العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-03-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إلا نصرَه اللَّهُ في موطنٍ يحبُّ نصرتَه

د. محمود نديم نحاس

غمرني شعور بالفرحة وأنا أقرأ أمر خادم الحرمين الشريفين لتنظيم يوم للتضامن مع الأطفال السوريين يوم الثلاثاء المقبل على مستوى المملكة، لتغطية حاجة الأطفال السوريين، إكمالاً للحملة الوطنية لنصرة الأشقاء في سوريا، والمشاركة في هذا الواجب الإنساني، ورصد المأساة وإيضاحها، وإيجاد وسائل للتضامن المادي والعيني والمعنوي، واستخدام وسائل الاتصال الحديثة للتسهيل على المواطنين للتعبير عن مشاعرهم، ومشاركة أشقائهم في سوريا في هذه المأساة الإنسانية. وقد فتحت الحملة المجال لتقديم التبرعات النقدية عبر حساب مصرفي معلَن، والتبرعات العينية عبر مستودعات منتشرة في مدن المملكة، كما أتاحت خدمة التبرع عبر الرسائل النصية من خلال رقم موحد لجميع شركات الاتصال.

إن المحنة التي يمر بها الشعب السوري، والأطفال السوريون على وجه الخصوص، لن تطول بإذن الله، وقد قال الشاعر:

إن للظلمِ جولةً ثم يهوي بعدَها راعشَ اليدين قعيدا

وهؤلاء الأطفال هم رجال المستقبل، وسيردّون الجميل لمن أحسن إليهم، ففي الحديث الشريف (البِرُّ لا يَبْلى)، رغم أن الذين يقدّمون العون لا ينتظرون من البشر ثواباً، وإنما تتجه أنظارهم نحو رب العباد، لاسيما وهم يقرأون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرَّاحمون يرحَمُهم الرَّحمنُ. ارحَموا من في الأرضِ يرحمْكم من في السَّماءِ). وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قامت به العرب قبل الإسلام من نصرة للمظلوم، فقال عن حلف الفضول (لقد شَهِدتُ مع عمومَتي حِلفًا في دارِ عبدِ اللَّهِ بنِ جُدعانَ ما أُحبُّ أن لي بهِ حُمْرَ النَّعَمِ، ولَو دُعيتُ بهِ في الإسلامِ لأجَبتُ). وهي دعوة لنصرة المظلوم، تجلت بشكل أوضح في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (ما منَ امرئٍ مسلم يخذُلُ امرَأً مسلمًا في موضعٍ يُنتَهكُ فيهِ حرمتُه ويُنتَقصُ فيهِ من عرضِه إلا خذلَه اللَّهُ تعالى في موطِنٍ يحبُّ فيهِ نصرتَه. وما منَ امرئٍ مسلم ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقصُ من عرضِه ويُنتَهكُ فيهِ من حرمتِه إلا نصرَه اللَّهُ في موطنٍ يحبُّ نصرتَه).

وإن من أهم نتائج يوم التضامن مع الأطفال السوريين هو أن يعرف الأطفال في كل مكان حجم المأساة التي يتعرض لها أطفال سوريا. وقد ذكرتُ في مقال سابق أن قناة إخبارية ألمانية تقدِّم نشرة أخبار خاصة بالأطفال لتطلعهم على ما يجري حولهم، وأنها قدّمت برنامجاً خاصاً عن أطفال سوريا.

ولقد أبكاني صديق سوري منذ أيام، فقد قابلته ومعه كيس مليء بالنقود، وكلها من فئة الريال! ولو لم أكن أعرف أنه من أهل الكرم والشهامة لظننت أنه كان واقفاً على باب المسجد يجمعها! فسألته: ما هذا الذي معك؟ فأجاب: فاجأتني بناتي الأربع بأن أحضرن حصّالاتهن التي يدخرن فيها بعضاً مما يأخذون مني، وقلن: سنعطيك ما في الحصّالات لتتبرع به للأطفال السوريين الجرحى أو المشردين أو الجياع الذين نراهم على التلفاز. وها هي في الكيس، أكثر من ثمانمائة ريال، خرجتُ لدفعها لإحدى الجهات الإغاثية المعتمدة.

سألته: أَوَليس من المبكر أن تطلع بناتك الصغيرات على تلك المآسي؟ فقال: عندما كنت صغيراً كنتُ مغيَّباً عما يجري حولي، وكان ذلك بسبب والدي الذي كان يقدِّر أن معرفتي بالأمور قد تضرني بل وتضر الأسرة بأكملها، فقد كنا وقتها في سوريا، ولم يكن ممكناً أن تفتح فمك بكلمة! ولم أرَ من والدي إلا موقفاً واحداً صريحاً وشجاعاً! فقد كنت معه يوماً في السيارة، فلما رأى قوات الأمن تنزع الحجاب عن النساء في الشارع، أوقف سيارته ونزل يدافع عنهن، فأشبعته قوات الأمن ضرباً، فنزلتُ من السيارة لعلي أدفع عنه بعض الضربات، رغم صغر سني، فصرخ في وجهي وأمرني بالعودة إلى السيارة خوفاً علي منهم. فآليت على نفسي ألا أغيّب أولادي عما يجري حولهم، ولذا فأنا أطلع بناتي على مأساة الأطفال السوريين، كي يتفاعلن مع القضية ولا يعشن في أبراج عاجية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رسالة من لاجئ فلسطيني

هذه الرسالة وصلتني من أخي الحاج إدريس بوصفيطه،

نصائح ثمينة من لاجئ فلسطيني إلى لاجئ سوري يقول فيها: لا تجعل من خيمتك دار إقامة دائم بل اجعل عينيك ترنو إلى دارك التي وُلدتَ فيها وترعرعت بها وهُجرت من أجلها، فلا تقبل بخيمتك عوضاً عنها مهما زينوها وجملوها لك فإن في تزيينها وتجميلها الأفيون المخدر للكرامـة والقاتل للشـهامـة الذي يجعلك تتقاعس عن واجبك ونضالك لاستعادة حقك، وأن صبرك على العيش في هذه الخيمة يجب أن لا يتعدى صبر صياد نصب خيمته في فلاة يتعقب صيده ويتنقل بخيمته وراء ما يبغي من الصيد ثم يأتي الأوان ليرجع بصيده إلى دار إقامته وأهله وصحبه بأيامها الزاهية الجميلة يحكي قصص صيده ويستمع لحكايات إخوته الصيادين، فالكل وضع أدوات صيده نُصب عينيه وشمَّر ثيابه لبناء وتجميل وتزيين داره...

 

الأخ اللاجئ الفلسطيني يدعو أخيه اللاجئ السوري أن يستثمر أيامه في معسكرات الخيام ليتدرب على ما يلزمه لإعادة أرضه وليتعلم ما يحتاجه من الحقد الأبيض ليُضيفه سلاحاً فعَّالاً لنضاله وليُساهم في بناء الأُلفة والمحبة بين اللاجئين وليضع على مدخل كل خيمة شعاراً مكتوباً فيه "ما حَكَّ جلدك مثل ظفرك"، فلا تعتمد على إخوتك العرب فإن حالهم أسوء من حالك وقادتهم أخس من بشارك، وأني على يقين بأن انتصارك وعودتك إلى خيمة وطنك هو انتصار لكل شعوب أمتنا وهذه هي الحقيقة التي جمعت كل أعداءك من روس وأمريكان وفُرس وكل أتباع المجوس في العراق وكل الحُكام الخونة الذين يُرعبهم انتصارك، فإن الكل يُحاربونك تحت شعارهم الموحد "يا أعداء العروبـة والإسـلام اتحدوا"...

اعلم أن انتصارك هو انتصاراً لإخوتك في العراق على المجوس وعلى عبيد الاحتلال، وأن انتصارك هو انتصار لإخوتك في فلسطين على الصهاينة، وأن انتصارك هو انتصار لإخوتك في الخليج ضد تخلف وانبطاح الخونة لإرادة أعداء الأمة، وأن انتصارك سيُعيد الربيع لثورات طال خريفها ويُعدل إنحراف مسيرتها، فإن انتصارك نكبة لأعداء الأمة مما جعلهم يتكالبون على محاربتك بقلوب شتى متنافرة متباعدة متشاكسة فما مصيرهم إلا الخسارة...

علّم نفسك وأهلك بأن خيمتك خيمة صياد راجع بصيده الوافر لداره العزيزة، وأني على يقين بأنك ستُشارك جارك بصيدك كرماً منك وشكراً لناصرك الذي يسَّر لك العودة الكريمة...

عبدالواحد البصري

-----------

رسالة من لاجئ فلسطيني إلى لاجئ سوري

ستكون الخيمة مزعجة في الليلة الأولى... ثم في السنة الأولى...

بعد ذلك ستصير ودودة كواحد من العائلة... لكن حذار أن تقع في حبها كما فعلنا...

لا تبتهج إن رأيتهم يُقيمون مركزاً صحياً أو مدرسة إبتدائية... فهذا خبر غير سار أبداً...

وإياك أن تتورط بمطالبات غبية كبناء بيوت بسيطة بدل الخيام... ذلك معناه أنك بدأت تتعايش... وهنا مقتل اللاجئ... وهنا أيضاً مقبرته...

ولا تُدرب أولادك على الصبر... فالصبر حيلة العاجز... سيبيعك الناس لبعضهم...

تلك هي هواية السياسيين... وسيجيئك المتضامنون من كل البلاد... ستصير أنت شعارهم الإنتخابي... "ويتقربون بك إلى الله..." وستزداد همة الناس في تفقدك في رمضان وفي الأعياد والمناسبات الدينية... والبعض سيُصور أطفالك منهكين وجائعين... لتكون موضوعاً لصورة تفوز بجائزة دولية...

لا تلتقط الصور التذكارية مع سفراء النوايا الحسنة...

ولا تشكو لهم حرارة الطقس أو من الحصى في الخبز...

وحاذر من أن تُطالب بخيمة أفضل...

فليس ثمة خيمة أفضل من خيمة الوطن...

وأخيراً...

