العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01/12/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حلف الممانعة يهدد إسرائيل ويرد في سورية!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 23-11-2013

تكتـّم حزب الله اللبناني طويلاً على وجود قواته في سورية، وظل يبرر عملياتها بأنها كانت مجرد دفاع عن الأراضي اللبنانية المحاذية للحدود السورية. ولطالما نفى الناطقون باسم الحزب أي تورط لقواته في الصراع الدائر في سورية.

لكن سرعان ما راح حسن نصر الله يعلن بالفم الملآن أنه أرسل قواته للدفاع عن المراقد والمزارات الشيعية في سورية، وخاصة مرقد السيدة زينب جنوب دمشق. وعندما انكشفت هذه المزاعم، وبدأ عدد المقتولين اللبنانيين يتدفق على الضاحية بأعداد كبيرة، وغصت المشافي اللبنانية بجرحى الحزب، تغيرت المزاعم على الفور، وراح الحزب يعلن أنه توجه إلى سورية لمقاتلة ‘التكفيريين’ والإرهابيين’ ‘أذناب الصهيونية والامبريالية وأدواتها’ أعداء ‘المقاومة والممانعة’.

وكذلك صرحت إيران وميليشيات نوري المالكي العراقية التي نسيت بأنها صنيعة ‘الامبريالية’، وأنها عادت إلى العراق على ظهور الدبابات الأمريكية، وراحت تعلن عن عملياتها ضد الجماعات التكفيرية ‘المدعومة صهيونياً وأمريكياً’ في سورية. (شوفو مين عميحكي)؟ قال ‘تكفيريين’ قال!

مع العلم أن النظام الإيراني يقوم بتكفير أي شيعي لا يؤمن بولاية الفقيه الوضعية، فما بالك بأمور عقدية أخطر وأعقد، فمصير من يخالفها جهنم وبئس المصير.

لقد أصبح الشعار الأعرض الذي يتستر به فيلق القدس الإيراني برئاسة قاسم سليماني وحلفاؤه ‘الحزبلاتيون’ والعراقيون والحوثيون والباكستانيون والأفغان هو شعار ‘مقاتلة عملاء الصهيونية والامبريالية’ في سورية!

ولما لا، فهو شعار براق يتوافق مع شعارات ‘المقاومة والممانعة’، ويمكن الضحك به على ذقون الذين ما زالوا مغفلين، خاصة بعد أن بات معظم الشارع العربي يسمي الممانعة ‘مماتعة’ لإسرائيل في النهار، و’مساكنة’ في الليل.

لكن لا بأس، فلا مانع من استخدام نفس الأكاذيب والمسوغات لتبرير التدخل السافر في سورية ضد الشعب السوري وقواه الحية. يا سلام: لقد تحول الشعب السوري الذي لطالما تغنى حزب الله وإيران بأنه شعب ‘مقاوم’، فجأة إلى شعب ‘متصهين’ وعميل للإمبريالية و’الشيطان الأكبر’، وبالتالي لا بد من مقاومته وممانعته على الطريقة الإيرانية الحزب اللاتية المعهودة.

وبقدرة قادر لم تعد الصهيونية ولا الامبريالية ولا الشيطان الأكبر يقبع في تل أبيب، ولا في الجليل، ولا في البيت الأبيض، بل صارت كلها في قرى ‘القصير’ و’تلكلخ’ و’مهين’ التابعة لمحافظة حمص السورية، وفي أقصى الشمال السوري في ريف محافظة حلب كقرى ‘نبل والزهراء’ و’السفيرة’ و’مارع، وفي قرية ‘بصرى الشام’ بمحافظة درعا في الجنوب، وفي قرية الحجيرة جنوب غرب دمشق، والسيدة زينب جنوب العاصمة، و’الذيابية’ بالقرب من المطار الدولي، ناهيك عن ‘عقربا’ و’المليحة’ و’المعضمية’ و’داريا’، وكلها قرى تابعة لمحافظة ريف دمشق.

لقد بلغنا من العمر عتياً، وهذه هي المرة الأولى التي نعرف فيها أن الصهيونية تقبع في قرانا السورية الوادعة في الجنوب والشمال والغرب والشرق! لا بد أن نشكر حسن نصر الله على أنه اكتشفها لنا بعد كل هذا العمر الطويل. ولا بد أن نقبـّل يديه أيضاً على أنه جاء يحرر القدس المحتلة في قرى ريف دمشق وحلب وحمص ودرعا والسويداء وإدلب.

عجيب والله: الطريق إلى القدس يمر من ‘أريحا’ السورية في ريف إدلب، وليس من ‘أريحا’ الفلسطينية مثلاً. يبدو أن مقاتلي حزب الله بحثوا عن قرية ‘أريحا’ في ‘غوغل إيرث’، فلما وجدوها توجهوا إليها للقتال من أجل فلسطين على الفور، لكن دون أن يعرفوا في ما إذا كانت هذه ‘الأريحا’ في سورية أو فلسطين! المهم أنهم وجدوا ‘أريحا’، ولا بد للانطلاق منها لتحرير القدس حتى لو كانت في أقصى الشمال السوري بالقرب من مدينة إدلب الشهيرة.

‘أليس الأقربون جغرافياً أولى بالمعروف يا سيد نصر الله’، يصيح أحد السوريين ساخراً؟ لماذا تتجشم ميليشياتك عناء الطريق إلى شمال سورية، وتقطع مئات الكيلو مترات لتقتص من ‘عملاء الصهاينة’ المعادين لحلف ‘المقاومة والممانعة’ هناك، بينما أسياد ‘العملاء’ الذين تلاحقهم على الأرض السورية موجودون على مرمى حجر من ميليشياتك في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، كما تسميها؟

لا شك أن غالبية السوريين والعرب، كما ترون، يسخرون من المزاعم الإيرانية والحزب اللاتية والعراقية الكوميدية بأنهم يقاتلون ‘عملاء الصهيونية’ في سورية. ولا أحد يأخذ مزاعمهم على محمل الجد، بل راح الكثيرون يهزأون بتلك الحجج الواهية التي لم تعد تنطلي حتى على الأطفال. قال شو قال: ‘نحن نخوض المعركة ضد الصهاينة في سورية’!؟

‘طيب’، يصيح أحد الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي: ‘يا خرتيت الضاحية إذا كان مرتزقتك موجودين في سورية للدفاع عن فلسطين، فلماذا لا ترسلهم مباشرة الى فلسطين؟ أليس منطقة الجليل المحتلة أقرب اليك واليهم من حلب السورية الواقعة على الحدود التركية’؟ لماذا لا تستعين بـ’غوغل إيرث’؟

وبالأمس وجهت إيران أصابع الاتهام لإسرائيل مباشرة بعد تفجير السفارة الإيرانية في بيروت. وهذه شجاعة لا بأس بها. لكن السؤال المطروح الآن: هل سترد إيران وحلفاؤها في المنطقة على إسرائيل مباشرة، كما تفعل إسرائيل ضد كل من يعتدي على سفاراتها، أم انها كالنظام السوري الذي يتلقى الضربة الإسرائيلية تلو الأخرى، لكن بدلاً من الرد على إسرائيل يرد على أطفال الغوطة بالكيماوي؟!

هل سنرى ‘صواريخ’ حزب الله مثلاً تدك المدن الإسرائيلية انتقاماً للأبرياء اللبنانيين والإيرانيين الذين قضوا نحبهم في تفجير السيارة الإرهابي الذي اقترفته أياد صهيونية حسب المزاعم الإيرانية؟ أم ان كل الصواريخ التي تنطلق من لبنان على إسرائيل أصبحت ‘صواريخ مشبوهة’، كما وصفها حسن نصر الله عام 2009؟ هل سترد طهران على ‘الصهاينة’ في تل أبيب مثلاً ثأراً لسفارتها المفجوعة؟ أم انها وجهت الاتهامات مباشرة لإسرائيل، لكنها سترد في طرابلس بلبنان، أو في سورية على ‘أذناب الصهيونية’ في حلب ودرعا ودمشق وحمص أيضاً؟ ‘أليس من الأجدى أن تضرب رأس الأفعى في تل أبيب، بدل أن تضرب ذيلها المزعوم في حمص مثلاً؟’ وإذا كانت إسرائيل مشتركة في المؤامرة على ‘المقاومة والممانعة’ فلماذا لا تردون عليها في عقر دارها بدل ريف دمشق؟’!

إلى متى تهددون إسرائيل ثم تردون في سورية؟ طبعاً سيردون على إسرائيل ‘بالمشمش’، خاصة بعد أن أعلن حسن نصر الله حرفياً:’ إن التقارب الإيراني مع (الشيطان الأكبر) فرصة لتعزيز محور المقاومة والممانعة’.

هل نفهم من هذا الكلام أن أمريكا حامية إسرائيل تحتضن أيضاً حلف الممانعة والمقاومة، وأن الطرفين أخوة في الرضاعة؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مائة يوم على مجزرة السارين .. لن نغادر مشهد السارين ولن ننساه

30.11.2013

زهير سالم

مائة يوم على مجزرة السارين

خطير ومدمر لكل التصورات للمشترك الإنساني التقرير الذي نشرته منذ أيام ( وول ستريت جورنال ) الأمريكية . التقرير الذي عمل عليه ووثقه ثلاثة صحفيين أمريكيين ليؤكدوا أن وسائل التجسس الأمريكية في منطقتنا قد التقطت الرسائل المتبادلة التي كانت تحضر للعدوان الكيماوي على أطفالنا في غوطة دمشق في وقتها ، كما التقطت كل ماتبع هذه التحضيرات ومن أوامر وتعليمات ..

بمعنى آخر فإنه كان بإمكان الإدارة الأمريكية أن تقوم بمبادرة عاجلة لمنع الجريمة والأخذ على أيدي المجرمين . نحن هنا لا نتحدث عن مبادرة عسكرية تعتمد على قصف ولا عن إنزال جويين ؛ وإنما نتحدث عن مجرد تحذير جاد ، واتصال ساخن بشريكهم الروسي  بوتين ، أو مجرد إعلان تحذيري أن معلوماتنا تفيد ... ؛ كل هذا كان كافيا لقطع الطريق على الجريمة والمجرمين. ولكن الظاهر من الأمر أن الأمريكيين كانوا يريدون للجريمة أن تقع ليستثمروا فيها على الطريقة التي رأيناها . ولم يكن يهمهم أبدا أن يروا أجساد الأطفال السوريين مبعثرة هنا وهناك كما رآها كل العالم .

إن التوجع الذي أظهره الساسة الأمريكيون أمام كاميرات الإعلام لم يكن إلا جزء من الدور المرسوم . وعلينا أن نعترف أن كيري قد استطاع خداعنا بإنسانية زائفة عندما قال : ونحن أيضا آباء وعندنا أطفال . وكان وأوباما وكل الذين أظهروا التوجع لمصاب الشعب السوري مجرد ممثلين يحسنون أداء الأدوار لأن ( المشهد يحتاج هذا أو لأن المخرج أراده ) .

هذه الحقيقة الجديدة التي كشف عنها تقرير وول ستريت جورنا تنضاف إلى سلسلة الحقائق في نفس السياق وكلها ذات استحقاقات جادة وعاجلة تفرض نفسها بقوة على المعارضة السياسية السورية . إن الاسترسال في التغاضي عن هذه الاستحقاقات سيجلل هذه المعارضة بالعار التاريخي الإنساني والسياسي على السواء ..

يظن البعض أن ما يكتبه الكتاب والمثقفون المستقلون هو مجرد ريح عابرة سيطويها الزمان . إن ما يكتب ويسجل في يوميات هذه الثورة هو تأريخهاالعملي ، وهو الشاهد الحي على الثورة وممثليها ، والكلمة الموثقة في زمانها ومكانها ، وهي ستقيم الحجة القاطعة على كل الذين يلعقون ( عسل اللحظة ويتلمظون بلوك شهدها ) .

لقد كتبنا من قبل أن ما بعد ( سارين الغوطة ) لا يمكن أن يكون كالذي قبله . ما بعد سارين الغوطة لا يمكن أن يكون كالذي قبله على أكثر من صعيد وطني مجتمعي وسياسي محلي وإقليمي ودولي . لقد هانت النفوس البريئة التي اختنقت بغاز السارين على الممسكين بقرار المعارضة كما هانت على الأمريكي والأوربي والروسي والإيراني حذو النعل بالنعل ..

وبعد قليل من الصراخ أو الزعيق على الفضائيات عادوا للاسترسال في كل ما كانوا فيه يعمهون . التفتوا يمنة ويسرة وخاضوا فيما كانوا فيه يخوضون . وكأن الغوطة لم يختنق فيها عصفور ..

وقعت جريمة الحرب ، الجريمة ضد الإنسانية ، وشنت على الشعب السوري الحرب المبيرة فلم تعلن أي جهة معارضة سياسية أنه لا خطوة على أي طريق سياسي ما لم يجلب الذين استخدموا السارين ضد شعبنا إلى العدالة ..

ووقعت الجريمة المنتهكة للقانون الدولي فلم تأخذ أي جهة على عاتقها مسئولية التصريح أن القانون الدولي لكي يكون قانونا ودوليا يجب أن يغطي الجميع ويحمي الجميع . وأنها ترفض الانتقائية والعنصرية في تطبيق هذا القانون ..

واليوم وهم يخوضون مع الخائضين ، وكأن السارين لم يخنق النفوس البريئة في الغوطة ، و يتوجهون إلى الجلوس مع مستخدمي السارين ضد شعبنا وشركائهم والمتواطئين معهم والمتسترين عليهم وقد فرحوا بمقاعدهم خلاف أطفال الغوطة وضحايا السارين وضحايا الصواريخ الاستراتيجية المدمرة والطائرات تحمل براميل الموت للمهج البريئة ؛ نقول لهم : ليس باسمنا ..

ليس باسمنا . ونحن ما زلنا في مربع الغوطة . ما زلنا نستنشق ريح السارين الذي خنق أطفالنا ،وما زلنا نحمل هؤلاء الأطفال بوجوههم التي خطف السارين نضرتها على أيدينا . وسنظل نحملهم على أيدينا وفي عقولنا وفي قلوبنا حتى يدفع المجرمون ثمن جريمتهم ويكون القانون الدولي قانونا دوليا بحق للإنسانية جميعا وللسوريين جميعا جميعا وليس لبعضهم دون بعض ..

لقد تخاذلتم وتنازلتم وتناسيتم وهانت عليكم نفوس أطفالنا وحرائرنا فهانت على الناس . وهذا ليس موقفا اتهاميا بقدر ما هو إدانة للعجز عن إنجاز ما كان بإمكانهم أن ينجزوه ..

 نؤكد اليوم  لكل هؤلاء الذين يعنيهم هذا الكلام : أننا لن ننسى . ولن نغادر مشهد الغوطة يخنق طيورها المغردة غاز السارين حتى يأخذ القانون الدولي مجراه . نعم القانون الدولي وليس ما عداه .

لندن : 24 / محرم / 1435

28 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

من يدفن سلاح جريمة بشار؟

 داود البصري

الشرق القطرية

السبت 23-11-2013

صورة مثيرة للسخرية حينما تخلى نظام المهزوم بشار أسد عن سلاحه الإستراتيجي الذي كان يعتبره سلاح الصمود والتصدي والتوازن الإستراتيجي في انبطاحته الشهيرة أمام احمرار عيون المجتمع الدولي المنافق بعد مجزرة الغوطتين المرعبة وغير المسبوقة دوليا في شهر أغسطس الماضي، ثم أن يتحول ذلك السلاح المهان لمشكلة عالقة في بحار الدنيا تبحث عمن يقبل أن تكون أرضه مقبرة له أو ميدانا لتفكيكه!!، فقد رفضت النرويج كما رفضت ألبانيا وكذلك فعلت ألمانيا!! وكذلك ستفعل أي دولة أخرى لن تقبل أن تكون أراضيها مقبرة ونفاية لذلك السلاح الذي التهم أرواح مئات من المواطنين السوريين الضعفاء بما فيهم طوابير طويلة من الأطفال الأبرياء!!، والعجيب كل العجب هو أن المجرم قد تخلص من أداة الجريمة وسلمها لمن يهمه الأمر وهو الذي يطوف بها اليوم في بحار الدنيا لمحاولة إيجاد أي طرف يقبل بتدمير ذلك السلاح على أراضيه!، ولم يجد أي محاسبة حقيقية على فعلته أو حتى ملامة رقيقة أو كلمة عتاب شفافة!!، وفي ذلك قمة النفاق والتهاوي لضمير دولي أخذ إجازة طويلة بعد أن أغمض عيونه وسد آذانه عن رؤية وسماع أنات السوريين وآهاتهم وعذاباتهم التي فاقت كل المقاييس في زمن العولمة وحقوق الإنسان كما يقولون، ترى من يقبل بدفن فضيحة النظام السوري التاريخية؟ ومن يتطوع لطمر سلاح العدوان المجرم؟ وكيف سيتم التعامل مع ذلك الملف المؤلم والمريع؟ بكل تأكيد لا توجد دولة أوروبية تقبل بذلك الفعل، ولا أعتقد أن أي دولة عربية تفعل كذلك!! وليس من الوارد لجوء منظمة التخلص من السلاح الكيماوي لأفعال القراصنة من أجل طمر ذلك السلاح في أراضي الصومال أو أي دولة إفريقية أخرى مثلا؟ إذن ما العمل؟ وما هو الحل؟.. أعتقد أن الحل النهائي يكمن في خيار تسليم ذلك السلاح للنظام الإيراني لتدميره على أراضيه وبين ربوعه وتحت إشراف حرسه الثوري؟ فإيران بلد شاسع ويضم صحارى وجبالا ووديانا وأحراشا بعضها غير مأهول، ثم إن إيران المتورطة حتى الثمالة في الحرب السورية وهي التي تزود النظام السوري بعدة القتال وبفرق الحرس الثوري وبقطعان العصابات الطائفية اللبنانية والعراقية واليمنية والباكستانية، عليها مسؤولية أخلاقية كبرى في التعامل مع هذا الملف المزعج وبالمشاركة الفاعلة في دفع فواتير موبقات النظام السوري، ولا أعتقد أن أحدا باستطاعته تنظيف مسرح الجريمة السوري بكفاءة أكثر من النظام الإيراني؟ ولا يوجد طرف مؤهل لذلك الفعل أكثر من الطرف الإيراني الداخل اليوم في مفاوضات ماراثونية صعبة مع المجتمع الدولي بشأن الترسانة النووية الإيرانية المتجهة صوب صناعة قنبلة نووية صفوية ينكرون اليوم نواياهم في صناعتها، ولكنها تظل الهدف المؤكد والمعلوم والمعروف مهما صدرت فتاوى التحريم لصناعة تلك القنبلة الهدف، فالتكتيك الإيراني يفضح عن النوايا الإستراتيجية!!، إيران كما أسلفت هي المكان النموذجي لطمر وتفكيك سلاح الجريمة الأسدي!، فالحرب في بر الشام باتت اليوم حربا إيرانية متكاملة الأهداف والرؤيا ووفق توجهات إستراتيجية واضحة لا تخطئ العين الخبيرة قراءة دلالاتها ومضامينها!، لا حاجة لأن يدفن السلاح السوري في أعماق المحيط أو في غياهب الصحارى الإفريقية، كل ما يتطلبه الأمر هو الموافقة الإيرانية على (الدفن الكيماوي) فالمجتمع الدولي المنافق قد تضامن مع النظام السوري وأصبحوا (دافنينو سوا)!!. وتلك وأيم الحق قاصمة الظهر لضمير دولي قد شبع موتا وتضاءل حد الانهيار وهو يراقب مأساة السوريين ويساعد المجرم في التخلص من أداة الجريمة... إنها المأساة المروعة وقد تحولت لكوميديا سوداء في عالم يزحف على بطنه من النفاق والانهيار الأخلاقي...

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حزب يلغي وطناً

حازم صاغية

النهار

السبت 23-11-2013

تكرّرت مؤخراً، وبمناسبة عاشوراء، الإطلالات الخطابية لحسن نصر الله، الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني. وبين أمور عديدة أثارها في خطاباته، كان أكثر ما استوقف المراقبين والمعلقين، المؤيدين له والمخاصمين، توكيده أن حزبه ليس بحاجة لأي غطاء في تدخله في سوريا، «لا ماضياً ولا حاضراً ولا مستقبلاً»، على ما قال حرفياً وأعاد.

والموقف هذا لم يكن مفاجئاً في حزب لم يعترف بأي شراكة مع الدولة أو المجتمع اللبنانيين فيما خص أمور الحرب والسلام. مع هذا فما كان مفاجئاً هو الصراحة والإصرار اللذان اتسم بهما كلامه. ذاك أن نصرالله كان من قبل يغطي مواقف كهذه بزعم المصلحة العامة، أو بطلب الحوار مع الآخرين، أو بمحاولة البرهنة على عدم التعارض مع سيادة الدولة. أما الآن فاختلف الأمر تماماً ولم تعد هناك أية حاجة إلى أوراق التوت.

