العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 2/6/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

ســقوط حزب حسن نصر الله من أعين السوريين

بدرالدين حسن قربي

في حديثٍ كان قبل عشرة أيام للشيخ صبحي الطفيلي أول أمين عام لحزب الله ، قال فيه بأن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 ترافق بتوقيع تفاهم بين حزب الله وإسرائيل وبشراكة سورية إيرانية، يلتزم فيه حزب الله بناءً عليه، بعدم ممارسة أي نشاط عسكري داخل الأرض المحتلة.  وهو كلام يقارب ماقاله حسن نصر الله عقب الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، عندما وقف في بنت جبيل مخاطباً جماهيره عياناً وقريباً من العدو: بأنه لن يجتاز الحدود نحو فلسطين.  وعليه، فقد توقفت المقاومة عملياً إلا من بعض مناوشات بين فترة وأخرى تجاوزت هذا التفاهم، والتي كان أخطرها ماسمّي لاحقاً بعملية الوعد الصادق لما ترتب عليها من قتل عدد من الجنود الإسرائيلين وأسر اثنين، والتي هدفت فيما قيل وقتها إلى تحرير الأسير سمير قنطار، والمئات بل والآلاف من الأسرى اللبنانين فيما شُبّه على الناس.  على كل حال، تسبّب الرد الإسرائيلي غير المتوقع حسب كلام حزب الله، بحصيلةٍ كبيرة من الدمار قدّرت بمليارات الدولارات، وعددٍ من القتلى قارب 1200 فضلاً عمن تركوا خلفهم من الضحايا والأرامل واليتامى، وأضعافهم من الجرحى والمعاقين، وتشريد بضع مئات من ألوف الناس، فضلاً عن أسر أربعة مقاتلين، وانتقل بعدها نشاط حزب حسن نصرالله للعمل السياسي مع استفادته من قوته في الداخل اللبناني.  ثم جاءت عملية تبادل الأسرى بعد عامين من الحرب تؤكد أنه لم يكن للبنان لدى العدو سوى أسير واحد هو سمير قنطار وهو العدد الحقيقي فيما قبل عملية الوعد.

جديد المسأله، وفي الذكرى الثالثة عشر للانسحاب الإسرائيلي إعلان حسن نصرالله يوم السبت الماضي، وهو متخفٍ خلف شاشة ضخمة نصبت في بلدة مشغرة عن اجتيازه حدود سوريا للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد، ولم تفته الإشارة إلى أنه تلقّى رسائل من أسرٍ تستجديه السماح لأبنائها بالقتال في سوريا، وهي طريقة يستخدمها النظام السوري لاقتحام بلدات وأرياف نتيجة رسائل مزعومة من أهلها.

حقيقة الأمر، أنه لاجديد في خطابه فكل مافيه معروف، فهو وأنصاره يتدخلون تارة بحجة حماية اللبنانيين أو القرى الشيعية القريبة من الحدود داخل سوريا، وحيناً بحماية المراقد والسيدة زينب، وأخيراً كما في خطاب نصر الله بحجة حماية المقاومة وظهرها وتحصين لبنان وظهره كذلك، لأن الخطر القادم حسب زعمهم سيصيب كل اللبنانيين وليس الشيعة وحدهم.  ولكن وإن لم يكن هناك جديد، فإنه يبقى خطاباً مهماً وفاصلاً، كشف ماكان خافياً على بعض الناس، والأهم أنه أرّخ لبداية حرب تاريخية طائفية يحملها ويتحملها هو وأشياعه وعشرات الآلاف ممن يستدعيهم للجهاد في سوريا بكلمتين حسب قوله، تفوح منها روائح كريهة، قد تمتد لسنين وتصيب كل المنطقة بالدمار.

أياً كان الرأي في نصر الله وحزبه، فإنه استطاع استغلال الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني مع إخفاء تفاهماته، والإفادة بعدها بسنوات في حرب تموز من الزعم بتدمير أسطورة القوة العسكرية الإسرائيلية، رغم هزيمته فيها على طريقة الحروب العربية السابقة لها، في بناء سمعة كبيرة لدى الناس، جعلتهم يحملون أعلامه وصوره ويهتفون باسمه من خلال شعارات المقاومة والممانعة.  وإنما جاءت الثورة السورية بكل مفاعيلها وارتداداتها لتكشف المستور من المشاريع والترتيبات، إن على مستوى المشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وإن مع إسرائيل في التفاهمات واللقاءات.  ولينكشف معها أن كل ماقيل لنا، واضطهدنا باسمه من شعارات المقاومة، وقمعنا بسببه ونُهبنا أيضاً، فهو في ذات السياق لتحقيق سطوة إيرانية ممتددة في المنطقة بالتعاون مع نظام الأسد وحزب الله والمالكي، وأن رافعتها شعارات تَحقّقَ كذبها، وانكشف زيفها.

لايشكّ سوري لحظة، أن الثورة السورية كانت تستهدف العلاقات الخارجية للنظام أو السياسات والتحالفات على كل مابها وعليها ومنها إيران وحزب الله، بل كانت ثورة تستهدف استعادة الحرية السليبة والكرامة المهانة قرابة نصف قرن من حكم الأسد الأب والابن قمعاً وقهراً وقتلاً ونهباً ولصوصية.  وإنما اصطفاف حسن نصر الله معه ودفاعه عن نظام معفّن وقمعي متوحش، أسقط سمعته وجعلها في الحضيض، ليس بقول السوريين عنه وعن أنصاره الذين يقاتلون في القصير وغيرها من الأماكن، بأنهم قتلوا سوريين أكثر مما قتلوا إسرائيلين، بل بما وصلت إليه قناعتهم بأنه ليس أكثر من دجال.  وعليه، فقد سمّت الثورة السورية جمعتها الأخيرة : جمعة دجال المقاومة.

http://www.youtube.com/watch?v=uCaXLUY8V0g&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=y0D6m0tWS4U&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=mZo0V-rmRCA

http://www.youtube.com/watch?v=mKcoNQtR3hY&feature=player_detailpage

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التعذيب في سورية.. والقدوة في أمريكا!

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 23/5/2013

إثر زيارة إلى مدينة الرقة، التي تديرها المعارضة السورية اليوم، بعد تحريرها في مطلع آذار (مارس) الماضي، أصدرت منظمة ‘هيومن رايتس ووتش’ تقريراً مفصلاً عن أنماط الاحتجاز والتعذيب التي كان مواطنون سوريون قد خضعوا لها في مختلف مقارّ ومعتقلات استخبارات النظام السوري (أمن الدولة، المخابرات العسكرية، مخابرات القوى الجوية، الأمن السياسي، والأمن الجنائي). وفي تلخيص فحوى التقرير قال نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة: ‘ما رأينا من وثائق وزنازين وحجرات استجواب وأجهزة تعذيب في مقار الأمن الحكومية، تتفق مع أقوال السجناء السابقين الذين وصفوا لنا ما تعرضوا له منذ بداية الانتفاضة في سورية’.

وفي خلاصات التقرير الأخرى جاء أنّ ‘الأنماط الممنهجة للمعاملة السيئة والتعذيب’ التي وثقتها المنظمة، ‘تشير إلى وجود سياسة انتهجتها الدولة، تتلخص في تعذيب وإساءة معاملة الأفراد، ومن ثمّ فهي ترقى لكونها جريمة ضدّ الإنسانية’.

واتكاءً على معلومات متقاطعة، جُمعت من أفراد معتقلين نُقلوا إلى أكثر من 17 فرعاً أمنياً مختلفاً (وهذه هي حالة المحامي والناشط عبد الله الخليل، والرئيس الحالي للمجلس المدني المحلي في الرقة) كتبت المنظمة إلى مجلس الأمن الدولي، باسم الحكومة السويسرية وبالنيابة عن 57 دولة (بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا والنمسا وبلجيكا وفنلندا واليونان والنروج والبرتغال وهنغاريا وأستراليا واليابان…)، تطالب بإحالة الوضع في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما ‘يعطي الزخم للجهود الدولية الرامية إلى وقف الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في سورية. كذلك ألحّت المنظمة على ‘انضمام الدول الأخرى إلى هذه الدعوة، من أجل دفع أعضاء مجلس الأمن المترددين إلى إدراك ضرورة الاهتمام بقضية المحاسبة على وجه السرعة’.

لكنّ الرسالة لم تلق آذاناً صاغية في المجلس، وظلّت الدول الغائبة عن اللائحة مترددة في التوقيع، أو رافضة للفكرة من الأساس. المرء يفهم أسباب امتناع دول مثل روسيا والصين، لانّ ركائز حقوق الإنسان وحرية التعبير في البلدين قائمة على بيوت من زجاج، ولا تشجّع كثيراً على رشق أجهزة بشار الأسد بالحجارة؛ هذا فضلاً عن مواقف موسكو وبكين المعطلة، إجمالاً، لأيّ قرار أممي حول النظام السوري. فماذا عن الولايات المتحدة، ‘راعية حقوق الإنسان’ كما يحلو لساستها أن يرددوا كلما رنّ ناقوس؟ السبب هو بيت الزجاج ذاته، في الواقع، حتى إذا اختلفت حجوم الحجارة التي يمكن أن تهزّ أركانه، وتباينت مقادير الانتهاكات، وتنوعت أنساق التعذيب (إذْ أنها ليست، البتة، نسقاً واحداً متماثلاً) هنا وهناك، حيث تنشط أجهزة العمّ سام الأمنية.

وقبل أن يقرّر الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنّ الوقت قد حان للوفاء بواحد من أبرز وعوده الانتخابية، فيعطي الإذن بنشر ما يُسمّى اليوم ‘مذكرات التعذيب’ الصادرة عن كبار مسؤولي وزارة العدل والبنتاغون في الإدارة السابقة؛ كانت ثلاثة كتب قد صدرت في هذا الموضوع، على سبيل ارتياد حقائق ذلك الملفّ المشين. كتاب ‘فريق التعذيب: مذكرات رمسفيلد وخيانة القيم الأمريكية’ للمحامي البريطاني وأستاذ القانون فيليب ساندز، وكتاب جميل جعفر وأمريت سينغ ‘إدارة التعذيب: سجلّ موثق من واشنطن إلى أبو غريب’، وكتاب مايكل راتنر ‘محاكمة دونالد رمسفيلد: مقاضاة عن طريق كتاب’، بالتعاون مع مركز الحقوق الدستورية؛ إنما تنضم إلى سلسلة الأعمال والتحقيقات الصحفية المماثلة التي بدأت من سيمور هيرش، ومرّت بأمثال مارك دانر وجين ماير ورون سوزكند وسواهم.

العمل الرابع صدر بعد قرارات أوباما، وجاء بعنوان ‘كيف تكسر إرهابياً’، ومؤلفه استعار اسم الرائد ماثيو ألكساندر، لأسباب أمنية تخصّ 14 سنة من الخدمة في الجيش الأمريكي، حيث كان أحد كبار المحققين في العراق، وأدّى قبلئذ مهامّ استخبارية في المملكة العربية السعودية والبوسنة، وتردّد أنه المحقق الذي نجح في الحصول على معلومات أدّت إلى تحديد المزرعة التي كان أبو مصعب الزرقاوي يقيم فيها. خصوصية ألكسندر أنه لا يؤمن بالتعذيب وسيلة للحصول على المعلومات، بل يعتنق المبدأ النقيض، لاقتناعه ـ بعد طول خبرة، وأكثر من 300 جلسة تحقيق ـ أنّ السجين الخاضع للتعذيب يمكن أن يدلي بأي اعتراف، وقد يلفّق الكثير منها، لوقف ما يتعرّض له من صنوف العذاب.

وفي حديث مع الصحافي البريطاني باتريك كوبرن، قال ألكسندر إنّ السبب الطاغي الذي يدفع المقاتلين الأجانب (وخصّ بالذكر مواطني مصر والسعودية واليمن وسورية وشمال أفريقيا) للانضمام إلى منظمة ‘القاعدة’، هو الإساءات التي وقعت في سجن أبو غريب وغوانتانامو، وذلك قبل السبب الشائع الذي يدور حول الحماس للإيديولوجيا الإسلامية. وينظر ألكسندر إلى التعذيب بمزيج من السخط الأخلاقي والاحتقار المهني، لأنّ هذه التقنيات في التحقيق تذكّر السجين بمدى نفاق الغرب في ادعاء الدفاع عن حقوق الإنسان، وانتهاك تلك الحقوق مباشرة، أو بالتواطؤ مع أنظمة دكتاتورية استبدادية. ويقرّر، وهو يعي ما يقول، أنّ اعتماد التعذيب قد يكون كلّف أمريكا من أرواح أبنائها أكثر ممّا كلفتهم إياه هزّات 11/9، بالنظر إلى حجم الخسائر البشرية الأمريكية التي نجمت عن عمليات انتحارية قام بها مقاتلون جرحت وجدانهم مشاهد التعذيب المهينة في أبو غريب وغوانتانامو.

بيد أنّ فظائع ‘مذكرات التعذيب’ الإدارية تلك لم تأت من ألبرتو غونزاليس وزير العدل في إدارة جورج بوش الابن، أو من جاي بايبي وجانيس كاربنسكي أو دونالد رمسفيلد، فحسب؛ بل جاءت من أمثال جون يو، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا، الذي زوّد الإدارة ـ هو المتعاقد مع وزارة العدل ـ بالمسوّغات القانونية للتلاعب على اتفاقية جنيف. وإذْ نشرتها، لاحقاً، صحف ودوريات أمريكية كبرى مثل ‘نيويورك تايمز و’واشنطن بوست’ و’وول ستريت جورنال’ وأسبوعية ‘تايم’، فإنّ الفضل في كشف رأس جبل الجليد العائم إنما يعود إلى المحقّق الصحافي الأمريكي سيمور هيرش. وهو، للتذكير، صاحب تحقيقات كبرى سلطت الأضواء على جرائم حرب أمريكية يحرص السادة في واشنطن على إبقائها غارقة في الظلام الدامس: مذبحة ‘ماي لي’ التي ارتُكبت في فييتنام، آذار (مارس) 1968، بأمر من الضابط الأمريكي وليام كالي (قرابة 347 قتيل من المدنيين الفييتناميين)؛ ومجزرة الرميلة، التي ارتكبها الجنرال الأمريكي باري ماكيفري، غرب البصرة في 2/3/1991 (الجنرال هذا أصدر الأمر الحرفي التالي: ‘تدبّروا طريقة تمكنني من ذبح كلّ هؤلاء العراقيين الأوغاد’…) الذين كانوا، في كلّ حال، مهزومين منسحبين على الأوتوستراد 8 غرب حقل الرميلة.

وفي مثل هذه الأيام، سنة 2004، نشر هيرش تحقيقاً على الموقع الإلكتروني لمجلة ‘نيويوركر’، برهن فيه أنّ نشر صور تعذيب وتحقير وإهانة الموقوفين العراقيين في أبو غريب ليس سوى أوّل الغيث، وأنّ ما خفي كان أعظم وأدهى، وأبشع وأشنع! وأثبت هيرش أنّ الإدارة كانت تعرف، أو هكذا يقول العقل، في ضوء التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون أواخر شباط (فبراير) السنة ذاتها، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول واقع السجون العراقية في ظلّ الإحتلال الأمريكي. يقول تاغوبا إنّ الجيش الأمريكي ارتكب أعمال تعذيب ‘إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة’، يسرد بعضها، هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين الذكور بالاغتصاب، اللواط بالموقوفين عن طريق استخدام المصابيح الكيماوية أو عصا المكنسة، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم. (تقرير هيومان رايتس ووتش عن طرائق التعذيب في معتقلات النظام السوري ليس أفظع بكثير!)

وإذا كنّا لا نحتاج الى مَنْ يذكّرنا بأنّ هذا السلوك البربري لا يمثّل شعب أمريكا بالمطلق، فغننا لا ننسى أيضاً أنّ برابرة ‘أبو غريب’ كانوا جنوداً نظاميين في الجيش الأمريكي، يحملون العلم الأمريكي، ويخوضون ‘الحملة الصليبية’ ذاتها التي أصدر سيّد البيت الأبيض الأمر بخوضها؟ ثمّ… هل نحتاج إلى أحد لكي نتذكّر سوابق مماثلة استأثر بها ‘العالم الحرّ’ على امتداد تاريخه الاستعماري، بلا استثناء… بلا أيّ استثناء؟ ثمّ ما الجديد، حقاً، في بربرية الجيش الأمريكي، أو أيّ جيش احتلال، بما في ذلك جيوش الرحمة التي يرسلها الغرب إلى حروب العالم الثالث، لـ ‘حقن الدماء’؟ ؟هل ننسى جنود بلجيكا الذين جاؤوا لإحياء الأمل في الصومال، فانخرطوا في مباذل تقشعر لها الأبدان، كأن يقيدوا صومالياً ويتبوّلوا عليه مثلاً؟ أو جنود سيلفيو برلسكوني وهم يغتصبون فتاة صومالية، مقيّدة إلى شاحنة عسكرية؟ أو الوحدات الهولندية التي سكتت على، وتواطأت في، مجزرة سريبرنيتشا حين قُتل خمسة آلاف مسلم بوسني عن سابق قصد وتصميم؟

لا عجب، والحال هذه، أن تتردد واشنطن في إحالة النظام السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ إذْ نعرف، ومن الخير أن نتذكر دائماً، ما تقوله جميع المنظمات الحقوقية الدولية عن سجلّ حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، وطبيعة الانتهاكات الصارخة التي تُمارس هناك على نحو مؤسساتي رسمي. لا أحد بلا خطيئة، غير أنّ ديمقراطية عريقة مثل هذه لا تليق بها البتة تلك الانتهاكات الفظيعة ذاتها التي التي اعتادت على ارتكابها الدكتاتوريات ‘الكلاسيكية’، شرقاً وغرباً، وماضياً وحاضراً. والتقرير السنوي لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لا يوفّر الولايات المتحدة عاماً بعد عام، بل ويفرد لها خلاصات مفزعة، مثل هذه: ‘المواطن الأمريكي ليس متساوياً أبداً أمام القضاء، والأحكام الصادرة بحقّ الأمريكيين السود والآسيويين أقسى بثلاثة، وأحياناً بأربعة أضعاف من الأحكام الصادرة بحقّ البيض في قضايا مماثلة’. أو: ‘من الواضح أنّ اعتبارات مثل الأصل العرقي أو الإثني والوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي، هي عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت عقوبة الإعدام ستُفرض أو ستُستبدل بعقوبة أخفّ، وما إذا كانت ستُنفّذ أم تُلغى بقرار أعلى صادر عن حاكم الولاية المعنية’.

وإذا كان من حقّ أوباما أن تًسجّل باسمه خطوات إيجابية، مثل حظر التعذيب رسمياً (على الأراضي الأمريكية فقط، كما يتوجب التذكير دائماً!)، وإصدار الأمر بإغلاق معتقل غوانتانامو منذ الولاية الرئاسية الأولى (ثمّ التلكؤ في التنفيذ، حتى الساعة)؛ فإنّ سياسات البيت الأبيض الأخرى، وعلى رأسها اغتيالات الأفراد عبر الطائرات من دون طيار، والسكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان هنا وهناك في العالم، والتراخي في محاسبة مجرمي الحرب، وتشجيع البعض منهم عن طريق رسم ‘خطوط حمراء’ زائفة… كلّ هذه تجعل واشنطن قدوة حسنة، ومثالاً يُحتذى، وذريعة في ممارسة التعذيب… لعلها أمّ الذرائع!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المعارضة السورية ومسار العملية السياسية

فايز سارة

المستقبل

السبت 25/5/2013

على الرغم من روح الاحباط، التي تحيط بالوضع السوري واحتمالات تطوره الكارثية، فثمة آمال جنينية، باتجاه فتح بوابة خط عملية سياسية هدفها معالجة الوضع في سوريا، والذي فشلت الجهود طوال ست وعشرين شهراً في تحقيق انجاز ملموس فيه. والاساس في هذا التقدير، توافق روسي اميركي حول خطة جنيف (2)، وهو توافق لم يكن متوفراً في أي فترة سابقة، ما ادى الى فشل كل مبادرة عملت باتجاه إيجاد حل للازمة، كما في مثال مبادرتي الجامعة العربية، وجهود المبعوثين العربيين الدوليين كوفي عنان والاخضر الابراهيمي.

واهمية التوافق الروسي الاميركي حول خطة جنيف (2) يستند الى معطيات، ابرزها ان الجهود الروسية الاميركية، تنضم معاً في خطوة مشتركة هي الاهم منذ انفجار الوضع قبل أكثر من عامين، والامر الثاني، ان الاطراف السورية وصلت الى مأزق معقد، يتمثل في عدم قدرتها على حل ومعالجة الازمة عبر حل عسكري ممكن في مدى قريب، يتم من خلاله إسقاط النظام بالقوة او إعادة اخضاع السوريين وثورتهم للنظام الحاكم، وهو وضع بات يتطلب البحث عن بدائل سياسية لعلاج الازمة. والامر الثالث في أساس التقديرات، ان القوى الاقليمية والدولية، تواجه اليوم تصاعد التداعيات الاقليمية للازمة وسط الاحتدامات المتنامية والخطرة في دول الجوار السوري، وهي احتدامات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وامنية، سيؤدي انفجارها او بعضها الى اخطار غير محسوبة النتائج، وسوف تتجاوز نتائجها حدود المنطقة باسرع مما يتصوره الكثيرون.

غير ان التفاؤل بامكانية نجاح جنيف (2)، يصطدم بارث من اشكال تعامل الاطراف السورية مع المبادرات السياسية، لعل الاهم فيها سياسة النظام، التي وان رحبت في بعض الاحيان بالمبادرات والجهود السياسية لمعالجة الازمة، كما حدث في الموقف من جهود كوفي عنان والاخضر الابراهيمي، فانها كانت من الناحية العملية، تقوم بخطوات تؤدي الى سد السبل في وجه تلك المبادرات وافشالها، كما في مثال رفضها اطلاق سراح الموقوفين والسماح بدخول المساعدات الدولية وبصورة حرة الى الداخل السوري، وهذه بين أبسط الخطوات العملية التي طرحها كوفي عنان في خطته.

ولا يقتصر الإرث السلبي على مواقف النظام، بل تشاركه ايضاً المعارضة بمستوى معين، والتي تملك إرثاً ممائلاً في تعاطيها مع مبادرات حل الازمة السورية وخاصة لجهة تنوع مواقفها وتصادمها من ناحية، ومن الناحية الثانية إغفال أهمية نتائج الخطوات التي يمكن ان تتحقق، وفصلها عن المسار العام للعملية السياسية، والتركيز على الشعارات، وجعل الشعارات السياسية بمثابة هدف اول بغض النظر عما يحيط بالازمة وعلاقات الاطراف داخلها وفي محيطها من توازنات قوة وضعف، وقد وفرت تلك المواقف اضافة الى تراخي المجتمع الدولي وضعف موقفه فرصة للنظام في المضي ببرنامجه العسكري الامني في تقتيل الشعب السوري وتهجيره وتدمير قدراته وامكانياته.

وسط هذا المستوى من التفاؤل والارث المحبط، المرافق لطرح خطة جنيف (2)، جاء انعقاد اللقاء التشاوري الوطني السوري الذي ضم عشرات من شخصيات مستقلة وممثلي جماعات سياسية في المعارضة حول افاق العملية السياسية الممكنة في سوريا، واصدر اللقاء وثيقته "اعلان مدريد 2013" محدداً المسار العام لرؤية المعارضة في مقدمات العملية السياسية ومحتواها واهدافها، حيث ان الهدف الرئيس للعملية، ينبغي ان يكون "إسقاط النظام بكل رموزه، والتأكيد على نزع شرعيته كاملة، وإقامة نظام ديمقراطي بديل، يوفر الحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون والحريات لكل السوريين، ويخرج بسوريا والسوريين من الكارثة التي أوقعها بهم النظام".

وبالتوازي مع الهدف الذي لا يستجيب فقط لمطالب السوريين وثورتهم، وانما لتوافقات غالبية المجتمع الدولي، فقد اعلنت الوثيقة "إن المقدمة الأساسية والملحة لأ ي انخراط في عملية سياسية حول سوريا، سحب الجيش إلى ثكناته، وإطلاق سراح كل المعتقلين وفتح الأبواب أمام دخول المساعدات إلى كل المناطق دون استثناء والسماح بالتظاهر السلمي، والبدء في عودة المهجرين واللاجئين إلى أماكنهم"، وهي المطالب التي جرى طرحها في كل مراحل الازمة باعتبارها تشكل مدخلاً للمعالجة، وقد تضمنت خطة عنان والافكار التي طرحها الابراهيمي تأكيدات على ضرورة القيام بهذه الخطوات.