لا تُنادي يا عرب

فالإستغاثة بالأموات حرام...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريون وبس!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 26/2/2014

لا تحتمل المرحلة التي نمر بها أن يكون لنا أي هوية أخرى غير هويتنا السورية. ولا مبالغة في القول: إن من لا يكون سوريا لا يستطيع ولا يمكن أن يكون شيئا آخر: عربيا كان أم كرديا أم تركمانيا أم آشوريا أم كلدانيا أم شركسيا أم شيشانيا.. إلخ. يكون العربي عربيا بقدر ما يكون سوريا، أي وطنيا سوريا من دون أي إضافات، ويكون الكردي كرديا بقدر ما يكون سوريا، أي بقدر ما يضع مطالبه الخاصة المحقة في إطار سوري، ويراها في ضوء حقبة الحرية والديمقراطية التي ستلي حقبتنا الاستبدادية الراهنة، ويستحيل أن نجتازها بنجاح، إذا ما فقدنا سوريتنا كهوية عليا وجامعة أو عجزنا عن أن نكون سوريين بامتياز: محض سوريين يرون أنفسهم وأدوارهم في ضوء انتمائهم لسوريا كشكل وحيد لوطنيتهم، يعينهم دون سواه على خوض صراعهم الضاري من أجل حريتهم، ويربط النظام انتصاره فيه بتنكرهم لسوريتهم، ويحاول لهذا السبب اصطناع هويات جزئية يفرضها عليهم، إن استجابوا لها كان فيها هلاكهم وخراب وطنهم ودولتهم، خاصة إن نجح في تضخيمها وشحنها بأحكام مسبقة مفعمة بالتعصب، من شأنها أن تجعل منها أدوات حرب تقاتل غيرها، وتشتغل وكأنها ليست جزئية أو هامشية بل هويات أصلية، يستخدمها النظام كأسافين تمزق المجتمع وتثير فيه أنماطا من صراعات قاتلة، تنخرط فيها كتل هوجاء متناحرة ومتحاربة، تشتد ضراوة عنفها بمرور الوقت إلى أن تبطل الصراع الوحيد الذي يستحق أن يخاض ويضحى في سبيله: صراعنا كشعب من أجل الحرية والعدالة والمساواة والكرامة، الذي سيكون محكوما بفشل مؤكد، إذا لم يرتبط بانتمائنا الحصري إلى هوية سورية عليا هي اليوم شكل وطنيتنا العملي، وإطار جامع لهوياتنا يضمنا كشعب واحد، ويمنحنا القدرة على مواجهة نظام معاد لنا كمواطنات ومواطنين.

لا محل في أيامنا لأي مفاضلة بين كوننا سوريين وانتمائنا إلى خصوصيات وهويات فرعية، مهما كانت أصالتها وديناميتها. لا مجال لهذه المفاضلة اليوم، بسبب خصوصية وضعنا كشعب يقتل، وأهمية أن نتحد بالنسبة إلى نيل حريتنا، التي ستغني خصوصيات شعبنا بعد سقوط الاستبداد وستغتني بها، ضمن فضاء الحرية، الذي ستكون لحمته وسداه ومكونا رئيسا منه لن يقبل الانفكاك عنه. اليوم، تعبر سوريتنا عن نفسها في مشتركاتنا العامة، التي تتخطى أي انتماء جزئي أو فرعي أو سياسي وأية مصلحة خاصة أو ضيقة، وتفرض علينا تأسيس رؤانا وممارساتنا على أرضية حد أعظم من الانسجام والتكامل، ليس فقط من أجل ضمان نجاح ثورتنا، بل كذلك لأننا بحاجة إلى التفاعل المتبادل والجدي في إطار جامع ومعرف بوضوح، تملأه مصلحة وطنية ليس لها أي مداخل أخرى غير مدخل هويتنا الوطنية العليا: القادرة وحدها على التعبير عن مصالح وهويات جميع المكونات السورية، من دون أن تثير أي تناقض جدي بينها.

لن يستقيم مع الانتماء إلى سوريتنا الثائرة على الظلم والتمييز أن تمارس أطراف معارضة أي تمييز بين السوريين لأي سبب أو مسوغ، مهما كانت خلفياته السياسية والإثنية والثقافية. ويقيني أن فطرة السوريين الوطنية لن تقبل حيدانهم أو حيدان أي فريق منهم عن مشتركاتهم الوطنية، الحاضنة الآمنة التي صنعها التاريخ ونضالهم المشترك، لتمدهم بالحماية وبما يحتاجون إليه من وحدة وقوة في نضالهم ضد طغيان سلطوي وشخصي مفترس دأب طيلة نيف ونصف قرن على تمزيقهم وإثارة العداء والبغضاء بينهم، ووضعهم بعضهم في مواجهة بعضهم الآخر، وربط مصيره بنجاحه في شحن هوياتهم الدنيا والجزئية بقدر من التنافر والبغضاء يرفضون معه عيشهم المشترك، كمبدأ وكممارسة، وينخرطون في نزاعات إقصائية تتحول إلى صراعات عنيفة عند نشوب أول أزمة بينهم. ومن يراقب ما فعلته الأسدية منذ انفجار الثورة وحتى اليوم، سيضع يده على خيط أحمر يسم سياسات النظام، يتمثل في سعيه إلى إثارة نزاعات داخلية وتفجيرها بأقصى ما في الكراهية والعنف من قدرات تدميرية، لإدراكه أن انخراط أطراف متناقضة ومختلفة فيها يعني نهاية الثورة والقضاء - وإن لبعض الوقت - على فكرة الحرية وحلم الدولة الديمقراطية، وتمكينه من التقاط أنفاسه واستعاد سيطرته كاملة على البلاد والعباد.

ليس لدينا خيارات كثيرة، فإما أن نكون سوريين من اليوم وحتى انتصار الثورة، أو أن نضيع كل شيء ونعود إلى بيت طاعة الأسدية، التي ستقتلنا بالملايين بتهمة الإرهاب. أن نكون «سوريين وبس» يعني أن ننتصر ونصير أحرارا. أما أن نعطي اليوم الأولوية لكوننا عربا وكردا وتركمانا وآشوريين و... إلخ، فهذا معناه نجاح النظام في دق أسافينه بيننا وانتصاره هو علينا. ماذا نختار؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الجزية على المسيحيين في الرقة .. ليس مشروعنا وليس باسم الإسلام ولا المسلمين في سورية ولا بد لقولي هذا من حامل

زهير سالم*

27 / 2 / 2014

ما تزال التصرفات المريبة في سياق هذه الثورة الوطنية المباركة تتناثر حولنا تترى . وفي كل يوم تحمل لنا الأخبار أنباء عن تصرفات شاذة وغريبة ومستنكرة شرعا وعقلا وفقها وسياسية ، يقدم عليها أشخاص قاصرة عقولهم ، حصرة صدورهم ، قليلة علومهم ، خفيفة أحلامهم . هم للرعونة والطيش ، إن لم نقل للريبة والزيغ ، أقرب منهم إلى الهدى والرشاد والتوفيق والسداد . قد انتزعوا لأنفسهم كنى هي بريئة منهم ، ولبسوا ثياب زور ترهلت على أجسادهم ، وأعلنوا عن كيانات ، ولطخوا من تاريخ أمتنا وشريعتنا عناوين وقيما ومصطلحات يعلم الله أنهم الأبعد عنها والأجهل بها وبمواقعها وأحكامها ..

وقد تتابعت شهادات الثقات من العقلاء والعاملين والمجاهدين أن داء القوم ومقتلهم ، ليس قي قلة فقه ، وصغر عقل ، وضيق صدر كما كنا نظن ونقدر ؛ وإنما داؤهم الدوي ، ومقتلهم الخفي في اختراق لقوى الشر لمنظومتهم ، وسيطرتها على قرارهم ، وتوظيفهم في مشروع غايته تشويه صورة الإسلام عقيدته وشريعته ومنهجه ، والإزراء على مشروعه ، وقطع الطريق على دعاته وأهله بما يخدم مشروع المستبدين الفاسدين والقتلة المجرمين حول العالم بشكل عام وفي العراق والشام ولبنان واليمن والبحرين بشكل خاص . حتى أصبح ظهر المشروعات الإسلامية والوطنية بما يفعله هؤلاء ، وبما يقدمونه من معاذير ومسوغات للأعداء مكشوفا ، وموقفها ضعيفا ، وظهيرها قليلا ، وخاذلها معذورا ..

وقد كان الكثير من أهل الفقه والحكمة والدراية قد وازنو بين المصالح والمفاسد فرأوا في احتمال المفسدة الصغيرة ، كما قدروها من أمر هذه الفئة الباغية الزائغة ، أهون وأيسر ؛ حتى تعاظم الناسَ الخطبُ واتسع عليهم الخرقُ وعسر الرقعُ وبدا أنه لابد لكلمة الحق من قائل ، ولموقف الدفاع عنه من حامل ، فكان ما كان من اقتتال مخيف على أرض الشام مع ثلة البغي نسأل الله السلامة منها ، وأن يهدي إلى الحق من علم فيه صلاحا وهدى ورشادا من أفرادها ، وأن يستنقذهم من الاضطراب في طرق الغواية تحت الرايات العمية التي لا يعلم لها صاحب ، ولا يدرك على الحقيقة من يسوسها ويدبرها ويمكر عليها و بها ، وأن يعيذهم من شرور أنفسهم ومن عمياء أفعالهم ..

ولقد بلغ الاستكبار بأهل الزيغ من قادة هؤلاء أن جعلوا وراءهم ظهريا كل فتاوى العلماء الثقات المخلصين من تحريم القتل بالتفجيرات العشوائية المريبة التي تنال الناس المدنيين ( غير المحاربين ) ، وتسفك الدماء بغير ما جناية ولا سبب فمدوا أيديهم بالسوء إلى كل من حولهم فقتلوا وخطفوا واعتقلوا وعذبوا ودمروا واغتالوا وغدروا وخانوا ورفضوا وساطات الوسطاء والمصلحين وقرآننا يقول (( والصلح خير )) ويقول (( فأصلحوا بينهما )) ويقول (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )) . ثم امتدت أيديهم إلى أموال  الناس فنهبوها بمعاذير وأساليب أقرب إلى أساليب الذين يريدون العلو والفساد والأرض ، لم يرحموا طفلا ، ولا شيخا ضعيفا ، ولا التمسوا عذرا ولا اتقوا شبهة عَدوا على الكبير والصغير والصحيح والمريض والسليم والجريح . وهم في كل ما يصدر عنهم من بغي وإثم وفجور إنما يسيرون على خطى من يسيرهم ممن اخترقهم من قيادات جند الشيطان في سورية وفي العراق وفي  إيران

وآخر ما وصل اليوم من أخبارهم الشنيعة وتصرفاتهم المريبة ما أقدموا عليه - فيما نشرت بعض مواقعهم -  من استدعاء المواطنين المسيحيين في مدينة الرقة الواقعة تحت أيديهم وتخييرهم كما قالوا أو كما زينت لهم عقولهم الصغيرة وفقههم المريض بين : الإسلام أو الجزية أو السيف ..

