العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02/12/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

من دمشق إلى غزة ... والدوران في دائرة الدم والدمار !

د.نصر حسن

يأتي العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة استكمالاً لدائرة الجريمة التي ينفذها المجرم المعتوه بشار أسد منذ ما يقرب من سنيتن ضد الشعب السوري ،ورديفاً له في لحظات حرجة تمر بها العصابة المتوحشة التي استباحت سورية ببشرها وحجرها وتاريخها، وأيضا تأكيداً واضحا لوحدة الدور ووحدة الهدف ،,ومزيداً من خلط رماد الأوراق المحروقة ،وقبلها وحدة البنية الهمجية المريضة التي ترى نفسها فقط في ارتكاب الجرائم ضد المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ.

لقد بات واضحاً أن ما يرتكب اليوم في غزة من جرائم همجية وقصف المدنيين بشتى أنواع الأسلحة أمام العالم كله ، هو تكملة لنفس الدور الذي يقوم به المجرم بشار أسد ضد المدنيين في سورية ،والعالم كله يتفرج على الجرائم الوحشية من قتل وذبح وقصف بالطائرات الحربية ورمي براميل المتفجرات على الأطفال والنساء في كل المدن السورية ، يراه العالم بشكل حي مباشر مستمر على مدار الساعة ،و يتابع الجرائم بعجز غير مبرر وغير مفهوم ، يتفرج على مسلسل دموي ( لايف) أشبه بلعبة قدم لكنها بالدم واللحم الحي وأجساد الأطفال والنساء ،دون أن يفعل شيئاً يذكر على مدى عشرين شهراً.

إن العصابة المجرمة التي سطت على سورية ،واستباحت كرامة شعبها وأهانت تاريخه ،ودمرت بشكل منهجي متسلسل سورية كلها ،باتت عارية حتى من ورقة التوت التي كانت تستر عورتها الممانعة المقاومة !، وأصبحت مكشوفة أمام العالم كله ، عراها أكثر حليفتها إسرائيل بعدوانها على غزة مؤكدة أنها شريكة لتلك العصابة المجرمة ، ومتماثلة معها في البنية والسلوك وانتهاكات لأبسط حقوق الإنسان بشكل سافر علني وقح أمام العالم كله.

أكثر من ذلك إن من دعم تلك العصابة المجرمة التي تدمر سورية اليوم ،وسوقها إعلاميا أمام العالم كله وساعدها على الاستمرار في حكم سورية لنصف قرن ، كان يدرك تماماً أن تلك العصابة المجرمة لها دور ووظيفة تكميلية للدور الاسرائيلي في انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني وفي قتله وتشريده وحصاره وتصفية المقاومة الفلسطينية الفعلية ،وتقمص العصابة المجرمة في سورية دور الممانع المقاوم الذي سمسر به وعبث بحقوق الشعب الفلسطيني ودمه ومستقبل القضية الفلسطينية، ونشر التطرف والفوضى وشياطين العنف في المنطقة كلها.

إنهم شركاء الجريمة في الدم الفلسطيني والسوري والعربي، متناوبين ،منفردين ومجتمعين ، قد عراهم الشعب السوري بثورة الحرية والكرامة التي دفع ثمنها عشرات الآلاف من الشهداء والمعوقين ومئات الآلاف من المعتقلين وملايين المشردين داخل سورية وخارجها .

إن منطق الذريعة لدى المجرمين الذين يستبيحون دمشق وغزة بات ممجوجاً ومتهالكا ً،العدوان الإسرائلي يتذرع كعادته بمن بدأ !وينسى أن الاحتلال هو سبب كل المصائب والأزمات ، وكأن الشعب الفلسطيني لا ينتمي إلى هذه البشرية ،ولا يحق له الدفاع عن أمنه وأطفاله ونسائه ،وأن الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني، أبدي عليه أن يعتاش معه كمأساة مستمرة بدون نهاية ، والمجرم الآخر بشار أسد يتذرع بنفس المنطق الغوغائي بوجود مؤامرة كونية عليه وعلى الممانعة والمقاومة !ويرد عليها بقتل وذبح الشعب السوري وتدمير المدن والمجتمع والبنية التحتية لسورية بشكل كامل !.

بقي أن نقول: أن العصابة المجرمة البهيمية المتصلبة التي سطت على سورية تغرق في أيامها الأخيرة بدم السوريين ،وأصبحت محاصرة في دمشق من قبل الجيش الحر وشباب الثورة الأبطال ، تلك العصابة التي لا تنتمي إلى شعب سورية وتاريخه ، تمارس القتل والتدمير البهيمي ،هي في لحظاتها النهائية، والصورة نفسها التي يلخصها العدوان الإسرائيلي على شعب غزة المحاصرة ، العدوان الغبي الهمجي المتصلب هو الآخر والمتحلل كلياً بالقتل والعنف والجريمة، كلاهما يتصرف بعقلية الماضي ومحدداته التي انهارت ،ولم يدركوا بعد ،أن غزة اليوم ودمشق اليوم والقاهرة اليوم والعالم العربي كله اليوم غير الأمس ، وأن حالة الذل والخنوع والصمت والاستكانة قد ولت ، وأصبح لصوت الشعب قيمة ووزن وقدرة على تكسير حلقات التآمر والخداع والغوغائية والسمسرة الرخيصة بالدم والكرامة والمستقبل العربي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نداء أخوي ثان من الدكتور محمد الزعبي إلى: أصدقائه السابقين في سورية

إن دماء الشعب السوري ، التي تسيل صباح مساء ، ليل نهار ، في كافة مدن وقرى بلدكم سورية ،

إن عشرات ألوف الشهداء ، من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب ،

إن عشرات ألوف المفقودين ،

إن عشرات ، بل مئات الألوف من معتقلي الثورة والرأي ،

إن ملايين الذين هجروا بيوتهم ومدنهم وقراهم خوفاً من بطش النظام ،

إن أخواتكم وبناتكم اللواتي يعتدى عليهن ، ويهنً ، بل ويغتصبن من قبل شبيحة النظام ،

إن مساجدكم ، كنائسكم ، التي قامت النظام الهمجي بتدميرها وتدنيسها ،

إن بيوت أهلكم وإخوانكم الذين هجّرتهم منها طائرات وصوارخ بشار الأسد بعد أن سوتها بالأرض

إن كافة مدنكم وقراكم ، التي دمرها نظام عائلة الأسد وشبيحته ، زرعاً وضرعاً وشجراً وهواء وماء ،

إن الحيوانات التي أعدمها جنود بشارالأسد ( الأشاوس !! ) رمياً بالرصاص أمام سمع العالم وبصره ،

إن فضيحة براميل المتفجرات ، والقنابل العنقودية والفراغية والصواريخ والطائرات بمختلف أنواعها والدبابات ، والراجمات ، والأسلحة الفتاكة المحرمة دولياً وإنسانياً التي يستخدمها بشار الأسد وشبيحته

و " حماة دياره " ضد أبناء وطنهم وبلدهم ( إنها فضيحة القرن ) ،

إن كل هذه المجازر والمذابح والفضائح الوطنية والقومية والدينية والإنسانية البعيدة عن الشرف والكرامة والمروءة والأخلاق ، والتي يمارسها النظام الأسدي منذ 1970 بصورة عامة ، ومنذ حادثة أطفال درعا ، وإطلاق الرصاص الحي على متظاهريها السلميين في 18 آذار 2011 بصورة خاصة ، تفرض على كل مواطن شريف ، أن ينأى بنفسه عن هذا النظام ، فوراً ودون تأخير ، فلقد باتت كتائب الجيش السوري الحر ،كتائب الحرية والكرامة ،على أبواب القصر الجمهوري ،وباتت نهاية النظام ، قاب قوسين أو أدنى .

أنني أخص بهذا النداء الأصدقاء الذين انطلت عليهم أكاذيب النظام في الممانعة والتصدي،والتي( الأكاذيب ) تولت الممارسة العملية تفنيدها ، بصورة لامجال فيها لأي شك أو التباس ،ولا سيما بعد أحداث غزة الأخيرة ، التي وضعت وقائعها الملموسة كلاًّ من نتنياهو وبشار الأسد في سلة واحدة .

إن الهدف الأساسي لنتنياهو من هجومه الأخير على غزة ، هو برأينا الخاص : من جهة محاولة القضاء على البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية الباسلة ، بشقيها العسكري والمدني ، ولاسيما ، تدمير الأنفاق ، ومن جهة أخرى الحيلولة دون وحدة المقاومة بين فتح وحماس ، وذلك قبل أن يقف الجيش المصري على قدمية ، وقبل أن تصل المعارضة السورية إلى الحكم في سورية ، ويقف الجيش السوري بدوره على قدميه ، ويصبح هذان الجيشان قادرين على قول كلمة "لا" في وجه إسرائيل وحلفائها ، وعلى فرض السلام العادل عليهم .

إن سعي نتنياهو لتحقيق هذين الهدفين الكبيرين ، هو ماسيؤمن له الفوز في الإنتخابات المقبله ، على الطريقة الديموقراطية الإسرائيلية ، ذلك أن الناخب الصهيوني ، لايعطي صوته عادة إلاّ للأكثر ولوغاً في دم أطفال وأبناء فلسطين ، فيالها من انتخابات " ديموقراطية " !! .

لقد قدر لي ان ألتقي بأحد المسؤولين ( الكبار الصغار )، في نظام عائلة الأسد ، في إحدى العواصم العربية في أواخر ثمانينات القرن الماضي ، فهمست في أذنيه قائلاً ، أنني بت مقتنعاً الآن بعد ماسمعت وما شاهدت ، أن تحالفاً استراتيجياً يربط بين نظام حافظ الأسد ، والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلّة ، انتفض صاحبنا المسؤول ( الكبير الصغير) مستنكراً، وسالني عن الدليل الذي أوصلني إلى هذه القناعة ، فكان جوابي له :

فليس يصح في الأفهام شيئٌ إذا احتاج النهار إلى دليل

وها أنا اليوم وبعد كل ماجرى ويجري في سورية وفلسطين أكرر على مسامعه ومسامعكم معه، ماسبق أن قلته له بالأمس ، ولاسيما أن أربعة عقود ونيف من حكم عائلة الأسد لسوريا ، قد أسقطت حتى حاجة المرء إلى مثل هذا الدليل ، فالبديهيات وبحكم إسمها تحمل دلالتها في ذاتها ، والله أعلم .

إنني أعرف أن هناك بعضاً من شبيحة القلم والسياسة والصمت في سورية ، مايزال يزعم أن يداه " لم تتلطخا بدماء الشعب السوري " كما هي حال الآخرين !! .

بخٍ بخٍ ياهذا البعض ، ولتعلموا أن جريمة" الرأس / المخ / الفكر" هي أكبر من جريمة " اليد " الملطخة بالدماء ، ذلك أن الرأس هو من يعطي أوامره لليد لكي تضغط على الزناد ، هذا من جهة ، أما من جهة أخرى ، فإن شبيحة القلم والسياسة والصمت ، من هذا البعض ، يعرفون بالتأكيد القول المأثور والمتواتر ، في أن " الساكت عن الحق شيطان أخرس ". وإني لأربؤ بمن أعني من الأصدقاء القدامى ، أن يرتضوا لأنفسهم أن يحشروا ( بضم الياء ) في عداد هؤلاء الشياطين الخرس ، بله " الشبيحة " القتلة .

ألا بادروا إلى الإلتحاق بركب ثورة آذار المجيدة والعظيمة ، أيها الأصدقاء ، فتيتانك عائلة الأسد على وشك

الغرق ، بعد اصطدامها بجبل ثورة الحرية والكرامة الشامخ والصلب ،ثورة آذار العظيمة ، قوا أنفسكم وأهليكم لعنة الله ولعنة التاريخ ،أيها الأصدقاء ، قبل فوات الأوان .

ألا هل بلّغت اللهم اشهد .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا أم فلسطين؟

سميح صعب

2012-11-24

النهار

بعد نكبة عام 1948 في فلسطين ثار جدل في العالم العربي وخصوصاً على مستوى الانظمة والاحزاب سواء منها القومية أو الاسلامية حول الاولوية التي يجب ان تشغل العرب، الوحدة العربية أم تحرير فلسطين، وأيهما يجب ان تسبق الاخرى، التحرير أم الوحدة، أو الوحدة ثم التحرير؟. وكان أصحاب كل من الطرحين يعتبر طرحه هو الافضل، فهناك القائلون ان طريق فلسطين تمر بالوحدة في مقابل القائلين بأن الوحدة هي الكفيلة بتحرير فلسطين.

مع نشوب حرب غزة الاخيرة وجد قسم من العرب المشغولون بنشر ما يسمى "الربيع العربي" ومعظمهم يحاولون تصدير ما لا يملكون، ان حرب غزة افتعلها الرئيس السوري بشار الاسد وايران من أجل تخفيف الضغط عن النظام السوري وقت بدأت المعارضة تتحد وتكسب المزيد من الارض في الداخل، فكان الرد السوري باشعال جبهة غزة لحرف الصورة قليلاً عما يجري في سوريا.

والقائلون بهذا الرأي ومعهم تركيا وفرنسا والولايات المتحدة، يعتقدون ان أولوية الاولويات يجب ان تكون الآن اسقاط النظام السوري وان في الامكان ارجاء قضية فلسطين الى ما بعد هذا الاسقاط. وربما بات هؤلاء يرون ان الطريق الى فلسطين تمر في دمشق.

لذلك تعرضت "حماس" لضغوط قوية من دول "الربيع العربي" وداعمي هذا "الربيع" من مجلس التعاون الى تركيا الى فرنسا الى أميركا، كي توقف النار وتقبل بالعودة الى التهدئة حتى يكون في الامكان تركيز الاعلام مجدداً على سوريا وليس على غزة كما حصل طوال اسبوع، علماً بان بعض الفضائيات العربية استمر في تقديم الحدث السوري على الحدث الفلسطيني ايماناً منه بأن حرب غزة أمر عابر بينما الحرب السورية هي التي يجب ان تحظى دوماً بالابراز الى ان يسقط الاسد.

وسارعت واشنطن الى اهداء اتفاق التهدئة الجديد الى الرئيس المصري محمد مرسي الذي بات رمزاً ل"الربيع العربي". وكان يهمها ان يبدو مرسي حاضناً لقضية غزة وليس سوريا أو ايران.

لكن الاسئلة الملحة الآن هي: ماذا قدمت التهدئة في غزة للقضية الفلسطينية ككل، وهل في امكان الفلسطينيين ان يروا الضوء الآن في نهاية النفق؟ وهل التهدئة يمكن ان تخدم ما ينشده الفلسطينيون من اقامة دولة فلسطينية على ترابهم الوطني عاصمتها القدس؟ وكيف يمكن توظيف الصمود العسكري لغزة في فتح آفاق حل نهائي للقضية الفلسطينية؟

في كل بنود التهدئة التي وزعتها الرئاسة المصرية، لا يمكن العثور على ما يخدم هذا الهدف.

المهم في نظر الخائفين على "الربيع العربي" ان تعود الكاميرا الى سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخاطر صراع المعارضة السورية.. المجلس والائتلاف

سمير سعيفان

2012-11-23

القدس العربي

ربما لم تتح الظروف أفضل مما كان. لكن إنجاز الائتلاف الوطني وانضمام المجلس الوطني له، رغم الملاحظات، خطوة هامة وكبيرة يمكن ويجب أن تحقق تقدما كبيرا وفرقا كبيرا بل ونقطة تحول في مسيرة الثورة السورية.

ولكن كان من اللافت أن يدعى جورج صبرا رئيس المجلس الوطني السوري ليلقي كلمة المعارضة السورية في 'مؤتمر الشراكة في الاستثمار' الذي عقد في دبي في 21 تشرين الثاني 2012 بينما لم يدع الشيخ معاذ الخطيب رئيس 'الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة' الذي تم تشكيله مؤخراً في الدوحة وانضم إليه المجلس الوطني كأحد مكوناته. وكان من اللافت أيضاً أن جورج صبرا في كلمته المشار إليها أعلاه لم يتطرق للائتلاف وكأنه لم يوجد. إذا أخذنا أيضاً استقبال جورج صبرا من قبل كل من وزراء خارجية السعودية والإمارات وتركيا، بينما لم يستقبلوا رئيس الائتلاف بعد. كل هذا يشير إلى ما يظهر للعلن الى عدم رضى سعودي إمارتي تركي على تشكيل الائتلاف الوطني بالشكل الذي تم فيه. وإذا كان موقف تركيا مفهوم لأنه كان وبقي داعماً للمجلس الوطني الذي تشكل في استانبول في مطلع تشرين الأول 2011، فكان من اللافت تبدل موقف السعودية والإمارات المتحفظ في دعمهما للمجلس الوطني. وكانت السعودية والإمارات قد شجعتا قيام الائتلاف الوطني منذ انطلاق النشاط لتكوينه.

ولمزيد من التعرف على موقف المجلس الوطني من الائتلاف دخلت إلى موقع المجلس على الإنترنت

h t t p : // a r . s y r i a n c o u n c i l . o r g/

فكانت أخباره قديمة يعود أحدثها للثاني من تشرين الثاني 2012. ثم دخلت على موقعهم على الفيسبوك

https://w w w . f a c e b o o k . c o m/T h e S y r i a n N a t i o n a l C o u n c i l

فكانت أخباره تازا. فقد أورد خبر خطاب جورج صبرا المذكور أعلاه في افتتاح مؤتمر المشاركة في الاستثمار. وقد بحثت في هذا الموقع فلم أجد حتى مجرد خبر أو ذكر للائتلاف وتشكيله ووثائقه وواقع أن المجلس أصبح جزءاً منه، وكأن الائتلاف لم يوجد بعد. الذكر الوحيد الذي وجدته هو خبر تسمية د. منذر ماخوس كسفير للشعب السوري في فرنسا. وكانت صيغة الخبر كالتالي 'تعيين عضو المجلس الوطني والكتلة المؤسسة للمجلس وعضو الإئتلاف الوطني الدكتور منذر ماخوس سفيراً للشعب السوري لدى فرنسا' أي تم تقديم اسم المجلس على اسم الائتلاف رغم أن ماخوس سمي بعد زيارة الائتلاف لفرنسا وليس بعد زيارة المجلس.

كما ورد في موقع المجلس على الفيسبوك 'عقد المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري دورة انعقاد جديدة في اسطنبول الأحد (18 ت2/ نوفمبر 2012) بعد اجتماع الهيئة العامة في الدوحة وانتخابات الأمانة العامة والمكتب التنفيذي ........ ودعوة الأمانة لعقد اجتماع لبحث صلة المجلس بالائتلاف الوطني بعد التوقيع بالأحرف الأولى على وثيقة الإعلان، حيث سيتم بحث قرار المشاركة وطبيعته'. إذاً مازالت مشاركة المجلس في الائتلاف موضع نقاش وغير محسومة لدى المجلس. خاصة وأن المادة 11 من اتفاق تشكيل الائتلاف تنص على التالي: 'لا يعد هذا الاتفاق ساريا إلا بعد المصادقة عليه من الجهات المرجعية لأطرافه أصولا'. ولم يعلن المجلس أن 'جهاته المرجعية' قد صادقت على الاتفاق، مما يترك الباب مفتوحاً للانضمام من عدمه. ولكن سلوك المجلس حتى الآن يشي بأن المجلس يرجح عدم الانضمام.

إعلان بعض الكتائب في حلب عن رفضها للائتلاف وإعلانها عن قيام دولة إسلامية والذي كان له الوقع السيء جداً على الثورة، وقدم خدمة جليلة للنظام، ثم قيام كتائب أخرى في حلب بإعلان تأييدها للائتلاف، كل هذا لم يكن ببعيد عن الخلاف بل الصراع القطري السعودي. هذا يعيدنا إلى الموافقة الصعبة للمجلس في الدوحة على الانضمام للائتلاف والتي تمت تحت ضغوط شديدة استمرت حتى منتصف الليل، فبدت موافقة المجلس كزواج بالإكراه. وهذا ما يبرز في مواقف المجلس الذي يتصرف وكأن الائتلاف غير موجود ولا علاقة للمجلس به.

لهذا الوضع مخاطره على الائتلاف بل وعلى المجلس نفسه والأهم على الثورة السورية، فوحدة المعارضة مع توحيد الكتائب المسلحة ووضعها تحت قيادة سياسية هو شرط يضعه المجتمع العربي والدولي لتقديم دعم أكثر فاعلية. وفعلاً، فقد لقي قيام الائتلاف الوطني بمجرد الإعلان عنه ترحيباً واسعاً من قبل المجتمعين العربي والدولي ومن الحراك الثوري على الأرض. وانعكس هذا في انطلاق اعترافات دولية بالائتلاف كممثل شرعي أو شرعي ووحيد للشعب السوري ومبادرة باريس لتسمية سفير لسورية، بينما عجز المجلس عن ذلك على مدى عام ونيف.