وتجاوزت وثيقة مدريد ماسبق الى تناول الدور الاقليمي والدولي في العملية السياسية، فرأت حصره بجانب واحد اساسه "تأكيد التزاماته وضمانته الكاملة من أجل قيامه بلعب دور في رعاية أي عملية سياسية تتعلق بسوريا، وضمان نتائجها"، ورغم ان هذا الدور هو أقل واقعياً مما تمارسه القوى الاقليمية والدولية في الموضوع السوري، فان ذلك يبدو متعمداً، وهدفه الحد من التدخلات في الموضوع السوري، وهو امر اشارت اليه الوثيقة عندما تحدثت عن قرار سوري مستقل في مقدمتها، باعتباره الموجه الرئيس في فهم المعارضة لمشاركتها في العملية السياسية وفي الابعد من ذلك.

ورسمت الوثيقة ملامح مشاركة المعارضة في العملية السياسية بما فيها جنيف (2)، بالقول " أن وفد قوى الثورة والمعارضة في أي عملية سياسية هو من الائتلاف الوطني وباقي أطراف المعارضة" باعتباره" الممثل الشرعي للشعب السوري فيما يتعلق بالمفاوضات" وهذا يتقاطع في محتواه مع الموقف الاقليمي والدولي بكل تلاوينه بما في ذلك الموقف الروسي الذي يصر على وجود فرقاء محددين من المعارضة في اطار الوفد المشارك في المفاوضات مع وفد النظام.

ومضت وثيقة مدريد الى الابعد، عندما تناولت موضوع الحكومة الانتقالية التي يفترض ان تكون مشتركة وصاحبة صلاحيات كاملة، فرأت انها ينبغي ان تتشكل من قبل مجلس حكماء "تتمثل فيه مكونات الشعب السوري برعاية الأمم المتحدة"، يسمي "الحكومة الانتقالية من أصحاب الكفاءات"، ويتولى "الاشراف والمراقبة على أعمال الحكومة"، ويقوم بـ"التمهيد لإعلان دستوري لإطلاق جمعية تأسيسية في خلال عام من تأسيس مجلس الحكماء"، ووسط هذه الفرضيات " تتولى الحكومة الانتقالية شؤون الحكم بسلطة كاملة، وتقوم بإدارة البلاد إلى أن يتم تحديد أسس النظام السياسي الجديد والقائم على الديمقراطية والتعددية والعدالة والمساواة وسيادة القانون"، كما تقوم الحكومة الانتقالية بدورها الطبيعي في اخضاع "الاجهزة العسكرية والأمنية" لسلطتها" بالتوازي مع التزامها "بإعادة هيكلة هذه الأجهزة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة"، وسط ممارسة الحكومة لـ"مسؤوليتها الكاملة في الحفاظ على مؤسسات الدولة والعمل على إعادة هيكلتها وإصلاحها بهدف توفير المصلحة العامة وتحقيق الديمقراطية واستقلال القضاء".

ومما لاشك فيه، ان تقدم المعارضة نحو رسم ملامح طريق لعملية سياسية تعالج الازمة في سوريا، يمثل تطوراً مهماً في وضع المعارضة وفي دورها بالسير بثورة السوريين نحو تحقيق اهدافها باقل الخسائر، وهو أخذ بزمام المبادرة الذي تأخرت المعارضة بالقيام بها، وهو وضع للقوى الاقليمية والدولية امام مسؤولياتها ازاء وضع سوري يشكل امتحاناً سياسياً وانسانياً واخلاقياً لعالم قصر ومايزال اتجاه مايصيب السوريين وبلدهم من قتل ودمار على يد نظام قاتل، غير ان من المهم ايضاً ان تثبت المعارضة قدرتها على التقدم على الطريق نحو عملية سياسية بثبات حتى وان اجرت بعض تعديلات هنا وهناك في خطتها طالما ان الهدف تحقيق مطالب الثورة في اسقاط النظام واقامة نظام ديمقراطي يوفر العدالة والمساواة للسوريين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : هل يُترك لحزب اللاويين إنجاز ما عجز عنه الأسد .. سؤال برسم المعارضة الجادة والصادقة

28.05.2013

زهير سالم

بعد أن أطلق المجتمع الدولي يد بشار الأسد في دماء السوريين وأعراضهم على مدى أكثر من عامين ، توزع فيهما الأدوار فريق يؤيد ويدعم ، وفريق يندد ويشجب ، يبدو أنه قد جاء دور حسن نصر الله وحزب اللاويين معه لينجز ما عجز بشار الأسد عن إنجازه .

إن إدارة المجتمع الدولي ظهره لعملية الغزو التي أعلن عنها حسن نصر الله قي خطابه الأخير ، ونفذها الآلاف من المرتزقة الطائفيين المدججين بالأسلحة ( الفتاكة )  تعني سقوط آخر قناع عن وجوه المتدثرين بالقانون الدولي ، والمدعين الالتزام بمواثيق ومبادئ وشرائع ( حقوق الإنسان ) .

لم يحتج حسن نصر الله ولا داعموه الظاهرون من الروس والإيرانيين،  ولا الصامتون عليه من الآخرين إلى قرار من مجلس الأمن ، ولا إلى إجماع دولي لينخرط في مشروع ذبح أطفال سورية وانتهاك أعراض نسائها . إن من العجيب في السياق أن نجد من قوى المعارضة السورية من يجد شغلا عن التصدي للاحتلال اللاوي ، وكأن هذا الغزو ذباب طار أمام وجهه فقال له بيده كذا ..

 إن هذا التجاهل للمذبحة التي يديرها مرتزقة اللاويين على الأرض السورية ،هو تقويض عملي لمشروع الثورة ، والانخراط الفعلي في مشروع وأدها ، وكسر حاملها لمصلحة ثرثرة سياسية لايرضى عنها غير أصحابها   ...

إن التصدي لغزو حزب اللاويين للأرض السوري ، وانخراطهم في مشروع ذبح السوريين ؛ يجب أن يكون أولوية الأولويات لكل معارض جاد وصادق . أولوية لايتقدم عليها أي فعل أو موقف . كما يجب أن يعتبر هذا الغزو مسقطا وبالضربة القاصمة لأي حديث عن أي حل سياسي في جنيف أو غير جنيف . فلن يقبل الشعب السوري من الذين يدعون تمثيله من السياسيين أن يفاوضوا أو يحاورا عنه تحت حراب مرتزقة حسن نصر الله وعلى وقع تهديداته ..

إن الموقف من غزو حزب اللاويين لسورية هو امتحان مصداقية وجدية - أولا - للموقف الدولي ، ولمن يسمي نفسه صديقا للشعب السوري أن يبادروا جميعا إلى فعل جاد وسريع لإجبار قوات الغزو اللاوية على الانسحاب الفوري من الأرض السورية ...

وهو امتحان جدية ومصداقية – ثانيا – لقوى المعارضة السورية وشخصياتها ، امتحان جدية ومصداقية لكل أولئك الذين يزعمون أن أوليتهم الثورة والثوار ، وسورية وشعبها ؛ إذ لا يمكنهم أن يسلموا باحتلال الأرض السورية ، ويسكتوا عن انهماك مرتزقة اللاويين في ذبح أطفال سورية وهم يصرفون وقت الشعب السوري  حول مشروع 25 + 12 = 37

المطلوب من قوى المعارضة السورية هذه وشخصياتها ذات الصدقية والجد أن تتوقف عن الجري وراء المبادرات السياسية الصغيرة قبل أن يقوم المجتمع الدولي بدوره الأولي في حماية الأرض السورية من الغزو ومن التقسيم ..

أخشى على الذين يناورون ويعيدون في عمليات الجمع والطرح والقسمة أن يلتفتوا خلفهم فلا يجدوا في سورية من يعبء بهم أو يحترمهم ..

لندن : 18 / رجب / 1434

28 / 5 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل دخلنا أصلاً عصر الدولة الوطنية كي نخرج منه؟

ميشيل كيلو

السفير

السبت 25/5/2013

يبدو الحديث عن «الدولة الوطنية» وكأنه حديث عن شيء بلا موضوع أو هوية، رغم ان هذه الدولة احتلت بعد الحرب العالمية الثانية الكثير من اهتمامنا الكلامي والإعلامي، ورغم اننا اختلفنا عليها وتصارعنا حول وظائفها وادوارها، لكننا نسينا في جميع نقاشاتنا وصراعاتنا تعيين ودراسة هويتها، لأننا كنا نقفز عنها وننفر من تحديدها لاعتقادنا انه مضيعة للوقت، ما دمنا انصارا للوحدة العربية والدولة القومية، التي يجب ان تعطى الأولوية في انشطتنا النظرية وممارساتنا العملية، وستتحقق قطعا في مدى منظور، يغنينا عن ان نعرف عن الدولة الوطنية اي شيء آخر غير انها كيان مضاد لدولة الوحدة، لذلك يستحيل ان تكون الأولى وطنية في ايديولوجيا العروبة، التي جعلت منها كيانا قطريا لا بد من القضاء عليه، بما انه كيان مشوه يمنع الوحدة كنتاج طبيعي لسير التاريخ المضمر في فطرة شعبه الوحدوي، الذي لا يرغب في شيء قدر رغبته في التخلص منها والانتقال الى فردوس الامة الموحدة ودولتها القومية.

بسبب منطق التضاد، الذي كان يعرف الشيء بنقيضه، ويحجم عن وضعه في بؤرة تأمله كشيء مستقل وقائم بذاته، ويرفض بالتالي دراسته كما هو من أجل معرفة وتعيين حدوده وهويته ودوره ومآلاته، والفصل بين نقيضه الوحدوي وبين الهوية المؤدلجة التي يراه من خلالها، لم يسبق تشكُّلَ دولنا الوطنية دراساتٌ أو ابحاث علمية وسياسية انصبت عليها، وتلمست طابعها وكينونتها ووظائفها وعلاقاتها مع داخلها وخارجها، واكتفى الفكر القومي من معرفتها باتهامها بضرب من القطرية الذميمة، لا تبقي لها من وظيفة غير سجن شعبها الوحدوي في إهابها الخانق، والمعادي بصورة مطلقة لحركة قومية ستمر حتما على جثتها البالية وتقضي عليها، بينما رأى الفكر الشيوعي السائد في الدولة الوطنية كيانا برجوازيا صرفا، أو كائنا نصف اقطاعي / نصف برجوازي لن ينجو من الثورة الوشيكة، يكفي من دراستها أن نعرف هوية وسمات وأدوار الطبقة الممسكة بها، ما دام من غير الممكن أن تكون غير جهاز فوقي للمالكين، يستغفل الشعب عندما يتظاهر بحياده الطبقي، دون أن تنطلي ألاعيبه علينا نحن الشيوعيين، الذين نعلم علم اليقين أن تدمير الطبقة البرجوازية، الممسكة به، يكفي لتدميره هو أيضا.

لم يدرس احد في الأحزاب السياسية السورية الدولة ـ ومتى تكون وطنية أو طبقية أو قومية أو برجوازية او محلية وحسب -، لكن الجميع اتفقوا على طابعها الانتقالي والعابر، الذي يجعلها دولة هامشية الدور والتأثير وعاجزة عن فعل أي شيء إيجابي للعرب .وشجع على هذا الموقف ان من أمسك باعنتها كان بالفعل يدا مالكة وضعيفة، أدارت نظاما تمثيليا فاسدا ومتهافتا وتنمية تابعة لبعض مراكز الرأسمالية، تفتقر إلى الرغبة والقدرة على تغيير طابع المجتمع وعلاقاته التقليدية، فلا غرابة أن ممارساته حببت كتلا شعبية واسعة بنظام القائد الفرد القوي، الذي لم تنظر احزابها اليه على انه نظام استبدادي، بل اخبرتهم انه حاكم عادل ومحب للفقراء، ولديه من المؤهلات ما يمكنه من إنقاذها وإنقاذ الأمة أيضا، لكن الدولة القائمة تقف بينه وبين تحقيق مهمته التاريخية الكبرى، فلا بد إذا من أزالتها، علما بأنه كلما تمت إزالتها بسرعة أكبر كان ذلك أفضل وأكثر خدمة لمصالح ورغبات الشعب.

هذا النفور والكره للدولة المحلية ازدادا بعد بروز دولة/ مركز في اعقاب «ثورة يوليو» عام 1952 في مصر بقيادة شخصية تاريخية وكارزمية وصاحبة مشروع وطني وقومي هي جمال عبد الناصر، الذي جعلت سياساته من نموذج الدولة المصرية شكل الدولة الوطنية الوحيد المقبول، ورسالتها القومية بديلا لأية سياسات عربية. بعث الامل في قرب تجاوز الدول العربية الأخرى، التي وصفها البعث بكلمة تحقيرية هي «القطرية»، وصَدَّق قطاعٌ كبير من الشعب ما قيل له، فتمنى زوالها.

واليوم، نقرأ نقدا للدولة يعتبرها وطنية، ويتجاوز ما في صفتها هذه من التباس ينبع من انعدام التطابق بين مصطلحي الوطنية والمحلية، فالدولة المقصودة هي في الواقع دولة محلية درجنا على وصفها بـ«الوطنية»، مع ان هذه شيء والمحلية شيء آخر، فالوطنية مصطلح سياسي مجرد الطابع، والمحلية مصطلح جغرافي مكاني الهوية. هذا التباين يدفعنا إلى طرح بعض الأسئلة: إذا كنا قد امتلكنا بالفعل دولا محلية، فهل كانت هذه الدول وطنية حقا؟ وإذا كنا لم نُقِم دولا وطنية، فهل توطُّدُ المحليةِ يعني بدايةَ تشكُّلِ دول كهذه؟ أخيرا، إذا كنا لم ندخل مرحلة الدولة الوطنية للاسباب التي ذكرتها، فهل يكون علينا، ويكون بإمكاننا الخروج منها، ام يجب علينا تأسيسها كي تكون دولتنا لأول مرة في حياتنا الحديثة والمعاصرة؟

اعتقد ان دولنا لم تكن وطنية، بل كانت محلية بمعنى ضيق ومحدود، وانها افتقرت إلى الطابع الوطني لسببين: أولا: عدم قيامها على مفهوم المواطنة والسيادة الشعبية، وتاليا على الحرية والعدالة والمساواة، ولم تتعين بالنتيجة بإرادة عامة تمثل أغلبية شعبية. وثانيا: لأنها لم تكن دولا ينبع توجهها العربي من طابعها الشعبي المتعين بحرية مواطنيها وإرادتهم العامة، ولم تعرف يوما المساواة بين مواطناتها ومواطنيها أمام القانون، وإلى حد بعيد في الواقع أيضا.

بهذه المعاني ليست ولم تكن اية دولة محلية دولة وطنية. الدولة الوطنية هي بالأحرى نوع من الدولة يتعين بالإرادة العامة لمواطناته ومواطنيه ويستمد شرعيته منها. هي فضاء داخلي مفتوح يدار سلميا عبر تفاوض يقوم على تسويات وتوازنات وتوافقات عامة بين فئاته وطبقاته، تترجمها الى افعال رسمية وقانونية بيروقراطية لا تنتمي إلى أي كيان جزئي، سياسيا كان ام مجتمعيا، تضع جهودها في خدمة مصالح الشعب العليا، التي تحققها بوسائل وممارسات وظيفية قانونية. بقول آخر: بقدر ما تكون الدولة وطنية تكون ديموقراطية وبالعكس، فالوطنية ليست وظيفة برانية أو خارجية للدولة، بل هي وظيفتها الداخلية التي تتجلى في علاقاتها الخارجية وتنعكس عليها، ولها حامل محدد هو المواطن الحر.

نقف اليوم أمام منعطف تاريخي يرجح أن يتيح لنا بناء دول وطنية تتوفر لها جميع الشروط الضرورية للعب دور جديد في حياتنا، بعد نصف قرن من تسلط دولة استبدادية علينا، جعلتنا أحوج ما نكون إلى دولة وطنية، أي ديموقراطية، لطالما حلمنا بها واردنا العيش في حماها.

لسنا إذا في الطريــق إلى خــارج الدولــة الوطــنية، بل نحن على العكس من ذلك: في الطريق إلى إقامتها، مع ما سيترتــب على ذلك من تحــولات جــدية في وعينا ووجودنا السياسي: الداخلي والخارجي، الوطني والقومي، ومــا يتطــلبه من قطــيعة مع الأسس التي قامت عليها الدولة الاستبدادية، التي كانت محلية إلى حد القروية، وعلمتنا في تجربتنا السورية أن غياب المواطنة والديموقراطية عن الدولة يجعلها متوحشة وعدوا خطرا لشعبها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

قراءة متأخّرة لحروب «حزب الله»

حازم صاغيّة

الحياة

السبت 25/5/2013

يذهب البعض من نقّاد «حزب الله» إلى أنّه نقل بندقيّته من مواجهة إسرائيل جنوباً إلى مواجهة الشعب السوريّ شمالاً، على ما بات واضحاً جدّاً في الأيّام القليلة الماضية انطلاقاً من معارك مدينة القصير.

وهذا تقدير، على رغم حسن النيّات لدى أصحابه، خاطئ ومضلّل. فـ «حزب الله» حين كان يقاتل إسرائيل إنّما كان يقاتل دفاعاً عن المنظومة التي يشكّل النظامان السوريّ والإيرانيّ موقعها القياديّ. وهذا ما لم يكن خافياً إلاّ على الذين أرادوا ألاّ يروه وألاّ يروا خدماته المسداة للتركيب الامبراطوريّ والتوسّعيّ في المشرق.

بغير هذا التأويل يستحيل أن نفسّر إقدام الحزب، في الثمانينات، على تصفية قوى أخرى شاءت أن تقاتل إسرائيل من دون أن تنضبط تمام الانضباط بالإملاءات الاستراتيجيّة الإيرانيّة والسوريّة. لقد تولّى الحزب آنذاك تنظيم الملاءمة بين الغاية والوسيلة، بحيث لا تخرج الثانية عن طاعة الأولى ولا تجد الأولى نفسها قليلة الحيلة.

ثمّ في 2000، مع الانسحاب الإسرائيليّ من طرف واحد، لم يكن «حزب الله» مرتاحاً للتحرير، فساهم، مع نظام الوصاية السوريّ، في اختراع مزارع شبعا بوصفها مبرّراً كافياً لاستئناف الصراع وإبقاء البلد في أتون الحروب القاتلة. وغنيّ عن القول إنّ السبب الرئيس للموقف هذا لا يعدو الخوف من أن يمهّد الانسحاب الإسرائيليّ للمطالبة بانسحاب سوريّ، على ما حصل فعلاً في لقاء قرنة شهوان وما تلاه وصولاً إلى الانشقاق الحريريّ عن العباءة السوريّة.

صحيح أنّ «حزب الله» هو الذي اضطلع بمهمّة التحرير وبدفع أكلافها. لكنّ ذلك، وعلى ما تبيّن مع حصول ذاك التحرير في 2000، لم يكن محكوماً بأيّ هدف وطنيّ لبنانيّ، خصوصاً أنّ نظريّة الانسحاب من طرف واحد كما طرحها إيهود باراك لم تكن على الطاولة قبلذاك. فحين قال باراك بهذه النظريّة وقع قوله وقع المفاجأة اللعينة التي ضاعفها تنفيذ الانسحاب فعليّاً.

وتلك التجارب إنّما تُستعاد اليوم على ضوء معارك القصير الضارية والتي تحدّد ببلاغة ما بعدها بلاغة أنّ «التناقض الرئيسيّ»، في عرف «حزب الله»، إنّما يتعلّق بسلامة النظام السوريّ وأمنه، وطبعاً النظام الإيرانيّ وأمنه، وليس بالصراع مع إسرائيل.

فالصراع المذكور ليس، في آخر المطاف، سوى الشرط الضروريّ لاشتغال ذاك النظام ضدّ شعبه وشعوب المنطقة، واشتغال عدّته الإيديولوجيّة والإعلاميّة استطراداً.

فإذا صحّ هذا التقدير صارت المشاركة في معارك القصير مجرّد تطوّر تقنيّ في سياق سابق عليه. ذاك أنّ الحزب، قبل القصير وبعدها، يخوض حروب النظام السوريّ ويؤمّن شروط اشتغاله.

وفي المعنى هذا، يلوح بائساً وزائفاً ذاك الوعي الذي صدّق ما يقال عن أولويّة الصراع مع إسرائيل التي لم تكن عند أيّ من الأطراف، ولا في أيّة مرحلة من المراحل، أولويّة.

والحال أنّ «حزب الله» ما كان ليستطيع تصدير روايته هذه وحمل قطاعات واسعة، لبنانيّة وعربيّة، على تصديقها إلاّ لأنّ الداخل السوريّ كان معطّلاً ومؤجّلاً، فيما كان النظام السوريّ مرتاحاً إلى داخله المعطّل والمؤجّل هذا. فعندما اختلف الأمر بنتيجة الثورة، فُرض على الحزب أن يخوض معركته الفعليّة من دون مداراة أو تزويق.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أحزابٌ لا تشبهُ شعوبَها

علي جازو *

الحياة

السبت 25/5/2013

أخلى البعثُ السوري، في طوره الأمني الكاتم المديد بُعيدَ مجازر 1982، الساحة السورية من أي تمثيل سياسي، وحوّل النقابات والجمعيات إلى روافد بعثية. كانت المدرسة والجامعة والجيش أقرب إلى معتقلات منها إلى حيز للتلاقي العام والتشارك الحيوي وتبادل الرأي وتقاسم تجربة العيش. حوربت الأحزاب وحجبت الإيديولوجيا القومية القاتمة أي ضوء يعكسُ مجاميع السوريين على تعددهم الخصب والخطر في آن.

على هذا النحو المدمِّر، أفقر نظام الحكم المجال العمومي وبثّ مخبريه وموظفيه يشمّون كلّ زاوية، ويلاحقون المرء حتى سرير نومه وأرض أحلامه، موصلاً إياه إلى مرتبة القحط. وإنْ كان العمل السّريّ المجال الوحيد المتاح حينها، زجَّ بفاعليه في سجون طالت إقامتهم فيها عقوداً؛ فـ «المواطن» في سورية «الصمود والتصدي» يولّد مناضلاً بعثياً، ثم له، بعد أن يحفظ المنطلقات النظرية وآداب الرسالة الخالدة عن ظهر قلب، مختلىً يختار فيه جحراً يتنفس فيه الهواء الذي قلّ سنة بعد سنة، إلى أن صار يتنفس اللاهواءَ ويحيا في لا مكان.

جاءت الثورة السورية، بعدما بلغ الاختناق حدّ التفجر، في وقت لم يكن فيه أحد يملك تفويضاً لتمثيل أحد. وإذ ألحّت الحاجة إلى وجود هيئات ناطقة باسم الشعب وممثلة لطموحاته ومدبّرة لمخاطبة المجتمع الدولي ومراكز القرار، كان الحرجُ والتشتت سمتين لازمتا كلّ تمثيل. وإنْ كان غيابُ أي فكر سياسي عيباً غطى حشود التظاهرات السورية، تحول التمثيل المفترض والمطلوب، على أساس الفكر الجامع والحاجة الملحّة، حاجزاً باعد السوريين بعضهم عن بعض، على الضدّ مما جمعهم عندما هبّوا على جامع أخلاقي متين ورابط وطني عام. حينما بادر من وجد في نفسه الكفاءة والحرص على تشكيل هيئات تنسيقية ومجالس وطنية وائتلافية، لم تترافق المبادرة مع قوة شعبية منظمة على الأرض تجسدها وتطــــورها، فصار من على الأرض غريباً عمّن خارجها، ولم يجد الخارج المحتار في الداخل اللاهث ما يجمع المشتت ويلمّ المتفرق. الحقيقة التي تغيب عن بال كثيرين أن سورية بلد يفتقر إلى انسجام أهلي وطيد، وأكثر الناس جهلاً بالسوريين هم السوريون أنفسهم، ولا يصح حدّ السوريين ولا تعريف هويتهم الوطنية القلقة بطوائف محضة وقوميات صرفة.

الاعتراف بواقع ملموس كهذا، لا يحول دون اندماج وطني شديد الأهمية، ولا يبنى الأخير على رغبات أحزاب قديمة وشخصيات معارضة هرمة، تجد جذورها في منبت إسلامي يتكلم باسم غالبية مفترضة ويحتكر أصواتها، أو شقاء قوميّ مكبوت.