وهذا كلام يقتضي منا أصحاب المشروع الإسلامي – إن صح وما زلت أقول إن صح لأنني لا أكاد أصدق – بيانا شافيا نعلن فيه أن هذا الذي يفعله هؤلاء إنما يفعلونه خدمة لبشار الأسد ، ونصرة لمشروعه ، وبمشورة عملائه المتغلغلين بينهم بل المسيرين لهم ..

وأن هذا الذي أقدموا عليه أو أعلنوا عنه ليس من المشروع الوطني الإسلامي في شيء . فالمشروع الوطني الإسلامي في سورية يقوم كما قدمته جماعة الإخوان المسلمين على قاعدة السواء الوطني حيث تتجسد عدالة الإسلام بالمساواة التامة في الحقوق والواجبات أساسه المواطنة التي هي حق يكتسبه المواطن منذ ساعة ولادته ، ليكون له ما للجميع وعليه ما عليهم ..

وكما أن هذا الذي أقدموا عليه ليس باسم حملة المشروع الإسلامي في سورية وعلى رأس هؤلاء كبرى الحركات الإسلامية فهو ليس باسم عامة المسلمين على اختلاف مذاهبهم فالسوريون جميعا مؤمنون بوحدتهم الوطنية مصممون على الدفاع عنها ، وعن بنائهم الوطني المتسق ومستقبلهم الوطني الواحد الذي يجمعهم ويوحدهم ويصونهم  ..

وأن هذا الذي أقدم عليه هؤلاء – إن صح – ليس باسم الإسلام ، فللإسلام في كل عصر علماؤه وحججه والناطقون عنه ، وقد مضى جمهور علماء الأمة منذ سنين طوال أن مصطلحات العيش المشترك وتعابيره وقواعده  قابلة للتغير والتطور بما يحقق مطلب الشريعة الأسمى ( قيام الناس بالقسط ) (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ))..

نحن في موطن لم يعد يجوز فيه السكوت ، ولا يحتمل فيه الصمت ، ولا يقبل من أصحابه التواري عن مواجهة الحقائق . مشروعنا الحضاري تقدمنا به لأبناء شعبنا مشروع صدق وبر وقسط ووفاء ..

وإذا كان بشار الأسد وعصابته الهمجية يظنون أنهم يحرجوننا بفعل هؤلاء أو يمتحوننا بإعلان البراءة منهم أو يستعدون علينا بما يرتكبون من حماقة وإثم فها نحن نعلن جهارا وعلى رؤوس الأشهاد : : اللهم إنا نبرأ إليك مما يخلط ويخبط هؤلاء ..

لندن : 27 / ربيع الآخر / 1435

27 / 2 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: جدلية تاريخية ورؤية تعاقبية

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 25/2/2014

المعالجة التي قدمتها المعارضة الثورية السورية منذ البدايات المتأخرة للمشهد، وعلى مدى ثلاث سنين، قد عقّدت المسألة، على الرغم من أن هذه الأخيرة (وهي تنحية بشار من السلطة)، كانت صحيحة وتجنّب البلد ما حوّله إلى حُطام، ربما لم يحدث مثيل له منذ عصور من الزمن. لقد كان ضرورياً التفكر في ما قد يجعل المسألة معقدة إلى درجة قصوى؟

جاءت الأحداث سريعة كالإعصار في شموله، ومقنعة في احتمال بقائها سلمية، وتأخرت القوى السياسية المجربة، لتتركها لأيادي شباب متوثب ومجموعات اجتماعية سحب منها العمل السياسي الفعلي على امتداد أربعين عاماً. وكان أفراد المعارضة تشكيلة من «أكاديميين ومتقاعدين سياسيين وغيرهم..». كان هذا هو الممكن.

وقد فاتحت بعضاً من المهتمين المتقاعدين بفكرة المنطلق للعمل، وكان الرأي أن يبدأ بالخطوات التالية: البدء بسحب السلاح من أي طرف كان، خصوصاً أن النظام هو الذي بدأ باستخدامه بعد أكثر من ستة أشهر. أما الخطوة الثانية، فيمكن أن تتمثل في إطلاق حرية السجناء من الأنماط الثلاثة التالية: السياسيين والناشطين في شكل حقوق الإنسان، وأخيراً سجناء الضمير. وفي سياق ذلك، تأتي الخطوة الثالثة، وهي التي تأتي في آخر المرحلة الانتقالية، فيمكن أن تكون التأسيس لمحكمة دولية- سورية تنجز المهمة الكبرى التالية: محاكمة مَن خطط لاستخدام السلاح، ومن أعطى الأمر باستخدامه، ومن اشترك فيما يتعلَّق بهذا كله وبما نتج عنه. وقد أشرت إلى ذلك في محاضرتي التي قدمتها في اللقاء الاستشاري الذي حدث في بدايات الأحداث، وحاورت فيه أصدقاء وزملاء وآخرين ممن كانوا خصوصاً ذوي خبرات سياسية وحزبية وذي توجهات معارضة وغيرها، فكان جواب هؤلاء واحداً في العموم الإجمالي ومختلفاً في التفاصيل.

كان جواب أولئك العام الإجمالي، هو التالي: أَتَريدُنا ننتظر طويلاً؟! فكان هكذا جواباً تعبيرياً متسرعاً عن الرؤية الساذجة للمعضلة السورية، إضافة إلى أن (الجواب) كان تعبيراً عن احتضار السياسة والحرية عن الشعب السوري على مدى أكثر من أربعين عاماً. وأخفق الأمر حتى الآن، إنها ثلاث سنين عجاف، رغم أنها تمثل تجربة مترعة بالعبر والنتائج. من أهم هذه النتائج، إمكانية الوصول إلى أن المنهجية التاريخية التعاقبية الميكانيكية تفرّط بجوهر التاريخية الجدلية المركبة باسم تعاقب مراحل ذي بعد واحد. من هنا، كان باسم تلك الجدلية أن تكون البداية في المعضلة التي نبحث فيها ماثلة في النهاية؟

والحق، إن الدفاع عن هذه الأطروحة يستند إلى ما أتينا عليه هنا، أي ذلك الذي نعبّر به، على الأقل، في النقاط النقدية الثلاث التالية: 1- في الحوار والمفاوضات التي تقوم بين طرفي المعادلة، المعارضة والنظام، تبرز أهمية الوصول إلى أفضل النتائج بأقل الزمن وأقصره.

2- وضوح مفاهيم المعضلة الكبرى الحاسمة يحول دون تشعيبها وربما كذلك الحيلولة دون إضافة جديد.

3- بلوغ أقصى الدقة والوضوح في النتائج، وذلك على نحو يحول دون المراوغة والمخادعة، أو استبدال مفهوم بمفهوم آخر.

تلك النقاط مفردة ومجملة تسمح بمواجهة ما لم يظهر في مرحلة أولى استفزاز أو سوء نية أو مشادة. ويمكن تعميق الوعي وضبطه بمساعدة لجنة أو أكثر لمراقبة المسار، كي لا تدخل في متاهة لغوية أخرى، فتحرف زيادة أو نقصاناً أو تجميلاً أو تقبيحاً. المنهج ودقته يحتاجان - خصوصاً في المحافل الدولية، وحيث يتصل الأمر بمسائل عظمى مثل تلك التي تتصل بمصائر التطور التاريخي لسوريا وللعالم العربي أجمع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معنى اليقظة السورية الراهنة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

السبت 22/2/2014

تحمل اليقظة العسكرية والسياسية السورية الراهنة معاني ومنطويات كثيرة، أهمها قاطبة انهيار أكذوبة عممها النظام حول وجود ثورة أصولية في سوريا تتستر بشعارات الحرية والديمقراطية كي تحقق أهدافها الإرهابية المضمرة، التي تغلفها بشعارات مقبولة محليا ودوليا، لتمررها على عالم غافل عن معانيها، ولولا أن نظام الأسد، الذي يرى ما لا يراه غيره، كشف خباياها وتصدى لها بالقوة، نيابة عن مجتمع دولي غبي وقليل الفهم، لانتصرت ولنشبت حرب إرهابية كونية ضد العالم المتحضر، انطلاقا من سوريا.

ليست هذه «الهمروجة» الأسدية بعيدة عن الموقف الذي اتخذته دول كثيرة من الصراع في سوريا، بعد دخول «داعش» إليها، وإعلان أميركا أن بعض المقاومة إرهابي وأصولي، وما ترتب عليهما من انعطاف جدي في الموقف الدولي من الحدث السوري، جعل بعض قادة الدول الغربية يصدقون أن المعركة السورية تدور بين نظام علماني وشعب أصولي أو يسيّره الأصوليون. في نظر هؤلاء، تحولت الثورة من صراع ضد نظام استبدادي أنتج الأصولية والإرهاب واستعان بهما في معاركه المحلية والعربية والإقليمية والدولية، إلى صراع بين نظام حديث وعلماني والأصولية الإرهابية لدى خصومه وأعدائه، وانقلبت الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها جيشه وشبيحته إلى أعمال بر وتقوى يقوم بها نيابة عن عالم تهدده أصولية لا تنصاع لغير العنف، الذي لم يجد النظام مفرا من استخدامه ضدها، فإن كان قد سقط أبرياء خلال مقاتلتها، يكون جزاؤهم عند ربهم الذي سينصفهم.

سقطت هذه النظرة برمتها في الواقع السوري، ومن الضروري العمل لإسقاطها لدى الرأي العام العالمي، الذي عاد خلال الأسبوع الماضي إلى الاهتمام بقضية سوريا بما هي قضية حرية، وشرع يقتنع أن ثورتها ليست صناعة إرهابية.