نفهم، حيال حالات كهذه وحالات مشابهة سابقة، حجم ما أنزلته سنوات وصاية النظام السوري بلبنان. فالسلطة الأمنية في دمشق، وبالتعاون والتنسيق الوثيقين مع النظام الإيراني، أنزلت تدميراً غير مسبوق بالقوى السياسية والمجتمعية في لبنان مقابل تعزيز متواصل لقوة «حزب الله». وكان ما يملي هذه الاستراتيجية الخبيثة، والتي تتذرّع بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، زرع عناصر الضعف عميقاً في التكوين اللبناني، بحيث يعجز هذا البلد الصغير مستقبلاً عن حلّ تناقضاته والوقوف على رجليه. فنحن هنا أمام قوة باتت، بلا قياس، أقوى من الدولة اللبنانية.

وقد تبدى الأثر المباشر لهذه الاستراتيجية مع اضطرار القوات السورية إلى حزم حقائبها والرحيل عن لبنان، إثر اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. آنذاك أريد لـ«حزب الله» أن يملأ الفراغ الذي خلّفه رحيل تلك القوات، وكان من الجلي أنه يملك القوة التي تخوّله القيام بهذه المهمة. وفعلاً ففي مايو 2008، ومن خلال هجومه على بيروت واحتلاله لها، مدعوماً ببعض حلفائه الصغار الذين جيّرتهم له القوات السورية، أكد «حزب الله» أنه يستطيع الوفاء بالمهام التي أوكلت إليه.

في هذه الغضون، لا بأس بالرجوع إلى المحطات السابقة التي عرّجت عليها تلك الاستراتيجيّة.

ففي مطالع الثمانينيات، إبان الحرب العراقية- الإيرانية التي وقفت فيها دمشق إلى جانب طهران، ولد «حزب الله». وكما بات معروفاً كان علي أكبر محتشمي، السفير الإيراني في دمشق، من بادر بالدعوة إلى تأسيسه. وفي هذا الإطار تم شقّ «حركة أمل» الشيعية اللبنانية التي أبدت استعدادها للعمل على إعادة بناء الدولة اللبنانية، فنشأت من صفوفها «حركة أمل الإسلامية» التي ما لبثت أن انضمت إلى الكائن الوليد، «حزب الله».

وإلى جانب العمليات الانتحارية وغير الانتحارية ضد القوات المتعددة الجنسية التي جاءت إلى لبنان لرعاية سلامه الناشئ واستقراره الموعود بعد الاجتياح الإسرائيلي، بدأ مسلسل خطف الأجانب واحتجازهم في الضاحية الجنوبية من بيروت. وهو ما تبين لاحقاً أن الهدف منه تجميع أوراق تفاوضية في يد النظام الإيراني حيال الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة، للحد من دعمها للعراق في نزاعه مع إيران، أو لتغيير سياساتها في هذا المجال جملة وتفصيلاً.

أما العمليات التي كانت تُشن ضد إسرائيل في الجنوب والبقاع الغربي، فكانت توضع مباشرة في الرصيد السوري الذي يستخدمها في تفاوضه المداور مع الإسرائيليين. وكان واضحاً أن إسرائيل لا يمكن أن تنسحب من لبنان وتطبق القرار الدولي 425 ما دام السوريون موجودين فوق معظم الأراضي اللبنانية. ولكن بدلاً من مطالبة سوريا وإسرائيل بالانسحاب، أصبح الانسحاب الإسرائيلي نفسه غير مرغوب فيه لأنه يلغي مبرر البقاء السوري في لبنان.

وعلى عكس الادعاءات بأن السياسة التي رعاها «حزب الله» ركّزت على إسرائيل ولم تتسبب في تناقضات ونزاعات داخلية، تم تحطيم الأحزاب غير الشيعية واغتيال قياداتها، حتى إذا لاحت أواخر الثمانينيات اندلعت حرب مدمرة ومكلفة بين «حركة أمل» و«حزب الله»، في الضاحية الجنوبية والجنوب، لاسيما إقليم التفاح جنوب جزين.

ومع الانسحاب الإسرائيلي في 2000، تزايد تورط «حزب الله» في السياسة الداخلية بوصفه طرفاً من أطراف المناكفة لرفيق الحريري. وكان ما سهّل عليه هذه المهمة أنه سبق وأن انخرط في العمل البرلماني بعد الحصول على فتوى من آية الله الخامنئي تجيز له ذلك.

لكنْ بعد اغتيال الحريري في 2005، بدا المطلوب تبديد الجهد الوطني العابر للطوائف الذي عبرت عنه تظاهرة 14 مارس (آذار) الشهيرة، والدينامية التي أطلقتها وآلت إلى خروج الجيش السوري من لبنان. فهنا انتقل التركيز من التذرع بإسرائيل ومقاومتها إلى طرح مسائل الحرية والسيادة الوطنية، الأمر الذي اعتبره «حزب الله» خطراً داهماً على وجوده وعلى مبررات ذاك الوجود. وتولى خطف الجنديين الإسرائيليين والحرب التي نجمت عنه في يوليو 2006 إلى إرجاع الوضع السياسي وأجندته إلى ما كانا عليه قبل اغتيال الحريري.

وها هو التورط العسكري في سوريا دعماً لنظام الأسد يتوّج تاريخ الحزب كأداة لمصالح خارجية مضادة لكل مصلحة لبنانية. والحال أن العلاقات العدائية بين الطوائف اللبنانية لم تكن في أي مرة سابقة على ما هي عليه اليوم. يصح هذا فيما خص العلاقات السنية- الشيعية، لكنه يصح أيضاً في ما خص العلاقات الدرزية- الشيعية التي لا يحول دون انفجارها إلا الخوف من سلاح «حزب الله». أما المسيحيون الذين حمل ميشل عون أكثر من نصفهم على الوقوف قريباً من «حزب الله»، فهم أيضاً متحفظون على الثقافة والوعي الحادين في مذهبيتهما كما ينشرهما الحزب المذكور.

فامتلاك السلاح اليوم تسري مفاعيل هيمنته على رقعة تغطي كامل المساحة اللبنانية، من الاستحواذ على السياستين الدفاعية والخارجية إلى العلاقات اليومية في الشارع والجامعة وأمكنة العمل. فكأننا أمام حزب بات وجوده يصطدم على نحو يومي بوجود الوطن نفسه. وهذا وضع غريب وشاذ بطبيعة الحال.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حرب القلمون: العبث بالجغرافيا

غازي دحمان

المستقبل

الاحد 24/11/2013

تتميز منطقة القلمون بكونها منطقة استراتيجية ذات طبيعة جبلية قاحلة، تسيطر على المساحة الممتدة بين دمشق وحمص، كما أنها تقع على تماس مع الحدود الشرقية للبنان، وللنظام مصلحة إستراتيجية في السيطرة على هذه المنطقة، التي تشكل شرياناً حيوياً يربط دمشق بحمص وميناء طرطوس على البحر المتوسط، بوابة الجبال الساحلية التي تمتد شمالاً إلى اللاذقية. إضافة لذلك، يعتقد النظام أن سيطرته على القلمون ستساعده في عزل مناطق من الحدود الشرقية للبنان، حيث يعتقد النظام، وحليفه حزب الله، أنها تشكل بيئة مساعدة للثورة، وخط إمداد لوجستي مهماً.

أما بالنسبة لقوات الثورة، فتكمن أهمية السيطرة على القلمون من كونها تشكل خرقاً لإستراتيجيات النظام، التي ترتكز على إنشاء ممر آمن من العاصمة دمشق إلى الساحل، فضلاً عن كونها تشكل خط إمداد لوجستي وقاعدة إنطلاق مهمة للمعارك، لتحرير المناطق الشرقية والشمالية (برزة والقابون).

لكن، وبعيداً عن الأهداف التكتيكية للثوار في سيطرتهم على القلمون، فثمة هدف إستراتيجي خطير يسعى النظام الأسدي إلى ترسيخه في الواقع السوري، وتشكل منطقة القلمون محور ذلك الهدف، فالمتتبع لإستراتيجية قوات الأسد العسكرية، ذات الأهداف السياسية البعيدة المدى، سيلحظ وجود تركيز عسكري على قطاعات معينة من الجغرافية السورية، وهي تتشكل عبر قوس يمتد من ريف القنيطرة مروراً بدمشق والقلمون وتتوسط هذا القوس مدينة حمص وصولاً إلى غربي سوريا أو ما يطلق عليه منطقة الساحل.

ويشمل هذا القوس أرياف حمص الغربية وحماة وإدلب، داخل ما يسمى حوض العاصي، علماً أن هذه المناطق كانت قد تعرضت في مراحل سابقة من الثورة إلى ضغط عسكري مكثف ومقصود، أدى إلى تفريغ أجزاء كبيرة منها وتهجير سكانها إلى تركيا ولبنان، وبخاصة تلك المناطق الواقعة بين نهر العاصي والجبال الغربية، وبدرجة أقل المناطق الواقعة خلف العاصي، فيما بدا أنه محاولة لتحويل هذه المناطق إلى ما يسمى بالجغرافية السياسية، مناطق حيوية، يمكن مد النفوذ إليها في أي لحظة، أو في أقل الأحوال جعلها مناطق آمنة بالمعنى العسكري، مع ملاحظة تعريض هذه المناطق إلى دمار كبير في البنية التحتية لجعلها أماكن غير صالحة للسكن، في محاولة واضحة لإفراغها من العنصر الديمغرافي والتواجد الاجتماعي.

والسؤال ما هي دلالات هذه الوقائع، وما هي مؤشراتها على واقع الصراع الجاري في سوريا؟ وكيف يمكن فهمها في إطار المعركة الكبرى بين الثوار والنظام وحلفائه؟ وما مدى أثرها أيضاً على طبيعة الترتيبات السياسية الجارية، خصوصاً ما تعلق منها بالعملية السياسية أو مؤتمر جنيف2؟

الإجابة عن هذا السؤال تتضمنه التسريبات المتكاثرة، حول إمكانية قيام كيانات سياسية جديدة في الجغرافيا السورية، بديلاً عن الكيان الكبير المتجسد حالياً في الدولة السورية. فلم تعد خافية على أحد الأحاديث حول قيام كيانات على أسس طائفية أو عرقية، بل أن بعض الدوائر الغربية سربت في الآونة الأخيرة خرائط عن هذه الكيانات وحدودها، ولحظت تلك الخرائط وجود ثلاث كيانات تم تسميتها كدول: الدولة العلوية، والدولة الكردية، والدولة السنية.

طبعاً لا هذه الخرائط ولا السيناريوهات التي حملتها تشكل أقداراً مفروضة على سوريا. ذلك أننا، في المشرق، صارت لدينا خبرة بظهور هذا النوع من السيناريوهات أمام كل أزمة تمر بها المنطقة، وغالباً ما يكون هذا الأمر نتاج رؤى وتحليلات، أكثر منه تقديراً لواقع حاصل أو سيحصل، لكن الإشكالية هذه المرة تأتي من انطباق تلك السيناريوهات مع الإدراك السياسي والبيئة النفسية للنظام السوري، بل أنها تعكس إستراتيجيته الميدانية والسياسية، إذ تشير إجراءاته الميدانية إلى رغبة في هذا التوجه، ليس من خلال تكريس سيطرته على القوس المشار إليه وحسب، ولكن من خلال تدميره الممنهج للمناطق خارج ذلك القوس وتحويلها إلى أرض للخراب، عبر نشر الفوضى بطرق إستخباراتية مكشوفة، ما يعني أن النظام إختار كيانه وحدده، فيما ترك أجزاء كبيرة من سوريا لحالة ما قبل الدولة، إن على المستوى العمراني والخدماتي والإنمائي، أو على المستوى السياسي والتنظيمي.

لكن أيضاً مخططات النظام وحلفائه ليست قدراً مفروضاً، وأمامها الكثير من العقبات التي تحول دون تنفيذها، بالرغم من توفر بيئة إقليمية ودولية مناسبة. لكن، ثبت أن النظام وإن كان يمتلك قدرة هائلة على التخريب، إلا أنه لا يمتلك القدرة على وضع الخواتيم المناسبة له في كل المراحل، إذ أثبتت الوقائع وجود حالة عجز هائلة لدى النظام في تحويل تصوراته إلى وقائع متماسكة، كما ستساهم قلة موارده البشرية والمالية بإعاقة تنفيذ تلك التصورات، فالقلمون وأرياف حمص وإدلب وحماه مناطق شاسعة ووعرة، إضافة إلى كون الثورة، ورغم إشكاليات قلة التنسيق والتخطيط التي تعاني منها، إلا أنها تجهزت بشكل يمنع تحقيق أي اختراق جديد للنظام في مناطقها، كما أن الثورة ثبت أن لديها القدرة أيضاً على المبادرة داخل المربع الأمني للنظام نفسه وفي المناطق التي يعتبرها خالصة الانتماء والموالاة له، ما يؤكد مقولة أن القصير كانت أخر المعارك السهلة للنظام وحلفائه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لأنه يمتلك كاريزما القائد وحرّر 70 في المئة من حلب...النظام السوريّ يحتفل بمقتل "حجّي مارع"

عارف حمزة

المستقبل

الاحد 24/11/2013

يحقّ للنظام السوريّ أن يحتفل بمقتل القائد العسكريّ للواء التوحيد، التابع للجيش السوريّ الحرّ، الشهيد عبد القادر الصالح، بعد أن أعلن مراراً عن جائزة مقدارها مائتي ألف دولار لمن يلقي القبض عليه، أو يُساهم بتقديم معلومات تؤدّي للقبض عليه، أو يقتله. ويحقّ للجيش السوريّ الحر، بمقدار أكبر، الحزن على فقدان "حجّي مارع" في عمليّة تبدو استخباراتيّة دقيقة، أكثر منها قصفاً عشوائيّاً، أو رمية من غير رام.

من هو "حجّي مارع" ومسقط رأسه

ولد القائد عبد القادر الصالح في عام 1979 في مدينة "مارع" من الريف الشمالي لمدينة حلب. وهو متزوج وله خمسة أولاد. وكان يعمل في تجارة الحبوب والمواد الغذائيّة، قبل أن يترك هذه الأعمال ويلتحق بالثورة السوريّة التي انطلقت في آذار من عام 2011. ويُلقّب بحجّي مارع تحبّباً به؛ فلقب "حجّي" تعني الحاج وتقال هكذا للشخص نفياً للتفخيم وتبسيطاً للشخص على أنه قريب من القلب، ولبيس متعالٍ على الناس.

ويعتبر الصالح "داعية إسلامياً" عمل في سوريا والأردن وتركيا وبنغلادش، بعد إنهاء خدمته في وحدة الأسلحة الكيميائيّة في الجيش السوريّ. وهو من المنظّمين لأوائل التظاهرات السلميّة التي خرجت في ريف حلب، قبل أن يتحوّل الى العمل العسكريّ لإسقاط النظام.

أمّا مدينة مارع فاسمها مشتق من السهل الممرّع؛ بمعنى السهل الذي تكثر فيه المراعي. ومارع هو اسم الفاعل من مرعى أو مُمرع. وهي تبعد عن مدينة حلب 35 كيلومتراً إلى الشمال منها، ومن الحدود التركيّة 25 كيلومتراً، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب ستين ألف نسمة. وهي مدينة ذات تربة خصبة جداً، وتاريخ خصب؛ حيث توالى على احتلالها، وإخضاعها، الكثير من الغزاة منذ الاسكندر المقدونيّ، الذي ترك فيها حامية، مروراً باليونانييّن والعثمانييّن، إلى الاحتلال الفرنسيّ.

خرجت أول تظاهرة فيها تنادي بالحريّة بتاريخ 22/4/2011. وقدّمت أكثر من ستين شهيداً من المقاتلين الأشدّاء، عدا عن الكثير من المدنييّن الذين سقطوا في جولات انتقام النظام منها.

من التظاهرات إلى تشكيل لواء التوحيد

لم تتأخر مارع إذن، كما بقيّة الريف الحلبيّ، عن الالتحاق بالتظاهرات المنادية بالحريّة ضدّ النظام السوريّ، وسرعان ما تحوّلت إلى تظاهرات تطالب بإسقاطه. وكان الصالح من القادة السلمييّن لتلك التظاهرات. وعندما استخدم النظام آلته الحربيّة والأمنيّة لخنق تلك التظاهرات، والقضاء عليها، وبدء سقوط القتلى والجرحى في تلك التظاهرات، ونقلت الصور للعلن اعتداء الأمن بوحشيّة على الذين هتفوا للحريّة واسقاط النظام، مناصرين لمدينة درعا التي تمّ حصارها بالدبابات ومختلف المدرّعات، مانعين عن سكانها الغذاء والدواء وحليب الأطفال.. قام الصالح بحمل السلاح مشكّلاً "كتيبة مارع"، حيث تبرّع من ماله الخاص لتسليح مجموعة من شبّان المدينة المشاركين معه في الحراك الثوريّ. واستطاعت هذه الكتيبة تحرير المدينة من قوّات الجيش والأمن المتواجدة فيها.

وعند اعتداء القوّات السوريّة على الريف الحلبيّ، اتحدت عدّة كتائب مقاتلة، من بينها كتيبة مارع، لتشكيل "لواء التوحيد" بتاريخ 18/7/2012، الذي تحوّل بعد فترة قصيرة إلى أقوى وأكبر التشكيلات العسكريّة المقاتلة لجيش النظام، حيث اتحد 29 فوجاً، يضم العشرات من الكتائب المقاتلة، وهي اتحاد الكتائب المجاهدة في مدن الباب ومنبج وجرابلس وتل رفعت ودارة عزّة ودير حافر ومسكنة ودير جمّال وحلب شمال وحلب غرب وعين العرب وريف حلب الشرقي والجنوبي والسفيرة وبيانون ورتيان وبزاعة وصرين وكتائب إدلب واخترين ومعرة النعمان والرقة والطبقة وحلفايا بحماه والحولة بحمص ودوما بريف دمشق وكتائب الزبير بن العوّام وكتائب أبناء الصحابة واتحاد كتائب نصر سوريّا. وكان القائد العام لهذا اللواء هو عبد العزيز سلامة، بينما قائد العمليّات كان حجّي مارع، وقارب عدد مقاتليه العشرة آلاف مقاتل بأسلحة خفيفة ومتوسّطة، التي باع الصالح عدداً من أملاكه من أجل الحصول عليها، وبعض الأسلحة الثقيلة التي غنمها من مخازن قوّات النظام.

لواء التوحيد يُثير رعب النظام

رغم أنّ الاحتجاجات بدأت في مدينة حلب، على شكل تظاهرات صغيرة، منذ "جمعة العزّة" بتاريخ 25/3/2011، إلا أنّها لم تكن ضخمة إلا بعد إعلان التنسيقيّات عن "بركان حلب" بتاريخ 30/7/2011، وكان حينها يشهد الريف الحلبيّ عمليات انتقاميّة من النظام السوريّ. ولكنّها شهدت أكبر تظاهرة في جمعة "لن نركع إلا لله" بتاريخ 12/8/2011 في الكثير من أحيائها، والتي شهدت سقوط عدد من القتلى والجرحى في حيّ الصاخور.

وتأتي أهميّة حلب كونها المدينة الصناعيّة الأولى في البلاد، وصلة الوصل بين المناطق الشرقيّة والساحليّة، حيث مخزن قوّات النظام البشري والاستراتيجيّ. وكذلك بسبب العدد الهائل من السكان في تلك المدينة.

شارك لواء التوحيد بتحرير الكثير من مناطق ريف حلب، مثل معركة السيطرة على مدينة إعزاز ومدن جرابلس والراعي ، والكثير من البلدات الكبرى في الريف الشمالي للمدينة.

كان لواء التوحيد قد خطط لدخول مدينة حلب من الطرف الشرقي لمدينة حلب، ولكن اندلاع الاشتباكات في حيّ صلاح الدين عجّل بدخول جزء من قوّاته، بقيادة أحمد يوسف الجانودي، من الطرف الغربيّ، وذلك بتاريخ 20/7/2012، بينما في اليوم التالي دخل القسم الباقي من القوّات، بقيادة عبد القادر الصالح، من الطرف الغربيّ حيث بدأت معركة الفرقان، والمعارك الأخرى، لتحرير مدينة حلب من قبضة النظام؛ وتمّ تحرير أحياء صلاح الدين وسيف الدولة والصاخور، والسيطرة على المراكز الأمنيّة في النيرب وهنانو وثكنتها والصالحين والشعّار ومقرّ الجيش الشعبيّ ومشفى الكندي، ومدرسة المشاة ومباني البحوث العلميّة، خلال معركة القادسيّة، ومضافة آل بري، مركز شبّيحة النظام في مدينة حلب، حيث تمّ إعدام 14 من آل بري إثر محاكمة ميدانيّة سريعة، زادت من شعبيّة اللواء بين أهالي المنطقة، وخوفهم كذلك. وفي المحصّلة فقد سيطرت قوّات لواء التوحيد على ما يقارب من 70 في المئة من مدينة حلب.

