العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02/10/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سقوط نظام سوريا الحتمي سيترك حلفاءه في حال ضياع..؟؟ .. حسان القطب

المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات...

بقلم مدير المركز ... حسان القطب

القضية الفلسطينية هي محور الصراع في المنطقة، وتعتبر المشكلة الأساس التي على أساسها  يتحقق السلم أو الحرب في المنطقة. بالنسبة للعالم الإسلامي هي القضية المركزية، التي لا يتحقق الاستقرار دون حل معضلتها، سواء بتحريرها بالكامل أو بإقامة دولة فلسطينية ضمن أراضي حدود عام 1967، وعودة اللاجئين أو حل مشكلتهم في بلاد الشتات والانتشار وإنهاء معاناتهم وعذاباتهم وخاصةً في دولة العراق التي تدعمها جمهورية إيران..وبالنسبة لدول العالم أو المجتمع الدولي إن صح التعبير، تعتبر هذه القضية سبباً مباشراً في الإرهاب ونشر القلق في مختلف أرجاء الأرض وبالتالي يجب حل معضلتها وتجاوز أزمتها بأي شكل من الأشكال حتى يستقر الأمر ويحل السلام ويعم الاستقرار.. ولو على حساب الشعب الفلسطيني ومستقبله وتجاوز ونسيان معاناته وتضحياته..وحرمانه من إنشاء دولته المستقلة ولو على جزءٍ من أرض فلسطين..أو على الأقل بناء كيان ولو شكلاً يفتقد للحد الأدنى من مقومات الاستقلال والسيادة والحرية.. وحسناً فعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس حين توجه للمجتمع الدولي مطالباً بإعلان الدولة الفلسطينية ليخرج القضية وشعبها من بازار التجاذب والمتاجرة والاستغلال من قبل بعض التنظيمات والدول والمحاور..

والبعض الأخر من هذه الدول والمنظومات والمنظمات ترى في قضية فلسطين ومعاناة الفلسطيني سبباً في الاستمرار في السلطة وسبيلاً ومبرراً لقمع شعوبها والتنكيل بهم تحت اسم فلسطين وشعب فلسطين واستعداداً لتحرير فلسطين، فالنظام السوري لشدة تعلقه بالقضية الفلسطينية، أنشأ فرعاً مخابراتياً يخشاه كل مواطن تحت اسم (فرع مخابرات فلسطين) لفظاعة ما يتم تحت سقفه من ممارسات التعذيب والقهر والتنكيل.. وحلفاء سوريا في لبنان وباسم فلسطين وتحرير فلسطين، سمحوا لأنفسهم برعاية سورية وبعناية وتمويل إيراني بالحفاظ على سلاحهم الذي يستهدف الداخل اللبناني والشركاء في الوطن قبل العدو الرابض على الحدود، وتحرير الدولة من أملاكها العامة بالاستيلاء عليها غصباً وبغطاء سياسي بالغ الدلالة في كافة المناطق اللبنانية، قبل تحرير مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا. والنظام الإيراني الذي ينكل بالأقليات الدينية والعرقية والإثنية في إيران ويحرم شعبه وأبناءه من أموال النفط لينفقها على حماية مشروعه السلطوي في المنطقة، يمارس كل هذا باسم فلسطين وتحت شعار ويافطة مواجهة مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وهو مع ذلك يحتل جزر دولة الإمارات العربية، ويتدخل في البحرين واليمن ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها من الدول العربية تمويلاً وتدريباً واستهدافاً.. وفلسطين لا زالت محتلة ودولتها لم تعلن بعد، واللاجئون الفلسطينيون لا زالوا يعانون في بلاد الهجرة والشتات وفي مخيمات العذاب والمعاناة..كما في الأراضي المحتلة..

القاسم المشترك بين هذه الدول والقوى..(سوريا، إيران، العراق، حزب الله وحلفائه) هو الاتجار بقضية فلسطين ومعاناة شعب فلسطين.. فالقتل في سوريا يجري بوتيرة يومية متصاعدة لحماية نظام سوريا المستهدف من القوى (الغاشمة) ولكن على يد الشعب السوري، وهل من المعقول أن ينخرط شعب برمته في مؤامرة تستهدف نظام وعائلة حاكمة؟.. أم أن هذه الانتفاضة هي نتيجة ممارسات وسياسات ومعاناة متراكمة على امتداد سنوات وعقود من الظلم والقهر والقتل والتهجير والإبعاد..!! والهدف كما يقول إعلام هؤلاء من هذه المؤامرة هو ضرب تحالف القوى الممانعة والمقاومة وإضعافه لصالح قوى الاستسلام والانهزام..؟؟ لذلك وإحباطاً لهذه المؤامرة، أصبح قتل أبناء الشعب السوري مباحاً ومسموحاً.؟؟ تماماً كما أيد ودعم النظام السوري ما ارتكبه حزب الله وحلفائه في لبنان من فظائع في السابع من أيار/مايو من عام 2008، تحت عنوان حماية مشروع شبكة اتصالات المقاومة من مؤامرة يعد لها تحالف قوى الرابع عشر من آذار/مارس.. ولكن يوم السبت 24/9/2011، نشرت صحيفة النهار: (وأفادت أوساط متابعة أن "المدعو أبو عبد إسماعيل هرب من لبنان قبل شهر بمساعدة قوة كومندوس إسرائيلية لاقته عند قرية حدودية". وكشفت الأوساط لصحيفة "النهار" أنه (أبو إسماعيل) كان بمثابة وزير للبنى التحتية في الحزب الذي ينتمي إليه).. ولا يكفي أن ينفي حزب الله هذا الخبر لأنه لن يكون كافياً.. وشبكة الاتصالات ولا شك تعتبر من البنى التحتية..!

القضية الفلسطينية التي كانت عنوان وشعار المرحلة التي عشناها ونعيشها لضمان هيمنة أنظمة واستقرارها وتجاهل بطشها وجبروتها أخذت تتلاشى، وما يجري على الأراضي السورية اليوم يؤكد أن نظام سوريا لم يكن يستعد يوماً لمواجهة جيش الاحتلال ولا لتحرير الجولان، فالجيش السوري كما نراه اليوم ليس أكثر من فرقة مسلحة لحماية نظام وعائلة وسلطة لا تقيم وزناً لأرواح المواطنين وممتلكاتهم ولا لكرامات الناس وإنسانيتهم.. وهذا الانكشاف الفاضح لحقيقة النظام السوري ولطبيعة نظامه المقاوم لتطلعات شعبه، وغير الممانع للمفاوضات غير المباشرة والاتصالات الخاصة وعبر الوسطاء لم يكشفه وحده، بل كشف إلى جانبه مجموعة أحزاب تسير في ركاب حزب الله، التي ترى نفسها اليوم ملزمة بالوقوف إلى جانب هذا النظام في ممارساته رغم خطورة ما يرتكبه، ولكنه واجب الوفاء لتاريخ طويل من التعاون المشترك والتغطية المشتركة لارتكابات بعضهم البعض في لبنان سابقاً وحالياً، مماثلة للتي تجري اليوم في سوريا بحق أبناء الشعب السوري والفلسطيني، وهو الفريق نفسه الذي يدين ما يجري في العراق من أعمال تفجير تستهدف مناطق معينة ويتجاهل أعمال مماثلة تقع في مناطق مقابلة، وهل الإجرام أو أعمال التفجير تتفاوت أو تتباين ترجمة مفهومها بين منطقة ومنطقة أو بين مجموعة وأخرى: (فقد علق "حزب الله" في بيان أصدره على "الجرائم الإرهابية التي استهدفت المواطنين العراقيين في مدينة كربلاء"، بالقول: "لم تكف يد الإرهاب الإجرامية عن استهداف أبناء الشعب العراقي المسالم، وقتل أطفاله ونسائه، وتخريب ممتلكاته في مختلف المناطق، ولاسيما في المناطق المقدسة وعلى رأسها مدينة كربلاء". وعبر الحزب "عن إدانته لهذه الجريمة الإرهابية الجديدة"). أليس قتل الأطفال والشيوخ على يد جيش الأسد جريمة وتهدف لخدمة مشاريع مرفوضة أيضاً ويجب إدانتها واستنكارها..تماماً كما هذه الجريمة؟؟

 واليوم ونحو نتطلع إلى يوم قريب يتخلص فيه الشعب السوري من ظالميه ومضطهديه، نتساءل ما هو دور القوى والحركات والشخصيات التي ربطت مصيرها ومستقبلها ونهجها بنظام سوريا، وكيف ستقدم نفسها لمجتمعها وجمهورها ومواطنيها، وكيف سيتم تعريف وتفسير إستراتيجيتها الجديدة، بعد أن تهالكت مقولة المقاومة والممانعة التي لم نر منها شيئاً..؟ وما نطرحه هنا ليس تنبؤات بل بناءً على ما ورد في سياق هذا الخبر الذي نشرته إحدى الصحف المؤيدة لنظلم سوريا وحزب الله ويقول: (زار وفد رفيع المستوى من حركة «حماس»، يضمّ مسؤولين في الحركة من خارج لبنان، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله منذ نحو أسبوع. ودام اللقاء أكثر من خمس ساعات. وتناول الحديث ما يجري في المنطقة العربيّة من أحداث وتطوّرات وكيفيّة تنسيق المواقف من جميع الأحداث، «على مستوى محور المقاومة المكوّن من إيران وسوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية»). يبدو انه القلق الذي أصاب هذه القوى من شدة قوة وعزم وزخم الانتفاضة السورية التي ستنتصر حتماً مهما تحالف وتآمر عليها الذي اجتمعوا في هذا اللقاء وغيره لوأدها ومحاربتها والطعن بها والتشكيك بجمهورها وتضحياتها وشهدائها وعذابات معتقليها وتشويه شهدائها وآخرهم الشهيدة زينب الحصني، حيث نقلاً عن تقرير لوكالة رويترز: (أكدت منظمة العفو الدولية، أن الشابة السورية زينب الحصني (18 عاماً) من مدينة حمص، عثرت أسرتها على جثتها الممثَّل بها في مشرحة بالصدفة حين كانت هناك للتعرف إلى جثة أخيها. وذكرت أن الجثة كانت مقطوعة الرأس والذراعين ومسلوخة الجلد).. الشهيدة زينب سقطت لأنها واجهت السيف بالدم، أليست هذه ثقافة الإمام الحسين التي يحدثنا عنها حزب الله..؟؟ ومع ذلك يؤيد حزب الله سلطة السيف الظالم، ويتجاهل سفك دماء المظلومين في سوريا..؟ رغم أن المعاناة متشابهة والمفاهيم واحدة والضحية فتاة في مقتبل العمر..؟؟ وانتفاضة زينب ضد الظلم والطغيان والقهر والذل والعيش في حال الخوف من المخابرات والاعتقال تشبه إلى حد بعيد بل هي عينها طبيعة ومفهوم انتفاضة شعب فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومع ذلك حماس تتجاهل معاناة الشعب السوري ودور حزب الله ونظام إيران في دعم وتأييد هذا النظام، مقابل دراهم قليلة، وشعارات ترفع لفلسطين، ولكنها تستثمر للاستيلاء على السلطة في سوريا ولبنان والعراق والبحرين وغيرها..مصير حلفاء سوريا لن يكون أقل سوءاً من نظام الأسد نفسه لأن المشروع واحد، وشعب سوريا ولبنان واحد في دولتين كما كانوا يرددون، وسقوط نظام سوريا حتماً سيتبعه بناءً على هذه المقولة سقوط حلفائها في لبنان، لذا يجب أن يكون مشروعهم المقبل هو في العمل على الخروج من حال التبعية لنظام سوريا وإيران والانخراط في بناء لبنان الوطن إلى جانب سائر مكونات الكيان اللبناني وهو الخيار الوحيد، لأن سقوط النظام السوري سيتركهم في حال ضياع أو في مهب الريح..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعلم من ذئب إلى حمل ومن جلاد إلى ضحية .. محمد فاروق الإمام

من المفارقات التي تثير الإشفاق على النظام السوري أن ترى ذئابه يتحولون إلى حملان وجلاديه إلى ضحايا.. هذا ما أراد وليد المعلم أن يسوّقه في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو يحاول استدرار عطف المجتمعين بأسلوب مخزي ومعيب يستحي منه أي مواطن سوري، ويأنف أن يكون هذا الوليد ممثلاً لسورية والناطق باسمها في المحافل الدولية.

وليد المعلم الذي خرج علينا بالأمس يشطب أوروبا من خارطة العالم ويتحدى الشرق والغرب في أن يتمكنوا من لي ذراع النظام الذي هو أقوى من الخالق (أستغفر الله العظيم) كما جاء على لسان طالب إبراهيم أحد أبواق النظام المتهالك يوم الثلاثاء 27 أيلول الحالي وعلى الهواء مباشرة في برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة، وقف هذا الوليد كسير الجناح في الأمم المتحدة أمام العالم يتباكى على سورية التي يقطّع أوصالها ويذبح رجالها وشيوخها ونسائها وينكل بأطفالها ويمثل بفتياتها، ويستبيح مدنها ويدك دور عبادتها ويقصف مآذن مساجدها أسياده بدم بارد وعلى مرآى ومسمع من العالم منذ أكثر من ستة أشهر، في قمع ممنهج ومقنن لثورة سلمية خرج الشعب السوري متظاهراً بصدور أبنائه العارية مطالباً بالحرية والكرامة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وصولاً إلى الدولة المدنية التي غيّبها حزب البعث القائد والموجه للدولة والمجتمع بقوة البسطار منذ ما يقرب من نصف قرن، لتجد هذه الجماهير المتظاهرة التي لا تحمل بأيديها إلا الورود وأغصان الزيتون، سلاحها هتافات حضارية ونداءات محقة.. لتجد في مواجهتها الجيش بدباباته ومدرعاته ومجنزراته، التي ظلت لأكثر من أربعين سنة في جحورها لا تجرؤ على الظهور في مواجهة العدو الصهيوني الذي يحتل الجولان العزيز منذ ما يزيد على 44 سنة، ورجال الأمن ببنادقه ورصاصه، والشبيحة بالسواطير والسكاكين والعصي والهروات، ليكسروا شوكة الشباب الثائر ويعيدوه إلى مربع الخوف الذي كسره هذا الشباب بكبرياء وصبر وصمود لم يسبقه إليه أحد لا ماضياً ولا حاضرا.

وقف هذا الوليد بوجهه الكالح وجسده المترهل المتهاوي وقامته الخائرة كنظامه أمام العالم يردد ما سمعناه وسمعه العالم لأكثر من ستة أشهر عبر ناطقيه الرسميين وأبواقه المقرفين التي تأنف الأذن عن سماعهم والأعين من النظر إليهم.. وقف مردداً نظرية المؤامرة على سورية وما يحاك لها من تقسيم وتفتيت وفوضى، وانتشار العصابات المسلحة والخارجين على القانون والمندسين والسلفيين والمتطرفين والإرهابيين، الذين يروعون الناس ويقتلون رجال الأمن وشرفاء الجيش والأكاديميين ويدفعون البلاد إلى الدمار والخراب، وبعد هذه السلسلة من الأكاذيب يرفع المعلم رأسه ويحدق بالحضور عله يرى على وجوههم التأثر، فيجد البعض يتثاءب والبعض الآخر في أحاديث جانبية لا يعيرون من كذب هذا الوليد أي انتباه، وقد مجوا سماع هذه الأسطوانة المشروخة التي لم تعد مكان تصديق عند عقلاء الناس أو مجانينهم.

المعلم في كلمته انتقد العقوبات الاقتصادية الخجولة التي اتخذتها بعض دول العالم بحق النظام رداً على القمع الوحشي الذي خلف بعد ستة أشهر من الثورة ما يزيد على أربعة آلاف شهيد ومثلهم من المفقودين ونحو 40 ألف معتقل و30 ألف مهجر، وراعه مشهد جثمان حمزة الخطيب الذي نهشته أنياب ذئاب وضباع النظام، ومشهد حنجرة بلبل العاصي إبراهيم قاشوش وقد انتزعت من مكانها، ومشهد الفتاة زينب الحصني وقد فصل رأسها عن جسدها وقطعت أطرافها وبقر بطنها وانتزعت أحشاؤها، متذرعاً بأن هذه العقوبات – كما قال – تطال المواطن السوري في لقمة عيشه ورغيف خبزه، مدعياً أن النظام سيعمل على التخفيف من معاناة مواطنيه بكل الوسائل والسبل وتوفير الأمن لهم، ولسان حاله يقول: في رفع وتيرة قمعهم والتعجيل بقتل شبابهم وفتيانهم وفتياتهم، وحصار المدن والبلدات والقرى وتقطيع أوصالها، وقطع الماء والغذاء والدواء والاتصالات عنها حتى يعود الناس إلى زرائب مزارع أسياده، دون أن تهضم معدته المصابة بالقرحة المزمنة أن الشعب السوري العظيم قد شب على طوق العبودية وكسر قيوده وحطم أصفاده وداس خوفه!!

ولم ينس هذا الوليد مدح ولي نعمته والإطناب به في هذا المحفل الأممي - الذي لم يقابل من الحضور إلا بالاستهجان والسخرية - بقوله: (إن السيد الرئيس بشار الأسد أصدر قوانين الأحزاب والإعلام والانتخابات والإدارات المحلية وطلب إجراء مراجعة للدستور) مدعياً أنه (كلما تقدمت خطوات الإصلاح يزداد التحريض الخارجي والعنف المسلح المترادف مع العقوبات التي تفرضها بعض الدول، والتي تطال كل شرائح الشعب السوري، وبشكل مخالف لمبادئ حقوق الإنسان)، مدعياً أن (المشكلة الأخرى التي تواجه سورية هي نشاط الجماعات المسلحة التي تلبي التدخلات الخارجية)، ثم نراه يتكلم باسم الشعب السوري وكأنه ممثله الحقيقي والشرعي في هذا المحفل الأممي فيقول: (إن الشعب السوري يرفض التدخل الخارجي في شؤونه ولن يسمح لهم بتحقيق أهدافهم التي تخدم مصالح إسرائيل التوسعية) وهذه كلمة حق صدرت عن الوليد أراد بها باطل، فالنظام وحده هو من يخدم إسرائيل ويخدم مصالحها التوسعية وكل تاريخه وثائق وحقائق تدينه وتثبت أنه النظام الوحيد في المنطقة الذي حقق لإسرائيل ما لم يحققه لها كل أصدقائها منذ قيامها، فمن غير هذا النظام قدم الأرض لها (مرتفعات الجولان) وأمن حدودها ومزق فصائل المقاومة الفلسطينية وقسمها وأبعدها عن مواجهتها في جنوب لبنان، وزج بفدائيها في الأقبية والسجون والمعتقلات في سورية ولبنان، وجند بعضها لخدمة أغراضه وأجندته وتنفيذ مخططاته في المنطقة وفي العالم اغتيالاً وملاحقة لمعارضيه من السوريين والفلسطينيين واللبنانيين، ناهيك عن دعمه لإيران في حربها على العراق لثماني سنوات، ومشاركته في الحرب على العراق عام 1991 ودعم الغزاة الأمريكيين له عام 2003؟!

أخيراً يا أيها الوليد قليلاً من الحياء المفقود عندكم.. قليلاً من ماء الوجه الذي تبخر منذ زمن طويل عندكم.. قليلاً من الأحاسيس التي تبلدت في حنايا صدركم بفعل عوامل البطش والتنكيل، واستمراء الفساد والنهب والسلب والتدليس والتزوير.. قليلاً من شرف بعتموه في سوق النخاسة بثمن بخس.. قليلاً من ضمير غاب في أيام ليلكم الطويل، علها تنهض هذه البقايا مجتمعة من كبوتها، فتهز بقايا رجولة إن وجدت في ملامح وجهكم الذكوري، تعيدكم إلى وقفة مراجعة لهذا المنزلق الذي تسيرون فيه، وحسبكم فيمن سبقكم إليه أمثالكم في تونس ومصر وليبيا عبرة فيما آل إليه مصيرهم، وما كان يضيركم لو وقفتم وقفة مراجعة في صرح الأمم المتحدة وأعلنتم - كما فعل وزير خارجية ليبيا - انشقاقكم عن هذا النظام الدموي السادي وتبرأكم منه وإعلانكم الانضمام إلى الثورة الشعبية السلمية، وأن تكونوا إلى جانب الشعب الذي هو صاحب الشرعية اليوم بعد أن نزعها من النظام منذ اليوم الأول لهذه الثورة عقاباً له على قلعه أظافر فتية درعا وأطفالها الذين خطوا على جدران مدارسهم ببراءة عبارة (الشعب يريد إسقاط النظام)، وأنتم تعلمون قبل غيركم بحسب قربكم من النظام واطلاعكم على عوراته وخزاياه، واجتماعكم بصفوة الناس من دبلوماسيي العالم ومفكريهم وباحثيهم وما يتنبؤون به لهذا النظام من نهاية مزرية وفاجعة ونهاية حزينة لرموزه كما تنبأ الرئيس الروسي له!!    

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا رُوْحَ زينب حَلِّقي بِسَمَائنَا... شعر/محمد جميل جانودي

بَـكَتِ  الْعُيُونُ على البَتُوْلِ iiالطَّاهِرَةْ
دَمْـعًا  تَـلأْلأَ كـالْجُمَانِ iiالـنّاضِرة
هَـمَتِ الْـعُيُونُ وقـدْ تفَجَّرَ iiحُزْنُها
يَــرْوِيْ حِـكَايَة حُـرّةٍ أوْ iiثَـائِرةْ
يـا  بِـنْتَ حِـمْصَ إلامَ أنْتِ فريدةٌ
فـيكِ الـعُقُولُ بِـمَا انفَرَدْتِ iiلَحَائِرَةْ
رِفْـقًا  بِـنَا يَـا بِنْتَ حِمصَ iiفَرَكْبُنا
يَـمشي الْـهُوَيْنى في دُروبٍ iiجَائِرة
حَـثّ  الـشّبَابُ خُـطَاهُمُ في iiثَوْرةٍ
غَـرّاءَ  فـي وَجْـهِ الذّئابِ iiالْغادرةْ
فِـيْ  وَجـهِ منَ سلبَ الأنَامَ حُقُوقَهمْ
وفِـعَالُهمْ فـي كـل قُـبْحِ iiسَـافِرةْ
حـثَّ الـشَّبَابُ خُـطَاهمُ iiتَـحْدُوهمُ
قِـيَمُ  الـتّحَرّرِ مـنْ عُصُورٍ غَابِرَةْ
رامُـوا  الـثُرَيَّا كـي يَطَالُوا نَجْمَها
فـرَأَوْكِ  مِـنْ فـوقِ الثُريّا iiظَاهِرةْ
عَجِبُوا  منَ النّورِ الْمُسَطّرِ في الدّجَى
فَـتَسَاءَلُوا عـنْ سِـرِّ شمسٍ iiبَاهِرَةْ
مَـنْ  هـذِهِ كَـيْفَ ارْتَقتْ iiلِمقَامِها؟
أنّـى لـها بـينَ العُيونِ iiالسَّاهِرة!؟
مَـنْ  هَـذه؟ مَـنْ لَخَّصَتْ iiبجَبيْنِهَا
مـا  سَـوفَ تُبْدِعُهُ الْجُمُوعُ iiالهَادِرةْ
نَـظَرُوا  إِلَـيْهَا ثُـمَّ غَضُّوا iiطَرْفَهمْ
فَـرنَتْ  إلـيهِم بـالحَقِيَقَةِ iiجَـاهِرةْ
لا تَـعْجَبُوا يَـا إِخْـوتيْ أَنَـا iiمِنْكُمُ
أخـتُ الـشّهيْد وقدْ قضى iiبِمُظاهَرةْ
أَنَـا  زَيْـنَبُ الْحُصْنيّ بنْتُ iiديَارِكُمْ
بِـنتُ الْـبُطُوْلَةِ والـدّيَارِ iiالْـعَامِرةْ
أنَـا مَـنْ رُمِيْتُ بِما ادّعَوا مِنْ فِرْيَةٍ
وسَـعَيْتُ فـيْما سُـمِّيَتْ iiبِـمُؤامَرةْ
أَنَـا مَـنْ أتَـاهَا حَـاقدٌ iiمُـتَوَحِّشٌ
فـاغْتَالَهَا وقْـتَ الـعِشَاءِ iiالآخِـرةْ
ذَنْـبيْ بِـأَ نّـي أُخْتُ لَيْثٍ iiغَاضِبٍ
قـادَ  الـتّظَاهُرَ فـي أَتُوْنِ iiالْهَاجِرةْ
جَــاؤوا  إلَـيَّ وحِـصْنُهمْ دبّـابَةٌ
ويَـقُـوْدُهمْ مِـسْـخٌ لأُمٍّ iiفـاجِـرةْ
وَنُـزِعْتُ مـن أحْضَانِ أَهْلِي iiعُنْوَةً
فَـوَجَدْتُ  نفسيَ في صَحَارَى iiمُقْفِرةْ
وتـسابَقَ  الأوْغَـادُ فـي iiتَـعْذِيبِهِمْ
لـيَ بـالسّياط وفـي مَشاهدَ سَاخِرةْ
يَـتَـضَاحَكُونَ كـأنَّهُمْ فـي iiحـفْلةٍ
ويُـعَرْبِدونَ  كـأنّهمْ فـي iiمَـخْمَرةْ
بِـسُيُوفِهِمْ قُـطِّعْتُ إِرْبًـا وانْـبَرَتْ
روْحِي  لِتشْهَدَ ما جَرَى فيْ iiالْمَجْزَرةْ
حـتّـى إِذا مـا أيْـقَنَتْ iiوتـوثّقتْ
مـنْ  سـوءِ أَفْـعَالٍ لـهمْ iiمُسْتَقْذَرَةْ
صَـعَدَتْ  إلى الرَّحْمنِ تَشْكو مَا iiبِها
فَـغَـدَتْ  بـثَوبِ حَـنَانِه مُـتَدَثّرَةْ
وغَـدَوتُ  طَـيْرًا فِي ريَاضِ iiجِنَانهِ
ونَـعِمْتُ  فِـي خَـيْراتِها iiالْمُتَكاثِرةْ
وأتَـيْتُكُم  فـي حُـلْيتي iiوعَـبَاءَتي
حَـتَّى  أكُـونَ مُـعِيْنَةً iiومُـناصِرَة
فـامْضُوا  ولا تَـتَرَاجعُوا يَا iiإخْوتي
إنّـي  لَـكُمْ بـالنّصْرِ جِئْتُ iiمُبَشِّرةْ
قُـولوا  لأمّـيْ أنّ تَـاجَ iiشَـهَادَتي
يَـأتـي  لَـهَا ولِـوالِدِي بِـالمَغْفِرةْ
هُـبّـي  عَـليْنا يـا نـسَائمَ جَـنَّةٍ
فـي  لَـيْلَةٍ جـاءتْكِ زَيْنَبُ iiصابِرَةْ
مـا  كـانَ بـدْعًا يَا جِنَانَ الْخُلْدِ iiأنْ
تـتَـزيَّني، فَـلَقَدْ أتَـتْكِ iiالـطَّاهرَةْ
زُفّـتْ  إِلَـيْكِ عَروسُ حِمصَ iiبليلَةٍ
سـوداءَ  مـظْلِمةٍ فَـصَارَتْ iiمُقْمِرةْ
يَـا رُوحَ زَيْـنبَ حـلّقي iiبِـسَمَائِنا
فَـنُـسُورُ  ثَـوْرَتِنا إِلَـيْهَا iiطـائِرةْ
يـا رُوحَ زيْـنبَ غـرِّدي iiبهِضَابِنا
فـأُسُـودُ  ثَـوْرتنا عَـلَيْها iiزائِـرَة
إنَّ  الـزَّيَانِبَ فـي الـشآم iiكـثيرةٌ
يَـبْـغينَ صـدَّ فِـرَنْجةٍ iiوأكـاسِرةْ
كـمْ زيْـنَبٍ في سَاحِ ثَوْرتِنَا iiقضتْ
كـمْ زيْنبٍ في الرَّكْبِ كَانَتْ حَاضِرَةْ
كَـمْ  زَيْـنَبٍ مِـثْلِ ابْـتِهَالٍ iiوالعُلا
كـانَتْ بِـقَافِلَةِ الـشّهيْدِ iiمُـسافِرة؟!
يَـا آلَ زيـنبَ أَبْـشِروا إنَّ iiالمَلائِ
ئِـكَ حَـوْلَ زيـنبَ يَمنةً أو iiميْسَرةْ
يـا  شَعبَ زَيْنبَ، إنَّ زينبَ iiترتَجي
إقْـدَامَكُمْ، كُـونُوا لِـزَيْنَبَ مَـفْخَرةْ
يَـا أُخْـتَ زَيْـنبَ إنّ مَوْعِدَها iiغدًا
لُـقيَاكِ فـي جـنَّاتِ عَـدْنِ iiالآخِرةْ
يَـاَ  شـعْبَ سُـورِيّا الأبِيّةِ iiأنْصِتُوا
لِـوَصِـيَةٍ مـن زَيْـنبٍ iiمُـتَواتِرةْ
كُـونوا  حُـمَاةَ الـثّورة الكُبْرَى فقَدْ
لاحَـتْ بَـشَائرُ نَصْرِها في iiالْقاهِرةْ
وبِـتُونُسَ  الْـخَضْرَاءِ يَـوْمَ iiتلألتْ
وبـها اسْـتَضَاءَتْ لِـيْبِيَا iiمُسْتبْشِرةْ
وهُـنَاكَ  فِـي الْـيَمنِ السّعيدِ iiأَحبَّةٌ
مـأسُـورةٌ  لِـقُـلُوبِنا أو iiآسِــرَةْ
يـا شَـعْبَ سُـوريّا الْمؤصّلَ iiمَنْبِتًا
أهْـدِيْ  الـضّفَائرَ بـالدِّماءِ iiمُعَطَّرةْ
هَـذي  الـضَّفَائِرُ كُـنْتُ قَدْ iiخَبّأْتُها
بـينَ  الـدّمَا، أنْـعِمْ بِهَا مِنْ iiسَاتِرَةْ
مِـنْهَا  اصْـنَعُوا حَبْلَ النَّجَاةِ iiلِغَارِقٍ
يَرْجُو الخَلاصَ مِنَ الوُحُوشِ الكاَسِرةْ
وبِـهَا اشْـنُقُوا أعْتَى الطّغاةِ iiوركْبَهُمْ
مِـنْ  حِـقْدِهم تـغْدُوْ الشآمُ iiمُحَرّرةْ