يبدو أن ثمة شيء أزعج السعوديين والإماراتيين في عملية تشكيل الائتلاف كما أن بعض أطراف الحراك وقوى المعارضة لم تكن راضية عن تكوين أعضاء الائتلاف ال 63 ونسب التمثيل. فقد لعبت قطر الدور الرئيسي، وبالتالي لم تؤخذ رؤية السعودية والإمارات، ولم تؤخذ رؤية بعض فصائل الحراك وقوى المعارضة بعين الاعتبار. فقد كان التشاور لتشكيل بنية أعضاء الائتلاف والجهات المشاركة ومن دعي اليه يكاد ينحصر بقطر تقريباً، ولم يتوسع التشاور ليضم السعودية والإمارات ولم يتوسع ليضم قوى ثورية ومعارضة أخرى ما زالت غير منضمة للائتلاف أو رفضت تلبية الدعوة للمشاركة فيه، لأن الدعوة وجهت لها دون أن يسبقها تشاور معها. هذا ما ترك ويترك اثارا واضحة على الائتلاف. ولأن الوحدة ضرورية جداً فلا بد من تجاوز نقاط الضعف هذه التي تمت بسبب الإسراع والاستعجال وبسبب عدم التشاور وبسبب المبالغة في مراعاة المجلس حتى في توقيت عقد لقاء المبادرة.

لأن الوحدة مطلوبة، فيجب تدارك نقاط الضعف هذه التي تخلق المخاطر الكثيرة. و على لقاء الائتلاف القادم أن يحسم النقاط التالية:

 الحرص وبذل الجهود كي يحسم المجلس موقفه إيجاباً بالموافقة النهائية على الانضمام للائتلاف، وإن لم يفعل، فيجب أن يحسمها بالاتجاه المعاكس. وفي حال موافقته على الانضمام أن يحل نفسه وأن يتم التعامل مع مكوناته على قدم المساواة مع المكونات الأخرى. فليس من المقبول أن يبقى المجلس كتكتل داخل الائتلاف. هذا يساعد بتجاوز الخلافات والخندقة السابقة. وحينها سيتم الانتفاع بكوادر وخبرات وعلاقات مكاتب المجلس في تشكيل مكاتب الائتلاف.

 أن يسرع الائتلاف في زيارة السعودية والإمارات والتعرف على رؤيتهما وتحديد مطالبهما بدقة والاتفاق على إجراءات تضمن دعمهما للمبادرة، فدعمهما له أهمية كبيرة لينضم إلى الدعم الآخر.

 أن تسرع قيادة الائتلاف بالتشاور مع مكونات ثورية أخرى ومع قوى ديمقراطية لم تدع أو لم تلب الدعوة والتشاور معها وبذل الجهود لضمان انضمامها للائتلاف. ونفس الأمر بالنسبة للمكونات الكردية.

 أن ينتهي الائتلاف من مسودات نظامه الداخلي وبنيته التنظيمية ومكاتبه وأن ينتهي من مسودات تكوين مكتب الإغاثة الموحد والمكتب العسكري والحكومة المؤقتة، وأن ينظم التشاور لتسمية من سيشغل عضوية هذه المكاتب. وأن يهتم بالاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص. وبدون تنظيم عمله الداخلي بشكل جيد لن يستطيع القيام بالمهام الجسام الملقاة على عاتقه.

أن ينتهي الائتلاف من إجراءات إقامة كافة قياداته والعاملين الدائمين في مكاتبه في نفس المدينة (القاهرة) فبدون ذلك لا يمكن القيام بقيادة وإدارة فعالة.

ان ينتهي من وضع مسودات لخطة عمل شامله للائتلاف ومكاتبه.

 ان تعرض كافة هذه الوثائق على الاجتماع القادم للهيئة العامة للمجلس كي تقرها وتعلنها وتضعها قيد التطبيق لكسب ثقة الداخل أولاً والخارج ثانياً. يجب الخلاص من تقاليد العمل غير المنظم الذي ألفته المعارضة السورية، والخلاص من الاجتماعات الواسعة الطويلة التي لا تحضر بشكل جيد وتفتقد لجداول أعمال، والخلاص من النقاشات الطويلة والتي تضيع الوقت والتي ألفتها المعارضة سابقاً. ويجب الخلاص من حصر العمل بعدد ضيق من قيادات المعارضة/الائتلاف. فالمهام كبيرة وتتطلب عمل فرق عمل منظمة جيداً تقوم بعمل احترافي مقترن بالموهبة السياسية.

يبدو الائتلاف في وضع حرج وزمن ضيق، وعليه أن ينجح في كل ما ورد أعلاه وخلال شهر واحد للنجاح وهي مهمة صعبة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشام الأمس واليوم

حسين العودات

التاريخ: 24 نوفمبر 2012

البيان

والمعني بالشام هنا مدينة دمشق التي أخذت من بلاد الشام هذا الاسم، وتماهت مع بلاد الشام المقسمة الآن إلى أربع دول، وكان لدمشق تاريخ مميز يختلف عن تاريخ معظم مدن الأرض، لأنها أقدم المدن التي مازالت مسكونة في العالم.

اشتهرت دمشق بغوطتيها الشرقية والغربية اللتين كانتا مغطيتين بجميع أنواع الأشجار المثمرة لمختلف أنواع الفاكهة المتوسطية، كما اشتهرت بنهر بردى الذي كانت مياهه تتدفق طوال العام، فحتى قبل خمسين عاماً كانت هذه المياه تنقل معها الفواكه المتساقطة من الأشجار المزروعة على ضفتي النهر في الغوطة الغربية.

وكان يمكن لفقراء دمشق أن يجلسوا على حافة النهر ويلتقطوا هذه الفواكه مما يغنيهم عن شرائها. لقد جف بردى الآن بعد أن حفر كبار الضباط وأهل السلطة آباراً ارتوازية في مزارعهم التي أنشأوها على ضفتيه من منبعه إلى مصبه، فغارت مياهه ولم تعد تجري فيه سوى شهرين او ثلاثة في العام، وذهب بيت شوقي الشهير في مدح النهر الذي يقول (جرى وصفق يلقانا بها بردى كما تلقاك دون الخلد رضوان) أدراج الرياح.

ولم يعد بردى يلقى أحداً من زوار دمشق، بل أخذت روائحه غير المستحبة تنتشر في فضاء المدينة معظم أشهر العام، كما لم يعد (الحور في دمر أو حول هامتها) الذي أعجب به شوقي موجوداً، ونبتت بدلاً منه أشجار قزمة، أو تحولت بساتينه إلى قفار.

قال الشاعر مظفر النواب (إنها دمشق، امرأة بسبعة مستحيلات، وخمسة أسماء، وعشرة ألقاب، مثوى ألف ولي، ومدرسة عشرين نبي، الأقدم والأيتم، ملتقى الحلم ونهايته، بداية الفتح وقوافله). فقد عاش في دمشق عديد من العلماء والشعراء والفنانين والأئمة والسياسيين والقادة العسكريين منذ وصول الإسلام إليها حتى الآن، وبقيت مزارات وقبور بعضهم ماثلة في أحياء المدينة تستقبل الزوار، كأضرحة معاوية بن أبي سفيان، وصلاح الدين الأيوبي.

ومحي الدين ابن عربي وغيرهم، إلا أن معظم هذه الأضرحة يكاد يصبح دارساً وتضيع ملامحه بسبب الإهمال، فمن يزور ضريح معاوية بن أبي سفيان مثلاً لابد أن يشعر بالحزن والأسى لتواضع قبر هذا الرجل العظيم وعدم الاهتمام به وكثرة النفايات حوله.

وقد نجا ضريح صلاح الدين الأيوبي من (البهدلة) لأنه في مدخل الجامع الأموي، كما نجا ضريح محي الدين بن عربي بسبب الطابع الديني لهذا الضريح. عكس بقية الأضرحة، وفي الوقت نفسه تتعدد مواقع التراث الديني المسيحي الغني في دمشق.

وأشير خاصة إلى الشارع الطويل أو مدحت باشا وهو الشارع الذي مر به (بولس الرسول) في العقود الأولى للمسيحية، فضلاً عن الكنائس والمعابد الكثيرة، وبدلاً من حفظ وتجديد الأضرحة والآثار والمواقع والأوابد التاريخية والدينية في دمشق القديمة، غزتها المطاعم والفنادق و(رذالات) الأغنياء الجدد، ونمط الحياة الاستهلاكي، والفنون الهابطة وما يشبه ذلك.

كان الدمشقيون والسوريون عموماً، بل وأهالي بلاد الشام، يفتخرون بمدينة دمشق وعمرانها وفنونها وآثارها وأوابدها ومعالمها الدينية والثقافية والتاريخية، وتقاليدها ودورها الثقافي والإنساني والسياسي في المنطقة. ويفتخر سكان دمشق بسكناها ويرددون مع الشاعر القروي (حتى م تحسبها أضغاث أحلام سبح لربك وانحر أنت في الشام).

ماذا حلّ بدمشق الآن؟

أزيلت غوطتيها وصارت قاعاً صفصفاً، وحل محل أشجارها وغياضها إما أبنية إسمنتية، أو منشآت حديثة كالمعامل التي تزود الغوطة بالأوساخ والتلوث، أو بالمطاعم (التي لم يعد يرتادها أحد الآن) كما أحاطت بها من كل جانب العشوائيات وسكانها القادمين من الريف، حتى وصل عدد سكان هذه العشوائيات، إلى ضعف سكان دمشق الأصليين وامتلأت شوارعها بالحواجز العسكرية في الأشهر الأخيرة.

ويحتاج المرء لأكثر من ساعة ليقطع كيلو متر واحد أو اثنين داخل المدينة في بعض المناطق، في الوقت الذي يهرب النوم من طلقات المدفعية والرصاص طوال الليل.

هذا فضلاً عن الصعوبة والخوف بل والذعر من التجول ليلاً، أو أثناء زيارة صديق، أو ارتياد مطعم أو مقهى أو محل عام، فبعد الغروب تكاد تشعر أن المدينة تعيش في ظل قوانين منع التجول، ولأسباب أمنية أغلقت الشوارع والمنافذ والطرقات حول المراكز العسكرية والأمنية المنتشرة في المدينة (وما أكثرها).

وحول بعض مؤسسات الدولة، ومنازل بعض الضباط أو المسؤولين، وتحول السير إلى شوارع أخرى، حتى غدا الازدحام في دمشق كابوساً يقلق المتنقلين في شوارعها، وقد تجرأ بعض الضباط والمسؤولين الثانويين على إغلاق الشوارع وزيادة الحراسات حول بيوتهم دون أي سبب جدي، فهم ليسوا مهددين وليس عليهم أي خطر.

وكأنهم يعتقدون أن إغلاق الشارع أو زيادة الحراسة حول بيوتهم يعطيهم أهمية اجتماعية أو سياسية، مع أنه في الواقع يعرضهم للشتائم (السرية) والاحتقار (غير المعلن) وربما يتساءل السوريون لماذا يدفعون رواتب لعشرات الجنود لحماية هذا الضابط أو ذاك وهو لايحتاج لحماية، وكيف تحول الجنود السوريون إلى خدم لدى ضباطهم كما كان الحال أيام السلطنة العثمانية.

وفهم السوريون بدقة معنى نظام (السخرة) الذي كان سائداً أيام حكم العثمانيين. وهكذا امتلأت شوارع دمشق وحواريها بالحواجز وأكياس الرمل التي تغلق الطرقات وبالسيارات المزدحمة في الشوارع الأخرى، ورافق ذلك كله بالضرورة الخوف الدائم لدى السوريين من كل ما حولهم ومن حولهم.

لم تعد دمشق هي نفسها التي كانت قبل خمسين عاماً نظيفة مهفهفة تنتشر فيها رائحة الياسمين في كل شارع، ويسعد أهلها بالسيران إلى الغوطة كل يوم جمعة، يحملون معهم (الخبز والحاكي) ويمضون نهارهم على جوانب بردى وتفرعاته، وتحت ظلال أشجار الغوطة. ومع ذلك يحب أهل دمشق مدينتهم التي دمر القصف أحياءها المحيطية ويرددون قول الشاعر (قالوا تحب الشام قلت بلى فجوانحي مدفونة فيها وقلت فؤادي).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مع اشتداد الأزمة السورية وانهيار النظام :أرقام صادمة في الاقتصاد السوري!

وليد جداع

(المشرف العام)

2012/11/24

الحركة الدستورية السورية

يبدو أن الانهيار المفاجئ في قيمة الليرة السورية الذي حدث في الشهر الماضي والذي أوصلها إلى قرابة خمسة وثمانين ليرة مقابل الدولار الأمريكي، بعد استقرار نسبي حول خمسة وسبعين ليرة، هو نتيجة طبيعية للأوضاع الاقتصادية فائقة الصعوبة التي تعيشها سورية، والتي لا تجد الحكومة السورية وسائل مناسبة لحلها، مع تصاعد العمل العسكري وتوقف النشاط الإنتاجي عامة في مختلف المجالات ، مما يجعل الاقتصاد السوري معتمدا على التمويل الخارجي بشكل رئيسي!

موارد الدولة للإنفاق الجاري من رواتب وأعباء فقط، دون نفقات استثمارية!

وقد انعكست الأوضاع الصعبة للاقتصاد على الميزانية التقديرية لعام 2013، حيث انخفض الإنفاق الاستثماري بشكل ملحوظ، وخصصت معظم موارد الدولة للإنفاق الجاري الذي يتركز في تمويل آلة الحرب ورواتب الموظفين، والدعم الحكومي لضروريات المواطنين. وقد أشار وزير المالية السوري محمد الجليلاتي في بيانه أمام مجلس الشعب السوري ، حول موازنة عام 2013 (3/11/2012) إلى أن حجم الإنفاق الاستثماري قد انخفض بمقدار مائة مليار ليرة(مليار ونصف المليار دولار) عن العام 2012 ليبلغ 275 مليار ليرة، أي أقل من أربعة مليارات دولار . بينما خصص مبلغ 318مليار ليرة سورية(أربعة مليارات ونصف مليار دولار أمريكي) لإنفاق وزارات الدولة والجهات التابعة لها ، وللدعم الاجتماعي مبلغ 512 مليار ليرة سورية، أي أكثر من سبعة مليارات دولار . وكان السيد الجليلاتي قد قدر إجمالي الموازنة لعام 2013 بمبلغ (1383) مليار ليرة سورية، أي قرابة تسعة عشر مليار دولار، مجموع ما رصد منها للإنفاق الجاري كليا يبلغ 1108 مليار ليرة(أكثر من خمسة عشر مليار دولار) . أي أن ثمانين بالمئة من مخصصات الدولة ستذهب للإنفاق الجاري فقط، مما يلحق أضرارا بالغة بالعملية الإنمائية، ويرتب أضرارا اقتصادية فادحة على مستقبل سورية، لأن الإنفاق الاستثماري في القطاعات الإنتاجية المختلفة من صناعة وتجارة وبنى تحتية،هو العامل الرئيسي في صناعة المستقبل الاقتصادي للدولة.

عجز هائل في الموارد، وديون خارجية مرتقبة على الشعب السوري!

وتظهر الميزانية التي قدمها وزير المالية عجزا هائلا في الموارد اللازمة يبلغ (745) مليار ليرة سورية، أي أكثر من عشرة مليارات دولار أمريكي، وهو ما يزيد عن 54 بالمائة من الميزانية! وهذا الرقم يزيد بمبلغ 216 مليار ليرة (ثلاثة مليارات دولار) عن عام 2012 الجاري . وقد اعترف السيد الجليلاتي بصعوبة تمويل هذا العجز، وحدد ثلاثة مسارات متوقعة لتحقيقه، أولها هو طبع مليارات الليرات السورية وضخها في السوق دون ما يقابلها من غطاء ذهبي أو عملات صعبة، مما يعني ارتفاعات هائلة في الأسعار، أو الاستدانة من المواطنين أنفسهم ببيعهم سندات خزينة يتم تسديدها لاحقا! ، إضافة إلى الاقتراض الخارجي، حيث تسعى الحكومة السورية الآن إلى ترتيب قرض مع روسية، وهو ما يتم التفاوض عليه.

إنكار رسمي للأزمات، ينهار أمام حقائق الأرقام!

ومن الملاحظ انه بعد إنكار متواصل لأثر الأحداث الجارية على الاقتصاد السوري، وأثر العقوبات الاقتصادية الدولية على هذا الاقتصاد، بدأ المسؤولون الحكوميون في الاعتراف بخطورة هذه التأثيرات ، وحجم الأضرار التي تسببها للاقتصاد. فقد اعترف وزير المالية في توضيحاته حول الميزانية ، بأن هناك انخفاضا كبيرا في نسب التنفيذ في المشاريع الحكومية،بسبب نقص الموارد المالية المخصصة لها. كما أشار إلى انخفاض نسبة إجمالي الموارد المحلية إلى إجمالي الناتج المحلي من تسعة وعشرين في المائة في موازنة 2012 إلى نسبة ثلاثة وعشرين في المائة في ميزانية عام 2013 ، وذلك نتيجة التدني المتوقع في الإيرادات الجارية والاستثمارية جراء الظروف التي تمر بها البلاد وانخفاض معدل النمو الاقتصادي. الأمر نفسه الذي ينطبق على أسباب العجز الكبير في الميزانية والذي تعود أسبابه الكبرى إلى وضع البلاد والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، كما قال.

وقال السيد الجليلاتي إن العقوبات ألقت بثقلها على الموازنة العامة للدولة وظهرت آثارها السلبية بصورة واضحة من خلال تدني الإيرادات العامة للدولة وانخفاض الإيرادات الاستثمارية، وذلك نتيجة للعقوبات المفروضة على قطاع النفط، إضافة إلى توقف عجلة الإنتاج في كثير من المؤسسات والشركات الاقتصادية العامة والخاصة. مما زاد من أعباء الإنفاق الجاري، وأدى بالتالي إلى ارتفاع ملحوظ في عجز الموازنة العامة للدولة.

إعادة التعمير: أرقام غير حقيقية، لكنها بداية الاعترافات بالدمار المروع!

وفي انتقاد مبطن للمافيات المستفيدة من الدولة ، أشار وزير المالية إلى اعتقاده بوجود سبعين غنيا استثنائيا على مستوى الدولة ، يستأثرون بحصة كبيرة من الموارد، الأمر الذي ينم عن سوء توزيع كبير وخلل في توزيع الدخل القومي! وقد تحدث السيد الجليلاتي عن الأموال المخصصة لإعادة التعمير في الميزانية وقدرها بثلاثين مليار ليرة سورية، مشيرا إلى أن هذا المبلغ هو للحاجات الضرورية فقط، أما كلفة إعادة التعمير والبناء فقدره ب 2000 مليار ليرة سورية، أي قرابة 27 مليار دولار. ونحن نعتقد أن هذا الرقم منخفض إلى حد كبير، لأن تقديراتنا وتقدير مصادر متطابقة تشير إلى الحاجة إلى 200 مليار دولار لإعادة تعمير البلاد.

وفي توضيحات أخرى لمدى الصعوبات التي تواجه النظام السوري ، ذكر السيد وائل الحلقي رئيس الوزراء السوري أمام جمع من الأطباء السوريين، أن مجموع ما تقدمه الحكومة السورية لدعم المواد الضرورية من مشتقات بترولية وكهرباء وخبز، يبلغ (680) مليار ليرة سورية. أي أكثر من عشرة مليارات دولار أمريكي، بسعر الصرف المتاح منذ أسابيع (72 ليرة مقابل الدولار) . وقدر الحلقي الأضرار الناجمة عن الأحداث في سورية في القطاع الخدمي فقط ب(2000) مليار ليرة سورية، أي أكثر من سبعة وعشرين مليار دولار، فيما قدر وزير الصحة السوري سعد النايف الأضرار في القطاع الصحي وحده ب(721) مليار ليرة سورية. أي أكثر من عشرة مليارات دولار أمريكي.

غموض في تمويل آلة الحرب على الشعب السوري!

وفي حين لا تتحدث المصادر الحكومية بتفصيل ، عن الموارد المتوقعة للميزانية عدا الضرائب وبعض الصادرات، وتقدرها بمبلغ 638 مليار ليرة سورية، أي قرابة ثمانية ونصف المليار دولار، فإن المعلومات المتوفرة تشير إلى تمويل إيراني وروسي على شكل منح أو قروض، الأمر الذي يجعل النظام وسورية كلها ربما في المستقبل، رهينة لهاتين الدولتين. أما آثار الدمار الاقتصادي المتتالية ، فليس آخرها ما أعلنته جهات اقتصادية محلية عدة منذ أيام، من أن البنوك السورية الخاصة على شفا الإفلاس، وأن معظم ما قدمته للمواطنين والمشروعات من قروض، غير قابل للسداد، نتيجة لتوقف العجلة الاقتصادية ولنفاد مدخرات المواطنين الذين أضحى الملايين منهم يعيشون على المساعدات المحلية والعربية والدولية، سواء داخل سورية، أو خارج سورية في المخيمات المنتشرة في الأردن وتركية والعراق ولبنان ، أو اللاجئين إلى أقطار أخرى مثل مصر والجزائر وأوروبا، وغيرها من بقاع الأرض.

