العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 3/2/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية: استمرار العنف وما يليه!

أكرم البني *

الأربعاء ٣٠ يناير ٢٠١٣

الحياة

بات واضحاً أن الأوضاع السورية تسير نحو مزيد من التفاقم والاحتدام وأن خيار العنف هو الفيصل وأن ما يطرح من مبادرات سياسية، داخلية أو خارجية، ليس أكثر من مناورات لتمرير الوقت وامتصاص ردود الأفعال الأخلاقية على مشهد يومي دامٍ ومروع لا يحتمله عقل أو ضمير.

وإذ يتوجب التذكير ببديهيات حول طبيعة سلطة الاستبداد السورية وبأنها من النوع الذي لا يقبل التنازل وتتناقض بنيتها الأمنية مع أية معالجة سياسية، وحول سلبية المجتمع الدولي ومسؤوليته في منح الفرص للنظام كي يتوغل في القمع والتنكيل، فثمة أسئلة محيرة ومقلقة لا بد من طرحها لتفسير دوافع استمرار هذا العنف المفرط. فهل ثمة في السلطة من لا يزال يتوهم بأن التصعيد المتواتر للعنف سيرهب الناس مجدداً ويعيد المجتمع إلى بيت الطاعة بعد ما يقارب العامين من تجريب أعتى أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً، أو يأمل على الأقل في تعديل موازين القوى واستعادة زمام المبادرة؟!. أم هناك من يراهن على دور الممارسات الموغلة في العنف والاستفزازات الطائفية في تبديل المشهد واستجرار ردود أفعال من الطبيعة ذاتها، وتظهير صورة طالما روج النظام لها عن عصابات مسلحة متآمرة وقوى سلفية مرتبطة بأجندة خارجية لتشويه وطنية الثورة ووجهها الشعبي واستمالة الموقف الغربي الذي يعتبر إرهاب القاعدة العدو رقم واحد، ولعل موقف الإدارة الأميركية من «جبهة النصرة» مؤشر ذو دلالة على ذلك!.

وهنا لا يخفى على أحد أن تصاعد العنف المفرط أدى إلى استيلاد تيارات لم تكن موجودة أصلاً في بنية الثورة، كالقوى المتطرفة الجهادية، وتمرير ما ترفعه من شعارات عن دولة الخلافة الإسلامية، ومن حسابات ضيقة بأنها قادرة بمفردها وبقوة السلاح على تحقيق الانتصار، وبأن من يعارض مواقفها وتكتيكاتها هو كافر وجاحد. ثم أليس الإمعان في العنف والتنكيل ضد فئات محددة وتحويل الصراع معها إلى صراع وجود، ما يدفع النسيج البشري المتعايش منذ مئات السنين نحو العداء والتفكك، ويزيد الضغينة وروح الانتقام، ويذكي العصبيات ويجرها نحو التنابذ والنزاع وتهديد الذات المجتمعية بالانشطار إلى هويات ممزقة، معززاً عودة كل مكون اجتماعي إلى أصوله القومية أو الدينية أو الطائفية كي يضمن بعضاً من الحماية والوجود الآمن، وممهداً لفكرة تقسيم سورية إلى دويلات أو كانتونات للخروج من هذا المأزق الوجودي.

ونضيف: ألا يتعلق التوغل في العنف برهان على ربح مزيد من الوقت للاتكاء على مثالب وإرباكات تشهدها الثورات العربية في مراحلها الانتقالية لتسويغ فكرة «الاستبداد الآمن» وللطعن برياح التغيير العربية والتشهير بمشروعية مطالب الناس في الحرية والكرامة «كجالبة للفوضى والتذرر»!. والغرض تعزيز مخاوف الأقليات ودفع كتلة كبيرة من أبناء المجتمع وهم أصحاب مصلحة حقيقية في التغيير للتمسك بموقفهم السلبي والمتردد؟ وأيضاً، ألا يفضي استخدام العنف بهذه الطريقة التدميرية التي تتعرض لها أماكن السكن في معظم المدن والأرياف السورية، وشدة الحصار المزمن عليها والضغط على حاجاتها وخدماتها وشروط حياتها، إلى تغييب الوجه الديموقراطي والمدني للثورة وعسكرة المجتمع في تلك الأماكن، وتالياً إلى تشويه حضور المعارضة وقدرتها على إدارة مناطقها في ظل شح المستلزمات المعيشية، والتعويل مرة على خلق حالة من الشقاق بينها وبين الناس، ومرة على دور التدمير العشوائي في حرمان هذه المناطق من أدنى قدرة على النهوض.

وأيضاً هل من عامل أهم من العنف يؤدي إلى محاصرة قادة العمل السلمي والمدني وضرب رموز الاعتدال، بما في ذلك منع أي تفاعل حواري وطني بين الفئات الاجتماعية والقوى السياسية السورية، منذراً من جديد بتغييب الناس عن السياسة وبإعادة الأمور إلى المربع الأول إلى منطق الغلبة والإكراه، ربطاً باعتقال وتهجير المزيد من كوادر المعارضة السياسية وإضعاف قدرتها على قيادة الثورة، وتالياً تعزيز دور القوى المسلحة في الميدان، لتغدو صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.

الكل متفق على أن النظام على استعداد للمساومة على كل شيء، عدا احتكاره للسلطة، وغير مستعد لتقديم أي تنازل قد يهدد من قريب أو بعيد موقعه وسلطانه، وحين لا يهم السلطة، أية سلطة، سوى ضمان امتيازاتها وبقائها في الحكم، فلن تتوانى عن فعل أي شيء بما في ذلك جر البلاد كلها إلى العنف والاقتتال لخلط الأوراق وتضييع الحدود والتخوم وكسب المزيد من الوقت عساها تتمكن من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

هو ليس مشهداً فريداً في التاريخ أن تفضي المصالح الأنانية والضيقة لنخبة حاكمة إلى انهيارات عامة ومروعة، وهو ليس حدثاً نادراً أن يرفض المتنفذون وأصحاب الامتيازات تقديم التنازلات ويلجأون دفاعاً عن مكاسبهم والوضع القائم إلى إشاعة كل أساليب العنف والقهر، لكنه أمر غريب أن لا تدرك المعارضة ذلك وأن لا تتقدم بجرأة لأخذ زمام المبادرة وترشيد إدارة الثورة، ليس بالاقتصار على طلب السلاح وتشجيع الحسم العسكري، بل بنشر ثقافة تظهر موقفاً مبدئياً ضد العنف ومنطق الغلبة والإكراه في إدارة الصراع السياسي وتنبذ كل محاولات الإقصاء والاستفزاز وإثارة الحقد والبغضاء والتحشيد المتخلف الطائفي أو المذهبي، مكرسة جهوداً خاصة للاستمرار في الاحتجاجات السلمية والمدنية، وفي تنظيم حياة الناس لتقاسم شح الإمكانيات المعيشية ومنع التجاوزات والتعديات ولخلق روابط للتآخي تنبذ التفرقة وتعزز الروح الوطنية، واضعة في حسبانها أنها من سيرث هذه الأرض وأن من واجبها منع قوى الماضي التي تحتضر من تحويلها إلى أرض محروقة، كما من واجبها إقناع الآخر بأنها ثورة إيجابية وبناءة تلتقي على الاحتكام لدولة القانون والمؤسسات، وتستمد على النقيض من الماضي شرعيتها ليس من منطق القوة والإرهاب بل مما تقدمه للناس من ضمانات لصيانة حقوقهم وحرياتهم وعيشهم الكريم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حوار في صير بني ياس!

الشرق الاوسط

ميشيل كيلو

30-1-12013

هما دبلوماسيان سابقان: روسي وأميركية. وقد جاءا إلى لقاء صير بني ياس، أو دافوس الرملي، في دولة الإمارات العربية المتحدة، ليقولا رأيهما، شبه الرسمي، ويتناقشا مع حضور متنوع الجنسيات والمناصب والأدوار، في بعض مشكلات عالمنا الاستراتيجية والراهنة.

ومع أنهما كانا من أكثر الناس أهمية في بلديهما، فإنني لن أذكر اسميهما، وسأكتفي بسرد بعض الوقائع التي جرت بينهما وبيني، بعد أن أثار اهتمامهما أنني مواطن من بلاد تصنع ثورة ستمس نتائجها بالتأكيد مصالح بلديهما ومكانتهما من المشرق العربي خاصة، والمنطقة العربية عامة. وكنت قد قدمت ما يشبه خريطة طريق للخروج من الأزمة السورية، فجاءا يستوضحان بعض مفرداتها وتفاصيلها.

سأل الروسي بعد أن قدم شرحا طويلا حول موقف بلاده: وكيف ستوقفون اندفاع بلادكم إلى الحرب الأهلية، في حال استمر تصاعد دور المتطرفين فيها، وازداد عجزكم عن السيطرة عليهم، وتحولوا إلى قوة رئيسية أو حاسمة على الأرض؟ ألم يكن التفاهم مع بشار الأسد أفضل لكم من السقوط تحت رحمة من لن يقبلوا بكم، وليس بينكم وبينهم أي قواسم مشتركة؟

وقالت الأميركية إن بلادها لن تتدخل في سوريا خشية أن تجرها إيران إلى معركة بلا نهاية قد تخسرها، وليس لأنها لا تملك الأدوات والقوة اللازمة للتدخل، وأضافت أن الصراع مع إيران قد يقوض توازنات القوة القائمة اليوم في المنطقة، والتي تريد واشنطن الحفاظ عليها، بعد أن بذلت جهودا حثيثة من أجل إقامتها وإدامتها.

قلت للروسي: أنتم تقفون وراء صعود التطرف الرسمي وغير الرسمي في سوريا؛ الرسمي لأنكم تساندون وتسلحون نظاما أنكر أن يكون في بلاده أزمة تتطلب حلا، وسد أبواب السياسة وفتح أبواب الحرب على من طالبوه بحقوق أقر أنها شرعية، ثم انقض عليهم طيلة الفترة الماضية قتلا وتدميرا. وأنتم لا تحاولون ثني هذا النظام عن عنفه الذي طاول جميع السوريات والسوريين دون أي استثناء، وفرض عليهم تضحيات جسيمة قوضت وجودهم، وإنما شجعتموه على المضي في جرائمه بأمل تمكينه من الانتصار، ولم تفكروا في ما سيبقى له من شرعية في حال انتصر فعلا على مواطنيه، وحول سوريا إلى ركام. كما أنكم تقفون وراء التطرف غير الرسمي، لأنكم، بمساعدتكم النظام، تطيلون أمد الصراع وتسهمون في دفع السوريين إلى تطرف متزايد ردا على تطرف النظام المتزايد. أنتم تخشون توطن المتطرفين في سوريا وإحرازهم مكانة مميزة وقيادية فيه يمكن أن تلعب دورا مهما في انتقاله إليكم، لكنكم تستقدمونه بقوة إلى دياركم لأنكم تزرعونه بعمق في الأرض السورية، فكأنكم تنتحرون خشية أن تموتوا. وما لم تتخلوا عن النظام وتتبنوا مطالب الشعب، فإنكم تكونون كمن يزرع عاصفة خوفا من نسمة، ولن تلبثوا أن تعانوا الأمرّين من التطرف الذي تغذيه سياساتكم الخاطئة في سوريا، عندما سينتقل إليكم، علما بأنكم لن تواجهوا شيشانا جديدة، بل تمردا قد يكون واسعا ويشمل قسما كبيرا من مواطنيكم، الذين يفتقرون إلى الكثير مما كان يجب أن يحصلوا عليه من حقوق وثروة. وإذا لم تتحركوا بسرعة وبمبادرات جدية وصادقة، فإنكم لن تجدوا أي صديق يدافع عنكم بين السوريين، وستخسرون سوريا وجزءا واسعا من شعبكم في روسيا ذاتها، فضلا عن ملايين المسلمين في العالم بأسره، وستضعون أنفسكم خارج العالم الأخلاقي الذي لا بد أن تنهض عليه حياة الإنسانية اليوم.

سألت الأميركية باختصار: لو هزم الشعب في المواجهة مع النظام، هل كنتم ستعتبرون أنفسكم منتصرين أمام إيران لأنكم تركتموها تهزمه هو وتنقذ نظامه؟ لم تهزموا أمام إيران في سوريا، لأن شعبها حال دون ذلك بفضل الهزيمة التي ينزلها بنظامه وبحليفه الإيراني. لقد خاض الشعب السوري معركة لم تكن من اختياره، جعلتها ضرورات استراتيجية كثيرة معركتكم، وحقق انتصارا تحول بقوة الواقع إلى انتصار لكم، مع أنكم لم تقدموا له أي عون، ولم تقوموا بدوركم المفترض في الصراع باعتباره فرصة يمكن أن تحرزوا من خلالها انتصارا مؤكدا، لذلك توقف كل شيء على تضحيات السوريين، الذين أخرجوا لكم الكستناء من النار، لتأكلوها وأنتم تتفرجون باستمتاع على موتهم، كما لم تسهموا بأي دور أو تعبروا بأي شكل ملموس عن امتنانكم لهم، ليس فقط لأنهم وفروا عليكم تضحيات كثيرة بالرجال والمال، بل كذلك لأنهم أنقذوكم من هزيمة أمام إيران كان من شأنها أن تحول لفترة طويلة بينكم وبين تحقيق أي شيء في صراعكم معها، وأن تمكنها من تحديكم في أي بلد من المنطقة. بدل أن تبرروا عزوفكم عن القيام بدور تمليه عليكم مسؤولياتكم الدولية، تمسكتم بأكاذيب حول وحدة المعارضة، وانقسام الشعب السوري، وقوة جيش السلطة، وكان عليكم أن تسألوا أنفسكم: إذا كان شعب سوريا حقق إنجازاته ضد جيش السلطة «القوي» رغم عدم وحدة المعارضة وانقسام مجتمعه وبأقل قدر من السلاح، ماذا كان سيحدث لو تمت مساعدته وتمكن من تجاوز انقساماته وتهافت معارضته؟

أنتم لم تفعلوا شيئا من هذا، بل تركتم السوريين يموتون عوضا عنكم، مع أنهم لم يقرروا يوما خوض معارككم الإقليمية، لسبب بسيط هو أنها ليست معاركهم، ولأن من فرض عليهم الصراع مع إيران هو نظامها الذي قاتلهم بلا هوادة، ونظامهم الذي مكنته أسلحتها وذخائرها من قتلهم بالجملة.

وعلى العموم، فأنتم لم تفهموا بعد المنطويات التاريخية لثورات الربيع العربي، وإلا لما اتخذتم منها مواقف سخيفة وحتى عدائية.

أقرت محاورتي بأن الشعب السوري يخوض بالفعل معركة أحد أطرافها المعادية له هو إيران: حليفة نظامه، وقالت: إن انتصاره فيها يجنب أميركا هزيمة استراتيجية الدلالات. قلت وأنا أدير ظهري منصرفا: ويربحها معركة أخرى هي شطب سوريا من خارطة القوى في المنطقة، ويجعلها تضرب عصفورين بحجر واحد، دون أن تبذل أي جهد أو تخسر أي جندي.

كان وقت العشاء قد حان، فدعتني إلى الجلوس قربها لإكمال حديثنا. كان الغضب والاستياء يتصاعدان في نفسي، فتركتها وقصدت مائدة أخرى وقد فقدت رغبتي في تناول الطعام!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جردة حساب للثورة السورية وآفاقها

د. عبدالله تركماني

2013-01-29

القدس العربي

يتفق الكثيرون على أنّ سورية تمر اليوم بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها، وإذا كان من الصعوبة أن نجري حساباً لوقائع وتطورات الثورة السورية التي انطلقت في مارس/آذار 2011، لأنّ فيها الكثير من التعرجات والتعقيدات، فإنّ ما يميّز اللحظة الراهنة هو الحراك الشعبي السوري غير المسبوق الذي يمكن أن يبلور البديل الوطني الديمقراطي، الممكن والضروري، نحو الاستقلال الثاني لسورية. فالثابت أنّ حراكاً إنسانياً رائعاً جرى بحجم كبير وتضحيات كبيرة، يتجه نحو مواطن سوري جديد، ووعي سوري جديد، بما ينطوي عليه ذلك من تألق للوطنية السورية الجامعة ذات العمق العربي والإنساني.

وهكذا، بعد سيل التضحيات التي قدمها أبناء الشعب السوري وبناته، فإنّ الثورة كغيرها من ثورات الشعوب العربية لم تكن نتيجة مباشرة لعمل أحزاب المعارضة، بل هي جاءت من وعي تشكّل في مكان عميق من العقل والوجدان الشعبيين، وهو مكان لم يعد قادراً على تحمّل أو فهم دواعي استمرار الاستبداد المستفحل منذ أربعة عقود.

ومن هنا فإنّ الطابع العام للثورة ظل مدنياً وتحررياً وإنسانياً بفضل تراكم نضالات الديمقراطيين السوريين طوال أربعة عقود، وبفضل تشكّل قيادات شابة قادرة على استيعاب معطيات التحول العالمي نحو الديمقراطية، وتمسك بزمام الأمور وتتحكم بحركتها حسب المتغيّرات، رغم وجود حالات تشويش فردية. وتكتسب هذه القيادات الخبرة اللازمة في سياق عملها وبالاحتكاك مع المخضرمين من المعارضين، فتنجز أعمالاً مشهودة. وهي تعرف أنّ هذا الليل السوري الطويل لن ينجلي بسرعة، وأنّ أمامها مهمات شاقة وتضحيات كبرى، لكنها تعرف أيضاً أنّ لا عودة إلى الوراء، وأنّ لا خيار أمامها سوى مواجهة ظلام هذا الليل الطويل بالصمود والتحدي والتفاؤل.

ولا شك في أنّ تفرّد الحالة السورية، وخصوصيتها، من جهة طول أمد الثورة وتداخلاتها الإقليمية والدولية، جعلها موضع نقاش وسجال واختلاف حول دقة التوصيف لما يجري منذ سنتين، لكنّ ذلك لا يحجب حقيقة أنّ الثورة بدأت في صورة حراك احتجاجي سلمي، تركّز حول مطالب الحرية والكرامة، إلا أنّ الخيار الأمني لسلطة آل الأسد جعل الحراك الثوري يمرّ بأطوار عديدة، خصوصاً بعد الانشقاقات والتسلح.

ويمكننا اليوم استخلاص عدد من العِبر من يوميات الثورة ومن أشكال تعامل السلطة معها: فهي الأكثر تمدداً على الصعيد الأفقي، أو الانتشار الجغرافي، بالمقارنة مع باقي الثورات العربية. وهي الأكثر مثابرة رغم التعرض لسادية الأجهزة الأمنية المدعومة بميليشيات 'الشبيحة' في مواجهتها. وهي الأكثر قدرة على تجنّب الانزلاق نحو المواجهات المسلحة وأعمال الثأر الواسعة النطاق، رغم فظاعة ما يتعرض له المشاركون وعائلاتهم، ورغم محاولات النظام المتكررة لجرّ الناس إلى أعمال انتقامية تضاعف التشنج الطائفي وتزيد من خوف المترددين، فيُتاح المجال أمام الأجهزة الأمنية للمزيد من البطش والإجرام ضد المتظاهرين من دون أدنى تمييز، وهي كذلك الأكثر اعتماداً على الذات لتغطية أنشطتها وفعالياتها، خاصة بعد أن خذلها 'أصدقاء الشعب السوري'. وهي الأكثر إنتاجية وإبداعاً في الشعارات والأغاني الشعبية، والأكثر تعبيراً عن تضامن داخلي تشهره لجانها وتنسيقياتها مداورة في مواجهة استهدافات سلطة الاستبداد للمدن والبلدات والقرى والمناطق. وهي الثورة الأكثر حضوراً للنساء في المواقع القيادية لتنسيقيات الثورة.

لقد نهضت الثورة السورية بفعل عوامل داخلية أساساً وبسبب تفاقم معاناة الشباب الثائر في بحثه عن لقمة عيشه وكرامته وحريته، ربطاً بحالة غير مسبوقة من الاستبداد والقهر واستشراء الفساد أفضت إلى تخريب البنى الوطنية وامتصاص طاقاتها لحساب مجموعة صغيرة من أصحاب النفوذ والامتيازات، وهذه الأخيرة يسكنها هاجس الخوف من مصير غير محمود في حال أُزيحت عن مواقعها.

ودخلت الثورة مجال التسلّح والعسكرة والعنف كردّ فعل على استشراس الأجهزة الأمنية لسلطة آل الأسد في قمع الحراكات الشعبية السلمية وكسرها، ومن ثم إقحام الجيش في الصراع الداخلي، واستخدامه في ترويع السوريين وامتهانهم وقتلهم وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم، ما ولّد ظاهرة الانشقاقات، ونشوء تشكيلات 'الجيش الحر'. والمشكلة أن ردّ الفعل هذا كان من طبيعة الثورة ذاتها، أي أنه جاء عفوياً، ويفتقر إلى التنظيم، وليست له هيكلية واضحة، ولا مرجعية قيادية محدّدة، وأنه تغذّى فقط من غضب السوريين، على السلطة الباغية، ومن توقهم إلى الحرية والكرامة. بل أنّ كثيراً من حملة السلاح اليوم، من غير العسكريين المنشقين، كانت الأجهزة الأمنية للسلطة قد سهّلت ذهابهم لـ 'الجهاد في العراق'، وهاهم اليوم يطبقون ما اكتسبوه من خبرات قتالية ضدها.

وفي المقابل تكبر كرة الثورة، وتنضم فئات جديدة من المجتمع السوري إلى المناخ الثوري. ويبدو أنّ العامل الاجتماعي للثورة سيكون العامل الحاسم في سيرورتها وآفاقها المستقبلية، بعد أن تجاوزت مرحلة الاحتجاجات والتظاهرات المحدودة، التي بدأت بعشرات أو مئات الأشخاص، لتتحول إلى تظاهرات تضم مئات الآلاف، مما يدل على اتساعها وانتشارها الواضح أفقياً وعمودياً، وبعد أن استطاعت كسب تعاطف فئات اجتماعية واسعة في مختلف أنحاء البلاد.

وتكمن أهمية مؤشر انخراط مكونات وفئات جديدة في فعاليات الثورة، في إمكانية إعطاء الثورة هوامش حراك ومناورة ضرورية وحيوية، تخرجها من وصف 'ثورة الريف'، أو 'ثورة المساجد'، أو 'ثورة الأحزمة العشوائية'، وهو الأمر الذي بقدر ما يعطيها القدرة على الاستمرار والتواصل، يمنحها أيضاً القدرة على تحقيق التمثيل لأكبر فئات المجتمع ومكوناته، على طريق الحالة الوطنية الشاملة، التي ترتكز إلى استنهاض الشعب، ككتلة سياسية فاعلة، لها مطالب واضحة تخص الجميع وترتبط بالإطار الوطني الجامع وبالمشاركة السياسية. وهكذا، فإنّ الطيف الشبابي أعاد السياسة إلى الفضاء السوري العام، بعد أن غابت لعقود، والحرية تعني له آفاقاً مفتوحة أرحب تحيل إلى سورية كمجال عمل، وإلى خبرات اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة، أساسها الشعور بحصار السلطة وضآلة الفرص، وإلى قيم إنسانية عامة كالمساواة والاحترام. لقد أعلنها واضحة جلية أنّ الوحدة الوطنية هي قدس الأقداس، وأنه لا جدوى من أي شحن طائفي، أو غرس الرعب في أفئدة الناس عبر إيحاءات تمتد خيوطها إلى مكاتب المسؤولين في أجهزة المخابرات. فالوحدة الوطنية السورية المبنية على قاعدة احترام الخصوصيات، وتأمين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنين من دون أي استثناء، مثل هذه الوحدة الوطنية هي التي تعد الحاضنة الكبرى القادرة على جمع كل السوريين، بعيداً عن روحية الأحقاد، وعقلية الانتقام والإقصاء، وسياسة اعتماد الولاءات ما قبل الوطنية، المتناغمة مع النزعات الاستبدادية. ولا عجب أنّ ثورة الشعب السوري كشفت المشكلات العميقة والقاتلة، التي رعاها وغذّاها نظام الاستبداد واستعان بها في صراعه مع شعبه، كما كان من المحال أن لا يكشفها هذا الجهد الإنساني الجبار الذي يبذله مجتمع يريد الخروج من الاستبداد إلى الحرية. لذلك يخطئ كثيراً من يعتقد أنّ الثورة السورية مسؤولة عن المشكلات التي برزت إلى العلن، خلال السنتين الماضيتين، وخاصة منها مشكلة الطائفية المدمرة. ومن التسرع الحكم على الثورة السورية الراهنة انطلاقا من الدور الذي تلعبه هذه المشكلة في الصراع، ومن الضروري رؤية المعضلة على حقيقتها كمنتج للنظام الاستبدادي، ومعالجتها بصفتها هذه، وإزالتها معه باعتبارها واحدة من أقوى ركائزه وأكثرها خطورة، يستحيل أن تتعايش الحرية معها، لما بينهما من تناقض وجودي.