ويُعتبر لواء التوحيد من أكثر الألوية التي لبّت النداء لفكّ الحصار عن مناطق خارج حلب؛ مثل معركة "القصير" ومعركة "قادمون يا حماه" وعاد، قبل أسابيع من استشهاده، للمشاركة في معركة السفيرة، التي شهدت معارك ضارية، انتهت بسقوط السفيرة في يد النظام.

دولة العراق والشام وبداية سقوط حلب

جاء إعلان الدولة الإسلاميّة في العراق والشام بقيادة أبو بكر البغدادي، بتاريخ 9/4/2013، بعد دمج فصيل جبهة النصرة معها. وبدأت العمل بشكل عكسيّ للثورة السوريّة؛ فبدل التوجّه لمحاربة قوّات النظام السوريّ ومراكزه، وتحرير المناطق الواقعة تحت سيطرته، مثل دمشق والحسكة واللاذقيّة وطرطوس والسويداء، توجّه نحو المناطق المحرّرة منها، مثل الرقة وحلب ودير الزور وريف الحسكة، وافتعل عدة أزمات مع فصائل الجيش الحرّ، ومنها مع لواء عاصفة الشمال في أحداث مدينة أعزاز الشهيرة. وكان لواء التوحيد دائم التوسّط بينها وبين بقيّة الفصائل التابعة للجيش الحرّ.

ولم يُخفي القائد الصالح اختلاف أفكاره وقوّاته مع داعش، ولكنّه رآها اختلافات، وليس خلافات.

وفي الوقت الذي شكّل لواء التوحيد الهيئات الشرعيّة والضابطة الشرعيّة والمحاكم والسجون، لمنع أعمال النهب والسرقة وترويع الأهالي والتعدّي على الممتلكات والأرواح، تمّ اتهام داعش بتلك الأفعال في أكثرها، ما جعل الخلافات تنشب بشكل متواصل بين الجانبين، وكذلك بدأ يزيد النقمة من الأهالي على الجيش الحرّ.

ومنذ وصول داعش إلى مناطق حلب بدأ التحارب بين الفصائل المنضوية تحت لواء التوحيد، والفصائل المتعاونة معه. في الوقت ذاته الذي جلس فيه النظام متفرّجاً على حلب، تاركاً داعش تقوم بدورها في إضعاف الجيش الحرّ هناك، طوال ما يقرب من عام كامل. وفي الأشهر الأخيرة أعلن الصالح، وفي أكثر من تصريح، بأنّ لواءه لا يستلم أيّة أسلحة جديدة نوعيّة من التي تمّ إدخالها إلى الداخل، وتوزيعها على الكثير من الفصائل. وبأنّ مقاتليه باتوا "يعتمدون على الله في القتال وليس على السلاح". في الوقت الذي قدّم فيه العقيد "عبد الجبّار العكيدي" استقالته من منصبه كرئيس للمجلس العسكريّ الثوريّ التابع للجيش الحرّ، وكان أحد أسباب استقالته "نتيجة لتعنت البعض عن الاستجابة للدعوة إلى التوحّد ورصّ الصفوف، والتعالي عن الأنا والغرور، مما أدّى إلى تراجع الجبهات، وخسارة طريق الإمداد، وآخر الخطب سقوط مدينة السفيرة".

ومنذ الإعلان عن تواتر الاجتماعات بين الفصائل الإسلاميّة من أجل إعلان الوحدة بين قوّاتها لتشكيل "جيش محمّد"، وكان الصالح محور هذه الاجتماعات، في تقريب وجهات النظر والأفكار المستقبليّة، وإعلان النفير العام من أجل الدفاع عن حلب، واستعادة السفيرة، حيث كان النظام قد أعلن عن حربه لاستعادة حلب منذ نهاية شهر تشرين الأول الماضي. وبدأ النظام بالفعل بشنّ هجومه، بالتعاون مع قوّات حزب الله اللبنانيّ وقوات أبي الفضل العباس العراقيّ، على شكل كمّاشة من الجانبين الشمالي والشرقيّ لمدينة حلب، وبدأت بمعركة السفيرة ومطار منغ، للتوجّه إلى داخل أحياء مدينة حلب، بعد أن تأكّد بأنّ الخلافات والتناحر والاختراقات قد وصلت الى مرحلة متقدمة.

هل هناك خيانة في اغتيال حجّي مارع؟

بسبب شخصيّته المحبوبة، سواء من مقاتليّ الجيش الحرّ أو من أهالي محافظة حلب أو من الناشطين السلمييّن الثورييّن حتّى، وأفكاره المعتدلة حول شكل الدولة المراد إقامتها، بعد إسقاط نظام الأسد. وبسبب موقفه الإيجابيّ من الأقليّات، حيث صرّح بأنّه يتمنّى لو كان من الأقليّات، وبسبب بيعه الكثير من ممتلكاته للحصول على السلاح من أجل تدعيم مقاتليه، بعكس الذين صنعوا ثروات طائلة من النهب والسرقة، وبسبب التأكيد عليه من قبل كبار شيوخ حلب، والثناء على صدقه وأمانته، التي اشتهر بها حتّى قبل اندلاع الثورة. ورغم أنّه نعى الائتلاف السوريّ المعارض "لتشرذمه وانقسامه"، ورفض العمل تحت مظلّته السياسيّة، إلا أنّه ظلّ يعمل من أجل توحيد جهود الثوّار، وتقريب وجهات النظر والأفكار، بخاصّة مع الفصائل المتشدّدة، ولم يقم بإشاعة اليأس أو الخذلان، بل ظلّ مبتسماً، وأصوات القذائف تعلو من حوله، ليشيع الفكرة بأنهم منتصرون لا محالة، وإشاعة الرعب في أوصال جيش النظام، والمتعاونين معه، بأنهم خاسرون وساقطون لا محالة أيضاً.

وإنّ أكثر ما يُخيف النظام، لو راجعنا جرائمه في اغتيال شخصيّات شعبيّة كثيرة، هو هذه الشخصيّة الجامعة، التي تملك كاريزما القائد الحقيقيّ. لذلك صار عبد القادر الصالح هو العدوّ رقم واحد للنظام السوريّ، والحجر الأوّل الذي يجب اقتلاعه من أساس النضال الثوريّ، كي يتهدّم هذا البناء الثوريّ كلّه، ولتكون حلب هي البداية. وهذا ما جعل الصالح يتعرّض لعمليتيّ اغتيال سابقتين، نجا منهما بإعجوبة، إحداها عند استهداف مكان إجراء مقابلة معه من قبل قناة إخباريّة عربيّة بصاروخ، والأخرى عندما تمّ إطلاق النار عليه من قبل شخص بقي مجهولاً لحدّ الآن.

الأخبار أتت لتعلن إصابة الصالح بجروح بعد استهداف مقر كتيبة المشاة في حلب، حيث كان يجتمع مع قادة وعناصر من الجيش الحرّ، يوم الخميس 14/11/2013، وبأنّه توفّي متأثّراً بجراحه ليل السبت 16/11/2013 بعد نقله لأحد مشافي مدينة غازي عنتاب التركيّة، ووري الثرى في قبر حفره بيديه، وأوصى بدفنه فيه عند موته، في مدينته مارع في 18/11/2013، التي تضم رفات، ابن مدينته، الشاعر رياض الصالح الحسين.

ولكن وصلتنا معلومات، نتكتّم على مصدرها، تفيد بأنّ إصابة صالح لم تكن داخل مبنى كليّة المشاة، ولا أثناء الاجتماع!. لو أخذنا بهذه الفرضيّة لكان هناك عدد كبير من القتلى الآخرين المجتمعين معه، أو الجرحى على الأقل. بل المعلومات التي بين أيدينا تفيد بأنّه تمّ استهداف سيّارة عبد القادر الصالح بمجرّد خروجه من الاجتماع بصاروخ من الجوّ. والفرضية تقول بأنّه يوجد من سرّب المعلومات، للذي أعطى الأوامر للطائرة كي تقصف بدقة شديدة، مكان الاجتماع، ولحظة خروج الصالح، مع القياديين يوسف العبّاس (أبو الطيّب)، قيادي في لواء التوحيد، وعبد العزيز السلامة، القائد العام للواء التوحيد، ونوع السيارة التي ستقلّهم، وربّما تمّ وضع علامة على تلك السيّارة، يمكن رؤيتها من الطائرة التي ستقصفها. حيث جرح في العمليّة سلامة واستشهد أبو الطيب. ولم يتمّ الإعلان عن إصابة غيرهم!. بمعنى أنّه يوجد اختراق وخيانة في موضوع الاغتيال هذا. وربّما هذا ما جعل أحد الناشطين، في تنسيقيّات الثورة السوريّة، يبارك لداعش، على صفحته الشخصيّة، فوزها بجائزة المئتي ألف دولار التي أعلن عنها النظام.

مهما يكن من أمر، وبالرغم من الحرب الإعلاميّة الشرسة التي شنّها النظام على الصالح، والأخبار التي كان يبثّها عن وحشيّة الصالح، ونقمة أهالي حلب عليه؛ لأنّه دخل المدينة وجعلها عرضة للقصف والدمار، فإنّ الصالح يبقى خسارة كبيرة يُمنى بها الجيش الحرّ، وهذه الخسارة قد تؤدّي، وفق تحليل الخبراء، إلى انهيار حلب، وسقوطها بيد النظام، أو تكون سبباً في وحدة الفصائل وتحقيق الأمنيات الكثيرة التي كان يتمنّاها، لسوريا الإسلاميّة المتعدّدة والمتحضّرة، ابن ريفها الصادق والطيب، والذي طافت صوره على صفحات الثوّار السورييّن بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم. هو الذي قال ذات يوم: أحبّ أن تنتهي هذه الحرب ويسقط النظام، وأعود إلى بيتي وأطفالي وجيراني مواطناً سوريّاً عاديّاً، ولكن مرفوع الرأس.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الجهاديات الجديدة والأوضاع الاستراتيجية

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 24/11/2013

يوم الأربعاء الماضي حاول انتحاريان نسف السفارة الإيرانية في بيروت. وقد سقط نتيجة هذه الهجمة عشرات القتلى ومئات الجرحى والمُصابين. وهذه عملية انتحارية عُرفت مثائلها في كل موطن ظهر فيه أو تحرك متشددو «القاعدة»؛ وبخاصة في العراق وسوريا في السنوات الأخيرة. والمُلاحَظُ حصول «تطور» في اتجاه هذه العمليات. فقد بدأت في تسعينيات القرن الماضي من جانب «حماس» والجهاديين الآخرين ضد القوات والمؤسسات الإسرائيلية. ثم صارت تجري ضد المؤسسات والجهات الأميركية والغربية في العالم. والتطور الثالث في العقد الماضي التفجير والانتحار ضدّ المؤسسات والجهات العربية والإسلامية. أمّا هذه الموجة التي أعتبرها رابعة الموجات أو العواصف فتتجه إلى المؤسسات والجهات الشيعية المعروفة بولائها لإيران، دون أن تختفي بالطبع المظاهر والظواهر السابقة كلياً. وفي هذه المرحلة بالذات يتفرد المشهد المصري في سيناء حيث لا عمل للجهاديين غير قتل رجالات الجيش والشرطة، ومن جانب منظمة تُسمّي نفسَها بيت المقدس أو ما شابه. ولستُ أدري كيف يُسهم قتل العسكريين المصريين في تحرير القدس. لكنها كما نعلم أفاعيل الظواهري الذي أصرّ دائماً على هدْم بلده، ولم يحوِّلْهُ عن هذه العزيمة هو وأخوه العائد من إيران حتّى وصول إخوانه من «الإخوان» للسلطة بالبلاد!

كيف تؤثّر الانتحاريات المتجددة على الوضع الاستراتيجي بالمنطقة العربية بعد الثورات؟ أول تلك الآثار الصراع الشيعي السني والذي يرتهن الآن بلداناً عربيةً، ويفتّت دولا ومجتمعات. وهو يتبلور في الشهور الأخيرة إلى جانب تعطيل بلدان الاضطراب في صورة صراعٍ إيراني سعودي، ظهر في تحريك الحوثيين باليمن ضد السلفيين، وتراجُع إمكانيات التفاهُم في البحرين واليمن ولبنان، وزيادة تدخل المالكي وجيوشه في الأزمة السورية، وتهديد البطّاط (صاحب ميليشيا موالية لإيران منشقّة عن الصدر) بضرب المملكة، وإصرار وسائل الإعلام الموالية لإيران على اتهام السعودية بالتفجيرات والانتحاريات! وثاني تلك الآثار جمود الأوضاع لغير صالح العرب على الساحات المحلية والإقليمية وفي المجال الدولي. وبالطبع فإن أوضاع سيناء وليبيا حيث يسود العنف بكافة أشكاله، لا يمكن نسبتُهُا إلى مشكلات السنة والشيعة؛ لكنها تشير إلى انسدادات يعبّر العنف الطليقُ عن تفاقُمها. وثالث تلك الآثار تعطُّل الدبلوماسية الإقليمية والدولية حول سوريا وفلسطين، بحيث يبدو العنف ليس بديلا لها؛ بل إشارة إلى تعب العرب من جهة، وعجز دبلوماسية العلاقات الدولية عن ترجيح مخارج أو فرضها. قال السفير الإيراني في بيروت إثر الهجوم على سفارة بلاده إن الانتحاريين لن يستطيعوا فرض حل على سوريا والمقاومة (أي إيران) لأن 70 بالمئة من الشعب السوري مع الأسد! إنما من جهة أُخرى فالملحوظ أن الرئيس الإيراني الجديد الذي سبق أن قال إنّ الأَولوية في سياسته الخارجية للتواصُل مع المملكة، ما عاد يقول شيئاً عن ذلك. وتقول وسائل الإعلام الموالية لإيران إن هذا السخط على المملكة سببُهُ عدمُ موافقتها على انعقاد جنيف-2 بالشروط الروسية والأميركية. ومن جهة ثالثة فإن العرب ما استطاعوا فرض حل بسوريا وفلسطين عبر الجامعة العربية ومبادراتها. ولكل ذلك دلالاتُهُ غير الإيجابية.

للعنف المنتشر في كل مكان ظواهره ودلالاته. فالظواهر تتمثل في انطلاق موجة جديدة اعتبرتُها رابعة. ولهذه الموجة مُيثراتُها، وليس تعبيراً عن «طبيعة» خاصة بالعرب. فقد تعرقلت موجةُ التغيير الثانية بسبب هذا العنف الذي لم ينطلق من جديد لأن الجهاديين استجمعوا قوة من نوع ما. فالحرب على الإرهاب لم يخمد أوارُها لنقول إن «القاعدة» انطلقت من أوكارها مجدداً. بل لأن قوى إقليمية ودولية عارضت التغيير في العراق وسوريا ولبنان ومصر واليمن. وهذه القوى معروفة، وهي إيران وروسيا والولايات المتحدة. فقد وقفت أو وقف بعضها من جهة ضد استمرار التغيير وإلى جانب الأنظمة المتهالكة، كما أنها استخدمت اختراقاتها ضمن الجهاديين لتحريك الجبهات التي نسيَها الناس. وقد حدث ذلك في سوريا ولبنان والعراق .إذ المعروف أن الظواهري في إيران أو في متناولها. وتكاد تحركات «داعش» وانتحاريي العراق تشير إلى التدخل الإيراني للإثارة والإدارة. وماذا نقول عن تحركات مسلحي حزب أوجلان في سوريا، وقد أتوا كما أتت «داعش» من مواطن معروفة. ثم إن إطباق إيران على البلدان الثلاثة (العراق وسوريا ولبنان) كافية لإثارة بعض شبان تلك البلدان وجوارها. فلماذا يكون العنف القاعدي إرهاباً، ولا يكون تحرك «حزب الله» أو مقاتلي «أبي الفضل العباس» إرهاباً؟ّ وتُظهر روسيا سخطاً شديداً على الإرهاب السني وحسْب. وإذا قلنا إنّ لروسيا مصالح في هذا السخط الذي تُظهره، فماذا عن الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين تقدمان مصارعة «الإرهاب»، ولو بواسطة إيران وتنظيماتها، على إمكانيات إنهاء العنف من النظام السوري وخصومه على حد سواء؟!

خلال سنتين، تدخل الخليجيون من خلال الجامعة العربية، ومن خلال التصرف في البحرين واليمن ومصر. كما بذلوا جهوداً دبلوماسية كبرى لإنهاء العنف في سوريا، وحفظ أمن الأردن ولبنان. وبينما وقفت إيران في مواجهة كل تلك الجهود لإنهاء العنف، سارعت الولايات المتحدة للسير وراء الروس (والإيرانيين عملياً)، بحيث استمر العنف وتعذرت الحلول والتسويات.

لقد قامت إيران إذن بهجمة في دول «الربيع العربي» وجوارها لمنْع التغيير، ولتثبيت الوضع الذي كان قائماً لصالحها. وبينما تُسارع إيران لعرض خدماتها على الولايات المتحدة من أجل مكافحة الإرهاب، يسارع الروس والأميركيون وبعض الغربيين إلى قبول التعاون مع إيران ضد الإرهاب، لكنّ هذه الجهات المعنية بالأمن الدولي، لا تحرك ساكناً لإنهاء العنف الذي تصرُّ إيران على تسعيره. لقد كان المأمولُ أن يسارع الدوليون لفرض تسوية توقفُ عنف النظام السوري، لكنهم بدلا من ذلك راحوا يطبطبون على أكتاف الأسد وإيران. وقد كان المنتظر أن يستطيع العرب التدخل للهدف نفسه؛ لكن الذي حصل أنهم ما تمكنوا من ذلك في سوريا وفلسطين، إما لسبب تخاذُل الدوليين، أو لأن العنف فرض نفسه تارة مع إيران، وتارةً في مواجهتها.

وهكذا يبدو المشهد اليوم على النحو التالي: انطلاق حركات التغيير، واختلاف مواقف الدوليين والإقليميين منها. ثم تقدم الإيرانيين الصفوف في المخاصمة، وما لبث الدوليون أن انضموا إليهم. وراح العرب بالتدخل وبالدبلوماسية يحاولون مواجهة إيران والعمل على تغيير توجهات الدوليين. وبذلك وبسبب الضغوط المتضادة؛ فإن الجمود خالط سائر الجبهات. ولتحريك الموقف لصالحهم فإن الإيرانيين ضغطوا على الجبهات كلها، وليس من جانب القوى التابعة لهم فقط؛ بل ومن جانب المعاديين لهم ظاهراً وهم الجهاديون. ومع الوقت ظهرت على السطح الصدامات الشيعية السنية، ولا تزال مستمرةً حتى الآن. وهكذا فبينما يبدو «الجهاديون» مشتبكين مع الإيرانيين (والدوليين)؛ فإنهم في الواقع يزيدون من الضعف والإضعاف، بحيث تبدو البلدان سائرةً نحو الفوضى. ولذا كان ظهور الجهاديين ولا يزال عامل ضعف تظهر تداعياتُهُ لدى العرب وعليهم، وسيتجاوز الأمر ذلك إلى المزيد من الخسائر بالمعنى الاستراتيجي. بيد أن الغنيَّ عن البيان أن حلول الأزمات يقود منطقها ضرورة خروج الإيرانيين منها، وكذلك خروج خصومهم من الجهاديين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«كلنا سوريون».. صوت خارج ضجيج الصراع

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 24/11/2013

لا يختلف متابعو القضية السورية على أنها تمر بمرحلة حرجة، ربما هي الأخطر منذ قيام الثورة في مارس (آذار) 2011، إذ تؤكد معطياتها ضعف المعارضة ومحدودية قدراتها، ونمو التطرف الديني والقومي، وانتشار القتل والدمار والتهجير، والتي تنعكس بصورة سلبية من النواحي السياسية والعسكرية والإغاثية في الداخل وفي بلدان اللجوء السوري، وهو وضع يسير بالتوازي مع «تحسن نسبي» في وضع النظام من خلال دعم قوي وفعال من حلفائه، ولا سيما روسيا وإيران وحزب الله، يجسده قتالهم المباشر معه على الأراضي السورية ودعمه سياسيا في المحافل الدولية، في ظل تراخي المجتمع الدولي ضد سياسات وممارسات النظام، الذي صنف قبل سنوات طويلة بين الدول الداعمة للإرهاب، قبل أن يغرق في ممارسة الإرهاب عبر أبشع أشكاله ضد السوريين منذ أكثر من عامين ونصف العام.

