العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-02-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل يستطيع السوريون وحدهم قيادة بلادهم في مرحلتها الانتقالية؟

جمال خاشقجي

الحياة

25/1/2014

بينما ننتظر خلال هذا الأسبوع، وربما الذي يليه، نجاح أو فشل «جنيف2»، لنتفكر في من سيقود سورية في «المرحلة الانتقالية» التي ستفضي إلى سورية الجديدة الحرة الديموقراطية غير المقسمة، والتي تعيش سلاماً مع ذاتها وجيرانها؟ هل طلبتُ الكثير؟ إنه الحد الأدنى الذي تطالب به المعارضة، ومعظم الفصائل المقاتلة، وكذلك كل دول المنطقة، فلا أحد يريد سورية تحكمها طائفة تلغي أخرى، أو يحكمها الجيش، ولا سورية مقسمة، حتى «جبهة النصرة» المحسوبة على «القاعدة» قال زعيمها إنهم مجرد فصيل مع آخرين، ولن يفرضوا رأيهم في تحديد مستقبل بلادهم.

لا يبقى غير «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، والذي اجتمعت كل الفصائل على رفضه وقتاله، ولكن لم تحسم معركتها معه بعد، فهو لا يعترف حتى بفكرة «الدولة السورية» ناهيك عن أن يقبل بديموقراطية وتعددية. إنه يتحدث عن دولة إسلامية خالصة، ولا بأس بخلافة، وبالتالي سيبقى شوكة في خاصرة الجمهورية السورية القادمة ومرحلتها الانتقالية، بغض النظر عمن يقودها، مثلما هو شوكة متفاوتة في حجمها في خاصرة معظم الدول العربية والإسلامية.

إذا ضغط الروس في جنيف ودمشق أيضاً بما يكفي على حليفهم السوري، وتم الاتفاق على تشكيل «هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية وسلطة كاملة على الجيش والشرطة وأجهزة الأمن»، كما توافقوا مع الأميركيين، وكما جاء في مضمون الدعوة إلى «جنيف 2»، فإن ذلك يعني بالضرورة اختفاء بشار الأسد من المشهد، ما يعني انهيار نظامه، وربما فوضى، وثوار يقتحمون المباني الحكومية والقصور الرئاسية والخاصة، وحالات انتقام، واقتتال حتى بين الفصائل، خصوصاً مع وجود «داعش» التي ستعلن دولة إسلامية كلما اقتحم مقاتلوها مخفراً أو بلدية، فيعمد فصيل آخر إلى طردها وقتالها.

هنا يأتي تفسير جملة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف «إنّ تمسكَ البعض بفكرة إسقاط النظام السوري لا يبشر بخير»، التي صرّح بها قبيل توجهه إلى جنيف، ففسرها البعض على أنها تعني تمسكاً روسياً ببقاء بشار، وفسّرها آخرون بأنه يقصد النظام لا بشار، مستندين إلى تصريح سابق له عن أن روسيا غير متمسكة بشخص الأسد. نعم... مضطرون في هذا الضباب السياسي إلى استخدام تقنيات الكلمات المتقاطعة لقراءة المشهد السوري.

إن روسيا التي أصرّت على «جنيف 1» والذي يقول بتشكيل «هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية»، تعلم أن ذلك يستحيل مع وجود بشار الأسد، ليس في الحكم فقط، بل حتى في سورية نفسها كمواطن - بعد تشكيل الهيئة - إذا ما أريد منها إنهاء الحرب وإحلال السلام، فهو ليس بالزعيم المنتخب ليتقاعد وينصرف لعلاج عيون ضحايا الحرب التي كان سببها. إنه ديكتاتور يعيش بمنطق «أنا النظام والنظام أنا»، وعندما يختفي تنهار المنظومة الأمنية من حوله، وبالتالي سينهار النظام ما لم تكن هناك «هيئة» تمسكه.

من السذاجة أن يتوقع أحد أن توافق المعارضة السورية ومن خلفها الشعب والتنظيمات المقاتلة على بقاء الجيش، مع بضعة وعشرين جهازاً أمنياً تحت ذريعة «حماية النظام والدولة السورية من الانهيار»، فلا الجيش جيش وطني محل توافق شعبي مثل الجيش المصري أو التونسي، ولا أجهزة الاستخبارات تقوم بدور يُحمد في حماية الوطن والشعب من تهديدات خارجية، بل كانت أدوات النظام والأقلية الحاكمة في إخضاع الغالبية بالقتل والقهر والترهيب. إنها ترمز إلى حقبة ثار فيها الشعب السوري، فهي مثل أمية بن خلف، وما كان يرمز إليه بالنسبة إلى الصحابي الجليل بلال بن رباح - رأس الكفر أمية... لا نجوت إن نجا - بل إن أركان تلك الأجهزة يعلمون ذلك، فلن يهتموا لأي تطمينات تأتيهم من وليد المعلم وهو يعلن التوصل إلى اتفاق «هيئة الحكم الانتقالية»، ولا حتى من موسكو، وإنما سينظرون تجاه بشار الأسد، فإن قال إنه يرفض ما أعلن في جنيف، وإنه باقٍ معهم ولهم رئيساً شرعياً للبلاد، فحينها سيقلبون المخاطر بين أيديهم، فينهار بعضهم ويبقى آخرون مع زعيمهم يترقبون، أما إن اختفى ولم يسمعوا له حساً ولا خبراً، فلن يتوجهوا إلى المطار في انتظار «هيئة الحكم الانتقالية»، وعفا الله عمّا سلف، وإنما سيصرخون «نفسي... نفسي» وكل يدبر أمره وأمر أسرته، ما بين لاجئ إلى العراق أو لبنان، أو إلى ضيعته وجبله، في انتظار مواجهة أخرى ستكون من أعقد مسائل «هيئة الحكم الانتقالية»، وهي طمأنة الأقلية العلوية، وإعادتها إلى سياق الدولة السورية الواحدة.

من يستطيع فعل كل ذلك؟ هل تستطيع «هيئة الحكم الانتقالية» المكونة من المعارضة وبعض من بقايا النظام غير الملطخة أيديهم بالدماء (هل يوجد هؤلاء؟) قيادة المرحلة الانتقالية وحدهم؟ أعتقد أن لا فكاك من دور لقوات حفظ سلام عربية تدخل سورية لدعم الهيئة، وربما تعزز بوحدات تركية يكون لها دور في الشمال السوري. هل يمكن أن يقبل السوريون بوضع بلادهم تحت وصاية الأردن مثلاً لفترة زمنية محددة وبقرار أممي؟ أسئلة كثيرة ناتجة من الحال السورية غير الجلية، والشيء الوحيد المؤكد أن هيئة حكم انتقالية سورية لن تستطيع وحدها القيام بمهمة بناء سورية الجديدة، وحفظ الأمن فيها، ولا بد من قوة خارجية تمد لها يد المساعدة، و «الشقيق» وقت الضيق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : مجزرة حماة 2-شباط-1982 .. في البدء كانت المجزرة .. المجزرة وليست الحرب الأهلية

02.02.2014

زهير سالم

( في البدء كانت المجزرة ) العنوان الأليق بمرحلة من تاريخ سورية الحديث منذ الثامن من آذار 1963 وما تزال . في البدء كانت المجزرة بمرتسماتها الاجتماعية والسياسية والعملية بكل ما فيها من دم وأشلاء وضحايا وآلام وتداعيات وآثار

 منذ الثامن من آذار 1963، التي اقترنت بسيطرة مجموعة من الضباط الطائفيين المغامرين على مفاصل الدولة  السورية تحت غطاء من حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي لم يكن سوى خيمة للجريمة المجزرة وما يزال .منذ الساعة الأولى للانقلاب العسكري انطلقت بلاغات إعدام المرتكزات للحياة العامة في سورية : أُعلنت حالة الطوارئ ، أُغلقت الصحف ، حُلت الأحزاب ، كُممت الأفواه ، حُرّم على خمسة سوريين الاجتماع ، ولوحق رجال الدولة والمجتمع ، ورجال الرأي والفكر ؛ فكانت المجزرة الاجتماعية والسياسية الكبرى ، المجزرة المؤسسة لكل ما حدث بعدها من مجازر وتداعيات ..

و ( في البدء كانت المجزرة ) وكانت المجزرة السياسية والاجتماعية، بأبعادها وما اقترن بها من طائفية نتنة ومن استئثار مقيت ومن فساد نخر بنية المجتمع وما رافقها من عدوان وكبت وقهر وظلم ، هي المجزرة الأولى المؤسسة لكل ألوان وأشكال المجازر التي تواطأ المجتمع الدولي في التستر عليها ، وفي الاستثمار فيها ، ولاسيما على صعيدها الوطني بسلخ الأرض الوطنية في مجزرة الهزيمة ( المؤامرة ) في الخامس من حزيران ، الهزيمة التي أعطت لحافظ الأسد ولذريته من بعده هذه المكانة وهذا الإمكان ..

( في البدء كانت المجزرة ) وقبل أن تدوس جنازير دبابات حافظ الأسد أرض حماة شهدت الحياة العامة السورية فصولا من المجازر في ذبح المجتمع المدني ، وفي فصم عرى المجتمع الأهلي ، وفي مصادرة حقوق السوريين في التعبير أو في الاحتجاج ولو في شكل مظاهرة أو في إعلان إضراب . وكانت بين عامي 1963 – 1982 سلسلة من المجازر قُتل فيها أبرياء ، واعتُقل أحرار ، وشُرد مفكرون ، واستُبيحت حرمات ، وعُذب الناس في السجون حتى الموت بطرق لم يجرؤ على التفكير بها نازي ولا فاشي ، وذُبحوا وأعدموا بالآلاف في السجون كما في مجازر سجن تدمر المتطاولة على مدى عشر سنين ...

لم يميز الجزار فيما يرتكب من مجازر بين سوري وآخر فقتل واعتقل السوريين تحت كل العناوين ، قتل واعتقل العربي والكردي ، والمسلم والمسيحي ، والسني والعلوي والدرزي والإسماعيلي ، واليميني واليساري والإسلامي والعلماني ...  قتل واعتقل وشرد كل من قال له : كيف ؟ أولم ؟ كما قتل كل من قال له : لا ..

( في البدء كانت المجزرة ) ، إن ما جرى في مدينة حماة الأبية في الأسبوع الأول من شباط سنة 1982 ، لم يكن إلا حلقة في سلسلة من الحلقات عاشتها الأرض السورية وما تزال منذ نصف قرن على عين من الناس . وإن ما شهدته مدينة حماة في الأسبوع الأول من شهر شباط سنة 1982  لهو أكثر فظاعة وأشد هولا من أن يصفه أو يحيط به أو يستنكره بيان ..

ولو جمعنا كل ما كتبه المؤرخون وما قاله الأدباء والشعراء عن فظاعات الغزاة في التاريخ الإنساني وهمجية القتلة والمجرمين في كلمة لتصاغرت عما ارتكبه حافظ الأسد ورجاله المجرمون بحق المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ ، بل في حق الإنسان والحضارة والعمران ..

كانت مجزرة حافظ الأسد في حماة الأسبوع الأول من شباط 1982 المحطة الأفظع والأكبر في مسلسل المجازر في القرن العشرين ، مسلسل المجازر الذي أُعطي هؤلاء الجزارون الرخصة الدولية لارتكابها كما يعتقد الكثير من السوريين إزاء ما تابعوا وما يتابعون من صمت بل من تواطؤ دولي يغمس أصحابه في الدم والقتل ..

وإننا اليوم حين نقرن المجزرة الكبرى للقرن العشرين بما تلاها من مجازر القرن الحادي والعشرين يرتكبها الجزار بمساندة من المتواطئين معه وبغطاء من الساكتين عليه في كل مدينة وبلدة وحي في سورية ندرك أن المجزرة لم تكن نزوة عابرة أو ردة فعل طاغية وأن مجازر الإبادة التي تنفذ على الشعب السوري هي نهج وسياسة مقرة ليس فقط من مرتكبيها وإنما أيضا من داعميهم ومن الساكتين عليهم أيضا ..

( في البدء كانت المجزرة ) والمجزرة في حياة السوريين ليست ذكرى إن المجازر في حياة السوريين بكل أشكالها واقع يومي مستمر ومعاش . إن على الذين يراهنون على ذاكرة شعبنا أن يستعيدوا دراسة نفسية هذا الشعب الحر الأبي . عليهم أن يتعلموا أن الدم في ثقافتنا بل في كينونتنا ليس ماء ولا يمكن أن يكون .

لم تصبح مجزرة حماة في القرن العشرين ، كما راهنوا عليها ، ذكرى ، ولن تصبح مجازرهم هذه على كل الأرض السورية في القرن الحادي والعشرين ذكريات ..

المشهد قائم أمام أعيننا جميعا ،  مشهد الدم ينهمر شلالا من أوداج الأطفال ، مشهد بطون الحبالى بقرتها حراب الجزارين ، مشهد الرؤوس المقطوعة والأشلاء المبعثرة ، رائحة الموت ينشره  غاز السارين جثثا مبعثرة على أرض غوطتنا الدمشقية الجميلة ماثلة تملأ أنوفنا ، صور وجوه أطفالنا تحت أنقاض البراميل المتفجرة يرميها مجرم ستظل عالقة بأبصارنا .. وفي آذاننا لا تزال صرخات الاستغاثة ، صرخة حرة أبية تستثير النخوة ، بكاء طفل صغير يستعطف ، نداء شيخ واهن يذكّر بما كان وبما يجب أن يكون ، الصرخات كلها حاضرة حارة قوية مدوية ، صرخات لا يلاشيها الزمن المتطاول مهما امتد بل يجعل ذبذباتها أشد على مسامعنا وأقسى ..

المجازر في سورية ليست جناية حرب أهلية كما يزعمون . المجتمع السوري المتحضر لا يقتل أبناؤه بعضهم بعضا . المجازر في سورية هي بنت عقول مريضة ونفوس مصابة بجرب الكراهية تنفذها عصابة من القتلة والمجرمين .