السبتُ فِي 26/شوّال/1432 الموافِق ل 24/ أيلول/2011

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زينب الحصني حكاية مروعة.. فهل يهتز لها الضمير العالمي؟! .. محمد فاروق الإمام

لم يتبادر إلى ذهني للحظة من اللحظات أن سورية الحضارة والتاريخ.. سورية التي أهدت إلى البشرية أول أبجدية عرفها الإنسان.. سورية التي احتضنت حضارات تضرب جذورها في أعماق أعماق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف سنة، تحكي رقي الإنسان السوري ومدنيته.. سورية التي انطلقت منها جحافل الفتح الإسلامي التي وصلت حدود الصين والسند والهند وأسوار فينا وباريس، لتحرر الناس من عبادة الإنسان إلى عبادة الواحد الديان.. سورية التي كانت منارة تهدي إلى العالم الحب والسلام والأمن والاطمئنان والعلم والمعرفة، وتنبه إلى قيمة الإنسان وعلو منزلته، وتحض على احترام حريته وصون كرامته.. أقول لم يتبادر إلى ذهني في لحظة من اللحظات أن تتحول سورية الجميلة بفسيفسائها العرقي والديني والطائفي والمذهبي السندسي الجميل المتعايشة في سلم أهلي فريد، وربيعها الفواح بشذى عطر خمائلها الوارفة الظلال، إلى غابة تفوح منها رائحة الدم التي تخلفها قطعان الوحوش الكاسرة والضباع الجائعة والذئاب المتعطشة لسفك الدماء، وأشباه البهائم من الرجال آكلي لحوم البشر ترتع في جنباتها، دون رادع إنساني يرق لهم أو يشفق لحالهم وهم الأعزاء أبناء الأعزاء!!

ستة أشهر دموية تُلاك فيها لحوم السوريين والسوريات لم تشبع الضواري الهائمة في ساحات وميادين وشوارع وأزقة وزنكات وأحياء المدن والبلدات والقرى السورية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطاً.. لم ترو هذه الأشهر الستة بأيامها المئة والثمانون ظمأ المتعطشين للدماء الذين انفلتوا من عقالهم بلا حساب أو رقيب، والعالم عرباً وعجماً لا تتحرك لديهم جارحة أو يرف لهم جفن وهم ينظرون إلى لحم الحرائر المسلوخ وعظامهم المكسورة وأطرافهم المبتورة ورؤوسهم المقطوعة وكأن قلوبهم قدت من جلمود وجوارحهم وأحاسيسهم فاقت الدب الكسلان بلادة.

ستة أشهر ودماء السوريين تتفجر أنهاراً.. ولحوم أجسادهم تلاك وتلفظ في القمامة بقاياها.. ولا نسمع من الشرق والغرب والعرب والعجم إلا كلاماً تذروه الرياح لا صدى له ولا تفعيل على الأرض، تدفع آكلي البشر في سورية إلى الإيغال في فعلهم المجنون والتمادي في سفكهم للدماء تعيد إلى الأذهان ما حدث في سرليون وساحل العاج وكمبوديا.

حكاية الفتاة الحمصية زينب الحصني ذات التاسع عشر ربيعاً تحكي بعض فصول المأساة التي يعيشها الشعب السوري في فلذات أكبادهم، وقد سلخ جلدها وبترت أعضاؤها وفصل رأسها عن جسدها وأحرق وجهها البريء.. وقد سبقها قصص وقصص وحكايات وحكايات لم ترو لنا بطون التاريخ شبيهاً لها حتى في ظلمات القرون الوسطى ومحاكم التفتيش والنازية والفاشية، ولما تجف بعد فصول مأساة تعذيب الطفل حمزة الخطيب وبتر أعضائه التناسلية وحفر أخاديد في جسده، وحكاية بلبل العاصي إبراهيم قاشوش وقد انتزعت حنجرته ولاكتها أنياب الذئاب الحاقدة ليليها قصص وحكايات لا تقل بشاعة عنها ولعل قصة زينب أبشعها، ولم يكن مصابنا في حمزة الخطيب وإبراهيم قاشوش وزينب الحصني نهاية المطاف، فهناك المئات من هذه الحالات وقد يكون الآلاف ممن سجلوا في حالات اختفاء، قد تكشف الأيام القابلة بعض خيوط نسيج بقايا أعضائهم إن لم تكن أحرقت أو ألقيت في البحر.

ولابد لنا من أن نروي حكاية الفتاة الحرة زينب الحصني التي وقعت بأيدي شبيحة الأسد ورجال أمنه عندما داهموا بيتها بحثاً عن شقيقها الشاب محمد بسبب نشاطه في المظاهرات السلمية وعمله الدؤوب في إسعاف الجرحى غير آبه بزخات الرصاص التي كانت تستهدفه وتستهدف من يسعف من رفاقه، وكان ذلك صبيحة اليوم الثاني من أيام رمضان حيث اقتحموا بيت محمد بوحشية، ولما لم يجدوه اقتادوا شقيقته العفيفة الطاهرة إلى جهة مجهولة، وبعد خمسة أيام من اختطافها، اتصلت فتاة بأهلها وقالت إن زينب هي بيد رجال الأمن وأنهم مستعدون لتسليمها مقابل استسلام شقيقها المطلوب محمد، وحددوا مكاناً ضمن أحد الأحياء الغير آمنة فساومهم الأهل على مكان آخر في قلب المدينة، ولكن المتصلة أقفلت سماعة الهاتف وبقيت الأسرة ومنذ ذلك الحين لا تعرف عن مكان ابنتها أي شيء، وفي الثالث عشر من شهر أيلول فجعت الأسرة بنبأ استشهاد ابنهم محمد على يد رجال الأمن والمخابرات أثناء العملية العسكرية على حي بابا عمرو في حمص، يوم العاشر من أيلول، فتوجهت الأسرة لاستلام جثمان ابنها الشهيد الذي كان يرقد في ثلاجة المستشفى العسكري بحمص، وأثناء تواجد الأسرة في المستشفى علموا بطريق الصدفة عن تواجد فتاة في التاسعة عشر من عمرها في ثلاجة المستشفى فسارعت الأسرة المكلومة لتقصّي الخبر، لكنهم في البداية لم يستطيعوا التعرف على ابنتهم زينب لقد بدت مقطوعة اليدين من الكتف مقطوعة الرأس وقد أحرق وجهها، وكان واضحاً على ظهرها آثار التعذيب والحروق التي غطت جسدها كله.

لم يسمح لتلك الأسرة المفجوعة أن تستلم جثمان ابنتهم التي تعرفوا عليها أخيراً إلا بعد التوقيع على إقرار بمنعهم من تصوير الجثمان وبمنعهم من إقامة جنازة يحضرها الناس، وبالفعل فقد حملت الأسرة المكلومة جثمان شهيدتهم زينب لتدفنها في مقبرة باب السباع في جمع صغير من الحاضرين أقتصر على أسرتها وبعض الأقارب، لكن وبعد مغادرة المشيعين سارع الشباب إلى نبش القبر وتصوير تلك الجريمة البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية وتتبرأ منها كل ما يمت إلى البشر من صلة، لتضاف إلى آلاف الوثائق التي تدين هذا النظام وتعريه وتدفع برأسه مكبلاً بالأصفاد إلى قفص الاتهام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ويُنادى عليه يا قاتل الحرائر والأطفال.. فيرد (حاضر سيدي...).

ستظل زينب الحصني وحمزة الخطيب وإبراهيم القاشوش وأشباههم ممن مرت عليهم قطعان آكلي البشر في سورية، تحكي الصفحة الظلامية التي عاشتها سورية في ظل حزب البعث القائد للدولة والمجتمع.. وتروي حكاياتها جيلاً بعد جيل!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إسرائيل ضد التدخل الدولي في سورية .. غسان المفلح

منذ بدء ثورتنا السورية ونحن في هذه الأشهر التي مرت، نعاني مما نراه يوميا من فظائع يرتكبها نظام الأسد بحق شعبنا، وشعبنا كان حتى قبل شهر تقريبا رغم كل ماعاناه من قتل وتشبيح وتعهير لكل شيئ، لم يكن يطالب لا بحماية دولية للمدنيين ولا بتدخل دولي عسكري. ولم تكن هنالك مشكلة على هذا الصعيد داخل المعارضة، ومع ذلك لم تتوحد! والاطرف من كل هذا أن هنالك اتجاه لايحوول ولايزول داخل المعارضة منذ ما قبل الثورة، وخلالها يخون اطراف المعارضة الأخرى بحجة أنها مع التدخل الدولي، في سياق البدء بمؤتمرات المعارضة، أول تهمة وجهت لمؤتمر انطاليا، بعد شهرين من الثورة أنه مشبوه لأنه مع التدخل الأجنبي! الآن الوضع اختلف وهذا التيار لم يتزحزح أيضا عن موقفه المبدئي، ضد التدخل الخارجي، رغم أن الشعب منذ شهرين تقريبا وهو يطالب بتظاهراته اليومية بطلب حماية المدنيين وهذا يعني ببساطة أن الشعب قال كلمته في هذا الموضوع، وهي تعني فيما تعنيه، أن الشعب لم يعد يريد حشره في زاوية مميتة ضد التدخل الخارجي، والبديل من قبل هذا التيار هو الابقاء على آل الأسد. رغم أن الموقف هو العكس تماما من المفترض أن يكون" عدم تحميل المسؤولية عما يجري في سورية، لأي شخص أو مسؤول أو ضابط، خارج آل الأسد، أقصد أننا يجب لو كنا فعلا نتفهم طبيعة عمل السلطة وآليات اتخاذ القرار فيها، وكيف يتم تنفيذه، وما هي غايتنا من الثورة، وخاصة لجهة الحفاظ على وطننا السوري الحبيب، التركيز فقط في شعاراتنا، ونشاطاتنا على العائلة الحاكمة، صحيح أننا في سياق تحليلنا لشروط الانتفاضة وقيامها ومعيقاتها نتحدث عن تواطؤات هنا وهناك، وعن دور التطييف السياسي كمعيق لقيام الاحتجاجات في مناطق عدة من سورية، لكن ليس الغاية من ذلك محاكمة أهل حلب، وأكراد عفرين وراجو لكون الpkk قوي هناك، وأهل جبل حوران، او محاكمة فعاليات الأقليات المسيحية، أو الفعاليات في الطائفة العلوية، هذا تحليل نقوم به زاعمين أننا بذلك نحاول ان نجد أفضل السبل لكيفية مشاركة شعبنا في هذه المناطق بالثورة، والانضمام لها، وليس من أجل محاكمة معيارية وتوعدات مستقبلية، ما يجب أن ندركه جميعا، ولدينا أمثلة القذافي وعائلته وزين العابدين ومجموعته، أن الموضوع تمحور عندهم على تحويل آل القذافي لخارج السلطة، واتضح أيضا ان إحالة العائلات الحاكمة للتقاعد يعني أن نقلة نوعية تحدث في تلك الدول، وهي نقلة أساس، ولا غنى عنها. لهذا مهمتنا حماية شعبنا كله وليس فقط المدن التي خرجت في التظاهرات.

وهذا تعبير عن عمق اتماء هذه الثورة لعموم الشعب السوري، حتى لو كان القسم من هذا الشعب، لايزال إما مع النظام أو على الحياد. هذا ينطبق أيضا على التيارات من المعارضة التي تدعو للحوار مع القاتل، أو تحاول أن تجد مخرجا لآل الأسد بذريعة عدم التدخل الخارجي. نختلف صحيح، لكن هذه الجهويات الأفقية والعامودية يجب ألا تحجب عنا أن هدف الثورة يتجلى بإسقاط السلطة، ولكون السلطة مشخصنة وعائلية بطريقة مافياوية، فهذا يعني أن إسقاط آل الأسد هو المهمة المركزية وبعدها، ندخل مباشرة لبناء سوريتنا الجديدة بتضافر كل الجهود سواء من شارك في الثورة أم لم يشارك. وعلى الثورة أن تستمر في رسالتها هذه ولا تستمع للأصوات النشاز من كل الأطراف، لأنها ثورة لسورية كلها، وحرية لشعبها كله، وليس لقسم منه. بعد هذا الذي يبدو خروجا عن العنوان، أعود لأقول" منذ بداية الثورة كنت قد كتبت مقالا تحدثت فيه أن أهم عامل يعيق أي تدخل خارجي في سورية هو رفض إسرائيل لأي تدخل عسكري أو خلافه من شأنه أن يساهم في إسقاط آل الأسد، بشكل خاص" وهي ترفض وجود قوات دولية مؤللة من أي نوع كان على حدودها حتى لو كانت أمريكية.وحاولت تبيان لماذا؟

والآن لكون شعبنا رفع شعار طلب حماية المدنيين، فأعتقد ان من الواجب الحديث أن من يقف دوليا وفعليا ضد هذا الأمر لكي يتم بقرار من مجلس الأمن وفق البند السابع هي إسرائيل، أما الروس وغيرهم الغرب قادر على التعامل معهم كما أشرت إلى ذلك أكثر من مرة في السابق. وإسرائيل تدرك أيضا ان هذا النظام الإقليمي الذي ساهمت في بناءه منذ عام 1973 وحتى اللحظة مرتبط ارتباطا وثيقا ببقاء آل الأسد بالسلطة، وهنا أشير أن لا اتهمهم بالعمالة لإسرائيل، والموضوع ليس مؤامرة تحت الطاولة، هو اوضح من ذلك بكثير، هو تبادل مصلحي واضح بين طرفين، آل الأسد بالسلطة في سورية مع ماعناه ذلك وما يعنيه في حال استمرارهم، وإسرائيل كطرف ثان. وعلى المعارضة وخاصة قسم من المعارضة الإسلامية والقومية واليسارية أن تتخلص من هذه النغمة، في الحديث عن أولوية الصراع العربي الإسرائيلي، إن أكثر ما يحرج إسرائيل هو خطاب السلام وليس خطاب الحرب والتوعد والوعيد، الجولان يجب أن يعود هذا كلام لا غبار عليه، لكنني لست فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين، أقله مرحليا. لأن أهم جامع بين آل الأسد وإسرائيل هو عداءهما شبه المطلق للسلام العادل والشامل، الثورة لا تريد إرسال جيشنا للجولان، بل تريد عودة الجولان عن طريق السلام، وبشكل مطلق لايقبل القسمة على طرفين. وإذا كانت الثورة استخدمت شعارات توحي بذلك فهي لكي تقول أن هذا الجيش هو جيش العائلة ويجب أن يكون جيشا لكل الوطن، خاصة إذا كانت أرضه محتلة.

لهذه الأسباب وغيرها إسرائيل تقف ضد سقوط آل الأسد، ونحن لا نتهمهم رغم ذلك بالخيانة( رغم أن ابواقهم وقسم من معارضتنا يتهم بعض المعارضة الأخرى بالتعامل مع إسرائيل) بل هنالك تبادل مصلحي فاقع لمن يريد أن يرى من دعاة الممانعة والمقاومة، وأيضا هم يدركوا أن إسرائيل هي القوة الحقيقية التي تقف ضد رفع الشرعية الدولية عن النظام، وتحاول جاهدة استمرارها، حتى لو أفنى النظام نصف الشعب السوري، إسرائيل لاتريد أنظمة طبيعية ودولا طبيعية تحاصرها بالسلام، بل تريد عسكرة كاذبة بحجتها وفقرا وتخلفا وأنظمة مستبدة لكي تقول للعالم" ان إسرائيل هي الوحيدة الدولة الديمقراطية في المنطقة. مع ما تعنيه هذه المقولة من امتيازات لإسرائيل.

لهذا على الشعب الإسرائيلي أن يقف مع شعوب المنطقة في سعيها لنيل حريتها من هذه الأنظمة.

لو قلبنا المشهد السوري من كافة الجوانب لوجدنا أن العقبة الوحيدة أمام شعبنا لكي يخرج بدولة طبيعية ديمقراطية دولة قانون وحقوق إنسان ومؤسسات، هم آل الأسد بما يعنوه سلطة مشخصنة.

لهذا أنا مع خطاب السلام والاستمرار في مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل من أجل حماية المدنيين، وشعبنا سيتكفل بإسقاط النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

(زينب والذئاب).. "رواية" سورية! .. محمد أبو رمان

نشر : 27/09/2011

الغد الاردنية

لا يتصوّر من رأى بقايا الجثمان المتفحّم للفتاة الحمصية زينب ذيب الحصني (19 عاماً)، أن يكون من فعل بها هذا هم بشر، بل حيوانات مفترسة سادية، لا نراها إلاّ في أفلام الرعب الأميركية، لمن يعيشون خارج التاريخ، ويجدون طعامهم من البشر الأحياء بعد تقطيع أوصالهم واغتصابهم وتكسيرهم.

زينب اختُطفت من أمام منزل أهلها، من "شبيحة الأسد". وطلبت السلطات "الأمنية" من أهلها تسليم شقيقها محمد لإطلاق سراحها. بعد أسبوعين تسلمت والدة زينب جثتها مقطعة إلى أربعة أجزاء، وهي مفحّمة، وعليها آثار الصعق الكهربائي والتعذيب الجسدي والاغتصاب والتقييد. وهو مشهد (موجود على "يوتيوب") لا يملك المرء أمامه إلاّ الصدمة والبكاء، فلا يمكن أن نتصوّر تعذيباً وحشياً همجياً مثل هذا، ولا جزءا بسيطا منه في دولة مثل كيان الاحتلال الإسرائيلي!

شقيقها الشاب الصغير محمد، "المجرم" الذي شارك في مسيرات تطالب بالتغيير (!)، كان مصيره أبشع من شقيقته، فقد اعتقل بعد إصابته برصاص القناصة، وتسلّم ذووه جثمانه مقطعاً مكسّراً محروقاً ممثلاً فيه!

لك أن تتصوّر حال والدة هذين الشهيدين، وتنظر في عينيها، ماذا سترى؟! هل يمكن أن نسمي من يقوم بهذه الأفعال "نظاماً سياسياً"، مثلاً، بأيّ صيغة؟! هل مثل هؤلاء مؤتمنون على "قطة" حتى يحكموا وطناً ويتحكموا في رقاب وأمن الملايين؟!

بالطبع، قصة زينب ليست إلاّ مثالاً واحداً من آلاف الأمثلة اليوم في سورية، فالمقدم المنشق حسين هرموش أذلوا عائلته ونكلوا بأشقائه ووالدته العجوز وأقاربه وأبنائهم، قتلاً وتعذيباً، حتى تم اختطافه أو استلامه، وعشرات الفتيات (بالأسماء لدى المنظمات الحقوقية) معتقلات اليوم إلى حين يقوم أشقاؤهن بتسليم أنفسهم!

عصابة؛ تغتصب الفتيات، وتقتل الناس في الشوارع، وتهدم الأحياء على رؤوس قاطنيها، وتعتقل الأطفال وتعذبهم حتى الموت، وتعذّب كبار السن، وتحوّل المدارس إلى معتقلات للتعذيب، وفي مدارس أخرى يسأل معلمون (مخبرون) التلاميذ الصغار: "أيّ القنوات الفضائية يشاهد آباؤكم في المنزل؟" بشهادة المنظمات الحقوقية.

عصابة؛ تقتل المعتقلين بالعشرات، بشهادة محامي عام حماه المختفي (عدنان بكور)، وتضع خلف العسكري شبيحة وقناصة ليُقتل إذا رفض أن يقتل بسلاحه.

هل هنالك أسوأ من هذه السمعة لجيش يفترض أنّه يحمي البلاد والعباد، بدلاً من ذلك يصبح هتاف المسيرات في شوارع سورية "الجيش السوري خائن"!

المجتمع الدولي إلى الآن لم يحسم خياراته، وهو وإن كان يريد إضعاف "النظام"، بالعقوبات والحصار الاقتصادي والدبلوماسي، إلاّ أنّه يتخوّف تماماً من مرحلة "ما بعد الأسد". لذلك، فإنّ طلب الشعب السوري للحماية الدولية أو حظر الطيران لم ينضج القبول الدولي به بعد.

والحال أنّنا –اليوم- أمام إبادة حقيقية ومجازر يومية وانتهاك للكرامة والحقوق وآدمية البشر، واستخدام أبشع الوسائل والأسلحة الثقيلة، وجيش برغم الانشقاقات فإنّ قيادته ممسوكة بروح طائفية صارخة. فما الحل، طالما أنّ النموذجين التونسي والمصري لا يمكن أن يتحققا، والثورة السلمية لن تتمكن من تجنيب المدنيين الويلات الحالية؟!

المفارقة أنّ ما يمنح الثورة مزيداً من الصبر والثبات والانتشار برغم كل شيء، هي المجازر البشعة نفسها، إذ إنّ انعكاسها غير المباشر هو على تماسك مؤسسات النظام نفسها، وتحديداً العسكرية، إذ ارتفعت وتيرة الانشقاقات فيها، وتحول هؤلاء الجنود لمحاولة الدفاع عن المدنيين، ما يفتح الباب على درجة أكبر من الانشقاقات والانسحابات وتفكك النظام، وهو الرهان الذي يفتح لاحقاً على تدخل دولي وإقليمي بعد التأكّد من نهاية هذه الحقبة في الداخل، ونجاح إحدى أعظم الثورات في التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: أين المشكلة؟ .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

28-9-2011

لا توجد في سوريا مشكلة، هناك مؤامرة يتم التصدي لها بوسيلة صد المؤامرات: القوة. هذا كل شيء، ومن يرى غير ذلك هو إما مضلل من قبل الفضائيات والصحافة المتآمرة، أو أنه متآمر، وهو يستحق العقاب في الحالتين. إلى هذا، ليس من المنطقي أن يغير مسؤول نظامه الذي يقع التآمر عليه، وإلا حقق أهداف المتآمرين، الذين لا يريدون شيئا غير هذا التغيير، فإن أحدثه النظام استجاب لمطلبهم، بينما يتوفر لديه فائض قوة يكفي لقهرهم وردع تآمرهم، بل وإحراز انتصار حاسم عليهم. باختصار: ليس ما يجري ناجما عن أسباب داخلية تطال بنية النظام أو سياساته أو خياراته، بل هو تآمر خارجي له أدوات داخلية.

