العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02 / 05 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط 

سوريا والمشروع الأمريكي للإصلاح في المنطقة؟

جان كورد – ألمانيا

أطلق السيد أحمد الحسن وزيرالإعلام السوري في ندوة يوم الاثنين الماضي في دمشق جملة من الشعارات البراقة التي تظهره وحكومته السورية مناضلين ضد المشروع الأمريكي للإصلاح في المنطقة.. وهذا في الحقيقة بعيد كل البعد عن الواقع الذي نراه، حيث أن الحكومة التي ينتمي إليها سيادة هذا الوزير جاءت لتخدم على التمام ما تمليه الإدارة الأمريكية على سوريا كدولة... ومن واجب الديموقراطيين السوريين فضح هذا التناقض الرهيب في الأقوال والأفعال، ليس كرهاً بالقائمين على الحكم في البلاد وإنما حباً بالشعب السوري  الذي أصبح ضحية سياسة "باطنية" بكل معنى الكلمة، وبخاصة فيما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية. طبعاً لا نريد هنا إنكار أن سوريا تبدو كجيبٍ معادٍ وسط بحرٍ من الدول المتحالفة مع أمريكا، ولكن السؤال الذي يشغل بال المراقب السياسي هو: كيف صمدت سوريا ولا تزال حتى الآن في وجه المشروع الأمريكي وهي أضعف من كل تلك الدول مادياً وعسكرياً وسياسياً؟ وما هو السر في ذلك؟ ما هي أسباب القوّة السورية التي تجعلها صامدة كالطود في وجه "المشروع الخارجي"؟ أهو ولاء الشعب المطلق للبعث، والولاء غير موجود؟ أم هي السياسة الواضحة في كل المجالات والتي تقنع الشعب بصحتها وهي غير واضحة حقاً؟ أم أن البعث تمكن من أن يدخل قلوب الناس بعدالته ونزاهته وحلاوته وبما أغدقه على هذا الشعب من ثراء وتقدّم وازدهار.. والبعث أثبت فشله على كافة الأصعدة ولم يحصد سوى حقد الشعب وكرهه؟

ولانحتاج لكثير من البحث والمناقشة لنعلم بأن كل عاقل يقبل بالمضامين المعلنة للمشروع الأمريكي للإصلاح في المنطقة – حتى ولو كان يشك في كل ما تفعله وتقوله الإدارة الأمريكية – فمن هو ضد تمتع البشر بحقوقهم الإنسانية وبالتقدم المعرفي وبالانفراج الاقتصادي وباختفاء مظاهرالإرهاب في المنطقة وبعودة الحكم لأصحابه عن طريق صناديق الانتخاب؟ ومن لايفرح عندما يعلن الأمريكيون بأنهم أخطأوا في الماضي بدعمهم الأنظمة الدكتاتورية؟ ولكن الموضوع ليس مثيراً بقدر ما هو مثير رد فعل الأنظمة المعنية بالأمر في المنطقة تجاه المشروع الأمريكي، الذي يعتبره بعضهم محاولة لفرض السيطرة التامة على شعوب المنطقة وخيراتها وسياساتها.. ورد الفعل السوري، من بين الأنظمة العربية الرافضة، وصل إلى حد العمل على تكوين ما يمكن تسميته بجبهة "رفض الإصلاح وتحدّي الشعب" على غرار جبهة الرفض والتصدّي العربية التي تشكلت في القرن الماضي ولم تأت بشيء للأمة المسحوقة.

فلماذا يعلن الإعلام السوري عن دعوته هذه للوقوف في وجه المشروع الأمريكي الأإصلاحي ؟ أهي فعلاً الرغبة السورية في طرح بديلٍ للمشروع الأمريكي في العالم العربي؟ مثلاً:

- قمع الحريات المدنية بالحفاظ على قانون الطوارىء إلى الأبد ليصبح ثقافة مدنية

- نسف فكرة الجمهورية المنتخبة مؤسساتها نهائياً

- مشاركة المواطن بالمناصفة في كل لقمة خبز جاف يتناولها

- دعم الإرهاب على كافة المستويات ليصبح فلسفة حياتية بدلاً عن "حوار الحضارات"