وهكذا، في ظل احتكام سلطة الاستبداد إلى الخيار الأمني، كما وجدناه منذ انطلاق الثورة السورية في 15 مارس 2011، وغياب أي أفق حقيقي لإجراء إصلاحات عميقة، وصل الشعب السوري إلى قناعة مفادها أنّ انتهاء ثورته من دون الحصول على نتائج سياسية حقيقية، تنطوي على تفكيك النظام الأمني والتوجه نحو نظام سياسي معاصر قوامه عقد اجتماعي وسياسي جديد يقوم على تعددية سياسية حقيقية ومؤسسات تؤمّن الكرامة والحرية للمواطن السوري، سيؤدي إلى الانتقال لمرحلة أسوأ مما كانت عليه الأمور قبل بداية الثورة، خاصة إذا ما نجحت المساعي الإيرانية كي يكون بشار الأسد وحاشيته من القتلة في المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية.

المهم أنّ رأس السلطة سيلحق بأقرانه التونسي والمصري والليبي واليمني، وكلما تضافرت الجهود وتعاظمت العوامل المنهكة له، كلما كان اللحاق هذا أسرع وبكلفة بشرية واقتصادية أقل وطأة. مما يفرض على الكتلة التاريخية للثورة السورية أن تبلور توازنات جديدة، تصون الحرية المكتسبة في المناطق المحررة بعد كفاح شاق، وتضمن استقراراً مواتياً للتراكم الوطني، وتؤسس لنشوء تقاليد سياسية واجتماعية جديدة.

وتبقى الثورة هي الفاعل الأساسي في سورية اليوم وهي أيضاً الصانعة لقيم جديدة على طريق الاستقلال الثاني: الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، ولشرعية جديدة قائمة على المواطنة. لن تكون سورية بعد اليوم مزرعة لأحد، كما كانت لعقود طويلة، وإنما وطن الحرية والكرامة لجميع أبنائها. لن تكون بلد التمييز والظلم والإقصاء، بل وطناً واحداً لشعب سوري موحد، لا حديث فيه عن أكثرية وأقلية بل مواطنية ومساواة، لا يراعي في معاملته مع أبنائه أي اعتبار قومي أو مذهبي أو طائفي أو مناطقي، ولا اعتبار فيه إلا للكفاءة والإخلاص، والمقدرة على البذل والتضحية في سبيل المجموع. سيحمي دستور سورية الجديدة حقوق كل مكوّنات المجتمع السوري، حيث سينال فيها الأكراد والآشوريون والتركمان ما حُرموا منه من حقوق وما عانوه من تمييز. ستُفصل في سورية الجديدة السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وستحاسَب فيها الحكومة المقصّرة وستكون السلطة بيد الشعب يقرر من يحكمه عبر صناديق الاقتراع. ستكون سورية المستقبل دولة الحق والقانون، يتساوى فيها الجميع أمام القضاء المستقل، ويكون للجميع الحق ذاته في تشكيل المنظمات والأحزاب والجمعيات، والمشاركة في صنع القرار، مما يفتح في المجال لتألق الوطنية السورية الجامعة.

والأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: هل سيستطيع الشعب السوري الأعزل وحده إيقاف جرائم سلطة استبداد آل الأسد وشبيحتهم، أم أنه سيحتاج إلى الدعم العربي والدولي، وما هو دور هذا الدعم وحدوده؟ وهل يتوجب على السوريين، الذين يحتاجون لمؤازرة الأسرة الدولية للانعتاق من قهر سلطتهم الفاسدة أن يدفعوا ثمن تلك المساندة وفق تسعيرة تفرضها شروط المصالح الدولية والإقليمية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : في فضاء العلاقة الوطنية .. نتفق أو نختلف : بلا تخوين ولا تشكيك ولا تهوين ... زهير سالم*

ربما كانت بعض العدوى قد سرت إلى المناخ الوطني السوري من الأبعد الفاشي المستبد الفاسد . فلقد ابتليت الأذن السورية أن تستمع أن الخيانة والعمالة للصهيونية والامبريالية هي التفسير الوحيد والمباشر لموقف كل مخالف في الفكر أو السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الفن . خلال نصف قرن مضى كان كل شيء يتم فرزه شاقوليا ، وكل اختلاف مرده إلى الخيانة والعمالة للاستعمار والانبطاح للصهيونية .

إننا في العصر الثوري ، وفي تصورنا لسورية الجميلة التي نحلم بها يجب أن ندرك جميعا أن الاختلاف هو طبيعة أساسية من طبائع البشر . وكما يختلف الناس في ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وبلدانهم فإنهم يختلفون في معتقداتهم ومللهم ونحلهم ومذاهبهم في الفكر والفن والثقافة ورؤاهم في السياسة والاقتصاد والاجتماع ..

يرجع سر هذا الاختلاف في بعضه إلى عوامل تكوينية فطرية ، وبعضه إلى عوامل ثقافية وبيئية ، ومنها ما يرجع إلى ما يتوفر لدى كل فرد من المعلومات ، أو ما يصح لديه منها وقدرته على استيعابها وتفسيرها وإسقاطها على الواقع ..

دائما في فهمنا وتحليلنا للاختلاف وأسبابه من المهم أن نقصي عن عقولنا الأسباب الاتهامية : التكفير والتفسيق والتبديع على المستوى الديني ، والتخوين والتشكيك والتهوين والتصغير على المستوى المدني ..

ودائما في فهمنا وتفسيرنا للوقائع والأحداث السياسية والاجتماعية يجب أن نتجنب التفسيرات الأحادية . التفسيرات الأحادية في الغالب هي تفسيرات مضللة . الوقائع والظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية أكثر تداخلا وتعقيدا . الرجل الذي يستطيع أن يدرك العوامل الحقيقية الكامنة وراء الظاهرة يستطيع أن يتعامل معها سلبا أو إيجابا بطريقة مجدية ومثمرة . ورمي المسئولية على الشيطان في الشأن الديني ، وعلى الاستعمار والصهيونية والامبريالية في الشأن المدني هو نوع من السلوك الهروبي دائما يقول أصحاب هذه المدرسة نحن كاملون ( والحق على الآخر ) .

إن الخطوة الأكثر أهمية في سياق الفهم والتفهم أن يكون الإنسان قادرا على الفصل بين الواقعة وبين الشخص . مناقشة الفكرة ، أو مناقشة الواقعة أو الظاهرة تتم بعيدا عن النيل من أصحابها . نقول هذا موقف خاطئ أو سيء وهذه سياسة مدمرة ، دون أن تمتد العبارة إلى الشخص أو إلى دوافعه وشخصيته . من وصايا الإمام الشهيد حسن البنا الذهبية ( تجنب تجريح الأشخاص والهيئات ولا تتكلم إلا بخير ) .

إن مناقشة الأفكار ، وتوضيح الأخطاء ، والتحذير من الأخطار ، وشرح المواقف ، والتنديد بالانحرافات كل ذلك يتم بعيدا عن شخصنة القضايا وتحويل المواقف العامة إلى صراعات ذات أبعاد شخصية تستجر العداوة والبغضاء بين الناس . كم هو ضروري أن نلتفت مع القرآن الكريم إلى بعض أسرار تحريم الخمر والميسر (( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ )) هل يمكن أن ينسحب حكم الخمر والميسر على كل فعل يوقع بين أفراد المجتمع العداوة والبغضاء ؟! ..

وحين نتحدث عن حرية الرأي والتعبير ينبغي أن نحذر من تحويل هذه الحرية إلى سوط نلسع به ظهور الآخرين ، ونصادر به حريتهم ، فيجد المرء نفسه عاجزا عن الجهر برأيه حذرا من شتم الشاتمين واتهام المتهمين وإرجاف المرجفين . لا يحق للمرء أن يجعل من لسانه سوطا كسوط الجلاد ينال به من كرامة كل إنسان يخالفه الرأي في كبير الأمر أو صغيره على السواء . يجب أن ننظر إلى هذا على أنه نوع من الاستبداد جديد لا يقل بشاعة عن استبداد الأبعدين بشار وشبيحته .

نتفق أو نختلف مع أي جماعة أو حزب أو هيئة أو مجموعة أو شخص في الإطار الوطني لا ينبغي أن يكون السبق إلى إضفاء العصمة إن رضينا أو إلى الرمي بالسوء إن سخطنا . بكل الحب والطاعة نردد قوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )) . ( يصلح لكم أعمالكم ) نقول عنها جواب الطلب وتعني إن فعلتم أصلح الله أعمالكم ..

كل ما سبق هو حديث في إطار العلاقات العامة سواء على الصعيد الإنساني العام أو على الصعيد الثقافي أو على الصعيد الوطني ؛ أما حين يكشر الشر عن أنيابه الكالحة في صورة الفعل الإجرامي البين كالذي يفعله القتلة المجرمون اليوم بوطننا وشعبنا فهذا واقع له حكمه من قوله تعالى (( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ..)) نعم يجب أن يستبين للناس المجرمون وسبيلهم حتى تسقط مدرسة الإجرام بكل رموزها . وعدا ذلك فلا علينا أن نختلف على ما سبقت إليه أي مجموعة أو هيئة أو شخصية وطنية . بشرط أن نتكلم في أجواء الحب والود والتقوى . عسى الله أن يصلح أعمالنا ..

لندن : 20 ربيع الأول 1434

1 / 2 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار والبعد عن الواقع

ألبير خوري

عكاظ

30-1-2013

بين ما قاله وزير الخارجية الأمريكية المعين جون كيري عن أن ساعة رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد قد دقت، وما قاله رئيس الحكومة الروسية ديمتري مديديف عن تضاؤل فرص الأسد بالبقاء في السلطة، يطل بشار الأسد بنفسه متحدثا عن استعادة جيشه للمبادرة الميدانية ومبشرا بمفاجآت جديدة.

مرة جديدة يثبت بشار الأسد أنه يعاني من «داء الغربة والبعد عن الواقع تماما» حيث تظهر تلك العوارض المرضية المزمنة عليه مع كل إطلالة إعلامية كانت أو جماهيرية مع التحفظ على كلمة جماهيرية.

الواقع مع كل وقائعه يؤكد أن المسألة ليست أن بشار الأسد سيبقى أو سيرحل عن السلطة أو أنه سيتنحى أو يرشح نفسه مجددا للرئاسة عام 2014، فالمباحثات كل المباحثات مهما اختلفت جنسية أطرافها وأجندتها وتحالفاتها تتحدث عن سورية ما بعد الأسد، تتناول الهواجس التي ترافق هذه المرحلة عن هوية من سيحكم وكيف سيحكم ومستقبل سورية.

قصة بشار الأسد مع داء الغربة عن الواقع تختصر كل المأساة السورية، فهذا الداء جعل من صبية درعا قبل عامين وقودا لثورة شعبية عارمة والداء نفسه جعل ما أسماه الأسد نفسه بالإصلاحات بعد أشهر من انطلاقة الثورة عنوانا لقمع أكبر .

والداء نفسه أوصل كل المبعوثين الدوليين والعرب من كوفي عنان إلى الأخضر الإبراهيمي إلى الفشل والعجز، وهو نفسه أيضا دفع الكثيرين من المقربين من الأسد إلى الانفضاض عنه والهروب. فالغربة عن الواقع تفقد حاملها القدرة على القرار والقدرة على الحوار والقدرة على مواجهة الأخطار . هذا ما يعانيه بشار الأسد وهذا ما يدفع ثمنه الشعب السوري من دمه وماله ومستقبله.

التعاطي مع بشار الأسد يجب أن يكون من موقع الإدراك بالداء الذي يحمله ولا معالجة للأزمة السورية إلا بمعالجة الرأس المريض ومعالجة المرض بعد عامين على استفحاله قد تستوجب آخر العلاج كما يقول الأطباء «آخر العلاج الكي» .. والسؤال: بعد مرور عام ونصف على ثورة الكرامة السورية .. وبعد سقوط عشرات الآلاف من السوريين قتلى وجرحى وبعد تدمير المدن والبنية التحتية السورية .. هل شعر المجتمع الدولي بأن آخر العلاج .. هو «كي الأسد ؟».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حصة الأسد للبنان من الكويت؟

راجح الخوري

2013-01-30

النهار

لم يتردد احمد داود اوغلو في تقديم "ظلامة تركية" في دافوس عندما شكا من ان بلاده تؤوي 160 الف لاجئ سوري "واستمرار تدفقهم يثير قلقنا"، وليس خافياً ان تركيا بلد كبير مقتدر اقتصادياً يمكن ان يتحمل عبئهم!

ولم يتردد الاردن قبل ايام في الاعلان عن انه يريد إغلاق حدوده في وجه اللاجئين السوريين لأن عدد الذين عبروا اليه حتى الآن تجاوز الـ200 الف وهو ما يفوق احتماله، وليس خافياً على احد ان الاردن يواجه وضعاً اقتصادياً صعباً ينعكس على الحراك الشعبي الداخلي فيه.

ولكن ماذا يقول لبنان يا سادة يا كرام؟

كيف يشكو لبنان وبأي "لسان حال" يتكلم وهو الاعمى والاخرس والاكثر طيشاً والغارق في خلافات احزابه وسياسييه حول القوانين الانتخابية، ليبدو مثل صرصار الصيف يلهو طويلاً ليدهمه جوع الشتاء والمآسي؟

فعلاً ماذا يقول لبنان بعدما تجاوز عدد اللاجئين السوريين الذين هربوا اليه الـ450 الف لاجئ، وهو ما يفوق مجموع اعداد اللاجئين الذين وصلوا الى تركيا والاردن؟ ماذا يقول في ظل ما يتقلب فيه من الازمات الخانقة، وهو الذي يرزح تحت دين بالمليارات وتعلكه سلسلة من الازمات الاقتصادية والمعيشية التي جعلت من ساحاته ووزاراته والشوارع مسرحاً دائماً لصخب التظاهر والمتظاهرين، ولا من يسمع في حكومة "دُبّر بليلٍ" التي تتعامى عن هذا الموضع المأسوي فتمتنع عن الصراخ للحصول على المساعدات لمواجهة هذه الازمة الكبيرة، ربما انسجاماً مع سياسة "النأي بالنفس" التي تحولت دفناً للرؤوس في ازمة اللاجئين الذين اذا استمرت وتيرة تدفقهم على ما هي سيتجاوزون المليون ونصف مليون نهاية الصيف المقبل، الامر الذي سيؤدي حتماً الى غرق القارب اللبناني او انفجاره؟

وعندما يقول الوزير وائل ابو فاعور اننا قصّرنا في شرح الوضع الكارثي الذي يرتبه علينا وضع هؤلاء امام الجامعة العربية والمجتمع الدولي، فان ذلك يعني ان مؤتمر المانحين الذي تستضيفه الكويت يشكل الفرصة الوحيدة وربما الاخيرة للحصول على الـ370 مليون دولار اللازمة لتغطية النفقات لمدة ستة اشهر فقط، ولكن هذا لا يعني في النهاية اننا قادرون فعلاً على تحمل هذا الامر طويلاً، فماذا انتم فاعلون ايها النائمون تحت تراب النأي بالنفس؟!

نعم ماذا يفعل لبنان امام طوفان اللاجئين وهو ذلك القارب الذي تملأه الثقوب؟ ربما عليه ان يصرخ ويستغيث اذا كان فيه بعد من يجرؤ على الصراخ، وعندما تشكو تركيا والاردن يكون من حق لبنان ان يحصل على حصة الاسد من المساعدات التي سيقررها "مؤتمر المانحين" في الكويت، التي حرص اميرها الشيخ صباح دائماً على لبنان حرصه على بلده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل "نضجت" الصفقة؟

الياس الديري

2013-01-30

النهار

سؤال يُطرح عند هذا المفترق السوري الإقليمي الدولي: هل أنجزت واشنطن وموسكو بنود الصفقة السوريّة، وباتت العاصمتان مستعدّتين لإبرام "البازار" الجديد في القمة الثنائيّة المنتظرة منتصف الشهر المقبل؟

على رغم الاضطرابات والمواجهات الدموية المتصاعدة في مختلف المدن المصريَّة، وسقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، فإن حرب الدم والدمار في سوريا استأثرت أمس باهتمام عربي ودولي وإبراز إعلامي غير عاديّين.

أما الأسباب المباشرة في هذه "النقلة"، أو هذه المفاجأة، فهي ما اعتبره مراقبون مخضرمون تصعيداً دولياً يمهِّد لقمة يتوقّع كثيرون أن تسفر عن "حل واضح" للمأساة السوريَّة المفجعة.

ليس مصادفة، أو رمية من غير رامٍ، التقاء واشنطن وموسكو على الإعلان عن "سحب" الدعم الذي كان ينعم به الرئيس السوري... والمعبَّر عنه بلسان وزير خارجيَّة روسيا سيرغي لافروف وبصوت الناطق باسم البيت الأبيض.

فالأول اختصر الموضوع بجملة اعتبرت في منزلة المبتدأ انتظاراً للخبر، إذ قال للمرة الأولى "إننا لم نكن معجبين أبداً بالحكم السوري"، ليوافيه الناطق باسم الرئيس باراك أوباما "مؤكداً رحيل الأسد" الذي صارت أيامه معدودة...

صحيح أن الرئيس الأميركي لم يخفِ حيرته إزاء الوضع في سوريا المستمر منذ 22 شهراً، وأضاف الى "الحيرة" المربكة دزينة من الأسئلة التي اعتبرها البعض من "البديهيّات"، ولا تمنع أميركا من "الإقدام" بصحبة روسيا، إلا أنَّ أوباما قد يكون تذكَّر أن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرّتين.

وخصوصاً عندما يسأل نفسه ومَنْ حوله: هل يمكننا أن نُحدث فارقاً؟ ما ستكون عواقب تورطنا على الأرض؟ هل وهل، والكثير من الأسئلة التي تتبدّى عاديّة، إلا أنها تحجب أو تكشف قلق دولة مثل أميركا لا تزال تدفع ثمن مغامراتها العسكريَّة، كما لا تزال تداوي أصابعها التي أحرقها اللعب بالنار.

على أن ذلك كلُّه، على أهميته، لم يعد يشكِّل حاجزاً، أو سوراً يحُول دون تفاهم واشنطن وموسكو على حلِّ قد لا يُضطر الدولتين الكبيرتين الى استعمال القوّة العسكرية والسلاح... مباشرة على الأقل.

من الطبيعي، عند هذا التقدّم في موقف الدولتين العظميين، أن يتراءى لبعض الأفرقاء اللبنانيّين أن المتغيّرات المنتظرة على هذا الصعيد قد تأخذ من هذا وتعطي ذاك، أو قد تدفع المستقوين بسوريا إلى التريّث، أو اللجوء إلى الأسوأ.

إذا تمَّ ما جاء في الكتب، وتحقَّقت "معجزة" الاتفاق بين واشنطن وموسكو، فإن على العقلاء في الضفتين، في الغابتين، اغتنام الفرصة للمّ الشمل، بعد هذا الافتراق المريع، والعودة إلى لبنان الميثاق ولبنان الرسالة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لروسيا مصالح ثقافية وتجارية وعسكرية واستراتيجية!

سركيس نعوم

2013-01-30

النهار

إجلاء روسيا الاتحادية أخيراً زهاء 80 من مواطنيها المقيمين في سوريا أثار شعورين متناقضين عند اللبنانيين. الاول، الارتياح الحذر. والآخر القلق والخوف. وسبب الشعورين واحد هو الاعتقاد ان المسؤولين في موسكو ما كانوا ليقدموا على الإجلاء لولا اقتناعهم بأن تطور الاوضاع في سوريا يسير في غير مصلحة النظام. طبعاً ادرك هؤلاء انعكاسات الإجلاء على السوريين وعلى غيرهم، ولذلك سارع العاملون في "الوزارة الروسية للأوضاع الطارئة" الى دعوة الجميع الى عدم تضخيم الإجلاء والمبالغة في اسبابه وفي انعكاساته على سوريا وعلى سياسة روسيا حيالها. وأوضحت ان آمال البعض في تزحزح الرئيس فلاديمير بوتين عن "موقفه السوري" المتشدد لا تستند الى معطيات ثابتة. وأكدت انه من غير المحتمل ان تُغيِّره روسيا على الاقل في المستقبل المنظور لأن مصالحها في سوريا ليست فقط عسكرية واستراتيجية، بل هي ايضاً تجارية وثقافية.

هل يمكن شرح المصالح المذكورة تفصيلاً؟

يمكن ذلك، تجيب عاملة في مركز ابحاث اميركي عريق لها خبرة واسعة في الشؤون الروسية. وتبدأ بشرح المصالح الثقافية فتقول ان روسيا اعتبرت سوريا الاسد الحليف الأقرب اليها في العالم العربي منذ أكثر من اربعة عقود. فأثناء "الحرب الباردة" مع اميركا انتقل روس كثيرون الى سوريا، كما انتقل سوريون كثيرون الى روسيا للدراسة الجامعية. وحصلت زيجات مختلطة بين مواطنين من الدولتين. وسعت روسيا الى الافادة من دراسة السوريين في جامعاتها لكي تستطيع الاعتماد عليهم لاحقاً. وبسبب كون سوريا في حينه عاملاً مهماً في السياسة الروسية الشرق الاوسطية، كانت وسائل الإعلام في روسيا تصف السوريين بـ"الحلفاء والأصدقاء". وعندما بدأت الانتفاضة السورية في آذار 2011 كان في سوريا قرابة مئة الف مقيم روسي. وبسبب تأييد موسكو لنظام الأسد استهدف الثوار عدداً من هؤلاء المقيمين. وقد ساعدت هذه الحوادث على زيادة الازدراء الشعبي للقوات المناهضة للاسد.

وتصل الباحثة الاميركية إياها الى المصالح التجارية فتقول ان سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي ونظامه ساهم في تكوين عناد الرئيس بوتين حيال الاوضاع السورية. ذلك ان روسيا خسرت استناداً الى وسائل إعلامها نحو اربعة مليارات دولار اميركي هي قيمة عقود اسلحة موقّعة مع القذافي. وهي تريد تلافي تكرار ذلك مع سوريا. فالاخيرة تُعتَبر "مُستهلِكة" للسلاح الروسي على تنوعه من زمان. وقد زادت تجارة الاسلحة بين دمشق وموسكو منذ وصول الاسد وبوتين الى السلطة عام 2000. واستناداً الى "مؤسسة ابحاث استوكهولم للسلام الدولي" زوَّدت روسيا سوريا ما يقارب الـ78 في المئة من حاجتها الى السلاح بين 2007 و2012. وبين 2007 و2010 بلغت قيمة المبيعات الروسية من الاسلحة الى سوريا اربعة مليارات وسبعمائة مليون دولار اميركي. وفي مجالات اخرى، تقول الباحثة الاميركية اياها، وظّفت الشركات الروسية حوالى 20 مليار دولار اميركي في سوريا منذ عام 2009. وإذا خسر الاسد السلطة فان روسيا ستخسر عقود الاسلحة وتوظيفاتها والاستثمارات. وتقول ايضاً انه يجب عدم إغفال القروض الكبيرة الروسية للأسد. فاستناداً الى "بيانات" رحلات جوية حصلت عليها وسيلة إعلام روسية شحنت موسكو في صيف الـ2011 أكثر من مئتي طن من "اوراق البنكنوت" (اموال) للنظام السوري. وربما بسبب هذه الشحنات نجح الاسد في تفادي الافلاس وفي مواصلة وضع الرواتب لقواته، وخصوصاً بعدما بدأ الاحتياط من النقد الاجنبي الصعب لسوريا في التضاؤل".

ماذا عن المصالح العسكرية الروسية في سوريا الاسد؟

عن ذلك تجيب الباحثة الاميركية اياها فتقول ان بوتين جعل من توسيع القوة البحرية لبلاده هدفاً مركزياً لولايته الثالثة. وقد اعلن ذلك في اثناء الاحتفال بانجاز الغواصات الروسية الحديثة الاولى منذ عام 1991. وسقوط الاسد سيعني خسارة روسيا القاعدة العسكرية البحرية الوحيدة خارج اراضيها المسماة مركز التزويد البحري. ومركزها بحر مدينة طرطوس. في الوقت نفسه تقريباً أعلن وزير الدفاع الروسي عن تدريبات (او مناورات) عسكرية في المتوسط معتبراً اياها "الاكبر في تاريخ" بلاده. طبعاً لم تربط روسيا بين المناورات والصراع في سوريا. لكن المحللين الغربيين يجب أن يعتبروا ذلك اشارة الى ان روسيا لا تنوي التراجع عن دعم الاسد.

ماذا عن المصالح الاستراتيجية الروسية في سوريا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يجوع السوريون.. ولا يخضعون لابتزاز واشنطن!

الطاهر إبراهيم

2013-01-28

القدس العربي

عندما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في الاول تشرين ثاني 2012 من زغرب أنها تنتظر من المعارضة السورية أن تتوسع إلى ما هو أبعد من المجلس الوطني السوري، وأن 'تقاوم بشكل أقوى محاولات المتطرفين لتحويل مسار الثورة' في سوريا ضد بشار الأسد، فقد تساءل المراقبون عن مغزى هذا الكلام؟ فواشنطن لم تغب -في شخص وزيرة خارجيتها- عن أيٍ من لقاءات 'أصدقاء الشعب السوري'، حيث تم الاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي للشعب السوري. وشعر المراقبون بعد هذا التصريح أن 'وراء الأكمة ما وراءها'.

وعندما تداعت شخصيات سورية معارضة إلى تفعيل ما سمي في حينه 'المبادرة'، وتم الإعلان عن قيام 'الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة' في الدوحة في 13 تشرين ثاني 2012، سارعت واشنطن إلى مباركة هذا المولود الجديد.