والمتآمرون لا يستهدفون النظام بسبب عيوب ما لصيقة به، بل بالعكس، إنهم يريدون رأسه لأنه نظام قليل العيوب، أو خال تماما منها، فليس من المعقول أن يتم التخلي عنه كليا أو جزئيا بحجة القيام بإصلاح مزعوم هو في جوهره تخريب متعمد له، مهما كان محدودا وبرانيا. لا إصلاح، لأن الإصلاح مطلب المتآمرين الذي يتسللون من خلاله إلى وعي الشعب فيحرضونه، والشعب طيب، بل هو ساذج، يصدق ما يقال له لمجرد أنه يبدو براقا ومغلفا بحديث الحرية والعدالة، أما النظام فهو يقظ وواع ويقرأ ما بين السطور وما في الصدور، وهو قادر على كشف النوايا ومعرفة الخبايا، لذلك يتمسك بنظرية المؤامرة مهما واجه من ضغوط، داخلية كانت أم خارجية، ويرى في تناغم هذه الضغوط الدليل القاطع على وجود المؤامرة، فلا يجوز أيضا التهاون معها والاستجابة لها، خاصة أن منزلق الإصلاح لا يقل خطورة عن مخاطر التمرد الشعبي، وأنهما يرميان كلاهما إلى تحقيق هدف واحد: إخراج النظام من حال التمكن والرسوخ ودفعه إلى مبارحة بنيته، فلا يستطيع بعد ذلك وقف ابتعاده عنها، فيضيع بعد حين مثلما جرى للبلدان الاشتراكية السابقة في شرق ووسط أوروبا.

إذن: لا إصلاح ينجزه الحاكم البصير والحذر، لأن أي إصلاح يفضي إلى النتيجة ذاتها التي تترتب على التمرد الشعبي، ولأنه من غير المعقول أن يضع حاكم نفسه في موضع يكون فيه خصم نفسه وعدو نظامه، وأداة بيد المطالبين برأسه! ماذا يحدث في ظل خيار رسمي كهذا؟ لا يخرج الشعب من الشارع بالقوة المفرطة التي تستخدم ضده، ولا يرى الشارع ضوء الإصلاح في نهاية النفق، ويقع تصعيد متبادل يزج البلاد في عنف رسمي متزايد والشعب في طريق آلام لا نهاية لها، تزيده غضبا على غضب، وتقنع أقساما متعاظمة منه بضرورة ممارسة عنف مضاد، إن تواصل وتفاقم كانت الحرب الأهلية وغير الأهلية النتيجة المباشرة للانسداد والتباعد بين سلطة تعيش على القوة وشعب يطالب بالحرية والعدالة، يفقده القتل الجرأة على التوقف عن الاحتجاج، بعد أن قدم تضحيات كبيرة يخشى أن يحولها العنف الرسمي ضده إلى حرب إبادة تطال وجوده كله، فيكون موته الآني بالمفرق، مهما كانت أعداده كبيرة، أقل تكلفة من موته المقبل بالجملة.

الغريب أن النظام لا يقر بأن هذا الوضع يعني أمرا واحدا لا لبس فيه هو وجود أزمة تتطلب المعالجة. إنه يرفض التفكير بهذه الطريقة، ويرى في الحال القائمة مجرد خروج على الأمن لا بد من إنهائه بالقوة، وليس أي شيء آخر مما تقوله حتى أوساط واسعة منه، ناهيك عما يقوله معارضوه وخصومه. ينزل الناس إلى الشارع بالملايين، وترفع شعارات ومطالب تتصل جميعها بالشأن العام وبموقفها من الواقع الظالم، بينما تبدو القوة عاجزة عن إخراج الناس منه، والأزمة مفتوحة على أسوأ الاحتمالات، ومع ذلك لا يقر أرباب الأمر القائم بأن هذه أزمة لا سبيل إلى التخلص منها إلا بالسياسة ووسائلها وقواها، لأن إقراره ينقض فرضيته حول المؤامرة وضرورة معالجتها بالقوة، وقد يخلق بلبلة في صفوف أتباعه يكون لها نتائج خطيرة وربما قاتلة بالنسبة له.

لو أقر نظام بوجود أزمة، لما استخدم القوة، لأنها لا تصلح لمعالجتها، وهو يتمسك بنظرية المؤامرة كي لا يستخدم السياسة، فيكون استخدامها بداية النهاية لتفرده بالشأن العام. هكذا يصير من الحتمي القول: النظام هو الذي خلق الأزمة، لأنه انفرد بالحكم والقرار طيلة قرابة نصف قرن، وهو الذي يحول دون حلها اليوم، لأنه لا يعتبرها أزمة ويسعى إلى حلها بأدوات لا تصلح للتعامل معها.

في السابق، كانت إدارة الأزمات فنا لطالما أتقنه أهل الحكم في سوريا، واليوم، يدير هؤلاء أزمة يحولونها بالقوة إلى مأزق ضحيته الشعب والوطن، دون أن يقروا بأنه نتاج أزمة من صنع أيديهم.

يعتمد النظام في مواقفه على سلبية العالم، التي تخرجه من موازين القوى الداخلية وتسهم بصورة غير مباشرة في ترجيح كفته على كفة الشارع. أما إداناته فهي ثمن مقبول لديه، ما دامت تغطي انسحابه وتؤكد خروجه من المعركة ضده، ولو إلى حين، بينما تزيد المحتجين والمتمردين شعورا بالعزلة والترك. في هذه الحال، يبدو الموقف الدولي وكأنه يكرر ما سبق أن فعله في تمردي شيعة وكرد العراق، عندما شجعهم على النزول إلى الشارع ضد صدام حسين، ثم تخلى وأحجم حتى عن إرسال بعثة حقوق إنسان من الأمم المتحدة كي تراقب ما يجري للبشر المساكين وحقوقهم الضائعة. لكن هذا الشعور بالترك يدفع الناس إلى مزيد من التطرف، وقد يقنعهم بالرد على العنف بالعنف، ويوهمهم بأنهم صاروا مخيرين بين موتين: الموت وهم عزل أو الموت وبيدهم السلاح، وأن الموت الثاني أفضل لهم، لأنه قد يتيح لهم قتل أحد ما من قتلتهم، فلا سلمية إذن ولا من يسالمون، ولا حرية ولا من يتحررون، بل: العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم: ذلك هو الفخ الذي نصبه النظام لهم منذ بداية تمردهم، والذي يراد للقوة المفرطة أن تجبرهم على الوقوع فيه، فيتفق واقعهم عندئذ مع الوضع الذي أراده لهم منذ بداية تمردهم ضده: أن يتحولوا إلى عصابات مسلحة قهرها أسهل منالا من إخراجها من الشارع: كجماهير سلمية تطالب بالحرية! تكمن مشكلة سوريا اليوم في التالي: إن من أنيط بهم تجنيبها الأزمات هم الذين يديرون أزماتها التي أنتجتها سياساتهم، والذين يحتجزون الإصلاح ويدفعون شعبها بالقوة المفرطة إلى منزلق العنف القاتل، لاعتقادهم أنه سيتكفل بالقضاء على طموحاته ومطالبه العادلة والمشروعة.

إلى أين من هنا؟ لا أحد يعلم بدقة، وإن كنا نؤمن كمعظم السوريين أن رهان السلطة على الإبقاء على النظام الحالي هو عبث يرجح أن يكون ثمنه وجود سوريا ذاتها!

* معارض سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الظاهر الملتبس في الهتاف الثوري .. سمر يزبك *

الثلاثاء, 27 سبتمبر 2011

الحياة

في ما يبدو أنه استكانة للقدر وتجلياته، تنحو الانتفاضة السورية إلى ابتداع قاموسها الخاص المستمد من مورث شعبي، تعيد إنتاجه بفرادة قلّ نظيرها. وما يمكن الحديث عنه كثير في هذا المجال الذي قد يخيل لكثيرين أنه ارتداد ديني للشعب المتروك وحده لموت يحصده منذ ستة أشهر ونيف.

والاستكانة القدرية التي تتجلى يوماً بعد يوم في حركة الاحتجاجات، لا تسعى إلى تطرف ديني بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما تبدو، في عمق ارتباطها بالذاكرة الجمعية والموروث الديني، كردة نحو بدائية مفرطة القوة، في الذهاب إلى أقصى درجات التحدي، بعيداً من منطق الفعل ورد الفعل، وإلى نزوع جماعي نحو الحرية، هو نزوع يائس من الحياة الواقعية، وحالم بحياة أفضل. وهذا نزوع مرتبط حكماً بالتربية الدينية وثقافة الاستعانة بالقوي الجبار الذي لا معين سواه.

«يا الله ما إلنا غيرك يا الله»، وهتاف آخر «وهيه ويا الله وما منركع ل الله»، وغيرها من الشعارات الدينية التي تطفو على الساحة في التظاهرات، وقد بدأت حركتها البيانية في التصاعد والتعاظم. هذه الصيحات المغنّاة وسط تشابك الخصور وتلويح الأيدي المشترك، في حركات جماعية منتظمة لا تخلو من طقس احتفالي مهيب، تحيل إلى الرقصات الجماعية التي كانت تقيمها التجمعات البشرية البدائية في رد لمواجهة أخطار الطبيعة والموت. كما تحيل تحديداً الى ما وصفه كلود ليفي شتراوس بالذاكرة الجمعية المتصورة لغريزة البقاء، عبر طقوس كرنفالية تختلف من عصر إلى عصر، ومن حضارة إلى أخرى، حيث نشأت من خلال طقوس محاربة الموت الجدات الكبرى لكل الاحتفالات والأهازيج الدينية والشعبية، والتي تحولت في التاريخ البشري إلى طقوس عبادة.

وفي الاعتماد على الله، الذي بات السوريون لا يرون أملاً سواه في الهروب من الظلم، وفي قولهم «الله أكبر»، استعانة بالجبار المحاسب، وهو الله، على الظالم والقاتل، وهو النظام، حيث لا يملكون أمامه سوى تقديم صدورهم العزلاء وحياتهم طلباً لحريتهم. وإن أنكر البعض من مؤيدي الانتفاضة صرخات الاستغاثة الاحتفاليه تلك، وأحالوها الى رمز ديني محض يعاظم مخاوفهم، وبالتالي قد يؤدي بالانتفاضة إلى فخ السلفية الإسلامية، فهذه حالة أقل ما يقال فيها إنها قسوة بشرية، وضيق معرفة بالمجتمع السوري. وحالة الهتاف هذه تتقاطع إلى حد كبير مع الصورة التي بدت عليها حركة الاحتجاجات عندما خرجت من الجوامع، فظهرت وكأن التظاهرات إسلامية، في حين أن الواقع الفعلي لا يعكس ذلك. فالجامع هو المكان الوحيد المسموح به للناس بالتجمع من دون رقابة أجهزة الأمن (لاحقاً سيمنع الأمن المصلّين من الدخول اليه).

لا يمكننا مطالبة اليائس من الحياة بألا يتجه إلى سند له، وضمن مرجعية الثقافة الحياتية. فالسند الواحد الأحد هنا هو الله، وأصواتهم وحناجرهم التي يقتلعها رجال الأمن وشبّيحته بين وقت وآخر في دلالة رمزية لخنق أصواتهم، هي خير دليل.

والصورة الأمثل لما يمكن الحديث عنه وسط التخوف المتعاظم مما قد تؤول إليه حركة الانتفاضة في حال استمر الوضع على ما هو عليه، تبدو مشروعة: فإصرار النظام على القتل اليومي، وعدم توحيد جبهة معارضة واحدة لملء الفراغ السياسي، هما الصورة التي سينتجها الشعب السوري بطريقته، وهي مفتوحة على احتمالات عدة. لكن، في هذا السياق تحديداً، أي مرجعية الهتافات الدينية، تبدو لكل شعب ثقافته ورموزه وأدواته التي لا يمكننا استبدالها بين ليلة وضحاها بمرجعيات حداثية غريبة عن واقعنا. والابتكارات التي لا يتوانى السوريون عن تطويرها في طريقة احتجاجهم، تنم عن أمرين: الأول انتماء حقيقي الى موروثهم الديني والشعبي، والثاني حس الحياة والانتصار لثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت. فالطبيعة التي تحتم على السوريين أن يدافعوا عن حياتهم كرد فعل غريزي على الموت ورغبة في البقاء، هي الدفاع عن أنفسهم بأي وسيلة تردُّ عنهم موتهم، هذا أضعف الإيمان في حال تُركوا للطبيعة الأم، لكن السوريين يستعيضون عن القتل والسلاح باحتفالات جماعية ذات طبيعة احتفائية، مصحوبة بالدعاء والاستعانة بالله. وهذه الاستعانة، حتى وإن بدت في وجهها الظاهر استكانة قدرية، فهي تشبه وإلى حد بعيد الالتفاف عليها. فتسليم الأمر لله هو تجاوز البشر والذهاب الى الأقصى في مواجهة الموت، أو ما يمكن القول عنه بنفي النفي. الله وحده يأخذ الأرواح، أما البشر فلا خوف منهم، مثل أقصى نقطتين في دائرة، بعيدتين من بعضهما بعضاً، لكنهما تلتقيان في الإحداثيات نفسها ضمن هذا البعد.

«يا الله ما إلنا غيرك يا الله»، هو القول الموجّه الى النظام السوري، على طريقة السوريين الخاصة، بدينهم ومعتقداتهم: لم يبق لدينا ما نخسره، نحن ضدك حتى الموت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زينب والبطريرك .. علي حماده

النهار

27-9-2011

مرّة جديدة يثبت النظام في سوريا انه كسر كل المحظورات في التعامل مع الثورة ضده. فسلوكه لا يعكس اقتناعاً بأنه قادر على النجاة بل انه سلوك انتحاري لكونه خلق استحالة حاسمة لأي تأهيل ممكن له، كما انه أرسى اقتناعاً، عربياً ودولياً، مفاده ان حكم آل الاسد في سوريا انتهى ويجب العمل على انهائه بدعم الداخل الثائر. فلا مكان لبشار الاسد في سوريا الغد، ولا مكان للحزب الحاكم ولاركان النظام الامنيين في الصيغة التي سترسو عليها سوريا. نقول هذا وقضية الفتاة بنت الثامنة عشرة زينب الحصني ماثلة في الأذهان، وقد وجدتها أمها مقطوعة الرأس والاطراف في براد مستشفى في حمص، وقيل إنها تعرضت لابشع انواع التعذيب والتنكيل والاعتداء اثر خطفها للضغط على أخيها ليسلم نفسه.

قصة زينب ليست الاولى ولن تكون الاخيرة، في وقت يكتشف العالم كيف يقتل الاطفال والنساء والعجز في سوريا. وفي غمرة أعمال القتل والاجتياحات نرى مراجع دينية في لبنان كالبطريرك مار بشارة بطرس الراعي وآخرين يطالبون بمنح بشار الاسد مزيداً من الوقت ليكمل اصلاحاته! ليت البطريرك المكثر من الحديث عن "الشركة والمحبة" في بعلبك والجنوب على موائد مشايخ "حزب الله" ووكلاء الولي الفقيه، والمتجه بخطى حثيثة صوب تحالف مع "حزب الله" والنظام في سوريا بحجة "حماية الاقليات المسيحية"، ليته ينظر قليلاً الى المجزرة المروعة الحاصلة راهناً في انحاء سوريا من أقصاها الى أقصاها. ليته يلقي نظرة الى صورة الطفل حمزة الخطيب، او الى صورة زينب بنت الثمانية عشرة ربيعا قبل ان يُقتلع رأسها وذراعاها عن جسدها. ليته يلتفت قليلاً الى اطفال درعا الذين اقتلعت اظفارهم فقط لأنهم بعمر البراءة كتبوا شعارات على جدار مدرسة. هذا في سوريا، اما في لبنان، فليته يتذكر معنا مسلسل النظام السوري في لبنان، ونكتفي فقط بالتذكير ببضع مئات من اللبنانيين المعتقلين في غياهب السجون السورية، وما سمعناه يذكرهم في جولاته في رحاب دويلة "حزب الله"!

لقد أثار البطريرك الراعي العراق ومصر مثالاً ليبرر دفاعه عن النظام في سوريا، وقد غاب عنه ان العنف في العراق ما كان سنياً، بل كان سنياً وشيعياً على حد سواء، وان التطرف السني ما كان عراقياً، بل كان اجنبياً دخل العراق من سوريا التي عمل نظامها على جعل البلاد محطة مركزية للقاعدة وانصارها للعبور الى العراق. وابو مصعب الزرقاوي نفسه دخل العراق من الاراضي السورية بحماية مخابراتية. اما في مصر، فالتوتر الطائفي كان سمة عهد الرئيس حسني مبارك، وجرى تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية برعاية وزير داخليته حبيب العادلي! اما الثورة المصرية فلم تشهد تفاقما للتوتر الطائفي الاسلامي – القبطي، بل تراجعاً ملموساً له.

وبالعودة الى سوريا، فإن قارئ التاريخ الجيد يعرف انها قبل قيام "جمهورية حافظ الاسد" لم تشهد اي توتر طائفي يبرر مخاوف مزعومة على سلامة المسيحيين، او يدفعهم الى تحالف اقليات مناقض لمعنى وجودهم في هذا الشرق العربي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطبقة الوسطى والانتفاضات .. د.طيب تنزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 27 سبتمبر 2011

الاتحاد

انفجر الوضع في تونس، حين كان "بوعزيزي" الخريج الجامعي يسعى للحصول على ما قد يخفف من حطامه المأساوي. لقد أخفق في تحسين وضعه المادي المتردي أو المتصدع، بل هو في ذلك عاش لحظة الإخفاق المذكور، وعاش كذلك لحظة أخرى هي الشعور بالذل واستباحة الكرامة. فوصلت إليه رسالة النظام الاقتصادي والسياسي والقيمي واضحة هائلة في أصدائها ودلالاتها: أنت لست إلا صفراً! وإذا استعرنا عنوان رواية للروائي الروسي الكلاسيكي "دستويفيسكي وهي "مُذلون مُهانون"، اتضحت الصورة التي جسدها "بوعزيزي" وأمثاله. فهو وهؤلاء كانوا يتأرجحون باضطراب بين الوسط والقاع في مجتمعاتهم. ففي حضورهم الوسطي جسَّدوا أولئك الشباب الناحين نحو إعادة بناء أوضاعهم الاقتصادية والمادية والاجتماعية المتحركة.

وفي هذا وذاك، كانوا يقاربون الفئات الاجتماعية الوسطى، في توجهاتها الخفيّة والمُفصح عنها، وذات البعد الإنساني الوسطي المستنير والطامح إلى امتلاك ثقافة منفتحة، إضافة إلى ممارسة حد من النشاط السياسي الوطني الدنيوي (العلماني).

ولكن الأحداث التي تتالت بعد عقود من الاستقلال الوطني، راحت تُهشم أولئك "الوسطويين" تحت سطوة الخراب الاقتصادي، الذي أخذ يخترقهم، يداً بيد مع تعاظم "مرحلة النفط السياسي" في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم، وكذلك بتعاظم وتائر الفقر والإفقار في أوساط القاع الاجتماعي العربي (ومن ضمنه السوري والتونسي وغيرهما). ها هنا، أخذت عملية استقطاب واسعة من الفقر والإفقار تفرض نفسها في معظم تجليات ذلك الواقع اقتصاداً وسياسة وثقافة وقيماً. وأخيراً، في سياق تبلور نمط من الاستبداد الرباعي (استئثار بالسلطة والثروة والمرجعية والإعلام)، راحت تُضبط احتمالات متسعة من تجفيف معظم المجتمعات العربية، وتُستكمل اتجاهات التقاطب الحاد بين ثمانين بالمائة من سكان غالبية تلك المجتمعات يعيشون في أحوال من الفقر والإفقار وكذلك من مظاهر الإذلال والاستباحة وبين عشرين بالمائة من السكان المعنيين يحوزون ويملكون ثمانين بالمائة من ثروة العالم العربي. كانت الفئات الوسطى تجد نفسها أمام تيار متصاعد من كل احتمالات التهميش وإعادة البناء الطاحنة، وهذا أنتج خطوات واسعة في عملية التطابق بين هذه الفئات الوسطى والقاع الاجتماعي.

ونلاحظ أن حالة تجفيف المجتمعات العربية، بقدر ليس ضئيلاً، لم تأخذ مظهراً واحداً تجلى في نشأة "الدولة الأمنية" الساعية إلى تحقيق حالة التجفيف تلك. بل أخذ الأمر مظهراً آخر (وربما مظاهر أخرى) تجلى في تغييب الفئات الوسطى عبر اختراقها وتناثرها في معظم القاع المذكور. وقد حمل هذا معه نتيجة خطيرة أفصحت عن نفسها في عقم هذه الفئات في إنتاجها السياسي والثقافي والقيمي المتوازن، كما في ممارستها ونشاطها في هذا الحقل. فالفئات الوسطى إياها، التي قامت - في مراحل سابقة بعد الاستقلالات العربية - على تحفيز الحركات السياسية والثقافية في المجتمعات العربية كما في غيرها، راحت تتراجع عن إنجاز ذلك، وتُفسح في المجال أمام نشوء فئات وجيوب بشرية فقيرة ومفقرة ومذلة ومعصية عن مصادر التنوير الثقافي والاعتدال السياسي الايديولوجي.

أمام ذلك كله، كانت أصوات تتصاعد لتعلن ضرورة التمسك بنمط من العُقد الاجتماعي المتوازن، وبأنماط من منظومات الفكر والثقافة والقيم في المجتمعات العربية، من دون الإنصات إليها. لكن ذلك لم يثمر لأسباب عديدة، قد يكون الإثنان التاليان منها مهمين جداً.

أما الأول فهو إن الفئات الوسطى غابت بنسبة كبرى من الفعل، باتجاه التغيير والإصلاح والممارسة السياسية المتوازنة، لكن السبب الثاني يتمثل في أن الأصولية الإسلامية خصوصاً، التي كانت احتمالاً لطرح قضية الاصلاح العربي والإسلامي، تحولت إلى موقع المنادي بتدمير المجتمعات العربية (المنحرفة والكافرة والخارجية)، مُعقدة بذلك تيار الإصلاح الوطني الديمقراطي، بيد أن الربيع الشبابي العربي لعله يعيد النظر في ذلك، من موقع التحولات العميقة المحتملة في الفئات الوسطى العربية أولاً، ومن موقع إعادة بنية عقلانية وديمقراطية للخطاب الأصولي على نحو مفتوح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حماية الثورة وحق الدفاع عن النفس.. مجاهد مأمون ديرانية

المركز الإعلامي

لقد رأيتموني أحاول جاهداً في المقالات السابقة أن أقنعكم بعدم التهور والاندفاع في عسكرة الثورة واستدعاء التدخل العسكري إلى البلاد، ولكن هل معنى هذا أن تستسلم الثورة وأهلها للذبح؟ قطعاً لا، لذلك ختمت دعوتي تلك بما سميته "إعادة تعريف السلمية"، ومن أساسيات تعريفي لها أن لا تتحول السلمية المحمودة إلى استسلام مذموم. سأوضح بتفصيل أكثر:

الفرق بين الثورة السلمية والثورة العسكرية هو في آليات التغيير. الثورة المسلحة تسعى إلى إسقاط النظام بالقتال والقتل، فتحمل جماهيرُها السلاحَ وتخوض معارك مسلحة ضد الخصم (النظام) فتقتل عناصره وتغتال رموزه وتهاجم مراكزه بالسلاح الخفيف أو الثقيل، حسب توفره، ويمكن أن تلجأ إلى العمليات الانتحارية وتفجير السيارات المفخخة لاستهداف مراكز وشخصيات أمنية، إلى غير ذلك من أوجه استعمال السلاح بكل شكل متاح. بالمقابل فإن الثورة السلمية ترفض أن تستعمل السلاح في فعالياتها الثورية وتعتمد على الضغط الجماهيري البشري السلمي كما رأينا في سوريا حتى اليوم.

لكن أجهزة النظام المجرمة لا تقتصد في حمل السلاح واستعماله، فتهاجم المتظاهرين العزّل بالرشاشات والقنّاصات وتقصف القرى والمدن بالمدافع وتقتحمها بالدبابات، أليس من حق الثورة السلمية أن تدافع عن نفسها؟ وهل تتحول إلى ثورة مسلحة لو فعلت؟

بلى، من حق الثورة أن تدافع عن نفسها. ولا، لن تتحول إلى ثورة مسلحة بمجرد الدفاع عن النفس.

* * *

الحقيقة أن الاستسلام لبطش النظام أمر مرفوض مرذول شرعاً وعقلاً، فالأصل أن يدافع المرء عن نفسه، وقد ورد في أحاديث صحيحة كثيرة أن من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، أو بأكثر إطلاق وتعميم ممكن: "من قُتل دون مظلمته فهو شهيد". المعنى العظيم الذي أستنبطه من هذه الأحاديث ليس مقام الشهادة لمن مات دفاعاً عن عرضه أو ماله أو مظلمته، هذا مفهوم بَداهةً، الأعظم منه هو الحثّ والتشجيع الضمنيّان على دفع الظلم ولو أدى بالدافع إلى الموت، لأن تفخيم جزائه يوحي بأن عمله محمود وأن الشرع يندب إليه، ولولا ذلك لخوّفَ منه وقلل من أجره.