لن يتمكن العالم من التعامل مع المعارضة بعد الآن كما كان يتعامل معها قبل معركتها ضد «داعش»، ولن تنطلي عليه بعد اليوم الأكاذيب التي تتهمها بالأصولية والإرهاب. ولعل فيما قاله وزير خارجية فرنسا حول أخطاء التعامل السابقة معها المؤشر إلى احتمال حدوث تغير وشيك في النظر إليها والتعاطي معها، يمكن أن تسرعه وتعمقه جهود جدية تبذلها بصورة منظمة من الآن فصاعدا، تتيح لها جني عائد التضحيات التي يقدمها مقاتلوها، الذين لا يجوز أن تذهب بطولاتهم سدى.

ثمة وجه داخلي لكسر شوكة «داعش»، التنظيم الإرهابي الذي قتل من الجيش الحر والديمقراطيين والمجاهدين الإسلاميين في المناطق المحررة أضعاف ما قتله من قوات النظام وشبيحته (إن كان قد قتل أحدا منهم!). لا بد من الآن فصاعدا من رسم حدود دقيقة بين الثورة وتنظيماتها، وبين الفوضى ومثيريها من أعداء الحرية. ليس كل من يرفع السلاح بحجة القتال ضد النظام ثوريا أو نصيرا للثورة، وليس عدوا للاستبداد أو للتمييز بين المواطنين، أو نصيرا للعدالة والمساواة والحرية. كانت «داعش» تنظيما إرهابيا معاديا للشعب ولثورته، فلا مفر بعد اليوم من إقامة جبهة وطنية إسلامية/ ديمقراطية عريضة ترسم حدودا دقيقة وملزمة تفصل بين من يخدمون الثورة ومن يستغلونها لخدمة مآرب تتعارض مع أهدافها، على أن تحول دون تسلل أعداء الشعب إلى الصف الثوري بذريعة القتال ضد النظام. لا بد من استراتيجية وحدة وطنية بمعنى الكلمة، يشارك في تنفيذها الجميع، على أن يختار الشعب بعد سقوط النظام الحكم الذي يريده بكل حرية. كانت «داعش» اختراقا أسديا، فلا يجوز بعد التخلص منها السماح بحدوث اختراقات مماثلة، لأي سبب كان، ولا يجوز أن تكون فرقة أطراف المعارضة وخلافاتها بيئة تنمو فيها اختراقات تطعن الثورة في الظهر، على غرار ما كانت تفعله «داعش».

تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق، في لحظة مفصلية أتاحها لنا شهداء ومقاتلون أبطال سفكوا دماءهم بسخاء من أجل أن يقدموها لنا، فلا يحق لنا إضاعتها أو تفويت فرص الإفادة منها. هل فهمنا هذه الدروس؟ فلنبدأ إذن العمل!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لاتجعلوا الائتلاف الوطني لعنةً على سوريا وثورتها

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 23/2/2014

لاتجعلوا الائتلاف الوطني لعنةً على سوريا وثورتها"أهم شي.. أوعكُن تساووا مجلس أو ائتلاف وطني".

هذه واحدةٌ من النصائح الواردة على صفحةٍ أبدَعها السوريون بعنوان (وجه نصيحةً لثوار أوكرانيا).

معنى الرسالة ومغزاها واضحٌ بطبيعة الحال حتى لو كانت باللهجة العامية. والصفحةُ بمجملها تحملُ دلالات على إبداع أهل الثورة السورية، وعلى وعيٍ سياسي متصاعد، ممزوجٍ بروح الفكاهة والدعابة، يزيد من قناعة المرء بإصرار الشعب السوري على الحياة، وبقدرته على انتزاع الابتسامة من أنياب الألم والمعاناة.

لاتوجد لدى غالبية السوريين قناعةٌ بالائتلاف الوطني وأدائه، لكن هذا لايتضارب مع واقعية كثيرٍ منهم حين يتعلق الأمر بوجود الائتلاف ودوره، حتى الآن على الأقل.

غير أن هذه الواقعية لايجب أن تكون بمثابة مُخدﱢرٍ يعتقد الائتلاف أن السوريين سيستمرون في تعاطيه إلى ما لا نهاية. بل المفترضُ فيها أن تكون دافعاً لمزيدٍ من الشعور بالمسؤولية من قبل أعضائه جميعاً، بقيادته ومكوناته وشخصياته على جميع المستويات.

لاتوجد ملائكةٌ تمشي على الأرض في هذه الدنيا، فلاتخطىء في حسابٍ أو تحتاج لمراجعة موقف أو إعادة النظر في رؤيةٍ مُحددة أو سياسةٍ بعينها

من الطبيعي إذاً لأي جماعة أو فرد أو هيئةٍ أن تُخطىء أو يخطىء في الحسابات أو في السياسات أو في المواقف، أو في ذلك كله. وهذا يصدقُ على الائتلاف في زمننا الراهن كما لايصدق على جهةٍ أخرى مسؤولةٍ أمام شعبها وبلادها.

هذه حقائقُ تعرفها جميع الأطراف، ومن مصلحة السوريين جميعاً أن يبني عليها أصحابُ العلاقة داخل الائتلاف، وخارجه في أوساط الثورة والمعارضة، أساساً لنقلةٍ جديدة في عمل الائتلاف خلال المرحلة القادمة.

هذا ليس واجباً سياسياً وأخلاقياً فقط، وإنما هو أيضاً دليلُ نضجٍ سياسيٍ وثقافيٍ للسوريين، خاصةً لمن منهم تصدى لمواقع المسؤولية.

لامجال هنا لتجنب المراجعات المستمرة وللبحث عن الأخطاء وتصحيحها بأي شكل من الأشكال، ولامعنى للهروب من تأكيد معاني الشفافية والمحاسبة والمشاركة بأي داعٍ أو تحت أي شعار. لكن هذا لايعني أيضاً أن يغرق الائتلاف فيما هو أشبه بـ (حوار طرشان) حول ماجرى سابقاً إلى نهاية الدهر.

لاهروب من الماضي ودروسه للجميع إذاً. لكن الغرق في هذا الماضي إلى استشهادِ آخر سوري مرفوضٌ أيضاً.

اجتهدَ البعضُ في الائتلاف، وقرر حضور جنيف.

واجتهدَ البعضُ الآخر وقرر مقاطعة جنيف.

بنى الطرفان اجتهادهما، علنياً على الأقل، على نفس القاعدة: أن القرار المُتخذ كان خطوةً على طريقٍ طويل لمحاولة تحقيق أهداف الثورة.

لامجال هنا للخوض في النيات، فهذا ترفٌ لاتحتمله المرحلة الراهنة، ولايحتمله بالتأكيد المستقبل القادم. خاصةً في ظل المشهد الذي رآه الجميع خلال جولتي جنيف، وفي ظل الواقع الذي نتج عنهما. وهو واقعٌ يقول، بواقعيةٍ أيضاً، أن وفد الائتلاف لم يُقدِم على (التنازلات) التي كان يخشى فريقٌ منها. لكنه في نفس الوقت لم يُحقق تلك (الانتصارات) التي لايزال فريقٌ آخر يتحدث عنها.

ثمة حاجةٌ لدرجةٍ عاليةٍ جداً من الواقعية المسؤولة في هذا المقام. وهي تنبعُ من قراءةٍ دقيقةٍ لما حصلَ كما حصل، وليس كما توقع البعض حصوله أو تمنى البعضُ الآخر حصوله.

لامجال هنا لإصرار أعضاء الائتلاف على الحياة في الأوهام أو التفكير الرغائبي أو التفسيرات الخاصة للحدث. فهذا أيضاً نوعٌ آخر من الترف السياسي لايحتمله المقام.

نعلم أن هناك تعقيدات سياسية ونفسية وعملية أمام المطلوب من الائتلاف الآن، وهو ببساطةٍ ووضوح حدٌ أدنى من وِحدة الصف والتنسيق الشامل داخلياً أولاً، ثم مع كل أطراف الخارج من السوريين وغير السوريين. لكننا لانؤمن، في نفس الوقت أن هذه المهمة مستحيلة.

ومسؤولية القيادة في هذا المجال هي أكبر من مسؤولية الآخرين، تحديداً لأنها في موقع القيادة.

والوضع السوري لايحتمل على الإطلاق أن يدخل الائتلاف في نفق المناورات ومحاولات كسر العظم من قبل أي طرفٍ على طرفٍ آخر.

من هنا، قد يكون مطلوباً زيادة جرعة الرقابة الشعبية الخارجية على الائتلاف بأشكال مختلفة. ليس فقط من قبل الإعلاميين والمثقفين والساسة من خارج الائتلاف، وإنما أيضاً من السوريين جميعاً، لأنهم أصحاب الحق قبل غيرهم في طرح الأسئلة والحصول على الإجابات.

فالإنسان العادي هو أول من يتأثر بالسلبيات والآلام والكوارث التي تنجم عن الخطأ في الحسابات وفي السياسات. من هنا، يبقى هو صاحب الحق الأول في أن يكون له رأي في الموضوع، وفي أن تُفتح له مداخل وأبواب طرح ذلك الرأي عبر كل القنوات والمنابر الإعلامية والسياسية والثقافية. فالإنسان الذي لايُمنح ذلك الحق لن يشعر يوماً بالانتماء والولاء الحقيقيين مهما صرّح وتغنّى بعكسِ ذلك. لأنه سيدرك ببساطةٍ في أوقات الشدّة بأنه مدعوٌ ليدفع ثمن خطأٍ لم يكن سبباً فيه. وبأن وجوده في بلده إنما يُعتبر (تكملة عدد) وليس وجودَ مواطنةٍ حقيقية بكل ماتقتضيه من حقوقٍ وواجبات.

"السياسة أهم بكثير من أن تُترك للساسة وحدهم".

ليس من الواقعية الحديثُ اليومَ في جسمٍ سياسي جديد يمثل الثورة السورية. لكن المقولة السابقة المعروفة في عالم السياسة تفرض على كل من يهمه حاضر سوريا ومستقبلها الابتعادَ عن السلبية تجاه هذا (الأمر الواقع) الذي يُسمى الائتلاف الوطني، وتجنبَ الزهد في شؤونه، ولو كان ذلك بداعي الحياد من جهة، أو فقدان الأمل من جهةٍ أخرى.