عدا ما يُرى كلّ يوم من مآسٍ مروعة، يبذل السوريون على تعددهم واختلافاتهم، جهوداً في أمكنة أخرى، كالإغاثة والدعم الإنساني وربط شبكات المجتمع المدني بعضها ببعض، وهؤلاء يعملون في الظلّ، ودافعهم إلى ذلك بعيدٌ عن لغْوِ السياسة الإعلامية وكسب مواقع متقدمة في سلّم المنافع السياسية الزلقة، ولا يشملهم ضيقُ الفرز الديني أو القومي الذي يحول الفرد السوريّ إلى رقم لا غير ضمن جماعة أو حزب. حريّ بمن يعمل ضمن أحزاب مغلقة، تكاد أن تكون سريّة، يشوبُها الغموضُ والتردّدُ، وتجد قوتها في الخصومة والعداء، على زمنٍ يحاكي زمن الخنق البعثي، الالتفاتَ إلى هؤلاء وتعلم دروس وطنية من شبان وشابات لا يجدون لهم مكاناً مناسباً داخل محافل السياسيين. والأخيرون فشلوا في دعم لحمة السوريين وشدّ أواصرها، وباتوا عبئاً على الثورة في الوقت الذي كان من واجبهم تقويتها. وإذ يأتي يومٌ، عساه قريباً، يكفّ فيه المسجد ورجل الدين عن تمثيل المسلم السوري، والكنيسة عن التكلم باسم المسيحي، تكون سورية على درب المواطنة الحقة.

من دون ذلك، سيُعاد ضخّ القديم بأسماء جديدة، فيحلّ استبدادٌ أضيق محلَّ ما كان استبداداً مطلقاً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

التدخل الدولي في سورية

سلامة كيلة *

الحياة

السبت 25/5/2013

ظلت السلطة السورية تعتقد بأنها قادرة على «المواجهة»، خصوصاً أنها تمتلك «جيوشاً جرارة» من القوات المسلحة والأمن والشبيحة. لكن تطورات الصراع أوجدت اختلالاً كبيراً في وضعها فرض هذا التدخل السافر لحزب الله والسلطة الإيرانية. ولكي تصبح قوات هؤلاء وأولئك أساسية في الصراع المباشر، بعد أن لعبت إيران دوراً لوجستياً مهماً، وقامت بتدريب آلاف من «الجيش الوطني» (أو الشبيحة) على طريقة الحرس الثوري. وشاركت من خلال إرسال القناصة وربما الطيارين كذلك.

كانت السلطة تعتمد أساساً على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وإلى حد معيّن على الوحدات الخاصة. ولقد عملت على إدخال قطاعات من الجيش تحت إشراف الشبيحة والأمن كي لا يحدث انشقاق فيها. لكن تطور الصراع وتوسعه إلى كل سورية تقريباً، ومن ثم الانتقال إلى العمل المسلح بعد اشهر من سلمية الثورة، فرض تزايد الاحتقان لدى قطاعات الجيش إلى حدّ بات يمكن أن يتوسع الانشقاق فلا يعود انشقاق أفراد بل يصبح انشقاق وحدات عسكرية كاملة. وأدى ارتباك الشبيحة والأمن بعد توسع الثورة إلى العجز عن ضبط حراك الجيش، لهذا جرى تحييد كتلة أساسية منه عبر وضعها في معسكرات مغلقة دون إجازات أو اتصالات.

هذا الأمر كان يفرض تراجع السلطة عن كثير من المناطق لكي تحافظ على «مناطق إستراتيجية» بالقوى التي تستطيع تحريكها. ولقد سرّع استخدام السلاح من قبل الثوار في هذه العملية، وفرض أن يجري الحفاظ على المدن، ودمشق خصوصاً. لكن خلال كل ذلك كانت «القوة الصلبة» التي تستخدمها قد أصيبت بضربات قوية، خصوصاً أنها هي «العنصر الفاعل» في الصراع منذ البدء. ولهذا ظهر أن عليها التراجع أكثر، رغم أن أي تراجع جديد سوف يعني انهيار السلطة.

وإذا كانت السلطة تحاصر حمص وحماة وحلب ودير الزور فقد ظهر أن دمشق ذاتها باتت شبه محاصرة، وأن إمكانية التقدم للسيطرة عليها باتت قائمة. أو على الأقل أن أي معركة هنا سوف «تقصم ظهر» الباقي من «القوة الصلبة». لهذا باتت السلطة بحاجة ماسة لدعم عسكري مباشر وليس لخبرات وتقنية فقط. وهو الأمر الذي جعل الصراع يجري الآن ليس مع السلطة فقط بل مع حزب الله ومع السلطة الإيرانية. والشعب السوري يخوض الآن هذا الصراع العنيف وهو يكمل طريقه لإسقاط النظام.

لِمَ كل هذا الصراع لحماية السلطة من قبل حزب الله وإيران؟

من الواضح أن المعركة هنا بالنسبة لهما هي معركة «مصير»، وهذا الأمر هو الذي فرض هذا التدخل المباشر. وربما كان حزب الله منقاداً في هذه المعادلة، أو تائهاً عن تغيرات الوضع العالمي، لهذا يعتقد بأن البديل عن السلطة السورية هو بديل «أميركي». رغم أن تصاعد تدخله ترافق مع وضوح مسار الصراع الدولي، ورجحان الكفة لمصلحة روسيا التي باتت أميركا الإمبريالية تقرّ لها بـ «مصالحها الحيوية» في سورية، وبالتالي تؤكد بأن البديل هو ليس أميركياً بل سيأتي عبر الدعم الروسي. ولهذا لن يكون في تناقض مع حزب الله، بل سيخضع لمنطق السياسة الروسية التي لازالت تتحالف مع إيران وتدافع عنها في المحافل الدولية. ربما كانت المسألة خاصة بإيران ذاتها، التي باتت تعتبر أن «سقوط دمشق» تهديد لها، وهو الخطوة الأولى لإسقاط السلطة فيها. وباتت تعتقد بأن المعركة الفاصلة ضد «الاستكبار الغربي» (وأميركا بالتحديد) هو في دمشق.

وهذا يطرح مسألة أثر التوافق الأميركي الروسي على حل في سورية ينطلق من مبادئ جنيف، على الموقف الإيراني ذاته. خصوصاً أن الحل هو حل روسي مدعوم أميركياً، وأن إيران مضطرة للخضوع للموقف الروسي نتيجة الدعم الروسي لها على الصعيد الدولي. وبالتالي هل أن هدف حماية السلطة الآن، وتحقيق بعض الانتصارات هو من أجل تعزيز وضع السلطة في المفاوضات التي دعت إليها كل من روسيا وأميركا، أم أنها أبعد من ذلك وتهدف إلى إنقاذ سلطة منهارة؟

بالتأكيد لن يحمي السلطة الآن لا حزب الله ولا إيران، فقد وصلت إلى وضع من الصعب إنقاذه. وهذه المعادلة لا ترتبط بالعمل المسلح في الثورة فقط بل ترتبط أساساً بأن الثورة ذاتها قد هزّت بنية السلطة، وجعلت قوى أساسية فيها ليست معها، ولهذا باتت في غير صالح السلطة ذاتها. فمعظم الجيش لم يعد «جيش السلطة»، وهو الأمر الذي جعلها تضعه في معسكرات مغلقة، وبالتالي بات مضاداً لها. لهذا تقلصت قوتها الفعلية كثيراً، ولقد تعرضت كذلك لضربات أفضت إلى خسائر كبيرة فيها. بالتالي لم يعد تدخل هؤلاء قادراً على إنقاذ السلطة، الأمر الذي يفرض القول إن ما يجري في القصير وبعض المناطق الأخرى هو محاولة لتعزيز وضع السلطة قبل التفاوض فقط.

في كل الأحوال ليس من حل دون نهاية لنظام بشار الأسد، فكل عناصر الصراع يرتبط سيرها في مسار جديد بتحقيق ذلك. وكل من يتوهم بأن بقاء بشار الأسد ممكن لا يكون قادراً على فهم الوضع بعمق. حيث أن كل المعادلات باتت مرتبطة بترحيله.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة الثقافية أعظم الثورات!

فيصل القاسم

الشرق

الاحد 26/5/2013

تقول إحدى الكاتبات: "نسمع صوت طبول الحريّة من بعيد. نعتقد أنّنا سنعيش بعد أيام لحظاتٍ لا تنسى، نعوّض فيها عقود القهر والاستبداد. لكن كلّ هذا مجرّد أحلام يقظة ليس إلا، فالمستبدّ مختبئ فينا ريثما تحين له الفرصة، ليخرج المارد من قمقمه ليصول ويجول، مكفّراً هذا بالدّين، وذاك بخيانة القضايا". لا شك أن الكثيرين ينتابهم مثل هذا الشعور بعد انقشاع غبار الربيع العربي، فقد ظن البعض أن مجتمعاتنا ستتغير مائة وثمانين درجة بمجرد تغيير أنظمتها السياسية دون أن يعلموا أن أبسط أنواع التغيير هو التغيير السياسي، أما أصعبها فهو التغيير الاجتماعي والثقافي، فالثقافة التي أنتجت الطواغيت والمستبدين السياسيين يمكن أن تعيد إنتاجهم طالما لم تتغير العقليات والذهنيات الثقافية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك. لهذا لا بد أن تترافق التحولات السياسية مع تحولات اجتماعية وثقافية عميقة حتى لو استغرق ذلك وقتاً طويلاً، خاصة أن العادات والتقاليد تموت بصعوبة بالغة كما يقول غوستاف لوبون في كتابه الشهير "سيكولوجية الجماهير".

لقد كان الكثيرون يتصرفون أيام الطغيان على أسس طائفية وعرقية ومذهبية وعشائرية وقبلية مفضوحة، وكانوا يبررون ذلك بأن الطغاة هم من قسّم المجتمعات إلى ملل ونحل متصارعة عملاً بمقولة: "فرق تسد". ولا شك أن هذا صحيح تماماً. لكن هل الأنظمة السياسية الجديدة تريد فعلاً أن تتخلص من ذلك الإرث السياسي والثقافي البغيض؟ بالطبع لا. ربما تحاول أن تغير في الشكل، لا في المضمون، خاصة أن المجال الثقافي لم يتغير، بل سيبقى على حاله ربما لعقود وعقود. أضف إلى ذلك أن تلك الجماعات السياسية الجديدة التي بدأت تحل محل الأنظمة القديمة ربما تعمل على تكريس الثقافة السياسية القديمة مع تغيير بسيط في أسلوب العمل. ولعلنا لاحظنا كيف أن العراق مثلاً تطور طائفياً، ولم يتطور ديمقراطياً، لأن القيادات الجديدة عملت على تقوية الواقع القديم، لا بل أبرزته إلى السطح بطريقة مقززة من خلال المحاصصة الطائفية البغيضة. هل ستقوم الطبقات السياسية الجديدة مثلاً بإجراء تغييرات جذرية على مناهج التعليم، بحيث تقطع تماماً مع العهود القديمة مرة وإلى الأبد؟ هل ستتحدى الثقافة الاجتماعية السائدة، كما تحدت الأنظمة السياسية؟

نستطيع أن نقول ببساطة إن تغيير الرؤوس دون تغيير النفوس بعد الربيع العربي هو أشبه بقطع رأس جبل الجليد الظاهر فوق الماء، والذي لا يشكل عادة سوى خمسة بالمائة من الجبل الذي يقبع جله تحت الماء. إن أول ما ينبغي على الأنظمة الجديدة فعله، إذا كانت فعلاً صادقة في التغيير، ولا تريد فقط إعادة إنتاج الأنظمة القديمة، هو القيام بثورات ثقافية عارمة تقلب رأساً على عقب أنماط التفكير والعقليات الاجتماعية المترسخة، إذا كانت صادقة في التغيير فعلاً.

لا بد أن نعلم أن التركيبة الاجتماعية في هذا المجتمع أو ذاك لن تتغير بمجرد سقوط النظام السياسي. ففي كل منطقة من بلادنا العربية نمط ثقافي واجتماعي يعتبره الناس العاديون قبل الوجهاء مقدساً. والسؤال إذاً: ما قيمة التغيير إذا كان إسقاط الرؤوس السياسية مباحاً، بينما إسقاط المقدسات الاجتماعية والثقافية المصطنعة محرماً؟

هل يقبل أعيان تلك المنطقة أو تلك في الجمهوريات العربية التي شهدت تحولات سياسية وثورية أن يتخلوا عن وضعياتهم الاجتماعية؟ هل يسمح أتباعهم بذلك أصلاً؟ بالطبع لا. لقد أكد لوبون في كتابه المذكور أعلاه أن "القادة الحقيقيين للشعوب هي تقاليدها الاجتماعية والثقافية الموروثة" التي لا تتغير بسهولة إلا شكلياً. ويضيف لوبون: "عندما يتيح شعب ما لأعرافه وتقاليده أن تترسخ بقوة زائدة طيلة أجيال عديدة، فإنه لا يعود يستطيع التطور، ويصبح عاجزاً عن التغيير والإصلاح".

في الكثير من الجمهوريات التي حدث فيها التغيير السياسي هناك هرمية ثقافية واجتماعية لا تخطئها عين. هل يتجرأ أحد على تحطيم تلك الهرمية بنفس الطريقة التي تم فيها تحطيم النظام السياسي؟ للأسف لا، فالموروث الثقافي والاجتماعي يحظى بقدسية أكبر بكثير من الموروث السياسي الذي رأينا الجماهير في أكثر من منطقة تحطمه وتدوس رموزه ببراعة عز نظيرها. السؤال المطروح الآن: هل تريد الجماهير الإطاحة بثقافاتها الاجتماعية الوضيعة، أم إن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن تتجرأ على الاقتراب منها؟

ذات يوم سألت مسؤولاً كبيراً: "لقد جئتم إلى السلطة قبل عقود وأنتم تتوعدون الطبقات الاجتماعية والثقافية القديمة بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكنكم تحالفتم معها شيئاً فشيئاً، لا بل عززتم مواقعها ووظائفها"، فرد قائلاً:" هذا صحيح، لكن ليس لأننا نريد تكريس وضع قديم، بل لأننا وجدنا أن هناك قطيعاً كبيراً من الناس يسيرون خلفها بشكل أعمى، ولا يريد أن يمسها بأي تغيير، فقلنا لأنفسنا: بما أن القطيع لا يريد التغيير، لا بل من الصعب تغييره هو نفسه، فلنسر وراء تلك الطبقات القديمة التي تقود القطيع، وتتحكم به طالما أنها تحفظ الاستقرار ولا تهدد النظام السياسي". لا شك أن كلام المسؤول أعلاه فيه الكثير من الخبث، فهو استغل تلك الطبقات القديمة للحفاظ على النظام الجديد. وهذا ما يجب على الأنظمة الجديدة بعد الربيع العربي أن تتجنبه، وألا تؤثر الاستقرار على التغيير الحقيقي.

لا شك أن الربيع العربي حدث عظيم في تاريخ المنطقة. وهو المقدمة الصحيحة للبدء بالتغيير الشامل. لكن يجب على من يريد التغيير الجذري فعلاً ألا يكتفي بتغيير الأنظمة السياسية، ثم يقول لنفسه: سقط الطغاة وانتهت الثورات. لا لم تنته الثورات بسقوط الطغاة، بل بدأت. وإذا لم تستمر النخب الثورية بمتابعة المسيرة الثورية سيكون من حق المتشائمين أن يقولوا بحسرة: إن الطبقات والهياكل والأطر والعقليات والأشخاص الذين صنعوا العهود الساقطة مازالوا موجودين بيننا بعد الثورات، جاهزين لتطبيق قانون التّخلف والاستبداد مرة تلو الأخرى.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إيران والمسار الذي لا يتغير

رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 26/5/2013

لقد تردد المالكي، لكن «حزب الله» لا يستطيع التردد. ولن يمضي شهر أو شهران حتى نرى كلَ «فيلق القدس» يقاتل ضد الشعب السوري بمفرده بعد انكفاء كتائب الأسد أو اختفائها. لقد أمر خامنئي قبل شهرين الجنرال سليماني قائد «فيلق القدس»، وحسن نصرالله قائد فيالق «حزب الله»، باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع سقوط نظام الأسد. وقد نظّم نصرالله وسليماني الأمر فيما بينهما، وعلى أي الجبهات على كل منهما أن يقاتل. والخطة أن تدخل كتائب «فيلق القدس» ومتطوعيها العراقيين من ناحية الحدود العراقية مع سوريا، بينما يدخل «حزب الله» من ناحيتي الزبداني والهرمل. وهذا أمر جديد غير الأمر الأول، والذي اقتضى وجود مجموعات صغيرة ومتوسطة في عدة مواقع في سوريا: ساعة لصون المقدسات (الشيعية أو التي صارت كذلك!)، وساعة لإزعاج تركيا ومواجهتها بنواحي حلب وشمال سوريا، وساعة لحماية اللبنانيين الشيعة في سوريا؛ وساعة لحراسة نقل الأسلحة من سوريا إلى لبنان. هناك الآن قيادة واحدة مستقلة عن الأسد وعسكره هي عند الجنرال سليماني، وهو الذي يوزع المهام. و«حزب الله» لا يستطيع في أقصى الحدود أن «يخصّص» للجبهة السورية كلِّها أكثر من عشرة آلاف مقاتل. ولأن تقديرات سليماني أن «حفظ» النظام بدمشق (في المعركة القادمة)، وحفظه الآن في حمص والقصير والساحل، يحتاج إلى ثلاثين ألف مقاتل مع أسلحتهم المتوسطة والثقيلة، فإن شهر مايو لن ينقضي إلا وفي سوريا ثلاثون ألفاً من المقاتلين التابعين لإيران. وقبل ثلاثة أشهر هدد الأميركيون المالكي، وطلبوا منه منع الطائرات الإيرانية التي تحمل أسلحة إلى سوريا من التحليق فوق العراق. إنما بعد شهر ونصف الشهر عادت الرحلات الإيرانية على أشدها، ناقلةً أسلحةً ومقاتلين من طهران والأهواز ودونما تفتيش. ومن جهة ثانية؛ فإن سليماني يرسل متطوعين عراقيين بالمئات بحجة حماية الأماكن المقدسة، وهو يعطي المجموعات أسماء جديدة أو قديمة مثل «السيدة زينب» أو «أبو الفضل العباس» أو «عصائب أهل الحقّ» أو «حزب الله -العراق». إنما المشكلة أن أكثر هؤلاء غير مدربين على القتال، وإنما كانوا يمارسون أعمالا تفجيريةً واغتيالات بالعراق وليس أكثر. ولذا فقد كان هناك تفكير قبل الاضطرار لاستخدام الإيرانيين بالآلاف، في أن يجري استخدام عسكريين عراقيين في سوريا، لكن «القائد العام» (أي المالكي) تردد حتى الآن، وشكا أنه لا يستطيع المساعدة بأكثر من المال والسلاح والمتطوعين، وليس بالجيش العراقي!

لماذا هذا الإصرار الإيراني على حفظ النظام السوري؟ عند الإيرانيين تحليل عبر عنه عشرات من أركان النظام خلال عامي 2012 و2013، وهذا التحليل مؤداه أن سقوط نظام الأسد، يعني بالتأكيد انتهاء تجربة «حزب الله» باعتباره ذراعاً إيرانية، وقد يعني أيضاً المزيد من تزعزع النظام في العراق والذي تسيطر فيه إيران حتى على الموارد المالية! وقد بالغ بعض رجالات الحرس الثوري بالقول: إن سقوط المحور الذي قلْبُهُ سوريا الأسد قد يعني أيضاً تزعزُعاً أو سقوطاً للنظام الإيراني ذاته! وبالطبع ففي ذلك مبالغة إذا أخذنا القول على ظاهره. لكنها لا تعود كذلك إذا نظرنا لتحولات النظام الإيراني بعد الغزو الأميركي للعراق. فقد جاء ابن خامنئي والحرس الثوري بأحمدي نجاد لكي يسيطر الحرس ورجالاته على كل شيء. والجنرال سليماني مسؤول عن سياسات الحرس الأمنية والعسكرية في المشرق العربي. وفي عام 2011 وعندما اختلف نجاد مع المرشد وابنه ومع سليماني، لأسباب لا تزال غامضة، حصل أن استُدعي سليماني إلى طهران بحجة المحاسبة على بعض ما أَنفق على «حزب الله» والأنصار الآخرين في العالم العربي، ويومها قال إنه ما أَنفق قرشاً إلاّ بأمر المرشد، وهي أسرار لن يبوح بها ولو قطعوا عنقه، لكنه إن أُصيب بشيء فسيجد ألوفاً في العالم العربي تنتقم له؛ إذ صنع في مصر وغيرها عشر إيرانات!

إنه مجمّع حاكم بطهران منذ حوالي العشر سنوات، يديره ابن المرشد، يسيطر على سائر المؤسسات البترولية والصناعية والنووية والعسكرية والأمنية والسياسية والاجتماعية. والسياسيون والإداريون (المحافظون) يتنافسون ضمن لعبة صارت معروفة القواعد، وغايتها الحظوة برضا المرشد الذي لا يرضى إلا إذا رضيّ ابنه. وهو يستتر تارةً بكبار آيات الله المحافظين، وطوراً بمجلس الشورى الذي يسيطر فيه المحافظون الأكثر شباباً. وقد حقق المجمَّع إنجازات كبرى خلال العقد المنصرم من وجهة نظره على الأقل: تقدم في الملف النووي رغم الحصار، وسيطر على القرار في ثلاث دول عربية، وأحدث فِتَناً وتهديدات ورهانات في دول عربية أخرى. وكان الخبراء السياسيون يحسبون أن هدف جماعة خامنئي الحصول على مبادلة بين النووي ومناطق النفوذ، باعتبار أن النووي غير مفيد ومكلف جداً بالنسبة لإيران، بمعنى أن يسلّم الأميركيون (والإسرائيليون) بالعراق وسوريا والقرار بلبنان لإيران، مقابل تأجيل التخصيب بالداخل مثلا. لكن هؤلاء الخبراء يرون الآن أن إيرانيي الحرس الثوري شديدو التشكك في النوايا الأميركية. صحيح أن إدارة أوباما أثبتت خلال خمس سنوات أنه ومهما فعلت إيران فإنها لن تشن حرباً ضدها؛ لكنها من جهة ثانية لم تُسلِّم لها بشيء أبداً. بيد أن ما يقوله هؤلاء الخبراء غير دقيق، فبعد عام 2008/2009 سلمت الولايات المتحدة لإيران بكل شيء باستثناء التخصيب النووي. على أن نقطة التلاقي معهم فيما يذهبون إليه هي الثورة السورية. فمنذ قيام الثورة ما عادت إيران واثقةً من شيء. وقد ظنوا في البداية أن النظام قادر أمنياً وعسكرياً وأن الروس سيحمونه دولياً. وثبت منذ مطلع عام 2012 أن النظام غير قادر على شيء، وصارت اللعبة بينهم وبين الروس والإسرائيليين. وهكذا فهو مسار لا رجعة لطهران عنه أو يتهدد النظام بالفعل، لذلك ما سمحوا حتى لرفسنجاني بالترشح!

منذ غزو الأميركيين للعراق عام 2003 يعود العربُ فاعلين رغماً عنهم إذا صح التعبير! فقد هجم الإيرانيون على الجميع، وليس على شعوب بلاد الشام وحسب. وهكذا فعندما يتدخل الخليجيون للدفاع عن الشعب السوري، ينظرون في ذلك لأمنهم أيضاً. ولابد من القول إن ظروفنا نحن العرب صعبة على وجه الخصوص، بسبب وجود «الإخوان» في السلطة بمصر، وأقل ما يقال فيهم إنهم أضاعوا التوجه الاستراتيجي للبلاد، هذا إن لم نقل إن لهم علاقات سرية بإيرانيي «الحرس الثوري» و«حزب الله»! ولستُ أدري كيف يعود الأردنيون والأتراك للحديث عن حل بحضور الأسد، وسط ملايين النازحين والمعذبين الهاربين إليهم؟!