لذلك فإن أي دعوة إلى عدم الدفاع عن النفس مردودة، إلا إذا ثبت أن الدفاع يتسبب في ضرر أكبر من ضرر عدم الدفاع، فعندئذ نعتمد قاعدة احتمال الضرر الأدنى في سبيل دفع الضرر الأعلى ونختار عدم الدفاع.

والدفاع عن النفس درجات، وبما أن المبدأ مقبول عقلاً وشرعاً كما قلنا فإن تطبيقه بتدرّجه الصحيح مطلوب طالما غلب على الظن عدم وقوع ضرر أكبر. خذوا المخبرين على سبيل المثال: إنهم يتسببون في اعتقال وموت آلاف الأبرياء في سوريا في هذه الأيام، ولا شك أن درء خطرهم وشرهم مباح، بل مطلوب، وهو يتدرج من الإنذار إلى الضرب إلى الجرح والتكسير، وصولاً إلى القتل إن لم يُدفَع شرّهم وضرّهم إلا بالقتل، على تفصيل سأذكره في مقالة لاحقة بإذن الله. ومثلهم الشبّيحة؛ أولئك أفراد عصابات لا عناصر أمن، والمرء يدافع عن نفسه إذا اعتدى المجرمون على ملكه، على بيته أو أهله أو نفسه، ويحق للمعُتدَى عليه أن يرد العدوان ولو بالقتل، فلا تترددوا في التخلص من الشبيحة كلما استطعتم إلى ذلك سبيلاً، ولن يُسمّى هذا تسليحاً للثورة ولا عسكرة لها.

ذلك من باب الدفاع الفردي، دفاع المرء عن نفسه، وأهم منه الدفاع عن الأحياء السكنية من اجتياح عصابات الشبيحة وعصابات الأمن الغادر. إذا امتلك أهل حي من الأحياء أو قرية من القرى سلاحاً واستطاعوا أن يدفعوا به تلك العصابات عن حيّهم وقريتهم فإنهم يُندَبون إلى ذلك ويُشجَّعون عليه، إلا إذا علموا أن الدفاع بالسلاح يمكن أن يتسبب في خطر أعظم، كأن يتسبب في الرد بالمدافع أو الاقتحام بالدبابات، وعندئذ سيصابون في أنفسهم وممتلكاتهم بأكثر مما كانوا سيُصابون به لو لم يدافعوا بالسلاح. أي أن القرار في هذا الشأن متروك لأهل كل منطقة، هم أدرى بظروفهم وبإمكانياتهم وبالمخاطر المحتمَلة، أما المبدأ فلا مشكلة فيه ولا خطر منه على سلمية الثورة بإذن الله.

* * *

لكن دفاع المدنيين عن مدنهم وأحيائهم ليس واجبهم أصلاً، إنما هو واجب الجيش، بل هو من صميم عمل الجيش، ونحن فقدنا الجيش حينما سرقه منا النظام وسخّره للدفاع عن العصابة الحاكمة، لكننا بدأنا -بحمد الله- باسترجاع قطع صغيرة منه تزداد عدداً مع الوقت، هي القطع العسكرية المنشقّة التي تشكلت في كتائب رمزية بقيادة الجيش الحر أو الضباط الأحرار (بحمد الله اتفق الطرفان على الاتحاد أخيراً، بعد كتابة هذه المقالة وقبل نشرها بأيام قليلة). هؤلاء المنشقّون المتمردون من الجيش يجب أن يقوموا بوظيفتهم، يجب أن يوفروا الحماية للمدن والقرى، للمناطق والأحياء السكنية، للمظاهرات والتجمعات السلمية… باختصار، إن وظيفة الجيش المنشق هي حماية الثورة السلمية.

لا شك أنكم تتابعون العمليات التي تعلن عنها كتائب الجيش الحر في حمص وفي دير الزور والبوكمال وجبل الزاوية وغيرها من مناطق سوريا، وأكثرها حتى الآن هي عمليات كتيبة خالد بن الوليد في حمص وريفها التي تنشرها صفحة الكتيبة في الفيسبوك. ما هو رأيكم بهذه العمليات؟ هل تتعارض مع سلمية الثورة؟ أما أنا فإن قلبي ينشرح كلما قرأت خبر استهداف حافلة للشبيحة بمن فيها أو اغتيال بعض مجرمي الأمن وعناصره على حاجز من الحواجز الأمنية، وأحس أن هذه العمليات هبة من الله للثورة السلمية من شأنها أن تساعدها على البقاء، لأن الثورة بحاجة إلى حماية لتستمر وتعيش في مواجهة النظام المجرم الذي أطلق عليها جحافلَ مجرميه النظاميين (الأمن) والمتطوعين (الشبيحة)، وأجمل ما في الموضوع أن عمليات الجيش الحر لا تؤثر في سلمية الثورة بأي شكل من الأشكال، لأن الثورة ماضية على منهجها السلمي الذي بدأت به من أول الطريق وجماهيرها يخرجون بأيد خالية من السلاح، سلاحهم حناجرهم التي تُطلق الهتافات وقلوبهم التي تَمدّهم بالجرأة والثبات.

بارك الله في جنود الجيش الأحرار الذين كوّنوا نواة الجيش الحر والذين ما يزالون يلتحقون به يوماً بعد يوم. هل توجد طريقة نستطيع نحن -جمهور الثورة- أن نساعدهم بها؟ لا شك أنهم هم من ينبغي أن يحدد شكل المساعدة المطلوبة، لكننا نستطيع أن نساهم ببعض الأفكار.

(1) تشجيع المجندين الشرفاء على الالتحاق بالجيش الحر. قد لا يكون اتصالنا بالجنود أنفسهم ميسوراً لعرض هذه الفكرة، ولكن الأهل يستطيعون لأنهم قريبون من أولادهم. إذا لم يستطع أهل درعا أن يقنعوا الجيش الذي يحاصر بلداتهم بالانشقاق والالتحاق بالجيش الحر فإنهم يستطيعون أن يصنعوا ذلك مع أبنائهم الذين يخدمون في حمص، ويستطيع أهل حمص أن يتصلوا بأبنائهم الذين يخدمون في القامشلي ويشجعوهم على الفعل نفسه، وأهل القامشلي يخاطبون أبناءهم الذين يخدمون في دمشق وريفها، وأهل دمشق وريفها يخاطبون أبناءهم الذين يخدمون في اللاذقية… وهكذا تتصل السلسلة وتصنع حلقة كاملة.

(2) يمكن للمدنيين أن يقدّموا مساعدة للعسكريين المنشقين بتوفير اللباس المدني لهم لإخفاء هوياتهم وبتهريبهم بعيداً عن مواقعهم العسكرية، ولكن لا ينبغي لأولئك المنشقين أن يبقوا مختلطين بالمدنيين فترة طويلة لئلا يعرّضوهم للخطر، لأن مجرمي الأمن يُجَنّون عادة بعد كل انشقاق ويضغطون ضغطاً شديداً على المناطق السكنية القريبة من مواقع الانشقاق بهدف البحث عن المنشقين، وحينما يُعثَر على عسكريين هاربين في بيوت المدنيين فإنهم يتعرضون لخطر القتل أو الاعتقال والتنكيل. لا أعلم ما هي الطريقة التي يصل بها المنشقون إلى وحدات الجيش الحر، لكني أعلم أن هذا هو ما ينبغي عليهم أن يفعلوه بأسرع وقت بعد انشقاقهم، وهو إجراء مفيد للطرفين، للمدنيين للسبب السابق ذكره، وللعسكريين لأنهم يصبحون في مأمن نسبي بعد وصولهم إلى إخوانهم من المنشقين السابقين.

(3) أتمنى أن توفر كتائبُ الجيش الحر الحمايةَ للمظاهرات السلمية في كل المناطق السورية. أعلم أن هذه الأمنية ما تزال بعيدة حالياً بسبب قلة عدد الجنود الأحرار، ولكن كل آت قريب، وما لا يُدرَك كله لا يُترَك قُلّه (أي قليله). لذلك فإنني أرجو أن يقدّم الجنود الأحرار من كتائب الجيش الحر كل الدعم الممكن الآن وفي المستقبل لكل نشاط ثوري سلمي، مع عدم تعريض أنفسهم لخطر الإبادة لا سمح الله، وهم عسكريون محترفون وسوف يَقْدُرون لكل ظرف قَدْره ويختارون الأسلوب الأفضل بإذن الله.

(4) الجيش الحر جاء من رحم الجيش النظامي، وغالبية عناصر الجيش النظامي هم عناصر "مرشَّحة" للانشقاق والانضمام إلى القوات الحرة ذات يوم، لذلك لا أرى استهداف عناصر الجيش النظامي إلا عند الضرورة وفي حالة تعرضهم للمدنيين بالأذى، باستثناء الضباط الكبار الذين يقودون العمليات ويصدرون الأوامر. وأرى أن يركز الجيش الحر عملياته على عناصر الأمن والمخابرات، وعلى الشبيحة بشكل خاص، لا سيما وأن قدراته القتالية ما تزال محدودة بسبب قلة عناصره من جهة وقلة ما بيده من سلاح وذخيرة من جهة أخرى. ما أكثرَ ما تفرّحني أخبار استهداف تجمعات الشبيحة وقتلهم وتخليص الناس من شرهم وأذاهم، أتمنى لو أسمع كل يوم خبراً من هذا النوع بعد الإفطار مرة وبعد الغداء مرة وثالثة بعد العشاء… اللهم زِدْ وبارك.

(5) في مرحلة لاحقة وعندما تشتد قوة الوحدات العسكرية المنشقة وتمتلك أسلحة متوسطة سيكون من أولويات مهماتها التي أرجو أن تهتم بها مهاجمة مقرات ومراكز الأمن والشبيحة بصورة متكررة، فمن الضروري أن لا ينعم أولئك المجرمون بأية راحة وأن يفتقدوا الأمان، وسوف يساهم ضغطٌ متكرر من هذا النوع في تحطيم نفسياتهم وفي تشتيت قواهم، فضلاً عمّا يقع في صفوفهم من خسائر فترتاح الثورة من شرهم.

(6) من الأهداف المستقبلية المهمة التي أرجو أن تركز عليها كتائب الجيش الحر -بعد تحسن وضعها القتالي- استهداف مراكز الاعتقال، بدءاً بالأهون وهي المراكز المؤقتة، كالمدارس والملاعب والمستودعات، وانتهاء بالأصعب وهي المعتقلات والسجون وفروع المخابرات ومراكز الأمن. إن نجاح الجيش الحر في تحرير أي عدد من المعتقلين في أي مكان في سوريا سيرفع معنويات الثوار في كل أنحاء سوريا بشكل كبير، وسوف يزيد الضغط النفسي على مجرمي المخابرات والأمن بإذن الله.

(7) كلما ابتعد العسكريون المنشقون عن السكان المدنيين كان ذلك أسلمَ للمدنيين، لأن مجرمي النظام -من أمن وشبّيحة- ينتقمون عادة من الأحياء السكنية التي تنطلق منها أو تُنفَّذ فيها عمليات كتائب الجيش الحر. على سبيل المثال: إذا استهدفت كتائب الجيش الحر حافلةً للشبيحة فليكن ذلك على الطرق الخارجية أو على أبواب المدينة لا وسط أحيائها، ما كان ذلك ممكناً، وليكن الأصل أن تتخذ القوات المنشقة مواقعها خارج المناطق السكنية لا داخلها، في أطراف وضواحي المدن مثلاً وفي المزارع والجبال، على أن تحتاط فتزرع نقاط إنذار كافية حول مواقعها حتى لا تتكرر مأساة الهجوم الغادر على مخبأ الجيش الحر في الرستن.

* * *

أعلم أن الأفكار السابقة ليست قابلة للتطبيق كلها في الوقت الحالي لأن أعداد الجنود الأحرار ما تزال قليلة، ولكني أرى أن الانشقاقات لا تكاد تتوقف في أي يوم، لقد صارت نهجاً مطّرداً في كل القطعات العسكرية بحمد الله (وهو أمر توقعته حينما نشرت مقالة "الأنظار تتجه إلى الجيش" قبل مئة وأربعين يوماً)، وبالنتيجة لا بد أن تزداد الأعداد بحيث تصبح كافية لتوجيه حرب عصابات فاعلة ومؤثرة ضد عصابات النظام من أمن وشبيحة في كل أنحاء سوريا بإذن الله تعالى. إن المهمة الملقاة على عاتق قيادات الجيش الحر كبيرة جداً، وبمقدار ما يتقنون عملهم ويحسنون استغلال الفرص والتواصل الناجح مع عناصر الجيش المتمردة والمنشقة سيصلون إلى هدفهم بوقت أقصر وبتضحيات أقل، وهم محترفون يعلمون ما يصنعون، فلندعُ لهم بالتوفيق ونسأل الله لهم النجاح والثبات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المرأة في عصر الثورة السورية... المناضلة والشهيدة ومربية الأحرار.. خولة حسن الحديد

موقع الإسلام في سورية

كانت المرأة السورية تتحمل عبئاً كبيراً من أعباء الحياة في المجتمع السوري قبل الثورة الباسلة، وقد تضاعف هذا العبء مرات في ظل الثورة لتدفع الضريبة الأكبر من تبعات واقع الحال الذي حوّله النظام السوري إلى جحيم في كل المناطق الثائرة.

لا يمكن لأي سوري يدرك الواقع الصعب الذي تعيشه الأسرة السورية منذ عقود أن ينكّر الدور الكبير للمرأة، ففي غالب الأحيان كانت المرأة هي الرافعة الحقيقية التي منعت السقوط المريع لآلاف الأسر السورية في بئر الفقر والحاجة والتشرد، ومهما تبجحنا بمسألة نيل المرأة لحقوقها في ظل حكم حزب البعث الفاسد، ووصول عدد من النساء إلى مناصب عليا في الدولة، فإنّ الواقع الحقيقي للمرأة السورية ينافي تلك الصورة التي دأب إعلام النظام على تلميعها بمشاركة من بعض من النساء أنفسهن اللواتي كنّ يسعين إلى مزيد من المكاسب التي اكتسبنها دون الالتفات إلى الواقع المرير للآلاف من النساء السوريات في الضواحي وأطراف المدن والقرى، وكأنّ هؤلاء يسقطن من حساب مؤتمرات المرأة وقضاياها..

آلاف من الأميّات في مدننا وقرانا.. وآلاف من الأرامل يربين أيتاماً بلا معيل، وآلاف من اللواتي يغادرن بيوتهن مع شروق الشمس ولا يعدن إلا مع غروبها وهنّ يقمن بالأعمال الزراعية التي تحتاج إلى جهد عضلي كبير يعجز عنه الرجال أحياناً.. تعجن المرأة الفلاحة في سوريا تراب الأرض بعرقها لتستنبته خيراً وخبزاً يكفي عائلتها ذل الحاجة، تعيل أخوات وبنات وأمهات أسر بأكملها من خلال العمل الزراعي الذي يمتد طوال العام ويواصلن مهمتهن كربات بيوت بعد العودة من المزارع بفرح كبير وقدرة مذهلة على العطاء؟؟ كل هؤلاء النسوة لا تتكلم عنهن مؤتمرات قضايا المرأة ذات الثوب المخملي، ومثلهن الآلاف يعملن في مصانع النسيج والأحذية والمنتجات الكيماوية والغذائية في ظل ظروف صحية وبيئية خطيرة أحياناً مقابل أجور زهيدة جداً، وفي بعض مناطق سوريا الزراعية المنتجة لبعض أنواع الصناعات الغذائية تقوم تلك القطاعات بشكل كامل على جهد المرأة، وفي كثير من المناطق ما كانت لتقوم زراعة ولا ما يستتبعها من إنتاج لولا جهد المرأة، وهي ذات المناطق التي تفتقر إلى أبسط مؤسسة حكومية تلبي احتياجات المرأة حيث لا مراكز صحية حقيقية ولا مراكز للأمومة والطفولة ليتضاعف عذاب المرأة وقهرها وحتى أحياناً موتها؟؟

فكم من امرأة توفيت خلال ولادة عسيرة لأنها لم تصل إلى مستشفى مدينة مجاورة؟؟ وكم منطقة زراعية تغيب عنها أماكن التطعيم والتوعية والعناية بصحة المرأة وأطفالها... كما أن تلك المناطق ذاتها والتي يقوم عليها جزء كبير من اقتصادنا الوطني هي التي تفتقر إلى أماكن التعليم والتعليم البديل وحتى محاولة وجود أبسط البدائل التي تكفي المرأة التي تعيل أسرتها أبسط احتياجاتها؟؟ ومع ذلك لم تعوّل المرأة على الدولة ومؤسساتها..تعلمت صبايا سوريا كل المهن النسائية البيتية من خياطة وتطريز ونسيج، تعلمت كل أنواع صنع الأغذية بيتياً.. تعلمت حتى صنع زينة النرجيلة التي يستمتع بتدخينها رجالنا.. كل ذلك لتتجنب الحاجة وطلب المعونة وتحمي أسرتها وتصون كرامتها وكرامة عائلتها.. وإلى جانب ذلك كله تقوم بواجب تربية الأبناء والأخوة.. هؤلاء الأبناء الذين ثاروا على الظلم والطغيان وقالوا إنّ كفى؟؟ وسطروا أروع قصص الشجاعة والتفاني ليعبروا بالفعل عن البيوت التي ربتهم والنساء التي أنجبتهم.

المرأة السورية المتعلمة والمثقفة لم تكن بأقل كفاحاً ونضالاً بأشكاله المتعددة، وخاصة لجهة الوقوف إلى جانب قضايا أهلها وأبناء شعبها، وقد كشفت الثورة السورية عن وجوه مشرّفة وناصعة البياض سيسجلها التاريخ كصفحات تتشرف بها سوريا، عشرات الصبايا من الكاتبات والإعلاميات والطبيبات والحقوقيات يتحديّن الظلم والقمع والقهر كل يوم مقابل فضح أفعال النظام، ومنهن من تعرضن للاعتقال والتعذيب وتهديد عائلاتهن وقطع أرزاقهن وفصلهن من العمل وخاصة من ينتمين إلى طوائف يظن النظام إنها معه بالكامل..فقد تعرضت عشرات الصبايا من بنات الطائفة العلوية إلى التهديد والاعتقال والضغط على عائلاتهن لأنهن شكلن عنصراً فعالاً في الثورة من خلال المشاركة في المظاهرات وزيارة بيوت العزاء، وفضح همجية النظام بكتابتهن، وأثبتن إنه ليس له طائفة إلا طائفة الفساد والبغي والجور، ووصل الأمر حتى الطعن بشرفهن وسمعتهن وفبركة القصص الدنيئة التي لا تعبر إلا عن أخلاق راويها، وكون هذا النظام الفاسد بلا أخلاق ولا يملك أيّ قيمة إنسانية اتخذ من النساء رهائن لكي يتوصل إلى ذويهن من أخوة وآباء ناشطين أو اعتقل ذويها لإجبارها على تسليم نفسها للأمن، وكلنا يعرف قصة الناشطة رزان زيتونة كيف اعتقل زوجها وأخيه كي تسلم نفسها، وكلّنا يعرف الجريمة الدنيئة التي ارتكبت بحق الشهيدة زينب الحصني التي اختطفت وبقيت رهينة ليسلم أخاها نفسه للأمن ومن ثم يصفي الأمن أخيها الشهيد محمد الحصني ويقتل زينب ابنة التاسعة عشر.. الزهرة المتفتحة ويمثل بجثتها بطريقة يندى لها جبين الإنسانية..

ولم تكن المرأة السورية ضحية أفعال النظام وسلوكه من اعتقال وتعذيب فقط، وإنّما كان للمرأة حصتها من الشهادة وقد تشرفت عشرات النساء بذلك، وكانت أول شهيدات الثورة الشهيدة حميدة النطرواي "الفياض" من مدينة تلبيسة التي صفيّت هي وابنها وهي عائدة من العمل في مزارع البيوت البلاستيكية بمدينة بانياس، لتوالى بعدها قافلة الشهيدات من درعا وريف دمشق وإدلب وجسر الشغور ودير الزور والرستن وكل مكان قال للقتلة لا نريدكم أن تحكمونا..

آلاف الشهداء تركن نساءهن أرامل وأمهات لأطفال، وغالبيتهن في أعمار الصبا وأطفالهن في عمر الطفولة المبكرة.. وتصمد المرأة السورية أمام كل هذا.. آلاف الشهداء تشيعهن الأمهات بالدعاء وطلب الرحمة ويشيعن أحزانهن إلى أرواح ستبقى هائمة فوق المقابر حتى تلحق بفلذات الأكباد... آلاف الأخوة تبكيهن الأخوات فإذا غاب السند فمن لي بعد أخي وشقيق روحي؟..مئات الأحبة فقدتهن الخطيبات والحبيبات.. لتستقبلهن عتمة القبور وليضيؤوا أيام سوريا وكرامتها بنور الشهادة.

آلاف المهجّرات مع عائلاتهن في الأردن ولبنان وتركيا وضمن مناطق سوريا الداخلية..أصبحن نسياً منسياً من منظمات حقوق المرأة السورية والطفل والهلال الأحمر السوري، وغيرها من جمعيات نسائية انتشرت في عهد بشار الأسد كالفطر ليتبين إنها ليست سوى جمعيات للبحث عن مصالح شخصية ومكاسب لا علاقة للمرأة على أرض الواقع بها.. ولم يكتفِ النظام الفاجر بتشريد النساء وعائلاتهن بل جند وسائل إعلامه لتشويه سمعتهن من خلال مداخلات أبواقه المدافعة عنه فمرة يقال إنهن نساء المسلحين، ومرة تشوه سمعتهنّ ومن خلال شراء ذمم بعض الإعلاميين الأتراك الذين أشاعوا أنباء عن اغتصاب النساء في المخيمات وتشغيلهن بالدعارة ورغم نفي الأهالي لتلك التقارير ونفي وزارة الخارجية التركية وفتح تحقيق بذلك إلا إن إعلام النظام ينتج البرامج الحوارية والندوات حول هذا الموضوع..وكأنّ هناك من يصدقهم غير أزلامهم وأبواقهم.. ولأن المرأة هي جرح الرجل ونقطة ضعفه ومقتله دائماً يلجأ أزلام النظام الفاجرين إلى طعن المعارضين بنسائهم وتشويه سمعتهم... وصدق من قال: "ما أشطر العاهرة في الحديث عن الشرف".

إن نساء سوريا منارة.. وفخر لكل سوري، المرأة السورية مكافحة ومناضلة وفلاحة وعاملة وثائرة وشهيدة هي درع للبيت السوري وللأسرة السورية وما زالت تدفع الضريبة الأكبر من تبعات أفعال هذا النظام الفاسد.. كل أم فقدت ابنها هي أمنّا..وكل أرملة شهيد أختنا.. وكل مناضلة هي صوتنا..وكل ثائرة هي نحن بكامل ما نريد ونطمح..

وكل شهيدة منارة شامخة.. وستبقى المرأة السورية صامدة بشموخها وعزتها وكرامتها المصونة ورأسها مرفوع عالياً رغم أنف المجرمين والقتلة وعديمي الخلاق والإنسانية... المرأة السورية هي عزة سوريا ومجدها القادم لأنها مصنع الأبطال الشجعان الذين واجهوا أعتى الآلات العسكرية بصدروهم العارية وعندما كانوا يعودوا شهداء كانت تتلو لهم النساء الأدعية وتحوّل جنازاتهن إلى أعراس بزغاريدهن ويفخرن بأنهن قدمن الشهداء..

وعندما استشهدت زينب الحصني خرجت كل النساء لتقول كلنا زينب.. ودم زينب دمنا... من يعرف أي امرأة هي المرأة السورية سيدرك تماماً نهاية النظام الفاسد الحتمية فالمرأة عندما تهز سرير طفلها بيدها اليمنى فإنها تهز العالم بيدها اليسرى.. وهاهي المرأة السورية تهز العالم بيمناها ويسراها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وحدة المعارضة السورية.. هل ستقضي على الداء؟.. د. خالد هنداوي

الشرق القطرية

مرة أخرى بل مرات لابد لنا أن نعيد التذكرة والذكرى إلى المعارضة السورية الشريفة عسى أن يكون في الإعادة إفادة ولا ريب أن الذكرى تنفع المؤمنين، ومن البداية يجب أن نتفهم أنه كما للمعارضة الميدانية المساندة للثورة أهميتها المتميزة في الداخل، فإن للمعارضة في الخارج دوراً كبيراً سيما أنها كثيرة الحجم متعددة التنوع رغم أنها مازالت بطيئة التحرك والتحرق في مواكبة أحداث الانتفاضة على الأرض من جهة وكذلك فإن الوعي الناضج المختمر المطلوب لهذه المواكبة مازال بحاجة إلى تفعيل فهو عند البعض مازال خطيراً وفجاً في التعاطي مع مشهد الثورة مع أن الموازين في سوريا قد قلبت عما كانت عليه قبل ستة شهور فقد تجاوز الشعب جدران الخوف وأصبحت الهبة التائقة إلى الحرية بكل جرأة وصراحة مكشوفة للعالم أجمع وتقدم في سبيلها كل أنواع التضحيات الأسطورية والبطولات الفريدة التي تسجل هذا التاريخ بالدم والصبر والتحدي بالإرادة الحديدية النابعة من حب الله والوطن والبارزة في جميع الاحتجاجات والهتافات ضمن مئات البؤر في هذا الوطن ضد نظام بربري وحشي بعصابة عائلية لا يهمها أن تسحق الملايين في سبيل البقاء والتشبث بالسلطة لقهر العباد والاستفراد بثروات البلاد.