ولن تعدمَ ثورةٌ أظهرت إبداعَ أهلها في كثيرٍ من المجالات القدرةَ على ابتكار إطارٍ لرقابةٍ شعبيةٍ عامة على الائتلاف تُصحح مساره، ليؤدي دوره المطلوب ولا يُصبح لعنةً عليها في نهاية المطاف

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

توطين اللاجئين السوريين!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 23/2/2014

استغربت فكرة طرحتها واحدة من الفضائيات العربية عن توطين اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري، واستغرابي لا يكمن في استهجان الفكرة وغرابتها، وإنما في جرأة طرحها، وتوقيتها، وكلها تفاصيل تستحق التوقف عندها رغم ما يحيط بالفكرة من ملابسات والتباسات.

وطرح فكرة توطين اللاجئين السوريين، تستمد أساسها مما آلت إليه حال السوريين بعد ثلاث سنوات من مسار الدم والدمار الذي مضى عليه النظام في تعامله مع ثورة السوريين من أجل الحرية والكرامة وسعيهم المعلن من أجل دولة ديمقراطية، توفر العدالة والمساواة لكل السوريين، وقد تمخض مسار الدم والدمار السوري عن هجرة أكثر من خمسة ملايين سوري إلى دول الجوار والأبعد منها، بل إن الرقم مرشح للزيادة في خلال العام الحالي ليصل رقم السوريين اللاجئين والمغادرين إلى نحو سبع ملايين نسمة أو أكثر بقليل حسب أكثر التقديرات شيوعا، مما يعني أن أعداد السوريين إلى زيادة في دول الجوار، مما يتطلب برامج لمساعدتهم واستيعابهم، وربما سيؤدي ذلك إلى توطين البعض منهم.

غير أن فكرة توطين السوريين في دول الجوار، تواجه مشكلات متعددة بعضها يتعلق بالسوريين والبعض الآخر يتعلق بالمحيط الإقليمي والدولي. وإذا كان هناك تأييد لفكرة توطين اللاجئين في دول الجوار من جانب النظام الذي يدفع إلى هجرة ملايين السوريين نحو الخارج ويسهل ذلك بصورة واضحة، فإن كثيرا من السوريين ولا سيما اللاجئين منهم يعارضون فكرة الهجرة والتوطين، ومعظم الذين غادروا أو لجأوا إلى دول الجوار، يتطلعون إلى وقف عمليات القتل والدمار في سوريا، ليعودوا إلى بيوتهم وأعمالهم وحياتهم العادية، خصوصا أن ظروف اللجوء وشروطه في كل بلدان الجوار تحت المستوى الإنساني وحياة السوريين فيها تواجه صعوبات لا حدود لها، والأهم من ذلك أن السوريين وقفوا ضد النظام وسياسات النظام، وأطلقوا ثورتهم ليس من أجل مغادرة بلادهم واللجوء والتوطين في بلدان أخرى، وإنما من أجل العيش بحرية وكرامة في بلدهم.

ووسط أسباب سياسية ومعيشية تدفع أغلب المهاجرين السوريين إلى رفض التوطين، فإن ثمة أسبابا متعددة في دول الجوار والعالم تمنع الذهاب إلى توطين السوريين في دول الجوار والأبعد منها، ولعل الأهم في هذا الجانب ممانعة دول الجوار لعملية التوطين لأسباب سياسية وأمنية ومعيشية واقتصادية، حيث أغلب دول الجوار تعاني من مشكلات جدية تمنعها من استيعاب وتوطين سكان جدد فيها خاصة من السوريين الوافدين إلى تلك البلدان، وأغلبهم من العرب المسلمين السنة المتمردين على نظامهم، وقد تم تدمير كثير من قدراتهم وإمكانياتهم في مواجهة ظروف العيش خارج بلدهم، ويعجزون بسببها عن توفير احتياجاتهم الأساسية من غذاء، وإيواء وصحة ودواء وتعليم وغير ذلك من احتياجات. ففي الأردن ثمة نقص في الموارد وفي فرص العمل وثمة نقص في احتياجات أساسية ومنها نقص مياه الشرب، ويعجز لبنان عن توطين السوريين فيه، منعا لاختلال الديموغرافيا الطائفية هناك، ويصبح السنة في لبنان القوة الأكبر مقارنة ببقية الطوائف اللبنانية وهذا سوف يزيد حضورهم ومكانتهم في النظام القائم على تقاسم طائفي، والأمر ذاته ينطبق على العراق رغم محدودية وجود اللاجئين السوريين في العراق وفي إقليم كردستان العراق، كما أن توطين أكثر من مليون ونصف مليون سوري في تركيا هو أمر غير وارد، إذ تمثل هذه الخطوة عبئا اقتصاديا وثقافيا واقتصاديا على الواقع التركي الساعي إلى إحداث نقلات جوهرية في واقع تركيا ومستقبلها.

إن ممانعة دول الجوار توطين اللاجئين السوريين، تمثل مواقف حقيقية، تستند إلى معطيات ووقائع، لكنها أيضا تستند إلى فكرة سياسية مؤداها، أنه لا يجوز مكافأة نظام الأسد على سياسته وممارساته الدموية بما في ذلك سياسة تهجير السوريين خارج بلادهم، وتحمل نتائج تلك السياسة، وكلاهما أمر ملحوظ في ممانعة الدول الأخرى توطين اللاجئين السوريين حيث وصلوا، بل إن تلك الممانعة سوف تستند في أحد أسبابها إلى عدم توفير المال اللازم لتغطية احتياجات اللاجئين، وقد أعدت الأمم المتحدة موازنة تقدر بخمسة مليارات دولار لتغطية احتياجات اللاجئين السوريين وهي أكبر موازنة في تاريخ المنظمة الدولية، والحاجة ستكون أكبر، إذ تم تبني موضوع توطين اللاجئين في ظل عجز دولي حقيقي عن توفير مبالغ أقل من ذلك بكثير من أجل الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

خلاصة القول في موضوع توطين اللاجئين السوريين في دول الجوار والأبعد منها، أن مثل هذه السياسة غير ممكنة لأسباب ومعطيات واقعية في المستويين الداخلي والخارجي رغم أن النظام يسعى لها من خلال تهجيره ملايين السوريين للخارج، لكن معارضة توطين اللاجئين السوريين، لم تمنع دولا وخصوصا في أوروبا والأميركتين من عمليات توطين لبعض السوريين وعائلاتهم في إطار معالجة قضايا إنسانية أغلبها كان نتيجة لناشطين في الحراك المدني أو في العمل العسكري وغيرهما من أنشطة مناهضة للنظام، لكن أغلب اللاجئين السوريين والمهجرين يتطلعون للعودة إلى بيوتهم وحياتهم بعد أن تتوقف دموية ودمار النظام ويعود السلام إلى سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هوامش وتعليقات حول مفاوضات جنيف؟

الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الجمعة 21/2/2014

يصر وفد نظام بشار أسد إلى جنيف على البدء بإيقاف الإرهاب قبل تشكيل هيئة انتقالية، كما يطلب الائتلاف، بحيث تحكم سورية، حتى تجري انتخابات برلمانية شفافة تفرز حكومة تضع دستورا لسورية. ويعجب المواطن السوري كيف أن وفد الائتلاف إلى جنيف، وفيهم ميشيل كيلو، وكأنما أكل القط ألسنة أعضائه ، فلا يرد على النظام بالقول: إن اتفاق جنيف1 يفرض في بنده الأول: ‘التزام وقف دائم للعنف المسلح بكل أشكاله’. فهل هناك إرهاب أكبر وعنف أشد من قصف الناس في حلب بالبراميل، فتتهدم الأبنية فوق رؤوس نساء وأطفال وشيوخ عجزة؟ أم على أفواه أعضاء وفد الائتلاف أقفالها؟

من جهة ثانية يحاصر النظام أحياء حمص كلها، ويفرض الجوع على من تبقى فيها من عجزة ونساء وأطفال، منتهكا ما جاء في اتفاق جنيف في بنده الثاني الذي يقول: إن ‘على الحكومة في جميع الظروف، أن تتيح لكل المنظمات الإنسانية الوصول إلى جميع المناطق المتأثرة بالقتال وإجلاء الجرحى ومغادرة جميع المدنيين الذين يودون ذلك’. وهذا موضوع آخر كان على وفد الائتلاف أن يلفت إليه بأن النظام ليس في وارده تطبيق ما جاء في جنيف1.

بهذا يستطيع وفد الائتلاف أن يفضح وفد النظام ويقيم الحجة عليه أمام العالم بأنه يضيع الوقت بعدم التزامه بتطبيق بنود جنيف1، حيث ان النظام هو من يشرعن للعنف والإرهاب باستمراره بقصف حلب وغيرها ببراميل الموت والدمار. وهو من يعمل على هلاك الشعب السوري جوعا ومرضا بحصاره داخل مدن سورية وبلداتها.

بعد هذا يمكن لوفد الائتلاف أن يقول للعالم: إن نظاما كهذا لا يمكن أن يكون مؤتمنا على شعب سورية، وان على المجتمع الدولي فرض الرحيل على هذا النظام تحت البند السابع، أو السماح للدول الشقيقة والصديقة بتسليح الشعب السوري كله، وليس فقط كتائب الجيش الحر المقاتلة.

عندها ينتقل وفد الائتلاف إلى البند الثالث في جنيف1 وهو، ‘إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية’، وإلا فلا معنى لهذه الهيئة في ظل القصف والحصار المفروض.

السوريون بأكثريتهم الساحقة، مقاتلين ومواطنين ومعارضة سياسية مغيبة عن المسرح، رفضوا ذهاب وفد الائتلاف إلى جنيف، لأن موسكو ما تزال تتمسك بهذا النظام القاتل. وهي اليوم تهدد باستخدام حق النقض ضد القرار المعروض حاليا على مجلس الأمن لفتح طرقات آمنة لإيصال كل ما يلزم للسوريين المحاصرين في المدن السورية. أما واشنطن فليست معنية أصلا بإزاحة النظام القاتل عن سدة الحكم بسبب معارضة إسرائيل. ورغم ما تقدم كان السوريون يتمنون لو يتحقق على يدي الوفد في جنيف ما ينتشلهم من هذا الجحيم المقيم.