وسط تلك الصورة التي تحيط بسوريا والسوريين، يبدو من الأهمية بمكان، صعود صوت سوري، يفتح بوابات الأمل التي لن تغلقها أي وقائع بعد كل التضحيات التي قدمها السوريون، والإصرار المتواصل على سيرهم نحو الحرية والكرامة، بما هي أهداف الثورة الأولى، التي أطلقتها حناجر الشباب والأطفال والنساء. بل إن ذلك الصوت يذهب إلى الأبعد من ذلك في أمرين؛ أولهما ضرورة «عقد مؤتمر وطني عام، يضم كافة أطراف المعارضة السورية، بقواها السياسية والعسكرية الملتزمة بأهداف الثورة، ومساهمة منظمات العمل المدني، لصياغة أجندة عمل وطنية للمرحلة المقبلة»، والثاني تأكيد «أن خيار المعارضة والشعب السوري، كان - ولا يزال - حلا سياسيا حقيقيا للأزمة، يفضي إلى تفكيك سلطة الاستبداد، وتنحية جميع رموزها وضمان انتقال سلمي للسلطة».

ويضيف الصوت السوري، الذي عبر عنه مؤتمر «كلنا سوريون» في دورته الثانية في إسطنبول أخيرا، إشارته الإيجابية إلى تحولين شهدتهما ساحة المعارضة السورية أخيرا؛ أولهما انضمام «المجلس الوطني الكردي» إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة المعارضة، ودعوة الأخير لضم القوى الأخرى من المعارضة على طريق توحيدها وتقويتها لتعزيز قدرتها لإنجاز مهمتها في تغيير النظام وإقامة بديل يستجيب لأهداف ثورة السوريين ووضع حد لمعاناتهم، التي تجاوزت في العمق أي كارثة هزت العالم في التاريخ المعاصر. والتحول الثاني تشكيل الحكومة السورية المؤقتة، التي من أول اهتمامها صياغة وتنفيذ خطط في مجال الخدمات والتنمية والإغاثة، تخرج بالسوريين مما أوقعهم النظام فيه بفعل سياسة القتل والتدمير التي ما زال يمارسها تحت سمع المجتمع الدولي وبصره دون أي موانع أو عوائق جدية.

لقد بدا لافتا للنظر ومهما، ارتفاع صوت «كلنا سوريون» لتأكيد حقائق كادت تضيع وسط أصوات الصراع المسلح وفي زحمة الكلام عن القضية السورية وتطوراتها وروابطها وتشابكاتها مع قضايا أخرى لا ترتقي إلى أهميتها، وإن كانت ذات صلة بالقضية السورية مثل الملف الكيماوي لنظام الأسد، وملف إيران النووي، والانتشار الإيراني في المنطقة، والتشدد الروسي في دعم النظام القائم في دمشق.

إن بين الحقائق التي أشار إليها المؤتمر مطالبة السوريين بـ«ضرورة الوقوف في وجه الخطر الذي يزداد يوما بعد يوم، داخل جسد المجتمع السوري، المتمثل بالتنظيمات الدينية المتطرفة، مهما كان اصطفافها، طالما تخدم أجندات غير وطنية، وسلاحها لا يخدم أهداف الثورة»، وإشارته الأخرى «إلى خطورة الطروحات والمخططات التي تهدف إلى تقسيم سوريا» وتأكيده «أن سوريا الموحدة أرضا وشعبا، هي الخيار الوطني الذي لا حياد عنه، وهو الضامن لوصول ثورة شعبنا إلى أهدافها في الحرية والكرامة وبناء دولة المواطنة، حيث الجميع متساوون بضمانة الدستور».

في محصلة مؤتمر «كلنا سوريون» الثاني، أن صوتاً سورياً، أراد تأكيد رؤية شاملة للقضية السورية في واقعها وتطورها وصولا إلى المرحلة الراهنة بكل صعوباتها ومشاكلها، وهو في جانب آخر رسم ملامح تساعد في الخروج من المأزق الذي وصلت إليه القضية، دون أن يتخلى عن مواجهة التحديات المحيطة، ولا سيما في أمرين مهمين؛ أولهما: مواجهة نمو التطرف، وثانيهما: مشاريع تقسيم سوريا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مسارات النظام قبيل "جنيف ـ2"

فايز سارة

المستقبل

الثلاثاء 26-11-2013

ما يقوم به نظام الأسد في سوريا اليوم له دلالات، خصوصاً إذا نظرنا له من زاوية العلاقة بمؤتمر جنيف2 الذي تسعى القوى الدولية من أجل انعقاده بهدف المضي على طريق الحل السياسي للقضية السورية، وتبذل من أجله جهوداً كثيرة، وإن كانت متفاوتة طبقاً لهذا الطرف الدولي أو ذاك، فإنها من أكثر وأكبر الجهود السياسية التي بذلت في التعامل مع القضية منذ انطلاق ثورة السوريين في آذار من العام 2011.

ورغم أن انعقاد جنيف2، ليس مؤكداً، فإن النظام يتعامل معه باعتباره احتمالاً ممكناً في واحد من سيناريوات محتملة، الأهم فيها أن يحوله مع داعميه الروس مؤتمراً ينتج حلاً لصالحه، أو يعطيه مزيداً من الفرصة والوقت للمضي الى الأبعد في حله العسكري- الأمني الذي اختاره منذ البداية، وما زال مصراً عليه على نحو ما تعامل مع كل مبادرات المعالجة السياسية للقضية السورية، أو فرصة لتحميل المعارضة فرصة فشل الحل سياسي، وإثبات نظريته عن بؤس المعارضة، وفشلها في التصدي لمسائل مصيرية في القضية السورية.

وأياً يكن الاحتمال في عقد جنيف2، فإن نظام الأسد، رسم مسارات أساسية في التعامل معه، لعل الأبرز فيها ثلاثة، أولها مسار سياسي، والثاني مسار عسكري، والثالث مسار أمني، تتناغم جميعها في إطار خطة، تتوافق مع استراتيجية النظام القائمة أصلاً على إفشال الثورة واستعادة السيطرة على سوريا والسوريين، ثم القيام بخطوات هدفها إعادة تأهيل وتسويق النظام في المستويين الداخلي والخارجي، وهو هدف يسعى النظام لتأكيده وتسويقه في المستويين السياسي والإعلامي لتأكيده.

إن الأهم في المسار السياسي من خطوات النظام، هو تأكيده المضي في الحرب ضد "المتطرفين" و"الإرهابيين" وتأكيد قيامه بمهمة تتوافق مع الخطة الدولية في الحرب على الإرهاب، وهو منحى لا يعارضه أحد في العالم، بل هو أمر مطلوب من المجتمع الدولي. ورغم أن من المعروف، أن التشكيلات المسلحة في سوريا، لا تنتمي الى بنية أيديولوجية وسياسية واحدة، وأن غالبها يعود الى تشكيلات تتبع الجيش الحر الذي تأسس على قاعدة رفض النظام وردعه عن قتل المدنيين وتدمير مدنهم وقراهم والسعي الى إسقاط النظام، والانتقال الى نظام ديموقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، مقابل قلة من تشكيلات مسلحة متطرفة أبرز جماعات الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" وجبهة النصرة المرتبطتين بالقاعدة الساعية الى إقامة "دولة إسلامية" متشددة، لكن النظام يصر على جمعهما في إطار واحد باعتبارهما "متطرفين" و"إرهابيين"، ويطبق سياستين مختلفتين بالتعامل معهما. إذ يسعى الى تدمير قوات الجيش الحر، ويسكت عن وجود ومقرات قوات المتطرفين، ويوفر لها فرص نمو، ويقدم لها دعماً عسكرياً على نحو ما تشير تقارير كثيرة بشأن تفاصيل علاقات "داعش" وقيادات مع جهات وشخصيات سورية ومن دول الإقليم، ترتبط مع نظام الأسد، ليقوم هؤلاء بدور النظام في الحرب ضد تشكيلات الجيش الحر، وهذا ما يحصل بالفعل.

والخط الثاني في المسار السياسي للنظام، يجسده شكل التعامل مع الجهود الدولية الهادفة الى عقد جنيف2 لمعالجة القضية السورية، حيث أعلن في هذا المجال استعداده الذهاب الى جنيف2 من دون شروط، بهدف تحقيق كسب سياسي في مسايرة المجتمع الدولي كذباً، والاستفادة من عامل الوقت لتحسين شروط النظام، وخلق وقائع على الأرض تخدم استراتيجيته في إفشال الثورة، واستعادة السيطرة على الواقع مجدداً وإعادة تاهيل نفسه مستفيداً من ضعف المعارضة ومن التراخي والتخاذل الدوليين الواضحين.

وخطوات النظام في المسار العسكري، تكمل مساره السياسي. إذ هو يشدد حصاره الدموي على المناطق المحاصرة في ريف دمشق وأحيائها الجنوبية وأحياء حمص القديمة وريفها ومناطق أخرى، مشيعاً القتل والدمار، بالتزامن مع عمليات عسكرية واسعة في أنحاء سوريا أخرى ولا سيما في القلمون، وسط تهديدات ببدء عمليات مماثلة في درعا والمنطقة الجنوبية فور إنهاء معارك القلمون، يساعده في ذلك دعم عسكري مباشر من خبرات وقدرات وقوات إيرانية إضافة الى ميليشيات حزب الله وأخرى عراقية ويمنية طائفية، من دون أن يتوقف عن شن هجمات بالمدفعية والطائرات على المناطق البعيدة والخارجية عن سيطرته.

وإذا كان الهدف الأساسي للعمليات العسكرية في سياق استراتيجية النظام هو إعادة السيطرة على الأرض، فإن الاهداف الأخرى للعمليات، لا تقل أهمية عن سابقتها، ومنها تدمير الحواضن الاجتماعية للثورة والمعارضة نتيجة القتل والتدمير والتهجير في المستويين الداخلي والخارجي، الأمر الذي يرفع عدد المهجرين من مناطقهم الى أرقام خيالية، وقد ظهرت تقديرات دولية، تؤكد أن أكثر من أربعة ملايين ونصف مليون سوري، سوف يلجأون الى دول الجوار في خلال العام 2014، إن لم تتوقف حرب النظام ضد الشعب، واستمر الصراع في سوريا.

وتبدو خطوات النظام في المسار الأمني متناغمة مع مجريات وأهداف المسارين السياسي والعسكري. فالضغوط الأمنية مستمرة في كل المناطق السورية ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، والأبرز فيها استمرار ملاحقة وتصفية المعارضين من الجماعات والأفراد بمن فيها ذوي النشاطات السلمية، وبهذا يزداد عدد القتلى والمعتقلين والمهجرين من تلك المناطق، وشملت الحملات شخصيات قيادية في هيئة التنسيق الوطني التي تظهر كثير من المرونة السياسية في التعامل مع النظام وأطروحاته في مواجهة ما يسمونه "العنف".

ويتضمن المسار الأمني للنظام، تصعيداً في النشاط الدعوي ضد قوى وشخصيات المعارضة في داخل البلاد وفي الخارج، وكذلك أوساط الرأي العام الدولي، وقد أعاد النظام بناء وتنظيم آلة أمنية وإعلامية كبيرة بالاستعانة بالخبرات الروسية والإيرانية خصوصاً، وبالتنسيق معهما، ونشرها في داخل البلاد وفي الخارج وبخاصة في التشكيلات العسكرية وفي أوساط اللاجئين السوريين في بلدان الجوار، وقد كشفت التشكيلات العسكرية في الداخل، والأجهزة الأمنية في كل من تركيا والأردن عشرات حالات الخرق والنشاط الأمني لأجهزة النظام في البلدين، ونُشرت عشرات التقارير حول ذلك في وسائل الإعلام.

خلاصة القول، إن النظام يسعى وفي احتمال انعقاد جنيف2 الى استفادة قصوى من الجهد الدولي لفتح بوابة حل سياسي للقضية السورية وتحويله الى صالحه بكل الوسائل والأساليب، الأمر الذي يفرض على المعارضة بالدرجة الأولى وعلى المجتمع الدولي الراغب في معالجة القضية السورية وايجاد حل سياسي لها، ليس فقط محاصرة سياسات النظام وإفشالها فقط، إنما وضع خطط مضادة والعمل عليها بصورة جدية من أجل جعل جنيف2 بوابة لحل سياسي، يضع السوريين على سكة تغيير النظام بصورة جوهرية وانتقال السلطة في سوريا نحو نظام ديموقراطي من خلال مرحلة انتقالية في جدول زمني وبالاستناد الى ضمانات تنفيذ دولية جادة وحازمة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أطفال سوريا... لن ننساكم!

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 26-11-2013

منذ أيام مرّ علينا يوم الطفل العالمي، كما مرّ علينا في السنتين السابقتين، حزيناً، جريحاً، متوثباً نحو الفعل، لقد بدأت المأساة بجرائم قتلِ وإحراق أطفال سوريين وقبلها تشليع أظافرهم، ولعل هذا التاريخ يتجاوز كل المجازر التي تعرضت لها أرتال من أطفال البشرية، التي أعلنت عن نفسها وأفصحت، فإذا كان مستشرقون وسوريون وعرب قد أجمعوا على فرادة الثورة السورية من حيث حواملها الثلاثة الكبرى، الاجتماعي والسياسي والثقافي، فقد ظهرت هذه الفرادة، في إظهار الأطفال أهدافاً لكل أنماط الموت، تقطيعاً وحرقاً وتهديدهم بالمخدر وبانتزاع أعضاء الجسد عضواً عضواً.

وإذا كنا تحدثنا عن تلك الأنماط من موت أطفال سوريا، فعلينا الإشارة إلى أن ذلك حدث منذ بواكير الثورة السورية، كما يحدث الآن، كما هنالك ملاحظة هي بمثابة "تسونامي العار" للقرن الواحد والعشرين، ولكي نتبين معالم هذا "التسونامي"، علينا العودة إلى بواكير، أو إلى إحدى بواكير التاريخ العالمي، التي تجسدت بـ"الكائنات آكلة لحوم البشر"، لم يكن "الإنسان العاقل" قد ظهر واكتمل بعد، كما يُفهم من باحثي علم الأحياء.

ونعود إلى معطيات أمام المؤسسات الدولية المعنية: حيث قُتل اثنا عشر ألفاً من الأطفال، منهم مئة طفل ماتوا تحت التعذيب، وثمة من الأطفال تسعة آلاف طفل تم اعتقالهم، وقد مات عشرة أطفال صغار تحت عبء الجوع المباشر، وفي سياق هذا وذلك، تم إحراق ثلاثمائة مدرسة، وفي هذه المناسبة نورد خطوطاً عامة لحالة اتسع رواجها واللجوء إليها من قِبل الشبيحة الذين تعاملوا مع أطفال صغار (بين 3 و5 سنين) كانوا مع أمهاتهم أثناء أخذهم بهدف الاغتصاب والاستباحة. وتتلخص هذه الحالة بإعطاء الأطفال مخدراً، كي يغيبوا عن النظر والوعي فيتاح للمغتصبين أن يتفرغوا لإجرامهم، دونما إزعاج لهم من هؤلاء الأطفال، وقد جاء السلاح الكيمياوي ليلخص الكارثة الجريمة، فقد حصد هذا السلاح المحظور دولياً وقانونياً وأخلاقياً وإنسانياً عدداً من الأطفال وآخرين ناهز عدد الألف والخمسمائة.

استخدم النظام العراقي الأسلحة المحظورة في حربه ضد الأكراد، فقتل بها خمسة آلاف إنسان في حلبجة، وكان الأميركيون سابقاً وأواخر الحرب العالمية الثانية قد قصفوا بالقنبلة الذرية مدينة هيروشيما، ويُقال إن العاهات التي خلفها القصف الذري مازالت آثارها قائمة لدى أفراد كثيرين أو قليلين من شعب المدينة المنكوبة.. إن النظام العالمي ما يزال يتخاذل عن معاقبة الناشطين من قتلة الشعوب بواسطة أسلحة محظورة، ومن ثم فإن شعوب العالم أمامها حتى الآن استحقاق تطهير المعمورة البشرية من المغامرين، الذين يرون في الشعوب حقول تجريب لكل الأسلحة دون استثناء.

إن "يوم الطفل العالمي" الذي تمر به سوريا هو تذكار وتذكير، تذكار بحدث تجاوز كل المحظورات البشرية، فقاد إلى الدعوة الكونية لجلب المجرمين إلى محكمة لاهاي العظمى.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

معاناة السوريين متعددة الجوانب

حسين العودات

البيان

الثلاثاء 26-11-2013

ليس عنف السلطة، وعبثية التدمير، والتهجير، والقتل، والاعتقال، والتشرد والغلاء، والجوع، والمرض، هي وحدها، التي ابتلي بها السوريون، تسومهم سوء العذاب، وتهدد حياتهم، وأملاكهم، وحاضرهم ومستقبلهم، إنما يعانون أيضاً انتشار الفوضى، وانعدام الأمن، والتعرض للسرقة، والابتزاز، والخطف، والاختفاء، وللثأر الهمجي، وإطلاق العنان للغرائز على مختلف أنواعها.

لقد انتشر ما يسمى بالحواجز الأمنية في شوارع البلدات والمدن، وعلى الطرقات بينها، حيث يقيم في الحاجز عادة، عدة جنود لا يقل عددهم عن عشرة، ويزيد أحياناً على خمسين مزودين بالسلاح.

ولا أحد يعرف بدقة مهمة هذه الحواجز، فبعضها يطلب التدقيق في البطاقات الشخصية لركاب السيارات، وبعضها الآخر يفتش هذه السيارات وما تحتوي، والبعض الثالث لا يعمل شيئاً سوى تضييق الشارع، ليمرر سيارة واحدة فقط، من دون أن يسأل هذه السيارة، أو ركابها عن أي شيء، ويقوم بعض الجنود بمصادرة بعض مقتنيات ركاب السيارات من دون سبب.

وخاصة السيارات الشاحنة، التي تحمل السلع الغذائية، فيصادر بعض محتوياتها، ولا يجرؤ سائق السيارة، أو مالك البضاعة لا على الاحتجاج ولا على الشكوى، وهكذا فقد يمر على عدة حواجز، فينقص بذلك قسم كبير من البضائع التي يريد توزيعها على تجار المفرق، فترتفع أسعارها للتعويض، وأحياناً يخطئ راكب سيارة خاصة، أو يتلفظ بكلمة نقد ما، وعندها توقف سيارته جانباً، ويهان، أو يضرب، أو يعتقل، أو تطلب منه رشوة، من دون أن يستطيع الرفض أو الاحتجاج.

انتشرت السرقات في المدن السورية، حيث يدخل اللصوص أو عناصر الأمن جهاراً نهاراً أي بيت، ويبلغون سكانه أنهم من أمن الدولة، ويفتشون البيت ويسرقون ما يحلو لهم ويخرجون، وبعد خروجهم لا يستطيع صاحب البيت تقديم الشكوى، لأن مخافر الشرطة المختصة ترفض تلقي أية شكوى، بسبب خوفها من أمن الدولة، وأحياناً كثيرة، يكون اللصوص أعضاء عصابات سرقة وسطو، وليسوا من أمن الدولة، إلا أن مجرد زعمهم بالانتماء لهذا الجهاز، يوقع الرعب بصاحب البيت، الذي يخشى أن يقتلوه، أو يعتقلوه، فكيف يعرف أنهم ليسوا من أمن الدولة؟ فهم مسلحون ويتصرفون بالعنجهية والعسف، الذي يتصرف به عناصر الأمن.

جند النظام ما سماه "اللجان الشعبية"، وهم مدنيون عاطلون عن العمل وشباب في العشرينيات، يعطيهم رواتب مجزية، ويسلمهم بندقية رشاشة (كلاشينكوف)، للدفاع عن النظام، باعتبارهم يخدمون غالباً في مناطق سكناهم، ويعرفون الناس وميولهم، وقد أطلق هؤلاء لغرائزهم العمل بلا حدود، فيسرقون، ويصادرون، ويخطفون طلباً للفدية، ويعتقلون من لا يحبونهم بتهم ملفقة، ويثأرون من أضدادهم أو أعدائهم، أو ممن كانوا يحسدونهم على نجاحهم، من دون أن يستطيع أحد الشكوى، أو ردهم عن عسفهم، وسرقاتهم، وحماقاتهم، وأحياناً ارتكابهم الجرائم.

وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، تنتشر الظاهرة نفسها، أعني ظاهرة السرقة والخطف، والاتهام والاعتقال، وأحياناً القتل، ويزعم من يقوم بها أنه من فصائل المعارضة المسلحة، أو من الجيش الحر، أو حتى من قوى الأمن، وفي الخلاصة، تتعرض حياة المواطن وأملاكه وكرامته للخطر، من دون أن يعرف من أوقع به هذا الأذى.

إن تغول قوى الأمن والقوات العسكرية على المواطنين، لم يبدأ في الواقع مع الثورة، أو مع الصراع العسكري، أو انتشار العنف، إنما بدأ قبل عشرات السنين، حيث أصدر الرئيس الراحل حافظ الأسد قانوناً، منع فيه محاكمة "رجل الأمن" عند ارتكابه أية جريمة، إلا بموافقة وزير الدفاع.