لكن الميزانية لم تشر إلى نفقات ماكينة الحرب الدموية ضد أبناء الشعب السوري، حيث يجول مئات آلاف الجنود السوريين والشبيحة وعناصر المخابرات والمرتزقة في أرجاء سورية كلها حاملين معهم القتل والخراب والدمار. إن النفقات النثرية فقط، لهذه المئات من الآلاف دون نفقات أسلحتهم وذخائرهم ، ولا سيما بعد استخدام الطيران الحربي شديد التكلفة، تقدر بمئات ملايين الدولارات، أما إذا أضيفت إليهم نفقات التسليح والتنقل والذخيرة القاتلة ، فلن تقل المبالغ المدفوعة عن مليارات الدولارات، وهي نفقات مروعة قد لايكون مصدرها سوى تمويل إيراني وروسي عبر قروض ثقيلة الوطأة أو عبر رهن سورية ومواردها لتدخلات دولية واجبة الوفاء مستقبلا من سيادة الشعب السوري وموارده!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا والانخراط الأميركي في المنطقة

تاريخ النشر: الأحد 25 نوفمبر 2012

كونداليزا رايس

الاتحاد

قد تكون الحرب الأهلية المشتعلة في سوريا الفصل الأخير في قصة تفكك الشرق الأوسط كما نعرفه، فإمكانية الحفاظ على وحدة المنطقة وإعادة بنائها على أساس من التسامح والحرية، والوصول بها أخيراً إلى مرحلة الاستقرار الديمقراطي بدأت تتسرب بين أيدينا وتبتعد عن قبضتنا. وعدا مصر وإيران اللتين تمتلكان تاريخاً ممتداً، وتقفان على هويات وطنية راسخة وقوية، وإلى جانبهما تركيا أيضاً التي لها نفس المقومات، وإن كان الأكراد الذين لم يُستوعبوا كلياً في النسيج المجتمعي، وما زالت أنقرة تشك في تطلعاتهم القومية والانفصالية، فإن معظم دول الشرق الأوسط الأساسية أسست حديثا، وغالباً ما كان ذلك يتم دون أدنى اعتبار للتمايزات العرقية والمذهبية المتعددة في المنطقة، والنتيجة دول حافلة بالمشاكل. على سبيل المثال العراق يعيش فيه الشيعة والعرب السنة، بالإضافة إلى خليط آخر من الأكراد وبقية العرقيات خضعت كلها قبل 2003 لقبضة حديدية لديكتاتور، ولا يختلف الوضع في الدول الأخرى، حيث 70 في المئة من سكان الأردن من الفلسطينيين، وتعيش لبنان على وقف الانقسام بين السنة والشيعة والمسيحيين، ثم هناك سوريا التي تضم مزيجاً من السنة والشيعة والأكراد، وآخرين تحكمهم جميعاً أقلية علوية.

وفيما استطاعت الأنظمة الديكتاتورية والسلطوية في المنطقة الحفاظ على تماسك الدولة في الشرق الأوسط، رغم طبيعتها الهشة ومقوماتها الضعيفة، فإن الرغبة في الحرية التي انتقلت من تونس إلى القاهرة، ثم دمشق زعزعت الأنظمة الديكتاتورية وقوضت قبضة الحكام الذي عمروا لعقود، والخطر الآن من أن تنفجر تلك الدول التي قامت على أسس واهية.

ولعل المثال الأبرز، هو العراق الذي بعد إطاحة نظام صدام حسين في 2003 حذا الولايات المتحدة أمل قوي، في أن يقود ذلك إلى ديمقراطية متعددة العرقيات والمذاهب تنجح فيما فشل فيه الديكتاتور بإعطاء فرص متساوية للجماعات المختلفة لرسم مستقبلهم والمشاركة في الحكم.

ومع أن هذا التوجه تحقق إلى حد ما مع الانتخابات التي أفرزت حكومات مندمجة بعيدة عن الإقصاء، إلا أن المؤسسات الوليدة تظل هشة وغير مكتملة، بل تئن تحت وطأة انفجار الصراع الطائفي الذي يغلف المنطقة في الوقت الحالي، ليأتي النزاع في سوريا دافعاً العراق وبقية الدول إلى حافة الانهيار، هذا في الوقت الذي أدى فيه الانسحاب الأميركي من العراق، وفك ارتباطها بالسياسة هناك إلى دفع السياسيين العراقيين إلى الارتماء في أحضان الحلفاء الطائفيين استجابة لغريزة البقاء.

فإذا لم يستطع رئيس الوزراء العراقي، الاعتماد على الولايات المتحدة للبقاء في السلطة فهو يجازف بعلاقته مع إيران؛ أما فيما يتعلق بالصراع في سوريا، فإن الخطأ الجوهري الذي ارتُكب خلال السنة الأخيرة، هو التعامل مع الانتفاضة على حكم بشار باعتبارها مشكلة إنسانية، فرغم تكرار العنف الذي شهدناه في ليبيا مثلاً في ظل نظام حكم قمعي، فإن الأمر لا يشبه ليبيا، لما ينطوي عليه من أبعاد أخرى.

ففي الوقت الذي تتداعى فيه سوريا ينزلق السنة والشيعة والأكراد إلى شبكة التحالفات الطائفية في المنطقة، فكارل ماركس مثلاً دأب على دعوة عمال العالم إلى التوحد وتجاوز الاعتبارات الوطنية، قائلاً إن العمال يمتلكون من القواسم المشتركة أكثر مما يوحدهم مع الطبقات الحاكمة التي تقمعهم باسم القومية، لذا حث كارل ماركس العمال على التخلص من "وعيهم الزائف" بالهوية الوطنية.

وفي الشرق الأوسط، تلعب إيران دور كارل ماركس، بحيث تسعى إلى نشر نفوذها، من خلال توحيد الشيعة تحت لوائها، مدمرة وحدة البحرين والسعودية والعراق ولبنان، ولتحقيق ذلك تستخدم جماعات مثل "حزب الله" والميلشيات الشيعية في جنوب العراق، وفي كل ذلك تبقى سوريا هي المحور الأساسي للصراع، بما أنها الجسر الحقيقي للشرق الأوسط العربي، فطهران لم تعد تخفي حقيقة مشاركة قواتها في سوريا لدعم بقاء الأسد، وفي هذا السياق ليس ركض طهران لامتلاك السلاح النووي مشكلة إسرائيلية فقط، بل مشكلة المنطقة عموماً؛ وفي الجهة المقابلة من الصراع تقوم السعودية وقطر وبقية القوى الإقليمية بتسليح الفصائل السُنية في سوريا، فيما تجد تركيا نفسها منجرة إلى الصراع، يحركها خوف شديد من انفصال الأكراد في سوريا وتأثير ذلك على أكرادها. لكن أين الولايات المتحدة من كل ذلك؟ لقد أمضت أميركا شهوراً محاولة إقناع روسيا والصين بالتوافق على قرار أممي غير ملزم لإيقاف إراقة الدماء، وكأن موسكو ستتخلى عن الأسد بسهولة، أو أن بكين تكترث حقاً للفوضى في الشرق الأوسط، وهكذا ولملء الفراغ في المنطقة تدخلت بريطانيا وفرنسيا وتركيا للاعتراف بالمعارضة المشكلة حديثاً والممثلة لأكبر عدد من السوريين، وهو ما يتعين على الولايات المتحدة القيام به أيضاً مع مد المعارضة بالسلاح، بعد فضح الجماعات المستفيدة والتحقق منها، بل يتعين على واشنطن وحلفائها إقامة منطقة لحظر الطيران حماية للمدنيين.

إن نفوذ أميركا ووزنها ضروريان، وإلا سيُترك الأمر لقوى إقليمية لا تنسجم مصالحها بالضرورة مع مصالحنا، كما أن التخلي عن المنطقة سوف يؤدي فقط إلى تفاقم الصراع الطائفي، ورغم ما ينطوي عليه التدخل من خطورة مثل صعود القاعدة مجدداً، إلا أن انهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أخطر من أي شيء آخر، والأكثر من ذلك أن إيران إذا تُركت لوحدها سوف تنتصر، فيما سينهزم حلفاء أميركا، وستغرق المنطقة لعقود طويلة في الفوضى، لذا يجب على أميركا التحرك قبل فوات الأوان.

 

كونداليزا رايس

وزيرة الخارجية الأميركية السابقة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية رهينة الوظائف الدولية

دمشق غازي دحمان

المستقبل

25-11-2012

لن يمر وقت طويل قبل أن يدرك الأخضر الإبراهيمي أن مهمته لم تكن سوى فاصلاً دبلوماسياً آنياً، إستدعته ضرورات المرحلة الدولية، في إطار أزمة إستراتيجية كبيرة. عند ذاك، وكأي دبلوماسي مغدور، مرّ على هذه الأزمة، أو نظيراتها، سيلقي الرجل بيانه الأخير، الذي سيحمل في طياته الكثير من الإحساس بمرارة الخديعة الدولية، وسيقول على هامش حديث صحافي، على الأرجح ، كلمتان أو ثلاثة، كتلك التي قالها سلفه:"على الأسد أن يرحل، لا حل للمشكلة دون ذلك".

هاتان الكلمتان وبيان الإنسحاب باتا يشكلان حلماً لدى السوريين، الذين سقط في أيديهم إمكانية نجاح الإبراهيمي في حل أزمتهم، وباتوا يتوجسون من إمكانية أن يصار إلى تدوير زوايا المواقف الدولية، والقيام بإعادة تموضع جديدة، وبخاصة بعد أن حاول الإبراهيمي خلط أوراق الأزمة بإحالتها إلى إقتتال أهلي، وبعد أن كثف الإعلام الغربي حديثه عن فوضى جهادية داخل سوريا، ظهر أن الدبلوماسبة الغربية تلقطت خيوطها وراحت تبني عليها مواقف سياسية و دبلوماسية حذرة.

ولكن، وربما ومن حسن حظ السوريين أنفسهم، أن هذا الإحتمال لم ينضج بعد، بإعتبار أن الحرب السورية يجري إحالتها إلى وظيفة إستراتيجية كبرى في نظر بعض اللاعبين الدوليين، وهي، باعتراف وزير الخارجية الروسي سيرغيه لافروف، لعبة جيوسياسية كبيرة لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.

لم يزل الوصول إلى حل لأزمة السورية امر مبكر جداً، فالثورة السورية باتت تحمل على أكتافها عبء إنجاز العديد من الوظائف والمهمات، ومن دون ذلك لن تعبر سوريا عتبة الأزمة بإتجاه الحل، وخصوصاً وأن مختلف القوى تجد لديها ترف الوقت الذي يمنحها التفكر والتدبر والإشراف والتخطيط، من دون أن يمس ذلك في أمن وإستقرار ومصالح ومستوى حياة شعوب هذه الدول، والعكس قد يبدو صحيحاً في هذه الحالة، بمعنى التعجل في إتخاذ القرارات من شأنه أن يعرض مصالح هذه القوى للضرر، ولو من باب تقليل فرصها التساومية، الأمر الذي يجعل من الحدث السوري لعبة أمم بإمتياز.

لا يزال الوقت مبكراً على الحل، على الأقل ليس قبل أن تؤتي العقوبات الأميركية والأوروبية على إيران ثمارها، وفي ذلك تؤكد التقارير الغربية أن ذروة هذا الأمر ستتضح منتصف العام المقبل. وليس قبل أن تكتشف روسيا أنها تغرق في سوريا وتخسر، وفي المحيط الشرق أوسطي برمته، كما ليس قبل ان تتضح الرؤية بخصوص الموقف من إيران، ومن ترتيبات إسرائيل بشأنها، وبشأن حزب الله ، وذلك سيتم بعملية شاملة وصفقة كاملة، إلى حينه، وقبل ذلك، ليس هناك ما يبرر إستنفاذ الجهود.

لا تزال روسيا تعتقد أنها تستطيع إستثمار الحدث السوري، وهي تتكئ في ذلك على المساومة على ما تعتبره حجم إستثمارات كبير لها في الإقتصاد السوري، وما تعتقده من حاجة العالم لأهمية إستقرار سوريا، أو بلغة أخرى قدرتها على التخريب في سوريا، وهو رهان دبلوماسي وتهديد إستراتيجي ومقامرة جيوسياسية خطيرة في آن واحد، عبرت عنها روسيا أخيراً بتمسكها، المتشدد، ببقاء الأسد في السلطة، مهددة الغرب بأن إستمرار عدائه للأسد سيبقي حمامات الدم مفتوحة في هذا البلد، وربما هذا السبب الذي يجعل اللاعبين الآخرين يتريثون في دخول الصفقة مع موسكو.

إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن موسكو في ظل إدارة أوباما وإسلوبه الدبلوماسي الحذر، كسبت الحق بنقض جوانب عدة من السياسة الخارجية الأميركية، بدءاً من بناء درع صاروخية في أوروبا الوسطى وصولاً إلى وقف برنامج إيران النووي وتقديم المساعدات الإنسانية في سوريا. فبعد عقدين على غياب روسيا عن الشرق الأوسط، يبدو أنها تحاول اليوم استعادة جزء من النفوذ الذي كان الإتحاد السوفياتي يملكه، فليس صدفة أن يتمنى فلاديمير بوتين فوز اوباما في الإنتخابات الأميركية.

من جهته، يشعر الغرب بفائض في الوقت، فالأزمة السورية لم تصبح بعد ملحة، وخاصة وأنها تدرك أن جوهر الازمة هو في موسكو وطهران، وليست في دمشق، كما أنها بمنأى عن الحرج وضغط الرأي العام، الذي يشكل برضاه عن الموقف الرسمي لحكوماتها، كونها لم تتدخل في الحرب، عاملاً مساعداً لها.

كما أن الغرب يريد إعادة تموضعه في المنطقة بشروط جديدة. الثورات العربية، بالنسبة لإدراك صناع القرار الغربيين، متغير جديد يتوجب التحوط له، كونه من المفترض أن يفرض قواعد تعامل جديدة، غير تلك التي إستقرت منذ أيام إيزنهاور. هو لاينظر إلى الأمر من الزاوية التي تنظر بها الشعوب إلى هذه الثورات، على إعتبار أنها لم تحقق جديداً. الغرب يفترض ولادة نمط ثقافي وسياسي جديد في المنطقة حملته ثورات هذه الشعوب، وبالتالي من السذاجة الإندفاع والتعامل معها وفق النمط القديم ذاته. هذه الثورات في نظر الغرب تضمر في داخلها، ومستقبلها، ما هو جديد. والتغييرات التي يعتقد اليوم أنّها أساسية، يمكن أن تُعدّ مستقبلاً مجرد تفاصيل في رحلة طويلة.

لقد تبين أن إدارة أوباما تعجز عن تطوير سياسة واقعية تستطيع التعامل مع منطقة معقدة وخطيرة. في الوقت نفسه، يبدو أنها تزرع بذور المشاكل التي قد تواجهها بنفسها أو قد تمتد إلى عهد خلفائها، ما سيكبد الولايات المتحدة كلفة عالية في مطلق الأحوال.

الأزمة السورية باتت حمَالة وظائف، والكل يريد إستثمار الأزمة، وكأنها غدت آخر الأزمات، وآخر الفرص الممكن إستثمارها. وكأن البيئة الدولية ستعيش أزمة نقص الأزمات... وإلى أن تنجز هذه الأزمة ما تم تحميله لها عنوة، ليس مهماً كم سيموت على ضفافها من السوريين، وليس مهماً إن بقيت سوريا أرضاً صالحة للحياة الآدمية أصلاً، ومن غير المعروف ما إذا كان سيبقى في خارطة الشرق الأوسط نفسه مساحة للتغيير الجيوسياسي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ظاهرة الشعار في الثورة السورية

اسطنبول عمر كوش

المستقبل

25-11-2012

شكلت الشعارات التي رفعتها أيادي الثائرين السوريين ظاهرة غنية ومبدعة، تدعو إلى التأمل والبحث عن مكنونات هذا المخزون ومصادره، التي تنهل من ذاكرة الإنسان السوري، ومما أنتجه عقله رداً على سنوات الرعب والصمت والقهر والإذلال والكبت، والحرمان من مختلف أشكال التعبير، وبخاصة التعبير السياسي، في ظل عهود الاستبداد الثقيلة. ولعل تعبيراتها الرمزية واللغوية والثورية تكشف مكونات وتعبيرات حرم منها لعقود طويلة، وتلقي الضوء على حصيلة وعي، استخدم الموروث التاريخي والتراث الشعبي، وكيّفه في خدمة الحراك الثوري ومطالب وتطلعات عامة الناس في سوريا.

ولا تغادر مصادر ومراجع، شعارات الثورة ولغتها، تأثيرات ثورات الحرية والكرامة العربية، أو ما عرف بثورات الربيع العربي، إضافة إلى عمق ارتباطها بجذور عميقة، تمتد إلى الثقافة الشعبية، والحديثة، وتنهل من المعرفي والحسي، السياسي والاجتماعي، ومن التراث الشعبي، وترتبط بالزمن السوري الضارب عميقاً في التاريخ، وفي الوجدان، حيث الأشواق والأمنيات والأحلام تكمن دافئة في ثنايا الذاكرة الجمعية.

يمكن القول إن الثورة السورية تميّزت بشعاراتها السياسية والمطلبية والاجتماعية، واختلفت لغتها باختلاف مراحل أو أطوار الثورة، التي بدأ حراكها الشعبي سلمياً، ثم بات لها مركبات ومكونات وأطر تنظيمية وسياسية وإعلامية وعسكرية.

وصدحت حناجر المحتجين في التظاهرات السلمية بشعارات عفوية أحياناً، ومفكّر فيها في غالب الأحيان، لكنها اكتسبت حمولات عديدة مع تحول التظاهرات اليومية إلى مشهديات بصرية وجسدية، وتشكيلات فنية، تمازجت فيها شعارات وأغاني الثورة الجديدة مع ما يختزنه الموروث الشعبي، من أغاني وأهازيج وعراضات، محلية شعبية، مع ابتكارات فنية جديدة، لم تشهد سائر ثورات العالم الحديث مثيلا لها.

وركزت الشعارات المرفوعة على الكرامة والحرية، حيث انطلق شعار "الشعب السوري ما بينذل" بوصفه أول شعار في الثورة السورية، هتفت به جموع من السوريين في منطقة الحريقة بدمشق، وتأقلم الشعار نفسه في درعا في صيغة "الموت ولا المذلة"، بعد سقوط عدد من الشهداء، ثم تحولت لغة الشعارات، من رفض المذلة وإعلاء قيمة الكرامة، وتفضيل الموت على الخضوع، إلى المطالبة بالحرية، وجعلها مقام تشييد للغة الثوار، وذلك بالتلازم مع رفض الاستمرار في العيش في ظل الوضع القائم. وبات شعار "الله سوريا حرية وبس"، يكمل ثنائية الكرامة والحرية، بوصفهما مركبي التأسيس للثورة السورية.

ومع تزايد سقوط الشهداء وسيلان الدم في الشوارع والساحات تغايرت الشعارات، لتطالب بإسقاط النظام ورحيل رمزه، ولإظهار التضامن والتعاضد مع مختلف المدن والبلدات التي تعرضت للقمع الشديد. وعند بروز المكون العسكري من منشقين عن الجيش النظامي ومتطوعين، راحت الشعارات تطالب بحماية المدنيين، وتحيي الجيش الحرّ، وتطالب بالتسليح، وسوى ذلك.

وتشير لغة الشعار السياسي في الثورة السورية إلى رمزية خاصة، وإلى تحولها وتجسدها في ثنايا خطاب يتوجه إلى عموم السوريين، حتى باتت مكوناً أساسياً للتواصل بين المحتجين والجمهور العام، وإطاراً للمفاهيم الثقافية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي شكّل ظاهرة لمأسسة مفاهيم الثورة، ومخاطبة جموع الداخل والخارج، وراحت تنهل من معين حياة الناس وذاكرتهم، وتعكس طموحاتهم ومطالبهم وآمالهم وتطلعاتهم، ولها تفاعلاتها الداخلية والخارجية.

وقد نظر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر إلى اللغة كأحد المكوِّنات الأساسية التي لا تشكل وسيلة للتواصل بين الناس فحسب، بل إطارًا يحدد المفاهيم الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تشكل المنظومة الفلسفية لمجتمع ما. من ضمن هذه المفاهيم ما يرتبط إلى حد ما بمسألة "رمزية" اللغة، وهي مسألة يغوص فيها الناس من دون إدراك أو بشكل لاواعٍ.

وفي شعارات التأسيس للثورة، اُختصر الشعار السياسي في أبسط صوره، في كلمة واحدة، هي "حرية"، يؤطرها الترداد وحركات الأيادي والأجساد، وتصدح بها حناجر المحتجين، صغاراً وكبارا، نساء ورجالاً. ويستمد اقتضاب الشكل روحيته من تركيب المعنى، بالنظر إلى أن هذا اللفظ البسيط يحيل في البداية إلى معرفة ثقافية خاصة في اللغة العربية، لكن هذه المعرفة تتجاوز حدود ما تمثله الدائرة اللسانية، لأنه اكتسب بعداً عربياً ثم بعداً عالمياً. والفضل يعود إلى الثورات العربية في تحول الشعار إلى مفهوم له أبعاد إجرائية متنوعة على مستوى القراءة، حتى باتت كلمات مثل "حرية" و"إرحل" مقروءة عالمياً، وغدت كل منها علامة من غير تركيب، تقترح خطابات عالمية، وتدرك ضمن المقولات المشكلة.

