمّ الهائل من تضحيات مواطنيهم، من الحديث عن إمكانية التأخير في كل مايتعلق بأهداف الثورة: من سقوط النظام إلى تحقيق الديمقراطية، مروراً بتأمين الاستقرار والأمان والوحدة الوطنية، وانتهاءً بإعادة الإعمار وانطلاق عمليات التنمية الحقيقية.

مامن شكٍ أن هذا الحرج مشروعٌ في أبعاده الإنسانية المباشرة. لكن الواقعية تُعيدنا إلى المعنى الحقيقي الذي تحدثنا عنه للثورة السورية:نهراً يجرف المستنقعات ويكشف العفن الراكد ويعريه تحت الشمس، وهو ما نراه الآن من مشكلات وأمراض وتخوفات،لكنها البداية الحقيقية وربما الوحيدة للعلاج والولادة الجديدة. نهراً قد يجرنا في بداية الأمر إلى اتجاهات ومسارات فيها مخاطر كبيرة، لكنهامخاطر لا بد منها إذا أراد السوريون إعادة تعريف أنفسهم وتعريف وطنهم، والعودة إلى دخول التاريخ من أوسع أبوابه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المقاطعة لن تفيد المعارضة السورية

طارق الحميد

الشرق الاوسط

24-2-2013

أعلن الائتلاف السوري المعارض تعليق زياراته المقررة لكل من واشنطن وموسكو، وكذلك المشاركة في مؤتمر روما لدعم المعارضة، وذلك «احتجاجا على الصمت الدولي» تجاه «الجرائم المرتكبة» بحق السوريين، وذلك بعد قصف النظام الأسدي لحلب بالصواريخ بعيدة المدى، والمقاطعة بالطبع تصرف خاطئ.

المقاطعة ليست الحل بالنسبة للمعارضة السورية، وأيا كانت المبررات، فالأصل بالسياسة هو التواصل، ولو عبر القنوات الخلفية. والمعارضة السورية في أمس الحاجة للتواصل بنفسها مع المجتمع الدولي، سواء روسيا أو الغرب، وليس عبر وسطاء يتحدثون نيابة عنهم، سواء عرب أو غربيون.

صحيح أن الموقف الدولي محبط ومتخاذل، لكن ما البديل، خصوصا أن إيران، مثلا، تقدم دعما مهولا ومستمرا للأسد؟ ولذا فإن المقاطعة والانفعال أمر غير مجدٍ، فالمفروض على المعارضة أن تقوم بالزيارات المقررة لها لموسكو وواشنطن، وتشرح موقفها، وتحاول حشد المواقف الدولية لمصلحتها دون كلل أو ملل، وإلا فإن المستفيد هو الأسد الذي ما مل يحاول، ومنذ اندلاع الثورة، على ضرب مصداقية المعارضة، والسعي لتفتيتها، وقد فعل الأسد كل ما بوسعه لتحقيق ذلك، فلماذا تمنحه المعارضة الآن ما لا يستحق، خصوصا أن الحديث عن الأوضاع في سوريا وضرورة التدخل فيها أمر مطروح للنقاش، وبجدية.

أميركيا، تواجه الإدارة الأميركية الآن مزيدا من الانتقاد الداخلي حيال موقفها من الثورة السورية، حتى إن بعضا من الصحافيين الأميركيين المعروفين بالدفاع عن إدارة أوباما باتوا يتحدثون بلغة نقدية، أو قل موضوعية، تجاه سوريا، والحديث منصب على مراجعة المواقف، خصوصا مع اكتمال تشكيل الإدارة الأميركية، مما يجعل المقاطعة أمرا غير مجدٍ، خصوصا عندما نقرأ مقالا بدورية لندن «ريفيو أوف بوكس» الذي نقلته «رويترز»، حيث يقول مسؤول بالبيت الأبيض إن الإدارة الأميركية تحاول التعلم من دروس الماضي، خاصة في العراق، وإن لأميركا «تاريخا طويلا من اختيار الفائزين والخاسرين؛ اعتمادا على الشخص الذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة. إنها تحاول فقط تعلم الدرس والتواضع»! وهذا يعني أن التواصل مطلوب من أجل الإقناع، ومحاولة انتزاع المواقف، حتى وإن بدا الأمر محبطا.

وبالنسبة للتواصل مع الروس فإن التلاعب والتناقض الروسي بالتصريحات يتطلب مزيدا من المواجهة في موسكو نفسها، وليس بالضرورة لإقناعهم، بل لإحراجهم دوليا، فيجب ألا تترك موسكو بلا تحدٍ سياسي، وتفنيد للحجج، صحيح أن الجرائم المرتكبة بسوريا تغني عن كل قول، لكن ذلك حال السياسة وهو خذ وطالب، ومجرد التواصل مع الروس، بالنسبة للمعارضة السورية، فإنه إحراج للروس سياسيا، وإحراج للأسد نفسه، وكشف لحيله المنصبة على ضرب المعارضة وإفشال تواصلها مع المجتمع الدولي، فمجرد تقوقع المعارضة على نفسها يعني انفراجة للأسد، ولو أمام دائرته الضيقة، وهذا ما يجب أن تتجنبه المعارضة السورية التي بات قدرها أن تشرح الواضح، والعرب تقول إنه من المعضلات شرح الواضحات، لكن هذا قدر الثورة السورية للأسف، ولا مناص منه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حتى لا يذهب السوريون واللبنانيون إلى صدام

فايز سارة

الشرق الاوسط

24-2-2013

ثمة تطورات تتوالى في العلاقات السورية – اللبنانية، تؤشر إلى الأخطار المستقبلية التي يمكن أن تحيط بهذه العلاقات. وتتوزع هذه التطورات على مستويين رسمي وشعبي، وهذا هو الأشد خطرا على علاقات البلدين والشعبين.. فمن الجانب السوري قامت وحدات من الجيش السوري بخرق الحدود اللبنانية مرات، وأطلقت النار على لبنانيين، فقتلت وأصابت بعضهم بحجة أنها تلاحق جنودا من الجيش السوري الحر، وتم تكليف وزير لبناني سابق بحمل متفجرات إلى لبنان لاستخدامها في تفجيرات، كان يفترض أن تقتل وتجرح رجال دين وسياسيين لبنانيين. وعلى المستوى الشعبي، قام سوريون باحتجاز لبنانيين قبل أشهر في حلب بشبهة أنهم محسوبون على فريق لبناني، يقف إلى جانب النظام، ويؤيد سياسته الأمنية العسكرية، التي تقتل وتجرح وتعتقل السوريين وتدمر ممتلكاتهم ومصادر عيشهم.

ومثل الممارسات السورية، هناك مقابل لبناني لها.. فالدولة في لبنان رغم شعارها النأي بالنفس عن الانخراط في الأزمة السورية والوقوف إلى جانب واحد من طرفي الأزمة في سوريا، فقد قامت بخطوات كسرت هذه القاعدة وعبرت عن انحيازها العميق، كان من بينها توفير محروقات ومواد بترولية يستخدمها النظام لتحريك آلياته من دبابات وعربات مدرعة وسيارات وطائرات تواصل الحرب المجنونة على المدن والقرى السورية، وتقتل وتجرح مزيدا من السوريين، وتلحق الدمار بما تبقى لهم من ممتلكات ووسائل عيش قليلة، كما يقع في سياق تلك الخطوات توفير فرص للتغلب على العقوبات الدولية والعربية المفروضة على النظام ببعض مؤسساته وأشخاصه، ومنها تسهيلات تقدمها المصارف اللبنانية لتجاوز نظام دمشق التقييدات المالية لحركته بهدف الضغط على النظام من أجل تبديل سياساته في التعامل مع مطالب الثورة السورية العادلة من أجل الحرية والعدالة والمساواة. كما أن بين الخطوات الرسمية اللبنانية جعل لبنان ممرا لعناصر خارجية لها تأثير مباشر في الوضع السوري على نحو ما ظهر في قضية جنرال الحرس الثوري الإيراني الذي قتل في سوريا، وقد كان يقيم في لبنان رسميا باسم آخر، ويتولى ملف إعادة إعمار لبنان، وهي مهمة لا تصل لحدود مهمات له باسم آخر في الأراضي السورية حيث قتل.

وبخلاف تلك الخطوات والسياسات الرسمية اللبنانية، فثمة ما هو لافت للنظر في ممارسات بعض الجماعات اللبنانية، ومن ذلك قيام حزب الله اللبناني بالدخول على خط الأزمة في سوريا وإعلان انحيازه إلى جانب النظام، وهو أمر كان يمكن فهمه في إطار اختلاف السياسات لولا أن الحزب أتبع انحيازه بتقديم مساعدات وخبرات متعددة للنظام، كان الأهم فيها إرسال مقاتلين إلى سوريا، وقد تبنى الحزب ذلك بحجة دفاعه عن لبنانيين يقيمون في قرى سورية على تماس مع الحدود اللبنانية. وذهبت جماعة لبنانية متحالفة مع حزب الله هي التيار الوطني الحر إلى شن حملة على اللاجئين السوريين في لبنان بحجة أنهم سوف يؤثرون بصورة سلبية على تركيبة لبنان السكانية - الطائفية، وعلى فرص اللبنانيين بالعمل والعيش على نحو ما للوجود الفلسطيني في لبنان من تأثير سلبي حسب قناعات ذلك الطرف اللبناني، والطريف في الأمر أن الحواضن الاجتماعية لحزب الله وللتيار العوني وجدت كل دعم ومساندة من السوريين أثناء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، واضطرار أعداد كبيرة منها إلى اللجوء إلى سوريا، ولا سيما أثناء العدوان الإسرائيلي في عام 2006.

ورغم أن في الجانبين السوري واللبناني مواقف وممارسات أخرى غير التي أشرنا إليها، وكثير منها استمرار للطابع الإيجابي لعلاقات البلدين والشعبين، فإن في السياسات والخطوات المشار إليها ما يحمل معنى الخطر على واقع ومستقبل العلاقات السورية - اللبنانية.. إذ هي توسع إطار العنف في سوريا وتنقله من طابعه المحلي إلى امتداد خارجي، وتدخل في أتونه قوى وجماعات لا علاقة لها به، بل تعطي ذلك الدخول طابعا عسكريا طائفيا ودينيا، يمثل خطرا على لبنان وعلى سوريا وامتدادهما الإقليمي، وهذا خطر إضافي يمكن أن تستثمره قوى إقليمية ودولية في التأثير على البلدين والشعبين الشقيقين.

إن الخطر المستقبلي لما يحدث في العلاقات السورية - اللبنانية الحالية، سيؤثر على البلدين، وقد يؤدي إلى انفجارهما وإعادة تركيبهما بصور مختلفة مجددا، وفي حال لم يحصل ذلك في سياق وتداعيات الأزمة السورية، واستطاع البلدان الحفاظ على وجودهما المستقبلي بعد نهاية الأزمة، فإن ما يحصل اليوم سيعيد علاقات لبنان بسوريا إلى دائرة القلق والتوتر، وعلاقات سوريا مع لبنان إلى دائرة التوجس والمخاوف وربما التصادم، وسيمنع السوريون تواصل دور لبنان المشرقي عبر سوريا، بل إن علاقات لبنان بسوريا سوف تتقلص، وسيفقد قوة العمل الكثيفة والرخيصة التي يوفرها الشقيق الأكبر، بينما سيجد السوريون كل الذرائع لإحكام الإغلاق على الأخ اللبناني، ويمنعونه من المشاركة بخبراته ورأس ماله بدور في إعادة بناء وإنماء سوريا بعد نهاية الصراع، ولن يخسر اللبنانيون تلك الفرصة فقط، بل إنهم لن يدخلوا السوق السورية التي تساوي أكثر عشرات المرات من مساحة لبنان وأكثر أربع مرات من عدد سكانه.

لقد عانى اللبنانيون من سنوات حرب أهلية طويلة، ثم عانوا من عداوات واجتياحات إسرائيلية كثيرة، وعاني السوريون من حرب نظامهم عليهم ومن حروب إسرائيل ضدهم، وبين السوريين واللبنانيين كثير من المشتركات التاريخية والسكانية والثقافية والاجتماعية، وبينهما ما هو مستقبلي على صعيد السياسة والاقتصاد، ولكل هذا ينبغي للبلدين وللشعبين ولفعالياتهما الذهاب في اتجاه يختلف عما تسير إليه سياسات وتطورات اليوم بين البلدين والشعبين، التي لن تذهب إلا نحو الأسوأ، بينما المطلوب هو الذهاب إلى الأحسن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وحديث السياسة والعنف!

اكرم البني

الشرق الاوسط

24-2-2013

لا يزال تصريح رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حول استعداده للتفاوض مع مسؤولين في السلطة تتفاعل وتثير حوارات متنوعة وتساؤلات حول أسباب منح هذا المقترح تلك الأهمية مع أنه يتشابه مع مقترحات عديدة طرحت في ما مضى ومرت مرور الكرام.. هل يتعلق الأمر بخصوصية هذا الرجل وما يحوزه من صدقية في أوساط الحراك الثوري؟ أم بموقعه كرئيس لأكبر تكتل معارض؟ أم بالاشتراطات البسيطة التي طرحها وغازلت بعض معاناة الناس وما يكابدونه؟ أم يعود للتوقيت ووضوح حالة من الاستعصاء وعجز طرفي الصراع عن تحقيق تقدم عسكري نوعي وحاسم؟ أم لجديد المتغيرات الدولية التي تؤثر في مسار الثورة، وبدت اليوم كأنها تربة خصبة لاستقبال هذا النوع من الاجتهادات السياسية عساها تخترق جدار عنف مزمن صارت سوريا تُعرف به؟!

نعترف بأن النظام بممارساته الموغلة في العنف والاستفزازات الطائفية تمكن من عسكرة الثورة وتشويه وجهها الشعبي والسياسي واستجرار ردود أفعال من الطبيعة ذاتها، ومن تظهير صورة طالما روج لها عن عصابات مسلحة وقوى سلفية تسعى لأسلمة المجتمع وفرض أجندتها عليه، لكنه فشل في إحراز نتائج ذات معنى في الميدان العسكري الذي يعتبر ميدانه بامتياز، أو حتى في تعديل توازنات قوى ما فتئت تميل لصالح المعارضة، وفشل أيضا في استمالة الدول الغربية وردم أزمة الثقة التي نشأت بينه وبينها، عبر مغازلة مخاوفها من انبعاث الحالة الجهادية في سوريا، وإن كانت هذه المخاوف نجحت في تشجيعها على وقف إمداد المعارضة بالسلاح كي لا تصل إلى أيادي المتطرفين لكن من دون تراجع عن موقفها من إزاحة النظام القائم ودعم قوى التغيير والديمقراطية.

صحيح أن النظام على استعداد للمساومة على كل أمر، عدا احتكاره للسلطة، ولن يتوانى عن فعل أي شيء بما في ذلك جر البلاد كلها إلى العنف والاحتراب للاستمرار في الحكم، لكن صحيح أيضا أن طريق العنف مسدود، وأن الجميع بات يدرك أنه لا جدوى من التصعيد المتواتر للفتك والتدمير إلا توسيع مشهد الخراب والضحايا، وأنه مجرد وهم تصور إمكانية استعادة زمام المبادرة وكسر موازين القوى بعد ما يقارب العامين من تجريب أعتى أنواع الأسلحة وأكثرها فتكا، وبعد التحولات التي جرت على الأرض وسيطرة المعارضة المسلحة على مناطق واسعة من البلاد، والأهم أن النظام ربما أدرك اليوم أنه استنفد كل المهل التي منحت لخياره الحربي، واستنزف حلفاءه إلى أبعد مدى، وأنه بات يقف وجها لوجه أمام مصالح لا تتعلق به بقدر ما تتعلق بحلفائه وأصبح هو مكرها على تخديمها في ظل ازدياد ضعفه العسكري والاقتصادي وشدة حاجته لهم، فلم تعد مصلحة روسيا وإيران الاستمرار في رحلة استنزاف طال أمدها أو الغرق في أتون حرب أهلية واسعة قد تحرق الأخضر واليابس، كما أن خيار الحفاظ على بعض النفوذ في جزء من البلاد عبر مشروع الدويلات أو الكانتونات هو خيار مكلف وغير قابل للحياة سياسيا وعمليا.

في المقابل حققت المعارضة حضورا متميزا في البلاد، وباتت رقما صعبا يصعب تجاوزه، لكنها خسرت رهانها على تحقيق انتصار سريع يقرب المسار السوري مما حصل في ليبيا أو اليمن، ولم يثمر التعويل على التدخل العربي والدولي إلا الخيبة، لا حظر جوي ولا منطقة عازلة، ولا خطة طريق أممية تعالج تفاقم الوضع السوري وتضعه على سكة الحل السياسي، ولا مد للمعارضة بسلاح متطور يمكنه تحقيق تحول نوعي في مسار المعارك الدائرة.

لقد انتظرت قوى الثورة تنفيذ وعود أصدقائها لتتمكن بأقل الآلام من تحقيق أهدافها في التغيير، وصرفت وقتا وهي تبرر لواشنطن ترددها لانشغالها بالانتخابات الرئاسية، وعولت على استمرار أوباما وأن ذلك سيحرره من تبعات كثيرة ويشجعه على وضع دعوته لمعالجة الحالة السورية على نار حامية، لكن الرياح الأميركية جرت بغير ما تشتهي سفن المعارضة، وبات واضحا للجميع أن واشنطن، ومن ورائها سياسات الحلفاء والأصدقاء، تسير على المنوال ذاته في عدم التورط والاكتفاء بممارسة الضغط المرن وإدارة الأمور عن بعد، وأنها - بعيدا عن التصريحات عن أيام معدودة للنظام وتكرار المطالبة برحيله - أكثر من يسعى نحو تسوية سياسية، ولا تخرج عن هذا السياق تصريحات أوباما في خطابه الأخير عن أحوال الاتحاد بأنه مستمر في دعم المعارضة السورية ومطلبها في التغيير الديمقراطي.

كل ما سبق هو تمهيد لفترة جديدة سيتلون خلالها الصراع الدامي بكثير من المقترحات والمبادرات السياسية، يرجح أن تتوسل رعاية أممية لإخماد هذه البؤرة، ربما مع وصول طرفي الصراع إلى حالة من الضعف والإنهاك ترغمهما على قبول ما يعرض عليهما، وإلى قناعة بأن استمرار حربهما صار أمرا عبثيا.

والجديد أن السوريين بدأوا يلمسون أن المعارضة، بمقترحاتها واجتهاداتها السياسية، وأيا تكن التحفظات والاعتراضات عليها، هي صاحبة المسؤولية الوطنية والحريصة على المجتمع ككل، بينما يدل المشهد المتمم على أنانية سلطوية مفرطة وعلى استرخاء دولي مخز يسترخص دماء السوريين وتضحياتهم، ولا يغير هذه الحقيقة الإدانات الصاخبة للعنف المفرط، أو زيادة حجم المعونات المخصصة للاجئين السوريين، لأنها أشبه برفع عتب يخفي العجز الأممي المشين عن أداء واجبه الإنساني.

إن تأكيد الحرص والمسؤولية الوطنية يتطلب بداهة تجاوز الاجتهادات الفردية، وأن تضع المعارضة على اختلاف أطيافها تصورا سياسيا جامعا يرسم دورها في إدارة الثورة حتى تحقيق أهدافها القصوى، يبدأ بعدم الاقتصار على طلب السلاح وتشجيع الحسم العسكري، مرورا بنشر ثقافة تنبذ العنف والإكراه، وبذل جهود جادة لمنع التعديات، ولجم بعض الجماعات المسلحة لتكف عن استعراض القوة والتباهي بمنطق الغلبة والانتقام والتحشيد الطائفي، وانتهاء بإطلاق المبادرات لإعادة الوجه السياسي والمدني للثورة، ولتنظيم حياة الناس وتقاسم شح الإمكانيات المعيشية، واضعة في حسبانها فكرة بسيطة بأن الثورة هي من سيرث هذه الأرض.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحوار بـ «السكود»

عبدالله إسكندر

الأحد ٢٤ فبراير ٢٠١٣

الحياة

الحل السلمي أو التفاوضي في سورية يبدو حالياً أبعد من أي وقت مضى من عمر الأزمة، على رغم ما يعلنه أطرافها والمهتمون بها والوسطاء. كما يبدو أن الكلام عن مثل هذا الحل مجرد تعبئة للوقت أو لأغراض تبرير استمرار القتل والتدمير.

يظهر على نحو لا لبس فيه أن النظام غير عابئ بكل كلام سياسي لا يمكن له توظيفه في معركة الحسم العسكري. ويظهر أن المعارضة، خصوصاً «الائتلاف»، لا تزال تتلمس الطريق السياسي، وتتعثر بالهفوات والارتجال والانفعال.

النظام يعرف بدقة نقاط الضعف في المعارضة، المدنية والمسلحة، ويسعى إلى استثمار أي منها، في استراتيجيته القائمة على الإنهاك الميداني للخصم ولبيئته، من أجل الحفاظ على الأمر الواقع السياسي.

لقد عكست اجتماعات القاهرة لـ «الائتلاف»، وبيانها، أن هذه المعارضة لم تصل بعد إلى مرحلة الاتفاق على تنظيم نفسها ووضع خطة طريق واضحة وشاملة وذات صدقية، تكون صورة لما يمكن أن يكون عليه المستقبل السوري بعد سقوط النظام.