ولم يعرض خلال ثلاثة عقود على وزير الدفاع طلب الموافقة على محاكمة أي مرتكب، إذ لا بد من أن يبدأ الرئيس المباشر لمرتكب الجريمة بطلب الإحالة إلى المحاكمة، وهذا يكون غالباً شريكاً في الجريمة، أو أنه يرفض محاكمة مرؤوسه مهما كان خطؤه، وهذا ما أدى بأجهزة الأمن لارتكاب مختلف أنواع الجرائم، والابتزاز، والتهديد، والمصادرة بغير حق، منذ عشرات السنين، تحت شعار أمن الدولة، ومنذ تدخل الجيش ضد الانتفاضة، وبعدها ضد الثورة، انتقلت الصلاحية لجنوده، الذين لكل منهم "الحق" في عمل ما يشاء تجاه أبناء الشعب.

تستباح أموال الشعب في سوريا الآن، وأملاكه ومدخراته، من قبل الحواجز الأمنية، وأجهزة الأمن، و"اللجان الشعبية"، ومن المسلحين، كما يسفك دمه وتنهب مساكنه ومقتنياته، وقد تعطلت حياته الاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية، حيث "لا أحد يزور أحداً مساءً"، ومنعت إقامة الأفراح والتعازي ليلاً، وينبغي أن تنتهي قبل المساء، ونفدت مدخرات السوريين، وألغى معظمهم كل ما هو ممتع في حياتهم، (فلا حفلات ولا سهرات ولا ولائم ولا مطاعم).

إضافة إلى نشوء قيم رديئة جديدة، كانوا يستنكرونها، ويعتبرونها عاراً ما بعده عار، كالاستهانة بهتك الأعراض (اختياراً أو اغتصاباً)، والتسول، والاحتيال، وأكل مال الغير وقبول الإهانة، وتجاهل الانتصارات والهزائم القومية،أو المتعلقة بالبلدان العربية الأخرى.

لقد تغيرت مفاهيم الهوية، والانتماء الوطني، والمشاعر القومية، ومفاهيم السيادة، التي يتشدق بها أهل النظام (عالطالع والنازل)، إنها مأساة السوريين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف : خيارات المعارضة السورية أمام الصفقة الإيرانية – الغربية

26.11.2013

زهير سالم

لا نشك أن المعارضة السياسية السورية قصورا منها عن التفاعل مع التطورات الدولية ستدير ظهرها للصفقة الجديدة التي تم الإعلان عنها بين الغرب وإيران وكأن الأمر لا يعنيها ..

وكما أدارت هذه المعارضة ظهرها للشراكة ( الأمريكية – الأسدية ) حول الملف الكيماوي ، غير مقدرة أبعاد هذه الشراكة وانعكاساتها على الثورة السورية ، ومصائر الملايين من السوريين ، وصيرورة الصراع في سورية؛ فهي ستفعل اليوم الشيء نفسه . دون أي محاولة جادة لقراءة الحدث ، وإعادة تقويم الموقف ، واتخاذ القرارات التي تحمي الثورة والثوار وتقلل من الانعكاسات السلبية القاتلة لهذه الصفقة الدولية المنحازة ..

وبينما يتابع قراء المشهد السياسي دولا إقليمية كبيرة في المنطقة تبادر إلى إعادة تقدير مواقفها وتعديل سياساتها فإن القوى السياسية للمعارضة السورية لا تزال عاجزة عن إدراك ما يجري حولها . وهي عاجزة حتى عن متابعة السياسة التركية ، كمؤشر حساس وحيوي . هذه تركية اليوم تعيد التفكير بعلاقاتها مع إيران والعراق وروسية حيث يدرك سياسيوها اليقظون أنهم مقبلون على عهد دولي جديد تكون إيران فيه لاعب دولي مرحب به ومشجع في المنطقة .

يتحدث المطلعون على مساقات السياسة الدولية عن صفقة أمريكية – إيرانية ما زال الطرفان يشتغلان عليها منذ مطلع العام / 2013 . لنا أن نتصور أن دفع خمنئي برئيس إصلاحي ( حسن روحاني ) إلى سدة الرئاسة كان جزء من عملية الإخراج لفصول الصفقة . لم يكن روحاني إلا الحامل الإيراني لإخراج مشروع تم التوافق عليه .

ولنا أن نتساءل في الوقت نفسه هل الصراخ الاحتجاجي الصهيوني جزء هو الآخر من عملية الإخراج أم أنهم كانوا كنظرائهم الأوربيين آخر من يعلم . إدراكنا لأبعاد الصفقة الدولية والإقليمية المدمرة لا يجوز أن ينسينا معادلة إيران الصفرية بالنسبة للشعب السوري ، وأن الولايات المتحدة قد اتخذ قرارها ببيع الثورة السورية كورقة محترقة لا يهمها من أمر أصحابها شيء ..

ولا بد أن نشير برهانا على ما نقول أن إيران وحزب الله باتا في ثنايا هذه الصفقة يجاهران بالتدخل السافر في سورية ، وفي قتل السوريين كإشارة على أن الاتفاق قد تم مع الولايات المتحدة على أن تنفرد إيران في الساحة السورية . بمعنى آخر أن الولايات المتحدة قد باعت سورية أرضها وشعبها وثورتها لإيران تفعل بها ما تشاء . حقيقة مواجهتها صعبة واستحقاقاتها أصعب ..

ولا نشك أن استحقاقات المتغير الجديد الذي يفرضه المجتمع الدولي على الثورة السورية والساحة الإقليمية هو أكبر من المعارضة السورية . وأنها أصغر من أن تكون بقواها المحدودة قادرة على تغييره أو التصدي له . والمعارضة السورية كممثلة لثورة تناصبها إيران عداء وجوديا لا سبيل إلى تهذيبه أو تخفيف حدته مطالبة أن تعيد قراءة الموقف الدولي الذي ينشئ هذه الأيام حلفا ضدها . حلفا يشترك فيه الروس والأمريكيون والأوربيون والإيرانيون للإحاطة بهذه الثورة وإحباطها ومصادرة الطريق عليها . وهذا الحلف سيضطر العديد من الدول التي كانت في المرحلة السابقة داعمة مباشرة للشعب السوري أن تعيد حساباتها أو توازنها أمام الواقع الجديد ..

أمام الشراكة ( الغربية – الإيرانية ) أصبح من العبث إن لم نقل من البلاهة التي لا حدود لها أن تعتد المعارضة السورية على نفسها أصدقاء ؛ لم يثبتوا صداقتهم في أي مرحلة من مراحل الصراع ..

ندرك صعوبة الموقف وخطورة الخيارات وعظم التحديات ولكن استرسال المعارضة السياسية في طريقها السابق يعني الاسترسال في طريق سفك دماء السوريين وتدمير بلادهم في مسعى عبثي سيفضي بهم مهما تعاظمت التضحيات إلى بيت الطاعة الإيراني – الأسدي ..

تقف الثورة السورية اليوم على مفترق طرق . الثوار السوريون ما زالوا أوفياء لمشروع ثورتهم ، ما زالوا يثبتون يوما بعد يوم قدرتهم ليس على الصمود فقط بل على الانتصار أيضا . هذه الحقيقة التي ما زالت إيران وحلفاؤها الغربيون يسعون إلى تحطيمها في عقول وقلوب السوريين بترداد أقوالهم : لا نصر عسكري . ولا بد من الاستسلام على مائدة الحل السياسي . وإن كان مزعوما .

المعارضة السياسية كقوى مؤتمنة أمام الله والناس مطالبة اليوم أن تبحث عن استراتيجية جديدة لنصرها . استراتيجية لا تمر على مجلس الأمن ، ولا على الأمريكيين أو الأوربيين أو الروس أو الإيرانيين ..

هل هذا ممكن ؟! هو صعب وعسير ومكلف وشاق ولكنه غير مستحيل ، نداؤه الخالد : يا يحيى خذ الكتاب بقوة ..

لندن : 12 محرم / 1435

25 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تغيب الثورة فيكثر المتحدثون باسمها!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 27-11-2013

عودنا نظام البعث على التحدث باسمنا دون تفويض أو تكليف منا. وعودنا أن ينسب ترهاته وسخافاته إلينا نحن الذين كنا ضحايا قمعه المخيف الذي أخرسنا، فهو لا يقرر ولا يقول، وإنما نحن نقرر له وندفعه إلى قول ما يقوله بالنيابة عنا. هذه العادة بلغت درجة من التهافت عرفها السوريون وقرفوا منها طيلة قرابة نصف قرن، جعلت أي حزبي مهما كان تافها ناطقا باسم الشعب الأخرس، الذي غالبا ما كانت عقوبة نطقه برأي أو وجهة نظر جسيمة وربما قاتلة.

وفي حين تعين الحكومات التي تحترم نفسها وشعبها ناطقا رسميا يعبر عن رأيها في قضايا ذات أهمية خاصة، كان أي بعثي يقول بثقة واستخفاف شديد بالحقيقة: إن شعبنا المناضل يريد كذا وكيت، كأنما قام قبل تصريحه بتوزيع استبيان ضمنه أسئلة تفصيلية حول ما يتحدث عنه، ثم قام بتحليل معطياته وفق قواعد علمية منهجية ومجربة تسمح له باستخلاص نتائج وعبر والتعامل معها كما يتعامل عالم اجتماع مادة كرس جهدا ووقتا لها، توصل بفضلها إلى مقاربة ملموسة تعكس الواقع وتعبر عنه.

غاب الشعب في العصر الأسدي المرعب، فكثر الناطقون باسمه، وتناقضت أقوالهم وتضاربت من دقيقة لأخرى، في الموضوع الواحد ذاته غالبا، تدفعهم إلى ذلك رغبة عارمة في تدويخ الشعب وجعله عاجزا عن التفريق بين رأسه وقدميه. واليوم، بقدر ما تغيب الثورة يتحدث باسمها ناطقون متنوعون لا يجمعهم أي قاسم مشترك، يعبر وجودهم ذاته عن معضلة واجهها الحراك المجتمعي منذ بدايته، دون أن يوجد لها أي حل إلى اليوم، تتجلى في افتقاره إلى قيادة، فردية كانت أم جماعية، وإلى خطة جامعة تتصل بالصراع الدائر في سوريا، وتقدم مقاربة موضوعية لمساره واحتمالاته، وللقوى التي ستنهض بأعبائه في كل مرحلة من مراحله المفترضة، كما تلزم المنخرطين في الثورة بانتهاج سلوك متقارب أو متشابه، والتفكير بطرق متماثلة، والعمل على تحقيق أهداف واحدة ضمن فترة زمنية متفق بصورة أولية عليها وعلى النتائج التي ستنجم عنها. بافتقار الثورة إلى قيادة، ووجود أخلاط من القادة ليس لدى معظمهم أي تجربة سياسية - ميدانية أو تهيئة فكرية - معرفية، لذلك تراهم يتخبطون في متاهات وجهات نظر متضاربة ورهانات متناقضة، لا عجب أن انقسم الشعب الثائر بانقسام الجهات التي يواليها، وتلك التي تتلاعب بعواطفه ومصالحه،التي أخذته غالبا إلى حال من الضياع حار معه في فهم ما يجري، ليس فقط لأنه ثار طلبا للحرية والعدالة والمساواة ثم وجد نفسه تحت ضغط تنظيمات ترفض الحرية وتعتبرها كفرا، بل كذلك لأن القوى التي تتحدث لغة الحرية، لغته الأصلية، المعبرة عن طموحاته وتطلعاته، تتراجع، في حين انقلب صراعه ضد نظامه، الذي تمحور حول مسائل داخلية، إلى صراع دولي طمر رهاناته تحت ركام كثيف من خلافات وحسابات دولية حجبته وأخذته إلى مشكلات لا ناقة له فيها ولا جمل.

أمام هذا التطور المزدوج، الذي أفاد الخارج فيه من عجز الداخل عن الارتقاء إلى مستوى ثورة من أعظم ثورات التاريخ وأكثر بسالة، نمت ظاهرة مرضية خطيرة النتائج، تتظاهر من خلال كثرة المتحدثين باسم الثورة السورية المغيبة، وتشعب آرائهم وتناقضها، وما أدى إليه ذلك من بلبلة واسعة ولا تني تتعاظم، ترتبت عليها نتائج ثلاث: يأس أصاب الثوار والشعب، وتنصل قطاعات واسعة من السوريات والسوريين من الثورة، وإلى اعتبارها محاولة خاطئة أو فاشلة لا سبيل إلى تفادي ثمنها الفادح بغير الانسحاب منها ووقفها، وأخيرا تهافت ما كان من جوانبها عابرا لتنظيماتها، التي لعبت دورا مهما في إدامتها واستمرارها، وجذبت جماهير كبيرة من المواطنات والمواطنين إليها.

من الصعب جدا إيجاد مخرج من مأزق الكلام المتناقض الذي يقوض ما بقي من ثورة في بلادنا، والسبب: لقد صار الكلام المتناقض مصدر أرزاق وأدوار، وسلما يصعد عليه المتسلقون إلى الثروة والسلطة، الذين يبتعدون عن الثورة وينزلون أفدح الضرر بها بقدر ما تأخذ بكلامهم، وتتعاظم صيغه الاتهامية والإقصائية حيال غيرهم، ويصير هدفهم إبعاد الآخرين عن مغانم هي كل ما يريدونه منها ويربطهم بها.

كثر المتحدثون باسم الثورة السورية، الذين يسهمون في تراجعها وتحولها إلى صراع لا يشبهها، يغرقها تحت ركام من كلام يكتم أنفاسها ويزهق روحها، والمصيبة أنه يعتبر إلى يومنا جزءا منها يعبر عنها!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مسلسل التفجيرات يهدد بقاء لبنان

مسعود ضاهر

البيان

الاربعاء 27-11-2013

بعد أن فتحت معركة القلمون على الجانب السوري، تدفقت موجات جديدة من النازحين السوريين إلى المناطق اللبنانية، فزاد حجم تواجدهم في لبنان، ويتوقع أن يصل عددهم إلى ما يقارب نصف سكان لبنان، في حال احتدمت المعارك في مناطق القلمون التي يزيد عدد سكانها على المليون نسمة، مما يطرح أعباء إضافية على الساحة اللبنانية، التي ما انفكت تشهد سجالات عقيمة بين قيادات سياسية فاشلة، لا تستطيع التلاقي أو التوافق على الحد الأدنى من تحمل المسؤوليات الوطنية والإنسانية.

لكن التفجير المزدوج الذي استهدف مقر السفارة الإيرانية في بيروت في 19 نوفمبر 2013، أدخل لبنان في مرحلة جديدة مرشحة للتصعيد بعدما تبناه تنظيم القاعدة. وقد فسره المراقبون بأن القاعدة وجهت رسالة مباشرة إلى إيران وحليفها "حزب الله" في لبنان، مفادها أن قواعد اللعبة هي الآن قيد التغيير، فلم يعد بالإمكان تحييد لبنان مع المشاركة في القتال إلى جانب النظام في سوريا ومواجهة التكفيريين فيها. وأنها هي من تحدد قواعد الصراع في لبنان وسوريا معا، وقادرة على تحويل البلدين إلى مسرح عمليات يومية.

دلالة ذلك أن إعصارا مدمرا يقترب من لبنان، وستزداد قوته التدميرية مع تفاقم الصراع العسكري في سوريا، وستكون للسيطرة على منطقة القلمون تداعيات كبيرة على الساحة اللبنانية. أي أن التفجير الإرهابي المزدوج ضد سفارة إيران في بيروت، يندرج ضمن سلسلة من التفجيرات تقود إلى عرقنة لبنان، وإضعاف "حزب الله" لمنعه من المشاركة في القتال إلى جانب النظام السوري، ولتشكيل رأي عام لبناني ضاغط لتحييد لبنان عن الصراع العسكري الدائر في سوريا، وهناك مؤشرات عدة تؤكد هذا المنحى.

أولا: سادت اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، الذي انعقد في القصر الجمهوري في 20 نوفمبر 2013، أجواء مقلقة، نظرا للصعوبات الكبيرة التي تواجه الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، وهي عاجزة عن ردع قوى إرهابية تهدد أمن لبنان واستقراره، في ظروف انكشاف سياسي فاضح، مع استقطاب حاد بين قوى داخلية متناحرة وتعكس خيارات متناقضة إقليميا ودوليا.

ثانيا: أكدت وزارة الشؤون الاجتماعية أن منطقة عرسال وجوارها في البقاع الشرقي، شهدت نزوح آلاف العائلات السورية، مما دفع الوزارة إلى استنفار قدراتها المحدودة لتقديم مساعدات شحيحة، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة للاجئين.

ورفع وزير الشؤون الاجتماعية مسألة النزوح المتزايد بعد فتح معركة القلمون، إلى مرتبة الأزمة السياسية التي تتطلب حلا سياسيا وليس فقط إنسانيا. فعدد اللاجئين السوريين فاق قدرات المؤسسات اللبنانية على الاحتمال، والوجود الكثيف للنازحين يمكن أن يشكل غطاء لعمليات عسكرية ذات طابع سياسي، على غرار متفجرتي سفارة إيران في بيروت، وقد اتجه التحقيق فيهما إلى إتهام عناصر انتحارية من القاعدة، وأن العملية جزء من مسلسل إجرامي يجعل لبنان عرضة لتفجيرات انتحارية يومية على غرار العراق.

ثالثا: تشير التقارير الأمنية الواردة من شمال لبنان، إلى احتمال تفجيرات أمنية عبر سيارات مفخخة أو انتحاريين من حملة الأحزمة الناسفة، لقتل أكبر عدد من "الكافرين والمرتدين". ويعيش الطرابلسيون وباقي سكان لبنان الشمالي، هاجس تفجيرات تعجز عن مواجهتها التدابير الأمنية الأكثر دقة. واعتمدت تدابير غير مسبوقة من الإجراءات الأمنية في مناطق نفوذ "حزب الله"، وحول مؤسسات وهيئات سياسية وأهلية ودبلوماسية في معظم أنحاء لبنان.

رابعا: تشكل المرحلة الراهنة خطرا كبيرا على أمن اللبنانيين وبقاء لبنان دولة مستقلة وذات سيادة تامة على أراضيها، فالأزمة السياسية مستفحلة، والحكومة مستقيلة، والبرلمان معطل، والتفجيرات الأمنية متنقلة من منطقة لأخرى، والمأساة مستمرة في طرابلس، وموجات النازحين السوريين أحدثت اختلالات أمنية واقتصادية واجتماعية، من شمالي لبنان إلى شبعا في الجنوب. وبرزت تشنجات طائفية مستجدة في الجنوب، إلى جانب التشنجات الأخرى في باقي المناطق اللبنانية.

ووصل عشرات الصحافيين الأجانب إلى لبنان للانتقال إلى الحدود مع سوريا في منطقتي عرسال وشبعا، بداعي متابعة دخول النازحين السوريين وأوضاعهم. لقد باتت الأزمة السورية عند مفترق طرق، فإما أن يفرض المجتمع الدولي حلولا سياسية لها عبر مؤتمر جنيف الثاني، أو ينفجر الوضع العسكري على جميع الأراضي السورية وأجزاء واسعة من المناطق اللبنانية، التي بلغ فيها التشنج السياسي والمذهبي أقصى مداه.

خامسا: ما زالت قرارات مجموعة الدعم الدولية للبنان، التي أعلنت من نيويورك في سبتمبر 2013 حبرا على ورق، فإطلاق صندوق الدعم للبنان رهن بتشكيل حكومة لبنانية جديدة. ومع تزايد أعداد النازحين السوريين بعد فتح معركة القلمون في سوريا، باتت الأزمة تهدد بتفجير الوضع اللبناني شديد الاحتقان، والمنفعل برهانات القادة اللبنانيين على نتائج التطورات الإقليمية وتوجيهات مصادر القرار والتمويل في دول عربية وأجنبية.

وتبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن احتواء المنحى المتنامي للحل العسكري بديلا للحل السياسي، وما زال قادة لبنان في موقع المتفرج على الأزمة السياسية المستفحلة التي تحول دون تشكيل حكومة جديدة، وهم أسرى الانتظار غير المجدي لحلول مرتقبة للأزمة السورية، التي دخلت بعد تأجيل الإعلان عن موعد مؤتمر جنيف الثاني، في بازار المفوضات الدبلوماسية لإيجاد حلول شاملة لأزمة الشرق الأوسط، ومعها أزمة السلاح النووي الإيراني.

ختاما، هناك خشية حقيقية من أن تصبح الساحة اللبنانية ورقة إقليمية ضاغطة، تخدم محور النظام السوري المتحالف مع ايران من جهة، أو محور الغرب المتحالف مع دول عربية تتبنى سياسة إسقاط النظام السوري كشرط للحل السياسي في سوريا ولبنان معا، من جهة أخرى. ويراهن بعض الأطراف اللبنانية على صفقة سياسية شاملة، للتوافق على رئيس جديد للجمهورية وقانون جديد للانتخاب وحكومة جديدة، أو يدخل لبنان في فراغ شامل يصعب الخروج منه دون تسوية إقليمية مدعومة دوليا، على غرار اتفاق الطائف أو اتفاق الدوحة.