وفد الائتلاف لا يتمتع بالأهلية التي تجعله يقف على قدم المساواة مع وفد نظامٍ مراوغ، بله أن يتفوق عليه. فمعظم أعضاء وفد الائتلاف هواة في ميدان السياسة. حتى إن رئيس الائتلاف عاصي الجربا تساءل بسذاجة: ‘لماذا لا يأتي فاروق الشرع ويكون على رأس الوفد، وهو له مصداقية لدينا والباقي ليس لديهم مصداقية؟ إذا كان رئيس وفد الائتلاف بهذه السذاجة، فكيف يكون باقي الوفد؟

وكأن النظام حريص على أن يرسل إلى جنيف من له مصداقية؟ وقد رأينا عينة من وفد النظام لا تتمتع بأي مصداقية مثل وليد المعلم وعمران الزعبي وبثينة شعبان. فإذا رأت الأمم المتحدة أن تختار فاروق الشرع ليرأس هيئة الحكم الانتقالية، فقد أفشل الجربا ذلك بسذاجته المطبقة.

كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا بعد فشل مؤتمر جنيف؟

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 21/2/2014

كنت قد تفاءلت قليلاً بأن يحقق الحوار بين وفدي النظام والمعارضة السورية شيئاً من التقدم نحو حل سياسي، ولكن الجولة الثانية من المفاوضات أوحت بأن الحل السياسي بعيد، وأن رعاة المؤتمر (روسيا والولايات المتحدة) أنفسهم غير متفقين على رؤية واضحة لما ينبغي أن ينجم عن المفاوضات، ومن الواضح أن بنود مؤتمر جنيف-1 فتحت أبواب الفشل حين جعلت ترتيب بنود الحل تبدأ من حيث يجب أن تنتهي، وحين لم تضع رؤية محددة للمرحلة الانتقالية وتركت الباب موارباً لأي احتمال ممكن.

وكلا الوفدين مضى إلى جنيف غير مطمئن إلى أن المفاوضات مجدية، ولكنهما رضخا للضغوط الدولية. أما وفد النظام فقد وجدها فرصة لمخاطبة العالم بأنه يحارب الإرهاب، بعد أن أغرق الثورة بالإرهاب وتمكن من تأكيد وجود عصابات مسلحة تم إيجادها لتقدم الدليل على أن ما يحدث في سوريا ليس ثورة شعبية وإنما هو مؤامرة دولية لإغراق سوريا بالإرهاب كي يتوقف مشروعها الممانع المقاوم، وكأن الجيش السوري كان في طريقه إلى تحرير الجولان والقدس فسارع المتآمرون لإيقاف زحفه.

وأما وفد المعارضة فقد مضى إلى جنيف كيلا يقول المجتمع الدولي إن المعارضة لا تريد حلاً سياسياً، ونجح وفد المعارضة في تشخيص القضية السورية وفي كونها ثورة شعبية تريد كرامة وحرية، وإيقافاً لآلة القتل والإرهاب المنظم الذي دمر مدن سوريا وأريافها، وجعل أكثر من نصف الشعب السوري يتشرد ويهاجر بحثاً عن الأمان، هذا فضلاً عن مئات الآلاف من الشهداء والقتلى والمفقودين والمعتقلين والذين يموتون جوعاً بسبب الحصار. وقد بدت مشكلة الحصار والتجويع ضاغطة مما جعل المؤتمر يصرف وقته في موضوع فك الحصار عن حمص القديمة، وبات المطلوب من النظام أن يسمح بدخول شيء من الطعام لمن يترقبون الموت، ولم يفلح الإبراهيمي في تحقيق تفاهم حول الموضوع الرئيس.

وكان واضحاً أن وفد النظام ليس وفد اتخاذ قرارات تاريخية حاسمة، فليس بين الموفدين أحد يمتلك موافقة أو رفضاً لأي اقتراح أو موضوع دون العودة إلى صاحب القرار، وتشكيلة الوفد توضح أنه وفد مفاوضات شكلية. ونحن نعلم أن النظام حين يكون جاداً ويريد حلولاً حاسمة يكون أعضاء الوفد عسكريين يمثلون مواقع القوة في النظام، كما كان يحدث في المفاوضات مع الأتراك بعد قضية أوجلان (مثلاً) يوم هددت تركيا بعمل عسكري ضد سوريا، ويومها هرع الضباط الذين يمثلون الدائرة الضيقة في الحكم لإجراء مفاوضات سرعان ما أنهت المشكلة.

وقد تمكن وفد المعارضة من القفز فوق المشكلات التي اعترضته قبيل تشكيل وفده، فقد واجه الائتلاف مشكلة انسحاب عدد كبير من أعضائه قبل المؤتمر. وكذلك لم يتمكن من تشكيل وفد يمثل كل أطياف المعارضة وبخاصة هيئة التنسيق التي تشكل حضوراً في الداخل، ولكنه تجاوز كل ذلك بتمسكه بثوابت الشعب السوري. وكان غياب إيران عن المؤتمر موحياً بأنه لن ينجح في الوصول إلى حل، فهي صاحبة قرار فيما يتعلق بمستقبل النظام السوري وهي تخوض إلى جانبه حرباً ضروساً ضد الثورة السورية.

وأما داعمو المعارضة والثورة فهم مشتتون في الرأي، بعضهم يضمر غير ما يعلن، وبعضهم بات يخاف انتصار الثورة السورية ويقلق من احتمال غلبة التوجهات الإسلامية المتطرفة، وبعضهم يخاف حتى من التوجهات المعتدلة التي لا يضمن تحالفاتها المستقبلية.

وقد كان طبيعياً أن يخفق مؤتمر جنيف وسط هذه الخريطة السياسية المعقدة والمتشابكة، والتي تبدأ مساراتها الضيقة من تسامح المجتمع الدولي مع كل الجرائم التي تحدث في سوريا، وكأن مقتل مئات الآلاف وتشريد عشرة ملايين سوري لا يتطلبان أكثر من تصريح يخفف من وخز الضمير الإنساني إذا كانت فيه بقية من حياة.

وإذا كان الموقف الروسي مفهوماً بعد إعلانه عداء رسمياً للأغلبية في الشعب السوري (بحسب تصريحات رسمية تعلن عدم سماح روسيا لأهل السنة بأن يكون لهم حضور في الحكم مستقبلاً في سوريا) ويواكب هذه الصراحة الواضحة موقف إيران، فإن من غير المفهوم موقف الولايات المتحدة ودول أصدقاء سوريا الذين صار همهم أن يحصلوا على قرارات تعالج الوضع الإنساني وتفك الحصار في مجلس الأمن، والعجيب أنهم لم يقدروا على ذلك بسبب "الفيتو" الروسي المرعب!

ويبدو توقف المفاوضات مخيفاً في تصور محتمل للمرحلة القادمة، فالسوريون الذين فقدوا أملهم في الوصول إلى حل سياسي باتوا يخشون أن تكون القوى الدولية تنتظر مزيداً من القتلى ومزيداً من الدمار لإيصالهم إلى حالة من الفظاعة وفقدان القدرة على التحمل يقبلون معها بأي حل يطرح عليهم، ويخشون أن يكون الحل الذي يتم التمهيد له عبر تصاعد العنف هو التقسيم، ولئن بدا الجميع اليوم يرفضون فكرة التقسيم فإن إغراق السوريين بمزيد من الجحيم الذي يعيشون فيه سيجعل بعضهم يجد في التقسيم خلاصاً بوصفه أهون الضررين، وهذا ما نعرفه من التاريخ وحسبنا درس القضية الفلسطينية التي بدأت بإصرار العرب على رفض التقسيم عام 48 وتحولهم بعد المعاناة المريرة إلى حلم بقيام دولة فلسطينية مع اعتراف بحدود 4 حزيران 67، كما أن تجربة البوسنة درس واضح آخر أمام العرب جميعاً.

وبعض السوريين يخشون أن تكون الولايات المتحدة وإيران قد توافقتا على أن يكون التقسيم هو الحل، فهو يضمن لإسرائيل خروج سوريا من معادلات الصراع مع إسرائيل لعقود طويلة، وإلهاء الشعب السوري بصراعاته الداخلية التي لن تنتهي، كما يضمن لإيران إنهاء مشكلاتها مع الغرب، وضمان امتداد نفوذها لعقود أيضاً في الساحل السوري حتى محاذاة إسرائيل. وسيكون سهلاً عقد تحالف مع إسرائيل لأنه لا توجد بينها وبين إيران وحلفائها مشكلات تاريخية!

ولئن طرح التقسيم بوصفه حلاً وحيداً، فإن سوريا لن تهدأ من الحروب الداخلية، وستكون حروب إبادة للأغلبية السكانية التي ستشعر بالظلم التاريخي وهي التي تعالت فوق الطائفية وتفاعلت مع كل الطوائف والإثنيات بروح المواطنة وقبلت لعقود بأن تكون مهمشة كيلا تثير فتنة، وكان همها إصلاح النظام السياسي، وهكذا بدأت تظاهراتها لشهور، ولو أنها لقيت أدنى استجابة لفضلت البقاء مع نظام قابل لتغيير نهجه الأمني، ولكن إصرار النظام على الحل العسكري قاد البلاد إلى الدمار، وليت النظام التقط مناسبة التفاوض في جنيف ليجنب سوريا (الوطن) مصيراً أشد قسوة وضراوة من كل ما حدث على فظاعته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن ذكرى الوحدة المصرية - السورية و "الربيع العربي"

أكرم البني

الحياة

الجمعة 21/2/2014

ما كان لذكرى إعلان الوحدة المصرية - السورية في 22 شباط (فبراير) أن تضع الفكر القومي في ساحة النقد، لولا توظيفها من بعض المثقفين لشن هجوم واسع على "الربيع العربي" بصفته فاتحة لهزيمة المشروع القومي الذي هيمن على الحياة السياسية العربية طيلة عقود، مرة طعناً بوجهه الإسلامي وأحياناً الليبرالي ولدوره في إيصال تيارات سياسية إلى سدة السلطة تكنّ عداءً مستحكماً لفكرة العروبة، ومرة لأنه نقل الصراع من جبهته المركزية، كصراع بين الشعوب والقوى الامبريالية والصهيونية، إلى صراع داخلي من أجل الحريات والديموقراطية، الأمر الذي أفضى، في رأيهم، إلى تفكيك الوحدة الوطنية للمجتمعات العربية وحفز روح التمايز والاختلاف ومطالب الأقليات الدينية والقومية، وفتح الباب لإضعاف العرب وتمكين أعدائهم من السيطرة على مقدراتهم ومصائرهم.