لقد وافق المجتمعون على بيان عام يكرر تصاريح سابقة لكل منهم. في حين اعتبر بعضهم أن الإنجاز الكبير هو في التوافق على رفض الحوار مع النظام وأركانه! أما وسائل إدارة الصراع، سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، فلن توفرها تلك الوعود بتشكيل حكومة في الأراضي المحررة. وقد لا يكون أحد من المجتمعين مصدقاً لمثل هذا التشكيل قريباً، بدليل رد الفعل الطفولي على القصف الصاروخي على حلب، وإعلان مقاطعة «مؤتمر أصدقاء سورية» وعدم تلبية دعوات لزيارة عواصم مؤثرة في النزاع. فإذا كانت هذه طبيعة التعامل مع «الأصدقاء» والمناسبات التي يمكن الترويج فيها لخريطة عمل المعارضة، فكيف سيكون التعامل مع المعطيات الداخلية الكثيرة والمتشعبة، من النواحي العسكرية والمعيشية والإغاثية الخ...؟ ناهيك عن الصورة التي يمكن أن تعطيها المعارضة عن نفسها، أمام جمهورها، كبديل عن النظام الذي تحاربه؟

في المقابل، يرفع النظام سقف القتل لإخضاع هذا الجمهور، مستفيداً من الثغرات في عمل المعارضة. إذ إن اللجوء إلى الصواريخ البعيدة المدى، كما يفعل حالياً، لا يستجيب لأي ضرورة عسكرية، في مواجهة «عصابات مسلحة»، كما يقول النظام. فهذه الصواريخ التي تم تصنيعها في إطار النظرية العسكرية السوفياتية بهدف إحداث أكبر قدر من الدمار في جبهة قتال عسكرية، تتميز بأنها عمياء وغير دقيقة التصويب لكنها تحمل شحنات تدميرية هائلة. واستخدامها قد يكون مفيداً في مواجهة بين جيشين ولإرباك الخطوط الخلفية للعدو. لكن إطلاقها على هذا النحو على المدن والمناطق السكنية، يعني الاستفادة القصوى من عشوائيتها وقدرتها التدميرية فحسب. فهي تقتل أعداداً كبيرة من المدنيين وتجعل الناجين تحت رحمة التهديد بتلقيهم المزيد منها في أي لحظة، وتالياً دب الرعب في نفوسهم وإجبارهم على قبول الأمر الواقع.

هكذا يفاوض النظام بصواريخ «سكود»، وليس بالسياسة. صحيح أن هذا النهج التفاوضي دشنه النظام بقنص المتظاهرين أولاً واعتقال من تصل إليه يداه منهم، ومن ثم بقصف الدبابات والمدفعية الثقيلة ومن ثم بالبراميل الحارقة والغارات الجوية. لكن اللجوء إلى الصواريخ البعيدة المدى وإنزال الخسائر الكبيرة بين المدنيين يعني أن النظام لم يعد يخفي أن «انتصاره» الذي يبشر به رئيسه يقتضي قتل أكبر عدد من الناس وتدمير أوسع مساحة عمرانية...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التدخّل الإسرائيلي في الأزمة السورية

سيريل تاونسند *

الأحد ٢٤ فبراير ٢٠١٣

الحياة

في 30 كانون الثاني (يناير) الماضي، شنّت الطائرات الإسرائيلية هجوماً داخل الأراضي السورية، ما أدى إلى مقتل سوريين اثنين. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أنّ هذا الهجوم «هو دليل على أننا عندما نقول شيئاً فنحن نعنيه...». في المقابل، تعهّدت سورية بالثأر.

وهناك روايتان مختلفتان للهدف الذي استهدفه الهجوم. إذ أعلنت سورية التي تعرف جيداً حقيقة ما جرى أنّه تمّ استهداف مركز للأبحاث العسكرية في مدينة جمرايا بالقرب من دمشق. إلا أنّ واشنطن التي تملك روابط وثيقة جداً مع إسرائيل إلى حدّ أنها تعرف أيضاً حقيقة ما جرى، ادّعت أنّ الهجوم شُنّ ضد قافلة شاحنات كانت تنقل صواريخ أرض جو إلى «حزب الله» في لبنان.

وأميل إلى الاعتقاد بأنّ استهداف هذه القافلة من الشاحنات هي الرواية الصحــــيحة. فقد هـــدّدت إسرائيل مراراً وتكراراً بالقيام بتحرّك عسكري لمنــع وصول المزيد من الأسلحة إلى مستــــودعات الأسلحة التابعة لـ «حزب الله» المدجّج أصلاً بالسلاح. وأعـــلنت إيران من جهتها أنّ إسرائيل ستندم على «اعتدائها الأخير».

خرقت إسرائيل المجال الجوي السوري على مرّ عقد على الأقل. ففي شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2003، شنّ الإسرائيليون هجوماً على معسكر تدريب للمقاتلين الفلسطينيين بالقرب من دمشق. وفي أيلول (سبتمبر) 2007، قصفت إسرائيل موقع منشأة نووية قيل إنّ عمّالاً من شمال كوريا يعملون على إنشائها.

وبما أنّ سورية تشهد أحداثاً مروّعة مع قيام كل طرف من طرفي النزاع بارتكاب المجزرة تلو الأخرى، يشعر المجتمع الدولي بقلق كبير جرّاء انتشار هذا النزاع خارج البلد وتدخّل قوى محلية مباشرة فيه مثل إيران وإسرائيل. ويبدو واضحاً يوماً بعد يوم أنّ حكم الرئيس بشار الأسد لن يبقى لوقت طويــل وأنّ الدول المجاورة لسورية تفكّر في الخريطة الإقليــــمية التي ستقوم بعد أشهر قليلة وفي تغيّر موازين القوة الذي سينتج منها.

كما برزت إشارات عدة على إمكان اندلاع حرب بين «حزب الله» وحركة «حماس» وربما إيران التي تعاني سياستها الداخلية من فوضى عارمة وبين إسرائيل. إذ يبدو التوتر كبيراً جداً في المنطقة. وأطلقت طهران حملات دعائية معادية لإسرائيل وتحدّثت عن إمكان شنّ «هجوم نهائي على الدولة الصهيونية». وكانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدّة على ما يبدو، تشنان هجمات على شبكة الإنترنت ضد منشآت إيران النووية وتؤخران برامجها.

ومن الناحية النظرية، لا تزال سورية وإسرائيل في حالة حرب فيما ترفض إسرائيل تطبيق قرارات مجلس الأمن ولا تزال تحتل أراضي عربية. واللافت هو الصمت الذي تمّ التزامه على مدى أكثر من 40 سنة حيال هضبة الجولان. ويعود ذلك إلى سببين. فمنذ بضع سنوات، كان يمكن أن تكون تركيا قادرة على ترتيب عملية استعادة سورية لهضبة الجولان التي تعدّ حالياً ذات قيمة تكتيكية محدودة، مقابل اتفاق سلام بين إسرائيل وسورية. ثانياً، تعدّ القوة الدفاعية في إسرائيل رابع أقوى قوة عالمياً فيما تعتمد القوة الدفاعية السورية على معدات بالية.

وفي هذا العام، تشعر إسرائيل بالذعر لأن «حزب الله» يمكن أن يكون قادراً على الحصول من الحكومة التي تشرف على الانهيار في دمشق، والتي كان يدعمها علناً مع محاربيه، على احتياطي الأسلحة الكيماوية التي يمكن استخدامها في صواريخ «سكود» العديدة التي يملكها «حزب الله». وكانت روسيا تزوّد نظام الأسد بصواريخ جديدة مضادة للطائرات وبصواريخ أرض بحر من شأنها فرض مشكلة جدية على القوة البحرية الإسرائيلية.

وحتى لو كان جهاز الاستخبارات الإسرائيلي متطوّراً، فلن يكون ممكناً حرمان «حزب الله» من الأسلحة الروسية والتكنولوجيا العسكرية الروسية الذي يسعى إلى الحصول عليها.

وتتعرّض قوات الرئيس الأسد لضغوط من المعارضة السورية المسلحة ومن عنصرها الإسلامي القوي والفاعل وقد أُجبرت على الخروج من بعض القواعد العسكرية.

وسيقوم الجيش السوري بتمرير معدات عسكرية مهمة إلى «حزب الله» علماً أنّ الحدود مع لبنان قريبة لتحقيق ذلك. فقد بات الجيش السوري ضعيفاً فيما يكسب «حزب الله» النفوذ والقوة. وسيستفيد «حزب الله» من الموقع الموجود فيه الآن ولا شكّ أنه يعتقد أنّه سيدخل في حرب مع إسرائيل قريباً.

في الأيام القليلة الماضية، دخل عنصر جديد إلى المعادلة السورية وسيكون على إسرائيل أن تبحث في طريقة التصرف إزاء هذا الواقع. ولاحظت روسيا هذا الاتجاه الذي تسير عليه الأمور فأجرت محادثات مع المعارضة السورية وبدأت تجلي بعض مواطنيها من سورية.

من الواضح أنّ روسيا تملك دوراً أساسياً تلعبه وأنّ موسكو أخطأت في عدد من الحسابات. فقد بدا مجلس الأمن في الأمم المتحدّة عاجزاً عن التوصّل إلى قرارات أساسية حيال سورية بسبب معارضة روسيا والصين إلى حدّ أقل.

وساهم فشل مجلس الأمن في تمهيد الطريق أمام المحادثات الدولية واتخاذ قرار سلمي، في شلّ فاعلية منظمات مثل الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. ونتيجة لذلك، تفشت الفوضى والمأساة الإنسانية على نطاق واسع في الأراضي السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نعم سورية انهارت ومن له رأي آخر فليطرحه

عبد الباري عطوان

2013-02-22

القدس العربي

اعتبر السيد الاخضر الابراهيمي المبعوث الدولي والعربي التفجيرات التي هزت العاصمة السورية يوم امس الاول، وادت الى سقوط مئة شهيد ومئات الجرحى 'جريمة حرب'، وطالب بتحقيق دولي مستقل، ونسي السيد الابراهيمي، الذي ينحت مسميات بين الحين والآخر لإضفاء جاذبية صحافية على تصريحاته، ان مجلس الامن الدولي الذي مدد مهمته الفاشلة لستة اشهر اخرى عجز عن اصدار بيان يدين هذه التفجيرات بسبب موقف امريكي معارض لهذه الإدانة.

التفجيرات جريمة حرب ايا كانت الجهة التي تقف خلفها، لان الضحايا ابرياء لا ذنب لهم، يكدحون من اجل توفير لقمة العيش لاطفالهم، ويتوقعون الموت في اي لحظة، سواء بقذائف النظام، او بالسيارات المفخخة التي تستهدف مقراته السياسية او الامنية.

لنكن صرحاء ونقولها بكل الم: لا توجد بارقة امل للخروج من هذا المأزق الدموي، فبعد استشهاد تسعين الف شخص ادركت الاطراف المتورطة ان الحسم العسكري بات مستحيلا، وبدأت 'تدعي' البحث عن حل سياسي من خلال حوار برعاية الاطراف الدولية.

لا نعرف كم الف شهيد سيسقط حتى تسلم الاطراف نفسها بأن الحل السياسي نفسه بات مستحيلا ايضا، وان كل حديث عنه هو للاستهلاك الاعلامي، بينما تستمر آلة القتل والدمار بدوران اسرع في هذا البلد المنكوب. فكلا الطرفين السلطة والمعارضة يخدع نفسه والآخرين، من خلال فرض شروط تعجيزية لا يمكن ان يقبل بها الطرف الآخر.

' ' '

الرئيس بشار الاسد قال لوفد اردني زاره انه باق في السلطة ولن يتنحى، وسيخوض الانتخابات الرئاسية القادمة في العام المقبل، وفي المقابل قال بيان صادر عن الائتلاف السوري المعارض ان اي حوار مع النظام يجب ان يكون مشروطا برحيل الاسد والمجموعة المحيطة به. فعن اي حل سياسي يتحدثون؟

تفجيرات امس الاول هي العنوان الابرز للمرحلة المقبلة، فإذا كانت هذه التفجيرات ومثيلاتها استمرت في العراق عشر سنوات، فكم ستستمر في سورية خاصة ان مكونات الأزمة متشابهة، ان لم تكن متطابقة في البلدين.

مجلة 'الايكونوميست' البريطانية العريقة جاءت تنبؤاتها بموت سورية كدولة متأخرة جدا، فعملية التدمير المادي والبشري بدأت قبل اشهر، وهي مستمرة، وعلى ايدي ابناء البلد نفسه (مسؤولية النظام اكبر بكثير)، وبتشجيع من قوى خارجية وعربية تريد تفتيت المنطقة بأسرها.

الادارة الامريكية التي قادت الحملة الدبلوماسية لإسقاط النظام تنحّت جانبا، وتراجعت عن كل وعودها وجهودها، لانها لا تريد التضحية بجندي امريكي واحد، او التورط في حرب لا تعرف كيف تخرج منها، او ضمان الانتصار فيها، لكن ضغوطا مكثفة تمارس عليها حاليا لتغيير هذا الموقف، وتقديم اسلحة حديثة ونوعية لفصائل المعارضة المسلحة.

الرئيس اوباما يقاوم هذه الضغوط لسببين: الاول انه انتخب لولاية ثانية من اجل اصلاح البيت الداخلي الامريكي، ولهذا اختار وزيري خارجية ودفاع معارضين للحرب، والثاني لانه يدرك جيدا ان النظام السوري قد لا ينتصر في هذه الحرب ولكنه لن يسقط قريبا او ايامه معدودة مثلما كان يردد في ولايته الاولى.

العدو الأبرز لامريكا ليس نظام الاسد، وانما الجماعات الاسلامية الجهادية، وجبهة النصرة على وجه الخصوص، وهي جماعات تشكل اربعة اخماس المعارضة المسلحة، حسب تقديرات امريكية، هذه الجماعات تريد اطاحة النظام واقامة دولة اسلامية على انقاضه. اوباما لا يريد تكرار سيناريو ليبيا وافرازاته في مالي في الساحل الافريقي، لانه يخشى على اسرائيل اكثر من خشيته على الشعب السوري. وهذا ما يفسر قلقه الدائم على الاسلحة الكيماوية السورية وخشيته من وقوعها في ايدي الجماعات الاسلامية او حزب الله في لبنان.

السيناريو الأخطر ليس تحوّل سورية الى دولة فاشلة مثل ليبيا، سواء ببقاء النظام او زواله، وانما امتداد لهيب الحرب الحالية الى دول الجوار،لبنان والاردن والعراق على وجه الخصوص، وهناك دلائل تؤكد هذا الامتداد الى لبنان باعتباره الحلقة الأضعف.

الجيش السوري الحر هاجم قواعد لحزب الله في القرى اللبنانية المختلطة المحاذية للحدود، كردّ على مساندة الحزب ومناصريه لقوات الرئيس السوري في حربه ضد المعارضة، وهذا التطور، اذا ما توسع، سيشعل فتيل حرب اهلية في لبنان اولا، ثم المنطقة بأسرها.

الحرب الاهلية الطائفية اذا ما امتدت ستحرق المنطقة بأسرها، بما في ذلك تركيا وايران ودول الخليج نفسها التي وضعت كل بيضها في سلة الثورة السورية، واعتقدت ان انتصارها سيتم في غضون اسابيع او اشهر، وهو ما لم يحدث بعد سنتين من اندلاعها.

الصورة مأساوية من اي زاوية نظر اليها المراقب، فالولايات المتحدة تريد من المعارضة السورية المسلحة ان تشكل قوات صحوات على غرار العراق، لمحاربة الجماعات الجهادية قبل محاربة النظام او الاثنين معا، كشرط لتسليحها، وهذا يعني اشعال اكثر من حرب على الارض السورية اولا، ثم حرب اقليمية طائفية ثانيا.

' ' '

المنطقة العربية، وجوارها الاسلامي، مقبلان على مرحلة من الفوضى والحروب الدموية، بسبب التحريض الطائفي وكراهية الآخر، والدعوات الى الثأر والانتقام، في ظل نسيان كامل ومتعمد للتنمية والازدهار الاقتصادي، والمساواة والعدالة والقضاء المستقل التي انطلقت من اجلها ثورات التغيير الديمقراطي في المنطقة.

اسرائيل.. لا احد يتحدث عن اسرائيل هذه الايام، هذا تخريف وجهل وعودة الى الماضي، وجاهلية الستينات، المعيار الطائفي هو الذي يحدد العدو من الصديق.

نحن لا نتحدث هنا عن المسؤول، ولا نتبادل اللوم، قلناها مئة مرة ان النظام يتحمل المسؤولية، ولكننا نتحدث الآن عن مستقبل بلد، عن مستقبل منطقة، عن مصير امة.

مستقبل الدمار والدم هو الوحيد الماثل امامنا، وكلنا مسؤولون عن استمراره، ونتحدى ان يقدم لنا اي احد سيناريو آخر اقل تشاؤما، ولا نقول اكثر تفاؤلا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغرب والحرب السورية

تاريخ النشر: السبت 23 فبراير 2013

غازي العريضي

الاتحاد

عندما أعلن أن أوباما حسم أمره بعدم الموافقة على تسليح المعارضة السورية قيل إنه أخذ بعين الاعتبار مصالح إسرائيل! وقيل سابقاً: "إن أميركا ترفض التسليح خوفاً من وقوع السلاح بيد المتطرفين. وخوفاً من اتساع دائرة العنف وانزلاق البلاد نحو الحرب الأهلية". وكل هذا حصل، أي البلاد هي في حالة حرب حقيقية تشمل غالبية المحافظات والمدن والبلدات وصولاً إلى قلب دمشق. ودائرة العنف باتت أكبر. والسلاح أصبح في أيدي الجميع وثمة قوى متطرفة تملكه. والمصادر هي: مخازن جيش النظام التي استولى عليها المسلحون. والسوق المفتوحة. والحدود المفتوحة. والمال الذي يقدم، كذلك فإن مصالح إسرائيل مؤمنة. سوريا تدمّر. تحترق. يتقاتل أبناؤها. يجوع شعبها. يفتقر إلى الحد الأدنى من إمكانيات العيش الكريم. الملايين مهجّرون في الداخل والخارج ويعانون. والحرب مفتوحة وطويلة. وعندما شعرت إسرائيل أن ثمة ضرورة لعمل ما يحمي "أمنها" ومصالحها وسياساتها ضربت قافلة تنقل معدات عسكرية على الأراضي السورية! وكان ذلك بعلم الإدارة الأميركية المُسبق! أعلن رسمياً أن إسرائيل أبلغت الإدارة أنها ستقوم بهذا العمل وتبقي خياراتها مفتوحة لاحتمالات أعمال جديدة في الاتجاه ذاته.

ومنذ أيام أعلن وزير خارجية أوباما الجديد "جون كيري" أنه "يؤيد الحل الدبلوماسي". ويسعى إلى "بلورة أفكار أو مبادرات تقنع الرئيس الأسد بالتنحي" لتجنيب البلاد مشاكل إضافية". "وأنه لا يوافق على التسليح"، ورغم ذلك انتظر أياماً ليوافق نظيره الروسي سيرغي لافروف على الردّ على مكالمته الهاتفية التي انتهت باتفاق على لقاء!

هكذا أصبح الرهان الأميركي على "حكمة" و"وطنية" و"عقلانية" الرئيس الأسد المنتظر منه أن يتنحى، وهو الذي أبلغ الجميع أنه لن يترك السلطة، ولا يوافق على الحوار مع "المعارضة المأجورة". وهو الذي يشعر أنه استعاد المبادرة. والجيش النظامي استعاد بلدات ومدناً ومواقع. ويحظى بدعم روسي بالغ. وبعمل ميداني مباشر إيراني لتثبيت حكمه مهما كلّف الأمر. فإيران قالت: لا نسمح بسقوط الأسد! وسقوط سوريا يعني سقوط إيران. وخرج أحدهم ليقول: "أسهل علينا أن نخسر الأهواز العربية من أن نخسر سوريا. فإذا خسرنا الأهواز يمكننا استعادتها. ولكن إذا خسرنا سوريا يعني خسرنا طهران"! ويشعر الأسد بالتراجع الغربي والأوروبي والتركي والخلافات العربية - العربية، وهي عوامل أدّت إلى تراجع المجلس الوطني، ودفعت برئيس الائتلاف المعارض معاذ الخطيب إلى الإعلان عن خيبته ورغبته في الحوار ولو المشروط مع النظام.

وأعلن قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري أيضاً أن سوريا ستحاسب الذين يحاصرونها ويفرضون العقوبات عليها، وهي أدت إلى مقتل عدد من أبناء الشعب السوري!

إذن، لن يتراجع الأسد. لن يتنحى وأحلام "كيري" أو رهاناته وحساباته أوهام!

في هذا الوقت، يندفع وزير خارجية بريطانيا في اتجاه الموافقة على تسليح المعارضة.

لكنه في الوقت ذاته يقول: "إن القوى الجهادية في سوريا هي الأخطر على الغرب"، وهذا يفيد النظام في سوريا عن غير قصد. النظام الذي من الأساس كان يؤكد أن "القوى الإرهابية" المتطرفة هي الخطر الأكبر وهو يواجهها!

المستشارة الألمانية، ترفض تقديم السلاح للمعارضة، ووزير خارجيتها قال:"إن رفع حظر السلاح يعني مزيداً من العنف، وسيفتح الباب أمام سباق للتسلح"!

ويأتي هذا الكلام والعنف يزداد والسباق على التسلّح قائم. ووردت معلومات تقول إن ألمانيا لا تريد اهتزاز علاقاتها مع طهران، وهي تستفيد منها في أكثر من اتجاه، وهذا سبب رئيسي في عدم إقدامها على الموافقة على تسليح المعارضة السورية. بل قيل إن ألمانيا بوسائل مختلفة تخترق قرارات العقوبات على إيران، وهذا يفيد الدولة الفارسية كثيراً.

