العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01/07/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

رهان أنان على بوتين مقامرة بمستقبل سوريا .. جيم هوغلاند

الشرق الاوسط

26-6-2012

لم يعد أمام كوفي أنان سوى أن يعقد صفقة مع الشيطان من أجل وضع حد لتلك الفظائع البشعة التي يرتكبها الجيش السوري، إلا أن هذا الشيطان في نظر أنان هو فلاديمير بوتين، وليس بشار الأسد. وهذا هو ما يسعى أنان، الذي التقيت به لأول مرة في أفريقيا قبل 4 عقود، إلى تحقيقه من خلال انتهاج استراتيجية مستميتة تتركز حول الرئيس الروسي المستدام.

والأمين العام السابق للأمم المتحدة ليس غرا ساذجا حتى يصدق تلك الوعود الفارغة، التي يقدمها الأسد، بل هو يحاول إطالة أمد بعثة إرساء السلام الفاشلة التي كلفته بها الأمم المتحدة من أجل منح الأسد الحبل الذي يشنق به نفسه، بمعنى أن أنان ينتظر اللحظة التي لا يكون فيها بمقدور أحد، حتى بوتين نفسه، أن يطيق عار تقديم العون والمشاركة في تلك الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بأوامر من ربيبهم في دمشق (ذلك أن المذابح السورية هي ما جعل من الأسد رجل بوتين في دمشق، وما تعرضه شاشات التلفزيون من مشاهد تصور سفير روسيا لدى الأمم المتحدة وهو يصوت أكثر من مرة لإعاقة فرض ضغوط على الأسد تشكل رابطا في التاريخ ما كان سيوجد في أي ظرف آخر).

وهناك مرات تضطر فيها إلى التعامل مع الشياطين، على الرغم مما في ذلك من تنازل ومذلة، ولكن لا بد أن تكون واثقا من أن شيطانك سوف يلتزم بكلمته، وهذا في رأيي ما سيقود الرهان الذي قام به صديقي أنان إلى الفشل، فحتى إذا التزم بوتين بكلمته (وهو أمر مستبعد إلى حد كبير)، فأنا أشك في أن يجبر الأسد على التخلي عن السلطة إنقاذا للنظام الذي تسيطر عليه طائفته العلوية.

وهذا هو «البديل اليمني»، وهو المصطلح الذي سمي على غرار الاستراتيجية التي استعملتها الولايات المتحدة للمساعدة في خلع علي عبد الله صالح من السلطة في شهر فبراير (شباط) الماضي. وقد كان أعقد الحلول التي سمعتها هو أن تتفق الولايات المتحدة وروسيا على قائمة من الجنرالات السوريين المقبولين كي يتولوا السلطة، وأن يتعهد هؤلاء الجنرالات بوضع دستور جديد وإجراء انتخابات من أجل التوصل إلى سلام مع خصومهم الذين دأبوا على قتلهم بطريقة ممنهجة طيلة 18 شهرا.

إلا أن قبضة بوتين الممسكة بالسلطة داخل روسيا بدأت تضعف، في ظل تعرض بلاده لهزة اقتصادية، وعدم وجود أي بوادر توحي بأنه يعرف ما ينبغي فعله حيال ذلك. وعلى الرغم من كل النتائج المخيبة للأمل ونقاط الضعف التي يمتلئ بها سجل السياسة الخارجية للرئيس أوباما، فهو يبدو قويا ومسيطرا في ظل غياب أي مبادرات روسية جادة على الساحة السياسية العالمية منذ 10 سنوات، ولم يعد هناك من ينصت جديا إلى بوتين فيما يتعلق بالشؤون الدولية، حتى الطغاة الذين تلطخت أيديهم بالدماء، والذين يستعينون بالأسلحة التي تزودهم بها بلاده من أجل البقاء في السلطة، أو آيات الله الإيرانيين الذين يسيرون وراء طموحاتهم النووية.

إن شعور أنان باليأس، أو بالمفارقة التاريخية، هو الذي قاده إلى بديل بوتين. وقد يكون مبعث هذا الشعور باليأس حقيقتين قاسيتين أصبحتا واضحتين الآن، وهما:

- يتحمل الأسد شخصيا المسؤولية عن حملة الأعمال الوحشية الدموية. يبدو موقفه الداخلي في غاية الوهن على نحو لا يسمح لأي شخص آخر بتولي المسؤولية. يعتبر رحيله إلى موسكو مهما لإنهاء القتال.

- لن تتدخل الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وجامعة الدول العربية عسكريا لردع وحشية الأسد بتفعيل مبدأ مسؤولية الحماية من جانب المجتمع الدولي، الذي طبق بفاعلية كبيرة في ليبيا (تعتبر ليبيا هي العامل الرئيسي في تحديد ما إذا كان التدخل الإنساني يمكن أن ينجح في دولة سوريا المجاورة أم لا. غير أن الحكومة المدنية في أنقرة لا تثق في ولاء جيشها بالدرجة الكافية لتفويض مسؤوليات جديدة إليه).

إن طمر مبدأ مسؤولية الحماية في حطام حمص وإدلب سيكون بمثابة ضربة موجعة لسمعة أنان. لقد قام أنان بدور فاعل لدفع الأمم المتحدة لتبني المبدأ في عام 2007 إلى حد أنه لا يمكن للدول إساءة معاملة مواطنيها مع التمتع بالحصانة.

خاطبني دبلوماسي أوروبي هنا قائلا: «لن يستمر كوفي للأبد في منح الحماية للآخرين». وأضاف: «قد تسمح استقالته للعالم بأن يدرك جليا ما تفعله روسيا (وما لا تفعله الولايات المتحدة) وهذا يجعلهما شريكين في إبادة أمة. لكنه يعي أيضا أن الاستقالة هي بندقية بها رصاصة واحدة فقط».

أما عن المفارقة التي ربما تشكل أساسا لبديل بوتين، فهي أن بوتين يعتبر خبيرا في الثورة المضادة، التي يشنها الأسد بوحشية. كان بوتين هو من قضى على الثورة الروسية في عام 1990، التي بدت وكأنها تفتح صفحة حقبة جديدة من الحريات واسعة النطاق للمضطهدين في العالم.

لكن أصبحت الثورة المضادة هي القوة السياسية المهيمنة في عصرنا، مثلما أظهرت الأحداث في أوكرانيا وبيلاروسيا واليمن ومصر وسوريا. بينما يبقى التحول السياسي غير مكتمل في تونس وليبيا، فقد ظهرت مجددا أنظمة استبدادية في مناطق أخرى لقمع الحريات التي قد وعدت بها الثورات.

لكل فعل رد فعل، في السياسة أيضا كما في الفيزياء. تشير المعارضة الشجاعة في سوريا إلى أن القانون العام يعد جزءا أساسيا من تكوين كل من لهم أعين يبصرون بها. ربما يتحدد أهم إنجاز لمهمة أنان بالوقت والكيفية التي يقرر إنهاءها بها.

* خدمة «واشنطن بوست»

_*_*_*_*_*_*_*_*

كيف سيرد الأتراك على الأسد؟ .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

26-6-2012

هناك حيرة من إحجام أنقرة عن أي ردود فعل عملية تجاه إسقاط النظام الأسدي للطائرة العسكرية التركية بالمياه الإقليمية، فالتحليلات بهذا الشأن كثيرة، فهناك من يتهم تركيا بالعجز، وهناك من يقول إن نقرة تتحدث أكثر مما تفعل، خصوصا أن كثيرا ما قال أردوغان إن للصبر حدودا.

فاليوم وبعد أن كشف الأتراك، وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام هناك، أن الأوامر بإسقاط الطائرة التركية قد صدرت من النظام الأسدي نفسه، وذلك استنادا للتسجيلات المتوفرة للسلطات التركية، فإن السؤال القديم الجديد هو: لماذا لا يوجد هناك رد تركي عملي؟ فالقوة العسكرية التركية تفوق حجم قوات طاغية دمشق، وبمراحل، بل لا مجال للمقارنة، كما أن أوراق الرد الملجم لدى أنقرة كثيرة، ومتعددة، ومنها إمكانية إنهاك نظام الأسد عبر حدود يبلغ طولها 822 كيلومترا بين البلدين، وهناك خيار إدخال سوريا كلها في عتمة من خلال قطع الكهرباء، أو السعي لعدم انتظامها، ومن شأن ذلك إرباك النظام الأسدي، وهناك خيار منع القوات الأسدية من التحرك على الحدود بحسب الاتفاقيات المبرمة، هذا عدا عن إمكانية مساعدة الثوار السوريين بشكل أكبر، وتزويدهم بأسلحة نوعية بمقدورها إحراق مائة دبابة أسدية مقابل إسقاط الطائرة التركية. كل تلك الخيارات متاحة لأنقرة، بل وأكثر، ولذا فإن الحيرة من عدم التحرك التركي للآن للرد على طاغية دمشق تعتبر مبررة.

ونقول مبررة خصوصا إذا تذكرنا التهديد التركي للأسد الأب عام 1998 بأنه في حال لم يسلم عبد الله أوجلان فإن الجيش التركي سيقوم باجتياح سوريا، وأذعن الأسد الأب وقتها لذلك، وها هو أوجلان في السجون التركية. فكيف تسكت تركيا اليوم على اعتداءات الأسد، ومنها إسقاط طائرة تركية، وحتى لو أنها انتهكت الأجواء السورية؟! فبحسب ما أعلن الأتراك، مثلا، فإن قرابة 114 حالة انتهاك جوي قد تمت لأجوائهم هذا العام سواء من قبل اليونان، أو إسرائيل، أو غيرهما، ولم يتم إسقاط أي من تلك الطائرات، ولم تكن هناك قضية من أساسه، خصوصا أن هناك قوانين دولية، وأنظمة، تحكم عملية انتهاك المجالات الجوية بين الدول، فلماذا لم ترد تركيا للآن؟

بالطبع قد يكون الرد التركي قد بدأ فعليا، ودون إعلان رسمي، خصوصا مع الإعلان عن استقبال تركيا لعدد من الضباط المنشقين، والجنود، وعائلاتهم، حيث بلغ العدد، بحسب «سي إن إن» التركية، قرابة 222، وتم الإعلان عن وصولهم إلى تركيا بشكل سريع وفوري، مما يوحي بأن بمقدور أنقرة فعل الكثير ودون أن تعلن عن ذلك، أو أن تشن حربا شاملة على الأسد.

ومن دون شك، فإن حماقة النظام الأسدي من شأنها أن تساعد أردوغان على التحرك، وبكل سهولة، تجاه الطاغية، فالحكومة التركية مثلا باشرت بإطلاع المعارضة التركية بفحوى التسجيلات المتوفرة لديها حول تورط النظام الأسدي في إسقاط المقاتلة، كما أن حكومة أنقرة باتت تقول علنا للأسد: «لا تستفز الجيش التركي»! فهل تحرك الأتراك فعليا، أم سيتحركون، حتى دون إعلان حرب لتسريع الانهيار المتوقع لطاغية دمشق؟ دعونا نرى.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تسخين الجبهة السورية التركية  .. رأي القدس

2012-06-25

القدس العربي 

يعقد وزراء خارجية الدول الاعضاء في حلف الناتو اجتماعا في لوكسمبورغ اليوم لبحث اسقاط الدفاعات الارضية السورية طائرة استطلاع تركية اخترقت الاجواء السورية. لكن دول الحلف تتبنى منهج التهدئة في العلن على الاقل وتتجنب التصعيد.

وزراء خارجية دول الاتحاد الاوروبي عقدوا اجتماعا خاصا بهم مساء امس، واكتفوا بوصف هذا العمل السوري بانه 'غير مقبول'، وفرض عقوبات اقتصادية اضافية على سورية.

اعتراف القيادة التركية بان الطائرة المستهدفة اخترقت الاجواء السورية، وسقطت في المياه الاقليمية السورية ايضا يعتبر مؤشرا على جنوحها للتهدئة، ولوحظ ان السيد رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي التزم الصمت طوال اليومين الماضيين، ولم يطلق اي تصريحات نارية يتوعد فيها بالانتقام مثلما جرت العادة.

سورية تخشى من ان يتمخض اجتماع وزراء خارجية دول الناتو عن قرار بهجوم عسكري عليها لان البند الخامس من ميثاق الحلف ينص على الرد الفوري على اي اعتداء تتعرض له اي دولة من الدول الاعضاء، وقد حذر الدكتور جهاد مقدسي الناطق الرسمي باسم الخارجية السورية من ان اي عدوان على بلاده سيتم التصدي له بحزم.

هذه اللهجة السورية التهديدية تنفي ما تردد سابقا على لسان مسؤولين اتراك من ان السلطات السورية قدمت اعتذارا لنظيرتها التركية عن اسقاط الطائرة في الاجواء الدولية.

الدكتور مقدسي هدد 'بان الاجواء السورية والاراضي السورية والمياه السورية مقدسة بالنسبة الى الجيش السوري، مثلما ان الاراضي والمياه والاجواء التركية مقدسة بالنسبة الى تركيا'.

لا نعرف ما اذا كانت سياسة ضبط النفس التركية هذه محسوبة بعناية، من حيث عدم الانجرار الى مصيدة التصعيد العسكري السورية والتورط في حرب لا ترى ان هذا هو الوقت المناسب لخوضها، ام انها تخفي خيارا عسكريا بات وشيكا قد يحدد وزراء خارجية حلف الناتو مكانه وزمانه في اجتماع اليوم.

حلف الناتو، مثلما يقول خبراء قانونيون دوليون، يستطيع استخدام حادث اسقاط الطائرة الحربية هذه كذريعة للهجوم على سورية ودون الرجوع الى مجلس الامن الدولي، لان ميثاقه يعطيه مثل هذا الحق ويلزم الدول الاعضاء في الحلف بالمشاركة في هذا الهجوم في حال اقراره.

من المؤكد ان الخبراء القانونيين السوريين يعلمون هذه الحقيقة، ولا بد انهم شرحوها لاصحاب القرار بشكل مفصل، ولذلك فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن الاسباب التي دفعت القيادة السورية الى اسقاط الطائرة التركية وهي التي لم تقدم على هذه الخطوة عندما اخترقت طائرات اسرائيلية الاجواء السورية اكثر من مرة في الماضي، ونفذت هجمات ضد اهداف سورية، من بينها تدمير المفاعل النووي الوليد في منطقة دير الزور شمال شرق البلاد؟

الاجابة على هذا السؤال صعبة لندرة المعلومات والتزام القيادة السورية الصمت، لكن من غير المستبعد ان تكون هذه القيادة باتت منزعجة جدا من الدعم التركي المتزايد للجيش السوري الحر وتحويل الاراضي التركية الى قاعدة امداد للاسلحة والمعدات العسكرية للوحدات العسكرية التابعة له التي تعمل على الاراضي السورية، ولهذا قررت استدراج تركيا لمواجهة عسكرية، ولو محدودة، تخفف الضغط الداخلي على النظام السوري، وتعطي اشارة للداخل المنقسم بان البلاد تتعرض لعدوان خارجي على امل تحويل الانظار عن الازمة الداخلية.

من الصعب تأكيد او نفي مثل هذه التحليلات، لكن ما هو منطقي وشبه مؤكد ان الحدود والاجواء والمياه الاقليمية للبلدين مرشحة للتسخين في الاسابيع والاشهر المقبلة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الراهب السوري النبيل .. الياس خوري

2012-06-25

القدس العربي 

التقيته في بيروت، جاء مع الصديقة جيزيل خوري الى مقهى 'تشايس' في الأشرفية، او الجبل الصغير. ومنذ اللحظة الأولى احسست انني امام تجربة لاهوت التحرير وهي تتجسد في سورية والعالم العربي. ذكّرني الأب باولو بوجوه كهنة عرفت فيهم ان يسوع الناصري هو الغريب مع الغرباء والفقير مع الفقراء والسائح في الأرض بحثا عن العدالة والحرية. رأيت فيه وجوه اصدقائي الكهنة العمال الذين عملوا في برج حمود والنبعة في اواخر الستينيات وحملوا مشعل العدالة والثورة، وكانوا نموذجا في الفقر والتفاني. كما رأيت فيه وجه مطران لبنان جورج خضر وهو يستعيد فلسطين بالكلمة والحب، وتجلي الراهب الياس مرقص في ديره محولا الجسد وعاء للروح.

الأب باولو دالوليو راهب يسوعي ايطالي، رئيس رهبنة دير مار موسى الحبشي في النبك، رمم الدير العتيق وحوّله الى خلية حوار، جاعلا منه جزءا من نسيج سوري جديد صنعه الشباب وهم يبنون بالكلمة والجرأة والعقل الحلم الديموقراطي والانساني الذي مهّد للثورة. طُرد من سورية، لأنه قال الحقيقة عن العسف والظلم، وساهم في ترميم القلوب التي كسرها القمع.

يتكلم العربية كالعرب، ويتحدث عن سورية كمن يتحدث عن موطنه، ويحكي عن جذوره الجديدة التي نبتت في ارض الشام. قال انه سوري فسمعت في قلبي اصوات الشبان والشابات الذي اتوا الى دير مار موسى حيث اقاموا الصلاة عن روح الشهيد السينمائي باسل شحادة، (الذي سقط في حمص، ولم يُسمح لأهله باقامة جناز له 'في كنيسة القديس كيرللس في القصّاع في دمشق)، سمعت اصوات الشباب وهي تقول للراهب الايطالي المولد ان سورية وكل ارض العرب تتشرف بك ايها السوري النبيل.

التقيت الأب باولو لأكتشف صداقة بدأت من زمان، ورأيتها مرتسمة على وجه راهب سوري آخر هو نبراس شحيّد، الذي يعمل في بيروت استاذا معيدا' في الجامعة اليسوعية، وهو الذي روى لي عن صديقه الراهب الأب باولو.

بهذين الراهبين وامثالهما يرتفع صوت الوطن فوق اصوات العصبيات الطائفية التي يصنعها قطعان الشبيحة والمرتزقة، الذين لم يكتفوا بالقتل والنهب، بل اقاموا سوقا علنية لمنهوبات حمص، اطلقوا عليه اسم سوق السنّة، بحسب وكالة رويترز، والهدف من وراء ذلك هو جرّ سورية الى اقتتال طائفي يعتقد النظام الاستبدادي الذاهب الى افوله انه يسمح له بتوريط الأقليات في مشروعه الاجرامي.

جريمة الأب باولو التي قادت الى طرده من سورية انه ضد الجريمة. رجل خمسيني طويل القامة، مهيب في تواضعه، ومدهش في تماهيه مع ضحايا القمع من مسلمين ومسيحيين وعلويين. رجل يدعو الى العدالة والحرية والسلام، يحذّر من ان آثار العنف الوحشي الذي يمارسه النظام بجيشه وشبيحته وزعرانه، تقوم بتدمير النسيج الاجتماعي والسياسي السوري، تمهيدا للخراب الذي وعد به الأسد الأب من ابده، والذي يمارسه الابن من اجل ان يستحق ابد والده الموعود!

قال الأب باولو ان هناك جريمة كبرى ترتكب في سورية، فطرد من بلاده، لأن صوته جاء نقيضا لصوت المؤسسة الدينية الرسمية التي انحنت للقمع وتواطأت معه. وانا هنا لا اتكلم عن شخصية مريبة كالمطران لوقا الخوري او الراهبة ماري انييس اللذين يعملان كبوقين امنيين، ولا افهم حتى الآن كيف تصمت الكنيسة الارثوذكسية ويصمت البطريرك اغناطيوس هزيم عن وكيل بطريركي في دمشق لا هم له سوى الدفاع عن الشبيحة، او كيف ترضى المؤسسة الكاثوليكية بأن تستمر راهبة في عملها كوسيط بين شبيحة الأمن السوري والكنيسة؟

العار الذي يعلنه الموقف الرسمي للكنائس السورية لا يمكن تبريره بالخوف فقط، بل يجب اجتثاث اسبابه العميقة الآتية من شعور بالدونية ومن ذمّية جديدة صنعها الاستبداد، وهي اكثر وحشية من الذمية القديمة، لأنها تفرض الصمت ليس على الاقليات وحدها، بل وعلى الأكثرية ايضا!

انه عار يمهد للكارثة، ولا يقلل من شناعته التحجج بالموقف الرسمي لجميع القادة الروحيين في سورية من الشيخين حسون والبوطي الى البطريرك لحّام، معيدين ذلك الى استتباع السلطة لجميع مؤسسات المجتمع بما فيها المؤسسة الدينية. عار يتحمل مسؤوليته افراد وضعوا انفسهم في خدمة الشيطان.

لا شيء يبرر الصمت، فالسكوت عن الجريمة صار مشاركة فيها، والتحجج بالخوف صار مضحكا في زمن تعميم الخوف بالقصف والقتل والذبح.

سألت الأب باولو عن حمص ومآسيها، فرأيت كيف ارتسم وطنه السوري كعنقود من الدمع على عينيّ هذا الراهب الذي صار 'ابا لكل السوريين'، كما كتب محمد علي الأتاسي.

النموذج الذي صنعه هذا الراهب السوري كسر العار الذي الحقته المؤسسة الكنسية الرسمية بالمسيحية السورية، مستعيدا اللحظات المشرقة في التاريخ السوري الحديث حين توحد السوريون بمختلف مللهم في المعركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.

يأخذنا الأب باولو الى الروحانية الشرقــية في انغراسها العميق الجذور في مجتمعها العربي والاسلامي، جاعلا من حياته شهادة ومن شهادته حياة. معه نكتشف كيف تصــــير الكلمة جسدا والجسد كلمة، وعبر تجربته التي تجمع التواضع الى البطولة نتعرف الى سورية جديدة تولد من مخاض الألم والدم والشهادة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الرهان على الوطنية السورية الجامعة .. الدكتور عبدالله تركماني

يتفق الكثيرون على أنّ سورية تمر اليوم بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها، وأنّ خريطة طريق كوفي أنان تسير نحو الفشل والإخفاق بعد تعليق المراقبين عملهم، مما يفتح الأبواب على احتمالات متنوعة وعلى اجتهادات شتى في قراءة آفاق الحالة السورية، ربطاً بما قد يستجد من تطورات داخلية ومن مواقف عربية ودولية مؤثرة.

وإذا كان من الصعوبة أن نجري حساباً لوقائع وتطورات الثورة السورية التي انطلقت في آذار 2011، لأنّ فيها الكثير من التعرجات والتعقيدات، فإنّ ما يميّز اللحظة الراهنة هو الحراك الشعبي السوري غير المسبوق الذي يمكن أن يبلور البديل الوطني الديمقراطي، الممكن والضروري، نحو الاستقلال الثاني لسورية. فالثابت أنّ حراكاً إنسانياً رائعاً جرى بحجم كبير وتضحيات كبيرة، يتجه نحو مواطن سوري جديد، ووعي سوري جديد، بما ينطوي عليه ذلك من تألق للوطنية السورية الجامعة ذات العمق العربي والإنساني.

وفي سياق ذلك يبدو، على ضوء اللقاءات المتكررة لأطيافها، أنّ ثمة قاسماً مشتركاً يجمع المعارضة السورية: الطابع السلمي العام للثورة، تغيير النظام، إقامة دولة مدنية - تعددية - ديمقراطية تصون حقوق الإنسان وحرياته وتساوي بين جميع السوريين. ويبقى أن وصول الدكتور عبد الباسط سيدا السوري/الكردي إلى رئاسة المجلس الوطني السوري خطوة ذات دلالة، قد تمهّد لتطوير المنحى الوطني الجامع، من خلال تهيئة الرأي العام السوري للعودة بنا إلى الحقبة الوطنية السورية إبان خمسينيات القرن الماضي، حين لم يكن رئيس الدولة أو الحكومة يُسألان عن قوميتهما أو دينهما أو مذهبهما.

وتبقى الثورة هي الفاعل الأساسي في سورية اليوم وهي أيضاً الصانعة لقيم جديدة على طريق الاستقلال الثاني: الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، ولشرعية جديدة قائمة على المواطنة. ففي سورية الجديدة لن تكون مصادرة حرية الرأي مقبولة، ولن يكون سجن صاحب الرأي ممكناً بلا مقاومة، ولن يكون انتهاك حقوق الإنسان مقبولاً، ولن يكون السكوت عن الفساد والتسلط أمراً طبيعياً. وفي سورية الجديدة لن يقبل الناس بعدم المشاركة، بل سيتصرفون انطلاقاً من حقهم الطبيعي في الكرامة والعدالة والمساواة التامة في وطنهم.

لن تكون سورية بعد اليوم مزرعة لأحد، كما كانت لعقود طويلة، وإنما وطن الحرية والكرامة لجميع أبنائها. لن تكون بلد التمييز والظلم والإقصاء، بل وطناً واحداً لشعب سوري موحد، لا حديث فيه عن أكثرية وأقلية بل مواطنية ومساواة، لا يراعي في معاملته مع أبنائه أي اعتبار قومي أو مذهبي أو طائفي أو مناطقي، ولا اعتبار فيه إلا للكفاءة والإخلاص، والمقدرة على البذل والتضحية في سبيل المجموع. سيحمي دستور سورية الجديدة حقوق كل مكوّنات المجتمع السوري، حيث سينال فيها الأكراد والآشوريون والتركمان ما حُرموا منه من حقوق وما عانوه من تمييز. ستُفصل في سورية الجديدة السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وستحاسَب فيها الحكومة المقصّرة وستكون السلطة بيد الشعب يقرر من يحكمه عبر صناديق الاقتراع. ستكون سورية المستقبل دولة الحق والقانون، يتساوى فيها الجميع أمام القضاء المستقل، ويكون للجميع الحق ذاته في تشكيل المنظمات والأحزاب والجمعيات، والمشاركة في صنع القرار، مما يفتح في المجال لتألق الوطنية السورية الجامعة.

الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

متاع الحياة الدنيا  .. الدكتور عثمان قدري مكانسي

أقرأ القرآن الكريم – أحياناً – كما يقرؤه الكثرة الكاثرة من الناس، وأمر على الآيات أفهمها فهماً يخالطه الانشغال بالدنيا ، وبكلمة أخرى  أقرأ دون وعي وتدبر في بعض الأحيان ، فأنا إنسان ضعيف تأخذني الدنيا في متاهاتها دون أن أشعر بذلك – ولعلك مثلي في كثير من هذه الحالات ، فعلى رأي الكوفيين نحن ( الإنسان) من النسيان وإن كنت أرى ما تراه المدرسة البصرية من أن الإنسان من ( الأنس) وهذا ما قرأناه في مسائل الخلاف للأنباري - رحمه الله تعالى - حين كنا في السنة الثانية الجامعية .

قرأت قبل يومين قوله تعالى في سورة الشورى:" فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) " مع الآيات السبع التي تليها قراءة كما ذكرت آنفاً لكنني عدت إليها أمعن التفكير فيها – وما ألذّ تدبر الآيات والتفكر فيها – فوقفت على ما يلي :

1-        لا ينال أحدنا ما يريد، إنما هو فضل من الله تعالى نُؤتاه على ضعفنا ، وليس لنا إلا شكر الله على نعمائه والإقرار بهذا الفضل ولسنا نقول ما قاله قارون " إنما أوتيته على علم عندي" وغاب عنه رغم تشدقه الباطل بالفهم والدراية أنه أقرّ بأنه ( أوتيَه) ولكن الاستكبار يفضح صاحبه من حيث لا يدري .

2-        والعطاء ( أشياء) جمع شيء والآية تقول ( من شيء ) فما يأخذه الإنسان جزءٌ من شيء . إنه قليل إذن إذا ما قورن بالحقيقة . ألم يقل الله تعالى ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً).وأين ما يحوزه المخلوق من عطاء الخالق سبحانه ؟ يعرف هذا من يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق.

3-        الدنيا زائلة فانية ،وما فيها متنقل بين الناس فهو متاع ، والمتاع في العربية ما ينتهي إلى أجل وهل يكون عطاء الدنيا إلا فانيا مثلها ، وهذا العطاء الدنيوي يأخذه البر والفاجر والمؤمن والكافر.

4-        وما عند الله – في جنات النعيم – دائم خالد لا ينقطع ولا يزول . فعلام يتشبث الإنسان بالزائل ويتعلق به ويفضله على الدائم المتجدد؟ إنه سوء تفكير وضعف في الفهم والإيمان لا ينتبه إليه إلا :

أ‌   المؤمن بالله تعالى المتصل به سبحانه وهؤلاء قليلون ، ألم يقل الله تعالى " وما أكثر الناس – ولو حرصتَ بمؤمنين" إن الهوى والشيطان يجرفان أمامهما من يعيش حياتَه غثاء ولا يعمل إلا لدنياه غافلاً عن الحقيقة التي سوف تجبهه في يوم يندم فيه ولا ينفعه الندم.

ب‌ الذي يتوكل على الله ، وما يتوكل على مولاه سوى العاقل النبيه الذي يدري سبب خلقه  " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" ويطيع ربه ويعمل ليوم قادم لا محالة ، إن التوكل على الله لجوء إلى حصن حصين وملاذ آمن منيع. ومن توكل على الله كفاه الله ، وما أعظم الحديث الشريف الذي علمنا إياه سيد البشر صلى الله عليه وسلم " فعن أنس

رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " من قال ( يعني إذا خرج من بيته ) بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، يُقال له : هُديتَ وكُفيتَ ووُقيت وتنحى عنه الشيطان " رواه الترمذي، وزاد أبو داود في روايته : فيقول- يعني الشيطان لشيطان آخر - : كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟!

ت‌ (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) والاجتناب عدم المرور به والتوقف عنده إنه الابتعاد والحذر عن كبائر الاثم أولاً وهنا نرى أن الإثم نوعان صغير وكبير ويقع المسلم في اللمم لكنه يستغفر او يتوضأ ويصلي فيُمحى اللمم ، وما أضيفت كلمة الكبائر إلى الاثم إلا للتنبيه من الوقوع في الإثم الصارخ لأنه مثل الفاحشة تماماً .

ث‌   ، وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) فالإنسان يغضب وقد يثور ، وهو في ثورانه يُضيّع رشده ويتصرف بنزق وقد يفعل ما لا تُحمد عقباه ففي هذه الحالة ينبغي أن يملك نفسه ويعود لهدوئه ويغفر لمن أساء إليه وهذه محمدة لا يصل إليها إلا أولو العزم الذين يذكرون قوله تعلى " ولْيعفوا ولْيصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ والله غفور رحيم" وهذا ما فعله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه حين سمع هذه الآية – وكان أقسم ان لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة لأنه خاض في الإفك ، فقال بلى يا رب بلى ، وغفر لمسطح . إنها درجة لا ينالها إلا المتقدّمون.

ج‌ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ " ولا يستجيب لأمر ربه فيلتزمه ويبتعد عن المنهيّ عنه إلا السعداء ، وأقف عند كلمة الاستجابة فأراها سمة المؤمنين الأطهار المتصلين بربهم في كل أحوالهم ، ولا يستجيب إلا الواعي النبيه ذو القلب الزكي والعقل الذكي .

ح‌ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ : إن إقامة الصلاة دليل الاهتمام بها ، وما ذكرت الصلاة إلا وسبقتها كلمة الإقامة ، وعد إلى القرآن الكريم لتتأكد من ذلك . إنّ من يؤدي صلاته بخشوع وتدبر فيطمئن بقيامه وركوعه وسجوده ويستقبل الله تعالى في صلاته فقد أقامها اما السرعة في الحركة دون الاطمئنان والتعقل في حركات الصلاة فليست صلاة على ما أعتقد .

خ‌ "وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ" وهل يقوم المجتمع الصالح المتماسك وهل تبنى الدولة القوية إلا على أساس قويم من الشورى والعمل المشترك؟ إن البلاء الذي أصاب أمتنا ودفع بها إلى مؤخرة الأمم تجبُّر الحاكم وتفرده باتخاذ القرار ، فكأن الناس عبيد في مزرعته وملك يمينه يفعل بهم وببلادهم ما يشاء دون وازع من إيمان ولا ضابط من شورى ، وثورات الشعوب على حكامهم ما جاءت من فراغ ، وتاريخنا المعاصر ظلم وفساد وتأخر بسبب غياب الشورى ووأد الحريات  وقتل الإبداع .

د‌  "وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " (38).وإذا سألت عن سبب تقديم : "مما رزقناهم" على "ينفقون"علمت أن الله تعالى يرزقنا ويكرمنا ويعطينا ويتفضل علينا ثم يأمرنا أن ننفق مما رزَقَنا فالعطاء أولاً يتبعه الاعتراف بالفضل والإقرار به فينتج عنه شكر النعمة بالإنفاق على عباد الله ،  وبالشكر تدوم النعم . ولعلك ترى ان الله سبحانه لا يكلفنا شططاً حين يأمرنا أن ننفق القليل من هِباته وكرمه سبحانه.

ذ‌  " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ، فالله تعالى يعلمنا أن نكون أحراراً لا نرضى الدنية في ديننا ولا حياتنا ، إن البغي مرتعه وخيم ، ومن عاش في الذل لا يستقيم ولا يستحق الحياة من رضي الهوان . وأفهم هنا أن من سمات المسلم أنه لا يظلم احداً ولا يرضى الظلم من احد .فما كان الجهاد إلا عنوان الحياة الحرة الكريمة .

ر‌  "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " أرأيتم ميزان العدل؟ فما ينبغي إذا ما ظُلمتُ أن أتجاوز استرداد حقي وإلا انقلبتُ ظالماً ، وما ينبغي للمسلم ان يكون ظالماً . وما يثور الحر إلا لظلم مسّه أفيكون كمن ظلمه ؟! إن تجاوز الحق ظلم ، هكذا علمنا ديننا.

ز‌  "فمن عفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" : وما العفو ‘إلاعند المقدرة ، وإلا كان هواناً ، إنّ العفو عمن ظلمك يأتي حين يرى الظالم أنه بين يديك وتحت رحمتك ، وهذا درس له رائع ، بل إنك حين تريه من القوة ما يُرهبه ثم تعفو عنه تملك قلبه ، فإذا ما أحسنتَ إليه انقلب صاحباً وصديقا ، ونلت أجراً من الله عظيماً ، لقد علمنا الله تعالى أن نكسب قلوب العباد فقال : " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين ، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتي هي احسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم ، وما يُلقّها إلا الذين صبروا ، وما يُلقّاها إلا ذو حظ عظيم" ولا ننسَ ان الله تعالى يكره الظلم والظالمين" إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)"

س‌ " وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ "(41) روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من دعا على من ظلمه فقد انتصر ، إن إحقاق الحق والوصول إليه يشفي قلب المظلوم أولاً ويكسر شوكة الظالم ثانياً ويربّي المجتمع ثالثاُ فيخاف الظالم أن يَظلِم . لكنْ حين يعلم المظلوم أن القاضي أخذ بحقه وأن عقوبة الظالم مستحقة فتنازل عن حقه وعفا عن جريرة المسيء كان من الصابرين ، وهذا لا يحوزه سوى النبيل من الناس الذي يكظم غيظه ويعفو عمّن ظلمه قادراً عليه كما ذكرنا آنفاً  .