صحيح أن الثورات العربية تواترت كأنها حلقات في سلسلة واحدة، وبدا الترابط بين هموم الشعوب العربية وشعاراتها كما لو أن معركتها من أجل نيل حريتها وكرامتها معركة واحدة، ولكن الصحيح أيضاً أن الهم القومي لم يكن حاضراً كعنوان للثورات العربية وغابت عن الحشود الجماهيرية شعارات الوحدة ومقاومة الاستعمار والصهيونية وتحرير فلسطين والأراضي المحتلة، وحيث بدت القوى التي يشكل الهم القومي مركز اهتمامها هي الأضعف حضوراً وتأثيراً في الحراك الشعبي، أمام تقدم القوى الاسلامية والديموقراطية والليبرالية.

ويبدو أن انحسار تعاطف الشعوب العربية مع قضاياها العامة وتراجع إيمانها بدور الفكر القومي كحافز نضالي ونهضوي، يعودان الى أنها لمست لمس اليد ما آلت إليه أوضاعها والنتائج السلبية المثيرة للقلق التي حصدتها سنوات طويلة من تغليب النضال القومي على ما عداه، وكيف استخدمت الأنظمة العربية العقيدة القومية وشعاراتها لتسويغ الاستبداد وتعزيز سلطانها واستئثارها بالامتيازات، والأهم نتيجة عجز الفكر القومي عن تقديم إجابات شافية عن العلاقة المفترض أن تحكمه مع حقوق الانسان والديموقراطية وبناء الدولة المدنية، وتالياً عجزه عن التحرر من الأوهام التي استمد منها مشروعيته، وأهمها التشويهات البنيوية في ادعاءات التميز والتفوق القومي وما يعنيه ذلك من سيطرة اللاعقلانية والحلم والعواطف على التحليل الموضوعي وإمكانات الواقع الملموس.

ولكن، حين يعيد "الربيع العربي" الناس إلى السياسة ويمهّد لقيام أنظمة عربية منتخبة ديموقراطياً، لا بد من أن ينعكس ذلك بتضافر من طراز جديد بين الشعوب العربية، معطياً معنى جديداً لنضالها القومي، بخاصة إذا اقترن بمراجعة نقدية تحرره من جملة التباسات أحاطت به، ومن أخطاء واندفاعات بالغة الخطورة ارتُكبت باسمه، وأساساً لتحريره من نزعة إيديولوجية حوّلته إلى عصبية شوفينية لا إنسانية، دأبت على نكران التنوع والتعددية الثقافية في المجتمعات العربية ورفضت الاعتراف بخصوصية الأقليات القومية واحترام حقوقها، ودأبت أيضاً على مقايضة القضايا القومية بالديموقراطية، بينما هذه الأخيرة هي الضمانة الرئيسة لفتح أوسع الآفاق أمام الفكر القومي وقضية الوحدة العربية، ليس فقط لاتصال مسألة الحريات العامة والخاصة بتشابه معاناة الإنسان العربي، وليس لأن الديموقراطية بما توفره من مشاركة شعبية واحترام لكرامة البشر هي الصيغة الأسلم للعلاقة بين السلطة والشعب، وإنما أيضاً لأن الديموقراطية تفسح في المجال لإرادة الغالبية كي تقول كلمتها بحرية وتُظهر ما يعتمل في صدرها من أحاسيس قومية ومواقف وحدوية ورغبة في التحرر من التجزئة والاستعمار والصهيونية، مثلما تشكل صيانة للوحدة الوطنية المهددة داخل عدد من البلدان العربية من خلال جرأتها على إنتاج الأشكال الدستورية التي تؤكد احترام خصوصية مختلف مكونات المجتمع وحقوقها، ولنا في التقسيمات الفيدرالية التي أعلنتها القيادة اليمنية أخيراً خير مثال.

والحال، فإن تبني الفكر القومي مواقف جديدة تواكب الثورات العربية وما يحصل من متغيرات وإغناء شعاراته بقيم الحرية وحقوق الإنسان، يشجع على التفاؤل بقدرة هذا الفكر على تجاوز أزمة انحطاط وموات نحو إرهاصات أزمة نمو تضعه أمام لحظة انطلاق جديدة تعيد إلى الواجهة دوره النهضوي وأفكاره الوحدوية والتحررية والتنموية.

واستدراكاً، إذا كان من العدل والإنصاف الإقرار بأن أزمة التيار القومي سابقة على هبوب رياح التغيير، وتالياً تفهم تنامي هواجس ومخاوف بعض المثقفين القوميين بأن المستهدف من رياح التغيير ليس الأنظمة الاستبدادية بل الفكرة القومية في حد ذاتها، تأثراً بامتداد الثورات العربية بصورة رئيسة إلى الدول والأنظمة التي اتخذت من شعارات القومية العربية نهجاً ومساراً، في مصر وسورية وليبيا واليمن، فليس عدلاً ولا إنصافاً أن يسوغ هؤلاء المثقفون لهذه الأنظمة، بحجة الموقف القومي، ممارسة أشد أنواع الفتك والتنكيل ضد قوى التغيير وشعب يطالب بحقوقه.

في الماضي، أُهملت الديموقراطية واتجه الفعل السياسي العربي بصورة رئيسة نحو القضايا القومية، وبالأخص القضية الفلسطينية وبناء الوحدة العربية، الى ان بددت التجارب المرّة هذه الصورة وكشفت زيف الشعارات القومية، وأكدت أن تغييب حقوق الناس وفرض الوصاية عليهم أديا إلى تردي أوضاعنا، ليعلن "الربيع العربي" بالفعل تراجع الفكر والشعور القومي كموجّه للسلوك السياسي مقابل نهوض مشروع الانتقال الى الديموقراطية بصفته خياراً لا غنى عنه لمواجهة أمراضنا وأزماتنا وتدشين مرحلة حقيقية تمكن البشر من تقرير مصيرهم.

بين 22 شباط (فبراير) و "الربيع العربي" ستبقى القضايا القومية وطموح الشعوب بالوحدة مجرد حلم جميل، إذا لم يترافق بنضال مستميت ضد الاستبداد كفكر وممارسة سياسية، ليس فقط الاستبداد الذي يتم تبريره باسم الدين وإنما أيضاً باسم القومية، وأيضاً إذا لم يقترن بالعمل على تحرير الانسان وترسيخ الديموقراطية وبناء الدولة المدنية الحديثة، والأهم إذا لم ترفع الوصاية عن الشعوب ويفتح الباب أمامها لترسم مستقبلها بنفسها، فما يُبنى على القمع والإكراه لا يبقى، وما يدوم هو التعايش والمشاركة بالقناعة والرضا وباحترام حقوق مواطنين متساوين من دون تفرقة أو تمييز.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إبعاد "سليم إدريس": هل هو انقلاب عسكري .. أم لعبة أمريكية جديدة؟

25.02.2014

الطاهر إبراهيم

لا أتكلم هنا من موقعي كمحلل سوري للأحداث فحسب، فأنا مطلع على كثير من الأمور منذ الانشقاق عن جيش بشار الذي أعلنه العقيد "رياض الأسعد" وأسس بعد ذلك الجيش الحر. كما أسس زميله المقدم "حسين هرموش"لواء الضباط الأحرار،قبل أن تختطفه مخابرات بشار من تركيا التي لجأ إليها، حيث اختفى أواخر آب عام 2011. واتخذ العقيد رياض الأسعد في مدينة أنطاكيا مكتبا للجيش الحر،يستقبل منه المنشقين والزوار المدنيين. وكانت انطلاقة الجيش الحر أواخر تموز 2011. وصار له مؤيدون كثر داخل سورية وخارجها.

كان على "رياض الأسعد" أن يعرف أن تحرير سورية لا يتم إلا من داخل سورية، وهذا ما لم يدركه هو ومجموعة العقداء الذين كانوا حوله. هذا الكلام قلته له قبل سنتين في مكتبه، بوجود الأستاذ "رياض شقفة" المراقب العام للإخوان السوريين. مع هذا لا نبالغ إذا قلنا إن الانشقاق الذي بدأه الأسعد وهرموش كان روحا طيبة سرت في سورية مع انطلاقة الجيش الحر.

من هنا كانت البداية. وتتالت الانشقاقات من مجندين وضباط صغار وكبار. وقليل منهم حاول أن يبدأ من الصفر ويشكل مجموعات قتالية. إلا أن شبابا مدنيين إسلاميين بدأوا بتشكيل كتائب قتالية. لم يكن يملكون ابتداء إلا بواريد كلاشنكوف هاجموا بها حواجز أقامها جيش بشار لقهر المتظاهرين السلميين. كانت المغارة (قرية كاتب هذه السطور) في جبل الزاوية هي أول قرية يتم تحريرها أوائل عام 2012. ثم انطلقت الكتائب تحرر بلدات وقرى في حلب وإدلب.

شعرت واشنطن بخطورة هذه التشكيلات، فسعت إلى احتوائها. أوفدت ضباطا من ال (cia) قبل عام من الآن إلى عمان حيث تجمع 60 من قادة الفصائل المقاتلة في الأردن. حضر اللقاء ضباط مخابرات عرب. أعقب ذلك اجتماع ضباط منشقين في أنيطاليا، كان أكثرهم لا ينتمي للفصائل المقاتلة. وقد تم اختيار العميد -لواء لاحقا- "سليم إدريس" رئيسا لأركان الجيش الحر بمعزل عن العقداء في قيادة الجيش الحر برئاسة رياض الأسعد الموجود في أنطاكيا، وبمعزل عن الائتلاف السوري حديث التشكيل. كما لم يشارك قادة الفصائل المقاتلة بهذا الاختيار.