 مثل هذا البديل لن يطرحه النظام السوري عبر إعلامه ودبلوماسيته وحواره مع أمريكا والعالم، ولن يتمكن من الدعوة إليه علناً، إذاً فلماذا يقف النظام السوري ضد هذا المشروع الأمريكي بالذات؟ ألمجرد أن الأمريكان يعملون على "استعمار" المنطقة؟ وهل المنطقة خارج إطار هذا التواجد الأمريكي الكثيف والفعال حتى في زوايا القصورالخاصة لأصحاب القرار في المنطقة؟ أم أن الأمريكان يريدون الدخول إلى هذه المنطقة منذ احتلال بغداد العا الماضي فقط؟ وكيف هي علاقات النظام السوري شمالاً وجنوباً وفي كل العالم العربي مع تلك الأنظمة التي تقيم علاقات "ممتازة" مع أمريكا منذ احتلال النظام للعاصمة السورية دمشق بانقلاب عسكري عام 1963؟

إن الحيرة المرتسمة على وجه المراقب السياسي لسورية الأسد ستزول عندما يمعن النظر في تقارير منظمات حقوق الإنسان ولجنة العفو الدولية ويرى بأنها تتحدث عن أكثر من 15000 سجين ومعتقل بتهم سياسية وبدون محاكمات عادلة في سورية. بل إن عدد الأكراد المعتقلين منذ انتفاضتهم في 12/3/2004 يفوق 12000 إنسان حسب اعتراف أحد ضباط الاستخبارات السورية في حلب سرّاً منذ أيام قلائل لبعض المختصين باستدراج هؤلاء للحديث.. وسيزداد الأمر وضوحاً لدى أي تحقيق اقتصادي عن الصادر والوارد والكشوفات البنكية بهدف تسيير ماكينة الإصلاح الاقتصادي ، إذ حينها سيكتشف المرء أن جزءاً كبيراً من ميزانية هذه الدولة وايراداتها تذهب إلى منطقة معينة دون غيرها من البلاد وجزء آخر يصب في بعض البنوك الدولية تحت أسماء مشهورة ومنها مستعارة لمن يحكم هذه البلاد أو يتم التعويض له عن خدمته في الدولة كما حدث مؤخراً. ولن يكون هناك انفراج اقتصادي دون إزالة هذه العوائق الكبيرة في مجال الإصلاح.. كما أن نوراً قوياً سيسطع على الوجوه عندما يظهر للعالم أن النظام لا يري السوريين إلا ما يرى ولا يسمح لهم من الحريات إلا من خلال ما يتقطر من قطارته الحزبية الشحيحة العطاء..

فكيف لهذا النظام أن يكون مع مشروع يدعو إلى منح الإنسان حقوقه المشروعة وإلى الانفراج الاقتصادي والتحديث المعرفي، رغم كل الشكوك التي تحوم حول هذا المشروع؟ وهو يحارب الصفحات الانترنتية والأقلام الحرة ومشهور بكم الأفواه.. ولهذا فإن دعوة السيد الوزير السوري أحمد الحسن لها ما يبررها من مبررات ذاتية وموضوعية.. فالذي يعيش في سوريا ويصبح وزيراً في حكومة تمارس سياسة مزدوجة وتظهر على الناس بوجهين، يجب أن يساير الأقوياء في النظام، ومن هم هؤلاء؟ إنهم بلا شك المستفيدون من بقاء النظام كشجرة يابسة وسط حقل ربيعي  يانع.. فلو كانت سوريا حقاً ضد سياسة أمريكا في المنطقة لكان الوضع غيرالذي نراه والخريطة غير التي نراها، ولكن سوريا في ظل هذا النظام البعثي، مع الأسف، ليست ضد سياسة أمريكا وانما ضد أي مشروع كان لحقوق الإنسان ولانجاز إصلاح سياسي أواقتصادي حقيقي ولتحديث وازدهار شامل، حتى ولو جاء المشروع من الصين أو اليابان، وإلا لما كان هذا العمل المتواصل مع المخابرات الأمريكية على كافة المستويات في نفس الوقت مع الاستمرار في مواصلة سياسة القمع والتنكيل والترهيب والتعذيب ضد مختلف الشعب السوري...وهذا ما يدفع الشعب إلى التذمر والانتفاضة، وهذا ما حدث فعلاً في مدن الجزيرة السورية في 12/3/2004 وليس هناك أي تفسير آخر لتلك الأحداث الدامية..

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org