ش‌ ولن يكون المدافع عن حقه الساعي إليه ظالماً  ، والظالم الحقيقي من بدأ الظلم واعتدى على حقوق الآخرين وأهانهم ، ولم يراع حرمة الأخوة في الله ولا حقوق المجتمع في الأمن والأمان والحياة الحرة الكريمة"إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ"  ، أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) "

ص‌        إن القرآن الكريم – مع دعوته إلى الحفاظ على الحقوق الإنسانية – يريد من المؤمن أن يرتفع إلى مستوى من الصبر الجميل في تحمل أذى إخوانه لأنه داعية وقدوة ، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا إذ يقول : " المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم لا يصبر على أذاهم" وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) إنه السمو في الأخلاق والسمو في الإنسانية والسمو في دعوة إلى الله.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

آخر الدواء الكذب  .. د. ضرغام الدباغ

" أذاعت وكالة بارس الإيرانية للأنباء قيام كل من إيران وروسيا والصين وسوريا بمناورة عسكرية مشتركة قوامها 90 ألف جندي، على أن تتم على الأراضي السورية بعد شهر من الآن. ووصفت الوكالة لمناورة بالأكبر في الشرق الأوسط، مؤكدة أن المناورة ستتم بعد تصفية الأراضي السورية من المحتجين.

وأضافت وكالة فارس  أن وحدات صاروخية سورية أرض بحر وأرض جو في ستشارك هذه المناورة، التي من المقرر أن يشارك فيها 90 ألف جندي و400 طائرة و1000 دبابة ومئات الصواريخ من الوحدات العسكرية المختلفة للبلدان الأربعة. وشددت "فارس" الإيرانية نقلاً عن مصدرها على أن المناورة ستنفذ بعد القضاء على الاحتجاجات المستمرة ضد الرئيس السوري بشار الأسد منذ 15 شهرا.

وتقول الوكالة الإيرانية إن الصين قد على موافقة مصر لعبور قطعها البحرية وعددها 12، لقناة السويس للمشاركة في المناورة وستصل هذه القطع التي تشمل وحدات بحرية وجوية بعد أسبوعين ميناءي اللاذقية وطرطوس ".

 

من جانبي لم أقم سوى بتحوير بسيط للمثل المشهور " آخر الدواء الكي " وأني أجد هذا المثل ينطبق على الشأن السوري المحزن، وحليفه المحبط نظام ملالي طهران. ولكن العالم بأسره أختبر سعار الكذب الإيراني (وهنا أبدلت حرف اللام بحرف الذال)، وقدرة المعدة الإيرانية على ابتلاع الأكاذيب.

 

أني أعتقد أن الخبر بأرجحية عالية قد صيغ في إحدى الدوائر العسكرية الإيرانية (الاستخبارات العسكرية) باعتبار أن الخبر بتعلق بالمؤسسة العسكرية، وهنا يدرك حتى القارئ البسيط أي حجم للمبالغة ينطوي عليه الخبر من تهويل ومبالغة ولا سيما فيما يتعلق بأعداد الجنود والأسلحة المشاركة.

 

وقد أدركت منذ الوهلة الأولى أن النبأ الذي أذاعته الوكالة هو من خيال شخص يستحق أن يرسل لمصحات عقلية، وقد أساء لنفسه وبلده كثيراً بصناعة هذا النبأ، رغم أن الكذب والمبالغات التي تقترب من الخيال والفنتازيا المطلقة هي واحدة من سمات العقلية السياسية الإيرانية والحياة السياسية، وهو أمر معروف لكل من يتابع الشؤون السياسية الإيرانية، إلا أن هذا النبأ فاق في خياله كل تاريخ الإعلام الإيراني الذي لا يصدقه حتى عباقرة مفبركوا الأنباء.

 

ولكن لنتفحص العلة سياسياً بعيداً عن علم النفس، لماذا تحتاج إدارة سياسية ما للكذب. ؟

 

وفي السياسة كما في علم النفس، فالكذب هو محاولة يائسة أخيرة لتجسير الهوة بين الواقع والخيال، ومن يلجأ للكذب هو فاقد للإرادة المادية يلجأ لتعويضها بالكذب. ولكن في الحياة الاجتماعية يكون جزاء من يكذب هو بسيط حيال ما قد يلحق بدولة ما تمارس الكذب مهما كانت التبريرات، آنذاك ستسقط مصداقية الدولة أولاً، ثم يبدأ المحللون السياسيون (وهنا المهم) في البحث عن أسباب لجوء تلك الدولة للكذب. ومن المؤكد أن المحللون يضعون في البدء احتمالات ثم تضيق دائرة الاحتمالات بالتحليل حتى يصل التحليل إلى اليقين أو شبه اليقين. 

 

النظام الإيراني أفتتح تعامله مع الثورة السورية، بأن أعترف بحقوق الشعب، ولكنه لا يقبل بالثورة على النظام ..! بل زاد على ذلك باستعداده للتوسط بين النظام والثورة(هو يطلق عليها معارضة) ولكن دائماً بنتيجة واحدة: أن سلموا أنفسكم للنظام الرحيم الشفيق العادل، وكأنهم يحدثون أنفسهم أمام المرآة. النظام الإيراني يرى في الحفاظ على تابعه السوري صيانة لمصالحه الهشة في المنطقة، ولا يعتقد مطلقاً أن من صلب مصالحه، مصالحة شعوب المنطقة بدل من أن يقيم معها علاقات إما غالب أو مغلوب.

 

النظام الإيراني يعتقد أن الشعب السوري وبمجرد أن يسمع النبأ سيرتعد فرقاً، وينسحب إلى جزر الواق واق ..! الإعلام الإيراني أعتقد واهماً(وأي وهم !) أنه يخيف الغرب بهذه الاكاذيب، التي لم يهتموا بها ولم يكتبوا عنها حرفاً واحداً في كافة صحفهم ودولهم، والسبب بسيط، أن الغرب يعلم أن الروس والصينيين دول عظمى يشتغلون بعقولهم ولا يلعبون ألعاب الأطفال، كما أن هناك اتصالات هاتفية بينهم على مدار الدقيقة بما يسمونه الهاتف الأحمر، ويحمل رؤساء هذه الدول  هذا الهاتف معهم أينما حلوا وحيثما ارتحلوا من أجل البقاء على اتصال ليحيطوا بعضهم بقراراتهم وتحركاتهم كي لا تأتي كمفاجأة على طرف منهم.

 

من صنع هذه الكذبة وأطلقها، قد يعلم بدقائق هذه المعلومات كما نعرفها، ولكن الإيرانيون يعلمون أيضاً من كتب علم السياسة والتاريخ، ولكنهم مصابون بآفة : وتلك هي أنهم لا يصدقون ما أمام أعينهم وما يوصله لهم التحليل العلمي عندما لا تحلو لهم الحقائق المرة، ويتناسون أن على السياسي الذكي أن لا يضع نفسه في دروب الحقائق المرة كي لا يتعين عليه تجرعها.

 

القدرات الإيرانية أقل بكثير من امكانية التأثير على القرارات الروسية أو الصينية أو الأمريكية، فهذه دول تتعامل مع بعضها البعض على أسس واضحة متينة، لأن الخلاف إذا نجم عنه صدام، فالأمر سيكون كارثياً بكافة المقاييس سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، حتى إذا لم يصل الخلاف درجة الصدام المسلح، فالاتفاقات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة حول كوبا ما زالت سارية المفعول منذ أكثر من نصف قرن (أزمة الصواريخ 1962)، فرغم أن صداماً مسلحاً لم يقع، فقد أزيلت قواعد الصواريخ السوفيتية من كوبا مقابل  إزالة صواريخ جوبتير الأمريكية من قواعد امريكية في تركيا وإيطاليا، فالإضافة إلى تعهد أمريكي بالحفاظ على الوضع في كوبا.

 

ربما يدرك صناع القرار في إيران مفبركوا الأنباء أن هناك مقولة شهيرة لقائد سوفيتي قالها بصراحة في سنوات الحرب الباردة : الاتحاد السوفيتي ليس على استعداد لإطلاق رصاصة واحدة لأجل الشرق الأوسط، ولكن الغرب مستعد لإشعال حرب عالمية ثالثة في سبيل الحفاظ على مصالحه  في المنطقة .

 

لنلاحظ بعضاً من خارطة المصالح، ولنركز على الاقتصادية منها.

 

اقتصادياً بلغ حجم التجارة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا نحو 9ر42 مليار دولار عام  2011 حسب تقارير اعلنتها وزارة التجارة الأمريكية، ومع الصين أظهرت الاحصاءات الصينية أنه منذ تبني سياسة الإصلاح والانفتاح منذ أكثر من 30 عاما، زاد حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة تصاعد منذ 30 عاماً  بمعدل أكثر من 120 ضعفا ما كان عليه ليحققووفقا للارقام الصادرة عن وزارة التجارة الصينية، فقد حقق حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة قفزات كبيرة للامام فى السنوات الماضية. فارتفع حجم التبادل التجارى بين الصين والولايات المتحدة، ثانى اكبر شريك تجارى للبلاد، إلى 446.7 مليار دولار أمريكى فى عام 2011، بزيادة نسبتها 16 % مقارنة بعام 2010 وبزيادة حادة عن حجمه منذ عشر سنوات عندما بلغ 80.5 مليار دولار، فيما  الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة بنسبة 78% سنويا في المتوسط خلال الثلاثة أعوام الماضية. وهذه الارقام تمثل لوحدها أضعاف القدرات الإيرانية، وحكام هذه الدول لا يضحون بمصالحهم الاقتصادية تأسيساً على تقديرات إيرانية أو غيرها.

 

لذلك سارع المسؤولون الروس والصينيون إلى تكذيب هذا الخبر، ومن المؤكد أنهم دهشوا أيما دهشة له، وحتى النظام السوري خشي من عواقب المزاح الثقيل فسارع لتكذيب الخبر. 

 

ماذا بقي من الفقاعة الإيرانية ..؟

 

لا شيئ البتة، الفقاعة انتهت ولم تنفع مطلقوها مثقال ذرة واحدة، بل أساءت لهم وأظهرت على الملاْ أمراً مهماً، هو المأزق الذي يعيشه مطلقوا الكذبة وحليفهم النظام السوري، حتى باتوا يعللون أنفسهم بفوائد الكذب، على أمل أن يكسبوا من المثل الشائع: العيار الذي لا يصيب يخيف.

 

ولكن هذا العيار لم يخيف أحداً ولم يهتم به أحد ولا هم يحزنون، لعل مطلقوها يعتبرون ..!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأزمة السورية تشكل نظاماً دولياً جديداً! .. عبد الحميد المجالي

25-6-2012

الراي الاردنية

لم يخف المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية ، الاهداف الاستراتيجية التي تسعى بلاده لتحقيقها من وراء المواقف التي تمسكت بها حتى الان ،ازاء الازمة السورية منذ بداياتها في العام الماضي . ويقول انه بتطورات الازمة السورية ، فان نظاما دوليا جديدا يتشكل على نقيض النظام الدولي السائد الان . وهذه هي المرة الاولى التي يتحدث فيها المسؤولون الروس ، عن اهداف بلادهم بعيدة المدى من وراء مواقفهم في الازمة السورية ، والتي اثارت تساؤلات محيرة عن اسباب التشبث غير المسبوق بهذه المواقف ، رغم الضغوط الدولية والاقليمية التي تعرضت لها موسكو ، وتأثر مصالحها سلبيا ، وخاصة في الشرق الاوسط .

الظروف التي سبقت نشوء الازمة السورية ، وما يتعلق منها بممارسات ومواقف الدول الغربية في العالم ومنطقة الشرق الاوسط ، والتي بدت واضحة في الازمة الليبية ، اثارت حفيظة القيادة الروسية التي كانت تستند في مواقفها الى مبدأ المشاركة في النظام العالمي، وهو المبدا الذي اعلنته ادارة الرئيس الامريكي باراك اوباما منذ توليها السلطة . الا ان المواقف الغربية تخلت عمليا عن مبدا المشاركة وجنحت نحو الاحتكار والانفراد في القرار الدولي ، وتقسيم النفوذ والهيمنة على الموارد العالمية ، دون الاخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الاخرى كالصين وروسيا ، اللتين اضطرتا الى التضامن فيما بينها ، لمواجهة الهيمنة الغربية على العالم .

و شكلت الازمة السورية فرصة للبلدين وخاصة روسيا ، لاعادة صياغة المعادلة الدولية القائمة . وقد بدت هذه الازمة مناسبة في ظروفها وابعادها اكثر من اي ازمة اخرى لانجاز هذه المهمة . فسوريا تعتبر تاريخيا أحد مكونات المخزون السياسي الروسي في الشرق الاوسط ، الذي تشكل في ثنايا الحرب البادردة بمنتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وبقيت كذلك حصة روسية معترفا بها حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات ، رغم محاولات دمشق التحرك نحو نقطة توازن في علاقاتها مع القوى الكبرى . كما ان الموقع الحيوي لسوريا وعلاقاتها الاقليمية المتشابكة مع خطوط الوضع الهش في لبنان ، والعلاقة مع ايران وجوارها لاسرائيل ، جعل من مسألة التدخل المباشر في تطورات ازمتها الداخلية من قبل الدول الغربية امرا يثير الكثير من المخاوف والمخاطر على مصالح هذه الدول ، وعلى امن واستقرار الاقليم .

وقد استغلت روسيا هذا الوضع الاستثنائي لسوريا في قلب الشرق الاوسط ، كما استغلت تراجع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا ، عن رغبتها في التدخل العسكري والسياسي المباشرين في الازمات الدولية، بعد النكسات التي اصابتها في عدة ازمات دولية اخرى ، وخاصة في العراق وافغانستان وجورجيا .

وترى روسيا بعد اكثر من خمسة عشر شهرا من الازمة في سوريا ، انها استطاعت ان توجه تطورات هذه الازمة وفقا لارادتها ، وهو امر لم يحدث من قبل في اي ازمة دولية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي . وقد يكون هذا التشكيل الجديد في العلاقة بين القوى الكبرى ، نموذجا لروسيا لمطابقته على ازمات دولية اخرى في المستقبل ، وربما تكون تطورات ازمة الملف النووي الايراني مرشحة لهذه المطابقة ، وهو ما يتضح من المواقف الروسية ازاء هذه الازمة .

تسعى روسيا لاستعادة موقعها المؤثر في العالم كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة خصوصا ، وان كانت تستبعد عودة الحرب الباردة بتفاصيلها المرعبة وكلفتها العالية . الا انها في كل الاحوال تعتزم وفقا لتصريحات مسؤوليها انجاز نظام دولي او على الاقل صيغة جديدة في علاقاتها مع الغرب ، تستند الى ما تعتبره حقها في المساواة مع الاخرين كقوة عظمى ، وهو ما يفسر اصرارها على ان تبقى المرجع الرئيسي في تحولات الازمة السورية، ووفق قواعد لعبة مختلفة في علاقاتها مع الدول الغربية .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف :أيها الثوار برنامج للثورة لا يتحكم فيه غيركم ... زهير سالم

السحب المتراكمة في الفضاءات السورية الداخلية والإقليمية والدولية لا تبشر بخير . على المستوى الأول ما يزال الذين باعونا السمن والعسل على مدى قرن مبشرين بدولة نهضوية حداثية تريحنا من تراكمات القرون ، وتعيد بناء واقعنا على قواعد عصرية متينة ، فلم نر منهم إلا أنظمة فاسدة مستبدة متوحشة تسللت وتغولت علينا باسم الحداثة بطريقة هي إلى عالم الغابة أقرب . والأغرب من كل ذلك أنهم مازالوا يدّعون ويعيدون على مسامعنا ما سئمناه ونحن نسمع ترانيمهم على مدى قرن ، والتي لم نعرف منها غير القتل والسجن و الذلة والقهر والتشريد والتخلف ..

 

أما على المستوى الثاني المستوى الإقليمي فيبدو أن لكل قيس ليلاه ، وإن ألمنا الذي لم يوجع أحدا على مدى أربعين عاما ما زال غائبا أو مغيبا . وكلما أردنا أن نحسن الظن نرى ونسمع من الإمعان في إقصاء الشعب السوري عن قضيته ، والرغبة في إعادته إلى بيت الطاعة في ظل من لم نر منه إلا الأذى والهوان ....

 

وتمضي الأمور على المستوى الدولي في إطار إقصاء كل ما هو حقيقي على الأرض السورية ، إقصاء كل ما هو حقيقي على صعيد العقائد والمبادئ كما على صعيد الهوية والإنسان . إنهم يريدون سورية بلا سوريين منتمين . يريدون سوريين بلا هوية ولذا يصرون على البحث عن خشب تعجبهم ، ويدفعون لمن هب ودب ليجعلوا منه ممثلا للشعب السوري مشتق من طريقة تمثيل حزب البعث وآل الأسد لهذا الشعب على مدى نصف القرن . ألم يكن حافظ الأسد أولا وبشار الأسد ثانيا من اختيارهم .

 

اليوم حين يظن هؤلاء وألئك أنهم أصحاب القرار فيما يجري على الأرض السورية . وأنهم قادرون على رهن إرادة الشعب السوري مرة أخرى كما فعلوا منذ مطلع الستينات فإنهم لاشك يغامرون كثيرا بمصداقيتهم وسمعتهم .

 

من المفيد أن نعبر في هذا السياق عن القلق العميق الذي يستشعره كل السوريين من محاولات الالتفاف على ثورتهم من كل المزيًّفين والمزيفين الذين ثار الشعب السوري على ادعاءهم واستكبارهم وإقصائهم .

 

كل أولئك  فيما يبدو ينظرون إلى الدم السوري الزكي والعزيز على قلوب أوليائه كرافعة يحققون بها مآربهم وأهدافهم . وكل هؤلاء حين يقاربون المشهد السوري بما يبدو للقائمين على هذه الثورة  أنه شكل من أشكال الدعم والمناصرة والتأييد إنما يفعلون ذلك لتحقيق الأهداف الخاصة مع تجاهل تام لمطلب الشعب السوري المتمثل في : إسقاط نظام الاستبداد والفساد وبناء الدولة المدنية الحديثة والتأسيس للحكم الرشيد الذي ينبثق عن إرادة الشعب السوري كما يريده هو وليس كما يريده البعض أن يكون ...

 

وحين يبادر السيد عنان اليوم مدعوما من الروس إلى تقديم مبادرة جديدة لإنقاذ مبادرته الأخيرة فإن من حق الشعب السوري أن يهز كتفيه بأنه لن يبالي بما يفصله من جديد الروس والصينيون والعراقيون والأوربيون والأمريكيون ..

 

إن كل ما سبق يجعل من الواجب على رجال الثورة السورية أن يكون حذرين أشد الحذر من السبل التي لا يملكون نهاياتها . كل الأدوات التي يقدمها الآخرون يمكن في أي لحظة أن يمنعوها و يحال بيننا وبينها . يجب أن نكون حذرين دائما من مشروع مصادرة الثورة وليس فقط من مشروع خطفها . حين يتداعون في أي مكان من العالم لبحث ما أصبح يعرف ( الأزمة السورية ) بحضور أعدائنا وعلى غير مشورة منا يجب أن نشعر بالقلق الأكيد على ثورتنا ، وحين تفرض على شعبنا مبادرة كوفي عنان ، وبعثة المراقبين المشلولة والتي تتحرك على إيقاع عصابات الأسد ، وتكتب تقاريرها بأقلامهم علينا أن نشعر بالقلق .

 

لا شك أن الكثير من السوريين يشعرون بالنشوة اليوم وهم يحققون انتصارات محدودة ولكن عليهم أن يتذكروا أنهم  يتحركون في فضاء لا يسيطرون تماما على مداخله ومخارجه .

 

وحين كان الكثير من السوريين يتمسكون بسلمية الثورة فإنهم كانوا على المستوى الاستراتيجي البعيد المدى إنما يتمسكون بثورة لا يحتاج فيها الثائر لغير إرادته وعزيمته وساعده وصدره العاري . فيظل قرار الثوار بأيديهم لا يفرض عليهم أحد قرارا ولا هيئة ولا موقفا .

 

أيها الثوار السوريون تذكروا اليوم ، وأنتم تنادون سيدنا محمد قائدنا للأبد أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الله رفيق يحب الرفق . وإنه قال : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق وأنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ستجدون من يدعوكم إلى ركوب الصعب فاحذروا تذكروا حديث الصحيفة التي كانت عنوان حضارة قامت على البساط المحمدي الذي كان دائما متسعا للجميع ومرحبا بهم . تذكروا أنه صلى الله عليه وسلم استقبل في بيته عدي بن حاتم وصليبه في عنقه – وما ضاق به – وجلس على الأرض وأجلسه على وسادته . من يعلمنا احترام الآخر أكثر تذكروا ..

29/6/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي  

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحرب السرية في سوريا  .. اسامة شريف

25-6-2012

الدستور

هناك تغير نوعي في طبيعة الاشتباك الاميركي بالأزمة السورية؛ فقد كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» اواخر الاسبوع الماضي ان عناصر من وكالة الاستخبارات الاميركية «سي. آي. ايه» تعمل داخل تركيا بالقرب من الحدود مع سوريا لتحديد مَنْ مِن الثوار يستحق الحصول على اسلحة ومعدات لوجيستية في الحرب الدائرة بين النظام ومن ينضوون تحت مظلة الجيش السوري الحر. رسميا تنفي ادارة الرئيس اوباما وجود عملاء من وكالة الاستخبارات الاميركية على طول الحدود التركية السورية. لكنَّ صحفا ومجلات اميركية اكدت ذلك، بينما تظهر مؤشرات على حصول الثوار مؤخرا على اسلحة مضادة للدروع ساعدتها في التصدي لقوات الجيش النظامي التي تحاصر عدة مدن وبلدات سورية.

ويوضح خبير امني اميركي في مقالة له في مجلة «تايم» الاميركية ان اسلحة متقدمة قد هربت من داخل تركيا لتسليح الجيش السوري الحر وان انقرة وعددا من دول الخليج من بينها قطر تمول شحنات الاسلحة هذه. ويضيف الخبير ان لجوء الادارة الاميركية الى الـ»سي. آي. ايه» يدل على عمق المأزق الاميركي تجاه الأزمة السورية خاصة بعد وصول الجهود الدبلوماسية الى طريق مسدود. ويقول الخبير ان الوكالة لا تملك خبرة في التعامل مع سوريا ولا تعرف كثيرا عن طبيعة تكوين المعارضة التي تشمل حركة الإخوان المسلمين وجهات يسارية وقومية اخرى. كما ان المعارضة ليست منظمة وهي مخترقة من دول خليجية تمول نشاطها.

دخول عملاء وكالة الاستخبارات المركزية على خط المعارضة يعني ان الأزمة السورية قد تم تدويلها رسميا وان حربا سرية تجري على هامش الحرب العلنية التي تشهدها سوريا منذ ان بدأت الاحتجاجات الشعبية المطالبة باسقاط النظام. وبينما يستمر الحوار الدبلوماسي بين اميركا وروسيا بحثا عن مخرج، ينشغل الطرفان في عملية تسليح الثوار والنظام. ويبدو ان تركيا تلعب دورا رئيسا في مخطط تسليح الجيش السوري الحر وجاء اسقاط دمشق لطائرة تركية مطلع الاسبوع ليزيد من حجم التوتر بين البلدين.

ولا يمكن قراءة المشهد الحالي للازمة دون العروج على دور بعض دول الخليج والخلاف بين عواصم خليجية وطهران وتداعيات الملف النووي الايراني على الأمن الاقليمي. كما ان فشل مبادرة كوفي عنان وتعليق دور المراقبين الدوليين يلقيان عبئا اضافيا على واشنطن التي تقود الحملة الدولية ضد نظام بشار الأسد، لكنها تبدو عاجزة عن تغيير النهج الروسي تجاه دمشق.

اذن، فالحرب السرية هي الخيار في ظل غياب حل دبلوماسي او تغيير في اسلوب النظام الذي ينشغل في قصف مدنه برا وجوا في محاولة لقمع التمرد في مناطق خرجت عن سيطرته. لعبت وكالة الاستخبارات الاميركية دورا رئيسا في تسليح مجاهدي افغانستان ابان الاحتلال السوفياتي كما تورطت في فضيحة الكونترا- ايران في الثمانينات من القرن الماضي. كيف سينتهي الأمر في سوريا؟ انه السؤال الذي تعجز ادارة اوباما عن اجابته حتى الآن.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحل السوري بيد روسيا .. منصور مكين

عكاظ

25-6-2012

عنيت القضية السورية بالكثير من المواقف إلا أن الموقف الروسي بعد أن وصل إلى هذا الحد جعلني أذهب بعيدا باحثا عن الدافع الخفي الذي جعل روسيا تواجه المجتمع الدولي بكامله.

وتعلن صراحة للعالم أجمع رفضها لأي قرار ضد النظام السوري تحت البند السابع.. وخلال تحليلي للموقف الروسي وما تصرح به طيلة هذه الفترة جعلني أؤكد أن سوريا وما يدور في داخلها لا يمكن أن يأخذ هذه الدرجة من الأهمية، كما لا يمكن أن يكون من أجل مصالح ذاتية داخل سوريا حتى وإن كان ذلك واردا، إلا أنني أؤكد من خلال وجهة نظري أن الهدف أبعد من ذلك بكثير.. قبل واحد وعشرين عاما تفككت روسيا وفقدت مكانتها كقطب ثان مع أمريكا.

إلا أن روسيا تجاوزت كثيرا من مشكلاتها. ومع بداية الثورات العربية كانت روسيا تتحين الفرصة لاتخاذ موقف، وكنت أعتقد أنها ستتخذ موقفا عندما بدأ حلف شمال الأطلسي وأمريكا التعامل مع النظام الليبي إلا أنها تركت الموضوع ولم تتخذ أي موقف. ومع بداية الثورة السورية حشدت كل طاقاتها وضمت إليها الصين، وأول مواقفها ومعها الصين اتخاذ الفيتو في مجلس الأمن وبعد ذلك تطورت مواقفها وأخذت تعلن مواقفها علنا. ونتيجة للموقف الروسي المتشدد لم يعد باستطاعة المجتمع الدولي اتخاذ أي خطوة لإنقاذ شعب يذبح صبح مساء أمام نظر العالم.

والأكثر من ذلك اقتنع المجتمع الدولي أن الحل السوري بيد روسيا، هكذا يظهر. وللتأكيد فالملف السوري بكامله في يد روسيا..

وأخيرا.. أكدت روسيا عبر مواقفها أنها دولة فاعلة لها دور أساسي في إدارة المشكلات العالمية. كما أنها بصدد طرح مبادرة. وتقترح عقد مؤتمر دولي وتشترط حضور إيران في أي مؤتمر يعقد خاص بالصراع السوري.

المهم.. يجب ألا يترك الوضع برمته لروسيا التي أقحمت الطائفية في الصراع الدائر في سوريا، والأكثر أهمية ألا تأتي بإيران في أي مؤتمر فهي طرف أساسي في قتل الشعب السوري، ودولة جبلت على خلق المشكلات في محيطها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إيـران والنظام السوري: أساس العلاقة .. عبدالله سلطان

عكاظ

25-6-2012

ليس مستغربا تمسك إيران بعلاقتها مع الرئيس بشار ونظامه. فلذلك أسباب أدت لامتدادها منذ أسسها الخميني مع الرئيس حافظ الأسد. عندئذ كان لكلا الطرفين مصلحة في إقامة أقوى العلاقات بين بلديهما، مما جعل الخميني يعترف بالنصيريين، بعد أن كان يكفرهم. ومن وراء هذا الاعتراف الرغبة في استخدام سوريا كقاعدة لتصدير «الثورة الإسلامية» ونشر التشيع الفارسي. وحافظ الأسد تحالف مع إيران ضد العراق التي كانت في حرب معها، لأن إيران اعترفت بطائفته. وكونه يدعي تقية أنه بعثي، وهو ليس كذلك، إنما استعمل البعث مطية لتحقيق مصالحه، فلذلك كان في اختلاف مع الرئيس صدام حسين.

أيضا كان يشعر حافظ الأسد والإيرانيون الفرس أن بينهم ما يوحدهم ويجعلهم حليفين، غير عدائهم لصدام حسين، وغير اشتراك الطرفين بالخلفية الشيعية.

فمؤسس الطائفة النصيرية: محمد بن نصير البصري النميري، فارسي الأصل، وكان محمد بن نصير من أصحاب الحسن العسكري ( الإمام الحادي عشر)، وادعى ابن نصير النبوة ثم الألوهية (الربوبية)، وقام بدعوته في بلاد فارس، موطنه الأصل، في القرن الثالث الهجري، وأطلق عليها بعده «النصيرية» نسبة لاسمه، وهي حركة باطنية ومن غلاة فرق الشيعة.

يعتقد معتنقوها أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه، إله...، وخلفه في رئاسة الطائفة: محمد بن الجنان الجنبلاني ثم حسن بن حمدان الحضيبي، وهما من أصل فارسي، ومعروفان بتمجيد الشخصيات الفارسية والتفاخر بها.

وقد هاجرت قبائل نصيرية فارسية من خراسان إلى جبال سوريا الشمالية الغربية في القرن العشرين، خلال فترة الاستعمار الفرنسي لسوريا. وللمرء أن يتأمل العاملين، الطائفي والأصل الفارسي، على علاقة بشار مع فرس إيران، وتأثير ذلك اليوم. والاستعمار الفرنسي هو الذي أطلق اسم العلويين على النصيريين وذلك رفعا لمعنوياتهم نظير مناصرتهم وخدمتهم له ضد السوريين. فطلب النصيريون من المستعمر الفرنسي عدم الخروج من سوريا بحجة خوفهم من أهل السنة، وتعاونوا طيلة تاريخهم مع الغزاة الذين دخلوا بلاد الشام وهم: الصليبيون والمغول التتار والصفويون والفرنسيون...، وقدموا لهم المساعدات المادية والاستخباراتية ضد أبناء بلاد الشام.. وقد سبق لابن تيمية أن حذر قبل خمسمائة عام من خطر النصيريين، وها نحن اليوم نرى ما يعملونه في السوريين من ذبح وقتل وإحراق لدرجة التفحم، ونحر الأطفال الصغار، واعتقال الآلاف منهم، وهتك أعراض نسائهم.. وأخيرا استعمل بشار الغاز ضدهم.

ولأن الحركات الباطنية نشأت في بلاد فارس، بسبب حقد وكره الفرس للعرب وللدين الإسلامي، الذي به فتح العرب بلادهم وكسروا شوكتهم في معركة القادسية، فإن القاسم المشترك بينها هو حب قتل أهل السنة (والمقصود بذلك العرب)، والخروج عن الإسلام الصحيح. وليس غريبا ما يقوم به النصيريون ومعهم الفرس المجوس ضد العرب والمسلمين في سوريا.

وقبل ذلك قام حافظ الأسد بقتل الفلسطينيين وغيرهم في لبنان، وقتل حوالى (40) ألفا في حماة .. إيران حاضرة في المشهد السوري بكل ثقلها.

وقد صرح وزير خارجية إيران الأسبق، أكبر علي ولايتي، بقوله : «إن نظام الأسد لن يسقط، وإن إيران وحزب الله والعراق يدعمون سوريا بحزم، وإيران ستستمر بدعم الحكومة السورية وستعارض الذين يتحركون ضدها» (الشرق الأوسط، الجمعة 24/2/2012م).

والجنرال قاسم سليماني، القائد العام لفيلق القدس (الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني)، هو الذي يقود (قوة النخبة في الحرس الثوري) لدعم بشار الأسد، وقد أكد نائبه، اللواء إسماعيل قاءاني، وجود قوة النخبة في سوريا (الشرق الأوسط 29/5/2012م).

وغير خافٍ تقديم إيران الدعم التقني والعسكري المستمر لبشار بقصد قمع الاحتجاجات السلمية المستمرة في سوريا.. والله أعلم ( يتبع).

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المؤتمر القومي العربي... والثورة السورية؟! .. عبدالله القفاري

الرياض

25-6-2012

 مالم يخرج القوميون العرب من عباءة الوصاية التي شكلت منظومة فكرية احتبست على ملامح تعاود استهلاكها، ومالم يخضع هذا الفكر لمراجعات عميقة تعترف بالأخطاء والممارسات السلبية ونتائجها الكارثية على الأمة، وتعيد صياغة فكر عروبي إنساني يبحث عن حق الانسان العربي بوصفه إنسانا وليس مشروع مقاومة وممانعة تحت عباءة النظام القومي الفاشي والدموي، ومالم يحدث انفصال جاد وحقيقي عن نظم الطغاة الذين ركبوا المشروع القومي فكانوا أكثر وطأة عليه من سواهم.. فسيظل يطل من أبراج متهاوية على مشهد لم يعد يتسع له.

هذا الكلام الإنشائي البارد الذي يساوي بين الضحية والجلاد مخجل ومحبط وقاتل للمعنى الانساني الذي غادر كثيرا من الوجوه.. ليس هناك حولة ولا قبير ولا مقابر جماعية ولا مدن مدمرة ولا اطفال يذبحون بالسكاكين كالخراف الصغيرة ولا مشردين ولا مهجرين.. إنها مجرد تطورات وعلى الأطراف المعنية ايقاف العنف والانخراط في حوار شامل!!

اطلعت على بيان الدورة الثالثة والعشرين للمؤتمر القومي العربي الذي انعقد في تونس خلال الفترة من 4-6 يونية 2012. كان المؤشر الكبير لتحول يمكن التعويل عليه قراءة الموقف من الثورة السورية. كيف يتعاطى المؤتمرون في قضية تمثل التحدي الأكبر لهم.. بل تمثل الفصل الحاسم بين الانحياز للإنسان العربي المقموع والمنتهك أو لنظام القمع المعتم!!.

في تأكيدات البيان حيا الثورات العربية وحذر من التدخل الخارجي الامريكي تحديدا وتجاهل الأدوار الدولية الأخرى وخاصة الايراني والروسي.. وهذه تحمل دلالة ضمنية على أن من صاغ البيان لم يكن يرى في الدور الايراني أو الروسي تدخلا... انتقائية تنم عن توجهات المؤتمر، وتجاهل تركبه الأهواء وطبيعة التحالفات التي يفضحها البيان.. مهما حاول أن يوزع الدم المسفوح على القبائل المجهولة.

لقد حيا البيان كل الثورات العربية.. عدا الثورة السورية التي لم يتكرم عليها بهذا الوصف لأنه يراها مجرد تطورات.. بل إنه حيا حتى بعض الشخصيات السياسية باعتبارها حالة تستهوي أو يلذ للمؤتمر استعادتها لأن ثمة انتماء ناصريا يدغدغ مشاعر المتوقفين عند مرحلة أنتجت فيما بعد النظام الذي ثار عليه الشعب المصري.