غير أن ما أثار حنق واشنطن أن 'أحمد معاذ الخطيب' رئيس الائتلاف الوطني لم يكد ينتهي من خطبته أمام ما سمّى 'مؤتمر أصدقاء سورية' بنسخته الرابعة في مراكش المغربية في12 كانون الأول 2012، حتى نهض مدافعا عن 'جبهة النصرة' التي وضعها الرئيس الأمريكي 'أوباما' قبل يوم واحد في 11 كانون أول 2012 على لائحة الإرهاب. كما استغرب نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض جورج صبرا إدراجَ الولايات المتحدة جبــــهةَ النصرة على لائحة الإرهاب، وأكـــد أن جبهة النصرة جزء من الثورة في سوريا.

وكأن واشنطن اعتبرت رفض رئيس الائتلاف الوطني المسلم ونائبه المسيحي رفضا لسياسات واشنطن في المنطقة. ورأينا تغييرا واضحا في مواقف واشنطن تجاه الثورة السورية، ما اعتبر محاولة للالتفاف على الثورة السورية ومحاولة لاستنساخ قيادة جديدة للحكم بتوليفة تضم، فيمن تضم، بعض أركان النظام الحالي، الأمر الذي ترفضه الثورة والشعب السوري معا.

إن موقف رئيس الائتلاف الوطني 'الخطيب' ونائبه 'صبرا' يعبر عن رفض متجذر لدى الشعب السوري لأي إملاءات تفرض عليه من خارج قوى الشعب السوري. وما كان السوريون ليقبلوا الخروج من تحت سيطرة الطغمة المستبدة الحالية ليقعوا تحت هيمنة واشنطن. وكان مسارعة الخطيب للدفاع عن جبهة النصرة هو الإعلان بوضوح أن لا مساومة على حرية خيار الشعب السوري في شكل الحكم الذي يتوق إليه.

أستعجل فأقول: إنه يبدو من تصريح 'أوباما'، وقد قرر ألا يخوض حروب خارجية، كما فعل سلفه بوش، أنه أراد بهذا التصريح أن يحرّش بين جبهة النصرة وباقي مكونات الجيش الحر، بحيث يحرض بعض الوحدات على جبهة النصرة فيقع الاقتتال. لكن فأل 'أوباما' خاب، إذ ظهر العميد 'سليم إدريس' رئيس هيئة أركان الجيش الحر رافضا إدراج جبهة النصرة بقائمة الإرهاب الأمريكية، منوها بأن الجبهة إنما تعتمد على الشباب السوري المثقف. وزادت الصورة والمشهد السوري روعة بتصريح رئيس المجلس العسكري السوري بحلب العقيد 'عبد الجبار العكيدي' الذي يقاتل جنبا إلى جنب مع جبهة النصرة، فامتدح جبهة النصرة وسلوكيات عناصرها، وهو أمر رائع وطيب من قبل عقيد يعرف ما يقول ولا تستطيع واشنطن وغيرها اتهامه بأنه إرهابي ومطلوب أيضا شحنه إلى 'غوانتانامو'.

قد يقول قائل: واشنطن تخاف من البديل الذي يأتي بعد بشار الاسد، كأن تأتي حكومة على شاكلة حكومة طالبان، وفي أحسن الحالات، ربما يكون البديل من بشار الاسد حكومة إسلامية يقودها الإخوان المسلمون. وهنا يتبادر فورا إلى الذهن السؤال: من فوض واشنطن أن تقبل أو لا تقبل شكل الحكم في سورية بعد إطاحة بشار الاسد، أو طبيعة أحزابه التي ستشكل نسيج المجتمع؟ كما نعتبر موقف أوباما تدخلا سافرا في شئون الشعب السوري.

إننا نؤكد أن الحكومة السورية التي جاءت بعد الاستقلال عن فرنسا كانت أكثر ديمقراطية من دول الجوار العربي، حتى قامت واشنطن بدعم 'حسني الزعيم' ضد الرئيس المنتخب 'شكري القوتلي' بانقلاب تم التخطيط له في السفارة الأمريكية في دمشق في 31 آذار 1949، واعتقل الرئيـــس المنتخب ديمقراطيا ورئيس حكومته.

من جهة أخرى، فإن 'أوباما' آخر من يحق له أن يقترح على الثوار السوريين شكل حكومتهم. فلم ير هؤلاء منه إلا كلاما معسولا، لا يسمن ولا يغني من جوع. بل وضغط على دول عربية كي تخفض مساعداتها إلى الحد الأدنى. كما حرض منظومة حلف الناتو ألا تقدم أسلحة مضادة للطيران والدروع، ما تسبب بمقتل أكثر من 60.000 شهيد، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، وتدمير أكثر من 300.000 عمارة ومسكن. بل ورأينا العالم المتحضر، وعلى رأسه أمريكا، يقف متفرجا على ما يفعله نظام بشار أسد، من تدمير ممنهج، وإعادة سورية إلى ما قبل تاريخ القرن العشرين. وكانت واشنطن تغضب ويحمر وجهها لأقل من ذلك بكثير.

يبقى أن نقول أن ثوار الجيش الحر ذاهبون إلى استعادة حرية سورية كاملة، وإرغام بشار أسد ورجال نظامه أو قتلهم 'هبسة تبسة'، شاءت واشنطن وموسكو وطهران أم أبت، مهما كان عدد الشهداء وعدد المساكن التي تدمر.

' كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورةُ استرجاع الثورة

الياس الديري

2013-01-29

النهار

عودٌ على بدء، أم أنه "المخاض" الذي به وعَبْره تصحّح الثورات عادة مسيرتها، وتوجهاتها وقياداتها؟

تفادياً للانزلاق في مكيدة استبدال السيئ بالأسوأ، وتنصيب المستبدّ والمتحجّر مكان الديكتاتور والطاغية، لا بدّ لشباب "الربيع العربي" وشعوب الأنظمة التي أكل الدهر عليها وشرب، من العودة إلى الميادين والساحات واستئناف الاحتجاجات الرافضة لكل هذا المشهد المخيف، والرافض لأي تغيير وتحديث وتطوير.

من هنا، من هذه الزاوية، يتراءى المشهد العربي في صراعاته ومواجهاته المتجدِّدة، كأنه في صميم حقبة تمرّده وانتفاضاته في وجه حكم الاستعمار والانتداب والاحتلال، وما شابه.

وكأنما المنطقة بأسرها تستفيق على خديعة أخرى، بثوب مستعار، وبأصوات مستوردة... إنما بالأفكار والأساليب ذاتها.

لكن مصر تبرز دائماً في الطليعة، كونها الأعرق في التاريخ والجغرافيا، وفي ارتداء حلة التطوّر في اتجاه النظام المدني والدولة والمؤسسات بكل هيئاتها وتراتبيّتها.

ولطالما كانت ولا تزال تشكّل المثال والرمز والقدوة، حتى بالنسبة إلى "الربيع العربي" وجديَّة شبابها وأجيالها، وتصميمهم على استعادة الثورة إلى منطلقاتها واسترجاعها.

يخطئ "الإخوان"، سواء في مصر، أم في تونس، أم في ليبيا، أم في اليمن، أم في سوريا، أم في أي بلد عربي، إن هم افترضوا أن السلطة آلت إليهم ليحكموا ويتحكّموا كما يشاؤون ويشتهون، عوض أن يتفهّموا تطلّعات الأجيال والشعوب بصورة عامة، والاستجابة لها، والتخلي عن هذا الانغلاق المعتم، والتسليم، باقتناع، بأهميّة التغيير والتطوير والتحديث والانفتاح، وبعيداً من الانطواء والتوغّل في الأصوليّات

ثمة من يراهن في الداخل العربي، كما عبْر البحار في العالم الأوسع وفي "عواصم القرار" على عدم تمكّن "الاخوان" سواء في مصر أم في تونس وسواهما، من السيطرة بالمفاهيم عينها، وعلى الأسس ذاتها التي يرفضها الثوار، ولن يستسلموا لها.

وفي الحوارات التلفزيونية المختلفة في الأسماء والانتماء واللغات والهويات، رأى كثيرون من المحلّلين أن استعجال "الاخوان" في كشف أقنعتهم، أظهر للناس ما يخبئون ويهيئون خلف الشعارات والمبادرات والاقتراحات التي تبخّرت قبل صياح الديك... وبقي "الاخوان" كما هم وكما يعرفهم المصريون والتونسيون وغيرهم.

أما الرئيس محمد مرسي، فقد كان هدفاً سهلاً لرشقات متقاربة، التقت بمجملها عند نقطة اتهامه بإعادة مصر الى "الفخاخ" القديمة من طوارئ واستهداف للحريات، إلى التهديد والوعيد بالانتقامات ومشتقاتها.

لن تهدأ ثورة مصر والمصريين قبل رحيل من خطفوا الثورة وانقلبوا على الثوار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين مانديلا و هولاكو القرداحة!

علي حماده

2013-01-29

النهار

في احد اللقاءات المسائية في "المنتدى الاقتصادي العالمي" في دافوس الذي عقد هذا العام بين ٢٤ و٢٧ كانون الاول الجاري، تحدث الصحافي الاميركي في "النيويورك تايمس" توماس فريدمان عن سوريا، فاستهل حديثه برواية قصة معروفة جدا عن نيلسون مانديلا بعد خروجه من السجن وتبوئه سدة الرئاسة، قال: "في احد اول اجتماعات الحكومة الجنوب افريقية التي تشكلت اثر سقوط نظام الابارتايد، فاتح وزير الرياضة مانديلا في موضوع يتعلق بفريق لعبة الرغبي المعتبرة اللعبة الاولى في البلاد، فشرح ان الفريق الوطني سوف يشارك في بطولة العالم التي سبق له ان انتزعها مرات عدة في السابق، في ظل نظام جديد غير الابارتايد، وقد درجت تسمية الفريق بـ "سبيرينغ بوكس" كإسم رمزي واشتهر به. قال الوزير لمانديلا: اقترح تغيير التسمية لانها ترمز الى الابارتايد وسلطة البيض على السود في البلاد". لم يتأخر رد مانديلا الذي قال للوزير: "سوف نفاجئهم، لن نغير الاسم. وسيبقى رمزا لوحدة افريقيا الجنوبية". واندهش الوزير لكنه نفذ اوامر مانديلا.

يقول فريدمان: "هل هناك مانديلا في سوريا ينقذ البلاد من دمار محقق، ويمنع تفتت سوريا وفقا لما يعتقد اكثر من خبير انه المآل الحتمي للحرب الدائرة هناك؟ طبعا جاء الرد على حديث فريدمان من بعض الشخصيات السورية المستقلة بالنفي: "ليس ثمة مانديلا في سوريا". وسارع البعض الاخر الى القول ان بشار الاسد مصمم على تدمير سوريا بالكامل ولا يعبأ لو كلف الامر مليون قتيل. وقد دمر حلب، وحمص، وغيرهما، وسوف يدمر دمشق نفسها على رؤوس اهلها قبل ان يتنحى. وامام هذا الواقع ثمة خياران بحسب وجهة نظر سورية مستقلة متعاطفة مع الثورة: اما المضي في الحرب المفتوحة حتى يصير التقاتل على الركام بدل ان يكون على سوريا، واما التقاط اي فرصة لحل سياسي حتى لو كان لا يحقق كل اهداف الثورة. هنا المفارقة ان تضطر الثورة الى ذلك منعا لتدمير سوريا بالكامل من نظام صرح احد اركانه ذات مرة انه مستعد للتضحية بثلث الشعب سوري اذا لزم الامر من اجل بقاء النظام!

امر محير حقا! لكن هل يمكن الحديث بعد عن حل سياسي مع نظام قتل حتى الان اكثر من ١٣٧ الف مواطن، ويعتقل اكثر من ١٧٠ الفا؟ هذا سؤال موجه الى سوريين مخلصين يعارضون النظام ورئيسه، لكنهم مؤرقون بفكرة سوريا في اليوم التالي! اي سوريا بعد ان يكون بشار سواها بالارض؟ اي سوريا بعد ان يكون "هولاكو" القرداحة رحل؟

في الجلسة المسائية عينها قال لي مسؤول خليجي كبير: "لقد انتظرنا الرئيس اوباما كثيرا، ولا يزال مترددا، كما انه بلغتنا معلومات عن ان ثمة خطوطا فتوحة مع النظام في سوريا. لقد منعنا من تقديم كل الدعم الذي كنا ننوي تقديمه للثورة في سوريا: انتهت مرحلة الانتظار سنمضي وحدنا وسنرفع مستوى الدعم لموازاته بالدعم الايراني والروسي لبشار، بل وللتفوق عليه".

كل ماتقدم يؤشر لربيع ملتهب في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا بين الروايتين..الروسية والإيرانية

يوسف الكويليت

الرياض

29-1-2013

من يسمع ويقرأ التصريحات الإيرانية من مختلف مسؤوليها، يعتقد أنها تتصرف بعقلية الدولة العظمى، فقد تنقذ الاقتصاد العالمي من ورطته، وتنقذ البشرية من تلوث كوكبها، وتعلن التصالح الديني مع جميع الملل، وتسيّر فائض غذائها للبلدان الفقيرة لتطعمها من خيراتها، خاصة وأنها بقوتها العظمى تهدد أي دولة تتدخل في سوريا لأنه من خطوطها الحمراء، وكذلك البحرين، والكل يعلم أن إيران تعيش وضعاً مرعباً لا تنفع معه الجعجعة وسط خط فقر يتضاعف كل يوم، وفرقة وطنية بين المذاهب والقوميات، واقتصاد منحدر إلى نقطة الصفر..

سوريا مهمة لإيران لأنها حجر الزاوية، وبمجرد نهاية السلطة سوف تتأثر في الداخل ومحيطها الذي زعمت أنه درع قوتها المذهبية والقومية، لكن المتغير، وكما قالت في العديد من تصريحاتها بأن أي تغيير يتم في سوريا يأتي بواسطة شعبها، لا غيره، وهذا ما يحدث على الواقع، أي أن الثورة قامت من خلال هذه النتائج وهو رفض جماعي، وليس، كما تدعي إيران عصابات إرهابية، لسلطة الأسد وحليفتيه إيران وروسيا..

لا ندري من نصدق! إيران التي تزعم أن الأسد قوي يمسك بزمام السلطة أم رئيس وزراء روسيا «ميدفيدف» الداعمة دولته عسكرياً ومادياً لنظام الأسد والذي قال ب«بتلاشي فرص الأسد للبقاء في السلطة التي تتضاءل، وارتكب خطأ فادحاً قد يكون قاضيا» ؟

وهذا حديث مسؤول في قلب المعركة، ويعرف أن خصومته في الوضع السوري هي مع دول حلف الأطلسي، وتحديداً أمريكا التي قد يتفق معها، وبدون حكومة طهران أو حتى سوريا على حل جديد بصفقة بين الكبار كما حدث في العديد من القضايا العالمية..

الخيارات مفتوحة على أكثر من باب وحتى أمريكا آخذة في مراجعة مواقفها في الشأن السوري، والدولتان لديهما موازين تقيسان فيها ظروفهما وانعكاس الأحداث على مصالحهما، وسوريا جزء من مهمة منتظرة، وحتى إسرائيل على لسان (نتنياهو) تحذر من الفوضى السورية بوصول أسلحتها الكيماوية لحزب الله أو المعارضة، وأشارت بشكل عرضي إلى تدخل مباشر عسكرياً من قبلها..

إذاً فالوضع السوري خرج من اللعبة الصغيرة إلى التدويل، وكلٌّ يقوّم الواقع وفق ما سيكون ما بعد الأسد على المحيط السوري وخارجه، لأن التوقعات خلقت مخاوف من حرب أهلية تجرّ معها قوى إقليمية وخارجية ومنظمات متطرفة، وقد يكون العراق هو المتأثر الأول مع لبنان، وهنا جاء تقدير رئيس الوزراء الروسي بالعودة إلى عمل دولي لا يكون الأسد قضيته الرئيسية، لأن الإرادة الشعبية التي بدأت تأخذ حجماً يحاصر النظام والذي لم يعد يسيطر إلا على ثلث سوريا، ويحتمي بقواته المدعومة من روسيا وإيران لم تعد لها القيمة الاستراتيجية التي تتعلل بها روسيا، لأن خسارتها للشعب السوري لمصلحة الأسد ستكون كارثة عليها، وفي لجوئها لأمريكا بحل ثنائي ربما يجعلها أكثر قرباً من الواقعية في حماية مستقبلها في المنطقة كلها، والتي طالما ظلت الأهم في استراتيجية روسيا منذ القياصرة وحتى اليوم..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإرادة الثابتة بوابة انتصار الثورة السورية

الشرق الاوسط

جمال قارصني

29-1-2013

إن الأحداث المأساوية التي تدور في سوريا وردود الفعل المتضاربة والمتناحرة من قبل المجتمع الدولي عليها تدعونا إلى الاستغراب والتساؤل لما شكلته هذه الأحداث من خروج عن نطاق التاريخ الإنساني المعاصر.

أحداث ووقائع فريدة في نمطها وأسلوبها، شكلت سابقة خطيرة وظاهرة غريبة في تجاوز حدود القتل والتدمير الذي تنتهجه السلطة الديكتاتورية الحاكمة في سوريا ضد شعبها. وعلى الرغم من تجاوز هذه السلطة لكل المحرمات والمقدسات الإنسانية والاجتماعية والدينية والأخلاقية، ما زلنا نجد دولا تؤيد وتدعم النظام السوري بكل إمكانياتها المالية والعسكرية والاقتصادية للاستمرار في نهجه الدموي بحق الشعب السوري البطل، ودولا أخرى متفرجة على ما يدور من أحداث مأساوية، لكنها مشجعة على متابعة تصفية ثورة الشعب السوري الحر، وأخرى صامتة لا تملك الشجاعة والجرأة على اتخاذ مواقف واضحة وحاسمة لصالح الشعب السوري في نضاله ضد سلطة القمع والقتل لنيل حريته واستعادة كرامته.

لو أخذنا مثالا على مدى التخاذل والاستهتار بالدم السوري فمن خلال ما حصل أثناء مجزرة جامعة حلب بتاريخ 15 – 1 - 2013 التي راح ضحيتها أكثر من ثمانين طالبا وكيف تم تجاهل هذه المجزرة من قبل كثير من وسائل الإعلام العالمية، والتي لم يتطرق إليها أحد لا من قريب ولا من بعيد. إن الاستهتار بالدم السوري أصبح يدعو إلى الحيرة والقلق. على سبيل المثال لو مات في أحد المختبرات الطبية في أوروبا من دون سبب كل يوم عدد من الفئران لا يساوي عدد الضحايا التي تسقط في سوريا، لتحركت كثير من المنظمات الدولية وجمعيات الرفق بالحيوان استنكارا لما يحصل في هذا المختبر.

الآن وبعد نحو عشرين شهرا على انطلاق الثورة السورية المباركة ما زالت السلطة الديكتاتورية الحاكمة في سوريا تتبع نفس الطريقة والأسلوب المشين في قتل الشعب السوري وتدمير بنيته التحتية.. هي لم تنظر يوما ما إلى الشعب السوري بكافة فئاته وأطيافه بقدر من الاحترام والمساواة، ولذلك لا يهمها قصف المدنيين مهما كانت آراؤهم ومشاربهم الفكرية، سواء الذين يقطنون في المناطق التي تحررت وأصبحت خاضعة للجيش الحر أو هؤلاء المدنيين الذين لا يزالون يعيشون حياة القهر والإذلال تحت هيمنتها القمعية للحريات والعدالة والمساواة بانتظار تحريرهم من بطش النظام وأجهزته الأمنية ليشاركوا إخوانهم في الوطن أهازيج الفرح والنصر والتحرر.

إن الادعاءات التي تحاول السلطة الديكتاتورية الحاكمة تسويقها داخليا وخارجيا باتت مكشوفة للقاصي والداني، حيث لم يعد بإمكانه تزييف الحقائق والأدلة وتغيير آراء وقناعات الشعب السوري بمن يرتكبها ويقف وراءها.. هو يعلم تماما من لديه الجرأة والثقافة الأمنية والمخابراتية في اضطهاد الشعب السوري على مدى 40 عاما من الاعتقالات وتكميم الأفواه واحتكار السلطة ونهب خيرات الشعب السوري.. هذا الشعب يعلم تماما ويدرك من يقوم باستباحة المحرمات وتفجير المخابز والمستشفيات ومحطات توليد الطاقة وأنابيب المياه وكل المرافق الحيوية التي يحتاجها الشعب السوري بشكل يومي للضغط عليه، عله يغير من قناعاته تجاه النظام الدموي.. ولعل الجرم الفاضح في قصف المدينة الجامعية ومنطقة المحافظة في مدينة حلب خير دليل على مدى الوهن والضعف الذي وصل إليه هذا النظام الذي لا يميز في إجرامه بين أبناء الشعب السوري، سواء في المناطق المحررة أو المناطق التي ما زال يهيمن عليها قسرا ويدعي ولاءها إليه.

إن معظم دول العالم النافذة سياسيا وعسكريا توجد وتنشط أمنيا في الساحة السورية حاليا وتعلم أدق التفاصيل عما يجري هناك، ولو أرادت هذه الدول أن تقدم الدعم والمساعدة للثورة السورية حتى تحقق أهدافها في النصر بأسرع وقت ممكن لوفرت الأسباب والمبررات لذلك كما حدث في الساحة الليبية والتدخل الحالي في شمال مالي، لكن التخاذل الدولي في دعم الثورة السورية لأسباب مختلفة تجعله يبحث دائما عن الذرائع والحجج لكي يبرر عدم دعمه لها ميدانيا وإبقاء صفة الدعم إعلاميا وسياسيا فقط. في الحقيقة لا يخفى على المرء نهائيا النيات الحقيقية لبعض الدول التي تدعي انتماءها لنادي «أصدقاء الشعب السوري».. هم لا يريدون أن تنتصر الثورة السورية بالسهولة والسرعة المطلوبة، وذلك لاعتبارات كثيرة ومختلفة، حيث لكل أسبابه ودوافعه الشخصية والسياسية والاقتصادية والعسكرية من ناحية، ولكن الأهم أن لا تشكل هذه الثورة حافزا وقدوة للشعوب المقهورة للانتفاض من أجل حريتها وكرامتها.

لم تحصل الثورة السورية حتى يومنا هذا على الدعم الكافي من الدول المعنية بالشأن السوري على الرغم من كل الوعود والتصريحات ووجود كل المبررات الإنسانية لهذا الدعم. إن التردد الدولي والإقليمي في دعم الثورة السورية بما يضمن تحقيق أهدافها والتردد في اتخاذ القرارات الحاسمة بضرورة إسقاط النظام ورموزه الحاكمة وتحويل القضية السورية إلى ملفات إنسانية فقط في أروقة المؤتمرات الدولية «نازحين ولاجئين» سيطيل في عمر الأزمة السورية واستنزاف طاقات الشعب السوري حتى النهاية مما سيؤدي إلى استفحال هيمنة المجموعات الثورية المسلحة التي تشكلت بعد انطلاق الثورة السورية على الحياة المدنية وصعوبة وضعها تحت قيادة سياسية في المرحلة اللاحقة.

إن نجاح الثورة السورية يتوقف على عاملين مهمين هما الدعم الحقيقي والمطلق من جانب الدول العربية والدول الصديقة للشعب السوري في تأمين ضرورات صموده ونضاله سياسيا وعسكريا وماليا ضد السلطة الديكتاتورية الحاكمة حتى تحقيق النصر، إضافة إلى المساهمة الحقيقية في تشكيل حكومة انتقالية واسعة تضيق الخناق على السلطة الديكتاتورية الحاكمة بشكل عملي وفعلي، سياسيا ودبلوماسيا وماليا. هذه الحكومة تضم كل أطياف المعارضة السياسية والعسكرية في الداخل والخارج بما يضمن التمثيل الحقيقي لأطياف الشعب السوري بكافة فئاته والعمل الجاد على إعادة بناء الوطن والمجتمع السوري برؤية وطنية جديدة عصرية متطورة بعيدة عن التجاذبات والمصالح الدولية.

عاجلا أم آجلا ستنتصر الثورة السورية رغم كل مؤامرات الغدر التي تحيط بها. أما الإجرام الفظيع الذي تقوم به السلطة الديكتاتورية هناك والذي لم يشهد له التاريخ مثيلا، سيطيل عمر النظام في سوريا وسيزيد الثمن الذي سيدفعه الشعب السوري من أجل حريته وكرامته من دماء وشهداء ودمار ومعاناة، ولكن ما تقوله لنا التجارب العالمية وما تعلمناه من التاريخ هو أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الشعوب ستنتصر في آخر المطاف مهما طال الزمن. والسؤال هنا، هل هناك من يعتبر؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الكارثة في سورية... كما يراها لافروف

محمد مشموشي *

الثلاثاء ٢٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

لا يرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الكارثة الإنسانية التي تحل بالشعب السوري منذ حوالى عامين، نتيجة حرب الإبادة الجماعية التي يشنها بشار الأسد عليه بالطائرات المقاتلة وراجمات الصواريخ ومدافع الدبابات، إلا أنها ترجع لسبب واحد هو مطالبة معارضي الأسد بتنحيه عن السلطة. لهذا، لا يرى لافروف سبيلاً لإنهاء هذه الكارثة إلا الحل السياسي الذي يقوم على الحوار مع الأسد، ولسبب واحد أيضاً كما قال غير مرة، هو رفض الأسد التنحي وحتى استحالة إقناعه بذلك... وإلا، فهذه الكارثة مرشحة لأن تستمر سنوات أخرى!