إن الذي نخاف ونرفض ونحذر أن تتحول المجازر الممنهجة التي ينفذها المجرمون إلى حرب أهلية . نخاف ذلك لإدراكنا لخطورة الوهدة التي يُدفع السوريون إليها . ونرفضه لأن شريعتنا وحضارتنا تأبى ، شريعتنا شريعة (( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )) وحضارتنا حضارة ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) . ونحذر منه لأننا ما نزال متمسكين بمستقبل زاهر لعيش مشترك بالعدل جميعا يظللنا ..

أمام هول المجازر التي كانت وهول المجازر التي قد تكون نحن حاضرون ومرابطون ، وشعبنا القادر دائما على أن يتسامى لا ينسى . عليكم ألا تنسوا أنتم أن شعبنا يتسامى ولكن لا ينسى ..

لندن / 1 / ربيع الآخر / 1435

1 / 2 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فيسك مدافعاً عن النازية البعثية

بيسان الشيخ *

الحياة

25/1/2014

يبدو ان ثمة من استجاب أخيراً لدعوة بثينة شعبان المجتمع الدولي بإجراء «تحقيق جدي يعتمد البحث العلمي»، في ما اعتبرته ادعاءات مفبركة غداة مجزرة الكيماوي في الغوطة. بالفعل أجري التحقيق وكشف عن 11 الف جثة مات اصحابها جوعاً وتنكيلاً، صور جعلت الموت بالكيماوي أقرب الى القتل الرحيم.

لكن مرة أخرى، تفقد شعبان صوابها وتصرخ واصفة الأدلة بالمفبركة فيما سبقها الى تبرير المجزرة بهدوء وحنكة، الكاتب الصحافي روبرت فيسك: «لمَ لم نطالب بفتح تحقيق دولي في مجزرة حماه واتهام مرتكبيها بجريمة حرب؟»، سأل فيسك قراءه بعدما رفع عنه اللوم، او هكذا اعتقد، بأن أقر بـ «فداحة» الصور و»فظاعتها»، وهي التي تكشف أساليب التجويع والتعذيب الممنهج والتصفية «الصناعية»، ما يعيد الى الأذهان معسكرات الإبادة النازية. وأرفقت الصور بتقرير لثلاثة من كبار المدعين العامين يشهد لهم فيسك نفسه (مشكوراً) بالنزاهة والأمانة المهنية. لكن الرجل الذي شحذ قلمه منذ اليوم الأول للثورة ليدافع عن الأسد، ولم يوفر جهداً في تبرير مجازره وتغطيتها بذرائع من قواميس الممانعة والتخوين، عاد وشكك في النيات التي تقف وراء نشر التقرير «في هذا التوقيت تحديداً»، أي عشية انعقاد مؤتمر جنيف، و»الجهة التي مولته»، أي دولة قطر. واستعان «محامي بشار» بهذين الخيطين ليحيك نظرية مؤامرة تستهدف نظاماً يدافع عن نفسه ضد الإرهاب. وإن كان دموياً، يقتل ويعذّب ويجوّع، فكذا المعارضة، يقول لنا فيسك.

الأخطر، في هذا المنطق، المقارنة بمجزرة حماه التي فاق ضحاياها الـ 11 ألفاً ومرت بلا محاسبة وعقاب. هكذا يدعونا فيسك الى تجرع الكارثة بالتقليل من شأنها، كون اعدادها لا ترقى الى تلك، وكونها استراتيجية طبقت في الثمانينات وتطبق اليوم ويجب التصرف حيالها كمسألة اجرائية. وهو بذلك يمنح الأسد هامش قتل أوسع ويقول للسوريين: هذا ليس أسوأ ما حدث لكم، فلم كل هذه الجلبة الآن؟!

وتفوّق فيسك على شعبان ومجموع المدافعين عن نظام الأسد بأن استعاض عن «السابقة القانونية» التي يقاس عليها لإصدار أحكام غير منصوصة، بـ «سابقة دموية» يريد من الضحايا أن يقيسوا عليها ليجعلوا كل ما دونها «عادياً»، مبرراً مزيداً من الجرائم طالما أن جهازاً رسمياً أو دولة توجهها ضد خصم انتفض عليها وهدد وجودها.

لكن باعتماد تلك المقاربة «العلمية» نفسها، يمكن القول إن مجزرة حماه التي تفوق اعدادها أضعاف ما ذكره واعترف به هي في الواقع جريمة اضافية على لائحة اتهام نظام البعث منذ الأب حتى الابن. وهي فرصة للقول إن القتل الممنهج لا يقتصر على لحظة ظرفية في «محاربة الإرهاب» وإنما هي عقل مدبر لا يختلف في هذا عن النازية وتتوارثه القيادات. فإذا كانت بعض أطياف المعارضة دموية بدورها، فإنها تشكل هامش المشهد العسكري المعارض بينما تلك الممارسات متن النظام وقاعدته العامة.

إلى ذلك، فعدد ضحايا الصور التي تسربت أخيراً لا يختصر كل ضحايا النظام في السنوات الثلاث الماضية أو ما قبلها. فهذا ما رشح من فرع عسكري واحد وعبر شخص واحد، أي أنه قمة جبل الجليد الذي سيحتاج كشفه جيشاً كاملاً من المنشقين والموثقين والمحققين. وربما لم تكشف تلك الصور ما لا يعرفه السوريون عن نظامهم، وربما لن تقام محكمة دولية للأسد وأعوانه على غرار «نورنبرغ». فمن ابتلع مجزرة الكيماوي ولم يحرك ساكناً قد يبلع معها فضيحة تلك الجثث. أما التفكير الحقيقي والمقلق فيتجاوز الضحايا أنفسهم الى جيش الجلادين ممن لا نعرف لهم وجهاً أو عدداً. هؤلاء الذين خلفهم نظام الأسد ويشكلون سلسلة القيادة المتكاملة، المتشبعون بأمراض النظام وإجرامه والقائمون بأعماله الوسخة بأيديهم ليعودوا مساء الى منازلهم فيغسلوها وقد أتموا دوام عمل «عادي». هؤلاء هم الذين أطاعوا الأوامر وتفننوا في تنفيذها وجهدوا لتوثيقها تأكيداً منهم على انجاز المهمة... فهل نسينا أن الصور والبيانات وشهادات الوفاة أعدّت لأرشيف النظام وليس لمحكمة لاهاي؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وداعا للممانعة والمقاومة: أهلا بمكافحة الإرهاب!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

25/1/2014

لاحظنا في الأونة الأخيرة أن محور ‘الممانعة والمقاومة’ نسي شعاره التاريخي تماماً، فلم نعد نسمع تلك العنتريات القديمة، التي تهدد بمحو إسرائيل عن الخارطة، أو بمواجهة ‘الشيطان الأكبر’ وتكسير أنفه.

اختفى هذا الخطاب العنتري تماماً، لا بل إن الخطاب الممانع أصبح يتماهى بطريقة مدهشة مع الخطاب الامبريالي المناهض للإرهاب، فلو قارنت الخطاب الأمريكي، الذي يحتل الساحة منذ سنوات بالخطاب السوري والإيراني والحزب اللاتي والعراقي، لوجدت أن لا فرق أبداً بين الخطابين، فقد غدت نغمة ‘مكافحة الإرهاب’ واحدة في واشنطن وطهران ودمشق وبيروت وبغداد.

وكلنا سمع زعيم حزب الله وهو يتوعد االإرهابيين التكفيريينب في سوريا بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولا شك أن مثل ذلك التصريح نزل برداً وسلاماً على سكان البيت الأبيض، فأومأوا له بأن يمر، ويسير على بركة الله. لم نسمع اعتراضاً أمريكياً واحداً على تدخل حزب الله الصارخ في سوريا. وكيف تعترض واشنطن، والحزب يصرح على رؤوس الأشهاد بأنه أصبح رأس حربة في المشروع الأمريكي، الذي يتصدى للإرهاب والإرهابيين في العالم.

وفي طهران اختفت الشعارات العالية ضد االشيطان الأكبر’، لتحل محلها شعارات معادية جداً ‘للتكفيريين والإرهابيينب الملاعين. فجأة أصبحت إيران حاملة الشعار الأمريكي نفسه ذائع الصيت. وحدث ولا حرج عن نوري المالكي في العراق، الذي ما أن حمل سيفه، وهجم على االإرهابيينب في صحارى العراق حتى انهالت عليه كل أنواع الأسلحة الأمريكية الحديثة لمساعدته في ملاحقة االإرهابيينب ونسفهم عن بكرة أبيهم.

أما في سوريا، فقد أصبح ‘الإرهاب’ النغمة الأكثر سماعاً في الخطابين السياسي والإعلامي السوري على مدى الشهور الماضية. وقد غدت محاربة الإرهاب على الطريقة الأمريكية الشغل الشاغل للقيادة السورية.

وقد وصل الأمر بالرئيس السوري إلى التأكيد على أن مؤتمر جنيف الثاني يجب أن يتناسى المسألة السورية برمتها، ويركز على ضرورة مكافحة الإرهاب في سوريا والعالم. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن النظام السوري معروف تاريخياً بعلاقاته الوطيدة مع أمريكا والغرب عموماً في محاربة الإرهاب. وقد كانت واشنطن ترسل له الكثير من المتهمين بالإرهاب للتحقيق معهم وتعذيبهم في السجون السورية، لأن القوانين الأمريكية تمنع التعذيب على الأرض الأمريكية.

أضف إلى ذلك أن وكالات الاستخبارات الغربية ظلت على اتصال بالمخابرات السورية في هذا الشأن حتى في عز العقوبات الغربية المفروضة على سوريا. وتتفاخر وسائل الإعلام السورية، وتتغنى، لا بل ترقص فرحاً في الآونة الأخيرة وهي تهلل، وتطبل، وتزمر للاتصالات الكثيرة التي يتلقاها اللواء علي مملوك مدير الأمن الوطني في سوريا من نظرائه الأوروبيين في ما يخص محاربة ‘الإرهاب’.

هل يا ترى كانت ‘الممانعة والمقاومة’ مجرد مهمة أوعزت بها أمريكا إلى حلف ‘المقاومين والممانعين’ أن يقوموا بها على مدى العقود الماضية للضحك على شعوبهم ولترسيخ أنظمة حكمهم بموجبها، وقد آن الأوان الآن لاستبدالها بمهمة أخرى بعد أن انفضح أمرها، ولم تعد قابلة للتداول في بورصة السياسات والعنتريات والأكاذيب الدولية؟ الله وأعلم!

وفي هذا السياق أريد أن أنقل حرفياً رسالة لكاتب سوري يكتب باسم ‘حسان السوري’ يوجهها لبشار الأسد حول هذا الانتقال التاريخي من مرحلة ‘المقاومة والممانعة’ إلى حقبة محاربة ‘الإرهاب’: ‘تقول يا سيادة الرئيس إنك تحارب الإرهاب، وهذه الحرب تحتاج لوقت طويل.. يعني سيادة الرئيس: كم سيطول هذا الوقت؟ وكم ولاية تريد أن تجدد لنفسك بحجة الوقت الطويل، الذي تحتاجه للقضاء على الإرهاب؟ قبل هذه المرة حكمتمونا ثلاثاً وأربعين سنة بحجة محاربة إسرائيل، واستعادة فلسطين، وتوحيد العرب، والتصدي للمشروع الصهيوني – الامريكي في المنطقة، واستعادة الجولان الحبيب، فكانت النتيجة صمتاً كاملاً استمر ثلاثاً وأربعين سنةً عاشت فيها إسرائيل أزهى عصورها، ومسحت الأرض بكرامة السيادة الوطنية، واخترقت الأجواء السورية لعديد المرات، وقصفت سوريا مراراً، لا بل كانت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق قصركم كالعصافير، وأنتم كالزوج المخدوع: آخر من يعلم. ولم نسمع منكم إلا التنديد، والاحتفاظ بحق الرد، بينما جيشكم الباسل جاهز لتدمير سورية إذا ظن أن فيها معارضاً أعزل، أو تلميذاً مشاغباً! لماذا تتحولون سيادة الرئيس إلى حمل وديع عندما تهاجمنا إسرائيل، بينما تمحون مدناً عن خارطة سوريا بوحشيتكم النازية عندما تطالب فقط بزيادة جرعة أوكسجين الحرية؟

أما فلسطين، التي وعدتم باسترجاعها، سيادة الرئيس، فزادت سيطرة المحتل الإسرائيلي على أراضيها خلال الثلاثة وأربعين عاماً. أليست فلسطين بالنسبة لكم مجرد مكياج تضعونه فوق وجوهكم، عندما تريدون تمثيل دور عروبي، أو ستر فضيحة من فضائحكم، أو تحويل هزيمة لحقت بكم الى نصر مبين، فتضعون مكياج فلسطين للحظات، وتقفون على المسرح للضحك على الشعوب، ثم تسارعون لإزالته فور انتهائكم منه؟ هل شاهدت يا سيادة الرئيس صور الجوعى والمحاصرين في مخيم اليرموك الفلسطيني في ‘قلب العروبة النابض’، دمشق’؟!

ولا ننسى نكتة توحيد العرب، فنشكركم على تفريق الشعب السوري الى تسعمائة ألف وستمائة وخمسين طائفة وملة وفصيل وشرذمة ومذهب، فما بالك بتوحيد العرب.

أين تصديكم للمشروع الصهيو- أمريكي، فحيائي يمنعني من ذكر التسهيلات التي قدمتموها لهم لإتمام مشروعهم بمنتهى الإخلاص. أما الجولان، فلو استعدت سنتمتراً واحداً منه على مدى ثلاثة وأربعين عاماً لكنت أول من يرفع لك القبعة.

ثلاث وأربعون سنة كانت أسوأ حقبة عرفتها سوريا. أين مشروعكم القومي؟ أرجوكم أن تنهوا هذه المهزلة، وصارحونا بأنكم تحكموننا بالقهر، كما صارح سيف الإسلام القذافي شعبه، حين قال:’ لو أردنا ان نجري انتخابات لفزنا بنسبة مائة وعشرين بالمائة. لا داعي للانتخابات المزورة، فنحن نحكمكم بقوة السلاح’.

إنها صراحة قذرة.. صحيح، ولكنها أشرف مليون مرة من المتاجرة بالشعارات، التي تخرج منكم طيلة ثلاثة وأربعين عاماً.