الذي يدركه أدنى متابع للحالة المصرية أن التيار الناصري الذي حظي بتلك التحية باعتباره حالة ثورية لا أحد يجرؤ في مصر أن يقدمه باعتباره تيارا مؤثرا أو يمكن أن يعتد به في معادلة الثورة المصرية. وكيف يمكن اختصار كل هذا الحراك في بلد كمصر بشخصية سياسية وكأنها رهان القوميين الحالمين باستعادة عبدالناصر .. وكأن الثورة المصرية لم تكن ثورة على أعباء ستين عاما منذ استيلاء العسكر على السلطة في مصر عام 1952. ولماذا تجاهل البيان حراك وتأثير وفاعلية التيارات الأخرى في صناعة المشهد الثوري؟

لقد اتسعت تحية وتزكية المؤتمر لكل الحراك الشعبي العربي.. إلا الثورة السورية التي أفرد لها البيان فقرة خاصة في نهايته باعتبارها تطورات وليست حالة ثورية:

( يعتبر المؤتمر ان التطورات في سورية تتجه إلى منزلقات خطيرة تهدد الدولة السورية والكيان السوري والمنطقة، حيث إن تصاعد عمليات العنف وتعميم المجازر الجماعية وتصميم أطراف متعددة على الحل الأمني والعنفي على حساب كل المبادرات القائمة حالياً لتغيير ديمقراطي يحقق التداول السلمي للسلطة، يدفع البلاد إلى أتون حرب أهلية..)

يتحاشى المؤتمر أن يشير الى أن ثمة ثورة شعبية في سورية. أو ممانعة شعبية حقيقية ومقاومة لنظام الطغيان والظلم والجور والقتل والاستباحة.. وكأنها لم تكن هناك ثورة شعبية حافظت على سلميتها طيلة ستة أشهر حتى اضطر الثوار ان يدافعوا عن انفسهم بعد استفحال عملية القتل والتعذيب والاعتقال والبشاعة اليومية.. انها في البيان مجرد تطورات تتجه لمنزلقات خطيرة لا نعرف من المسؤول عنها. انها منزلقات خطيرة تهدد الدولة السورية والكيان السوري!!.. كيف وصلت الحالة السورية لما وصلت إليه؟ من الذي حوّلها إلى هذه الحالة ومن قتل أكثر من خمسة آلاف قبل أن تطلق الرصاصة الأولى للمقاومة الشعبية في مواجهة جلاوزة النظام وشبيحته وقواته التي فتكت بالمتظاهرين!!

لم تبرد بعد دماء مجزرة الحولة البشعة ولا مذبحة القبير..ولازالت رائحة الحرائق والدماء تنتشر كالموت الزاحف في كل بقعة سورية ثائرة... والمؤتمرون الكرام يعقدون مؤتمرهم في تونس الثورة.. ولم تظفر منهم كل تلك البشاعات بسطر يدين النظام الذي أدانه العالم أجمع، وكشفت المنظمات الحقوقية الدولية عن تورطه في تلك المجازر وفي عمليات التهجير والاقتلاع والقتل والتمثيل بالجثث ناهيك على الاعتقال والتعذيب الذي حول سورية إلى معتقل كبير..

كل تلك المشاهد والحقائق لم تؤثر في اولئك المؤتمرين حتى ليقف احدهم ويرفض تلك الصيغة في بيان يتهرب من استحقاقات اخلاقية وانسانية في ممالأة مكشوفة لطرف النظام وشبيحته الذين تتعدد مهامهم وأدوارهم..

ويعود البيان ليغطي كل هذا بتوجيهاته السديدة في محاولة لتخفيف وطأة الانحياز المكشوف وأحيانا الامعان في فضحه:

 (إن المؤتمر، انطلاقا من ثوابت المؤتمر في رفض الاستبداد والفساد والتبعية. فإنه يؤكد على: حقوق الشعب السوري الكاملة في الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.. وضرورة إيقاف العنف أياً كان مصدره.. والانخراط في حوار وطني شامل من خلال مناخات حقيقية بهدف تحقيق تطلعات الشعب السوري، وحماية المدنيين والحفاظ على دور سورية الوطني والقومي.. ورفضه المطلق لأي شكل من أشكال التدخل الأجنبي، أياً كانت أطرافه وطبيعته ومبرراته، ورفضه عسكرة الانتفاضة.. ورفضه الكامل لكل انواع الحصار المفروض على سورية وشعبها. كما يطالب بإلغاء إقصاء سورية عن الجامعة العربية وقطع بعض العلاقات العربية معها، ويطالب بإعادة النظر في هذه القرارات والغائها.. وهو يدين أيضا كل الأطراف التي تعمل على عرقلة أي حل سياسي وتساهم في إذكاء الفتنة بإغراق سورية بمختلف أنواع الأسلحة وبعرقلة الحوار الوطني... كما ينوه المؤتمر بالمعارضة الوطنية التي ترفض التدخل الأجنبي وعسكرة الانتفاضة والاحتراب الداخلي، ويدعو كافة قوى المعارضة إلى توحيد موقفها حول هذه الثوابت..).

وكأن مسارا عاما وقرابة النصف عام لم تقدم لهذا المؤتمر واعضائه ما يكفي من دلالات على استحالة تنفيذ توجيهاته السديدة.. وكأن هناك نظاما يريد فعلا أن ينقذ سورية من مصير معتم لا أن يدفعها إليه بكل قسوة وجبروت وبشاعة.. وكأن هناك طرفين متكافئين أمامهما ذات الفرص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. إنه قَلقٌ على دور سورية القومي ويؤذيه حصار النظام ويدين جامعة الدول العربية ويرفض التدخل الاجنبي.. وكأن التدخل الاجنبي لا ينتظر سوى دعوات المعارضة.. وكأن الممانعة الدولية من التدخل لم تصم أذنيه بعد..!!

إن أي قارى في المشهد السوري عدا أعضاء المؤتمر القومي، ليدرك أن النظام السوري لايمكن أن يسلم بحقوق هذا الشعب الذي لم يتطلع لأكثر من حقه في تقرير مصيره.. وأن النظام لم يقدم في أي يوم طيلة هذه التطورات - كما يراها المؤتمر - شاهدا واحدا على مؤشر حقيقي للتسليم بحق هذا الشعب في أن يقرر النظام الذي يحكمه ويرتضيه.. وأن النظام اختار منذ اليوم الأول لتفجر الثورة السورية أن يواجهها بالقتل والترهيب وبدعم غير مسبوق من تحالف لم يعد يخفى على أحد..

هذا الكلام الانشائي البارد الذي يساوي بين الضحية والجلاد مخجل ومحبط وقاتل للمعنى الانساني الذي غادر كثيرا من الوجوه.. ليس هناك حولة ولا قبير ولا مقابر جماعية ولا مدن مدمرة ولا اطفال يذبحون بالسكاكين كالخراف الصغيرة ولا مشردين ولا مهجرين.. إنها مجرد تطورات وعلى الأطراف المعنية ايقاف العنف والانخراط في حوار شامل!!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مواجهة سورية – تركية  .. عبدالله اسكندر

الحياة

24-6-2012

قد يكون خطأ فنياً من الطيار التركي الذي اخترق المجال الجوي لسورية، او من طاقم الدفاع الجوي السوري الذي أطلق مضاداته على هدف قبل التحقق من هويته، وراء إسقاط الطائرة المقاتلة التركية. واستناداً إلى الردود الأولى من الجانبين، وفي انتظار تحقيقات في شأن الحادث، يبدو ان ثمة رغبة بعدم تصعيد المشكلة والتوجه الى ايجاد صيغة ما لتسويتها.

لكن كل ذلك لا ينفي ان التوتر بين الجارتين ارتفع درجة إضافية، وأنه بات يتحول شيئاً فشيئاً إلى نقطة اللارجوع.

وبغض النظر عن التسوية الممكنة لهذا الحادث، ثمة دلالة كبيرة الأهمية ينطوي عليها اسقاط الطائرة التركية بمضادات سورية.

وترتبط هذه الدلالة بكون هذه الطائرة جزءاً من الترسانة الاطلسية، اضافة الى كونها تركية. وهذا يعني ان سورية رفعت درجة توترها ايضا مع الحلف الاطلسي الذي تتهمه بالتدخل في شؤونها الداخلية، عبر تسليح المعارضة ورعايتها، وتنسب اليه النية بالتدخل العسكري المباشر فوق أراضيها. وبهذا تبعث برسالة الى الحلف مفادها أنها مستعدة للمواجهة، خصوصاً بعدما أثبت دفاعها الجوي قدرته على التصدي لمن يخترق اجواءها. وفي الوقت نفسه تبعث برسالة الى الحامي الروسي المنغمس في مناقشات استراتيجية مع الحلف والمعترض على كثير من خطواته. ومفاد هذه الرسالة التي جاءت في الوقت الذي كان وزير الخارجية السوري وليد المعلم يبحث في خطة انان مع نظيره الروسي، أن التدخل الخارجي في الشؤون السورية قائم، وأن على موسكو ان تستمر في الدعم العسكري للحكم السوري الذي يواجه الهجوم الاطلسي.

هكذا يبدو ان ثمة سعياً سورياً لربط مباشر بين الازمة الداخلية للحكم وبين العلاقة الروسية-الأطلسية، على نحو يجعل هذه الازمة جزءاً من الموقف الروسي في مواجهة الاطلسي.

في موازاة ذلك، هناك دلالة إقليمية لإسقاط الطائرة التركية، فالقول إن طائرة من دولة مجاورة تخترق المجال الجوي السوري، ينطوي على القول إن مصدر اختراق الأمن الداخلي يأتي من وراء الحدود، تعزيزاً لنظرية الجماعات المسلحة من الخارج والتدخل العسكري الخارجي، خصوصاً الإقليمي، الذي يمنع تطبيق خطة أنان.

فهذه الخطة تترنح، بحسب واضعها المبعوث الدولي-العربي كوفي انان، وبحسب قائد فريق المراقبين الدوليين الجنرال مود، بفعل استمرار العنف الداخلي واستخدام الاسلحة الثقيلة من الحكم، وبفعل استمرار المجازر، حتى لافروف لم يتردد في اعلان انه طلب من الحكم السوري ان يتخذ مزيداً من الإجراءات لإنجاح هذه الخطة. أي أنه اعترف بالجانب الداخلي من الأزمة التي يتعين على هذا الحكم ان ينفذ المطلوب منه.

ومع ترنح الخطة وزيادة المطالبة من الحكم في دمشق بالتعاون لتنفيذ البنود الأخرى منها، تسقط النظرية السورية الرسمية القائلة ان كل العنف مصدره الخارج، وتالياً عليه النظر الى الداخل والتعاون مع الأفكار المطروحة من اجل انتقال سلمي للحكم.

ويأتي التوتر الميداني مع تركيا، لينقل الجدل من ضرورة تنفيذ خطة انان، اي التركيز على الجانب الداخلي للأزمة السورية التي نفاها الحكم مراراً، الى المواجهة الخارجية تعزيزاً لنظرية المؤامرة من الخارج، بما فيه المعارضة السورية. وتاليا عدم البحث في اي من البنود الاخرى من خطة انان التي لم يعد امام مجلس الامن خيارات كثيرة لإنعاشها.

وفي اطار هذا السعي الرسمي السوري، تبدو تركيا مرشحة اكثر من غيرها من دول الجوار لتكون الطرف الآخر في التوتر الاقليمي، فالأردن اتخذ على ما يبدو قراراً استراتيجياً بالحرص على الإبقاء على علاقة طبيعية مع الحكم السوري الى حد استثنائه من العقوبات العربية، ولبنان الدولة أعجز من ان يتخذ موقفاً مناكفاً للخروقات السورية لحدوده الدولية، وإن كانت الأزمة السورية تنعكس تأزماً أهلياً لبنانياً. والعراق الدولة يقف عملياً الى جانب الحكم السوري. تركيا وحدها تناهض هذا الحكم وتعلن معارضتها له، ولديها من الادوات للتأثير. ويحسب الحكم السوري أن أي صدام مع تركيا، خصوصاً حالياً، يعفيه من التزام خطة أنان، وأيضاً يعزز نظرية التدخل الخارجي، وايضاً الموقف الروسي الداعم، بحجة المواجهة المشتركة للأطلسي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحروب بالوكالة بدل الحرب الاهلية .. موسى الكيلاني

الرأي الاردنية

24-6-2012

بوجود 400 طائرة مقاتلة , و900 دبابة , وبمشاركة تسعين الف مقاتل  على الاراضي السورية , تكون دمشق  قد ورطت المنطقة بما هو اخطر الف مرة من حرب اهلية , الا وهو الحرب بالوكالة عن   العمالقة الكبار.

لقد نشرت الصحف هذا الاسبوع عن مناورة عسكرية, تشارك بها قوات  جوية وبرية من اربعة دول وهي روسيا والصين وايران وسوريا , وهذه من اكبر المناورات  التي   تشهدها المنطقة , وجاء الاعلان عنها بعد تسرب انباء عن سيناريو تفكر به دول اوروبية وامريكية  لفرض حظر للطيران في مناطق محددة فوق دمشق ودرعا وحمص وحماة وذلك حماية للمدنيين الذين تقصفهم طائرات الهليكوبتر والميغ.

يضاف الى تلك الانباء , ما اعلنته الصحافة المصرية عن طلب السلطات الصينية السماح بمرور 12 قطعة بحرية عبر قناة السويس متوجهة الى ميناء طرطوس حيث احتشدت ايضا منذ  16 شهرا اكبر ترسانة للاسلحة والصواريخ المتطورة تمتلكها موسكو  خارج الحدود الروسية .

وما زالت انباء الفشل في قمة المكسيك الاسبوع الماضي تسيطر على اجواء العمل السياسي بعد ان اعترف الرئيس الامريكي باراك اوباما بعجزه عن اقناع الصينيين والروس بوجهة نظره حيال الملف السوري.

وستحمل المشاركة الايرانية في تلك المناورات الكبرى اهمية خاصة لشعوب المنطقة وللدول العربية في الخليج التي ترى ان اوهام الهيمنة الايرانية على العرب بدات تلوح من جديد , من خلال مضاعفة جاهزية حزب الله اللبناني ليكون شريكا ميدانيا في اية تطورات قادمة على المنطقة بشكل عام , وعلى سوريا بشكل خاص.

ولا شك ان لهذه المناورات الكبرى دلالة اخرى ان نظام الرئيس بشار الاسد في مأمن من اية محاولة للاطاحة به بواسطة قوى المعارضة السورية حتى ولو تم تسليحها بالصواريخ المتقدمة المتطورة ضد الدروع وضد الهليكوبترات بعد ان ثبت فشل مضادات الدروع  « ار. بي . جي « في التاثير على دبابات 72 مما استوجب استخدام السلاح الجديد الذي اعطب في يوم واحد ثماني دبابات شوهدت محترقة.

لقد تم تزويد المعارضة بصور الاقمار الصناعية عن تحركات الشبيحة ومكامنهم , وعن تحركات الجيش السوري ومناطق تموضع كتائبه وذلك من خلال شبكة اتصالات حديثة لا تمتلك مثلها حتى جيوش المنطقة , ولكن ذلك لن يؤدي الى تقويض النظام.

وكم استوقفني تعليق الصحفي سفيان السفياني من بيروت الذي وصف النهاية السريعة لمهمة كوفي انان بانها جاءت في الوقت المناسب لان تدويل الصراع في سوريا اصبح امرا ملموسا يشعر به كل مواطن , وان السوريين يقتلون بعضهم بعضا نيابة ووكالة لصراع دول اخرى خارجية , لها اجنداتها , ومصالحها , واهدافها غير المعلنة .

ويقول السفياني ان تفكيك سوريا الى ثلاث دول سيعطى ابناء السنة شعورا ان دماء الشهداء لم تذهب هدرا, كما سيعطى العلويين احساسا  ان دفاعهم الشرس لم يكن بلا جدوى .

ولكن من سيواسى عواطف  الأُم التي ثـُكلت بابنها , اوالطفل الذي تيتم عن والده ,  اوالزوجة التي  قـبـَّلت وجه زوجها الصقيعي المتفحم من القصف المدفعي ؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دمشق.. إذ تحمل الراية .. وائل مرزا

المدينة

24-6-2012

يبقى مُرجحاً أن أي منطقٍ نطرحهُ هنا سيحتاج إلى شهادة تاريخٍ قادمٍ في نهاية المطاف

"لولا دمشقُ لما كانت طُليطلةٌ ولا زَهت ببني العباس بَغدانُ".

لو قال هذا شاعرٌ من دمشق لكانت شهادتهُ مجروحةً بالتأكيد. لكن مصداقيةً عالية تكمن في معاني الكلمات ودلالاتها حين نتذكر أن من قالها هو أمير الشعراء أحمد شوقي، من مصر المحروسة حفظها الله من كل سوء.

لايعرف أحدٌ مثل ثوار دمشق فضل أقرانهم من أبطال حوران وحمص والساحل وحماة وإدلب ودير الزور والقامشلي وحلب والحسكة والسويداء. لايجادلون في مقامات العطاء والتضحية والفداء والصبر والعزيمة والإصرار الذي أظهره أولئك الأبطال على مدى خمسة عشر شهراً من عمر الثورة. .

لكن هذا لايتضارب مع حقيقةٍ أخرى تتمثل في أن شرارةً أساسيةً من شرارات الثورة انطلقت من قلب دمشق التجاري في منطقة (الحريقة) مبكراً بتاريخ 17 شباط/فبراير عام 2011. حصل هذا الحدث الاستراتيجي الذي كان بدايةً أولى لكسر حاجز الخوف حين خرج قرابة 1500 شخص من المواطنين والتجار بعد أن اعتدى رجال الشرطة في المنطقة على أحد المواطنين، وكان ذروة التعبير وقتّها عن الاحتجاج على سرقات رجال الأمن .

لهذا، بدأت المظاهرة أولاً بهتاف "حراميّة.. حراميّة". ثم جاءت لحظةٌ نادرة من لحظات التحول التاريخية التي يحسبها الكثيرون صغيرةً، لكنّ تأثيرها حساسٌ جداً في رسم مصائر الشعوب، وذلك حين تجرأ مواطنٌ لأول مرة في تاريخ دمشق المعاصر وهتف قائلاً "الشعب السوري مابينذلّ"، ليلتقط الآخرون الرسالة ويُصبح الهتاف المذكور جماعياً، ثم ينقلبَ بعد ذلك ليصير أيقونةً رمزية ورصاصةً معنويةً أساسية في قلب النظام يُكررها الثوار حتى الآن.

ثمة سجلٌ مكتوبٌ وموثّقٌ للمظاهرات التي خرجت مبكراً مع بدايات الثورة . وثمة سجلٌ آخر مكتوبٌ وموثّق لفعاليات الحراك السلمي الأخرى المتنوعة والمُبدعة، والتي بدأت أيضاً في مرحلةٍ مبكرة. لكن طرح هذه القضايا بالتفصيل سيأتي في وقته.

رغم هذا، يمكن القول أن كل تلك النشاطات كانت بمثابة عمليات تحضير وتدريب وتجربة وتحفيز وتنظيم، كان من المحتّم أن تأخذ وقتها الطبيعي في خضمّ وضعٍ أمني خانقٍ فَرَضهُ النظام على العاصمة منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة ولايزال. ومن المهمّ جداً التأكيدُ هنا، وبصراحة، على أن القائمين على تلك النشاطات كانوا أقليةً في المجتمع الدمشقي لأسباب اجتماعية واقتصادية معروفة، إضافةً للظروف الأمنية البالغة الصعوبة.

لكنّ الحسّاس في الموضوع أن مثل هذه التحولات التاريخية لاتبدأ، في ظرفٍ له خصوصية الثورة السورية، بمشاركة شرائح عدديةٍ كُبرى، كما كان الحال في مصر التي لم تسمح تركيبة نظامها السياسي والعسكري بممارسة القتل الجماعي الواسع منذ اللحظة الأولى. وإنما تنطلق بمبادرة شريحةٍ متميزةٍ جداً على المستوى النوعي.

تمثلت هذه الشريحة في دمشق بشباب الطبقة الوسطى العريقة اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وحضارياً. ورغم الإرث الثقيل الذي خلّفتهُ عقود الظلام السابقة على جيل الشباب بشكلٍ عام، كانت هذه الشريحة تحديداً مُشبعةً بإرثٍ حضاري وثقافي عريقٍ وأقوى ظلّ بمثابة المكوّن الأساسي للشخصية، وأصبح الحاملَ الذي يُطلق كل هذا الكمون الذي رأيناه عندما حانت اللحظة التاريخية المناسبة. إضافةً إلى هذا، مكّنت الوفرة الاقتصادية الجيدة أصحاب هذه الشريحة من امتلاك قدرةٍ متقدمة على المعرفة بتقنيات العصر وأدواته ولغته الجديدة، خاصةً في مجالات الإدارة والتنظيم وتكنولوجيا المعلومات.

وهكذا، اجتمعت للشريحة التي نتحدثُ عنها جميع الظروف الموضوعية التي مكّنتها من أن تُصبح تدريجياً نقطة ارتكازٍ أساسية لانقلاب دمشق على النظام تدريجياً.

لابدّ، بطبيعة الحال، أن نضع هذا التحليل في سياق عملية توزيع الأدوار التي حصلت بين ثوار سورية على المستويين الجغرافي والزماني، لندرك كيف تطورت الأمور من خلال تلك العملية لنصل إلى هذه المرحلة، حيث تستلم دمشق، الآن وفي الوقت المناسب، راية الثورة السورية.

من السخافة بمكانٍ طبعاً الادعاءُ بأن هذه العملية تعني التقليل من أهمية الدور الذي ستقوم به المناطق الأخرى في سوريا. بل الأمر على العكس من ذلك تماماً. لأن من الطبيعي سياسياً أن تكون الضربة القاضية للنظام في العاصمة، لكن هذا لايمكن أن يحدث في معزلٍ عن إنهاك مرتكزاته وقدراته الأمنية والعسكرية والاقتصادية، فضلاً عن تحطيم معنوياته نفسياً، من خلال دفعه إلى تشتيتها إلى أقصى حدٍ ممكن جغرافياً.

ثمة تعليقات كثيرة ستُقال عن هذا المقال.

سيُشفق البعض مثلاً من إمكانية (المبالغة) في الكلام، وسيخشى آخرون من مظنةٍ (شوفينيةٍ) فيه. أما البعض الثالث فقد يخاف من إيحاءاتٍ (مناطقية) تحذَرُ الثورة من ترسيخها بأي درجةٍ من الدرجات. والحقيقة أن التحليل المطروح أعلاه يستند إلى كثيرٍ من الوقائع والمعلومات والمعطيات، سواء كان الأمر يتعلق بما جرى منها، أو بما سيجري في قادم الأيام.

رغم هذا، يبقى مُرجحاً أن أي منطقٍ نطرحهُ هنا سيحتاج إلى شهادة تاريخٍ قادمٍ في نهاية المطاف.

من هنا، نترك الأمر لذلك التاريخ، وقبل هذا، لفهمٍ شموليٍ مُتكامل نعتقد أن الثورة أوجدتهُ لدى شرائح واسعة من أبناء المجتمع السوري.

وقد ينفع في هذا الإطار أن نعود مرةً أخرى إلى إشاراتٍ استطاع أمير الشعراء أن يلتقطهاعن دمشق منذ قرنٍ من الزمان، بنظرته التاريخية الثاقبة، علّها تساعد البعض فيدركوا دلالاتها بعد كل هذا التاريخ:

"وللحرية الحمراء بابٌ بكل يدٍ مُضرّجةٍ يُدقُّ. جزاكُم ذو الجلالِ بني دمشقٍ وعزُّ الشرقِ أوّلهُ دمشقُ".

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا الرغبة في إزالة حمص عن الخريطة ؟ .. خير الله خير الله

الرأي العام

24-6-2012

لى الرغم من مرور ستة عشر شهرا على اندلاع الثورة السورية، امّ الثورات العربية، وعلى الرغم من تهجير قسم من اهلها الى مناطق اخرى، لا تزال حمص صامدة. لماذا كلّ هذه الوحشية التي يلجأ اليها النظام السوري في تعاطيه مع حمص؟ لماذا كلّ هذا التركيز على المدينة؟ هل يريد النظام القول ان لديه بديلا من الحلّ الامني يتمثّل في اقامة دولة علويّة «قابلة للحياة» تشكّل حمص العقبة الابرز على طريق قيامها ورسم حدودها؟

هناك بالفعل ما يثير الاستغراب بسبب كلّ هذا الامعان في ازالة حمص عن وجه الخريطة السورية، علما بانها ثالث اكبر مدينة سورية بعد دمشق وحلب كما انها لا تبعد عن حماة، المدينة السنّية الاخرى التي ثارت في العام 1982 سوى نحو خمسة واربعين كيلومترا.

بعد مضي ستة عشر شهرا على اندلاع الثورة في سورية، يتبيّن باختصار شديد، ان حمص 2012 ليست حماة 1982 التي تعرّضت لمجزرة مروّعة لم يعرف العالم شيئا عنها الاّ بعد اسابيع عدة من حصولها. حمص في السنة 2012 تعرّضت ولا تزال تتعرّض لمجازر وليس لمجزرة واحدة ولقصف مستمر بالاسلحة الثقيلة. تحوّلت المدينة بكلّ بساطة الى رمز لصمود السوريين وتصميمهم على التخلص من النظام القائم وعلى رفض تقسيم بلدهم وتفتيتته. لم يعد السؤال هل تصمد حمص ام لا؟ اصبح السؤال هل يسمح العالم المأخوذ، حاليا بانتخابات مصر وباحداث اخرى مهمة مثل انقاذ اليونان اقتصاديا، بمحو مدينة كاملة من الوجود كي يعتبر النظام السوري ان لديه خيارا آخر يمكنّه من البقاء على قيد الحياة ولو على جزء من الاراضي السورية؟

من يتمعّن جيدا في المواقف الروسية والايرانية، يكتشف ان هناك من يدعم التوجه نحو تقسيم سورية، خصوصا ان النظام السوري الذي عرفناه منذ العام 1970 انتهى عمليا في ظلّ استمرار الثورة وامتدادها وتوسّعها. هذا ما يفسّر الى حد كبير كلّ هذا التركيز على حمص وكأن معركة حمص صارت معركة الدولة العلوية التي يرفضها قسم لا بأس به من العلويين.

في العام 1982، كان هناك تواطؤ عربي ودولي على سورية وشعبها. صبّ التواطؤ في اتجاه تغطية ما ارتكبه الاسد الأب. كان تدمير حماة على اهلها كافيا كي يدبّ الرعب في البلاد كلّها. صمدت جمهورية الرعب التي تأسست في العام 1970 اربعة عقود اخرى. ساد السكون القاتل في كلّ انحاء سورية حتى السنة 2011. اكثر من ذلك، نجح النظام في جعل الرعب يخيّم على لبنان ايضا. استهدف طرابلس واستهدف زحلة. قبل ذلك، اي قبل مجزرة حماة، احرق مناطق مسيحية واسلامية عدة في لبنان. من صيدا، الى الدامور، الى الاشرفية... الى قرى مسيحية حدودية في البقاع والشمال. بعض هذه القرى حوصر وبعضها الآخر دمّر بشكل منظّم بهدف نشر الرعب. عمل على تهجير اهل هذه القرى لافتعال انقسام طائفي ومذهبي في لبنان. بعد ذلك، ضرب ضربته الكبرى بفضل الغطاء الذي امّنه له الجنرال ميشال عون، النائب المسيحي حاليا، الذي كان حليفا لصدّام حسين، لدى احتلاله الكويت، كما كان يحتلّ القصر الرئاسي في بعبدا في العام 1990.

وقتذاك، بفضل عبقرية ميشال عون، دخلت القوات السورية قصر بعبدا ووزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة للمرّة الاولى منذ استقلال الوطن الصغير وامنت سيطرتها على كلّ لبنان بعد سيطرتها على سورية نفسها.

كانت حماة 1982 نقطة تحوّل على صعيد توسيع نطاق سيطرة النظام على كلّ من سورية ولبنان. تمثّل حمص في السنة 2012 نقطة تحوّل في اتجاه رحيل النظام الى غير رجعة. فما لا يمكن تجاهله ان النظام السوري خرج من لبنان في العام 2005 نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وذلك تحت ضغط اللبنانيين عموما والشارع السنّي في المدن الكبرى والمحافظات، على رأسها بيروت وطرابلس وصيدا خصوصا. عاد النظام الى سورية وصار نفوذه في لبنان مرتبطا الى حدّ كبير بمشيئة «حزب الله» التابع لايران. بدل ان يهتمّ بمشاكل سورية وشعبها الصابر، اعتقد ان في استطاعته استعادة الاعتبار عن طريق تكرار تجربة حماة 1982 في كل انحاء البلد بدءا بدرعا الباسلة التي كانت اوّل من انتفض في آذار- مارس 2011.

في العام 1982، وفّرت مجزرة حماة حياة جديدة للنظام. في السنة 2012، يبدو ما شهدته حمص اقرب الى النهاية من اي شيء آخر. لم تخمد مجازر حمص الثورة السورية. على العكس من ذلك، وفيما كانت قوّات النظام تتابع حملتها على اهل المدينة، كانت مدن وبلدات عدة في مناطق مختلفة تنتفض مجددا. شمل التحرّك دمشق وحلب.

كلّ ما يسعى السوريون الى اثباته في السنة 2012 هو ان التاريخ لن يعيد نفسه. ما بدأ في حماة قبل ثلاثين عاما انتهى في حمص التي تبدو مصمّمة على قطع الطريق على اي محاولة لتقسيم سورية وتفتيتها واعادتها الى نظام الوصاية العائلي- البعثي. تحوّلت حمص بتنوعها الطائفي والمذهبي والاثني الى قلب سورية النابض. من حمص يمكن اعلان نهاية النظام العاجز عن فهم انه ليس في استطاعة اي حاكم، مهما بلغت سطوته وعنجهيته والدعم الايراني والروسي والصيني، الغاء شعبه الى ما لا نهاية. من حمص، يمكن فهم ان النظام يلعب ورقته الاخيرة... ورقة تقسيم سورية وتفتيتها!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا حمص ... أو هل يمكن تأسيس دولة علوية ؟ .. زين الشامي

الرأي العام

24-6-2012

ليست هي المرة الاولى في تاريخ سورية التي يطرح فيها موضوع الدولة العلوية، المرة الاولى كانت في شهر ايلول عام 1923 حين اعلنت دولة الانتداب الفرنسي على سورية قيام الدولة العلوية وعاصمتها مدينة اللاذقية على الساحل السوري ووقتها، وحسب ما اعلنت سلطات الانتداب، كان من المفترض ان تضم تلك الدولة اجزاء من محافظات طرطوس وحمص وحماة اضافة الى اللاذقية.

اليوم الحديث عاد من جديد عن نية النظام السوري، الذي يقوده رئيس وضباط ومسؤولون غالبية منهم ينتمون الى الطائفة العلوية، تأسيس مثل هذه الدولة، ويضربون امثلة على ذلك ما تتعرض له بعض المناطق في محافظات حمص وحماة واللاذقية وطرطوس من قمع وحشي وقتل وتهجير للسكان.

وللحقيقة فقد شهدت محافظة حمص وسط البلاد العديد من المجازر التي راح ضحيتها المئات من ابنائها، كمجزرة حي كرم الزيتون والحولة اضافة الى الهجوم العسكري الذي دام اكثر من شهر على حي بابا عمرو وسط المدينة، حيث تعرض اهالي هذا الحي لحصار محكم من قبل قوات النظام السوري قبل ان تقتحمه وتدمره عسكريا. وكان من نتيجة ذلك ان سقط الآلاف من ابناء المدينة ونزح عشرات الآلاف منهم باتجاه محافظات حماة وحلب ودمشق وريفها، اضافة الى اولئك الذين فروا الى لبنان. اما اليوم فتبدو العشرات من احياء المدينة او القرى والمناطق المجاورة، شبه خالية من اهلها.

بعض المراقبين يشيرون الى اصرار قوات النظام السوري على اقتحام وتهجير اهالي مناطق معينة في حمص وريفها مثل سهل الحولة الذي تجاوره بعض القرى العلوية والشيعية اضافة الى مدن الرستن وتلبيسة والقصير ايضا. كذلك تحدث البعض عن عمل قوات ومرتزقة النظام السوري على تهجير نحو خمس قرى من ريف حماة، ويضربون مثالا على ذلك مجزرة القبير التي راح ضحيتها نحو مئة شخص. وفي اللاذقية شهدت منطقة الحفة «السنية» ومعها قرية «سلمى» عملية عسكرية لقوات النظام كان من نتيجتها مقتل المئات من ابناء المنطقة من الطائفة السنية ونزوح عشرات الآلاف منهم الى مناطق جسر الشغور في ادلب والى الحدود التركية. هذه الوقائع المؤلمة على الارض بدأت تعطي نوعا من القبول للحديث عن هذا «المخطط»، نقصد تفكير النظام السوري وعمله على تأسيس دولة علوية في المستقبل.

هناك من يتحمس ويعتبر هذا المشروع كما لو انه قادم لا محالة، وما هي إلا مسألة وقت حتى تصبح الدولة العلوية واقعا قائما، ويعتبرون تلك الدولة المنشودة بمثابة «الملجأ الأخير لتلك العصابة من المجرمين الذين سينفصلون عن سورية ليعيشوا في بلد لن يلاحقهم فيه أحد... يتمتعون بثروات سورية المنهوبة على مدى خمسين عاما.. ويحتمون بأسلحة سورية التي دفعنا ثمنها... لتصدير أكبر تهديد لنا». على حد تعبير احد الناشطين السوريين في مقالة كتبها على موقع للمعارضة السورية.

ويرى المتيقنون من قيام هذه الدولة وتنفيذ هذا المخطط ان ما يعيق ذلك «هو وجود غالبية سنية، فكان الواضح أن تهجير السنة هو الجواب لهذه التساؤلات. وقد بدأ التهجير باكراً عندما تم قصف حي الرمل الفلسطيني في مدينة اللاذقية، ثم كانت البداية الحقيقية لتنفيذ التهجير و إفراغ المدن هي كلمة بشار الاسد عندما قال إن سورية تتعرض لمخطط لتقسيمها... فمنذ تلك اللحظة بدأ النظام حملة لا تؤدي إلى القضاء على الثورة، وكان القصف والحصار احدى الوسائل».

لكن ورغم كل ما أشيع وما يشاع عن امكانية قيام مثل هذه الدولة فإن للواقع الجغرافي والديموغرافي السوري كلمة مختلفة. فالحقيقة على الارض سوف تجعل من الصعوبة بمكان تأسيس مثل هذه الدولة حتى لو افترضنا ان هناك نية او مشروعا معدا لها، بحيث يهرب اليها الرئيس الحالي في حال اجبر على الرحيل من السلطة بفعل قوى الثورة في الداخل او بموجب حل اقليمي ودولي متفق عليه.