مع ذلك، فلا يرى رئيس الديبلوماسية الروسية بداً من إجلاء عدد من رعايا بلاده من سورية (لأنهم يريدون ذلك؟!)، وإن يكن عبر مطار بيروت وليس عبر مطار دمشق. كما لا يرى في ذلك أي سبب لإعادة النظر في موقفه من الأسد ونظامه، أو من معارضيه والثورة الشعبية ضده، أو من الحوار المستحيل بينهما.

هكذا، فالكارثة السورية، من وجهة نظر لافروف، بسيطة جداً في السياسة وبريئة جداً أخلاقياً، وحلها يتم بالحوار مع النظام وليس من أي طريق آخر.

لا حديث هنا عن خمسة ملايين إنسان (ربع سكان سورية)، وفق إحصاءات وكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، ممن ينطبق عليهم وصف جوعى في الوقت الراهن، ولا عن مثلهم من النازحين من منازلهم في الداخل السوري وإلى دول الجوار، ولا عن أكثر من خمسة وستين ألف قتيل وضعفهم من الجرحى أو من المفقودين، ولا عن مئات الألوف من المعتقلين، ولا عن التدمير الممنهج وشبه الكامل لبنية كثير من المدن والبلدات والقرى، ولا بعد ذلك كله عن الآلة الحربية التي أوصلت سورية إلى هذه الحال (بمساعدة مباشرة من دولة لافروف) والتي لا تستخدم عادة إلا في الحروب النظامية بين الدول.

ولا حديث حتى عن الكارثة الأخرى المادية والإنسانية، وربما الأمنية والسياسية كما قال الأسد مراراً منذ بداية الثورة ضده، التي تهدد بلدان الجوار، الأردن ولبنان تحديداً، بسبب وجود مئات الألوف من النازحين السوريين فيها، وما قد يؤدي إليه هذا الوضع من تهديد للسلام في المنطقة... وحتى في العالم كله وفق ما حذر منه الوسيط الأممي – العربي الأخضر الإبراهيمي منذ بدء مهمته في العاصمة السورية قبل حوالى عام.

الكارثة فقط، وفق لافروف، هي أن المعارضة السورية تطالب برحيل الأسد من ناحية وترفض الحوار معه من ناحية أخرى، فيما يصر الأخير على البقاء في السلطة ولا إمكان لإقناعه بالتنحي... وكل ما عدا ذلك لا مكان له في تفكيره أو في رؤية بلاده السياسية لسورية وشعبها فضلاً عن شعوب المنطقة والعالم.

وهذا، للمناسبة، هو ما يردده بشار الأسد وطاقمه الحكومي عندما يتحدثون عن الحال في بلادهم والكارثة التي تمر بها على امتداد عامين حتى الآن، وإن كانوا يضيفون إلى ذلك ما ربما يتجاهله لافروف وأعوانه في الخارجية الروسية في شكل متعمد: ترشيح الأسد لولاية رئاسية ثالثة بعد أن تنتهي ولايته الحالية في 2014.

هل سمع لافروف التصريحات التي أدلى بها في المدة الأخيرة كل من وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد في هذا الشأن، أم إن ذلك ما كان يعنيه عندما حذر من استمرار الأزمة السورية سنوات أخرى في ما لو لم يتم الحل السياسي – حله القائم على الحوار مع النظام – وبقي الوضع على حاله؟

الواقع أن سياسة روسيا تجاه سورية، وأياً كانت دوافعها والمصالح الكامنة وراءها، تتحمل مسؤولية كبرى عن الكارثة الإنسانية والوطنية التي تلحق بسورية وشعبها في هذه الفترة.

هذا لا يعني قطعاً تحييد إيران ودورها العملي على الأرض في حرب الإبادة التي يشنها بشار الأسد ضد شعبه، ولا كذلك تبرئة الولايات المتحدة والغرب عموماً، إلا أن أياً من ساسة هذه البلدان لا يستخدم على الأقل اللغة التي يلجأ إليها لافروف لاجتراح حل لمعضلة صديقه الأسد ومعضلته هو في سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من جوهر المشكلة إلى حوافها

فايز سارة *

الثلاثاء ٢٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

منذ بدء الأحداث في سورية قبل حوالى عامين، أقر كثرٌ بأن الأحداث السورية، تعبير عن أزمة بنيوية شاملة، ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، جاءت بفعل تطورات الوضع السوري التي أنتجتها سنوات طويلة من عهد البعث، ولا سيما في الأربعين عاماً الأخيرة، حيث تم تدمير السياسة بصفتها آلية إدارة المجتمع، وتم ترسيخ الاستبداد والفساد، وتعميق الانقسامات والحساسيات في المجالات كافة، ما وضع البلاد على حافة انفجار هائل، كانت شرارته أحداث درعا، والتي قوبلت برد دموي، امتد إلى كل الأنحاء، وما زال متواصلاً في كل منطقة ارتفع فيها صوت محتجين أو تظاهروا.

وبخلاف نظرة الكثيرين للأزمة، فالنظام رأى في ما حدث مشكلة أمنية، تتمثل في أعمال شغب وتمرد، ما لبث أن أعطاها طابع مؤامرة داخلية – خارجية، قوامها في الداخل عصابات مسلحة وإرهاب أصولي يتصل بالقاعدة، وفي الخارج ثلاثي تقليدي بتعديلات طفيفة على أطرافه من الإمبريالية والرجعية والصهيونية إلى الولايات المتحدة وفرنسا والبلدان العربية مع تركيز على تركيا وقطر البلدين الذين كانا الأقرب إلى النظام في دمشق قبل بدء الأحداث.

ولا تعكس نظرة النظام للأزمة قصوراً في فهمها، لأن أركانه يعرفون أكثر من غيرهم ما حدث في العقود الماضية، وأن ما حدث كان سبب الأزمة، لكنهم تجاهلوا ذلك عمداً للتهرب من استحقاق الاعتراف بحقيقة الأزمة ومسؤوليتهم عنها، ما يتطلب تغييراً شاملاً في طبيعة النظام ومؤسساته، أو على الأقل الذهاب في خطة إصلاح جوهرية، كرروا رفضهم مطالب السوريين السير فيها مرات في العقدين الماضيين، وفضلوا ترك جوهر المشكلة والذهاب إلى إحدى حوافها، وهو اعتبارها مشكلة أمنية، يتم التعامل مع أطرافها عبر القوة باستخدام القبضة الدموية للأمن والجيش قبل أن ينضم لهما الشبيحة.

والحق، فإن النظام كرس هذه الطريقة في التعامل مع الأزمة في سورية منذ البداية ولا يزال. ففي كل الأحوال، كان ينظر لها بصفتها مطالب خدمية واحتياجات مادية ومساعدات وتعويضات، وفي الأبعد من ذلك إصلاحات شكلية، لا تطاول جوهر النظام السياسي والأمني. والطريف أن هذه الطريقة انتقلت إلى المحيط الإقليمي والدولي في التعامل مع الأزمة السورية، ولا سيما من جانب الأطراف الداعمة موقفَ النظام وفهمه للأزمة وشكل التعامل معها ومع تداعياتها، وهو ما يفسر طبيعة المواقف والسياسات المؤيدة والقوية، التي تتخذها دول مثل روسيا وإيران والصين بصورة خاصة حيال الوضع السوري وتطوراته، حيث يجري التركيز على أن ما يجري في سورية هو ثمرة تدخلات خارجية، وأن سوريي الخارج عملاء، وقوى المعارضة الداخلية سلفية وجهادية وعصابات مسلحة، وأن هدفها إحكام القبضة على سورية وتدمير قدراتها وإقامة دولة إسلامية متشددة فيها. وكما هي حال النظام، لا يمكن القول، إن هذه الدول لا تعرف جوهر الأزمة في سورية، وكيفية معالجتها، بل هي تتهرب من مواجهة جوهر الأزمة والتعامل معها إلى ما هو ثانوي فيها استجابة لمصالحها، التي تتوافق مع مصالح النظام وبقائه على حاله في سدة السلطة.

وبصفة عامة، فسياسة غض النظر عن جوهر الأزمة السورية، والتعامل مع تفرعاتها، صارت سياسة دولية، تتعامل بها المؤسسات والهيئات الدولية بما فيها الأمم المتحدة ووكالاتها، وكذلك الدول التي تعرف حقيقة الأزمة وجوهرها، وتطالب بحل جذري لها، لكنها بسبب عجزها عن المضي في طريق معالجة الأزمة في جوهرها، تذهب للحديث في التفرعات وضرورة معالجتها كما في موضوع وحدة المعارضة وانقسامها، وحضور السلفيين فيها، وقضايا المهجرين داخل سورية واحتياجاتهم، وموضوع اللاجئين السوريين في دول الجوار وظروفهم الصعبة، وتأثيرهم في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تلك البلدان، وكلها أمور تفصيلية في قضية أساسية، جوهرها معالجة الأزمة، وهي قضية إذا تم حسمها ومعالجتها، لن يكون لتلك الموضوعات المتفرعة من وجود، أو على الأقل ستتوقف تداعياتها وتأثيراتها في سورية وفي المحيط الإقليمي والدولي.

لقد آن الأوان لوقف سياسة التضليل المحيطة بالأزمة السورية. فليست مشكلة سورية والسوريين بما يمكن أن يقدمه العالم لهم من مساعدات غذائية وطبية، أو بمن سيسمح لهم بعبور الحدود والإقامة داخل مخيمات اللاجئين أو خارجها، ولا في ما إذا سيسمح لأطفالهم الذهاب إلى المدارس في بلدان اللجوء أم لا، ولا في بقاء طلابهم في الجامعات البريطانية أو طردهم منها، ولا في تقديم الصينيين مبلغ خمسين ألف دولار مساعدة للشعب السوري.

إن السوريين في حاجة إلى معالجة أزمة تقتلهم وتشردهم وتدمر بلادهم، بحيث يتوقف ذلك، ويتم انتقالهم إلى نظام ديموقراطي تعددي بأقل الخسائر الممكنة، وفق طريقة يوفرها المجتمع الدولي الذي ينبغي أن يذهب إلى لب المشكلة وجوهرها، ويعالجها، لا أن يستمر في تعامل مع حواف المشكلة السورية وبعض نتائجها وسط تدخلات الكثير من دوله، التي زادت آلام السوريين، وأخرت إيجاد حل لأزمتهم وجعلتهم يذهبون من السيئ إلى الاسوأ في العامين الماضيين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة أو «النصرة»

حازم صاغيّة

الثلاثاء ٢٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

تبنّي «جبهة النصرة» جريمة السلميّة، بعد عدد من الارتكابات، ينبغي أن يرسم خطّاً فاصلاً بين تفكير الأمس وتفكير اليوم، وبين سلوك الأمس وسلوك اليوم.

فالجماعة التي تقاتل النظام الأسديّ بكفاءة، على ما قال المدافعون عنها يوم اعتبرها الأميركيّون منظّمة إرهابيّة، إنّما تقاتل الثورة بكفاءة أكبر، مطيلةً عمر النظام الذي تقاتله، وممعنة في تفتيت مجتمع مفتّت أصلاً.

وهذا يعني أنّ منع «النصرة» من مقاتلة النظام يرقى إلى واجب لأنّه يعني منعها من تعزيز النظام على الجبهات الأكثر حساسيّة والأشدّ خطورة.

فهذه الحركة التي تجمع بين وعي سلفيّ غارق في العتم، ونهج إرهابيّ غارق في الجريمة، وضعف متعدّد الأسباب في الوطنيّة السوريّة، لا يجوز أن تُحسب على الثورة كائناً ما كان حساب الأرباح والخسائر المباشرة. وحيث تكون «النصرة» ينبغي ألاّ تكون الثورة.

فهي لا تعد إلاّ بإرساء استبداد ربّما كان أشرس من استبداد النظام الأسديّ الذي يفرك يديه فرحاً لها ولنشاطها. وللذين ينظرون إلى الأمر نظرة عسكريّة وتقنيّة، تقاس بكسب أمتار مربّعة من الأرض أو خسارة أمتار مربّعة، فإنّ الثورة لن تنتصر بـ»جبهة النصرة». ذاك أنّ الأخيرة إنّما تفتح البلد، إلى ما لا نهاية، على إرهاب عابر للحدود تستحيل معه إعادة بناء سوريّة، لا غداً ولا بعد غد، فيما تُضعف أسباب التضامن مع الثورة في أوساط الرأي العام الغربيّ المؤهّل وحده أن يضغط على حكوماته كي تتدخّل.

ودعنا نتجنّب المكابرة والشفنخة العربيّتين، فمن دون تدخّل لا يوجد أمل، أيّ أمل، بالنصر.

بلغة أخرى، تستدعي «النصرة» العوامل التي تقمع الثورة وتجعلها مستحيلة، فيما تغلق الأبواب في وجه القوى التي قد تنصر الثورة وتحملها إلى السلطة. وهذا ناهيك عن تنفير أبناء الأقليّات، علويّين وأكراداً ومسيحيّين ودروزاً وإسماعيليّين، فرداً فرداً، من هذه الثورة.

فوق ذلك، يؤول التنصّل من «النصرة» وشقيقاتها إلى تمرين على مستقبل سوريّة، أي على غد لا مكان فيه للاستبداد البعثيّ، ولكنْ أيضاً لا مكان فيه للاستبداد السلفيّ. وهذا فضلاً عن احتلال منصّة أخلاقيّة رفيعة يستطيع أصحابها أن يتباهوا بأنّهم وقفوا، في وقت واحد، ضدّ البعثين، القوميّ العسكريّ والدينيّ الإرهابيّ. وغنيّ عن القول إنّ تنصّلاً كهذا قد يخدم رافعةً لرأب بعض الصدوع مع أقليّات المجتمع السوريّ، الدينيّة والإثنيّة، ومع قطاعات سنّيّة مدينيّة لا تفعل «النصرة» ومثيلاتها إلاّ رفع نسبة تغريبها وتنفيرها.

فـ «النصرة» إرهابيّة حتّى لو قالت الولايات المتّحدة هذا!.

وقد ضجرنا من ترداد كلام صائب عن دور النظام في إنتاج ظاهرات كـ «النصرة»، وعن حصّته الكبرى وحصّة عنفه ودمويّته في تديين المعارضة، وعن اعتقال النظام للكوادر المدنيّين وقتلهم وتشتيتهم وترك الساحة للإسلاميّين. فهذا الكلام الصائب لم يعد له من الوظائف إلاّ وظيفة التبرير، فيما بات المطلوب التقدّم نوعيّاً باتّجاه كلام آخر وسلوك آخر، أكان حيال «النصرة» أم حيال بناء المؤسّسات العسكريّة والسياسيّة الموحّدة للثورة. وفي هذا السياق لماذا لا تبادر تلك المؤسّسات فتقترح على القوى الغربيّة درجة أعلى من الدعم العسكريّ مقابل أن تتولّى التخلّص من «النصرة» وشبيهاتها، أي تخليص سوريّة منها قبل تخليص العالم.

غير ذلك، وبينما تمرّ الثورة في إحدى أحلك مراحلها، يجعل النصر نفسه من دون طعم، بقدر ما يجعل الهزيمة تزدوج فتغدو هزيمتين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معنى تصريحات مدفيديف؟!

الراي الاردنية

صالح القلاب

29-1-2013

حتى يقول رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف: «أن فرص بقاء بشار الأسد في السلطة تتضاءل يوماً بعد يوم وأنه ارتكب خطأً فادحاً قد يكون قاضياً لأنه تأخر كثيراً في تطبيق الإصلاحات السياسية: فإن هذا يعني إما أن هناك خلافاً محتدماً داخل المجموعة الحاكمة في روسيا حول المسألة السورية أو أن هناك توزيع أدوار في لعبة يدفع ثمنها الشعب السوري وأغلب الظن أن هذا المسؤول الروسي قد قال هذا الذي قاله لتمييز مواقفه عن مواقف رئيسه فلاديمير بوتين كمؤشر على بداية صراعٍ قد يكون محطته الإنتخابات الرئاسية المقبلة.

هناك معلومات تقول أن مدفيديف بدأ يُحضِّر نفسه لمعركة الإنتخابات الرئاسية المقبلة ،بعيداً عن صيغة تبادل المواقع السابقة بينه وبين بوتين، وأنه بات من أجل الفوز في هذه المعركة يعتمد على تحالف يضم كبار التجار من الطبقة المتوسطة بينما تقول المعلومات أيضاً أن روسيا مقبلة على مرحلة تصفيات كبيرة سيكون لوزير الخارجية سيرجي لافروف ،الذي يلعب الآن دور الوصيِّ الحريص على بشار الأسد ونظامه، دوراً رئيسياً فيها.

لكن يبدو أنَّ للأميركيين رأياً آخر فقد قال مسؤول في الخارجية الأميركية أن هذه التصريحات التي أطلقها ميدفيديف :»تشير إلى أنَّ وجهات النظر بين الولايات المتحدة وروسيا حول سوريا يمكن أنْ يقترب بعضها من بعْضٍ أكثر مما كانت عليه» وهو أشار إلى أن هذا الذي قاله ميدفيديف :»جاء بعد بيان جنيف المتعلق بالأزمة السورية الذي أصدرته أميركا وروسيا بالإشتراك مع الأخضر الإبراهيمي والذي جاء قبيل «التصريح» الذي من المفترض أن يصدره المبعوث الدولي والعربي يوم الثلاثاء (أي اليوم).

والحقيقة أنَّ مشكلة بيان جنيف الذي تطرق إليه المتحدث بإسم الخارجية الأميركية أنَّه لم يحدد المقصود بـ»الصلاحيات الكاملة» التي يجب أن تتمتع بها الحكومة السورية الإنتقالية التي يجري الحديث عنها وأنه لم يتطرق إطلاقاً إلى مصير بشار الأسد ودوره في هذه المرحلة الإنتقالية وبالتالي فإن هناك خلافاً حول هذه المسألة الرئيسية بين الأميركيين الذين يصرُّون على ضرورة رحيل الرئيس السوري وبين الروس الذين يتمسكون ببقائه ويتمسكون بأن تبقى القرارات المتعلقة بالأمن والقوات المسلحة في يده.

وهنا فإن اللافت أن وزير الخارجية الأميركي (الجديد) قد قال أيضاً إن الأسد :»قد فوَّت في الماضي فرصة تاريخية..والآن فإن عليه ان يتنحى اليوم وليس غداً..أملنا هو أن يتم إقناعه بأن لا مفر من رحيله وعبر التنسيق مع الروس والأطراف الدولية الأخرى من أجل تأمين إنتقال منظَّم للسلطة» وقد أضاف جون كيري :»إن الروس يؤيدون رحيل الأسد لكنهم يختلفون عن الأميركيين بالنسبة للتوقيت وطريقة الحل»!!.

لكن ورغم كل هذا الذي قاله وزير الخارجية الأميركي الجديد الذي تجنب المزيد من الإيضاح حول هذه النقطة الأخيرة الآنفة الذكر فإن كل المؤشرات تدل على أنَّ الروس ،بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف على وجع التحديد، ماضون في دعم بقاء الأسد حتى النهاية وبالتالي فإن هذا الذي يقوله الأميركيون هو مجرد تهربٍ من إتخاذ موقف حاسم وواضح لجهة دعم الثورة السورية ودعم الشعب السوري للتخلص من هذا النظام الذي دمَّر البلاد وأذلَّ العباد والذي لم يعد هناك مناصٌ من رحيله العاجل وإنْ بالقوة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا وإيران شركاء في مأساة اللاجئين

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

28-1-2013

خلال الأسابيع الاخيرة تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين عبر الحدود وفي الاسبوع الماضي وصل عددهم خلال ٣٦ ساعة الى ١١ الف لاجئ، جاء ذلك في الوقت الذي كانت فيه وكالات الانباء العالمية مشغولة فقط بوصول طائرتين روسيتين الى بيروت لإجلاء عدد من الرعايا الروس في سوريا.

النزوح الجماعي من اللاجئين السوريين مرشح للتصاعد في الأسابيع والأشهر القادمة وقد تصل الاعداد الى مئات الالاف وذلك لأسباب متعددة منها: إغلاق الاسد، في خطابه الاخير، الباب امام المقترحات العربية والدولية بشأن المرحلة الانتقالية وإصراره ان تكون تلك المرحلة تحت سلطته وبوجوده على رأس السلطة وهو امر لم يعد مقبولا ولا منطقيا بعد ان أوغل بالحل الأمني الوحشي وارتفع رقم الضحايا الى ٦٠ ألفا.

لقد وصلت الجهود الدولية من خلال الاخضر الإبراهيمي وشركاء اتفاق جنيف الى طريق مسدود بسبب الدعم الروسي القوي لخطط الاسد الامنية في البقاء، هذا من جانب، وبسبب التخلي الامريكي عن الملف السوري بحجج « وجود جبهة النصرة الاسلامية « في صفوف الثوار ولأسباب اخرى باتت معروفة.

ومن الأسباب التي ترشح حصول تدفقات كبيرة من اللاجئين السوريين عبر حدودنا هو اعتماد الاسد سياسة الارض المحروقة التي بدأ بتنفيذها في داريا وضواحي دمشق وفي محافظتي حمص ودرعا باستخدام كافة انواع الاسلحة التدميرية ضد المناطق السكنية، ويرافق هذا التحول الخطير الاعلان رسميا عن بدء عمل المليشيات الطائفية في مناطق حمص حيث التداخل السكاني كبير بين الموالين للنظام وبين الثائرين عليه.

سياسة الارض المحروقة التي ينفذها الاسد تجعل الموقفين الروسي والإيراني في عين الخندق الذي يقاتل منه النظام، والتصريحات الصادرة عن لاريجاني ولافروف عن دعم رأس النظام امنيا وسياسيا توسع من دائرة شركاء الخارج في حرب الداخل السورية. فالسلاح الروسي والإيراني لا يسفك الدم السوري فقط انما يخلق ازمة إنسانية كبيرة بدأت تتجسد بهذا العدد الهائل من اللاجئين خلال الساعات والأيام الاخيرة.

عندما تعلن طهران بان الاسد خط احمر وكذلك تفعل موسكو فان هذه ليست مجرد كلمات بمضمون سياسي انما هي مشفوعة بعملية تدمير وقتل واسعة يقوم بها النظام للحفاظ على بقائه فيما يتحمل الاردن ولبنان وتركيا اعباء كارثة إنسانية بكل ما تعني الكلمة، وهذا ما يصل بالأزمة السورية الى مرحلة اعتبارها ازمة انسانية كارثية تشارك في صنعها دولة اقليمية هي ايران ودولة كبرى هي روسيا، بما يتطلب تحركا فوريا وجادا من الجامعة العربية ومجلس الأمن لتحمل مسؤولياتهما إزاء الموقفين الروسي والإيراني المعطلين الرئيسيين لتنفيذ خطة الانتقال بالوضع السوري الى مرحلة انتقالية بحكومة محايدة كاملة الصلاحيات تجلب السلام لسوريا على اساس خيار ديموقراطي حر للشعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التعايش مع البركان

غسان شربل

الإثنين ٢٨ يناير ٢٠١٣

الحياة

لا شيء يوحي أن البركان السوري يتجه نحو الخمود. مؤشرات كثيرة توحي أننا لم نشهد بعد الفصول الأشد بطشاً وهولاً. يقذف البركان السوري يومياً حممه في الداخل وعلى أطرافه. يقذف يومياً نحو 150 جثة وآلاف الفارين إلى الدول المجاورة. يطحن يومياً عائلات وأحياء وقرى. يلحق خسائر إضافية بالاقتصاد والبنية التحتية ويضاعف عدد السوريين المقيمين تحت خط الفقر، فضلاً عن خط الرعب. يبث البركان السوري يومياً مشاعر تعزز روح المواجهة بين الطوائف والمذاهب وتعزز أيضاً مشاعر الطلاق والحديث عن الخرائط الصغيرة.

تطرح المأساة السورية على من يتابعها سلسلة من الأسئلة الصعبة والشائكة. هل صحيح مثلاً أن روسيا هي الداعم الأول للنظام السوري أم أن إيران هي اللاعب الأول في سورية؟ صحيح أن روسيا حمت النظام من صدور قرار دولي يدينه أو يجيز التدخل ضده، لكن روسيا تستطيع في النهاية العيش من دون سورية ومن دون القاعدة البحرية في طرطوس. يمكن الذهاب أبعد. تستطيع روسيا أن تخسر في سورية من دون أن تكون هذه الخسارة مدمرة لها أو قاتلة. ربما تستطيع الحصول على مقابلٍ ما إذا وافقت على الخسارة على الملعب السوري. في انتظار ذلك، تتعايش روسيا مع البركان وتمده بمقومات الاستمرار وترى فيه استنزافاً للراغبين في إسقاط النظام السوري في الداخل والخارج.