لذلك وجه رئيس الجمهورية اللبنانية بمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال لبنان، رسالة شديدة الوضوح تبرز المخاطر المحدقة بلبنان الوطن، بسبب وجود السلاح غير الشرعي، وتدخل لبنانيين عسكريا إلى جانب طرفي الصراع في سوريا، مما يشكل خطرا حقيقيا على استقلال لبنان وأمن اللبنانيين. فمتى يرتدع الساسة اللبنانيون عن التلاعب بمصير وطنهم؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل باعت واشنطن سورية إلى طهران؟

24.11.2013

الطاهر إبراهيم

أخذ كثير من المهتمين بما يحدث في سورية يعيدون حساباتهم، بعد أن تخلت دول كثيرة عن دعم الشعب السوري وتقديم العون له، في وقت ازداد حلفاء نظام بشار أسد دعما له، وذلك بعد أكثر من 30 شهرا من بدء الثورة السورية.

أطراف الصراع في سورية وعليها، ربما كانوا لم يضعوا بحسبانهم أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم. فقد اتضح مؤخرا أن واشنطن ليس لديها ما يمنع من إعادة تأهيل نظام بشار بعد أن ضمنت نزع السلاح الكيماوي وإبعاده عن إسرائيل، وهو ما كان يشغل بال "أوباما" ويعتبره خطا أحمر. وإلا كيف نفسر صمت أوباما وهو يرى الأمور تجري في سورية في مصلحة طهران عدو واشنطن اللدود؟

يخطئ من يعتقد أن المشكلة ما زالت مشكلة شعب مقموع مع رئيس مستبد. ربما كان الأمر هكذا عند بداية الثورة حين كان بشار أسد يظن أنه قادر على حسم المعركة بأجهزته الأمنية وقطعان شبيحته وجيشه الطائفي. ولكن الأمر أصبح مختلفا، بعد أن دمر نظام بشار نصف سورية، وقتل واعتقل مئات الآلاف من السوريين، وما يزال العداد "يمرك" قتلى وجرحى، وأصبح نصف شعب سورية مهجرا داخليا وخارجيا. من جهة أخرى زاد عدد القتلى من الطائفة العلوية على 50 ألف قتيل حتى  حزيران 2013 الماضي، وألقى التعب بكلكله على جيش بشار، حتى إن الضابط ليفرح عندما يصاب برصاصة تؤدي إلى قطع يده أو رجله أو قلع عينه، لأنه لن يعود إلى القتال.

الآن، بعد أن تأكد أن واشنطن لم تعد تريد شطب نظام بشار من الخارطة السورية، فها هي طهران اليوم تحاول، ولو على حساب تخصيب النووي، أن تستغل الفرصة، وتنتقل للمرحلة الثانية من معركتها في المنطقة وهي وضع يدها على حكم سورية، مع بشار أومن دونه، بعد أن أبدى هذا هشاشة في مواجهة الجيش الحر.

قد يبدو شديد الغرابة أن تفكر طهران جديا بالتخلي مرحليا عن ورقة السلاح النووي. وتزول الغرابة إذا علمنا أن طهران تأكد لها أن واشنطن تخلت عن رفض بقاء النظام الحالي في سورية لحسابات إسرائيلية. فطهران تعتبر المعركة بسورية مرحلة هامة في المشروع الطائفي الذي عملت عليه منذ إعدام صدام حسين، وهو استكمال محور طهران بغداد دمشق بيروت. ما قد يسمح لها بالعمل على مشروعها بالاستحواذ على الخليج العربي، خصوصا بعد أن استطاع انقلاب "عبد الفتاح السيسي" تحييد مصر، وإخراجها، كأكبر دولة عربية، من معركة المواجهة مع طهران.

ورغم العداوة الإعلامية الصاخبة بينهما، فليست المرة الأولى التي تحاول طهران أن تستفيد من حاجة واشنطن لها بالمنطقة، بتقديم خدمات لوجستية، عسكرية أو سياسية، ، بعد أن تحولت واشنطن عند طهران من شيطان أكبر، إلى حليف من تحت الطاولة، وأحيانا من فوقها، كما هو الحال في سورية حاليا. 

لم ننس بعد التعاون بين طهران وواشنطن العدوين اللدودين بالأمس القريب في عام 1991 عندما قدمت طهران تسهيلات في الحرب على أفغانستان،وسمحت لطائرات التحالف بالعبور في أجوائها. وأكملت طهران الخدمة يوم طلبت من ميليشيات شيعية عراقية عدم التعرض للجيش الأمريكي الزاحف على بغداد عام  2003. وفي السياق يمكن أن نفهم توصية وزير الخارجية "جون كيري" للكونغرس الأمريكي ألا يفرض عقوبات جديدة على طهران. وجاء من بعده الرئيس "أوباما"، فطالب الكونغرس في 19 تشرين ثاني الجاري بالتريث قبل التصويت على فرض عقوبات.

كيف نفهم الكيمياء التي تجعل علاقة المصلحة مع طهران تتقدم على حساب العلاقات التاريخية بين واشنطن وحلفائها؟ ما أدى لإغضاب المملكة العربية السعودية، بعد أن تغاضت واشنطن عما يفعله حزب الله في سورية، ومن دون أن تلوح بالعصا الغليظة في وجه طهران وحلفائها.

عندما نتصور حاجة واشنطن إلى المملكة العربية السعودية، اقتصاديا وسياسيا، ثم تتركها عرضة للاستقواء الإيراني التي تقدم الدعم  لينتصر بشار أسد، يصبح مؤكدا أن هناك مخططا استراتيجيا تعمل واشنطن عليه في المنطقة. وهنا يصبح التساؤل مشروعا: هل يكون كل ذلك عابرا لأجندات العداوة والتحالف المستقرة سابقا؟ أم أن الأمور لا تعدو كونها عملية خلط أوراق ليعاد فرزها من جديد؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الائتلاف الوطني السوري خطر على سوريا والمنطقة!

طارق حمو

تعرضت مدينة القامشلي التي تعد معقل الكرد السوريين، إلى سلسلة من الهجمات الانتحارية، أوقعت عددا من القتلى والجرحى. هذه العمليات تأتي بعد تمكن وحدات حماية الشعب(YPG) من دحر المجموعات القاعدية( جبهة النصرة وتنظيم دولة العراق والشام/داعش) وأخراجها من المدن الكردية، ملحقا بها خسائر كبيرة. العمليات الانتحارية تدل على فشل هذه المجموعات في المواجهات الميدانية المباشرة ولجوئها إلى أسلوب القتل الجماعي واستهداف المدنيين. ثمة بعض الجيوب التي ما زالت هذه المجموعات القاعدية تستوطن فيها وترسل منها السيارات المفخخة والانتحاريين الأجانب. لقد أعلنت هذه المجموعات حربا شاملة على وجود وهوية الشعب الكردي، حيث تصاعدت هذه الحرب بعيد إعلان مكونات منطقة الجزيرة السورية عن مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية. حيث ترفض هذه المجموعات تلك الصيغة وتجدها تهديدا للدولة الطالبانية التي تهدف لتأسيسها في كل سوريا، وترى في منطقة الجزيرة إمارة من إماراتها.

لقد استفادت المجموعات القاعدية من الدعم الذي تقدمه لها المعارضة السورية المرتبطة بالمحاور الإقليمية ولا سيما (الائتلاف الوطني السوري)، الذي أصدر بيانا عنصريا ضد الكرد، رافضا مشروع الإدارة الذاتية ومصرا على الدولة المركزية بصيغتها البعثية الحالية. ما يسمى (الائتلاف الوطني السوري) صاحب الخطاب الطائفي العنصري، يتحرك، فيما يتعلق بالملف الكردي، حسب التعليمات التركية. هو يرفض أي صيغة لا مركزية للكرد وبقية المكونات في مناطق (عفرين وكوباني والجزيرة)، ويدعم بشكل مباشر "النصرة" و"داعش" هناك ويؤيد أعمالها التخريبية ويصفها ب"الجيش الحر"!. وكان المثال البارز عندما استنكر "الائتلاف" تحرير وحدات حماية الشعب بالتعاون مع مقاتلين عرب محليين من قبيلة شمر، معبر اليعربية الحدودي مع العراق، من مجموعات "داعش" و"النصرة"، واصفا ذلك ب"الخطر الانفصالي" ومسوقا مجموعة من الافتراءات والأكاذيب مثل "مساعدة القوات العراقية للأكراد" في دحر مجموعات "القاعدة" تلك. لقد أمسى (الائتلاف الوطني السوري) جناحا سياسيا للمجموعات الإرهابية التي تقتل أبناء الأقليات في سوريا. هو يغطي على جرائم هذه المجموعات وينشر عبر قنواته الطائفية العنصرية( منها فضائية أورينت) خطابا تحريضيا ضد الأقليات السورية بوصفها "معادية للثورة" و"مؤيدة للنظام السوري". ونظرة واحدة على البيانات التي أصدرها "الائتلاف" حول الهجمات الإرهابية التي شنتها "داعش" و"النصرة" على المسيحيين في أحياء دمشق وبلدة صيدنايا وبعض بلدات محافظتي حماة واللاذقية، والهجمات على الاسماعيليين في السلميّة، وعلى العلويين في اللاذقية، وعلى الكرد في شمال شرق البلاد، ستكشف حجم تورط هذا "الائتلاف" في الأعمال الإجرامية التي استهدفت المدنيين من أبناء الأقليات، والترويج المجاني للمجوعات الإرهابية المرتزقة، ووصفها ب"الجيش الحر"، علما بأن هذه المجموعات تحارب "الجيش الحر" نفسه في مناطق أخرى من البلاد، وقضت على مساحة كبيرة من وجوده. ومؤخرا أصدر أبو عبد الرحمن المصري، أمير منطقة "الباب" الحلبية في تنظيم "داعش" فتوى تقضي بقطع رؤوس أعضاء (الائتلاف الوطني السوري) بوصفهم "ملاحدة" و"موالين للغرب والأنظمة الطاغوتية"!. ورغم ذلك إلا ان حقد "الائتلاف" ورموزه من الطائفيين والعنصريين، أزلام الأنظمة الشمولية في تركيا والخليج، والمتحالفين مع الوهابية العالمية، على الأقليات السورية، ورغبتهم في تطهير البلاد من هؤلاء وبناء دولة مركزية ذات لون قومي ومذهبي واحد، ما يزال بارزا.

لقد أضر (الائتلاف الوطني السوري) ومجمل معارضة اسطنبول العميلة الثورة السورية أيما ضرر. لقد غضوا الطرف عن تدفق الآلاف من الإرهابيين عبر تركيا إلى سوريا بحجة "محاربة النظام السوري"، وسكتوا على جرائم النهب والسلب التي قامت بها المجموعات المسلحة في حلب والرقة والحسكة ودير الزور، وسرقة المعامل والمنشآت والمباقر والصوامع وتهريبها إلى تركيا. كما وغطى "الائتلاف" على جرائم "داعش" و"النصرة" ضد مكونات محددة من أبناء الشعب السوري، ومن ضمن هؤلاء جمهور كبير من السنّة السوريين، بحجة انهم "شبيحة" وأعضاء في "الجيش الوطني" الذي شكله النظام مؤخرا.

سكت "الائتلاف" عن إمارة الرقة التي شكلتها "داعش"، وعن قتل واعتقال المعارضين والنشطاء السياسيين هناك، ولم يعد يتحدث عن الكاهن الإيطالي الأب باولو الذي اعتقلته "داعش" في الرقة.

في سوريا ما يزال النظام يعمل تخريبا وتقتيلا في البلد وما تزال المعارضة الطائفية العنصرية المرتشية المتمثلة في (الائتلاف الوطني السوري) العميل للمحاور الإقليمية والمتحالف مع المجموعات الإرهابية، تعمل لضرب النسيج السوري وتخريب ما تبقى من هذا البلد المنكوب. وبين حجري الرحى هذين، يٌطحن المواطن السوري ويضمحل وطن اسمه سوريا، بينما يشتغل البعض من "المثقفين" الطائفيين العنصريين على قتل ما تبقى من روح الثورة السورية، عبر بيع المواقف للجهات الإقليمية والتحول لأبواق لدى أجهزة الأعلام في خضم الحرب المذهبية الشاملة في المنطقة.

لقد قدم السوريون المعارضون، إلا من رحم ربي، أسوأ ما لديهم ولم يثبتوا على مطالب الحرية والكرامة التي نادى بها الشارع السوري في بداية الثورة، بل القوا بأنفسهم في أحضان تركيا والخليج وعرضوا مواقفهم للبيع وحولوا الدم السوري إلى سلعة في الحرب الطائفية المستعمرة بين المحاور الإقليمية في المنطقة. والآن أصبح هؤلاء خطرا على سوريا مثل النظام وربما أكثر، وأصبح المواطن السوري يتمنى العودة إلى عبودية النظام على الوقوع تحت سيوف ومقاصل المجموعات التكفيرية التي تصفها المعارضة العميلة ب"الجيش الحر" و"الثوار".

بين إرهاب النظام وإجرامه وعمالة (الائتلاف الوطني السوري) وتحالفه مع التكفيريين، ضاعت حضارة تعايش وسلم ورقي، وضاع وطن جميل اسمه سوريا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية: قائدنا للأبد.. سيدنا مُحمّد

محمد عالم

القدس العربي

الجمعة 22/11/2013

شعار تردده كتائب الجيش الحر أفراداً وجماعات، في الساحات وفي الإجتماعات، ولكن هناك منهم من يردده بشكل عاطفي وبطريقة حماسية فقط دون تطبيقٍ لتعاليم وأوامر ووصايا هذا القائد، أو دون معرفة أو دراية كاملة بها. ومن منطلق عسكري بحت فإن من يخالف أو لا يتّبع ما صدر عن القائد فإنه لا يربح المعركة. أما من كان على غير إطلاع بفكر القائد وتعليماته فيعتبر كمن لا قائد له.

الكثير منا يؤمن بأن الثورة السورية ربانية ومسيّرة بالكامل، ولو لم تكن كذلك ما كان أحد ليتجرأ حتى على التنفس في وجه هذا النظام – سلوا السوريون أنفسهم فهم أدرى بشعاب من كان يحكمهم. وعلى هذا كانت إرادة الله للثورة أن تأخذ منحى وصبغة إسلامية، وأقصد هنا الإسلام الذي دعا إليه القائد الأول (مُحمّد عليه الصلاة والسلام) صاحب المنهج المتكامل الذي تلقاه من خالق الكون ومدبره.

وليتم هذا الأمر بشكل صحيح وكامل، فإن الثورة داخلياً تمر ومنذ فترة بمرحلة ‘التنقية’ من خلال تكشفات مستمرة تُظهر من سار أمام هذا الشعار بعد أن هتف أو نادى به، وذلك ابتداء من النية الخالصة للمقاتلين والتعاضد فيما بينهم، وانتهاء بتراحمهم وبتقاسمهم للغنائم وبالتنظيم. وبناء على ماتقدم فإن من أراد أن ينتصر في هذه المعركة أو أن يكون نصره مكتملاً غير منقوصاً في شيء، فعليه أن يمتثل لما أمرنا به هذا القائد بشكل كامل وأن يلتزم بمنهجه الصحيح، ومن كانوا تحت ولاية الله ورسوله فلن يضرهم من خذلهم – وهذا ما وعدنا به الله على لسان هذا النبي القائد.

وفي هذا السياق لا بد لرجال الدّين الحقيقيين- أن يلعبوا دورهم من خلال تواجدهم مع كافة الكتائب وذلك لتوعية المقاتلين فيما يتعلق بالإلتزام بتعاليم القائد الأول داخل الميدان وخارجه، ولتصحيح المسار في حال انحرافه والعمل على تقويمه، وتقييم الأداء والممارسة الإسلامية الصحيحة على الأرض أياً كانت الظروف…أما بخصوص الهيئات الشرعية المتواجدة فيقتصر مجمل دورها للأسف على فض النزاعات وعلى إصدار الأحكام القضائية الشرعية فقط.

وختاماً، فمن أراد واختار المال قائداً له، فما سبق ذكره لا يعنيه بتاتاً ولا يخصه في شيء، وأما من أراد تطبيق ‘تعاليمه’ الخاصة به أو أن يأخذ من تعاليم القائد الأول ما يحلوا له ويناسبه فقط فسورية ليســت مكانه ولــــن تكون ..نقطة انتهى.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

عن حقوق الإنسان التي لم تعد حقوقاً

خالد غزال

 الحياة

الجمعة 22/11/2013

تقدم المأساة السورية المتواصلة منذ ثلاث سنوات أبشع الصور عن انتهاكات حقوق الإنسان، لم يشهد التاريخ الحديث نظيراً لها. في انتفاضة شعبية ضد نظام استبدادي يجثو على رقاب الشعب السوري منذ أربعة عقود، وفي مواجهة حراك سلمي للمتظاهرين، عمد النظام السوري إلى استخدام أقسى أنواع العنف والقمع في مواجهة شعبه. ها هي سورية اليوم، تقف أمام أكثر من مئية وخمس وعشرين ألف قتيل، وأكثر من نصف مليون جريح، وما لا يقل عن مئتي الف معتقل، وتشريد حوالى عشرة ملايين سوري إلى الخارج. إضافة إلى ذلك تتجلى المأساة أكثر في المجاعات والافتقار الى الحد الأدنى من مقومات الحياة، مما جعل مئات الآلاف في حالات صحية حرجة. أما الأكثر بشاعة فهو ما يتعرض له المعتقلون السوريون من تعذيب في أقبية سجون النظام، ومن تعرّض الآلاف الى الموت في هذه السجون، ناهيك عن الأخبار المرعبة عن الاغتصاب واستغلال النساء والأطفال والمتاجرة بالبشر. وقد جرى تتويج كل هذه الفظاعات باستخدام النظام للسلاح الكيماوي أربع عشرة مرة أباد فيها الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ.

منذ لجوء النظام إلى استخدام أقصى وسائل العنف والتدمير ووضع الترسانة العسكرية السورية في خدمة قتل الشعب السوري وتدمير بنى البلد في جميع المناطق، ارتفعت أصوات، خصوصاً في المجتمعات الغربية وبعض الإقليمي منها، محذرة من "خطوط حمر" ضد انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، مهددة بالتدخل لمنع حصولها استناداً إلى القرارات المنصوص عليها في المواثيق الدولية، واستناداً الى منظومة قيم أخلاقية وإنسانية تلتزم بها هذه الدول في علاقتها بسائر شعوب العالم. بدأ الحاكم التركي منذ الأشهر الأولى محذراً من أنّ بلاده لن تسمح بـ "حماة" ثانية، في إشارة إلى مجزرة حماة التي ارتكبها والد الرئيس السوري الحالي عام 1982 وذهب ضحيتها حوالى ثلاثين ألف سوري، ولا يزال تهديد الرئيس أردوغان متوالياً على رغم حصول عشرات المجازر المشابهة لمجزرة حماة. ولم تتوقف تصريحات القادة الغربيين عن التحذير من ارتكاب المجازر والمس بحقوق الإنسان أو انتهاكها، ولم تسكت حنجرة الرئيس الأميركي عن الصياح بالتدخل العسكري لحماية لمعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. وعلى رغم الإنتهاك المتواصل، وتحذيرات المنظمات الدولية والإنسانية من الفظائع المرتكبة، فقد ظل الكلام "نظرياً" ولم يلامس مرة اتخاذ خطوات عملية لوضع حد لهذه الانتهاكات. ولعلّ الفضيحة الكبرى التي كشفت كذب وزيف ادعاءات قيادات المجتمع الغربي حول حقوق الإنسان، كانت في العملية الكبرى التي استخدم فيها النظام السلاح الكيماوي خلال شهر آب (أغسطس) الماضي، والتي ذهب ضحيتها أكثر من الف مواطن سوري دفعة واحدة. ارتفعت أصوات منددة بالجريمة الكيماوية، ترافقت مع خطوات عملية في حشد الأساطيل وتهيئة الجيوش لمعاقبة النظام السوري على فعلته. وإذا بالنتيجة تنكشف عن "همروجة إعلامية" نجم بموجبها إجبار النظام السوري على تسليم سلاحه الكيماوي و "العفو" عنه ومنع معاقبته جزاء هذه الهدية التي قدمها، وابتلاع الألسن واختفاء الكلام عن معاقبة المجرم.