اولى الحقائق على الارض السورية هي الحقيقة الديموغرافية او الواقع الديموغرافي السكاني المتعلق بالهوية الطائفية والدينية لتلك المناطق التي يفترض ان تكون ضمن حدود الدولة العلوية. وهذا الواقع الديموغرافي هو واقع بالغ التعقيد والتشابك، في كل من محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، ففي اللاذقية يختلط السنة والعلويون والمسيحيون في العديد من المدن والقرى، اختلاطا يكاد يكون تاما، مثل مدينة اللاذقية «وهي العاصمة المفترضة للدولة العلوية المفترضة» التي تسكنها غالبية سنية واقليتان علوية ومسيحية. كذلك مدينة جبلة المجاورة التي تسكنها غالبية سنية وتحوط بها قرى علوية ومسيحية وسنية ايضا، وهذا التوزع يشبه تماما ما هي عليه مدينة الحفة «السنية» التي يحيط بها بعض القرى العلوية. الشيء نفسه ينطبق على مدينة بانياس في طرطوس التي تسكنها غالبية من «السنة» واقلية من العلويين ومحاطة بقرى علوية وسنية ومسيحية. ايضا محافظتي حمص وحماة، فهناك غالبية سنية في المدينتين وقرى ومدن محيطة بهما متعددة ومتنوعة من الناحيتين الطائفية والدينية.

ان هذا التداخل يفترض تهجيرا قسريا للملايين من السكان او عمليات تطهير عرقي بحق طائفة معينة، وهي طائفة ليست قليلة او اقلية، ان ذلك من الاستحالة تحقيقه واقعيا، لاسباب كثيرة اولها، عملي يتعلق بقدرات النظام السوري على فعل ذلك، وثانيهما ان العالم جميعه يراقب ما يحصل في سورية، ان قتلا او تهجيرا جماعيا لطائفة او جماعة سورية ما قد يجمع القوى الدولية العظمى كلها رغم كل خلافاتها ضد نظام الرئيس الاسد للعمل على اسقاطه.

السبب الآخر يتعلق بموقف النخب العلوية نفسها من هذا المشروع، حيث لم يسجل الى اليوم ان مثقفا واحدا او رجل دين او جنرالا عسكريا كبيرا عبر عن تأييده لمثل هذه التوجهات، لا بل على العكس فإن رجل دين علويا مثل الشيخ محمود قدور قال حرفيا في لقاء مع تلفزيون «الجديد» اللبناني خلال مقابلة مع الصحافي رامي الامين ان «العلويين حاربوا الفرنسيين واسقطوا مشروع الدولة العلوية في الماضي واليوم سنحارب العالم من اجل عدم قيام مثل هذه الدولة».

اما من حيث الحقائق الجغرافية على الارض، فيبدو ضربا من المستحيل ان تعيش وتحيا دولة ضمن محيط وحدود كلها معادية من الناحية الطائفية تركيا «السنية» في الشمال، ادلب وحلب السنيتين في الشرق، حماة وحمص من الجنوب الشرقي، ايضا طرابلس اللبنانية «السنية» في جنوبها.

واخيرا، ومن ناحية عملية فإن الإعلان عن هذه الدولة سيكون نهاية وجودها ذلك لأن الشعب السوري و كل محيطها لن يرى فيها إلا مكاناً يتخندق فيه النظام بما يشبه الانسحاب العسكري... وهذا ما يجعله هدفاً عسكريا والقضاء عليه سيكون أسهل من إسقاط النظام الذي استطاع البقاء بسبب كذبة الممانعة والعصابات المسلحة والحرص على وحدة سورية والخوف على المنطقة، أما وقد انسحب للتخندق في مكان او حصن ما او «دولة علوية»... فهذا يجعله أشبه بحصن باب العزيزية الذي تخندق فيه القذافي وكلنا يعرف الخاتمة غير السعيدة...

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

انشقاقات الجيش السوري وتداعياتها .. الوطن اون لاين

24-6-2012

انشقاق الطيار السوري قبل أيام أمر له رمزية كبيرة على عدة أصعدة، فبداية يدل هذا الأمر على أن النظام السوري بدأ يجنح نحو استخدام سلاح الجو أكثر في عملياته ضد الثوار السوريين، ورغم أن النظام استخدم الطائرات المروحية في قصف مواقع الثوار إلا أن سلاح الجو السوري يظل الأقل استخداما حتى الآن، وهو أمر يعود بالأساس للتجربة الليبية حيث إن استخدام القذافي لهذا السلاح تحديدا كان أحد أبرز الأسباب للتدخل الدولي السريع. ولذلك جنح النظام السوري قدر المستطاع منذ بداية الثورة السورية لتجنب استخدام سلاح الجو في عمليات قمعه للشعب السوري. حالة الانشقاق هذه تدل على أن الثورة في بداية مرحلة جديدة أكثر خطورة.

أغلب طياري سلاح الجو السوري هم من الطائفة السنية في سورية، ولذلك يمثل هذا الانشقاق رسالة للنظام كون الكثير من أبناء السنة وبالأخص الطيارين لن يتعاونوا مع النظام في حملته لقمع الشعب، وهو إذا ما تم سيعني فقدان النظام لأحد أهم أركانه العسكرية. ثم إن حافظ الأسد نفسه كان ضمن سلاح الجو السوري سابقا ولذلك فإن لسلاح الجو تحديدا رمزية كبيرة داخل الجيش السوري نفسه.

انشقاق الطيارين يمثل على الصعيد العسكري رمزية أكبر من انشقاق الوحدات الأرضية. فالثورة السورية لن تنجح في تحقيق تقدم كبير على الأرض ما لم تبدأ وحدات أكبر من الجيش السوري بالانضمام للثورة، وهو الأمر الآخذ بالازدياد مع الوقت.

وسيكون الخطر الأكبر في المرحلة المقبلة هو اعتماد النظام على المرتزقة، سواء من لبنان أو العراق أو حتى الأجانب من روسيا ودول شرق أوروبا. وقد شهدنا خلال الثورة الليبية اعتماد القذافي على طيارين أجانب أو مقاتلين من دول أفريقية، ومثل هؤلاء المرتزقة الذين يعملون كمقاتلين محترفين هم أسوأ من سيشعل الوضع نحو حرب شوارع مفتوحة.

لا مفر من القول إن الثورة السورية تدخل نحو نفق أكثر ظلمة ووعورة، والأمل أن يعبر السوريون هذا النفق بجلد وشجاعة كما أظهروا خلال السنة ونصف الماضية من عمر ثورتهم، ولا بد من الإقرار أن جزءا كبيرا من إنقاذ سورية اليوم سيكون مرهونا بالمزيد من الانشقاقات داخل الجيش مما يضعف الجيش السوري ويسمح في ذات الوقت لأن يكون لسورية ما بعد الأسد كيان منظم يضمن أمن سورية وسلامتها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

رد الفعل التركي! .. عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

24-6-2012

إلى أين يمكن أن يؤدي موضوع إسقاط مقاتلة تركية بواسطة أسلحة المضادات العسكرية السورية؟

ما هو رد الفعل المنتظر من أنقرة؟ وما هي الحسابات السورية الرسمية حينما أقدمت على اتخاذ قرار التعامل العسكري مع المقاتلة التركية التي تم إسقاطها على الأراضي السورية؟

سألت صديقا لي، وهو خبير متخصص في الشؤون التركية، حول احتمالات رد فعل أنقرة بالنسبة لهذه الحادثة، فأفادني بالآتي:

1- رد الفعل يسبب أزمة للرئيس غل ورئيس وزرائه أردوغان، بسبب توتر علاقاتهما وحزبهما الحاكم مع المؤسسة العسكرية التركية التي لا تسعى إلى أي تصعيد عسكري غير محسوب في هذه المرحلة.

ولا يمكن لأي قيادة سياسية أن تقدم على عمل عسكري كبير إذا كانت على خلاف مع مؤسستها العسكرية.

 

2- إن قرار التصعيد العسكري المباشر من قبل تركيا تجاه سوريا سوف يتحول إلى طوق نجاة سياسي للنظام السوري المأزوم، لأن التاريخ المعاصر قد علمنا أن أي نظام سياسي مأزوم إذا ما تعرض لتهديد عسكري خارجي، فإن ذلك سيكون بمثابة دعم سياسي لبقائه على أساس أن الرأي العام الداخلي، مهما اختلف مع نظامه، قد يتوحد إزاء أي عمل عسكري خارجي.

لذلك كله يصبح التصعيد العسكري لصالح نظام بشار وليس ضد مصالحه.

3- إن احتمال التصعيد العسكري التركي سوف يهدم الصورة الذهنية التي سعى أردوغان وحزبه إلى تكريسها طوال الفترة الماضية وهي «الدور التركي القائم على القوة الناعمة» القائمة على التعاون الإيجابي، وسوف يعيد العمل العسكري إلى الأذهان استدعاء فكرة الدور التوسعي للإمبراطورية العثمانية في المنطقة بشكل عام، وفي سوريا التي عانت من القمع التركي في عهود جمال باشا السفاح وسياساته.

4- لا بد أيضا لأنقرة وهي تحسب بدقة أي تصعيد عسكري أن تفكر بعمق في ردود الفعل الإقليمية من إيران وحزب الله من ناحية، وتأثير ذلك على علاقاتها التجارية القوية مع روسيا والصين.

ذلك كله يرشح أن تقوم أنقرة بإعلان مواقف سياسية شديدة اللهجة، وتتخذ إجراءات دبلوماسية انتقامية، لكنها سوف تبتلع إمكانية رد الفعل العسكري مثلما فعلت مع حادثة الاعتداء على سفينة الإغاثة التي أرسلتها إلى غزة وتم الاعتداء السافر عليها من القوات الإسرائيلية.

سوف تسمع صوتا عاليا من تركيا، ولكن أقصى فعل هو زيادة الدعم العسكري لقوى المعارضة السورية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دمشق ـ أنقرة على بوابة تصعيد عسكري! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

24-6-2012

بغض النظر عن أي تفاصيل في موضوع إسقاط القوات السورية للطائرة الحربية التركية بالقرب من اللاذقية على الساحل السوري، فإن الحادث يضع البلدين على بوابة تصعيد عسكري، لم يسبق للبلدين أن دخلا في حدوده منذ الأزمة الساخنة في التسعينات، يوم هدد الأتراك باجتياح الأراضي السورية وصولا إلى دمشق نتيجة علاقة دمشق مع مسلحي حزب العمال الكردستاني (PKK)، الأمر الذي مهد لتسوية الخلاف، وأدخل علاقات البلدين في تحسن لاحق استمر سنوات قبل أن تتردى على خلفية الأزمة السورية الراهنة.

ويستمد التصعيد العسكري السوري - التركي الحالي أساسه من ثلاثة أسباب؛ أول هذه الأسباب، واقع الاختلاف السياسي واسع الهوة بين الجانبين في الموقف من الأزمة السورية وسبل حلها، ومختصره، حل سياسي كما ترغب تركيا وعسكري أمني كما تريده دمشق، وترتب على هذا الاختلاف ذهاب كل طرف باتجاه اصطفافات سياسية، يتعلق بعضها بعناصر ومكونات داخلية سورية - تركية ومنها علاقة تركيا بالمعارضة السورية، والتي ردت عليها دمشق بتعزيز علاقتها مع المعارضة التركية، والأهم منها اندراج الطرفين في اصطفافات إقليمية ودولية حادة حول الأزمة في سوريا، والتي لا يستبعد دخولها القريب في عمليات شد وتصادم عسكري.

والسبب الثاني الذي يجعل من حادثة الطائرة التركية بوابة لتصعيد بين سوريا وتركيا، يتمثل في المواجهات التركية - السورية غير المباشرة الحاصلة عبر الحدود، والتي يبدو حدها التركي في تأمين ملاذ آمن ومرور لسوريين وقيادات وعناصر من الجيش السوري الحر في بعض المناطق التركية، وهو أمر يترافق مع اتهامات سورية معلنة لأنقرة بتمرير أسلحة ومقاتلين إلى الأراضي السورية، يقومون بالاشتباك مع القوات العسكرية - الأمنية السورية وخاصة في ريف إدلب المتاخم للحدود التركية، فيما يتمثل الحد السوري في دعم حزب العمال الكردستاني (PKK) وعملياته العسكرية في جنوب شرق الأناضول، وقد لوحظ تطور مهم على عدد ونوعية تلك العمليات في تركيا، وسط اتهامات أنقرة لدمشق بدعم «المتمردين» الأتراك.

أما السبب الثالث، فهو تكرار الحوادث العسكرية عبر الحدود، والتي رصد الأتراك منها حادثتين خطيرتين قبل أن تحصل الحادثة الأخيرة. كانت الأولى عملية إطلاق نار سورية عبر الحدود، أصابت لاجئين سوريين في معسكرات اللجوء التركية، وأوقعت قتلى وجرحى، ثم جرى إطلاق نار وإصابة مروحية زراعية، كانت تقوم بأعمال إطفاء حرائق في الأراضي التركية، ثم جاءت عملية إسقاط طائرة F4 العسكرية الأخيرة لتتوج هذا النسق من الحوادث العسكرية.

وإذا كانت هذه الأسباب كفيلة بوضع تركيا وسوريا على بوابة تصعيد عسكري، فإن ثمة بيئة إقليمية ودولية، تعزز حدوث ذلك. ففي مواجهة انسداد حل أزمة سوريا حلا سياسيا، فإن التوجه إلى خيارات الحل العسكري يتزايد، وبطبيعة الحال، فإن حضور الدول المحيطة في خيارات الحل العسكري أمر مؤكد، ليس بسبب رغباتها الذاتية في إسقاط وتغيير النظام، وهو أمر قد يكون قائما، إنما بفعل ما يمكن أن تتمخض عنه الأزمة وتداعياته على الدول المحيطة، ولها جميعا روابط سياسية وديموغرافية مع الداخل السوري الذي سيفرز تأثيراته على جواره، إذا انخرط في حرب داخلية واسعة، إضافة إلى أن الجوار سيشكل مصدر دعم بشري وتسليحي ولوجستي لأطراف الصراع الداخلي.

ولعل تركيا من أكثر الدول المجاورة، التي يمكن أن تتأثر بحرب داخلية سورية. فهي صاحبة أطول حدود مع سوريا، وتضم هذه الحدود على جانبيها أكرادا يحملون قدرا كبيرا من الحساسية القومية مع السلطتين التركية والسورية، بل إن ثمة تناقضات داخلية كردية في تلك الحساسيات، يمكن أن تقود إلى تفاعلات كردية - كردية، كما أن تركيا مثل سوريا لديها حساسيات طائفية داخل أكثريتها الإسلامية بين السنة والعلويين، وقد تركت هذه الحساسية بصماتها في البلدين في خلال الستة عشر شهرا من عمر الأزمة السورية وتفاعلاتها.

 

لقد لعبت العوامل السابقة إلى جانب غيرها دور الكابح لتركيا في الدخول إلى صراع عسكري مع سوريا، غير أن تصعيد فرص الصراع في ضوء تطورات الأوضاع بين البلدين وفي المستويين الإقليمي والدولي، سوف يخفف من أثر تلك العوامل، ولعل التحقيق الذي شرعت فيه تركيا حول حادثة سقوط طائرتها، يمكن أن يكون مؤشرا، لما سوف تتطور إليه الأمور، سواء في اتجاه الإبقاء على الوضع الراهن في علاقات سوريا وتركيا، أو الذهاب من خلاله إلى تصعيد نحو مواجهة عسكرية تركية - سورية، وهو أمر محتمل في ضوء ما يحيط بالأزمة السورية من تطورات داخلية وإقليمية مضافة إلى تحركات دولية تستنفد فرص الحل السياسي الممكنة لأزمة صارت أرجحية حلها عسكرية، وهو تطور يراهن البعض من خلاله على إعادة خلط الأوراق، وتغيير وجه الأزمة في سوريا من صراع داخلي إلى أزمة إقليمية - دولية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

روسيا الغارقة في شبر ماء! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

24-6-2012

بدأ قسم متزايد من السوريين يكنون العداء لروسيا، لأن سياساتها خاطئة وغير مفهومة ولا مبرر لها. يعتقد غالبية السوريين أن:

- أميركا لا تريد إخراج روسيا من سوريا، ولا تسعى إلى تقاسم النفوذ فيها معها، ويدللون على صحة ما يعتقدون بالسياسات الأميركية، التي تظهر قدرا جد قليل من الاهتمام الحقيقي بسوريا، ولا تقوم بأي إجراء فاعل ضد نظامها، وتكتفي بتصريحات كلامية متناقضة حول أزمتها، مع أنها كان بوسعها فعل الكثير ضده، لو كانت تريد وضع يدها عليها وإخراج روسيا منها. ويؤمن السوريون بأن روسيا لا تستطيع مواجهة أميركا في سوريا، لو كانت أميركا تريد دخولها مثلما فعلت في العراق، الذي كانت علاقاته مع روسيا من نمط علاقات النظام السوري وأكثر، أو في البلقان، السلافي والأرثوذكسي مثل الروس، والذي حرره هؤلاء خلال الحرب العالمية الثانية، لكن أميركا أخرجتهم منه وجعلتهم يتفرجون من دون أن يفعلوا أي شيء على تفتيت دولة حليفة لهم هي يوغوسلافيا. بما أن أميركا لا تريد إخراج روسيا من سوريا، فإن السوريين لا يفهمون لماذا تصرفت موسكو إلى اليوم وكأن هناك خطرا جديا عليها في عقر دارها، أو كأن دورها الدولي يتوقف على بقائها في بلادنا.

- ولا يريد السوريون إخراج روسيا من بلادهم، الآن وفي المستقبل أيضا. إنهم لا يرون بين أهدافهم تسليم سوريا لأي دولة أجنبية، أو وضعها تحت إبط أي قوة عظمى، لذلك يفكرون في إقامة مصالح متوازنة وعلاقات ودية مع الجميع، ليحفظوا استقلالهم ويصونوا وطنهم، وروسيا لها دور في هذا السياق، خاصة أن السوريين أقاموا معها أحسن العلاقات منذ عام 1954، قبل مأساة الانقلاب البعثي بعشرة أعوام كاملة، وكانوا أول من اشترى أسلحة روسية في الشرق الأوسط، وأول من عقد اتفاقية تجارية معها كانت الأكبر في عصرها بين أي دولة عربية وأخرى أجنبية. والغريب أن الروس يبدون كمن يجهل أو يتجاهل هذه الحقائق، وأنهم يكتفون بمد خيط واه ورفيع يصل من الكرملين إلى القصر الجمهوري بدمشق، من دون أن يمر بأي قطاع من قطاعات الشعب السوري، الذي بدأت سياساته المعادية لهم والمؤيدة لنظامهم تجبرهم على كرهه وحب أميركا.

- أخيرا، صحيح ما يخشاه الروس من أن سوريا يمكن أن تذهب من حالها الراهن إلى مزيد من العنف والفوضى. لكن من يخاف أمرا يبحث عن أسبابه. ولا سبب للفوضى والعنف الحاليين في سوريا غير النظام وسياساته، التي قامت منذ اليوم الأول لثورة الحرية على تحويلها إلى اقتتال داخلي، طائفي وأهلي، وعلى بث أعظم قدر من الفوضى في مختلف أنحاء البلاد، لإخراج الشعب من الشارع وإرعابه، واستعادة الوضع الذي كان قائما قبل الثورة بعد قتل أكبر عدد من السوريات والسوريين.

لو لم يكن الوضع قبل الثورة في حال فوضى كامنة رعاها النظام وغذاها طيلة نيف وأربعين عاما، لما انقض على شعبه الأعزل واستخدم أحدث الأسلحة الفتاكة ضده في كل مكان من وطنه. ولو لم يخطط النظام للفوضى، لما وقعت في سوريا فوضى وحدث عنف. ترى، أي عنف كان الشعب الأعزل سيستخدم، وضد من، وهو الذي خرج أعزل ومسالما للمطالبة بحقوقه وبالإصلاح ولم يخرج مناديا بالموت والدمار لأي كان؟ ومن الذي استخدم عبارة الحرب، ورحب بالحرب في خطابه الأول أمام «مجلس الشعب»، المتظاهرون أم الرئيس شخصيا؟ ومن الذي حكى عن تحول نداء الحرية الشعبي إلى اقتتال طائفي، المتظاهرون أم مستشارة القصر الجمهوري للشؤون الإعلامية والسياسية الدكتورة بثينة شعبان؟ ومن الذي اعتبر حقوق الشعب مؤامرة يجب أن تقمع بالقوة والعنف، ورأى في الحراك الشعبي مجرد غطاء لها، المعارضة أم السلطة؟ ثم من يضمن للسادة في موسكو أن قمع الشعب في سوريا ممكن أولا وجالب للهدوء والأمن ثانيا؟ وما الدلائل التي تؤكد لهم أن المنطقة لن تشتعل بأسرها في حال واصل النظام قمع الشعب بالوتيرة الحالية؟

إن من يزرع الريح يحصد العواصف.. هذه حكمة يعرفها كما يبدو جميع خلق الله عدا ساسة روسيا، وإلا لما تجاهلوا أو جهلوا دور النظام في قلب حراك من أجل الحرية إلى حرب منظمة تشنها سلطته ضد شعب تعلم تماما أنه كان أعزل ومسالما عند بدء مظاهراته. أما النظام، الذي زرع الريح وحولها إلى عواصف، فلا يستبعد أبدا أن يكون هو الذي يتسبب في اقتلاع روسيا من سوريا، التي بدأ صبر شعبها على موسكو يتلاشى، بعد أن ألحقت سياساتها المعادية له أشد الأذى به، وحمت النظام الذي يقتله بالجملة والمفرق!

يغرق الروس أنفسهم في شبر ماء وهم «يعالجون» الأزمة السورية على الطريقة الشيشانية. إنهم كمن ينتحر هربا من الموت، مع أن الموت لن يأتيهم من أي جهة أخرى غير النظام. لماذا تفعل السياسة الروسية ذلك بنفسها؟ يقول عارفون روس إن موسكو تخشى الإسلاميين وفوضى السلاح.. ونقول ردا على أقوالهم: هل يعقل أن الكرملين لا يرى الرابطة بين تصاعد عنف النظام وصعود الإسلاميين، ولا يرى العلاقة بين عنف النظام، الذي يحدث أعظم قدر من الفوضى عرفته العقود الأخيرة في أي صراع، والسلاح الذي لم يجد المواطن العادي ما يدافع به عن نفسه وأهله غيره، وسينتهي دوره بمجرد أن يوقف النظام إجرامه المستشري، الممتد أكثر فأكثر إلى كل متر مربع من سوريا؟

يغرق الروس أنفسهم في شبر ماء. بقي أن يعلموا أننا نستخدم هذا التشبيه في سوريا لنقول إن من يفعل ذلك يكون، بقول مهذب، قليل خبرة، وبكلام صريح.. غبيا!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الديمقراطية الروسية في سوريا! .. حسين شبكشي

الشرق الاوسط

24-6-2012

محاولة فهم الموقف الروسي بخصوص الثورة السورية وحمايته بكل الوسائل لنظام بشار الأسد مهما كانت التكلفة ومهما بلغت الضغوط الدولية، هي مسألة، كما يصفها الكثيرون، تعدت العرف الدبلوماسي لتصل لمستوى غير مسبوق من الفجاجة والوقاحة على الرغم من وجود الأدلة الدامغة التي تدين الأسد ونظامه على ما ارتكب من جرائم، ومع ذلك، يبقى الموقف الروسي مؤيدا بلا تراخ. النظام السوري تمكن من «بيع» فكرة أن سوريا بلد الطوائف المسالمة، وأنه النظام العلماني الوحيد في المنطقة العربية الذي يتعرض لحملة مسلحة عنيفة وإرهابية من مجاميع أصولية سلفية ترغب في قمع الأقليات وسحب حقوقهم وإلغاء التعايش والتسامح الموجود بين طوائف الشعب، وأكبر فئة مهددة من هذه المسألة هم مجموعة طوائف المسيحيين الذين في مجملهم من الطائفة الأرثوذكسية، التي تعود مرجعيتها إلى الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا.

وفي ترويج نظام بشار الأسد فكرة فزاعة الأصوليين والسلفيين مغزى غير بريء أبدا؛ فبوتين شخصيا الآتي من جهاز الـ«كي جي بي»، أحد أعتى أجهزة المخابرات العالمية إبان الاتحاد السوفياتي، وغيره من قادة المخابرات والعسكر الروس لا يزالون يتذكرون الخسارة المذلة لهم في أفغانستان التي تمت أيضا على يد «مجاهدين» أصوليين وسلفيين، وهي مسألة لقيت قناعة كبيرة من رأس الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا نفسها البطريرك كيريل الأول الذي صرح بوضوح بأن موقف كنيسته هو الرفض التام للتدخل الخارجي في الشأن السوري أو تغيير النظام، وذلك لأجل «حماية» الـ10% من سكان سوريا الذين ينتمون للطائفة المسيحية.

وطبعا يأتي هذا التصريح متناغما تماما مع الرغبة السياسية للكرملين وأجهزته وإدارته وسياسته. والكرملين يستخدم موقف الكنيسة هذا على أنه إحدى أهم وسائل القوة الناعمة للتأثير على الرأي العام العالمي لنيل التفهم لموقف بلاده من الحكم في سوريا. ومن المهم هنا استرجاع التنسيق الكامل الذي حدث بين بوتين وفريقه خلال حملة الانتخابات الرئاسية في روسيا من جهة، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي أيدته بشكل واضح جدا من جهة أخرى، وذلك في مقابل وعوده وضماناته لها بأن يمول، كحكومة، كل الاحتياجات التطويرية لدور العبادة والمدارس الدينية التابعة للكنيسة.

وهناك إحساس بالرغبة في الثأر والانتقام من هزيمة أفغانستان لا يمكن إنكاره في الخطاب الروسي، واهتمام روسي بالتركيز بشكل أساسي على «الخطر الأصولي» الذي يهدد استقرار النظام والحكم في سوريا، وإغفال الحديث عن المخالفات الإجرامية للنظام نفسه ضد شعبه، واعتبار أن الجرم مشترك، إذا كان ذلك موجودا. ويساعد على تأصيل الموقف الروسي هذا زيارة البطريرك كيريل الأول نفسه إلى دمشق منذ فترة وإحاطته خلال الزيارة بمواطنين مسيحيين عبروا عن «خوفهم» و«ذعرهم» في حال تغيير النظام ومجيء حكم أصولي متطرف يتعرض لحقوقهم ويهدد حياتهم وحرياتهم، وذلك في مشهد معد إعلاميا بشكل واضح من قبل ماكينة الإعلام السورية المتمرسة في مسائل من هذا النوع.

روسيا بموقفها هذا تساهم فعليا في تأجيج الحرب الطائفية بدفاعها عن فريق ضد آخر واعتبار أن الحكم والنظام على حق وغيره على باطل. حكم يمثل 10% من السكان هو ديمقراطي! هل يا ترى من الممكن أن تقبل روسيا أن تحكم بإحدى الأقليات فيها وتعتبر ذلك ديمقراطيا أيضا؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا.. الأزمة وصلت «عنان» السماء! .. طارق  الحميد

الشرق الاوسط

23-6-2012

عملية إسقاط المقاتلة التركية من قبل الدفاعات الجوية الأسدية، عبارة عن رسالة مهمة لكل من أنقرة والمجتمع الدولي، بأن النظام الأسدي، ومن يقف خلفه، مستعدون لخوض المعركة إلى آخر المطاف، وليس حتى خراب سوريا وحسب، بل والمنطقة كلها، كما أنها مؤشر واضح على حالة اليأس التي وصل إليها طاغية دمشق.

ترتيب الأخبار، حسب حدوثها، يساهم في توضيح الصورة بشكل أكبر؛ فعملية إسقاط المقاتلة التركية تمت من قبل قوات طاغية دمشق الجوية، بينما الإعلان عن ذلك تم عبر محطة «المنار» التابعة لحزب الله الإيراني في لبنان، ثم بادر النظام الأسدي على الفور بالاعتذار لأنقرة عن ذلك، ومن هنا يتضح التناغم التام بين النظام الأسدي وحزب الله الإيراني، والذي يمثل رسالة واضحة للأتراك، وغيرهم، بأن الأسد لن يخوض المعركة وحده، بل معه إيران وحزب الله! لكن هل الأسد قادر على مجابهة القوة التركية؟ بكل تأكيد لا، والدليل أنه سارع إلى الاعتذار فورا، مما يوحي بأنه يريد إرسال رسالة الخيار المجنون، وهو خوض الحرب ضد تركيا، لكنه غير قادر على فعلها، ولذلك أسباب أخرى، وهي التي تؤكد أن الأسد بات في حالة يأس.

فحادثة إسقاط المقاتلة التركية ليست برسالة للأتراك وحسب، بل قد تكون أيضا رسالة أسدية داخلية لقواته، فعملية إسقاط المقاتلة التركية تأتي بعد يوم من انشقاق أحد طياري القوات الأسدية وفراره بطائرته إلى الأردن، وطلبه اللجوء السياسي هناك. ويبدو أن ذلك الانشقاق أصاب النظام الأسدي بمقتل، فأراد أن يرد بالقول إن الطائرة بطائرة، من ناحية، كما أراد من ناحية أخرى رفع الروح المعنوية لصفوف قواته الإجرامية. وعادة ما يهرب الدكتاتوريون إلى الأمام في حالة الأزمات، وذلك إما بافتعال أزمة أكبر مما هو حادث، أو بالدخول في حروب من أجل توحيد الصفوف الداخلية، وفعلها صدام حسين من قبل، ومثله النظام الإيراني الخميني. وللتأكد من ذلك في الحالة الأسدية، يكفي تأمل عملية انشقاق الضباط في صفوف القوات الأسدية، وتسارع وتيرتها، وارتفاع الرتب العسكرية المنشقة، ومنها بالطبع انشقاق الطيار بطيارته عن القوات الجوية، وبالأمس كانت هناك عملية انشقاق أربعة ضباط كبار في حلب.

وبالطبع، فإن عمليات الانشقاقات العسكرية، ومعها الطائرة الجوية، توحي بأن أزمة الأسد قد بلغت عنان السماء، مما يؤكد أن خطة أنان فاشلة، بل وميتة، ولا أمل فيها، كما أن عمليات الانشقاق السريعة والمكثفة، تؤكد أنه حان الوقت لتوفير المناطق الآمنة، والمحظورة، على الحدود التركية والأردنية. فمن شأن ذلك أن يسرع بعملية الانهيار المرتقبة للنظام الأسدي، خصوصا مع المعلومات التي تشير إلى اقتراب حدوث انشقاقات بالدوائر المقربة من الأسد نفسه، حيث بادر كثير من المقربين منه بإخراج أموالهم من سوريا، وهذا وارد لا سيما مع تغير الأوضاع على الأرض ضد الطاغية مما جعله يفقد صوابه ويقوم بقتل أعداد مهولة من السوريين. فاليومان الماضيان شهدا قتل ما يفوق مائتي سوري!

الواضح أننا أمام بداية نهاية الأسد، لكن من يقوم بإطلاق رصاصة الرحمة، أي المناطق الآمنة؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا لم تنجح الثورة السورية حتى الآن؟  .. سلاف الماغوط

شاعرة من سورية

2012-06-22

القدس العربي 

سبب عدم نجاح الثورة السورية حتى اليوم يعود لعدم وصول خضم الثورة الى العاصمة دمشق وانحصارها تقريبا في حمص وإدلب ودرعا، فحسب رأي الإعلامي السوري توفيق الحلاق لأن سورية ديموغرافياً متنوعة، لكن طالما هذا الكم من البشر موجود تحت سقف سورية فهم فيها ومنها وإليها. هنالك لحمة تجمع كل الناس على إختلاف إنتماءاتهم وجذورهم الدينية والطائفية والعرقية.

ومشكلة الثوار أنهم يأملون في الجهود الدولية أكثر مما ينبغي، فمتى عوّل الثوار عبر التاريخ على الدول غير المعنية بقضية نضال محلي لإمدادهم بالمساعدات الخارجية؟

يطالب الثائر السوري العالم اليوم بالقيام بما يتوجب عليه هو القيام به. وسبب المطالبة هذه هو عدم استكمال صفوف الثورة بعد، فبيد واحدة لا تستطيع سورية التصفيق. في المناطق الداخلية الثائرة وحدها لا تصنع نصراً، خصوصاً أن بشار يعلم أن أول خطوة في سبيل الإصلاحات الحقيقية تعني تنحيه.

المناطق الداخلية وحدها ليست كفيلة بانجاح الثورة والفئات التي تقف مكتوفة الأيدي في العاصمة وبعض المدن السورية وحدها أيضاً غير كفيلة بإجهاض الثورة.

من هي هذه الفئة المكتوفة الأيدي؟ هي مع الأسف طبقة المثقفين والتجار! أغلبهم يقف موقف السائح في بلده، اللامبالي بسوريّته.

فمثلاً موقف رغدة الممثلة أو كوليت خوري الكاتبة أو دريد لحام النجم هؤلاء وغيرهم أعلنوا ببساطة مؤازرتهم لبشار! وغيرهم وقف موقف المتفرج يسمع ويشاهد ولا يتكلم!

أحياء من دون أرواح، مومياء من دون تحنيط وكأن المصري أكثر وطنية من السوري.

فالمصريون احتشدوا في ميدان التحرير بالملايين وتكاتفوا حتى نالوا ما أرادوا.

والفنان المصري لم يعتكف قي برجه العاجي. بل نزل مع الشعب إلى الشارع، هتف معه، وكان صدى صوته بمصر كان الكل يد واحدة، كلمة واحدة، موقف واحد، والفنان ليس فقط خلف عدسات الكاميرات يؤدي دوراً كله خدع بصرية ودموع اصطناعية يستحق عليها جوائز في المهرجانات.

عندما يتكلم المصري عن مصر كأنه يتكلم عن أمه أو حبيبته أو عن شيء لا يعّوّض ولا نرى ذلك، للأسف، في الحالة السورية. نرى التجار السوريين ليسوا بمتظاهرين وليسوا بثوار. نرى الواحد منهم حريصاً على أملاكه أكثر من حرصه على وطنه. فتاجر الأقمشة همه الوحيد هو بيع الأقمشة. وتاجر المكسرات همه الوحيد زيادة نسبة المبيعات. وتاجر المعلبات لا يهمه إلا الربح مع أقل الأضرار. والشاطر هو الذي يهرّب أمواله للخارج!

وأنا أراقب التطورات بسورية ومصر سوياً لأعرف ما الذي يمكن أن يحدث بسورية في حال نجاح الثورة وسقوط نظام الأسد؟

ترى الشعب المصري يغلي، شعب متحمس بطبعه حتى في مباريات كرة القدم يهب المشجعون ويتحمسون، فهذا مشجع لهذا الفريق وهذا مشجع لذاك.

أما الشعب السوري فلا يهتم، معظمه، بالرياضة ويعتبرها مضيعة للوقت وتفاهة لذلك ترى ملاعبنا شبه فارغة ونشاطاتنا الرياضية شبه معدومة واللاعبون أجورهم ضئيلة ومصابون بنقص التغذية والمشاركات الدولية تكاد تكون لا تذكر والدولة لا تستضيف على أراضيها نشاطات دولية.