في المقابل، لا تبدو إيران قادرة على احتمال الخسارة في سورية. اتخذ النزاع الدائر في سورية موقعه الرئيسي على خط النزاع السني-الشيعي في المنطقة. خسارة الحلقة السورية تعني أن إيران خسرت معركة الدور الكبير إقليمياً. خسارة سورية تقلص حجم المكاسب الإيرانية في العراق. تقلص أيضاً حجم المكاسب الإيرانية في لبنان. هذه الخسائر ستبعث برسالة مفادها أن ايران ناءت تحت أعباء حلمها الإقليمي كما سقط الاتحاد السوفياتي ضحية التزاماته الخارجية الباهظة. لهذا، تبدو إيران كأنها تدافع في سورية عن صورتها وتحالفاتها ومصالحها في معركة حياة أو موت، ذلك أن التواصل بين حلقات هلال الممانعة هو برنامجها الكبير، وهو أكثر أهمية وحيوية من البرنامج النووي القابل للتأجيل أو التجميد. وإذا كان لا يكفي أن تبرم أميركا صفقة مع روسيا، فهل ظروف الصفقة مع إيران ناضجة؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة لمكافأة ايران؟ وكيف؟ وأين؟ وهل الظروف الإيرانية الداخلية مهيأة لصفقة من هذا النوع؟... لا شيء يوحي ان الصفقة سهلة أو ممكنة في المستقبل القريب. لإيران مصلحة حيوية في منع سقوط النظام. إنها تدافع عن نفسها وبرنامجها على أرض سورية. لهذا لن تبخل بما يضمن استمرار البركان.

في موازاة المشهد الخارجي، يبدو المشهد الداخلي قاتماً هو الآخر. لا شيء يوحي بقدرة النظام السوري على إعادة فرض سلطته على كامل الأراضي السورية. لا شيء في المقابل يوحي بأن المعارضة قادرة بوضعها الحالي على حسم الصراع عسكرياً. وفي الوقت نفسه، يصعب تصور حوار تحت قبعة النظام بعد كل الخسائر التي وقعت. وهكذا تكتمل حلقات المشهد: سورية مرشحة لمزيد من العيش داخل حمم البركان. والدول المجاورة محكومة بالتعايش مع استمرار البركان. إنها معركة استنزاف طويلة ومدمرة. عودة النظام إلى ما كان عليه قبل 22 شهراً ليست واردة. الدول المتحمسة لإسقاطه لا تريد ايضاً رؤية سورية في قبضة الفوضى الدامية ورؤية «القاعدة» تتحصن في مدنها أو قراها. وثمة من لا يرى ضيراً في استنزاف النظام وحلفائه واستنزاف المقاتلين الجوالين أيضاً. لا الحل الداخلي وارد ولا إطفاء البركان من الخارج متيسر. إننا في خضمّ حرب الاستنزاف. إننا في مرحلة التعايش مع البركان. لا بد من قبور جديدة في الداخل. ولا بد من خيام جديدة في الخارج. يمكن قواعد اللعبة هذه أن تتغير إذا سقطت أسلحة كيماوية في أيدي متطرفين أو انهمرت صواريخ على إسرائيل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية... ومحاكمة العروبة النائمة!

جميل الذيابي

الإثنين ٢٨ يناير ٢٠١٣

الحياة

«اللي مطاوعها زلمتها بتدير القمر بإصبعها». هذا ما قلته بيني وبين نفسي عندما قرأت خبراً عن عزم أميركا وروسيا عقد قمة قريبة لبحث «مبادئ الحل» في شأن الأزمة السورية. ربما هذا المثل «الشامي» هو ما ينطبق على الموقفين الروسي والأميركي وهما «يجتران» مجدداً رغبتهما في إيجاد حل للأزمة السورية بعد مرور عامين من المماطلات والتسويف، حتى قتل نظام بشار الأسد نحو 65 ألفاً من الأبرياء!

ومما يزيد السخط أيضاً «هزالة» التصريحات الأخيرة للسيناتور الأميركي جون كيري المرشح لتولي حقيبة الخارجية خلفاً لهيلاري كلينتون بقوله: «لقد اتخذ الأسد قرارات خاطئة وغير مبررة، وعليه الرحيل، وأن على بلاده أن تغيّر في حسابات الأسد لتمهّد للمرحلة الانتقالية»!

ما قيمة مثل هذه التصريحات الفاشلة «الباعثة» على التشاؤم، بعد أن أحرق نظام الأسد الأخضر واليابس ونحر الأطفال واغتال العباد ودمّر البلاد!

كان ينتظر من «مستر كيري»، وهو يستعد لتولي مهمته إعلان موقف صلب، والتصريح بأنه سيعرض على أوباما أهمية وضع الملف السوري على رأس أولوياته الخارجية حتى إنهائه، لكنه سيبدأ المهمة من الصفر، ففضل إخبارنا وكأننا لا نعلم أن قرارات الأسد «خاطئة وغير مبررة؟» فعلاً «اللي اختشوا ماتوا»!

واشنطن وموسكو، لا تزالان تناوران، إحداهما «تثبت» والأخرى «تشوت» في الجمجمة العربية. واشنطن لم تتحرك جدياً لمساعدة السوريين، بل تعتبر غير بعيدة من الموقف الروسي ربما لحماية إسرائيل.

لماذا لا تسمح أميركا بدعم المعارضة، والدفع نحو تسليحها، وزيادة الضغط على موسكو لتغيير مسارها ومواجهة قراراتها وفضح السلاح الروسي المرسل إلى نظام الأسد، ليدمّر سورية، ويعربد ويقتل ويغتال أهلها على مرأى ومسمع من العالم كله؟

الشعوب العربية مصابة بالإحباط من واشنطن، وبالقهر من موسكو، ومصابة بالإحباط والقهر من الحكومات العربية حتى المولودة من رحم «الربيع العربي»، حتى أصبحت تصفها بالجثث الهامدة.

منذ اندلاع الثورة السورية والأنظمة العربية تكرر الخطاب السياسي نفسه المرتكز على لغة الإدانة والاستنكار في ما أصبح أشبه باسترخاص الدماء السورية الزكية!

شخصياً، أتمنى محاكمة كل من قَبِلَ بالمهمة في سورية، وهو لم يفعل شيئاً للشعب، بل ساعد النظام المجرم على كسب الوقت لتصفية المعارضين ونحر الأطفال وقصف المدن وهدم المنازل على رؤوس أهلها، ثم يعود ليصرّح من إحدى العواصم بأنه لم يتمكّن من التوصل إلى تسوية سلمية.

المبعوث الدولي - العربي الأخضر الإبراهيمي قَبِلَ منذ البداية بمهمة فاشلة على رغم التحذيرات الكثيرة، وذهب إلى دمشق وهو يعرف استحالة المهمة، وأن الفشل حليفه طالما أنه يتفاوض مع نظام قاتل، لكنه أصرَّ على تسجيل نفسه في القائمة السوداء، حتى أنه لم يكلف نفسه زيارة مخيمات اللاجئين والنازحين.

كل التوقعات لا تزال محبطة ومنخفضة جداً في شأن جلسة مجلس الأمن المقررة في 29 الجاري، ومن غير المنتظر أن يقدم الإبراهيمي أي اختراق أو مفاجأة، وليس من حل لمحاصرة النظام إلا بدعم الثوار بالمال والسلاح سراً وعلانية. رضي الغرب أم لم يرضَ!

السياسة الروسية كريهة الطعم واللون والرائحة، بإصرارها على استعداء واستفزاز كل العرب، وعبر مزايداتها النتنة في الملف السوري، وكأنها تريد الانتقام أو الثأر لنفسها من العرب، يساعدها في ذلك وَهَنُ وضعف الحكومات العربية.

لا شك في أن «دببة» الكرملين وجدوا فراغات سياسية وفرصاً عدة ساعدتهم على المناورة، واستغلال الأوضاع في سورية بشكل سياسي خبيث، في مقابل تراخي البيت الأبيض، أو بالأصح ضعف قرارات إدارة أوباما، وتآكل دور بلاده خارجياً، ما مكّن الروس من استخدام «الفيتو» بالتزامن مع دعم نظام الأسد بالسلاح والخبراء العسكريين والاستخباراتيين.

صنعت روسيا لها عداوات كبيرة في الشارع العربي «المحتقن» ضدها، وهذا خطأ استراتيجي ستدفع ثمنه، في ظل تزايد الوعي الشعبي العربي.

لا شك في أن الثورة السورية تواجهها معوقات داخلية وخارجية، بينها ضعف القرار العربي، وتذبذب الموقف التركي، في مقابل وقوف إيران مع النظام وإمداده بالمال والسلاح وعناصر «الباسيج»، والدفع بـ«حزب الله» للمشاركة في عمليات نوعية داخل سورية، تستهدف الثوار.

كما أن من الواضح أن أميركا ليست راغبة ولا متعجلة في تغيير نظام الأسد ووقف حمام الدم، وتميل إلى ما تقوم به روسيا باعتباره الأسلم لحماية إسرائيل.

الأكيد أن من يتحكم بـ«الضبة والمفتاح» في الموضوع السوري قوى خارجية تتوزع الأدوار بين موسكو وطهران وبكين وواشنطن، فيما يجلس العرب على مقاعد المشاهدين المهزومين المكلومين، يشاهدون كيف تجري عمليات القتل، وكيف تجمع أشلاء الأبرياء وكيف يدفن الموتى، وليس لديهم سوى عبارات الأسف والإدانة والاستنكار، أليست العروبة نائمة وترفض اليقظة؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أبرهة الأسد!

معنى الأحداث

عادل السلمي

المدينة

الإثنين 28/01/2013

لم أشك لحظة في صدقية ما ذكره مسؤول التجنيد السابق للجيش السوري في القنصلية السورية في جدة عماد معين الحراكي في تصريحاته لصحيفة "الحياة" في عددها الصادر أمس الأول السبت، والتي كشف فيها عن مخطط للحكومة السورية؛ لتنفيذ عملية تفجير في مكة المكرمة يوم وقوف الحجاج على صعيد عرفات في موسم الحج الماضي.

ما ذكره الحراكي ليس مستغرباً على نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي قتلت قواته منذ مارس2011م، أكثر من 60 ألف شخص من شعبه الذي يطالب بحقوقه المشروعة في الحياة الحرة والعيش الكريم.

التخطيط والعمل لمثل هذه الأعمال الإجرامية التي تتنافى مع الحد الأدنى من المشاعر الإنسانية، والقيم الأخلاقية، والوازع الديني في مناسبة لها قدسيتها وسموها عند سائر المسلمين في كافة أرجاء المعمورة هو بلا شك جريمة الجرائم، لكن يمكن لأي دهشة أو استغراب أن يزولا على الفور إذا ما عرفنا أن هذا النظام الذي لا يضع أي اعتبار للدين والأخلاق والقيم الإنسانية يتلقى الدعم والمساندة في كل ما يمارسه من جرائم ومذابح وانتهاك لحقوق الإنسان ضد شعبه من حليفه الإيراني الذي يمتلك هو الآخر سجلاً حافلاً وسوابق خطيرة في هذا النوع من الجرائم، وهو ما اتضح بشكل سافر في تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار شؤون السياسة الخارجية للمرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئني التي أدلى بها مؤخرًا لوكالة أخبار "مهر" الإيرانية أن أي هجوم عسكري على سوريا سيكون بمثابة هجوم على إيران التي سبق وأن حاولت تفجير المسجد الحرام وعدد من المواقع الهامة في مكة المكرمة في موسم حج العام 1986م، بيد أن الجهات الأمنية السعودية أحبطت المخطط الإيراني في حينه. كما لا يمكن للمرء أن يستغرب ما ذكره الحراكي في تصريحاته لصحيفة "الحياة" بأنه تلقى تهديدات من جانب نائب القنصل العام السوري السابق شوقي الشماط، بعد كشفه للمخطط، خاصة وأنني قد التقيت الشماط في مناسبتين، ووجدته شخصية متعجرفة تتسم بالغموض، والانطباع الوحيد الذي تركه في نفسي أنه يأنف عن التجاوب معنا كصحافيين في طلب إجراء أي حوار أو تصريح.

الأسد وبتخطيطه إحداث تفجيرات في يوم عرفة في موسم الحج الماضي، لا يختلف كثيرًا عن أبرهة الأشرم (الحبشي) الذي قدم وجنوده الذين يمتطون ظهور الفيلة إلى مكة؛ لهدم الكعبة، قبل أن يفاجؤوا بطيور أرسلها الله يحمل كل واحد منها ثلاثة أحجار صغيرة بمقدار الحمصة، أحدها في منقاره والحجران الآخران بقدميه، ليأمر عز وجل كل طير بقتل3 جنود، فهلك أفراد جيش أبرهة عن بكرة أبيهم ولم يسلم منهم سوى شخص واحد عاد مسرعًا إلى اليمن ليخبرهم عمّا حلّ بالجيش من الهلاك والدمار، ألم يقرأ الأسد عن قصة أبرهة؟.. ألم يتعلم من الدروس والعبر التي تضمنتها القصة؟ أم أن دورانه في فلك إيران أنساه مقولة ظلت تقترن دومًا بهذه القصة: "للبيت رب يحميه"؟!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دور إسرائيل في سوريا!

عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

28-1-2013

الحرب في سوريا هم إسرائيلي أيضا، وقد لا تقل نتائجها خطرا عليها من حرب أكتوبر 1973. سقوط نظام بشار الأسد قد يغير الخريطة، وربما يهدد توازن القوى القائم منذ فك الارتباط الذي وقعه الرئيس حافظ الأسد وإسرائيل برعاية هنري كيسنجر في تلك الحرب. فسوريا هي الدولة الكبرى الثانية على حدودها بعد مصر، وعلى الرغم من هدوء الجولان فإن سوريا الوحيدة التي لم توقع اتفاق سلام، على اعتبار أن لبنان كان جزءا من القرار السوري، والوحيدة المسلحة حتى أذنيها بأسلحة كيماوية وبيولوجية.

مر أول عام من الثورة، والإسرائيليون لم يصدقوا احتمالية انهيار نظام الأسدي الحديدي، لكنهم منذ مطلع العام الماضي صاروا يؤمنون أن الأسد ساقط لا محالة. وبسقوط الأسد سيخسر الإسرائيليون «عدوا عاقلا»، وحارسا أمينا لكن بقدر خوفهم من سقوطه بقدر تزايد شهيتهم في التأثير على النتيجة النهائية.

بسقوط الأسد، إسرائيل تخشى من المجهول، ومن المؤكد أنها من أكثر الأطراف رصدا لما يجري كل يوم على جبهات الحرب عند الجارة. وقلق إسرائيل مبرر ومتوقع، إلا إذا تمادت وسعت أو ساعدت في إعادة رسم الخريطة السورية. ولا أظن أني على خطأ إذا قلت إن إسرائيل تشجع فكرة إقامة الدولة العلوية التي يجهز لها الأسد على ساحل البحر المتوسط، وغيرها من دويلات. وهي لا تبالي بقيام حرب أهلية في الداخل السوري إن لم تكن تشجعها، والحرب بين الإخوة السوريين متوقعة لو حاول الأسد الانفصال بجزء من البلاد. ولإسرائيل دائما مصالح في أن ينشغل جيرانها العرب بالحروب الأهلية بينهم، ومن صالحها تفكيك سوريا إلى دويلات كردية وعلوية ومسيحية ودرزية وسنية. لكن ألا تخاف إسرائيل من وجود «القاعدة» في سوريا المنهارة؟ الفكرة مخيفة و«القاعدة» بعبع للغرب لكن ليس لإسرائيل، فالتنظيم يتحاشى مواجهة الإسرائيليين، على الرغم من كثرة أدبياته المعادية لليهود. وإسرائيل تعرف أنه لا حزب الله ولا «القاعدة» ولا حماس، ولا من سبقها من الفصائل الفلسطينية الحمراء مثل أبو نضال والجبهة الشعبية كانت تهدد أمنها، كلها كانت فقط مصدر إزعاج، فميزان القوى لصالحها دائما، وتكسب الحرب في الأخير. أيضا إسرائيل حصنت نفسها ببناء حدود منيعة، بنت جدارا طويلا فصل الضفة وستبني آخر مع مصر، وستشيد «جدار إسرائيل العظيم» إلى الجولان بجدار يفصلها عن سوريا.

لم يصدر عن تل أبيب أي معلومات أو تلميحات حول دورها في سوريا لكننا نعرف أن هذه أخطر حرب على حدودها وتمس أمنها مباشرة ولا يمكن ألا يكون لها دور. القليل قيل، الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريس بعد عودته من روسيا في مرة سابقة قال، إنهم ضد التدخل العسكري الأجنبي لكنهم يؤيدون فكرة إرسال قوات عربية إلى هناك لفرض السلام! طبعا بيريس يعرف أن التدخل الدولي يكفيه أسبوع لإسقاط نظام الأسد أما التدخل العربي فسيطيل الحرب سنوات. وهي الفكرة السخيفة التي دعت إليها الجامعة العربية دون أن تقول كيف سترسل قوات عربية ومن هي هذه القوات؟

وأتصور أن إسرائيل أثرت في رؤية الغرب، وكذلك روسيا، حيال التعامل مع الأحداث في سوريا، والأغلب أنها خلف تراجع اهتمامهم وتهديداتهم لنظام الأسد. الإسرائيليون يرون احتمالات أربعة لنهاية التراجيديا السورية؛ الأول، سقوط النظام وقيام نظام بديل منهك من المعارضة على دولة مدمرة وأرض محروقة. الثاني، سقوط النظام مع استمرار الحرب الأهلية من دون حكومة مركزية قوية كما حدث في الصومال. الثالث، فرار الأسد وعصابته إلى الساحل، والإعلان عن انفصالهم وإقامة دولة علوية، وبالتالي استمرار المعارك بين السوريين. الاحتمال الأخير والضعيف بقاء الوضع كما هو، الأسد في دمشق والمعارضة تقاتله، وتبقى الحرب كرا وفرا لزمن طويل.

كل هذه الاحتمالات تخدم إسرائيل، أما الخيار الذي لا يناسبها كان التدخل الدولي قبل عام أو أكثر وإسقاط النظام وإقامة نظام سوري جديد مدعوم دوليا على أسس ديمقراطية. تعرف أن هذا سيجعل سوريا جارة أقوى، سكانها أكبر ثلاث مرات من إسرائيل، وبنظام شعبي حقيقي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حذار من تحويل المسألة السورية إلى مسألة لاجئين!

وليد جداع

المشرف على الحركة الدستورية السورية.

28/1/2013

خاص بالحركة الدستورية

منذ عام 1946 ، قبيل النكبة العربية الكبرى في فلسطين، المتمثلة بتأسيس الدولة الإسرائيلية وإعلانها إلى الوجودفي أيار (ابريل) 1948، استطاعت العصابات الإرهابية الصهيونية، إبعاد 711,000 فلسطيني من فلسطين إلى الدول العربية المجاورة. وقد توزع هؤلاء على هذه الدول، ممنين النفس بأنها محنة عابرة زائلة، وأن العرب سيعيدون الحق إلى نصابه قريبا جدا ، وأنهم إلى بلادهم عائدون. وكما نعرف جميعا، فقد تحول هؤلاء الفلسطينيون إلى لاجئين دائمين في الدول العربية المجاورة، وإلى أقطار الأرض كلها فيما بعد، وأنشئت من أجلهم وكالة دولية خاصة تابعة للأمم المتحدة، هي وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتأهيلهم، المعروفة ب (الأونروا) .ويعيش قسم من هؤلاء الإخوة الفلسطينيين في مخيمات حتى الآن، ويقدم لهم العالم مساعدات شبه دائمة، فكأنها رواتب تجمع من جميع دول العالم ، مساعدة لهم وعونا...وقد بلغ عدد هؤلاء قرابة خمسة ملايين فلسطسيني اليوم. وهم ما فتئوا ينادون بحق العودة إلى ديارهم التي سرقت منهم عنوة، وترفض إسرائيل ذلك بطبيعة الحال.

يلفتنا طبعا طريقة التهجير الصهيونية، ويلفتنا كذلك هذا الرقم 711,000...إنه مشابه تماما لعدد النازحين السوريين من بلادهم إلى الأقطار العربية المجاورة وتركية اليوم! غير أن ما يختلف عن طريقة التهجير الصهيونية ، ليس فقط أن تهجير السوريين يتم بأيد سورية مجرمة، بل طريقة التهجير السورية التي هي أقسى وأعتى وأشد فتكا وإجراما من الطريقة الصهيونية! إن الصهاينة احتاجوا إلى سنتين من الترويع والإرهاب ، ومن ثم إلى حرب عسكرية مباشرة ليصل عدد اللاجئين إلى سبعمئة ألف . وهاهو الأسد يعيد المسيرة الصهيونية نفسها، بل يضيف إليها مزيدا من الوحشية ، تتمثل في قصف السوريين المدنيين بالطائرات والحمم وبراميل النار، وصواريخ سكود والدبابات والمدافع الثقيلة ، مما لم يفعله الصهيونيون أنفسهم. وزاد الأسد على الإسرائيليين أنه شرد السوريين في بلادهم نفسها أيضا ليصل مجموع المشردين داخل سورية وخارجها خلال عام ونصف ، إلى قرابة خمسة ملايين. وهو ما يكافئ عدد الفلسطينيين اللاجئين، بعد ستين عاما من النكبة!

هذه المقاربة التاريخية والمقارنة بين تهجير السوريين من بلادهم ، على يد عصابات الأسد، وتهجير الفلسطينيين على يد العصابات الصهيونية ، تهدف بالأساس إلى التحذير من أن تتحول القضية السورية فيما بعد، وبشكل تدريجي وربما مقصود ، إلى مسألة إنسانية ليس إلا، وتنسى على ضوئها المسألة الأساسية الجوهرية ، وهي أنها مسألة نضال شعب ثائر ضد نظام حكم إجرامي دكتاتوري قاتل. وهو ما لفت الانتباه إليه بشكل منصف السيد جون غينغ، مدير العمليات في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة الذي قال إن الأزمة في سورية سياسية أساسا وليست إنسانية. والأمر نفسه أشار إليه أمين عام الأمم المتحدة في وقت سابق.

والمخيف في الأمر أن بعض الذين يدعمون الأسد بالمال والسلاح ويشتركون معه في قتل الشعب السوري، بدأوا في الحديث عن الجانب الإنساني في المسألة مؤخرا، وكأنه الموضوع الأهم، محاولين الابتعاد عن المأساة السياسية المتمثلة في نظام دكتاتوري جائر. ولعل أبرز هؤلاء الرئيس الروسي السيد بوتين الذي أعلن استعداد بلاده لاستضافة مؤتمر دولي عن اللاجئين السوريين، أثناء استقباله الرئيس اللبناني في موسكو. والحقيقة فإن الجانب الإنساني هو آخر ما يكترث به السيد بوتين لأن يديه والغتان مباشرة في الدم السوري، عبر الأسلحة الفتاكة التي تقتل الشعب السوري كل يوم. إن السيد بوتين شريك للأسد في قتل أطفال سورية ونسائها ورجالها، عبر هذا التأييد المطلق للسفاح الأسد. ولا نظن أنه بهذه الدعوة إلى استضافة مؤتمر دولي عن اللاجئين السوريين في العالم، يريد أكثر من إظهار وجه إنساني لموسكو، إن لم نتحدث عن رغبة ما في (التسول) على أكتاف معاناة الشعب السوري! إن الطريق الحقيقي للتعاطف مع اللاجئين السوريين هو كف القتل والأذى عنهم ، عبر وقف دعم نظام القتل والإرهاب في دمشق.

ولابد من اقتراحات عملية واقعية ، لمنع تحول قضية اللاجئين السوريين إلى (بازار إنساني) أولا ، ومسألة لاجئين كذلك. . إن نضال الشعب السوري وانتصاره هو الطريقة الأقصر دون شك لحل المسألة السورية من جذورها، الأمر الذي يتضمن حل مشكلة اللاجئين ضمنا. ولذا فإن البحث عن كل ما يزيد من قوة هذا الشعب ويمكنه من الانتصار ، ضرورة قصوى، ولابد من السعي الحثيث بهذا الاتجاه. ولئن أخذ نضال الشعب السوري صيغته العسكرية نهائيا اليوم، فإن السبيل لحل مشكلات هذا الشعب، هو الدعم العسكري المباشر له.

ولعل هناك أمرا يمكن البحث فيه ضمن فعاليات المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وهو حث أبناء الشعب السوري على إيجاد بدائل آمنة داخل سورية، للهروب من جحيم الأسد. ونقترح هنا الاستفادة من منطقة الساحل السوري الآمنة نسبيا لتحويل جزء من اللجوء السوري إليها. إن تحويل قسم من اللاجئين شمال سورية إلى منطقة الساحل السوري، قد يشكل بديلا نسبيا عن اللجوء إلى تركية أو العراق مثلا! ولهذا الاتجاه جانبه العملي لأنه يشرك جموع الشعب السوري في احتضان أخواته وإخوانه من جحيم القتل ومرارة الهجرة خارج الوطن. ويقضي على المزاعم بشان وقوف جزء من الشعب السوري مع النظام! إن أهلنا في الساحل قد قاموا بواجبهم دون شك في إيواء قسم من أبناء وطنهم، لكن الظروف الأليمة الحالية تقتضي منهم مزيدا من التعاون والإيواء والمساندة.

إن ثورة الشعب السوري ثورة حرية وكرامة واستقلال جديد، وإن الجانب الإنساني فيها مجرد وجه للمأساة التي تنفذها زمرة القتلة في دمشق. وإن التعاطف الحقيقي مع الشعب السوري ، يتمثل أساسا في دعم نضال الشعب السوري من أجل تحقيق اهدافه الإنسانية والوطنية النبيلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. الحل السياسي هو الممكن الوحيد

ابراهيم العبسي

الرأي الاردنية

27-1-2013

لم يعد معقولا كل هذا الخراب والدمار والموت الذي يبسط ظله الاسود على سوريا.