 ومن هنا يأتي نداؤنا ورجاؤنا ببكاء القلوب قبل العيون للمعارضة أن تعمل على توحيد صفوفها فما كان شعار جمعة الثوار الماضية يدعو إلى وحدتها إلا لأهميته وأولويته داخلياً وخارجياً حتى رأينا العديد من اللافتات ترفع شعار الآية الكريمة (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، "آل عمران: 103"، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا)، "الأنفال: 46"، ونحن نعرف حكمة السري الرفاء:

إذا العبء الثقيل توزعته أكف القوم خف على الرقاب

وقول معن بن زائدة:

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا

وإذا النمل اجتمع انتصر على السبع كما قال سعدي الشيرازي وكما في المثل الكيني: إذا اتحد أفراد القطيع نام الأسد جائعاً. أقول فيا أيتها المعارضة هل نصل قريباً قريباً حتى نرى الأسد ينام جائعاً أو يلقى جزاءه خاضعاً خانعاً؟

إن التوحد هو الذي يهزم الشرذمة والتبعثر في الرؤى شذر مذر وهو الذي يجعل البعيد قريباً والبغيض حبيباً وهو بذلك أولى مواصفات أي معارضة مخلصة صادقة شريفة لأنه الدواء والشفاء ولا يليق بكم أن يقال لكم: كاد المريض أن يموت والأطباء مختلفون! إن الوطنية الحقيقية التي يجب أن تتمثلوها واقعاً على الأرض هي الحياة الحقيقية لكم أنى كنتم، فالأوطان ليس لها مكان، وهذه الوطنية إنما تعمل ولا تتكلم كما قال قاسم أمين وهل يكون موضع لوطني يبحث عن المصالح قبل المبادئ مثلاً وعن المغانم دون المغارم لا يهمه إلا أن يحجز مقعداً في الطائرة القادمة دون التفكير بجموع المسافرين، ويحضرني في هذا قول أمير البيان شكيب أرسلان: الفكر الوطني بالأجيال القادمة أما السياسي فيفكر في الانتخابات القادمة فمع من أنتم؟

اصدقوا ربكم وضمائركم تكن لكم قدم صدق عند ربكم ويكن لكم القبول عند الجماهير كما قال أمين الريحاني: ازرع الصدق والرصانة تحصد الثقة والأمانة، وذلك لأن الصدق منجاة والكذب مهواة ويكفينا في هذا نصيحة مالك بن دينار: لو وضع الصدق على جرح لبرأ ويا أحبابنا في المعارضة ثقوا بالله وبأنفسكم وتبادلوا هذه الثقة في تعاملاتكم مع إخوانكم في أي معارضة، بل حتى مع غير المسلمين إن كانوا عون صدق على نصرة الثورة وإن قلوا وما ذلك إلا لأنكم بهذه الثقة تنتصرون على أنفسكم فتكونون أقوياء وكذلك ستلهمون الآخرين الثقة كما قال غوته وبذلك تسودون كما قال شوقي:

كم واثق بالنفس نهاض بها ساد البرية فيه وهو عصام

ثم عليكم بالعدل في كل ما تقولون وتعملون وحذار أن تغلب الشهوة والطرفية والعنصرية في مجالس معارضتكم فتسيئوا التوزيع عددياً أو تضربوا من يكون تحت السيطرة وتبعدون الأكفاء إذ عندها لن يكون فرق كبير بينكم وبين الذين نعاني من ظلمهم في هذا المجال.

فبالعدل قامت السماوات والأرض، وإننا أمام صناعة حياة وطنية حرة ديمقراطية ودولة مواطنة تعددية فلا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. نقولها للعلمانيين والليبراليين واليساريين والإسلاميين جميعاً تجاه بعضهم بعضاً، فالعدل سائس عام والجور عارض خاص، كما قال علي رضي الله عنه والعدل كالغيث يحيي تربتكم وهو السيف الذي لا غمد له كما قال محمد عبده وإن أي مجلس أو هيئة أو لجنة تقوم من قبلكم لا عدل فيها فهي النهر دون ماء فما الفائدة، فالعدل أساس الملك وهو مع القوة والأمانة ضمان لصاحبه بينما القوة دون عدالة كما في بلادنا سابقاً واليوم فهي طاغية تفرق ونحرق.

أين الغيورون الذين يقدمون مصلحة الأمة على ذواتهم ولا ينامون الليل من أجل أن يستريح الأحرار لو قليلاً، يرون الدماء تنزف فيبكون من قلوبهم ويواسون ويعينون بكل ما يستطيعون، فالغيرة بناءة والغفلة هدامة وأي وجدان وضمير لمن يبقى صامتاً حيادياً أمام ما يجري من مآسي تنهد لهولها الجبال الراسيات.

ولذا وبهذه المناسبة فإننا نرى أن أي معارضة لا يكون هدفها إسقاط النظام ومحاكمة المجرمين هي معارضة دونية لا ترتقي إلى مستوى مطالب الداخل من جهة أنها ستحاور النظام وستكون خائنة لدماء الشهداء وستكون قاصرة النظر في التعاطي مع أناس لا ينفع معهم الحوار أبداً لأن فاقد الشيء لا يعطيه ومتى صح الحوار مع أعداء الشعب إلا إذا صح حوار الذئب مع القطيع. ولذا ما قد يسمى معارضة في الداخل لبعض الجهات والتنسيقيات التي تقوم مؤتمراتها بإذن النظام ويسمح للحضور الإعلامي أن يغطيها لن يأتي من ورائها خير لسوريا وإنما ستكون حال حدوث انضمامها إلى حكومة معارضة برئاسة بشار كالجبهة الوطنية التقدمية التي دعيت إلى طبخة الحكومة فأكلت منها ولم تشارك بأي رأي حولها فكانت جزءاً لا يتجزأ من كل ظلم وقع على الشعب الصابر المسكين، والذي يدل على ذلك أن المعارضة التي هبت في الداخل قبل شهرين باسم مؤتمر الإنقاذ هوجمت مقراتها في القابون واستشهد ستة عشر شهيداً كيلا يسمح بقيامه فاستعاض الأحرار أن قاموا به في تركيا، وهكذا وبعد هذه الدماء الغزيرة في طول سورية وعرضها يجب ألا نقنع إلا بمعارضة قائمة على معايير الحق والعدل وإسناد الثورة بكل حق وصدق وشفافية وأن يكون أول شعاراتها التي تسعى إليها إسقاط النظام بكامل أركانه والحفاظ على السلمية ما أمكن والبعد عن الطائفية وما شابهها، وعلى المعارضة الشريفة ألا تكترث بالشماعة التي ينصبها الغرب والشرق وقاصراً النظر في الوطن أن البديل عن النظام الحالي الإسلاميون، فهذه خدعة وشعبنا السوري قالها في جميع المظاهرات إنها دولة مدنية ديمقراطية وأن الثورة تعادي الطائفية ولا تفكر في الثأر وإن كانت تصر على محاسبة الجناة وطنياً بل دولياً، إن على جميع كتل المعارضة أن تلتئم تحت سقف واحد يتنازل فيه الوطنيون لبعضهم في سبيل المصلحة العليا للشعب الصابر المصابر والشباب الأخيار الذين ينتظرون وحدة المعارضة بفارغ الصبر لتكون خير سند لهم بعد الله تنصرهم وتخدمهم في المحافل الإقليمية والدولية ضد هذه الطغمة المجرمة.

فلا فائدة في معارضة لا تتحرك ولا تتحرق لصون أهلها في الداخل، ولعله من العيب علينا أن نرى الغرب مثلاً يضغط على النظام الغاشم بالعقوبات وما عليها وإن إيران وحزب الله وروسيا والصين تقف معه ونحن مازلنا بعداء عن التوحد الحقيقي أمام هذا الخطر، لقد قالت العرب: إن المحن تذهب بالأحن، فهل تبقى الرواسب وبعض تصفيات الحسابات بين أي كتلة أو شخصية مانعة من التوحد لإنقاذ العباد والبلاد أو أن الغليان الوطني الذي حقه أن يزداد ثورة وخاصة بعد اختطاف الفتيات في حمص وتعذيب الشهيدة زينب الحصني وإعادتها إلى أهلها بعد أيام مقطعة أربع قطع مشوية الرأس سيجعل المعارضة ذات إحساس مرهف استجابة للدين والغيرة والشرف ألا وثبة عمرية وهبة وليدية وحكمة عربية إسلامية تنقذ الموقف فإن الله سائلنا جميعاً يوم القيامة وقد خاب من حمل ظلماً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا أحرار الخارج: ادعموا الثورة.. مجاهد مأمون ديرانية

المركز الإعلامي

هذه المقالة موجَّهة إلى سوريي الخارج الذين يعيشون في الغربة والشتات، فلا داعي لأن يُتعب أهل الداخل أنفسَهم بقراءتها (إلا من كان منهم من الأثرياء)، وهي موجهة أيضاً إلى كل عربي حر أبيّ ومسلم مؤمن صادق الإيمان.

يا أيها الناس: إنكم لا تزالون عامّةَ شهركم تشترون وتنفقون، تشترون الغذاء الذي تأكلون والكساء الذي تلبسون، وتدفعون إيجارات البيوت وأقساط المدارس وفواتير الكهرباء ومصاريف السيارات التي تركبون… وكل ذلك في سبيل سلع مستهلَكة ومشتريات لا تدوم، فالقوت يَفنى واللباس يَبلى، والإيجارات والأقساط والمصروفات كلها تدور في حلقة لا تنتهي، فلماذا لا تدفعون وتستثمرون في سلعة لا تفنى ولا تبلى ولا تزول، سلعة تتنعّمون بها ويرثها منكم الأولاد والأحفاد؟ تقولون: وأي سلعة تنطبق عليها هذه الصفات؟ ألا تعلمون؟ إنها "الحرية" التي فقدها آباؤنا فحُرمت منها ثلاثة أجيال، وقد آن لنا أن نسترجعها لتبقى لنا وللأجيال اللاحقة. ولكنها لا تأتي بلا ثمن، والثمن غال، فتعالوا نشارك بدفعه.

إن ثمنها الدم. لقد جاد بالدم إخوانكم على أرض الشام، ولكنها بقيت من الثمن بقيةٌ تُدفَع بالمال، أفلا تدفعون قليلاً من المال حينما فاتكم أن تدفعوا كثيراً من الدم؟ لقد قرر أهل سوريا أن يعقدوا الصفقة وأن يشتروا "الحرية" بالثمن الأغلى، لكن الدين والمروءة والأخلاق تأبى أن يُترَك أهل الداخل ليواجهوا المحنة وحدهم، لذلك فإنني أرسل في هذه المقالة نداء إلى كل سوري يقيم خارج سوريا، وإلى كل عربي وكل مسلم:

إن النظام المجرم يسعى إلى خنق الثورة بخنق حياة الناس، ويحاول أن يحطمها بتحطيم أسباب المَعاش التي يعيش عليها الناس. إنه لم يكتفِ بأن حاصر أهل الثورة في مدنهم وفي قراهم، بل زاد على ذلك فدمر أقواتهم وممتلكاتهم، ولم يَسْلم منه حتى الزرع ولم تسلم الماشية، بل إنكم رأيتموه وهو يبيد حتى الحمير! فإذا لم يعوّض أهلُ الخير على أهل الثورة خسائرَهم فلن يلبثوا أن يعجزوا عن الحركة. ثم إن النظام قتل واعتقل وطارد وشرّد وحاصر، فحال بين الناس وبين أعمالهم وأرزاقهم. في هذه الظروف العصيبة يأتي دور الأخ القريب والصديق الوفي. لقد قاموا هم بحصتهم من الواجب خير قيام، وما بقي من الواجب هو حصتكم يا أهل الخارج الشرفاء.

* * *

يا أيها السوري المغترب: أن أهلك في الداخل يخوضون الحرب بالنيابة عنك، ليس ليكسبوا هم وحدهم بل لتكسب أنت أيضاً ويكسب أولادك، لتعود إلى بلدك كريماً وتعيش فيها كريماً ويعيش فيها أولادك وأولاد أولادك بحرية وكرامة. فلا تتنكّرْ لأهلك، بل ابسط إليهم يديك بما تستطيع من دعم ومساعدة، وأقله المال. إن النظام المجرم يخنق الأحرار في سوريا ويضيّق عليهم سُبُلَ الحياة ليخرّوا على قدميه راكعين مستسلمين، ولن يفعلوا بإذن الله… ولكنهم يعانون اليوم وسوف يعانون في الغد وغداة الغد ما لم تُمَدّ لهم اليد بالمساعدة. آلاف الأسر انقطع عنهم المال بسبب غياب المُعيل تحت التراب، وعشرات آلاف بسبب غياب المعيل في المعتقلات، ومئات آلاف بسبب الحصار.

إنهم ماضون في ثورتهم بك وبغيرك من العباد، قد اعتمدوا على رب العباد ووثقوا بنصر رب العباد، وجاء دورك لتفيض عليهم مما رزقك الله. ولكن لا يخطرنّ لك ببال أن تَمُنّ عليهم بما تدفعه لهم، ولا تظنّنّ أنك تتنفّل بمساعدة أهلك بالمال؛ لا، إنها الفريضة عليك بعدما قاموا هم بالعبء الأكبر بالنيابة عنك. ولا تدفع مرة وتقول: قد وفيت بالذي عليّ! أرأيتهم خرجوا بمظاهرة مرة ثم قالوا: قد وفينا بالذي علينا؟ إنهم لا يتوقفون ما دام عدوهم وعدوك في قصر الرئاسة في الشام، وأنت حريٌ بك أن لا تتوقف ما داموا هم لا يتوقفون.

حينما نشرت مقالة "إلى أهلنا في الغربة والشتات: ادعموا صفحات الثورة" كان في نيتي أن تكون واحدة من عدة مقالات أخاطب فيها سوريّي الخارج وأقترح عليهم فيها وسائل لدعم الثورة ولدعم إخوانهم في الداخل، ثم تشعبت بي سبل الحديث وقال غيري ما كنت أريد قوله فلم أجد داعياً لإضاعة أوقات الناس بكتابة المزيد. لكنّ موضوعي الذي أناقشه اليوم أعادني إلى تلك الأفكار، وكما تتوقعون (وكما سمعتم من غيري) فقد كان الدعم المادي واحداً من أهم ما ينبغي أن أتحدث عنه وأحثّ عليه أهلنا في الخارج.

لن أضيع وقتكم إن عدت اليوم إلى هذا الموضوع، فالحاجة لم تتوقف ولم تتراجع، بل هي في ازدياد مع ازدياد معاناة أهلنا في سوريا. منذ اليوم الذي نشرت فيه مقالة "إلى أهلنا في الغربة والشتات" في السادس من تموز إلى اليوم تضاعفت الحاجةُ عدةَ مرات، وزادت معاناة الناس عدةَ أضعاف، وما يزال السوريون الذين يعيشون في الخارج مقصّرين في استشعار الهمّ ومقصّرين في تقديم الدعم اللازم.

سأروي لكم حادثة واحدة: بعدما نشرتُ تلك المقالة بأيام دُعيَت زوجتي إلى حفل أقامته إحدى الأسر السورية، ثم أخبرتني أن الحفلة كانت في قاعة فاخرة وأنها ربما كلّفت عشرين ألف ريال. أقسم لكم إني لما سمعت ذلك أحسست بالنار تشتعل في قحف رأسي! ربع مليون ليرة سورية تُهدَر في ثلاث ساعات احتفالاً ب… بماذا؟ بسقوط النظام المجرم في سوريا أم بتحرير بيت المقدس؟ لن تتخيلوا. احتفالاً بنجاح بنت من صف في المدرسة إلى صف! من أجل هذه المناسبة "العظيمة" أنفقت عائلةٌ سورية في ثلاث ساعات ما يمكن أن تعيش به ثلاثون عائلة سورية لمدة شهر! أيُّ دين يُجيز هذا البذخَ وأيّ ضمير، في الوقت الذي يَطوي فيه آلافُ الأطفال في سوريا بطونَهم على الجوع لأنّ مُعيلهم مغيَّبٌ في السجون أو هارب هائم على وجهه في الجبال والبساتين؟

يا أهلنا في الغربة والشتات: اتقوا الله! إن الثورة لا تستمر بغير وَقود، وإن إخوانكم في سوريا يُوقدونها بالدم كما يوقَد السراج بالزيت، ولكنهم إن لم تمدّوهم بالمال نفد وقودهم وسكنت ثورتهم وانتصر عليهم عدوكم وعدوهم، وأين ستذهبون من الله لو أن هذا حصل لا قدّر الله؟

لا تقولوا إني أستطرد وأطيل وأضيع أوقاتكم بالتكرار، فإنها لا قيمةَ لوقت ضائع في جَنْب نُفوس تُزهَق وثورة تُخنَق، ولو وجدت حاجة للعَوْد إلى هذا الموضوع مئة مرة لعدت مئة مرة ولا أبالي.

* * *

أخيراً فإنني أرسل نداء إلى كل عربي وكل مسلم: إن أهل سوريا يخوضون الحرب بالنيابة عنكم، الحرب ضد عدوكم الذي تعرفون والذي قارب أن يكمل مشروعه وكاد يلفّ الأنشوطة على أعناقكم لولا ثورتهم المباركة. إنها إن تهلك اليومَ عصابتُهم فلن يُرفع ذكر الله في أرض الشام أربعين سنة، فلا تتخلَّوا في هذه الساعة عنهم؛ مُدّوا إليهم يدَ العون بما تستطيعون.

لا، ليس إخوانكم في الشام أهلَ حاجة ولا يتسوّلون الإحسان، وقد طالما أغاثوا إخوانهم في فلسطين وفي غيرها كل وقت وحين، ولكن النظام المجرم اقتحم عليهم المدن والقرى فهدم البيوت والجوامع وأهلك الزرع والماشية وأتلف أسباب الحياة، ثم قتل واعتقل ولاحق فغاب المُعيل وانقطعت عشرات الآلاف من الأسر إلا من رحمة الله ورحمة الأخ القريب، فلا يَجْمُل بالأخ القريب أن يقطعها من فضله.

إنها ساعةٌ من الساعات التي لا تتكرر كثيراً في أعمار الأمم، ساعةُ حاجة لشعب لم يحتَجْ قبل اليوم إعانةً بل كان هو المبادر بالإعانات، وما أحوجَه اليومَ إليكم إلا نظامٌ مجرم لن يلبث أن يبلغكم شررُ ناره لو أنه بقي وانتصر لا سمح الله، فلا تفوّتوا عليكم فرصة المساعدة والبِرّ فتفوّتوا الخير الكثير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من المعارضة السلمية إلى المقاومة المدنية .. مجاهد مأمون ديرانية

أعتذر من القراء الذين أتعبتهم بقراءة المقالات التسع السابقة وصولاً إلى هذه المقالة، فقد اضطَرَرتكم إلى المشي في دهليز طويل لتصلوا أخيراً إلى الصالة الرئيسية، ولكني لم أصنع ذلك بنيّة تضييع أوقاتكم الثمينة بقراءة ما لا يلزم، بل إني اعتبرت أن المرور عبر المحطات السابقة أمر ضروري لازم للوصول إلى “النتيجة” التي سننطلق منها منذ الآن في هذه المقالة وما بعدها، وهي هذه:

لقد كانت الثورة السورية معجزة كبرى ونجحت في تحقيق جملة من المعجزات الفرعية في وقت قياسي، وهي ما تزال تمشي في الطريق الصحيح حتى اليوم وأرجو أن تستمر كذلك، بعيداً عن تحويل سوريا إلى ساحة حرب دولية. إن هذه الثورة لن تنتصر -بإذن الله- إلا بهمّة أبنائها وصمودهم، ولكن الطريق ربما يطول، لذلك تحتاج الثورة إلى تطوير أدواتها وتجديد دمائها، أو باختصار: على الثورة أن تدرك أنها حققت المطلوب في المرحلة الأولى من مراحلها وبات لزاماً عليها أن تنتقل إلى مرحلة جديدة بروح جديدة ووسائل جديدة، مرحلة أهم خصائصها:

(1) ابتكار أدوات جديدة للمرحلة الجديدة. لقد بلغت الثورةُ مرحلةَ النضج في التعبير عن رأيها بالمظاهرات الشعبية الصاخبة، فأيقظت النائمين من شعبنا وأذهلت الدنيا بجرأتها وعظمتها، ومن ثم صار لزاماً عليها أن تنتقل إلى أدوات جديدة ذات أثر في النظام، مع الاستمرار في المظاهرات لا بديلاً عنها. لا نريد من المظاهرات أن تقف، ولكن لا نريدها مقياساً وحيداً على نجاح الثورة، ولا نريدها وسيلة وحيدة للضغط على النظام.

(2) من أهم سمات المرحلة المقبلة ومن أهم خصائص أدواتها الجديدة أن تُبقي النظام تحت الضغط الدائم وأن تعمل على إنهاكه بشكل مستمر، وهذا ما ستهتم بتفصيله المقالاتُ القادمة إن شاء الله.

(3) الاستعداد لحرب طويلة. الذين تابعوا مقالاتي السابقة -منذ أيام الثورة الأولى إلى اليوم- سيقولون إنني استبدلت بالتفاؤل تشاؤماً وبالأمل يأساً. وليس الأمر كذلك، فأنا أحمل في قلبي أجمل الآمال على الدوام وأبُثّها في الناس، لأن الأمل والتفاؤل هو زادنا في المواجهة الصعبة مع النظام المجرم، لكننا الآن في طور التخطيط لعمل طويل، والتخطيط والعمل لا يُبنى على الآمال والأحلام، إنه يُبنى على توقع أسوأ الظروف والاستعداد لها، وكما يقول القادة الناجحون: “تفاءلْ بالأفضل وخطّطْ للأسوأ”، الأولى تبقيك في سلامة نفسية وعزيمة عالية والثانية تجهّزك لكل أنواع الطوارئ والمفاجآت.

* * *

بعد نشر عدد من المقالات التسع سمعت من بعض الإخوة في بعض مناطق سوريا الثائرة أنهم قد فرغوا من المرحلة الثانية وباتوا على أعتاب المرحلة الثالثة، لذلك فإنهم يريدون القفز من فوق المرحلة والانتقال إلى العمل المسلح كما يقولون! لا يا إخواني الكرام، ما تزال الثورة في مرحلتها الأولى طالما أنها لم تطوّر أدوات جديدة، أما ما ذكرتموه فهو رؤية رأيتموها نتيجةَ القفزات الكبيرة التي قفزتموها والخطوات العملاقة التي أنجزتموها حتى الآن. لا شك أن مناطق سوريا المختلفة ليست سواء في مواكبتها للثورة، بل إن فيها السابق واللاحق والمتقدم والمتأخر، ولا يسعني أن أعلق على هذا التفاوت إلا بكلمة كتبها ابني حارثة في حوار له مع بعض المستعجلين الداعين إلى الحرب، أستعيرُها منه لمناسبتها لهذا الموقف، قال: “يبدو لي أن شاباً مقيماً في حمص المشتعلة التي بات أهلها على قلب رجل واحد يصعب عليه أن يدرك أن مدينته الأبيّة قفزت في طريق الثورة في سرعة هائلة وأن عليها أن تنتظر المناطق الأبطأ حتى تلحق بها، فالثورة لا تنضج بنفس السرعة في كل مكان، بل إن أهل سوريا يمشون فيها بسرعات مختلفة، فليت المتقدّمين ينتظرون المتخلّفين قبل أن يفكروا في حمل السلاح”.

إن التفاوت في السرعة بين الناس وبين الجماعات أمر طبيعي، وما دمنا كلنا في رحلة واحدة باتجاه الحرية فلا مناص من أن ينتظر السابقُ منا اللاحقَ حتى لا تتشتّت الثورة وتصبح جماعتُها جماعات. فأرجو أن يصبر السابقون على ثورتهم التي صارت مصدرَ إلهام للمناطق الأخرى وقدوةً لها، وسوف تتفجر تلك المناطق المتأخرة بالثورة مثل السابقة، إن عاجلاً أو آجلاً بإذن الله. ورد في الأثر: “سيروا على سير أضعفكم”، وهو توجيه مهم لحفظ حياة الجماعة الصغيرة المسافرة في الفَلاة حتى لا ينقطع بعضها فتتخطفه السباع أو يقتله العطش، ولكنه توجيه أهم لحفظ حياة الجماعة الكبيرة التي يقاتلها نظامٌ مجرم بَطّاش هو أفتك من سباع الفَلَوات ومن وحوش الغابات.

* * *

قبل الانطلاق في تفصيلات المرحلة الثانية ومناقشة أدواتها وآلياتها يجب أن نكون على يقين من أمر جوهري، بل لعله أكثر الأمور جوهرية في كل ما يمكن أن أكتبه أنا أو يكتبه غيري: إن عدم حسم المعركة حتى اليوم لا يعني أن الثورة لا تحقق إنجازاً في كل يوم.

فكروا في هذا المثال البسيط هُنَيهة: أنتم تشربون الشاي في كل يوم وتُعدون منه أباريقَ وأباريق طول النهار، فماذا يصنع من أراد إعداد الشاي؟ إنه يملأ الإبريق ماء ويضعه على النار ويلبث ينتظر، حتى إذا غلى الماء قذف فيه كمية من الشاي “الفرط” أو دلّى في الإبريق أكياس الشاي الجاهزة. ربما استغرق الماء عشر دقائق للوصول إلى نقطة الغليان، فهل يقول أحد في الدقيقة التاسعة: لم يحصل شيء إلى الآن، لا فائدة من هذه الطريقة في صنع الشاي، علينا أن نجرب غيرها؟ هل تبلغ قلة الإدراك بأحد من الناس لدرجة أن يزعم أو يظن أن غليان الماء هو العلامة الوحيدة على نجاح عملية إعداد الشاي؟ لن يفعل، بل إنه سيكون على يقين أن الأمور تمشي في الاتجاه الصحيح طالما أن حرارة الماء تزداد دقيقة بعد أخرى، وهو يعلم أن لحظة الغليان وتلقيم الشاي هي الثواني الثلاث الأخيرة التي تأتي نتيجة لمئات الثواني السابقة من التسخين البطيء.