هل مطلوب منا الآن، سيادة الرئيس، بعد أن نزعتم قناع االمقاومة والممانعةب أن نعاني عقوداً أخرى من القهر والقمع والطغيان بحجة محاربة الإرهاب؟ وأخيراً: كيف للإرهابي أن يدعي محاربة الإرهاب؟ هل شاهدتم آلاف صور التعذيب المسربة من سجونكم لآلاف السجناء الوطنيين؟ ألم تصفها وسائل الإعلام العالمية بـبالهولوكوست السوريب؟

‘ كاتب واعلامي من سورية

falkasim@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مستقبل «جنيف 2»

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26/1/2014

لعله من المبكر الكتابة عن مستقبل مؤتمر «جنيف 2»، خاصة أن صدى كلمات المشاركين في افتتاح المؤتمر لم يغادر جدران القاعة التي ألقيت فيها الكلمات. غير أن الحجة السابقة، لا يمكن لها أن تصمد في مواجهة الحاجة إلى مقاربة مستقبل «جنيف 2»، بما يمثله من هدف عاجل في فتح بوابة لمسار حل سياسي للقضية السورية، التي يوصف وقت أصحابها بأنه من دم، كما قال أحمد الجربا رئيس الائتلاف السوري المعارض في كلمته أمام المؤتمر.

لقد بين طرفا الصراع السوري في كلمتي وزير خارجية النظام ورئيس وفده وليد المعلم وأحمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، رؤية كل منهما للقضية السورية، وآفاق حلها. وإذ رأى المعلم أن جوهر القضية السورية هو الإرهاب، وأن حل القضية يكمن في مكافحة الإرهابيين والقوى التي تدعمهم في المستويين الإقليمي والدولي، وأن الطريق إلى ذلك يكمن في تعاون دولي لمكافحة الإرهاب، فإن الجربا أكد أن جوهر القضية السورية يتمثل في كونها ثورة شعب من أجل الحرية في وجه نظام مستبد، وأن حل القضية يقوم على تحقيق السوريين لأهدافهم في تغيير النظام وإقامة نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وأن الطريق إلى ذلك مرسوم في القواعد التي قام عليها مؤتمر «جنيف 2» وهي وثيقة «جنيف 1» وقرار مجلس الأمن الدولي 2118 القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة لتأخذ سوريا إلى تغيير نظامها وحياة مواطنيها.

لقد بدا موقف النظام حول «جنيف2 » تغريدا خارج سرب المشاركين في المؤتمر، وحتى الحليف الروسي تجنب المضي إلى ما ذهب إليه المعلم، دون أن يتخلى عن دعم موقف نظام الأسد، وهكذا جاءت مواقف المشاركين قوية في مواجهة موقف النظام وأقرب إلى موقف المعارضة، وهو أحد الأسباب التي تدعو إلى تلمس مستقبل «جنيف 2» في ضوء ذلك الزخم الدولي الذي رافق انعقاده، والذي يؤشر إلى رغبة دولية - أممية في معالجة القضية السورية ووضع حد لآلام السوريين الناجمة عن القتل والجرح والتهجير وغيرهم، وما يلحق بسوريا من دمار.

إن التمايز الشديد بين موقف النظام والمعارضة يمكن أن يؤدي إلى فشل المؤتمر ونهايته، غير أن هذا لن يحصل في المدى القريب، لأن منظمي مؤتمر «جنيف 2» ورعاته يعتقدون أن لديهم آليات ضغط، وإن لم تكن حاسمة فإنها يمكن أن تؤثر على موقف النظام، وتخفف من مراوغته وتصلبه في مواجهة موقف دولي يبدو أقرب إلى الوحدة وفي التوجه نحو معالجة القضية السورية، ولهذا فإن جهودا دولية وأممية لتقريب وجهات النظر بين وفدي النظام والمعارضة، وقد بدأ الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والدولي أول خطواته في هذا المجال لجمع الطرفين للتفاوض في غرفة واحدة وربما على طاولة واحدة.

وإذا كان من الصعب القول بتخلي أي طرف عن الجوهري في موقفه من طراز قبول وفد النظام فكرة انتقال السلطة، وتنحي الأسد، أو قبول وفد المعارضة ببقاء الأسد أو وجود دور له في مستقبل سوريا، فإن ثمة مراهنة على عاملين اثنين مع تواصل المفاوضات؛ الأول فيهما حصول متغيرات ميدانية تبدل موازين القوى في الداخل السوري، تترك آثارها على طرفي الصراع فيتقدم طرف ويتراجع آخر، ولا شك أن النظام أولى بالأخير، أما العامل الآخر فهو حدوث تبدلات إقليمية ودولية، يمكن أن تؤدي إلى انقلاب المواقف الحالية، ولا سيما الأكثر تأثيرا على مسارات القضية السورية وتطوراتها.

غير أن انتظار تلك المتغيرات لا يمكن أن يكون مقبولا من جانب المعارضة السورية، لأن الوقت عندها يعني مزيدا من خسائر بشرية ومادية تصيب السوريين وسوريا، وكلاهما أمر لا يعني النظام بالقدر ذاته؛ لأن ما يعنيه هو الحفاظ على وجوده، ولهذا السبب فإن النظام لن يمانع في استجرار الوقت وفي كسبه على نحو ما فعل في السنوات الثلاث الماضية، وهذا قد يدفع المعارضة إلى مغادرة المفاوضات وإعلانها فشل «جنيف 2» بما يعنيه من إغلاق بوابة الحل السياسي، وإذا حدث ذلك، فإن الأمر سيكون سيئا بالنسبة للمجتمع الدولي الذي لا شك أنه سوف يعزز مساعيه لحل القضية السورية ويعمل على تحقيق تقدم على خط المفاوضات، لأنه لا يرغب في رؤية تداعيات حادة للقضية السورية أقله في المستويين الإقليمي والدولي، خاصة لجهة امتداد النزاعات إلى دول الشرق الأوسط، وتفاقم مشكلتي الإرهاب والهجرة، ولا سيما إلى البلدان الغربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في المعاني الكبرى للمواجهة مع (داعش) في سوريا

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 26/1/2014

في المعاني الكبرى للمواجهة مع (داعش) في سوريابنظرةٍ شاملةٍ وطويلة المدى، قد تكون مواجهات الفصائل الثورية السورية العسكرية مع داعش مفرق طريقٍ استراتيجي فيما يتعلق بإنهاء كل ما له علاقة بالفهم الإسلامي المتطرف وتنظيماته في المنطقة، وإلى عقود قادمة.

فعلى العكس تماماً من كل التكهنات السابقة المتعلقة بتحول سوريا إلى بقعة جذب، أو مغناطيس كما وصفها وزير الخارجية الأمريكي كيري، للمتطرفين، أو من يُدعون في الثقافة الإسلامية أهلَ الغُلو والإفراط، يبدو أن سوريا ستكون نقطة الانطلاق الجغرافية والثقافية لاسترداد الوسطية الإسلامية والاعتدال في فهم الدين وتطبيقه. وهو أمرٌ سيؤثر دون شك في طبيعة المنظومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستنبثق إلى درجة كبيرة من تلك العملية.

يكفي، ببساطة، أن ننظر لكيفية تطور الأمور في الأشهر الماضية على أكثر من مستوى لنرى ملامح التغيير في الظاهرة ولنستقرأ ملامح الواقع الاستراتيجي الجديد الذي نتوقع حصوله.

فمنذ أشهر قليلة، كانت هذه الفصائل عينُها تنظر إلى تنظيم (داعش) على أنه فصيلٌ إسلامي يشترك معها في كثيرٍ من المقدمات والأهداف. وبغض النظر عن تفسير البعض لتلك النظرة، إلا أن من الطبيعي تفسيرها من وجهة نظر الفصائل بعدم رغبتها في (الحكم على النيات)، وبتغليب (إحسان الظن)، وبمحاولة تجنب أي اقتتالٍ داخلي والتركيز بدلاً من ذلك على مواجهة النظام دون غيره.

لكن ممارسات داعش الوحشية مع المواطنين والتي لا تمتُّ إلى تعاليم الإسلام بصلة من جهة، وظهور تفرّغها للسيطرة على المناطق المحررة من جهة ثانية، ثم هجومها على مناطق تواجد الفصائل العسكرية من جهة ثالثة، وأخيراً تهديدها بالانسحاب من مناطق المواجهة مع النظام وتنفيذ هذا التهديد عملياً، ساهمت كلها في كشف أي غطاءٍ عنها. الأمر الذي رفع عن القوى الثورية الحقيقية كل حرجٍ في مواجهتها وبحسم، سيراً على نهج قتال البُغاة والخوارج كما ورد في التصريحات والفتاوى المتعلقة بالموضوع من الهيئات والروابط الشرعية في سوريا.

ثمة نقلةٌ أخرى واضحة تمت خلال الأشهر القليلة الماضية، وهذه المرة في خطاب الفصائل الذي بات يحوي مفردات ومفاهيم لم تكن موجودةً في السابق، وهي في الحقيقة أقربُ بشكلٍ مضطرد إلى روح الإسلام الوسطي الذي يؤمن به أهل الثورة السورية، ومن أجله خرجوا في ثورتهم منذ اللحظة الأولى.

وقد يكفي هنا على سبيل المثال دراسة البيان المشترك الأخير الصادر عن القوى الكبرى وهي (الجبهة الإسلامية والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام وجيش المجاهدين) فيما يتعلق بمؤتمر جنيف. فالفقرة الأولى من البيان تقول ما يلي:

"من الواضح أن الثورة السورية تمر الآن في منعطف خطير فلا بد من التدقيق في تبعات كل خطوة من خطوات العمل ومخرجاتها. وبما أن ثورتنا قد انطلقت للمطالبة بالحرية والكرامة للشعب السوري وليس رغبة في القتال وقد اضطرت لحمل السلاح للدفاع عن المتظاهرين الذين تعرضوا للقمع الوحشي، وهي تؤمن بأن حمل السلاح ليس هدفاً بذاته، بل الهدف استرداد حقوق شعبنا المسلوبة، الدينية والإنسانية".

تبدأ الفقرة بالإشارة إلى ضرورة دراسة كل خطوة "من خطوات العمل ومخرجاتها"، ويأتي هذا انطلاقاً من الشعور بأن الثورة السورية "تمر الآن في منعطف خطير". لا كلامَ هنا بلهجة المطلقات الأيديولوجية الحاسمة التي تتعامل مع الأمور بأحكام مُسبقة نظرية وطهورية، وإنما الحديث عن ضرورة دراسةٍ متأنية لكل خطوة من خطوات "العمل" وليس فقط "الجهاد ومناجزة الأعداء".

ثم تؤكد العبارة الثانية أن "ثورتنا قد انطلقت للمطالبة بالحرية والكرامة للشعب السوري وليس رغبة في القتال". فالحديث هنا بكل وضوحٍ وصراحة، عن "ثورة" وليس عن "غزوة جهادية" مثلاً. وبما أن هناك تماهياً متزايداً مع الشعب الثوري فإن الكلمة تُصبح "ثورتنا". أما طبيعتُها فإنها بكل وضوحٍ وصراحة ليست عملية قتالٍ عبثيٍ من أجل القتال، وإنما انطلقت، أيضاً بوضوحٍ وصراحة، "للمطالبة بالحرية والكرامة للشعب السوري" لا لهدفٍ آخر.

أما حملُ السلاح فلم يكن هو الأصلُ والقاعدة، بدلالة الكلام الجلية والواضحة وإنما "اضطرت لحمل السلاح للدفاع عن المتظاهرين الذين تعرضوا للقمع الوحشي". ولمزيدٍ من التوضيح بشكلٍ لا يقبل تأويلاً أو تفسيراً آخر، يؤكد البيان أن الثورة، ومن أصدر البيان ضمنياً، يؤمنان "بأن حمل السلاح ليس هدفاً بذاته، بل الهدف استرداد حقوق شعبنا المسلوبة، الدينية والإنسانية".

ثم إن البيان ينتقل إلى طلباتٍ يجب تحقيقها "لنجاح الحل السياسي" هي طلبات كل السوريين، بما فيها الطلبات المعلنة للائتلاف الوطني السوري، ليختم بشرطين أخيرين ونداءٍ تلفت صياغتُها ومفرداتُها النظر وتستحق الكثير من التأمل والدراسة. ويأتي الشرطان والنداء على الشكل التالي: "عدم التدخل في شكل الدولة المستقبلية بعد النظام، ولا فرض أي أمر ينافي الهوية الإسلامية لعامة شعبنا، والتي لا تمنع أية فئة من فئات المجتمع من حقوقها. رد الحقوق التي استلبت خلال سنوات الثورة السورية لأهلها . لهذا كله فإننا ندعو كافة جهات المعارضة السورية الشريفة إلى حشد الصف وراء شعبنا الثائر ومطالبه المشروعة وسعيه للحرية والكرامة ونيل حقوقه الدينية والإنسانية".

ثمة دقةٌ كبيرةٌ مقصودةٌ في انتقاء الكلمات في هذا البيان.. فهو ليس صادراً عن مجموعةٍ هامشية من المقاتلين، وإنما عن أكبر مجموعات ثورية عسكرية في سوريا اليوم، لها مكاتبها السياسية، ومرجعياتها العلمية، فضلاً عن تواصلها الوثيق والمتزايد مع علماء الشام الوسطيين الثقاة في أغلب أمورها وقضاياها.

ليس في البيان "دوغما" دينية أو أيديولوجية بأي شكلٍ من الأشكال.

ليس فيه شعارات جوفاء تخلق مفاصلةً مع الشعب السوري، ولا مع تطلعاته ومطالبه وثقافته وهويته، وإنما على العكس تماماً، يدخل البيان بأصحابه في روح الثورة وهويتها ومفرداتها، ويتبنى شعاراتها ومطالبها.