ولم يعد مقبولا كل هذا الاصرار على الاستمرار في هذه الحرب الطاحنة التي تحصد الاخضر واليابس وتدفع مئات الالوف بل الملايين من المواطنين الى ترك مدنهم وقراهم وبيوتهم والفرار الى البلدان المجاورة بحثا عن ملجأ اّمن ولقمة عيش لم تعد موجودة في هذا البلد العربي الكبير الذي لم يعرف الفاقة يوما.

فبعد 22 شهرا من القتال الضاري بين قوات النظام من جهة ومجموعات المعارضة الخارجية المسلحة تبين للمجتمع الدولي وشعوب العالم بان طرفا من اطراف النزاع لا يمكنه ان ينتصر في هذه الحرب. فلماذا الاستمرار في هذه المحرقة الرهيبة؟ ولصالح من؟

لقد اعترفت منظمة الامم المتحدة على لسان امينها العام بان كي مون قبل يومين بان الحل السياسي وجلوس اطراف النزاع الى طاولة الحوار هو الحل الوحيد لهذه الماساة المروعة ، كما صرح اكثر من مسؤول وطرف دولي خصوصا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف وكذلك المبعوث الاممي الاخضر الابراهيمي والامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي بان مثل هذاالحل ( السياسي ) هو المخرج الوحيد للازمة السورية، وان لا مخرج غيره.

بعد ان وصل القتال في سوريا الى ما يشبه العبث الدموي الذي ينعكس على الشعب السوري وعلى سوريا الدولة والوطن بافدح العواقب واخطرها الا وهو نشر الخراب المخيف على اديم الارض السورية الخضراء ابدا وهجرة السوريين وتشتتهم في جهات العالم الاربع ومن ثم تدخل جهات خارجية لتقسيم وتفتيت هذا البلد الى دويلات وكانتونات متحاربة ومتناحرة كما تحلم بذلك اسرائيل.

وهذا ما يفسر عدم اهتمام القوى الخارجية بما يحدث في سوريا وما يمكن ان تؤول اليه احوال هذا البلد المستباح بالعنف والدم حتى النخاع من اقصاه الى اقصاه.

لقد خرجت المعارضة الى الشوارع في المدن والارياف السورية في بداية الازمة تطالب بالاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبضرورة الاخذ بالنهج الديمقراطي في سوريا وترسيخ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الانسان، وهذا ما يمكن التوصل اليه على طاولة الحوار وتضمنه بعض الاطراف الدولية ذات النوايا الحسنة، فلماذا الاستمرار في اراقة الدماء ما دام ذلك متاحا، علما بان الاصرار على الحل العسكري واسقاط النظام السوري لم يعد واردا على الاطلاق بعد كل هذا الدمار والخراب المخيف الذي ينتشر بسرعة الريح في سوريا.

ان الشعب السوري هو الخاسر الوحيد في هذه المأساة المروعة والذي يجب ان تكون له الكلمة العليا في تقرير مصيره واسلوب تقرير هذا المصير بدلا من الموت الذي يلاحقه ليل نهار وبدلا من هذا الفرار الذي يأخذه بعيدا عن بيته ووطنه ليسكن الخيام ويقتات على الفتات ويتجرع الذل والمهانة فيما كان يعيش في امن وسلام وطمانينة و»راحة بال» متوحدا مع الارض التي لم تبخل عليه بعطائها يوما مثلما لم يبخل عليها هو بعرقه وكده وعشقه وتقديسه لترابها . ليمتثل الجميع اذن لمشيئة الشعب السوري وليتوقف هذا السيل من الدم وليجلس الطرفان الى طاولة الحوار للتوصل الى حل سلمي للازمة بعد ان ثبت بالتجربة والدم ان الحل العسكري لم يعد ممكنا .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البرهانُ على وجود الجحيم

دارا عبدالله ـ دمشق

المستقبل

27-1-2013

(إلى "محمد ديبو" يوم انتظرتني بقلقٍ في

ساحة "باب توما"، حتى تأكَّدت أنَّه

ليس كميناً، هكذا يلتقي السوريون أوَّل مرّة).

ذاكرة

دمشق سوداء ميَّتة كمريض سرطانٍ يموتُ ببطءٍ مدروس، وجوهٌ شاحبةٌ وعيونٌ قلقة. المدنُ أجساد، والهجرة مرضها الفتاك. اليوم، في التاكسي رجلٌ مسنٌّ اشتعلَ رأسه بالشيب، جفونه بالكاد تسمح بدخول الأشعة إلى عينيه، وبينما كان المذيع في محطَّة "شام أف إم" يتحدث عن "جثث مجهولةٍ لإرهابيين" بصوت عادي كأنَّه يتحدَّث عن إطاراتٍ محروقة، قال السائق كمن يعرف أنّه في نفقٍ معتمٍ بلا مخرج : " الذاكرة جحيمٌ، ليتَنا نستطيع النسيان".

ذاكرةُ الطفلِ سابقةٌ لولادته، ستَّةُ أطفالٍ من داريا، حصلوا على أوراقٍ بيضاء وأقلامٍ ملوَّنة، الورقة البيضاء هي كرسيُّ اعترافِ الكون، رسموا جثثاً مقطعة وجنوداً مبتسمين، وكلمة "الله أكبر". أطفالٌ شهدوا حروباً... سيخوضون حروباً.

جرذ

خارج السجن الجرذان تهربُ من البشر، داخل السجن البشرُ يهربون من الجرذان. عصبيَّتك في مواجهة لا مبالاة الجرذ، تتجرَّد بسبب ممارستهِ لحياتهِ اليوميَّة. هدوءُ الجرذ أكبرُ تحدٍّ لقلقك.

"الانتفاضة والكتابة"

الغموضُ هو المسيطر. أيُّ شيءٍ يخرجُ من الحدث السوري يُنشرُ بلهفة. أهميَّة الحدث سياسيَّاً تنقِذُ رداءة النص فنيَّاً. نصوصٌ قليلة جداً تتحدَّث عمَّا يجري بواقعيَّة وموضوعيَّة، من دونَ أحكامٍ مُطلقةٍ وحتميَّة. يوصِفُ الصراع بأنَّه تضاديُّ أزليُّ بينَ خيرٍ مُطلق وشرّ مُطلق. التشويش على الصمت السوري بالصراخ والتمزيق مشوِّه. الواقع السوري مركّب ومتشابك وشائك، ولا يحتمل توصيفات جوهريَّة مثل "الشعب السوري العظيييييم" أو "لا خوف من الموت".

شهوةُ الانتقامِ مُغريةٌ في اللغة وتثيرُ عدوى كتابة مشابهة، هيجانُ النقمة يزيد حِدَّة اللغة وحضور العصبِ الأهليِّ فيها. لغةٌ تتحدث عن جوهر المعاناةِ بنبرةٍ خفيضة مُثقلةٍ بالذنب، تعوِّض ما سبق بكثافة عُمق الألم، لغةٌ كهذه تستطيعُ النسيان والغفران، استخلاص علامات "المجد" من ركام هذا الدمار، هو اقتحامٌ لقدسيَّة وحدة المنكوبين، هو مسرحةُ هذا الحزن العظيم أمام جمهورٍ همُّه الاستمتاع فقط.

أما الخطاب الفصيح أمامَ مشاهد الموت، أي افتعالُ "المؤثِّرات اللغويَّة"، فهو تفريغٌ لمشهد الفظاعة من الألم، لا تملأوا هذا الفراغ بجثث الكلام، ولا تشوِّهوا عذريَّة مشهد الموت، الفصاحة كذّابة دوماً.

كاتبُ يدعو للحريَّة ولكنَّه مازال سجين مزاج القارئ الجائع للأساطير والبطولات، كاتبٌ كهذا لا يستطيع أن يكتب إلا ما يريده القارئ.

الإنتفاضة هي حدثٌ تاريخيّ متَّصل، ولها أسباب ومسوِّغات، وليست لحظةً بطوليَّة خارقةً منفصلة عن التاريخ. كثيرٌ من التحليلات عاجزةٌ عن تفكيك الإشكال الإيراني "من قاموا بالثورة ضِدَّ حكم الشاه، الآن يحتجَّون ضدَّ حكم الملالي"، أليست الثورة هي تغيُّر علاقة الحاكم مع المحكوم؟!

ديكتاتور ـ جماهير

يرتاح الديكتاتور إلى "الجماهير"، ارتياحُ النرجسي إلى البليد. هل هنالك أجمل للقنَّاص من الجثَّة الهامدةِ التي ينهالُ عليها برصاصاته؟!

حُروب

"أبطال" الحروبِ لا يخوضونها بأجسادهم، الضحايا الحقيقيون ينساهم التاريخ كغبارٍ منثور. الفكرةُ تنتقمُ ممَّن يمثِّلها.

"بطولة"

لا شيء يسخِّفُ البطولة مثل تفاصيل الحياة اليوميَّة التافهة في السّجن.

وحدة

قتيلٌ واحدٌ يصبحُ نجماً، المئاتُ في المجازر الجماعيَّة تضمحلُّ أسماؤُهم، الوحدة تدللُّ ضحاياها.

SMS

رسالةُ الموبايل كانَت الضوء الوحيد الذي يسطع في ظلمة البيت، ستضمر عيوننا لقلِّة الاستعمال، ظلامٌ خالٍ من العتمة،حرمونا من مُتعِة العُتمة بسفالة هذه الرسالة التي تقول "معركة الحسم مستمرَّة، لا تهاون مع الإرهاب واليد التي تمتدُّ إلى مقدرات الشعب ستقطع. الجيش العربي السوري".

هل يوجد تهديدٌ أكثر عدميَّة من هذا؟

فيسبوك

خصوصيَّاتك تفترسُ عموميَّاتك، وعموميَّاتُك تفترسُ خصوصيَّاتك.

الجنس والحرب

الحربُ هي احتكاكٌ ميكانيكي بين الغاضبين، لترجمة رغبة المجموع في أن يُصبح مُفرداً. الجنس "بيولوجيَّاً" (أي الإنجاب) هو تواطؤُ الانقسام لصُنع وحدةٍ جديدة.

فيديو السكاكين

الميِّت ميتٌ. الفجيعة قدر الأحياء. لا تحزن على من فُقِد، بل إحزن على الباقين لأنَّهم ما زالوا "أحياءً" يشهَدون.

كابوس

الكابوس المتكرِّر اليومي، رجلُ أمنٍ يلاحقُك. في الحلم أنتَ تعرف أنَّك تحلم، رغم ذلك أنتَ خائف، أنتَ خائفٌ من أن يكون هذا الكابوس واقعاً لشخص آخر. ألم يكن اعتقالك كابوساً لشخصٍ مجهول؟! الكوابيس هي البرهان الوحيد على وجود الجحيم.

"دوار جنوبي"

مُنغمساً في التذكُّر، فاقداً التعلق بالتفاصيل، في باص"دوَّار جنوبي" على أوتوستراد المزّة في منحدر ساحة الأمويين الخفيف، تتخيَّل رجلاً يشبهك تماماً يسكُن رجلاً آخر يشبهك تماماً، في أيّ رجلٍ منهما أنتَ تسكُن الآن. من منهما يكتب هذا النص؟

تاريخ

صفحاتُ التاريخ الصارمة مشغولةٌ بالبطولات البرَّاقة ولا تتذكَّر الإلتباسات الصغيرة. لا يوجد أكثر مللاً من سلسلة "قصة الحضارة". دوماً العبارات الشهيرة بحاجةٍ إلى أحداثٍ كبيرةٍ حتى تُقال. لا يتذكّر المرءُ على فراش الموت سفالاته، بل يتذكّر ورقة شجر كان قد داسها. والجنود السوريون العائدون من المعارك لا يتحدَّثون عن الموت، بل يتحدَّثون عن الطين ومشهد الغروب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما الذي يقف وراء مستحيل لافروف؟

اسطنبول ـ عمر كوش

المستقبل

27-1-2013

تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حول استحالة رحيل بشار الأسد، يمكن أن تفهم على أكثر من صعيد، حيث يمكن، أولاً، إدراجها في سياق المفاوضات التي تجريها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بخصوص تفسيرات "اتفاق جنيف"، وتصورات ساستها للحل في سوريا. ويمكن، ثانياً، فهمها على أنها تعكس الرغبة الروسية في بقاء الأسد ونظامه في السلطة، من دون الاكتراث لمطالب الثائرين ولدماء السوريين. كما يمكن أن تفهم على أنها تدخل في سياق تصلب الموقف الروسي، وعدائه للثورة السورية ولسائر الثورات العربية.

ولا شك في أن الوزير لافروف يعي أن المستحيل في أكثر من لغة إنسانية حيّة، يحمل معنى اللا ممكن والممكن في الوقت نفسه، والاستحالة تحمل أيضاً معنى التحول، إذ مع استمرار نفاد الوقت أمام النظام سيستحيل الموقف الروسي، أي سيتحول من حال إلى حال، كما حصل من قبل لهذا الموقف في أكثر من مناسبة، وحيال أكثر من أزمة دولية، ولم يصب أصحاب الموقف المتحول ومنهم السيد لافروف نفسه - بالحرج في اللجوء إلى الحجج الواهية والكذب المكشوف واللف والدوران، كي يبرروا موقفهم الجديد.

غير أن اللافت هو ان السيد لافروف بات يتحدث في الشأن السوري، وكأنه الناطق الرسمي باسم النظام، وينسى أنه يتحدث باسم دولة "عظمى"، بل، ويزاود على مقولات رموز النظام وأزلامه، ويردد أكاذيبهم ويتخيل مستحيلاتهم، فبالنسبة إليه كان من المستحيل أن يتحرك سوريون مطالبين بالكرامة والحرية، أو أن يجرأ أحدهم منهم على كسر حاجز الخوف، الذي أسهم أسلافه من الساسة في مساعدة النظام على بنائه. وكان مستحيل أيضاً أن يصمدوا طوال أكثر من اثنين وعشرين شهراً في مواجهة الحرب الشاملة التي يشنها النظام ضدهم، بالرغم من وحشية الانتهاكات وتعدد المجازر والجرائم. لكن الثوار السوريين سخروا من لافروف ومن تصلبه الخشبي، وحولوا مستحيلاته إلى ممكنات.

وقد كشف تعامل الساسة الروس وقادتهم مع الوضع في سوريا، تركيبة العقل السياسي المتحكم فيهم، وطبيعة النهج المخاتل الذي اتبعوه في معاداة الثورة السورية، والدعم الهائل للنظام السوري، قرين نظامهم وشبيهه في النهج والممارسة والتوجهات. وكشف كذلك حجم التورط والتورّم الذي أصابهم، كي يحافظوا على نظام دخل في دائرة بركان ثائر، لن تهدأ حممه إلا بإسقاط أصحاب كافة رموزه ومكوناته.

ولعل أي زائر لروسيا سيكتشف فوراً أوجه التماثل بين النظام الروسي والنظام السوري، إذ فور وصوله الى المطار، سيفاجأ بنظرات رجال الأمن المريبة نفسها حياله، والمعاملة ذاتها، وطرق الرشوة، وغرف الأمن السرية، وسوى ذلك. والأمر يعود إلى سنوات مديدة من التعاون الأمني الاستخباراتي ما بين روسيا ونظام الأسد الأب ثم الابن، فضلاً عن التعاون العسكري، والدعم والاسناد، وتبادل المصالح ما بين المافيات الحاكمة في البلدين.

غير أن الأهم هو أن العقلية السياسية المتحكمة بالساسة الروس، لا تختلف كثيراً عن عقلية طغمة النظام السوري، إذ الهاجس الأساسي الذي يسكن أذهانهم هو البقاء في الحكم إلى الأبد، لذلك تتشابه الممارسات، وتختلف درجتها وشكليتها، من حيث ان النظام الروسي دخل في لعبة ديموقراطية، لا تحقق هدف الديموقراطية في تداول السلطة، بل تدخلها في لعبة تبادل الأدوار على كرسي الرئاسة الروسية ورئاسة الوزراء بين كل من فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف، مع بقاء الحزب الحاكم "روسيا الموحدة" في السلطة إلى أجل غير محدد. واللاعب الأساس هو الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، الذي دخل في هذه اللعبة، نظراً لأن الدستور الروسي لا يسمح له بثلاث ولايات متتالية. بينما عملياً يمكن لبوتين أن يرشح نفسه من جديد للانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2018، وأن يبقى في السلطة حتى عام 2024.

ويسوّق الساسة الروس لعبة تبادل الأدوار، بتفضيل القيادة الروسية الحاكمة الاستقرار على أي شيء آخر، سواء كان ذلك في بلدها، أو في أي بلد آخر، لذلك يجري تبرير فكرة مستحيل لافروف، الذي يستند على مقولة استحالة تغيير الأنظمة بالقوة، أو من الخارج، لذلك يركن الروس إلى الاستثمار الذي تقدمه تحالفاتهم وعلاقاتهم مع الأنظمة العربية المتقادمة، بالرغم من الإشارات الخجولة إلى مطالب الشعوب المحقة. لكن الواقع هو أن دوافع وحيثيات مستحيل لافروف، ترجع إلى أمور عدة، منها تخوف روسيا من تأثر وضعها الداخلي برياح التغيير الديموقراطي التي تجتاح المنطقة العربية، ومن إرهاصاتها على دول الاتحاد الروسي، وعلى مستقبل دول آسيا الوسطى، وبخاصة الدول الحليفة لها، مثل أذربيجان وكازاخستان وطاجيكستان وبيلاروسيا.

ويبدو أن عقلية الساسة الروس جعلتهم يعتبرون أنفسهم خاسرين، استراتيجياً واقتصادياً، بسبب مواقفهم المشككة والمريبة من التحولات التي أحدثتها الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، وربطوا ما يجري في سوريا بالتهديد المباشر الذي يأتيهم من نشر رادارات الدرع الصاروخية في تركيا، إضافة الى خوفهم من خسارة ما يتوفر لأسطولهم البحري في ميناء طرطوس، بوصفه الموقع الاستراتيجي المميز على الشواطئ السورية، ما يُمكّنهم من التواجد في مياه البحر الأبيض المتوسط. وهنالك اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية، يفيد بأن حمايتهم للنظام السوري، يمكن أن توفر حضوراً روسياً قوياً في مختلف ملفات الشرق الأوسط، وفي التسويات التي يمكن أن تحصل في المستقبل بخصوص إيران وملفها النووي، بل ويمكن أن يشكل سابقة يمكن البناء عليها مع إيران والعراق ولبنان، ضمن سياسة بناء حلف جديد في المنطقة، تكون روسيا محوره الأساس والفاعل.

كان الأجدى بالساسة الروس أن يحسبوا بدقة ارتدادات وإرهاصات معركة دعمهم للنظام السوري على حياة الشعب السوري، لا أن يقفوا ضد ثورته، لأن الشعب باق ومستمر في الطريق الذي اختاره، مهما ارتكب النظام من فظائع وأعمال وحشية، والنظام راحل آجلاً أم عاجلاً، أياً كان داعموه، من روس وإيرانيين وصينيين وسواهم. لكن يبدو أن ما يسمى المجتمع الدولي متواطئ معهم، أو على الأقل أعطاهم الضوء الأخضر كي يتصلبوا في مواقفهم، بالنظر إلى أن القوى الغربية الفاعلة لا تريد لثورة الشعب السوري أن تبلغ مرادها وفق مطامحه وآماله، بل تريد أن تجهض ثورته من خلال حل سياسي، هو أقرب إلى صفقة دولية، يجري وضع لمساتها وخطوطها العريضة بين اللاعبين الكبار، الذين اجتمعوا في جنيف، ثم في دبلن، وعادوا من جديد إلى جنيف، كي يشركوا الأخضر الإبراهيمي معهم، بعد أن أطلق تهديده للسوريين بالجحيم الذي ينتظرهم، ووعيده بمئة ألف شهيد جديد، إذا لم يقبلوا بحل غامض، يبعدهم عن تحقيق مرادهم، ويبقي قتلتهم في أمكنتهم، دون حساب أو عقاب.

والواضح أن تضخيم الكلام عن ما يتضمنه "اتفاق جنيف" - وهو ليس باتفاق والحديث عن "جنيف2"، يراد منهما فرض حلّ غامض على السوريين، انبرى لتسويقه الأخضر الإبراهيمي، من خلال الحديث عن "حكومة بصلاحيات كاملة"، وأن ذلك لن يتم إلا من خلال "حوار سياسي"، مع أن النظام أغلق كل أبواب الحوار منذ بداية الثورة السورية، وراح يمعن في حرب شاملة ومدمرة ضد الثورة وحاضنتها الاجتماعية. وجاء خطاب رأس النظام الأخير ليؤكد استمرار إغلاقه للمجال السياسي، واستمرار الحرب الشاملة، والتغوّل في القتل والتدمير.

والمفارق في الأمر أن كلاً من النظام السوري والقادة الروس والأميركيين يراهنون على إجهاض الثورة السورية، وعلى نكوص واستسلام قواها، لكن الثورة السورية هي ثورة غير قابلة للإجهاض، بالنظر إلى الإصرار والعزيمة المنقطعة النظير لناسها، والاستعداد لتقديم التضحيات، خصوصاً أنها تواجه نظاماً فقد جميع مبررات استمراره، وعليه الرحيل آجلاً أم عاجلاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : بين يدي السنة الثالثة للثورة السورية تحتاج الثورة إلى قيادة ثورية (وسيعلم الذين ظنوا أو خالوا أو حسبوا أن لباسهم في الصيف يصلح للشتاء أنهم كانوا واهمين ) زهير سالم*

لم يشهد العالم في تاريخه الحديث ثورة تفجرت من مكامنها العفوية في قلوب المظلومين والمضطهدين والمحرومين كما هي ثورة الشعب السوري . كل الثورات التي تغنينا بها أو تغنت بها ثقافة الإنسان في القرن العشرين على الأقل من فيتنام إلى الجزائر إلى أفغانستان ؛ كل هذه الثورات وجدت الحاضن والداعم والمؤيد الذي لم تجده الثورة السورية حتى اليوم .

ولكي لا أبدأ من حيث يبدأ الجميع من توجيه إشارات التعجب والاستفهام إلى القيادات السياسية للمعارضة السورية ، التي لم تستطع الوفاء بحق الثورة والثوار على نحو لم يفعله أي ( آخر ) في هذا العالم ؛ ينبغي أن أستدير بكل الحب والإكبار لأوجه التحية لبطولات هذا الشعب السوري الأبي .

نعم ( الأبي ) أكتبها اليوم وأنا أستشعر جدارة هذا الشعب بها واستحقاقه لها، وأنا الذي كنت كلما قدمت بها لنداء أو بيان على مدى أربعة عقود أتحسس مكان حكة في ضميري وفي عقلي على السواء .

 وأكرر التحية والتجلة والإكبار والإعزاز لنساء سورية ورجالها لفتيات سورية وفتيانها لطفلات سورية وأطفالها لهذا الشعب الذي أثبت بحق أنه حامل حقيقي لثورة ضد أعتى وأشرس وأقسى مجموعة بشرية عرفها تاريخ الهمجية في العالم في ظل غياب كامل للقيم الذاتية التي تمنع والقوانين الدولية التي تردع .

و أجدني مضطرا لأن أؤكد أن الزمن الثوري كلما طال ، وأن عمر هذه الثورة كلما امتد ؛ وجب أن يحسب لقيم الصمود والثبات تحت قوس التضحيات المفتوحة على كل الانتهاكات التي يتحداها بإباء هؤلاء الثوار ..

أحيي والتحية واجبة اليوم بل هي فرض الوقت كل أم سورية وكل أخت سورية وكل بنت سورية ؛ علمت أنها مهددة بما هو عند حرائر الشام أصعب من الموت بمئات المرات ثم تقدمت تتحمل المسئولية الثورية في شتى ميادينها ، أحييهن جميعا لأثبت هنا أن نساء سورية وبناتها كن في إقدامهن هذا أشد شكيمة وأقوى عزيمة وأكثر مضاء من كل الرجال الرجال ولا أتحدث عن الأشباه ..

أحيي والتحية واجبة رجال سورية المدني منهم والعسكري الذين اختاروا أن ينحازوا إلى الحق الأزلي المغروس في ضمائرهم فوقفوا يقولون للظالم المستبد كفى رجال الجيش الحر والعسكري المنشق والضابط الذي غادر موقعه ليفتح للموت والعز صدرا ..

وفي الوقت الذي يقلب فيه أعداء الثورة الذين يتكنفونها عن يمين وشمال ثنايا الثوب يبحثون عن بقعة هنا وحبة سوس هناك أجدني أصرخ في وجوههم جميعا كفوا عن وجودنا المقدس أيها المشككون والمتخاذلون . كفوا عن بنياننا المقدس يا تلاميذ علم الحساب على موائد الجمع والطرح والقسمة التي سئمناها من أمانيكم الضيقة وتطلعاتكم المراض ...

هذه التحية اليوم أصبحت واجبا استراتيجيا ونحن نتابع تكالب أعداء لبسوا ثوب الأصدقاء وراحوا ينهشون جسد الثورة والثوار بمخالب وأنياب . وحين يتاح لك أن تتابع لغة إعلامي يزعم أنه ينتمي إلى مشروع كوني للحرية والكرامة الإنسانية ، أو سياسي يقدم نفسه عرابا لمشروع وطني للديمقراطية والعدل والمساواة ؛ تجد أولئك الأبعدين وهؤلاء الأقربين ينفثون مع كل حرف وكلمة يعلقون بها أو يكتبونها سخاما أسود يدافع بمفهومه المعاكس عن قاتل الأطفال ومغتصب النساء ومدمر إرادة شعب عزيز كريم وسارق لثرواته على مدى نصف قرن ..