أثارت المأساة السورية، ولا تزال، أسئلة عن حقوق الإنسان، وهل هي حقيقة أم كذبة، أم شعارات موظفة في خدمة هيمنة استعمارية ضد شعوب تنتسب إلى مجتمعات نامية. لقد وصل الأمر بالبعض الى اعتبار حقوق الإنسان المنصوص عليها في الشرائع الدولية قيماً غربية استعمارية، وبذلك جرى خلط خاطئ بين هذه الحقوق الأخلاقية والانسانية، وبين سوء الاستخدام لها. لا شك في أنّ النص على الحقوق الإنسانية، منذ إعلانها في القرن الثامن عشر بعد الثورتين الأميركية والفرنسية، وتطويرها خلال القرن العشرين وشمولها كل مناحي الحياة، وإقامة منظمات لمراقبة تنفيذها، هذه الحقوق هي من أهم مكتسبات البشرية، وقد تحققت بفضل نضالات مجتمعات دفعت مئات الآلالف من الضحايا في صراعها ضد الاستبدادين السياسي والديني منذ القرون الوسطى حتى القرن العشرين، كما تشكل هذه الحقوق ذروة ما انتجه الفكر السياسي الحديث خلال القرنين التاسع والعشرين، وما أفرزته الحروب العالمية والإقليمية في هذين القرنين من ردود فعل تجاه التدمير للبشر والحجر.

هذه الحقوق الإنسانية مكتسبات للبشرية جمعاء، وخصوصاً للدول التي لا تزال ترزح تحت حكم أنظمة استبدادية، على غرار ما هو سائد في العالم العربي، مما يدعو الى التشدد في رفع لواء التمسك بها وتطبيقها على هذه الشعوب. لكن وقائع التاريخ، الحديث منه والبعيد، تشير إلى أنّ أول المنتهكين لحقوق الإنسان كانت السلطات السياسية التي نادت شعوبها وناضلت للوصول الى هذه المبادئ. باسم تحقيق الحقوق الإنسانية، خاض الغرب حروباً استعمارية وقهر شعوباً واضطهدها من أجل السيطرة على مواردها وثرواتها. لعلّ أكذب الشعارات كانت تلك التي أطلقتها الإدارة الأميركية بعد هجمات أيلول (سبتمبر) في العام 2011، حيث وضع الرئيس بوش شعار حقوق الإنسان ضمن برنامجه الإحتلالي للعراق وأفغانستان، فيما شكل معتقلا أبو غريب وغوانتانامو أسوأ انتهاك لهذه الحقوق التي باتت في الممارسة تعذيباً وقتلاً واغتصاباً.

ليس مبالغة اتهام قيادات الغرب بأنّ مفهومها لحقوق الإنسان لا يتعدى ما يجري داخل مجتمعاتها. أما الشعوب الاخرى، فالتطبيق العملي لحقوق الانسان، بالنسبة إليها، هو القهر والاستعباد والسماح بارتكاب المجازر. يحق للمرء ان يتهم هذه القوى الغربية بأنها لا تزال أسيرة نظرات عنصرية تجاه سائر الشعوب، وأسيرة عقد "الإنسان المتفوق" الذي يوجد فقط في أوروبا واميركا، فيما سائر الشعوب، وعلى الأخص منها شعوبنا العربية، شعوب لم تصل الى مستوى الإنسان الذي يستحق معاملته بالمثل، لأننا شعوب همجية وقاتلة لبعضها، بما لا يستحق التدخل لمساعدتها وخسارة الجنود لإنقاذها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الغرب و’علمانية’ النظام السوري: لماذا التصديق.. والمصادقة؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 22/11/2013

لا يكاد يمرّ يوم، أو تقع واقعة ذات صلة بهذا أو ذاك من أنساق التباين داخل صفوف المعارضة السورية، إلا ويستذكر السواد الأعظم من المعلّقين الغربيين، بصفة خاصة، تلك الثنائية الكبرى، السهلة المستسهَلة مع ذلك: صراع ‘العلمانيين’ و’الإسلاميين’. ويحدث، غالباً، أن ينتهي الأمر إلى ترسيخ حال قطبية، موازية أو ثالثة، تفترض ـ باسترخاء تام، وخمول فاضح، وضحالة صارخة ـ أنّ النظام السوري ‘علماني’ بالضرورة، وبالمنطق الشكلي والتبسيطي، أو حتى من دون أيّ منطق آخر سوى ما تردّد ويتردد عبر التنميطات العتيقة حول حزب البعث، أو بنية السلطة كما سهر حافظ الأسد على صنعها طيلة ثلاثة عقود أولى من عمر ‘الحركة التصحيحية’، وكما تابع بشار الأسد تقاليدها على امتداد 13 سنة أعقبت توريثه بعد وفاة أبيه.

وإذا كان المرء يألف ترسيخ هذه الحال القطبية لدى الصحافي أو المعلّق السياسي، مثل المحلل والخبير الستراتيجي، إلى جانب المستشرق والمستعرب؛ فإنّ المرء ذاته لا يعدم العثور على الثنائية ـ السهلة المستسهَلة، مجدداً ـ لدى المفكّر أو الفيلسوف أو الناقد الثقافي أو عالم الاجتماع، اليساري أسوة باليميني، والتقدّمي الثوري مثل المحافظ الرجعي… القارىء، هنا، لا يسقط ـ إنْ سقط، بالطبع، وغالباً ما يفعل في الواقع ـ ضحية التوظيف الرديء، لكي لا نقول: الخبيث، للمعلومة الإخبارية الملموسة والوقائعية، كما يقترحها الصحافي أو المراسل أو المعلّق؛ بل تتناهبه توظيفات أشدّ تعقيداً، وبالتالي أكثر جاذبية، لفلسفات ومناهج وطرائق بحث وأدوات تحليل، تزعم الاتكاء على نُظُم علمية وإنسانية متقاطعة، تسخّر علوم السياسة والنفس والاتصال والأديان، ولا تتورّع عن استخدام مرجعيات الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا!

وشخصياً، لست أملّ من اقتباس سلافوي جيجيك، الأشهر من نار على علم، في مقالته ‘سورية صراع زائف’، التي نشرها مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي، تحت وطأة العجيج والضجيج الذي اكتنف احتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضدّ النظام السوري. ‘حسناً، هنالك دكتاتور سيء يستخدم (كما زُعم) الغاز السامّ ضدّ سكان دولته ذاتها’، كتب جيجيك، ثمّ سأل: ‘ولكن مَن الذي يعارض نظامه؟ يبدو أنّ ما بقي من المقاومة الديمقراطية ـ العلمانية غارق الآن، كثيراً أو قليلاً، في فوضى المجموعات الإسلامية الأصولية التي تساندها تركيا والمملكة العربية السعودية، مع حضور قوي لمنظمة القاعدة في الخلفية’. وفي المقابل، واستكمالاً للصورة الموازية، على جانب النظام، يتابع جيجيك: ‘سورية بشار الأسد ادّعت أنها دولة علمانية على الأقلّ، ولهذا فلا عجب أنّ المسيحيين والأقليات الأخرى تميل اليوم إلى الاصطفاف معه ضدّ المتمردين السنة’.

أمّا مثال الصحافي، فإنّ سؤال الأمريكي شارلز روز، الذي لا يقلّ شهرة عن جيجيك، خلال المقابلة مع بشار الأسد، مطلع أيلول الماضي أيضاً، وضمن أجواء الضربة العسكرية إياها، صار اقتباساً كلاسيكياً لازماً، ومغرياً لا ريب، كلما نوقشت مسألة الإسلام والعلمانية بصدد الانتفاضة السورية. ‘سألتك مرّة عن أكبر مخاوفك، وقلتَ إنه يتمثل في نهاية سورية كدولة علمانية. هل حلت تلك النهاية؟’، سأل روز (في الترجمة الرسمية التي نشرتها ‘سانا’، وكالة أنباء النظام).

أجاب الأسد: ‘طبقاً لما رأيناه مؤخراً في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون، حيث يمنعون الناس من الذهاب إلى المدارس، ويمنعون الشباب من حلق لحاهم، ويفرضون على النساء أن يغطين أنفسهن من قمة رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن، وباختصار يفرضون نمط حياة طالبان في أفغانستان، نفس أسلوب الحياة تماماً (…) إذا لم تتخلص من أولئك الإرهابيين والمتطرفين وذلك الأسلوب الوهابي، فإن ذلك سيؤثر على الأقل في الأجيال الجديدة القادمة. لا نزال علمانيين في سورية، لكن بمرور الوقت فإن هذه العلمانية ستتلاشى’.

فإذا كان جمهور جيجيك سيصدّق تشخيصاته السطحية الضحلة، خاصة بعد انحطاط تحليلاته لظواهر ‘الربيع العربي’ عموماً؛ وجمهور روز سيصادق على توصيفات الأسد الكاريكاتورية، وسيقبل بها كحقائق راسخة؛ فإنّ المستوى الأعمق للتصديق والمصادقة لن يكون مرتبطاً بما يُقال للجمهور، وما يُعرض عليه، فحسب؛ بل كذلك بما يحلو لهذا الجمهور أن يصدّقه، أو يصادق عليه؛ تلقائياً هذه المرّة، وطواعية! أمّا على الجانب الآخر، العميق أيضاً، من السيرورة ذاتها، فإنّ الجمهور لن يتوانى عن استحضار ثنائية أخرى، ذاتية التوليد، مرتبطة بمجتمعات الغرب قبل مجتمعات الشرق، وبالبنى الثقافية والدينية قبل تلك السياسية أو الأخلاقية: ثنائية الديانة المسيحية/الإسلام، وكيف يمكن أن يتقابلا على نحو صراعي وتنافسي، يشمل العقيدة الروحية والدساتير الوضعية، سواء بسواء.

وفي مثل هذه الأيام، ولكن قبل أربع سنوات، شهدنا تصويت سويسرا على حظر بناء المزيد من المآذن، ولكنّ السجالات والأصداء انتقلت سريعاً إلى معظم أرجاء أوروبا، أي أرض الكون المسيحي كما يتوجّب القول تحرّياً لدقّة أكبر، ما دمنا في المصطلح الديني، وفي مدلولاته. وهكذا، في فرنسا على سبيل المثال، قال استطلاع متعجّل أجرته مؤسسة ‘إيفوب’ إنّ 46 بالمئة من الفرنسيين يؤيدون حظر المآذن، وقبلت بها نسبة 40، ورفضت نسبة 14 الإفصاح عن الرأي. لكنّ المغزى الأهمّ للاستطلاع كان التالي: 19 بالمئة فقط هي المؤيدة لبناء المساجد، أي النسبة الأضعف منذ ثلاثة عقود، بل كانت أضعف حتى من نسبة ما بعد تفجيرات 11/9 سنة 2001 ، إذْ بلغت 22 بالمئة آنذاك.

كذلك وجدنا وزيرة سابقة تنتمي إلى اليمين المسيحي، كريستين بوتان، تقول إنّ ‘المئذنة ترمز إلى الديانة الإسلامية، ونحن لسنا في دار الإسلام’؛ متجاهلة تماماً أنّ الأمر ليس تناظراً بين الإسلام والمسيحية، بل يخصّ واحداً من حقوق الإنسان الجوهرية، أي حقّ المعتقد وممارسته والتعبير عنه بالوسائل التي يكفلها القانون. فماذا يمكن أن تقول، وسواها، لو أنّ استفتاءً معاكساً جرى في القاهرة أو بغداد أو دمشق أو الرباط، وهي عواصم مسلمة بامتياز، فأفضت نتيجته (بنسبة 57,5 بالمئة، كما في المثال السويسري) إلى حظر تزويد الكنائس بالأجراس، وحظر قرعها أيام الآحاد والمناسبات الدينية؟ ألا يشكل استفتاء كهذا اعتداءً على حرّية المعتقد المسيحي، في ديار الإسلام؟

سويسرا ديار مسيحية لا ريب، ومن المفهوم أن يشعر المسيحيّ المتديّن البسيط ـ التقليدي أو العصري، سواء بسواء في الواقع ـ بأخطار تتهدد ديانته، من ديانة لا يكفّ أهل النخبة، في المذياع والتلفاز والصحيفة والكتاب، عن وصفها بالمتشددة والمتطرفة والمنغلقة، فضلاً عن كونها صانعة الإرهاب. بيد أنّ هذه أيضاً، ولا ريب، بلاد ديمقراطية تعددية، وموطن أكثر من شرعة كونية لتعزيز حقوق الرأي والتعبير والمعتقد، بالإضافة إلى ما اشتهرت به من حياد في الحرب كما في السلام. هل ثمة تناقض موروث ومتأصل ومستعصٍ، إذاً؟ وكيف، ومن أين ينبثق؟ وإذا كان طراز الديمقراطية السويسري، أي الاعتماد الدائم على استفتاء الشعب، قد أماط اللثام عن حقائق ذلك التناقض، فكيف يمكن أن تتكشف حقائق مماثلة في طراز آخر من الديمقراطية، في فرنسا مثلاً؟

الأكاديمي الفرنسي جان ـ بول ولايم، الأخصائي في علم اجتماع الأديان، يرى أن المجتمع الفرنسي تَعَلْمَن، لكنه لم يتجرّد البتة من تديّنه، و’بقي المخيال الوطني ضارب الجذور في المسيحية’، بدليل ذلك الملصق الذي اختاره فرنسوا ميتيران، الرئيس الاشتراكي الأوّل في الجمهورية الخامسة، أثناء حملته الانتحابية: صورته واقفاً أمام كنيسة عتيقة، في عمق الريف الفرنسي. ولهذا فإنّ المئذنة، في رأي ولايم، ‘تخدش المشهد الثقافي، لتفرض تعددية دينية لا تبدو يسيرة القبول. والفرنسيون، مثل الأوروبيين، لديهم ردّ فعل سيادي، وضِيْق من العولمة الاقتصادية والثقافية والدينية. وتطرح عليه صحيفة ‘فيغارو’ الفرنسية ـ اليمينية، للتذكير المفيد ـ السؤال التالي: البعض يرى في المئذنة رمزاً سياسياً ـ دينياً، وعلامة اجتياح’، فيجيب: ‘إنّ الصروح الدينية هي صيغة تعبير عن تحدّيات حيازة السلطة، إذْ كان الكاثوليك في القرن التاسع عشر مخوّلين ببناء الكنائس في الشوارع الرئيسية، وتُرك للبروتستانت أن يبنوا معابدهم في الشوارع الخلفية والجانبية فقط’.

وبالفعل، ألم تعتبر المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أنّ بناء المآذن أمر ممكن، شرط ألا ترتفع أعلى من برج الكنيسة، حيث يُقرع الجرس؟ أليس في جوهر هذه المواقف ما يطلق عليه ولايم، دون تردّد، تسمية ‘الكاثو ـ علمانية’، نسبة إلى تَكَثْلُك أو كَثْلَكة الحياة اليومية التي تبدو علمانية في المظهر، ولكنها في الباطن تواصل تديّنها القديم، بدليل التقويم المسيحي، والأعياد الدينية، وعادات المأكل والمشرب؟ أليست جميع الأديان التوحيدية مشتركة في صفة الأداء الشعائري للعبادات والمناسك، وبالتالي من غير الممكن بلوغ تعددية دينية فعلية، وتعايش مشترك صادق، دون احتمال الجميع للجميع؟

على ساحات أخرى، وتلك الأمريكية تحديداً، فإنّ التنميطات الراهنة ليست سوى تتمة هذه الأيام من سجال الحروب الثقافية وصدام الحضارات، الذي اندلع على يد صمويل هنتنغتون، واستقرّ وتنامى كالفطر حتى بعد رحيله، رغم مراجعة الكثير من آرائه، وبطلان خلاصاتها. لماذا انفرد الاسلام، وما الذي ميّزه عن سواه من الحضارات الستّ الأخرى (الصينية، اليابانية، الهندية، الغربية، الأمريكية اللاتينية، والأفريقية) التي ستتصادم وتتصارع في قادم العقود؟ باختصار، أجاب هنتنغتون، لأنّ ‘الإسلام حضارة مختلفة عن سواها، وأهلها على قناعة تامة بتفوّق ثقافتهم على سواها، ولأنهم مهووسون بفكرة تدنّي قوّة أبناء هذه الحضارة عن سواهم’. سواها، سواهم، وسوانا… نحن (أبناء الغرب) بطبيعة الحال!

وهكذا، للمرء ـ والمواطن السوري المعارض، تحديداً ـ أن يراهن على معادلة بسيطة، تفيد اختلاط الاستقبال الشعبي الأوروبي لأكاذيب النظام السوري حول ‘علمانية’ السلطة، بالمواقف الشعبية الأوروبية إزاء واقع الإسلام في ديار أوروبا المسيحية. وإذا كانت ممارسات غلاة الإسلاميين داخل صفوف المعارضة السورية توفّر الدليل القاطع على انحراف هؤلاء عن روح الانتفاضة، فإنّ الافتضاح اليومي لممارسات النظام في مغازلة الإسلام المشيخي، وتدجين مؤسساته (من ‘القبيسيات’ والمدارس القرآنية، إلى دور الإفتاء والقناة الدينية)، لا يعدّل الميزان في الرأي العامّ الغربي العريض. تبقى المعادلة مختلة، إذاً، لصالح النظام وليس بما ينصف سواد الشعب السوري وآماله في مجتمع تعددي ديمقراطي مدني؛ وعلماني، غنيّ عن القول!

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

عن الكرد وسورية الجديدة

علي العبدالله

الحياة

الجمعة 22/11/2013

لم يكن إعلان حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي إقامة إدارة ذاتية وليد اللحظة. فقد تواتر الحديث عن المشروع منذ بعض الوقت وسرب إلى وسائل الإعلام نص دستور مقترح لهذه الإدارة منذ تموز (يوليو) الماضي، كما أثير الموضوع في زيارات الأستاذ محمد صالح مسلم، رئيس الحزب، إلى تركيا وإيران، وقيل وقتها إنهما باركتاه، ودول أوروبية عدة.

ربط البعض بين الإعلان ودور ينفذه حزب الـ «ب. ي. د» في خدمة محور طهران - بغداد - دمشق وانخراطه العملياتي، الصريح واللوجستي، لصالحه (مقال الأستاذ آزاد أحمد علي في جريدة المستقبل: 17/11/2013). وذهب البعض إلى أبعد من ذلك باعتبار مشروع الحكم الذاتي الكردي خطوة لتبرير قيام دويلة علوية في الساحل (مقالة الأستاذ عبدالوهاب بدرخان في جريدة الحياة: 9/8/2013).

غير أن ما قيل غير كاف لتفسير ما حصل، فالحزب لم يطلق خطوته خدمة للمحور المذكور ولا لإعطاء ذريعة لإقامة دويلة علوية من قبل النظام، إن كان فعل لأجل ذلك، فقط بل وتنفيذاً لبرنامجه السياسي حيث أنه يسعى لفرض تصوراته وأجندته ليس على الدولة السورية فقط بل وعلى المجتمع والأحزاب والقوى الكردية كذلك، ولقد سنحت له فرصة لا تعوض: ضعف النظام وعجز قوى الثورة السورية، السياسية والعسكرية، عن الإمساك بالوضع حتى في المناطق المحررة فاستغلها واندفع للسيطرة على المساحة الجغرافية التي يسميها كردستان الغربية تمهيداً لما يراه من حل بإقامة حكم ذاتي في استنساخ لتجربة الكرد في العراق.

فالكرد يحلمون ويعملون منذ عقود لإقامة كيان يعبر عن تطلعاتهم القومية، والحزب المذكور هو القوة الكردية الوحيدة الجاهزة للإمساك بالفرصة والقيام بهذه الخطوة بالقياس إلى الأحزاب الكردية الأخرى التي تعيش حالة موت سريري إن على صعيد قواعدها وقدراتها أو قياداتها الهرمة أو شعبيتها الهزيلة، والنظام يعرف هذا الواقع جيداً، فقد كان على علاقة قوية مع كل الأحزاب الكردية طوال عقود سبعينات وثمانيات وتسعينات القرن الماضي في إطار تحالف غير معلن لمحاربة النظام العراقي السابق (مرحلة أدارها اللواء محمد منصورة عندما كان رئيساً للأمن العسكري في محافظة الحسكة باقتدار)، أما توقيت الإعلان عن الخطوة فمرتبط بما تم تداوله في وسائل الإعلام عن نية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تأسيس دولة إسلامية في المناطق المحررة، بما في ذلك المناطق الكردية، وتحركه لتأمين نجاح الخطة عبر بسط سيطرته على المناطق الحساسة وبخاصة المعابر الحدودية وآبار النفط.

لكن المشكلة في ما قام به حزب الـ «ب. ي. د»، إنه غير مأمون العواقب لأنه جاء كخطوة انفرادية لن يقبل بها لا الطرف المنتصر في الصراع، إن حصل نصر لطرف على طرف، ولا النظام الذي سينشأ عن الحل السياسي الذي يروج له عبر جنيف2، ناهيك بدول الجوار، وبخاصة التي فيها أجزاء كبيرة من الشعب الكردي، فوفق ما ورد في الإعلام فإن السيد مسلم دعي من قبل الحكومة التركية لمعرفة أبعاد الخطة التي يسعى لتنفيذها، وأنه تلقى تحذيرات من المساس بالأمن الوطني التركي ووعداً بالانفتاح على كرد سورية، وبدعم في محاربة القاعدة، من دون أن نغفل تحفظاً محلياً من قبل العرب والآشوريين والسريان في المحافظات المعنية، حتى الكرد شركاء الحزب في المصير وشركاؤه في الهيئة الكردية العليا لم يقبلوا الخطوة لاعتبارات تتعلق بموقفهم من علاقة الحزب بالكردستاني التركي وبعبدالله أوجلان في حين يميل قسم كبير منهم للبارزاني. كما أن النظام، بسماته المعروفة، لن يقبل بالخطوة وأن يصبح له شريك في إدارة البلد، وأن ما قام به من انسحاب من بعض البلدات والقرى تكتيك لخلط الأوراق وضرب الخصوم ببعضهم، خطوة موقتة سيتراجع عنها إذا ما استعاد قوته وغدا قادراً على سحب الوعود والتنازلات.