ما من شكٍ أن الكمال لله وحده. لكن مثل هذه التطورات ستكون علامةً فارقة ومؤشراً على إنجازٍ جديد تُنجزه الثورة السورية إضافةً إلى تحقيق أهدافها الأصلية، وربما لم يكن في وارد أحد. فلا تكونَ سوريا القادمة فقط بلد الحرية والكرامة والتنمية والحياة والمواطنة التي "لا تمنع أية فئةٍ من فئات المجتمع من حقوقها"، وتعطي "شعبنا الثائر مطالبه المشروعة... وحقوقه الدينية والإنسانية"، بل تكون سوريا أيضاً الوطن الذي تنكسر على حدوده مسيرة الغلو والتطرف والإرهاب المعاصرة، تماماً كما انكسرت عليها تاريخياً موجات الإرهاب الصليبي والتتاري والمغولي، لتعود للبشرية سيرتُها الطبيعية خدمةً للإنسان وبناءً للدول والحضارات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لاهاي وجنيف... دلالات الأوضاع العربية

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 26/1/2014

حدثان مهمان يعنيان لبنان وسوريا، ويعنيان العرب جميعاً تدور فصولهما منذ أيام في لاهاي وجنيف (أو مونترو). في لاهاي، بدأت قبل أسبوع المحاكمة العلنية للمتهمين بقتل رفيق الحريري ورفاقه. وفي مدينة مونترو السويسرية بدأ مؤتمر جنيف2 بشأن الحلّ «السياسي» في سوريا. وللحدثين دلالاتهما على تأزم الأوضاع في المشرق العربي، ليس منذ الآن، بل منذ أكثر من عقد من الزمان. بيد أن لهما من جهة ثانية دلالات أبعد، تتصل بالضعف وبالعجز العربيين، وضرورات التدخل الدولي للتهدئة أو للإدارة أو للحلول!

عندما اغتيل الحريري في 14 فبراير 2005، كان قد مضى على الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان حوالي ثلاثين عاماً. ولذا فقد كان الجميع يعلمون أنّ القضاء اللبناني المسيطر عليه أيضاً من السوريين وحلفائهم الداخليين، لا يستطيع الكشف عمن أرتكب الجريمة، وسائر الجرائم السياسية، ومنها اغتيال رئيسين للجمهورية ورئيس آخر لمجلس الوزراء هو رشيد كرامي. لذلك فقد جرت المطالبة بتحقيق دولي، ولاحقاً بمحكمة دولية. وقد تحقق هذان الأمران بين 2005 و2007 لأن تيار الحريري كان في السلطة، ولأن إدارة بوش الابن، كانت تريد كبح جماح الأسد وإيران بسبب تدخلهما في العراق الذي كانت الولايات المتحدة قد احتلتْهُ عام 2003. ومع ذلك ما مرت المسألة بسهولة بالطبع. فقد انسحب الفريق الشيعي من الحكومة اللبنانية، ثم حاصر رئاسة الحكومة وأقفل مجلس النواب لأكثر من عام ونصف، ثم اجتاح بيروت عسكرياً. وفي أوائل 2011 أسقطوا حكومة سعد الحريري، بسبب انحياز نواب وليد جنبلاط إليهم، وجاؤوا بنجيب ميقاتي، صديق الرئيس الأسد، رئيساً للحكومة ذات اللون الواحد. لماذا حصل ذلك؟ لسببين: صدور القرار المبدئي عن المحكمة الدولية باتهام أربعةٍ من «حزب الله» (صاروا بعد ذلك خمسة) باغتيال الحريري، ثم نشوب الثورة على الأسد في سوريا. ماذا يظهر من هذه الوقائع ومما حصل في العقد الأخير ويحدث حتى الآن في لبنان وسوريا والعراق؟ ظهر ويظهر أن هذه البلدان العربية تعاني من استيلاء تنظيمات مسلحة، إيرانية أو حليفة لإيران، على مقاليد الأمور فيها!

وإذا لم يكف انعقاد محكمة دولية للتحقيق في جرائم سياسية ارتُكبت بلبنان، دليلا على سوء الأوضاع في العالم العربي ككل، فلنمض إلى النموذج السوري الفاقع. مضى على الثورة ضد نظام الأسد ثلاث سنوات. ومنذ اللحظة الأولى لاندلاعها بدأ الأسد بممارسة العنف ضد المتظاهرين السلميين بينما لم يحمل الثوار السلاح الخفيف دفاعاً عن أنفسهم ومسيراتهم إلا قبل أقلّ من عامين. إنما لندع هذا وذاك، ولنمض إلى جهة أُخرى. عقدت الجامعة العربية عدة اجتماعات من أجل سوريا. وكان أمامها أربعة نماذج للتدخل من أجل إبقاء العملية التغييرية سلمية: مصر وتونس واليمن وليبيا. وما احتاجت الجامعة لتدخل في مصر وتونس، لأن الجيش هناك انحاز للناس وعزل الحاكم. وعندما تفاقمت المُراوحة في اليمن تدخل مجلس التعاوُن الخليجي وفرض حلا سياسياً تنحّى بمقتضاه الرئيس صالح، وسارت عمليةٌ متعرجةٌ ما تزال قابلة للنجاح بعد النجاح النسبي للحوار الوطني. وفي النموذج الرابع، أي ليبيا، هدد القذافي شعبه بالإبادة، فاجتمعت الجامعة العربية وطالبت بالتدخل لحماية الشعب الليبي، فقصفت قوات الأطلسي بقرار دولي قوات القذافي حتى سقط صريعاً. وما كان ذلك الحل العنيف بالأمر الجيد لـ«الربيع العربي»، بالنظر لما حصل في القصف، وبالنظر لما يحصل بليبيا حتى الآن من سيطرة المليشيات المسلحة في سائر الأنحاء. وما كان أيٌ من هذه الخيارات متاحاً في سوريا. فقد تبين أنه ليس في سوريا الأسد جيشٌ وطني يمكن الاحتكام إليه في النزاع بين الحاكم وشعبه. لقد غادر الجيش ثلثا أفراده وضباطه، وبقي «أهل الثقة» من «الجيش الوطني» يقصفون شعبهم بالمدفعية والصواريخ والكيماويات والبراميل المتفجرة على مدى عامين. وسقط مائتا ألف قتيل بنيران الأسد. وتهجر حوالي نصف الشعب السوري بالداخل والخارج (نحو عشرة ملايين)، واعتُقل حوالي نصف المليون تحقّقت المنظمات الدولية أنه قُتل منهم تحت التعذيب أحد عشر ألفاً، علاوة على أزيد من مليون جريح ومُصاب. ليست هناك كارثة تفوق ما حصل في سوريا من حيث الخسائر البشرية غير رواندا وبوروندي (1995-1997). إنما في روندا وبوروندي كانت المذابح أهلية وإثنية في الأعم الأغلب. لذا فهناك شبهان فقط للمذبحة والإبادة أو شبه الإبادة هما: إسرائيل عندما احتلت فلسطين، والعراق عندما احتلته الولايات المتحدة. وفي الحالتين الإجراميتين ما بلغ عدد القتلى ولا عدد المهجرين هذا القدر الهائل! لماذا استطاع النظام السوري الثبات لهذه المدة الطويلة رغم جرائمه الهائلة؟ لأن الروس والإيرانيين ساعدوه. ولأن المليشيات الشيعية في العراق ولبنان واليمن والبحرين وأفغانستان وباكستان مضوا لمساعدته بالآلاف، ولأن الثوار السوريين ما استطاعوا تنظيم أمورهم، وأدخلوا على أنفسهم وعلينا متفرعات موجة «القاعدة» الثانية المخترقة من إيران والأسد. وأخيراً لأن الدوليين ما استطاعوا الوصول لاتفاق بشأن سوريا: روسيا لأنها تريد الظهور بمظهر القطب من جديد، والولايات المتحدة لأنها لا تريد التدخل العسكري، ولأنها تخضع هنا للمشيئة الإسرائيلية، ولأنها تريد مكافحة الإرهاب، ولأنها تريد مسالمة النظام الإيراني.

منذ انهيار العراق في مطلع التسعينيات، ما عاد للعالم العربي ظفرٌ ولا ناب. وحتى عندما توالت اجتماعات الجامعة العربية لإيجاد حل للأزمة السورية، ظهر انقسامٌ كبير. فالإيرانيون يسيطرون على السياسات الداخلية والخارجية بالعراق ولبنان، وهما دولتا الجوار العربيتان لسوريا. وتركيا لا تستطيع التدخل إلا بإرادة الأطلسي. والأردن لا يستطيع تحمل مسؤولية التدخل بمفرده. لذلك، وبعد عدة محاولات، لجأ العرب للنظام الدولي الذي ما استطاع اتخاذ قرار حتى بفتح ممرات إنسانية بالداخل السوري، فضلا عن إرسال قوات سلام تُدخل البلاد في مرحلة انتقالية. وهكذا جاء جنيف1 لوضع أسس يصوغها الدوليون للدخول في مرحلة انتقالية. وتأخر جنيف2 لأكثر من عام، لأن النظام وإيران تأملا عام 2013 أن يستطيعا إخماد الثورة وإبادة الثوار!

من هنا تأتي دلالة مؤتمر جنيف2، بعد دلالة محكمة الحريري في لاهاي. فقد جرى عبر عدة عقود تدمير القرار العربي أو القدرة عليه: بإبعاد مصر واستبعادها، وبتدمير العراق، وبأخذ إسرائيل حق الفيتو في كل ما يجري بدول الجوار، وبعودة كثير من الحكام العرب، العسكريين على الخصوص، للخضوع للإرادات الإقليمية والدولية.

وخلال العقود التي كان فيها العرب يتفككون، كانت منظمة الوحدة الأفريقية تتحول إلى اتحاد، عنده محكمة عدل، وقوات ضاربة، ويصطنع لنفسه نموذجاً ديمقراطياً يجمّد عضوية أي بلد يخالف النموذج. الاتحاد الأفريقي قوّته في رضا الدوليين عنه. والعرب ضعفُهم في غضب الدوليين عليهم حتى وهم منقسمون وضائعون ويفكرون في يومهم أكثر مما يفكرون في غدهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر جنيف .. توازن الضعف وتعدد المطالب

حسين العودات

البيان

الاثنين 27/1/2014   

وأخيراً عقد مؤتمر جنيف الخاص بالمعضلة السورية، دون أن يصدر عن أي مشارك فيه أو مهتم أو ذي علاقة، مجرد تلميح عن تفاؤل ولو جزئي أو محدود يشير إلى أن المؤتمر سيضع الأزمة السورية على طريق الحل.

بل يرى عديدون أن المؤتمر سيتحول إلى مجرد حراك سياسي أو دبلوماسي لا يرجى منه شيء جدي يساعد على إنهاء معاناة السوريين، ولن يستطيع وضع خارطة طريق متوازنة وواقعية يوافق عليها الجميع، وصولاً إلى حل عادل وشامل للأزمة.

لأنه ليس لأحد من الفرقاء المشاركين السوريين والعرب والأجانب القدرة على اتخاذ قرار وفرضه على الجميع، وعلى ذلك، من المتعذر، وفق الظروف الحاضرة، إيجاد الشروط الموضوعية للسيطرة على الأزمة ثم توجيهها نحو الحل النهائي.

خاصة وأن الأطراف المشاركة لها أهداف ومصالح متناقضة في كل شيء تقريباً، وهذا ما يجعل المؤتمر ساحة لتصادم المصالح، وميداناً لحوار يشبه حوار الطرشان، دون توافر ظروف واقعية حاسمة، كي "يقتنع الجميع" بضرورة التوافق أو فرضه عليهم.

أعلنت السلطة السورية قبل انعقاد المؤتمر بأيام وبمختلف الوسائل (الدبلوماسية والإعلامية) أنها لا ترى في المؤتمر إلا وسيلة لوضع خطة للتعاون بينها وبين المعارضة والدول الأخرى لمكافحة الإرهاب، دون أن تتعرض إلى أي هدف آخر، سواءً ما يتعلق بإصلاح النظام السياسي ومستقبله، أو بقضايا المعتقلين والمفقودين، والمناطق المحاصرة والمهجرين...

وجاء بعض هذه التصريحات والإشارات على لسان الرئيس بشار الأسد نفسه، وخاصة ما يتعلق منها برفض مهمة تشكيل هيئة حكم لها كامل الصلاحيات، وعدم قبول مشاركة أي من أعضاء المعارضة الخارجية في أي حكومة، وأكد بصيغة ما أنه سيرشح نفسه لولاية ثالثة بعد أربعة أشهر عندما تنتهي ولايته الحالية.

وهذا كله يشير إلى أن النظام السوري في واد آخر لا يلتقي البتة مع أي قرار من قرارات مؤتمر جنيف1.

رغم أنه يشارك بالمؤتمر وهو منهك اقتصادياً وسياسياً، ويواجه مقاطعة عربية ودولية خانقة، ولم يستطع حسم الصراع عسكرياً ضد فصائل المعارضة المسلحة التي تسيطر على مناطق حيوية من البلاد.

رغم استعانته بميليشيات أجنبية لإيقاف تراجعه العسكري دون نجاح، ولولا الدعم الإيراني المتعدد الجوانب، والدعم الروسي السياسي والعسكري، لتراجع هذا النظام، وربما لخسر منذ وقت طويل أمام المعارضة السورية .

شاركت المعارضة السورية في المؤتمر بوفد شكله الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، لا يضم أحداً من فصائل المعارضة الداخلية، وما أكثرها، ولا أحداً من المجلس الوطني الذي انسحب من الائتلاف قبل يومين من انعقاد المؤتمر.

كما رفض المشاركة فيه ثلث أعضاء هيئة الائتلاف، ولم تؤيد معظم فصائل المعارضة المسلحة الذهاب إلى جنيف، وهكذا بقي الائتلاف بكليته يتشكل من الإسلاميين ومن ديمقراطيين وأفراد معارضين كان معظمهم في الخارج قبل اندلاع الثورة، ويصعب الاقتناع أن الوفد المفاوض، بتشكيلته الحالية، يمثل المعارضة السورية أو الشعب السوري تمثيلاً كاملاً.

بل أصبحت مشروعية تمثيله يشوبها بعض الشك، وقد طالب الائتلاف بإعفاء الرئيس من صلاحياته وإسقاط النظام ورموزه، وإخراج المعتقلين، والاعتراف بالمفقودين، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة.