أما وزير خارجية لوكسمبورج "جان أسيلبورن"، فقد قال:"لا أظن أن هناك أزمة في السلاح. فهناك ما يكفي من أسلحة وسوريا تحتاج إلى أشياء أخرى خلافاً لما يدعو إليه البعض من حلول ذات طابع عسكري ويجب التركيز على الحل الدبلوماسي".

وهذا يؤكد ما ذكرناه عن أن السلاح موجود ويأتي بقوة إلى سوريا... لكنه ليس سلاحاً نوعياً يوازي ما يمتلكه الجيش النظامي، ومع ذلك توسعت دائرة سيطرة المعارضة.

وزير خارجية بلجيكا، قال: "لا بد من الحصول على ضمانات بشأن كيفية وماهية الأطراف التي ستستفيد من وصول أسلحة إلى سوريا..." وإلى أن تأتي هذه الضمانات، ولا ندري ممن ومن أين ستأتي، يكون الخراب والدمار والعنف قد ازداد والشعب السوري قد عانى أكثر ووصل إلى مراحل صعبة وتكون سوريا تدمّر أكثر فأكثر.

بدأت المواقف الأميركية والغربية والأوروبية والعربية والتركية منذ اندلاع المواجهات في سوريا بالحديث عن انتهاء شرعية الأسد، وعن سقوطه الحتمي خلال أشهر، عسكرياً، أمنياً، مالياً من خلال العقوبات والحصار. انتهت المواقف إلى حديث عن تخفيف العنف، والاهتمام بالنواحي الإنسانية والحلول الدبلوماسية، وليس ثمة شيء جدّي في الأفق.

وهذا يعني أن الحرب ستبقى مستمرة. وهي جولات. فإذا كان النظام يشعر أنه ارتاح الآن، فهذا لا يعني أنه ذاهب وقادر في اتجاه الحسم.

والمعارضة إذا تراجعت فهذا، لا يعني أنها خسرت. هي جولات من الحروب والتسابق تسير على إيقاع الحركة الدبلوماسية السياسية الجارية، والتي أسميتها في مقالة سابقة البازار الدولي المفتوح حول سوريا، ولم تأتِ لحظة الاتفاق.

وإلى أن تأتي ستبقى سوريا في دائرة العنف والخطر والدم والخراب والقتل. وهذا يفيد إسرائيل ولا يقلق أميركا... وواهم من يعتقد أنه سيكون بمنأى عن نتائج هذه الحرب. ستتوقف الحرب يوماً ما في سوريا، لكنها ستنتقل إلى مكان آخر!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا - للشيخ صبحي الطفيلي التحية والتجلة ( سأقف مع المظلومين والأطفال في سورية ) .. زهير سالم*

في الليلة الظلماء يفتقد البدر . وحين يعب الأدعياء من نهر حقدهم ، ويمجون الدم الأسود من معين نقمتهم ؛ يتلمس الناس صوت الاعتدال وصوت الرشد يعيد الحق إلى نصابه ..

 يعلو اليوم صوت الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام السابق لحزب الله مستنكرا على هؤلاء الذين وظفوا أنفسهم مدافعين عن الظلم والظالمين في سورية . صوت طالما افتقدناه وانتظرناه ويجب أن نستقبله بكل الدفء والترحاب ..

قال الحسين رضي الله عنه وقد سئل عن سر خروجه يوم خرج على يزيد : أريد أن ارفع الظلم عن أمة جدي ..

ولو سألت الصغير والكبير والبعيد والقريب من ثوار سورية لماذا ؟ لقالوا لك نريد أن نرفع الظلم عن كواهلنا ، وعن أهلنا ، وعن شعبنا وعن وطننا . يدرك كل عاقل منصف مكانه في معادلة نصرة المظلومين . ومن هنا فقد عرف الشيخ صبحي الطفيلي مكانه فأعلن بجزم ووضوح يستحق عليهما التجلة والتحية : سأقف مع المظلومين والأطفال في سورية .. ..

ولأن الحقيقة لا تخفى ، ولأن الدفاع عن الظالمين هو شراكة في الظلم والإثم ويحمّل صاحبه مسئولية الدم المسفوك ظلما كما سفك من قبل الدم الزكي الذي أوقع الأمة في الكرب والبلاء ؛ فإن الشيخ صبحي الطفيلي يستحق التحية والتجلة مرة أخرى وهو يضع أصبعه على جبين القاتل في دمشق وفي الضاحية الجنوبية ( شمر ) القرن الحادي والعشرين فيقول : ( كل ما يحصل في سورية من قبل جنود حزب الله هو ( الدفاع عن النظام والدفاع عن الإجرام ..)

ولأن هذه الثورة السورية كانت وستبقى ثورة المظلومين ضد الظالمين ، ولم تكن أبدا ثورة طائفية ، ولم تكن أبدا ثورة مذهبية ، ولم تكن أبدا جزء من محور دولي أو إقليمي ولا تريد أن تكون ، ولأن أبطال الثورة يريدون رفع الظلم والتمهيد لدولة العدل يفرد أجنحته على الجميع ، فإن علينا أن نحيي مرة ثالثة الصوت الراعد المنذر للشيخ صبحي الطفيلي وهو يميط القناع عن وجوه المزيفين : ( إن من يقتل الأطفال ، ويروع الأهالي ، ويدمر المنازل في سورية ، هو من حزب الله ومن يفعل ذلك ليس شهيدا وهو ذاهب إلى جهنم ..).

وها نحن ننادي على أصحاب العقول والقلوب : إن لظلمة زائلون ، الأنظمة تنهار ، ونحن وأنتم الباقون وأنتم الذين تقررون كيف يكون في غد البقاء !! نعيد على مسامعكم وبصوت الشيخ صبحي الطفيلي نفسه ( الذي يقتل ويروع ويدمر في سورية لا يمكن أن يكون شهيدا وهو ذاهب إلى جهنم ) .

تحية أخرى للشيخ صبحي الطفيلي و(( يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ..)).

لندن : 16 / ربيع الثاني / 1413

26 / 2 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تشرذم الجماعات السياسية وتشتتها في سوريا

فايز سارة

المستقبل

23-2-2013

لعله من الصعب ان يضم بلد في العالم كله هذا العدد المتنوع من الاحزاب والجماعات السياسية، التي تماثل الجماعات في سوريا. ذلك انه وفي غاية السهولة، يمكن ان يعدد العارف البسيط بالحالة السورية اسماء عشرات من الاحزاب والجماعات السياسية، ويمكن للاكثر معرفة بالواقع السوري الراهن، ان يضيف ضعف العدد السابق او اكثر في بلد صغير، لايتجاوز عدد سكانه ثلاثة وعشرين مليون نسمة، ويعود الامر في ذلك الى السهولة التي ينظر فيها السوريون الى تشكيل واعلان الاحزاب والجماعات اليوم بعد ان انكسرت شمولية وسيطرة النظام الشمولي - الامني على البلد والناس، وبعد ان شعر كثير من السوريين بضرورة تشكيل جماعات سياسية، يمكن ان تساعدهم في ادارة شؤونهم الوطنية، وان تعبر عن همومهم وطموحاتهم في الراهن والمستقبل.

وسط تلك الحالة من تضخم اعداد الاحزاب والجماعات السياسية وتنوعها، تبدو الحاجة ملحة للوقوف عند ملامح تلك الاحزاب والجماعات في محاولة لرسم اهم معالم الخريطة السياسية السورية اليوم وملامح تطورها المستقبلي، ولعل الاهم في تلك الملامح توزع الجماعات السياسية في نشوئها السوري الى مراحل زمنية، تعود اقدمها الى عشرات السنوات. ففي سوريا اليوم احزاب قائمة، يعود تأسيسها الى فترة الانتداب الفرنسي(1920-1945) وبين هذه الاحزاب الحزب الشيوعي السوري وقد ظهرت لبناته الاولى في العام 1924، والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تأسس بداية الثلاثينات، وجماعة الاخوان المسلمين، التي ظهرت في العام 1945، بل ان حزب البعث العربي وقرينه الحزب العربي الاشتراكي اللذين شكلا عبر اندماجهما حزب البعث العربي الاشتراكي في بداية الخمسينات، يعودان في لبناتهما الاولى الى نهاية ثلاثينات وبداية اربعينات القرن الماضي.

في تلك الفترة من التاريخ السياسي لسوريا، تأسست احزاب اساسية، هي اشبه ماتكون ب "الاحزاب الام"، وهي الاحزاب التي عبرت عن اهم التوجهات الفكرية للسوريين بعموميتهم. فكانت احزاب قومية ودينية وشيوعية، جعلت الداخل السوري كله ميدانا لنشاطها، وسعت في آن معاً للتعبير عن توجهات السوريين نحو صيغة "وطنية سورية" رغم تطلع تلك الجماعات من زاوية انتمائها الفكرية الى محيط ابعد على نحو ماتؤشر الانتماءات الى حزب قومي، او جماعة اسلامية، او حزب شيوعي، وكلها انتماءات تتجاوز حدود الكيانية للجغرافيا السورية.

واضافة الى استمرار ذلك النمط من الجماعات السياسية السورية في فترة مابعد الاستقلال. فان احزاباً وجماعات أخرى، اخذت تظهر بعد حصول البلاد على استقلالها. وكان بين تلك الاحزاب، مايمكن تسميته ب "احزاب الادارة"، التي عمل على تشكيلها قائمون على السلطة، او مقربون وانصار لهم، وهي احزاب سرعان ماكانت تختفي وتموت بمجرد سقوط حكوماتها او غياب عناصرها المؤسسة لان هذا النمط لم يكن بمقدوره البقاء والاستمرار، ولعل الابرز في امثلة هذه الاحزاب حزب حركة التحرير العربي، الذي اسسسه اديب الشيشكلي ليكون واجهة سياسية لعهده من الحكم العسكري بين 1952 و1954، والاتحاد القومي الذي شكلته سلطة الوحدة في سوريا عام 1959 ليكون واجهة سياسية للنظام الحاكم في سوريا. والسمة الثانية في احزاب وجماعات تلك المرحلة، هو نهوض احزاب السوريين من خلفيات غير عربية، ولهذه الفترة يسجل ظهور ابرز جماعتين غير عربيتين في سوريا اولهما الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) المؤسس في العام 1957، والمنظمة الآثورية الديمقراطية التي تأسست في العام ذاته، اضافة الى التعبيرات السياسية التي ظهرت في اوساط السوريين الارمن وحزبيهما الهاشناق والطاشناق والذين سجلت الفترة التالية غيابهما شبه الكلي عن مسرح الحياة السياسية في سوريا.

ان الميزة الاساسية في احزاب هذه الفترة، تمثلث في الصعود الظاهر للاحزاب الام، وفي تمدد الظاهرة الحزبية وسط السوريين من اصول غير عربية، والاخيرة ستظل محدودة التأثير والانتشار لاسباب تتعلق بها وبظروفها، بخلاف "الاحزاب الام" الاولى، والتي انخرطت في الحياة السورية، واخذت تحقق تقدماً في طريق الوصول الى السلطة عبر النظام الديمقراطي البرلماني الذي اختارته سوريا بعد الاستقلال، حيث دخل ممثلون عن البعث والاخوان والشيوعيين الى البرلمان، فيما كان القوميون السوريون يسعون الى ذلك، ورغم ان الانقلابات العسكرية سعت الى تحجيم واضعاف او اعدام الجماعات السياسية السورية، فان ذلك بدا مستحيلاً في الفترة الاولى بين الاستقلال وقيام الوحدة السورية المصرية (1958-1961)، والتي تم في خلالها توجيه ضربات قاصمة للحياة السياسية وللاحزاب والجماعات السياسية وهو الدور الذي اداه بامتياز عهد الوحدة السورية المصرية باعلان حل الاحزاب والجماعات السياسية، ثم الذهاب نحو تشكيل بديل هو حزب للادارة يمثله "الاتحاد القومي" وسط نتائج متواضعة.

لقد سعت الاحزاب والجماعات السياسية للعودة الى الحياة واستعادة وجودها ونشاطها في فترة الانفصال (1961-1963)، غير ان الفترة كانت قصيرة لاستعادة ما غاب من جماعات، ولم تكن كافية لترميم ماتم تدميره من شروط الحياة السياسية، وخرابات في اوساط النخبة السياسية المنهكة والضعيفة، فانقضت الفترة بسرعة، وجاء انقلاب آذار 1963، مكملاً ما بدأه عهد الوحدة من خطوات تدميرية للاحزاب والجماعات السياسية، لم تستبعد من الاجراءات احزاب وقوى قيل انها كانت في اطار القوى الداعمة للانقلاب وبينها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي اخذ يتحول شيئاً فشيئاً الى "حزب ادارة" خاضع للسلطة وملتزماً تحولاتها وسياساتها.

ان سياسة خمسين عاماً من عهد البعث في الموقف من الاحزاب والجماعات السياسية في سوريا، يمكن اختصارها في قول انها كانت تتمثل في حل ومحاربة كل الجماعات والاحزاب السياسية في سوريا ودفعها الى السرية والتشظي، وهي الفترة التي ميزت سياسة السلطة من 1963 الى العام 1972، حيث بدأت مرحلة اخضاع وتدجين تلك الجماعات سعياً لوضعها تحت هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي صار حزباً للادارة في سوريا، وكان تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية الباب المفتوح لدخول احزاب المعارضة بالنظام وحزبه، وهكذا انخرطت معظم احزاب تلك المرحلة من الاحزاب القومية والحزب الشيوعي، فدخل في الجبهة الاتحاد الاشتراكي العربي وحركة الاشتراكيين العرب والوحدويون الاشتراكيون والحزب الشيوعي السوري الذين قبلوا الانخراط بالجبهة والالتزام بميثاقها الذي منع الاحزاب من العمل في اوساط الجيش والطلاب، ووضع تلك الاحزاب تحت قيادة حزب البعث ، "القائد للدولة والمجتمع" حسب نص الدستور السوري الصادر آنذاك.

وقد طور النظام سياسته ازاء تلك الاحزاب في ان دفعها للانشقاق والتشظي، واغلب تلك الجماعات انشقت، وبعضها انخرطت انشقاقاته في الجبهة، بل ان تشجيع الانشقاقات في الاحزاب طالت احزاباً خارج الجبهة وكانت صديقة للنظام مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، كما شجعت الاتجاهات الانقسامية في الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) الام والاحزاب الكردية، التي ولدت من خاصرته.

غير ان سياسة الاخضاع والربط ضد الاحزاب والعمل على تقسيمها وتفتيتها بما هي سياسات غير عنيفة، لم تكن وحيدة في سياسة النظام ازاء الاحزاب، ففي الخط الثاني من تلك السياسة، كانت سياسة القبضة الحديدية، وهي سياسة بدأت في العام 1963، ومازالت مستمرة حتى الان، ورغم انها ركزت على الاحزاب والجماعات الاسلامية من الاخوان المسلمين وحزب التحرير وصولاً الى الجماعات السلفية والمسلحة منها، فانها طالت كل جماعات المعارضة في تنوع اتجاهاتها بذات القدر من العنف الذي شمل احزاباً قومية مثل الاتحاد الاشتراكي وتفرعات البعث العراقي والديمقراطي والشيوعيين من تفرعات الحزب الشيوعي الى حزب العمل الشيوعي، كما شمل التنظيمات الكبيرة والصغيرة على السواء في سياسة لايمكن القول الا انها سياسة دموية.

وطور النظام شقاً جديداً من سياسته ازاء الاحزاب السياسية في العقد الماضي. حيث انه وازاء المطالب المتصاعدة للاصلاح، وقيام بعض السوريين بتأسيس احزاب وجماعات جديدة خارج الاعتراف الرسمي، طرح النظام فكرة تأسيس احزب سياسية وفقا لقانون احزاب، وقد تأخرت الخطوات الاجرائية في هذا السياق حتى اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، وقد جاء الاجراء لاستيعاب مطالب المتظاهرين، وولدت مجموعة من الاحزاب، التي كان اغلبها من الناحيتين الفكرية والسياسية اقرب الى توجهات وسياسات النظام، وبهذا المعنى كانت الاحزاب الجديدة المرخصة توسيعاً للاطر السياسية القريبة للنظام وعلى ضفاف مواقفه.

ولم يكن اثر ثورة السوريين وحيداً في اجبار النظام على اصدار قانون للاحزاب السياسية في اواخر العام 2011، والترخيص لبعض الاحزاب. بل ان اثر الثورة كان ابعد من ذلك بكثير. اذ فتحت انطلاقتها الباب امام السوريين لتأسيس احزاب وجماعات سياسية كثيرة ومتنوعة، وهو امر لم يحصل خارج سوريا فقط، وانما في داخلها ايضاً، مما ولد عشرات الاحزاب والجماعات اليسارية والقومية والاسلامية والليبرالية المتفاوتة الحضور والفعالية والتأثير في المجتمع وفي اجمالي الحركة السياسية.

ورغم ان من الحق القول، ان ما شهدته سوريا من نمو لظاهرة الاحزاب والجماعات السياسية يمثل تطوراً ايجابياً سينعكس ايجابياً على الحياة السياسية السورية في المرحلة المقبلة. فان مما يضعف تلك الايجابية هو التشتت والتشرذم الذي يطبع أكثر الجماعات الجديدة، وضعف التجربة والخبرة والضعف الفكري والسياسي لكثير من الكادرات المؤسسة، غير الوقت ونضوج التجربة، يمكن ان يوفر فرصة للتغلب على تلك السلبيات، والانتقال الى اوضاع افضل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي آفاق للثورة السورية؟

د. عبدالله تركماني ()

المستقبل

23-2-2013

يتفق الكثيرون على أنّ سوريا تمر اليوم بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها، وإذا كان من الصعوبة أن نجري حساباً لوقائع وتطورات الثورة السورية التي انطلقت في آذار 2011، لأنّ فيها الكثير من التعرجات والتعقيدات، فإنّ الثابت أنّ حراكاً إنسانياً رائعاً جرى بحجم كبير وتضحيات كبيرة، يتجه نحو مواطن سوري جديد، ووعي سوري جديد، بما ينطوي عليه ذلك من تألق للوطنية السورية الجامعة ذات العمق العربي والإنساني.

ولا شك في أنّ تفرّد الحالة السورية، وخصوصيتها، من جهة طول أمد الثورة وتداخلاتها الإقليمية والدولية، جعلها موضع نقاش وسجال واختلاف حول دقة التوصيف لما يجري منذ سنتين، لكنّ ذلك لا يحجب حقيقة أنّ الثورة بدأت في صورة حراك سلمي، تركّز حول مطالب الحرية والكرامة، إلا أنّ الخيار الأمني لسلطة آل الأسد جعل الحراك الثوري يمرّ بأطوار عديدة، خصوصاً بعد الانشقاقات والتسلح.

لكنّ الطيف الشبابي الواسع أعاد السياسة إلى الفضاء السوري العام، بعد أن غاب لعقود، والحرية تعني له آفاقاً مفتوحة أرحب تحيل إلى سوريا كمجال عمل، وإلى خبرات اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة، أساسها قيم إنسانية عامة كالمساواة والاحترام. لقد أعلنها واضحة جلية أنّ الوحدة الوطنية هي قدس الأقداس، وأنه لا جدوى من أي شحن طائفي، أو غرس الرعب في أفئدة الناس عبر إيحاءات تمتد خيوطها إلى مكاتب المسؤولين في أجهزة المخابرات. فالوحدة الوطنية السورية المبنية على قاعدة احترام الخصوصيات، وتأمين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنين من دون أي استثناء، مثل هذه الوحدة الوطنية هي التي تُعد الحاضنة الكبرى القادرة على جمع كل السوريين، بعيداً عن روحية الأحقاد، وعقلية الانتقام والإقصاء، وسياسة اعتماد الولاءات ما قبل الوطنية، المتناغمة مع النزعات الاستبدادية.

ولا عجب أنّ ثورة الشعب السوري كشفت المشكلات العميقة والقاتلة، التي رعاها وغذّاها نظام الاستبداد واستعان بها في صراعه مع شعبه، كما كان من المحال أن لا يكشفها هذا الجهد الإنساني الجبار الذي يبذله مجتمع يريد الخروج من الاستبداد إلى الحرية. لذلك يخطئ كثيراً من يعتقد أنّ الثورة السورية مسؤولة عن المشكلات التي برزت إلى العلن، خلال السنتين الماضيتين، وبخاصة منها مشكلة الطائفية المدمرة. ومن التسرع الحكم على الثورة السورية الراهنة انطلاقاً من الدور الذي تلعبه هذه المشكلة في الصراع، ومن الضروري رؤية المعضلة على حقيقتها كمنتج للنظام الاستبدادي، ومعالجتها بصفتها هذه، وإزالتها معه باعتبارها واحدة من أقوى ركائزه وأكثرها خطورة، يستحيل أن تتعايش الحرية معها، لما بينهما من تناقض وجودي.

وهكذا، في ظل احتكام سلطة الاستبداد إلى الخيار الأمني، كما وجدناه منذ انطلاق الثورة السورية في 15 آذار 2011، وغياب أي أفق حقيقي لإجراء إصلاحات عميقة، وصل الشعب السوري إلى قناعة مفادها أنّ انتهاء ثورته من دون الحصول على نتائج سياسية حقيقية، تنطوي على تفكيك النظام الأمني والتوجه نحو نظام سياسي معاصر قوامه عقد اجتماعي وسياسي جديد يقوم على تعددية سياسية حقيقية ومؤسسات تؤمّن الكرامة والحرية للمواطن السوري، سيؤدي إلى الانتقال لمرحلة أسوأ مما كانت عليه الأمور قبل بداية الثورة، خصوصاً إذا ما نجحت المساعي الإيرانية كي يكون بشار الأسد وحاشيته من القتلة في المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديموقراطية.