ولا يغيب عن لغة شعارات الثورة عنصريّ الذات والذاكرة، ف "أنا" المحتج ليست حاضرة في صرخاته فقط، بل حاضرة في أكثر من خطاطة وشعار. وتحول العديد منها إلى كوجيتو فلسفي جديد، ولعل عبارة "أنا إنسان ماني حيوان"، التي نطق به أحمد عبد الوهاب، دشنت كوجيتو كينونة جديد، بل وتحولت إلى مقولة مفهومية في الثورة، وحولت صاحبها إلى أيقونة.

وقد جرت الإحالة في أكثر من شعار إلى الذاكرة السورية والتاريخ السوري، حيث راح المحتجون في درعا، مثلاً، يرددون شعاراتهم على وقع الأهازيج، التي تزخ بها منطقة حواران، من "الميحة"، و"السحجة"، و"الدرازية"، و"الجوفية"، و"الشعرافية، و"الحورانية"، و"الشمالية" و"النسورانية". ولعبت الأهازيج والعراضات ومختلف أنواع الدبكات والرقص دورها الخاص في التأثير المباشر في الناس، وفق طبيعة تعبيرية خاصة. وباتت تتحكم في الانفعالات ولا تكترث للمفاهيم، بوصفها شعلة تضيء ظلاماً. وفي حالات الانفعال لا يفكر الإنسان، لذلك ارتبطت الموسيقى والأهازيج بالجسد الفاعل، والجسد المتحرك. وهذا ما يميز طبيعة الهوى، بوصفه تجاوز الحدود العادية المحرر للانفعال والدافع به في كل الاتجاهات. وقد تتحقق ذلك في التظاهرات التي عمّت مختلف المدن والبلدات والقرى السورية، من خلال تلاطم أمواج أجساد المتظاهرين في مشهديات، لم تعرفها سوريا من قبل.

ولعل الجديد الذي قدمته الثورة السورية في حركات الجسد هو تسونامي الأجساد، والكرنفالات المرافقة لها، حيث، وبتنظيم متناغم ومدروس، تصطف أجساد المتظاهرين بشكل خطوط وصفوف أو دوائر في ساحة أو شارع، ثم مع ترداد الشعارات يجلسون دفعة واحدة، وحين تشتد الحماسة في مقطع معين من الشعارات أو الأغاني، تنهض الأجساد دفعة واحدة، يليها الارتفاع ثم الانخفاض في حركات تشبه الأمواج المتتالية بتسارع متناغم، مشكلة تسونامي أجساد بشرية.

ولا شك في أنه لا يمكن للمحتجين أن يتظاهروا لساعات وأيام وشهور من دون أن يغنوا، وينتجوا أغانيهم الخاصة بهم في كل منطقة أو حي أو بلدة، ويرددوا شعارات لها وقع وتأثير في الأذن قبل العقل. وباعتبار أن الدبكة المرافقة للأهازيج والعراضات تطاول الجانب الحسي من الإنسان، فإن هذا الجانب عندما يتجسد في الجسد الثائر، فإنه يحتاج إلى طاقة روحية، لكي يستمر، ويفرز كل طاقاته ومكنوناته، فكثير من المتظاهرين اكتشفوا أجسادهم وأصواتهم لأول مرة في حياتهم في ميادين التظاهر وفسحات الحرية.

وإن كان الانفعال طاقة تعبيرية تسعى الكلمات إلى تنظيمها وترويضها، فإن اللغة الثورية التي وظفها حراك الشباب السوري في التظاهرات وميادين العمل الميداني المختلفة، أنتجت فكراً ثورياً جديداً، مختلفاً كل الاختلاف عن لغة ثورييّ الأمس، ثوريي أفكار وأحزاب ومخلفات الحرب البادرة وما بعدها. وهو أمر يفسر وجود هوة كبيرة بين خطاب الثائرين السوريين وخطاب مختلف مجالس وتنظيمات وهيئات المعارضة السورية، بل ويبدو أحياناً أن خطاب بعض شخصيات المعارضة المتقادمة، يفترق تماماً عن خطاب جيل الثورة الجديد، بل، ويقترب ويلتقي في أجزاء منه مع خطاب السلطة الاستبدادية. ومردّ ذلك إلى أنهم كانوا بعيدين عن الحراك ومفاعيله، ولم يشاركوا فيه، ويحاولون تسجيل مواقف، تدخل في باب فقه النكاية، مع بحثهم الحثيث عن دور تغزوه الشخصنة، وحافظوا على ذات الأفكار القومية واليسارية والإسلامية المتقادمة، وتملكتهم فوبيا التدخل الخارجي، ومازالوا يتمسكون بتلابيب المقولات الطنانة، الزائفة في جوهرها، فضلاً عن إصابتهم بأمراض تضخم الذات، المنخورة والجوفاء، وعدم تعودهم على العمل الجماعي والمؤسسي، وسوى ذلك كثير.

وفي المقابل، فإن السلطة الاستبدادية انتجت على مدار أربعة عقوة لغة استبدادية، بحيث باتت اللغة العربية التي يتكلم بها أهل الحكم لغة تسلطية قمعية، نتيجة الاستبداد المتعدد المركبات والحوامل. ويمكن تتبع الدور الذي مارسته لغة السلطة، عبر الشعارات الفارغة التي رفعتها، وأسهمت في تثبيت سطوتها وهيمنتها، ونشر ثقافة الخوف، وفي صناعة أسطورة الزعيم الأوحد، وتعزيز ديكتاتوريته، وفي شل قدرة الآخرين على المقاومة والرفض.

غير أن زمن الثورة حطم جميع دوائر الخوف، وكسر كل الحواجز، وأنتج لغة للشعار السياسي، ساهمت في كشف طبيعة لغة السلطة، التي تُعد نموذجاً للخداع والتضليل، وفي الوقت ذاته، أداة القهر الأساسية. وفقدت السلطة القامعة قدرتها في السيطرة على أفعال الناس، وبات أصحابها يدركون أن لا مكان لهم في العالم الجديد الذي خلقته الثورة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من دوما هلّت "بشاير" النصر

دمشق صبر درويش

المستقبل

25-11-2012

أنا من مدينة السلمية تقول فاطمة وأعيش في مدينة دوما منذ ما يقرب من خمسة عشر عاماً، لي منزلي ولي حياتي في هذه المدينة التي أقل ما يمكن أن أقوله عنها أنها مدينة أبية، أنا دومانية بقدر ما أنا سلمونية.

تنتمي مدينة دوما إلى ما يعرف بالغوطة الشرقية، وهو القوس المحاذي من جهة الشرق للعاصمة دمشق، يبلغ عدد سكان المدينة حوالي الثلاثمائة ألف نسمة، وهي بذلك تعد أكبر مدن الغوطة الشرقية؛ ومن المعروف تاريخياً عن المدينة طبيعتها المحافظة والمغلقة، كما من المعروف عنها تجانسها السكاني، فغالبية السكان من الإسلام السنة.

بدأت القصة في دوما عندما خرج بضعة شبان لم يكن يتجاوز عددهم العشرات- باعتصام من أمام مبنى البلدية، نصرةً لمدينة درعا، وتعبيراً عن رفضهم لما كان يجري هناك، تقول فاطمة: لم يرفع المعتصمون أي شعار، كان الاعتصام صامتاً تماماً، فجأةً بدأ رجال الأمن السوري بإطلاق النار على المعتصمين، وفجأةً سقط ثمانية شهداء على الفور؛ كان الموضوع صادماً، وكان السؤال حاضراً: لماذا؟

في اليوم التالي أيضاً خرج بضعة مشيعين لدفن الشهداء، ومرةً أخرى لم يتوانَ رجال الأمن عن إطلاق النار على المشيعين ليسقط حوالي ستة عشر شهيداً، في تلك اللحظات سيتذكر الجميع أن عنف رجال الأمن السوري هو من أيقظ مارد المدينة، فبعد هذه الأحداث ستنتفض المدينة عن بكرة أبيها، فدوما من سيُخرج إلى الشارع أكثر من مائة ألف متظاهر، وستكون دوما المدينة السباقة في رفع شعار اسقاط النظام، ومن تلك اللحظة سيواجه النظام السوري واحدة من أكثر المدن السورية تمرداً على حكمه.

روج نظام الأسد لرواية مفادها وجود جماعات مسلحة في المدينة، ممولة ومدعومة من قبل السعودية، وهو الشيء الذي حاول من خلاله تبرير اطلاقه النار على المتظاهرين. تقول فاطمة: كنت من أولى النساء اللواتي شاركن في التظاهرات، حتى أنني كنت المرأة الوحيدة في تلك الأثناء، كنت أبحث بجد عن أولئك المسلحين المزعومين، الذين يتحدث عنهم الاعلام الرسمي، في الحقيقة لم أعثر على أي مسلحين، لم يحمل المتظاهرون في أيديهم عصا أو سكين أو أي شيء يذكر، أنا التي رأيت ما كان يجري، كانت تظاهرات سلمية بالكامل؛ كانوا شباناً يملؤهم العنفوان والشغف، كانوا يأتون إلي ويطلبون مني العودة إلى منزلي كي لا أتأذى، كان خوفهم عليّ واضحاً، وكنت أبكي من فرحي، شبان شعرت أنهم جميعهم أبنائي وأخوتي.

في الحقيقة تعامل النظام مع الحراك الشعبي في دوما كباقي المدن السورية المنتفضة، وكان الخيار الأمني هو وسيلته الوحيدة للتصدي إلى مطالب المتظاهرين السلميين؛ وهذا الخيار هو الذي كان مسؤولاً عن كل ما جرى في المدينة ، تقول فاطمة: قوات الأمن ولا أحد سواهم من أحرق القصر العدلي في المدينة، وهم المسؤولون عن قتل شبان بعمر الورد. كان رجال الأمن يصطفون خلف بعضهم في مواجهة المتظاهرين، بينما يطلب ممن في المقدمة إطلاق النار على الناس، كان يقوم من في الخلف بإطلاق النار على كل من يرفض إطلاق النار من قوات الأمن، وهو شيء أشبه بالإعدام الميداني. وبعد ذلك يتم اتهام الجماعات المسلحة بذلك.

كان من أول شهداء دوما شابان من آل القادري، وللشهيدين قصة تكثف سيرة الممارسة الأمنية في المدينة، تقول فاطمة: طلب الحاجز الأمني المتواجد عند أحد الشوارع من الشاب التوقف، وعندما لم يفعل قاموا بإطلاق النار عليه ليردوه قتيلاً على الفور، صرخ أخوه فيهم وقال لهم أن أخاه أصم لا يسمع لذا لم يتوقف، فما كان منهم إلا أن أطلقوا عليه النار أيضاً ليموت من فوره. عشرات الحوادث من هذا النوع تؤكد الإجرام الذي تعاملت فيه قوات الأمن مع السكان السلميين، ولا شيء يدعو إلى التشكيك في هذه الشهادات، والتي وإن اختلفت مصادرها إلا أن مضمونها واحد.

تأخرت مشاركة نساء دوما في المظاهرات قليلاً، حيث بدأت من خلال المشاركة في تشييع الشهداء، ثم ما لبثت هذه المشاركات الخجولة أن توسعت، إذ سرعان ما بدأت المرأة الدومانية بالمشاركة في التظاهرات أسوة بغيرها من الناشطين، ثم راحت الناشطات ينظمن مظاهرات خاصةً بهن.

سرعان ما ستنخرط المرأة في دوما في جملة النشاطات الثورية السائدة، ستخرج للتظاهر، وستصطدم بقوات الأمن، وستكافح من أجل حماية الشبان المتظاهرين، ستحيك الأعلام وتكتب اللافتات، وستؤمن الطعام للثوار، وستساهم في علاج الجرحى، وستقف معتصمةً أمام المقار الأمنية للمطالبة بالمعتقلين. تستعيد فاطمة حادثة وقعت في مديرية الأوقاف في دوما، حيث اقتحمت النسوة هذا المقر، وقمن بتمزيق صور الرئيس السوري وصور أبيه، وبدأن بعدها باعتصام طالبين فيه بالإفراج عن المعتقلين، كل هذا ولم تتجرأ قوات الأمن على أن يتسببوا لهن بأي أذى، لمعرفتهم بأن التعرض للنساء سيثير موجةً عارمة من التظاهرات.

تروي لنا فاطمة عن أحد الحوادث: في إحدى المرات أصيب عدد من المتظاهرين برصاص قوات الأمن، فقمنا بنقلهم إلى المشفى، وعندما أتى رجال الأمن ليعتقل الجرحى تفاجأوا بوجودنا صفاً واحداً أمام المشفى، حيث أقسمنا على حماية الجرحى حتى لو تسبب ذلك بمقتلنا؛ وفعلاً استطعنا حماية الجرحى، كما استطعنا تهريبهم من المشفى بعد أن ألبسناهم لباس النساء حتى لا يراهم رجال الأمن.

تغص مدينة دوما كما باقي المدن السورية الثائرة، بقصص تروي المشاركة الفعالة للمرأة السورية في ثورة شعبها، حيث أننا سنجدها في كل المواقع أسوة بالرجال، وهو تغير طرأ على التركيب الاجتماعي السوري في ضوء الثورة الراهنة، وربما سنلمس أثره في المستقبل القريب، فالمرأة السورية مع الثورة لم تعد ضلعاً قاصراً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تقع حرب بين سوريا وإسرائيل؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

25-11-2012

رغم التهدئة النسبية في الصراع العربي - الإسرائيلي بعد الحرب الأخيرة على غزة، ووصول الطرفين إلى وقف لإطلاق النار، فإن القلق إزاء حرب سورية - إسرائيلية يظل قائما، وهو في أعلى مستوياته منذ بداية الأزمة في سوريا قبل نحو عامين، والسبب المباشر للقلق ما شهده خط وقف إطلاق النار بين الجانبين في الأسابيع الأخيرة، وكان في جملة ما حدث تطورات ثلاثة مهمة، أولها دخول قوات سورية مدرعة إلى منطقة محرمة طبقا لاتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل الموقع بينهما عام 1974. والثاني إطلاق نار سورية على سيارة ضابط إسرائيلي عبر الحدود، والثالث تبادل القصف المدفعي المتكرر لثلاث مرات عبر خط وقف إطلاق النار، حيث سقطت قذائف سورية في المنطقة التي تحتلها إسرائيل، وردت القوات الإسرائيلية بقصف أهداف داخل الأراضي السورية، وقيل إن آخرها في الأسبوع الماضي تسبب في مقتل ثلاثة جنود سوريين، وكلها تطورات لم تحصل على مدار نحو أربعة عقود مضت.

وأهمية التطورات السابقة من الناحية العملية مربوطة بتطور آخر له طابع سياسي - تنظيمي في التعامل الإسرائيلي مع الجبهة السورية - الإسرائيلية؛ إذ صدرت أوامر إسرائيلية برد فوري على أي خروقات عسكرية سورية على الحدود بخلاف القاعدة السابقة، التي كانت تقيد المستويات العسكرية المحلية في الرد على ما يمكن أن يشكل خرقا للهدنة من جانب السوريين، ويتم إخضاع الرد إلى دراسة الحالة.

ووفق تلك التطورات يمكن القول إن القلق قائم، خاصة بعد قيام القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية بإعطاء هذه التطورات أهمية كبيرة على الصعيدين الخارجي والداخلي؛ حيث تكررت في المستوى الخارجي الشكوى الإسرائيلية للأمم المتحدة حول ما اعتبرته خروقات سورية، مما يعطيها مشروعية لأي عمل عسكري مقبل على الجبهة السورية. وفي المستوى الداخلي ربطت القيادات السياسية والعسكرية التطورات على الجبهة السورية – الإسرائيلية بموضوع أمن إسرائيل، وهو الموضوع الذي ترتبط به حروب إسرائيل وعملياتها ضد الجوار، وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ذلك المحتوى بالقول، إن «الجيش الإسرائيلي مستعد للرد على أي تدهور يهدد أمن الدولة العبرية»، وهو أمر يعني تأكيد الجاهزية الإسرائيلية للدخول في حرب مع سوريا.

غير أن المقابل السوري للجاهزية الإسرائيلية لا يبلغ تلك السوية، والأمر في ذلك مرتبط في الوقت الحالي بما تشهده البلاد من أزمة، تستمر تفاعلاتها منذ نحو عامين، وكان من نتائجها انخراط الجيش السوري في عمليات أمنية عسكرية واسعة ضد قسم كبير من مواطنيه، تتواصل في مدن وقرى عبر معظم المحافظات السورية في عمليات، تشترك فيها مختلف صنوف الأسلحة، بما فيها سلاح الجو والقوى المدرعة.

والعامل الآخر المتصل بالجاهزية السورية تمثله استراتيجية دمشق في الصراع مع إسرائيل، والقائمة على حساباتها الخاصة، وهي ليست مرهونة بتطورات محددة أو بعمليات يقوم بها الإسرائيليون، والتي غالبا ما يقول السوريون في أعقابها، إن سوريا تحتفظ بحق الرد على نحو ما كانت الإعلانات، التي صدرت في أعقاب ضرب القوات الإسرائيلية موقع الخبر بالقرب من دير الزور، وفي ضرب مواقع فلسطينية بينها معسكرات الجبهة الشعبية - القيادة العامة في الأراضي السورية، وبعد تحليق الطيران الإسرائيلي فوق مواقع سورية حساسة وغيرهما قبل سنوات.

لكن ضعف أو عدم توفر الجاهزية السورية للدخول في حرب مع إسرائيل، لا يعني أبدا أن فكرة الحرب ليست حاضرة في الجانب السوري، بل هي حاضرة وتتوفر لها جاهزية سياسية قوية أيضا. فالسوريون لديهم حق قائم للدخول في حرب مع إسرائيل لاستعادة أرضهم المحتلة في الجولان منذ عام 1967. وقد فشلت كل الجهود التي بذلت لاستعادة تلك الأراضي بالجهود الدبلوماسية، والأمر الثاني في توفر الجاهزية السياسية على الجانب السوري يرتبط بواقع الأزمة القائمة، التي لم تتمكن السلطات السورية من حسمها، مما يضع أمامها خيار نقل الصراع باتجاه الخارج، وإسرائيل هي المرشح الأهم في هذا المجال، ليس فقط بسبب تاريخية الصراع وموضوعية استمراره، وإمكانية تحشيد السوريين خلفه، بل أيضا لأن السلطات السورية تربط بين الأزمة الداخلية والخارج، وإسرائيل في هذا الربط أبرز رموز الخارج، وكانت السلطات السورية قد أشارت مرات إلى ضبط أسلحة وأموال إسرائيلية لدى «العصابات المسلحة» و«الجماعات الإرهابية».

خلاصة الأمر أن احتمالات حرب سورية - إسرائيلية واردة، رغم اختلاف الجاهزية عند الطرفين، ومن شأن حصول تطورات دراماتيكية، سواء في الواقع الإقليمي أو في المستوى الداخلي، تبدل التوازنات القائمة حاليا، مثل دخول إيران القوي والحاسم على خط الصراع في سوريا، أو تعرض إسرائيل لهجمات صاروخية أو خرق ملموس لخطوط وقف إطلاق النار باتجاه إسرائيل، فإن ذلك أو بعضه سيجعل الحرب أمرا قائما بغض النظر عن اختلاف الجاهزيات بين سوريا وإسرائيل؛ ففي كل الحروب العربية - الإسرائيلية، لم تكن جاهزيات الأطراف الداخلة في الحرب على نفس المستوى والمحتوى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من دمشق إلى غزة.. هل من لعبة أمم جديدة؟!

د.عبدالله القفاري

الرياض

26-11-2012

العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، ليس كأي عدوان آخر. بدا أن توازن الرعب وليس توازن القوة، عاملٌ حاسم في الوصول الى اتفاق التهدئة. كما بدت التحولات الكبرى في المنطقة عاملا آخر في الضغط على اسرائيل للقبول بالاتفاق. وإذا سارت أمور الاتفاق ونفذت بنوده فسيكون حتما انتصارا للمقاومة الفلسطينية في القطاع التي ستكسب رفع الحصار عن غزة واستعادة الثقة بقدرتها على مواجهة العدوان.. مهما بدت ادعاءات اسرائيل او محاولتها وضع الاتفاق باعتباره ضامنا جديدا لأمنها، الذي بدت منظومته القديمة تتزعزع على وقع الأحداث والتطورات المتسارعة في المنطقة.

الصراع الأكبر اليوم على سورية الجديدة. فرنسا وبريطانيا قدمتا دعماً كبيراً لائتلاف المعارضة السورية من خلال الاعتراف به ممثلًا للشعب السوري، بينما الولايات المتحدة الأمريكية لازالت تعمل بطريقة اخرى لإعادة إنتاج النظام الجديد من جسد النظام المتهاوي

هل يمكن الفصل بين العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة وتداعيات الثورة السورية؟ الحرية المخضبة بالدماء لايمكن تجزئة عناوينها.. ما بين فلسطين وسورية لن يكون خارج حسابات إسرائيل او النظام السوري وحتى الولايات المتحدة الامريكية.