إنها الحرب العربية الإيرانية الثانية. وقد كان صدَّام في الأولى معتدياً، وسليماني ونصرالله والمالكي يزحفون على سوريا والعراق ولبنان والبحرين واليمن... إلخ باسم المرشد والحرس الثوري، وهم المعتدون هذه المرة. وقد اعتدنا في التاريخ والحاضر على تعاون الشام ومصر في أزمنة الأخطار، لكن ماذا نفعل وقد غيب «الإخوان» مصر عن المشهد؟! لا مخرج إلا بالعمل مع العرب الحاضرين والمتحفزين لحفظ الأنفس والأوطان والأمة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحرب في بر الشام

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26/5/2013

يبدو المشهد السوري في الداخل شديد القتامة، فأغلب الجغرافيا السورية ميدان للحرب، أو هي أهداف للقصف، أو أنها تقع في مسرح لعمليات عنف وإرهاب متواصلة، وبهذا فإن من غير الممكن رؤية منطقة سورية واحدة، هي خارج حمام الدم وملحقاته، التي تعتبر في إطار مشهد مكمل لحرب بدأها النظام ضد الشعب عندما أطلق رجال أمنه وجنوده الرصاص على المتظاهرين بدرعا في 2011، ثم واصلوها تصعيدا في اجتياح القرى والمدن، وحصار أخرى وضربها بالمدفعية والدبابات قبل أن تمتد أساليبه التدميرية إلى القصف الجوي والصاروخي، بما فيه استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين وضد المنتمين إلى التشكيلات المسلحة المحسوبة على قوى المعارضة بتلاوينها من الجيش الحر إلى الجماعات الدينية، التي دخلت بالتتابع جبهة الحرب مع قوات النظام من جيش وأمن وشبيحة عبر بوابة الدفاع عن المتظاهرين السلميين، ثم مدت نشاطها إلى الأبعد في الرد على هجمات قوات النظام انتقالا إلى تنظيم هجمات على مراكز النظام وقواته في كثير من المناطق.

وبداية الحرب بين النظام وأغلب السوريين، كانت حربا محلية الطابع، بل هي حرب من جانب واحد، وهو أمر ثابت باعتراف قادة النظام وأركانه عن الحالة السورية في الأشهر الستة الأولى من عمر الثورة. غير أنه وفي ظل التطورات التالية وخصوصا مع دخول ثورة السوريين عامها الثاني، وبعد أن تبلورت قوة مسلحة معارضة، أدت إلى تدهور قوة النظام وانحسار نفوذه في كثير من المناطق، مما استدعى استعانته بقوى إقليمية على رأسها إيران، دافعا تلك الحرب لتأخذ طابعا إقليميا، قبل أن تتطور على طريق صيرورتها حربا عالمية على ما هي عليه الآن.

والقول، إن حرب النظام على السوريين هي حرب عالمية، أمر لا تقتصر مؤشراته على عدد وحجم القوى التي تصطف إلى جانب النظام وتدعمه. فمن الناحية السياسية وقفت إلى جانب النظام الصين وروسيا وإيران وبلدان أخرى، دافعت عنه بكل قوة في المحافل الدولية، ومنعت المجتمع الدولي من اتخاذ قرارات ضد سياساته وممارساته الدموية في مجلس الأمن الدولي أكثر من مرة، كما قدمت معظم دول داعمة للنظام مساعدات اقتصادية ومالية ولوجيستية، عززت قوته، وأسهمت في استمرار آلته العسكرية في مسارها الدموي قتلا وتدميرا وتهجيرا، وثمة ثلاث من تلك الدول، قدمت له الأهم في المساعدات العسكرية شملت أسلحة ومعدات وخبراء وهو ما فعلته روسيا وكوريا الشمالية وإيران، وزادت الأخيرة على ما سبق أن أرسلت ضباطا شاركوا في إعادة تأهيل وتدريب قوات النظام وبعضهم انخرط في قيادة عمليات عسكرية. وقد تجاوز الدور الإيراني ما سبق من مشاركة مباشرة إلى قيام طهران بدفع أنصارها ومؤيديها من الجماعات «الشيعية» المنظمة والمسلحة وحضها على إرسال عناصر منظمة ومدربة مع أسلحتها إلى سوريا على نحو ما فعل حزب الله اللبناني، وميليشيات عراقية منها قوات بدر وجيش المهدي، بل تم تنظيم وإرسال مرتزقة من لبنان وتركيا والعراق وإيران وأفغانستان وبلدان أخرى للمشاركة في القتال إلى جانب قوات النظام في أنحاء ومواقع مختلفة.

وثمة مؤشرات أخرى في عالمية الحرب في بر الشام، تتجاوز ما سبق من مؤشرات سياسية واقتصادية وعسكرية، أساسها إطلاق حرب دعائية - إعلامية ضد ثورة السوريين وضد تشكيلات المعارضة المسلحة. فالمشتَرك العالمي المعلن، هو دعم للنظام وتشكيك في الثورة إذا هي «سلفية جهادية ومتطرفة» كما يقول النظام وداعموه من روس وإيرانيين، وهو ما يبرر مواقفهم وسياساتهم الداعمة للنظام، أو أن الثورة غير مطمئنة وتثير المخاوف على مستقبل الأقليات، بل هي تهدد تلك الأقليات على نحو ما تقول الأوساط الغربية السياسية والإعلامية، إضافة إلى قول، إن المعارضة بما تمثله من قيادة للثورة مشتتة ومتصارعة، ولا يمكن الركون إليها لتشكل بديلا سياسيا للنظام القائم، وكلها تستخدم ذرائع بين أهدافها تبرير التراخي الغربي في اتخاذ مواقف سياسية وعسكرية من الصراع القائم في سوريا.

لقد سعت قوى النظام وحلفاؤه من دول وجماعات إلى اللعب على تراث آيديولوجي سياسي من أجل نصرة النظام وأنسنة وحشيته مقابل شيطنة الثورة وسلوكيات جماعاتها، وجاء في إطار تلك الدعاية تصوير النظام في أحد الوجوه، إنه نظام تقدمي يواجه في المستوى العالمي سياسة إمبريالية وفي المستوى المحلي مدا رجعيا سلفيا على نحو ما ظهرت الدعاية الروسية وبعض الغربية بما فيها الأوساط اليسارية في العالم، وكثيرا ما قيل، إن علمانية النظام هي التي تكفل حماية الأقليات في وجه التيارات الطائفية التي أطلقتها الثورة باعتبار أن الثورة هي ثورة الريف والمدن الإسلامية السنية.

لقد تركت تلك الحرب العالمية في تحالفها البشع، وأسلحتها المختلفة وطابعها العدواني المدمر على شعب رفع شعارات الحرية والسلمية ووحدة السوريين، آثارا كارثية بما خلفته من قتل وجرح ودمار متعددة المجالات وتهجير لأغلبية السوريين، وهذه النتائج مستمرة ومتصاعدة، وهي في الأهم من نتائجها، تكشف التدهور السياسي والأخلاقي في عالم اليوم، وعجز العالم عن القيام بما ينبغي من واجب حيال كارثة إنسانية متزايدة تضرب السوريين وكيانهم بكل عنف.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

موقفنا : هل سيتركون لحسن نصر الله تحديد زمان المعركة ومكانها ؟

27.05.2013

زهير سالم

لم يلق إعلان الحرب الرسمي الذي أطلقه اللبناني حسن نصر الله ضد الشعب السوري رد الفعل الذي يستحق ، لا على المستوى الدولي ولا على المستوى العربي ولا على مستوى المعارضة السورية .

ومع أن حسن نصر الله لم يكشف جديدا بإعلان الحرب هذا ، فمرتزقته قد انخرطوا في مشروع ذبح أطفال سورية وانتهاك أعراض نسائها ، منذ الأيام الأولى للثورة وبعدد وعدة لم تخف إلا على الذين لا يريدون أن يروا.

نعتقد أن ما ورد في خطاب حسن نصر الله من دعاوى وادعاءات لا تستحق المناقشة ، فهي أتفه من أن يتوقف إنسان جاد عندها ، فالسوريون واللبنانيون بجمعهم يعلمون أن مشروع هذا البغيض قد قام منذ أيامه الأولى على خطف مشروع المقاومة اللبنانية من أيدي أصحابه وتحويله إلى مشروع طائفي محض ، ونفي كل من لا ينتمي إلى طائفة الولي الفقيه عنه . وبينما يكذب شاهد التاريخ دعوى حسن نصر الله  أنه كان يدافع عن المسلمين في البوسنة ؛ فإن الصغار قبل الكبار يدركون أن حسن نصر الله وحزبه ووليه الفقيه في قم كانوا جميعا في صف المشروع ( الصهيو – أمريكي ) الذي استهدف العراق العربي وقوض دولته .

نعتقد أنه لم يكن بإمكان حسن نصر الله أن يتجرأ على الوقفة المتبجحة بالأمس ليعلن الحرب على الشعب السوري وبهذه الطريقة السافرة ؛ لو لم يحظ سلفا بالغطاء الدولي والصهيوني . فالموقف الدولي الذي ما زال متواريا عن مسئولياته تجاه ما يجري في سورية من حرب إبادة ، وما يرتكب فيها من جرائم ضد الإنسانية ، وكذا الموقف الصهيوني الذي لم يتوقف قادته عن إعلان تخوفاتهم من أن يصير قرار سورية بيد أبنائها ؛ هذان الموقفان كلاهما كانا يبحثان منذ البداية عن أداة ( رخيصة وغير مكلفة ) يقدمان من خلالها الدعم للعصابة القتل في سورية وكان أن وجدوا في حسن نصر الله وحزبه هذه الأداة الرخيصة التي يستعينون بها على وأد ثورة الشعب السوري ..

لقد كان إعلان حسن نصر الله بالأمس الحرب رسميا على الشعب السوري تحديا سافرا للقانون الدولي . وكان من حق هذا التحدي أن يستثير من المواقف الدولية ما يلجم هذا الفعل وتداعياته . ولكن شيئا من هذا لم يحدث . إن الاستحقاق الذي يقتضيه الموقف هو التحرك الدولي السريع للأخذ على أيدي المرتزقة والمجرمين – وليسوا المغرر بهم – الذين يزج بهم حسن نصر الله في معركة ذبح الشعب السوري . إن ما أعلنه حسن نصر الله بالأمس أكبر من أن يرد بالإدانة والشجب والاستنكار . مهزلة يجسدها المثل العربي ( أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل )

وكان إعلان حسن نصر الله تحديا للموقف العربي بكل أبعاده ، تحديا للقادة والزعماء ، وتحديا للقوى والأحزاب ، وتحديا للشعوب وهذا التحدي أيضا لا تتم الاستجابة إليه بمزيد من الخذلان للشعب السوري !!!. إن ما فعله حسن نصر الله هو فعل لا يواجه إلا بفعل مثله . حسن نصر الله يقول إنه لن يقف مكتوف الأيدي وهذا يقتضي من كل عربي أن يحل حبوته ، ويفك يديه عن صدره وأن يبادر ليشارك في رد العدوان عن أهله في سورية . ولن يقبل الشعب السوري من أي جهة عربية وإسلامية بعد اليوم موقفا مترددا أو متلكئا ، كان الشعب السوري بالأمس يعيب على الصامتين صمتهم وها هو اليوم يعيب على القاعدين إثقالهم إلى الأرض حرصا على حياة وتخليا عن واجب ..

وكان إعلان حسن نصر الله اللبناني ونشدد على أنه لبناني لنحمل الرئيس اللبناني مسئوليته الرسمية عن عدوان بلده على بلدنا ؛  تحديا سافرا للقوى السياسية السورية التي غمست رأسها في الرمل عن ضجيج الحدث ، دون أن تجد نفسها مؤهلة للاستجابة للتحدي بالمستوى الذي يليق به ، الاستجابة لرد التحدي بجرأة حسن نصر الله ووضوحه ومباشرته نفسها .

إن السؤال الأيسر والأقرب المطروح على الدولي والعربي والوطني السوري إذا كان حسن نصر الله قد امتلك القدرة على المبادرة لتحديد زمان المعركة فلماذا تتركون له الفرصة لتحديد مكانها ..؟!

لندن : 16 / رجب / 1434

26 / 5 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مصير الثورة السورية قبل جنيف 2 وبعده..

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 27/5/2013

الصعوبة الرئيسية في كل مشكلة سياسية مصيرية، ليست في اجتراح الحلول، بل في القراءة المعرفية لمعطيات المشكلة المطروحة.

والسياسيون العرب، قلما يهتمون بالشأن المعرفي، بل اعتادوا اعتماد المعلومات الراهنة التي توفرها لهم أجهزتهم الرسمية، يبقى أنّ الفئات الأخرى من مثقفي المجتمع، أو من نشطاء الأعمال العمومية، فهؤلاء توجههم أفكارهم المسبقة المكونة لشخصياتهم المستقرة على قواعدها النموذجية، والمتوزعة بحسب تصنيفات مؤسساتهم المجتمعية القائمة.

هكذا تبدو الظواهر السياسية اليومية كأنها طوارئ نابتة من ذاتها، قلما يمكن التعرف إلى أسبابها الحقيقية الفاعلة. فأحوال المجتمع المتخلف مفروضة على سكانه كأمر واقع دائماً. وقد يدأب الناس على التنديد بهذه الأحوال من دون أن يجدوا لها تعليلاً أو تسويغاً سوى ردّها إلى المرجعيات المتداولة عن المصطلحات السلطوية الكبيرة. ما يعني أن مختلف هذه الأحوال المجتمعية القابلة للإدانات الشعبوية، هي بشكل ما مُدَوْلَنَة. فهي تنشأ وتُقمع، تحدث دائماً بقوة هذا السلطان العام الذي لم تعد أسماؤه الدولانية كافية لتعيينه، أو أنها لا تضيف جديداً على أشيائه المتسلسلة من بعضها.

وإذ تنفجر الثورات الشعبية آخيراً، وتتابع ظروفها المتعارضة سلباً وإيجاباً، فسريعاً ما يعيد الرأي العام تلاؤمه المضطرب مع إيقاعاتها، سريعاً ما يألف أخبار النجاحات كما الإخفاقات، سريعاً ما يتواطأ مع عذاباته الصامتة ليتلاءم مع أخبار الفظائع والمهالك والإبادات الهمجية الجماعية. كأنما من طبيعة الثورة أن تقسّم ناسها مابين فئة من الذئاب الكاسرة، وفئة أخرى من الحِمْلان الضحايا. والأولى هي الفئة الباغية إلى ما لانهاية، والثانية هي الفئة الهالكة ذات الثمن البخس، في حياتها وفي زوالها؛ فقد صار على العرب أن يتقبّلوا كل صباح ومساء أخبار موتاهم، بالجملة والمفرّق، بنوع من الروتين اليومي، كأنما هؤلاء الضحايا لم يكونوا أحياء قبل أن يُقتلوا. ليست هي اللامبالاة ، تلك الخاصية السيئة السمعة عن اعتياد الكسل الوجداني جماعياً ولا إفرادياً فحسب، ليست هي المسؤولة وحدها عن تكرار الفواجع العقيمة من أية ردود فعل ضدها تكافح تسلسلها الأعمى، فالكسل الوجداني ليس نابعاً من ذاته هكذا، إنه المحصّلة اللاأخلاقية لتوقف العقل الجماعي عن ممارسة القراءة المعرفية لدينامية العنف المستشري من حوله، هذه الدينامية نفسها سوف تغطي على عنف الثورة، تأخذه تحت هالتها، تجرفه مع نفايات الأعطال المجتمعية الأخرى، بل تجعله منتجاً لهوامشها التي تتوالد وتعشّش هي تحت ظلاله الداكنة.

ثورتنا العربية الراهنة هي الحدث الأعظم الذي لا يزلزل العروش القائمة بما لم تعهده من التهديدات المعارضة الدائمة فحسب، لكن مجتمعاتنا الغاضبة، لم تعد تقنعها السياسة، بل غدت هي المجتمعات الثائرة على ذاتها جملة وتفصيلاً، ليس استهداف قِمَم السلطة سوى المدخل الضروري للتصدي لكل مؤسسة نَخِرة عبر هيكلها التسلطي الذي يناظر هيكل القمة الحاكمة ويتبادل معها ديناميات القمع بصورة تلقائية وغير مباشرة، فأية رقابة غربية تتحلى بشيء من علومها (الإنسانوية) تدرك أن هذا الذي يحدث لقارة العرب والإسلام يكاد يتخطى كل ثوابت الكليشيهات التغييرية المألوفة عن ظواهر هذا العالم الغامض. ولذلك يتخبط ساسة الغرب في الفهم والتأويل، ومن ثم يتيهون في اجتراح سيناريوهات التدابير والمواقف. وقد يعترف البعض سراً أو علناً نسبياً أن جعبتهم (الاستعمارية) القديمة من تجارب الحلول الجاهزة باتت مستهلكة، وأن الحاضر العربي يخترقها ويتجاوزها، فلم يعد العرب وحدهم مأخوذين بأحداثهم لا يلوون على شيء من الوعي المعرفي بمجريات الوقائع من حولهم، حتى ثوارهم أنفسهم أمسوا غارقين أو مستغرقين في لجة الحدث العنفي الذي راح يسيّرهم هو أكثر مما يسيّرونه هم.

تبرز حال الاستعصاء المركّب هذا في اللحظة الحرجة الحالية من اشتباك ثورة سورية مع كل نقائضها، وبما يفرض على الأفرقاء في صفّها كما في صفوف الأصدقاء والمتدخلين والأعداء الفاعلين وسواهم، يفرض أحوال العجز عن الحسم فيما يتعلق بمآل المعارك المفتوحة راهنياً، عسكرياً وسياسياً، بسبب من ضياع اليقين عند الجميع حول ما ستكون عليه النهاية الأخيرة لكل هذا العنف الرهيب. ومع ذلك فليس أفرقاء العنف متساوين جميعاً في المسؤولية عن تعجيز إرادة الحل النهائي، ولعل (الغرب) يتحمل العبء الأعظم من عوامل هذا التعجيز، والغرب هنا يُراد به رأسُه الأعلى المدبّر الذي هو أمريكا، منذ أن أصبح قرارها المركزي هو في جعل الثورة تنحدر نحو مستنقع العنف المستديم حتى آخر ثائر يقتل نفسه.

من المعروف أن أعمار الثورات قصيرة نسبياً، إذ أنها تتحقق بالانفجارات الجماهيرية المفعمة بالهيجانات الصاخبة؛ فمن طبيعة الأحداث الثورية أنها فورية وقاطعة، مشروطة بالتركيز على الهدف المباشر، ما أن تبلغه حتى تنطفئ الحماسات الجماعية، غير أن الثورة السورية أُريد لها أن تتحول إلى بحيرة دموية فوّارة، تغذي حرباً إقليمية حولها أو ما يشبه حرباً عالمية من النوع الدبلوماسي لفترة غير محدودة. وفي هذا السياق المشؤوم كان امتناع أمريكا عن الجهر بالأفعال الحاسمة الكبرى، علةً دائمة لمختلف الخيبات التي مُني بها كل تخطيط واعد بالنهاية السعيدة، فقد طال الزمن حتى أدرك بعض قادة الميادين الثائرة أن صيغة (تحالفات الضرورة ) لم تكن أبداً لصالح الكفاح اليومي، أو على الأقل لم تكن مع المشروع الثوري من بدايته حتى نهايته، وإن تظاهرت دائماً بالتبني الملتبس لبعض أطروحاته وظاهراته.

الرهانُ الأوحد لسلوك الرئيس أوباما كانت إشاراته العملية هو إعطاء نظام الأسد المُهَلَ المتتابعة حتى ينجز القضاء على (التمرد). لكن النظام خيَّب آمال المراهنين عليه، القريبين المكشوفين والأبعدين، من غربيين، أمريكيين خصوصاً. أتاحوا له ارتكاب كل الفظائع في حق شعبه وحضارة بلاده، حيّدوا عنه كلَّ زواجر القانون الدولي وجمعياته الإنسانوية، منحوه حماية دبلوماسية عالمية قلّ نظيرها في التاريخ الحديث.

لم يخجل أوباما مرة واحدة وهو يتجاوز خطوطه الحمراء واحداً بعد الآخر أمام الملأ من الرأي العام العالمي، تلك التي سمحت عملياً لحاكم في هذه الدنيا أن ينشر الغازات السامة على سكان القرى والأحياء الآمنة في وطنه، بعد أن استنفد إنجازات مسلسل المجازر الجماعية التي بقدر ما قتلت من المدنيين الأبرياء، فإنها ضاعفت من تجذر الثورة في صميم الإرادة الشعبية حتى باتت هي المعادل الوحيد لبقاء إنسانيتها. كانت النتيجة الأخيرة لمساعي (أحلاف الضرورة)، لكل أساطيرها مع المؤتمرات والتصريحات والوعود الكاذبة، أن يواجه الثوار في المحصلة حالة منع النصر عنهم، وذلك بحجْز أسبابه اللوجستية السلاحية، وبعثرة قواه التنظيمية، كما لو كان ـ هذا المنع ـ تعبيراً طبيعياً عن حال امتناع قابلية الثورة نفسها عن الإتيان بالضربة القاضية المتصورة.

الثورة السورية التي لم يقض عليها أوحش نظام استبداد عرفه تاريخ العسف الشيطاني، والثورة التي لم تستطع أساطير أحلاف الضرورة أن تبدد قواها نهائياً، هذه الثورة التي كانت ومازالت تدقّ على أبواب دمشق، وكادت أن تكون قاب قوسين أو أدنى من إسقاط (قصر) الإرهابي الأكبر، هذه الثورة يُراد لها أن تُسطّر بدمائها أحرفَ هزيمتها، كما لو أنه صار عليها أن تُلملم شتاتِها من ميادين.. مصارعها. إنه ‘الحل السلمي’ الذي يجر رؤوسها الحامية إلى الغرف السوداء، إنه مؤتمر(جنيف 2)، الذي تم تحديده كمهلة جديدة في مسلسل الأوقات الميتة المفروضة على الزمن الثوري. فمن يُراد بهم أن يقبلوا التسليم بالأمر الواقع هم من كانوا، ومازالوا العاملين على تغييره بسواعدهم وأرواحهم. فليست المسألة هي أن يتجاور ويتحاور المتساوون فيما بينهم، بل كأنما صار على الثوار/الضحايا أن يردوا الشرعية الضائعة إلى جلاديهم.