بعيداً عن الرياضة قريباً من السياسة استحضر ما يحصل بمصر لارى ما يمكن أن يحدث بسورية. في مصر يسود الإخوان المسلمون والسلفيون ويسيطرون على أغلب المقاعد في مجلس الشعب المنحل الآن. يعترض خيرت الشاطر على هذا الكلام الذي دائماً يوّجه له ويقول بأن نسبة لا تتجاوز الخمسين بالمئة من الإخوان والسلفيين في مجلس الشعب المصري. وهل نسبة الخمسين بالمئة قليلة؟ طبعاً لا.

لكن الحق يقال، السبب في سيطرة الإخوان المسلمين والسلفيين هو الفراغ الفكري الموجود في الساحة. فحزب الحرية والعدالة وحزب النور لم يكتب لهما البقاء والسيطرة إلا لأن هناك فراغا فكريا كبيرا في الساحة المصرية وعلى الصعيد العربي عموما. هناك تقهقر ثقافي وفني في الحياة العربية ادى الى بروز هذه الظواهر.

في الفترات الماضية كانت الحياة الفكرية والثقافية ثرية والصالونات الأدبية تديرها سيدات المجتمع في مصر وبيروت والعواصم العربية الثقافية الأخرى في كل مكان، الأدباء والمفكرون كانوا يلتقون في هذه البيوتات ليتبادلوا الآراء والأفكار والتجارب. أين هذه الصالونات اليوم؟ لا نرى إلا صالونات حلاقة.

المقصود من ذلك أن الفرص متاحة أكثر من أي وقت مضى لأن يتقدم المواطن العربي ليثبت وجوده، فلماذا المرشحون هم فقط السلفيون ووزير من أيام عبد الناصر وكلهم في سن الشيخوخة زمنياً وسياسياً!

أين الشباب؟ أين الكفاءات؟ أين حملة الشهادات الأكاديمية؟ أين المرأة؟ ألا تستحق مصر أو سورية أو اليمن أفكار شبابها وهمتهم؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«واقعة المفرق» والمفترق في العلاقات الأردنية السورية .. عريب الرنتاوي

الدستور

23-6-2012

لا شيء في السماء يشبه طائرة “الميغ 21”، هذا الجيل من الطائرات انقرض وخرج من الخدمة، وليس ثمة ما يشبهها على الأرض، سوى بعض “الجيبات” الروسية القديمة (من الحرب العالمية الثانية) التي ما زال ضباطٌ في الجيش السوري يسيرون فيها على الطرقات وبسرعة لا تتجاوز الخمسين كيلومتراً في الساعة...مثل هذه الطائرات والجيبات، لا تجدها عموماً إلا في سماء سوريا وطرقاتها.

لكن ذلك لا يقلل للحظة واحدة من أهمية واقعة اللجوء السياسي للطيار السوري المنشق حسن مرعي الحمادة...فالحادثة هي الأوجع للنظام، منذ أن بدأ مسلسل الإنشقاقات في صفوف جنود الجيش وضباطه، قبل أزيد من عام، وهي محمّلة بالدلالات والرسائل والتداعيات، خصوصاً في زمانها ومكانها: الطيار ينتمي للطائفة السنيّة (من محافظة إدلب)، شأنه في ذلك شأن 100 بالمائة من الضباط المنشقين وأزيد من 99 بالمائة من الجنود والمكلفين...لا ندري إن كانت الطائرة في طلعة قتالية أم تدريبية عندما قرر الطيّار الإنعطاف بها جنوباً، لكننا نعرف الآن، أن قراره ليس وليد لحظته، بدلالة قيامه بتهريب عائلته إلى تركيا قبل أن تسقط رهينة في يد من لا يرحم...ليظل في الأذهان سؤالٌ علقٌ، لا نعرف له إجابة الآن، وقد لا نعرف مستقبلاً، هل هو فعل فردي، رد فعل إحتجاجي على ما تشهد قريته ومدينته ومحافظته من أعمال عنف يومي، أم أن وراء الأكمة ما وراءها، ومن هم هؤلاء القابعون وراء الأكمات السورية؟.

المهم أن الرجل قرر اللجوء إلى الأردن، فسمحت له السلطات بالهبوط ومنحته ، لجوءاً سياسياً ...هنا ستدخل العلاقات الأردنية السورية متفرقاً جديدا، يتميز بالمزيد من التوتر والتسخين...فالأردن ما كان له أن يعيد تسليم الطيّار إلى سلطات بلاده، سيما وأن مصيره المحتوم معروفٌ سلفاً، على أن أمر الطائرة ومستقبلها، ظل معلقاً، مع أن أحداً لا يبدي اهتماماً بـ”قطعة الخردة” هذه، وربما من باب الحفاظ على شعرة، سيتقرر إعادة الطائرة إلى أصحابها.

في حالتنا الراهنة، الطيّار هو المهم، وليست الطائرة، وهذا بخلاف طائرة “الميغ 23” التي هرب بها الطيّار الجاسوس بسام العدل إلى إسرائيل عام 1989، حيث كانت الطائرة في حينه لغزاً عسكرياً واستخبارياً بحاجة للتفكيك...وأهميته هنا تكمن في أمرين اثنين: الأول، ما يمكن أن يوفره من معلومات عن “دواخل” النظام” من حيث خططه وتسليحه ودفاعاته الجوية وأسلحته التي يتميز بها...والثاني، في الرسالة التي يمكن لمنحه لجوءاً أن يبعث بها لزملائه في مختلف وحدات الجيش وأسلحته، وفحواها أنهم سيكونون في مأمن إن انشقوا، وسيلاحقون جزائياً إن هم ظلوا على ولائهم للنظام...هذا على الأقل، ما قاله السفير الأمريكي في دمشق روبرت فورد على صفحته على تويتر.

دلالات المكان تكاد تنحصر في اختيار الأردن، ملاذاً للجوء، مع أن عائلة الرجل سبقته إلى تركيا (ربما يكون اختار المفرق لأنها الأقرب للهبوط الآمن)...لكن دلالات الزمان والتوقيت تتخطى ذلك بكثير...فالحادثة تأتي في خضم الجدل حول “درجة تماسك” النظام، وهو جدل دولي بامتياز، وقد لوحظ أن واشنطن بدأت من فورها إلى البناء على الحدث والترويج لاهتزاز النظام وتداعيه...والحادثة تأتي في ذروة الكشف عن معلومات وتقارير تتحدث عن خطط وموازنات رصدت لتشجيع ضباط ومسؤولين سوريين على الإنشقاق وتوفير ملاجئ سياسية وإنسانية آمنة لهم ولعائلاتهم، وثمة مصادر عديدة كشفت عن أمر كهذا...والواقعة تأتي في لحظة الاشتباك القصوى بين خطتين: خطة المعارضة وحلفائها وداعميها الإقليميين والدوليين التي تستهدف نقل المعركة إلى عقر النظام وقلبه الآمن في دمشق وحلب، وهناك سيناريوهات ومفاجآت كثيرة يجري الحديث عنها وتداولها...وخطة النظام الرامية إلى سحق هذا الهجوم قبل أن تكتمل عناصره، فتقطع الطريق عليه، وتحيله إلى نقطة تحوّل في الحرب الأهلية السورية، لصالحه وليس لصالح خصومه.

الحادثة تأتي أيضا، فيما التقارير الصحفية والاستخبارية تتوالى عن اهتزازات وانشقاقات في “قلب النظام”، وكنّا قد تناولنا بعضاً منها في مقالات سابقة...وعن تراخي قبضته الأمنية واهتزاز سلطته وسطوته على أكثر من نصف سكان سوريا، وما يقرب من نصف مساحتها الجغرافية، فتسجل بذلك نقطة (نوعية) لصالح خصوم النظام، قد تتبعها نقاط أخرى في قادمات الأيام.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

روسيا والنظام العالمي الجديد ..  سميح صعب

النهار

23-6-2012

لا شك في ان الرئيس الاميركي باراك اوباما كان يتمنى ان يكون الى جانبه على هامش قمة العشرين الاقتصادية في المكسيك رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف وليس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذا الاستنتاج اقرب الى الواقع منه الى المتخيل في ظل النتائج التي اسفرت عنها المحادثات بين الرجلين ولا سيما في الموضوع السوري. 

فبينما كان بوتين يتحادث مع اوباما كانت البحرية البريطانية بناء على معلومات من البحرية الاميركية تطارد سفينة روسية تنقل مروحيات الى سوريا وكانت وزارة الدفاع الاميركية تتحدث عن استعداد موسكو لارسال ثلاث قطع بحرية الى ميناء طرطوس السوري. أي ان بوتين كان يحاول اجراء المحادثات من موقع القوة ومن موقع الدفاع عن المصالح الروسية ومن موقع الرافض لنقل سوريا الى موقع جيوسياسي آخر، ومن موقع غير المصدق لكل الوعود الاميركية بان واشنطن والغرب عموماً لن يكررا الخطأ الذي حصل في ليبيا. ومن هذه الوعود ضمان المصالح الروسية في نظام ما بعد الرئيس بشار الاسد. 

لذلك لم تفلح الوعود الاميركية في تبديد الشكوك الروسية في أن اميركا تريد فعلاً بعد إسقاط الاسد، إهداء النظام السوري الجديد الى موسكو، لذا يتمسك الكرملين بالنظام السوري ويحاول البحث عن حلول ضمن الواقع السياسي الحالي وليس الرهان على حالة سياسية لم تتبلور بعد او انها لا تزال في حاجة الى الكثير من الجهد والعمل كي تتضح معالم ما ستكون سوريا في حال سقوط النظام الحالي. وحتى الغرب الساعي بكل قوته الى اسقاط الاسد لا يعرف كيف ستكون عليه سوريا على رغم المناشدات التي يوجهها الى المعارضة المشرذمة كي تتحد وتخرج بصيغة سياسية لمرحلة ما بعد الاسد.

وأخذاً في الاعتبار المصالح الروسية والمكانة الدولية لموسكو العائدة بقوة الى الساحة الدولية، يرفض بوتين التنازل عن سوريا ومن ثم العودة الى دخولها  من البوابة الاميركية في تكرار للسيناريو العراقي والليبي والمصري.  هذه المعطيات تفرض تباعداً في الموقفين الاميركي والروسي حيال سوريا وتالياً تزيد احتمالات إطالة أمد الازمة. 

ويفرض التصور الروسي المختلف عن الرؤية الاميركية في التعامل مع المتغيرات في العالم العربي، مراجعة غربية شاملة للملف السوري، من الموقف من مجموعة الاتصال المقترحة الى اعتبار الحوار بين النظام والمعارضة ممراً اجبارياً للتوصل الى حل سياسي. 

ربما من هنا تختلف خصوصية الملف السوري الذي رفعت موسكو تسويته الى مستوى تحديد شكل النظام العالمي الجديد. وليس سراً ان ذلك يحمل نقيضاً للنظام العالمي الحالي الذي بنته الولايات المتحدة عقب حرب الخليج الثانية التي رافقت انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

بانوراما سورية الجميع في ورطة .. حسين العودات

الاتحاد

23-6-2012

إن أية نظرة شاملة على الأزمة السورية بكل مكوناتها وأطرافها وإسقاطاتها، تشير، إذا كانت نظرة موضوعية، إلى جملة من الأمور التي ربما كانت أطراف الصراع والأطراف الإقليمية والدولية ذات العلاقة تتجاهلها أو تحاول أن لاتراها، مما يزيد هذه الأزمة تعقيداً، ويؤجل حلها، ويضع سوريا شيئاً فشيئاً على طريق مجهولة.

من الوجهة الأمنية والعسكرية، لم تعد السلطة السورية تسيطر على جميع أنحاء البلاد، فتقتصر سيطرتها نهاراً على أجزاء من المدن الرئيسة كدمشق وحلب، وعلى الطرق الواصلة بين المدن والبلدات، أما ليلاً فإن سلطتها تتراجع ليقتصر وجودها على المقرات الأمنية والحكومية، فلا تستطيع قوى الأمن أو قوات حفظ النظام أو الميليشيات أو حتى الجيش النظامي دخول القرى والبلدات وبعض المدن ليلاً. وهذا يفسر خروج مظاهرات ليلية بلا انقطاع في مختلف المناطق دون خوف، كما يفسر لجوء قوات السلطة إلى القصف المدفعي والجوي من بعيد. ومن الملاحظ أنه عندما تدخل قوات عسكرية أو أمنية أو ميليشيا، أي مكان نهاراً أو ليلاً، فإنها تستبيحه وتنهب ما فيه وتحطم ما لا تستطيع نقله، وتقتل من ترغب.

 أما من الوجهة الاقتصادية فقد تضاعفت الأسعار، حيث لا توجد أية رقابة حقيقية عليها أو على جشع التجار. بينما بقيت دخول المواطنين ثابتة. وتكاد مؤسسات القطاع العام تعلن إفلاسها، وخسر القطاع الخاص كثيراً من دخله بعد أن أُغلقت المنشآت الصغيرة (الصناعية والتجارية والسياحية) فارتفعت نسبة البطالة إلى ما يقارب الضعف، وتوقف الاستيراد والتصدير والسياحة والتراتزيت وغيرها من النشاطات الاقتصادية، مما أدى في النهاية إلى تدهور الوضع الاقتصادي السوري وتدني المستوى المعاشي للناس.

وعلى النطاق السياسي لم يبق نصير لسوريا من دول العالم سوى إيران وروسيا وأنصاف السياسات الصينية والعراقية واللبنانية إضافة إلى السياسة الفنزويلية. أما ما تبقى من الدول العربية والإقليمية والأوروبية والآسيوية والأميركية والأفريقية ومجلس الأمن والأمم المتحدة وغيرها، فإنها جميعها مستاءة من السياسة السورية وممارسات سلطتها، وقد تراجعت علاقاتها مع سوريا في مختلف المجالات حتى كادت أن تتلاشى.

رغم هذه الظروف المحيطة بموقف السلطة السورية وبنشاطها وقدراتها، فمازالت حتى الآن ترفض الحل السياسي والتسوية التاريخية، وتجهد لإنجاح الحل الأمني رغم تراكم الصعوبات في كل المجالات. ويبدو أن هذه السلطة ما زالت موهومة بأن المعارضة (بجميع فصائلها) سوف تأتي صاغرة وتقبل عروضها المتمثلة بإجراء بعض التعديلات على القوانين التي أصدرتها خلال الأشهر الماضية وسمتها قوانين وتشريعات إصلاحية، وهذا أقصى ما تعرضه السلطة السورية لتفكيك الأزمة.

هذا ما يتعلق بالسلطة، أما المعارضة، فإن الداخلية منها مثقلة بتاريخها، وفاقدة إلى حد ما العلاقة مع الجماهير الشعبية، ولا تستطيع تحريك هذه الجماهير، وهي تتشكل من أحزاب معارضة تقليدية يسارية وقومية، دفع مناضلوها أثماناً غالية من السجن والنفي والتعذيب، وتحالفت في تجمع واحد هو هيئة التنسيق الوطنية، ومع أنها طرحت حلولاً متوازنة وواقعية للأزمة، إلا أن ضعفها الجماهيري، ومغالاة السلطة في رفض مقترحاتها، حوَل مبادراتها إلى صرخة في واد.

كما أنها، أي هيئة التنسيق، لم تتبن شعارات الشارع المتطرقة الرافضة أية تسوية تاريخية، والتي ترى أن الخطوة الأولى تبدأ بعد تنحي الرئيس، ولهذا خسرت الهيئة التأييد الجماهيري واتهمت بممالأة السلطة، في الوقت الذي لم تستطع فيه إقناع هذه السلطة بمقترحاتها. أما نشطاء المعارضة الخارجية الممثلة بالمجلس الوطني فهم (توليفة) من السوريين الذين يعيشون في الخارج، ومن الطبيعي أنهم بعيدون عن معرفة الواقع السوري، فضلاً عن أنهم وقعوا تحت ضغوط جهات ومنظمات ودول أخرى خارج سوريا، ولم يستطيعوا وضع برنامج جدي ومفصل، فلجأوا إلى رفع الشعارات التي يرفعها الشارع (الشعارات المتطرفة) والتي لا تأخذ باعتبارها الحلول الواقعية التي توصل إلى التسوية التاريخية.

وأخيراً فإن المعارضة المسلحة، ممثلة بما يسمى ( جيش سوريا الحر) فإنها تهتم بالدفاع عن المتظاهرين، ويواجه منتسبوها من العسكريين المنشقين أو من المدنيين المتطوعين، قوات الجيش النظامي والقوات الأمنية التي تحاول أن تنال من المدنيين، وهم يهتمون بهذه المهمات أكثر من اهتمامهم بتسوية تاريخية، مفترضين أنهم سينتصرون عسكرياً يوماً ما، وعندها سيقررون، مع فصائل المعارضة الأخرى شكل النظام الذي يريدونه.

بقي القول أن السياسة الدولية وضعت الأزمة السورية في تداول الدول الكبرى والتجمعات الدولية، وسحبتها من أيادي الشعب السوري وفصائله السياسية والثورية، وأخذت هذه الدول - لسوء الحظ تتعامل مع الأزمة من خلال مصالحها، ونظراً لتناقض هذه المصالح، فقد أخذ الجميع يطرح حلولاً بديلة، ليس منها الحل المأمول القابل للتطبيق، ولعل التسوية التاريخية للأزمة السورية هي آخر ما يخطر بأذهان هذه الدول.

يبدو أن لا حل للأزمة السورية إلا بتسوية تاريخية، تبدأ باقتناع الأطراف ذات العلاقة بها، وخاصة أهل السلطة الذين يفتقدون حتى الآن الإرادة والعمل الجاد لتفكيك هذه الأزمة، والوصول إلى تسوية حقيقية هدفها إقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي، ولاشك أن الخطوة الأولى والرئيسة هي مسؤولية السلطة السورية التي ينبغي أن تبدأ بها. وهذا ما ترفضه مطلقاً، وهي بذلك توقع الجميع في ورطة، وتعبًّد الطريق للحرب الأهلية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سورية تقامر وإيران تناور .. عامر ارنوؤاط

عكاظ

23-6-2012

لم يأت الجنرال روبرت مود رئيس بعثة المراقبين الدوليين في سورية المكلف مراقبة تطبيق خطة عنان بأي جديد أثناء تقديم تقريره للأمم المتحدة بالأمس، تاركا المستقبل السوري مفتوحا على كل الاحتمالات، إلا احتمال السلم الأهلي، وتوقف آلة القتل والتدمير التي ينتهجها بشار الأسد المنتهية أحلامه في البقاء فوق رؤوس وجماجم شعبه مدخلا تجربته في رحلة طويلة قد لا تنتهي بسورية موحدةـ، أو حتى موجودة في بعض احتمالات التحليل السياسي الواقعي.

هذه الأمم المتحدة ورعاتها الدوليون في المقابل الآخر تحاور إيران الدولة المارقة التي تسعى إلى قبض مكافأتها عن إسهامها في احتلال العراق، وقبله أفغانستان ودخولها في تسويات عديدة ذات أشكال متنوعة في لبنان عن طريق التعاون مع نظام الوصاية السورية آنذاك.إيران لا تريد بالطبع أن تحرر فلسطين، وبشكل مؤكد لا ترغب برؤية عالم عربي سياسي مستقر قويٍ نام، بل تريد أن تتدخل في منطقتنا بصفاقة .الأمم المتحدة أرسلت مراقبين لسورية من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه، وهي تحاور إيران من أجل تغيير في الوضع مما هو عليه، وبين سورية وإيران الأفق مفتوح وبشكل كبير ومتعاظم على مواجهة مذهبية وعرقية قد يرغبها الغرب لكن إسرائيل ومعها إيران تسعيان لها لما يمكن أن تحققه لهما من توسع وفتح لآفاق التمدد السياسي، وإنهاء لخطر محدقٍ على وجودهما تبقى سورية هي الأكثر ألما ونزفا لجرحها، ويبقى الأفق السياسي فيها غير مرجح لانتهاء قريب، وانفراج أكيد فمهما حاول بشار المقامرة بسياسة المقايضة بين وجوده ودماء شعبه سيهزم، ومهما حاورت إيران الغرب فلن تجد لها ممرا إلى القلب العربي ففي النهاية فإن طهران لاتحاور، بل تناور.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

"ميغ 21" تنقل الأردن إلى قلب المواجهة السورية .. فهد الخيطان

الغد الاردنية

23-6-2012

بعد ساعات قليلة على الهبوط "الاضطراري" للمقاتلة السورية من طراز "ميغ 21" في قاعدة الملك حسين الجوية بالمفرق، وافقت الحكومة الأردنية على منح قائدها، العقيد حسن مرعي، حق اللجوء السياسي بناء على طلبه.

السرعة في الاستجابة لطلب الطيار السوري تعد، في نظر المراقبين، دليلا على المرونة التي يمكن أن يبديها الأردن حيال تطورات الأزمة السورية. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار قول مسؤول أميركي بأن حادثة انشقاق الطيار مرعي لن تكون الأخيرة، فإن سرعة استجابة الأردن لطلب اللجوء ستشكل حافزا لانشقاق المزيد من طياري سلاح الجو السوري.

حاول الأردن أن ينأى بنفسه عن لعب دور مباشر في الأزمة السورية؛ فقد رفض استخدام أراضيه لتسليح المعارضة السورية، وعارض علنا خيار التدخل العسكري، واكتفى بتوفير الملاذ لعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين بكل ما يترتب عليه من أعباء ومسؤوليات.

لكن مع مرور الوقت وتفاقم الأزمة بأبعادها الإنسانية والسياسية، تواجه المقاربة الأردنية الرسمية تجاه سورية تحديات غير مسبوقة، تفرضها تطورات الحالة السورية من جهة، ومتغيرات الموقف الدولي من جهة أخرى.

المتغير المهم في الموقف الأردني هو استعداده للتعامل مع التطورات العسكرية المحتملة للصراع في سورية، وفي هذا السياق تأتي التمرينات المشتركة مع قوات "المارينز" الأميركية قرب الحدود الشمالية. وقد أكدت السفارة الأميركية في عمان، في ردها على استفسارات لـ"الغد"، أن الولايات المتحدة تزود الأردن بمجموعة مساعدات وتدريبات عسكرية مستمرة، من ضمنها "التخطيط للطوارئ". وتزامن هذا التصريح مع ما نقلته محطة (CNN) عن مصادر عسكرية أميركية تأكيدها أن "القوات الخاصة الأميركية تقوم بتدريب القوات الأردنية على مهام عسكرية محددة للتعامل مع أي تهديدات قد تمس المملكة وأمنها، في حال توسعت الأزمة السورية نحو حدودها".

وتقول المصادر الرسمية الأردنية إن هذه الاستعدادات لا تعني بأي حال من الأحوال نية الأردن التدخل عسكريا في الأزمة السورية، وإنما التهيؤ لأسوأ السيناريوهات المحتملة، وتأمين الجاهزية اللازمة لمنع انتقال الفوضى والعنف إلى الأراضي الأردنية.

لكن المراقبين لا يستبعدون موافقة الأردن على تسهيل مهمة دخول قوة أميركية إلى الأراضي السورية في حال انهيار الوضع هناك بشكل كبير، للسيطرة على مخزون سورية مما تسميه واشنطن "الأسلحة الكيماوية".

وجود طيار عسكري سوري في الأردن لا يشكل خطرا على نظام الأسد. وفي حال اختار البقاء هنا، فلن يسمح له بممارسة أي نشاط سياسي أو عسكري. أما بالنسبة للطائرة، فمن المرجح أن يوافق الأردن على إعادتها إلى سورية. لكن، ماذا لو تكررت حوادث اللجوء وهبطت المزيد من طائرات "الميغ"، "وما أكثرها في سورية"، في القواعد الجوية الأردنية؟ كيف سيدير الجانب الأردني الموقف؟ وأي رد من دمشق على ما يمكن أن يوصف بحوافز أردنية للطيارين الراغبين في الانشقاق؟

لم يعد التعبير عن القلق سياسة قابلة للاستمرار حيال الأوضاع في سورية. مثل هذه السياسة تبدو مقبولة عندما تكون بعيدا عن أجواء المواجهة، لكن حين تستغرق رحلة الـ"ميغ 21" إلى القاعدة الجوية الأردنية بضع دقائق، فأنت إذن في قلب المعركة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا: لماذا يعد «الإهمال الحميد» خطأ؟ .. أمير طاهري

الشرق الاوسط

22-6-2012

خلال الأسابيع القليلة الماضية، انضمت مجموعة جديدة إلى المدافعين عن الرئيس السوري بشار الأسد، وتضم هذه المجموعة المعلقين الإسرائيليين و/أو المدافعين عن إسرائيل في الغرب، لا سيما في الولايات المتحدة.

ولكي نكون منصفين، فقد اتفق معظمهم على أن نظام الأسد يعد أحد أكثر الأنظمة الفاسدة والوحشية التي أنتجها الطغاة العرب في العصر الحديث، ومع ذلك، فهم مصرون على أن الديمقراطيات الغربية ليست لها أي مصلحة في مساعدة القوات المناهضة للأسد للوصول إلى السلطة، ويشيرون إلى شكل جديد من أشكال ما يسمى بـ«الإهمال الحميد»، والذي يعني تراجع الديمقراطيات الغربية وانتظارها لما سيسفر عنه الصراع في سوريا.

ويستشهد أصحاب نظرية «الإهمال الحميد» بأربع حجج توضح السبب في أن الديمقراطيات الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ليست لديها أي مصلحة في تغيير النظام في سوريا. وأولى هذه الحجج هي أن سقوط نظام الأسد يعني قدوم نظام آخر معادٍ للمصالح الغربية. وتكمن المشكلة في تلك الحجة في أن سوريا لديها بالفعل نظام معادٍ للقيم والمصالح الغربية. ومن دون دعم شامل من قبل الجمهورية الإسلامية في طهران ونظام الحرب الباردة الجديدة في موسكو، فإن الأسد لن يستمر طويلا في سدة الحكم. وفي وقت ما كان النظام السوري يتمتع بقدر من الاستقلال مكنه من إقامة علاقات عمل مع الدول الغربية والعربية على حد سواء. وفي الحقيقة، لم يعد هذا الاستقلال موجودا الآن، وأي شخص يلقي نظرة سريعة على وسائل الإعلام الإيرانية سوف يدرك أن الخيارات الاستراتيجية لسوريا تعتمد الآن على طهران، وليس على دمشق.

والحجة الثانية هي أن سقوط الأسد قد يجعل السلطة تصل للإسلاميين الذين سيضطهدون الأقليات العرقية والدينية في سوريا، لا سيما المسيحيين الذين يصل عددهم إلى نحو 1.8 مليون نسمة. ومع ذلك، لا يوجد أي دليل يدعم هذا الزعم، لأنه حتى المسحيين السوريين يقاتلون من أجل نيل الحرية كغيرهم من السوريين. وعلاوة على ذلك، فإن قادة الثورة الشعبية هم من داخل وخارج الشبكات الإسلامية التقليدية التي كانت تقاتل نظام الأسد منذ عقود. وتظهر تجربة الدول الأخرى من دول «الربيع العربي»، في الوقت الحالي، أنه لا يوجد حزب إسلامي قادر على فرض ديكتاتورية جديدة.

ويكمن الافتراض الثالث، أو الحجة الثالثة، في أن نظام الأسد قد خدم مصالح الأمن الإسرائيلية على مدار عقود، وأن النظام الجديد في دمشق، لا سيما إذا ما تمت السيطرة عليه من الإسلاميين، قد يشكل تهديدا للدولة اليهودية. وحتى هذا الافتراض تحوم حوله الكثير من علامات الاستفهام.

في البداية، نود أن نؤكد على أن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد جيرانها من الدول العربية لم يكن السبب في اندلاعها نظاما إسلاميا، لكنها اندلعت من جانب أنظمة علمانية يسيطر عليها رجال الجيش، وحتى الحروب المصغرة التي اندلعت في لبنان وغزة لم تكن جماعات حزب الله أو حماس الإسلامية هي البادئة بها، لكنها بدأت من قبل إسرائيل. وحتى حرب العصابات الطويلة التي استمرت لثلاثة عقود والتي شنها الفلسطينيون ضد إسرائيل قبل توقيع اتفاقية أوسلو كانت من قبل اليساريين والجماعات التي كانت معادية للدين في كثير من الأحيان بقيادة شخصيات مثل ياسر عرفات وجورج حبش.

ولن تتمكن إسرائيل أبدا من تحقيق حلمها المتمثل في «الأمن» ما لم تنجح في إقناع جيرانها بأن يقبلوها كجزء من بيئتهم الجيوسياسية. ولا يمكن لأي نظام أن يفكر في ذلك القبول ما لم يكن مدعوما من شعبه. ويبدو كل شيء أكثر تعقيدا عندما نتذكر أن نظام الأسد يدين بالفضل الآن لطهران التي يتحدث قادتها الآن عن «محو إسرائيل من على الخريطة».

وعلى أي حال، فإن الزعم بأن المذبحة المستمرة للمدنيين في سوريا الآن هي شيء جيد بالنسبة لإسرائيل يمكن بالكاد اعتباره بمثابة مجاملة للدولة اليهودية.

ويدور الافتراض الرابع حول المبدأ الذي يتعين احترامه - والذي يتم احترامه نادرا في واقع الأمر - وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي الحقيقة، يكون هذا المبدأ ذا مغزى ومعنى في حالة الدول التي لا تكون حكوماتها في حالة حرب مع شعوبها، أما في الحالة السورية فهناك بالفعل تدخل خارجي. وعلى الرغم من أنه لا يوجد دليل على تدخل القوات الإيرانية بشكل مباشر في الصراع الحالي في سوريا، فهناك دليل دامغ على وجود مئات «المستشارين» العسكريين الإيرانيين في سوريا بزعم تقديم التدريب على استخدام الأجهزة والمساعدة في أنظمة السيطرة والتحكم. وعلاوة على ذلك، يمكن أن تقوم إيران بإرسال بعض من وحدات حزب الله لكي تقاتل بجانب عناصر الأسد في سوريا.

وربما يكون الشيء الأهم من ذلك هو أن روسيا قد أرسلت للتو قوة بحرية إلى ميناء طرطوس، وهناك خطط لإبقاء مئات من مشاة البحرية الروسية في الأراضي السورية بحجة حماية المدنيين السوريين.

وعلى الجانب الآخر، هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أنه قد تم إرسال قوات من العديد من الدول العربية، لا سيما العراق، بهدف تقديم الدعم للوحدات المناهضة للأسد. ولا أعتقد أن أيا من هذه الافتراضات بالشيء الجديد، لكن الشيء الذي يربطها ببعضها بعضا هو اعتقاد كل القوى الإمبريالية أن مصالحها في الأجزاء النائية من إمبراطوريتها تتم حمايتها بشكل أفضل من قبل الأقليات، حيث عملت روما على تقوية وحداتها من القبائل الجرمانية والفرنجة على حدود إمبراطوريتها، كما قامت الإمبراطورية العثمانية بتجنيد العلويين والدروز وسمحت للأرمينيين واليهود بإدارة تجارتهم. وقامت بريطانيا والهند ببناء جيوش من خلال تجنيد الأقليات من المسلمين والسيخ، لا سيما في ولاية البنجاب وإقليم الشمال الغربي الحدودي. وفي الجزائر، فضل الفرنسيون تجنيد القبائل كجنود وضباط صف.

ومع ذلك، لا تستطيع الديمقراطيات الأميركية والغربية اليوم القيام بما كانت القوى الإمبريالية القديمة تقوم به، ولا يمكنها الزعم بأن حكم الأغلبية هو شيء جيد بالنسبة لها وسيئ للآخرين. والسؤال الآن هو: لماذا يتعين على السوريين إنكار ما يعتبره الأميركيون والأوروبيون الغربيون حقا إنسانيا؟

ان الجلوس ومشاهدة المجازر التي تحدث في سوريا هو شيء خطأ من الناحية الأخلاقية وسخيف من الناحية السياسية، وحتى في مجال السياسة الواقعية فإنه هزيمة للذات.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أول طائرة حرة في سوريا .. مشاري الذايدي

الشرق الاوسط

22-6-2012

خير رد على مشاركة الجيش والدولة الروسية في جرائم نظام بشار الأسد، هو أن ينشق طيار سوري على متن طائرة مقاتلة من طراز «ميغ» الروسي. من نفس مخازن الدب الروسي التي تغذي الأسد!

قبل يومين، أعلن الأردن أنه منح اللجوء السياسي لقائد الطائرة الحربية السورية الذي انشق وهبط بطائرته في قاعدة عسكرية جوية في منطقة المفرق، شمال المملكة، «بناء على طلبه».

وأورد التلفزيون السوري أن العقيد الطيار حسن مرعي الحمادة كان يقود طائرته جنوب البلاد، ثم انقطع الاتصال به. ثم اعترف صراحة بحادثة الانشقاق ووصف الطيار بالخائن.

سفن الإمداد الروسي إلى النظام الأسدي لم تتوقف، وهي تتزايد بشكل وقح؛ من سفن تحمل مروحيات مقاتلة، إلى سفن تحمل مقاتلين وأسلحة متنوعة، وكل هذه الأسلحة توجه إلى صدور الأهالي في كل مكان؛ من حمص إلى حماه إلى إدلب شمالا ووسطا إلى درعا جنوبا ودير الزور شرقا، وبعد ذلك كله يحاضرنا «الملا» لافروف عن الحل السلمي، وعن عدم التدخل الأجنبي في سوريا!

حسنا فعل الأردن بمنح اللجوء السياسي لهذا الطيار المنشق عن عصابات الأسد وجيشه القاتل، وهو خير من الكلام المرسل الذي حشا به العالم رؤوسنا منذ 15 شهرا، حول التمني على النظام الكف عن القتل.

الكلام السياسي يتنامى كالفطر، ولكن، في الجهة المقابلة، نجد فيلق القدس الإيراني وكتائب وعناصر حزب الله الإيراني - اللبناني، تمد النظام بكل وسائل القوة المادية والعسكرية، فضلا عن الإسناد الإعلامي، ثم ثالثة الأثافي بفتح خزائن الجيش الروسي إلى ميناء طرطوس، وتحرك قطع الجيش الروسي البحرية للدعم السافر للأسد القاتل.. وبعد ذلك نتحدث عن حل سلمي، وعن وجوب عدم تدخل الدول في تسليح المعارضة، كما يتحدث بكل صلف واستفزاز الملا لافروف؟!

المتوقع تزايد وحشية النظام بعد حركة الانشقاق هذه، وربما تصدير الانتقام بشكل تخريبي إلى الأردن، وربما قطر والسعودية. ولكن من المهم معرفة أن تكلفة تسليح المعارضة وتوجيهها واحتضانها أقل من تكلفة تركها للفوضى والارتجال، كما أن دعم النظام الأسدي الذي تقدمه روسيا وإيران، مكلف على هذه الدول، أكثر من تكلفة دعم المعارضة والجيش الحر على الدول العربية - وربما بعض الدول الغربية - الداعمة.

بكلام واضح، يجب سلوك كل السبل لتسليح المعارضة السورية، وتوجيه مسارها، واحتضانها، حتى نضمن عدم جنوحها يمينا أو شمالا، وهذا ما سيحدث لو تركت المعارضة لحال سبيلها.