المهم أنّ رأس السلطة سيلحق بأقرانه التونسي والمصري والليبي واليمني، وكلما تضافرت الجهود وتعاظمت العوامل المنهكة له، كان اللحاق هذا أسرع وبكلفة بشرية واقتصادية أقل وطأة. مما يفرض على الكتلة التاريخية للثورة السورية أن تبلور توازنات جديدة، تصون الحرية المكتسبة في المناطق المحررة بعد كفاح شاق، وتضمن استقراراً مواتياً للتراكم الوطني، وتؤسس لنشوء تقاليد سياسية واجتماعية جديدة.

ومن المؤكد أنّ سوريا لن تكون مزرعة لأحد، كما كانت لعقود طويلة، وإنما وطن الحرية والكرامة لجميع أبنائها. لن تكون بلد التمييز والظلم والإقصاء، بل وطناً واحداً لشعب سوري موحد، لا حديث فيه عن أكثرية وأقلية بل مواطنية ومساواة، لا يراعي في معاملته مع أبنائه أي اعتبار قومي أو مذهبي أو طائفي أو مناطقي، ولا اعتبار فيه إلا للكفاءة والإخلاص، والمقدرة على البذل والتضحية في سبيل بناء سوريا الجديدة. سيحمي الدستور حقوق كل مكوّنات المجتمع السوري، حيث سينال فيها الأكراد والآشوريون والتركمان ما حُرموا منه من حقوق وما عانوه من تمييز. ستُفصل في سوريا الجديدة السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وستحاسَب فيها الحكومة المقصّرة وستكون السلطة بيد الشعب يقرر من يحكمه عبر صناديق الاقتراع. ستكون سوريا المستقبل دولة الحق والقانون، يتساوى فيها الجميع أمام القضاء المستقل، ويكون للجميع الحق ذاته في تشكيل المنظمات والأحزاب والجمعيات، والمشاركة في صنع القرار، مما يفتح في المجال لتألق الوطنية السورية الجامعة.

والأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: هل سيستطيع الشعب السوري وحده إيقاف جرائم سلطة استبداد آل الأسد وشبيحتهم، أم أنه سيحتاج إلى الدعم العربي والدولي، وما هو دور هذا الدعم وحدوده؟ وهل يتوجب على السوريين، الذين يحتاجون لمؤازرة الأسرة الدولية للانعتاق من قهر سلطتهم الفاسدة أن يدفعوا ثمن تلك المساندة وفق تسعيرة تفرضها شروط المصالح الدولية والإقليمية؟

() كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مستلزمات الحل السياسي.. قـبـل سـقـوط الـنـظـام

ميشيل كيلو

السفير

23-2-2013

الحاجة إلى توحيد الصـف الديموقراطي والحـد من خلافاتـه السياسيـة ضروري وملحّ، كي لا تتكـرر في سوريـا تجربـة المنظمـات الديموقراطيـة في تونـس ومصـر، التي لعـب انقسامهـا وتبعثرهـا دوراً خطيراً في وضع الثـورة بين أيدي الإسلاميين

ليس من الضروري أن يقتصر الحل السياسي المطلوب على العلاقة مع النظام السوري القائم، بل انه قد لا تكون هنا كأية ضرورة له مع النظام الحالي بالذات، الذي أغرق بلادنا بدماء شعبها، وأغرق أيضاً جيشه في دمائه وجعله يقاتل منذ نيف وعامين لتبديل موازين قوى تتغير لغير مصلحته، بينما شرعت قوته تتراجع وأخذ يخسر مواقعه واحداً بعد آخر في ارجاء مختلفة من سوريا، من دون أن يغير تراجعه من إصرار قيادته على مواصلة حل عسكري/ أمني يدمر البلاد والجيش، اخرج القضية السورية من ايدي جميع اطراف الداخل ووضعها بين ايدي الخارج، لأن التسوية الداخلية تعني حتمية التغيير، في حين لا تتطلب صفقة تعقدها القيادة مع الخارج تغييراً داخلياً كهذا.

لبلوغ حل ديموقراطي، هناك ضرورة لعمل سياسي ينجز بين أطراف المعارضة السورية، التي بدأت تسير في اتجاهين تزداد تناقضاتهما هما الاتجاه الديموقراطي بضعفه المتعاظم، والاتجاه الإسلامي بتشعباته المتنوعة وفوارقه الخطيرة. فإن استمر تباعدهما الى ما بعد سقوط النظام، المحتمل في أي وقت، خرجت سوريا من أزمة «البعث» المديدة إلى ازمة جديدة معقدة ومركبة، سيكون لها نتائج كارثية، من غير المستبعد أن تقضي على ما ابقاه عنف السلطة الحالية من زرع وضرع، حضر ومدر، فنكون كمن خرج من تحت الدلف إلى تحت المزراب، وتذهب تضحياتنا الى وجهة مغايرة لتلك التي قدمت من أجلها.

إلى هذا، سيكون من الصعب جداً بلوغ حل ديموقراطي من دون عمل سياسي يتم بين مكونات الطرفين الاسلامي والديموقراطي، التي تتخبط في عشوائية سياسية وعسكرية ضاربة؛ حل يقوم على الإقرار الصريح بحتمية التفاعل والتكامل بين الجانبين السياسي والمقاوم في الثورة، يعرف الجمهور السوري تفاصيله ومراحله وأهدافه وممكناته ونتائجه المرتقبة من دون لف ودوران، ليس فقط من أجل الخروج من غوغائية نافية للسياسة تقتصر اليوم على شعارين أو ثلاثة يكررها ببغاوات «المجلس الوطني» ومن لفّ لفّهم، بل كذلك لإحباط أي مسعى غير عقلاني وواقعي يحول دون إخراج العمل المعارض من الاحتجاز الذي وضعته المعارضة فيه.

ليس الحل السياسي مع النظام حتمياً، وإن كان من الضروري ان تمتلك المعارضة تصورا واضحا حوله. أولا، لأن توازنات القوى العسكرية تميل شيئا فشيئا لمصلحة المقاومة على الأرض، جاعلة من فرصة الحل حلقة أخيرة في جهد وطني يرمي الى التخلص من النظام القائم، بما أن تفوق المقاومة الميداني المحتمل يمكن أن يفرز فئة من الضباط والسياسيين الرسميين ترى في الحل السياسي خشبة خلاص تمكنها من النجاة والتفاوض على إنهاء القتال والتخلي عن السلطة، مقابل دور تلعبه في سوريا المستقبل. وثانياً، لأن القوى الدولية قد تقتنع بحل تفاوضي وتمارس ضغوطاً جدية على أطراف الصراع السوري كي تقبله، فيكون تصور الحل لدى المعارضة أساس موقفها التفاوضي، وإلا وجدت نفسها مجبرة على الاستسلام لما يعرض عليها من الخارج، وعلى رؤية مصالحها بدلالة المصالح الدولية، التي لن تتطابق بالتأكيد مع اهدافها ومصالحها. في الحالة الأولى، يعتبر امتلاك تصور واضح ومعلن للحل مفتاحياً بالنسبة لانتصار الثورة، وفي الثانية يحفظ تصور كهذا ما يجب الحفاظ عليه من مصالح الوطن العليا. بالافتقار إلى هذا التصور، كما هي الحال الآن، لا مفر من ان تتخبط سياسات المعارضة وتخضع لتناقضات المواقف والأهواء، كما هي حالها الآن أيضاً، ولا بد أن تجد نفسها ملزمة في نهاية الأمر برؤية الحل بأعين النظام أو الخارج، وبدلالة مصالحهما، وبقبول تسويات لا تعبر عن طموحات الشعب وإنما تتعارض مع أهداف ثورته المفعمة بالتضحيات والغالية التكلفة.

- أما العمل السياسي الضروري للتوافق بين تياري المعارضة الرئيسين على مستقبل الوضع، وبغض النظر عن القوة التي ستخرج منتصرة من الصراع الراهن، فهو حيوي جداً بالنسبة إلى طرفي المعارضة: الإسلامي والديموقراطي، والى وضع حد لمأساة بلادنا التي ستحتاج إلى فترة تهدئة طويلة، كي تستطيع إعادة بناء ما هدمه النظام في طول بلادنا وعرضها. من الحتمي أن يقوم العمل المطلوب على توافق عام يمنع أي طرف من استخدام العنف لحل أية مشكلة، او بلوغ اي هدف خاص، ويلزم الجميع باعتماد الوسائل السلمية سبيلاً إلى تحقيق مراميهم،على أن يسلموا بأحقية من يكسب الانتخابات الحرة في إدارة شؤون البلاد بمفرده أو بالتعاون مع غيره ـ والتعاون أفضل بكثير وأكثر أمناً من الانفراد، اقله في المراحل التالية لسقوط النظام ـ.

لإنجاز هذا العمل، تمس الحاجة إلى مؤتمر وطني يتم التوافق خلاله على اسس التعايش الملزمة للقوتين السياسيتين اللتين ستتنافسان على ارض السياسة السورية بعد التغيير، شرط أن ينطلقا من مبادئ محددة تركز على موضوعين: تصفية ركائز الاستبداد وحوامله المجتمعية والسياسية ومقوماته الايديولوجية من جهة، والشروع ببناء بديل يقرّ بالتنوع وما يترتب عليه من تنافس سلمي، وبحق الآخر في أن يتحرك بحرية في جميع الظروف والاتجاهات، ان كان لا ينتهك القانون او يلجأ إلى العنف بالقول أو الفعل، من جهة أخرى. هل يمكن تحقيق شيء من هذا من دون اعتراف كل طرف بشرعية الآخر وبحقه في ممارسة السياسات التي يقررها بملء اختياره، ما دامت تلتزم بوحدة الجماعة الوطنية السورية وسيادة الدولة، وتحترم حق الأفراد والجماعات في العيش بكرامة ومساواة وعدالة. هذا الاتفاق يجب أن يكون مسجلاً في ميثاق وطني تنهض عليه الدولة ويحفظ وحدة المجتمع.

- وهناك أخيراً حاجة إلى عمل سياسي بين المكوّنات والقوى التي تنضوي ضمن الإطارين الديموقراطي والإسلامي، وتزداد علاقاتها تنافراً مع تطور الثورة وتزايد انجازاتها ومشكلاتها بدل أن تتقارب وتتحد في ظل تعاظم الحراك ونشوء مناطق محررة في ارجاء مختلفة من سوريا، تشرف على إدارتها وحفظ أمنها وتتولى شؤونها. في هذا المجال، لا يسود فقط انقسام عمودي يشطر القوى السياسية والمجتمعية إلى كتلتين كبيرتين: إسلامية وديموقراطية، تتركز في يد الاولى منهما كميات متزايدة من السلاح، بينما تتحول تنظيماتها إلى جماعات مسلحة متنوعة السياسات والولاءات، وتنأى الثانية بنفسها اكثر فأكثر عن السلاح والمقاومة المسلحة، وتتراجع مواقعها بين شعب شرده النظام وشتته في اصقاع الأرض الأربعة، ودمر بيوته ومدنه وقراه وقتل حيواناته وخرب ممتلكاته، واختطف أرواح وحيوات مئات الآلاف من بناته وابنائه، وطارده إلى المنافي، فلا عجب أنه يميل منذ بعض الوقت ميلا متزايدا إلى الطرف المسلح الإسلامي، وأن نزوعه إلى الانتقام يتعاظم ويتجذر ويضعه وراء خيارات مذهبية تختلف عن خيار الحرية التي قام بالثورة لتحقيقها.

بسبب هذا الانقسام، تمس الحاجة إلى توحيد الصف الديموقراطي، بالحد من خلافاته السياسية عبر حل سياسي تشارك هذه القوى مجتمعة فيه، انطلاقاً من رغبتها في التوحد قبل سقوط النظام، كي لا تتكرر في سوريا تجربة الجهات والمنظمات الديموقراطية في مصر وتونس، التي لعب انقسامها وتبعثرها دوراً خطيراً في وضع الثورة بين أيدي الطرف الإسلامي، رغم أنه لم يكن هو الذي صنعها ولم يساندها إلا في فترة متأخرة نسبياً. وبما أن وضع الاسلام السياسي السوري يختلف جدياً عن وضع مثيله المصري، الذي يضم كتلتين كبيرتين هما جماعة «الاخوان المسلمون» وحزبها، والكتلة السلفية وحزبها، بينما تنضوي معظم القوى الإسلامية السورية في تشكيلات جهادية وسلفية متقاربة الهياكل والتطلعات رغم تنوع اسمائها، تتزايد شعبيتها ومكانتها باضطراد في حين تتقلص شعبية ومكانة «الاخوان المسلمين» ويتراجع دورهم على الارض، فإن من الضرورة بمكان توحيد الطيف الديموقراطي وتجميع صفوفه في اسرع وقت، واختيار قيادات تنسق أنشطته وتوفق بين مكوناته، على ان تقوم ببناء أداة تنظيمية ضاربة وفاعلة وبرنامج نضالي واقعي وخطاب سياسي قادر على الوصول إلى وعي قطاعات شعبية واسعة وعواطفها، مؤيدة للخيار الديموقراطي، لكنها تقبع اليوم في بيوتها، لأنها لا تؤمن بالسلاح وتنتظر فرصة تتيح لها التعبير عن رأيها، فإن لم تجد قوى ديموقراطية موحدة تبعثرت بدورها، وأفاد الطرف الآخر من تشتتها وغيابها عن الحياة العامة، خاصة إنْ خوَّفها بسلاحه. هل سيقوم الديموقراطيون بما عليهم القيام به فيوحّدون صفوفهم ويبنون حاملاً اجتماعياً لنهجهم هو ضمانة التحول الديمقراطي السوري، الذي ستؤسس انطلاقاً منه لأول مرة في تاريخ سوريا أحزاب مجتمعية الهوية والطابع، لا تنثبق عن نخب تمارس السياسة كلعبة سلطة لا علاقة للمجتمع وللمواطن بها، يعاد من خلال أبنيتها وهياكلها إنتاج الاستبداد، وإن في صورة جديدة.

بتلازم هذه الانماط الثلاثة من العمل السياسي، ستضع بلادنا أقدامها على طريق الخروج من محنتها الراهنة، وسيقطع الطريق على خطر داهم يتمثل في انتقالها من أزمتها الراهنة إلى ازمة جديدة لا تقل عنها شدة وخطورة. ومع أنه ليس من الضروري أن يبدأ الحل بالعمل الأول، فإن وجود نمطي العمل الثاني والثالث حيوي لبقاء دولتنا ومجتمعنا، ما دام النظام يمكن أن يسقط بقوة المقاومة، التي لن تستطيع اخراجنا من معضلة الانقسام والتناقض الإسلامي/ الديموقراطي، وضمن مكونات كل طرف من الطرفين المذكورين.

يقتصر اهتمام المعارضة اليوم على المجال الأول، كما يعبر عن نفسه في ما يسمى التفاوض مع النظام، بينما يتم اهمال المجالين الآخرين ويتركان لصراعات تنافسية تمعن في تمزيق أطرافهما وشحن علاقاتهما بالتناقض والعداء، فلا بد من التصدي لما فيهما من مشكلات ليكون ممكناً حل معضلات المجال الأول، الخاص بالعلاقات بين المعارضة والسلطة. هل يتبدل الوضع الراهن وتتدارك المعارضة السورية نواقص علاقاتها فتتوفر لها القدرة على التخلص من مشكلاتها، الضروري لإسقاط النظام؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مـــن الــثــــــــورة إلـــــى الــحـــــــــرب

السفير

23-2-2013   

لم يقترب نظام الاستبداد في سورية من نهايته كما يقترب اليوم. ولم يظهر كسلطة عنف مطلق وعارٍ كما هو الآن، ولم يفقد كل شرعيته كما فقدها خلال السنتين الماضيتين من عمر الثورة. وفي الحسابات العسكرية يخسر النظام كل صباح مناطق إضافية كانت حتى اليوم السابق تحت سيطرته العسكرية والأمنية والإداريّة؛ وكل يوم يبسط «الجيش السوري الحر» سيطرته على أماكن جديدة. وكل يوم تستعيد قوات النظام مساحة في منطقة، وتخسر مثلها في منطقة أخرى. ثمن ذلك خراب واسع يحدثه قصف الطائرات والصواريخ، وقتل همجي، وتهجير لمئات الآلاف، واعتقال عشرات الآلاف ومثلهم من المفقودين! وكذلك انفلات للأمن في عديد من المدن والأرياف التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، وأعمال قتل ونهب وخطف ونأي عن أهداف الثورة المحقة في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة والديموقراطية، مما يجبرنا على طرح السؤال: هل ما زالت الثورة ثورة؟ أم انها تحولت الى حرب أقليمية على الأرض السورية؟

وقود الثورة

لقد تبين أن فقراء الارياف ومهمشيه، وبالدرجة الثانية فقراء المدن الصغرى الذين عانوا من الإفقار الأشد فتكاً، كانوا مطلقي الثورة ووقودها، وتأخرت المدينتان الكبريان في سوريا (دمشق وحلب) عن الالتحاق بمسار الثورة بسبب التفاوت البيّن في مستويات الدخل والمعيشة لصالح المدينتين. ولو عاينّا وضع مدينة حلب، على سبيل المثال، وقد سيطرت على الكثير من أحيائها المعارضة المسلحة، لتبينّا أمرين واضحَي الدلالة: الاول أن «الجيش السوري الحر» الذي بدأ بالسيطرة على أحياء المدينة كان قادماً في أغلبه من الأرياف القريبة، والثاني أن الاحياء التي تمت السيطرة عليها في البداية هي الأحياء الأكثر فقراً، والمُشَكّلة نسبة عالية من قاطنيها من أبناء الريف نفسه، والتي تعد بيئة حاضنة للاحتجاج والثورة.

لقد كان قمع النظام عامّاً على مدى السنوات الطويلة الماضية، وطال مختلف الفئات والطبقات، غير أن منسوب الفقر والإذلال المعيشي الذي عانى منه أبناء الأرياف والمدن الصغرى والمتوسطة كان أشد مما عاناه أبناء المدينتين.

وليس دون دلالة أن الأحياء الأكثر غنى هي ـ حتى اللحظة ـ الأحياء الأقل التحاقاً بالثورة في مختلف المدن صغيرها وكبيرها. إنها ثورة سياسية، ثورة على الإذلال السياسي المديد، ولكنها أيضاً ثورة فقراء يبحثون عن حقوقهم كبشر وكمواطنين انتهكت كرامتهم وعيشهم على مدى عقود.

ومن جهة أخرى، ليس خافياً على أحد أن الأشهر الأولى من الثورة تختلف كثيراً عن مسارها في الأشهر اللاحقة، حيث دخل العامل الاقليمي على خطها، وحيث تم تدريجياً تسليحها وتمويلها، مما لاقى صداه لدى المتظاهرين في ظل استمرار أعمال القتل والفتك بالمواطنين العزّل، وبذلك انتقلت الثورة من طورها الأول السلمي، الى طورها الثاني المسلح الذي نعيش فصوله وتبعاته الآن، في ظل وصول العنف الى عتبات غير مسبوقة.

استمرار التقدم

يمكن بمراقبة الخارطة الجغرافية لتقدم «الجيش السوري الحر» منذ سنة، وانحسار المناطق التي يسيطر عليها الجيش النظامي، القول بأن الأول يسير باتجاه الانتصار، إذا بقيت المعطيات الحالية على ما هي عليه، عسكرياً وسياسياً، بالإضافة إلى حزمة تحالفات. فاليوم هناك مناطق ريفية واسعة خرجت من تحت سيطرة الجيش النظامي: في الشمال، في المناطق المتاخمة للحدود التركية، في دير الزور والبوكمال، وفي الوسط، في ارياف حمص وحماه، وفي الجنوب، درعا وريفها، وكل سوار دمشق من البلدات والقرى وباتجاه الزبداني. يبقى تحت سيطرته العاصمة والمنطقة الساحلية، وأحياء في المدن الكبيرة. واصبح واضحاً أن المعركة الفاصلة هي معركة دمشق؛ فمن دون السيطرة عليها سيبقى العنف مشتعلاً في كل المناطق، ومن دون أن تظهر نهاية له. ودون ريب ستكون معركة وحشية الدمار، والقتل فيها يفوق كل ما سبقها. معركة دمشق هي معركة بقاء أو هزيمة النظام برمته.

في هذا السياق، لا يجب اغفال مصادر قوة النظام، فهو لا يزال يحتفظ بخزان قوة كبير، فجيشه متماسك حتى اللحظة، رغم الانشقاقات الكبيرة، ورغم عدم التحاق الآلاف من المجندين بالخدمة عندما يتم استدعاؤهم، وقواه الأمنية ملتفّة حوله في التحام عضوي، فمصيره مصيرها، ومصيرها مصيره، ومخازنه من شتى أنواع الاسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة مليئة، وتُزوّد باستمرار من حليفيه ايران وروسيا، وقوته الاجتماعية ـ رغم تآكلها الشديد السنة الفائتة ـ ما زالت خارطتها الأولى قائمة: التفاف من الأقليات أو أكثر أفرادها، وشبه اجماع في المناطق الساحلية، رغم انقسام العديد من المدن هناك بحكم خارطتها الطائفية.