هذا فضلاً عن مطالبته بتشكيل هيئة حكم لها صلاحيات كاملة تشريعية وتنفيذية وتحديد مهماتها بوضع دستور جديد وإصدار قوانين للأحزاب والانتخابات وإعادة هيكلة الجيش وقوى الأمن وغير ذلك، وهذه المطالب متناقضة مع رؤية النظام وصعبة التحقيق في الظروف القائمة حالياً، وتحتاج لقوة راجحة (عسكرياً على الأرض وسياسياً على النطاق الدولي لتفرضها عليه.

لا يقتصر الضعف وسعة المطالب على الطرفين السوريين فقط، لأن كلاً من الراعيين الأميركي والروسي لا يملك القدرة على ترجيح رأيه ووجهة نظره، وكل منهما يهادن الآخر ليحصل على موافقته لتحقيق شيء من مصالحه، ولم يعد للدول الأوروبية، وأعني فرنسا وبريطانيا، تلك القدرة أو النفوذ اللذين يؤهلانها لترجيح موقف على آخر، وكذلك الدول العربية.

في المحصلة، هناك توازن ضعف بين الجميع وافتقاد أي منهم القدرة على الحسم، ما سيؤدي إلى إطالة مدة المؤتمر، لا لأشهر فقط، بل ربما لسنوات، يتحول خلالها إلى مبارزات كلامية، وعنتريات وتصريحات ومناورات وغيرها، لا جدوى حقيقية لها.

وربما يكون على الشعب السوري أن ينتظر أشهر وسنوات حتى يرى الضوء في آخر النفق، هذا إن رآه، بعد أن دُمرت دولته ومؤسساتها ونسيجه الاجتماعي واقتصاده وثقافته.

تنبغي الإشارة إلى فائدة واحدة من عقد هذا المؤتمر؛ وهي أن عقده يؤكد قناعة جميع الأطراف السورية والإقليمية والدولية (ما عدا السلطة السورية) بصعوبة الحل العسكري، وبالتالي أصبح الحل السياسي هو الطريق الوحيد المتبقي، أما السلطة السورية فما تزال تعتقد بإمكانية الحسم العسكري.

 قد يكون المؤتمر بالنسبة إلى الدول الكبرى محاولة لإنقاذ ماء الوجه بعد أن بدأت تشعر بتقصيرها اتجاه الشعب السوري، وبأخطائها في مواجهة أزمته ومساهمتها في تأخير حلها، حتى ازدادت تعقيداً وجعلت من سوريا ميداناً لصراع دولي على أرضها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيارات سوريا!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الثلاثاء 28/1/2014

من الصعب اليوم استشراف منطويات وأبعاد تدمير سوريا، سواء فيما يتعلق بأهميتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما تمثله من إرث حضاري ودور تاريخي. ومن المحال اليوم الحديث بدقة رقمية أو تفصيلية عن نتائج التدمير الذي تتعرض لها، وطال كل فرد من شعبها: من أعلى قمة هرمه وصولا إلى آخر فرد فيه، حتى ليمكن القول إن سوريا ستكون بحاجة لأن يعاد بناؤها حجرا حجرا وبيتا بيتا، وإن ما صنعه شعبها على مر تاريخه لا بد أن يعاد صنعه من جديد، وإلا فإنها لن تنهض من تحت ركام الدمار الشامل الذي ألحقه بها نظام غاشم استخدم جيشه وما يتفرع عنه من منظمات ومؤسسات عنف، أسسها بالأصل كي تدمر ما كان يسميه «وطنه».

ثمة نتيجتان متناقضتان سيتمخض عنهما الصراع الدائر اليوم في سوريا، إحداهما:

- انتصار النظام وبقاء سوريا بلدا نازفا، من الضروري أن يظل مدمرا لفترة طويلة تمنع شعبه من مبارحة الشلل العام، الذي ستكون قد أنزلته به آلة عسكرية فتاكة، لن تسمح له بالنهوض من جديد كي لا يستأنف مقاومته ويكرر ما جرى بعد عام 1982 حين سحق النظام حماه وقال حافظ الأسد في اجتماع للقيادة القطرية إنه قصم ظهر المعارضة لمائتي عام. لكن ثورة عام 2011 أكدت أن قوله بني على جهله بطبيعة شعب سوريا، الذي انتفض بعد أقل من ثلاثين عاما على مجزرة مروعة عاشتها مدينة حماه، وانخرط في ثورة لا تشبه المعروف من الثورات، ليكون ما فعله مفاجأة مزدوجة عبرت عن جدة الحدث وعظمة إبداع الشعب الذي صنعه من جهة، ووحشية النظام غير المسبوقة من جهة أخرى، مع ما رمت إليه من إخضاعه بصورة مطلقة للسلطة القاتلة، التي ترى في موت أبنائه وتدمير عمرانه علامة انتصارها عليه، ودليلا على بقائه مهزوما لا أمل له في انعتاق أو حرية.

أما ثانية النتيجتين فهي:

- سقوط النظام وإعادة بناء سوريا لا تشبه إطلاقا ما سيخلفه نظامها وراءه، لأن دولتها ستنهض على أسس مغايرة جذريا للأسس التي قامت عليها دولة الطغيان الاستبدادي الراهنة، سيكون السوري مواطنا كامل الحقوق فيها وليس رعية خاضعة أو عبدا ذليلا وتابعا، بينما سينظم القانون، السيد الوحيد الذي سيخضع له الجميع، علاقة المواطن الحر بالسلطة وبالمجال العام، وسيضمن المجتمع المدني، مجتمع المواطنين الأحرار والمنتجين، استقلال الدولة ووحدة المجتمع. بذلك، سينشأ لأول مرة في تاريخنا تطابق بين المواطن والمجتمع والدولة أساسه هذا المواطن الحر، حامل الشأن العام، الذي ستصان حريته بقوة القانون واستقلال القضاء وقوة الرأي العام ويقظة الصحافة الحرة، ووجود فضاء سياسي - اجتماعي مفتوح سيتحرك الفرد فيه بحرية دون أن يرتطم ارتطاما عنيفا بغيره، تجري تسوية مشكلاته بوسائل سلمية وتوافقية كالحوار وتوازنات القوى والمصالح المتبادلة... إلخ. بعد النظام الحالي، ستبنى سوريا بطريقة تمنع قيام الاستبداد فيها من جديد، بأية صورة كانت، لتكون وطنا يحقق أهداف ثورتها: العدالة والمساواة والكرامة.

ستأخذ الحرب الظالمة، التي يشنها النظام وتفرعاته الأصولية وغير الأصولية ضد شعبها، سوريا في واحد من اتجاهين متناقضين؛ هزيمة الثورة، وبالتالي تفاقم الاستبداد السلطوي إلى حد منع معظم الشعب من الرجوع إلى مدنه وقراه، والقضاء على أعداد كبيرة من المواطنين الذين لم يغادروها، وبقاؤها مدمرة كي تعجز عن الوقوف على قدميها واستعادة عافيتها، لأن ذلك قد يطلق تمردا جديدا ضد نظامها. أو انتصار الشعب على الاستبداد السياسي والمذهبي - الفئوي، وإعادة بناء وتجديد ذاتها في حاضنة تاريخية وقيمية مغايرة تماما للحاضنة التي خنقتها طيلة نيف ونصف قرن، وساقتها إلى هزائم خارجية متكررة، ومجازر داخلية متلاحقة.

ليس لتدمير سوريا الراهن غير معنى وحيد: القضاء على شعبها، الذي يعي تماما مقاصد الاستبداد ومنطويات سياساته، ويدفعه وعيه إلى تقديم تضحيات يومية غالية من حياة بناته وأبنائه، لكنها تحمل طابعا إنقاذيا بالنسبة إلى كل شخص في وطننا، لأنها تبقي أبواب المستقبل مفتوحة على الأمل ببلوغ ما خرج ناسها لتحقيقه: الحرية لشعبها الواحد، والكرامة والعدالة والمساواة لمواطنيها الأحرار، الذين لن ينسوا ما عانوه من وحشية يصعب وصفها بالكلمات، تقاومها اليوم الأفعال النبيلة والعظيمة التي يقدمها أحرار الناس، على غرار ما تفعله السوريات والسوريون كل يوم من أيام الأعوام الثلاثة المنصرمة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شريح جنيف السوري: ساعة الحقيقة

علي العبدالله *

الحياة

الثلاثاء 28/1/2014

مع انطلاق المؤتمر الدولي حول سورية المسمى بـ «جنيف 2» يكون العالم قد دخل ساعة الحقيقة: المعارضة السورية والدول الداعمة لها لكشف مدى صدقها وإخلاصها للشعب السوري وثورة الحرية والكرامة، والمجتمع الدولي ومدى جاهزيته لإنهاء معاناة السوريين ووقف عمليات البطش والقتل الوحشي الذي ينفذه النظام وحلفاؤه، منذ قرابة ثلاث سنوات، وبكل صنوف الأسلحة بما فيها سلاحا الجوع والبرد.

افتتح المؤتمر وقد تجنبت المعارضة السورية بحضورها تحمل مسؤولية عدم عقد المؤتمر الذي سعى إليه النظام وحلفاؤه الإيرانيون والروس عبر الضغط على المعارضة في مسألة «الشروط المسبقة»، والدعوة إلى تحويل مهمته من حل القضية بتنفيذ بيان «جنيف 1» إلى اتحاد النظام والمعارضة لمواجهة الإرهاب، ونجحت في تسجيل نقاط لصالحها عبر الحضور كند للنظام في هذا المحفل الدولي، وهذا كرس حضورها في المعادلة السورية، وعبر نص خطابها وتركيزه على جوهر مهمة المؤتمر وربط موقفها بقرار مجلس الأمن الرقم 2118، وهو الخطاب الذي عانى من نقص حيث لم يتضمن فقرة، ولو قصيرة، عن سورية التي تدعو إليها فتعرج على دولة المواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس. لكن خطاب المعلم الهجومي والخالي من مضمون إيجابي أعطاه فرصة التميز والتفوق، كما لم تؤثر قراءة الجربا الفاترة على قوة مضمونه.

لم يكن موقف دول أصدقاء الشعب السوري، ما يوصف بـ «النواة الصلبة» المكونة من 11 دولة، بعيداً عن ذات المضمون ما أفشل مساعي حرف المؤتمر عن مهمته الأصلية: تنفيذ بيان جنيف 1، الذي سعى إليه النظام والروس من دون نجاح. فقد ركزت كلمات معظم رؤساء الوفود على وقف حمام الدم وتنفيذ بيان جنيف 1، وزاد البعض فدعا إلى خروج القوات الإيرانية وميليشيا حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية من سورية، واستبعاد أي دور لرئيس النظام في المرحلة الانتقالية مع تحميله مسؤولية خلق الإرهاب، ونفي كيري وجود تنسيق بين واشنطن والنظام السوري بخصوص الإرهاب.

لقد برز شبه إجماع على تحديد جدول أعمال المؤتمر في نقطتين: تنفيذ بيان جنيف 1 وإخراج المقاتلين الأجانب من سورية.

غير أن هذا النجاح المبدئي بتكريس المعارضة وتثبيت مرجعية المؤتمر لا يقطع باستمرار عملية التفاوض بسلاسة والتقدم في تذليل العقبات والاتفاق على خطوات عملية على طريق تنفيذ بيان جنيف 1، حيث برزت إلى العلن تباينات بين راعيي المؤتمر الأميركيين والروس. فقد استاء الروس من النبرة العالية والحادة التي طبعت خطاب جون كيري وجزمه بأن لا مكان للأسد والمحيطين به في المرحلة الانتقالية، وهذا ظهّر خلافاً كامناً حول جوهر بيان جنيف 1 استمر بين الطرفين منذ التوقيع عليه في جنيف يوم 30/6/2012، ما ينذر بتعثر المؤتمر عبر عدم قيام الروس بالدور المنوط بهم: الضغط على النظام لتذليل العقبات التي قد تبرز خلال التفاوض، أشارت وسائل الإعلام في تغطيتها للافتتاح إلى مغادرة الطاقم الروسي المختص بالشأن السوري مع لافروف إلى موسكو. وهذا سيفتح مجدداً باب السجال حول قراءة نص بيان جنيف 1 وقد يفتح ثغرات في مرجعية المؤتمر ويخلق تعقيدات إضافية، بخاصة في ضوء غموض الموقف الروسي من بيان جنيف1 ومراهنته على عدم عقد المؤتمر بدفع المعارضة إلى عدم الحضور عبر مهاجمتها واتهامها بالإرهاب ورفض كل مطالبها تحت ذريعة لا شروط مسبقة، والمراهنة على انقساماتها، كما ورفضه البدء بعملية سياسية من نقطة هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات تنحي الأسد جانباً، سبق وتحدثت عن كافة الصلاحيات وليس كاملة الصلاحيات، وتحدثت عن قطار المفاوضات والتبدلات التي ستطرأ عليه في المحطات المختلفة، وتهربها من إعطاء جواب محدد حول مصير الأسد.

أما العقبة الثانية فتتمثل في الأولويات، حيث لم ينه الاتفاق على مرجعية المؤتمر الخلاف على نقطة البداية، فالنظام الذي أقر بمرجعية جنيف 1 يتحدث عن تطبيق البيان كرزمة واحدة وأولها وقف تمويل وتسليح الكتائب المسلحة وإغلاق الحدود في وجهها، بينما يتحدث الائتلاف عن بنود كوفي أنان الستة وتشكيل هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات.

وهذا ما وضع الإبراهيمي في موقف حرج لأن أي خطوة خاطئة قد تطيح بالعملية التي طال انتظارها، وقد سعى إلى اجتراح مخرج بالطلب من الطرفين تقديم تصوره عن البداية التي يراها وسيحاول إيجاد قاسم مشترك ويطرحه كبداية. وهذا، على وجاهته من الناحية العملية، سيثير خطر تجزئة الملفات والغرق في قضايا صغيرة واللعب على الوقت في انتظار تطورات ميدانية أو تغيرات سياسية إقليمية ودولية.