حانت ساعة الحقيقة، ومجرد منح الأردن حق اللجوء السياسي لهذا الطيار المنشق، على بساطة هذه الخطوة، قياسا بدعم روسيا وإيران، سيكون له أثر كبير وفعال في إضعاف معنويات جيش الأسد، وتشجيع تركه والانقلاب عليه. ففعل واحد خير من عشرات من خطب نبيل العربي أو تصريحات الاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض الأميركي.

افرض الوقائع على الأرض، وبعدها تحدث مع الآخرين.. هكذا يفعل الخصوم معك، فافعل ما يفعلون.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف :هل تعلن الثورة السورية الفضاء السوري منطقة عمليات حربية .. زهير سالم*

دعا رئيس البرلمان العربي علي الدقباسي مجلس الأمن الدولي إلى فرض منطقة حظر جوي فوق سورية وتشديد العقوبات على السلطات السورية كما نقلت عنه وكالة الأنباء الفرنسية ...

 

في ظل التطورات في الأوضاع لإقليمية في المنطقة . وبعد إقدام عصابات الأسد على القرصنة في الفضاء الإقليمي وإسقاط طائرة تركية في الأجواء الدولية كما يؤكد الأتراك ؛ هل يجد الثوار السوريون طريقهم إلى إعلان الأجواء السورية منطقة عمليات حربية ؟ !

 

لن يكون الأمر مكلفا من الناحية التعبوية واللوجستية . فانتشار الجيش الحر ووحداته على كل الأرض السورية من جبال اللجاة جنوبا وحتى أقصى الشمال والشمال الشرقي ، وتمكن الثوار السوريون من مناطق ريف دمشق ، وانخراط ضباط وجنود من كل الاختصاصات الميدانية بما فيها الدفاع الجوي في الثورة ؛ كل ذلك  سيسهل مهمة حماية الفضاء السوري من طائرات عصابات الأسد التي ما تزال تقصف المدن والبلدات والمزارع وتجمعات المواطنين في كل مكان .

 

قال كثير من المعلقين على حادث إسقاط الطائرة التركية أن العملية كانت محاولة لتجريب بعض المضادات الأرضية الروسية في الأهداف التركية !!!. لا نظن أن هناك هدفا أكثر مشروعية من هدف يدمر البنيان ويقتل الإنسان كما تفعل الحوامات والطائرات الروسية فوق الأرض السورية . يؤكد آخرون أن القيادة الروسية تستعرض عضلاتها بقتل السوريين ، وتجري بروفات بمختلف أنواع الأسلحة على استعادة مكانتها القطبية في عصر الحرب الباردة . ربما عندما سيسقط الثوار السوريون بعض هذه الطائرات سيجدون أن الطيارين الذين يقصفون القرى السورية بهذه القسوة هم من البلاشفة أو من الصفويين .

 

لنقرر بوضوح أن بإمكان الثورة السورية فرض حظر جوي على الأجواء السورية دون الحاجة إلى قرارات دولية ، ولا إلى مجلس الأمن ، ولا إلى تخوف من فيتو روسي أو صيني . وسيمثل فرض هذا الحظر دلالة جادة على تحول عملي في ميزان القوة في الوقت الذي يحاول فيه بان كيمون وكوفي عنان وغيرهما إلى اختزال ثورة الشعب السوري في دوائر الصراع الدولي والإقليمي .

 

وسيتم تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الكبير ببعض المعدات البسيطة التي يحسن تقديرها أهل الاختصاص ، والتي ستمكن الأبطال السوريين من صيد الحوامات و الطائرات الروسية التي ما زالت تستبيح دماءهم تحت سمع العالم وبصره . دون أن تجد أشلاء الأطفال السوريين من يتعاطف معها  ...

 

وسيكون لهذه الخطوة ، حين يتم إنجازها مقترنة بما يقتضي المقام من مصداقية وجدية ،  تداعياتها على أكثر من صعيد. إن امتلاك الثوار الوسائل المساعدة على التصدي لجميع أشكال الطيران التي تستهدف مدنهم وبلداتهم ومواطنيهم  ستجعل شركات الطيران العالمية وشركات التأمين التي تغطيها تفكر مرارا قبل اختيار الطيران عبر الأجواء السورية .

 

 دائما يجب أن يبقى حماية الطائرات المدنية هاجسا حاضرا . ولكن الشعور بالمسئولية الشرعية والمدنية عن أرواح المدنيين في الجو يجب أن يقترن بشعور مماثل بالحرص على أرواح المدنيين في الأرض . ويجب أن يكون هذا هاجسا مشتركا بين جميع أبناء الإنسانية ،  بمن فيهم شركات الطيران المعنية التي ستعتبر مغامرة بركابها بالمرور عبر أجواء تظلل وطنا ينتهك فيه الحجر والشجر والبشر .

 

سيكون الإعلان عن الأجواء السورية منطقة عمليات حربية بمثابة إعلان تحذير وليس إعلان تهديد . إنه فضاء مزروع بالألغام فاحذروا ..

 

هل ما زلنا بحاجة إلى قرار من مجلس الأمن ؟! هل ما زلنا بحاجة إلى استرضاء الدب الروسي الذي أعلن أنه لا يرى نفسه بحاجة إلى تقديم تبرير أخلاقي أو سياسي لتزويد عصابات الأسد بأدوات القتل ؟! يقول القادة الأتراك أنهم يفكرون بطريقة للرد الحاسم على إسقاط طائرتهم !! ويقول رئيس البرلمان العربي إنه يدعو إلى إعلان سورية منطقة حظر جوي . و يزعم التعبويون أن هناك بعض مضادات الطائرات الخفيفة تحمل على الكتف . هل هي كلمات متقاطعة ، إن تكن كذلك فهي ليست صعبة على ما نظن ؛ ولا ينبئك مثل خبير ..

 

لندن : 25 / 6 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الانتخابات المصرية زخم إضافي للثورة السورية:عوامل طمأنة لتحوّل سياسي ينتظر نقطة الصفر  .. روزانا بومنصف

2012-06-22

النهار

على رغم انه كان للازمة السورية ديناميتها الخاصة التي تميزت بها عن الثورات في مصر او سواها من الدول التي شهدت ثورات في ما سمي "الربيع العربي" خلال العام الماضي، فان مآل الانتخابات التي جرت في مصر اخيرا وعلى رغم التعثر والمشاكل التي واجهتها وتواجهها، تشكل عاملا مؤثرا يعطي زخما اضافيا للمعارضة في سوريا من اجل ان تستقوي على النظام وتواصل انتفاضتها عليه ايا تكن الاثمان التي تدفعها وفق ما ترى اوساط سياسية معنية. وتقول هذه الاوساط ان هذه الانتخابات افرزت تنافسا حادا بين فريقين احدهما هو الاخوان المسلمون في مصر مع احتمال تعادل كبير بين الفريقين، بمعنى ان فوز احدهما بنسبة ضئيلة لا يمكن ان يلغي الآخر بل هو سبب اضافي من اجل تسعير التنافس في المرحلة المقبلة على تقديم الافضل من اجل كسب الرأي العام وهو سبب اخر للتعاون قسرا مع الآخرين وعدم اهمالهم او تجاهلهم. وهذا لا يعني بان هناك اوهاما حول مثالية ما جرى في مصر او حول انتهاء الصراع في مصر بين الجيش والسلطة الفائزة بانتهاء الانتخابات ووصول رئيس جديد. فهذا مخاض جديد لا تعرفه مصر او ايا من الدول العربية التي شهدت انتفاضات وهي ستتعثر كثيرا قبل الوصول الى ما يجب الوصول اليه. الا ان المعركة السياسية على الفوز ووجود حظوظ متساوية لكل من فريق الاخوان المسلمين ومعارضيه تشجع من زوايا متعددة اقليميا وخارجيا. فعلى الصعيد الخارجي فان المخاوف التي اثيرت في شأن الثورة في سوريا واحتمال انتهاء السلطة في يد الاخوان المسلمين باعتبارهم الاكثر تنظيما بين كل اجنحة المعارضة السورية خصوصا بالنسبة الى روسيا التي تتخوف من وصول مسلمين اصوليين الى السلطة مكان الرئيس بشار الاسد تدحضها التطورات في مصر حتى لو فاز الاخوان، اقله كسبب علني لاستمرار دعم الاسد ورفض الموافقة على رحيله حتى الآن على الاقل علما ان للرفض الروسي اسبابا اخرى في مصالحها السياسية ووجود قدم لها في الشرق الاوسط. وعلى الصعيد نفسه، فان النقزة من وصول الاسلاميين الى السلطة التي ساورت الغرب طويلا بحيث تمسك بالانظمة العربية التي استمرت عقودا خوفا من هؤلاء دجنها او طوعها ما حصل حتى الآن في الدول العربية حيث حصلت ثورات لكن الاهم الاضطرار الى قبول هذا التحول في مصر لما تعنيه من حيث موقعها ودورها في المنطقة بالنسبة الى الغرب. وقد بات هذا الاخير اكثر تقبلا وتفهما من اي وقت مضى لهذه الظاهرة الثورية التي صعد الاسلاميون وفقها الى الواجهة خصوصا ان هذه الظاهرة شغلت العالم الاسلامي بنفسه بدلا من انشغاله بما يجري في الدول الغربية او باستبدادها او ظلمها له.

وتوفر الانتخابات في مصر زخما اضافيا للمعارضين والثوار في سوريا على اساس ان المد التغييري في المنطقة بات متقدما ولا يمكن العودة به الى الوراء حتى لو طال امد الازمة في سوريا لكن التحول السياسي بدأ والامور تتجه نحو حل سياسي باتت معالمه او خطوطه العريضة معروفة لجهة استحالة بقاء النظام ولو ان تفاصيل هذا الحل، وهي كثيرة ومتشعبة، تحتاج الى توافق دولي واقليمي. والانتخابات المصرية تعطي دفعا للطوائف التي يتشكل منها المجتمع السوري لجهة طمأنة هؤلاء الى الحاجة اليهم من اجل مستقبل سوريا وتعدديتها تماما وفق ما عبر الاخوان في مصر في حملتهم للرئاسة من اجل الفوز وما ادلوا به في هذا الاطار حول دور الاقباط وموقعهم في مصر حتى لو كان الوضع السوري اكثر تعقيدا من الوضع في مصر على صعيد التركيبة الطوائفية والمجتمعية، الا ان هذه النقطة مهمة في بلورة بعض المخاوف التي سيطرت طيلة العام الاول من انطلاق الثورة في سوريا وربما لا تزال قائمة لدى كثيرين. الا انه تجدر الاشارة الى وجود معطيات تفيد ان تغييرات كبيرة بلغت جميع الطوائف والمواقع في سوريا على نحو لا يمكن الكلام عما يجري على الاراضي السورية بالمعايير السابقة التي سادت خلال العام الماضي، علما ان هذه التغييرات لا تخرج الى العلن بالمقدار اللازم خصوصا ان ضعضعة المواقف الدولية وعدم وضوح اتجاهاتها او توقيت خلاصة هذه الاتجاهات تترك للتواصل الذي يجري بعيدا من الاعلام بين المعارضة وغالبية الطوائف او جميعها ان يظهر متى نضجت الامور والتوافق الدولي حول مخرج للازمة السورية. اذ ان التحول السياسي في سوريا بات امرا محتوما اراد الروس ام ابوا او شاءت الولايات المتحدة ام لم تشأ او اي دولة اخرى اقليمية او سوى ذلك. وتقول هذه الاوساط انه حتى لو تمكن النظام وفقا للحملات الامنية والعسكرية التي يشنها من استرجاع سيطرته، علما ان هذا الامر مستبعد، فان الزخم العربي المصري بات بدوره عاملا مؤثرا في التغيير القسري في سوريا.

وترجح الاوساط نفسها رهان الغرب على عبور مصر قطوع ثورتها والوصول الى مرحلة الانتخابات من اجل ان تشكل نموذجا تماما على ما فعلت في انطلاق الثورة وانتقال العدوى منها الى سوريا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا... هل من دور للقوات الدولية؟ .. محمد السماك

تاريخ النشر: الجمعة 22 يونيو 2012

الاتحاد

هل يتحول دور الأمم المتحدة في سوريا من مراقب إلى متدخل؟ وهل تستبدل قوات حفظ السلام بقوات المراقبين الحاليين؟

مع استمرار الأزمة في سوريا وتصاعد حدة العمليات العسكرية، تتصاعد المطالب الدولية بمزيد من التحرك لوقف سفك الدماء، كما حدث قبل ذلك في العديد من الدول الأفريقية.

لقد انتظرت الأمم المتحدة طويلاً قبل أن تتدخل في الكونغو مثلاً، حيث قضت الحرب الأهلية فيها في عام 1997 على أرواح خمسة ملايين إنسان. ولذلك توجد في الكونغو اليوم قوة دولية هي الأكبر عدداً. وتؤكد تقارير المنظمة الدولية أنه لولا هذا التدخل لكان عدد الضحايا أكثر من ذلك بكثير.

غير أن تدخل القوات الدولية قد لا ينجح في وقف الحرب الأهلية في دولة ما من دون تمزيقها إلى دولتين على الأقل، كما حدث في السودان. فالحرب الأهلية بين الشمال والجنوب قضت بدورها على أكثر من مليوني إنسان. وانتهت (هل انتهت فعلاً؟) بتقسيم الدولة إلى دولتين.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن القوات الدولية ما تدخلت في دولة إلا زادت الوضع فيها سوءاً. لقد حققت هذه القوات نجاحاً ملحوظاً في العديد من الدول الأفريقية الأخرى، مثل ليبيريا، حيث تمكنت هذه القوات ليس فقط من وقف الحرب وإشاعة السلام والاستقرار، ولكنها تمكنت أيضاً من اعتقال زعيم الحرب واللااستقرار فيها وتسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي حيث حكم عليه بالسجن. ولكن ما كان لهذه القوات أن تنجح في ذلك من دون أن تلجأ إلى استخدام القوة العسكرية.

وقد استخدمتها بنجاح أيضاً في عام 2000، في سيراليون التي انخفضت فيها نسبة الجريمة بشكل ملحوظ. وأصبحت هذه الدولة واحدة من أكثر الدول الأفريقية أمناً بعد أن كانت من أكثرها إرهاباً.. إن مفهوم الأمن بالنسبة إلى القوات الدولية لم يعد ينحصر في الجانب السياسي- العسكري، ولكنه أصبح يتناول جوانب عديدة أخرى، منها مطاردة عصابات التهريب حتى أعماق الأدغال، كما حدث في ساحل العاج مثلاً. ومنها حماية الرؤساء الشرعيين ومطاردة الانقلابيين العسكريين على الحكومات الشرعية، كما حدث في ساحل العاج وربما كذلك في مالي مؤخراً. لقد انتهى الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يُقتل فيه على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي كما حدث في عام 1961 للرئيس الكونغولي الأسبق بياتريس لومومبا. ففي الوقت الحالي تقوم قوات دولية من الهند بحراسة مقر الرئيس الكونغولي، ومعظم هذه القوات من النساء أيضاً. وتعمل اليوم القوات الدولية في ثماني دول أفريقية..

أما في الشرق الأوسط فإن المهمات التي تقوم بها هذه القوات تنحصر في مناطق الحدود بين الدول العربية مع إسرائيل، بما فيها حدود الدولة السورية طبعاً.

وبالمجموع العام تبلغ نفقات القوات الدولية حوالي ستة مليارات دولار سنوياً تتحمل الولايات المتحدة 27 في المئة منها. ويعود هذا الرقم إلى أن الأمم المتحدة تسدد مبلغ ألف دولار في الشهر إلى كل جندي يعتمر القبعة الزرقاء. ولذلك يلاحظ أن الأكثرية الساحقة من القوات الدولية هي من دول العالم الثالث وخاصة من باكستان وبنجلاديش والهند حيث يشكل هذا المبلغ بالنسبة لمعدلات الدخل القومي في هذه الدول، دخلاً مغرياً.

ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية في بعض هذه الدول مثل الهند، فان الدولة بدأت تتحمل نفقات جنودها. ولكن ذلك لا يكفي لرفع أعباء النفقات عن كاهل المنظمة الدولية. ولذلك فإن الولايات المتحدة طرحت معادلة جديدة تقول إن على الدول التي تطرح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي مثل اليابان والبرازيل والهند وسواها، أن تتحمل المزيد من المسؤوليات الدولية المالية. ثم إن الدول الأوروبية تعاني من صعوبات مالية واقتصادية. وتنعكس هذه الأوضاع على إمكانات تمويل عمليات الأمم المتحدة التي تواجه ضغط الحاجات الأمنية والسياسية، وخطر توسّعها على النحو الذي يمثله الوضع في سوريا. وإذا كانت الولايات المتحدة تشكو من ارتفاع نسبة مساهمتها في تمويل القوات الدولية، فإنها نادراً ما تثير موضوع تمويلها للحروب التي تشنها في الخارج. فالحرب الأميركية على العراق وأفغانستان كلفت دافع الضرائب الأميركي ألف مليار دولار، من دون أن تحقق الولايات المتحدة أي مكسب سياسي، بل لعل المكسب الوحيد الذي حققته هو الانسحاب من هاتين الدولتين بأسلوب يحفظ ماء الوجه على عكس الأسلوب الذي اضطرت إليه في فيتنام!

وقد تعتمد الأمم المتحدة إذا ما قرر مجلس الأمن الدولي توسيع وتغيير هوية العناصر الدولية من مراقبين إلى قوات لحفظ السلام، على تمويل استثنائي من الدول العربية وخاصة من دول مجلس التعاون؛ بما يتجاوز نسبة مساهماتها الحالية في تمويل القوات الدولية.

وهناك سابقة تعاون ناجحة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. فدول الاتحاد تساهم بشكل أساسي في توفير عناصر قوات القبعات الزرقاء من أوغندا وبوروندي مثلاً، وعلى توفير تمويل لها من دول أخرى مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا والسنغال.

وتأمل الأمم المتحدة في اعتماد مثل هذه السابقة مع دول المجموعة العربية إذا ما اضطرت إلى إرسال قوات إلى سوريا. ففي الأساس فإن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا كوفي عنان هو مبعوث جامعة الدولة العربية في الوقت ذاته. ولذلك لن يكون مستغرباً أن تساهم دول المجلس بتمويل مهمة القوات الدولية إلى سوريا التي قد تشكل من عناصر من دول آسيوية وإفريقية وأميركية لاتينية. ومن كل المهمات التي تقوم بها قوات الأمم المتحدة في مناطق مختلفة من العالم، فإن الأردن هي الدولة العربية الأكثر مشاركة، يليها المغرب.

طبعاً ليست كل مهمات القوات الدولية سلمية وبناءة. فبعض العناصر من هذه القوات من دول إفريقية قام بعمليات اغتصاب واسعة النطاق. وشارك بعضها أيضاً في عمليات السلب وخاصة في الكونغو ورواندا؛ وقد أساء هذا السلوك الشائن إلى القوات الدولية وإلى سمعتها وحتى إلى دورها، إلا أن ذلك كان سلوكاً استثنائياً ومحدوداً.

ولعل من المهمات الأمنية المزدوجة، تلك التي تقوم بها القوات الهندية والباكستانية. إذ أن هذه القوات تتولى الدور الأمني العسكري والبوليسي معاً تحت القبعة الزرقاء. ونظراً لخبراتها القتالية (خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب بينهما) فإنها تبلي بلاء حسناً في مواجهة الخارجين عن الشرعية في العديد من الدول الأفريقية.

وهكذا، بدلاً من التقاتل فيما بينها، فإن هذه القوات تقوم معاً بمهمة من أجل السلام الدولي في مناطق من إفريقيا التي تشكل الحروب الأهلية فيها خطراً على هذا السلام العالمي! فالحاجة إلى قوات متمرسة وحسنة التدريب تزداد يوماً بعد يوم. ومثل هذه القوات (وكانت من بريطانيا) لعبت دوراً أساسياً في صد هجوم على مدينة فريتاون عاصمة سيراليون في عام 2000.

وهناك صيغ أخرى للتدخل. منها صيغة التحالف الدولي الذي حرر الكويت من الاجتياح العراقي في عهد صدام حسين، ومنها كذلك عملية تحرير ليبيا من معمر القذافي ونظامه. ولكن بعض هذه الصيغ جرى خارج إطار الأمم المتحدة قراراً وإدارة ومسؤولية. وهي صيغة تطرحها بعض الدول الغربية للعمل بموجبها في سوريا أيضاً، إلا أنها لا تلقى تجاوباً. كما أن صيغة الأمم المتحدة بإرسال قوات دولية تواجه صعوبات وتعقيدات سياسية دولية كثيرة أيضاً لأن تنفيذها لا يمكن أن يتحقق وفق نظام مجلس الأمن الدولي، لأنه يرجح أن يتصدى له الاتحاد الروسي والصين بالنقض -الفيتو.

ويبين ذلك كله سبب ارتفاع صوت الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" الذي يعبر ليس فقط عن الألم مما يحدث في سوريا، وإنما عن العجز الواضح عملياً عن القيام بأي عمل فعال لوضع حد لما يحدث.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الانفجار السوري .. محمد الباهلي

تاريخ النشر: الجمعة 22 يونيو 2012

الاتحاد

ذبح الأطفال، واغتصاب النساء، وأعمال الخطف، وممارسات "الشبيحة"، وارتكاب القتل والتعذيب، واستمرار القصف على المدن والقرى، وتدمير المنازل، وحرق المزارع، وتهجير السكان، واقتراف المذابح المروعة... كلها فظائع يرتكبها النظام السوري، مُحوِّلا حالَ سوريا إلى مأساة. لذلك فثمة مشهد في غاية القسوة والعنف، ونظام لا يعرف من سياسات الحكم والسلطة إلا القتل والتدمير، ليدفع الدولة السورية نحو حرب أهلية.

تلك ليست مخاوف افتراضية بل حقيقة قائمة، كما أكد رئيس عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة، عندما قال إن ما يجري في سوريا حالياً هو حرب أهلية، وهو ما ذهب إليه أمين عام الجامعة العربية حين أوضح أن العمليات العسكرية للنظام السوري لا تنتج غير العنف.

وقد حملت الأشهر التي سبقت الانتفاضة الحالية في سوريا، كميةً ضخمةً من الاحتقان الداخلي، والعديد من المؤشرات على قرب اندلاع الثورة، خاصة بعد أن تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وزادت منها المعالجات الأمنية الفجة. لذلك فالثورة على النظام إنما اندلعت بفعل عوامل موضوعية عانى منها المواطن السوري بعد أن تخطى نظام "البعث" نقطة اللاعودة، أي منذ أن جعل السلاح خياره الأساسي في معالجة الإشكالات الداخلية، ليدفع البلاد نحو النفق المظلم والمنعطف الخطير الذي تعيشه اليوم. إن الاتجاه نحو الحرب الأهلية يعكس انفجار أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية حادة، نتيجة تراكمات كبيرة كانت كامنة داخل المجتمع السوري.

وفي الحالة السورية فإن قائمة عمليات القتل والتعذيب والتفجير التي ارتكبها نظام "البعث" تطول إلى حد غير معقول، حيث تذكر المصادر أنه خلال سنة وخمسة أشهر سقط ستة عشر ألف قتيل، وعدد كبير من الجرحى والمفقودين واللاجئين والمهجرين... هذا علاوة على آلاف المعتقلين. والمتوقع أن يزداد القتل وسفك الدماء إذا ظل الحال على ما هو عليه، مما يعني بروز الحالة الطائفية القائمة وتفاقمها أكثر فأكثر.

ودولياً، نجد أن ثمة موقفاً روسياً مؤيداً للنظام السوري بكل ممارساته، وكما جاء في مقال للباحثة في شؤون الشرق الأوسط "فيرونيكا كراشينينيكوفا"، فإن "سقوط النظام السوري يعني فقدان روسيا حليفها القوي والوحيد في العالم العربي، وهذا بدوره يعني أن روسيا ستخسر منطقة الشرق الأوسط برمتها، وأن النفوذ الأميركي في المنطقة سينتشر بلا حسيب ولا رقيب، وسيكون من الصعب على إيران أن تستمر في صمودها أمام الضغوط الغربية... ولهذا فسقوط النظام السوري يعني في نظر روسيا، أن جبهة المواجهة مع الغرب سوف تقترب من الحدود الروسية في منطقة القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى".

وينطلق موقف واشنطن من الحسابات والمصالح الاستراتيجية الخاصة بأجندتها في المنطقة، لاسيما بعد أن قدمت سوريا تسهيلات مهمة لروسيا في ميناء طرطوس العسكري المطل على ساحل الأبيض المتوسط، وإقامة خطين للغاز يمران من العراق وإيران ويصلان إلى آسيا الوسطى.

إن ما يجري في سوريا اليوم هو حرب باردة بين أميركا ووسيا، واستمرار الموقف الروسي المؤيد لممارسات النظام السوري ضد شعبه، هو جزء من هذه الحرب، وهذا أيضاً ما يؤكد سبب فشل خطة مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية في حل الأزمة وإنقاذ الشعب السوري من القتل، وهو ما يجعل الرصيد الأخلاقي والمعنوي للمجتمع الدولي في خطر.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

هل يفعل النظام في سوريا ما فعله الروس في الشيشان؟ .. هدى الحسيني

الشرق الاوسط

21-6-2012

هناك قلق غربي مما يتواصل حدوثه في العالم العربي، وهناك أيضا قرار بالتخلي عن الأمور وعدم تحمل المسؤولية. إنها كرة من نار لا يريد أحد أن يتلقفها، وكل ما عدا ذلك مجرد تصريحات لا تبلسم جراحا زادت قروحها.

في لقاء مغلق، عقد في لندن لبحث الأوضاع العربية، كان التخلي واضحا. قيل إن في العالم العربي أنظمة غير مقبولة، ومجتمعات ضعيفة، وبديل هذه الأنظمة ما يستطيع أن يقدمه المجتمع، والمجتمع العربي غير قادر على المجيء بقيادات تستطيع مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. لذلك عندما ننظر الآن إلى ليبيا، وتونس واليمن ومصر نجد أن الحقائق الجديدة سيئة إن لم تكن أسوأ مما كانت عليه. إذن نحن نواجه وضعا فيه أن كل الأسباب التي أدت إلى ما سُمي بـ«الربيع العربي»، ليس فقط لم تجد أجوبة لها، بل تعمقت أكثر. الأبرز هو إحباط الشباب المثقف. الوضع الذي يتجه نحوه العالم العربي الآن سيكون أسوأ.

قبل الوصول إلى مصر، ناقش المجتمعون الوضع في سوريا. وكانت التحليلات كالتالي: أي شيء يحدث في سوريا سيكون سيئا. إرث القتال الدائر سيستمر لوقت طويل جدا وسيسفر عن انتقامات متبادلة، هناك الآن انقسامات والناس يقولون إن السنّة يريدون السلطة، لكن لا يوجد شيء اسمه قوة سنّية موحدة.

البديل؟ إما أن يبقى بشار الأسد في السلطة، أو أن يأخذ «الإخوان المسلمون»، بمساعدة تركيا السلطة، أو استمرار الفوضى والقتل داخل سوريا مع تعميق الانقسامات.

رأى المتحاورون، أن الطرف الوحيد القادر على التدخل هو تركيا، لأن تدخلها لا يعتبر تدخلا غربيا، ويكون مقبولا، لكن «لو أن تركيا السابقة أي من دون رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء) هي التي تتدخل لقلنا إن تدخلها إيجابي، لكن إذا تدخلت تركيا أردوغان فستؤدي إلى مشكلة كبرى»!

أسأل: لكن الوضع الحالي سيئ وسيزداد سوءا؟

الجواب: «هذا صحيح، لكن لا أحد يقدر على إيقافه بالقوة في المستقبل القريب. والنتيجة الأكثر واقعية، صراع طويل الأمد، مع تمسك الأسد بالسلطة، أو صراع طويل مع وضع غير واضح نحتاج إلى وقت لنعرف بوضوح من استولى على السلطة».

يقول أحد المشاركين: حاليا هناك تدخل قوي لإيران و«حزب الله»، هم يساعدون النظام السوري وفي بعض الحالات يقودون القتال ضد الثوار، لكن إرث الوحشية في سوريا سيبقى بغض النظر عن النتيجة: «لقد فتحنا الآن انتقامات سورية قديمة ستحدد شكل ونوعية سوريا للجيل المقبل».

عن روسيا كان التالي من قبل أحد المشاركين: الروس يقولون إنهم استثمروا في هذا النظام «ولن نتركه يسقط»، إنما لسبب أساسي آخر هو أن الولايات المتحدة تريده أن يسقط. يضيف: «ما كنت لأفهم روسيا لو لم تكن لي تجربة مع إيران. من الواضح أنه ليس من مصلحة روسيا أن تصبح إيران دولة نووية، لكن، ولأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يرى أن إيران نووية تشكل مشكلة كبرى لأميركا وأوروبا، فإنه يحمي الإيرانيين»، في الحقيقة أنه أكثر عداء لأميركا من كونه يفكر بالمصالح الروسية.

«إذا نظرنا إلى ما هي مصالح روسيا، نرى أنه ليس من مصلحتها وجود نظام جار لها نووي وفوق ذلك، راديكالي إسلامي. توصلت موسكو إلى ترتيب مع طهران يقضي بأن لا تحرض إيران الأقلية المسلمة جنوب روسيا وفي المقابل يحمي الروس النظام».

«هذا الترتيب جيد طالما أن إيران ليست نووية بعد، لكن عندما تصبح نووية فإن شروط اللعبة تتغير، وبالتالي، فإن الروس يلعبون لعبة خطرة جدا، لكن، علمتنا التجارب أن بوتين رجل غير مسؤول».

المسلمون في دول الاتحاد السوفياتي السابق من السنّة، فلماذا لا يخاف أن يؤجج بعض العرب هؤلاء ضده؟ الجواب: لأن لا مصلحة للعرب بذلك، فإن همّ هؤلاء العرب نشر التعاليم الإسلامية ومدارسها وهذه تنتج أحيانا ما يسمى إرهابا، لكن حكوماتهم نفسها ضد الإرهاب. بينما الحكومة الإيرانية لها أنشطة إرهابية في كل أنحاء العالم.

أسأل: سمعنا أن الروس نصحوا النظام السوري باتباع السياسة التي اتبعوها في الشيشان حيث أحرقوا العاصمة غروزني، أي سياسة الأرض المحروقة؟ الجواب: أعتقد أن السوريين لا يحتاجون للنصيحة الروسية، لديهم خبرتهم ونصائح إيران و«حزب الله»، من الممكن أن يكونوا أخذوا بالنصيحة الروسية، لكن ليس لدينا معلومات مؤكدة، إنما لدينا معلومات مؤكدة وواضحة عن الدور الإيراني ودور «حزب الله».

أحد المشاركين رأى أنه في منعطف ما، قد تكون روسيا مستعدة أن تسمح بذهاب بشار الأسد شرط أن يكون البديل شخصا آخر يحافظ على النظام. ربما يقبلون أن يبقى النظام من دون شخص بشار الأسد.

لكن هل هذا بالحل الجيد؟ الجواب: لا شيء في سوريا سيكون حلا جيدا، بل سيئا.

أسأل ماذا عن التدخل العسكري؟ يجيبني أحد المشاركين: لو كنتِ أنتِ مكان الأميركيين أو الأوروبيين لما أردتِ التدخل، لكن لو كنت تركية لتدخلت. انظري، التدخل في ليبيا كان سهلا، إنما نتيجته مشكوك فيها. لكن إذا تدخل الغرب في سوريا فإن طائراته سوف تتساقط، حيث لدى السوريين سلاح مضاد للطائرات متطور جدا، كذلك سيكون من الصعب التدخل بطريقة يقبل بها الرأي العام الغربي، ولا يقاومها الشعب السوري «من هنا أدرك تفكير الأميركي والغربي بعدم التدخل، ثم ما هي مصالح الغرب هناك؟ وقف القتل، إذا وصل فريق جديد إلى السلطة سيقتل هو الآخر. لقد انطلق نهر الانتقامات».

واستبعد المشاركون أن تغرق دول مجاورة أخرى في المستنقع الدموي السوري، لكن «إذا سقط النظام في سوريا سيكون له تأثير سيئ على الأردن، لسببين: الأول - أن الأردن سيكون محاطا بأنظمة إسلامية راديكالية. ثانيا - سقوط الأسد سيُظهر أنه حتى لو أن الجيش مخلص للنظام، فلا مفر في النهاية من سقوط النظام، وأن الراديكاليين الإسلاميين في الأردن سيشعرون بقوة مما سيحدث في سوريا».

لكن تبقى مصر أهم دولة عربية، ورأى المتحاورون أن أمرين يجب أن يحدثا في مصر. إما أن تصبح تحت سيطرة «الإخوان المسلمين» والجيش، أو أن يحاول الجيش عبر قرارات المحكمة العليا التحكم والسيطرة، وعندها يعود الإخوان إلى الشارع وسيحدث انقسام في السلطة ما بين الجيش والإخوان. المهم أنه لن يكون في مصر نظام تعددي، والناس الذين بدأوا الثورة انهزموا ولم يحصدوا شيئا، ولن يكون باستطاعة مصر التعامل مع تحديات العالم الحديث، واقتصاديا ستواجه كارثة، ليس لأن أحد مصادر دخلها «السياحة» انهار ولن ينتعش قريبا، إنما أيضا، لأنه لا يمكن أن يحصل إصلاح اقتصادي ونمو والجيش متمسك بامتيازاته، في حين أن الإخوان يؤسلمون المجتمع، وهذا عكس ما تحتاجه الدولة إذا أرادت إصلاحا اقتصاديا ونموا حقيقيا.

إذا فاز أحمد شفيق سينزل «الإخوان» إلى الشارع فالمحكمة أعطتهم السبب: حق شفيق بترشيح نفسه، وحل البرلمان. أما إذا فاز محمد مرسي فسيقبل «الإخوان» بحل البرلمان.

لكن، هل سيقبل الجيش العيش في ظل «المرشد الأعلى للإخوان»؟ رأى المشاركون أن هذا يتوقف على الاتفاقية التي سيعقدونها مع «الإخوان». بمعنى ألا يقترب «الإخوان» من الامتيازات الاقتصادية الخاصة بالجيش، الذي سيقرر ميزانية الدفاع ويأتي بملياري دولار من واشنطن، وفي المقابل يسمح لـ«الإخوان» بأسلمة المجتمع، «هذا الاتفاق يمكن للإخوان العيش في ظله».

لكن، أليس هناك من خطر أنه مع أسلمة المجتمع سيصبح «الإخوان» أقوى من الجيش؟ يستبعد المشاركون هذا، لأن الجيش يريد أيضا أسلمة المؤسسة العسكرية. «لكن هذا لن يخفف من وطأة الكارثة الاقتصادية. قالوا مع (الربيع العربي) إنهم يريدون تبني النموذج التركي، في تركيا كان الجيش العنصر العلماني الأساسي، وهذا لا ينسحب على الوضع في العالم العربي».