أخطار أمام الثورة

تحقق ـ كما هو معروف ـ المعارضة المسلحة تقدماً متواصلاً على الأرض. وواضح أن المعركة تجري بين طرف فائق القوة، ولكنه قابل للاستنزاف، وطرف ضعيف القوة، ولكنه غير قابل للاستنزاف. لهذا السبب يمكن التصوّر أن القول الفصل في نهاية المطاف سيكون «للجيش السوري الحر»... إلا إذا حدثت مفاجآت على المستوى العسكري أو مستوى التحالفات الاقليمية والدولية، تقلب هذه السيرورة، ولا يجب في أي حال استبعاد احتمال كهذا.

تحت هذا المستوى العريض من المسار العسكري يجب معاينة بعض ملامح هذا «الجيش السوري الحر»، والأوضاع في المناطق التي يسيطر عليها: أول الملامح أنه جيش مشرذم، بُنيته قائمة على عدد كبير من المجموعات المسلّحة، وذات العصبيات السياسية أو الدينية أو الجغرافية المختلفة، ويبدو أن توحيده (رغم تقدم ظاهرة المجالس العسكرية) صعباً إن لم يكن مستحيلاً، خاصة في ظل وجود زعامات مناطقيّة تستهويها الزعامة أكثر مما تستعجل الانتصار؛ وهكذا فما توافق عليه مجموعة، تختلف معه كتيبة، ويعارضه لواء! ثاني الملامح الواضحة يرتبط بالنقطة السابقة، وهو سيادة نوع من الفوضى الأمنية، وعمليات سرقة ونهب وخطف وطلب فدية (أشخاص ـ بيوت ـ معامل ـ صوامع حبوب ـ مخازن... إلخ) في العديد من المناطق، تقوم بذلك مجموعات محترفة لاعمال النهب، أو مجموعات من «الجيش الحر» للإنفاق على التسلح والإطعام... إلخ، ويُلحظ ذلك أكثر ما يُلحظ في مناطق الشمال والوسط، وإن كانت لا تخلو منه منطقة. ويبدو أن السلطات التركية تشجّع على ذلك، لأن المستفيد منه في النهاية هو التجار الأتراك. ورغم أن هناك العديد من المجموعات والكتائب (خاصة من المنشقين عن الجيش) تضبط الوضع في أماكن سيطرتها، غير أن ذلك ليس قائماً في كل مكان، والذي كثيراً ما يتم تحت مسميات دينية أو طائفية مخادعة. والحقيقة أن ما يحدث هو عمليات سلب ونهب وانتهاك، وليس له مسمى آخر. كل ذلك يُسيء الى المعارضة المسلحة، ويضرب مصداقيتها أمام عموم السوريين، ويضع ممارستها في نفس مصاف انتهاكات أجهزة النظام وشبيحته المعروفة.

ثالث الملامح، يتعلق بتصاعد النزعة الطائفية في المناطق التي خرجت من تحت سيطرة الجيش النظامي. ومما لا شك فيه أن النظام يتحمل المسؤولية الأولى في ذلك، فوحشيته، وعمليات القتل والتدمير والنهب تترك أوسع المجال أمام تصاعد النزعات الانتقامية الطائفية. ومما لا شك فيه أيضاً، أن وجود المجموعات السلفية والجهادية يلعب دوراً فاعلاً في تصعيد هذه النزعة المدمّرة للنسيج الاجتماعي السوري. وواضح أيضاً أن شعور الغبن المزمن يلعب دوره في هكذا ميل. كل ذلك ـ في نهاية الأمر ـ يصب في طاحونة النظام، أو في طاحونة ادعاءاته التي عمل عليها خلال عقود، وهدفها تخويف الاقليات من أي نظام بديل منه، خاصة إذا كان ذا سمة دينية.

رابع الملامح، هو ارتباط أغلب مجموعات المعارضة المسلحة تمويلاً وتسليحاً بقوى اقليمية ذات مرجعيات دينية (السعودية ـ قطر ـ تركيا)، والتي تأتمر بدورها براعيها الأكبر: الولايات المتحدة الأميركية، مما يشكل خطراً كبيراً على مستقبل سوريا ووحدة ترابها وشعبها. ففي حين يريد الشعب السوري من ثورته أن توصله الى دولة مدنية حديثة، دولة حرية، وكرامة، وتعددية سياسية، وعدالة ومساواة، وحقوق إنسان؛ دولة ديموقراطية، فإن الولايات المتحدة الأميركية تستهدف تفكيك حلف ايران ـ سورية ـ «حزب الله»، مما يمهد ـ وفق تصوراتها ـ الى رسم خارطة «الشرق الأوسط الجديد» أو الشرق الأوسط المفتت. بينما تستهدف دول الخليج ـ بعماء ما بعده عماء ـ ضرب ما يسمى بـ «القوس الشيعي» والانتصار «لجماعة السنة»، مهما كلف الأمر، ومهما ترتب عليه من تبعات، غافلة عن أن تفكك سورية سيجر الى تفكك دول الجوار، ولن تكون دول الخليج نفسها في مأمن منه.

لنلاحظ في هذا السياق، كيف أن شعارات الثورة في الحرية والكرامة تتراجع منذ سنة لصالح شعارات ورايات دينية، تمليها الدول الممولة في الخليج، والمجموعات السلفية المرتبطة بها.

لقد تم خلال ما يقارب من السنتين تحول يومي وتدريجي في مسار الثورة. فلقد انطلقت عفوية وسلمية، معبرة عن طموحات السوريين، لتصبح مسلحة ومدعومة من قوى خارجية، بالمال والسلاح والإعلام، ولتجد نفسها في كل يوم تبتعد خطوة عن أهدافها الحقيقية الأولى، ولتندرج في آليات عنف... ولتصبح في النهاية أسيرة لتلك الآليات، ولإرادة الدول الممولة، واضعة نصب عينيها شعار اسقاط النظام، غافلة عن أهدافها الأولى... في الحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية. إننا نبتعد عن الثورة وأهدافها يوماً إثر يوم وننخرط في حرب اقليمية ـ دولية ذات طابع طائفي على الأرض السورية، وبدماء السوريين!

إن توحد الجيش السوري الحر، والحد من نفوذ دول الأقليم على قراراته وخياراته السياسية، ورفض الطائفية، ومقاومة نفوذ المجموعات السلفية الجهادية، وضبط الانفلات الأمني، هي تحديات كبيرة يتوقف عليها مستقبل سورية وملامح دولتها، ونمط عيش وتعايش أبنائها.

المعارضة

لا تنفك المعارضة الخارجية عن اعطائنا الدلائل تلو الدلائل على ضيق افقها، وارتهانها للخارج؛ فمن «المجلس الوطني»، الى «الائتلاف الوطني»، تبدو الصورة بائسة، فالجميع يستعجل «النصر»، والجميع يستهين بالدم السوري، والجميع يستهين باهتراء المجتمع والدولة، والجميع عينه على الغنائم التي ترد من دول الخليج، والجميع «يتقاسم جلد الأسد قبل صيده»!

إن التضحيات البطولية للشعب السوري، واصراره على استمرار ثورته على الرغم من كل عمليات القتل والتدمير والتهجير والاعتقال يستحقان معارضة خارجية من صنف مختلف؛ صنف يضع المصالح الوطنية العليا فوق كل شيء، وفوق أي أهواء ومغانم، وفوق كل اتجار بالثورة ودم أبنائها، وفوق كل ارتهان، وفوق كل طائفية، تُفكِك البلد وربما تقسّمه. كل ما سبق يبدو بعيداً عن تصورات وطموحات وعمل أغلب المعارضين في الخارج، ولا نقول كلهم.

تلفت النظر في الآونة الأخيرة التصريحات التي أطلقها رئيس الائتلاف والتي جرّت عليه هجوماً كبيراً من أعضاء في الائتلاف نفسه، والتي ما زالت تفاعلاتها قائمة. أهمية هذه التصريحات أنها كسرت محرمات مفتعلة لدى المعارضة الخارجية، واطلقت نقاشات حول حمّام الدم السوري، والانسداد العسكري الراهن، وضرورة الخروج منه. هذا؛ في حين يتبين منه أن المعارضة الداخلية في وضع لا تُحسد عليه؛ ضعيفة الفاعلية، وفقيرة المواد، فمن جهة عيون السلطة، وضغوطاتها عليها مستمرة، ومن جهة ثانية آلة الإعلام الخارجي الجبارة تحاربها، وهي تستطيع دوماً أن تقلب صورة الأشياء، فتحيل اللبن أسود، وسواد البترول قشطة شهية، وذلك بغية تطويعها كما طوعت ـ بل صنعت ـ «المجلس» و«الائتلاف». من جهة ثالثة وأهم، فعلاقتها بالحراك الثوري مخلخلة، ومقطوعة في كثير من الأحيان، مما يجر عليها انتقادات محقّة، خاصة عندما تعوّل على دور فاعل للدول الحليفة للنظام، بهدف الوصول الى المرحلة الانتقالية، بأقل قدر من كلفة الدم، مما تبدو السبل أمامه مقطوعة، سواء من قبل النظام أم من قبل المعارضة المسلحة، فكلاهما حتى اللحظة يراهنان على حسم عسكري... طال انتظاره، وعلت كلفته على المجتمع السوري.

نحو هزيمة النظام

يبدو النظام كمن يراهن دفعةً واحدةً على كل شيء في سبيل بقائه، فمن استخدام العنف الوحشي، الى قصف الأحياء والقرى، الى الاعتقالات والقتل والتعذيب، الى تقطيعه أوصال المدن، الى تهجيره لمئات آلاف السوريين الى داخل بلدنا والى دول الجوار، الى استباحة المناطق المقصوفة، وصولا الى استقالته من شمال شرق سورية مفسحاً المجال لسيطرة الأحزاب الكردية عليها أمنياً وادارياً! ورغم كل ذلك فإن «الجيش السوري الحر» ينتزع منه المناطق، الواحدة تلو الأخرى، بينما هو يكثف جهده العسكري والأمني في دمشق ومحيطها. وعلى المدى المتوسط ـ وفي حال استمرار العمل العسكري بايقاعه الحالي ـ فإن دمشق ـ طال الوقت أم قصر ـ ستصبح موطن التفجيرات الأعنف، وحقل العمليات العسكرية الأشد. إن استمرار العنف يأخذنا الى اهتراء الدولة والمجتمع، وربما يؤدي الى تقسيم بلدنا في النهاية الى ثلاث مناطق: الساحل، والمناطق ذات الاغلبية الكردية، وبقية الوطن السوري!

هذا السيناريو البشع، الذي لا يتمناه أي مواطن سوري، لا يتحمل مسؤوليته إلا النظام بقمعه الفاشي المديد، وبعدم اتاحته لأي شكل من أشكال تعبير المجتمع عن نفسه على مدى أربعة عقود، وبإغلاقه لأي نافذة لايجاد حل سياسي منذ الاسابيع الأولى للثورة. ومن ثم تتحمل مسؤوليته دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، التي لا تتردد في تفتيت وطننا والتضحية بأبنائه، وجعلهم حطباً في أتون حساباتهم الجيوسياسية.

افتتاحية مجلة «الآن» الناطقة بلسان «حزب العمل الشيوعي» في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في خراب الاقتصاد السوري

فايز سارة

السفير

23-2-2013

يبدو الاقتصاد السوري شبه مدمر بعد عامين من الازمة، وخراب الوضع الاقتصادي لا يحتاج الى جهد كبير لالتقاط مؤشراته. اذ هي واضحة في الاسواق وظاهرة في حياة السوريين اليومية، حيث البطالة ظاهرة عامة، ومثلها نقص السلع المستوردة والمحلية، وارتفاع اسعار المواد المختلفة بما فيها المواد الضرورية والاساسية بالتوازي مع انخفاض شديد بسعر العملة السورية مقارنة بالعملات الاجنبية، حيث فقدت الليرة أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار الاميركي في الاشهر الاخيرة، وهناك نقص كبير في امدادات الطاقة الكهربائية وفي المحروقات ووقود السيارات، وثمة تدهور في مستوى الخدمات العامة بما فيها خدمات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات وغيرها.

غير ان مؤشرات الحياة اليومية، لا تبين كل الخراب في واقع الاقتصاد السوري، حيث هناك مؤشرات ووقائع أعمق في دلالاتها، ولعل الأبرز في تلك المؤشرات يمثله التوقف الكلي، او اغلب انشطة قطاعات الاقتصاد. ومنذ انطلاق التظاهرات في منتصف آذار 2011، توقف القطاع السياحي في أغلب فعالياته، وكل مشروعاته، التي كانت في طور البداية أو في طور التخطيط، واخذ التباطؤ يتسلل الى القطاعات الاخرى. فاصيب قطاع الاسكان والانشاءات بالانكماش، وتبعه القطاع الصناعي، الذي بدأ بعد ان تجاوزت الثورة اشهرها الاولى يتراجع، نتيجة الترديات الأمنية من جهة، وبفعل العقوبات الدولية التي جرى فرضها، والتي أثرت على استجرار الآلات والمعدات الصناعية والمواد الاولية، وبعض تلك الظروف ادى الى تراجع القطاع التجاري للاسباب السابقة ونتيجة انخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين، والتركيز على استهلاك الضروريات. ولم يسلم القطاع الزراعي من اثر تدهور الاوضاع الامنية، والتي ترافقت في بعض المناطق مثل أرياف درعا، دمشق وإدلب باستهداف المناطق الزراعية وتدمير محاصيلها واشجارها من جانب القوى الامنية والعسكرية لاسباب انتقامية في بعض الاحيان.

ان الارقام يمكن ان تشكل دلالات مختصرة في بعض جوانب خراب الوضع الاقتصادي السوري، ومن هذه الارقام، انه تم استهلاك اغلب احتياطات النقد الاجنبي الذي كان يبلغ في ربيع 2011 حوالي 18 مليار دولار، وتراجعت الايرادات العامة للدولة في كل القطاعات، وتقلصت التحويلات المالية ومنها تحويلات السوريين العاملين في الخارج، وتوقف تنفيذ اتفاقات التمويل الاجنبية للمشاريع المختلفة، وتم هروب ما قدر بنحو 22 مليار دولار من رؤوس الأموال للخارج، وسجل الاقتصاد السوري مستوى انكماش نسبته 30 و40 بالمئة في العام الماضي، وغادر ما يزيد عن ستين بالمئة من رجال المال والاعمال السوريين للخارج، وتوقفت آلاف المعامل بصورة كلية منها اكثر من الف معمل قيل إنها نقلت الى تركيا.

ان خراب الاقتصاد السوري، كان ثمرة ثلاثة من العوامل الاساسية، العامل الاول فيها والاهم يكمن في طبيعة الحل الامني العسكري الذي اختاره النظام في مواجهة الثورة الشعبية، التي انفجرت احداثها في آذار 2011، حيث بدأ استخدام القوة ضد التظاهرات الشعبية، ثم شملت عمليات القتل والجرح والاعتقال، وسرعان ما تطورت الامور الى حصار المدن والقرى واجتياحها، واغلاق الطرق العامة، ما شل الحركة العامة وعطل عمل كثير من المؤسسات الاقتصادية الانتاجية والخدمية، واوقف الخطط والمشاريع التي كانت في طريق التنفيذ، ثم اضيفت الى ذلك اعمال القصف المدفعي والجوي ثم الصاروخي، التي طالت مدناَ وقرى، تم بفعلها تهجير ملايين السكان ودمار جزئي للبنية التحتية اضافة لما تم تدميره من مؤسسات ومعامل في محيط المدن، وخاصة في ريفي دمشق وحلب، حيث تتمركز آلاف المؤسسات الصناعية والحرفية ومشاريع الانتاج الزراعي والحيواني، لقد دمر الحل الامني ـ العسكري في احد فصوله المجنونة شبكة الاسواق التجارية في حلب القديمة.

والعامل الثاني الذي انتج الخراب الاقتصادي، تمثله سياسات الحكومة السورية، التي بدا ان سياساتها ملحقة بالحل الامني العسكري، وليس الاخير سوى جزء من تلك السياسة. وفي سياق تلك السياسة وضعت كل امكانيات الحكومة تحت تصرف الآلة العسكرية ـ الامنية، سعياً الى توفير كل الامكانيات المالية للاحتياجات العسكرية، بل ان الامر تطور لاحقاَ الى اقرار موازنة سورية، هي «موازنة حرب» يصرف الجزء الرئيسي منها على الجيش والامن والشبيحة ورواتب الموظفين وبعض النفقات الضرورية الأخرى لتسيير ماكينة الدولة حتى تظل حاضرة ومسيطرة، وللدلالة «أن الدولة ما زالت قائمة»، وتم تخصيص القسم الرئيس من الاستهلاك النفطي لمصلحة الآلة العسكرية، وكذلك القسم الاهم من الموارد المالية، وبهذا توقفت او كادت المشاريع والانشطة الخاصة بمؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الانتاجية ومنها محطات انتاج الطاقة الكهربائية نتيجة نقص الوقود وتوقف المواصلات وخراب البنى التحتية التي لا تتوفر موارد لاعادة اصلاحها وتأهيلها.

اما العامل الثالث للخراب الاقتصادي، فكان في نظام العقوبات التي تم اتخاذها ضد سوريا، والتي رغم انها كانت موجهة الى مؤسسات محددة وشخصيات معينة داخل النظام، فإن انعكاساتها على الدولة والمجتمع كانت عامة، ذلك ان في نتائجها، تم التدهور في القدرة السورية على تمويل عمليات الاستيراد بما في ذلك استيراد مواد اساسية تشمل معدات ومواد صناعية أولية ومتممة، كما ادت العقوبات الى منع وصول تحويلات المغتربين السوريين والمقدرة بقرابة مليار دولار سنوياً الى الداخل السوري.

إن الخراب الذي أصاب الاقتصاد السوري مستمر في تدهوره، وسط معالجات لفظية ديماغوجية، وحلول ترقيعية، تثبت كل يوم عدم مقدرة السلطات السورية على معالجته بصورة جدية، لأن المدخل الاساسي في اي علاج للوضع الاقتصادي يكمن في وقف العمليات العسكرية وأخذ البلاد الى حل سياسي، يوقف الدمار ويبدأ في توفير اساسيات الحياة للسوريين، ومعالجة ما جرى تخريبه وتدميره في العامين الماضيين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هَمُّ الحدود... وَهمُّ موسكو!

الياس الديري

2013-02-23

النهار

نادراً ما استطاعت قضية، أو أزمة، أو حرب اهلية، جمع "شمل" اميركا وروسيا في موقف واحد، على رأي واحد، في اتجاه واحد. لذا يبدو لقاء "الضدّين" في نطاق الحرب السورية المدمّرة كأنه استثناء، بل حدثٌ جديرٌ بلفتة خاصة...

فهل التفجيرات الدمشقيّة الأخيرة، والمناوشات الصاروخيّة المفاجئة بين "حزب الله" و"الجيش السوري الحر"، وعبر الحدود والقرى اللبنانية – السورية، هي الدلالات الميدانيّة التي تسبق عادة مواعيد الدخول في صلب الحلول والحوارات والمخارج السلميّة المحتملة؟

الكلام الصادر عن اجتماعات القاهرة في هذا الخصوص، والكلام الآخر المنسوب الى رئيس الحكومة الروسيّة دمتري ميدفيديف، يُبرزان إشارات ومواقف واستعدادات روسيّة جديدة على جانب من الأهمية، وجديرة بالتأمّل، ومحاولة اكتشاف ما خلف أكمتها.

فإلى جانب الموافقة على "ألا يكون الرئيس بشار الأسد طرفاً في أيّة تسوية مرتقبة أو محتملة"، أكّد ميدفيديف في تصريح جديد له "أنّ الهم الأوّل والأساسي بالنسبة إلى روسيا يتمثّل في الدرجة الأولى بإحلال السلام في سوريا، وليس مصير بشّار الأسد".

إلا أنّ هذه التطوّرات التي لا تزال تعبّر عن تمنيات، أو توجّهات في أفضل الحالات، قد تشكّل منطلقاً وأساساً لبدايات لا بد من ولوجها... تمهيداً لبلوغ الأهداف المرجوّة: أيّ، التسوية السلمية التي تضع حداً لأخطر حرب عرفتها سوريا في تاريخها الحديث كما القديم.

إلى ذلك، وفي السياق ذاته إنما من الزاوية اللبنانية، أو مما تشهده الحدود اللبنانية – السورية من تطوّرات ميدانيّة "مصوْرَخَة"، لم يعد السؤال السياسي الأبرز، لبنانياً، محصوراً في نطاق قانون الانتخاب... وما إذا كان الاستحقاق النيابي سيُرجأ أو يُستبدل بالتمديد، بل تقدمه وبأشواط بعيدة، إقليمياً ودولياً، الشق الأمني وخفاياه ونيّات مَن هم خلفه، وأبعاده الداخلية المفتوحة على كل الاحتمالات... واعتبار مسؤولين كبار أن ما يجري على الحدود أمر في منتهى الخطورة، يجب استدراكه عاجلاً وسريعاً.

وخصوصاً بعدما أُدخل "حزب الله" وسلاحه و"جنوده"، ولسبب لا يزال ملتبساً، في صميم الأزمة العسكرية – السياسيّة – الإقليميّة – الكبرى التي تجتاح حربها المدمّرة كل المناطق والمدن والحدود السورية، وبشراسة غير مسبوقة.

لا شكّ في أن هذا التطور، الذي اختلفت الآراء فيه والتفسيرات له، قد أدخل الوضع اللبناني في مأزق جديد لا يزال في بداياته، ولا يزال من السابق لأوانه التورّط في أية تقديرات أو تحليلات، في انتظار نتائج الاتصالات والمساعي التي تُبذل على مختلف الصعد، لبنانياً، وإقليمياً ودولياً.