القراءة الهادئة بعد ابتلاع مرارة هول الهجوم.. ثم مقدرة المقاومة على إحداث نوع من توازن الرعب رغم الفارق الهائل في موازين القوة .. والحراك الدولي السريع لمحاصرة هذه المواجهة .. يكشف عن أبعاد بحاجة للقراءة لاكتشاف إن كان ثمة علاقات تجعل مثل هذا الهجوم والآثار المترتبة عليه في هذه المرحلة جزءا من لعبة أممية تستهدف ما هو أبعد من حماس أو قطاع غزة.

خلط الاوراق لعبة أممية تتكرر في مشاهد الصراع الخفي منه والمعلن. ما أن أُعلن عن الائتلاف السوري لقوى المعارضة قبل أسبوع حتى بدأ تحريك مخطط استهداف القطاع. هل كان هذا التزامن مصادفة أم محاولة لخلط الاوراق في مرحلة حرجة من عمر الثورة السورية؟

سيكون العبء كبيرا على حماس في المرحلة القادمة لضمان شروط الاتفاقية الجديدة، فبعض فصائل مقاومة فلسطينية في قطاع غزة لازالت ترتبط بعلاقات قوية بالنظام السوري وبحزب الله وبالنظام الايراني.. وسيكون ضررا فادحا لو عملت على إسقاط اتفاقية التهدئة بعمليات غير مسؤولة في محاولة لتخفيف الضغط عن النظام السوري وإضعاف التنامي المتصاعد للثورة السورية، خاصة مع التطورات الاخيرة التي أفرزت ائتلافا عريضا لقوى الثورة والمعارضة، والتي من المنتظر ان يترتب عليها استحقاقات دولية لا تحتمل التأجيل.

الضامن المصري سيضع حماس في موقع المسؤولية الكبرى لضمان الاتفاق لتجني غزة ثماره بفك الحصار واستعادة الحياة ومعاودة التحرك نحو المصالحة الفلسطينية في مرحلة مختلفة في المنطقة وحاسمة في تأثيراتها على القضية الفلسطينية.

تدرك حماس لعبة بعض الفصائل في القطاع، وتعاني من عمليات لا تصب في مصلحة القطاع ولا المقاومة الفلسطينية في هذا الوقت.. خاصة وأن حماس قد حددت خياراتها في الانحياز لثورة الشعب السوري..

الصراع الأكبر اليوم على سورية الجديدة. فرنسا وبريطانيا قدمتا دعما كبيرا لائتلاف المعارضة السورية من خلال الاعتراف به ممثلا للشعب السوري، وهو ما يفتح أفق اعتراف الاتحاد الأوروبي الأوسع، بينما الولايات المتحدة الامريكية لازالت تعمل بطريقة اخرى لإعادة انتاج النظام الجديد من جسد النظام المتهاوي. لا شيء يقلق اسرائيل ويثير الرعب في أوصالها كتصورها أن منظومتها الأمنية الحدودية تعرضت لأكبر عملية تخريب بعد عقود من الاستقرار.

الصراع الأممي اليوم على سورية.. بين نظام سيرحل وبين نظام يتم هندسة علاقاته ورؤيته وماهيته. الولايات المتحدة الامريكية لم تخف ترددها وضعف حماسها بل ومعارضتها لقوى المعارضة السورية تحت حجج وجود القوى الجهادية التي لا تخشى أكثر منها على أمن اسرائيل.

ظلت لغة الرئيس والدبلوماسية الامريكية تخفيان أكثر مما تظهران.

سلوك الادارة الامريكية تجاه سورية يفضح الكلمات الميتة التي لم تقدم للثورة سوى تصورات مبتورة عن سياقات عملية يمكن الركون إليها. لا أكثر وضوحا من تصريحات الرئيس أوباما الاخيرة التي تخشى من الثورة السورية على اسرائيل.

هنا يُكشف سر التراخي والتماهي وارتباك السياسة الامريكية.

مهما بدا للبعض التناقض بين الادارة الامريكية، والنظام السوري فإن ثمة علاقات وحسابات تجري تحت الطاولة.. ليس من السهل ان تصنع الادارة الامريكية بديلا كنظام الاسد.. ولذا بدا الصراع جليا في الايام الاخيرة.. إنه صراع اوروبي - امريكي يتزاحم في تقرير مستقبل سورية.. وطبيعة النظام القادم.

العلاقات الامريكية بالنظام الايراني ليست كما يصورها إعلام منغلق على تصريحات سياسيين يخفون أبعاد تلك العلاقة والتفاهمات حولها. المحور الايراني - العراقي - السوري يحظى برضا أمريكي مهما بلغت لغة الاحتجاج او التعارض بين المصالح. هناك سياق كبير وعريض تجري فيه علاقة تصنع على عين الأحداث. على الرغم من بعض التعارض في المصالح نتيجة لتطلعات قوى اقليمية كإيران باتت ترى أن معركتها الكبرى اليوم في سورية.

يبدو أن حسابات الحقل في اسرائيل لم تنطبق على بيدر المقاومة.. كانت حسابات الحقل تقوم على محاولة ضرب عصفورين بحجر واحد.. نزع سلاح المقاومة خاصة مع تطور القوة الصاروخية للمقاومة الفلسطينية. والأمر الآخر استفراغ الجهود في المنطقة والعالم تجاه موضوع غزة في محاولة لتخفيف الضغط الدولي على النظام السوري، وتقديم المزيد من الفرص لإعادة هيمنته على المفاصل الحساسة في سورية.. والتي فقدها خلال الاسابيع الماضية.. وكذلك إضعاف الائتلاف الواسع للمعارضة وقوى الثورة السورية أمام استحقاقات دولية وعربية تنتظر الوفاء بها.

خلط الأوراق لعبة تبرع بها بعض القوى في الازمات المستحكمة. حزب الله يناصر المقاومة الفلسطينية في غزة.. ويدعم النظام السوري الذي أوقع بالسوريين أبشع العذابات والقتل وصنوف التشريد. معادلة لن تمر مرور الكرام في مواقف تجلت خلال عامين بعد انكشاف غمة بلدان عربية ودّعت الاستبداد وبدأت مشروع بناء نظم تستجيب لحس شعوبها رغم التراكمات والازمات والاختناقات التي تواجهها اليوم. ولن ينقذ النظام الايراني دعمه للمقاومة الفلسطينية .. وهو يقتل طلاب الحرية في سورية.

أما تلك العلاقة بين الادارة الامريكية والنظام الايراني وحلفائه فهي بدت اليوم تتكشف عبر سلوكيات فضحتها الثورة السورية.. ولا زالت تكشف عن حدة الصراع حول مستقبل سورية وطبيعة الصراع بين القوى الكبرى والاقليمية في تقرير مستقبل هذا البلد المثخن بجراحه، والذي لازالت كل ليلة تمر عليه تجلب المزيد من العار على هذا العالم الذي لم يعد يكترث لمصير 40 ألف قتيل ومليونيْ مشرد وعشرات الالاف من المفقودين والمعتقلين.. وبلد تعرض نصفه للدمار.

لن تكون القضية الفلسطينية سوى في عين وقلب الشعوب العربية التي تتوق لانتزاع حريتها وكرامتها وحقوقها. المغتصب المحلي ليس أقل عدواناً وكارثية من المغتصب الأجنبي.

فلسطين تحررها العقول والنفوس والسواعد التي تؤمن بالتوازن الحضاري مع العدو.. وتؤمن بأن الحرية لا تتجزأ، وأن تحرير الذات من طغيان نظم البغي والعدوان هو الطريق لتحرير فلسطين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دولة إسلامية عادلة أم مشروع للتقسيم؟

بكر صدقي *

الإثنين ٢٦ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

ظهر شريط فيديو قبل أيام، نشاهد فيه طاولة اجتماعات كبيرة جلس حولها قادة ميدانيون لتشكيلات عسكرية عاملة في حلب وريفها، قرأوا بياناً يعلنون فيه رفضهم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الذي تشكَّل مؤخراً في الدوحة، وعزمهم على إقامة «دولة إسلامية عادلة» على أنقاض نظام الأسد الذي يقاتلون قواته.

ظهرت للتو ردود فعل صاخبة على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» من البيئة العلمانية المعارضة، يمكن تشبيهها بمؤشرات البورصة في حالات غير عادية حين تسجل صعوداً أو هبوطاً حاداً.

حدث أمر معاكس قبل فترة قصيرة، في الواقع «الواقعي» بدلاً من الواقع الافتراضي: فقد خسرت الليرة السورية من قيمتها أمام الدولار والعملات الأخرى، في أعقاب الإعلان من الدوحة عن ولادة الكيان السياسي الجديد «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، من نحو 75 ليرة سورية للدولار الواحد إلى تسعين، في غضون بضعة أيام فقط. ومن المحتمل أن تواصل قيمة الليرة الانخفاض إذا ظلت العوامل الأخرى المؤثرة ثابتة أو عززت هذا الاتجاه.

الشكوى من صعود المجموعات الإسلامية في الثورة السورية ليس جديداً، فلم يبخل الإعلام الخليجي والغربي من جهة، والأسدي والروسي والإيراني من جهة ثانية، في إبراز تلك المجموعات المسلحة بصورة مضخمة، كلٌّ لغاياته الخاصة. نعرف منذ حين بوجود جبهة النصرة وكتائب أحرار الشام وكتيبة غرباء الشام ومجموعات سلفية أخرى متفاوتة الحجم والقوة. نعرف أنها لا تقاتل من أجل إقامة دولة ديموقراطية علمانية، بل دولة إسلامية مرجعيتها الشريعة. ما الجديد إذن في «بيان حلب»؟

الجديد هو رفض المشاركين في إعلانه لائتلاف قوى المعارضة والثورة الذي تم إطلاقه بعد مفاوضات شاقة في الدوحة. هل هذا يعني أن الدولة أو الدول الممولة للتشكيلات المذكورة ليست راضية عن تأسيس الجسم الجديد للمعارضة؟ أم أن قوى معارضة سورية كانت منتفعة من الجسم القديم «المجلس الوطني» هي التي تقف وراء بيان حلب، لأن استبداله بالجسم الجديد أضر بمصالحها؟ لا نعرف تماماً، لكننا نرجح الاحتمال الثاني بالنظر إلى تشنج كثيرين من المجلس الوطني حين طرح رياض سيف مبادرته، التي انتهت إلى الإعلان عن قيام الائتلاف الجديد.

أما عن الجهة المستفيدة من إطلاق بيان حلب، فلا يتطلب الأمر كثيراً من الذكاء ليقرر أي مراقب محايد أنه النظام السوري حصراً. هذه ربما آخر محاولات إخافة العلمانيين والأقليات من سقوط النظام، كما أنها محاولة لإفشال الائتلاف الجديد «من الداخل» بعد الزخم الذي اكتسبه من اعتراف بعض الدول به ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري (فرنسا وتركيا وإيطاليا وبريطانيا) واعتراف دول أخرى بأنه «ممثل شرعي لتطلعات الشعب السوري»، وتصاعد الحديث عن احتمالات تزويد المقاتلين بالسلاح.

الولايات المتحدة التي رحبت بقيام الائتلاف المعارض بحذر، تكرر يومياً رفضها تسليح المقاتلين، خشية «وقوع السلاح في الأيدي الخطأ». ها هو بيان حلب يعلن بوضوح أن أصحابه هم «الأيدي الخطأ».

ولكن بعيداً من هذا البيان–الفضيحة، الذي تبرأت منه مجموعات مسلحة إسلامية كثيرة، ما معنى إقامة دولة إسلامية في سورية؟

معناه أن الأقليات الدينية والمذهبية وحتى القومية (الكرد) سيعملون على الانفصال تماماً عن سورية الإسلامية المفترضة، ومعناه قبل ذلك اندلاع حروب أهلية مديدة حول فكرة الدولة الإسلامية بين مسلمين ومسيحيين، وبين مسلمين سنة وعلويين وجماعات مذهبية أخرى، وبين عرب وكرد، وأخيراً بين «العلمانيين» والإسلاميين، فإذا كان جميع المراقبين يقر بعدم قابلية النظام الحالي للاستمرار في الحكم ك «حامٍ للأقليات» على قول سيرغي لافروف، بقي لدينا التقسيم حًّاً وحيداً للمشكلة، وهو أمر بات الروس مؤخراً يجهرون بأنه أحد خياراتهم المطروحة. أما فرنسا، فهي صاحبة سبق في هذا الموضوع، حين كانت منتدبة على الكيان السوري الناشئ، وقد ذكَّرَ مندوبها في الأمم المتحدة قبل حين بالوثائق الموجودة في وزارة الخارجية الفرنسية بخصوص الدولة العلوية التي طواها التاريخ.

لعل الخاسر الأكبر من تواتر الحديث عن الدولة الإسلامية هو، للمفارقة، الإسلاميون أنفسهم، فمنذ أن دخلت المسألة السورية سوق التدويل الواسع، لم يعد تقرير مصير سورية ملكاً حصرياً لأبنائها. كلما توحدت قوى المعارضة على الأهداف زادت حصة السوريين في تقرير مصيرهم، وبالعكس: كلما تفرقت قواهم وتعددت رؤاهم لسورية الغد تضاءلت مساهمتهم الإجمالية في تقرير مصيرهم لصالح القوى الدولية. بعد سقوط النظام وقيام جمهورية ديموقراطية علمانية، سيحظى الإسلاميون بفرصة التنافس السلمي على السلطة العمومية لتحقيق رؤاهم الأيديولوجية، وسيتوقف فوزهم بأصوات الناخبين على مدى قدرتهم على إقناع الناس، في حين أنهم يضيعون هذه الفرصة بصورة نهائية بإعلان نيتهم في إقامة دولة إسلامية ارتبطت في الوعي العام بتجارب لا تتمتع بأي جاذبية كحال أفغانستان وغيرها.

أما النظام، فهو -لحسن الحظ- غير قادر على الاستفادة من أي شيء لتأمين بقائه، فهو ماضٍ بإهدار كل أوراق القوة التي امتلكها، لا بشطارته بل بالحظ المتمثل في وقائع الجغرافيا السياسية وحدها. بعبارة أخرى، سينسى الناس سريعاً بيان حلب حول الدولة الإسلامية، في حين تواصل الليرة انخفاضها والنظام اقترابه من لحظة الانهيار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني السوري في خطر

طريف الخياط

الشرق الاوسط

26-11-2012

ولد الائتلاف الوطني السوري، ومرة أخرى يكون المولود جسما توافقيا بين كتل سياسية. يبدو أن تلك الصيغة كانت الأمثل تكتيكيا للتهرب من مبادرة رياض سيف كما طرحت بادئ الأمر، أي «هيئة المبادرة الوطنية»، والتي بدت مهددة بالنسبة للبعض، من حيث إن الهيئة المقترحة تمثيلية، وهي بذلك تضع حدا لنفوذ أحزاب وكتل «تغرف» قراراتها من مكاتبها السياسية وتفرغها بتناقضاتها في جوف التكتل السياسي الأوسع الذي تسيطر عليه، وهو في حالتنا «المجلس الوطني السوري».

يعتقد الكثيرون أن ذلك الحال قد استدعى حملات لتشويه المبادرة عبر لصق تهم مسبقة الصنع أقلها الارتهان للخارج بما يوحي بالعمالة له، وقد طالت تلك التهم أيضا شخصية رياض سيف (الذي اقترح المبادرة) وتاريخه الوطني. ويبدو أن بعض الأحزاب قد غاب عنها ارتباطاتها الإقليمية والدولية، عدا عن الارتباطات الحزبية العابرة للحدود، وسهولة نقلها للبندقية من كتف إلى كتف حسب الظروف، وربما مرد ذلك لقناعة راسخة في كوادرها، أنهم و«جماعتهم» فوق النقد. لا يغيب هنا ذكر لتيار آخر، بدا أن أهم خفايا وخلفيات تعطيله لمشروع المبادرة، تعود إلى خلافات شخصية معروفة في كواليس السياسة السورية.

الهيمنة والشخصنة واللهاث على حجز الحصص من كعكة لا تزال في الفرن، ومهددة بأن تحترق في غفلة الانشغال بالخلافات المصلحية الضيقة. تلك أهم الأسباب التي دفعت البعض للوقوف في وجه المبادرة - الائتلاف، وأيضا فإنها نفس الأسباب التي عطلت عمل المجلس الوطني منذ تأسيسه إلى اليوم، والذي ظنت مكوناته أن من دعمهم ووقف معهم سيستمر على تلك الحال إلى الأبد، فغياب العمل الفاعل والانكشاف من الدعم الشعبي، دفعت الكثيرين لفقدان الأمل بالفاعلية السياسية من جهة، والتشكك بالشرعية التمثيلية لأولئك السياسيين وكياناتهم من جهة أخرى.

لم تكن كلينتون هي من أطلق الرصاصة الأخيرة، بل تراكم اللافعل في سجل متردي الأداء، والعجز حتى في شأن داخلي كالمتعلق بإعادة الهيكلة، ليبدو المجلس في صيغته الأخيرة كما لو أنه تحول إلى معارضة اللون الواحد والحزب الواحد، بل الجنس الواحد حيث غابت المرأة عن أمانته العامة كليا، وهو بالتالي كان عرضة لانسحابات متتالية بين أعضائه، خصوصا في فئة الشباب التي عانت بدورها من الإهمال، فوجد المجلس نفسه مضطرا لتجميل الصورة الخارجية باستخدام شخصية من الأقليات الدينية لها تاريخها النضالي؛ حيث تم تقفيزها إلى سدة الرئاسة دون انتخاب!

هناك محترفون في أحابيل السياسية، لكن توجيه السهام إلى الشركاء دون النظام، قد دفعت بمن يستحوذ على قرار المجلس الوطني إلى الموافقة على المبادرة بتحويلها إلى ائتلاف، وذلك بعد ضمان حصة الثلث المعطل بنصيب 21 مقعدا، عدا عن أسماء تنتمي أو محسوبة على كتل مجلسية، حجزت أماكنها في الجسم الجديد تحت مسميات شتى.

ثم خرج الائتلاف إلى العلن، وانتخب أحمد معاذ الخطيب رئيسا لأكبر تشكيل معارض، كشخصية مستقلة من خارج الكتل المتخاصمة والمتناحرة، واستطاع أن يسترعي اهتمام الداخل كما الخارج بخطابه المتوازن، وبدا رجلا صادقا لا سياسيا متلونا، حافظ على ثوابت مناهضة للطائفية منذ بدايات الثورة، فكان أن حظي بالشعبية والاحترام لدى جميع فئات الشعب السوري الاجتماعية، ومختلف اتجاهاته السياسية.

وعلى الرغم من أن الائتلاف قد حصل على اعترافات دولية مهمة، تفاوتت من حيث الصفة التمثيلية للشعب السوري، لكن لم يمض أسبوع على تشكيله إلا وبدأت تتناثر على صفحات ال«فيس بوك»، اتهامات بأن الدعم الدولي ليس بريئا ومرده إلى اتفاقيات مذلة لسوريا وشعبها. ومع الأخذ بعين الاعتبار، أن هكذا تفاهمات ليست من صلاحيات الائتلاف، يبدو أن صعوبة النيل من شخصية الخطيب قد دفعت جهات مجهولة لمحاولة تشويه صورة الجسم الذي يرأسه، وترافق ذلك مع تهديدات - عبر وسائل إلكترونية - لمعارضين معروفين بشن حملات تعريض بالسمعة في حال استمروا بانتقادهم لبعض الأطراف. يغيب عمن يمارس أفعالا كتلك، أنه يسهم بتفريغ الساحة السياسية من الشخصيات الوطنية المعارضة، ويزيد من واقع الفرقة والتشرذم.

يلاحظ المتتبع لخريطة المعارضة السورية، أن الصراع يجري بين أحزاب وتشكيلات سياسية، تحتاج إلى مشعوذ محترف بعلوم الغيب والتنجيم والفلك ليستنبط حجم شعبيتها وتمثيلها على الأرض، ويبدو أن الحال لم يختلف كثيرا بعد تشكيل الائتلاف؛ حيث إن هناك من يحاول تجاوزه في مسعى للتحرك السياسي والظهور الإعلامي بشكل منفرد، مهددا بذلك أكبر مظلة جامعة للمعارضات السورية. فهل يستحق ملايين المشردين والجوعى، وألوف المعتقلين والشهداء، معارضة على هذه الشاكلة؟ وهل يفكر بعض المعارضين بالتداعيات الكارثية والفوضى المقبلة واستشراء التطرف، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه؟ ثم إن العودة خطوة للوراء ستحمل بلا شك انعكاسات داخلية مباشرة ونفسية، وأخرى دولية سياسية خطيرة، قد تطيح بصورة مستقبل ديمقراطي، يحلم به السوريون.