الحل السياسي الحقيقي ليس هو الذي يقلب الأدوار بين أفرقائه، فالثوار هم المستمرون في مشروعهم، وإن كان لهم أن يتوقفوا يوماً، فلن يكون ذلك إلا إيذاناً بانعقاد المحكمة العادلة المنتصرة للحق وحده، والمُدينة للباطل والباطلين، هذه البديهية لا يسلّم بها أصحابُ الوجدان الكسول، من نوع بعض الجمهرات الشعبوية في بلادنا، كما دأب على عدم الاعتراف بها كل مجتمع طارئ من زمرة (أحلاف الضرورة ) وأضرابهم. لكن الفاجعة المريبة حقاً هو انحناء بعض الرؤوس غير الحامية من هوامش الثوار، وهم يدخلون إلى مجاهل (جنيف 2)، بينما يتابع ثوار الميادين والشوارع معاً نداءهم التاريخي منذ أول صرخة للشباب الغاضب: الشعب يريد إسقاط النظام!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

معركة عصابات الإرهاب الإيرانية في بر الشام ؟

 داود البصري

الشرق

الاثنين 27/5/2013

معركة الحرية في سوريا الحرة تحولت اليوم لتكون مستنقعا طائفيا يسعى التحالف الإيراني لإشاعته وإدارة معركته بطريقة تورط العديد من الأطراف والجماعات الطائفية في النزاع السوري الداخلي بهدف خلط الأوراق ومحاولة الدفاع عن وجود واستمرارية نظام قمعي إرهابي قاتل لشعبه فقد شرعيته المفترضة، وبات يمارس الجرائم الشنيعة بحق شعبه مستعملا كل الأسلحة القذرة دون رادع من مسؤولية إنسانية أو ضمير، في حرب تدميرية موجهة ضد السوريين لا طائل منها، لأن إصرار السوريين على الحرية والخلاص أمر لاعودة عنه أبدا، ولا يمكن لعقارب الساعة أن تعود للوراء، وضمن ملف التورط الطائفي المقيت ومحاولة إشعال حرب طائفية تمتد مؤثراتها لخارج الحدود السورية كما هدد سابقا رأس النظام المجرم، فإن مخابرات الحرس الثوري الإيراني وهي تدير أطراف من المعركة في الشام قد تمكنت من تجنيد وتعبئة مئات المقاتلين من مجموعة الأحزاب الطائفية الدائرة في الفلك الإيراني والعاملة في الساحة العراقية وإرسالها لسوريا للقتال تحت شعار تمويهي وفاقد للمصداقية وهو نصرة السيدة زينب (رض)!! رغم أن المعركة في الشام ليست أبداً ضد الأضرحة ولا المزارات ولا المقدسات لأي طرف من الأطراف، بل إنها معركة قاسية من أجل الحرية والتحرر والخلاص من نظام المخابرات الفاشل العقور، لقد وصلت لدمشق قبل أيام قليلة مجاميع قتالية عراقية تقدر بأكثر من 700 عنصر من أحزاب وميليشيات (الدعوة وكتائب حزب الله العراق وعصائب أهل الحق وجيش المهدي وحزب الفضيلة وفيلق بدر وسريتان من المجلس الأعلى (الحكيم)! وجميع تلك العناصر مجهزة بأسلحة إيرانية وتضم مجاميع متخصصة في التفخيخ وصناعة العبوات الناسفة إضافة لسرية خاصة من القناصة لتضاف لقوات حزب الله اللبناني ولتجعل من أرض المعركة في الشام بمثابة ميدان دولي طائفي ومسرحا لحرب طائفية مقيتة وبشعة لم تكن واردة ولا حاضرة أبداً في أذهان السوريين الباحثين عن الحرية والخلاص، وضمن نفس الإطار فإن مدن العراق الجنوبية خصوصا مدينة البصرة قد شهدت مؤخرا مواكب عزاء لمقاتلين سقطوا في معارك الشام ينتمون لتنظيم (سيد الشهداء) وللواء (أبو الفضل العباس) الذي يقاتل في ريف دمشق الجنوبي دعما للنظام السوري، ويحدث ذلك وحكومة العراق مشغولة لأخمص قدميها في إدارة معركة أخرى ضد الشعب العراقي تتمثل في قمع انتفاضتهم المطالبة بالإصلاح والتغيير والداعية لبناء وطن قوي وليس مجرد تشكيلات سلطوية بائسة أدخلت العراق في نفق المجهول وهيأت الميدان لحرب أهلية وطائفية طاحنة باتت بعض الأطراف تراهن عليها في ظل حملات جمع وشراء وتكديس السلاح انتظارا لليوم الموعود وهو يوم إعلان الحرب الطائفية القذرة لا سمح الله، ويبدو أن كل تكتيكات القيادة الإيرانية المشتركة مع النظام السوري في إدارة معركة الدفاع المصيرية عن نظام دمشق باتت تتجه بوصلتها صوب خيارات رعب نوعية قاتلة تتمثل في التعبئة والحشد من أجل إعلان الحرب الأهلية الطائفية المقيتة وتقسيم كل من العراق وسوريا لكانتونات طائفية مريضة ومشوهة كثمن لاستمرارية نظام القتل والجريمة في الشام، لا معنى حقيقي لتدخل الأطراف الطائفية الإيرانية والعراقية في الشأن السوري سوى تكريس تلكم الاستراتيجية الخطرة التي لم تعد مجرد احتمالات هائمة بل أضحت للأسف حقيقة ميدانية في ظل صمت عربي وتجاهل دولي وتردد أممي قاتل عن حسم المعركة بأسرع الطرق وأقلها تكلفة وإجبار النظام الفاقد للشرعية والقاتل لشعبه على الرحيل الفوري وترك سوريا لأهلها ليقرروا مصيرها بعيدا عن أي تدخل من أي طرف كان.

 

أحرار الشام وهم يقاتلون بأظافرهم وبلحمهم الحي لن ترهبهم كل أسلحة الغدر الإيرانية الروسية، ولن يقض مضاجعهم توافد الآلاف من المرتزقة الإيرانيين أو العراقيين أو الإرهابيين من أي مكان لأنهم استطاعوا أن يلقنوا عصابات (حسن نصر الله) الإرهابية التي تقاتل في القصير وأماكن أخرى دروسا في التكتيك القتالي الشرس وفي الدفاع عن الحرية والكرامة وكبدتهم خسائر هائلة ستتزايد من دون شك وستعزز نصر أحرار الشام الذين يتقدمون بعزم وثبات نحو بوابات دمشق لإسقاط الطاغية وزمرته الإرهابية المجرمة، دحر الطواغيت والغزاة وعصابات الإرهاب قد باتت اليوم الهدف المباشر لأحرار الشعب السوري وهو يعانقون الحرية المقدسة...

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المؤتمر الدولي: موسكو.. واشنطن تقطيع وقت أم إعادة تموضع وتقاسم نفوذ؟

المستقبل

د. خالد ممدوح العزّي ()

الثلاثاء 28/5/2013

في مقابلة أجرتها صحيفة "روسيسكايا غازيتا" مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتاريخ 20 أيار 2013 قال: "لا أحد يمكنه أن يفرض على روسيا ويحدد لها تاريخ عقد مؤتمر دولي بالشأن السوري وخصوصاً أن روسيا تحاول إشراك دول الجوار في هذا المؤتمر وتحديداً السعودية وإيران.

لكن هذا التلكؤ الروسي في تحديد موعد عقد المؤتمر الدولي لحل الإزمة السورية، والتي سعت روسيا لعقده سريعاً، إنما ما فرض على روسيا العمل على التأخير لعقده هو انتظار النتائج العسكرية على جبهة القصير ودرعا التي تشهد معارك كسر عظم نظراً لإهميتهما الجغرافية والسياسية كورقة في عملية التفاوض القادمة بين روسيا وأميركا.

روسيا تحاول فرض أمر واقع أثناء اللقاء القادم بين بوتين أوباما في 6 حزيران القادم ومن ثم فرض بنود أساسية في مؤتمر جنيف 2، موسكو تحاول الذهاب الى المؤتمر الدولي بشروط واسعة تفرضها على المعارضة السورية والتي تقوم على إبقاء الأسد في السلطة حتى عام 2014 كرئيس كامل الصلاحية، ومن دون النقاش بهيكلية الجيش وتركيبة الأجهزة الأمنية، بذلك تفرض روسيا معادلة عمل عليها الأسد منذ اندلاع الثورة "الأسد أو الدم"، روسيا تحاول إعطاء فرصة جديدة للنظام من خلال استخدامه للملف الأمني والعسكري فالدمار والقتل هما شروط حسم المعركة.

لقد وضعت روسيا سقفاً سياسياً لعملية التحاور من خلال الانتصارات العسكرية التي وعد النظام بها وخاصة في جبهة القصير.

صقور الكرملين يحاولون الدخول في المعادلة الدولية الجديدة من باب القوة العسكرية والقدرة المالية للحفاظ على الجيوسياسة الروسية الحديثة لأن عملية احتلال العاصمة الجورجية "تبيليسي" عام 2008 كانت البداية في العربدة الجديدة في حلبة الصراع الدولية.

إن العملية العسكرية على مدينة القصير والتي يشنها النظام مع حلفائه، ما كانت لتتم لولا الإشارة الروسية، والتي تحاول من خلالها إجبار المعارضة السورية على الاستسلام لشروط موسكو التي فرضت نفسها على العالم بكونها تملك مفتاح حل الأزمة السورية وبتواطؤ أميركي.

فالروس مارسوا هكذا عمليات في حربهم القديمة وفي الحرب الجديدة التي افتتحتها في العملية المشهورة ضد مدينة غروزني ليلة عيد رأس السنة عام 1994 ودمرت المدينة مما أجبر المقاتلين والسكان على الخروج منها بواسطة أنابيب الصرف الصحي بعد صمود بطولي بوجه آلة الحرب الروسية. وأيضاً كررتها ضد جورجيا.

الروس يعلمون جيداً بأن أي سيطرة لقوات النظام السوري، لا يمكن أن تتم الا بالتدمير الكامل للمدن من أجل السيطرة عليها، كما حدث في مدن وقرى إقليم الشيشان.

أثناء زيارة وزير المخابرات الروسية مخيائيل فرفتكوف الى سورية العام الماضي كانت إشارته واضحة لذلك والذي عبر عنها بسؤاله للقيادة السورية، متى يمكنه تناول الغذاء في حمص.

وحمص هي المنطقة التي تعوم على بحر من الغاز، إضافة لكونها تمنع إقامة شريط أو جيب علوي في داخل الدولة السورية مرتبط بلبنان البقاعي، والساحل السوري ذي اللون العلوي, لبناء الكانتون الطائفي ريثما يتم التوصل الى تسوية بعد أن فشل الروس في تحقيقها طوال الفترة السابقة.

مشكلة المؤتمر الدولي

المشكلة ليست في توقيت المؤتمر أو مكان انعقاده، لأن عقد مؤتمر دولي أمر غير صعب... الصعوبة تكمن في الاتفاق على المشاركين فيه، وعلى جدول أعماله وسبل إلزام أطراف الأزمة بتنفيذ مقرراته...

لمجرد التفكير بعقد مؤتمر دولي بين روسيا وأميركا يعتبر العديد من المحللين بأن ضوابط حل الأزمة بدأت بالحلحلة في سورية وأنهت حربها المتصاعدة، لكن مع تطور المعارك في القصير يثبت بأن الأزمة بدأت تأخذ أبعاداً خطيرة، فالدعوة للمؤتمر جاءت بطريقة غامضة وخلافية أبرزتها السجالات على منابر الجمعية العامة للأمم المتحدة عند التصويت على تمثيل الائتلاف الوطني السوري، فعلت صرخات روسيا التي عارضت قرارات الجمعية، والاتفاق الشكلي على عقد مؤتمر نهاية الشعر مكمل لمؤتمر جنيف الأول والذي يؤكد على بنوده الخلافية والتي لم يتم تنفيذ أي بند منها. فهل البلدان يحاولان الالتفاف على المعارضة وثورة الشعب الثائر طوال العامين.

إن التفاهم الأميركي- الروسي الجديد على عقد مؤتمر دولي يبرز سريعاً للأذهان سؤال هل هذا الاتفاق سوف يؤدي الى تقاسم النفوذ في سورية، من خلال إصرار الطرفين الحفاظ على وحدة الاراضي السورية والعمل على الحل السياسي من دون قيد أو شرط، وعلى ماذا الاتفاق بالاصل، فالاتفاق الروسي - الأميركي يقع ضمن تقسيم المنطقة على اسس مذهبيه وعرقيه التي تشجع على الحرب السنية الشعية من خلال شرعنتها الدولية وخاصة بظل القرار الايراني الذي يصر على اقامة هلال نفوذ شيعي يمتد من افغانستان حتى لبنان، ولذلك دخلت ايران المعركة مباشرة في سورية والتي اعتبرتها طهران معركتها وخط دفاعها الأخير.

فالمجزرة الأخيرة التي وقعت في قرية البيضا في بانياس تؤكد عملية التطهير العرقي الذي يقوم به النظام السوري في الوقت الذي تعمل روسيا على رعاية محور "الممانعة" والتي توفر له السلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي. فإيران التي تقود الحرب في سورية لا يمكنها دفع فاتورة هذه الحرب الباهظة مالياً ومعنوياً وسياسياً لولا مساعدة روسيا. لقد أصبح موقف روسيا تجاه الأزمة السورية مثيراً ومدهشاً للغاية وللاستغراب بكل معايير الكلمة.

بالرغم من أن الدول العالمية تنظر للأزمة السورية وحلها من خلال مصالحها الخاصة وليس من معاناة ومأساة الشعب السوري، لكن مأزق هذه الدول أنها لم تعد تتحكم بالأزمة السورية لأنها ارتبطت بدول المحاور والتي فرضت نفسها على حلولها.

ولم تعد مفهومة تمسك روسيا بالأسد وإصرارها على دعم نظام الاسد رغم الخسائر التي تسبب على المديين القريب والبعيد، لأن الخيارات الروسية أصبحت غير مقبولة في التسويق والعرض، فالمعارضة لم تعد تثق بروسيا حيث تتمسك بالحوار السياسي والتفاوض مع إبقاء الأسد في السلطة.

روسيا لا تعترف بالمعارضة السورية ولا تريد أن تعترف بها بل حاولت أن تعاقبها وتصفها بالمعارضة المأجورة، بالرغم من ادعائها في بعض الاحيان بان روسيا لا يهمها الاشخاص بل الشعب السوري وبالتالي هو الذي يقرر مصيره لكنها تحاول الإصرار على أن بشار الأسد هو جزء أساسي في أي حل ولا يمكن القبول بتنحيه، وهنا تكمن الازدواجية في الخطاب السياسي الروسي الذي يتم فيه تقاسم الأدوار فهذا يعني بأن الروس ذاهبون بالتشدد أكثر فأكثر بالملف السوري والذي يتم احتجازه رهينة من قبل صقور الكرملين من أجل تحقيق مكاسب مالية واقتصادية وبسط نفوذ جيو-سياسي على حساب الشعب السوري.

فالملفات العالقة كثيرة بين الروس والأميركيين. فالروس يحاولون إجراء الصفقة الكبيرة أثناء لقاء بوتين أوباما لذلك لا وجود لأي تصور روسي علني لما تريده روسيا للافراج عن الملف السوري.

بوتين ذاهب الى اللعب على شعور القوميين الروس من خلال العودة الى الحلم القيصري القديم بأن روسيا امبراطورية كبرى ذات نفوذ دولي، وهو يحاول إعادة التاريخ الى الوراء في انتزاع ما خسرته روسيا أثناء انحلال الاتحاد السوفياتي وعودتها الى الساحة الدولية كقطب عالمي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

السيد معاذ الخطيب يغرد خارج سرب المعارضة

د. عوض السليمان فرنسا

القدس العربي

الثلاثاء 28/5/2013

من الذي أعطى الحق للسيد معاذ الخطيب أن يتكلم باسم الشعب السوري فيطلق مبادرة شخصية أو عامة تمنع محاسبة الأسد وتنقذه من العقوبة وتبرئه من الدماء التي سفكها. ليس لمعاذ ولا للائتلاف ولا لأوباما ولا لمجلس الأمن كله أن يتكلم باسم الشعب السوري ويبيع ويشتري بدمائه.

العجيب أننا نطلق على معاذ الخطيب لقب شيخ، فهل أجاز له القرآن الكريم أو السنة النبوية أن يتنازل عن دم أخ أو ابن قتله الأسد، هل يظن نفسه الخليفة الذي يمثل الرعية. ألم يتعلم أن ولي الدم هو من يقرر التنازل عن الحق في القصاص من عدمه. إنني أبدي شدة استغرابي أن يعرض الخطيب على الأسد أن يخرج من سورية آمناً ولينسَ السوريون شهداءهم الذين بلغوا مئة ألف ولينسوا نصف مليون معاق ومليون منزل مدمر.

كيف يختصر معاناة السوريين بمبادرة أقل ما يقال عنها انها تعكس سذاجة سياسية وشرعية واجتماعية، ولا أعلم كيف نصب نفسه ممثلاً لأولياء الدم، ألم يتعلم الشيخ معاذ أننا سنقتل قاتل أبنائنا ولو بعد حين.

كنت، ولا أزال، متحفظاً على المبادرات، والضجة التي يثيرها على الدوام وبشكل دوري السيد الخطيب، وقد نصحته مرات بالاستقالة من رئاسة الائتلاف، لأنني على يقين أنه غير قادر على مجاراة السياسة وفهم ألاعيبها.

لقد طلب السيد الخطيب من الشعب السوري، أن يسيّر مظاهرات تحت شعار’ يا أوباما لا تخاف.. كلنا مع الائتلاف’ وكأن الشعب السوري يقيم وزناً لأوباما أو لغيره. وبقطع النظر عن فكرة ذلك الشعار، إلا أنه عكس بساطة وسطحية.

ليس هذا فحسب، فقد ‘ضرب معاذ الخطيب على صدره يوم تسلم رئاسة الائتلاف واعداً أنه سيستقيل من منصبه إذا لم يحدث تقدم على الأرض، لكنه لم يفعل ذلك بل ذهب إلى روما، وألقى كلمة المعارضة في الدوحة، ووعد أنه لن يفاوض الروس لأنهم شركاء في قتل الشعب السوري، ولكنه عاد وفاوضهم، بل والتقى وزير الخارجية الإيراني الموغل هو وحكومته بدماء السوريين.

في الشهر الأول من هذا العام أعلن السيد معاذ الخطيب عن مبادرة ‘شخصية’ قبل من خلالها الحوار مع نظام الأسد، على أن يبدأ الأخير وقبل أي نقاش، بإطلاق سراح المعتقلين، خاصة النساء والأطفال، وأن توعز أجهزة النظام للسفارات خارج البلاد بمنح جوازات سفر للسوريين. وقد كانت تلك المبادرة فضيحة، فهي لم تعط شرعية للأسد فحسب، بل قسمت الثوار والمعارضة على حد سواء، ويرى كثير من المحللين أنها ساهمت بوقف التسليح الأوروبي للثوار وخاصة فرنسا، التي لم تستطع بسبب مبادرته تلك، بالإضافة إلى استقالته المريبة في شهر آذار/مارس وقت اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إقناع الدول الأخرى بجدية المعارضة السورية وقدرتها على قيادة المرحلة.

اليوم يفاجئنا السيد معاذ الخطيب ‘المستقيل’ بمبادرة شخصية جديدة، لكنها هذه المرة تتحدث مباشرة عن ‘السيد رئيس الجمهورية’، وتطلب إليه أن يسلم السلطة وأن يحل مجلس الشعب وأن يفعل كذا وكذا، وكان ينقصها أن تطلب منه أن يرضى على المعارضة ويباركها ويعترف بها.

كنت أتمنى على معاذ الخطيب وعلى أعضاء الائتلاف أن يخاطبوا الشعب السوري حول ما يحدث اليوم في القصير الصامدة، وأن يقدموا مبادرات تنقذ هذه المدينة وتنصر أهلها على العدوين الأسدي والإيراني وأزلامهما من ميليشيات المالكي وحزب الله. تمنيت عليهم لو أنهم يتحركون الآن في بلاد العالم يطلبون حظراً جوياً أو ضغطاً على الأسد، لا أن يقدم الخطيب مبادرة تنقذ الأسد وصف الإجرام الأول من المحاسبة.

كنت قد اقترحت على السيد معاذ الخطيب أن يستقيل من رئاسة الائتلاف، وأقترح عليه اليوم أن يستقيل من الائتلاف بل ومن العمل السياسي كله، وأن يوقف مبادراته الغريبة المريبة وليته يفعل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الثورة السورية... وذريعة «المؤامرة الكونية»

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 28/5/2013

الثورة هذه هي «مؤامرة كونية ملوثة بالظلامية الإسلامية وبالأموال المبيّضة». كان علينا أن نبدأ هذه الثلاثية بالعنوان المذكور أعلاه. أما السبب في ذلك فهو النظر إليها بمثابتها حالة وافدة من خارج سوريا، أي هي صنيعة ملفقة من قِبل بعض الغرب وبعض الشرق العربي.

وهذا، بدوره، يشير إلى أن حاملها الاجتماعي التاريخي ليس ذا خصوصية سورية داخلية. ها هنا، نضع يدنا على عملية تزوير شاملة تتصل بالبنية الداخلية لسوريا ولوظائفها السياسية والاقتصادية والقضائية وغيرها. ومن ثم، فالأمر المذكور يتلخص بالنظام البنيوي والوظيفي، الذي هيمن على سوريا أربعة عقود ونيفا منذ تسلّم الرئيس حافظ الأسد السلطة ها هنا، وذلك على نحو أفضى إلى نظام شمولي يمثل فيه الجزء نسقاً من أنساق الكل.

وقد لخصنا هذا الأخير بما أطلقنا عليه، في كتابات سابقة، مصطلح «قانون الاستبداد الرباعي» القائم على الاستئثار بالسلطة والثروة والإعلام والمرجعية المجتمعية السياسية المتبلورة بكون حزب «البعث» العربي الاشتراكي، هو الذي يقود الدولة والمجتمع.

وإيغالاً في الضبط المنهجي، يمكن اختزال ذلك كله بمن يقف على رأس ذلك كله، وهو القائد، قائد المسيرة سيّد الوطن. وقد فصّل ذلك بعض الكُتاب والمثقفين والأساتذة الجامعيين، حين عبروا عنه في قول تصدر كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة دمشق، هو التالي: إذا كان المفكرون في التاريخ قد عبروا عنه وجسّدوه، فإن حافظ الأسد هو الذي عبّر عنه وجسّده.

في ذلك وفي غيره من الكتابات والأقوال، نواجه مُفارقة منهجية ونظرية تفتقد الاتّساق المنطقي والفلسفي. أما هذه، فتقوم على التأكيد على أن سوريا التي كانت قيادتها طوال الزمن المعني تسير في الطريق الصحيح من حيث البنية والوظائف والآفاق المستقبلية من طرف، وعلى أن هذا البلد نفسه لم يُنتج - في العموم- إلا حالات نادرة من نقد ما كنا نطلق عليه على مدى ثلاثة عقود خلتْ «حطاماً مفتوحاً»، من طرف آخر.

وقد كان النظام الأمني المذكور يرفض قراءة الانتقادات والرسائل، التي كانت توجَّه إليه، دونما اهتمام أو تواضع، إلى درجة أن باتريك سيل نبّه المعنييّن في السلطة السورية إلى مقالة كتبناها ونشرناها بعد سقوط بغداد وأشرنا فيها إلى ضرورة قراءة ما قد يأتي على سوريا بعد ذلك السقوط؛ لكن عبثاً وعبثاً. ونذكر أنه في إحدى الحالات، التي ظهر النظام معْنياً بذلك إلى درجة أنه أشاع ورقة أعلن أنه أصدرها لتداولها بين السياسيين والمثقفين والمعنيين، وتدور حول قانون جديد عصري للأحزاب يفكر بإصدارها ضمن استحقاقات مشروع للإصلاح يهيء له.

لكن لم ينْقض أقل من أسبوعين، حتى سحب النظام الورقة وأوقف تداولها بل إن مجموعات من الكُتّاب السوريين حاولوا فتح باب مناقشة الإصلاح، لكن أخفقوا. وكان من علامات ذلك ما أصدرناه من كتاب حمل عنوان «من ثلاثية الفساد وقضايا المجتمع المدني». لكن هذا الأخير لم يفعل شيئاً في أوساط أصحاب القرار، مثله مثل ما صدر من كتابات في الإعلام الداخلي نفسه.

لقد ذهبنا بعيداً بعض الشيء عن المفارقة التي ذكرناها فوق وتقوم على تناقض الخطاب الأمني الرسمي، الذي قُوِّل بأن سوريا حققت في حينه من المنجزات ما يجعلها بلداً رائداً في التقدم تحت القيادة التاريخية من طرف، وبأن واقع الحال لم يخرج عن أن ذلك الخطاب الأمني الرسمي، كان ومازال يُخفي تصدّعاً هائلاً في البنية التحتية كما في الحقول الأخرى بسوريا.

والآن وبعد الذي حصل بقيادة نظام أمني وبإدارة دولة أمنية تراهن على تجفيف رهانات التقدم ها هنا، يأتي من يُعلن أن «حركة الشباب»، التي انطلقت في درعا بسوريا منذ ما يزيد على ثمانية وعشرين شهراً تحت ضغط مجموعة من الخارجين على القانون، هي حركة مشبوهة ومرتبطة بالمرجعيات الاستعمارية الكونية. مع الإشارة المأساوية الفظيعة إلى أن من أشعل نار الصراع الجهنمي، (وهما إثنان من المسؤولين في المدينة المذكورة)، لم يُعلن على الأقل بأنهما يخضعان للمساءلة القانونية.

إضافة إلى ذلك تبرز جدلية الداخل والخارج لتعلن إنها تثأر لنفسها، حين يتحدث النظام عن مؤامرة كونية دمرت سوريا، التي هي مدمرة بالأساس على أيدي قانون الاستبداد الرباعي.

لقد كان ذلك نمطاً من الاحتقار للشباب والشعب السوري، بحيث يمكن استلهام ما جاء في خانة شغلها الفيلسوف الألماني هيجل، حين رأى أن غياب العقل لتحتل مكانة الغرائز، يمكن أن يقود إلى مأساة.