ومن ثم نعود لنقرر أن هذه الثورة السورية العفوية المباشرة العظيمة لم يتح لها بسبب مناخ بالغ القسوة تتفجر فيه ، وبسبب الخذلان المطبق من كل القوى التي كانت ترى في حكم العصابة الحد الأدنى الذي يدرأ المفاسد عنها ؛ أن تنتج قيادة سياسية تكافئ فعلها الثوري تغطيه وترشده وتعين على تحمل مسئولياته .

ومن غير أي اتهام مني لأي فريق سياسي التحق بالثورة أو بذل جهدا لدعمها أؤكد أنه لم ينجح أي فصيل سياسي معارض كلاسي – قادم من زمن الصقيع والبيات الشتويين – أن يوفي باستحقاقات الثورة الإدارية أو السياسية أو الإنسانية أو حتى الإغاثية لا كل هذه الاستحقاقات ولا عُشرها.

وسيجد كل فريق من هؤلاء من المعاذير ما يكفي للدفاع عن مواقفه ، تسويغا وتفسيرا وإرجاء وتمويها . ثم حين سيدخلون القضية في إطار الشخصنة الفردية أو الإيديولوجية أو الحزبية أو الفصائلية سيصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة وأبعد المنال ، وسيثير الجميع من الغبار ولا أستثني ما يغطي على سواءتهم في تدافع المسئولية وتبادل الاتهامات . إن أبسط ما يمكن أن يقال في هذا المقام إن قيادة الثورة تحتاج إلى شخصيات ثورية وإلى منطق ثوري . وإن الثوب الذي ارتديناه على حب واختيار في الصيف لا يصلح للشتاء وإن ظننا وحسبنا وخلنا ...في المأثور الإسلامي الصحيح ( فقد خان الله ورسوله ..) . لم أسمع عن أي فصيل سياسي إسلامي أو علماني مدني أو ديني استبدل شخصا وفاء لاستحقاقات مرحلة لم يكن أحد مستعدا لها ، ولا هو متنبئ بها . إن مبدأ القائد الملهم الذي يصلح لكل مهمة مشتق من الواقع الذي قامت الثورة للتخلص منه هذه واحدة . لماذا يصر البعض على جعل هؤلاء الأبطال يدفعون المزيد من دمائهم ثمنا لهذه الأهواء وتغطية لهذه الرغبات .

ثم أقول ثانيا أن الفعل الثوري هو عملية رفض صريح ومباشر ليس فقط للعصابة التي أذلت الشعب السوري وأرهقته على مدى نصف قرن ، بل لكل السياق والمواضعات التي أقرت بوجوده وأرخت له العنان ، وظلت تفسح له في نواديها ، وتبسم له في محافلها ، وهي تعلم أنه يظلم ويقتل وينتهك ويسرق .. . والحقيقة الأكثر أهمية في هذا السياق أن هذه القوى الملتحقة بالثورة والمحتكرة لتمثيلها تصر على استخدام منطق الملتحفين بالظلم هؤلاء ، المنطق الصوري الأرسطي نفسه الذي أفرز الوضع الذي نثور عليه . لم ينجح المجلس الوطني ولن ينجح الائتلاف الوطني ولن تنجح أي فئة أو جماعة أو هيئة أخرى ؛ ما تزال تصر على ان تقود الفعل الثوري بالعقل الكلاسي نفسه ، بقوانينه ومواضعاته ومقدماته وأساليبه . لأن لقيادة الثورة قوانينها وطرائقها الثورية

و الحقيقة الثالثة وهي الأكثر أهمية أن بعض القوى التي تسم نفسها بالحداثية في سورية تعمل وفق عقلية كهنوتية مغرقة في جمودها . لقد كان المنتظر من هذه القوى أن تؤدي دورا أكثر فاعلية في نصرة الثورة وشبابها . وأن تكون أكثر عقلانية من أن تتخوف من نداء أو شعار عاطفي فطري يلقى هنا أو هناك ؛ ولكنها مع الأسف حاصرت نفسها في خندقين اثنين ؛ خندق العقل الكهنوتي بقوانينه الجامدة ، فلم تكن الحداثة بالنسبة إليها ( العلمانية والليبرالية ) أكثر من قبعة توضع على الرأس للزينة في المحافل . كما حاصرت نفسها في تقدير سيء لمصالحها الوقتية العارضة التي لم تستطع منها فكاكا فقدمتها على مصالحها الاستراتيجية التي هي جزء من مصالح الوطن المفتوحة على المستقبل الواعد . هده القوى كما بعض الناس في مصر الآن لم تفكر على : طريقة ماذا علي لو تأخرتُ جولة وربحتُ الديمقراطية بمشروعها المفتوح على نهاية التاريخ كما دندنوا يوما ..

 ومع تحفظي على اتهام بعض الناس العقلية الدينية بالجمود وبالبدائية والمباشرة ، وتمسكي بالتمييز بين قولنا عقل ديني كهنوتي وعقل إسلامي ؛ أعجب أن بعض القوى الحداثية في سورية دخلت عالم الثورة منذ سنتين بلاءاتها المقدسة ولم تفلح كل معطيات الواقع في جعلها مستعدة لمراجعة هذه اللاءات التي باتت أكثر قداسة فلا يأتيها الباطل – في زعمهم – من بين يديها ولا من خلفها . نصهم المقدس هذا لا يجوز أن يقيد مطلقه ، ولا أن يخصص عامه ، ولا أن تكتنفه أحكام الضرورة التي تخفف من بعض قيوده ، وحين يقول منهج الأصول الإسلامي بدوران الحكم على الواقع ، وأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان وأن الضرورة تبيح المحظورة وأن وأن ... يظل الكهنوت الحداثي الذي ابتليت به الثورة السورية متمسكا بقوانينه التي صنعها في فراغ ذهني متبلد لا يمت إلى الثورة بصلة ..

لا أنتظر من أحد من قيادات المعارضة السياسية أن يجد في هذا الكلام أكثر من لغو باطل كله قابل للتفنيد . إنما أكتب هذا الكلام لجيل الثورة و لقادتها الحقيقيين على الأرض السورية ليصنعوا لأنفسهم ليس فقط قادتهم الثوريين وإنما منطقهم الثوري أيضا ولعل الثاني أهم من الأول ..

لندن : 15 / ربيع الأول / 1434

27 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا أمام صعوبات الأزمة

فايز سارة

الشرق الاوسط

27-1-2013

مهما كان شكل تطور الأحداث في سوريا خلال عام 2013 فإنه سيكون العام الأصعب الذي يواجه السوريين منذ عقود طويلة بما فيها العامان الأخيران، وما حدث خلالهما من تطورات وتداعيات في أزمة سوريا، ويستمد هذا التقدير أسانيده من وقائع العامين الماضيين، ومن الاحتمالات التي يسير إليها مصير الوضع السوري في جوانبه الأمنية والسياسية والاقتصادية - الاجتماعية.

ويضع عام 2013 سوريا في سياق واحد من مسارين؛ أولهما استمرار الصراع العسكري، وصولا إلى حل عبر القوة، وهو المسار الأكثر ترجيحا للتحقق.. والثاني مسار الحل السياسي الذي يملك فرصا قليلة، وهي فرص تزداد ضعفا كلما أوغلت الأزمة في مسار الصراع العسكري. وإذا كانت الأزمة ستمضي في مسار الحل العسكري فإن ذلك يعني استمرار الخسائر البشرية والمادية وتصاعدها، ليس فقط بسبب تزايد المساحة الجغرافية للصدام الذي لا شك أنه سيطال مناطق ظلت تقريبا خارج صراع القوة، أو أن الصراع طالها بشكل محدود مثل دمشق والسويداء في الجنوب واللاذقية وطرطوس على الساحل والحسكة في الشرق، وحماه في وسط البلاد، ولكن لأن استخدام القوة سيكون أكثر عنفا مما جرى حتى الآن، ليس بسبب طموح النظام والمعارضة المسلحة ورغبة كل منهما في إلحاق هزيمة حاسمة بالآخر فقط، بل لأن النظام سيذهب إلى استخدام كل طاقة تدميرية يملكها، فيما ستحشد المعارضة أكبر أعداد من مقاتليها في الصراع. وخلاصة الأمر في ذلك أنه سيكون هناك ارتفاع في أعداد الضحايا القتلى والجرحى، ومثلهم من المعتقلين والمفقودين والمختطفين الذين لا شك أن أعدادهم سوف تزداد بصورة مخيفة لأسباب وعوامل متعددة.

وسيؤدي استمرار مسار الصراع العسكري وتصعيده إلى مزيد من توقف الأنشطة والفعاليات الاقتصادية والخدمية، ودمار البنى التحتية خاصة شبكات المواصلات والماء والكهرباء، إضافة إلى دمار البيوت والمنشآت الإنتاجية والخدمية والمرافق العامة، بما فيها المدارس والمشافي، وكله سيسبب مزيدا من المعاناة والنزوح، إضافة إلى هجرة السوريين إلى دول الجوار، حيث ستتفاقم مشاكلهم هناك ومشاكل من سبقهم، والتقديرات في هذا الجانب تشير إلى تدهور خطير في حالة ستة ملايين ينزحون في الداخل وأكثر من مليون ونصف مليون من اللاجئين في الخارج خلال العام الحالي.

وبالتزامن مع ازدياد فاتورة الأزمة وتكاليفها البشرية والمادية فإن استمرار صراع القوة سيؤدي إلى نمو نزعات التشدد والتطرف، وسيدفع باتجاه زيادة صعوبات الحل السياسي، تاركا الباب أمام سقوط حر للنظام، لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يعقبه، وفي كل الأحوال فإن الوضع بما فيه سيجعل المرحلة الانتقالية التي تلي سقوط النظام باعتبارها مرحلة إعادة تطبيع الأوضاع في سوريا أصعب بكثير نظرا لما ستطلبه من قدرات وإمكانيات وجهود مضاعفة.

وذهاب الأزمة في اتجاه الحل السياسي، على ضعف مثل هذا الاحتمال، وإن كان سيعني الحد من الخسائر التي ستصيب السوريين، فإنه لن يخفف من صعوبات عام 2013. ذلك أن الوصول إلى توافق على حل سياسي سوف يتطلب البدء الفوري بمعالجة الأوضاع المأساوية التي تعاني منها البلاد، ويعيش السوريون في ظلها، مما يفرض تلبية سريعة لحاجات ملايين المتضررين داخل البلاد وخارجها، خاصة أن ذلك سيتم في ظل ارتباكات أمنية وضغوط سياسية، لا سيما أن الحل السياسي سيجد له من يعارضه، وسوف يندفع بعض المتشددين ومن يدعمهم إلى مقاومة الحل ظاهرا وباطنا وبمختلف وسائل المقاومة والممانعة، وسوف يقومون بوضع كل العقبات الممكنة بما في ذلك عقبات سياسية وأمنية لتعطيل الحل ومنع إعادة تطبيع الحياة السورية والبدء في إصلاح ما دمرته الأزمة وسياسات النظام العسكرية - الأمنية.

كما أن توفير الإمكانيات المادية والفنية لإعادة بناء الحياة السورية سيكون أمرا صعبا من خلال القدرات السورية بعد كل ما أصاب السوريين في مجتمعهم ودولتهم من خسائر ودمار، ولا شك أن الصعوبة أيضا تحيط بالمؤسسات الدولية وبمساعدة الدول بما فيها دول أظهرت تعاطفا مع محنة السوريين، وثمة أمثلة حية في مواقف المجتمع الدولي بمؤسساته ودوله وعجزه عن القيام بدور مهم في دعم ومساندة السوريين لا سيما النازحين واللاجئين على ما يمكن أن يحصل، مما يعني أن فترة زمنية سوف تمر قبل يستطيع السوريون البدء في معالجة أوضاع مواطنيهم وبلدهم حتى في ظل دخولهم مسار الحل السياسي.

إن صعوبات كبيرة تحيط بالسوريين وبلدهم في العام الحالي، سواء تمت معالجة أزمة بلادهم عبر حل عسكري يطيح بالنظام أو حل سياسي يأخذ البلاد إلى تغيير النظام بصورة جوهرية عبر مرحلة انتقالية. وتفرض الصعوبات التي تنتظر السوريين في الحالتين نسقا في التعامل مع الأزمة، أساسه العمل بأقصى طاقة ممكنة للتخفيف من حجم الخسائر البشرية والمادية التي يمكن أن تصيبهم، ولا شك أن التوجه نحو خيار الحل السياسي يصب في هذا الاتجاه، والأمر الثاني أساسه العمل على استنفار كل القدرات والإمكانات السورية لتحقيق أعلى قدر من التوافقات السياسية خاصة في صفوف قوى المعارضة والمعارضة المسلحة بصفة خاصة للتخفيف من تداعيات رحيل النظام بالقوة أو بالحل السياسي، والأمر الثالث يتطلب تحشيد القدرات المادية للسوريين، لا سيما المغتربين، ودفعها باتجاه إعادة بناء البلاد وتطبيع حياة سكانها، والبدء في اشتغال جدي لضمان مشاركة المؤسسات الدولية والدول الغنية إضافة إلى الدول العربية للمساعدة في إعادة إعمار سوريا، التي كان بين أسباب دمارها وتزايد حجم كارثتها تقاعس المجتمع الدولي بمؤسساته ودوله عن أخذ دور جدي في معالجة أزمتها، ووضع حد لها، وأحيانا بسبب تدخل دول وقوى كثيرة في شؤون سوريا الداخلية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذه ليست حرباً ضد عصابات بل حرب انتقام من الشعب

سلامة كيلة *

السبت ٢٦ يناير ٢٠١٣

الحياة

كــانت السلــطة تبرر استخدامها السلاح منذ بداية الثورة بوجود «عصابات إرهابية» أو مجــموعات سلـــفية، لكن تبيّن بعد عام وأشهر أن الأشهر الستة الأولى من الثورة لم تشهد وجـــود مسلحين كما اعترف بشار الأسد، وأيضاً فاروق الشرع. بمعنى أن الخطاب الذي تعـــممه كان كاذباً، وهو الأمر الـــذي يفـــرض التشكيك في كل الخـــطاب الذي استخدمته منذ البداية، وطــبعاً إلى الآن.

إذاً، استخدام السلاح كان قراراً سلطوياً بالأساس، وكان كل الخطاب الإعلامي تغطية على ذلك. وهو ما يعني بأن كل التطورات التالية كانت نتاج هذا الأمر. لكن سنلحظ بأن السلطة طوّرت استخدامها السلاح، من استخدام الأسلحة الخفيفة والاعتماد أكثر على عنـــاصر الأمن والشبيحة إلى استخدام الجيش في شـــكل أساسي بعد أن وجدت هؤلاء عاجزين عن وقــف تــــوسع الثورة. ظهر ذلك واضحاً بعد الـــتظاهرة الكبيرة في حماة، حيث قررت السلطة زج الجيش في الصراع بشكل حاسم، والذي على ضوئه استقال وزير الدفاع علي حبيب (وقيل إنه قتل). بالتالي كانت هذه الخطورة سابقة لتسلح الثورة (نهاية تموز/يوليو 2011). فأصبح تكتيكها يتمثل في اقتحام المدن والقرى بقوة الجيش، وتركها لسيطرة الأمن والشبيحة.

وبعد ان جرى استخدام السلاح من قبل الشعب (بعد أيلول/ستمبر 2011، وخصوصاً بعد تشرين الأول/أكتوبر) كرد على العنف السلطوي، أخذ الصراع يتجه نحو التصعيد العسكري، إلى أن أصبح الجيش (خصوصاً هنا الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) أداة المواجهة. لكن ظل الأمر يتعلق بالسيطرة على المدن والأرياف من أجل «ضبط الأمن». وظل التركيز على قتل المتظاهرين هو السياسة التي تقوم بها من أجل إنهاء الاحتجاج الشعبي.

الأمور تصاعدت بعد أن توسعت الثورة، وأصبح عديد المناطق خارج سيطرة السلطة. وهنا كان الهجوم على بابا عمرو هو مفصل التحوّل، حيث ظهر أن السلطة لم تعد معنية بالقتل فقط بل أصبحت معنية بالتدمير كذلك. وكان ذلك يفسّر بأنه نتاج سيطرة المسلحين على هذه المناطق، التي كان بالفعل هناك سيطرة عليها من قبل المسلحين. لكن كان يبدو واضحاً بأن السلطة لم تعد تواجه المتظاهرين فقط، بل باتت غير معنية بالتدمير الذي يتحقق، وربما أصبحت تعتبر أن التدمير يمكن أن يكون رادعاً كافياً لوقف توسع الثورة وتصاعدها. وفي كل الأحوال كانت تواجه مناطق سيطر عليها مسلحون وخرجت عن سيطرتها. أي كان ما يجري هو تدمير ناتج من «الحرب»، بغض النظر عن أن كل العنف الذي مورس منذ البداية ليس مبرراً ولا يمكن تبريره أصلاً. ما نشير إليه هنا هو «المنطق العسكري» الذي يقود إلى ضرورة ممارسة أو عدم ضرورتها.

هذا الأمر اختلف بعدئذ، حيث بدأ يظهر أن السلطة انتقلت إلى استخدام الطائرات والصواريخ والقصف المدفعي. وإذا كان ذلك يعبّر عن عجز في السيطرة على الأرض، وتقلّص المقدرة العسكرية في ما يتعلق بالقوات البرية، سواء نتيجة توسع مقدرة الثورة أو نتيجة انتشار الشعور بالانشقاق لدى قطاعات الجيش الأمر الذي فرض «تحييدها» (عبر وضعها في المعسكرات من دون إجازات أو تواصل). إذا كان الوضع قد آل إلى ذلك فإن طريقة استخدام الطائرات والصواريخ والقصف المدفعي لم تعد تشير إلى أن ما يجري هو مواجهة مع «مجموعات مسلحة». فتدمير أحياء كاملة لأن فيها مسلحين يُظهر بأن الأمر أوسع من هزيمة هؤلاء أو قتلهم، حيث يمكن من المنظور العسكري اتباع سياسات عسكرية لا تؤدي إلى كل هذا الدمار. خصوصاً أن السلاح الذي يمتلكه هؤلاء ليس متطوراً أو ثقيلاً، بل هو سلاح خفيف بكل المقاييس (ومع كمية ذخيرة محدودة). بمعنى أن «قوة النيران» المستخدمة أكبر بكثير من قدرات المسلحين على الأرض. وكل منظور عسكري سيشير إلى هذا الأمر بوضوح.

ربما يكون السبب تقليص الخسائر لدى «العدو»، وهذا أمر يقوم به الاحتلال عادة، الذي يتقصد أيضاً التدمير الأكبر والقتل الأكثر. وبالتالي نحن إزاء تقلص مقدرة السلطة من حيث عديد الوحدات العسكرية التي تستخدمها.

لهذا أشرت إلى أن معظم وحدات الجيش باتت «خارج الصراع» نتيجة أنها باتت مجال شك بـ «ولائها» وميل الكثير من عناصرها إلى الانشقاق. وبالتالي يتوضّح أن السلطة باتت ضعيفة، و «تترنح»، وأنها لم تعد قادرة على الحسم العسكري. وهذا ما اشار إليه فاروق الشرع في مقابلته الأخيرة مع جريدة «الأخبار»، ولامسه بشار الأسد في خطابه الأخير.

من هذا المنظور يمكن أن نصل إلى أن ما يجري ليس سياسة تهدف إلى هزيمة «العدو»، لأن الشك في الانتصار هو الذي يهيمن على بنى السلطة، وربما هناك الكثير من أفرادها بات مقتنعاً بأن الأمر تجاوز ذلك، وأنه يتعلق بالخسارة والفشل، وبالتالي انتظار السقوط. أظن أن هذا الأمر هو الذي يقبع في أساس «الإستراتيجية العسكرية» التي تتبعها السلطة، والذي يعني أن الممسكين بالسلطة، والذين يشعرون بأن نهايتهم باتت قريبة، باتوا يمارسون سياسة انتقام وليس سياسة انتصار. وهي السياسة التي تقوم على ممارسة المجازر الوحشية بكل معنى الكلمة، والتدمير الشامل، والقتل الممنهج. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بمؤيدين ومعارضين، أو شعب وعصابات مسلحة، بل بات يتعلق بأن الشعب ككل يجب أن يذوق الانتقام ما دام تمرّد على «الإله» الحاكم. هذا «الإله» الذي أصبح فوق سورية وفوق كل الشعب. ولا شك أن الكثير من الشعارات التي تطرح من قبل الشبيحة أو تكتب هنا أو هناك يوضح هذه العقلية التي تتحكم في سلطة مافياوية بالأساس.

الجرائم التي تظهر تشير إلى هذه العقلية، حيث تغيب الإنسانية، ويظهر وكأن الذين يقومون بذلك «مهلوسون»، مثل ما ظهر في ليبيا، وقبلها في لبنان خلال الحرب الأهلية. هناك وحشية تمارس لا تعبّر عن سعي لانتصار بل تشير إلى ميل لانتقام. فلماذا يرفض الروس تحويل ملف السلطة إلى محكمة الجنايات الدولية؟ فهم سيكونون مشاركين بالضرورة. الأمر هنا هو أكبر من سياسي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية في خطر...

ماجد كيالي *

السبت ٢٦ يناير ٢٠١٣

الحياة

إذا كان ثمة مئة سبب للثورة في مصر وتونس واليمن فثمة ألف سبب للثورة في سورية، فهذه هي الأكثر مشروعية (مع الثورة الليبية) بين ثورات «الربيع العربي».

لكن الثورة السورية المجيدة هذه باتت اليوم في خطر، وفق تصريحات عديد من قادة «الائتلاف الوطني» و «الجيش الحر» الذين أكدوا ذلك بدلالة ضآلة الدعم المادي، والإغاثي، ووقف إمدادات التسلح، وبعجز المجتمع الدولي عن التدخّل لوضع حدّ للآلة الحربية، التي تعيث قتلاً وتدميراً في السوريين وممتلكاتهم وعمرانهم.

ليس القصد التخفيف من أهمية هذه المخاطر، لكن ثمة ما يبعث على الاعتقاد، أيضاً، بأن الثورة السورية دخلت دائرة الخطر، نتيجة عوامل أخرى، ربما تكون أكثر أهمية وخطورة من التي ذكرناها. وقد يأتي في مقدمة هذه المخاطر، أنها، وبعد ما يقارب عامين على اندلاعها، لم تستطع أن تجذب مجمل مكونات المجتمع السوري إلى فعالياتها، ولو الشعبية والسلمية المناهضة للنظام، من التي ما زالت تعتبر نفسها، عن وعي معين (ولو عن غير حق)، على الحياد، رغم كل القتل والتدمير الجاري.

ربما كان من السهل تحميل تلك الجماعات مسؤولية ذلك الموقف، وقد يستمرئ كثيرون توصيف ذلك بتعبيرات هوياتية، طائفية أو مذهبية أو اثنية، لكن هذا وذاك لا يحلان شيئاً، فضلاً عن أن لا جدوى منهما. والواقع أن القوى الفاعلة في الثورة تتحمّل قسطاً من المسؤولة، بتلوّن خطاباتها، وتخبّط أشكال عملها، وضمن ذلك، مثلاً، تسمية أيام الجمع، والكتائب العسكرية، وبياناتها المتعلقة باحتكار التقرير بماهية مستقبل سورية، مع رفع بعضها للرايات السود، بدلاً من علم الثورة السورية، وهذه كلها شوّشت على هوية هذه الثورة، كثورة وطنية، وعلى مقاصدها، بشأن اعتبار سورية وطناً لكل السوريين.

هذه الحال لم تسهّل عملية الاستقطاب لمصلحة الثورة، علماً أن هذا الأمر لا يتعلق بجماعات طائفية أو مذهبية أو اثنية بذاتها، إذ أنه يشمل، أيضاً، قطاعات لا بأس بها من المجتمع الاسلامي «السني»، المديني، الذي لم ينخرط في الثورة الى الدرجة المناسبة، لا سيما في مدينتي دمشق وحلب، وهذا ينطبق على احياء كاملة في قلب هاتين المدينتين، بدليل أن قطاعات الدولة ذاتها ما زالت تشتغل.

واضح أن الثورة معنية ببذل الكثير من أجل استقطاب مجمل الجماعات السورية إلى معمعانها، لا العمل على عكس ذلك، كمثل تركيز الحديث على انشاء دولة دينية، أو مذهبية، ما يثير مخاوف الجماعات الأخرى، ويوحي بإقصائها من نطاق الشعب السوري، فضلاً عن أنه يثير القلق لدى أهل الجماعة «السنية» نفسها، التي اعتادت على الوسطية والاعتدال، والتي لم يترسّخ في وعيها أنها تشكّل جماعة طائفية أو مذهبية، مستقلة في ذاتها. وتكمن معضلة الثورة السورية، أيضاً، في غياب القيادة عنها، وفي أن القوى المحركة لها لا تعمل في إطار من التوافق والترابط والتكامل. فالائتلاف الوطني، مثلاً، كقيادة سياسية، ما زال لم يتمكن من العمل على هذا النحو، لا إزاء الحراك الشعبي (التنسيقيات والهيئات واللجان المحلية)، ولا ازاء الجماعات التي يتشكّل منها «الجيش الحر». بدوره فإن «الجيش الحر» لا يعمل كجيش، لافتقاده الهيكلية وهيئة الاركان، ولخضوعه لمرجعيات متعددة، تبعاً للأطراف المشكلة له، أو للأطراف التي تدعمه من الناحيتين المادية والتسليحية. أما الحراك الشعبي، وهو القوة التي اطلقت الثورة السورية، ومنحتها شرعيتها، فبات في وضع صعب جداً، لا سيما بعد أن بات يفتقد كادراته، التي تمت تصفيتها إما بالقتل، أو بالاعتقال، أو بالاختفاء، أو بالخروج من البلد.