لماذا يقبل القاعدةَ السابقةَ كلُّ الناس بلا تردد عندما تتعلق بالشاي ويرفضونها عندنا تتعلق بالثورة؟ لا، إنهم لا يرفضونها ولكنهم ينسونها، فأرجو أن يساعدني كل من يقرأ هذه المقالة على إعادة تذكير الناس بما ينسون، لا على تعليمهم ما لا يعلمون. إنهم يعلمون وسوف يقولون لك لو فكروا: “ثورتنا السلمية تمشي في الاتجاه الصحيح ولا بد أن تصل إلى هدفها بإذن الله”، لكن الضغط الشديد يعطل أحياناً مَلَكة التفكير. هل ألوم من يعاني من الحياة الصعبة مع التهديد المستمر بالقتل والاعتقال لو نسي تلك القاعدة؟ معاذ الله، لا أفعل، ولكني أساعده على التذكّر وأساعده على التفكّر، لأن التفكير الصحيح هو الطريق لاتخاذ القرار الصحيح.

يا أيها الثوار الأحرار: ضعوا أصابعكم في إبريق الماء مرة كل أسبوع، فإذا وجدتموه بارداً كالثلج فعودوا إلى بيوتكم، إن الثورة السلمية لم تصنع شيئاً، أما إذا سخن الماء فأكملوا الطريق، فإنكم في الطريق الصحيح. وما علامات ارتفاع حرارة ماء الثورة؟ منها: ازدياد عزلة النظام واستمرار الضغط الدولي عليه، ومنها تصاعد توتر وجنون النظام وأجهزة النظام وإمعانه في القتل والتنكيل والإجرام. والمظاهرات؟ إنها لم تتوقف رغم القمع والقتل والاعتقال والحصار والترهيب. هل تريدون رأيي في مظاهرات تخرج رغم ذلك كله؟ إن الواحد فيها بألف من الذين خرجوا من قبل. وكلما زاد القمع والترهيب سأرفع النسبة، حتى يأتي يوم أقول فيه إن الواحد من المتظاهرين بمليون. قبل أسبوعين اعتقل مجرمو الأمن في ركن الدين بدمشق سيدة متقدمة في السن وقفت وحدها تتظاهر وتحمل لافتة كُتبت عليها عبارات الثورة المطالبة بسقوط النظام، هل يقول مُنصفٌ إن تلك المرأة كانت شخصاً واحداً؟ ألا ترون فيها -بعين الإنصاف- عشرين ألف شاب من شباب الحي الذين اعتُقل منهم مَن اعتُقل وحُبس الباقون عن التظاهر بالقمع ومنع التجول في حي يخضع للاحتلال العسكري منذ شهرين؟

يا أهل الثورة: لا تظلموا ثورتكم السلمية، لا تكونوا أكثرَ جنايةً عليها من عدوكم. اخرجوا بخيالكم من عالم اليوم وعودوا إلى الوراء مئة وتسعين يوماً، ألا ترون أنكم حققتم المستحيل أو ما كان يبدو في حكم المستحيل؟ فكروا في وضع ثورتكم قبل ثلاثة شهور وقبل شهرين وقبل شهر، ألا ترون مبلغ صمودها في مواجهة آلة إجرام وقتل قلّ مثيلُها في الدنيا؟ أليس هذا نجاحاً عجيباً بحد ذاته بعد كل ذلك الجهد الهائل والسعي المحموم من قِبَل النظام لقتل الثورة؟ أليس كل يوم يمر على الثورة وهي ما تزال حيّة هو يوم نصر جديد؟ إنه نصر للثورة ولسلمية الثورة، وأرجو أن تتراكم انتصارات الأيام المتتالية الصغيرة وصولاً إلى يوم نصر شامل عظيم غيرَ بعيد بإذنه تعالى.

لا تستمعوا لصوت مثبّط يقول إن المظاهرات في تراجع. من قال ذلك فعزّروه أو أسكتوه. أما قلت لكم من قبل (وقال غيري) إن كل متظاهر حِيلَ بينه وبين التظاهر قسراً فهو متظاهر ولو لم يتظاهر؟ حسناً، أنا لا أعلم وأنتم -يا ثوار سوريا- تعلمون، كم علمتم من ثائر أو متظاهر قال: الثورة مكلفة، سأعود إلى تأييد النظام؟ كم من الثائرين كفر بعد إيمان؟ لا يبلُغْ بكم الإجحاف أن تَعُدوا من استُشهد ومن أُسر ومن حوصر ثم تقولوا: هؤلاء خرجوا من صفوف الثورة! أما إنهم ليزدادون إصراراً على ثورتهم في كل يوم ولو تخلّفوا عنها راغمين، حتى الشهداء في السماء يتمنون أن يعودوا إلى الأرض ليشاركوا فيُستَشهدوا مئة مرة بعد المرة الأولى لما يرون من الكرامة.

 * * *

كلمة على الهامش

منذ بدأت بالكتابة عن الثورة السورية وأنا أتلقى رسائل وتعليقات من شبّيحة وعبيد النظام المجرم تحتوي على قصائد هجائية تبدأ بي وتنتهي بجدودي الأعلَين، وقد اعتبرتها جهداً ضائعاً ورصاصات طائشة في الهواء لأنها لم تهزّ في بدني شعرة، فقد علمت أنهم عدوٌّ وأن سهامهم لا بد أن توجَّه إلى صدري فلبست درعي، درع اللامبالاة فلا أبالي بما يصنعون، ودرع الاحتساب فأحتسبه كله عند الله فداء لثورة الحق والخير. لكني تلقيت -بعد نشر المقالات التسع الأخيرة- كثيراً من التعليقات من أهل الثورة وأنصارها، أقلّها موافق وأكثرها معارض، معارَضةً تتراوح بين الرفض الرفيق والهجاء الشديد. النوع الثاني لا يفيد لأننا نبحث كلنا عن الصواب ولا نريد بالثورة إلا خيراً، فلماذا يسبّ بعضنا بعضاً وينشغل بعضنا بحرب بعض؟ أما المخالفة المنهجية في الرأي فإنها تسرّني وأرحب بها، فأنا لست سوى فرد محدود العلم والرأي، والثورةُ أعظم من أن يحتكر الرأيَ فيها آحادُ الناس وأفرادُهم، ولولا أني أؤدي زكاة قلمي وأرى الكتابة واجبةً عليّ انتصاراً لثورة الكِرام المستضعفين لما قرأتم لي حرفاً. إنني أقدم ما أستطيعه ضمن قدرتي على التفكير والاجتهاد، وغيري يقدم ما يستطيع، والثورة -بجمهورها وقياداتها- ستنجح بإذن الله في انتخاب ما يصلح واستبعاد ما لا يصلح، وإذا سَلِمت النوايا فلن يخلو مجتهدٌ من واحدٍ من أجرين إن شاء الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا المجلس الوطني السوري؟! .. د. وائل مرزا

الأحد 25/09/2011

المدينة

لأن السياسة بالتعريف السائد هي فنّ الممكن. والممكن في الواقع السياسي السوري المعاصر يفرض على الساسة المعارضين الاتفاق لخدمة الثورة السورية عمليًا والخروج من نفق الجدالات النظرية التي يريد البعض أن تغرق المعارضة فيها إلى الأبد.

لم يعد مهمًا اليوم الحديث في النيّات والبحث ما إذا كانت عمليات المماطلة والتأجيل تحت عناوين الحوار تأتي عن حُسن نية أو سوء طويّة. يكفي أن هذا الانتظار، الذي يبدو أشبه بانتظار جودو الذي لن يأتي أبدًا، أصبح فِعلًا سلبيًا مرفوضًا يُساهم في تأخير وصول الثورة إلى أهدافها. بل إنه صار أداةً من الأدوات التي يستخدمها النظام لاستمراره وبقائه جنبًا إلى جنب مع حملته الوحشية ضد شعب سورية الأعزل.

ليس من طبيعة الدنيا الكمال، ولم يقل أحدٌ أن مشروع المجلس الوطني السوري مشروعٌ كامل الأوصاف. لكن الموقف الطبيعي من مثل هذا الوضع يتمثل بالمساهمة الفعالة والعملية في استكمال المشروع، لكي يصبح قادرًا على تحقيق مطلب الثوار في توحيد المعارضة وخدمة الثورة داخليًا وخارجيًا.

لهذا، لم يعد مفهومًا أن تُصبح المفاوضات لتوحيد المعارضة هدفًا بحدّ ذاتها سواء قصد البعض ذلك أو لم يقصدوه، وإذا كانت المفاوضات وسيلةً كما يجب أن تكون فلا معنى للوقوف مرةً تلو أخرى عند جملةٍ هنا ومصطلحٍ هناك في خضمّها. فثوابت الثورة واضحة، والمجلس الوطني ملتزمٌ بها، والعمل بتناغم مع تلك الثوابت ينضبطُ كلما انخرط فيه ممثلون لقوى المعارضة الأخرى.

لم يخترع المجلس الثوابت المذكورة من عنده، وإنما طرحها بعد الاطلاع على وثائق عديدة أصدرتها جهاتٌ متنوعة في المعارضة خلال الأشهر الماضية. ويسري الأمر نفسه على المنطلقات الرئيسة لملامح سوريا المستقبل. فقد تمّت دراسة تلك الوثائق بأسرها، وجرى الخروج من الدراسة بوثيقة توافق وطني تُحدد المشتركات الأساسية المتعلقة بتلك الثوابت والمنطلقات. وتم التأكيد فيها على أن الثورة تهدف لإسقاط النظام، وعلى أنها سلمية، وبأن مفصلها الرئيس يتمثل في الوحدة الوطنية ونبذ أي دعوة للطائفية أو المذهبية أو احتكار الثورة.

أما بالنسبة لملامح سوريا المستقبل فقد أكّدت الوثيقة التي أصدرها المجلس أن سوريا دولة مدنية حديثة يضمن دستورها الجديد الحقوق المتساوية للمواطنين والتداول السلمي للسلطة واستقلال القضاء وسيادة القانون واحترام الحقوق السياسية والثقافية والدينية والشخصية وحرية الإعلام لجميع مكونات المجتمع السوري في إطار الوحدة الكاملة للوطن وترابه. وعلى أن سوريا دولة ذات نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ فصل السلطات والتعددية السياسية. وعلى أن السوريين شعبٌ واحد، أفراده متساوون في الحقوق والواجبات، لا ينال أحد رجلًا كان أو امرأة منهم امتيازًا أو ينتقص من حقوقه بسبب أصوله الدينية أو المذهبية أو القومية. وأن تنال كل المكونات القومية والدينية التي يتشكل منها الشعب السوري حقوقها في سوريا المستقبل على أساس المواطنة من دون أي تمييز، وأن لكل منها حقوقًا وواجبات على قدم المساواة مع الجميع، مع الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية، وضرورة إيجاد حل ديمقراطي عادل للمسألة الكردية في إطار وحدة الوطن.

إضافةً إلى هذا، أكّد ميثاق المجلس أن القانون فوق الجميع، وأن المحاسبة مبدأ شامل لا استثناء فيه، وعلى عدم تسييس المؤسسة العسكرية التي تتمثل مهمتها في الدفاع عن تراب الوطن وحماية حدوده ضد الاعتداء الخارجي وتخضع دستوريًا لسلطة النظام السياسي الديمقراطي بسلطاته الثلاث، وعلى تقوية دور المجتمع المدني ومؤسساته للمساهمة في ترسيخ مفاهيم المواطنة والمشاركة في عملية التنمية، وعلى السعي المستمر لتحقيق العدالة في توزيع الثروة الوطنية، بحيث تكون الموارد الوطنية ملكًا للسوريين جميعًا في إطار حكم رشيد، وتوجيه ثمار التنمية نحو رفع مقدَّرات ومستوى حياة جميع شرائحهم ومناطقهم وفي مقدمتها الأكثر حرمانًا.

وأكدت خاتمة الميثاق بعد ذلك أن سوريا المستقبل دولةٌ حرة مستقلة الإرادة تحافظ على سيادتها الوطنية، وملتزمة باتفاقياتها الدولية على أساس المصالح الوطنية العليا، وعلى أن العلاقات الخارجية مبنية على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل مع المجتمع الدولي.

طرح المجلس المبادئ المذكورة أعلاه وتحرك للعمل بثلةٍ من العاملين تمثل شريحةً واسعةً من أطياف المجتمع السوري ومكوناته وقواه السياسية. لكنه لم يقبل أبدًا بالانغلاق على نفسه، ولم يزعم احتكار التمثيل، ولم يدّعِ اكتمال بنائه النهائي، وإنما بقي مفتوحًا لجميع الجهود والقوى بحيث تأخذ موقعها اللائق فيه إن ارتأت العمل من خلاله، وبقي منفتحًا على جميع الجهود والقوى التي ترتأي العمل من خارجه. فالمجلس مسكونٌ بهاجس العمل من أجل الثورة في نهاية المطاف، وهذا الهاجس هو المحرّك الأول والأساس لنشاطاته وحركته في كل مجال.

وخلال أسبوعٍ واحدٍ من تأسيسه، قام المجلس بممارسات تُثبت عمليًا موقفه المذكور. فقد أرسل مباشرةً وفدًا إلى مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا يمثل لجنةً خاصة أنشأها لخدمتهم بشكلٍ مؤسسي بعيدًا عن الجهود الفردية السابقة. وأرسل وفدًا للقاء رئيس منظمة الصليب الأحمر الدولي في جنيف متابعةً للملفّ الحقوقي ضد النظام وأركانه. والتقى بممثلين للسلك الدبلوماسي في تركيا، وتواصل مع العديد من الدول والمنظمات العالمية تمهيدًا للقاءات ترمي إلى وضع تلك الجهات أمام مسؤوليتها تجاه الشعب السوري وثورته بشكلٍ مباشر. وهو يُحضّر لزيارةٍ رسمية إلى القاهرة انطلاقًا من اهتمامه المؤكد بالبُعد العربي وتقديره لدور مصر الثورة ووزنها في الأسرة العربية.

يقوم المجلس بتلك النشاطات وغيرها وهو لا يزال يستكمل المفاوضات والمشاورات مع جميع القوى السياسية لأنه لا يرى تناقضًا بين مسارين مُلحّين لخدمة الثورة يُصرّ البعضُ أنه موجود!

لا مجال إذًا في مثل هذا السياق للوقوف أو النظر إلى الوراء أو البداية من نقطة الصفر. وحين ينطلق المجلس للعمل بتلك الروح فإن عليه أن يتذكر دومًا أن حكم الشعب والتاريخ على المعارضة السورية ودورها الحقيقي في خدمة الثورة سيكون في نهاية المطاف حكمًا على الإنجازات والأفعال، وليس على الأقوال أو الشعارات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الواقعي والافتراضي في الانتفاضة السورية .. عمر قدور

المستقبل

25-9-2011

قد يُفاجأ القطريون بوجود ثورة في بلادهم ضد أميرها، وبوجود صفحة على الفيس بوك تغطي أخبارها، وبالتأكيد لا يعرف العالم ولا الصينيون أنفسهم بوجود ثورة صينية ضد جينتاو رغم وجود صفحة على الفيس بوك تُعنى بآخر تطوراتها. أما نشطاء الفيس بوك في سوريا فيعرفون الصفحتين جيداً، ولهذا قصة تدل على جانب من الحالة السورية لا يقتصر على الطرافة وحسب. تعرّف صفحة الثورة القطرية مهمتها على النحو التالي: "نحن قطريون ونريد دعم أخوتنا العرب مصريون وليبيون وبحرينيون ويمنيون ومغاربة وسعوديون وإماراتيون وكويتيون وموريتانيون وصوماليون وعمانيون وعراقيون وسوريون ولبنانيون وأردنيون وفلسطينيون وتوانسة وسودانيون وجزائريون.. نريد أن ندعم حركات المقاومة العربية ضد الصهيونية الإمبريالية ونريد أن يرى كل العالم فضائح وجرائم عميل الصهيونية رقم واحد"!.

أليس غريباً أن يثور القطريون فقط من أجل دعم الشعوب العربية الأخرى، والتي لا همّ لها سوى الصهيونية الإمبريالية؟! صفحة الثورة القطرية توقفت عن التحديث وقت انقطاع النت في سوريا، ومن المعروف على نطاق واسع أن مؤيدي الحكم هم الذين أنشأوها غيظاً من موقف حليف الأمس تجاه ما يجري اليوم، أما صفحة الثورة الصينية فقد أنشأها شاب معارض ربما على سبيل السخرية من الصفحة الأولى، وتزداد السخرية وضوحاً باختيار الصين كأضخم دولة بعدد السكان قياساً إلى دولة صغيرة كقطر، لكن الاعتبار الأهم الذي كشف عنه مؤسس الصفحة فيما بعد هو أنه أطلقها وفاء لروح أخيه الذي استشهد أثناء الانتفاضة. الثورة الصينية محاكاة ساخرة لما يجري في سوريا، تتبدل أسماء الأشخاص والأماكن كأنما لتقول أسوة بالإعلام الرسمي أن لا شيء يحدث هنا، وأن بوسع الذين يغمضون أعينهم تصور الأحداث وكأنها تجري في مكان آخر قصيّ، وأن ينعموا بهناءة هذا الافتراض.

من يشاء النوم في العسل بوسعه الركون إلى روايات الإعلام الرسمي وصداها في الصفحات الموالية؛ هنا يجد أنصار الحكم طمأنينتهم وراحة بالهم، إذ لا شيء يحدث في سوريا سوى بعض الشغب الذي يسببه إرهابيون سلفيون وعملاء، ومن أجل التصدي لهم لا بأس إن صدقت روايتهم عن اقتلاع أظافر مجموعة من الأطفال في مدينة درعا!. هذه ليست مزحة سمجة، لقد ورد تعليق بهذا المعنى على صفحة أُطلقت دعماً وتأييداً لضابط الأمن المتهم بتعذيب الأطفال، أما الإنكار فحدّث ولا حرج، وآخر إبداعاته أن الناشط المعرف غياث مطر لقي حتفه أثناء تبادل لإطلاق النار مع أحمد عيروط، وهو ناشط آخر قُتل أثناء تشييع جنازة الأول!. بالطبع لا ذكر هنا لآثار التعذيب على جثة غياث مطر، فآثار التعذيب هي اختلاق من المندسين الذين سبق لهم اختلاق مقتل ابراهيم قاشوش واقتلاع حنجرته!.

"نحن المخابرات السورية الالكترونية تمكنا من اختراق حسابك على الفيس بوك ونسخ بياناتك، وسنقوم بتسليمها لأجهزة الأمن لتتولى ملاحقتك"؛ هذه الرسالة التي تصل إلى بعض المعارضين هي نموذج لما بات يُسمى "التشبيح الالكتروني"، وإحدى الجهات التي تقوم به تنتحل اسم "الجيش السوري الالكتروني" موحية بأنها هيئة وطنية. على المقلب الآخر تتجلى النزاهة عندما نجد شباناً يقومون بالفعل المضاد تحت اسم "اتحاد قراصنة سوريا الأحرار لدعم الثورة السورية"، فهؤلاء يقرّون بأن ما يفعلونه هو قرصنة، وعلى صفحتهم يضعون بكل شفافية أسماء المواقع التي قاموا باختراقها، ولم يُعرف عنهم اختراق مواقع أو صفحات شخصية وتخريبها، أو كتابة الشتائم والتهديدات لأصحابها. لغة الشتائم، فضلاً عن عدم أخلاقيتها، تنمّ عن قلة الحيلة وافتقاد المنطق والحجة، لذا ليس من المستغرب أن تتراوح لغة الصفحات الموالية بين التغني بشعارات المقاومة والممانعة وبين التخوين وشتم المعارضين في تغييب فجّ لأسباب الصراع.

ليس من باب المصادفة أن تفتقر الصفحات الموالية إلى المخيلة، فهي أنشئت كرد فعل على الصفحات التي أنشأها شباب الانتفاضة والمؤيدون لها، واعتمدت على المخزون اللغوي الأيديولوجي للسلطة مقدّمة دليلاً إضافياً على عقمه وعلى ابتعاده المطرد عن الواقع. إن بحثاً سريعاً على صفحات الفيس بوك يعطي صورة واضحة عن مدى تنوع الصفحات المؤيدة للانتفاضة، ومدى اختلافها أيضاً، وبالتأكيد لا أحد يزعم أن هذه الصفحات لها ذات السوية على المستوى الفني أو على مستوى الخطاب، لكنها بالتأكيد تفترق عن الصفحات المؤيدة لجهة عدم وقوعها في النمطية وعدم وجود محور وحيد تدور حوله إلى الأبد.

لقد نشط شباب الثورة على الفيس بوك وكسروا الحواجز التقنية في وقت كان الموقع محجوباً في سوريا، وانطلقت أولى الدعوات للتظاهر من خلاله، وظن البعض أن الأسماء المستعارة للناشطين مجرد واقع افتراضي حتى أثبت الواقع الواقعي خلاف ذلك، وأصبح الفيس بوك مصدر إرباك وخوف للنظام الأمني ذي الأساليب التقليدية في القمع. ثمة نكتة متداولة تدل على حجم الهوة بين الشباب والنظام الأمني. تقول النكتة إن حاجزاً أوقف شاباً معه كمبيوتراً محمولاً وفلا ش ميموري، سأله عن الكومبيوتر وعن الفلاش، ثم سأله: معك فيس بوك؟ صحيح أن النظام الأمني يحاول جاهداً ردم الهوة المعرفية بالمزيد من البطش، لكن آلة القمع تكشف يومياً عن حجم اغترابها عن الواقع المستجد، ولعل المفارقة هي أنه بقدر ما تكون الفظاعة ملموسة إلا أنها لم تعد تنتمي إلى الواقع السوري الجديد.

في سوريا صراع يزحزح المفاهيم المعتادة. فالسلطة، عادة وحكماً، تنتمي إلى الواقع أما في سوريا فالسلطة تعيش في واقعها المفترض، سلطة تملك نظرياً جميع مفاتيح القوة وتبددها باغترابها المطرد عن الواقع الفعلي. بينما نجد الشباب السوري استطاع تحويل ما هو افتراضي إلى واقعي. قد تفسر الضرورة جانباً من حجم التواصل الذي يلجأ إليه السوريون على صفحات الفيس بوك، مع أن ذلك تعدى الضرورة إلى الدمج بين ما هو افتراضي وما هو واقعي، فالفيس بوك السوري تجسيد للعقل السوري الذي تحرر من افتراضات النظام، وهو لصيق بالواقع على العكس من الاغتراب الذي يحاول النظام تعميمه على الجميع، إنه يمور بتباينات وفرادة يفتقر إليها الواقع الافتراضي للسلطة. علاوة على ذلك تعيش السلطة والموالون واقعاً افتراضياً مفاده أن لا شيء يحدث في سوريا، ثمة ثورة في قطر والوضع مستتب هنا؛ لم لا؟! فلتهنأ السلطة بواقعها المزعوم إلى أن تُفاجأ بانتصار الثورة في الصين لا في قطر!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية وحرق الأوراق الطائفية .. غازي دحمان

المستقبل

25-9-2011

ثمة من بات في سوريا يطرح السؤال التالي، هل تنجو الثورة من محاولات جرها إلى الشرك الطائفي الذي يريد البعض تفجيره في وجهها كنمط من الأزمة يهدف إلى إجهاضها والقضاء عليها بالضربة المميتة، بل واعتبارها خطأ ارتكبه الشعب أو بعضه، بعد أن اتسعت تلك الثورة أفقياً وعمودياً وأصبحت معطى راسخاً في الواقعين السياسي والاجتماعي السوري؟

ولا شك أن الثورة والنظام لهما أنصارهما الموجودون في كل البيئات وبين مختلف الطوائف والفئات، وبقدر ما للنظام من أنصار يرتبطون به مصلحياً، وحتى عقائدياً من مختلف المكونات السورية، كذلك فإن الثورة، على مدار الأشهر الستة أسست بصبر وعناد قل نظيره، كتلتها الجماهيرية التي تتنامى بشكل مطرد، والتي يبدو أنها قطعت نهائياً مع النظام الحالي وباتت تتطلع إلى سوريا الغد، وترسم في إطارها أدوارها وتتفحص خياراتها وإمكاناتها، وكل ذلك بعد أن يتسنى لها عبور بركة الدم التي تخوض فيها سوريا من أقصاها إلى أقصاها.

وبما أن الحالة السورية دخلت، في هذه اللحظة على الأقل، في نوع من توازن القوى المربك للطرفين، بحيث أن النظام رغم احتكاره للسلطة والسلاح يعجز عن كسر الثورة، كما أن الثورة في انتظار حسم الكتلة الحرجة (غالبية المواطنين) بالانضمام إلى فعاليات الثورة، فلا بد من البحث عن مخارج جديدة غير تلك الوسائل التي تم تجريبها ولم تؤدِ إلى نتائج عملياتية ذات فعالية تذكر على الأرض.

بالنسبة للثورة، تشكل هذه المرحلة طوراً من أطوار التطور الطبيعي، وفي هذا الوضع تبدو أكثر اطمئناناً، رغم كل الجروح التي أصابتها عبر قتل واعتقال جزء مهم من جسمها الفاعل والناشط، لكن التطورات أثبتت أن الثورة استطاعت دائماً بناء كوادر بديلة من الشباب وتعويض الخسائر بسرعة وكيفية مذهلتين.

كما أنها من جهة أخرى تمكنت من تفعيل برنامجها الثوري، وهي في طريقها إلى تطوير أشكال رديفة من النضال السلمي، لا تقتصر على التظاهر كنمط ثوري وحيد، بل تمتد إلى الإضرابات والعصيان المدني الذي أخذت تطبيقاته الأولية تظهر بشكل واضح في العديد من المناطق.

وإضافة لذلك، فإن الثورة في طريقها إلى تحقيق شعارها الوطني باعتبارها ثورة وطنية شاملة تخص كل المكونات الطائفية والإثنية السورية، وذلك عبر الانضمام المتواتر لمختلف المكونات في فعاليات الثورة، عرب وأكراد وأشور وشركس وتركمان، وسنة ودروز وعلويون وإسماعيليون.