كان الأجدى للحزب وللكرد أن ينتظر إما انتصار الثورة أو الذهاب إلى المؤتمر الدولي وطرح موقفه ومطالبه باعتبار الكرد مكوناً في الشعب السوري وله مظلومية خاصة تحتاج معالجه خاصة. فبقراره هذا وضع نفسه خارج الوفاق الوطني واستعدى أطرافاً كثيرة، وهناك تخوف جدي من تحول الخطوة إلى مشكلة للكرد بانفجار صراع كردي كردي، كما وأضاف عقبة كأداء أمام جنيف2 حيث ستتحول الخطوة إلى مادة للسجال بين النظام والمعارضة، وداخل المعارضة ذاتها.

تأخر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في التعاطي مع الخطوة، نتيجة افتقاده لخطة استراتيجية سياسية وعسكرية، كثيراً، وأخطأ بعقده اتفاقاً مع طرف كردي (المجلس الوطني الكردي) دون الطرف الآخر (حزب الاتحاد الديموقراطي) فقد وضع بيضه في سلة واحدة وانحاز إلى طرف في الصراع الكردي الكردي، حيث كان الأجدى إجراء حوار مع الهيئة الكردية العليا التي يشارك فيها الحزب المذكور ومناقشة خطته والعمل على إقناعه بوضعها في سياق يخدم الثورة وأهدافها، كما لم يكن موفقاً في ردة فعله على الخطوة وشنه حملة إعلامية على الحزب واتهامه بمعاداة الثورة، فقد زادت الطين بلة، وباعدت بين المواقف أكثر فأكثر، والبحث في صورة سورية الجديدة ونظامها الديموقراطي التعددي الذي لا يميز بين المواطنين في الحقوق والواجبات ولا يفرق بينهم على أي أساس من دين أو مذهب أو عرق أو جنس، نظام أساسه عقد اجتماعي وطني سوري جديد في دستور جديد تضعه جمعية تأسيسية في المرحلة الانتقالية سواء بعد هزيمة النظام أو بعد الاتفاق معه على نقل السلطة إلى هيئة حاكمة كما ورد في بيان جنيف1، وطمأنتهم على حقوقهم ومستقبلهم في سورية الجديدة.

* كاتب سوري

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الدم الذي يستسقي الدم

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 22/11/2013

منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وفي بحوث «إعجاز القرآن» يتناقش علماء البلاغة في تفرد البلاغة القرآنية حتى عندما تكون هناك أمثال عربية وأشعار قديمة تتفق في المعنى مع ما جاء في القرآن. ومن أمثال العرب أو أوابدهم ذات المضامين الحكمية قولهم: «الدم يستسقي الدم»، وهم يقصدون أن القتل يستدعي المزيد من القتل ثأرا، والثارات لا تنتهي، وهم يستشهدون على ذلك بأيام العرب وحروب البسوس، وداحس والغبراء، وشعب جبلة، والتي بدأت بمقتل واحد أو اثنين، ثم امتدت لسنوات، وأدت إلى مئات القتلى، وإلى هجرات وتغيرات قبلية كبيرة. وكان مراد «حكماء العرب» من وراء صوغ هذا المثل أخذ العبرة والدرس بحيث لا تكون هناك مقاتل وثارات تستدعي على الدوام الدماء والخراب. وجاء علماء البلاغة القرآنية ليقولوا بل إن قوله تعالى: « ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون» (سورة البقرة: 179) هو الأبلغ بما لا يقاس، ليس من الناحية الأسلوبية فقط؛ بل ومن ناحية انتصار الحياة على الموت، والعقل على الجهل، والإيمان والإرادة البناءة على حصائد الحقد والجريمة وغوائلهما.

لقد كان هذا التقديم، تعليقا عاما على ما يحدث في المنطقة العربية، وعلى وجه الخصوص هو تعليق على التفجيرين اللذين حدثا عند السفارة الإيرانية في بيروت. فوسط مصائب الناس والضحايا التي لا تنتهي، زعم شيخ في تنظيم وهمي مسؤوليته عن التفجير وافتخر به، وسارع نواب حزب الله ومسؤولوه إلى اتهام إسرائيل. وقال السفير الإيراني لدى لبنان، إن «الجريمة كانت ردا على انتصارات المقاومة في العالم، وإنه كان يتمنى أن يكون بين الشهداء»! وهكذا ففي حين كان الشيخ الزريقات زعيم التنظيم الوهمي سخيفا وأداة مثل «أبو عدس» في تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري، كانت ردة فعل الإيرانيين وأنصارهم مفجعة وينطبق عليها المثل الجاهلي «الدم يستسقي الدم»، وليس الآية القرآنية التي تعتبر تحمل المسؤولية عن الأفعال وردود الأفعال حياة ونجاة لبني البشر وإنسانيتهم. أين هي «انتصارات المقاومة في العالم اليوم»؟! هل هي في قرى القصير والسفيرة وقارة والمعضمية.. إلخ، أم هي في العراق والخراب الحالي فيه من جانب أنصار إيران وخصومها؟ أم هي في قتلى التفجيرات في لبنان في شتى المناطق، وفي القتل اليومي الذي يمارسه جيش النظام السوري على الحدود؟ إنه قتل موصوف يمارس ضد العرب منذ سنوات في أنحاء شتى من المشرق والجزيرة. وهو قتل محترف المقصود به من جانب إيران شرذمة الدول والمجتمعات، من أجل الغلبة أو من أجل التقسيم والانقسام. ثم إنهم بعد هذا كله، يعرضون هم والنظام السوري على الأميركان والبريطانيين والروس والصينيين التشارك في مكافحة الإرهاب! وما الإرهاب اليوم؟ هو في الأساس إرهاب الدولة الإيرانية التي نشرت تنظيماتها المسلحة في المشرق العربي والجزيرة. وقد أثار ذلك ردود فعل انتقامية لدى المتشددين باسم السنة، فردوا على القتل الإيراني المتفاقم بعشوائيات مماثلة، ونقطة تركزها الآن على دور حزب الله والتنظيمات الإيرانية الأخرى في سوريا. فإذا كانت الموجة القاعدية الأولى، موجعة ضد الهيمنة الأميركية وفسطاطها (بحسب تعبير أسامة بن لادن)؛ فإن النار المستعرة في موجة التشدد الثانية هي ضد التنظيمات الإيرانية المنتشرة للقتل باسم الشيعة في سوريا والعراق ولبنان والبحرين واليمن! ولذا فإن المتشددين باسم السنة، هم مثل متشددي إيران في أمرين: أنهم قتلة محترفون، وأنهم انقسام داخل الإسلام السني والشيعي. لكن مقاتلي حزب الله وأشباههم من العراق واليمن وباكستان وأفغانستان وإيران، يتقدمون في المسؤولية على خصومهم «القاعديين» بثلاثة أمور: أنهم أشعلوا حربا شيعية/ سنية عجز عنها المتشددون السنة من قبل، وأنهم مدعومون بل ومقودون من جانب الدولة الإيرانية فإرهابهم إرهاب دولة. والأمر الثالث أن قيادات خصومهم المتشددين السنة مخترقة من جانب إيران ومن جانب النظام السوري ومن جانب الولايات المتحدة ومن جانب الروس، ولذا فإن هؤلاء في كثير من الأحيان إنما يمارسون قتل أنفسهم وأمتهم من حيث يدرون أو لا يدرون، فيساعدون بذلك إيران والنظام السوري وأميركا وروسيا، ويعطون معنى السخرية السوداء لتصريح السفير الإيراني في بيروت، وتصريح الزريقات (المخترق أو المصطنع لا فرق) أن تفجير السفارة كان رد فعل على انتصارات المقاومة في العالم (لاحظوا في العالم، وليس في سوريا ولبنان والعراق واليمن حسب)!

لا جدوى من هجمات «القاعدة» إن كانت لأنها دم يستسقي الدم، وهي قتل للنفس ومضي في تأجيج النار. بيد أن التصرفات الإيرانية تستعصي على العقل والنقل كما يقال، إذ المفروض أنها دولة إسلامية كبرى ومسؤولة تجاه شعبها وتجاه جوارها وتجاه المسلمين وتجاه المجتمع الدولي. إنما الذي يبدو أنها غير مهتمة إلا بإرضاء الولايات المتحدة من أجل فك الحصار، والتحول - من طريق القتل - إلى قوة إقليمية. وقد كرر المسؤولون الإيرانيون في الشهور الأخيرة (ومنهم الولي الفقيه في رسالة للبابا) أنهم مستعدون للتعاون في مواجهة الإرهاب. وبذلك يشبهون بل يتطابقون مع حليفهم العظيم بشار الأسد الذي برع في القيام بمهمات القتل والتوظيف في القتل بحيث ما استطاع الإسرائيليون حتى الآن حسم أمرهم لجهة التنازل أو الاستغناء عنه. وأنا معجب بالكشف البديع للأستاذ مهاجراني في مقالة بجريدة «الشرق الأوسط» قال فيها «إن نتنياهو أثبت أنه الذخيرة الأنفس لإيران في المنطقة والعالم»!

فلنعد إلى أصول المسائل رغم أن التشخيص السليم مهمة بالغة الأهمية. كيف الخروج من هذا الهول الهائل الذي تمارسه إيران وتنظيماتها المسلحة في المشرق العربي وما وراءه؟ لقد تحرك الخليجيون وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية في السنتين الأخيرتين فصانوا البحرين ومصر، ونجحوا في اليمن وصونه نصف نجاح. بيد أن تلك المساعي الشاقة والمضنية تظل مهددة إن لم يكن هناك تغيير في سوريا ينهي العنف، وينقذ لبنان والأردن، ويضغط إيجابا على الحكم العراقي، ويدفع إيران لإعادة النظر في سياساتها تجاه العالم العربي. هناك مساع دبلوماسية كبرى بعضها علني وبعضها سري بشأن الأزمة السورية. لكن الثوار السوريين يتراجعون على الأرض منذ شهور، ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى استعادة التوازن أو بلوغه. وهذا يجعل من مؤتمر «جنيف 2» إن حصل محطة على الطريق في مسار طويل ومدمر للشعب السوري، وللشعوب العربية الأخرى، لا أكثر. ولذا يكون علينا في مواجهة هذا الخطر الكبير أن نفعل أي شيء وكل شيء أو تظل «المقاومة» - وإلى جانب الأميركيين هذه المرة وليس في مواجهتهم حتى خطابيا - منتصرة في العالم، بحسب استنتاج السفير الإيراني في بيروت!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الائتلاف السوري يعزي في قَتَلةِ السوريين!

23.11.2013

الطاهر إبراهيم

نشرت الحياة اللندنية يوم الجمعة 22 تشرين ثاني بيان إدانة الائتلاف السوري للانفجار الذي استهدف السفارة الإيرانية في ضاحية بيروت يوم 20 تشرين ثاني، جاء فيه: (أعلن الائتلاف السوري –في بيان- إدانتَه "التفجير الذي استهدف السفارة الإيرانية، منطقة بئر حسن جنوب بيروت"، وتقدمً - نيابة عن الشعب السوري- بتعازيه إلى الشعب الإيراني" بقتلى الانفجار).

 نحن إذ نرفض الشماتة بمن قتل بالانفجار، فلا شماتة بالموت.

لكننا في الوقت نفسه نرفض بيان الإدانة هذا الذي أعلنه الائتلاف، ونعتبره عقوقا بحق الشعب السوري،واستهانة بدماء السوريين التي شاركت إيران في إهراقه مباشرة خلال مشاركة بشار في ذبح الشعب السوري. بيان الائتلاف هذا قفز فوق كثير من الحقائق التي تجاوزها الائتلاف ، وكأن من كتب البيان ليس سوريا. ونكتفي هنا بالتذكير بالأمور التالية:

-إن من قام بتفجير سفارة طهران في بيروت إنماهم سوريون شاركت سفارة طهران بشكل أو بآخربقتل أهلهم وجيرانهم وبتدمير بيوتهم ففجروا السفارة انتقاما لهم. وإن بيان الائتلاف بإدانة تفجير السفارة إنماهو إدانة لهؤلاء المقاتلين الذين يقتل الكثيرون منهم في كل يوم وهم يدافعون عن أرضهم وعرضهم، بوجه الهجمة الهمجية الشرسة التي تمدها طهران بالرجال والسلاح.

- لقد كانت السفارة الإيرانية في بيروت وكرا خطط فيه الكثير من المؤامرات التي حيكت ضد الشعب السوري. بل كانت السفارة ترسانة للسلاح وثكنة لرجال يجندون منهم القتلة المحاربين وتضخ الأسلحة التي يقتل بها الشعب السوري.

- ومثل تلك المجاملة التي قام بها الائتلاف عندما يعزي في قتلى سفارة إيران يدل على أنه لا يعيش الهم السوري الذي يقيم العزاء يوميا في مئة شهيد سقطوا بنيران رجال إيران وسلاحها.

- لقد نسي بيان الائتلاف أن جيش بشار، مدعوما بجنود فيلق القدس الإيراني، قام بأكثر من خمسين مجزرة في سورية، ليس آخرها مجازر الكيماوي في غوطة دمشق، حيث تم أزهاق أرواح أكثر من 1400 طفل بتلك المجزرة، ومع ذلك لم تتقدم السفارة الإيرانية في بيروت ولا حتى وزارة خارجية طهران بإدانة تلك المجازر.

- ينبغي أن يتوقف الائتلاف عن اعتبار نفسه ممثلا للشعب السوري، بل ممثلا لمن قام بتسمية أعضائه. وإن كان عند الائتلاف خلاف لما نقول فليأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. ما نعرفه أن الائتلاف مفوض من قبل واشنطن وأوروبا، للذهاب إلى مؤتمر جنيف الذي يرفضه الشعب السوري. لكنه أبدا ليس مفوضا من الشعب السوري، ويعمل بعيدا عن المقاتلين الذين يخوضون حربا ضروسا ضد جنود طهران التي عزى الائتلاف في قتلى سفارتها.  

-والائتلاف لا يمثل الشعب السوري ولا الثوار. فهاهي فصائل الثوار ممثلة بالجبهة الإسلامية التي أعلنت عن نفسها اليوم الجمعة 22 تشرين الثاني مشكلة من6 فصائل رئيسة هي: أحرار الشام، صقور الشام، لواء التوحيد، لواء الإسلام، أنصار الشام، لواء الحق، التي يتجاوز أعداد المقاتلين فيها أكثر من 100ألف مقاتل. ولم يذكر مذيع البيان رئيس مجلس الشورى في الجبهة "أحمد عيسى الشيخ" الذي أعلن بيان التشكيل كلمة واحدة عن علاقة للائتلاف بالجبهة.

- يحضرني هنا يوم قتل مجموعة من الإسرائيليين في إحدى المدن الأوروبية. وكان أن أعلن الزعيم الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات" أسفه لمقتل الإسرائيليين. فقد اعترض الراحل "أبو إياد" على هذا الأسف، واعتبره مجاملة لا مبرر لها.

*كاتب سوري

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

بعد استشهاد فاتح حلب… إجراءات لا بد منها

28.11.2013

د. عوض السليمان

القدس العربي

الاربعاء 27-11-2013

استشهاد عبد القادر صالح وكثير من قيادات الثوار في المعارك ضد النظام، يبين عظمة هذه الثورة التي يقاتل قادتها في الصفوف الأولى ويضحون بأنفسهم في سبيل مبادئهم، ولا يختبئون كما يفعل الأسد وأعوانه. لا تقوم الثورة السورية على شخص البطل عبد القادر صالح وحده مع إدراكنا أن رجلاً بحجم الشهيد يستحق أن نتوقف عند اغتياله، خاصة في هذه المرحلة المفصلية من عمر الثورة السورية.

حذرنا من الاغتيالات وطالبنا قيادات الثوار في الداخل واعضاء التنظيمات القتالية جميعهم بتوخي أعلى درجات الحذر لتجنب الوقوع في كمائن النظام، وقد كنت حذرت منذ أكثر من سنتين مما يحدث اليوم. فكيف إذاً وقد رأى الثوار محاولة اغتيال رياض الأسعد، وقبل ذلك اغتيال القائد الفذ يوسف الجادر في حلب، واستشهاد المقدم ياسر العبود في درعا، واليوم نشهد اغتيال رجل لا نظير لأدبه واعتداله ومهارته القتالية، افلا يستحق ذلك من قيادة الكتائب المقاتلة أن تتصرف بحذر شديد.

إن الخسارة التي وقعت فيها الثورة السورية باستشهاد ‘حجي مارع خسارة ثقيلة بكل المقاييس، مع تأكيدنا على أن استشهاد الرجل يجب أن يتحول إلى أيقونة تعيد إلى الثورة وهجها وألقها الذي بدأنا نثير حوله كثيراً من علامات الاستفهام.’

جاء استشهاد قائد لواء التوحيد، وفاتح حلب، قبل أيام فقط من إعلان توحيد الفصائل الكبرى المقاتلة في حلب، ولهذا لا يمكن أن يكون اغتياله بالأمر البسيط أو العبثي أو بهدف التخلص من رجل واحد، فعبد القادر كان جيشاً وحده. من المؤكد أن هدف الغرب والشرق القضاء على الجيل الأول ‘من الثوار السوريين قبل رحيل الأسد، وبهذا فهم يضمنون وصول بديل مناسب مستعد لتشكيل جيش صحوات يحارب به الإسلام والمسلمين.

لم يعد مقبولاً بعد اليوم، أقصد بعد استشهاد عبد القادر، وبعد سقوط السبينة والحجيرة وقارة، أن ينشغل الثوار بالهجوم على بعضهم بعضاً لا إعلامياً ولا ميدانياً. فقد أصبح بعض الثوار يحارب

بعضهم الآخر، وهذا ما يطمح إليه الأسد بالضبط، وللأسف فإن منّا من يوجه سهامه لجبهة النصرة أو بعض الكتائب الإسلامية بدل توجيهها للأسد وشبيحته. وإن كان هناك بعض الملاحظات خاصة على انسحاب جيش الإسلام من السبينة والحجيرة وقارة، فإننا نطمع بشدة أن يقوم السيد زهران علوش بتوضيحها بالسرعة القصوى.

أكاد أجزم أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها في المجلس الوطني وائتلاف المعارضة لعبوا دوراً خطيراً فيما يقع في جبهات القتال، فالمعارضة السياسية مهتمة اليوم بحضور مؤتمر جنيف والتحضير له وتشكيل وفوده، بينما ينصب اهتمام قسم آخر منها على تشكيل نوع جديد من الصحوات أو البلطجية أوالشبيحة لمهاجمة الإسلاميين، ولكن هذه المرة بسلاح أمريكي. ناهيك عما حدث من تقصير في تسليم السلاح في القصير وتلكلخ والسفيرة. ولهذا فإنني لا أعفي الائتلاف مما حدث من تراجع ميداني واضح للثوار على جبهات عديدة.

ومما يصب في هذا الإطار أن الائتلاف بنرجسيته أو بجهله أو بتعاونه مع الولايات المتحدة يقوم ببث التفرقة بين الفصائل المقاتلة ضد بشار الأسد، ويكفي أن نتذكر تصريحات الجربا عن اختطاف الثورة السورية من قبل الإسلاميين، أو تصريحات لؤي المقداد، والصباغ عن ‘إرهاب جبهة النصرة’.

اليوم تتسرب أخبار عن بدء تشكيل كتائب في المنطقة الشرقية تتبع مباشرة لبعض أعضاء الائتلاف وإننا نرغب أن يقوم أولئك الأعضاء بنفي ذلك صراحة. كما نرغب أن يقوموا بتوضيح

موقفهم الدقيق من الكتائب المقاتلة في سورية.

اليوم لا مجال إلا لوحدة الفصائل جميعها وتوجيه السلاح للأسد وحسب، فلا بد أن تتحرر سورية سريعاً، أفلا يكفي أن يستشهد أكثر من مائتي ألف في البلاد وتدمر المدن كلها. ولا يكفي أن جنوب دمشق قد أصبح مناطق شيعية ترتفع على مساجدها رايات حزب الله. فماذا ينتظر الثوار حتى يكونوا صفاً واحداً ويداً واحدة في مواجهة الأسد وحلفائه.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com