إن حماية الائتلاف أمر لا سجال فيه، فمزيد من الفشل لأسباب تتعلق بالأمراض المزمنة للمعارضة، سيجعل كثرا من السياسيين السوريين، شركاء بدم الشعب إلى جانب النظام.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تجمع المعارضة السورية الأخير.. ما الذي تغير؟

تقرير خاص - (الإيكونوميست)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

الغد الاردنية

26-11-2012

في أعقاب شهور من الاقتتال الداخلي والارتباك، كانت التوقعات عشية انعقاد اجتماع المعارضة السياسية السورية منخفضة الوتيرة. لكن السوريين والمتتبعين للشأن السوري تشجعوا بحذر بعد النتائج التي تمخضت عنها الاجتماعات الأخيرة التي انعقدت في العاصمة القطرية، الدوحة. وبعد أيام من المباحثات، وفي وقت متأخر من ليل الأحد، 11 تشرين الثاني (نوفمبر)، وافقت مجموعات المعارضة، بشكل مؤقت، على تشكيل جسم جديد هو الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة.

وبعد الاتفاق، أصبح الرجل المسؤول هو معاذ الخطيب، الإمام السني من دمشق. ويحظى نائباه، رياض سيف، وسهير الأتاسي، باحترام كبير في داخل سورية وخارجها على حد سواء. ورياض سيف، هو رجل الأعمال والبرلماني السابق والذي حدد الشكل الذي ستأخذه المجموعة الجديدة؛ كما أن سهير الأتاسي هي الناشطة النسوية التي تنحدر من عائلة سورية معروفة جداً، ما سيضفي المصداقية على المجموعة. وعلى العكس من العديد من ساسة سورية المنفيين في الخارج، كان هؤلاء الثلاثة قد غادروا سورية مؤخراً وحسب، وهم يتمتعون بعلاقات قوية مع أولئك الناس الذين تركوهم في الوطن. وكانت كلمة القبول التي ألقاها السيد الخطيب دعوة تأكيد على الحاجة إلى وضع حد للعنف في كل أنحاء سورية.

وكانت قد ساعدت في تسريع خلق المجموعة ضغوط ووعود بالمال من الأجانب، وخاصة كلا من أميركا وقطر. ووفق تقارير نشرتها صحيفة "النيويورك تايمز"، فقد زينت السلطات القطرية قاعة الاجتماعات بصور لسوريين وسط ركام منازلهم، من أجل التشديد على الحاجة للوحدة. وقد ساعد هذا في التغلب على العائق الأكبر: إقناع المجلس الوطني السوري، التجمع المظلة الذي ظل حتى الآن بمثابة الممثل الرئيسي للمعارضة، بالانضمام إلى الائتلاف. وأقدم المجلس على هذه الخطوة بعد أن وافقت المجموعة الجديدة على رفع عضويته إلى 40 %. ويمهد تشكيل الائتلاف الطريق أمام زيادة التمويل والاعتراف الدبلوماسي، ربما ابتداء من الشهر المقبل في مؤتمر أصدقاء سورية المقرر أن ينعقد في المغرب.

وبمشاركة ممثلين عن كل واحدة من المحافظات السورية، تأمل المجموعة بأن تكون على اتصال أكثر مع السوريين على الأرض. وإذا شكلت المجموعة مجلساً عسكرياً، فإنه سيكون بإمكانها تقديم بعض الإشراف المدني لأولئك المنخرطين في القتال. كما سيكون بإمكانها المساعدة في تحويل الأسلحة من قطر وليبيا والعربية السعودية، وربما أيضاً من بريطانيا في حال صحت التقارير التي تحدثت عن شعور رئيس الحكومة البريطانية، ديفيد كاميرون، بالتشجع لفكرة تسليح الثوار السوريين.

لكنه يترتب على الائتلاف الجديد أن يثبت قدرته على تفادي الأخطاء التي ارتكبها المجلس الوطني السوري الذي تعرض للانتقادات بسبب وضعه صيغ وثائق سياسة بلا نهاية على حساب المهمات العملية التي تتعلق بالحصول على مساعدات للاجئين والمشردين داخلياً.

وما يزال من غير الواضح ذلك التأثير الذي ستحظى به المجموعة في سورية ما لم تستطع الاتحاد مع باقي مجموعات الثوار المختلفة. وعلى النقيض من المجلس الوطني الانتقالي الليبي، فإن الائتلاف ربما يظل عالقاً خارج سورية. وبينما دعا السيد الخطيب إلى وضع حد للعنف، فإن آخرين يبدون ميالين إلى استمرار القتال. وقد تضمنت الاتفاقية فقرة تجعل من المستحيل عقد أي نوع من المفاوضات مع النظام، كما أن جورج صبرا، المسيحي والشيوعي السابق الذي كان قد انتخب مؤخراً رئيساً للمجلس الوطني السوري، دعا إلى تسليح المعارضة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا المجلس الجديد يشكل خطوة إلى الأمام، في تشكيلته على الأقل. وعلى عكس المجلس الوطني السوري الذي ما يزال الإخوان المسلمون يهيمنون عليه، فإن أمثال السيد الخطيب وسيف والسيدة الأتاسي والسيد صبرا يشكلون تذكرة بالطبيعة التعددية التي تنطوي عليها المعارضة للنظام السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*

مبادرة الابراهيمي لإنقاذ الأسد

كتب بواسطة: الدكتور حسان الحموي

تصنيف المقالة: تحرر الكلام

تاريخ النشر: 2012/11/25 - 09:49 AM

في الأيام الأخيرة بدأت قوّات الأسد تتراجع نحو دمشق ؛ خاصة مع تزايد أعداد الجيش السوري الحر ، و تركيز عملياتها في العاصمة؛ لأنهم كانوا منذ البداية يدركون أن معركتهم الحقيقية هي في دمشق ولكن نقص العدة والعتاد كان السبب الرئيسي في تأخر تنفيذ هذا الخيار.

بالأمس صرح رئيس الأركان في الجيش السوري الحر لوكالة الأناضول للأنباء "إنّ أعداده فاقت أعداد قوات الأسد التي "بدأت التخلّي عن المناطق البعيدة وتركز ثقلها في العاصمة"، لافتاً إلى أنّها "الخطوة الأولى باتّجاه معركة دمشق الكبرى"..

وأضاف " أنّ "الثوّار بدأوا يلتمسون الآثار الإيجابية لهذه الخطوة؛ حيث يتمّ حصد نتائجها في عدّة مناطق، وبالتحديد في دير الزور والميادين وإدلب وحلب"..

وأن هناك "إرباك كبير" يعيشه النظام مع احتدام معارك دمشق؛ باعتبار أنّ للعاصمة أهمّية إستراتيجية، و"سقوط النظام سيكون هناك".

و"بدل أن يرسل النظام قوّاته إلى المناطق التي تشهد معارك في الأطراف نراه يغادرها متوجّهاً بقوّاته إلى العاصمة، وقد سحب مؤخراً عدداً كبيراُ من العناصر من حمص باتّجاه دمشق"..

وفي هذا السياق فقد تم مؤخراً تشكيل لواء عسكري نوعي في دمشق وريفها، يضمّ نخبة من قوات الجيش الحرّ؛ استعداداً لما وصفوه بال"معركة الفاصلة لتحرير العاصمة السورية"..

وهو الأوّل من نوعه بمنطقة دمشق وريفها، يضمّ عدة كتائب مختارة، كما ينضوي تحته لواء مخابراتي مهمّته كشف الاختراقات التي قد تقع في صفوف الجيش الحرّ، بتدبير من حكومة الأسد ...

كل هذه المتغيرات دفعت الابراهيمي إلى مسارعة الخُطى نحو انقاذ ما يمكن انقاذه من بقايا نظام الأسد من خلال خطته الجديدة القديمة التي ينوي عرضها على مجلس الأمن يوم الخميس المقبل حسب لوفيغارو الفرنسية تحت ما يسمى الخروج من الأزمة السورية ، والتي تقضي بتشكيل حكومة انتقالية حتى العام 2014 والأسد يبقى من دون صلاحيات ...

وتنص الخطة على تشكيل حكومة انتقالية وطنية تتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية لقيادة سورية حتى العام 2014 ، تاريخ إجراء انتخابات رئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة.

ووفق ورقة الإبراهيمي فإن الحكومة الانتقالية يجب أن تضم أعضاء من المعارضة وشخصيات من النظام غير متورطة بعمليات القمع.

وتشير الخطة الى أن بشار الأسد يكمل ولايته، ولكنه لا يحتفظ إلا بدور تمثيلي .

ولكن الإبراهيمي ، يبقى غامضا لجهة حق الأسد في أن يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة ؟! ، استجابة لمطالب روسيا و ايران.

وهو ما برح يمهد بتصريحاته بين الحين والآخر لخطورة الوضع في سورية ، وأن سورية ذاهبة الى الصوملة لا محالة، بغية اقناع الأطراف السورية بقبول خطته كخيار وحيد لإنهاء الأزمة.

ولأنه يعلم أن الائتلاف الوطني السوري غير مستعد للتفاوض مع الأسد ولا يقبل بوجود الأسد على سدة الحكم ، لذلك هو يستعين اليوم بالحكومة المصرية لتسويق خطته هذه، على غرار تسويق خطة الهدنة بين حماس والكيان الصهيوني.

وفي هذا السياق تأتي "الزيارة التي ينوي وفد من هيئة تنسيق قوى التغيير القيام بها إلى موسكو في الثامن والعشرين من الشهر الحالي تلبية لدعوة رسمية، والتي تهدف إلى إيجاد حل تُجمع عليه الدول الخمس الدائمة العضوية ويكون مُلزماً لها و"لسماسرتها الإقليميين"، حسب وصف هيثم مناع الذي اتهم خطاب المعارضة (( الائتلاف الوطني السوري)) كعادته بالشعبوي و المزاود، وأضاف بأنه "للأسف، تم بناء فريق سياسي يعتقد أن الحرب على سوريا هي الطريق الوحيد لإسقاط النظام، أي إدخال البلاد والعباد في نفق لا نهاية منظورة له".

لكن الثوار من خلال انتصاراتهم على الأرض يؤكدون أنهم غير قلقين على صوملة سورية وانما قلقون على صوملة روسيا وايران وأمريكا:

وأن الثوار لن يسمحوا لمبادرات الابراهيمي بالعبور إلا على أجسادهم الطاهرة.

فاليوم دمشق كلها تشتعل ولا يوجد مكان هادئ للعمل السياسي

ففي كل شوارع دمشق هناك اشتباكات وانفجارات؛ حتى في ساحات

الامويين والعباسيين والمزه وبرزه ، و شارع بغداد وساحة السبع بحرات، عدا عن المنطقة الجنوبية كلها بدءا من القدم وعسالي وكفرسوسة والحجر الأسود ومخيم اليرموك والتضامن .

بالإضافة الى الريف الدمشقي الذي بات محررا سوى من قصف طائرات النظام التي تتساقط تباعا على ايدي المجاهدين، و الاشتباكات اليومية على كل الطرقات المؤدية الى دمشق.

فثوار دمشق اعلنوها حرب حتى اخر نقطة دم شهيد ، ولن يقبلوا بتلك الحلول الهزلية بعد اليوم، لأن زمن السياسة لم يحن بعد ، و هذا زمن الانتصارات والمعارك ، ولا حياة للجبناء والعملاء في سوريا بعد اليوم.

فسوريا غير مستعدة لإنقاذ الطاغية من مصيره المحتوم مهما كانت كلفة هذا الخيار، والسوريون اتخذوا قرارهم وتوكلوا على الله فهو ناصرهم وهو مولاهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معركة دمشق أولا

كرم يوسف

2012-11-26

القدس العربي

بالتحديد، ومع المقدم السوري حسين هرموش في 9 حزيران/يونيو 2011 تغيرت الكثير من موازيين الثورة في سوريا، فهو ولسنين كثيرة كان يخدم هذا النظام، ويدرك ألا سبيل لانتصار الثورة التي تجري في بلده، ما لم يقابل سلاح النظام الذي لم يتحرك من مخازنه، قبل سنين كثيرة إلا من خلال مواجهته بالسلاح وذلك في تحرك الشعب السلمي المطالب بالديمقراطية في بداية الثورة، انشقاق هرموش المجهول المصير بعد خطفه، واعتقاله على يد أجهزة الأمن السورية، لم يكن الأول على صعيد الانشقاقات العسكرية، فقد سبقه انشقاق المجند وليد القشعمي، والملازم أول عبدالرزاق طلاس، ولكن الهرموش كان صاحب فكرة التنظيم العسكري للمنشقين عبر 'لواء الضباط الأحرار'، ومما لا شك فيه أن الانشقاق من المؤسسة العسكرية كان له انعكاسه على كل المحافل الدولية، وعلى دول كثيرة تبنت من جهتها دعم، وتسليح هذا الانشقاق الذي تطور إلى جيش حر على يد رياض الأسعد في شهر تموز من العام الفائت، ولا توجد الآن بقعة في الجغرافية السورية، إلا وتجري فيها معارك الجيش الحر، أو أن يكون هناك منضمون للقتال في صفوفه في المناطق التي حصنها النظام، إلى الدرجة التي وصلت أن يُحيّا الجيش الحر في كل مظاهرة، ويكون أمل السوريين في إنهاء سنوات الغبن التي جاءت مع استلام حافظ الأسد للسلطة عبر إنقلاب عسكري، وإنهاء المذابح اليومية التي يرتكبها جيش إبنه الذي ورث السلطة عن أبيه.

استطاع الجيش السوري الحر، ومنذ لحظة إنطلاقته، تحرير العديد من المناطق في سوريا، والتي يقدرها هو مابين 60 إلى 70 بالمئة، ولاشك الرقم هنا ليس دقيقاً، فهناك محافظات بأكملها خارج نطاق أي نزاع مسلح مثل محافظات طرطوس، والسويداء، واللاذقية باستثناء جبل الأكراد ومحيطها، بالإضافة إلى أماكن التواجد المسيحي، والعلوي، وكذلك المدن الكردية التي بقيت حتى قبيل دخول الحر إلى رأس العين 'سري كانيي' بعيدة عن ساحة المعارك، ولا ريب أن مثل هكذا رقم يحتاج إلى إنجازات كبيرة على الأرض بعد إعلانه، وهو ما لم يُنجز، وهنا لا بدّ أن يكون حجم الأرض المحررة من قبل الثوار دقيقاً، لئلا ينعكس ذلك على معنويات الثوار، ولو كان الرقم قليلاً.

التغاضي عن أخطاء الحر كان مؤلماً بحقه، وبحق آمال الثوار فيه، وهو ما تحاول العديد من قيادات الحر تداركه عبر إصدار تعميمات كل فترة، تؤكد على احترام الاتفاقيات الدولية بحق الأسرى والتأكيد على أخلاقيات الثورة، ناهيك عن التغاضي عن العدوى التي وصلت الجيش الحر عسكرياً من المعارضة السياسية، على الرغم من ولادة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهذه الأخطاء، كان لها ألاثر الكبير فيما وصل إليه حال سوريا، ومنها وصول جماعات تصرح بارتباطها بالسلفية والقاعدة، دون أن يوضع جماح لها، خاصة وأن بعضاً من الدول الداعمة للثورة، تبدي دائماً تخوفها من وجود الجماعات المتشددة، وهو حال وزيرة الخارجية الأمريكية، ونظرائها الأوربيين الذين يرفضون التدخل في سوريا، وفي كل حين تحت حجة، وآخرها الخوف من وصول السلاح لهذه المجموعات، مع العلم أن تأخر دعمها للجيش الحر كان نتجية طبيعية لانتشار هذه الجماعات.

وحدة الجيش الحر، وعدم وجود كتائب متشددة، كان من الممكن أن يكون عامل ضغط على عدد من الدول المؤثرة التي تبدي مناصرتها للثورة، وإحراجها أيضاً، وذلك لإيصال الدعم المشروط الذي تدعيه، هنا يمكن القول: ليس فقط الأسد، وتكتيكه في قيادة المعركة، ودعم روسيا وإيران والصين له، هي فقط أسباب استمرار حكم الأسد، لا بل حال معارضة سوريا المشتتة بشقيها السياسي والعسكري.

فشل أية خطة، يقتضي ودون شك، مراجعة الوسائل التي حالت دون الوصول للهدف، ويحتاج أيضاً مراجعة أسباب تأخر تحقيق الحسم العسكري الداخلي، لأنه لا يجوز الاكتفاء بوضع أسباب الانتصار المؤجل على تفوق النظام في الجو، ودعم حلفائه له، فمن الممكن أن تنتهي المعركة على الأرض، إذ أن حل أي مشكل يقتضي معالجة مكان جرحه لا أن نضع ضمادة على العين حين يؤلم الضرس، ومكان جرح الثورة في سوريا هو المطارات التي كان من الأولى ألا تتم أية عملية إلا ضدها، وألا يتم تحرير أي مدينة قبل دمشق، لأنه ليس سبباً كافياً القول بتحصين دمشق من قبل النظام لعدم تحررها، وتحصين دمشق اليوم بهذا الشكل من قبل النظام نتيجة طبيعية لتحرير، ومحاولات تحرير مناطق أخرى من سوريا، بالإضافة إلى أن كل ما حرره الحر كان محصناً وبقوة.، كل هذا رغم علمنا التام باحصاء 220 حاجز للنظام مؤخراً في دمشق، ورغم تأكيد الثوار الذين أطلقوا لأول مرة قذائف على القصر الجمهوري بأنه لو تم تأمين أكثر من تلك القذائف العشر التي أطلقوها، لفعلوا الكثير.

الأولى اليوم أن تتوجه كل كتيبة، وسرية، ولواء في الجيش الحر، لدمشق، لا إلى أي مكان غيره، فهناك تحسم الأمور، لا إلى تحرير مدينة رأس العين' سري كانيي' المؤخر في محافظة الحسكة، الذي لن يجلب لها بعد تحريرها بأسلحة بسيطة إلا القصف، والدمار، والذي سوف يحمل معه الجيش الحر عبء ما ينتج وآلام النزوج وإجرام النظام، لأنه تكتيك كان وسبق ولم ينجح، فهذا التحرير لن يقابله النظام كما قابل غيره من المناطق التي تحررت، إلا بتحريك طائراته من المطارات وإعادة المعادلة لصالحه، ناهيك عن جرح دمشق الذي بسبب سيطرة النظام عليه استطاع أن يعيد قرى، وبلدات، ومحافظات بأسرها كما حال إدلب التي تحررت، ولوقت ليس بقصير.

مع كل هذه التضحيات للجيش الحر، يتحتم عليه ان يستفيد من أخطائه، وينهي المعركة في دمشق، لا بتحرير قرية أو مدينة أكثر من مرة، ومن ثم الانسحاب التكتيكي منها بسبب قصفها ونفاذ ذخيرته، فالاستمرار في هذا السياق والتخطيط من الحرب، سيجعل الجيش الحر يحمل مع النظام تقاسم نتائجه، فليس هناك من داع لاعادة صدمة تحدث أثراً سلبياً، ناهيك عن استعدادات النظام، وحسب الكثير من الأخبار الواردة، لإدارة المعركة من طرطوس.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غزة - سورية والتراتبية المعكوسة في الإعلام المرئي العربي

بشير هلال *

الثلاثاء ٢٧ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

قدَّم الإعلام المرئي العربي الهجوم الاسرائيلي الجوي على غزة على كل ما عداه. واحتلت أخباره على «الجزيرة» مثلاً ولأيام متتالية ثلاثة أرباع أوقات نشراتها وبرامجها الحوارية. ولم تفعل قناة «العربية» او سواها من القنوات المحسوبة على القوى غير «الممانعة» (اذا لم نقل القوى المعادية لها) غير السير على المنوال نفسه. هذا اذا لم نتحدث عن حماسة «الميادين» و «المنار» و «العالم» وغيرها من قنوات الممانعة التي روجت للانتصارات ولضخامة قدرات المقاومة الغزاوية بجناحيها الحمساوي والجهادي الاسلامي والتركيز الدعوي الخاص في هذا الإطار على الاهمية الخلاصية للصواريخ المنسوبة الى الصناعة والمساعدة الإيرانيتين واستطرادهما الحزباللهي وتتمتهما السورية الأسدية. وبدت كما لو انها ودَّت تحويل الحرب الجزئية الى حربٍ شاملة.

ضمن هذا السياق، جرى تبهيت الأضواء على الثورة السورية بما في ذلك على بعض وقائعها القافزة عما يمكن ان يبدو استقراراً لرتابةٍ تؤوَّل من البعض كتعبير عن بلوغ مرحلة المراوحة وعدم قدرة أي فريق على الحسم. وهي رتابة لو صحَّت - وهي غير صحيحة - لكان يمكن الإعلام المرئي ان يسوغ بها قفزه على الحدث السوري.

ولم يكن مستوى التدمير والقتل في غزة مقارناً بارتفاع وتيرته وكثافته في سورية مما يبرر هذا الخط التحريري غير المتوازن. كما لم يكن ممكناً تسويغه بتفوق الاهمية الاستراتيجية والجيوبوليتبكية لهذه الطفرة في الملف الفلسطيني مع الأهمية المقابلة الإقليمية والدولية لما يجري في سورية.

وبالتالي، فإن مبررات التراتبية الإعلامية هذه، لا بد من البحث عنها خارج الحرب العدوانية المحدودة على غزة.