وبالتزامن مع تزخيم الحراك في دمشق وحلب، مما يعني أن الثورة استثمرت، وبشكل مجدٍ وفاعل، كل مراحل تطورها، وهي تسير بديناميكية تطورية وفي خط تصاعدي وصلت مرحلته الآن إلى حد التوازن، ولن تلبث أن تغادره إلى طور الأكثرية الواضحة.

بالنسبة للنظام، لا تشكل حالة توازن القوى وضعاً مريحاً، لا من الناحية السياسية ولا الأمنية، فالنظام تعاطى منذ البداية مع الثورة انطلاقاً من معادلة العلاقة الصفرية، إذ كل ما تربحه الثورة يشكل حسماً من رصيده.

كما أن النظام يدرك أن استمرار الثورة يعني استمرار بقائه في دائرة الخطر، ذلك أنه نظام مركب من جملة من مراكز القوى والمصالح والاعتبارات التي تتعرض بشكل يومي إلى الاهتزاز والتصدع، كنتيجة طبيعية لاستمرار بيئة الخطر التي تشكلها الثورة، كما يفرض نمط استجاباته التضحية ببعض الامتيازات التي يحتكرها، مما يحدث انقسامات، قد تكون غير مرئية حتى اللحظة، لكنها في طور التشكل، كنتيجة لاستمرار الأوضاع وتصاعدها.

في ظل هذا السياق التصارعي بين النظام والثورة، أطلت بعض الأحداث الطائفية برأسها على المشهد السوري، ما يدفع إلى التساؤل عن ماهيتها، فهل هي واقع طبيعي خلصت إليه الأزمة السورية، أم هي مكون جرى تصديره لمسرح الأزمة بعد تصنيعه وتصميمه مخبرياً كمضاد طبيعي للثورة وكاسر لأمواجها العاتية؟

لا يفيد كثيراً نكران الحالة الطائفية في سوريا، فهي واقع موجود ومتأسس منذ قرون، وتفاصيل هذا الواقع معروفة للجميع، كما لا يمكن نكران وجود بعض الانقسامات التي تنطوي عليها هذه الحالة نتيجة معطيات متعلقة بالمناخ الإقليمي المتأثر الذي شهد في السنوات الأخيرة استنفاراً طائفياً تمظهرت تعبيراته في العراق ولبنان خصوصاً.

كما أن التسابق على إحياء بنى التخلف من عائلية وعشائرية ومناطقية وطائفية صارت سمة المرحلة، ولا يمكن استثناء سوريا من هذا السياق، غير أنه في الحالة السورية بقي هذا الانقسام ضمن أطر معينة لم يتجاوزها، كما جرى استيعابه، وإن لم يجر تفكيكه على اعتبار أن النظام لا يعترف بالحالة الطائفية أصلاً، على الأقل في خطابه السياسي.

إضافة إلى ذلك فإن معطيات الواقع السوري طاردة لنمو واكتمال حالة طائفية بين ظهرانيه، وذلك راجع بدرجة كبيرة إلى واقع تدامج المصالح ووحدتها بين مختلف مكونات الشعب السوري، فضلاً عن التمازج الديمغرافي والانصهار العلائقي بين مختلف هذه المكونات، واختفاء حدود الانقسام الطائفي، بحيث أصبحت الكثير من المدن السورية (دمشق وريفها وحمص واللاذقية) أمكنة تحتضن، وبشكل متداخل، غالبية الطيف السوري، ونشأت في ظل هذا التداخل علاقات يصعب فصمها وتفريقها.

إضافة لذلك، ثمة اعتبارات عديدة تؤكد أن الانزياح إلى الشرك الطائفي في سوريا ليس سوى صناعة يُراد منها تحقيق أهداف بعينها، لا شك أنها تتعلق بتطورات الأوضاع الحالية، منها أن النظام الحالي لا يمثل طائفة بعينها، كما أن استبداده طال جميع الطوائف من دون استثناء.

ويعرف الكثير في سوريا أن معارضي النظام ممن دخلوا السجون أو شردوا أو تمت ملاحقتهم سياسياً منذ العام 1970 وحتى الآن، من غير المنتمين إلى التنظيمات الإسلامية، ينتمون في غالبيتهم إلى الطائفة العلوية أو أبناء الأقليات الأخرى المتعاطفة مع النظام.

من ناحية أخرى فإن سوريا تملك خبرة تاريخية في هذا السياق تمنحها القدرة الكافية على التعاطي مع هذه الحالة المستجدة، فقد سبق لسوريا في الخمسينات والستينات أن حصرت "الحرب الأهلية" داخل مؤسسات الدولة ومنعت انفلاتها إلى المجتمع على النمطين اللبناني والعراقي، كما أنها تجاوزت صدمة أحداث عام 1982 رغم قسوتها ومرارة نتائجها ومترتباتها.

من الواضح أن هناك أطرافاً بعضها داخل النظام تدفع نحو صراع كهذا، لأنه يعيد تركيب الأزمة الحالية بمعطيات غير معطياتها الحقيقية، بما فيها من معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، دافعاً إلى اختصارها في صراع بين طوائف.

ولا شك أن أجهزة أمنية وإعلامية من داخل النظام تمثل بعض الأطراف المنخرطة في التحشيد الطائفي وفي الدفع نحو صراع طائفي، إلا أن المؤشرات المتوفرة حتى اللحظة تفيد أن قوى الثورة قادرة ومصممة على اجتياز هذه الحالة، بل إنها بدأت تستثمرها لغير مصلحة النظام، مما يؤكد احتراق هذه الورقة ونزعها من خانة المخاطر التي تتربص بالثورة، إن لم يجرِ تحويلها إلى أحد أهم أوراق القوة بيد الثورة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية والمستعجلون .. د. عبد الكريم بكار

موقع الإسلام اليوم. 4/9/2011

الثورة السورية هي أم الثورات وأم المفاجآت؛ فقد لمس العالم على نحو واضح البطولة والبسالة التي أبداها المتظاهرون إذ يبذلون أرواحهم رخيصة من أجل كرامتهم وحريتهم, وهذا شيء نادر في العصر الحديث, كما لمس العالم كذلك ما أبداه النظام السوري من همجيَّة ووحشية في تعامله مع الشعب الثائر, وأثبت للعالم صحة قول من يقول: إن التقدم الحضاري الذي أنجزته البشرية ليس سوى قشرة رقيقة, يقبع تحتها وحش كاسر, ينتظر الفرصة!

أود في البداية ألاّ يَفهم أحد من كلامي أنني غير مهتم أو مقدّر للضحايا التي قدّمها الشعب السوري الأبيّ, أو أشكال التعذيب التي يتعرض لها الشباب الحرّ, فأنا من أكثر من يتألم لأي روح تُزهق بغير حق، مهما كان انتماء صاحبها وتوجّهه.

إن الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال ما أسمعه من بعض الشباب من دعوة إلى التسلح وإنهاء النظام عن طريق القوة المسلحة؛ مما أعتقد أنه خطأ ومغامرة خطيرة للغاية, وذلك للأسباب التالية:

1- كان البلد يعاني من نوع من التصحر السياسي بسبب القمع والظلم واستخدام القوة الغاشمة, عوضًا عن الحوار والتفاوض وإتاحة الفرصة لتلاقح الأفكار, وإن محافظة الثورة على سلميَّتها يتيح الفرصة للناس كي يتثقفوا بثقافة التعدّدية, وكي ينمّوا وعيهم بالواقع العام لبلدهم وبآفاق النهوض به. وحين تتمّ عسكرة الثورة, يسود نوع من الخوف والتوجُّس, وتسود العزلة, ويصبح التظاهر خطرًا؛ مما يجعل تواصل الشباب مع بعضهم شبه معدوم.

2- مهما كان عدد الشهداء مرتفعًا في حالة الحراك السلمي, فإنه يظل محدودًا إذا قورن بما يمكن أن يحدث في حالة استخدام السلاح, وعندنا شواهد لا تُحصى من التاريخ والواقع, فقد قدَّم السوريون من أجل طرد الفرنسيين نحوًا من خمسين ألف شهيد, وكان عددهم آنذاك في حدود مليونين ونصف, وفي ليبيا تم الإعلان قبل يومين عن أن عدد القتلى والمفقودين يقترب أيضًا من خمسين ألفًا, مع أن قوى عسكرية جبّارة وقفت إلى جانب الشعب الليبي.

3- الثوار الأحرار لا يريدون إسقاط النظام فحسب, وإنما يريدون إقامة نظام جديد يقوم على الحرية والكرامة والعدل والتنمية الجيدة, وهذا يعني أن إسقاط النظام يجب أن يتم بأقل قدر ممكن من تفكيك الدولة, وأقل قدر ممكن من الانقسام الشعبي, وهذا لا يتمُّ أبدًا من خلال استخدام السلاح, وإنما من خلال الحراك السلمي فقط.

4- إن استخدام السلاح يعرِّض البلاد للدخول في نفق الحرب الأهلية؛ لأن استخدامه من أي فئة من فئات المجتمع -مهما كانت مظلومة- سيمنح مشروعية استخدامه لباقي الفئات, وهذا يعني تدمير الكثير من البنى والمكونات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية, وهو بالقطع ليس في مصلحة أحد. أما الحراك السلمي فإنه يشيع نوعًا من الطمأنينة الاجتماعية, ويدفع في اتجاه تحكيم المنطق والحق في حسم الصراع بين الشعب والسلطة.

5- إن الفئة التي تحمل السلاح تتحوّل مع الأيام إلى كيان له مصالحه وحساباته, وإذا حقّقت هذه الفئة النصر على النظام, فإننا قد نجد أنفسنا أمام مشكلة جديدة؛ إذ إن هناك إمكانية كبيرة لأن تتحول هذه الفئة إلى سلطة متحكِّمة يحتاج الشعب إلى التحرُّر منها. ولدينا الكثير من الأمثلة التاريخية, وكم هلّلت الشعوب لانقلابات العسكر ظنًّا منها أنهم سيحرّرونها من الظلم, وإذا بهم يتحوّلون إلى أداة لقمع الناس ونهب خيرات البلد!

6- لا يصحّ للثوّار الأحرار أن ينسوا أن النظام ليس عبارة عن جدار نهدمه, ثم نبني جدارًا مكانه, إن الأمر أعقد من ذلك بكثير, وأنا أعتقد أن من العسير اليوم إسقاط أي نظام وإقامة نظام مكانه دون مساعدة الإقليم والمجتمع الدولي. ومن الواضح أن الثورة السورية بدأت في تحريك ضمير العالم, وهي تكسب كل يوم أرضًا جديدة على صعيد التأييد العالمي, والزمن يسير لصالحها قطعًا, وإن كل هذا يمكن أن ينتهي إذا شعر العالم أن الصراع في سورية ليس بين متظاهرين سلميّين ونظام يبطش بهم, وإنما بين فئات مسلحة وجيش حكومي.

إن هذا سيجعل العالم -وكذلك الإقليم- يدير ظهره لنا, وينشغل بأمور أخرى, بل إن بعض الدول سوف تحوِّل المعارضة إلى (دكاكين سياسية) تدعمها, وتتخذ منها أوراقًا للضغط واللعب السياسي, والنتيجة هي ارتهان الوطن للخارج, على نحو ما حدث في لبنان والعراق وغيرهما.

قد ذهب الكثير, وبقي القليل, وإن النصر صبر ساعة؛ والله ولي المتقين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شبيحة الأسد إذ يستهدفون النساء أيضا!! .. ياسر الزعاترة

الدستور

26-9-2011

عندما نتحدث عن استهداف شبيحة نظام الأسد للنساء، فنحن لا نعني من تورطن منهن في معارضة النظام كما هو حال طل الملوحي (اعتقلت قبل تفجر الانتفاضة) أو سهير الأتاسي، بل نعني نساء وفتيات بريئات ليس لهن من ذنب سوى أن إخوتهن من معارضي النظام أو من رموز الانتفاضة الشعبية.

ليس هذا الكلام من باب المبالغة في شيء، فقد تمكن سكان منطقة باب السباع في مدينة حمص من إلقاء القبض على أحد الشبيحة أثناء محاولته قتل أحد الناشطين، فكان أن اعترف بقيامه وعدد من زملائه باختطاف مجموعة من الفتيات من شقيقات المعارضين أثناء قيامهم بعمليات مداهمة برفقة قوات الأمن. وتم احتجازهن في منطقة المزرعة بمدينة حمص واغتصبوا عددا منهن ثم قاموا بقتلهن.

وممن قتلن في ذات السياق (زينب ذات التسعة عشر ربيعا) شقيقة الناشط الحقوقي محمد ديب الحصني الذي استشهد لاحقا، وكان الهدف هو دفعه لتسليم نفسه، وكانت النتيجة أن أعيدت الفتاة إلى أهلها جثة محشوة في كيس أسود وقد قطع رأسها ويداها وإحدى ساقيها، وفرض على الأب دفنها بتكتم شديد، بل والقول إن إرهابيين هم الذي اختطفوها واغتصبوها وقتلوها.

لقد بات من الصعب إحصاء الجرائم التي يرتكبها النظام السوري، والتي تهدف إلى لجم الاحتجاجات بأية طريقة كانت، وفي مقدمتها سياسة القتل بالتقسيط اليومية التي تسعى إلى بث الرعب في أوساط الناس من أجل الحيلولة دون انخراط أكبر عدد منهم في الاحتجاجات، وهي سياسة تحقق بعض النجاح معطوفة على الانتشار الأمني الكثيف في سائر المدن والمواقع الرئيسة في البلاد، وإن لم تؤد إلى لجم الاحتجاجات التي يقودها شبان لم يعد الموت يرهبهم بأي حال، وهم يواصلون تقديم الشهداء دون توقف.

على أن سقوط النظام في هذا المستوى من العنف الدموي الرخيص الذي يستثير مشاعر الشارع السوري إنما هو محاولة أخرى للجم الاحتجاجات عبر إقناع الناشطين بأن تورطهم في المعارضة لن يؤدي إلى قتلهم أو اعتقالهم فقط، بل سيصيب ذويهم أيضا، بما في ذلك أمهاتهم وأخواتهم؛ في لعب على مشاعر إنسانية معروفة في مجتمع محافظ، وهو يستعيد بذلك الكثير من أبجديات الوالد العزيز أيام مواجهته للتمرد المسلح الذي قاده الإخوان مطلع الثمانينات، كما أنه ينهل من تجارب عربية معروفة تتصدرها التجربة المصرية في مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة خلال الثمانينيات والتسعينيات والتي اكتشفت طريقة رهيبة في انتزاع الاعترافات وتكسير إرادة المتهمين، حيث كان يؤتى للمعتقل بأمه وأخته وزوجته ثم يعرَّين أمام عينيه ويهدد باغتصابهن، فتكون النتيجة هي الانهيار.

ما لا يدركه النظام هو ذلك الفارق الكبير بين تجربة الوالد الراحل وبين الوضع الحالي، الأمر الذي ينطبق على التجربة المصرية، والسبب أن فرص نجاح المعارضة في المعركتين المشار إليهما كانت معدومة إلى حد كبير بسبب عدم انخراط عموم الناس فيهما تبعا لعدم القناعة بجدواها وفرص نجاحها، أما اليوم فالمشهد مختلف، إذ أن الغالبية من أبناء الشعب السوري قد ضاقت ذرعا بالنظام وهي تريد تغييره بأي ثمن، ولن تكون أية إجراءات مهما بلغت بشاعتها قادرة على لجم الإصرار الشعبي على التغيير. بل إن من غير العسير القول إن هذه الممارسات البشعة ستزيد في حنق الناس وتدفع المترددين منهم إلى حسم موقفهم من النظام، والأسوأ أنها ستدفع الكثيرين إلى حمل السلاح، وصولا إلى حرب أهلية لن يربحها النظام ومن يتحالفون معه بأي حال، حتى لو دفعت الغالبية خلالها الكثير الكثير من الضحايا والمعاناة.

لقد أفلس النظام إفلاسا رهيبا، ولم يعد بوسعه مواصلة الإنكار عبر «بروباغاندا» يائسة، ولن يكون أمامه غير الرحيل طال الزمان أم قصر، فمن خرجوا إلى الشوارع طلبا للحرية ليسوا في وارد التراجع حتى لو أطلق عليهم ماهر الأسد كلابه المسعورة وأمعن فيهم وفي أهلهم قتلا واعتقالا وتعذيبا، لأن كل شهيد وكل معتقل أو معذب سيمنح الثورة مزيدا من الوقود، ومزيدا من الإصرار على الانتصار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف تقتل طفلاً؟ .. يوسف أبو لوز

آخر تحديث:الاثنين ,26/09/2011

الخليج

كيف تقتل طفلاً؟ سؤال في منتهى القسوة ليس سؤالاً استنكارياً أو تعجبياً بل هو استفهامي تماماً . سؤال ليس عارياً عن الصحة .

مباشر وحادّ مثل حدّ السكين . صحيح أنه ثقيل على القلب، ولكن لا بأس بتلطيفه وتدويره وترميزه بحيث يبدو الطفل في معنى آخر شجرة أو فكرة أو قصيدة أو عملاً فنياً أو ثورة . . أو حتى وطناً .

لكي تقتل طفلاً، عليك أولاً أن تتخلص من الطفل في داخلك، وتتحول إلى كائن جاف، والأصح عليك أن تجفف دمك ودموعك وقلبك .

لكي لا نذهب بعيداً في هذا العنوان القاسي، فالطفل هنا هو الحياة . . الحياة برمتها . الحياة كيفما هي . حياة ناس من عطر وعرق وأجراس صغيرة . حياة تلاميذ يذهبون إلى المدرسة لكي يعثروا هناك على المستقبل . حياة شعوب تريد . . وأنظمة لا تريد .

الطفل رمز، إذاً، وليس بشراً من لحم ودم، وإن كانت صورته الواقعية هي المقصودة بالقتل . .

في مرحلة من مراحل البؤس الإنساني الدموي في ألمانيا، حيث كانت الفكرة النازية لا تعترف بالحياة، مهدّ النازيون لقتل البشر بقتل الكلاب . عليك أولاً أن تقتل الكلب الأليف والسلمي، هذا الحيوان العائلي أحياناً . . الذي ينبح ولكنه لا يعض . اقتله بطريقة شرسة لكي يتقبل صاحبه فكرة القتل بأعصاب هادئة وإذعان كامل .

اقتل الحصان والفراشة والحمار والعصفور والشجرة والمنزل، على مرأى من الناس الذين يدب الخوف في قلوبهم في هذه الحال، فيتحولون بالضرورة إلى كائنات منصاعة بكل هدوء إلى آلة الموت .

ألم تستخدم قوة الاحتلال “الاسرائيلي” هذا الأسلوب النفسي المرعب، عندما درجت على سياسة هدم المنازل الفلسطينية وقلع أشجار الزيتون وتجريف التراب الصالح للزراعة . . لكي يتقبّل، الفلسطيني نفسياً بعد ذلك، أو يعتاد رؤية دم أبنائه بدموع أقل؟

ليس المنزل الفلسطيني سوى طفل . . طفل ما . طفل رمزي أو واقعي، لا يهم . المهم هو المحو والإبادة .

في حالة بعض الشعوب العربية التي تخرج إلى الشوارع بكل طفولتها وسذاجتها ورمزيتها أو واقعيتها وعدم واقعيتها نرى في المجمل صورة . . طفل .

إذا أردت قتله تخلص، مرة ثانية من طفولتك وإنسانيتك وأخلاقك . . ثم تنفس الصعداء . . وقل انتصرتُ على ولدي .

بل، ويا للفاجعة، قل انتصرت على شعبي .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زينب الحصني حكاية مروعة.. فهل يهتز لها الضمير العالمي؟! .. محمد فاروق الإمام

لم يتبادر إلى ذهني للحظة من اللحظات أن سورية الحضارة والتاريخ.. سورية التي أهدت إلى البشرية أول أبجدية عرفها الإنسان.. سورية التي احتضنت حضارات تضرب جذورها في أعماق أعماق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف سنة، تحكي رقي الإنسان السوري ومدنيته.. سورية التي انطلقت منها جحافل الفتح الإسلامي التي وصلت حدود الصين والسند والهند وأسوار فينا وباريس، لتحرر الناس من عبادة الإنسان إلى عبادة الواحد الديان.. سورية التي كانت منارة تهدي إلى العالم الحب والسلام والأمن والاطمئنان والعلم والمعرفة، وتنبه إلى قيمة الإنسان وعلو منزلته، وتحض على احترام حريته وصون كرامته.. أقول لم يتبادر إلى ذهني في لحظة من اللحظات أن تتحول سورية الجميلة بفسيفسائها العرقي والديني والطائفي والمذهبي السندسي الجميل المتعايشة في سلم أهلي فريد، وربيعها الفواح بشذى عطر خمائلها الوارفة الظلال، إلى غابة تفوح منها رائحة الدم التي تخلفها قطعان الوحوش الكاسرة والضباع الجائعة والذئاب المتعطشة لسفك الدماء، وأشباه البهائم من الرجال آكلي لحوم البشر ترتع في جنباتها، دون رادع إنساني يرق لهم أو يشفق لحالهم وهم الأعزاء أبناء الأعزاء!!

ستة أشهر دموية تُلاك فيها لحوم السوريين والسوريات لم تشبع الضواري الهائمة في ساحات وميادين وشوارع وأزقة وزنكات وأحياء المدن والبلدات والقرى السورية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطاً.. لم ترو هذه الأشهر الستة بأيامها المئة والثمانون ظمأ المتعطشين للدماء الذين انفلتوا من عقالهم بلا حساب أو رقيب، والعالم عرباً وعجماً لا تتحرك لديهم جارحة أو يرف لهم جفن وهم ينظرون إلى لحم الحرائر المسلوخ وعظامهم المكسورة وأطرافهم المبتورة ورؤوسهم المقطوعة وكأن قلوبهم قدت من جلمود وجوارحهم وأحاسيسهم فاقت الدب الكسلان بلادة.

ستة أشهر ودماء السوريين تتفجر أنهاراً.. ولحوم أجسادهم تلاك وتلفظ في القمامة بقاياها.. ولا نسمع من الشرق والغرب والعرب والعجم إلا كلاماً تذروه الرياح لا صدى له ولا تفعيل على الأرض، تدفع آكلي البشر في سورية إلى الإيغال في فعلهم المجنون والتمادي في سفكهم للدماء تعيد إلى الأذهان ما حدث في سرليون وساحل العاج وكمبوديا.

حكاية الفتاة الحمصية زينب الحصني ذات التاسع عشر ربيعاً تحكي بعض فصول المأساة التي يعيشها الشعب السوري في فلذات أكبادهم، وقد سلخ جلدها وبترت أعضاؤها وفصل رأسها عن جسدها وأحرق وجهها البريء.. وقد سبقها قصص وقصص وحكايات وحكايات لم ترو لنا بطون التاريخ شبيهاً لها حتى في ظلمات القرون الوسطى ومحاكم التفتيش والنازية والفاشية، ولما تجف بعد فصول مأساة تعذيب الطفل حمزة الخطيب وبتر أعضائه التناسلية وحفر أخاديد في جسده، وحكاية بلبل العاصي إبراهيم قاشوش وقد انتزعت حنجرته ولاكتها أنياب الذئاب الحاقدة ليليها قصص وحكايات لا تقل بشاعة عنها ولعل قصة زينب أبشعها، ولم يكن مصابنا في حمزة الخطيب وإبراهيم قاشوش وزينب الحصني نهاية المطاف، فهناك المئات من هذه الحالات وقد يكون الآلاف ممن سجلوا في حالات اختفاء، قد تكشف الأيام القابلة بعض خيوط نسيج بقايا أعضائهم إن لم تكن أحرقت أو ألقيت في البحر.

ولابد لنا من أن نروي حكاية الفتاة الحرة زينب الحصني التي وقعت بأيدي شبيحة الأسد ورجال أمنه عندما داهموا بيتها بحثاً عن شقيقها الشاب محمد بسبب نشاطه في المظاهرات السلمية وعمله الدؤوب في إسعاف الجرحى غير آبه بزخات الرصاص التي كانت تستهدفه وتستهدف من يسعف من رفاقه، وكان ذلك صبيحة اليوم الثاني من أيام رمضان حيث اقتحموا بيت محمد بوحشية، ولما لم يجدوه اقتادوا شقيقته العفيفة الطاهرة إلى جهة مجهولة، وبعد خمسة أيام من اختطافها، اتصلت فتاة بأهلها وقالت إن زينب هي بيد رجال الأمن وأنهم مستعدون لتسليمها مقابل استسلام شقيقها المطلوب محمد، وحددوا مكاناً ضمن أحد الأحياء الغير آمنة فساومهم الأهل على مكان آخر في قلب المدينة، ولكن المتصلة أقفلت سماعة الهاتف وبقيت الأسرة ومنذ ذلك الحين لا تعرف عن مكان ابنتها أي شيء، وفي الثالث عشر من شهر أيلول فجعت الأسرة بنبأ استشهاد ابنهم محمد على يد رجال الأمن والمخابرات أثناء العملية العسكرية على حي بابا عمرو في حمص، يوم العاشر من أيلول، فتوجهت الأسرة لاستلام جثمان ابنها الشهيد الذي كان يرقد في ثلاجة المستشفى العسكري بحمص، وأثناء تواجد الأسرة في المستشفى علموا بطريق الصدفة عن تواجد فتاة في التاسعة عشر من عمرها في ثلاجة المستشفى فسارعت الأسرة المكلومة لتقصّي الخبر، لكنهم في البداية لم يستطيعوا التعرف على ابنتهم زينب لقد بدت مقطوعة اليدين من الكتف مقطوعة الرأس وقد أحرق وجهها، وكان واضحاً على ظهرها آثار التعذيب والحروق التي غطت جسدها كله.