ومما ضاعف معيار القلق لدى اللبنانيين إعلان الناطق باسم "الجيش السوري الحر" أن "حزب الله أصبح عدواً وجزءاً من المعركة".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية أعمق تأثيراً على لبنان من نكبة فلسطين

جهاد الزين

2013-02-23

النهار

أية حدودٍ سيصلها الزلزالُ السوريُّ في تأثيره على لبنان وهو لا يزال في "بدايته"؟ وأية انعكاساتٍ بنيويّةٍ عليه؟

كل اللبنانيين يعرفون سوريا بصورة أو بأخرى. هنا التعميم لا يحمل أي مبالغة. لكن اندلاع الثورة السورية عام 2011 أخذ يعرّفهم على المزيد من هذه السوريا بمن فيهم أمثالي الكُثر الذين كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها جيدا. نتلمّس هذا التنوع الآن كمن ينتبه إلى خسارة جمّة. وأرجو أن لا تكون كمن يتحسّس "جثة" بلد.

كان النظام العسكري الذي حكم سوريا منذ 1958 يحبس تنوّعَ سوريا. الأدق القول يحبس إمكانيات هذا التنوع عن التعبير السلمي السياسي عن نفسه. جزء مهمٌ من حدة انفجار البركان عام 2011 هو طول مدة الكبت والاحتقان. هذا النظام العسكري ولاسيما منذ العام 1966 حافظ على السلم الأهلي بل السلم الاجتماعي لا بل من مفارقات الاستبداد أنه حافظ على نوع من الازدهار الاجتماعي. إنما مقابل كبتٍ غير طبيعي لشخصية سوريا العميقة.

أيا تكن العوامل الخارجية للوضع السوري فإن المدى العنيف لانفجاره، العمودي والأفقي، هو حصيلة أكيدة لشراسة الكبت السابق الذي دخلت عليه "لعبة الأمم" الخبيثة دافعةً حِمَمَهُ بلا رحمة إلى أقصى ما في هذا المدى من مدى.

نحن – أي لبنان - في القلب. ما يميِّز وضعنا أننا لسنا جغرافياً و سياسيا وديموغرافيا مثل تركيا والأردن والعراق على أطراف سوريا. نحن في قلبها. الأردن كان ولا يزال في قلب نكبة 1948 لكنه رغم أعبائه السورية الكبيرة طرفيٌّ فيها. مثلما كان لبنان، رغم أعبائه الكبيرة المستمرة، طرفيّاً في الشأن الفلسطيني.

لا نزال في بداية التأزم السوري الذي ينبغي لأي عاقل أن يتوقّع امتداده لسنوات طويلة قبل التسوية وبعدها.

دولة ومجتمع من 23 مليون نسمة هما الآن في تأجّجٍ وتماوجٍ وفيضان عنفي بشري هائل يقذف يوميا على محيطه الشمالي والجنوبي والشرقي وعلى الجزيرة الموجودة غربا في قلب بحره، الجزيرة التي هي لبنان، يقذف يومياً موجاتٍ عارمةً من البشر وفلول الطبقات الاجتماعية. إنهم معدمون وفقراء وميسورون وأغنياء ومعهم فاقَتُهُمْ البائسة وخيراتُهم الوفيرة واقتصادهم الشرعي واقتصادهم غيرالشرعي وأفكارهم وخيباتهم ومآسيهم ومشاريعهم وطموحاتهم الجديدة... العاصمة بيروت تستأثر حاليا بجزء مهم من ديناميكية البورجوازية السورية القادمة في حال طوارئ إما مؤقتاً في طريقها إلى بلاد جديدة أو ما سيبقى منها بشكلٍ دائم. كما أخذت بيروت تستقطب بشكل صامت مع ارتفاع تدريجي في صوت هذا الاستقطاب كفاءاتٍ ثقافية وعلمية وفنية بدأت بعضُ الجامعات والمؤسسات باستخدامها وتوظيفها. أما الفقراء فيتوزّعون عشوائيا في جميع المدن والمناطق: المسيحيون في جبل لبنان أساسا وبشكل أقل ضجيجا تستوعبهم الطاقة التنظيمية الضخمة للمؤسسات الدينية المسيحية والمدنية، وفي الشمال والبقاع والجنوب المسلم تُحتضن أعدادٌ من النازحين لا يمكن إحصاؤها بدقة في الظرف الحالي وتستوعبها المؤسسات السياسية والدينية والمدنية، المختلفة، بفوضى هنا، بانهماك ضاغط هناك وهنالك... مع مشاركة لبعض المؤسسات الدولية والعربية.

23 مليوناً في حالة حراك مأسوي فَرَضَتْها المواجهةُ الجارية في سبع مدنٍ سورية ومحيطها الواسع دفعة واحدة. بُعْدٌ عنفيٌّ غير مسبوق حتى في حربنا الأهلية (اللبنانية) العالية القذارة وهو عنف مختلف أيضاً حتى قياسا بعنف الاحتلال الإسرائيلي الاستئصالي في الضفة الغربية.

لا سابق في العصور الحديثة وربما في كل الحقبة العثمانية لما تشهده هذه المناطق الشاسعة من بلاد الشام. لا سابق لهذا "التحاطم" الذي تنبعث من فضائه مناخات الكارثة الدهرية. فحسب ذاكرةِ وعيِنا التاريخي الرسمي ربما تكون بلاد الشام قد شهدت مثل هذه الشمولية في العنف آخر مرة خلال الغزو المملوكي قبل سبعماية عام؟

23 مليوناً: حجم حراكي تراقبه الطائفيّات اللبنانية المهجوسة بالعدد وتعرف أنها لم تتعامل مع حجمه سابقا حتى في عام 1948.

في النتائج السياسية على لبنان -وهي نتائج بادئة- انخراط الحزب السني الحريري انخراطا عميقا في دعم الثورة بما فيه الدعم التسليحي، وشراكة "حزب الله" الشيعي شراكة لا تردّد فيها (ولا خيار فيها) في الصراع من موقع التحالف الاستراتيجي الإيراني إلى جانب النظام، أكثر أشكالها هامشية وأقلها فاعلية هي المشاركة القتالية المباشرة على بعض الأطراف قياسا بأشكال الارتباط الفعالة تحت "الطاولة". انقلاب حقيقي في استراتيجية الكنيسة المارونية بتوجيه فاتيكاني لا مثيل له منذ تأسيس الكيان اللبناني... إعادة تكيّف دقيقة ومتفاوتة حتى اللحظة بين المكوّنات الدرزية الرئيسية الثلاث في المنطقة: جبل لبنان وجبل السويداء (ومعه الجولان) و دروز الجليل الأعلى...

باختصار: ثمة "قواعد ألعاب" طائفية في لبنان آخذة بالتغيّر وتتأملها "الطوائف" اللبنانية كجماعات سياسية....

نحن في البركان وهذه سوريا. هل تسمع جيدا ؟ هذه سوريا ... ويا لَهول ما يتغيّر عندنا...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حوار النظام السوري والمعارضة في روسيا

تلزيم أميركي لموسكو أم امتحان لتأثيرها؟

روزانا بومنصف

2013-02-23

النهار

طالب ائتلاف المعارضة السورية الذي اجتمع في القاهرة ان يكون اتفاق السلام في سوريا برعاية مشتركة اميركية - روسية، في ظل سعي روسيا الى رعاية حوار بين النظام والمعارضة من خلال زيارة مرتقبة لوزير الخارجية وليد المعلم لموسكو الاسبوع المقبل، ثم زيارة رئيس الائتلاف معاذ الخطيب لاحقا. ولعل الائتلاف اتعظ لهذا الموقف من التجربة اللبنانية خلال الحرب، علما ان الكثير مما يجري في سوريا يظهر عدم اتعاظ النظام واركانه من حرب ادارتها سوريا بجدارة لدى الجار الاصغر طيلة ثلاثة عقود، حين لزمت الولايات المتحدة لبنان الى سوريا مكتفية ببيانات تؤكد المحافظة على استقلاله وسيادته في حين كان يرزح تحت الوصاية السورية ويخشى امرا مماثلا. والواقع ان ترك الولايات المتحدة الامر لروسيا من اجل ان تعمل على تغيير حسابات الرئيس بشار الاسد، كما اعلن وزير الخارجية الاميركي الجديد جون كيري الذي يستهل غدا جولة في اوروبا والشرق الاوسط ليستمع خلالها وفق ما اعلن الى افكار قادة اوروبا والمنطقة حول الازمة السورية، يخشى ان يكون شبيها بتلزيم الولايات المتحدة الوضع في لبنان لسوريا سابقا في ضوء الانسحاب الاميركي من اي موقف فاعل او مؤثر في الشأن السوري منذ الانتخابات الرئاسية الاميركية.وقد عمدت سوريا في اثناء الحرب الى قولبة الحل في لبنان وفق مصالحها وبما يضمن سيطرتها الابدية عليه وتحكّمها في مصير ابنائه قبل ان يفجر النظام بنفسه الوضع اللبناني في وجهه من خلال الاصرار على فرض التمديد للرئيس اميل لحود، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما استتبعه تاليا من انعكاسات لبنانية ودولية. وفيما تبرز الخارجية الاميركية زيارة كيري للمنطقة دليلا على ان الولايات المتحدة لم تنسحب من منطقة الشرق الاوسط على ما يسري بقوة في الاوساط السياسية والاعلامية، فان المصادر المعنية تعتقد ان على الولايات المتحدة ان تظهر ذلك عملانيا بدل ان تدافع عن نفسها قولا فيما يعاكسها اداؤها خصوصا مع انحسار اي موقف مهم وجديد حول المنطقة وسوريا تحديدا للرئيس الاميركي في خطابه عن حال الاتحاد قبل اسبوعين.

ويختلف التقويم في تسليم الولايات المتحدة بهذا الدور لروسيا بين مؤيد ومنتقد، وكذلك الامر بالنسبة الى اضطلاع روسيا بهذا الدور. اذ هناك من يقول ان روسيا ليست فريقا مستقلا وهي لا تتصرف كحكم في الصراع الجاري في سوريا، بل هي احد ابرز الاطراف الداعمين للنظام ومن يؤمن ضمان استمراريته في السلطة في ظل متابعة امداده بالاسلحة ورفض اشتراط رحيله قبل التفاوض على المرحلة الانتقالية، وهي تاليا لا توحي الثقة بان رعايتها للحوار ستكون حيادية ومستقلة، شأنها شأن ايران في هذا الاطار. في حين ان هناك من يعتقد ان روسيا ستكون على المحك في اظهار قدرتها على التأثير على النظام وممارسة ضغوط عليه من اجل التنازل على طاولة الحوار. وتقول المصادر ان الدول العربية لا تعترض على ترك المجال امام روسيا لتستأثر بادارة الحوار بين النظام والمعارضة على رغم عدم وجود اوهام بان الامر يمكن ان يؤدي الى اي نتيجة.بل سيظهر ذلك، اذا كان لروسيا فاعلية في التأثير على النظام ام لا، وخصوصا في ظل التراجع الاميركي الواضح عن المطالبة برحيل بشار الاسد والضغط على المعارضة للتخلي عن رحيله كمطلب مسبق لبدء التفاوض. وكانت زيارة الوفد من الجامعة العربية لروسيا في الايام القليلة الماضية للمشاركة في المنتدى الروسي العربي حول سوريا اكدت استمرار الخلافات بين الجامعة العربية وموسكو في شأن الوضع في سوريا، على نحو انعكس في الآراء داخل المعارضة السورية نفسها المتحفظة ككل عن مبادرة رئيس الائتلاف للحوار مع النظام او من يمثله، على نحو يترجم كما تقول المصادر المعنية تأثر المعارضة بالاتجاهات السائدة بين قيادات الدول العربية الداعمة لها على هذا الصعيد. كما ان مصر عادت تتحدث عن تعويم مبادرة رئيسها ومحاولة دمجها مع اقتراحات رئيس الائتلاف، في موازاة تولي موسكو مسؤولية الدعوة الى ادارة حوار بين النظام والمعارضة. وتقول المصادر المعنية ان التدخل الايراني المباشر او عبر "حزب الله"، الى جانب النظام على النحو الذي كشف علنا في الاسبوعين الاخيرين، يخشى منه، ليس فقط استدراجا او توريطا قسريا للبنان وتاليا احتمال امتداد القتال الى خارج سوريا بما قد يغير قواعد اللعبة المحصورة حتى الان في سوريا ويمكن ان يهز الاستقرار في المنطقة، بل قد يشعل وضعا اسوأ من ذلك الذي ساد العراق بين السنة والشيعة، ولعل السيارات المتفجرة في دمشق من ابرز المشاهد التي تعيد العراق الى الواجهة في هذا الاطار. كما ان الدول العربية لن تترك لايران ان ترسي الواقع الذي تريده من خلال اطالة عمر الرئيس السوري في السلطة. وتقول المصادر ان الولايات المتحدة تتذرع بزيادة نسبة الجهاديين في سوريا، علما ان ترك الامور على حالها ساهم في جعل سوريا ساحة المواجهة البديلة لكثير من الافرقاء، وتحت عناوين مختلفة، كما تذرعت بالمحافظة على المؤسسات السورية وعدم تفككها من اجل تبرير عدم التدخل، في حين ان ما حصل حتى الان يهدد بتفكك هيكلية الدولة ككل. ومعلوم ان عدم استدراك الامور مع التدخل الايراني وتدخل "حزب الله" قد يشعل حربا شيعية سنية تلهب المنطقة وترميها في المجهول.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من أجل شرق أوسط أفضل يجب إسقاط الأسد

جمال خاشقجي *

السبت ٢٣ فبراير ٢٠١٣

الحياة

«أنتم العرب مثل ذلك الذي يهدد ويتوعد، ولكنه يرحب بمن يمسك به ويهدئه ويمنعه من ضرب خصمه»، سمعت ذلك من سفير أميركي متقاعد خدم في المنطقة أعواماً طويلة، على مائدة عشاء في القاهرة الأسبوع الماضي، بعدما سمع مني ومن غيري عتاباً على السياسة الأميركية التي تبدو غير متحمسة لفعل شيء في سورية لوقف نزيف الدم هناك، بل إنها تمنع حلفاءها في المنطقة من تقديم سلاح ومساعدات نوعية للثوار.

كان ذلك قبل يومين من نشر خبر في الصحافة الأميركية الثلثاء الماضي أن الرئيس أوباما، وبعد أشهر من التردد «يفكر في تسليح الثوار السوريين المعتدلين». إنه خبر جيد للثورة السورية، بغض النظر عمّن هو «الثائر المعتدل»، فثمة عناوين كثيرة في سورية تدخل في هذه الخانة، بل إنهم معظم افراد «الجيش الحر» الذي يمتلك الأميركيون والأتراك والعرب قوائم «تقريبية» تقدر حجمهم وأماكن وجودهم، أما الإسلاميون الذين يخشى أوباما وصول أسلحته وخرائطه إليهم فثمة من هو مهتم بهم ويموِّلهم. المهم الآن أن تنتهي هذه المأساة السورية.

إعلان الرئيس الأميركي الأخير قد يفتح الباب أمام العرب والأتراك الذين يهددون ويتوعدون فتنهال مساعداتهم وأسلحتهم النوعية، خصوصاً الصواريخ الحرارية، على «الجيش الحر» لتحييد طيران النظام الذي يقصف به شعبه. ستكون معركة قاسية، وسيقاوم النظام بشراسة وقبح، ولكنه يفعل ذلك الآن، كما يجب عدم المراهنة على نجاح مبادرة رئيس الائتلاف الوطني السوري الشيخ معاذ الخطيب بالتفاوض مع النظام وإقناع بشار بالتنازل وتشكيل حكومة انتقالية. معاذ الخطيب يعلم أن النظام لا يحتمل غير انتصار كامل أو هزيمة تفنيه، ولكنه كمن يريد أن يقول للعالم: «لقد طرقنا كل باب، ولم يبقَ غير تدخل حاسم من المجتمع الدولي».

الذي يخشى منه الخبراء أن «التدخل المحدود سيجرّ تدخلاً أكبر» وهو ما يعني أن لا أحد يعرف ما الذي سيعقب تسليح الثوار بأسلحة نوعية، ثم خرائط ومعلومات استخباراتية، فوحدات «عمليات خاصة» حتى تصل إلى قصف أهداف عسكرية مثل قواعد الصواريخ البالستية التي لم يتردد النظام في استخدامها ضد شعبه. سيجري كل ذلك من دون موافقة الروس، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى أزمة عالمية، ولكن ثمن «اللافعل» هو ما نراه الآن في سورية، القوى الإسلامية «المتطرفة» التي لا يريدها أحد تتمدد، وتعيد تشكيل المجتمع السوري المتسامح بعدما أثبتت نفسها على الأرض عسكرياً وأمنياً، فبات المواطن السوري يرحب بها، لأنها توفر له خبزاً وأمناً افتقدهما بعد حرب مضى عليها عامان، مع ارتفاع في فرص تفتيت سورية بين القوى المقاتلة، كل بقدر قوته ومهارته، بين منطقة كردية ودولة علوية وإمارة إسلامية، وحلب ودمشق، وحمص منقسمة بين علوية وسنّية. بالطبع لن تنجح هذه الكيانات، ولكن مهمة إعادة توحيد سورية حينها ستقع على عاتق دول المنطقة والمجتمع الدولي. من يريد مهمة صعبة كهذه؟

أضف إلى ذلك مزيداً من الدمار يضاف إلى دمار حقيقي وقع على معظم البلاد. إن جمع المساعدات صعب هذه الأيام في ظل الظرف الاقتصادي العالمي الضعيف، فالأمم المتحدة التي دعت في قمة الكويت قبل أسابيع إلى جمع 1.2 بليون دولار لمساعدة اللاجئين السوريين في الداخل والخارج، لم تتسلّم فعلياً إلا 20 في المئة من المبلغ المستهدف، فمن الذي سيدفع بضعة بلايين أخرى لإعادة إعمار سورية؟

حتى لو انتصر بشار في قمع ثورة شعبه، لن تستطيع دول وزعماء المنطقة أن يعيدوا تأهيله وقبوله بينهم من جديد، كما لن يحتملوا كلفة بقائه معلقاً هكذا من دون نصر أو هزيمة. إذنْ حان الوقت أن ينظروا في عوائد سقوط بشار ومجيء نظام ديموقراطي شعبي صديق، فكل دول المنطقة ستستفيد من ذلك باستثناء إيران، وإن كان في خسارتها لسورية خير لها على المدى البعيد، إذ ستقتنع أخيراً بالتخلي عن حلمها غير الواقعي بتغيير مسيرة التاريخ الإسلامي بعد 1400 عام وتعود دولة إقليمية تدرك حجمها وواقعها فتلتفت إلى مصالح شعبها.

سيرتاح الأردن من مؤامرات جاره الشمالي والتكاليف الأمنية والاستخباراتية المترتبة على ذلك، ويستبدله بجار يتكامل معه اقتصادياً وزراعياً، مشكلين معاً ومع لبنان إقليم الشام الاقتصادي الكبير من دون تعديل في حدود أو أنظمة. السعودية سترتاح هي الأخرى من الضغوط الأمنية المزعجة التي كان يشكلها النظام البعثي تارة على لبنان وتارة بعلاقته المشبوهة مع إيران، بينما لا تستطيع أن تعزله أو تنعزل عنه، فهو امتداد طبيعي لمحيطها الاستراتيجي والاقتصادي ومعبرها الى تركيا وأوروبا، بالتأكيد ستكون سورية الحرة الديموقراطية ذات اقتصاد السوق خبراً جيداً للمملكة.

باستثناء «حزب الله»، فإن أي نظام آخر في سورية هو خبر جيد في لبنان ورجال الأعمال فيه، ستتشكل سوق كبيرة للتجارة والخدمات ممتدة على كل سورية والأردن وبعض العراق. القياس نفسه يسري على تركيا الباحثة دوماً عن أسواق جديدة، وليس أفضل من جار جنوبي يتطلع أهله إلى حياة أفضل بعد حرمان وعزلة امتدت نصف قرن.

ايران من جهتها تتدخل بشكل صريح لدعم النظام في دمشق، وما مقتل جنرال إيراني هناك الأسبوع الماضي إلا إشارة إلى وجود تدخل كبير يجري. هذا في الوقت الذي يتردد العرب والأتراك، بينما الفرص في سورية والعوائد التي يمكن أن ينالوها من وراء إسقاط النظام تفوق المخاطرة، ولو تقدموا وصعدوا من دعمهم للسوريين، لتشجع أوباما أن يحزم أمره ويحسم المعركة لمصلحة الثورة والشعب حتى من دون مجلس الأمن، وما أكثر «العمليات الخاصة» التي جرت خلف مجلس الأمن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. عدسة الجوّال في مواجهة ماكينة النظام

ثائر الزعزوع()

المستقبل

27-2-2013

لعل أكثر ما ميز الثورة السورية عن سواها من ثورات الربيع العربي الأخرى، هو الكمّ الهائلُ من مقاطع الفيديو التي انتشرت ومنذ الأيام الأولى للثورة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تلقفتها القنوات الفضائية العربية والعالمية على حد سواء لتحولها إلى مادة دسمة وسبق صحفي، من دون التثبت من صدقيتها في الكثير من الأحيان، وتحول الكثير من حاملي أجهزة الموبايل إلى ناشطين إعلاميين، نقلوا تفاصيل ما يحدث في سوريا، في ظل التضييق الخانق الذي تفرضه أدوات النظام المختلفة على وسائل الإعلام كافة، فلم يسمح لأي من قنوات االتلفزة التي كانت تمتلك مكاتب في سوريا، بأن تحرك مراسليها وكاميراتها لملاحقة الأحداث، على غرار ما حدث في مصر وتونس واليمن، بل وحتى في ليبيا، التي تسلّل إليها بعض المراسلين وقدموا تقارير حية من أرض المعركة.