عقب هذا التشكيل وضعت جبهة النصرة على قائمة الإرهاب. وبرغم دورها في اختيار سليم إدريس، فقد أعلن رفضه لوضع واشنطن "النصرة" على قائمة الإرهاب. ونفس الشيء فعله "معاذ الخطيب" رئيس الائتلاف السوري. لانقول إن واشنطن سكتت على مضض، فالخطيب كان قد استقال، وبقي الائتلاف أشهرا دون أن ينتخب رئيسا بديلا. أما سليم إدريس فقد بقي في منصبه لا يملك من الأمر شيئا. أجاب في حينه على سؤال عن السلاح المعروض عليه، فقال: لم يعرض علينا أحد أي سلاح. لكن ذنوبه كانت تسجل عليه في ملف خاص.

رغم أنها رعت المجلس الوطني منذ تشكيله في أكتوبر عام 2011، فقد سعت واشنطن لإنشاء الائتلاف السوري ليكون الواجهة للمعارضة السورية. لا أحد يعرف سببا لتخليها عن المجلس الوطني، إلا ما كان يقال زورا وبهتانا، أن الإسلاميين يسيطرون عليه. سعت واشنطن لتوسعة الائتلاف، فجرى ذلك بحزيران 2013 وتم ضم23 عضوا من المنبر الديمقراطي منهم ميشيل كيلو وأحمد الجربا ليكون واجهة يفاوض النظام في جنيف. ولا يهم واشنطن إن كان الائتلاف منبثقا عن المعارضة أم لا ، بل المهم أن تجري المفاوضات. كان معروفا للقاصي والداني أن هذه المفاوضات لن تتقدم خطوة واحدة لأن نظام بشار لا يوافق عليها ابتداء.

إنصافا للواء سليم إدريس، ورغم أنه تم اختياره برضاء واشنطن، إلا أنه ككل العسكريين غير المبرمجين من قبلها، كان يرفض مفاوضات جنيف لأنها لا أفق لها. واشنطن من جهتها تركت سليم إدريس معلقا، فلم تقدم له السلاح النوعي ليسقط به الطائرات التي تقذف البراميل من علو شاهق فتقتل وتدمر، ثم سعت واشنطن لتستبدل به آخر يسمع الكلام ولا يتكلم.

وكما تجمعت جماعة من الضباط المنشقين في أنيطاليا في تركيا لتشكيل هيئة الأركان واختيار سليم إدريس رئيسا لها، فقد تمّ ترتيب لقاء مع نفر من هذه الجماعة لإقالة اللواء إدريس واختير العميد عبد الإله البشير - رئيس المجلس العسكري في القنيطرة سابقا- رئيسا جديدا لهيئة الأركان، لا لأن هذا أكثر كفاءة من ذاك، بل لكي يكون قائدا عسكريا فحسب يمشي مع رئيس الائتلاف أحمد الجربا بالتسوية إلى آخر المشوار.

في التفاصيل: الجبهة الإسلامية المشكلة منذ ثلاثة شهور مكونة من عدة فصائل مقاتلة أبرزها: أحرار الشام وصقور الشام ولواء التوحيد ولواء الإسلام وفصائل أخرى أصغر،وهي تعد أكثر من70% من المقاتلين في سورية، وقد نأت بنفسها عن الائتلاف ابتداءً. وقد كانت على علاقة حسنة مع اللواء إدريس، وقامت بصد هجوم مسلحين على مكاتب هيئة الأركان في الحدود مع تركيا. عندما أراد أحمد الجربا الانقلاب على سليم إدريس لم ينسق مع الجبهة الإسلامية،لأنها ترفض مفاوضات جنيف ابتداء. وقد وجد الجربا ضالته في جمال معروف قائد ألوية شهداء سورية، الذي شكل لاحقا جبهة ثوار سورية ( تعداد مقاتليه بحدود 4000 مقاتل، أما تعداد مقاتلي الجبهة الإسلامية فأكثر من 70 ألف مقاتل).

يبقى أن نقول أن واشنطن كانت تريد ضابطا منشقا يخلف سليم إدريس.فلم يكن يهمها أن يكون "عبد الإله البشير" يسيطر على ألوية كثيرة من الجيش الحر. تماما كما كان الجربا لا يمثل إلا أقل من نصف أعضاء الائتلاف عندما ذهب إلى جنيف. والائتلاف نفسه لم يكن يمثل إلا أقلية في المعارضة السياسية. كما أن المعارضة لا تمثل إلا أقلية في الشعب السوري الثائر.

*كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : قرار مجلس الأمن 2139 ... بلا قرار خير من قرار سيء .. وماذا بعد أن رفض بشار القرار ؟!

25.02.2014

زهير سالم

سبق للسيدة آموس المسئولة الأممية عن قضايا حقوق الإنسان أن أدلت في مجلس الأمن منذ عشرة أيام ومع بدايات طرح مشروع القرار حول الوضع في سورية بتصريحين خطيرين ما كان لهما أن يمرا دون أن تسجل المعارضة السورية شكرها عليهما . قالت في الأول : " نعلم أن هناك حربا تدور في سورية ولكن حتى الحروب لها قواعد .."في إشارة واضحة إلى أن عصابة الإجرام قد تجاوزت كل الحدود والقواعد في حربها على الشعب السوري ، واستهدافها لحياة ملايين المدنيين من الرجال والنساء والأطفال.

وفي الكلمة نفسها وفي إطار القراءات الأولية لمسودة مشروع القرار المقترح من ( الأردن واستراليا ولوكسمبورغ ) والذي عدله الروس ثلاث مرات ، بعد مقاطعة متصنعة من الطرفين الروسي والصيني على طريق المساومة بدماء الأبرياء ، قالت السيدة آموس : إن بقاء مجلس الأمن بلا قرار خير من صدور قرار سيء . وهو تصريح معبر ذو دلالة عميقة ، وينم عن إحساس إنساني عال بالمسئولية الإنسانية والسياسية على السواء.

ولكن الذي حصل أن وجد الشعب السوري نفسه أمام قرار سيء تلاعب به الروس إلى أقصى الحدود حتى أفرغوه من أي مضمون عملي يمكن أن يخفف من آثار الكارثة الإنسانية البشعة التي تحل بالشعب السوري.

ولم تأت موافقة الروس والصينيين على مشروع القرار الأشوه إلا كنوع من أنواع استدراج المجتمع الدولي المتغابي عن حقيقة ما يجري في سورية إلى المزيد من متاهات الدروب المعتمة إلى ما يدعى الحل السياسي في الوقت الذي يمعن فيه بشار الأسد وحلفاؤه الدوليون والإقليمي قتلا وتخريبا في أديم الشعب والعمران السوري .

على المستوى العملياتي استقبلت عصابة الأسد القرار الأممي الذي ينص على وقف الفصف الجوي واستعمال البراميل المتفجرة بتصعيد غير مسبوق بالقصف الجوي والبراميل المتفجرة على حلب وريف دمشق ودرعا مما أخرج الألوف الإضافيين من السوريين في الشمال والجنوب من ديارهم إلى كل من تركية والأردن ، البلدان اللذين أثقلهما ما استقبلا حتى الآن من لاجئين يفوق عديدهم طاقتيهما ..

وعلى المستوى النظري الرسمي خرجت علينا ما يسمى بالخارجية السورية لتعلن رفضها المبطن لقرار مجلس الأمن . الرفض المبطن الذي وضع القرار في دائرة من الشروط تحبط كل إرادة إنسانية خيرة تسعى إلى تخفيف معاناة السوريين الأبرياء ...

فحسب ما يسمى بالخارجية السورية سيقبلون تطبيق القرار باحترام السيادة الوطنية . ومفهوم السيادة الوطنية كما يفهمها ويشرحها ويعبر عنها بشار الأسد ومحازبوه على خلفياتهم المختلفة هي الاحتفاظ بحقهم بقتل من شاؤوا ، وذبح من شاؤوا ، واعتقال من شاؤوا ، وتعذيب من شاؤوا ، وتجويع من شاؤوا ، وتهجير من شاؤوا ؛ فكل ذلك من الشأن الداخلي للدولة السورية لا يحق لأحد أن يتدخل به ، وكل من يتدخل به فهو يهتك عذرية السيادة الوطنية التي يؤكد بشار الأسد أن الطيران الإسرائيلي والجنود الإيرانيين والحزبللاويين لم يمسوها بسوء

وحسب ما يسمى بوزارة الخارجية السورية فإن القرار الأممي المذكور إنما يجب أن ينفذ عن طريق الدولة وبيدها فهي الخصم وهي الحكم وهي المعطي وهي المانع ..

وأغرب ما في شروط ما يسمى بالخارجية السورية الحفاظ على مبادئ الحياد والنزاهة وعدم تسييس المساعدات الإنسانية ..

وكان ما يسمى بالخارجية السورية قد نوهت إلى ضرورة معالجة الأزمة من جذورها وأبرز هذه الجذور- حسب رأيها - هي مواجهة الإرهاب على الأرض السورية . ولعله التنويه الأدق الذي صدر عن هذه الجهة التي قلما تهتدي إلى صواب : وجذور الأزمة– في رأينا - تتمثل في بشار الأسد الذي تسبب لسورية والسوريين بكل هذا الشر ، والإرهابيون هم هذه العصابة من السياسيين والقتلة الذين يلتفون حوله ، والإرهاب هو كل ما يصدر عنهم من فعل أو قول أو تقرير ..

وبعد ...

صدر قرار مجلس الأمن وصودر قرار مجلس الأمن منذ اليوم الأول لصدوره من قبل عصابة الأسد رسميا على المستويين العملياتي والنظري ؛ فأي معنى يبقى لمهلة الشهر التي منحها القرار الروسي غير إعطاء الفرصة لمزيد من القتل ومن الاعتقال ومن التهجير ، مع يرد من أخبار وحسبما ما أشارت إليه الصحيفة العبرية يديعوت أحرنوت عن عودة عشرات الخبراء الروس إلى سورية للمشاركة في قتل السوريين وكسر إرادتهم وفرض الحل العسكري عليهم ..

لا نظن أننا ننبه غافلين ،فالكل شركاء في اللعبة على دمائنا ومصيرنا ، ويبقى الهدف أن نقرأ عليهم بعض الذي يمكرون ...

( والله خير الماكرين ) ..

لندن : 24 / ربيع الآخر / 1435

24 / 2 / 2014

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com