لم يسمح لتلك الأسرة المفجوعة أن تستلم جثمان ابنتهم التي تعرفوا عليها أخيراً إلا بعد التوقيع على إقرار بمنعهم من تصوير الجثمان وبمنعهم من إقامة جنازة يحضرها الناس، وبالفعل فقد حملت الأسرة المكلومة جثمان شهيدتهم زينب لتدفنها في مقبرة باب السباع في جمع صغير من الحاضرين أقتصر على أسرتها وبعض الأقارب، لكن وبعد مغادرة المشيعين سارع الشباب إلى نبش القبر وتصوير تلك الجريمة البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية وتتبرأ منها كل ما يمت إلى البشر من صلة، لتضاف إلى آلاف الوثائق التي تدين هذا النظام وتعريه وتدفع برأسه مكبلاً بالأصفاد إلى قفص الاتهام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ويُنادى عليه يا قاتل الحرائر والأطفال.. فيرد (حاضر سيدي...).

ستظل زينب الحصني وحمزة الخطيب وإبراهيم القاشوش وأشباههم ممن مرت عليهم قطعان آكلي البشر في سورية، تحكي الصفحة الظلامية التي عاشتها سورية في ظل حزب البعث القائد للدولة والمجتمع.. وتروي حكاياتها جيلاً بعد جيل!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشعب السوري أبقى من قامعه ومؤيديه.. بدر الدين حسن قربي

المركز الإعلامي

في مواجهة مظاهرات الاحتجاج السلمية المستمرة في عموم سورية منذ أكثر من ستة أشهر, تُحرك سفارات السلطة السورية في الخارج مواكب وفودها لمقابلة رئيسها بشار الأسد إظهاراً للتأييد والدعم والولاء. وعليه, فقد كان لقاء وفد الجالية السورية المقيمة في الكويت بتاريخ 29 أغسطس الماضي الذي نشرت صحيفة "الراي" الكويتية خبره متأخراً في 23 سبتمبر الجاري.

يلاحظ في ما نُشر أن النظام لا يزال مصراً على تسويق الثورة السورية أنها ليست غير مؤامرة خارجية, وأن مسيرة الإصلاحات ماضية ومستمرة في ملاحقة المندسين والمجموعات المسلحة الإرهابية ومحاربتها, وأن الموقف الإقليمي المعارض من قطر وتركيا والسعودية سببه مواقف النظام السوري المخالفة لهم في ما يتعلق بلبنان بما في ذلك دعمه للقذافي أيضاً. ورغم أن كل ما قيل هو كلام مكرور ومتلازم ببروغاندا إعلامية على أن ما يحصل سببه الخارج السوري المتآمر وليس الداخل, فإنه أيضاً كلام مردود عليه منذ زمن, ولكن ما حيلة السوريين وبلواهم لعقودٍ بقامعين مستبدين فاسدين نهابين, بل وكذابين مناطحين, فمعروف للقاصي والداني سبب الاحتجاجات ومعروف أيضاً من الذي واجهها من الساعة الأولى بالقتل وسفك الدماء.

كان في ما نشر سؤال الوفد عن أشرطة "فيديو" أظهرتْ التعذيب الأسدي الذي يمارس على السوريين المتظاهرين وبعض من عبارات الكفر والتقديس والتأليه لأسرة الأسد التي كان المعتقلون يُجبرون على التلفظ بها مع فظائع الضرب ووحشيته, ومن ثم فقد اعترف بشار الأسد بوقوع أخطاء من قبل قوات الأمن مبرراً ذلك بأنها مدربة على مواجهة عناصر "القاعدة" حيث المطلوب من عنصر الأمن أن يَقتل قبل أن يُقتل, وغير مدربة على التعامل مع المظاهرات والاحتجاجات التي تحصل حالياً, ومن ثم كانت الاستعانة بالجيش في ملاحقة المجموعات المسلحة الإرهابية. يلاحظ هنا أنه تناسى الإشارة إلى إرهاب "شبيحته" وتعمد إعطاء رسالة لأولي الأمر بأنه محارب عنيد وسد منيع للإرهاب ممثلاً ب"القاعدة" فتدريب قواته وأجهزته وميليشياته معدة لها.

وكان في ما نشر سؤال الوفد العتيد عن قول منسوب إلى ماهر الأسد, تم تداوله في أوساط السوريين بأنه مازال مرتدياً ملابس الرياضة ولم يرتد لباسه العسكري بعد في مواجهة الاحتجاجات (والتي قيل عنها بأنها رسالة لأهل حمص الذين ردوا عليها بأنهم مازالوا بالمناشف خارجين للتو من حماماتهم ولم يبدأوا احتجاجاتهم بعد), وهو ما أجاب عليه بشار الأسد بنفي صحته, ومشيراً إلى أن شقيقه يقوم بدور وطني وتاريخي كبير, وعليه مسؤوليات كبيرة, وهو من الحريصين على أمن واستقرار البلد, وبالتالي لا يمكن أن تصدر عنه مثل هذه الأقاويل. ولكن قول بشار الأسد للوفد بأنه لم يستخدم الحل الأمني بعد وأن ما يجري أشبه بمعالجات دقيقة موضعية, لا يختلف في شكله ومضمونه عما نُسب لأخيه من قول وعما هدد به القذافي المهزوم شعبه بأنه لم يستخدم القوة بعد, كما أنه كلام ينفي صحته توحش النظام في القمع والتعذيب وسفك الدماء الذي أنتج أكثر من ثلاثة آلاف قتيل فيهم قرابة مئتي طفل, ومثلهم من المفقودين, وآلاف المصابين والجرحى وعشرات الآلاف من المعتقلين. وعليه, فإذا كان "الضرب بالمليان" من قبل الأخوين حسب كلامهما لم يبدأ بعد, وكان حجم جرائمهم على ما ذكرناه آنفاً, فكم الضحايا عندما يباشر الأول الحل الأمني ويلبس الثاني صاحب الدور الوطني والتاريخي بدلته?!

إن الثورة السورية السلمية دخلت شهرها السابع بمطالبها المعروفة في الحرية والكرامة ورفض الاستبداد وإسقاط النظام وتجاوزت نقطة اللاعودة, والسلطة القامعة المستبدة مصرة على المراوغة والإنكار, ومستمرة في قتل شعبها ومواطنيها بكل تناحة وبجاحة, وإنما التاريخ يشهد أن الشعوب هي الأبقى فلا عجب, وأن لكل ظالم أجلاً ونراه قد اقترب, فإذا جاء لن ينفعه حل أمني ولا جيش ولا شبيحة ولا غيرهم من وفود السوريين والعرب, وقضي بينه وبين شعبه بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إفراط سوريين في الموالاة ... وتفريط بالوطن .. هيثم حقي *

الخميس, 29 سبتمبر 2011

الحياة

لم أتخيل أن يأتي يوم تصلني رسالة على هذه الدرجة من العنف والابتذال... لقد تجاوز المفرطون في موالاة النظام السوري كل القيم، وراحوا حقيقة يشبّحون يميناً ويساراً، ويسبّحون بحمد «سيد الوطن»، رافضين أي تغيير حتى لو أعلن بنفسه عن مشروعيته، وهو ما كرره في خطبه عن الإصلاح مبدياً بوضوح الرغبة بالتحول إلى التعددية والإعلام الحر، وحتى نسف الدستور لصوغ دستور جديد عصري، وهذا يعني تغيير النظام بالكامل من نظام الحزب الواحد إلى الدولة الديموقراطية المدنية المنشودة.

لكن، لنعد إلى الرسالة:

هي رسالة مثل كل الرسائل التي أرسلت لتهديد عدد كبير من المثقفين والمبدعين، وقد نفّذ البعض تهديداته انتقاماً من المبدع أو أهله، ما خلق صدمة حقيقية. في كل تلك الرسائل استخدمت لغة شتم قذرة للمثقف وأهله وخصوصاً أمه وأباه. فقد قام المفرط في الموالاة بشتم أمي، السيدة الفاضلة التي رحلت عن هذه الدنيا منذ سنوات عن عمر ناهز السادسة والسبعين. وهي المرأة التي قضت حياتها تعمل في مديرية الصحة، وشهد الجميع على تفانيها في عملها. وبعد تقاعدها استمرت بكونها نبعاً من الحب والكرم والتقوى حوّلها أيقونة بعيون كل من عرفها.

شتم أبي، الذي كرّس حياته من أجل تعليم جيل من التشكيليين السوريين حيث نقل بكل سخاء فنه ومعرفته التي جناها بصفته من أوائل خريجي أكاديمية الفنون في روما إلى جيلين على الأقل من أهم فناني حلب الذين تفخر بهم سورية اليوم، عدا عن فنه الشخصي الذي ما زال متحفا حلب ودمشق يحتفظان ببعض من أجمل لوحاته. كذلك يشهد تاريخ مسرح الشعب في حلب على الديكورات التي صممها لجلّ عروضه... وأبي الذي شتمني هذا المفرط في الموالاة بانتسابي إليه قائلاً يا ابن «...» كان موسوعة ثقافية متنقلة ساهم في كل نشاطات الحركة الثقافية السورية، ولا يزال حتى يومنا هذا يكتب عنه أطيب الكلام، على رغم أنه رحل عن هذه الدنيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

لم يكتفِ هذا المفرط في الموالاة بشتمي بأبشع الأوصاف، بل هددني بقلع عينيّ، مثلما كسروا أصابع رمز من رموز الثقافة السورية، باعتراف مرسل الرسالة، والذي سمّاه: «العرعوري علي فرزات». قال لي (عامل حالك مخرج) وكل إعلام سورية وفي كل محافلها يُسمّيني، من دون سعي مني، شيخ المخرجين السوريين، وعرّاب الدراما السورية، وأحد مؤسسي صناعتها الدرامية التي أصبحت فخر سورية.

لكن الأفظع هو قسمُه أنه سيركّعني. ولست أفهم هذه الرغبة في الركوع والتركيع هل هي الرغبة بحشرنا جميعاً في حلقة الساجدين على الصور حتى يحسّ الراكعون الطوعيون بتفوقهم على الراكعين القسريين؟

كل هذا من أجل ماذا؟ يقول المفرط في الموالاة: أتريد دولة مدنية؟ أتريد حرية يا...؟

هكذا إذاً، كل الحديث عن الإصلاح والتغيير والتعددية الحزبية وتغيير الدستور والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، كل هذا بالونات في الهواء برأي هؤلاء، والويل والثبور لمن يقول بذلك من المعارضة؟!

خلال هذه الأشهر التي مضت على الانتفاضة الشعبية في سورية مرّت نماذج من الإفراط في الموالاة نَبّهتُ عنها في بعض مساهماتي على شبكة التواصل الاجتماعي (الفايسبوك) وسأمرّ على أبرزها.

في أحد أيام جمعة دامية قرأت رأيين لمواليين، شديدي الموالاة، من الفنانين. الأول يقول إن كل متظاهر متآمر. والثاني يمتدح يوم الجمعة في دمشق «حيث خرج الناس في نزهاتهم رجالاً ونساء وأطفالاً في جو بهيج من الحرية». الأول يخوِّن من دون تردد، والثاني ينفي وجود الآخر، الذي سقط منه في اليوم نفسه شهداء وجرحى، وخرج بآلافه وعلى امتداد الوطن ينادي بالحرية.

هل هؤلاء الزملاء الفنانون فعلاً لا يريدون ما يقول الجميع إنهم يصبون إليه: سورية ديموقراطية؟؟

تذكرت بهذه المناسبة مشهداً من فيلمي القصير «اللعبة» (1979)، حيث يأتي البطل المكلف تقديم صور يومية عن الأطفال، لمناسبة العام الدولي للطفل، إلى مسؤول الصفحة في الجريدة، حاملاً صوراً رأيناه حين صورها، وقد نزل فيها إلى قاع المجتمع، لينجز صوراً لأطفال تُظهر البؤس والمعاناة التي يعيشونها من فقر ونزول مبكر إلى سوق العمل إلى حارات مكتظة بأطفال لا مكان لهم للعب والتنفس... باختصار أطفال سورية «المعترين». يقدم الصور لمسؤول الصفحة فيقول هذا وقد امتعض من الصور: منين جايبلي هالمعترين هدول؟ فيرد المصور الفخور بإنجازه: هدول اللي عم شوفهن بطريقي. فيرد المشرف الرقيب: إي غيرّ طريقك وخلصني!

وفي هذا السياق وصلني ما كتبه أحد شديدي الموالاة، ممن يعملون في الإعلان. إذ أراد أن يخفف دمه ويلصق تهمة الاستحالة بمطالب المعارضة لإقامة دولة مدنية تعددية بمواطنة متساوية أمام قانون عادل. يقول أخونا المغالي في الموالاة إن طلبات المعارضة، التي أراد لها أن تبدو مستحيلة، هي:

1 - إلغاء قانون الجاذبية.

وما أقدمه في تفسير كل من هذه المستحيلات هو من تأليفي واستبطان القصد المخبأ خلف السخرية وفق رأيي، لذا وجدت أنه هنا يقصد استحالة إلغاء القانون 49 الخاص بإعدام المنتمي إلى حزب الإخوان المسلمين والمادة 8 من الدستور التي تجعل حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع.

2 - تأمين لبن العصفور للمواطنين كافة.

ويقصد استحالة العيش الكريم لكل مواطن، والتوزيع العادل للثروة.

3 - محاكمة إبليس محاكمة مدنية وإدخاله الجنة.

ويقصد أن لا محاكمة للمتسببين بسفك دماء المتظاهرين السلميين بمحاكمات علنية لكي ينالوا القصاص العادل.

4 - المطالبة بحل لغز مثلث برمودا والاعتراف بأنه نقطة أمنية سورية تابعة للنظام.

ويقصد عدم الموافقة على لجنة مستقلة لتقصي الحقائق تحل لغز المجموعات المسلحة التي ظهرت فجأة ومحاكمة كل مرتكبي القتل والتعذيب من أي جهة كانت.

5 - تصوير جزء سادس من مسلسل «باب الحارة» ومشاركة المعارضة السورية فيه بتظاهرات لفك أسر أبو عصام السياسي حيث يعتقله النظام.

ويقصد أن التظاهرات لن تفلح بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وتبييض السجون والكشف عن مصير المختفين قسرياً لطي ملف الاعتقال السياسي في سورية إلى الأبد.

ويتابع على هذا المنوال من السخرية التي لن أزعجكم أكثر بسرد سخافاتها. لكن ما يمكن أن يستنتجه المرء ببساطة هو: كأن المغالين في الموالاة لا يؤمنون بالحوار مع المعارضة الذي تدعو إليه السلطة، أم لعلهم يعرفون أكثر منا! فمن الغريب أن يكون موقفهم مخالفاً لبيان اللقاء التشاوري، الذي رأسه فاروق الشرع نائب الرئيس السوري وبتفويض من الرئيس نفسه، والذي كان واضحاً باقترابه من مطالب المعارضة للإصلاح، ونقتطف منه:

«استمع المجتمعون إلى وجهات النظر المختلفة والمتنوعة والثرية في سياق قبول وإرساء التعددية الفكرية والسياسية باعتبار ذلك مناخاً صحياً ومحفزاً.. وبعد الترحم على شهداء الوطن أكد المجتمعون على القواسم المشتركة الآتية:

إن الحوار هو الطريق الوحيد الذي يوصل البلاد إلى إنهاء الأزمة. (....)

رفض الاعتداء على الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة ومن أي جهة تبادر إليه.

ضرورة الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي الذين لم تشملهم مراسيم العفو السابقة والذين لم يرتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون والتأكيد أن حق إبداء الرأي غير قابل للانتهاك ومصون تحت سقف الوطن والدستور وأن الحريات العامة حق لكل المواطنين. (....) ضرورة إعلاء قيمة حقوق الإنسان وصونها وفق أرقى المعايير الدستورية والإنسانية والعصرية والتوصية بإنشاء مجلس أعلى لحقوق الإنسان في سورية.

إن المعارضة الوطنية جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري. (....)

إن توجه اللقاء هو من أجل إقامة دولة الحق والقانون والعدالة والمواطنة والتعددية والديموقراطية التي تعتمد صناديق الاقتراع أساساً للتفويض السياسي. (....) أوصى (اللقاء) بإنشاء لجنة قانونية سياسية لمراجعة الدستور بمواده كافة وتقديم المقترحات الكفيلة بصوغ دستور عصري وجديد للجمهورية العربية السورية يضمن التعددية السياسية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والحقوق الأساسية للإنسان...».

وهكذا انتهى هذا اللقاء. لكن المفاجئ كان رد الفعل من داخل السلطة. إذ خرج علينا في ظاهرة لافتة، يبدو أن لها علاقة بمراكز القوى أو تبادل الأدوار، بعض القيادات البعثية في الإعلام والنقابات، في تحرك منسق، بشن هجوم مركز على نتائج هذا المؤتمر التشاوري. ليس هذا فحسب، بل إن بعضهم اشتكى من عدم إتاحة الفرصة له بالكلام في المؤتمر، بينما سمح لأصحاب الأفكار الهدامة (مثل فكرة إلغاء المادة 8) بالحديث والتطاول على الثوابت الوطنية. فقرر هؤلاء أن يبقّوا البحصة في شكل لا لبس فيه: لا تغيير للدستور (حتى لو أكدت ذلك أعلى سلطة في البلد)... يعني بصراحة أكثر، لا يوجد إصلاح...

وبوضوح ومن دون لف ولا دوران: «المادة 8 باقية والبعث سيظل قائد الدولة والمجتمع والمعارضة غالبيتها تخريبية والبقية لا يعرفون رؤوسهم من أرجلهم... نحن لنا دهر نقود البلد ونحميكم... ولم نصل إلى هنا إلا بعد نضال وتضحيات كبيرة، وصار لنا خمسون سنة نحكمكم بالنظام والدستور الرائع الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا فصفصها وزينها بالوحدة والحرية والاشتراكية، فتضبضبوا واسكتوا... الإصلاح المسموح هو أن تنشئوا أحزاباً على المقاس وتنافسوا قائد الدولة والمجتمع شرط أن تستطيعوا الإتيان بمتل فكره وتضحياته وإذا هزمتوه بالانتخابات... سنريكم!... فاقلعوا من رؤوسكم هذه الأوهام... وكل ما تسمعونه عن التغيير، فقط لتتوقفوا عن التظاهر وبعدها... ترجع ريما لعادتها القديمة...».

وقد رجعت، حتى قبل وقف التظاهر.

ها هو المفرط في الموالاة يشتمني متسائلاً تريد دولة مدنية ؟ تريد حرية يا...؟

في مقالته الشهيرة «العبودية الطوعية» التي نشرها دولا بويسي في منتصف القرن السادس عشر يكتب:

«لا ريب في أنه أمر مذهل، ومألوف جداً مع ذلك، حتى ليثير الألم أكثر مما يبعث الدهشة، لدى رؤية ملايين وملايين من الناس رازحين في العبودية والشقاء وأعناقهم تحت النير، وليسوا مرغمين بفعل قوة قاهرة لكنهم (على ما يبدو) مفتونين ومسحورين».

تخيلوا كيف لشاب عشريني في القرن السادس عشر أن يستطيع بكل الدقة وصف حالة المفرطين في الموالاة المفرّطين بحق الوطن وحق أبنائه؟!

* مخرج سينمائي وتلفزيوني سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل على السوريين أن يموتوا كي يفرضوا عدالة قضيتهم؟  .. خولة دنيا

2011-09-28

القدس العربي

 تمر أيام جمعة جديدة.. تحمل أسماء جديدة.. تحمل تكثيفاً لآمال السوريين في هذه التسمية البسيطة التي لا تتجاوز الكلمات الثلاث وأحيانا تقتصر على كلمة .. وكأن الحلم والأمل والمعاناة تتكثف في هذه التسمية، لتكون رسالة مباشرة واضحة للداخل والخارج..

وفي السياق نفسه تتداول وسائل الإعلام هذه التسمية قبل الجمعة وبعدها.. لترى ماالذي قرره الشعب السوري الثائر لهذا الأسبوع؟

أحياناً هي رسالة تحتاج إلى أسابيع أو أشهر كي يفهم محتواها، أو يصبح قابلاً للتنفيذ.. وفي أحيان أخرى يكون مجرد اسم للعتب أو لرفع الهمم.. أو شكوى لله ..

كما وفي هذه الجمعة كان رسالة للمعارضة أن كفاكم مناورة لقد مللنا منكم نريدكم أن تتوحدوا على مصيرنا الذي ينتهك يومياً.. ولكن وكأن المعارضة لديها (أذن من طين، وأخرى من عجين) تبدوأنها تعمل على سياق أخر. وكأن الثورة التي تتحدث عنها تحدث في كوكب آخر بعيد كل البعد عن آلام السوريين وآمالهم.. فيتدارسون ويمحصون ويتفقون على نقاط ويختلفون على أخرى.. ويلتقون بدول ويتجنبون أخرى.. ويقيمون مؤتمرات وينكسون بها..

ولكن عينهم الثاقبة لا تغيب عن الحراك وكأنها تراقب أما زال لدى السوريين النفس الكافي للتظاهر وتقديم التضحيات؟

ومؤشرهم يتلخص بنقاط بسيطة: عدد التظاهرات المجمل في أنحاء سورية، وعدد الشهداء الذين سقطوا في هذه الجمعة..

النقطة الأولى أي 'عدد التظاهرات' يعطيهم مؤشراً على أنهم مازالوا قادرين على التكلم باسم السوريين، وأن السوريين مازالوا على عهدهم بالثورة ودفعها للأمام. وهو مؤشر مهم جداً فبدون ثورة لا معارضة عليها القيمة، ولن يسمع لهؤلاء المعارضين أحد، فيسعدوا لعدد التظاهرات الكبير، ويحتفوا به ويتكلموا عنه وباسمه..

أما المؤشر الآخر 'عدد الشهداء' فهو مؤشر مهم كذلك لأنه يعطي الإمكانية للتحدث عن حجم القمع الذي يجابه به النظام شعبه، وكلما زاد عدد الشهداء زاد حجم القمع.. وزادت إمكانية استجرار دموع المندوبين في الأمم المتحدة.. ومعها استجرار تعاطفهم مع قضية السوريين العادلة لنيل الحرية وبناء الدولة التي يحلمون بها..

وكأن السوريين يجب ان يموتوا بأعداد كبيرة لنيل رضى من يتحدث باسمهم ، كما لنيل تعاطف من يرغب بالوقوف لجانبهم.

أفاجأ بامتعاض البعض أيام الجمع بأنه سقط 'فقط' 10 شهداء، أو 15 أو حتى 20.. وكأن العدد لا يكفي بنظرهم..!!

وكأن لسان حالهم يقول 'بس؟' فهم بحاجة للموت والدمار والعنف ومناظر القتل الشرس والتعذيب الوحشي وسلخ جلود الضحايا وتقطيع الجثث ورميها في وجوه الأهل المجبرين على التوقيع على ورقة تؤكد أن من قتل أولادهم هي العصابات المسلحة...

من الطبيعي أن يمارس القاتل ساديته بهذه الطريقة الوحشية وهو سعيد ضاحك أمام عدسات كاميرا ما تبين كم هو قوي وقادر وجبار أمام هذا الإنسان الضعيف الذي يجب كسر شوكته ومنعه من القول ومن الفعل، وإجباره على أفعال لا يمكن أن يقوم بها سوى من هو بمواجهة موتٍ محتم.

نعم قد نفهم سادية القاتل، ولكن هل نفهم مازوشية من يتحدث باسم القتيل؟

'يظهر البعض على الاعلام وكأنه خجل من قول أن من سقط اليوم فقط هذا العدد القليل، فيحاول التضخيم بقوة من الاشكال الأخرى للعنف والقمع وسد الطرقات والمدن وتقطيع اوصال الاحياء، واعتقال الشباب والاولاد... وكأنه سعيد بإنجاز مهمته على أكمل وجه.. رغم الفقر الحاصل بعدد الشهداء على رأيه...

فهل نحن فعلا بحاجة لمزيد من استجرار العواطف والدموع في اصقاع المعمورة كي يعترفوا بان قضيتنا عادلة وبأن ما نواجهه لم يواجهه أحد غيرنا، وبأننا نستأهل الحرية؟

هل نحن بحاجة لهذا حقاً؟

هل نحن بحاجة لهذا الموت اليومي البائس بعيدا عن أهلنا واحبتنا وبين يدي من لا يرحم، او برصاصة قناص غادر يختارنا عشوائياً من بين مئات؟

هل شهداؤنا بحاجة لأن تكون وجوههم بريئة وأعمارهم يانعة وابناءهم لم يولدوا بعد كي يعترف العالم بحجم مأساتنا؟

وهل نحن بحاجة لأن تغتصب فتياتنا وتقطع اوصالهن، كي يستطيع احدهم الادعاء على النظام بأنه سافل لا يرحم وبحاجة للإسقاط؟

'أي مازوشية يعيشها هؤلاء، ويعيشها العالم كي يسعد برؤية أجسادنا وأرواحنا وآلامنا تنتهك بهذه الوحشية كي يقول 'ياحرام'... ويقرر الوقوف لجانبنا أو يقرر أنه الآن فقط يستطيع أن يطالب بإسقاط النظام.. ويستطيع جلب الدعم الخارجي' والتأييد العالمي لقضيتنا...

'ألا يكفي أننا بشر.. بشر سوريون ممتلئون بالحياة وبالرغبة في الحياة وبالرغبة في مستقبل أفضل، والرغبة بالحرية وبدولة حرة وديمقراطية..

ألا يكفي أننا اكتفينا من هذا النظام البائس بعد خمسين سنة وأننا لا نريده بعد اليوم؟

ألا يكفي أن 'الشعب يريد إسقاط النظام' وحسب لأنه لا يريده بكل بساطة.. ولأنه يريد نظاماً آخر ووجوهاً أخرى تدير البلد بقوانين ودستور جديد؟

ألا يكفي؟

'أم يجب أن نموت ليسعد المازوشيون بموتنا ويمتلئوا فرحاً بأن قضيتنا الآن.. والآن فقط أصبحت عادلة ويمكن الدفاع عنها؟

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com