وتمكنت وسائل الإعلام المختلفة من رسم صورة لما يحدث في سوريا متنقلة من مقطع فيديو إلى مقطع آخر، هنا مظاهرات هنا إطلاق نار، وهناك شهداء، بينما دأب النظام على نفي كل ما تبثه تلك القنوات مستفيداً من عدم وجود سواه على الأرض، حتى أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم استعان بما يصفه الناشطون بـ"الفبركات" ليثبت صحة نظرية "المؤامرة" التي تستهدف النيل من سوريا، وقد فشل وقتها فشلاً ذريعاً، وتحوّل الرجل الهادئ إلى أضحوكة، بعد أن عرض المقاطع في مؤتمر صحفي وتبين أنها وقعت في زمان ومكان مختلفين عما كان يتحدث عنه، وكان تبريره أشدّ إثارة للسخرية حين قال إن المقاطع صحيحة ولكن الإخراج كان سيئاً!

وفيما بدا أنه سباق مع الزمن بين ما يطلق عليه، من وجهة نظر النظام طبعاً، "الإعلام المشارك في المؤامرة" من جهة و"الإعلام الوطني الممانع" ازدحمت الشاشات بمقاطع الفيديو، بين إثبات ونفي، وجهد كلا الطرفين، إن صح التعبير، على عرض أكبر عدد من الأفلام التي تثبت صحة ما يقوله، ففيما كان الإعلام الأول يستند بشكل شبه كلي على ما يصله عبر شبكة الانترنت، اعتماداً على الناشطين، كان الإعلام الثاني ينشر مراسليه في مختلف الأصقاع ليصور شوارع خاوية إلا من حركة المارة الاعتيادية، وخروج المصلين من المساجد، بل وذهبت الإخبارية السورية مذهباً لم يذهب إليه أحد سواها في محاولة منها لنفي خبر خروج مظاهرة في حي الميدان الدمشقي، لتقول إن المصلين خرجوا من المسجد، وإن المطر قد انهمر من السماء، وإن المصلين هتفوا ورفعوا أيديهم ابتهاجاً وفرحاً بنعمة السماء.

ويمكن القول إن إعلام النظام سقط سقوطاً مروعاً، على خلاف قواته الأمنية التي استطاعت أن تنفذ مخطط "الحرب" كما يجب، فضربت بقوة من دون أن تكترث بالصور التي كانت تبث عبر الفضائيات، وحمّلت الإعلام الحكومي مسؤولية نفي ما تفعله، ما دفعه للبحث عن وسائل أكثر قدرة على إقناع العالم بأن ما يراه على "الشاشات المغرضة" ليس سوى أوهام وأكاذيب لا أساس لها من الصحة، فاستعان بشهود مزيفين، وأجبر المعتقلين على سرد روايات تؤكد تورطهم في المؤامرة وتلقيهم أموالاً ودعماً من دول بعينها كي يفعلوا ما فعلوه.

والغريب أنه إعلام النظام- اكتفى بإظهار بعض المجرمين والقتلة المحترفين، بل والأميين ليعترفوا بما فعلت أيديهم فيما الثورة كانت فعلاً تقنياً بامتياز، وكانت الدعوة إليها تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أي عبر الانترنت، فظهر شهود النظام المزيفون طبعاً، ليتحدثوا عن فلان وفلان، ولم يذكر واحداً منهم على الإطلاق، أنه قرأ خبراً، أو أرسل رسالة عبر البريد الالكتروني.

حتى أن إعلام النظام اضطر في بعض الأحيان إلى إخراج الموتى من قبورهم، كما حدث مع "زينب الحصني" الفتاة الحمصية التي قتلتها قوات الأمن، وتمّ عرض صور تشييعها ودفنها على جميع الفضائيات العربية والعالمية، ما دفع المنظمات الدولية لمطالبة النظام بالكشف عن هوية قاتليها، فما كان منه إلا أن أحضر فتاة تشبهها لتسرد قصتها، وتقول إنها لم تمت وإن كل ما قيل هو تزييف، بل لتسرد حكاية غريبة أقرب إلى قصص المسلسلات عن تعرّضها للاضطهاد من أخوتها الذكور، وفرارها من البيت وصولاً إلى إذاعة خبر مقتلها، لكن إعلام النظام لم يستطع أن يقول من هي الفتاة التي تم دفنها، ولا أن يذهب إلى القبر ويخرج الجثة ليكشف الحقيقة حقاً، ولم يظهر أخوة الفتاة ولا أمها ليؤكدوا أنها ابنتهم التي قتلت فعلاً.

وقد لا يكون هذا مستغرباً على الإطلاق، إذ إن إعلام النظام فوجئ بـ"الحرب الإعلامية" عليه، فكان مطلوباً منه أن ينتقل من إعلام "استقبل سيادته وودع" إلى إعلام قادر على مواجهة فضائيات محترفة، لا تكترث كثيراً لأمر "سيادته" بل كلُّ ما يهمها هو تحقيق أكبر نسبة من المشاهدين، عبر سرعتها وانفرادها بنقل الأخبار.

ولعلّ المستغرب بعد سنتين على اندلاع الثورة، وحتى بعد أن أصبح لكافة الفضائيات، تقريباً، مراسلون معتمدون في الداخل السوري، وفقد النظام سيطرته على ثلثي أراضي سوريا، أن تظل "ظاهرة" مقاطع الفيديو التي يبثها الناشطون تجد سوقاً رائجة لدى تلك الفضائيات، طبعاً، وبالمقابل، فإن آلة النظام الإعلامية، ما زالت تواصل سعيها الحثيث في نفي تلك المقاطع، وتكذيبها والوقوع كل مرة في أخطاء كارثية، وفي إظهار شهادات مفبركة وغبية، ولعل آخرها كان مقطع الفيديو الذي تم عرضه لفتاة قال الإعلام الرسمي، في وقت سابق، إنها تعرضت لمحاولة الاغتصاب على أيدي من قالت إنهم عصابات مسلحة، ليتبين فيما بعد أن الفتاة تم تلقينها في أروقة التلفزيون الرسمي الحكومي.

() كاتب سوري مقيم في مصر

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية على أبواب إتمام عامين

علي الرشيد

27-2-2013

الشرق

مع اقتراب إتمام عامين على انطلاقة الثورة السورية ضد استبداد النظام الأسدي، ربما شعر السائرون على هذا الدرب وأنصارهم والحادبون عليهم في لحظة أو أكثر بشيء من الضيق، يصل أحيانا إلى درجة القنوط بسبب عدم بلوغ الثورة لهدفها الرئيس المتمثل بكنس النظام الحالي، وحصول الشعب السوري على حقه في اختيار من يمثله ويحكمه، وعودة الأمن والأمان إلى ربوع البلاد، واستعادة مكانتها اللائقة ودورها المأمول، وعدم وجود ما يلوح في الأفق لانتهاء هذا الوضع المأزوم، وبخاصة مع تجاوز النظام لكل الخطوط الحمراء في الإثخان بشعبه، وافتضاح حجم المؤامرات على هذا الشعب، حتى من الذين يدّعون الوقوف إلى جانبه.

ولكيلا نفتقد البوصلة في خضمّ هذه المرحلة المهمة والحساسة من حياة الشعب السوري، ويفلح من ثَمَّ أعداء هذه الثورة من أعوان النظام وداعميه إقليميا ودوليا، وغيرهم ممن يظهرون الشفقة على الشعب السوري الثائر في كسب الزمن لصالحهم، والوصول بنا إلى حلول ترقيعية هزيلة تعيد إنتاج النظام بصورة من الصور من جديد، وتذهب برأسه وتترك منظومته الفاسدة، على أساس أنه لا يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية، طالما أن أحداً من الطرفين لم يستطع أن يحقق نصرا بيّنا على الطرف الآخر، أو بدعوى وقف شلال الدماء المتدفق وذلك بالجلوس إلى مائدة حوار وتفاوض مفصلة وفق مقاساتهم، بعد أن تمّ لهم ما أرادوا من تدمير البنى التحتية للبلاد.. من أجل كل ما سبق لا بد من توضيح الحقائق التالية أو إعادة التذكير بها:

ـ الشعب السوري يواجه نظاما قد يكون مختلفا عن الأنظمة العربية الأخرى التي مرّ بها ربيع الثورات العربي، فهو امتداد من الإجرام والفساد من الأب إلى الابن، وربما كان سيصل به للحفيد، في إرساء لظاهرة توريث الأنظمة الجمهورية، وهو بالوقت نفسه يستخدم الطائفة أداة في صراعه، عملَ قبل الثورة على الزجّ بأبنائها للإمساك بمفاصل الجيش والأمن، وبعد الثورة أقنعها زورا وبهتانا بأنها مستهدفة من قبلها، وأن مصيرها مرتبط بمصير نظامه، وأتخذ من أفرادها وقودا لحربه (تشير الأرقام أنه قتل من أفراد الطائفة قرابة عشرين ألف شخص)، وهو بالوقت نفسه اتخذ الحزب (البعث) مطية لأهدافه باسم الثورية. وفي حين كان يدّعي الوطنية ويتدثر بعباءة المقاومة والممانعة، قام بعقد سلسلة من التحالفات والاتفاقيات الإقليمية والدولية المريبة التي لم يضاهيه فيها أحد في المنطقة، تم بموجبها المحافظة على أمن إسرائيل، وعدم السماح باختراق أراضيه المحتلة من قبل الجولان، والتماهي مع المشروع الصفوي الإيراني منذ ثلاثين عاما، والذي تكشّف وجهه الحقيقي مؤخرا.. من طهران للضاحية الجنوبية، إلى اليمن وبعض دول الخليج، بكل ما يمثله من تهديد وجودي للأمة.

ـ من الخطأ وضع تقدير افتراضي لأمد انتصار الثورات وحجم الضحايا اللازم لهذه الغاية، سواء أكان ذلك ضد الاستعمار أو الاستبداد أو العنصرية، لأن ذلك متروك للموقع الجغرافي للثورة، وللظروف المحيطة بكل منها، وحجم دموية مَن تواجهه والتآمر المنصبّ عليها. ولعل الخطأ الذي حصل هو مقارنة الأمد الذي استغرقته الثورات التونسية والمصرية والليبية ـ من شهر لعدة أشهر ـ بتأخر انتصار الثورة السورية، مع أن الاختلاف واضح فيما بينها، ونذكر هنا بعض الفروق على سبيل المثال لا الحصر، كعدم وجود قوى داعمة لتلك الأنظمة بشكل واضح وقوي، كما يدعم النظامان الروسي والإيراني نظام دمشق، بكافة أنواع الدعم بما في ذلك الجنود والخبراء والأسلحة، وعدم دموية تلك الأنظمة كما هي دموية النظام السوري، باستثناء نظام القذافي المشابه له، الذي جوبه بتدخل من حلف شمال الأطلسي وامتناع الجهات الدولية التي تدعي عداءها للأسد عن مد الجيش الحر ببعض الأسلحة النوعية، فضلا عن التدخل العسكري ضد نظام الأسد، كما فعل في ليبيا، تحت مبررات واهية كوجود تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية، والخشية من وصول الأسلحة إليها، وحماية الأقليات وغيرها، بينما الحقيقة غير ذلك.

وللتأكيد فقد بعض الثورات كالفرنسية عشر سنوات، والجزائرية حوالي ثماني سنوات وسميت الأخيرة بثورة المليون شهيد.

ـ ربما يرتبط الأمر بنظرة الغرب والمجتمع الدولي والكيان الصهيوني لهذه الثورات التي جاءت مفاجئة لهم، ورغبتهم في فرملة الحراك الشعبي الثوري العربي، أو عدم ترك المجال له لتصل عدواه إلى دول أخرى لأسباب كثيرة، لعل من أهمها أن من ستفرزه الانتخابات بعد انتصار الثورات إما أنهم من تيارات وطنية أو إسلامية، يصعب قيادها أو التفاهم معها كما كان الأمر مع الأنظمة الديكتاتورية، أو أنه لايمكن لها ضمان مصالحها وأمنها بالصورة المُختلَّة لصالحها كما هو الحال في ظل هذه الأنظمة الفاسدة، ولا يخفي كثير من المراقبين أن عدم الاستقرار في مصر ما بعد الثورة، وأن ما يحصل من إطلاق يد النظام السوري في قتل شعبه دون خطوط حمراء، وصمت العالم الغربي المريب عن ذلك، ونقضه للوعود التي أطلقها بمساعدة الشعب السوري، على ارتباط وثيق بهذه المعادلة.

لقد اتضح أن الغرب يريد الديمقراطية لمجتمعاته فقط، وليس لمجتمعاتنا العربية النامية، لأنه ربما يعتقد أو يتيقن بأن مصالحه ستكون أكثر ضمانا في ظل الديكتاتوريات التي تقبل بالتبعية وتقديم التنازلات له، لتبقى على كرسي الحكم.

إذا تفهّم الشعب السوري وثواره وكل مناصري تيار الثورات العربية ما سبق، وكانوا على ثقة بصوابية دوافعهم في التحرك، وبنصر الله للمظلومين على الظالمين باعتبارها سنة من سننه، فإنهم سيكونون أكثر اطمئنانا بصحة مسارهم، وبالنصر الذي ينتظر حراكهم طال الزمن أم قصر، غير آبهين بالمرجفين والمثبطين، والأجر والمثوبة على قدر المشقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حكايات أسدية!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

27-2-2013

جلس الرجل الطاعن في السن إلى الأسد الأب في قصره الرئاسي، بعد أن كان قد غاب عن دمشق طيلة قرابة عقدين. كان صلاح الدين البيطار واحدا من رجلين أسسا حزب البعث عام 1947، وكان الذي يجلس قبالته رئيس دولة تحكم باسم البعث، فتصور المؤسس أنه يستطيع الحديث بأريحية حول ما كان يجري في وضع سوريا عام 1980 من قتال بين السلطة وإسلاميين تابعين لتنظيم صغير يضم ثلاثمائة شخص ونيفا اسمه «الطليعة المقاتلة»، أسسه حموي درس، في مصر اسمه «مروان حديد»، مات في السجن، فرد أنصاره على مقتله بثورة مسلحة تركزت أساسا في مدينة «حماه»، أثارت عاصفة سياسية داخل سوريا وحتى في حزب البعث، قبل أن تتحول من حراك متفرق مطالب بالحرية إلى اقتتال طائفي الهوية والنزعة، بث قدرا متزايدا من الخوف في نفوس المواطنين، الذين اكتشفوا ما ينطوي عليه الوضع السوري من مشكلات وأمراض مرعبة، لطالما أخفتها السلطة بالقمع والكذب أو أنكرت وجودها، فكان لانفجارها وللسرعة التي طفت فيها على سطح الأحداث، ولردود السلطة الأمنية العنيفة جدا عليها، أثر أرهب الناس موالين ومعارضين.

قال الشيخ لتلميذه البعثي: إن سوريا مريضة. فرد التلميذ منكرا أن يكون هناك أي شيء فيها غير مؤامرة إمبريالية - صهيونية يلزمه واجبه الوطني بقمعها بالشدة المطلوبة. لاحظ الشيخ أن هناك مظاهر مسلحة منتشرة في كل ركن من دمشق، فرد التلميذ منكرا ذلك. حين ألح الشيخ، لفت الأسد نظره إلى أن هؤلاء رجال شرطة، وعندما تساءل الشيخ عن هوية هذه الشرطة التي ترتدي ثيابا مدنية وتقف في محارس أمام مبان بعينها، وتنشر في الشوارع أو تركب سيارات بلا أرقام وسلاحها موجه إلى المارة، أجابه بلغة جازمة: ما رأيته لا وجود له. أنت تتوهم. شك الشيخ في سلامة الوضع، فطمأنه الحاكم باسم حزبه إلى أن كل شيء على ما يرام وتحت السيطرة، وأن الشعب يرفل في النعيم، وأن في سوريا فائض حريات لا يتوفر لأي دولة أخرى بما في ذلك فرنسا، وأن المواطنين لا يهمهم شيء غير شراء البيوت والسيارات، والسياحة في العالم، والانتشار كل مساء في المطاعم والملاهي لإنفاق فوائض دخولهم، وختم: النظام بخير لأن شعبه بخير.

غادر الشيخ دمشق إلى باريس، حيث يعيش مهاجرا، من دون أن يصل إلى نتيجة مع رفيق حاكم كان يظن أن له «مونة» عليه. ما إن كتب المؤسس مقالتين حول معايشاته في سوريا، وروى جزءا مما وقع له مع الأسد، حتى اغتالته يد مجهولة وهو يهم بدخول مكتب الجريدة التي كان قد شرع يصدرها قبل فترة. لقد كانت حياته الثمن الذي دفعه مؤسس الحزب لرجل سري وغامض ما من رجال تلميذه ورفيقه، الذي أصدر نظامه حكما بإعدام المؤسس الآخر، ميشيل عفلق، بعد أن نجا بجلده وهرب إلى بغداد.

على ذمة الراوي: جلس الأخضر الإبراهيمي إلى الأسد الابن في القصر الجمهوري، ليستطلع رأيه في الأزمة السورية وسبل حلها. قال الأسد لضيفه: إن الوضع تحت السيطرة عسكريا وجيد وطبيعي سياسيا. وأبدى تصميمه على تقديم حل للأزمة يغنيه عما يقترحه ضيفه بتكليف من مجلس الأمن. بينما كان الأسد يتحدث، بدأ إطلاق نار قريب وكثيف، بدت علامات الدهشة على وجه الإبراهيمي، فأخبره الأسد بكل هدوء: هؤلاء حراس القصر وهم يتدربون على إطلاق النار. لم يطرح الضيف أسئلة كي لا يقال له: «ما تسمعه لا وجود له، أنت تتوهم». لم يتحدث الأسد عن المطاعم المليئة بالمواطنين وفائض الدخول الذي لا يعلم هؤلاء أين ينفقونه، مثلما فعل الأب، لكنه تحدث بثقة عن أن كل شيء على ما يرام، وأن سوريا لا تواجه مشكلة أو أزمة، وأكد أنها تقاوم بنجاح المؤامرة الخارجية. كان الإبراهيمي يعرف تماما ما تعيشه سوريا، فقد وصل دمشق بالسيارة قادما من بيروت، ليس لأن مطارها الدولي مغلق بسبب أعمال الصيانة، كما قال النظام، بل لأنه تعرض لتدمير أصابه خلال هجمات تستمر منذ قرابة شهرين، أنكر النظام وقوعها.

رأى البيطار الشرطة بأم عينيه، فكذبه الأسد الأب. وسمع الإبراهيمي إطلاق النار بأذنيه، فأخبره الأسد الابن أنه لا يسمع شيئا، لأن هذا مجرد تدريب رسمي على إطلاق النار. بما أن الضيف مهذب ويعرف ما كان يجري، فقد أحجم عن طرح سؤال على مضيفه تقول كلماته: منذ متى يتدرب الجند على إطلاق النار في القصور الرئاسية؟ ولماذا يتدربون في القصر ما داموا يطلقون النار ليلا ونهارا على المواطنين والمقاومين، ويخوضون في كل مكان من العاصمة معارك ضارية لا تكاد تتوقف، بشهادة إعلام السلطة ورجالها؟

انتهت مأساة «حماه» عام 1982 بمجزرة مروعة طالت ما بين 25 و46 ألفا من سكانها، وأدت إلى تدمير معظم أحيائها، وخاصة الشعبية والتاريخية منها. بعد «الضربة» التي كان هدفها القضاء على المعارضة لمائتي عام، كما قال الأسد الأب في القيادة القُطرية، نقل التلفاز الرسمي مشاهد عن مظاهرات ضخمة تجوب شوارع المدينة قال إن شعبها قام بها ليشكر «السيد الرئيس» على إعادة الأمن والهدوء إليها. من الذي تظاهر إذا كانت ضربة «السيد الرئيس» لم تبق في المدينة من يمكنه تعكير صفوها، بعد أن قتل خمس سكانها، وأرغم شيبها وشبانها على الفرار منها، لا هدف لهم غير إعادة لملمة أسرهم الممزقة، التي صارت تنكر انتماءها إلى المدينة الشهيدة، لأن الانتماء إليها كان كافيا بحد ذاته لإطلاق النار عليهم؟

هذه عينة من مواقف الأب وابنه برسم وزير خارجية روسيا، الذي يشاركهما على ما يبدو أسلوبهما في معالجة المشكلات، الذي يركز على قتل المطالبين بالإصلاح بدل إنجازه والتصدي للأزمات، ولم يفهم بعد أن الأسد الابن هو أزمة سوريا التي لن تحل من دون تنحيه، وأن المستحيل هو بقاؤه في السلطة وليس خروجه منها!

-*-*-*-*-*-*-*-*
فضيحة دولية مدوية في سوريا

د. أحمد موفق زيدان

في العراق أيام حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين تدخل العالم كله لتدمير سلاح الدمار الشامل وعلى رأسها صواريخ سكود وصواريخ مداها أقل من مدى صواريخ سكود ذاتها بحجة إمكانية استخدامها من قبل صدام ضد الإيرانيين.. اليوم يراقب المجتمع الدولي كله دون أي تدخل أو إدانة أو أي احتجاج وبشار الأسد يقصف مدناً كاملة بصواريخ سكود المدمرة وهو ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى وتدمير مئات البيوت...