والعقبة الثالثة، والتي ستعطي وفد النظام فرصاً لاستثمارها، هي عدم شمول وفد المعارضة لأطراف في المعارضة، وقد ألمح وفد النظام إلى ما يسميه معارضة الداخل، وتلميحه إلى تشكيل حكومة موسعة وإشراكها فيها. وهي نقطة لم يحسن الائتلاف التعامل معها. صحيح أنه نجح في احتلال مقعد المعارضة، لكنه قصر في السعي لجذب أطراف معارضة أخرى، وبخاصة هيئة التنسيق، للمشاركة في الوفد.

يبقى الدور الذي ستلعبه إيران في العملية السياسية وهل سيكون إيجابياً ويخدم تسهيل تنفيذ بيان جنيف 1 أم سلبياً يعرقل حصول اتفاق ريثما يتحدد مستقبل اتفاقها النووي. إنها معنية الآن بتحسين صورتها في الغرب، وجذب استثمارات وشركات نفط للعمل في أراضيها علها تطور حقولها وتزيد إنتاجها إلى 4 مليون برميل في اليوم، لذا فإن أولويتها الآن اكتساب سمعة الرجل الطيب، ولهذا لم تبد رد فعل حاداً على استبعادها من جنيف 2 بل دعت، على لسان وزير خارجيتها، إلى خروج القوات الأجنبية من سورية، علماً أن صوت روحاني وظريف ليس صوت إيران الوحيد حيث تحدث رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني عن «تبلور الشرق الأوسط الجديد»، واستبعد حسين عبد اللهيان التخلي عن الأسد ورفض مبدأ الانتقال السياسي في سورية.

لقد أقر الجميع بأن المفاوضات ستكون صعبة وشاقة، وربما طويلة، لكنهم يدركون أيضاً أن استمرار الصراع سيفاقم الأزمة ويعمق دور القوى الأصولية السنية والشيعية، مع خطر تمدد الصراع المذهبي إلى دول الجوار بشكل أوسع، وهذا يفرض العمل الجاد من أجل بلوغ حل سياسي مقبول.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف أن «حزب الله» و«داعش» وجهان لعملة واحدة؟

رضوان زيادة *

الحياة

الاربعاء 29/1/2014

لا أدري عدد المرات التي استخدم فيها كثير من المسؤولين الغربيين والعرب مصطلح «الشرق الأوسط الجديد» وغالباً ما استغل كتعبير عن جزء من المؤامرة الغربية ضد المنطقة العربية، لكن في الحقيقة يتخلق الآن شرق أوسط جديد بأيدي أبناء المنطقة ذاتها وبإرادتهم، لكن ليس من المعروف اذا كان ذلك سيكون في مصلحتهم ام عكسها، لكن الأكيد ان ذلك سيكون له تداعياته الإقليمية والدولية البعيدة المدى.

أول تجليات هذا المشهد الجديد هو تجاوز الحدود الدولية الرسمية ليس من قبل الحكومات ذاتها وإنما من قبل لاعبين غير دوليين، وربما يكون تنظيما «حزب الله» و «داعش» الأشهر هنا، وبينهما الكثير من الشبه في الأيديولوجيا والهيكلية، فهما يقومان على أيديولوجيا طائفية تقوم على حقد الآخر كأساس رئيسي في بناء الموقف منه، وهذا الموقف يذهب في النهاية إلى إبادة الآخر وإلغائه من الوجود. كلا التنظيمين وجدا سهولة كبيرة في تبرير تواجدهما في غير بلد المنشأ، فـ «حزب الله» عبرَ الحدود اللبنانية - السورية كي يساهم في قتل السوريين بناء على أيديولوجيا مذهبية طائفية، ووصل أيضاً الى العراق في دعم الميليشيات العراقية التي تشتبه معه في الرؤية المذهبية والطائفية، أما «داعش» فهو الطرف المقابل تماماً لـ «حزب الله»، يقوم على رؤية طائفية مغرقة في التطرف، عبرَ بسهولة الحدود السورية من العراق والآن ربما يتمدد الى لبنان متبنياً خطاباً يقوم على تدمير المخالف عبر تكفيره.

كلا التنظيمين لم يشعرا بأي احترام لمبدأ الحدود، فالأيديولوجيا الطائفية التي يدافعان عنها عابرة للحدود. كلا التنظيمين يتصفان بمستوى مذهل من الدموية وحس الإبادة من دون أي احترام لفكرة الحق بالوجود والكرامة الانسانية على رغم أن الاسلام وهو المعين الذي ينهل منه كلا التنظيمين قام بالأساس من اجل تكريم بني آدم والنفس البشرية «ولقد كرمنا بني آدم»، ولكن كلا التنظيمين يتبنيان قراءة هي غاية في التعسف والتطرف للمبادئ القرآنية والإسلامية السامية.

يرتكب كلا التنظيمين جرائم لم تكن المنطقة لتشهدها من قبل بهذا الحجم من الاتساع والدموية لولا وجودهما وبالتأكيد تغذي وجودهما أنظمة مغرقة في الطائفية والدموية كالنظامين السوري والعراقي، لذلك يصح القول إن هذه التنظيمات هي عملياً التفريخ الطبيعي لأنظمة ما دافعت يوماً عن فكرة القانون او احترام الكرامة الانسانية.

يفتح اليوم تنظيما «حزب الله» و «داعش» صفحة جديدة في الشرق الأوسط، لكنها للأسف تقوم على الجريمة والدموية. التحدي هو في كيف ستستطيع المجتمعات العربية الوقوف في وجه صعود هذه التنظيمات والعودة بالشرق الأوسط الى فترته الذهبية في الخمسينات، التي كانت قائمة على الديموقراطية وتداول السلطة واحترام الكرامة الانسانية. هذه هي المرة الاولى التي تدعو فيها شعوب المنطقة الماضي للعودة وترفض الجديد الذي لا يحمل إلا قتلاً وتشريداً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا والعناصر السبعة

د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 29/1/2014

لست سياسياً، ولا أزعم ذلك، ولست من السياسيين، ولا أحب كثيراً منهم؛ فأنا جراح مهنتي تخفيف آلام الإنسان، ومهنتهم الكذب على الإنسان!

السياسيون معظمهم كذَبة، وبعضهم قتلة لا يتورعون عن سفك الدم. بل إن من يتربع على السلطة منهم عليه أن يكون جريئاً في عدم التردد والإحجام عن القتل.

نشرت مجلة «دير شبيجل» الألمانية بحثاً عن نابليون قالت فيه: «إن كل ليلة تمر عليه لا يمسك بزمام القوة والسلاح تعني نهايته في اليوم التالي».

أنا أسمع للسياسيين، لكن بعد إدخال كلماتهم المعجم السياسي ولوغاريتم الترجمة. مثلاً قائد عربي يقول: نفتش كل طائرة تأتي من طهران إلى دمشق كي نتأكد أنها لا تحمل سلاحاً. علينا أن نتوقع العكس. إنه يشحنها بمزيد من السلاح. وزير خارجية سوريا يقول إنه يحارب الإرهاب: ترجمتها: هو من ينتج الإرهاب.

في مقابلة مع رادوفان كراديتش الذي أصبح في قبضة العدالة في لاهاي، كانوا يسألونه: هل اغتصبتم خمسين ألف امرأة مسلمة؟ جوابه: من فعل هذا هم المسلمون. قتلتم كذا؟ جوابه من قتل هم المسلمون؟

إنه يعلم تماماً أن الجثث لا تنطق. وحين كان القضاة يوجهون مثل تلك الأسئلة للنازيين بعد سقوطهم في يد العدالة، كان جوابهم: إنها كانت أوامر وعلينا تنفيذها، وهو ما نتوقعه من أئمة الإجرام في دمشق بعد سقوطهم القريب.

كان صديقي المغربي يسألني: لماذا لا يتدخل الغرب من أجل إنهاء الصراع في سوريا، وهو قادر على ذلك؟

الجواب من جهتين: الإرادة والقدرة. هو يقدر لكنه لا يريد، فلماذا؟ رأينا بوضوح كيف رضخ النظام السوري لتهديدات أميركا في موضوع السلاح الكيماوي، وكذلك خروجه المخزي من لبنان، بعد مصرع الحريري، فهذا هو وحل السياسة.

البعض يصف النظام السوري بصفتين: الخوف وقلة الحياء؟ هو يرضخ تحت الضغط لأي شيء، وليس عنده حياء لممارسة أقبح الأفعال. مرد على النفاق، وأتقن فن الطغيان؛ فهذا هو فن السياسة كما جاءت في كتاب الأمير لميكيافيلي.

أنا رجل طبيب، وأحب توظيف العلم في السياسة، لعل ذلك يهديني سواء السبيل. وفي تقديري أن هناك مالا يقل عن سبعة عناصر تدفع الغرب إلى الإحجام عن التدخل في سوريا، لكنهم يراقبون مراقبة صارمة هذا المريض السوري بدون عناية مركزة. فقد فعلوا الشيء ذاته إزاء حريق كوسوفو والبوسنة قبل أن يطفئوه. ربما سيفعلون مع حاكم دمشق كما فعلوا مع سلوبودان،

العناصر السبعة المذكورة يمكن ضغطها في الباقة التالية: أمن إسرائيل، الشرخ الطائفي، محرقة المتطرفين، بيع الأسلحة، تربوي سيئ لتربية بقية الشعوب العربية على كلفة الثورة، الحرب العالمية في سوريا، الفوبيا الإسلامية أو الخوف من نهضة الشرق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أبعاد المؤامرة على سورية بين واشنطن وموسكو في مؤتمر جنيف؟

28.01.2014

الطاهر إبراهيم

قد يعجب المراقب من سكوت "سيرجي لافروف" على استبعاد مشاركة طهران في جنيف2، وهو يعرف وزنها في دعم حليفه بشار أسد. لكن إذا استحضرنا في الذهن أن موسكو لا تتخلى عن مواقفها المتعنتة التي بنتها على مصالح لها إلا إذا حققت مصالح أكبر، فإن العجب سيزول من هدوء أعصاب وزير خارجية روسيا "سيرجي لافروف" يوم افتتاح المؤتمر.  

كي نلقي الضوء على المصالح التي تأمل موسكو أن تجنيها من مؤتمر جنيف نلفت إلى كلمات جانبية قيلت أثناء افتتاح مؤتمر جنيف أماطت اللثام عن طبيعة الاتفاق بين واشنطن وموسكو. قال جون كيري في 23 يناير الجاري: "إن هناك دولاً كثيرة مستعدة لإرسال قوات حفظ سلام إلى سوريا". لافروف من جانبه، وإن أبدى استغرابه من عدم دعوة طهران، لكنه قال إن على المؤتمر أن ينطلق، ما يؤكد أن اتفاقا من تحت الطاولة حصل بين واشنطن وموسكو لفرض حل تحت البند السابع، فيما لو وصل مؤتمر جنيف إلى طريق مسدود.

يمكننا أن نخرج من كلام الوزيرين بأن هناك أجندة متفق عليها بين كل من واشنطن وموسكو، وهي فرض الحل بقوة السلاح اعتمادا على الفقرة 21 من بنود مقررات جنيف1، فتقوم قوات "الناتو" بفرض خطوط فصل بين الجيش الحر وقوات بشار أسد. ويمكن أن نستنتج أن قوات الناتو ستحاول نزع سلاح مقاتلي الجيش الحر، ومن لم يستجب من الفصائل فيتم قصفها وإبادة من يقاوم فيها. في المقلب الآخر سيتم ترحيل بشار أسد وأهله وكل رموز القيادات الأمنية عن سورية، وتجري إعادة هيكلة للأجهزة الأمنية بأسلوب قد يرضي المعارضة السورية السياسية ، التي لا تملك إلا أن ترضى، لأنها لا تملك ما تقاوم به الحلول الأمريكية. ربما يقبل الشعب السوري مؤقتا، لأنه يتخلص ولو مؤقتا من جلادي النظام الذين ذاق على أيديهم أقسى صنوف العذاب والقهر والإذلال.

موسكو سترحب بهذا الحل، وسيرفضه بشار أسد وحزب الله، وربما تقبله طهران مؤقتا. لكنها ستعمل على تقويضه فيما بعد، لأنها تعتبره نهاية حلمها الإمبراطوري الفارسي، وحجر عثرة في طريق "دولة ولي الفقيه" التي كانت تأمل قيامها في إيران والعراق وبلاد الشام. من جهته سيقاوم بشار هذا الحل بما تبقى لديه من عسكر، يساعده في ذلك حزب الله وجنود فيلق القدس الإيراني. وبطبيعة الحال فإن الجبهة الإسلامية سترفض ذلك، يؤاذرها في ذلك جبهة النصرة التي أصبحت المستهدف رقم (1) من قبل التكتل المكون من واشنطن وموسكو ودول حلف الناتو والمالكي في العراق.

هذه القراءة لا تعني أننا نقرأ في فنجان قهوة أو نضرب بمندل. فموسكو لم تترك فرصة تفصح فيها عن رغبتها بالقضاء على الإرهاب بحسب مقاييسها إلا نوهت بها. فهي تعتبر أن المقاتلين الجهاديين إرهابيون،لاتستثني منهم أحدا بمن فيهم الجبهة الإسلامية. أما واشنطن فتختلف قليلا عن موسكو. فقد حاولت، دون جدوى، التواصل مع الجبهة الإسلامية، لكنها ربما تنقلب عليها مستقبلا. وهي تحارب جبهة النصرة لا لأنها إرهابية حسب مقاييسها،بل لأن الجبهة أثبتت أنها شديدة المراس، وتحظى بعطف البيئة الحاضنة في المناطق التي تقاتل فيها. وكما قلنا حاولت واشنطن الاتصال بالجبهة الإسلامية التي تظن أنها يمكنها، بالضغط على دول تمولها وتمدها بالسلاح، لتمنع عمها التمويل والسلاح، ما يجعلها ترضخ تحت الضغط وينفرط عقدها، فلا تجد أمامها إلا الانضواء في جيش يشكل في سورية  كجيش "بول برايمر" في العراق.