وإذا اشتغلت هذه الغرائز ضد العقل والوطن، فإنها يمكن أن تُفضي إلى كارثة. هكذا تحولت سوريا إلى حلبة لصراعات نصفها زائف، ويقوم على تجاهل ما تحتاج إليه سوريا بعد خمسين عاماً من الإقصاء والاحتقار والإهمال؛ ونصفها الثاني وهمي انطلاقاً من الاعتقاد بأن سوريا وشعبها ليسا جديرين بأن «يُنظر فيهما وفي حاجاتهما التاريخية». وهكذا، تأتي القفلة ليُعلن من أعلى المنابر: ما يحدث في سوريا هو مؤامرة كونية. وبذلك، يُفرّط بالإصلاح الديموقراطي بوصفه رذيلة من صنع «الأعداء»؛ وبالعقل بوصفه عبئاً على مَن يرى فيه تهمة تقود إلى فضح المستور.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مبدأ الأسد – نصرالله

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 28/5/2013

بعد غزو تشيكوسلوفاكيا في 1968، ظهر ما عُرف بمبدأ بريجنيف، نسبة إلى خطاب شهير ألقاه الزعيم السوفياتيّ يومها ليونيد بريجنيف وقال فيه: «حينما تحاول قوّات مناهضة للاشتراكيّة أن تحرف تطوّر بلد اشتراكيّ ما نحو الرأسماليّة، لا يعود الأمر مشكلة تخصّ البلد المذكور، بل مشكلة عامّة تعني الدول الاشتراكيّة كلّها».

المبدأ الذي برّر الغزو رافقته دعاوة كثيفة عن تدخّلات مارستها ألمانيا الغربيّة والولايات المتّحدة، وشاركت فيها الصهيونيّة طبعاً، لإطاحة الاشتراكيّة في تشيكوسلوفاكيا. لكنّ أهمّ ما في ذاك المبدأ اتّضاح أنّ سلامة المنظومة الاشتراكيّة وأنظمتها لا تعير اهتماماً لأيّ اعتبار، بما في ذلك الحدود الوطنيّة وقرارات الدول السيّدة. ذاك أنّ سقوط المنظومة في امتدادها التشيكوسلوفاكيّ قد يفضي لاحقاً إلى سقوطها في رأسها السوفياتيّ.

بالمعنى نفسه يجوز الكلام على مبدأ يُجمع عليه الرئيس السوريّ بشّار الأسد والأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصر الله، تسنده بالطبع إيران من دون أن يكون رئيس الحكومة العراقيّة نوري المالكي بعيداً منه.

والمبدأ هذا، الذي استدعاه واستعاده الأمين العام لـ «حزب الله» في خطابه الأخير، يعود فضل تأسيسه إلى الرئيس الراحل حافظ الأسد.

ذاك أنّ جوهر السياسة الأسديّة بدءاً بـ1976 هو الردع: ردع اللبنانيّين والفلسطينيّين من أجل ضمان استمرار منظومة الممانعة التي لا تنهض إلاّ على ردع السوريّين. وهذه حسبة دقيقة في آخر المطاف، إذ أنّ استقلال اللبنانيّين والفلسطينيّين بقرارين وطنيّين مستقلّين يُضعف النظام السوريّ ويعزله، ومن ثمّ يشجّع شعبه على التجرّؤ عليه.

في هذا المعنى، حلّت مصالح المقاومة والممانعة محلّ مصالح الاشتراكيّة في التصوّر البريجنيفيّ المعلن.

لكنّ الأدوار تنقلب اليوم من دون أن يتغيّر الجوهر. فمع التهديد الذي طرحته الثورة السوريّة على نظامها، يتولّى «حزبُ الله» تعزيز ذاك النظام بهدف الحفاظ على نظامه هو في لبنان. في هذه الحقيقة تندرج كلمات نصر الله، التي تنمّ عن حسبة دقيقة بدورها، في ما خصّ الخطر الذي يشكّله سقوط النظام السوريّ على وضع المقاومة ومستقبلها. ذاك أنّه إذا زال الأسد زالت قدرة «حزب الله» على إبقاء البندقيّة، الموجّهة إلى المجتمع اللبنانيّ، في يده.

هكذا ننتقل من وضع كان فيه «الرفيق» السوريّ يصوّب مسدّسه إلى الرأسين اللبنانيّ والفلسطينيّ كي يضمن إحناء الرأس السوريّ، إلى وضع بات معه «الأخ» اللبنانيّ يصوّب مسدّسه إلى الرأس السوريّ كي يضمن إحناء الرأس اللبنانيّ. وبعدما كان لبنان إسفنجة التناقضات السوريّة، حيث ينبغي أن تستقرّ السلطة وتطمئنّ، صارت سوريّة نفسها، وقد تداعى نظامها، ساحة الصراع بعيداً من لبنان. ففي هذا الأخير ينبغي أن تستقرّ سلطة «حزب الله» وتطمئنّ. وغنيّ عن القول إنّ الأسد ونصر الله يملكان من الرطانة الإيديولوجيّة ما كان يملكه بريجنيف لجهة التحذير من المؤامرات والخطط المفطومة على شرّ يصيب الجميع ويبرّر التدخّل السوريّ في لبنان ثمّ اللبنانيّ في سوريّة.

بيد أنّ الاختلاف الكبير بين المبدأين، مبدأ بريجنيف ومبدأ الأسد – نصر الله، أنّ الأوّل صاغ تورّط المركز في الأطراف فيما الثاني يهندس تورّط الأطراف في المركز. وكي نقدّر المدى الفضائحيّ الذي بلغته الأمور، يكفي أن نتخيّل لو أنّ الاتّحاد السوفياتيّ هو الذي اهتزّ في 1968 ثمّ جاءه الدعم والإنقاذ من تشيكوسلوفاكيا، حتّى لا نقول من بلغاريا!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحلّ السياسي أو العسكري في سورية... مساهمة في النقاش

ماجد كيالي *

الحياة

الثلاثاء 28/5/2013

من حقّ أي من السوريين أن يقول بمعارضته لأي حلّ سياسي في سورية، إن من باب الحقّ في حرية الرأي والتعبير، أو كردّ فعل إنساني وطبيعي على الظلم والوجع والتهميش الذي أحاق بهم، طوال أربعة عقود، ولا سيما الكارثة التي أنزلها بهم النظام خلال العامين الماضيين، إذ تعامل مع ثورتهم المشروعة، ومع مطلبهم بالحرية والكرامة بشراسة تزيد حتى عن تعامل جيوش الأنظمة الاستعمارية مع الشعوب المستعمَرة.

لكن إذا كان ذلك حقاً مشروعاً، ومفهوماً، بالنسبة إلى السوري العادي، الذي يدفع الأثمان الباهظة لما يجري، ففي المقابل ليس من حقّ أي مسؤول في المعارضة السياسية أو المسلّحة، أن يقول ذلك لمجرّد الكلام، من دون أن يبيّن مغزاه، ومن دون أن يشرح للسوريين ماذا يعني به، أو على ماذا يراهن، أو كيف سينهي النظام، وبأية إمكانيات وقوى؟

ومعنى ذلك أن القيادات معنية بالتصرّف بمسؤولية وحكمة، في أي ظرف، بمعزل عن العواطف والرغبات، ووفق معادلات سياسية، تتعلق بموازين القوى، وحالة المجتمع، والمعطيات والمداخلات العربية والدولية، وحسابات الكلفة والمردود، بعيداً عن التوهّمات أو المراهنات غير المدروسة. وبكلام آخر، فإن القيادات، السياسية والعسكرية، تتحمل مسؤولية تخفيف الأكلاف، وتقصير الطرق، ومواءمة الإمكانات مع الطموحات، ما يقتضي عقد مساومات معينة، قد لا ترضي الجميع، ولا تحقق المتوخّى مرة واحدة، ولكنها تفضي إليه، بطريقة أو بأخرى، ولو بعد حين.

وربما لا بد من التوضيح هنا أن هذه التساؤلات لا علاقة لها بالنزوع إلى تفضيل الحلول السياسية لا سيما لصراع دام ومهول كالذي يعايشه السوريون، منذ أكثر من عامين، وإنما هي مجرّد محاولة للتفكير بصوت عال، وبكلام صريح ومباشر، بشأن مستقبل سورية أولاً، وبمصائر السوريين ثانياً، وأحوال الثورة السورية، ثالثاً.

وفي الحقيقة فإن أسئلة من هذا النوع ينبغي أن تطرح للنقاش العلني، ليس فقط من أجل تقرير الذهاب نحو هذا الحل السياسي أو ذاك، أو للتأكيد على وجاهة عكس ذلك، أي مواصلة الصراع المسلح، وإنما لإمعان التفكير بواقع الثورة ذاتها، وإمكاناتها، ومضامين خطاباتها، ومستوى تنظيمها لأوضاعها، وطريقة إدارتها لأحوالها، وأشكال عملها، واستراتيجيتها السياسية والعسكرية، وأيضاً، من أجل إمعان التفكير بأحوال مجتمعها، وبحدود قدرته على التحمّل والمواصلة، على هذا الطريق أو ذاك.

وبصراحة، ثمة فجوة كبيرة في كل شيء يتعلق بالثورة السورية، بين ما تطرحه خطابات بعض قيادات المعارضة، وبين الإمكانات التي تمتلكها، ثم بين تضحيات السوريين الباهظة وتخبّط المعارضة في ترتيب أوضاعها، وأيضاً بين شعاراتها العالية وتدنّي قدرتها على التحكّم بالأوضاع على الأرض، ويشمل ذلك حتى المناطق التي باتت خارج سيطرة النظام. فوق ذلك ثمة مشكلة في تعدّد المراكز والمرجعيات القيادية، لا سيما العسكرية، وفي عدم ملاءمة بعض الأنشطة العسكرية للحواضن المجتمعية، كمثل السيطرة على مناطق شعبية واسعة، وإعلانها مناطق محررّة، مع ما يجرّه ذلك عليها من مخاطر القصف الجوي والمدفعي من قبل النظام، ما يؤدّي إلى تهجير سكانها، وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم، وهو أمر يتقصّد منه النظام تدمير البيئات الشعبية الحاضنة للثورة.

حسناً، لنستبعد الحديث الآن عن أي حلّ سياسي في سورية، لمصلحة القبول بفكرة إسقاط النظام بالوسائل العسكرية، وهو كلام صحيح من الناحية النظرية، لا سيما بعد أن ولغ هذا النظام في استباحة دم السوريين، وتدمير عمرانهم، لكن ما ينبغي إدراكه أن هذا الكلام له تبعاته أيضاً. والمعنى أن الصراع المسلح يستلزم إمكانات كبيرة في التسليح، والإمداد بالذخيرة، والدعم المالي، والغطاء الجوي، والواضح على ضوء التجربة المريرة والكارثية أن كل ذلك ليس بمتناول اليد، ومن الخطأ استمرار المراهنة عليه. وطبعاً، فهذا لا يستلزم شطب هذا الخيار من الحسبان، فما قد لا يكون اليوم، ربما يأتي غداً.

هكذا، ففي الصراعات السياسية، بخاصّة المسلحة، من الخطأ المراهنة على خيار واحد، وإنما ينبغي التكيّف مع خيارات عدة، ضمنها مثلاً، الموازنة بين الأنشطة العسكرية للثورة والإمكانات الذاتية لها، وعدم القيام بخطوات تصعيدية تفوق قدراتها، أو تستنزف طاقتها (وهذا حدث في تجربة الانتفاضة الفلسطينية الثانية وكانت له نتائج وخيمة على الفلسطينيين نجد نتائجها حالياً بوقف المقاومة نهائياً في الضفة وفي غزة). كما يأتي في هذا الإطار، إمكان التعويض عن الخلل في موازين القوى العسكرية بفتح نوافذ أخرى يأتي ضمنها إيجاد حل سياسي يمكّن من الوصول إلى الهدف، ولو بعد حين، وإن تضمن بعض النواقص، على أن لا يخل ذلك بالهدف المتعلق بإسقاط النظام.

أما إبقاء المراهنة في الخيار العسكري على إمكان تدخّل بعض الدول الكبرى في الصراع الدائر، إن على شكل رفع الحظر عن تسليح جماعات «الجيش الحر»، أو فرض مناطق آمنة، أو حظر جوي، فهذه ربما لا تكون مجدية، وقد يدفع السوريون ثمنها، إن بخوض معارك عسكرية غير محسوبة، أو مبكّرة، أو بزيادة مشاعر الإحباط عندهم. فحتى الآن لا يبدو أن ثمة تغييراً في الاستراتيجيات الدولية المتعلقة بسورية، فالجميع يتفرّج على ما يجري بانتظار تعب المتحاربين، لفرض صيغة حل وفق التجاذبات الدائرة بين الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً، بغض النظر عن النظام، وعن الثورة السورية.

في الغضون، من المؤسف أن ثمة معارضين، وحتى بعد عامين باهظي الثمن، ما زالوا يظنّون أن الدول الكبرى تشتغل عندهم، أو أنها تؤمن بالمبادئ فقط، فكما تبيّن، فإن هذه الدول تتحدّث بحسب مبادئها، لكنها لا تتحرّك إلا بناء على مصالحها، وعلى مفهومها للأمن القومي، وإن تحرّكت فلها اشتراطات معيّنة على الثورة، ومن ضمنها توضيح السوريين لثورتهم، وتنظيمهم لأحوالهم، وملاءمة تصوراتهم للمستقبل مع مصالح تلك الدول.

على ضوء كل ذلك، وبالنظر إلى عدم قدرة أي من النظام أو الثورة على الحسم، تبدو سورية أمام خيارات معقدة وصعبة ومكلفة، فإما استمرار هذا الوضع من النزيف، الذي يعمل خراباً فيها، أي في مجتمعها وعمرانها ومواردها، أو حثّ حلّ سياسي يسمح بتحقيق مرحلة انتقالية تؤدي إلى طي صفحة «سورية الأسد إلى الأبد»، وبناء سورية جديدة، بمواصفات قد لا تكون وفق طموحات هذا الطرف أو ذاك، كما يبقى ثمة خيار نشوء حالة أو ظرف يدفع نحو التدخّل الدولي الذي يعجّل بالإطاحة بالنظام.

هكذا، فإن كل الطرق باهظة الثمن، فالخيار الأول، لا سيما مع استمرار حظر السلاح، سيطيل أمد الصراع، ويزيد كلفة الثورة، والأهم أنه مع كل التفسّخات والتشقّقات التي نشهدها في سورية، وفي واقع ثورتها، وتخبّط إطاراتها السياسية والعسكرية، لن يفضي إلى الصورة المأمولة للمستقبل. أما الخيار الثاني، وهو ليس سهلاً، ولا ناجزاً، ويحتاج إلى مزيد من الدفع والضغوط وربما الأثمان، فهو يتطلب من القوى الفاعلة في الثورة عقد مساومات، تتعلق بمواءمة تصوراتها عن سورية المستقبل مع تصورات ومصالح القوى الدولية والإقليمية الفاعلة. أي أن هذه المساومة ستفاضل بين كلفة استمرار الصراع الدامي والتدميري، وبين الثمن السياسي الذي سيجبى منها على هذا الصعيد، فسورية بلد مفتاحي في الشرق الأوسط، ولن يرضى أحد بنشوء نظام غير واضح، أو ربما يثير المشكلات والاضطرابات في هذه المنطقة الحيوية من العالم. وبالنسبة إلى خيار التدخّل العسكري، فهذا ما لا ينبغي انتظاره، ولا المراهنة عليه، ولا ينبغي أصلاً المطالبة به، لأنه يدخل سورية في المجهول، ولأنه لا يمكن أن يأتي بناء على رغبة السوريين أصلاً.

وربما ينبغي الانتباه هنا، إلى أن الثورة السورية خسرت بعضاً من رصيدها، بسبب عدم توافر قيادة سياسية ملائمة، وبالخصوص بسبب التحولات التي حصلت بها، لا سيما مع مشاهد فقدان السيطرة على الوضع، ومشاهد الجلد والذبح والسحل والتفجيرات العشوائية، وكل ذلك ينبغي الانتباه إليه، والتعامل معه بنوع من الوعي والنضج.

وفي العموم، فلقد تداخلت في سورية أمور كثيرة، ولم يعد الصراع محصوراً بين النظام والشعب، فهناك إسرائيل وإيران وتركيا، والدول العربية الفاعلة، وطموحات الجماعات الإسلامية الجهادية، وفوق كل ذلك ثمة أوروبا والصين وروسيا وأميركا.

وربما ينبغي الانتباه هنا إلى أن الثورة السورية المجيدة تتعرض لذات التعقيدات التي تعرضت لها الثورة الفرنسية (أواخر القرن 18)، حيث تكالبت عليها الدول المحيطة لإجهاضها، وتحجيم طموحاتها، وقد احتاج الفرنسيون أكثر من ثورة، وإلى مئة عام، لتحقيق أهداف ثورتهم الأولى.

قصارى القول، ففي سورية استطاع السوريون، بشجاعتهم المذهلة وتصميمهم المنقطع النظير، وتضحياتهم غير المسبوقة، إنهاء قصة «سورية الأسد إلى الأبد»، فهذا انتهى، مع قيامة ثورتهم، وكسرهم الخوف الذي عشش في قلوبهم أكثر من أربعة عقود، وبقيت التفاصيل. المهم أن الجميع ينبغي أن يدرك أن النظام سقط، من الناحية العملية، وأن ثمة صفحة جديدة في تاريخ سورية بدأت، لكن المهم في غضون ذلك أن لا يسقط النظام على رؤوس السوريين، كما كتبت ذات مرة على هذه الصفحة.

على ذلك، لا ضير في أي حل يتضمن الوصول إلى الهدف، بأقل أكلاف ممكنة، طالما أن الثورة، بقواها العسكرية، غير قادرة على تحقيق ذلك، في المدى المنظور. لكن من الطبيعي أن الأمر لا يتعلق بأي حل، إذ لا قيمة لأي حل سياسي لا يتأسس على الاستجابة لمطلب السوريين بالحرية والكرامة والمساواة والعدالة. لذا فأي حل يتأسس على حقن الدماء، ورحيل النظام، ولو بأي شكل، ويضمن تعايش السوريين على أساس التسامح والمساواة ينبغي المطالبة به، فحتى الثورات المسلحة، والحروب بين الدول، تتوخّى في الأخير التوصّل إلى حلول سياسية. وما ينبغي إدراكه، من عبر التاريخ، أنه لا توجد ثورات مرة واحدة، ولا توجد ثورات كاملة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجافاة الحقيقة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 29/5/2013

ليس بين من عرفتهم في حياتي رجل تفوق قدرته على تجنب قول الحقيقة ما يمتلكه الدكتور بشار الجعفري، ممثل النظام الأسدي في الأمم المتحدة، فهو يمتلك قدرة على مجافاة الحقائق لا مثيل لها.

وكنت قد تعرفت عليه ذات يوم في ندوات كانت تعقد أسبوعيا في دمشق ضمن إطار ما كان يعرف يومئذ بـ«المنتدى الحضاري»، ووجدت فيه شخصا مستقلا نسبيا وصاحب تفكير نقدي إلى حد ما، كان يقر خلال نقاشاتنا بعيوب النظام وأخطائه. وقد أهداني أطروحة الدكتوراه التي كان قد أعدها حول العلاقات الأميركية السورية. ذات مساء، سألته إن كان بعثيا فانهال على البعث نقدا وتجريحا، لذلك اعتقدت أنه سوري يعمل في خدمة الدولة وليس أجيرا لدى النظام. واليوم، أعتقد جازما أن من كان يرسله إلينا هو جهاز الأمن، وأن قدومه إلى الندوات كان للتجسس علينا وتمكين النظام من اصطيادنا، نحن المعارضين الذين كنا نحضر تلك الأمسيات.

والآن، وأنا أستمع مكرها إلى بشار الجعفري، لا يسعني إلا أن أستغرب سماكة جلده وموت أي إحساس إنساني في قلبه، ونشفان روحه، وجلافته واحتقاره لحياة السوريين، وقدرته على عزو جرائم نظامه إلى المدافعين عن الشعب، وتجاهله وقائع قاهرة يستحيل لمن كانت لديه ذرة ضمير إنكارها أو القفز عنها.

في إحدى خطبه التي دافع فيها عن النظام في الأمم المتحدة، أورد أبياتا للشاعر نزار قباني يتغنى فيها بياسمين دمشق. استفظعت الأمر حتى أنني أغلقت التلفاز وعاهدت نفسي إن أنا رأيت الجعفري أن أذكره أن الشاعر كتب قصيدته خارج سوريا، لأنه كان ممنوعا من العودة إليها طيلة ربع قرن، وأنها كتبت لإدانة نظام الأسد الذي اتهمه بقتل زوجته بلقيس، التي يشبهها بالياسمين الدمشقي. كما كنت سأذكره بما حدث عندما توفى الله الشاعر وجيء بجثمانه إلى دمشق، وكيف استولى الأمن على نعشه كي لا يأخذه الدمشقيون في مشوار تودعه خلاله المدينة التي عشقها وأخلص لها، وتنقلب جنازته إلى مظاهرة شعبية ضد النظام، بعد أن انضم إليها مئات آلاف المشيعين الذين تقاطروا من جميع أنحاء البلد، وغنوا وهزجوا للمرجة وطالبوا بتزيينها كما كان يحدث في الأعراس قبل حكم البعث.

هذا النهج في استخدام استغلال الخصوم وتحويلهم إلى عكس ما كانوا عليه، للإيحاء بأن السوريين لا يمكن أن يكونوا غير أتباع للنظام، استعملته النازية والفاشية قبل الجعفري، الذي وصل في تشويه الحقائق إلى تفوق جلي على أسلافه النازيين والفاشيين، وها هو يقدم النظام القاتل كضحية لمؤامرة عربية وكونية، ويحول قتلته المحترفين إلى ضحايا مجرمين محترفين، يعتدون على جنود دراويش كل ذنبهم أنهم يتنزهون بدباباتهم في الشوارع ويطلقون النار يمينا وشمالا، ويثيرون نعرات طائفية أطفأها النظام طيلة نصف قرن، بجعل معظم جيشه وأمنه من طائفة واحدة، ويقتلون المدنيين، الذين تحميهم السلطة، لكنها قتلت منهم بالصدفة قرابة مائتي ألف، وشردت وهجرت داخل سوريا وخارجها سبعة ملايين منهم، وعذبت ولاحقت واغتالت مئات آلاف الشابات والشبان، لحمايتهم من الموت بيد الأصوليين الأشرار!

وقد شاء سوء طالعي أن أستمع إلى آخر كلمة ألقاها الجعفري أمام الجمعية العامة، فلم أجد من هو أكثر منه مجافاة للحقيقة غير مندوب روسيا، الذي عزف مثله على وتر الإرهاب، من دون أن يقول، مثله، كلمة واحدة عن مجازر وقعت في بانياس ارتكبها بالأمس القريب مرتزقة أتراك جندهم نظام يرى في قتل شعبه ضربا من الرأفة به. أليس موت الإنسان أفضل من أن يعارض حكومته أو يطالبها بحريته وكرامته؟

يبرع النظام الأسدي في فن خاص، يقوم على «نرفزة» من يستمعون إلى قادته. والحق أن خطبة الجعفري لم تكن تنرفز السوريين وحدهم، بل كانت تستفز العالم، عندما ساوت بين بشار الأسد وما سمته «سيادتنا الوطنية». بالأمس القريب، كان الكذب هو الحقيقة الوحيدة التي تقدم للسوريات والسوريين.

واليوم، لم يعد أحد يصدق تخريف الجعفري أو يستمع إليه. ويقول السوريون بحق عن خطابات هؤلاء: «مجنون يحكي وعاقل يفهم». أليس من الجنون المطبق أن يتحدث مندوب نظام قتل وشرد نصف شعبه عن أن هدف سادته الوحيد هو حريته، وأن يدعو ممثليه إلى الحوار مع جلاديه القتلة بشروطهم؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خطاب نصر الله .. فضائح ومطبّات وفظاعات!

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 29/5/2013

رغم نبرة خطابه الانفعالية ومحاولة الظهور بمظهر القوي الواثق بنفسه والحائط الصلب الذي يستند إليه، وخصوصا عندما وعد أتباعه بالنصر في معركته الجديدة ضد الثورة السورية، فإن كلام حسن نصر الله من الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أيام قليلة، كان ضمناً دفاعيا وتبريريا بامتياز، يحاول من خلاله رفع معنويات أتباعه وحشد التأييد لموقفه الداعم لنظام الأسد  حتى النخاع، وفي نفس الوقت يسعى لسوق الحجج ـ رغم تفاهة منطقها ـ لتدارك الهبوط الحاد الذي لحق بشعبيته، على مستوى الشعوب العربية والإسلامية بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل، بعد انكشاف حقيقة المقاومة التي يدعيها، وافتضاح مواقفه الطائفية، واصطفافاته وأجنداته الموالية لولي الفقيه في إيران.