الإشكالية الأولى سياسية، فإعلام الممانعة كان ولا يزال يرى على رغم «صدمة» الهدنة أن حرباً على غزة لمصلحة فريقه، ما جعله يعطيها أولوية إعلامية تضخيمية. من جهة، لإعادة موضعة الصراعات في المنطقة حول مقولة الصراع الاسرائيلي- العربي «الجوهراني» الماهية من وجهة نظره. ومن جهة ثانية، للضغط السياسي على الثورة السورية عبر تحشيد جديد مأمول حول مركزية القضية الفلسطينية وعبر ما كان يُفترَض بالحرب ان تؤدي اليه من حشرٍ لحكومات «الربيع العربي» وبخاصة الحكومة الإخوانية المصرية بين فكّي العزلة الشعبية او المغامرة بالعلاقة بالغرب، مما يشكل محاولة احتواء ودفع لها باتجاه الخطاب الأيديولوجي الإيراني الذي لا يزال يصرّ على ان هذا «الربيع» ما هو إلا صحوة اسلامية ممانِعة افتتحتها «الثورة الخمينية». وفي خلفية ذلك أملٌ بإنقاذ النظام الأسدي وإغراءٌ لروسيا البوتينية بعدم تركه باعتبار الحرب في غزة وربما غداً في لبنان هدية لها تستخدمها لإرغام واشنطن على الجلوس الى مائدة تفاوض شامل ولاستنزاف القوة الاسرائيلية وإشغالها قبل أي حربٍ محتملة ضد أو لعرقلة النووي الإيراني.

الإشكالية الثانية في الخلل الاعلامي تتمحور حول صلة التراتبيات التي تضعها وسائل الإعلام المرئي العربية بالمنظومة القيمية.

والحال ان إقصاء الثورة السورية الى درجة ثانية وثالثة أحياناً في الصدارة الإعلامية تضمّن قدراً من الاستهتار بالعقل السياسي للمشاهد ومن التعامل معه كمستهلك سلبي ماضوي للإعلام المرئي. وضمن هذا السياق خاطب فيه ما يعتقد أنه وعيه التضامني التلقائي البافلوفي الذي افترض ان شعوب العالم العربي وبمعزل عن أية معايير أخرى (كفظاعة الجرائم وضخامة عدد ضحاياها ونتائجها وآثارها السياسية مثلاً) تهتم بالصراع بين عدوٍ خاص إثني و «قومي»، وبين شعب عربي مُنَزَّه عن التمايزات ومصالح الأجهزة والمجموعات السياسية والسلطات المتنوعة أكثر من اهتمامها بحرب بربرية شاملة تخوضها أجهزة استبدادية لدولة عربية ضد مواطنيها. وهو أمرٌ ينم عن فرضية معيارية ذات وجهين محتمليْن: الأول، أن يكون وعي هذه الشعوب قومياً أو دينياً او خليطاً من الإثنين حصراً، فينفي أية خصوصية، ما يجعل نصابه ما فوق وطني. والثاني أن يكون عشائري التماسك، ما يجعل النصرة درجات تتصل بقرابة دموية مزعومة. وهو وجهٌ إذا صحَّ، فمعناه وجود نكوص عمومي الى ما قبل التاريخ العالمي كما وصلنا إليه ووصل الينا اليوم كعالمٍ عربي. بينما إذا صح الاول نكون في ترسيمةٍ شبه شمولية.

وهو سياقٌ يتناقض مع وجهة التطورات التي تعصف بالمنطقة بتركيزها على الحرية والكرامة اللتين هما قيمتان غير قابلتين للتحوير إلى مجرَّد قابليات عشائرية او أصولية أو عنصرية.

المشكلة ان مشهدية الإعلام المرئي العربي كما بدت في حرب غزة أظهرت ان سُلَّمه القيمي متقادم، بما في ذلك على مستوى قيمة كونية كالحرية. إذ بدل إدراج المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي (بصرف النظر عن كونها مسلحة ام لا) ضمن التطلب البديهي الانساني للحرية، فقد جرى تغليفها إعلامياً في شكلٍ مبالغ فيه بطابع قومي ديني ينكر مرجعها القِيَمي. فبدَت كما لو انها امتدادٌ لتيارٍ نرجسي قعره الانطواء على «الذات العربية الاسلامية». وفي هذا عودة إلى مربعات الممانعة والصحوة الاسلامية والتخارج الاصولي المشتهى مع العصر، بما يتيح إعادة تأويله لمصلحة تملك تقانته ورمي قِيمه. كما فيه قطيعة مع حقيقة أنه لم تخرج تظاهرة واحدة عملاقة تستعيد تلك الايام الخوالي للشارعين العربي و «الإسلامي».

الأخطر أن الجمع بين مخاطبة ما قبل السياسي وما فوق الوطني معاً يؤدي إلى تسويغٍ متجدد لسياسات ومعايير قيمية حوَّلها فريق «الممانعة» إلى موقعٍ قتالي للحفاظ على عقدة تواصله المركزية التي يمثلها النظام الأسدي المترنح. ما يعادل من جهة أخرى عملية استحضار لخطابٍ سياسي أشوه شكَّل خلفية مشتركة لديكتاتوريات ما بعد الاستقلالات التي جاءت انتفاضات العالم العربي لتكتب بداية نهاياتها من دون أن تكتب بالضرورة بدائلها ومن دون أن يكون في استطاعتها منع ارتداداتها العابرة.

وإلى الظلم الذي ألحقه بالثورة السورية، شكّل التضخيم الإعلامي لحرب غزة مساهمة في إنجاح سياسة الحرب اللامتوازية التي تنتهجها «حماس» جزئياً و «الجهاد الإسلامي» كلياً، ومهَّد لإعلان المجموعتين نصراً «سموياً» يُرجَّح أن تستثمراه في الصراع الداخلي بسَوِية غير ديموقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطوات مرسي تضاعف الحذر من سوريا

روزانا بومنصف

2012-11-27

النهار

خلال اشهر عدة وعلى اثر التدخل الغربي في ليبيا الذي ادى الى انهاء حكم العقيد معمر القذافي، تذرعت الدول الغربية بعدم امكان انسحاب موضوع ليبيا على ازمة سوريا ومساعدة الثورة من اجل انهاء سريع لحكم الرئيس السوري بشار الاسد بجمموعة ذرائع كان عنوانها ان ليبيا هي غير سوريا وان روسيا التي تلقت ضربة سياسية وغير سياسية في تمريرها غير المباشر للتدخل الغربي في ليبيا تتشبث بعدم سماحها به مجددا في سوريا تحت اي عنوان. وتخشى مصادر ديبلوماسية ان يشكل التوظيف الفوري الذي قفز اليه الرئيس المصري محمد مرسي لمكسب سياسي حققه في التدخل في غزة من اجل انهاء العدوان الاسرائيلي عليها بالانقضاض لتعزيز صلاحياته ومنحها حصانة كاملة ذريعة اخرى تضاف الى الذارئع التي تخيف من التغييرات في سوريا ايضا. اذ ان مرسي كشف اوراقه سريعا واعاد مصر من خلال القرارات التي اتخذها الى ما اعتبره عدد كبير من المصريين ديكتاتورية جديدة للاخوان المسلمين يخشى ان تزيد تعقيدات الوضع المصري وتخرب الثورة الشعبية. الامر الذي لا يستبعد ان يزيد ايضا تعقيدات التطلع الى حلول للحرب في سوريا باعتبار ان مصر تشكل نموذجا ولو اختلف وضعها عن وضع سوريا بحيث قد تدفع كثيرين من المتحمسين لنظام بديل في دمشق الى تخفيف الاندفاعات خشية نظام ديموقراطي وهمي آخر قد ينشأ بعد انتهاء النظام الحالي، علما ان هذه الاندفاعات لا يمكن اعتبارها قوية وكافية حتى الآن، خصوصا من جانب الولايات المتحدة.

اذ ان ادارة الرئيس باراك اوباما تثير علامات استفهام حول السياسة الخارجية الاميركية التي اعتقد متابعون انها ستشهد جمودا قد لا يقل عن ستة اشهر في حال فاز المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية باعتبار ان تنصيب الرئيس يحصل في كانون الثاني ثم ان الرئيس الجديد يحتاج الى وقت لانطلاق عمل ادارته في حين ان الرهان كان على استمرار حكم اوباما من اجل تسريع البت في المسائل العالقة. وهو الامر الذي لا يحصل وسط تساؤلات عن طبيعة هذه السياسة مع الرفض الاميركي للتصويت مع قرار في الجمعية العمومية لعضوية فلسطين كعضو مراقب في الامم المتحدة. يضاف الى ذلك التلكؤ الاميركي في موضوع دعم واشنطن ائتلاف المعارضة السورية الذي رعت تأليفه في الدوحة قبل اسابيع قليلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الضربة القاضية للأسد!

حسين شبكشي

الشرق الاوسط

27-11-2012

يتبادل السوريون هذه الأيام نكتة حزينة وسوداوية بينهم فهم يقولون: «إن المصريين في ثاني ثورة الآن ونحن لم نستطع حتى اللحظة إنهاء ثورتنا الأولى.. طولت»، وطبعا المصريون ليسوا في ثورة جديدة ولكنهم حتما في ورطة سياسية كبرى من الوزن الثقيل ولا مجال للمقارنة بين الثورتين.

فالثورة المصرية كانت فيها «أناقة» أكثر ورجل وجيش حافظا على بلدهم فلم يطلقا الرصاص بشكل مفتوح ولم يفضلا النظام والكرسي على حساب الشعب، فانتهت المسألة في 18 يوما، كانت مليئة بالمشاهد المثالية والخيالية التي ستبقيها في وجدان الناس حول العالم وتحولها إلى أيقونة خالدة في علوم السياسة والاجتماع.

بينما المشهد في سوريا يختلف تماما، فهو عبارة عن شعب ثار يطالب بالكرامة والحقوق والحرية وهي مسائل بديهية، ولكن السوريين كانوا مستعبدين بالحديد والنار من «قلة» من المجرمين الآتين للحكم بلا شرعية وبلا أخلاق. وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك أي نوع من المفاجآت أبدا في تصرفات الجيش السوري ونظامه المجرم تجاه شعبه فهو زرع عبر الزمن شعارا يطبقه حرفيا يوميا «الأسد للأبد» وبعدها طور الشعار ليصبح «الأسد أو نحرق البلد».

الواقع على الأرض السورية اليوم يتطور؛ فالمناطق (وليس المنطقة) التي تقع تحت سيطرة الجيش السوري الحر تصل في أهم الحالات إلى ما يقارب 70% من الأراضي السورية ويقال إن هذه النسبة فيها مبالغة، وبالتالي قد تكون النسبة الأقرب للواقع 55%، وهي نسبة مهمة جدا تشتمل على مناطق حدودية مع تركيا والعراق ومدن بأكملها وطرقات رئيسية هي بمثابة شرايين ربط بين المناطق الرئيسية، وكذلك شملت مقرات عسكرية ومراكز أمنية مهمة جدا، مع عدم إغفال العتاد العسكري والسلاح المتنوع الذي سقط في أيدي الثوار نتاج هذا التطور النوعي في حراك الثوار على الأرض.

النظام لا ملجأ لديه سوى تكثيف القصف الجوي على كافة المواقع التي يستحوذ عليها الثوار حتى يضمن تأخير توسيع انتشارهم وتعطيل تحركهم تجاه العاصمة دمشق.

نظريا، حلب قاربت على السقوط فعليا في أيدي الثوار ولم يتبق تحت سيطرة القوات النظامية سوى ثلاثة أحياء فقط من هذه المدينة المهمة جدا. وهناك اعتقاد فني وعسكري يقول إنه حين سقوط حلب ودرعا لن يتبقى في عمر النظام الأسدي سوى سويعات لأن ذلك سيكون معناه السقوط الفوري والمدوي لدمشق.

هذا رغم وجود قناعات كبيرة جدا لدى طائفة عريضة من المتابعين للشأن السوري أن نظام الأسد يعد «مذبحة» مهولة لأهل دمشق وأن المعركة هذه ستكون «البصمة» التي لن ينساها أهل الشام للأبد كرد عملي على «غدر» الشعب لنظام حكم الأسد بعد سنوات معقدة من العلاقة بين الشعب ونظام الأسد.

حاول الأسد تسويق نفسه على أنه نظام الممانعة للجماهير العربية لكسب التعاطف معه، ثم حاول تسويق نفسه على أنه نظام علماني تقدمي في مواجهة أرتال التطرف الديني الذي عم المنطقة ولكنه تكشف وتعرى مع أحداث الثورة السورية تماما ليسقط من على وجهه كافة أنواع الأقنعة الموضوعة وليظهر الوجه القبيح لنظام طائفي ودموي وهمجي.

الأعداد المنشقة لا تتوقف والانشقاقات طالت كل المناطق وكافة القطاعات بلا تمييز والكل بات مقتنعا أن الرهان على بقاء نظام الأسد هو بمثابة حالة من «السكر» السياسي الذي يغيِّب الوعي تماما وبالتالي هذا التصور غير منطقي ولا مقبول ولا معقول.

إنه وقت «التسعير» للصفقة الأخيرة، الكل يبحث ويتمنى الخلاص من هذا النظام؛ إسرائيل تبحث عن بديل يضمن لها ذات الأمان على حدودها وروسيا تبحث عن شريك يشتري السلاح ويؤمِّن لها موقع قدم في المنطقة وإيران تريد أن تضمن «مصالحها» في حال رحيل الأسد.

روسيا وإسرائيل هما اللتان تبدوان الأقرب لإتمام الصفقة وخصوصا في ظل وجود علامات واضحة على قرب النهايات، فدمشق تشهد تصعيدا هائلا في الأعمال العسكرية مما يؤكد أن التركيز سيكون عليها لتتحول بسقوطها إلى الضربة القاضية للأسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

محاولة لإعادة الاعتبار لشعار الحرية

مازن كم الماز

2012-11-27

القدس العربي

أحيانا يكاد المرء ينسى وسط الخضم المتلاطم لهذا الصخب، المفيد مع ذلك، وحتى الجميل، نكاد ننسى لماذا قام السوريون بثورتهم. وسط هذا التخوين ووسط عبارات التكفير الدينية والعلمانية يجد المرء نفسه بينما يحاول أن يفكر ويقول رأيه بشيء من الحرية وقد شل عقله أو لسانه بسبب نوبة رهاب مشابه لرهابه المرضي القديم من رجل المخابرات. إن التخوين أو التكفير هو وسيلة إرهاب فكري وعقلي قبل أي شيء وهو اللغة الوحيدة التي تتقنها الديكتاتوريات والقوى السلطوية الشمولية، الشيء الوحيد الذي يحد من تأثيره المدمر على حرية التفكير والتعبير عند السوريين اليوم هو أن الجميع يمارسه على قدم المساواة ودون أن يدعمه إرهاب جسدي موازي. الغريب في الموضوع أن القوى التي تدبر في وضح النهار لسلب السوريين حريتهم إذا نجحت في الاستيلاء على ثورتهم هي التي تتمتع بأكبر قدر من الوقاحة في تكفير كل من يعترض على دعواتها العلنية الصريحة لفرض نير استبدادها على السوريين وتعتبر كل شكوى أو تردد أو نقد لمحاولتها هذه في أن تأخذ مكان النظام في استعباد السوريين 'خيانة' أو 'كفر' ليس فقط بمقدسها بل بالثورة نفسها، طعنة موجهة للثورة.

يجد البعض اليوم صعوبة بالغة حتى في لفظ كلمة الحرية. تماما كما كان عليه الحال في أيام الصمت المرة، ذلك الليل الطويل الذي فرضته الديكتاتورية على عقولنا وأجسادنا وأرواحنا طوال عقود. الحرية التي كان يفترض أن تكون أساس حياتنا القادمة بعد إسقاط النظام، التي مات من أجلها وعذب الآلاف، يحاول البعض أن يجعلها مرة أخرى كلمة سرية مطاردة، مجرد هرطقة. لا يجب هنا تبسيط المسائل واتهام الإسلاميين، رغم أن هذا الاتهام قد يكون مبررا فعلا، بأنهم وحدهم من يمارس عملية الترهيب هذه بشكل منهجي كمقدمة غالبا لسرقة الثورة من أصحابها. الحقيقة أنه لا يمكن اليوم التمييز بين خطابات أغلب علمانيي وإسلاميي المعارضة السورية كما يصفون أنفسهم إلا بشخوصهم، فممارسة العنف والإرهاب الفكري والروحي هي سمة مميزة لأغلب القيادات السياسية للمعارضة، وإلى حد ما أيضا لمن يمارس الفعل الثقافي وإن على استحياء أكبر .. بالنسبة للإسلاميين الموضوع 'بسيط' جدا، إنهم تجسيد المقدس على الأرض وهذا التماهي المزعوم بالمقدس يكفي لكي يتوجوا أنفسهم آلهة فعليين على هذه الأرض. بالمقابل أثبت علمانيو المعارضة أيضا أنه لا مشكلة لديهم لا في الخطابات الطائفية التي أتقنوها ومارسوها برطانة لا تقل عن الشيخ العرعور ولا في رفعهم الشعار الستاليني الناصري القديم والقمعي لأي حس نقدي وبالتالي لأي محاولة للتفكير المستقل 'لا صوت يعلو على صوت المعركة' أو في ممارساتهم الترهيبية الأخرى أو غير ذلك من نتاج وعيهم الشمولي. النخبة السورية العلمانية المعارضة لا تمانع اليوم، إن كان ذلك ضروريا، في تحول سوريا إلى دولة تقوم على محاصصات طائفية أو مناطقية، المهم أن تحكم هي تلك الدولة أو تشارك في حكمها. إنها براغماتية لدرجة أن تتبنى خطابا طائفيا لا يتمايز عن الإسلاميين إلا في عباراته الأكثر تهذيبا، رغم أنه يجب أن نعترف أيضا أنها قد تكون صادقة في خطابها الطائفي ولا تراه فقط كتكتيك شعبوي ضروري عابر. نحن مضطرون هنا لأن نميز بين موقف هذه النخب وبين موقف الشارع السني الثائر تحديدا، لأن قسما كبيرا من السنة أبناء حلب ودمشق حذرين من الثورة بنفس درجة حذر أكثرية الأقليات الطائفية منها. تعرض الشارع السني الثائر لعنف همجي واستثنائي منذ بداية الثورة عمل من خلاله النظام جاهدا على استدراجه إلى حرب أهلية مفتوحة قد يرى فيها طوق نجاته من مصيره على يد الثورة. حتى الملائكة لا يمكنها أن تتحمل كم الموت والإذلال الذي مارسه النظام، في كثير من الأحيان من خلال فقراء علويين ضد الفقراء المنتفضين من السنة. لكن إذا كان التطييف بما في ذلك العنف الطائفي رد فعل أكثر من منطقي من جانب الشارع الثائر السني تحديدا، فإن النخبة العلمانية المعارضة، التي تتشكل أساسا من كل الطوائف والأديان بنسب متقاربة إلى حد ما، والتي يفترض أنها لم تعرف يوما لا منطق المحاصصة الطائفية أو حتى المنطق الطائفي نفسه كضد لمفاهيمها اليسارية والقومية سابقا والليبرالية حاليا، والتي لم يقتل أولادها أو يسحلوا أو تغتصب بناتها أو تهدم بيوتها، لا يمكنها أن تختبئ وراء قمع النظام وعنفه الطائفي لتبرر تطييفها هي. لقد تحولت النخبة لأسباب نفعية أو بسبب قصور في فهمها للعلمنة، تحولت من الإيمان بالقومية كدين إلى الإيمان بالدين، أو الطائفة، كقومية. لكن يبدو أيضا أنه يجب أن نلتمس شيئا من العذر مع ذلك للجميع، فالفصام الإنساني الذي تنتجه المعاناة الإنسانية والتناقضات المستعصية في الأنظمة الشمولية والمجتمعات الطبقية المحصنة بمؤسسات قمعية عميقة الأثر بحيث أنها ما تزال صامدة وناجحة رغم آلاف السنين من عمر البشرية ونضالاتها المستمرة، هذا الفصام يصيب الجميع، وأصعب أعراضه هو أننا لا ندركه بسهولة. احتاجت البشرية إلى آلاف السنين لتدرك خطأ اعتقادها بدوران الشمس حول الأرض وإلى محارق وأضاحي بشرية أيضا، لكننا بفضل تلك الكتب المحترقة وذلك الدم واللحم المشوي نتمتع بحياة أفضل نسبيا من أسلافنا. الغريب هنا أن النظام البعثي ثم الأسدي أعاد إنتاج الطائفية وكل أشكال التمييز بين البشر على أساس انتماءاتهم الموروثة بينما كان يدعي إنتاج دولة وطنية جامعة، كان هذا ضروريا لحكمه. اليوم أيضا يمارس علمانيو المعارضة نفس الشيء: يتحدثون عن هوية وطنية جامعة لكنهم بخطابهم الطائفي الصريح أو المبطن، يشاركون بإعادة إنتاج كل ما هو طائفي وغيره من أشكال التمييز بين البشر حسب انتماءاتهم الموروثة كضرورة أيضا للوصول أو المشاركة في السلطة. إننا نبقى في نفس الدائرة الجهنمية المغلقة التي تعود بنا إلى نقطة الصفر دائما. ربما لأننا كعلمانيين لم نختر بعد أن نطلق العنان لعقولنا ووعينا لنفكر بحرية، أو بسخف أو رهافة أو استمتاع، لكي نكتشف أن شمسنا أيضا لا تدور حول أرضنا، وربما لأننا لسنا مستعدين لكي نتسلق المقاصل والمحارق في سبيل ذلك. دائما يبقى الخيار الآخر أفضل: أن تحكم، وتفشل، وتنجو، بينما يعاني أو يموت الآخرون من أن نموت وينجو الآخرون، وربما أن يعيشوا بحرية.

كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*

أنقرة ورهاناتها السورية: إضعاف المالكي أمام أربيل

السفير

28-11-2012

محمد نور الدين

«لم يكن ينقص تركيا سوى أن تنفجر في العراق». بهذه الكلمات عنون الكاتب التركي سامي كوهين مقالته في «ميللييت» حول الأزمة العراقية بين بغداد وأربيل.

فالنزاع بين الحكومة المركزية في بغداد و«حكومة» إقليم كردستان، والذي يكاد يصل إلى مرحلة الحرب، يعني أنقرة مباشرة، فالبوابة البرية الوحيدة المفتوحة أمام تركيا مع جار لها هي منطقة إقليم كردستان وتحديدا بوابة الخابور. وأنقرة طرف في الصراع الداخلي في العراق من خلال تقاربها مع إقليم كردستان بموازاة معاداتها لحكومة نوري المالكي.

وهذا العداء ليس جديدا أو مرتبطا فقط بالأزمة السورية، بل يعود إلى مرحلة الانتخابات الرئاسية والنيابية العراقية قبل سنتين، حيث سعت حكومة رجب طيب أردوغان إلى منع وصول جلال الطالباني إلى الرئاسة ونوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، ووقفت داعمة للجبهة التي يرأسها إياد علاوي وضمت «الحزب الإسلامي» بقيادة طارق الهاشمي.

ولا شك بأن محاولة أنقرة استمالة أكراد العراق على حساب الحكومة المركزية كان له وقع سيئ في بغداد، خصوصا مع توقيع اتفاقيات نفط بين أنقرة واربيل مباشرة من دون المرور ببغداد، وهو ما يتعارض مع القوانين العراقية. وتعاظم التوتر بين أنقرة وبغداد مع الدخول غير الرسمي لوزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو، من دون إذن بغداد، إلى كركوك. وأضاف الموقف العراقي المؤيد للنظام السوري، الذي تسعى أنقرة إلى إطاحته، سببا إضافيا لملف سميك من نقاط الاختلاف بين بغداد وأنقرة لم يخل من وقت لآخر من تراشق حاد بالكلمات تجاوز الخطوط الحمر بين المالكي وأردوغان.

لذلك فإن أنقرة معنية مباشرة بالصراع الداخلي في العراق، نظرا لتأثير نتائجه على دور تركيا هناك صعودا أو هبوطا. إذ ان أي انكسار لحكومة المالكي سيعتبر انتصارا لحكومة أردوغان والعكس صحيح.

ويرى سامي كوهين أن أخطر ما تواجهه تركيا أن تنفجر هذه الأزمة في توقيت لا تستطيع أنقرة المساعدة على إخماده. ويقول إن أنقرة في وضع منحاز لطرف دون آخر، وفي حال اندلاع القتال ستكون تركيا الأكثر تأثرا به. ويعتبر أن ما تملكه تركيا الآن، بعد انهيار دورها الوسيط في المشكلات الإقليمية، ليس أكثر من التمني بعدم انفجار الوضع في العراق.

وفي صحيفة «حرييت» كتب حسين يايمان إن مخاطر اندلاع حرب في العراق يهدد وحدة العراق ووحدة الشرق الأوسط. وتساءل «عما إذا كان النزاع هو حول النفط أم على استقلال كردستان، إذ ان الاتفاقات التي يعقدها إقليم كردستان مع تركيا وغيرها حول تصدير النفط واستخراجه والتعاون الاقتصادي من دون بغداد يثير لدى بغداد مخاوف من أن تكون هذه خطوات نحو الاستقلال الكردي الكامل».

ويرى الكاتب تناقضا بين دعوة الحكومة التركية إلى وحدة العراق واختيارها طرفا واحدا للتعامل معه، هو الأكراد، بما يرسّخ أن الموقف التركي يساعد على تقسيم العراق لا العكس.

ويقول إن «خلاف تركيا مع سوريا وإيران وروسيا يجعل من اتفاقها مع أكراد العراق استراتيجيا على المدى البعيد، وهو ما يجعل أنقرة تقف إلى جانب أربيل في هذا الصراع، وتتهم حكومة المالكي بأنها تعمل على مذهبته. وهكذا تبدو الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط مثل لعبة الدومينو، حجارتها متداخلة بعضها مع بعض. الجميع يلعب في كل الساحات حيث تؤثر التطورات في إحداها على الأخرى. وما تأمله تركيا أن يكون إضعاف المالكي خطوة على طريق إسقاط النظام في سوريا. فهل تنجح أنقرة في رهانها الجديد في العراق أم تسقط مجددا في خطأ الحسابات».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أحداث المنطقة وأسئلة بحاجة لأجوبة

باسم الجسر

الشرق الاوسط

28-11-2012

من كان قادرا على تحليل منطقي للأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، والتوصل إلى تحديد الكاسبين والخاسرين من جرائها، أو إلى أين ستقود المنطقة.. فليرفع إصبعه؟! وإلا فليطرح الأسئلة التي سنطرحها في هذا المقال، مع إقرارنا سلفا بصعوبة الجواب عليها.

سؤال على ماذا يدل أو يخفي هذا التعاون بين الرئيسين، الأميركي والمصري، في تحقيق الهدنة بين إسرائيل وحماس على جبهة غزة؟ هل كانت أسبابه اقتصادية (قرض البنك الدولي) أم لتخليص حماس من سوريا وإيران؟ أم ترجمة لتسليم واشنطن بالتعامل مع الإسلاميين؟

سؤال آخر عن حقيقة موقف إيران من حماس؟ هل ستواصل دعمها لها أم تتوقف عنه بعد أن توفر لحماس داعمون آخرون؟ وحقيقة موقف حماس من الثورة السورية، بعد احتضان مصر وقطر لها؟

وسؤال عن هذا الدعم السياسي العلني المفاجئ للنظام السوري من قبل الحكومة العراقية؟ وأسئلة أخرى حول ذهاب رئيس السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة قبل المصالحة مع حماس (إذا تمت)؟ ولماذا لم يقتنع بنصيحة الرئيس الأميركي، الذي يراهن البعض على أنه في ولايته الثانية، سوف يلقي بكل وزنه لتحقيق السلام وقيام دولة فلسطينية؟ ثم لماذا تحرك إسلاميو الأردن وقامت المظاهرات الضخمة فيه وتجدد الحديث عن حل القضية الفلسطينية مع الأردن أو على حسابه؟ ولماذا تراجع الاهتمام الدولي بالثورة السورية، قبل وبعد أحداث غزة؟ وأين صارت المشكلة النووية الإيرانية، والتهديد الإسرائيلي بقصف المفاعل الإيرانية؟

عشرات الأسئلة التي لا تتوفر أجوبة واضحة أو حاسمة عليها. لا عند المراقبين والمحللين فحسب، بل عند أصحاب الشأن والقرار. ابتداء بالبيت الأبيض وانتهاء بحماس وفتح، مرورا بالعواصم الأوروبية التي تلاعبت بمصائر شعوب الشرق الأوسط والعرب والمسلمين، قرونا، والتي باتت، اليوم، تتعاطف مع بعض قضاياهم العادلة، دون التجرؤ على إغضاب إسرائيل وأنصارها القابضين على زمام المال والإعلام في الغرب؟

إنها أسئلة قديمة ومتجددة. حاولت الأجيال العربية المتعاقبة الإجابة عليها، بالانقلابات والثورات وتجارب الاتحادات، وبتبني أيديولوجيات قومية واشتراكية ودينية، وصولا إلى الربيع العربي الأخير الذي رفع فوقه علمان: علم الإسلام وعلم الديمقراطية. وماذا كانت حصيلة عامين تقريبا من هذه الثورات التي اعتبرها البعض في مستوى الثورات الكبرى في تاريخ البشرية؟ هل هو ما نراه في مصر وفي تونس وفي سوريا والأردن وغيرها، من مجابهات واصطدامات بين الديمقراطيين والإسلاميين، وما لا تبشر بأي خير، بل تحمل الشعوب على الندم على الاستقرار الذي كانت تنعم به قبل الربيع العربي.

من الواضح أن كسر هذه الحلقة المفرغة يحتاج إلى حدث ضخم: خارجي، أو إقليمي كقيام الدولة الفلسطينية الممهد لتحقيق السلام بين إسرائيل والعرب، بضغط الولايات المتحدة والدول الكبرى على إسرائيل. أو بتغيير النظام الحاكم في إيران أو تغيير هذا النظام لسياسته الإقليمية. أو بقيام حلف تركي – مصري – سعودي – خليجي - أردني، بوجه طموحات إيران ومشاريعها الإقليمية. أم بسقوط النظام السوري؟ أم بقيام ديمقراطيات عربية على أنقاض الأنظمة الديكتاتورية التي أسقطها الربيع العربي؟

كل هذه الخطوات لا تصب في مصلحة إسرائيل وستعمل على منعها أو إحباطها، كما فعلت سابقا ولا تزال. وهي تملك أكثر من سلاح حربي وسياسي وإعلامي ومخابراتي، لإجهاض أي خطوة أو محاولة تراها مهددة لمصلحتها الراهنة والمستقبلية. وأهم سلاح لديها هو تحريكها لكل التناقضات والرواسب الخلافية في الواقع الثقافي والاجتماعي والمذهبي العربي والإسلامي، فتتمزق الأمتان العربية والإسلامية أكثر فأكثر إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية متناحرة وملتهبة بنزاعاتها بدلا من توحيد صفوفها لمقاومة التحدي الإسرائيلي واستعادة الحقوق الفلسطينية والعربية. والنهوض بشعوبها إلى مصاف الأمم المتقدمة والمشاركة في بناء حضارة القرن الحادي والعشرين.

إن من يتأمل في المشهد العربي والإسلامي الراهن، وعلى الأخص في ما يجري في سوريا والأردن ومصر وتونس ولبنان أيضا، لا يسعه سوى الإمساك بقلبه هلعا مما يخبئه الغد القريب. أي ثورات جديدة ونزاعات طائفية ومذهبية. أي تفكك بعض الدول إلى دويلات. أي تحول الشرق الأوسط برمته إلى «رجل مريض»، كما كان يطلق عليه من وصف في القرن التاسع عشر.

ومما يزيد «حالة المريض» خطورة هو أن الحرب الباردة الجديدة بين الغرب الأميركي - الأوروبي والشرق الروسي - الصيني، تكبل أيدي هذه العواصم وتعطل أي مبادرة دولية لحل المشاكل والأزمات التي يتخبط فيها الشرق الأوسط، وأن سياسة الرئيس أوباما الخارجية تستبعد أي تدخل عسكري في هذه المنطقة من العالم، بعد ما أدى إليه تدخلها في العراق وأفغانستان من نتائج لا تتفق مع أهدافها أي مقاومة الإرهاب وتحقيق الديمقراطية واحتواء مشاريعها الهمايونية. وإيران ودمشق وموسكو تعرف ذلك وتراهن على التناقضات لزيادة المشاكل تعقيدا، وحلها صعب.

منذ شهر كانت مهمة الأخضر الإبراهيمي وأخبار الثورة في سوريا تحتل صدارة الأخبار في وسائل الإعلام. واختفت اليوم. لماذا؟ سؤال آخر يضاف إلى الأسئلة المطروحة في مقدمة المقال. ولعله الأكثر أهمية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية بخير

طارق الحميد

الشرق الاوسط

28-11-2012

انشغل الإعلام العربي، وكثير من الناس، على مدى خمسة عشر يوما، أقل أو أكثر، عن تفاصيل أحداث الثورة السورية، وكان ذلك الانشغال محصورا بين حرب الأيام الثمانية بغزة، ثم قرارات الرئيس المصري الانقلابية، ولكن رغم ذلك فإن الثورة السورية بخير، وتسير في الطريق الصحيح الذي سينتهي قريبا بإسقاط طاغية دمشق.

الثورة السورية بخير لعدة أسباب، أهمها، أن السوريين تأكدوا أن الممانعة والمقاومة ليست كذبة أسدية وحسب، بل وكذبة حماس، وحزب الله، وإيران، فحرب الثمانية أيام في غزة أظهرت أن حماس ليست إلا طالبة حكم، حيث تريد اليوم إقرار مبدأ «السلام مقابل الحكم» وليس السلام مقابل الأرض. فكل هم خالد مشعل أن يكون بديلا لمحمود عباس، وهذا ما تقوله تصريحات مشعل نفسه، والأكثر وضوحا منها تصريحات الزهار التي قال فيها إنه لو زار عباس غزة فسيتم اعتقاله. وهذا يكشف حجم الصراع داخل حماس نفسها، وتلك قصة أخرى، ولكنها تذكير لمن يقفزون على الحقائق. والثورة السورية بخير لأن السوريين تأكدوا أن حماس وحزب الله، مهما قالوا، فإنهم حلفاء إيران التي تدعم بشار الأسد بالأسلحة والأموال لقتلهم يوميا، خصوصا أن عدد القتلى السوريين قد وصل الأربعين ألفا.

والثورة السورية بخير لأن الأسد لم يستطع استغلال فترة انشغال الإعلام، والعالم، وكثير من العرب، بحرب الأيام الثمانية بغزة، أو القرارات الانقلابية بمصر، بل إن الثوار السوريين واصلوا الزحف نحو دمشق، وبات الأسد محاصرا أكثر من أي وقت مضى، ولم تستطع إيران، أو روسيا، ومعهم حزب الله، تغيير المعادلة على الأرض، بل إن السوريين، وبسواعدهم ودمائهم، يخوضون المعركة، ويتقدمون يوما وراء آخر لمحاصرة قصر الطاغية، وها هي المواقع الحيوية لقوات الأسد تسقط بيدهم موقعا تلو آخر، ومنجزهم السياسي يتقدم أيضا يوما بعد يوم، في العالم العربي، وأوروبا، بينما رموز النظام الأسدي، من فاروق الشرع، ووليد المعلم، وبثينة شعبان، تلوذ بالصمت بارتباك واضح.

والثورة السورية بخير أيضا لأنها ستصل إلى هدفها وقد انكشفت كل الأوراق في المنطقة، حيث انقلب السحر على الساحر.. انفضح الإخوان في مصر وتونس، وبانت عواقب الإقصاء في العراق الذي حاول نوري المالكي هو الآخر استغلال الانشغال العربي بغزة ومصر للانقضاض على الأكراد. فقد اتضح للسوريين أن لا مجال للإقصاء، ولا مكان لسيطرة اللون الواحد، والحزب الواحد، سواء كانوا من الإخوان المسلمين، أو العسكر، أو فصيل تابع لهذا أو ذاك، فإما أن يسقط السوريون الأسد وينضموا لركب المناكفين، والمتأخرين، العرب، أو أنهم يبدأون من حيث انتهى الآخرون في دول الربيع العربي، وقبله العراق. فالكرة الآن في ملعب القوى الثورية السورية، فلا عذر لهم، حيث ليس بإمكانهم التعذر الآن بنقص الخبرة، أو قلة التجربة، فكل شيء حولهم في العالم العربي يقول لهم كونوا أفضل، واعتبروا من غيركم، خصوصا أن اللعب الآن على المكشوف، بمعنى أن يكون الدستور أولا، ولا إقصاء. ولذلك فإن الثورة السورية بخير، وكل ما تنتظره الآن هو إسقاط الطاغية بشار الأسد، وهو أمر اقترب أكثر من أي وقت مضى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة الإبراهيمي.. لإنقاذ من؟

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

28-11-2012

لا نعرف ماذا يطبخ المندوب الأممي الأخضر الإبراهيمي من أجل وقف الحرب في سوريا، فهو الشخص الوحيد الذي يمثل الأمل الأخير لإنهاء القتل والتدمير، ومكلف بحل أهم قضية تشغل منطقة الشرق الأوسط، ولنتائجها آثار إلى ما وراء عوالمنا.

في ظل صمته، والفراغ المعلوماتي، من الطبيعي أن نقلق مما ينسب إليه، رغم أنه كذب الروايات المنسوبة إليه في كل مرة. هذه المرة يروى أنه يدور في العواصم المعنية في سبيل تسويق مشروع جديد، فيه يتخلى بشار الأسد عن الحكم بعد أكثر من عام، وتخلفه في الحكم القوى المختلفة بالتنافس في انتخابات تحت إشراف دولي.

وبسبب التكتم الإبراهيمي المستمر، نحن مضطرون لأن نعتبره أحد الحلول المحتملة، خاصة أنه يحمل بصماته، حيث عرفنا أسلوبه التصالحي الذي يبحث عن حل وسط مقبول للأطراف كلها. هنا لا بد أن نتساءل: هل فكرة استقالة الأسد وإجراء الانتخابات مخرج جيد للأزمة، أم أنها مشروع أزمة يعقد القضية ولا يحلها؟

في رأيي طرح كهذا فاشل ومحكوم عليه بالرفض مسبقا، أولا لأنه غير قابل للتطبيق، والأخطر أنه سيقود سوريا إلى حرب أهلية أوسع. سوريا ليست لبنان، ولا أفغانستان، البلدين اللذين عمل فيهما الإبراهيمي مشاريع سلام تشاركية. في سوريا ثورة بين القصر والشارع، وليست صراعا بين قوى محلية كما كان الحال في لبنان وأفغانستان. لهذا على الإبراهيمي ألا يكون حصانا يركبه الأسد والإيرانيون للقفز فوق رؤوس الثوار، وإيصال الثورة السورية إلى معادلة اشتباك متعددة الأطراف تعطي الأسد الفرصة لأن يكون طرفا في الحل بعد أن كان سبب المشكلة. هذه ثورة شعبية عارمة ضد النظام الذي حاربها، وهو يخسر أمامها ميدانيا. اليوم، هزم الثوار قوات النظام في ريف دمشق، وبالتالي لا يعقل، ولن يقبلوا، منح الأسد فرصة البقاء إلى عام 2014. فالعام الإضافي الهدية سيعني المزيد من الدماء والدمار وتخريب البلاد إلى الأبد. وإذا كان الإبراهيمي يظن أنه قادر على حماية النظام إلى نهاية العام المقبل فهو واهم، نظام الأسد في غرفة الإنعاش ويستحيل إعادته إلى الحياة سياسيا.

إن كان الإبراهيمي يريد إنقاذ سوريا فعليه أن يقنع الأسد، أو إقناع الروس على الأقل، بأن يحمل الرئيس الغارق حتى ركبتيه في الدم حقيبة سفر واحدة ويرحل من الحكم سريعا. الثمن أن يغادر عاجلا، ويسلم السلطة للمعارضة مقابل حقن الدماء، حل مؤقت لن يصبح متاحا عندما يطوق الثوار قصور السلطة في دمشق. الآن، يستطيع تقديم مشروع نقل الحكم للمعارضة الحقيقية، وليست المعارضة المزورة التي أوفدها النظام قبل أيام لعقد مؤتمر في إيران. الحل خروج عاجل للأسد، ونقل السلطة إلى المعارضة السورية، ربما برعاية دولية حتى إجراء انتخابات حرة يختار السوريون من يريدونه رئيسا.

نعرف أن الإبراهيمي سيرد ساخرا، إذا كانت الأمور بهذه السهولة فأنتم لا تحتاجون إلي! نقول إن السوريين ليسوا في حاجة إليه أن يطرح مشروعا سياسيا يطيل الأزمة، ويضفي شرعية على ما تبقى من زمن في رئاسة الأسد، ثم يودع المجرم بحفاوة. لن يغفر أحد للإبراهيمي أي حل مثل هذا، مهما كانت الصعوبات التي تواجهه في ابتداع وسيلة لإطفاء النار المشتعلة. إذا كان الموفد الأممي عاجزا عن التوصل للحل الذي يرضي الشعب السوري، وعاجزا عن رؤية الجرائم التي يرتكبها الأسد كل يوم، وعاجزا عن أن يحث أعضاء مجلس الأمن على وقف الإبادة التي يرتكبها النظام في واضحة النهار، إذن عليه أن يعود إلى بيته ولا يكون شريكا في التغطية على ما يحدث. نحن نعرف ونقدر تحذيراته المتكررة بأن حريق الأزمة السورية سيصل إلى بقية الدول في المنطقة ما لم يتعاونوا معه على حل ما، نحن نقول له ليس صحيحا أن دول المنطقة هي وراء ثورة السوريين، ولا تملك سلطة على وقفها، فعلا لن يمكن لأحد أن يملي على الثوار ما لا يريدونه وهم الآن قريبون من الانتصار أكثر من أي وقت مضى.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com