طبعاً، لا بد من تفهّم الصعوبات والتعقيدات التي تواجهها هذه الثورة المستحيلة، لكن ثمة مسؤولية تقع على عاتق القيادات السياسية والعسكرية والشعبية، التي لم تستطع بعد عامين الارتقاء بالصيغ التنظيمية لعملها، بسبب بعض الحساسيات الشخصية، وبعض الحسابات السياسية الضيقة. فالائتلاف الوطني ما زال لم يحسم فكرة الارتقاء بوضعه الى صيغة الحكومة الانتقالية الموقتة، رغم أن الواقع بات يفرض ذلك لمركزة عمل القيادة السياسية للثورة، وتوضيح كيانيتها، مع وجود مناطق محررة، وتحسّباً لأي فراغ سياسي قد يحصل في الفترة القادمة. والغريب رهن ذلك، أي حاجة السوريين وثورتهم الى هذا الانتقال، لاستجابة الخارج لشرطين، هما الاعتراف والدعم المالي، بدلاً من أخذ زمام المبادرة في تشكيل هكذا حكومة، وفرضها على الأرض، وجلب الاعتراف والدعم لها في ما بعد، كونها حاجة سورية أولاً، وأخيراً، قبل ان تكون مطلباً دولياً.

ليس الأمر أفضل حالاً على الصعيد العسكري، فثمة اليوم قوى تعتبر نفسها خارج اطار «الجيش الحر». وهذا لا ينطبق فقط على التشكيلات العسكرية التابعة لـ «جبهة النصرة» وأخواتها، وإنما بات يشمل تشكيلات كل من «الجبهة الاسلامية السورية»، وجبهة تحرير سورية الإسلامية. واللافت أن دور «الجيش الحر» يتضاءل فيما تصعد هذه التشكيلات والجبهات التي تعتبر نفسها مستقلة عنه وعن الائتلاف، ناهيك عن خطاباتها التي تدّعي احتكار التقرير بمستقبل سورية، من مدخل القوة العسكرية!

لا تنبع المشكلة من هذه الوضعية فقط، فثمة أيضاً مزاجية في عمل بعض التشكيلات العسكرية، وفي غياب خطة موحدة، وفي التبعات المكلفة التي تنجم عن عمل بعضها في المناطق التي توجد فيها. وهذا يفتح النقاش بشأن الاستراتيجية العسكرية المعتمدة، وضمنه جدوى ما يسمى «تحرير» بعض المناطق، التي تعتبر أصلاً بمثابة بيئات محررة، او حاضنة للثورة، حيث ان هذا «التحرير» يحيلها إلى مناطق منكوبة، وخالية من السكان، الأمر الذي سهّل الأمر على النظام أكثر مما على الثورة، في عديد الحالات. ويأتي في هذا الإطار عدم مراعاة الحساسيات والحسابات في بعض البيئات المحلية كمثل الدخول في معركة في رأس العين (سري لانكة)، أو السيطرة على مخيم اليرموك من دون دراسة لعواقب ذلك، ومن دون الإرتباط بخطّة عامة، أو اعتماد تفجير السيارات وسط مناطق مدنيّة، أو السكوت عن بعض التجاوزات المسلكية والأخلاقية، كما يأتي ضمن ذلك عدم نجدة الكتائب لبعضها، كما حصل في دير بعلبة، وربما في اماكن اخرى. الثورة السورية في خطر، ولكنها محكومة بالانتصار، لذا فهي مطالبة بتوضيح ذاتها، ماذا تريد؟ وما تعريفها للسوريين؟ وما رؤيتها للمستقبل؟ هذا ضروري من أجل ترتيب الثورة لأحوالها، ومن توضيح ذاتها لكل السوريين، وبعده من أجل توضيح ذاتها للخارج. وبالتأكيد فإن السوريين بشجاعتهم وتضحياتهم وتصميمهم يستحقون كل ذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"جبهة النصرة".. مطلب الجميع

الغد

نشر : 26/01/2013

منار الرشواني

في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، في 10 كانون الثاني (يناير) الحالي، أقر مسؤول أميركي بالتقاء الولايات المتحدة ونظام بشار الأسد على وجود (وبالتالي ضرورة محاربة) تنظيم القاعدة في سورية، ممثلا خصوصاً بـ"جبهة النصرة لأهل الشام"، والتي كانت الإدارة الأميركية قد أدرجتها على قائمة المنظمات الإرهابية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

لكن ما يثبته الواقع اليوم هو أن حضور "القاعدة" في الثورة السورية، وليس محاربتها، كان مطلب الطرفين ابتداء؛ نظام الأسد والإدارة الأميركية، وقد أديا لتحقيق ذلك دوراً متكاملاً.

ففي تبريره لاستخدام العنف وتصعيده إلى حدود وحشية ضد المتظاهرين السلميين مع بداية الثورة، وكذلك تحييد الرأي العام العالمي، سعى نظام الأسد حثيثاً إلى عسكرة الثورة، وضمن ذلك استحضار "القاعدة" فعلياً. وقد استغرقته للنجاح في ذلك أشهر مديدة من القتل والتنكيل والمجازر.

لكن دموية النظام لم تكن كافية بحد ذاتها لبروز "القاعدة" وتفرعاتها في سورية؛ بل فرض ذلك قسراً التخلي الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، عن الثوار؛ وتحديداً على صعيد توفير سلاح نوعي يخفف على الأقل من حجم مجازر قوات الأسد بحق المدنيين قبل الثوار. إذ بسبب هذا التخلي، كان طبيعياً -وكما توقع بداهة كثيرون، بينهم باحثون ولربما مسؤولون أميركيون وغربيون- اللجوء إلى "القاعدة" التي تتوفر على الخبرة العسكرية الضرورية للثوار، والتي تم اكتسابها في أفغانستان والعراق خصوصاً. يؤيد ذلك أن الإعلان عن تأسيس "جبهة النصرة" لم يتم إلا نهاية العام 2011، وتحديداً في تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام، عقب أشهر من اندلاع الثورة. كما يؤيده أيضاً، وفي مؤشر يكاد يفوق ما سبق أهمية، تلك الشعبية التي تتمتع بها الجبهة بين الثوار السوريين، بمن فيهم العلمانيون، كما تشير مجلة التايم الأميركية ضمن مقابلتها مع الناطق باسم الجبهة، أبو عدنان، الشهر الماضي.

بعبارة أخرى، فقد أصبحت "جبهة النصرة" مطلب الجميع في سورية؛ ثواراً ونظاماً، كما مطلب الولايات المتحدة.

لكن، إذا كانت الجبهة قد شكلت خيار المضطر بالنسبة للثوار السوريين؛ فإن حضورها وبروزها في الثورة السورية كانا مطلباً واعياً بالنسبة لنظام بشار الأسد وللإدارة الأميركية على السواء. وإذا كانت معروفة ومفهومة تماماً دوافع الأسد لاستجلاب "القاعدة" إلى سورية، فإن السؤال المهم، إن لم يكن الأهم في مسار الثورة السورية اليوم، هو: لماذا أرادت الولايات المتحدة هذا الحضور المتوقع، بل واستحواذ "القاعدة" على دور قيادي في الثورة؟ وافتراض الإرادة الأميركية الواعية سببه بطلان مزاعم العقبة الروسية بعد أن فشلت الولايات المتحدة في الحصول على أي تنازل من موسكو على صعيد ملف كوريا الشمالية والملف النووي الإيراني، فيما ما تزال واشنطن تدعي مراعاتها، أو في الحقيقة اتخاذها ذريعة، لعدم التحرك لدعم الثوار السوريين.

هكذا، يغدو صحيحاً أن الإدارة الأميركية ونظام الأسد لا يلتقيان أبداً على محاربة "القاعدة" و"جبهة النصرة" أساساً، وإنما هما يلتقيان على تدمير سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العرب في "المأزق" السوري

النهار

سميح صعب

2013-01-26

يتحمل العرب جزءاً كبيراً من وصول الامور في سوريا الى المستوى الذي سماه وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل "المأزق الكبير". فالعرب هم من استعجل استنساخ الحل الليبي تارة واليمني تارة اخرى لمعالجة الازمة في سوريا. واستسهلوا استجرار التدخل الاجنبي من اجل تغيير الانظمة. ولا يزال الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي حتى الان يناشد مجلس الامن اللجوء الى قرار لسوريا بموجب الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة لتطبيقه.

الاستسهال ونشوة النصر في ليبيا ومصر واليمن جعلا الممالك والامارات في الخليج ومعها تركيا تضع اهدافاً طموحة جداً في سوريا واقنعت المعارضة السورية الناشئة سواء في الداخل او في الخارج بعدم القبول بأقل منها، وخصوصا في ما يتعلق باسقاط الرئيس بشار الاسد قبل فتح اي حوار داخلي، حتى صار التمسك بهذا الشرط مكلفاً الى اقصى الحدود وبات التراجع عنه بمثابة تسليم بخسارة المعركة في سوريا.

ولعل هذا الشرط المسبق هو أحد الاسباب الرئيسية التي آلت الى "المأزق الكبير". والذي صدم العرب والمعارضة السورية اكثر، هو القرار الاميركي عدم التدخل عسكريا في سوريا او في منطقة اخرى من الشرق الاوسط بعد الانسحاب من العراق والتحضير للانسحاب من افغانستان. وحتى قرار تسليح المعارضة السورية الذي كانت تتحمس له فرنسا وبريطانيا، طرأت عليه حسابات اخرى الان، بعد التورط الفرنسي في مالي والنفوذ الكبير الذي تبين ان تنظيم "القاعدة" وحلفاءه يتمتعون به في منطقة الساحل والجزائر وليبيا. ومن الواضح في سوريا ان كل ما احرزته المعارضة من تقدم على الارض يعزى الى مقاتلي "جبهة النصرة" المرتبطة بـ"القاعدة".

هذه العوامل كلها قادت العرب الى "المأزق الكبير". ولا يبدو ان العرب وحدهم في مأزق، بل ان حليفهم الاقليمي رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان المنشغل بعد الايام المتبقية للاسد في السلطة، هو ايضا في مأزق. كما ان واشنطن هي الاخرى باتت كذلك اسيرة كلمة التنحي ولا يمكنها التراجع عنها ولا تملك الا توجيه العتب الى روسيا لأنها لم تطالب الاسد بالتنحي، كأنها واثقة من ان موسكو لو فعلت لكان الاسد تنحى.

واخيراً انضم الاخضر الابرهيمي الى المفتشين عن حل للعقدة المتمثلة في المطالبة بتنحي الاسد، فتقدم باقتراحات جبهت برفض سوري مطلق، الامر الذي دفع الممثل الاممي والعربي الى التفتيش عن مخرج لنفسه من المهمة التي ورثها عن كوفي انان.

وادراكاً لهذا "المأزق الكبير" الذي يجد العرب والغرب وتركيا انفسهم فيه، حاولت موسكو وطهران تقديم السلم الذي يمكن هؤلاء ان ينزلوا به عن شجرة التنحي. لكنهم حتى يرفضوا ليبدأ فصل جديد من فصول المأساة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثّورة السّورية على مفترق

والحاسم توحيد قوى الثّورة

المستقبل

د. نقولا زيدان

26-1-2013

تمرّ الثورة السورية في المرحلة الراهنة في ظروف شديدة التعقيد والدقّة. فلدى الشعوب العربية والنخبة الثورية العربية، الاثنان اللذان صنعا أمجاد الربيع العربي وشاهدا تعثراته وأزماته، كثيرٌ من القلق والتوجّس والخوف المبرر.

فعلى الصعيد الخارجي, يزداد الموقفان الإيراني والروسي تصلباً في مساندة نظام الأسد الدموي. فالنظام الإيراني ما زال يراهن على إمكانية سحق الثورة السورية عن طريق المزيد من إلحاق الدمار الواسع النطاق بواسطة الألوية العسكرية التي ما زالت تدين بالولاء لحاكم دمشق، بالاضافة الى ارتكاب سلسلة متواصلة من المجازر الموصوفة بحق المدنيين العزّل والأحياء الآمنة والقرى والبلدات الوادعة، تلك التي لا ذنب لها سوى إبداء شعور العطف حيال الثوار واحتضانها لهم. وبالفعل يمد النظام الايراني نظيره السوري بالخبراء والأسلحة والمعدات في الوقت الذي يتورط فيه حليفه "حزب الله" اللبناني في القتال الدائر هناك. ولم تتوانَ طهران عن منح نظام الأسد كتلة نقدية من النقد النادر بعد أن أشرف احتياط نظام دمشق من الدولارات على النضوب والافلاس. ولم تتراجع الحكومة الايرانية بعد عن هذه السياسة رغماً عن صفقة إطلاق الرهائن والأسرى الايرانيين من هم في قبضة الجيش السوري الحر مقابل عدد محدود من المعتقلين الثوريين في سجون نظام الأسد ومراكز التوقيف التابعة له.

وتمضي موسكو، كما هي الحالة بالنسبة لطهران في منح نظام الأسد المزيد من الدعم اللوجستي وآخر مبتكرات السلاح الروسي المتطور في الوقت الذي ترسل قطعاً حربية مهمة إلى مقربة من الساحل السوري لإجراء مناورات عسكرية لا تعدو كونها رسائل مهمة توجهها الى الغرب وتلك الدول العربية الداعمة للثورة السورية. وفي هذا المجال ما زال سيرغي لافروف وزير خارجية روسية يكرّر تصريحاته المتصلبة التي تنادي علناً ليس باستحالة تنحي الأسد عن السلطة فحسب بل باستحالة إقصائه عنها بقوة السلاح. هذا في الوقت الذي تدعو فيه موسكو كما طهران، الى حل سياسي "سوري"... أي ما معناه تسوية سياسية من طريق الحوار يكون الأسد نفسه طرفاً فيه. هذه التسوية التي أدرك المبعوث العربي والدولي الأخضر الابراهيمي استحالتها الموضوعية والتي، في أية حال، نعاها الأسد نفسه الذي يرفض بعناد متصلّب تشكيل حكومة سورية انتقالية تتولى جانباً مهماً من صلاحياته الرئاسية.

ويفاقم من شعور القلق والخوف لدى الشعوب العربية ونخبها الطليعية الأحداث الخطيرة الجارية في الآونة الأخيرة في الحسكة ورأس العين من اشتباكات دامية بين الجيش السوري الحر من جهة ومقاتلي حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. إنه قتال تدور رحاه بين ثوريين وثوريين آخرين. فحزب العمال الكردستاني (PKK) قد دفعته السياسة غير المتبصرة لقيادته الحالية، ليتحول الى أداة مسلحة وحرس حدود للنظام الأسدي. لا بل يمضي في سياسته الحالية لتحويل المواجهات المسلحة بينه وبين الجيش السوري الحر، وخصوصاً في المناطق المختلطة حيث السكان أكراد وعرب في آن معاً، الى نزاع اثني قومي المستفيد الوحيد منه هو النظام الأسدي الذي يعمل ليل نهار على تأجيج الصراع وتوسيع المواجهات. ولم ينجح تبوؤ الكردي عبد الباسط سيدا رئاسة المجلس الوطني السوري، ولا تدخّل الملا مسعود البرزاني حاكم اقليم كردستان العراقي ولا نصائح الرئيس جلال طالباني عندما كان بعد في عافيته في ثني حزب العمال الكردستاني عن التورط في ممارسات خطرة من هذا القبيل. هذا في الوقت الذي تعلم القيادة الحالية لهذا الحزب انها تنقاد للغرق في التورط بلعبة خطيرة وعقيمة لن تقود بتاتاً لمنح حكومة الأسد الفاشية للأكراد السوريين حكماً ذاتياً بإيفاء منه بوعود كاذبة لا تهدف في حقيقيتها سوى الى تفجير اقتتال داخلي يؤدي عملياً الى مشاغلة الجيش السوري الحر وإلهائه عن إنجاز مهمته الأولى ألا وهي تحرير العاصمة دمشق. فإذا كان الظلم التاريخي اللاحق بالشعب الكردي وبخاصة في تركيا هو قضية عادلة بل ثورية بامتياز، فإن مهمة هذا الحزب يجب أن تنصب على مؤازرة الشعب السوري وقواه الثورية السياسية والمسلحة، لا أن يتحول الى فصيل مسلح يشابه في سلوكه العملي فرق المرتزقة بل يكاد يلامس ممارسات كتائب الأسد الفئوية ومجموعات شبيحته الأوغاد.

إننا نقول هذا ونحن نراقب بكثير من القلق والتوجس التحول المهم للرأي العام العالمي للاهتمام بالأحداث الجارية في منطقة الساحل الافريقي والصحراء الجزائرية (عين اميناس) حيث يتبيّن بالملموس أن تنظيم القاعدة الظلامي وحلفاءه من مجموعات إرهابية دموية استطاعا زرع خرّاج متعفّن آسن هناك استدعى التصدي له بحزم من فرنسا والجزائر قبل فوات الأوان. وتتبارى القوى العالمية والأوروبية في تقديم الدعم لفرنسا في محاولتها استئصال هذا "الخرّاج" الخطير، بل حتى روسيا نفسها تتبرّع في منحها المساعدات.

إن إطالة حرب التحرير الشعبية السورية، وإنهاك قواها الثورية حتى يفرض حاكم دمشق نفسه رغماً عن أنف الغالبية الساحقة من المجتمع الدولي، وخصوصاً الشعب السوري طرفاً في أي تسوية سياسية مرتقبة للأزمة السورية يستدعي الآن أكثر من أي وقت مضى تطوير القدرة القتالية للمعارضة السورية المسلحة، وتوحيد صفوها وتشكيل حكومة سورية موقتة في الخارج معترف بها دولياً لقلب المعادلة نهائياً لمصلحة الثورة. ان في ذلك لنقلة نوعية نحن بأمس الحاجة اليها الآن ما دامت الفرصة ما زالت بعد مواتية، هذا قبل أن تضيع منا الفرص.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواقف دولية من الأزمة السورية

حسين العودات

التاريخ: 26 يناير 2013

البيان

تتنازع الأزمة السورية ثلاثة مواقف تؤثر كل منها في هذه الأزمة تأثيراً هاماً وجدياً وأحياناً مفصلياً، وهي مواقف السياسة الروسية والإدارة الأميركية والموقف الأوروبي، ولكل منها دوره الهام في رسم مسار الأزمة السورية المقبل وتأثيره الأكيد، ولاشك أن هناك تباينات بين هذه المواقف، وهي وإن كانت نادراً ما تصل إلى درجة التناقض، إلا أنها تبقى بالإجمال غير موحدة ولا قريبة تماماً بعضها من البعض الآخر.

من الواضح أن الموقف الروسي يتبنى النظام السوري ولذلك يدافع عنه منذ بداية الثورة، وبجد له المبررات، مع أنه أعلن صراحة على لسان الرئيس بوتين أنه لايدعم الرئيس الأسد شخصياً وليس معنياً ببقائه، وإنما يخشى من سقوط النظام وحدوث فوضى.

وانتصار الفئات الإسلامية المسلحة التي تحارب النظام، وبالتالي ما يعني ضمناً احتمال فرض نظام إسلامي على سوريا يكون مهيئاً لمساعدة التنظيمات الإسلامية في القوقاز وخاصة الشيشان منهم، وعلى ذلك لا يخلو الموقف الروسي من رؤية مخاطر عليه نفسه من نجاح المعارضة الإسلامية السورية.

وكأن الأزمة السورية تلامس الوضع الداخلي الروسي. هذا فضلاً عن مصالحه الأخرى في سوريا، وخاصة تصدير السلاح إليها والسماح للجيش الروسي باستخدام ميناء خاص في طرطوس لخدمة قواته البحرية. مع ملاحظة أن سوريا هي موطئ القدم الأخير لروسيا في حوض المتوسط وفي البلدان العربية ، إضافة إلى الضغوط الإيرانية على روسيا لاتخاذ هذا الموقف. ومن المعلوم أن المصالح الروسية في إيران كبيرة جداً سواء من الناحية الاقتصادية أم من ناحية الموقع الجغرافي والناحية السياسية أيضاً.

ولعل ذلك كله ما جعل روسيا تصر على رفض تنحية الرئيس الأسد، وتتجاهل مواقفه العنيفة والدموية من الشعب السوري، وخلاصة الأمر تسعى السياسة الروسية بالنهاية لإجراء إصلاحات في النظام دون تغييره تغييراً بنيوياً وجدياً.

أما الموقف الأميركي فرغم الصخب الذي أثارته وتثيره السياسة الأميركية منذ بداية الثورة، فهو موقف حذر، ولم يقل ولا مرة بتغيير النظام السوري، وكل ما طرحه هو تنحية الرئيس، وهذا الطرح هو ذر للرماد في العيون، فتنحية الرئيس تختلف عن تغيير النظام، الأمر الذي لم يلفظه أو يصرح به أي مسؤول أميركي كبيراً كان أم صغيراً، ويبدو أن السياسة الأميركية غير مستعجلة على حل الأزمة السورية لأكثر من سبب، أولها على أمل أن يتم تدمير سوريا تدميراً كاملاً (اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً) .

وتحويل مجتمعها إلى مجتمع طوائف، وهو الحل الذي يرضي السياسة الإسرائيلية التي يرى بعض المراقبين أنها اشترطته منذ الشهر الأول للثورة على الولايات المتحدة، كشرط سابق لتغيير النظام. وثاني الأسباب هو خوف هذه السياسة من زيادة قوة ومنعة التيارات الإسلامية المسلحة التي تحارب النظام، وخشيتها من أن تتسلم السلطة فيما إذا سقط، حيث تقع الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة في ورطة كبيرة، إذا حدث ذلك، وهذا ما حدا بالولايات المتحدة للبحث عن مبررات لتأخير تقديم المساعدات الجدية للمعارضة السورية السياسية والمسلحة.

كالسلاح والغذاء والدواء، فتارة تجد مبرراً في انقسامات المعارضة، وتارة أخرى تبدي خشيتها من قوة المنظمات الإسلامية (جبهة النصرة وأمثالها) وفي الخلاصة مازالت السياسة الأميركية تماطل في اتخاذ موقف جدي تجاه الأزمة السورية، وتبدي الحذر الكبير في تحقيق تأثير فاعل بحلها.

أما الموقف الثالث الرئيس فهو الموقف الأوروبي (وخاصة الفرنسي والبريطاني) الذي يرى، خلاف رأي الموقفين السابقين، ويعتقد أن عدم تزويد المعارضة السورية المسلحة بما تحتاجه سوف يترك فراغاً يساعد على نمو تنظيمات المعارضة الإسلامية المسلحة التي سوف تستفيد من تراجع الجيش الحر وضعف تسليحه لتتقدم خطوات إلى الأمام.

كما يرى الموقف الأوروبي استحالة أن ترث المنظمات الإسلامية النظام السوري إذا سقط لأسباب عديدة، وعلى ذلك فهي تقول بضرورة تقديم الدعم السياسي للمعارضة السياسية وتزويد المعارضة المسلحة بالسلاح حتى تملأ الفراغ وتتأهل لوراثة النظام بعد سقوطه.

وفي ضوء ذلك من المتوقع أن تزود الدول الأوروبية المعارضة السورية بالسلاح خلال أسبوعين، وأن تدعمها دعماً كاملاً لتستطيع (سياسيا وعسكرياً) إسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي، ورغم أن أوروبا بالعادة لا تذهب بعيداً عن السياسة الأميركية، إلا أنها استنّت لنفسها هذه المرة سياسة أخرى كما يبدو. وهي تراهن على أن تزويد المعارضة بالسلاح سيحسم الموقف لغير صالح التنظيمات الإسلامية المتطرفة.

وهكذا تتجاذب الأزمة السورية هذه المواقف الدولية الثلاث التي تتسابق لتطبيق خططها وإنجاح رأيها ومواقفها، وينبغي التنويه، بما يراه المراقبون، من أن الشعب السوري والمعارضة السورية يرفضان، حتى الآن، أي حل بدون تنحية الرئيس الأسد ووضع الجيش والأمن تحت إمرة الحكومة الانتقالية، ويقولان باستحالة أي حل بدون هذين الأمرين ، وعلى ذلك فهما أقرب إلى الموقف الأوروبي وهذا ما قد يساعده . أما الموقف الروسي الداعم للنظام تقريباً والموقف الأميركي الموارب، فهما بعيدان عن قبول الشعب السوري ومعارضته السياسية والمسلحة.

بقيت الإشارة إلى أمر هام، هو أن عدم حل الأزمة السورية أو البدء بحلها، ربما يساعد على نقلها لدول الجوار، وتحولها إلى أزمة إقليمية تتضرر منها دول العالم جميعها، بما فيها السياسات الثلاث السابقة، وهذا ما يدعوها إلى بذل جهد استثنائي للوصول إلى حل حتى لو كان مفروضاً .

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com