نصر الله وأتباع حزبه اليوم يحشرون أنفسهم منذ بداية الثورة السورية، في زاوية ضيقة حرجة، بوقوفهم ضد طاغية مستبد، وتبرير جرائمه ومجازره، وقيامهم بقتل الشعب السوري من المدنيين والثوار، سواء بدافع ذاتي منهم ، أو استجابة لتوجيهات النظام الإيراني، لذا لا غرابة أن يتواصل تخبطهم في أحاديثهم، ومحاولة ستر عورات مواقفهم، ودفع المنطقة لمزيد من التأزم والاقتتال.. ونشير فيما يلي إلى بعض هذه التناقضات التي دفعتهم للتبرير، والانتقال إلى خانة الدفاع، وإلى المطبّات التي سقطوا فيها قبل هذا الخطاب أو بسبب ما تضمنه:

ـ كان نصر الله وأتباعه يقولون بداية إن قتالهم وقتال مليشيات شيعية عراقية إنما هو بدافع حماية المقامات والمزارات الشيعية "مقام الست زينب وغيره"، مع افتراض استهدافها بالفعل، ورغم سخافة هذا المبرر، فإنه كشف تعصبهم المذهبي، فكيف سكت هؤلاء عن قصف وتدمير النظام السوري المفضوح لبيوت الله، ولم يعترضوا عليه من قبل، فضلا عن أن يهبّوا للدفاع عن حرمتها المنتهكة، بينما تبح حناجرهم لتبرير الدفاع عن مرقد أو مزار، ولمَ لم نسمع صوتا لهم عن مزاراتهم في العراق إبان الاحتلال الأمريكي، ولم لم يحرِّكوا ميلشياتهم لمقاومة المحتل وتخليص العتبات والمزارات من ربقة تدنيسه لها، أو تدنيس مساجد أهل السنة، ولكن نظرا لشدة الانتقادات بسبب هذا التعصب المذهبي اضطر في خطابه الأخير، لتجاهل ذلك، واعتبار أن قتال ميلشيات حزبه مع النظام إنما هو دفاع عن سند المقاومة: في المنطقة (النظام السوري) والإقليم "النظام الإيراني".

ـ وحتى في توسلهم بالمقاومة زورا وكذبا، ثمة ما يفضحهم ويفضح النظام الذي ينعتونه بالمقاوم. أما هم فإن طريق المقاومة واضح وبين، فحمص ليست القدس، وحيفا وما بعدها ليست القصير بكل تأكيد، فلماذا لم يقوموا مثلا بمساعدة النظام في تحرير الجولان المحتل منذ أكثر من 45 عاما، ولم لم يفعلوا شيئا إزاء انتهاكات إسرائيل ضد حليفهم قبل الثورة، ثم إذا كانت الثورة السورية تستهدف المقاومة والأنظمة المقاومة بدفع من إسرائيل وأمريكا، كما يدعي سيدهم، فلم لا يستهدفون أصل البلاء مباشرة، وهو متاح، ويوجهوا قوتهم ضده، ويحرروا لنا الجولان والأقصى، خصوصا أن لديهم من الصواريخ والطائرات بدون طيار ما يصل بهم إلى حيث يشاءون، فلم لا يحركونها بذلك الاتجاه، ويصبون حمم نيرانها باتجاه صدور الصهاينة بدلا من توجيهها إلى صدور إخوانهم وجيرانهم العرب المسلمين من أبناء الشعب السوري؟! ونفس الشيء يقال عن نظام الأسد أبا وابنا، الذي لو حرك نصف أو ربع أسلحته وعتاده التي حركها ضد شعبه لتأتّى له تحرير أرضه السليبة منذ زمن بعيد.

ـ الخطاب أكد على ما هو معروف، وهو أن ولاء هذا  حزب الله إقليمي ومقدم على انتمائه الوطني للبنان، وأنه يقدِّم مصلحة وأجندة المحور الذي ينتمي إليه والممتد من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان على مصلحة بلاده، قولا وفعلا، يتم ذلك بتحركه بصورة منفردة مخترقا سيادة حدود بلاده وبلاد دولة مجاورة، دون تشاور أو إذن من حكومة بلاده التي يعتبر جزءا منها وشريكا فيها، أو من الجيش الوطني لدولته، وقبل ذلك تحديده منفردا مصلحة طائفته والمقاومة ولبنان والجميع نيابة عنهم، ولعل هذا هو ما دفع الرئيس اللبناني ضمنا لانتقاده، نظرا لتورطه في القتال الدائر في سوريا، مؤكدا تداعيات ذلك على الوضع الداخلي في بلاده وخاصة مدينة طرابلس شمال البلاد.

ـ لإظهار رغبته في تحييد لبنان وربما حرصه عليها دعا السيد نصر الله بصفاقة الأطراف الموالية للنظام وللمعارضة للتقاتل على الأرض السورية، مع كل ما في ذلك من استخفاف بسيادة وحرمة دولة جارة ذات سيادة، واستحقار لأرواح ودماء أهلها، وكأنهم نعاج في حظيرة السيد، ومع ما في ذلك من إسقاط ضمني للنظام والدولة في سوريا ولهيبتهما بعلم أو بغير علم. وعدم ضمان بألا يصل لهيب هذه النيران للعمق اللبناني، بل ولدول أخرى في المنطقة.

ومثل هذا الكلام المراهق الذي تفوح منه رائحة النتن المذهبي والطائفي يزيد من تأجج نار العداوة والبغضاء بين الفرقاء اللبنانيين، وبين الشعبين اللبناني والسوري، وبين طوائف البلدين، ويفتح بابا واسعا لحرب مماثلة لما عانت منه لبنان، سيتضرر منها اللبنانيون والسوريون معا هذه المرة، بغضّ النظر عما إذا بقيت محصورة في الأرض السورية أو تطاير شررها للبنان ودول المنطقة. 

ـ رفع لمعنويات أتباعه بعد تزايد عدد النعوش التي تحمل جثامين مقاتلي حزبه العائدة من القصير، بعد أن كان يؤمل منهم تحقيق نصر عاجل ليحتفل به في ذكرى انتصاره على إسرائيل.

مازال في جعبتنا الكثير عن تناقضات ومغالطات نصر الله، خصوصا إذا ربطت بخطاباته السابقة الكثير. سنكتفي بهذا القدر، آملين ألا تجرّ حماقاته وإملاءات سادته في طهران على سوريا ولبنان والمنطقة مزيدا من الويلات والعذابات.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 26)

رواية الرفيق أبو صالح عن الجاسوس ايلي كوهين ومحاولة تهريبه

وإصدار عفو عن الجواسيس الصهاينة من قبل وزير الدفاع حافظ الأسد

محمد فاروق الإمام

في هذه الحلقة يتحدث الرفيق أحمد أبو صالح عن قصة اعتقال الجاسوس كوهين ومحاولة بعض الضباط الذين تعاملوا معه على تهريبه خارج البلاد، وعن اختطاف الرجل الذي قبض عليه وتم إعدامه، ويروي حكاية الجواسيس الذين تم إخفاء أضابيرهم للحيلولة دون إعدامهم، ومن ثم العفو عنهم والسماح لهم بزيارة إسرائيل، وفضائح النظام وفساده وكيف كانوا يسيرون شؤون الحكم.

أحمد منصور: نعم، في 17 يناير/كانون الثاني 65 تم إلقاء القبض على أشهر جاسوس إسرائيلي وهو (ايلي كوهين) ماذا تعرف عن قضية كوهين رغم إنك برة السلطة؟ بس باختصار شديد؟

أحمد أبو صالح: نعم، يا سيدي أنا بره السلطة وباعتباري محامي وكنت قريب جداً من عدد الضباط وخاصة أعضاء المحكمة اللي منهم كان سليم حاطوم وآخرين هم 5 أعضاء محكمة برئاسة مصطفى طلاس.. برئاسة عبد الله.. عفوا صلاح الضلي برئاسة..

أحمد منصور: صلاح الضلي دا سجن معاكم..

أحمد أبو صالح: نعم؟

أحمد منصور: اعتقل وسجن معكم في الانقلاب.

أحمد أبو صالح: معانا بنفس الغرفة اللي كانوا يعذبوا فيها كوهين..

أحمد منصور: طب خلينا الأول هو الآن رئيس المحكمة.

أحمد أبو صالح: فهو رئيس المحكمة، لكن.. وهو رئيس المحكمة مو ضدنا نحنا، يعني ما هو طرف بمواجهتنا، وفيه سليم حاطوم وآخرين هادول محسوبين علينا، فكنت أنا أروح أحيانا أقعد بغرفة المذاكرة اتذاكر أنا وأياه اللي لي، لكن الأهم من ذلك أنا اللي.. اللي اكتشفت كوهين.. اللي اكتشفت كوهين واللي أنا طلب مني أسفره من اللاذقية إلى بغداد وسفرته عن طريق لواء الإسكندرونة من تركيا إلى بغداد.

أحمد منصور: سنة كام؟

أحمد أبو صالح: هاي بسنة.. بسنة 1969 قبل سفري أنا.. قبل أنا..

أحمد منصور: من هو؟ مين هذا؟ مين اللي اكتشف كوهين؟

أحمد أبو صالح: محمد وداد بشير منقول عنهم هادول صهاونة مو صهاينة صهاونة، لأنه المنطقة اسمها صهيون، فمن.. ما نقول صهاينة نقول صهاونة لتمييزهم عن الصهاينة هذا مسلم سني من جهات الحفة المنطقة اللي معظم سكانها من النصيرية فهذا الرجل كان هو مسؤول الإشارة بالجيش، يعني المخابرات إلها أقسام، هذا قسم الإشارة هو..

أحمد منصور: لقط إشارات.

أحمد أبو صالح: نعم، بيعرف مثلا السفارة الفلانية بتبث على..

أحمد منصور: الشفرة الفلانية.

أحمد أبو صالح: ذبذبة معينة أو شفرة معينة أو إلى آخره، فاكتشف على أنه فيه بث مو خاضع..

أحمد منصور: لهذه السيطرة..

أحمد أبو صالح: أنه، لها السيطرة، المهم يعني بوسائل ما باقول بدائية، لكن يعني ليست مماثلة لوسائل اليوم، اكتشف أنه البث عم بيخرج من مكان معين فداهم سفارة أو سفارتين يعني أخذ إذن وداهم، اكتشف إنه هذا غلط بعدين توصل انتيجة إنه موجود بشقة معينة.

أحمد منصور: الشقة دي كانت..

أحمد أبو صالح: وقت اللي اقتحموا.. وقت اللي اقتحموا الشقة كان كوهين مد ايده بده ياخد السم، ياخد السم علشان يقتل نفسه، لحقوه قبل ما ياخد السم هاي خلاصة القصة، هذا محمد وداد بشير خطفوه بعدين من لبنان.

أحمد منصور: روى لك بنفسه القصة..

أحمد أبو صالح: عشت معه أنا، عاش هو لأنه أنا اللي بعثته من سورية إلى العراق أولا، ثانيا: وقت رحت للعراق موجود هو والعقيد محمد شريف سعود، والمقدم أحمد الريس كتير من الضباط، فهو عاش فترة طويلة بالعراق..

أحمد منصور: صحيح لما جم يقبضوا على كوهين فيه بعض الضباط كما روى صهرك أكرم الحوراني نقلا عن بعد عشر سنوات من إعدام كوهين سنة 75 كنت لاجئا في بغداد، وكان أمين الحافظ وشبلي العيسمي ومصطفى حمدون وآخر.. وآخرين على وجبة غداء وأن أحد الضباط الذين اشتركوا في القبض على كوهين قال إنه بعد القبض عليه شهر ضباط آخرون مسدساتهم وحاولوا خطفه، أنت كنت في العراق في الوقت دا؟

أحمد أبو صالح: كنت في العراق المفروض قبل ما يجي أكرم الحوراني أنا كنت في العراق..

أحمد منصور: حضرت شيء من هذا.. حضرت شيء من هذا أو روي لك إن فيه ضباط في الجيش كانوا عايزين يهربوا كوهين؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي، أنا كي لا أتهم أي إنسان، أولا أنا ما حضرت ها الشيء، ثانيا: محمد وداد بشير كان صديقا حميما لي هو والمقدم شريف سعود وبصراحة كانوا بلا نقول تنظيم بس نقول من تجمعنا.. من جماعتنا، ويوميا يجوا لبيتي بالعلوية جنب دجلة يوميا، كل يوم مساء عندي في بيتي.

أحمد منصور: الكلام دا بعد ما رحتوا العراق علشان تتآمروا على سورية، ما هي كلها مؤمرات.

أحمد أبو صالح: كلها مؤمرات، المهم الرجل كان يوميا لمدة طويلة لسنوات ما أشار إلى هذا..

أحمد منصور: قل لي خلاصة اللي قاله لك بخصوص قضية كوهين؟

أحمد أبو صالح: محمد وداد بشير قال لي كثير من الناس..

أحمد منصور: لأن محمد وداد بشير قتل بعد ذلك؟

أحمد أبو صالح: مين؟

أحمد منصور:محمد وداد بشير.

أحمد أبو صالح: طبعا خطفوه من لبنان وأخذوه على السجن ومات وراح..

أحمد منصور: طبعا لأنه كان عمل كتاب فيه تفاصيل وأسرار خطيرة جدا عن كوهين.

أحمد أبو صالح: كان عم يهيئ لكتاب يحكي.. أيوه يحكي قصة اعتقاله لكوهين زائد علاقات كوهين التي لم تنشر منها لأسباب خلينا نقول أخلاقية إنه بنات عائلات كبيرة دمشقية ما بدهم يفضحوهم ومنها علاقات مع ضباط، يعني معظمهم بتقديري أنا وهو كما قال بعثيين ما بدهم يذكروا أسماءهم..

أحمد منصور: فيهم ناس في السلطة فيهم ناس جاءوا إلى السلطة بعد..

أحمد أبو صالح: يعني هذا ما قاله لي..

أحمد منصور: إداك أسامي الضباط؟

أحمد أبو صالح: لأ، وأنا ما رضيت بصراحة، لأنه خفت لأنه هو كان منفعل وبدا ما باقول بيضيع بس بدأ يصير يحكي كلام بينم على إنه ما عاد متوازن، يعني مثلا يصر على إن هو أبى أبى الهيثم، أبي من الآباء شايف هو ابنه اسمه هيثم وهو أبو هيثم فيكتب ابى الهيثم بالألف المقصورة أقول له إذا المقصود من الإباء بدك تكتب بالألف المقصورة مو بالألف الطويلة إنه هذا..

أحمد منصور: خلاصة قضية كوهين أيه؟

أحمد أبو صالح: يعني وصل للدرجة إنه ما عاد يعني بتقدر بتقول إنه ما عاد موضوعي.

أحمد منصور: من خلال علاقتك بهؤلاء الذين قبضوا على كوهين واكتشفوه، من خلال متابعتك للمحكمة، قل لي باختصار قضية كوهين قبض عليه في 17 يناير/كانون الثاني، بدأ يحاكم في 3 فبراير/شباط، صدر عليه الحكم في 8 مايو/أيار وأعدم في 18 مايو/أيار في 65، خلاصة قضية كوهين أيه؟

أحمد أبو صالح: أنا برأيي..

أحمد منصور: هل فعلا في.. من خلال كوهين فعلا ضربت سورية في 67 من خلال ما قدمه من معلومات؟ هل تم اختراق حزب البعث فعلا بشكل أساسي؟ هل تم اختراق قيادات الجيش بواسطة جاسوس واحد استطاع أن يعني يطيح في البلد بالشكل ده زي ما بيقولوا؟

أحمد أبو صالح: يا صاحبي، كوهين زار الجبهة مع آخرين يعني مثل وفود بتروح بتزور الجبهة مو شرط تطلع على كل شيء بالجبهة، بس بتزور الجبهة وبتشوف على أنه فيه قطاعات لإي الجولان وإلى آخره، والحزب لم يخترقه كوهين بأي شكل من الأشكال بشكل نظامي، لا كان عضوا في الحزب، ولم يكن قياديا، ولم يحضر أي مؤتمر من مؤتمرات الحزب، لكن راح أقول لك واقعة خطيرة جدا، انتهينا من جلسة من جلسات المؤتمر القطري بساعة يعني متأخرة جدا قبيل نشر أول نشرة أخبار تصدر عن دمشق، جيت لبيتي أنا تعبان جدا مرهق وحطيت رجلي على كرسي وردت أرتاح شوي وأسمع نشرة الأخبار، بنشرة الأخبار بعد انتهاء المؤتمر القطري يمكن بنصف ساعة من إسرائيل أذاعوا إنه انعقد المؤتمر القطري في دمشق وأنهى اجتماعه بالقرارات التالية، إذن ناس من الموجودين بالمؤتمر.

أحمد منصور: والجلسة سرية كانت.

أحمد أبو صالح: يفترض يعني أنه.. وبعدين ما لحقنا يعني أنا طلعت من قصر الضيافة مكان ما إنا عاقدين المؤتمر وصلت لبيتي بأبو رمانة يعني ما أكثر من عشر دقائق بالسيارة وما لحقت أقعد 5 دقائق وسمعت الخبر، إذن رأسا طلع واحد يفترض من المؤتمرين يكون حكى سواء لكوهين أو لواحد على صلة بكوهين وإلا ما فيه سبب آخر كيف يعني إسرائيل بتذيعه قبل نشرة الأخبار في.. في سورية لها الدرجة شايف، فلذلك يعني فيه شكوك كثيرة، أما أنا لست على يقين من علاقة أشخاص معينين بكوهين غير واحد اسمه معزى زهر الدين وأيضا كان ضابط بس برتبة صغيرة، هذا ألقي القبض عليه.

أحمد منصور: دا كان قريب لرئيس الأركان.. لرئيس الأركان زهر الدين.

أحمد أبو صالح: يفترض لأنه أيضا من الطائفة الدرزية وفيه احتمال إنه عقل قربان هذا هذا راح بالسجون، لأنه كان يحمل جواز سفر عراقي باسم مستعار غير عقل قربان وكان في لبنان بمهمة من قبل العراقيين، خطف من لبنان وكل منظمات العفو الدولية وحقوق الإنسان طالبوا فيه وكان دائما الجواب إنه هذا غير موجود، وفعلا غير موجود..  

أحمد منصور: لأنه باسم تاني.

أحمد أبو صالح: لأنه باسم مستعار، ومات المسكين بلغني مؤخرا إنه مات قتلوه أو مات وحتى (أو هستر) لأنه كل ها الفترة يعني 10،15 سنة في منفردة ما يشوف فيها بشر، يعني صار مثل الحيوان داخل السجن في.. في المزة، فهذا الإنسان يعني يقال الحقيقة أنا ما سمعت، وهو ما باقول صديقي، بس كان بالسجن معي مرة بنفس ما باقول زنزانة غرفة كنت أنا وهو واتنين آخرين أربعة كنا مع بعض ما كان معي عقل قربان، فهذا قيل أن له علاقة أيضا بكوهين، ما هو شرط تكون علاقة جاسوسية لأنه كوهين كان ثري و..

أحمد منصور: أيه حقيقة علاقة.

أحمد أبو صالح: ثري ونسوان وخمر وإلى آخره.

أحمد منصور: إيه حقيقة علاقة.. أمين الحافظ نفى نفيا تاما أن تكون له علاقة بكوهين، وقال أنه لم يره إلا أثناء التحقيق، عندك معلومات عما أشيع عن العلاقة بين الرجلين؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي أنا.. أنا.. أنا طبعا ثقتي بوطنية أمين الحافظ لا تتزعزع ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يعرف أمين الحافظ أن هذا هو كوهين ويمكن أن يمد له يد ويصافحه يستحيل، لكن أنا شخصيا أعتقد بأنه كوهين كان يحضر حفلات سفارة.. السفارة السورية في الأرجنتين وأمين الحافظ كان ملحق عسكري، احتمال كبير جدا وإذ.. وإن نفى أمين الحافظ وهون.. وهون.

أحمد نصور: هو نفى وقال إن التاريخ اللي ذهب به كوهين إلى الأرجنتين كان بعد ما أمين الحافظ رجع إلى سورية.

أحمد أبو صالح: صح هيك، بس أنا بتقديري يعني أنه أمين الحافظ هو اللي وضع نفسه بقفص الاتهام ودفع الآخرين، وأيضا لأنه كان رئيس دولة فيه مصلحة لإسرائيل وغير إسرائيل إنه يسقطوا عليه المسؤولية كلها، بس أمين الحافظ شارك في أنه وضع نفسه بقفص الاتهام، أنا لو كنت بداله باقول يعني أنا كنت ملحق عسكري بالأرجنتين وهذا بيجوز يكون من الناس اللي حضروا وسلم علي وصافحني وحدثني وحكى معي، وحتى في دمشق احتمال، مثلا أنا وزير إذا أجا شخص وقال لي : خيو هذا شو اسمه كان محمد.. كمال.. كمال غير كوهين اسم يعني.

أحمد منصور: أمين ثابت.. كامل أمين ثابت.

أحمد أبو صالح: أمين ثابت قال إذا كان.. كامل أمين ثابت ثري عربي عايش بالأرجنتين جاي يستثمر أمواله هون طلب مقابلتك شو بده أقول له والله؟

أحمد منصور: هتقابله.

أحمد أبو صالح: باقول له أهلا وسهلا يعني، فإذا سألتني أنت وقلت لي أنت التقيت بكوهين باقول لك أيه، التقيت بكوهين..

أحمد منصور: خليني أسالك عن موضوع تاني كوهين كده خد حقه في.. في المسألة دي معاك، كان فيه جواسيس إسرائيليين كانوا موجودين في سجن تدمر أثناء وجودك في السلطة كعضو مجلس قيادة ثورة و.. ووزير.

أحمد أبو صالح: نعم.. نعم.

أحمد منصور: في 30 مارس/آذار 64 صدر الحكم بالإعدام على 11 متهم بالتجسس، 20 فبراير/شباط 65 حكم بالإعدام على فرحان الأتاسي ومعين الحاكمي الضباط في الجيش بتهمة التجسس لإسرائيل، أنا خليني في الـ11 جاسوس اللي أنت لما كنت في السلطة فيهم، لم يعدم هؤلاء؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي، مجلس قيادة الثورة.. عرض على مجلس قيادة الثورة من قبل رئيس محكمة الأمن القومي صلاح الضلي البت في موضوع الجواسيس، طبعا أنا لا أتذكر إمتى انحكموا. لكن كانوا موجودين في تدمر جواسيس، فطلبنا يجيب أضابير، وجاب الأضابير، أنا كنت من المتحمسين للموافقة ونهي الإشكال ليش يظلوا جواسيس موجودين وإلى آخره، فنور الدين الأتاسي قال فيه واحد منهم محكوم بالإعدام من بيت حنيفة حمصي وهذا مجنون، فيعني إذا مجنون ما بيجوز يتعامل معاملة الآخرين، فكلفت أنا باعتباري حقوقي في مجلس قيادة الثورة إنه أشوف يعني الأحكام الصادرة إذا كانت محورها القانوني أو في شائبة بتشوبها أو كذا، وأنا الحقيقة ما كنت مستعد فعلا أعمل دراسة لأضابير طويلة عريضة، قرأت الفقرات الحكمية، لكن بهاي.. باعتبار هو ذكر أسم حنيفة تعمدت اطالع إضبارته وشوفت على أنه فيه تقارير طبية بس كلها طالعة بعد الحكم، يعني جايبينها من أطباء يقولوا إنه هذا كان عم بيتعالج عندنا أو كذا ومختل وإلى آخره ولكن كلها بعد الحكم، المهم جيت لمجلس قيادة الثورة قلت لهم يا أخي كل هذه الأحكام في محورها القانوني والمفروض إن نحنا ننفذ، طيب ندرس بدنا شوف، سيبنا بدنا ندور على أضابير، ما نلاقي الأضابير.

أحمد منصور: اختفت الأضابير.

أحمد أبو صالح: اختفت الأضابير، أوجدها مرة خلف الخزينة ومرة تحت الصبة مرة في.. في القصر الجمهوري وبعدين اختفت نهائيا.