لم يطرحوا بارقة أمل في تلك الجلسة المغلقة، توقعوا جيلين من المصاعب تجتاح العالم العربي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

نزعة بوتين الستالينية وراء هذا الموقف الروسي تجاه الأزمة السورية!! .. صالح القلاب

الشرق الاوسط

21-6-2012

رغم مرور كل هذه الفترة، منذ انفجار انتفاضة الشعب السوري في نحو منتصف مارس (آذار) العام الماضي، بقي الجدل محتدما ولم يُحسم حول الدوافع الحقيقية لوقوف روسيا هذا الموقف «المخزي»، الذي لا يزال مستمرا ومتواصلا رغم كل المبادرات الأميركية والغربية التي فشلت في تغييره، وحول هذا الانحياز إلى الرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد شعبه التي اتخذت بعد خطابه التصعيدي الأخير طابع الإبادة الجماعية المتنقلة في كل المدن والمناطق السورية.

في كل مرة تتردد إشادات بموقف روسيا «الإيجابي»!! وفي كل مرة يخيب سيرغي لافروف ظن الذين تحدثوا عن «ظهور» متغيرات في الموقف الروسي وعن إمكانية نجاح خطة المبعوث العربي والدولي كوفي أنان عندما يجدد التأكيد بالأقوال والأفعال على وقوف بلاده بكل ثقلها إلى جانب بشار الأسد ونظامه فتعود الأمور إلى نقطة الصفر وتزداد القناعة لدى الأكثر واقعية بأن فلاديمير بوتين، عندما كان رئيسا للوزراء وعندما عاد ليحتل موقع رئيس الجمهورية، يعتبر أن معركة الرئيس السوري هي معركته وأن هذا النظام الذي يعتبره القاعدة المتقدمة لبلاده في الشرق الأوسط لا يجوز التخلي عنه لحساب الولايات المتحدة الدولة الكبرى التي أصبحت القطب الأوحد في العالم كله بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بدايات تسعينات القرن الماضي.

كان الاعتقاد في البدايات أن هذا الموقف الروسي، الذي اختار الانحياز لنظام استبدادي دموي لجأ إلى العنف والحلول العسكرية والأمنية منذ اللحظة الأولى، هو مجرد مناورة لابتزاز العرب وخاصة عرب الخليج العربي وابتزاز الولايات المتحدة والحصول على بعض المنافع المالية وأن الأمور سيجري حلها في آخر الأمر بالترضيات والعطاءات وببعض التنازلات الأميركية المتعلقة بتدخلات أميركا في دول منظومة الاتحاد السوفياتي السابق والمتعلقة أيضا بجدار الصواريخ الذي أقامه الأميركيون بحجة مواجهة إيران وهو في حقيقة الأمر يستهدف روسيا ويستهدف مكانتها في ذلك الجزء من العالم.

ثم كان هناك اعتقاد بأن تغيير روسيا لموقفها هذا متوقف على إعطائها ضمانات مؤكدة بالحفاظ على مصالحها الحيوية في سوريا أولا وفي الشرق الأوسط ثانيا وبما في ذلك قاعدتها البحرية في طرطوس، التي هي القاعدة الوحيدة لها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، في حال انهيار بشار الأسد وانهيار نظامه لكن ثبت أن موسكو وإن هي تريد كل هذا وتصر عليه إلا أنها تريد ما هو أبعد منه كثيرا وهو أن تكون ندا حقيقيا وفعليا للولايات المتحدة في إدارة شؤون الكرة الأرضية وكما كان عليه الوضع عندما كان هناك الاتحاد السوفياتي وكان هناك ستالين الذي فرض شروطه على أميركا وعلى الغرب عموما في مؤتمر يالطا الشهير بعد الحرب العالمية الثانية.

وأيضا وإلى جانب هذا كله فإن هناك من لا يزال يعتبر أن موقف بوتين ولافروف وكل هذه المجموعة الروسية هو سر الموقف الإسرائيلي وأن «اللوبي» اليهودي في روسيا، وهذا هو رأي بعض المحللين الروس، هو الذي يقف وراء هذا الموقف الروسي البائس وهو الذي يتابعه ويحافظ عليه والمعروف أن إسرائيل رغم تصريحات وزير دفاعها إيهود براك ووزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان لا تزال مع الحفاظ على هذا النظام السوري الذي جربته على مدى أكثر من أربعين عاما والذي هي حريصة كل الحرص على الإبقاء عليه ما دام أن بديله لا يزال غير معروف لها وما دام أن هناك احتمالا بأن هذا البديل قد يكون الإخوان المسلمين وحركات الإسلام السياسي المتطرفة ومن بينها «القاعدة»!!

وحقيقة أن هذا الموقف المائع الذي تتخذه الولايات المتحدة وتتخذه بعض الدول الأوروبية ومن بينها ألمانيا أنجيلا ميركل يستند إلى هذا الفهم الإسرائيلي نفسه فقرار إسرائيل بالنسبة لهذه المسألة لا يزال لم يصل إلى القناعة بضرورة التحول إلى الاتجاه الآخر وخاصة أن الإسرائيليين باتوا يشعرون بخطورة كل هذه التحولات التي تشهدها المنطقة بعد انفجار ثورات ما يسمى «الربيع العربي» وأن ما يعتبرونه جبهة إرهابية قد تم فتحها ضدهم من سيناء التي شهدت في الفترات الأخيرة عددا من العمليات العسكرية ضد أهداف إسرائيلية كان آخرها قبل أيام قليلة.

لكن ومع أن كل هذا وارد وصحيح فإنه ليس الأساس بالنسبة لهذا الموقف الروسي المستغرب والمثير للكثير من التساؤلات إن من قبل الشعب السوري والمعارضة السورية وإن من قبل معظم الأطراف العربية التي لم تجد بعد تفسيرا يمكن اعتماده لهذا الانحياز المستهجن الذي لا يمكن تبريره وخاصة بعدما اتخذ قمع بشار الأسد لشعبه طابع الاستئصال الطائفي والإبادة الجماعية وبعدما فشلت كل محاولات حل هذه الأزمة وآخرها خطة أنان التي ماتت وشبعت موتا ولم يعد بالإمكان إنعاشها من خلال الحقن المنشطة التي يحاول اللجوء إليها الأميركيون وبعض الدول الأوروبية.

فالأساس هو أن بوتين الذي يحلم بولاية رابعة وخامسة.. وإلى الأبد في موقع رئاسة الجمهورية يريد أن يقنع الروس و«من لفّ لفهم» من شعوب دول منظومة الاتحاد السوفياتي السابق أنه هو الوحيد وليس غيره القادر على إنهاء صيغة القطب العالمي الأوحد لحساب عالم متعدد الأقطاب وأنه هو الوحيد وليس غيره القادر على إلزام الولايات المتحدة بالجلوس إلى مائدة المفاوضات والبيع والشراء في يالطا جديدة لتقاسم النفوذ معها إن بالنسبة لهذه المنطقة الشرق أوسطية الحيوية والاستراتيجية والهامة وإن بالنسبة للعالم بأسره وهذا قد سُمع منه شخصيا من خلال تصريحات متكررة قال فيها إنه لا يمكن القبول بعد الآن بأي إملاءات أميركية وإن مرحلة ضعف روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي قد أصبحت منتهية وإن هناك الآن مرحلة جديدة تقتضي صياغة جديدة لمعادلات النفوذ في الشرق الأوسط وفي العالم كله.

وبالطبع فإن بوتين بعد التجديد له، قبل فترة، لولاية ثالثة أصبح يتصرف داخليا وخارجيا على أنه مجدد دور الاتحاد السوفياتي السابق على الخريطة الدولية وأن سيرغي لافروف يقوم بدور أندريه غروميكو وأنه من الآن فصاعدا لا يمكن القبول بأي إملاءات أميركية والمشكلة هنا أن الرئيس الروسي يسعى لتحقيق كل هذه الطموحات من خلال دماء أبناء الشعب السوري التي تنزف يوميا ومن خلال التمسك بنظام لا يمكن ضمان بقائه بعدما حصل كل هذا الذي حصل حتى وإن أقام الروس قواعد لهم حول العاصمة دمشق نفسها.

وهنا فإن هذا الذي يفعله فلاديمير بوتين لإثبات زعامته العالمية الموهومة يذكر بتلك الحادثة الشهيرة عندما ترأس نيكيتا خروشوف، وكان في ذلك الحين يشغل موقع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، وفد بلاده إلى الدورة العامة للأمم المتحدة في عام 1960 حيث لم يجد ما يعبر من خلاله عن أنه زعيم عالمي سوى خلعه لحذائه وهو جالس في مقعده أمام المنصة الدولية و«الدَّق» به على تلك المنصة في تصرف استعراضي مظهري أساء إليه وإلى حزبه وحكومته وبلده لم تستفد منه إلا الدعاية «الإمبريالية»!! الغربية المضادة.

إن هذا هو سبب اتخاذ فلاديمير بوتين لهذا الموقف المستغرب الذي بقي يتخذه تجاه الأزمة السورية المتصاعدة والمشكلة هنا هي أن الرئيس الروسي ربما لا يعرف أن هذه المعادلة الكونية التي يسعى إليها والتي عنوانها: «عالم متعدد الأقطاب كبديل لعالم القطب الواحد» تحتاج إلى معطيات سياسية واقتصادية وعسكرية لا تزال غير متوفرة لبلاده كما تحتاج إلى اصطفاف دولي غير هذا الاصطفاف الذي يعتبر نفسه قائدا له ولذلك فإن هذه الوضعية التي يتخذها سوف تصبح وبالا عليه وعلى تطلعاته وطموحاته عندما سيكتشف الروس كم أن «ستالينهم» الجديد قد حمَّلهم إثما تاريخيا سيبقى يطاردهم إلى الأبد عندما اختار أن تكون روسيا شريكا أعمى لنظام مستبد في ذبح أبناء شعبه.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في انتظار الانقلاب  .. حسان حيدر

الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٢

الحياة

الدقائق الأربعون التي أمضاها أوباما وبوتين في بحث الملف السوري أفضت إلى تثبيت التفويض الأميركي غير المباشر وغير المعلن لروسيا بإيجاد حل للأزمة السورية يحفظ مصالحها ويؤدي في الوقت نفسه إلى التغيير المنشود. لكن خيارات موسكو تبدو محدودة للغاية في ضوء المعطيات القائمة.

فواشنطن ومعها المعارضة السورية والعالم لا تريد أن تقتصر أي خطة لوقف العنف على الشأن الأمني، بل أن تتعداه إلى حل سياسي انتقالي، فيما الروس يرفضون أن يكون التغيير السياسي شرطاً مسبقاً لوقف العنف. لكن بسبب عدم رغبة الأميركيين وعدم قدرتهم على التدخل العسكري لأسباب اقتصادية وانتخابية، وأخرى تتعلق بمخاوف إسرائيل من «الهلال السني» الممتد من تركيا إلى تونس مروراً بغزة، وعدم توافر الغطاء الدولي الشرعي أساساً، ركز أوباما خلال اللقاء على إقناع بوتين بأن من مسؤولية روسيا ابتداع حل يستجيب مطالب الطرفين.

وقد حرص الرئيس الروسي على عدم إظهار قبوله بالتفويض الأميركي لأن ذلك يقوض صدقيته كحليف يعتمد عليه، لكنه استخدم اللقاءات اللاحقة مع قادة أوروبيين مثل البريطاني كامرون والفرنسي هولاند لتسريب ملامح الحل المزمع، وبينها عدم تمسكه ببقاء الأسد.

ويتركز اعتراض روسيا الرئيسي على غياب أي ضمانات بالنسبة إلى مصالحها من جانب القوى البديلة للقيادة السورية الحالية، وشدد بوتين خلال محادثاته على ما يعتبره «فشل» المرحلتين الانتقاليتين في ليبيا ومصر حيث لا يزال العنف والتوتر قائمين ويهددان بالتوسع وإبقاء البلدين ضحية النزاعات الداخلية لفترة طويلة.

كما أن الأسد الذي يرفض في شكل قاطع فكرة التنحي، لكنه يدرك في الوقت نفسه حجم الضغوط التي تتعرض لها روسيا، أوفد مستشارته بثينة شعبان إلى موسكو عشية لقاءات المكسيك لتذكير روسيا بأن مصالحها ستتعرض للخطر إذا هي تخلت عنه، لأن البديل أياً كان لن ينسى مواقفها الداعمة للنظام. ولهذا قال الأميركيون إنهم يعرفون بأن الروس تلقوا تهديدات وإنهم يصدقون ما يقولونه عن أن هدف إرسال سفن حربية إلى سواحل سورية هو الاستعداد لإجلاء رجالهم ومعداتهم في حال وصلت التهديدات إلى مرحلة التنفيذ.

هذه المعطيات تضع موسكو أمام حل وحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: الانقلاب العسكري. فتقوم مجموعة من الضباط، بمن فيهم ضباط علويون، بإطاحة الأسد وتشكيل مجلس عسكري يعلن وقفاً شاملاً للعمليات الأمنية ويطلق الموقوفين ويقود مرحلة انتقالية قد تمتد لعامين وتشهد انتخابات برلمانية ووضع دستور جديد، وتنتهي بانتخاب رئيس، ما يمنح موسكو الوقت للتفاوض مع القوى الناشئة في سورية على المصالح الاستراتيجية الروسية.

ويفترض هذا الحل قبول مختلف أطراف المعارضة بدور المجلس العسكري في إنجاز المصالحة الوطنية بعد الفرز الطائفي والمذهبي الذي عمل نظام الأسد على إذكائه، وموافقتها على وقف العمل المسلح، في ضوء تأكيدها أنها حملت السلاح أساساً دفاعاً عن نفسها وأنها تلتزم التعددية وحماية مصالح الأقليات ودورها.

لكن السؤال هو هل ينطلي مثل هذا التدبير الروسي على المعارضة السورية فتقبل به كحل لا يطيح النظام من جذوره؟ الجواب سيكون سلبياً بالتأكيد في ظل الحصار الدولي المطبق على الأسد وتراجع قدرة جيشه على الحسم وامتداد التململ إلى فئات اجتماعية وقفت على «الحياد» حتى الآن، لكن الأميركيين والأتراك وآخرين قد يتكفلون بإقناعها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ماذا تكشف لنا ثورة سورية؟ .. شفيق ناظم الغبرا *

الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٢

الحياة

رغم الأسلحة التي استخدمها النظام السوري وسيل الشهداء الذي تجاوز ١٥ الفاً، لم ينجح نظام الأسد في إنهاء الثورة، بل أدى القتل وحرق القرى والأحياء الى انتشار الثورة وسط قطاعات جديدة من السكان. الذي مر على سورية منذ آذار (مارس) ٢٠١١ لم يكن عادياً، وقد أخطأ النظام وكل من فكر في إطاره في تبسيط الحالة السورية على أنها جماعات صغيرة. في سورية ثورة تنتشر وسط أغلبية السكان، وهي في هذا كحال ثورات المنطقة العربية الساعية لديموقراطية وحريات وتنمية على أنقاض ديكتاتوريات مريضة بحب السلطة وتوريثها.

إن تبسيط النظام لحالة الثورة في سورية جعله يعلن المرة تلو الاخرى عن قرب نهايتها، وفي لحظات، أعلنت بثينة شعبان، الناطق الأقرب باسم النظام، ان الأصعب أصبح وراءنا، واذا بالأصعب لم يبدأ، ولا يزال طور النمو. ومنذ أيام، اعلن النظام انه سيصدر عفواً عن كل من يستسلم من «الجيش الحر» وحملة السلاح، واذا بالقصف يزداد وتيرة و «الجيش الحر» يزداد عدداً.

لقد تجاوز البطش في الحالة السورية كل شيء تخيله السوريون والعرب. لم نرَ مثل هذا البطش في الثورة اليمنية ولا المصرية أو التونسية، فالأنظمة في تلك المجتمعات تفاعلت مع الثورة ضمن حدود النتائج، كما أن الجيوش في تلك الدول تصرفت بصورة مغايرة. لكن الفارق بين سورية وبقية ثورات العرب هو كالفارق بين يوغوسلافيا البلقان وبين ثورات بولندا وتشيكوسلوفاكيا ودول اوروبا الشرقية، ففي الحالة اليوغوسلافية برزت عقدة صربية مع الذات والتاريخ والمكانة مما أدى لنمو شخصية دموية من شاكلة ميلوسوفيتش. ومع ميلوسوفيتش جاءت مشاريع التطهير العرقي ضد المسلمين، لكن ما لم يعه ميلوسوفيتش في حربه أن صبر العالم على صور القتل والمجازر ينفد في لحظة مفاجئة، لهذا انتهت حرب البوسنة بتدخل دولي ادى الى ايقافها.

لقد حررت الثورة الشعب السوري من بنية الخوف، وجعلته يقبل على فك قيوده بحرية. ولم يكن هناك ما يشير الى أن الاسد بتربيته الغربية سيواجه متظاهرين سلميين، كما فعل القذافي. لكن الثورة بينت امام الشعب السوري، أن النظام في جوهره معاد للشعب، وان كل ما كان يمارسه في السابق كان يهدف إلى الإمساك بملفات القوة والسلطة المحلية والإقليمية، وتبين أن النظام لم ينظر الى شعبه سوى كوسيلة للسلطة والتوريث العائلي.

والأوضح في الثورة السورية (وهذا عنصر رئيسي في استمرارها)، أن النظام السوري عاجز عن إصلاح حاله وعن القبول بحق المتظاهرين السلميين في التظاهر وعاجز عن ممارسة حوار حقيقي مع المختلفين معه، وعاجز عن إيقاف منطق العنف ضد المدن والقرى والمدنيين، وعاجز عن إيقاف معسكرات الاعتقال والتعذيب والقبول بدخول وسائل الإعلام العربية والعالمية لتغطية الوضع في سورية. العجز في كل شيء الا عن آلة البطش هو الصفة الاهم للأنظمة الأمنية المتحجرة التي لا تعرف طريقاً سوى العنف.

أن يتم توثيق جرائم النظام وارتكابها بأوامر من شخصيات معروفة في الأجهزة الأمنية يكتسب مزيداً من الأهمية في هذه المرحلة، وهذا ما تقوم به قواعد هامة في الثورة السورية. إن تمسك النظام السوري بالسلطة سيصاحبه مع الوقت مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان ومزيد من التوثيق المحلي والدولي لهذه الانتهاكات، ثم مزيد من تحريك قضية الحماية الإنسانية. ويتم كل هذا في ظل مشاهدة العالم لما يقع من خلال وسائل الاعلام الجديدة التي يبثها الثوار السوريون.

وتشكل عملية تجميد مهمة المراقبين الدوليين في سورية حالة جديدة، فالعالم يزداد اقتراباً من الوصول الى منعطف جديد في العلاقة مع النظام السوري. التدخل الانساني له تاريخ في مجتمعات العالم، ومبرراته في سورية تزداد كل يوم، انطلاقاً من أن الأنظمة مسؤولة عن حماية المدنيين من سكانها، وعندما تفشل في هذه الحماية تتحول حمايتهم الى قضية محركة للرأي العام وللدول.

وفي الجانب السوري المعارض، نجد الكثير من ضبط النفس، بينما تشير تقارير إلى تجاوزات في مناطق المعارضة، إلا أن المعارضة وقوى الثورة لم تنجر لممارسات مضادة كتلك التي يمارسها النظام، كما حصل في سلسلة المجازر الأخيرة، ومنها مجزرة الحولة. ويوجد في الشارع السوري تيار كبير يعيش غضباً ضد النظام، والواضح ان هذا الغضب بدأ يأخذ منحى موجهاً تجاه العلويين بصفتهم القوة الرئيسية وراء قوات الشبيحة وأمن النظام والقمع الراهن. في سورية توريط للطائفة العلوية، فباسمها يقع الكثير مما يباعد بينها وبين الأغلبية السنية، فالنظام السوري يبني على تجربته التاريخية في حرب لبنان الأهلية ويحاول خلق حالة من الرعب والخوف الأهلي الذي يمنع أيّاً من أبناء الطائفة العلوية والأقليات الأخرى من الانشقاق عنه.

السوريون يعون بأن النظام يستخدم ورقة الطائفة العلوية بصورة أساسية لإبقائها متباعدة عن بقية السوريين. هذا يجعل التوجه الى الطائفة العلوية وعدم القيام بممارسات قد تصب لمصلحة النظام اأمراً رئيسياً في تقدم الثورة. ويسجَّل للمعارضة السورية مرونتها وقدرتها على التحرك، اذ نجحت في تغيير رئيسها، وفي انتخاب شخصية وطنية كردية في رئاسة المجلس الوطني. بطبيعة الحال، بناء الدولة القادمة في سورية سوف يتطلب مشاركة كل فئات الشعب السوري، وسوف يتطلب عدالة لكل الفئات التي يتشكل منها المجتمع السوري.

هذه ثورة المستحيل، لأنها تواجه نظاماً أقوى ما فيه أمنه واستخباراته وأجهزته المتخصصة بالبطش وأضعف حلقاته رعايته لشعبه. لهذا يواجه الثائر السوري الرصاص والمدافع والشبيحة والاعتقالات والتعذيب، لكنه يكسب كل يوم مزيداً من المنضمين الى الثورة ممن يعانون من بطش النظام وسوء إدارته وضعف إنسانيته. الثورة السورية كشفت وجهاً لم يكن معروفاً عن نظام الأسد، فبين يوم وليلة، فَقَدَ الاسد الابن شرعيته السياسية، وبين يوم وليلة سقطت كل الاوهام حول وطنية النظام وقوميته او إصلاحه وتأهيله. النظام السوري واقع الآن بين ثورة متنامية صامدة من جهة وبين آفاق التحول في الوضع الدولي لصالح الثورة.

 * استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

shafeeqghbra@ تويتر

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

النظام يتغوّل مع انطلاق مرحلة «ما بعد الأسد» .. عبدالوهاب بدرخان

الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٢

الحياة

لم يعد مفهوماً على الاطلاق ما معنى وما هدف الفرص الزائدة التي تُعطى للنظام السوري، طالما أنه يستغلّها لمواصلة القتل والتدمير. اذا كان العالم اعتبره فاقداً الشرعية، تحديداً لأنه يقتل شعبه، فإن العالم فقد كل صدقية اذ يتيح له هذا التغوّل. وهو انتقل أخيراً من التقتيل الى ارتكاب المجازر المبرمجة جغرافياً وديموغرافياً وطائفياً، وأصبح تهجير السكان من قرى وبلدات، ومن مدن كبيرة أو متوسطة، إحدى وسائله لكسر الانتفاضة وقهر المواطنين وتشريدهم ونهب ممتلكاتهم. وباتت أوساط «تنسيقيات الثورة» في الداخل والمعارضة في الخارج ترصد التجمعات السكانية السنّية الواقعة بين تجمعات علويّة لتنذرها باحتمال استهدافها للتهجير، بالقصف العنيف أولاً ثم بدخول جحافل الأمن و «الشبيحة». هذا ما شهدته الحُولة والقبير، ثم الحفّةّ حيث لم يجد المراقبون الدوليون أي دليل على وجود حياة فيها، اذ أقفرت بعد ثلاثة أيام من الحصار والقصف. رأوا أبنية ومنازل مهدّمة ومنهوبة. رُفعت الجثث ما عدا واحدة، لكن آثار الدماء كانت هنا وهناك. ولعل الأكثر اذهالاً كان اعتراض الأهالي سيارات المراقبين لمنعهم من دخول الحفّة. فالمقتلة كانت تدور في البلدة وشاء الموالون للنظام، للطائفة، للقتلة، أن يؤمّنوا لهم الحماية.

قطعاً لم يعد هناك شعب واحد، ولا دولة واحدة. أسماء المناطق الاخرى المرشحة للمجازر والتهجير تُتداول بين السوريين. كثيرون يحاولون المغادرة مسبقاً. لا يريدون أن ينتظروا الكارثة. وتصاعدت أخيراً الشكوى من أن العواصم القريبة والبعيدة تبدو كأنها توصد أبوابها. فدول الجوار تواصل تعويق الدخول أو المرور، خصوصاً الأردن، أما لبنان فباتت حدوده من الجهة السورية أشبه بالمصيدة، اذ تستنسب الحواجز تسهيل العبور وفق الهوية والمنطقة التي جاء منها العابرون، وبالأخص وفق الرشى التي تقدّم الى العناصر الأمنية. اما الدول الغربية فلم تعد تمنح تأشيرات، وبعد مغادرة السفراء يجد حاملو الجنسيات الاوروبية مثلاً أنهم مهملون ومتروكون لمصيرهم، وحين يسعون الى المغادرة بوسائلهم لا يُسمح لأفراد عائلاتهم بمرافقتهم اذا لم يكونوا أيضاً من حاملي الجنسيات.

تزامن قرار لجنة المراقبين تعليق أعمالها مع نهاية «مهلة الـ24 الساعة» التي أنذر النظام بأنه سيبدأ بعدها هجوماً شاملاً. كان ذلك اعلاناً رسمياً بإنهاء «التزامه وقف اطلاق النار» الذي لم يلتزمه أبداً. وعلى رغم أن كوفي انان يعتبر النظام المسؤول الأول عن العنف وتصعيده، إلا أن كبير المراقبين لم يربط قراره بذاك الانذار، ما نال استحساناً من النظام وكأنه حصل على مشروعية للاستشراس. وظهرت بوادر الهجوم بالاستخدام الكثيف لسلاح الجو، فبعد طلعات متفرّقة في الشهر سابقاً أصبحت الوتيرة عشرات الطلعات يومياً، لكن أحداً في الخارج لم يشر الى ضرورة حظر الطيران. حصل سجال كلامي سقيم بين هيلاري كلينتون وسيرغي لافروف حول المروحيات الحربية التي تبيعها موسكو الى دمشق. وكذب الروسي حين قال إن بلاده لا توفر للنظام السوري أسلحة يمكن استخدامها ضد الشعب. تشهد على ذلك أحياء الخالدية وباب تدمر وجورة الشياح والصفصافة في حمص حيث يتواصل التدمير المنهجي للمدينة، وعلى رغم استغاثات السكان المحاصرين والتحذيرات المتكررة في عواصم الغرب من مجازر متوقعة لم يكن هناك أي مسعى للإغاثة. قلب حمص يدُكّ لاقتلاع من تبقى من أهل المدينة، وهو على وشك أن يفرغ من سكانه. لعله لم يعرف مثل هذا الضيم منذ عهد الدويلات. ومثلها دير الزور حيث دُمّر حي الجورة أهم أحيائها ويُقدَّر أن ربع سكانها انتقلوا الى الحسكة. هذا الهجوم شمل ريفي دمشق وحلب وجعلهما في حال حرب فعلية لكن غير متكافئة.

إنها محاولة اخرى يقدم عليها النظام لـ «حسم» المواجهة، حسم يرمي أولاً الى استباق اكتمال تسليح المعارضين الذين برهنوا بالقليل الذي حصلوا عليه أنهم يستطيعون رفد حال الانتفاضة الشعبية على الأرض بشيء من الندّية للنظام، لكن تساؤلاتهم كثرت أخيراً عن سبب الفرملة المفاجئة لتسليمهم شحنات أسلحة نوعية أُبلغوا أنها وصلت فعلاً وحُجبت عنهم، ولا تفسير لديهم سوى أن الولايات المتحدة هي التي جمّدتها لاستكمال اتصالاتها ومشاوراتها.

كما يرمي «الحسم» هذا الى استباق تنضيج المشاورات الروسية - الغربية المقبلة، ومنها اللقاء الذي تم فعلاً بين باراك اوباما وفلاديمير بوتين، خصوصاً بعدما تأكد ان الاتصالات تتركز أكثر فأكثر على «ما بعد الأسد». صحيح أن وزير الخارجية الروسي نفى ما كشفه نظيره الفرنسي لوران فابيوس، إلا أن الروس يعرفون أنهم اذا لم يضعوا رأس النظام على الطاولة فلن يتمكنوا من استدراج أي مساومة أو صفقة. غير أن الشعب السوري الذي يتعرّض حالياً لأعتى عدوان عليه من النظام، وكذلك الشعوب العربية المترقبة بحزن والآملة بحل قريب في سورية، قد يطول انتظارها أكثر قبل أن يظهر الضوء في نهاية النفق. وعندما يقول بوتين إن «نقاطاً مشتركة» تم التوافق عليها مع أوباما، فهذا لا يعني أنهما أحرزا تقدماً أبعد من التفاهمات التي سبق أن توصل اليها مساعدوهما خلال مشاورات الشهور الماضية. قيل إن مجرد صدور بيان اميركي - روسي مشترك عنى أن الدولتين في صدد العمل معاً، لكنهما لم تتفقا بعد على مجمل التفاصيل.

كان التفاهم الأهم، الذي جُدّد تأكيده على ما يبدو، أن «لا إسقاط للنظام» بتدخل خارجي و «لا سحق عسكرياً لانتفاضة الشعب» بغطاء روسي. وعلى ذلك استعاد الجانبان دعمهما لمهمة كوفي انان طالما أنها انبثقت أساساً من توافقهما «بما في ذلك التحرك باتجاه انتقال سياسي الى نظام ديموقراطي تعددي يتفق عليه السوريون أنفسهم في اطار سيادة سورية واستقلالها ووحدة أرضها» (وفقاً للبيان)... لكن مع ضرورة «وقف فوري للعنف»، الشرط اللازم للشروع في أي مسعى سياسي. فأي تحرك ضمن «خطة انان» يلقى ترحيباً من موسكو كونه يمنحها دوراً رئيساً في ادارة الأزمة، لذلك فهي قد توافق على زيادة عدد المراقبين وعلى تفعيل بنود الخطة كافة، وقد تنفتح على العمل لفتح ممرات انسانية، اذ بدا الاميركيون مهتمين به في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد تكاثر المدن والبلدات المعلنة «منكوبة». لكن أي توافق اميركي - روسي ظاهري لا بد من أن يُؤخذ بحذر شديد، فلا شيء يوحي فعلاً بأن اتفاقاً قد حصل، وأن بوتين نال كل ما أراد لينفذ كل ما يُتوقع منه لإنهاء الأزمة السورية.

في أي حال، لا يبدو الجهد المبذول (من اسطنبول الى القاهرة) لإيجاد اطار سياسي «توحيدي» للمعارضة بعيداً من مناخ التعويل مجدداً على «خطة انان»، اذ لا يزال هدفها شبه المصرّح به هو «نقل السلطة». ولعل هذا المناخ يوضح أسباب تصعيد العنف من جانب النظام، والإبطاء في تسليح المعارضة من جهة اخرى. لكن اذا كانت هناك أخبار جيدة فعلاً في لقاء اوباما - بوتين، فالأحرى أن تظهر سريعاً لأن الوقت، في سورية، من دم.

* كاتب وصحافي لبناني

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

من ينقذ سورية ؟ .. مرح البقاعي *

الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٢

الحياة

في حين تترنّح خطة المبعوث الأممي، كوفي عنان، تحت الضربات الاستباقيّة التي توجهها كتائب الأسد النظامية بغرض الإرهاب والتعنيف القصدي، ينفتح القرار الدولي على فراغ كبير في ظل غياب خطط جاهزة للتعويض عن مبادرة عنان في حال سقوطها الكامل الذي غدا وشيكاً باعتراف رئيس بعثة المراقبين، الجنرال روبرت مود، والذي قام بتعليق أعمال اللجنة عازياً القرار إلى «افتقار الرغبة في التحوّل السلمي في سورية، والذي يحلّ محلّه توجهاً واضحاً نحو تحقيق مكاسب عسكرية».

طبعاً جاء هذا الموقف إثر تعرّض موكب المراقبين الدوليين لاعتداء غير مسبوق ومباشر شنّته المجموعات المؤيدة لبشار الأسد في مدينة الحفة في اللاذقية حيث حذّر المراقبون من احتمال وقوع مجازر تطاول المدنيين العزل على غرار مجزرتي الحولة والقبير، وكذا بسبب المؤشر التصاعدي للعنف في سورية الذي تمارسه أطراف النظام على المدنيين في القرى والمدن السورية ابتداء بالاغتصاب الجنسي مروراً بالتعذيب الجسدي وصولاً إلى الذبح والقتل بالفؤوس وبدم الوحوش الضارية البارد.

كل هذا يجرى في سورية والعالم في ثبات عميق لا يرجّ بركته الراكدة، بين الفينة والأخرى، سوى صور جثث الأطفال المشوّهة والمبتورة الأعضاء والتي يأبى الشيطان نفسه أن يمثّل بها كما تفعل عصابات الأسد المدرّبة على القتل والفتك بهيستيريا دموية لم تشهدها البشرية ولم تعهد حقداً مضمراً كأحقادها.

أما هنا في الولايات المتحدة، الدولة التي تأسس دستورها على المبادئ الرئيسة لحقوق الإنسان، فإن «تطنيش» الرئيس أوباما ومجموعته في البيت البيض عن فداحة الأحداث في سورية قد بلغ الزبى! كما أن مراوحة الخارجية الأميركية بين الشجب والتهديد لنظام الأسد من دون اتخاذ خطوات فاعلة على الأرض إنما تشكّل غطاء لهذا النظام ليوغل في القتل دونما الخوف من رقيب أو حسيب، ولحليفيه إيران وروسيا بأن تستمرا بالدعم اللوجستي والسياسي لعمليات القمع المخيفة يمارسها على شعبه الذي خرج طلباً للكرامة والحرية.

في جريدة «نيويورك تايمز» الليبرالية، والتي تشكّل الظهير الإعلامي الداعم لإدارة أوباما، كتب الصحافي الشهير نيكولاس كريستوف، في مقالة حملت عنوان: «من جائزة نوبل إلى الشلل»: «قد لا تتوفّر لدينا حلول سهلة عندما تتحوّل الحكومات إلى القتل الجماعي، ولكن يجب علينا على الأقل أن نكون في الجانب النيّر من التاريخ! وهذا أقل ما نتوقّعه من الرجل الحائز على جائزة نوبل للسلام». هذا النقد غير المسبوق من حديقة أوباما الاعلامية الخلفية، إنما يؤشر إلى الانفصال التام بين إرادة الشارع الأميركي وطموحاته في حكومته وبين الانضواء الذي تعاني منه إدارة أوباما حين يتعلّق الأمر بالحسم في الشأن السوري. هذا الاكتئاب السياسي يتنافى مع كل قيم الثقافة الأميركية التي ارتفعت على تقديس الحريّات والمجاهرة بأولويتها الإنسانية.

إن ما اقترفته القوات الحكومية السورية من جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية ممنهجة من خلال مهاجمة المدنيين، مطلقة نار مدافع الميدان وراجمات الصواريخ على الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، ومستخدمة القناصة والطائرات المروحية ضد المدنيين، هذا ناهيك عن تعذيب الجرحى والتمثيل بجثث الشهداء بعد سرقتها من المشافي. هذه الارتكابات هي جرائم كاملة ضد الإنسانية وفق التعريف الوارد في النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية المبرم في روما.