قراءة واشنطن للمشهد السوري موهمة لأنها لا تأخذ في اعتبارها:أنه "ما كل أحمر طربوش" . فإذا وجدت أن الائتلاف غير المنتخب من الشعب السوري، يضرب بعرض الحائط ما أجمع عليه أعضاء الائتلاف من نظام داخلي لا يتم تعديله إلا بموافقة ثلثي أعضاء الائتلاف، أي 81 عضوا من أصل 121 عضوا. لكن تحت ضغط الوزير "جون كيري" وافق 58 عضوا فقط على حضور مؤتمر جنيف، أي أقل من النصف. ليس هذا فحسب. بل جاءت موافقة الائتلاف بعد رفض الفصائل العسكرية الذهاب إلى جنيف، وقالت الفصائل المقاتلة في من يقبل الذهاب إلى جنيف ما لم يقله مالك في الخمر.

فإذا حصل ما يتوقعه أكثر المراقبين ووصلت مفاوضات جنيف إلى طريق مسدود، وقررت دول مجلس الأمن إصدار قرار تحت البند السابع بإيقاف القتال في سورية، وكان المقصود من هذا القرار تجريد الفصائل العسكرية من سلاحها، فستجد واشنطن: أنه "ليس كل الطيور تؤكل لحومها"، وربما تخوض واشنطن معارك فيتنام أخرى في سورية، وستجد أن الذين حضروا جنيف لا يمثلون إلا أنفسهم، وأنه "ما كل أحمر طربوش".

*كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : أناس يفاوضون ... وأناس يتفرجون !! .. تلك هي القسمة الضيزى

27.01.2014

زهير سالم

لم أحدد موقفا شخصيا من جنيف . لم أكن مع ولا ضد . كتبت أكثر من مرة : الحمد لله الذي عافني من الفتوى في هذا المقام – وهي والله فتوى وأي فتوى تستحل بها الحرمات الدماء والأعراض أو تصان – وكتبت إن مسئولية هذه الفتوى تقع على عاتق الذين أوصلوا المعارضة السورية إلى هذا المربع الضنك ...

واليوم حين أتابع المشهد يبقى قلبي مع الذين قرروا الذهاب أدعو لهم بالتوفيق إلى الخير ، أتفهم دوافعهم كما أتفهم كل النصائح السلبية التي قدمت لهم ، والاعتراضات التي طرحت في طريقهم . إن أبسط ما يمكن أن أؤكده في هذا المقام أنهم في اختيارهم الذهاب في الظرف الذي اختاروه فقدوا الكثير من مرتكزات شرعيتهم ، بل إنهم يذهبون بلا شرعية تمثيلية غير ما يمكن أن يكسبوه من طبيعة إنجازهم . لقد توقف الكثيرون عن منحهم اسمهم يفاوضون به : الائتلاف المنشق والمنشطر بمعنى أنه شقان وشطران ، والمجلس الوطني المنسحب – ولا أدري كيف – وجماعة الإخوان المسلمين التنظيم الوازن في الساحة السورية التي قالت لا واضحة لجنيف إلا بشروطها التي لم يتحقق منها شيء ..

سيستمد هؤلاء المفاوضون شرعيتهم إذن من قدرتهم على إثبات وجودهم ، وكسب المصداقية لمشروعهم حتى ولو كانت هذه المصداقية في جعل فريق بشار الأسد ينسحب . انسحاب وفد بشار بكل ما فيه من عدمية وسلبية سيكون نصرا مؤزرا لهم إذ يكفيهم نصرا أنهم سجلوا للثورة موقفا إيجابيا وكشفوا كذب الفريق الآخر وادعاءه ..

ولكن ماذا على الطرف الآخر من المعادلة ؟! ماذا بالنسبة للفريق الذي قال : ( لا ) لجنيف وللمفاوضات ؟! أين هي بدائله ؟! وبأي شغل يشتغل حين يقرر أولئك الذين وصفهم بالمفرطين والمغرورين والخارجين على ثوابت الثورة أن يمارسوا قناعاتهم ..

إن مجلس المتفرج على الممارسة ( السياسية أعني ) هو مجلس العاجزين . وسواء كان المتفرج مشجعا أو متلمظا أو متربصا أو منتقدا عيّابا فهو في كل الأحوال يحكم على نفسه بالعجز وسوء الاختيار ..

أتابع بعض المتفرجين والملهوفين على ما فاتهم من ( إثبات حضور ودور ) يتخوفون على ضياع مكان أو مكانة ، وبئس المكان وبئست المكانة اللذان يصنعان في جنيف أو يستمدان عصب قوتهما منها . إن الذين يتخوفون على ضياع دورهم في وطنهم أو في ثورتهم هم أولئك الذين لم يستطيعوا خلال السنوات الطوال أن يُمسكوا بعصب السيادة الحقيقي : سيد القوم خادمهم. يتخوفون على دور يُعطى من الروسي والأمريكي ولا يجاهدون من أجل دور يؤخذ بالعمل الصادق الجاد الصائب والدؤوب .

حين تقدم الكثيرون بالاعتراض على الذهاب إلى جنيف كان من مفاصل اعتراضاتهم أنهم سيغرقون الثورة السورية هناك - لا فروف أو المعلم أو الإبراهيمي - ولا فرق ، في التفاصيل الصغيرة المملة على حساب دماء السوريين وحساب وقت الثورة وجهدها ، وكانوا في هذا على كثير من الصواب ومقتضى هذا أنهم اليوم قد أداروا ظهرا للفيلم الممل المعاد المكرور وشمروا عن ساق وساعد وتنادوا :

هذا أوان الشد فشدوا ... والقوس فيه وتر عرد

لا بد مما ليس منه بد

يحاول بعض الذين حيل بينهم وبين ما يشتهون من صدر وصورة ، أن يستحضروا تجارب التاريخ تقريعا وتوبيخا لمن خاف من مراقصة وليد المعلم فيذكرون تجارب شعبنا في العراق مع بريمر ، أو تجاربنا يوم صنع الاستقلال ، والاستفادة من دروس التاريخ حق على العقلاء . ولكن التجارب لا يقتنص طرف من أطرافها أو عنصر من عناصرها دون بقية العناصر والأطراف ..

نحن اليوم في سورية أمام تجربة تاريخية تكاد تكون فريدة في تاريخ قطرنا ومنطقتنا، تجربة أعيت بشار الأسد وكل أدوات سلطته ومرتكزات قوته ، كما أعيت الإيرانيين بكل حقدهم ومكرهم ، والروس بكل خبرائهم وعتادهم ؛ ولا أريد أن أضيف ولو أضفت لما كنت مخطئا أو ملوما . لأن كل الداعين إلى جنيف يريدون لهذه الثورة : احتواء وليس انتصارا . أكرر كل الداعين إلى جنيف يريدون لهذه الثورة احتواء وليس انتصارا .. وإلا فليخبرني هؤلاء الأخوة الذين يستحضرون تجارب التاريخ تأوها وإشفاقا متى تجمع لثورة أو شعب في تاريخ المنطقة أكثر من مائة ألف مقاتل تحت السلاح تجمعهم العقيدة والفكرة والإرادة وكل الذي يحتاجون إليه الإدارة الحكيمة البرة التي توحد وتخطط وتنسق ، تلم الشعث وتجمع الشمل وتخوض الغمرة وتكشف الغمة وتنصر الحق ..

ودور هذه الإدارة هو المطلوب وهو البديل عن القسمة الضيزى عن الفرجة على الممارسة السياسية تجري في جنيف أو في غير جنيف

لندن :25 / ربيع الأول / 1435

26 / 1 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد ، المالكي ، السيسي ..تعددت الأشكال والمضمون واحد

29.01.2014

د. محمد أحمد الزعبي

خطرت لي فكرة هذه المقالة ، وأنا أستمع يوم أمس إلى تصريحات وتصورات هذا المثلث من وزراء الدفاع العرب والتي كان يتداخل فيها ماهو سياسي مع ماهو ديني مع ماهو عسكري ، وكانت تصب جميعها في طاحونة واحدة ، هي وضع حد لموجة الربيع العربي التي انطلقت من تونس في شهر ديسمبر 2010 ، وامتد ت إلى دول عربية أخرى كثيرة ومعروفة ، ومن بينها دول هؤلاء " الفرسان الثلاثة !!" ، مصر وسورية والعراق .

وإذا كان شكل الممارسة ، في هذه الأقطار العربية الثلاثة ، متاح عبر مختلف وسائل الإعلام ، للجميع ، ولا سيما أشكال وأنواع مابات معروفاً تحت مسميي " الاستبداد والفساد " فإننا في هذه المقالة سوف نسلط الضوء ، من منظور علم الاجتماع السياسي ، على بعض الزوايا ، التي يمكن أن تكون بحاجة إلى النبش والحفر والكشف عن بعض غوامضها التي يمكن ألاّ تكون متاحة للجميع , لكن بصورة مكثفة ومختصرة .

1. إن هولاء الفرسان الثلاثة المذكورين في عنوان هذه المقالة ، هم الرتبة الأعلى في بلدانهم مدنياً وعسكرياً ، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون ،

2.كلهم وصلوا إلى السلطة عن طريق " الدبابة " ، ثم تربعوا هم ودباباتهم على ظهر الشعب بدون إذن منه ،

3.كلهم مارس ويمارس رباعية التدليس و الكذب والتزوير والقتل ، تبريراً لوصوله غير الشرعي إلى سدّة الحكم ، ومن أجل بقائه واستمراره في هذه السدّة أطول مدة ممكنة ،

4. كلهم يظهر مالا يبطن ، يقول شيئاً ويفعل شيئاً آخر ، في إحدى جعبتيه خطاب للشعب ، وفي الجعبة الأخرى خطاب لأتباعه وأزلامه ومرتزقته ( الشبيحة ، البلطجية ، واللطمجية ...الخ )

5. كلهم يتبعون عندما يجلسون على كرسي الحكم نفس " خارطة الطريق " ، والتي هي بصورة أساسية :

+أنهم اضطروا لقبول هذه المسؤولية من أجل حماية الشعب من " الإرهاب " ! . والإرهاب هنا هو واقعياً الإسم الحركي ل " الشعب " الذي يحكمونه ويتحكمون به وبمقدراته عامة ، والاقتصادية خاصة ،

+ تقتضي لعبة مكافحة الإرهاب ، أن يكون الجيش وكافة قوى الأمن تحت قيادة الرئيس ، تحقيقاً لهذا الغرض ،

+ وتقتضي ذات اللعبة ، أن يكون القمع الذي سيمارسه الجيش و /أو أجهزة الأمن بمختلف أشكاله ودرجاته ، محميّاً بالدستور والقانون ، طالما أن ممارسته كانت في إطار " مكافحة الإرهاب !! " ، والذي سنّ له المسؤولون المعنيون قانوناً خاصاً ، لحماية من تتلطخ أيديهم من أتباعهم بدماء أبناء الشعب ،

+ تقتضي ذات اللعبة أيضاً أن يعتمد الحاكم على أبناء عشيرته ( عصبيته) ، . مع المفهوم الخلدوني للعصبية بصورة عامة ( عصبية الدم ) علماً أن مفهوم العصبية الحديث ، يتجاوز الجانب البيولوجي الذي كان سائداً في القرن الرابع عشر ( قرن ابن خلدون ) إلى الجانب الأيديولوجي والديني في القرن الواحد والعشرين ( قرن الفرسان الثلاثة ) ولكنه ( مفهوم العصبية الخلدوني ) يتطابق إلى حد بعيد مع عصبية عائلة الأسد الحاكمة في سوريا ولا سيما قوله "اعلم أن كل حي أو بطن من القبائل ، وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ، ففيهم أيضاً عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاماً من النسب العام لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لامثل بني العم الأقربين أو الأبعدين ... والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام إلاّ أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة ، والرياسة تكون فينصاب واحد منهم ولا تكون في الكل " (عبد الحمن بن خلدون ، المقدمة ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، 1961 ط2 ) .

+ التنسيق بين أجهزتهم الأمنية والعسكرية ، وأجهزة الدول الغربية الكبرى ( دول المصنع والمدفع والإنترنت ) وأيضاً مع بعض الدول العربية ، حول قضيتين أساسيتين هما : مكافحة الإرهاب عامة ، والإرهاب الاسلامي خاصة (!!) ، وحل القضية الفلسطينية ، حلاً لايتعارض مع بقاء إسرائيل ولا مع استمرار وظيفتها الاستراتيجية في المنطقة ، أي عملياً حلاًّ غير عادل ، وغير أخلاقي ، وغير منصف .

6. يصادف هذا اليوم الذكرى الثالثة لجمعة الغضب في جمهورية مصر العربية ، والتي أطاحت بالرئيس المصري آنذاك محمد حسني مبارك ، وحرمته من توريث حكم مصر لولده جمال ، ويصادف أيضاً بدء محاكمة الرئيس المصري الشرعي محمد مرسي ، بتهم كاملة التلفيق ، وذلك تمهيداً لفتح الطريق أمام عبد الفتاح السيسي نحو تحقيق حلمه في رئاسة مصر . إن ما ينبغي قوله هنا ، حول هذا الموضوع ، هو أن موقف ناصريي مصر المؤيد لانقلاب السيسي العسكري بتاريخ الثالث من تموز 2013 ، إنما هو مأخذ كبير عليهم ، ذلك أن الرئيس جمال عبد الناصر شيئ ، وعبد الفتاح السيسي شيء آخر ، أكاد أقول أن نسبة الاختلاف بين الرجلين تكاد تلامس رقم ال 100% ، فعبد الناصر انقلب على نظام ملكي وراثي ، ذي جذور غير مصرية وغير عربية ، بينما انقلب السيسي على نظام شرعي منتخب ديموقراطياً ، الأول كان واقفاً كالطود في وجه المصالح الأوروأمريكية والإسرائيلية ، ليس في مصر وحدها ، وإنما في كل الوطن العربي ، والثاني دفعت به هذه المصالح نفسها إلى أن يقوم بفعلته الدموية الشنيعة ، بعد مرور أقل من عام على استلام محمد مرسي السلطة .