أحمد منصور: أنتو كدولة كناس بتحكموا، كيف كنتم بتحكموا، كيف كنتم بتدونوا.. كيف كان بيتم تدوين القرارات واتخاذ القرارات وهذه الأشياء؟

أحمد أبو صالح: يا سيدي، عندما كنت أنا موجود في مجلس قيادة الثورة كان جبنا أمين عام لمجلس قيادة الثورة عبد الخالق النقشبندي من دير الزور حزبي قديم زوجته ألمانية، رجل طيب وشريف ومستقيم وحزبي قديم، بس طيب هو، جبناه قال أمين عام لمجلس قيادة الثورة بده يدون محاضر الجلسة، يعني مسكين لدرجة إنه يحط كذا قلم على الطاولة بألوان مختلفة، إذا جف أحد هذه الأقلام يأخذ القلم الثاني ويكمل، وفيه كثير من الحالات تطير مادة من أساسها، مثلا إذا هو.. أولا.. ثانيا.. ثالثا.. رابعا تطير بيجي لخامسا، ويكون القرارات يعني مثل شو بدي أقول لك بألوان مختلفة و.. وأنا كنت أقول له يا أخي الجزارين اللحامين دفاترهم منظمة أكثر منك، ما حرام نحن نحكم البلد لو الشعب اطلع على حقيقة ما يجري هون لسحلنا بالشوارع، وفعلا، لو الشعب عرف عم ندير البلد والله بيسحلنا أقسم بالله العظيم، أنا أذكر يا أخي محمد عمران أمامه دفتر بيمسك الدفتر بياخد ورقة من هذا الدفتر وبيمسح فيها تمه بهاي ورقة مو.. مو لينكس ورقة عادية وبيمسح تمه، صلاح البيطار وقت بيشوفنا ملتهين باللت وبالعجن بياخد ورقة وبيصير بيرسم عليها مربعات متقاطعة وشغلات.. كل واحد منا لاهي نفسه بشغلة شايف، والناس عم بتحكي وقت اللي إجا أمين الحافظ ما عاد فيه استئذان حتى بالحكي يعني كل واحد بيحكي مثل ما بده، فقلت لهم يا أخي هذا ما بيصير يعني هذا مو هو معقول.

أحمد منصور: هكذا كانت تدار البلد..

أحمد أبو صالح: هيك كانت تدار البلد، أنا عم باقول لك بصدق وصراحة وأنا موجود معاهم يعني مو أنه والله على السماع.

أحمد منصور: والشعوب المنكوبة على السجون والمعتقلات. هربانة وعايشين في.. في المنافي بره وكذا..

أحمد أبو صالح: يا سيدي، وبالمناسبة يعني إنه بالعراق نشرت الصحف المذكرة اللي رفعها الناس اللي بيعتبروا حالهم قادة الطائفة النصيرية ومنها أبوه لحافظ الأسد سليمان الأسد لليوم في اليوم هذا اللي كان رئيس مجلس الوزراء (…) 1963م رفعوا مذكرة تتضمن إنه ما تعطوا سورية استقلالها، نحن ما إلنا علاقة بالعرب والمسلمين، نحن إذا بدكم.. لابد فنحن بدنا تقيموا لنا دولة مستقلة، نحن أقرب للموارنة وأقرب لكذا..

أحمد منصور: كان فيه.. كان سليمان المرشد عامل دولة علوية، لكن أنا مش في الإطار ده، أنا خليني أنا الآن في الإطار بتاعي وعايز ارجع للموضوع الأساسي بتاع الجواسيس، الأضابير كنت بتلاقيها مرمية..

أحمد أبو صالح: آه فالمهم ما انعدموا الجواسيس، وإذ بعد ما نحن يعني بعد بفترة بيجي حافظ الأسد بيصير رئيس جمهورية، محمد أديب النحوي وزير العدل، وعذ يصدر عفو عن الجواسيس، عفو عن الجواسيس وتوقيع وزير العدل محمد أديب النحوي بكل وقاحة يعني.

أحمد منصور: الجواسيس دول كانوا عرب كلهم.

أحمد أبو صالح: كلهم عرب وسمح لهم بعد صدور مرسوم العفو بالذهاب إلى إسرائيل للاستشفاء زعموا إنه كلهم مرضى، لأنه كانوا موجودين بتدمر فسمحوا لهم يروحوا يستشفوا بإسرائيل طبعا وراحوا ما رجعوا.

أحمد منصور: كأحداث تاريخية في 3 اكتوبر/تشرين الأول 64 قبلت استقالة صلاح البيطار ومنصور الأطرش من عضوية مجلس الرئاسة وانتخب بدلاً منهما صلاح جديد ويوسف زعين، وشكل أمين الحافظ حكومة جديدة بعد 5 أشهر من الحكومة اللي كان عاملها، في 8 ديسمبر/كانون الأول 64 استقال محمد عمران من الجيش احتجاجا على ترفيع حافظ الأسد لرتبة لواء، أيه أسباب الصراع بين حافظ الأسد ومحمد عمران تحديدا؟

أحمد أبو صالح: شوف أستاذ أحمد يعني أنا هاي وقائع ما أنا ملم بها لأنه كنت..

أحمد منصور: طيب خلاص مش مهم..

أحمد أبو صالح: لكن لأ، لكن باقول لك بصراحة يعني ما كان فيه صراع، يعني مو صراع يستهدف النظام، صراع فقط في حدود إنه ليش فلان رتبته أقل من رتبتي ترفعوه قبل ما ترفعوني، فبهيك حالة نروح نرفعه، الشخص اللي يحتج منهم نروح نرفعه دونما سبب يعني مجرد أنه احتج.

أحمد منصور: هو كان هنا باتريك سيل قايل إن الأسد كان أقل رتبة من صلاح جديد ومحمد عمران.

أحمد أبو صالح: طبعا.. طبعا.

أحمد منصور: ولكنه كان يتوسط بينهما وينتقل من أحدهما إلى الآخر لكنه في النهاية انحاز لصلاح جديد بعدما رقاه صلاح جديد وعينه قائد سلاح الجو السوري في ديسمبر/كانون أول 64 وطبعا كان الرئيس أمين الحافظ بيمضي على كل ما يعطيه له صلاح جديد..

أحمد أبو صالح: وبالمناسبة أقول لك شغلة مهمة جدا، في صفوف البعثيين وفي سلاح الطيران بالذات كان فيه رتب أعلى من رتبة حافظ الأسد، ولكن لأنهم من السنة مثلا حتى ما يبقى الكلام على عواهنه العقيد شريف بدوي، العقيد شريف بدوي وكان في القاهرة وله علاقة أيضا بس غير مباشرة باللجنة العسكرية عين قائدا لقاعدة الطيران في حماة ما فيه 3 طيارات، وحافظ الأسد عين في قيادة الطيران للجمهورية العربية السورية نظريا كان اللواء لويس دكر وعمليا كان هو ورتبته أقل من رتبة ناجي جميل اللي كان يشتغل بمعيته أيضا.

أحمد منصور: دي كانت موجودة في أماكن كثيرة في الدولة عندكم.

أحمد أبو صالح: طبعا، يعني الرتبة الصغرى تحكم الرتبة الكبرى..

أحمد منصور: كان فيه ناس برتب أقل تحكم الرتب الكبرى ودا كان موجود من أول مسلسل الانقلابات ولفترة.. حتى في فترة الوحدة كان بيبقى موجود مثل هذه الأشياء.

بدأ الصراع يشتد بين.. داخل حزب البعث، دعا لمؤتمر قومي ميشيل عفلق في مايو/أيار 65 بهدف شجب العسكريين الذين تحدوه، لكنه طلب.. طلب منه..

أحمد أبو صالح: في أي سنة؟

أحمد منصور: مايو/أيار 65 طلب منه أن يلزم الهدوء واختير منيف الرزاز الطبيب والكاتب الأردني من أصل سوري ليحل محله، والرزاز كان انضم للبعث سنة 50، والرزاز له كتاب رائع عن التجربة المرة داخل حزب البعث، لأن البعثيين مرمطوه بعد كده وبهدلوه وعذبوه وشرب المر على ايدين البعثيين زي ما أنت شربت المر على ايدين البعثيين برضو. وشربتوا بعض وكنتم بتتآمروا على بعض، حتى أنت مسكت الأستاذ من كتفه وقلت له أنت بتتآمر، صلاح جديد بدأ يرسّخ قبضته بصفته أمين قطري مساعد في سورية على الوضع، في أواخر صيف 65 كان سلطانه بدأ يزداد وفي 24/9/65.. كان يوسف زعين كان بيساعد كتير صلاح جديد في الرقابة على الجهاز الحكومي بشكل عام، حركة الجيش من خلال وزير الدفاع حمد عبيد، حمد عبيد كان درزي، ومن خلال جهاز حافظ الأسد الحزبي في القوات المسلحة كان مطمئن إلى صلاح جديد كان مطمئن لولاء هذه القوات، من خلال حمد عبيد، من خلال حافظ الأسد ومن خلال يوسف زعين كان مطمئن لأنه كان هو اللي بيمسك بالسلطة والقبضة في ايده، وكان بيسير الأمور بالشكل اللي أنت وصفت به كيف كانت تسير الأمور في مجلس الدولة. صهرك اكرم الحوراني اعتقل وضع في سجن المزة في العام 65 وبدأت التهيئة لانقلاب العام 66.

يتبع

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 25)

قصة ريتا النمساوية ودور النساء في حكم سورية

واكتشاف علاقة قائد سلاح الجو اللواء حافظ الأسد ب"جورج طومسون"

وزير الدولة لشؤون الأمن القومي البريطاني

محمد فاروق الإمام

نتابع في هذه الحلقة مع الرفيق أحمد أبو صالح حكاية الأرتيست النمساوية "ريتا" والدور الكبير الذي لعبته النساء في حياة قادة البعث وقادة الجيش العقائدي الذين ألحقوا بسورية الهزائم والانكسارات.

أحمد منصور: لكن كان لك دور ولك صلات ولك علاقات، أيه حكاية ريتا النمساوية؟ حكاية ريتا النمساوية؟

أحمد أبو صالح: هاي بعد طبعا ما يعني انقطعت علاقتنا بالحزب تنظيميا وطبعا بالسلطة أيضا أنا وآخرين، ففي الحقيقة شكلنا نحنا مكتب مؤلف من ستة أشخاص: 3 عسكريين و3 مدنيين، العسكريين: سليم حاطوم، بدر جمعة، يوسف عرفة. المدنيين: أنا، محمود نوفل، خالد الحكيم، الستة هؤلاء مسؤولين عن التهيئة للإطاحة بالنظام من أساسه..

أحمد منصور: بأمين الحافظ بكله.

أحمد أبو صالح: كله بلا استثناء.. بلا استثناء، ولكن قررنا أنه إذا أمين الحافظ مستعد يتجاوب معانا بنؤجل أمين الحافظ على ضوء ما يمكن أن يتمخض عن ذلك من مواقف، في يوم من الأيام أنا وزوجتي وأولادي في مقهى قصر العظم في الربوة مطعم ومقهى وقاعدين العصر تقريبا وإذ قريبا مني موجود سليم حاطوم ويوسف عرفة وبدر جمعة.

أحمد منصور: سليم حاطوم كان طبعا قائد المغاوير.

أحمد أبو صالح: قائد أيوه سرية مغاوير.

أحمد منصور: سرية المغاوير نعم.

أحمد أبو صالح: في حراسته نعم، وهو المسئول عن الإذاعة والتليفون (التلفزيون)..

أحمد منصور: القوات الخاصة والإذاعة مسئولة عن حراسة الإذاعة والتلفزيون.

أحمد أبو صالح: أيوه، ومكتبه.. إله مكتب في نفس بناء الإذاعة والتلفزيون وإلى آخره، فخجلوا مني لأنه شباب يحترموني وإنه أنا وزوجتي وبيعرفوها كلهم أم طموح والأولاد كذا، خجلوا إجا واحد منهم سليم.. المهم قال لي همس بأذني قال لي: أستاذي، ما عندك مانع تيجي تقعد معنا دقائق؟ قلت له ما عندي مانع، استأذنت أنا من أم طموح ورحت بعد شوية.. قعدنا حكو بالعربي طبعا وقالوا لي تعرف من هي ريتا؟ قلت له أنا شو عرفني فيها..

أحمد منصور (مقاطعا): كانت واحدة معاهم يعني؟

أحمد أبو صالح: هي ريتا.. ريتا النمساوية الأرتست اللي كانت تعمل في إحدى الكبريهات في دمشق.

أحمد منصور: هم كلهم ومعاهم واحدة بس؟

أحمد أبو صالح: 3 ومعاهم واحدة، بس هي صديقة واحد منهم اللي هو يوسف عرفة هذا الشاب الأسمر، شواربه..

أحمد منصور: يوسف كان وضعه أيه بالضبط؟

أحمد أبو صالح: كان هو قائد.. ما عدت أذكر الأسماء، قائد يعني قطعة فاعلة فعلا ومتمركزة بالراموسة قريبا من حلب على بعد كيلو مترات محدودة من حلب، بدر جمعة (رئيس مخابرات حلب وضواحيها) سليم حاطوم..

أحمد منصور: قائد..

أحمد أبو صالح: مغاوير وإذاعة وتلفزيون إلى آخره، فرحت أنا..

أحمد منصور: يعني ناس من اللي بيحكموا بشكل أساسي..

أحمد أبو صالح: بيحكموا فعلا.. بيحكموا فعلا فرحت أنا قالوا لي إنه بالعربي طبعا، الآنسة ريتا وكملوا إن هاي صديقة كان مقدم.. المقدم حسين ملحم كان قائد الشرطة العسكرية نحنا.. بعثي، قلنا لهم طيب وين كان حسين؟ قالوا هون المشكلة؟ يعني هي ما عاد بدها حسين لأنه حسين أشقر وعيونه زرق، وهي شقراء وعيونها زرق..

أحمد منصور: فعايزه تغير.

أحمد أبو صالح: ففضلت يوسف لأنه أسمر طويل وبشوارب سود، فضلته، لكن بالسر يعني ما قالت له حسين ملحم ونحنا طبعا ما قلنا له، ما فيه مصلحة، طب والقصة شو بالضبط؟ قال لك حسين ملحم ومسلط أجهزة المخابرات تبع الشرطة العسكرية بأنه بمراقبتها، قد يكون..

أحمد منصور: آه طبعا، لا إسرائيل ولا أي حاجة.. وإنما كله من أجل ريتا.

أحمد أبو صالح: ما إنا فاضيين، ما إنا فاضيين لها الشغلة، المهم اكتشف بعدين حسين ملحم علاقة ريتا بيوسف عرفة، فهو كان معنا يعني هو من الجماعة اللي مرتبطين فينا نحنا كتنظيم مستقل، راح لعند أمين الحافظ بعد ما كنا نحنا متصلين بأمين الحافظ وأمين الحافظ موافق لدرجة إنه أنا هلأ قبل بكرة مستعد أروح أجيبهم من جنب نسوانهم، لها الدرجة، هلأ أنا مستعد يعني أروح أجيبهم من جانب نسوانهم وقبل بكرة، فطبعا بعثنا له خبر نقله رسالة حسين، وقال لأ هذا ما يصير يعني هيك بها السرعة بها البساطة، المهم شكرا على أنه موقفه إلى جانبنا وإلى آخره، فحسين ملحم راح قال له، قال له هادول كذابين عم بيضحكوا عليك بدهم يجندوك ليصفوا هادوليك ويبطشوا فيك فلا تصدق، أنا بصراحة أنا بعدما حكيت معهم اكتشفت أنهم غير صادقين، طبعا ما راح يقول لأمين لحافظ بسبب ريتا إنه لأنه صفت إلى جانب يوسف عرفة هذا أو كذا، أمين الحافظ يعني إجا بأول مؤتمر عسكري انعقد في (القابون) كل البعثيين في الجيش من رتبة معينة فما فوق عقدوا مؤتمر في القابون ومن..

أحمد منصور: ما تفتكرش تاريخه؟

أحمد أبو صالح: وقت؟ كنا نحنا مفصولين طبعا من الحزب وأنا مستقيل وإلى آخره يعني نقدر ما نقول..

أحمد منصور: قبل كوهين أم بعديه؟

أحمد أبو صالح: لأ، قبل كوهين.

أحمد منصور: آه يعني نقدر نقول..

أحمد أبو صالح: قبل أصلا ما كانت معروفة قصة كوهين.

أحمد منصور: في ديسمبر/كانون الأول بداية يناير/كانون الثاني 65.

أحمد أبو صالح:.. أيه، فالمهم عقدوا المؤتمر، لأنه كان فيه فكرة إنه يحاسبوه لحافظ الأسد.

أحمد منصور: على؟

أحمد أبو صالح: على سفره للندن وعلاقته (بجورج طومسون) وزير الدولة لشؤون الأمن القومي في ذلك الحين. (حدثني زميل وصديق لي عملنا معاً في جريدة العرب اليوم الأردنية وهو الكاتب المعروف أسعد عزوني وهو من أصل فلسطيني نقلا عن شاهد عيان أن حافظ الأسد انتقل من لندن في تلك الزيارة إلى نيقوسيا في قبرص حيث التقى السيدة "جولدا مائير" رئيسة وزراء إسرائيل، وكان بصحبتها وزير الدفاع الإسرائيلي "موشي ديان" الذي كان على علاقة سابقة مع حافظ الأسد، وهو من عرّف جولدا مائير على حافظ الأسد وقال لها بالحرف الواحد: "هذا البطل هو من سيحمي حدود إسرائيل الشمالية")، و(أكد لي هذا الزميل أنه التقى بخالة حافظ الأسد وهي يهودية تقيم بالناصرة وكانت تزين غرفة الجلوس بصورة الرئيس حافظ الأسد، وعندما سألها كيف تضعين صورة هذا الذي يهدد بتدمير إسرائيل ويدعم المقاومة والإرهابيين لقتلكم؟ فضحكت وقالت له: هذا ابن اختي وهو من سيحمي إسرائيل).

أحمد منصور: دي اتكلم عنها باتريك سيل في كتابه..

أحمد أبو صالح: فعندما أثير الموضوع هدد حافظ الأسد بأنه هو مستعد يدمر مكان الاجتماع ويدمر دمشق، إذا بيستمروا بذلك، لأنه هو ما هو موضع اتهام وما بيسمح وإلى آخره، فقام بدر جمعة - الله يرحمه - صفعه لحافظ الأسد، قال له جاسوس وصوتك عالي بها المعنى، وهو رتبته كانت أعلى من رتبة بدر جمعه لكن قلت لك بدر جمعه كان يعني محسوب علينا وعضو في المكتب اللي نحنا شكلناه.

أحمد منصور: في صفحة 167 من كتابه "الأسد، الصراع على الشرق الأوسط" يقول باتريك سيل: أثناء الصراع ذهب الأسد إلى بريطانيا بدعوى المرض ومعه ناجي جميل أحد كبار ضباط سلاح الجو، والطبيب يوسف صايغ وآخر.. وآمر الشرطة العسكرية حسين ملحم وأقاموا في شقة في منطقة (كنجستون)، والذي عرف حتى الآن رسميا - كما قال باترك سيل- أن زيارة الأسد كانت زيارة رسمية لوزير الدولة للشؤون الخارجية جورج طومسون، وقال إن أوجاع الأسد ربما كانت من نوع المرض الدبلوماسي وهذه هي الزيارة اللي أثارت علامات استفهام.

أحمد أبو صالح: أعتقد لأنه حسين ملحم في الحقيقة ما.. لم يذهب مع حافظ الأسد، ذهب بعد حافظ الأسد، جاء إلى القيادة..

أحمد منصور: دي رواية باترك سيل.

أحمد أبو صالح: نعم، أيه.. جاء إلى القيادة واحتج على الموافقة على سفر حافظ الأسد للاستشفاء على حساب الحكومة وإنه هو مريض أكثر منه لابس هذا الحزام تبع (الديسك) وإلى آخره وما به.. قلنا له طيب روح، راح رجع قدم تقرير عن ها الواقعة هاي قصة طومسون..

أحمد منصور: طومسون.

أحمد أبو صالح: وإلى آخره، فطبعا يعني كل..

أحمد منصور: الأسد هددكم طبعا إذا..

أحمد أبو صالح: هدد بالمؤتمر هذا العسكري كمان إن هو مستعد يدك مكان الاجتماع ويدك دمشق على من فيها إذا بيستمروا باتهامه بأنه هو عميل أو له علاقات أو.. أو، إلى آخره، وعاد صفعه بدر جمعه وإجا أمين الحافظ وقام الأفندي وقال إنه عقلي مع جهة وعواطفي مع جهة أخرى، عواطفي مع الضباط الصغار اللي قاموا بثورة 8 آذار وعقلي مع الحزب، فهادولا طلبوا مني يعني أشارك بعمل ضد الحزب، وأنا رفضت ذلك، نحنا كنا متوقعين ناخد اللجنة العسكرية منه شايف، إنه بالانتخابات نأخذ حتى اللجنة العسكرية اللي عم تحكم من خلف ستار، لأنه انكشفت وهذا الوقت اللي الأفندي ها الحكي يعني لاحظنا بنجاح صار قريب من الصفر، فصار مثل بين الطرفين فنجحوا ناس للجنة العسكرية ناس يعني يعتبروهم حياديين أكثر منهم طرف..

أحمد منصور: أنا موضوع ريتا بيخليني أفتح ملف دور النساء عندكم وكيف كانوا بيلعبوا دور خطير في تسيير كثير من الأمور..

أحمد أبو صالح: طيب، أنا راح أفيدك يا سيدي بدر جمعه - رحمه الله - وعبد الغني برو، ومصطفى الأذن وآخرين وقت اللي صار عصيان حلب أيضا ضد 23 شباط وفشل، أنا اللي فتشت عن مكان كمخبأ لهؤلاء الناس قبل تسفيرهم إلى لبنان أو خارج سورية..

أحمد منصور: وأنت كنت في السلطة.

أحمد أبو صالح: لأ، أنا ما كنت في السلطة 23 شباط.

أحمد منصور: 23 شباط.

أحمد أبو صالح: المهم لمياء الجابري زوجة مصطفى طلاس عرضت إنهم يختبؤوا في قريتهم القريبة من عزاز، بعيدة عن حلب 30 كيلو متر، نحن وافقنا وأخذناهم فعلا لقرية حسن.. باظن اسمه حسن الجابري، هي اسمها لمياء طبعا معروفة واختبؤوا عندها، وكانت في كل يوم أو يومين تاخد لهم الفواكه والويسكي والعرق والأكل والكذا للقرية اللي هم مختبئين فيها، حتى قررنا إنه نطلعهم بره البلد، فعلا جبتهم أنا بسيارتي.. سيارتي تعطلت بالطريق تركناها رحنا على أقرب ناس بنعرف إنه جماعة يعني قاموا بكل واجب، والمهم بعدين سافروا إلى لبنان، وقت اللي نحنا بدأنا بقى نتآمر أيضا اتصلنا بمصطفى طلاس عن طريق شخص اسمه سامي الويسي من عزاز القريبة على قرية بيت الجابري الي كانوا هادول الشباب مختفين فيها، فراح على البيت وأخذ معه هدايا، باعتبار فيه علاقات عائلية بين بيت الويسي وبين بيت الجابري، فراح على البيت قبل ما يروح عند مصطفى على قيادة المنطقة وأخذ معه الهدايا ففتحت لهم الست لمياء البيت واستقبلته على الرحب والسعة ورجل بسيط هو، بس يعني قوي وحدوي ونشيط وملتزم معانا، يبدو أشار إليها بأنه نحنا ما نعمل، ما نترك بدنا نغير وأنا جاي أحكي مع أبو فراس حول الموضوع، راحت معه على المطبخ بالفاترينة اللي بيحطوا فيها الكاسات أو الصحون أو كذا، وشدت صورة أمين الحافظ جذبتها من خلف الفاترينا وقالت له شوف هاي صورة أمين الحافظ نحنا معكم، بمعنى إنه هي يعني محتفظة فيها حتى إذا انتصرنا نحنا بتعلقه.

أحمد منصور: مين الي روى لك الرواية دي؟

أحمد أبو صالح: هو سامي، بعدين راح قابله لمصطفى طلاس، ومصطفى طلاس قال له أن راح أدرس الموضوع، وكان أحد الذين وشوا بنا، وبمحاكمتي أنا قلت له، قال وقت اللي نكرت أنا.. وأنا بقفص الاتهام يعني صار بزاوية قال يا أخي ما أنت اللي بعثت لي سامي الويسي ونزار نابلسي ونبيل الشويري، أنت.. أنت، قلت له خلاص أنت ما عاد لك حق تنظر بالدعوى، ما عاد لك حق، يعني أنت الآن عم تقول إنه أنا بعثت لك هؤلاء الناس، وبالتالي أنت صرت طرف بالموضوع، مع العلم قد تكون هاي مؤامرة أخرى أنا ما لي علاقة فيها.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com