جرت العادة في الحروب أن يتم تحييد المدن عن القصف الجوي والصاروخي.. وخلال الحروب العربية - الصهيونية لم يتم استهداف المدنيين في المدن الرئيسة وهو ما حصل في الحروب الباكستانية - الهندية وغيرها من حروب لكن أن يقوم رئيس بقصف من يصفه بشعبه، وهو ليس بشعبه واقعاً وحقيقة بصواريخ سكود معدة لتدمير مدن ومناطق فهذا لم يحصل في التاريخ حسب علمنا المتواضع..

الفضيحة الدولية تتمثل أيضاً في أن تقريراً دولياً حقوقياً صدر أخيراً يساوي بين القاتل المجرم الذي يستخدم صواريخ سكود البالستية في قتل شعبه وتدمير بيوته ويستخدم كل ما يملكه من براميل متفجرة وقنابل فراغية ودبابات ومدفعية وراجمات صواريخ وبين مشروع قتيل سوري كله معرض للقتل والتدمير يدافع عن نفسه ببندقيته وسلاحه البسيط على مدى أكثر من 23 شهراً بينما العالم كله يرقب الفيلم السوري وكأنه فيلم هوليودي..

الأسبوع الماضي كنت في بلدة حمورية بريف دمشق حيث حول الطيار المجرم ساحة المدينة إلى ساحة موت حقيقية حين ألقى بعض القنابل المدمرة على سوق المدينة.. فجأة تفحم وقتل أكثر من أربعين شخصاً.. كثير منهم لم تعرف جثته.. التقيت أحد الأشخاص الذي قال لي إن قريباً له ربما قتل في هذا الهجوم وفتحوا بيت عزاء وهم ليسوا متأكدين تماماً من موته هنا، سوى أنه كان في الساحة لحظة وقوع الهجوم.. الجثث متفحمة، بعضها تحول إلى رماد تماماً.. ومع هذا ما تسمى بمنظمات حقوق الإنسان تدين القاتل الذي أمعن بالقتل لـ 23 شهراً، بنفس درجة المقتول الذي انتظر أكثر من ستة أشهر لينصفه أحد فأبقى على ثورته سلمية.. لكن حين امتشق سلاحه الفردي للدفاع عن نفسه اتهم بنفس درجة تهمة النظام المجرم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومع هذا يخرج علينا المبعوث المشترك الأخضر الإبراهيمي ليصف انفجار المزرعة بجريمة حرب ويصمت صمت القبور على جرائم قصفه بصواريخ سكود ومجزرة حمورية..

لكن الأشد غرابة في التقرير الحقوقي الأممي الأخير هو اتهام المعارضة باستخدام المناطق المأهولة بالسكان لقتال النظام، وكأن المعارضة لديها صواريخ وطيران ودبابات ومدفعية تستطيع قتال العصابة الفارضة نفسها على الشعب، فإن كان ما يسمى بالمجتمع الدولي عاجزاً على تسليح المعارضة للدفاع عن نفسها وعن شعبها بأسلحة متطورة فكيف عليه أن يتهمها باستخدام أسلحة خفيفة مداها لا تتعدى العشرات من الأمتار..

من المضحك حين تسمع بعض الدوائر الغربية تتخوف من وقوع السلاح النوعي في حال دعمها للثوار بأيدي من تصفهم بالمتشددين ومن تفشي ظاهرة السلاح في سوريا.. وتتناسى أن الطريق الأقصر لمنع تفشي ظاهرة السلاح هو بتزويد الثوار بالسلاح النوعي لحسم المعركة بأقصى سرعة ممكنة وهو الوحيد الكفيل بمنع انتشار السلاح.. وإطالة المعركة هو الوقود الحقيقي لتفشي ظاهرة السلاح في سوريا..

في أفغانستان يتحرك العالم كله بحجة تعليم المرأة وتحريرها.. أما في سوريا فيصمت العالم صمت القبور عن ذبح المرأة السورية وقتلها وحرقها كما حصل بالأمس في حلب وحمورية وغيرها من المدن السورية، إنه النفاق الدولي والكذب والفضيحة الدولية المدوية وانهيار المنظومة الأخلاقية التي يتلفع بها مجتمع دولي لا هم له إلا الكذب والصمت على مذابح السوريين اليومية، وهو ما رد عليه الائتلاف الوطني وإن كان تأخر كثيراً بمقاطعة مؤتمرات دولية توفر غطاء لتخاذل وتوطؤ دوليين.. وإنها الثورة الفاضحة..

كاتب و إعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 أصدقاء الشعب السوري الإدانة بأشد العبارات أو أقوى العيارات

زهير سالم

استرسل المجتمع الدولي بطريقة مريبة مع ارتكاب بشار الأسد وعصاباته لجرائم الحرب، ولحروب التطهير التي تجنبنا لفترة طويلة أن نصفها بأنها طائفية كريهة.

مئات الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها بشار الأسد على مدى سنوات حكمه، كانت كل واحدة منها كفيلة بجلبه للعدالة الدولية تحت سقف مجلس الأمن أو خارج هذا السقف..

ربما جريمة (ميشيل سماحة) الوزير اللبناني السابق وحدها، والتي كانت تسعى لإشعال الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وتدمير وطن جميل اسمه لبنان؛ كانت جديرة بجلب بشار الأسد إلى العدالة..

وإذا فتحنا ملف الجريمة في سورية بوقائعها الفردية (التمثيل بجسد طفل اسمه حمزة الخطيب) والجماعية (المجازر التي لم يعد بالإمكان الإشارة إلى أنموذج واحد عنها، لأن المزاج الثوري لن يغفر أن تذكر مجزرة كرم الزيتون في حمص مثلاً وتنسى مجازر داريا المتعددة في ريف دمشق، أو مجزرة بستان القصر في حلب)؛ فإننا سنرى أن كل جريمة من هذه الجرائم كفيلة بجلب بشار الأسد إلى العدالة وشن حرب كبرى تستأصل النازيين الجدد الذين يهددون في الحياة الإنسانية خيّر وجميل..

مع شديد الأسف فإن ماكينة الإعلام فيما يسمى العالم الحر وأدواته في كل دول العالم تتوقف اليوم عند إصابة رأس تمثال في معرة النعمان وتستنكره وتشرحه وتفسره وتبني عليه وتطالب بتحقيقات وتوضيحات بشأنه أكثر مما تفعل بشأن أعضاء البشر الأحياء، أو مما فعلت بشأن قطع عضو طفل في الثالثة عشر اسمه حمزة الخطيب قبل أن يكون في سورية سلاح أو مسلحون أو إرهابيون أو متطرفون...!!

وتحت سمع العالم وبشره تتطور مستويات الجريمة التي يرتكبها بشار الأسد وعصاباته. ومع أن الكثير من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها حاول دائما أن يلصقها بمخالفيه بما فيها التفجيرات والمجازر (وقطع رأس تمثال أبي العلاء ربما)، ومع أن ممثلي القانون الدولي وجدوا لأنفسهم مصلحة في التماهي مع لعبة الأسد هذه للتملص من المسئولية الأخلاقية والإنسانية والسياسية؛ إلا أن هناك جرائم حرب مستعلنة لا يمكن لبشار الأسد ولا لأحد من الداعمين له والمسترسلين بالصمت عليه أن يتملص منها. وبعد أن اطمأن بشار الأسد إلى الأمن الذي حصل عليه من (مجلس الأمن)، ومن دول العالم مجتمعة ومنفردة تحت عنوان (اقتل ولا تبالي) فإنه لم يعد يشعر أن هناك أي حد يلزمه التوقف عنده..

استخدم بشار الأسد الدبابات وراجمات الصواريخ ضد المدنيين والأحياء السكنية وصمت العالم فاستخدم بشار الأسد المدفعية الثقيلة وبعيدة المدى وصمت العالم، وانتقل بشار الأسد طمعاً بهذا الصمت إلى استخدام المروحيات في القتل والقنص والتدمير وصمت العالم، فانتقل إلى استخدام الطيران الحربي والقنابل العنقودية وصمت العالم وها هو اليوم يحاول أن يمحو مدينة حلب بل مدن الشمال السوري عن الخارطة بصواريخ سكود...!!

يفعل بشار الأسد ذلك وبطاريات باتريوت الأطلسية على بعد كيلو مترات من حيث تدمر البيوت ويقتل الأطفال. يخرج علينا من يدعون صداقة الشعب السوري ليستنكروا بأشد العبارات فلماذا لا يردون بأقوى العيارات.. ؟!

وبدورنا فإننا نستنكر ونشحب بأشد العبارات تخلي المجتمع الدولي عن مسئولياته. وصمته على جرائم الإبادة الطائفية التي يرتكبها بشار الأسد ضد شعبنا ووطننا. ونعتبر كل المتخاذلين عن وقف الجريمة والأخذ على يد المجرمين وسوقهم إلى العدالة شركاء فيها...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في معنى أن تكون سوريا محافظة إيرانية

برهان غليون

صدم رئيس "مركز عمّار الإستراتيجي" لمكافحة الحرب الناعمة ضد إيران -هكذا- مهدي طائب، وهو رجل دين بارز مقرب من مرشد الجمهورية الإسلامية خامنئي، الرأي العام العربي والعالمي عندما صرح بأن سوريا تعتبر المحافظة الـ35 من المحافظات الإيرانية، بل إنها أهم في نظره من محافظة الأهواز التي تحتوي على 90% من الاحتياط النفطي الإيراني. والسبب، حسب ما ذكر، أن إيران لو فقدت الأهواز واحتفظت بسوريا فبإمكانها أن تستعيدها لكنها لو خسرت سوريا فلن تستطيع أن تحتفظ بطهران.

هذا بالتأكيد اعتراف خطير. وهو يعني أن السيطرة على سوريا تشكل الركيزة الرئيسية لنظام إيران وللخامنئية التي تقوده، وأن الحفاظ على هذه السيطرة وأداتها، نظام الأسد، شرط للحفاظ على الجمهورية الإسلامية وحكم النخبة الدينية التي قامت عليه. وهذا يعني أن علينا أن نتوقع صراعاً مريراً مع إيران الخامنئية وليس مع الأسد فحسب، قبل أن نحرر بلادنا من حكم الطغمة القاتلة ونتحرر مما يحتمل أن يتحول إلى احتلال أو استعمار إيراني بالمعنى الكلاسيكي للكلمة.

القيام به حتى الآن. ولولا ذلك لسقط نظام الطاغية منذ زمن طويل، إنما طمأنة القاعدة الاجتماعية للنظام السوري أمام الخسائر الفادحة التي تتكبدها كل يوم بالأرواح، ورفع معنويات مقاتليها الذين يرون الأرض تميد تحت أقدام النظام أمام تقدم مقاتلي الجيش الحر في كل المناطق، وسيطرته المتواصلة على المواقع العسكرية والمطارات والأفواج، واحدا بعد الآخر.

والمقصود أيضاً إقناع الرأي العام الإيراني، الذي بدأ يعاني من نتائج مشاركة إيران في الحرب السورية على مستوى معيشته، ويدرك في الوقت نفسه أنها تهدف إلى تعزيز نظام الحكم الثيوقراطي القائم لصالح الإقطاع الديني، وإلى قطع طريق التحرر عليه وتجنب ثورة الكرامة والحرية في إيران نفسها.

لكن لا ينبغي الاستهتار بمثل هذه الأفكار التي ما كان من الممكن أن تصدر عن شخصية مقربة من مرشد الجمهورية لو لم تكن متداولة في أوساط السلطة السياسية الدينية على نطاق واسع. وهي تكشف عن التوجهات الإستراتيجية العميقة للسلطة الخامنئية ومراهناتها.

ومن هذه الناحية، لا تمثل مفاجأة بالنسبة للسوريين، ولا تذيع أي سر لا يعرفونه. فقد تحولت سوريا بالفعل على يد بشار الأسد إلى المحافظة ٣٥ من محافظات إيران، وأصبح دورها في تمكين إيران من بسط سلطتها على المشرق العربي بأكمله أهم بكثير من دور الأهواز والثروة النفطية الإيرانية.

فأمام المأزق الذي تعيش فيه الجمهورية الإسلامية، والإخفاقات التي تواجهها على مستوى تأمين الحاجات الأساسية للإيرانيين، لا يجد النظام القائم مصدراً آخر للشرعية سوى التلويح بالانتصارات الخارجية واللعب على وتر العظمة القومية. وقد أصبحت السيطرة على سوريا بالفعل حجر الأساس في تكوين ما يشبه الإمبراطورية الإيرانية التي تمتد من طهران عبر بغداد ودمشق إلى بيروت، وتشكل -كما يقول المنظرون الإيرانيون- هلالاً إستراتيجياً يطوق المشرق العربي من الشمال والغرب ويضع تحت تهديد إيران، الطامحة أكثر من ذلك إلى امتلاك التقنية النووية، دول الخليج التي تنظر إليها كامتدادات للإمبراطورية الأميركية وقاعدة لها.

وإيران الخامنئية لا تقيس نفسها بأي دولة من دول المنطقة، وإنما بالولايات المتحدة الأميركية، وترى أن صراعها ليس مع العرب ولا مع الشعب السوري وإنما مع واشنطن التي تشكل الند الوحيد لها في العالم. وما طمعها في السيطرة على سوريا والدول العربية المشرقية الأخرى، خاصة دول الخليج النفطي التي لا ترى لها أي شرعية، إلا بوصفها وسائل لمقارعة السيطرة الأميركية والتحول إلى ند لها. وهي تنظر إلى مشروع هيمنتها الإقليمية باعتباره حقها الطبيعي لما تتمتع به، بالمقارنة مع دول المنطقة الأخرى، من خصائص استثنائية، والتجسيد الحتمي لعظمتها وتميزها وآرية انتمائها وعبقرية كوادرها وتقدمها التقني والصناعي.

والواقع أن حكم النخبة الدينية الإيرانية لم يغير شيئاً من نزعة الهيمنة القومية المتطرفة التقليدية، ولكنه أضاف إلى لوثة التفوق الآري التي غذت النخبة الشاهنشاهية الماضية لوثة تفوق مذهبية دينية ترى في الفلسفة الشيعية وولاية الفقيه أساس الخلاص ليس لإيران فحسب، وإنما للعالم بأكمله. وهي لا تزال تسمم نفسها وأجيال إيران الجديدة بأوهام التفوق القومي التي لا علاقة لها لا بالإسلام ولا بالعقل، وإنما هي تبشير بدين العنصرية القومية التي غصت بها في القرن الماضي النخبة القومية الألمانية، والتي قادت إلى أكثر كارثة حلت بشعوب أوروبا في تاريخها كله.

ليس هناك سوى هذا الدين: العنصرية، الذي يعكس مشاعر الضغينة والهامشية التاريخية والانغلاق على الذات، مما يفسر أن تتحول بلد كسوريا، هي وطن شعب عربي مسلم، إلى محافظة إيرانية، في نظر قادة إيران الجدد، بما يعنيه ذلك من إلحاق سوريا وضمها إلى إيران سياسياً وإستراتيجياً ومصادرة إرادة الشعب السوري وحرمانه من حقوقه في السيادة والحرية وتقرير المصير، وتحويله إلى غريب ولاجئ في وطنه، وتحويل حكامه الصغار إلى أدوات لاستعباد مواطنيهم وتسخيرهم لمشروع السيطرة الإمبراطورية.

ومن الطبيعي بعد هذا أن لا يرى حكام الجمهورية الإسلامية في سوريا اليوم قتلاً ولا انتهاكاً لحقوق ولا ظلماً ولا جرائم ترتكب، وإنما مقاومة إجرامية لمشروع السيطرة الإيرانية الإقليمية ينبغي القضاء عليها بأي ثمن. ويكاد لسان حال بعض هؤلاء القادة يردد ما كان شعاراً للصهيونية قبل احتلال فلسطين: شعب بلا أرض لأرض بلا شعب.

فسوريا كما يريدها أنصار الهيمنة الإقليمية الإيرانية هي معبر للنفوذ والهيمنة والتسلط، لا دولة ولا شعباً ولا بشراً لهم حقوق ويستحقون الحماية والأمن والاستقرار. في هذا السياق نستطيع أن نفهم لماذا أصبحت سوريا في نظر الخامنئيين محافظة أهم من الأهواز ومن نفط إيران. فمشروع بناء الإمبراطورية والهيمنة الإيرانية، أو إعادة بناء الإمبراطورية الإيرانية وحكم داريوس المقنع بالإسلام، أهم عند نظام الملالي المتسيدين على الشعب الإيراني من حياة الشعب الإيراني وحقوقه ومستقبله، فما بالك بالشعب السوري الغريب.

لا يرى حكام إيران أحداً في كل المنطقة التي تحيط بهم. هناك إيران وفي مواجهتها الولايات المتحدة. ما تبقى من دول وشعوب لا حساب لها. هي إما مع أميركا أو مع إيران أو مباحة ومفتوحة للنزاع. لا تفاوض السلطة الإمبراطورية الخامنئية الشعبَ السوري أو غيره من شعوب المنطقة على أي شيء. تتفاوض مع أسيادها، وهو ما كان صرح به ولدها المدلل في دمشق بشار الأسد في أحد خطبه.

هي لا ترى السوريين الثائرين، ترى واشنطن و"إسرائيل" من ورائهم، وعندما تصارعهم وتقتل أبناءهم لا تشعر أبداً بأنها تستهدف شعباً عربياً أو مسلماً، إنها تقتل عملاء للإمبريالية الأميركية، أي لأعدائها. فما داموا يرفضون الانتماء لها والولاء لسيطرتها، فهم موالون لأميركا، وبالتالي سعرهم القتل والاستباحة.

الإمبراطورية لا تقبل أن تقيس نفسها إلا بما يماثلها، والجمهورية الإسلامية تضع نفسها في كفة والولايات المتحدة في كفة أخرى، ولا تقبل بأن تفاوض على المنطقة أحداً غيرها. أما الشعوب الأخرى، والعربية منها بشكل خاص، فهي موضوع الصراع بينها وبين الإمبراطورية الأميركية الخصم.

طهران الخامنئية لا ترى سوريا ولا المملكة العربية السعودية ولا دولة الإمارات ولا اليمن ولا العراق ولا لبنان ولا الأردن، هذه ليست سوى غنائم محتملة لمن يفوز بالحرب والمواجهة الكونيتين. وإيران أولى بها من الدولة الغربية لأنها بنت المنطقة، وهي بالإضافة إلى ذلك الحاملة لدينها الصحيح والأكثر قدرة على احتوائها وهضمها.

مهدي طائب ليس مرشد الجمهورية ولا الناطق باسمها، بالتأكيد، لكنه يعكس الشعور العميق الذي يحرك نخبة حاكمة، ويفسر السياسات الاستعمارية، بالمعنى الحرفي للكلمة، التي تطبقها حكومة إيران في سوريا اليوم، والتي لا تتورع عن الحديث رسمياً، على لسان أكبر مسؤوليها، عن استعداداها لخوض أي حرب محتملة للدفاع عن نظام سوري لفظه شعبه، وعن الدعم العسكري المتزايد الذي تقدمه له لكسر إرادة السوريين وحرمانهم من حقهم في الكرامة والحرية، بما في ذلك الإعلان عن تشكيل قوة إيرانية لمساعدته في حرب المدن التي لا يتقنها حسب رأيها.

نظام إيران يعيش في عصر مضى، عصر شرعنة القوة لا الحق والقانون، شرعنة الفتح والغزو والتوسع وتغيير الثقافة والدين. ونخبتها الحاكمة مسممة بعقيدة التفوق والتميز القومي والتاريخي والمذهبي، وتعتقد أن من يقاوم طموحها للسيطرة يقف في وجه الحق والشرعية والتاريخ. وهي الأفكار ذاتها التي دمرت أوروبا النازية، والتي تهدد بتدمير المشرق العربي لصالح الدولة الوحيدة التي لا تجرؤ إيران الخامنئية على أن تقيس نفسها بها، "إسرائيل".

هذه السياسة النابعة من عداء دفين للعرب وللإسلام الذي كان وراء الفتوح العربية، ومن إرادة الانتقام وتصحيح الإحباط التاريخي واسترجاع الماضي، لن تكون مأساوية بالنسبة للشعوب العربية، وهي منذ الآن ذات نتائج كارثية ولا إنسانية مرعبة في سوريا، ولكن بالنسبة للشعوب الإيرانية نفسها. وما كبده الألمان بقيادة النازية للشعوب الأوروبية الأخرى من مآسي وعذابات عاد عليهم بأقسى منها.

مرض القومية المتطرفة، المقنعة برداء الدين، لن يحل أي مشكلة من مشاكل إيران، ولن يخلص نظامها من أزمته، ولكنه سيجر على شعوب المنطقة جميعها، وأولها الشعوب الإسلامية والعربية والإيرانية، القتل والدمار والخراب. والخيار الوحيد لإنقاذ شعوبنا من خطر العنصرية القومية هو التحالف بين جميع الشعوب الإيرانية والإسلامية لتحطيم نظم القهر والقمع والاستبداد والعمل لتشكيل إطار إقليمي للتعاون والتضامن والأمن الجماعي يضع حداً لأوهام ومشاريع الهيمنة والسيطرة الإمبريالية، المحلية والعالمية، التي تحولت في عصرنا إلى مشاريع سطو مسلح على مصائر الشعوب ومصادرة لمستقبلها وأمل فتيانها وشبابها وأحلامهم الإنسانية.

الجزيرة . نت

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com