اعرف أن الدول الغربية ( ومنها ومعها الولايات المتحدة الأمريكية ) قد تغاضت من جهة عن تنحية حسني مبارك ، وتغاضت من جهة أخرى عن وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر ، لأنها كانت تعرف تماما مدى عمق العداء التاريخي بين التيار الناصري في مصر وجماعة الإخوان المسلمين ، ولذلك فإن وصول الإخوان إلى السلطة في مصر ، شكل نقطة انبجاس النار التي كانت تحت الرماد ، وهذا ماكانت تبحث عنه وتنتظره الدول الغربية ، لأسباب تتعلق بمصالحها من جهة ، ولأمن الكيان الصهيوني في فلسطين من جهة أخرى . لقد كان الناصريون هم العمود الفقري لجبهة الإنقاذ ، والتي وظفها السيسي -- مع الأسف الشديد -- منذ اليوم التالي لانتخاب مرسي ،لتنفيذ انقلابه ، وتسويقه على أنه من أجل الشعب ، بل وبأمر من الشعب ( !!) .ولابد من تحميل جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية السياسية عن تفردهم بالحكم ، وعن عدم تصالحهم وتحالفهم مع التيار الناصري في مصر ، حيث يمثل الطرفان معاً الركيزة الأساسية لاستقرار مصر ولأمن مصر ولجيش مصر . نعم إن مسؤولية الدماء الطاهرة التي تجري فوق ارض الكنانة هذه الأيام ، إنما يتحمل مسؤوليتها -- من وجهة نظرنا -- بالإضافة إلى المشير (!) عبد الفتاح السيسي قائد إنقلاب 3 تموز 2013 ، كل من الإخوان المسلمين ، والتيار الناصري ، بصورة أساسية ، ولست أدري فيما إذا كان ما يجري الآن في مصر يتعلق بصراع على السلطة ، أم بأمور أبعد من ذلك ؟ ! ، والله أعلم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر جنيف -2 وألغام الروس الدائمة ...!!!

23.01.2014

د. خالد ممدوح العزّي

إن "جنيف -2" فرصة حقيقية لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، بسبب الفاجعة الانسانية التي تصيب المجتمع السوري، وبظل السكوت والتواطؤ الدولي  .فإذا كان مؤتمر جنيف-2 الذي يعقد في 22 يناير بحضور 30  دولة والتي  تعتبر نفسها فاعلة ومؤثرة بالملف السوري بحسب عربي المؤتمر "الروس والأمريكان" اللذان اعدى دعوات هذا اللقاء منذ 6 شهور. لقد وضع جدول اعمال اولي للمؤتمر بعد جدال وبحث طويل مؤلف من ثلاثة بنود :

1-حل المشكلات الانسانية في سورية وتامين طرق امنة لإيصال المساعدات .

2-التوافق على سحب القوات الاجنبية من سورية ومنع تدفقها .

3- التوصل الى ايجاد صيفه تقضي بتشكيل ادارة انتقالية من قبل النظام والمعارضة .

وهذه البنود التي تؤمن الوصول الى تنفيذ اتفاق جنيف-1 الست تدريجا بعد وضع اسسا للثقة بين الاطراف المتصارعة وحثهما على تنفيذ هذه البنود.

لكن الواضح جدا بهذا اللقاء، هو غياب الثقة المفقودة بين المجتمعيين ( المتصارعين والراعيين )وخاصة الذين يعتبرون انفسهم لاعبين اساسيين في الميدان السوري، فكل فئة تحاول ايصال ما تريده بواسطة السلاح،  وبالتالي الجميع يعرفون بان المشكلة طويلة وجنيف -2 لن يكون الحل وربما سوف سيكون جنيف 3- وحتى جنيف 10. ولكن لابد من القول بان جنيف -1 هو الاساس في أي حل قادم للمشكلة السورية .وبالرغم من وصول الوفود الى سويسرا  وفي هذه اللحظات لا تزال المدن السورية تدك بالبرميل المتفجرة ولا تزال المناطق محاصرة  والأطفال يسقطون جوعا على مذابح سكوت النظام العالمي .

وبالرغم من تمسك الروس بالقانون الدولي وحل المشكلة السورية عن طريق الحوار السياسي لا يزال الروس موقفهم ملهم وعير واضح ، يزودون النظام بالأسلحة والمعدات اللوجستيه ولا يزال الروس يهددون بالفيتو  ويعقون أي مبادرة انسانية لإيصال المواد الغذائية ،فالروس الذين حاولوا لعب لعبة خبيثة في هذا المؤتمر  بتلغيم مؤتمر جنيف- 2 وإفراغه من مضمونه الاساسية وذلك من خلال اخذ مؤتمر جنيف 2- نحو مؤتمر لمحاربة الارهاب وبإجماع دولي بظل هذه الدول الحاضرة وبالتالي يكون الرئيس الاسد شريكا فعليا  وفعالا في هذه العملية التي تكمن في محاربة الارهاب بجهود دولية،وإبعاده عن مضمونه الاساسي الذي تفجرت الثورة في 15 مارس 2011 لأجله . فالروس الذين لا يرضون بوصول المعارضة الى السلطة في سورية تحت حجج وهمية وكاذبة ، يعملون  جهدا لإفشالها ومحاصرتها وخاصة بعد فشلهم بإيجاد معارضة طوال الفترة  الماضية تناسب نظام الاسد . ففي المؤتمر سوف يتقدمون باقتراح سريع يقوم بإجراء انتخابات رئاسية خلال ثلاثة شهور وبمراقبة دولية يشارك فيها الرئيس الاسد الى جانب مرشح المعارضة كي يقوم شخصيا بإدارة المرحلة القادمة. وهنا يكمن بيت القصيد عن الروس الذين لا يزالون يتمسكون بالأسد ونظامه رغما عن كل الاحداث التي لا تزال مستمرة منذ 35 شهرا . فالروس الذين يمدون الاسد ويشجعونه على ممارسة القتل والعنف ويعطونه الفرصة تلو الفرصة ، وبأنه يستطيع الحسم وهذا ما اكده لهم يوما بأنه قبل المؤتمر سوف يسيطر على 80% من الاراضي التي سيطرة عليها المعارضة .

فالغرض  من الافشال هو تآمر الروس والإيرانيون ونظام الأسد لإفساد المؤتمر بخطوات مختلفة. فالروس مارسوا ضغطا كبيرا للسماح لإيران بوفد يشارك في المؤتمر، وبالتالي تغيير معادلة الحضور لدعم الوفد السوري. أيضا، الروس سعوا منذ البداية إلى مؤتمر بشروط مسبقة، وتحديدا رفض مقررات مؤتمر جنيف الماضي الذي تبنى مشروع نظام يجمع بين المعارضة وبعض من نظام الأسد، مع إبعاد الأسد نفسه عن الحكم. وأراد الروس مسح المقررات السابقة لأنها تتضمن صراحة دعوة لسحب القوات الأجنبية المقاتلة على الأرض السورية، والمعني بها هنا الحرس الثوري الإيراني وعصائب الحق العراقية، وميليشيات حزب الله اللبنانية. والجميع متفقون على إبعاد الجماعات الجهادية الأجنبية مثل "داعش".

 وبظل حقل الالغام التي تحاول روسيا وضعه امام اتفاق جنيف -2 وقع الأمين العام للأمم المتحدة في احدى هذه الالغام الذي نصبه الروس والإيرانيون شمالا ويمينا،  لقد وجهه الدعوة  بن كي مون  دعوة لإيران لحضور المؤتمر  بعد موافقة  وزير الخارجية الايرانية الشفهية على جنيف 1  والمعروف بان ايران والنظام السوري لهم باع طويل في ممارسة فن البراغماتية السياسية واللعب على الكلام  والقرارات .وبهذه الدعة الغير منتظرة   ساهمت  بأربك  مواقف جميع الدول التي وافقت على حضور جنيف-2 وممارسة يدورها ضغوط كبيرة على المعارضة السورية .

وبهذا الصدد سارعت مصادر روسية بان الامين العام للأمم المتحدة بن كي مون سوف يقوم بسحب دعوته لإيران للمؤتمر والعقبة هي السعودية التي نجحت في فرض شروطها على الجميع وتهديد الائتلاف السوري المعارض بعدم المشاركة. وهذا ما اكدته مديرة مركز آسيا والشرق الأوسط بموسكو يلينا سوبونينا ضيفة الحلقة الجديدة من برنامج "حديث اليوم" في قناة روسيا اليوم في 20 يناير 2014 أن المشكلة الرئيسية التي تعرقل مشاركة إيران في مؤتمر "جنيف-2" الخاص بسورية تكمن في موقف الرياض وليس واشنطن.

وحسب قراءة عبد الرحمن الرشد في صحيفة الشرق اللندنية  ب21 يناير 2014 :" فالهدف كان منع مؤتمر جنيف -2 من الانعقاد بأي وسيلة ممكنة، وبالتالي منع مشروع بديل ليشار الأسد، وإبقاء المعارضة السورية محاصرة في إسطنبول خارج الحدود.والعمل على اضعافها من خلال وضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي بأنها غير جدية وغير قادرة على تمثيل الشعب السوري في اية محافل دولية ".

وبخاصة هذه المعارضة التي تعاني من مشاكل داخلية كثيرة بسبب توزيع المعارضة والمعارضين، اضافة الى المشكلة الاصعب والاهم التي تمثلت بصعود داعش الصاروخي الى الواجهة السورية وسرقتها للثورة بدعم استخباراتي روسي وإيراني بسبب استخدامها من قبل الاسد للمرات العديدة في انقاض نظامه وتهديد الغربها .

يبقى نجاح مؤتمر جنيف-2  مرهونا بالموقف الروسي بالتخلي عن التمسك بالأسد ونظامه والعمل الفوري على حل معاناة ومأساة الشعب السوري وإطلاق اسره من نظام الاسد وهجمة داعش .وعلى امريكا ان تعلم بان استقرار الوضع السوري سوف ينهي ظاهرة الارهاب التي تأخذه ذريعة لمحاربة الارهاب  وتعمل على حلول مؤقتة وتستعين بهذه الانظمة على حساب الشعوب التي من حقها الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية .

كاتب اعلامي وباحث مختص بالشؤون الروسية ودول الكومنولث .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المؤتمر الذي خسرناه قبل أن ينعقد

23.01.2014

مجاهد ديرانية

اختلف الناس في المؤتمر: أنشارك فيه أم لا نفعل؟ ولكلٍّ من الفريقين مبرّراته التي يبرّر بها موقفَه، ومنهم كثيرون من المخلصين الذين يريدون بسوريا الخيرَ ويَرْجون للسوريين الخلاصَ من الكابوس. ومع أنني كنت على الدوام من الفريق الثاني (لا للمشاركة) إلا أنني احترمت وجهة نظر الفريق الأول وافترضت أنه يصدر في موقفه عن اجتهاد مخلص. وبما أن الأمر قد حُسم فلم تعد المشاركة في المؤتمر هي محل البحث، بل طريقة المشاركة.

 إن كل ما شاركتُ فيه من مفاوضات طَوال حياتي كان في صفقات تجارية، ليس أكثر، وقد علّمتني الحياة -كما علّمت كلَّ واحد من الناس- أنّ مَن أراد الحصول على مكاسب فلا بدّ أن تكون في يده أوراقُ ضغط ومساومة، فالتاجر الذي يملك السيولة الكافية ويستطيع الدفع نقداً ومقدّماً يحصل على أفضل الأسعار، أما الذي يفاوض وجيوبه خاوية فإنه لا يحصل إلاّ على أسوأ العروض، وقد لا يحصل على شيء منها أصلاً.

 لقد سألت نفسي وسألت غيري من العقلاء مئة مرة ولم أحصل على جواب: ما هي أوراق الضغط والمساومة التي ذهبَتْ بها معارضتنا العظيمة إلى جنيف؟

 فكّرتُ كثيراً فلم أجد إلا ورقة واحدة، رمتها المعارضة في النار من قبل الذهاب فلم يبقَ معها غيرُها. لقد كان "الذهاب إلى المؤتمر" هو الأمر الوحيد الذي تستطيع المعارضة أن تساوم عليه، فقد استمات المجتمع الدولي كله -بشرقه وغربه- في سبيل انعقاد المؤتمر ومشاركة المعارضة فيه.

 بما أن الائتلاف فشل في انتزاع أي مكسب للثورة مقابل مشاركته وذهب بلا شروط، فماذا سيحقق في المؤتمر؟ وما الأوراق التي سيضغط بها على النظام السوري المجرم وعلى النظام الدولي المتآمر على ثورة السوريين؟

* * *

كنا نريد من المعارضة أن تنفع السوريين بأمرين على الأقل. لن نطالب برحيل بشار السفاح ولا بسقوط النظام جملة واحدة، فهذا لن يصنعه إلا الأبطال على الأرض السورية نفسها، لن يصنعه المفاوضون في جنيف ولا في موسكو ولا في واشنطن ولا في غيرها من بلاد الدنيا.

 لا يا سادة، لا نريد منكم أن تشترطوا سقوط النظام ورحيل الأسد حتى تذهبوا، كنا نريد فقط أن تعلّقوا موافقتكم على فك الحصار وإطلاق الأسرى. هل كثيرٌ أن تطلبوا فك الحصار إلى الأبد؟ إذن فاطلبوه أسبوعاً، اطلبوه ثلاثة أيام. وهل إطلاق الأسرى كلهم طلب تعجيزي؟ حسناً، ماذا عن الأسيرات فحسب؟ سامحناكم في مئة ألف أسير، ولكن ماذا عن عشرة آلاف أسيرة يسومُهنّ مجرمو النظام العذابَ فيمُتْنَ كل يوم ألفَ مرة؟

 لن أقول "لو كنتم سوريين"، سأقول: لو كنتم رجالاً فيكم نخوةُ الرجال ومروءة الرجال وشرف الرجال لما ذهبتم لتجالسوا القتلة فيما يفتك وكلاؤهم بأسيراتنا في السجون.

 حضرات السادة أعضاء الائتلاف الذين ذهبوا إلى المؤتمر: لقد سقطتم من يوم قبلتم بالذهاب إلى جنيف ذهاباً رخيصاً بلا مقابل، لا بواكي لكم بعد اليوم. واسمعوها بالصوت العالي: الائتلاف الفاشل لا يمثلني، وأحسب أن الائتلاف الفاشل لا يمثل أحداً من السوريين الأحرار.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com