هذه الجرائم المنظمة تستمر بعد مرور عام ونصف العام على اندلاع الثورة السورية الماجدة، وعلى مرأى من المراقبين الدوليين الذين وثّقوا لهذه الجرائم التي تقارب في مواصفاتها أحداث كوسوفو وراوندا والصومال وينطبق عليها مبدأ مسؤولية الحماية R2P.

لا يعترف المبدأ هذا بحق السيادة للدول منفصلاً عن شرطه، وإنما يربط هذا الحق بمسؤولية الدولة عن حماية السكان من مواطنيها والمقيمين على أراضيها أيضاً. وحين تفشل الدولة في تأمين هذه الحماية يصبح من واجب المجتمع الدولي التدخّل المباشر من أجل تأمين سلامة هؤلاء المدنيين وأمنهم، هذا في الحالة المثالية لتطبيقات المبدأ، فما بالكم بما يجري بمقتضى الحالة السورية وحكومتها المتهاوية التي تقوم بنفسها بعمليات الاعتداء على المدنيين العزّل في عقر دارهم؟

إنه لمن دواعي الخيبة أن المزاج الدولي لم ينضج بعد ليتّخذ قراراً بالحسم والقطع مع بشار الأسد ونظامه، فالولايات المتحدة وإدارتها الديموقراطية تحمل من قوة الخطابة أكثر بكثير مما تمارسه بقوة الفعل، والأوروبيون منقسمون بين مؤيد لتوجيه أقصى العقوبات على النظام، بما فيها الحسم العسكري، إلى من يماطل ويختبئ وراء الغربال بانتظار أن تتّضح مواقف الدول ذات التأثير المباشر في القرار الأممي. أما روسيا - بوتين، التي شهدت شوارعها اخيراً تظاهرات عارمة هي أشبه بالربيع الروسي، فماضية في تشكيل الأحلاف وابتكار الاصطفافات السياسية للعودة إلى خريطة القوى الكبرى من خلال استرجاع ظروف الحرب الباردة. وما دور «محامي الشيطان» الذي تلعبه في الحالة السوريّة إلا محاولة منها لاستعادة نفوذها العالمي المفقود، دونما اكتراث بالعواقب الإنسانية لموقفها المشبوه هذا.

اليوم، إثر تعليق لجنة المراقبة الأممية أعمالها في سورية، لم يعد أمام المجتمع الدولي إلا تحمّل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية كاملة، والتوجّه إلى الجمعية العامة للأم المتحدة للمطالبة بتنفيذ قانون مسؤولية الحماية، دونما تأجيل، وبدعم من مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري التي تشكّل تحالفاً واسعاً لنصرة الثورة السورية الماجدة، وبالسرعة الممكنة، قبل فوات الأوان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فشل لقاء أوباما - بوتين يمدد الانتظار  .. تعزيز خطة أنان برفع المراقبين الى 3 آلاف؟  .. روزانا بومنصف

2012-06-21

النهار

على رغم ترقب المتابعين للشأن السوري على نحو خاص اللقاء بين الرئيس الاميركي باراك اوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في لوس كابوس في المكسيك على هامش اجتماع مجموعة العشرين الصناعية الكبرى من اجل محاولة تبين ملامح المرحلة المقبلة، فان هؤلاء لم تكن لديهم اوهام بان شيئا يمكن ان يطرأ قبل الخريف المقبل. هذا الانطباع لا يزال قائما على رغم تسريع المجازر التي وقعت اخيرا لوتيرة الامور والعمل الدولي من اجل انهاء الوضع ما لم تحصل مجزرة جديدة اخرى بحيث تقلب الاوضاع، وعلى رغم اشتداد وطأة الامور على الارض في سوريا سعيا الى تعزيز المواقع والاوراق قبيل لقاء اوباما بوتين تماما على ما جرى قبل اشهر مع سعي النظام الى اقتحام بابا عمرو في حمص قبيل اجتماع لمجلس الامن الدولي. وقد كان من الصعب بالنسبة الى هؤلاء المتابعين تصور امكان الوصول الى توافق بين اوباما وبوتين فيما كان الغرب يوقف باخرة روسية قرب السواحل البريطانية ترددت معلومات انها تنقل طائرات هيليكوبتر الى النظام السوري قالت روسيا في وقت سابق انها كانت قيد الصيانة. وبدا ان ثمة تشكيكا كبيرا في هذا الكلام باعتبار ان هذا الامر ولو صح، فهناك هامش كبير للتساؤل عن توقيت ارسال هذه الطائرات في الوقت الذي يستخدمها النظام في مواجهته المعارضة ضد حكمه وفي الوقت الذي تنتقد روسيا الدول الغربية لمساعدتها المعارضة بوسائل الاتصالات الحديثة او بالاسلحة وفق ما اتهمت بعض الدول. كما لم يكن متوقعا بالنسبة الى هؤلاء المتابعين ان تقبل روسيا تحت الضغط اظهار مرونة معينة في الموضوع السوري. ذلك انها اعتبرت ووفق ما تفيد بعض المعلومات الديبلوماسية ان تعليق المراقبين عملهم في سوريا منذ يوم الجمعة الماضي كان يستهدفها لجهة محاولة الضغط عليها من اجل ان تضغط بدورها على النظام في حال شاءت انقاذ خطة انان فيما هي اعلنت دعمها له. ولذلك اعتبر احد مندوبيها المساعدين في مجلس الامن ان تعليق المراقبين عملهم كان يفترض ان يبت في مجلس الامن لا ان يوضع امام المجلس كامر واقع. وتفيد المعلومات نفسها ان روسيا شعرت بالضغط في الاونة الاخيرة على وقع تسارع التطورات في سوريا وحصول مجزرتين كبيرتين على الاقل كان لهما الاثر الكبير في تحريك المجتمع الدولي بقوة.  فهذه المعطيات بدت متناقضة الى حد كبير مع ما يشيعه منذ بعض الوقت مسؤولون اوروبيون كبار عن تغيير في الموقف الروسي من سوريا وان التطورات الاخيرة ستؤثر في هذا التغيير، اذ ان هذا الموقف وعلى رغم كل الاخذ والرد حوله يعود ليقف عند حدود ممانعته الموقف الغربي من سوريا والتوافق معه على موقف موحد من النظام الى جانب عدم وضوح ما الذي يمكنه الوصول اليه وما الذي يريد الوصول اليه وباي اثمان.

تقول مصادر ديبلوماسية ان خلاصة ما اعلن من لقاء اوباما وبوتين من " ان روسيا والصين لم تنضما الى خطة دولية للاطاحة بالرئيس السوري بشار الاسد " وفق ما قال الرئيس الاميركي تطرح تساؤلات جدية عما ستكون الخطوات التالية في ضوء نقطتين اثنتين وردتا في البيان المشترك : الاولى تتعلق بدعم خطة الموفد المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان والثانية تتعلق بدعم التحرك قدما في شان الانتقال السياسي الى نظام سياسي ديموقراطي تعددي. فخطة انان تم نعيها من دول عدة بعد فشلها عمليا في وقف النار واضطرار المراقبين الى تعليق عملهم. فهناك اذا ما يفيد بحتمية العودة الى تعويم هذه الخطة وفق ما ورد في البيان المشترك لاوباما وبوتين باعتبار هذه الخطة العامل المشترك الذي لا يزال يلتقي عليه الجميع في غياب اي توافق على بديل منها او على تسوية اخرى او بديلة للوضع. فالمراقبون العاجزون عن القيام بعملهم مفيدون للدول الغربية في رصد حقيقة ما يجري على الارض وابقاء صلة وصل مع النظام ولو بالحد الادنى من امكان مراقبتهم للوضع. لذلك لم يتحدث احد عن سحبهم وفق ما جرى مع المراقبين العرب قبل اشهر، وقد اعتبر كثر انسحاب هؤلاء او سحبهم خطأ لا يجوز تكراره علما ان لا بديل عن المراقبين الدوليين في الوقت الراهن للتخفيف بعض الشيء من وطأة ما يحدث وترك المجال مفتوحا امام اعتمادهم في اي خطة لانقاذ الوضع متى اتفق على هذه الخطة هذا الشهر او الشهر المقبل او ما بعده. والتأكيد على دعم خطة انان يصب في هذا الاطار. لذلك من غير المستبعد ان يطرح تعزيز هذه الخطة بعناصر اضافية تسمح لها باستعادة بعض الزخم الذي فقدته بعدم تنفيذها حتى الان. وهناك افكار يتم تداولها على هذا الصعيد من خلال الطلب الى مجلس الامن لدى مراجعة الخطة الشهر المقبل او ربما الى المؤتمر الدولي الذي رغب انان في عقده وتبنته موسكو، في حال انعقاده، رفع عدد هؤلاء الى 3 آلاف مراقب وارفاق ذلك بخطة سياسية بحيث يتولى هؤلاء مثلا الاشراف على انتخابات جديدة يشارك فيها الجميع، علما ان هذه الافكار تبقى خاضعة بدورها لامكان موافقة روسيا او عدمها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

خــلاص سـوريــا لـيــس بـيـدهــا .. نصري الصايغ

النهار

21-6-2012

Iـ «حافة» الخلاص بعد «الحفة»

لا اعرف أحداً يعرف النهاية.

نعرف البدايات. من درعا كانت، من خطأ مميت اندلعت، بحق إخوة صغار لمحمد بو عزيزي..

نعرف البدايات: استهتار موصوف، تعال فارغ، توصــيف هارب، ادعاء أجوف و... «انها المؤامرة».. نعرف المسار كله. نختلف فقط، في إعطائه المعنى السياسي. والمعاني تولد من المواقع، لا من الوقائع. فكل واقعة تُرى إما من موقع السلطة، ومن حقها، أو من موقع الوجع، وما ابلغه.

نعرف البدايات وما بعدها: ستة عشر شهراً من الاندفاع إلى المجهولَين: الحفاظ على السلطة، وإسقاط النظام. من أجل المجهول الأول، اندفع النظام إلى ارتكاب القبضة الأمنية، والأذرع العسكرية، واندفعت المعارضة إلى طلب النجدة ـ وللغرابة كانت جاهزة ومجهزة من قبل ـ من كل حدب معادٍ ومن كل صوب معتدٍ.

نعرف ان العالم برمته حضر إلى سوريا، وهو الآن مشغول بها، بينما هي تبحث عن أسلحة اضافية، ومعارك تصفية، ومدن تنشطر بين القتلى، بلا أمل.

بعد ستة عشر شهراً، لا أحد يعرف النهاية. لا شيء في الأفق غير السراب وشهوة الدم، وعبثاً تبحث عن زرقة فيه، أو حافة خلاص.

IIـ من يعرف ماذا؟

من يعرف إذا كان النظام سيسقط، أو كيف؟ إذا كان بشار الأسد سيبقى أم سيطاح به؟ إن كان فوق التسوية أو ثمــنها؟ لا شيء يدل على الخاتمة، إذ، من يعرف قدرة النظام وطاقته العسـكرية ووحدته الميدانية؟ من يعرف إذا كان حجم القرار والانشقاق عنه قد يبلغ حدود الإطاحة به؟ من يعرف كم معركة سيخوضها، تليها معارك سيخوضها أيضاً؟ ألن يتعب؟ ألن يتفكك؟ ألن «يتميلش»؟ ومن يعرف المدن التي سيتم استردادها، ثم استردادها، ثم استردادها.. لتبقى بعد كل استرداد، رهينة للموت والفزع، وحاضنة «للثورة» ومشتقاتها؟

من يعرف كم طفلاً سيذبح؟ كم امرأة؟ كم شيخا؟ كم قرية؟ كم «حفة»؟ كم قصيرا؟ كم «حمص»؟ كم... لا نهاية من الاسماء، لقرى ومزارع وشوارع ومدن ومحافظات؟

لا اعرف أحداً يعرف متى تكون النهاية، ومن سيبقى إلى النهاية، إلا انني اعرف أعداداً غفيرة، تعرف أن سوريا ذاهبة إلى الخراب والفوضى والدمار، وان مستقبلها سيكون، على شكل ورثة «الرجل المريض»... فسوريا مريضة، وقد، لا شفاء لها. إذا سقط النظام، فأي فوضى ستحكمها؟

ثم... من يعرف «الثورة»؟ لا يبدو أبداً انها تشـبه رفاق «البو عزيزي» في درعا، ورفاقهم في الانتفاضة السلمــية المقمـوعة، المطــالبة بالحرية والكرامة والديموقراطية، ومحاسبة المسؤولين عن الارتكاب. هل تلك الانتفاضة تشبه ما آلت إليه «الثورة» وقد قبــضت على «مجلسها الوطني السوري»، تركيا وقطر والسعــودية وفرنــسا وأميركا؟ من يعرف مدى تغلغل «المخابرات» في جسم «المجلس الوطـني» في اسطمبــول، يدرك ان زمن النــهايات مؤجل إلى ما بعــد وقت الصـفقات الكبرى. وزمن الصفقات دونه دماء سورية ليست كافية حتى اللحظة.

ثم... من يعرف هذا الشتات من المعارضات، في الداخل وفي الخارج؟ ألم يرثها جميعاً جسم عسكري، يفكر كالسلطة والنظام، أي كما يفكر العسكر دائماً، وتفكيرهم يولد من طلقات بنادقهم، ووقع أحذيتهم؟ هل يراهن «الجيش السوري الحر»، على تدخل خارجي عسكري؟ أم ان رهانه اليوم، يقوم على وهم الحسم العسكري في الداخل ولمصلحته؟ لذا فهو ينتظر تدفق الأسلحة إلى «قواته»، من فيض سعودي وحاتمية قطرية؟ مجنون من يصدّق ان لهاتين المملكة والإمارة، بما لهما من وظيفة تؤديانها، علاقة بتغيير النظام؟ أليس ما ترغبان به هو تغيير سوريا برمتها؟

ثم.. ان مستقبل تعد به «الثورة»؟ الشعارات لا تكفي. التطمينات لا تنفع. الإيضاحات لا تجدي. البيانات «الإسلامية» لا تشــفي و«الأخوان» لا ؟؟. «المجلس الوطني» محل خلاف لا اجماع. العسكرة محل خوف لا اطمئنان. الحلفاء الخارجون مجلبة للشكوك والطعون و... «التآمر» على سوريا، وليس على النظام... فالخارج يريد رأس سوريا، قبل رأس النظام.

من يعرف شيئاً فليعلن عنه... ان السواد يلف الغد السوري. الأفق كالح ومتشح بالدم.

IIIـ كم وكم... يا للهول!

عندما يستيقظ الثأر، يتزيا بالتاريخ لإعطاء معنى للقتل. يستجلب معه منظومة من القيم البائدة. يوظف قيم الماضي الرثة في فحولة الانتقام. يستحضر الله ورسله وأنبياءه وقادته وفقــهاءه ومذاهبه وفرقه وملله ونحله بكل الحمولة البغيضة، ليشرعن الثأر، واعتباره عملاً يتفوّق في «أخلاقيته» الهمجية، على التسامح الرخو، الذي يؤدي إلى الخسران.

عرفنا الثأر في لبنان. طغى على السياسة، اغرق الأديان حتى ذقونها في الوحول الدامية... ألا يحدث مثل هذا في سوريا؟ ماذا تعني «على حافة الحرب الأهلية»؟ انها لا تعني غير الاستئصال؟ يا للمجنون! «ظئر العروبة» دمشق، بلاد الشام الأولى، تستدعي الاستئصال؟

الاستئصال خدمة للانتصار المنكسر...: من مفردات هذا التعبير: «استئصال الإرهاب»؟ من يصدّق ذلك؟ من يصدّق ان في سوريا مئات الآلاف من «الإرهابيين»؟ والشعب ليس إرهابياً، لا احد ينفي وجود «إرهابيين» استدعتهم غيرتهم «الهمـجية» للدين، وبربريتهــم العصبية لإخوتهم في المذهب، لعبور القارات والحدود، والتسـلل والتغلغل في سوريا. من ينكر ذلك ليس اعمى، بل متـواطئ على الحقيقة، انما، من يقول ان «الثورة» إرهاب، متواطئ بصـيغة الجمع، بين السياسة ووسائلها، والعنف وآلياته، وثقافة الالغاء واستئصالها.

أليس لهذا يخشى على سوريا من النــهاية القاتلة: «الحرب الأهلية»؟

فكم وكم سيقتل أطفال؟ هل تتسع الدموع لملء العيون والتعبير عن أحزان باهظة، وآلام شاهقة؟ فكم وكم سيفتك بشعب آمن، تصله الطلقة قبل ان يصل إلى حذائه كي ينجو؟ وكم ستدمر قرية؟ وكم مرة سيدمر حي؟ وكم «باب عمرو» في البلاد، كم دوما وكم حماه وكم حمص وكم ريف وكم القصير وكم بلاد صغيرة تخاف اليوم ان تنام على مخدة واحدة مع ابناء طائفة اخرى؟

نختم المقام هنا بالقول: يا للهول! بل، يا لهول الجريمة. لا أحد بريئا من دم سوريا حتى الآن.

ملحوظة في صيغة سؤال: أين هم زوار العتبات المقدسة؟ أبرياء يخطفون و«ميليشيات الثورة» تذكرنا بعصابات الخطف على الهوية في لبنان.

IV ـ سوريا لم تعد في سوريا

لا اعرف أحداً يعرف النهايات؟

لنترك ولو للحظة، سخونة الموقف وحرارة الألم ومكابرة المشاعر. لنترك ولو لقليل من الاسئلة، الدم السوري والمسفوك، ولنسأل: ماذا بقي من سوريا في سوريا؟

الباقي في سوريا، هو المعارك، ثم التحرير من المعارك، وبأفق لا يتلمسه إلا النظام، المصر على البقاء، وممارسة إصلاح لا يقنع أحداً. (بالمناسبة، أين هو رئيس الوزراء المكلف؟ من يعرفه؟ ولو! هل هذا اصلاح؟). ولا يتلمسه كذلك إلا أهل «الثورة» التي تنتظر اسلحة أكثر دقة وتصويباً واحراقا وتدميراً لآليات الجيش، بهدف انزال خسائر فادحة فيه، أو، بهدف «اعلاء شأن المجزرة»، ليقتنع العالم بأن لكوسوفو شقيقة تدعى سوريا.

غير ذلك لا شيء... لا بحث في الحلول، النظام مقفل برمته. انتخاباته التي اجراها لحسابه، ناجحة في التعبير عن الشلل السياسي والعقم السياسي والاطمئنان المغشوش على المستقبل... لا بحث في الحلول. المعارضة ؟؟. اقفلت أبواب الحوار مع نظام لا يحاور الا ذاته او من يشبهه. وتعوّل على حل يأتي من الخارج.

سوريا الحل المستحيل، حتى الآن، موجودة مع سوريا. ودائماً تردد، حتى الآن، روسيا لن تتخلى عن النظام، حتى الآن، لألف سبـب وسبب، هذا هو موقفها. ومع ذلك، فهي تبحث عن حل، بشكل جدي، وعناصر الحل تتأمن من خلال اتفاق روسي أميركي، على ان لا يستبعد إيران عن حياكة نسيجه. الآخرون «كومبارس» الحل، او مممولو الحسم (أو وهم الحسم). الجامعة العربية لا وزن لها، برغم الثقل النفطي لدول الخليج، والشاطئ المتصالح مع الغرب وإسرائيل. الأمم المتحدة ليــس عندها ابعد من كوفي انان. لقد غيبته سوريا عن العيان. ترى أين هو الآن؟ دول أوروبا ليست في الحسبان. اليونان شغلتها، و«اليورو» أنهكها والديون أكلتها.

لا حل من دون روسيا وأميركا وإيران.

حصة روسيا، هي الأسهل، ومسؤوليتها هي الأصعب، لأنها حاميـة لنظام سياسي، لم يعد يريده العالم، في معظمه. اميركا. المشغولة بانتــخاباتها، لا تجــد خــريطة طريق تستطــيع مشاركــة إيـران في السير فيها معــاً. ما بين أميركــا وإيران، ملفــات مــتراكمة، عـمرها أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً. أما مهمة إيران، فتبدو في غاية الصعوبة.

فما الذي يقنع إيران بسوريا؟ إيران المحاصرة من دول «أميركا» العربية في المنطقة، الملاحقة من قبل دول الخليج، المشتبكة معها في العراق، المتعالية على الدول العظمى في ملفها النووي، لا يمكن «المشي» معها في خريطة طريق واحدة... هذا في ما يخصها كدولة اقليمية. أما في ما يخص دورها الاستراتيجي المرتبط بمنظومة قيمها ومصالحها، فلا يمكن ان تفرط بسوريا، طريقها إلى فلسطين والى المتوسط معاً... لقد دفعت إيران اثمانا باهظة من العقوبات عليها، ولم تفرط بموقف من فلسطين. لا بل كانت الحربة التي تكامل رأسها في لبنان، وساعدها في سوريا، فمن يقنع إيران وكيف وبأي ثمن ان تتخلى عن بشار الأسد ونظامه الذي افسح لها الطريق، للمشاركة في جبهة فاعلة وناجحة ضد إسرائيل واحتلالها، بينما لم تقم «جبهة عربية» إلا على الورق، في مواجهات لفظية مع دولة الاحتلال؟

لا حل في سوريا من دون إيران. ولا حل من دون روسيا، ولا حل من دون أميركا. وما بين هذا المثلث، شياطين القضايا وشياطين التفاصيل أيضاً شياطين شابت شعورها ولم تخلص الى نهاية.

فمن يعرف متى أوان النهاية؟

من يعرف أي السباقين سيفوز في المسافات الطويلة الباقية؟

وما دامت الدول الداعية للحل، لا تجد حلاً بعد، ولأن النظام لا يزال مستقويا بذاته وبغيره، ولأن «الثورة» لا تزال ترى ان معاركها المقبلة حاسمة، ومستقوية بدول ترعاها أميركا، فإن التعويل سيكون على المزيد من الدماء، المزيد من القتل، المزيد من القهر، الى ان يتعب النظام او إلى ان تتقهقر «الثورة»...

الشيء الوحيد المؤكد، حتى الآن، ان الدول المحيطة بسوريا ستكون ممراً لتهريب الأسلحة النوعية، وان النظام، لن يعدم وسيلة كي يستقدم المزيد من الأسلحة، ولو عبر البحار.

لا أحد يعرف متى يقفل المشهد المأساوي، المشــهد مكــتظ. وكل ما فيه، ينبئ بأن اللاعبين، غير قادرين، حتى الآن، عن النزول عن الخشبة...

والجمهور، مسمّر امام شاشات التلفزة وهي تكذب عليه فنونا من المشاهد التي تعيد تمثيل المقتلة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الإعلام السوري... عندما يكذب! .. د. أحمد عبد الملك

تاريخ النشر: الخميس 21 يونيو 2012

الاتحاد

تابعتُ القناة الفضائية السورية، بعد يومين من مجزرة الحولة التي سقط فيها أكثر من مئة قتيل، بينهم 32 طفلاً، وشاهدتُ العجب من القناة! وحتى أكون منصفاً، قمتُ بتدوين الكلمات والصور، حتى لا أجني على أحد، وأكون موضوعياً في الحكم.

أولاً، كانت هنالك مقابلة مع عضو مجلس الشعب السوري، ورئيس قسم الشؤون الدولية بجريدة "الأهرام" المصرية! وصبّ الرجلان جامَ غضبهما على أهل الخليج! واتهماهما بدعم ما اعتبراه مجموعات "إرهابية" في سوريا. وهذا الكلام لا يمكن استيعابه إلا ضمن ثقافة التجهيل أو التضليل التي يلجأ إليها بعض الإعلام المريض.

ثانياً: إن دول الخليج ساندت شعوباً انتفضت من أجل كرامتها، وأطاحت بنظم استبدادية وديكتاتورية ونجحت، وها هي تجني بعض ثمار الثورة، وهي في طريقها نحو إحقاق العدالة والكرامة للمواطن وإنشاء دولة المؤسسات.

وبثت القناة المذكورة أيضاً صوراً جميلة لشوارع سوريا وأشجارها وأنهارها، وكيف أن الناس سعداء في التجوال والتنزه، ولكأن القائمين على هذه القناة لا يدركون أن معظم البيوت السورية لديها "دشات"، وتستقبل البث الفضائي للقنوات الحية التي تنقل ما يجري على الأرض السورية، وعبر هواتف السوريين أنفسهم! وأن تلفيقات الإرهاب، و"القاعدة" والزجّ باسمها في الثورة السورية، لا يمكن أن تنطلي على أي صاحب عقل.

ويتفنن معد البرنامج -ونحن ندرك فصاحة السوريين في اللغة العربية- في ربط ما يجري على الأرض السورية بأنه تحالف "أوكار الإرهاب وداعموهم"، وأنهم الذين ارتكبوا مجزرة كرم الزيتون وكفر سوسة ودرعا وجسر الشغور ودير الزور! وأشار المعلق إلى أن هذه العمليات الوحشية تدعمها "قنوات الإرهاب المتاجرة بدماء السوريين". وأن بعض الدول (دول الخليج) قد خططت لإجهاض خطة كوفي عنان المبعوث الأممي والعربي، باستباحة بلدة الحولة والاعتداء على المواطنين!

وتأتي القناة بمقابلات مع سوريين بسطاء، يبدو عليهم الهلع والخوف -وكأنهم مغصوبون على الحديث ليقول أحدهم: "إرهابيون من «القاعدة» شنوا هجوماً وحرقوا المستشفى.. إرهابيون.. ومندسّون يرتكبون المجزرة، وفيهم ليبيون وتونسيون! ماذا يفعل هؤلاء في الحولة؟"، ويكرر آخر نفس الكلام وكأنه قد أُملي عليه.

بالله عليكم، هل هذا إعلام يناسبُ عصر الفيسبوك والتويتر والإنترنت؟!

يسأل المراسل أحد المواطنين عن الصور التي تبثها إحدى القنوات المهمة! فيقول المواطن بصوت مرتجف: "هذا كذب ما نصدقها... ونحن بنشوف بعيونا"!؟

وتعود القناة إلى المسؤول في جريدة "الأهرام" المصرية ليقول: "إن من قاموا بعملية الحولة من عائلات معينة، القصد منها إرهاب الناس وإلصاق التهم بالجيش السوري في محاولة لاستجلاب التدخل الغربي، ووسائل الإعلام الغربية تتبنى المعارضة. وقد اتضحت لنا في القاهرة حقيقة الأمر، وما تواجهه سوريا هو إرهاب مسلح وهذا لن يؤثر على النظام السوري"!؛ هل يرضى الإعلام المصري لمثل هذا الشخص أن يزوّر حقيقة الثورة السورية؟!

هذا حديث لصحفي تخلصت بلاده للتو من نظام ديكتاتوري وفاسد، وقد نظمت انتخابات حرة، تحقق كرامة الشعب!. فكيف يرضى لنفسه أن يتحدث بهذه الصورة بينما دماء الشهداء السوريين والأطفال منهم تسيل على الأرض، وضحايا العنف الرسمي السوري يتساقطون مع الساعة؟ وكيف يرضى وهو صحفي من مصر، التي عَرفت قيمة تحرك الشعوب وثوراتها، أن يكون مع الجلاد ضد الضحية؟ وهل يرضى أن يتحدث أحد بنفس كلامه عن الثورة المصرية أو الثورة التونسية؟! وكيف يفسّر ثورة شعب بأنها نوع من الإرهاب؟!

ثم يدخلُ في المقابلة "ناشط" أردني فيقول: "الهدف مما جرى هو تأليب الرأي العام العالمي والعربي بأنه لا حل إلا الحل الدولي، ودعم الإرهابيين، وهي لعبة إعلامية، وهم يسفكون الدم السوري، ومعهم تحالف الإرهاب ومحطات الدم، وقنوات فضائية في خدمتهم"!

وهذا أيضاً حديث مدفوع الثمن! لأن المحطات العالمية -التي تابعتها في نفس الليلة- كانت تبث صور الحولة وغيرها، وكانت تدين العمليات الوحشية التي قام بها الجيش السوري عندما ضرب بيوت الناس بالدبابات والقذائف الصاروخية.

وفي مقابلة أخرى مع أحد السوريين البسطاء، قال:"هجموا علينا في عزاء، كانت معهم رشاشات روسية، أصابوا 22 شخصاً خلال إطلاق نار فظيع، كانوا ملثمين بشماغات، وجلابيات"!

الغريب في هذا الحديث، كيف تكون مع المهاجمين رشاشات روسية الصنع؟! ونحن نعرف أن الجيش السوري هو الذي لديه مثل هذه الأسلحة، لو قال الرجل: رشاشات أميركية لـ"ركبت" التهمة على المتحالفين مع الغرب أو أميركا، أو حتى على "القاعدة"، أو غيرها!

هذه وقفة لمدة ساعة مع القناة السورية! وكم يتألم الإنسان العربي عندما يشاهد ويسمع كل تلك التلفيقات والافتراءات وشراء الذمم وتغيير الحقائق، في وقت يتساقط فيه المئات من أبناء الشعب السوري الأبرياء! إنه فعلاً إعلام ستيني، ذكرني بـ"صحاف العراق" عندما أعلن من الفندق أن "العلوج -يقصد الأميركان- تساقطوا على أسوار بغداد"، وهم -في حقيقة الأمر- على بُعد 4 كيلومترات من ساحة "الفردوس" حيث هوى التمثال الضخم لديكتاتور العراق السابق وداسه الشعب بأقدامه. بينما تفرق أعضاء الجيش العراقي الضخم، دون أن يطلقوا رصاصة واحدة على "العلوج"!

والشعوب العربية هذه الأيام أقوى مما كانت عليه أيام حرب العراق، كما أن إرادة المجتمع الدولي مع الشعوب في تقرير مصيرها، وسعيها للتخلص من بعض الأنظمة الديكتاتورية! وهل هنالك من نظام أكثر تحصّناً من نظام مبارك الذي دخل السجن بعد أن حَكمَ المصريين بقانون الطوارئ لأكثر من ثلاثين عاماً؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تداعياتها ظهرت في جبل محسن وباب التبانة .. الأزمة السورية... وتوتير الساحة اللبنانية .. باتريك جيه. ماكدونيل

طرابلس - لبنان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«إم.سي. تي. إنترناشيونال»

تاريخ النشر: الخميس 21 يونيو 2012

الاتحاد

على جانبي شارع"سوريا" الشهير في مدينة طرابلس اللبنانية، تخفي البنايات المتداعية وراء جدرانها الكالحة ترسانات من الأسلحة، وجماعات من الشبان الغاضبين المتأهبين لمواجهة أعدائهم عبر الشارع، في الوقت الذي يقوم فيه المراقبون العصبيون بجولات منتظمة على دراجاتهم البخارية، حاملين معهم أجهزة "ووكي توكي" ومستعدين تماماً لطلب التعزيزات إذا ما استدعى الأمر.

"نحن متيقظون... نحن أسود"، هكذا قال أحد المقاتلين من حي "جبل محسن"، الذي يقع على مرتفع جبلي يطل على شارع "سوريا" الواقع في وسط المدينة. وأضاف هذا الشاب مفتول العضلات الذي يبدو في الثلاثينيات من عمره، وينظر حوله بعينين يقظتين، ويمسك في يده بجهاز إرسال واستقبال:"إذا هاجمونا فسوف..."، ثم يكمل عبارته بالإشارة إلى عنقه بحركة سريعة قاطعة تحاكي فعل الذبح.

في مختلف أرجاء الحي الذي يضم مقاهٍي قديمة متداعية، وتحت واجهات المباني السكنية الأسمنتية الرثة التي اخترقها الرصاص، ترتفع ملصقات كبيرة الحجم لـ"الدكتور بشار"- اللقب الذي يطلقه السكان هنا على الرئيس السوري- يتجمع حولها سكان ينتمون في غالبيتهم للأقلية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس.

أسفل التل تمتد الشوارع التي لا تقل رثاثة عن حي"باب التبانة" ذي الأغلبية السُنية مثله في ذلك مثل معظم أحياء المدينة، والذي يثير فيه نطق اسم الرئيس السوري عاصفة من السباب والأوصاف الرديئة مثل"قاتل الأطفال... جزار التعذيب... الطاغية".

الحديث هنا لا يدور عن مدينة من مدن سوريا التي مزقتها الحرب، وإنما عن مدينة طرابلس أكبر مدن شمال لبنان، التي امتدت إليها عدوى تلك الحرب، حاملة معها سمومها القاتلة.فخلال الشهر الماضي شهدت المدينة مصادمات مرتبطة بالتطورات التي تحدث في سوريا، تطورت إلى حرب مدن تبادل فيها العلويون والسُنة إطلاق النار من المدافع الرشاشة، وقواذف الصواريخ أسفرت عن مصرع 25 شخصاً ووقعت فيها أعمال تخريب وحرق واسعة. لم يتوقف القتال إلا بعد استدعاء قوات الجيش اللبناني النظامي الذي يحظى باحترام- صوري- من قبل الطرفين.

اليوم تشهد لبنان هدنة قلقة ليس من المتوقع إلى متى تستمر، خصوصاً وأن الدولة اللبنانية الضعيفة ليس لها على ما يبدو أي خطط مستقبلية غير المحافظة على وقف إطلاق النار من خلال نشر المدرعات في شوارع المدينة المضطربة.

من الناحية الظاهرية، توجد العديد من المشتركات بين المنطقتين المضطربتين: فهما منطقتان شعبيتان قديمتان تسكنهما غالبية من أبناء الطبقة العاملة ويعانيان سوياً من الإهمال الرسمي، ويعتبران منطقتين طائفيتين مغلقتين على نفسيهما، ينظر في كل منهما للغريب بحذر وتوجس، ويكادا يخلوان من أي وجود حكومي، ويقوم فيهما رجال الدين والشخصيات السياسية المرتبطة بتشكيلات ماليشياوية بملء الفراغ الناتج عن غياب الدولة.

وقد شهدت المنطقتان صراعات ومعارك دامية منذ أيام الحرب الأهلية اللبنانية التي انتهت عام 1990... ويتذكر الكثير من السُنة حملات القمع الوحشية التي كانوا يتعرضون لها أثناء وجود القوات السورية في لبنان قبل أن تنسحب عام 2005 ،مما ترك في نفوسهم مرارة لا تمحى.

والآن تجيء تداعيات الصراع في سوريا لتعطي حياة جديدة لتلك المشاعر الدفينة التي ظلت لسنوات تغلي في بطء تحت السطح.

القتال الأخير من وجهة نظر العديد من السُنة موجه من قبل الأسد وحليفه "حزب الله" اللبناني وهو ميليشيا شيعية تعتبر القوة المهيمنة في الساحة السياسية اللبنانية. ومن وجهة نظر هؤلاء فإن دمشق ترسل بهذا القتال رسالة مؤداها أن الأسد لن يسقط، قبل أن يشعل جحيم حرب أهلية تكتسح بلاد الشرق الأوسط، وأن على الجميع أن يدركوا فحوى هذه الرسالة.

أما سكان جبل محسن فيصرون من جانبهم على أن الميليشيات السُنية تريد ترحيل سكان منطقتهم، العلويين في معظمهم، كجزء من حملة "تطهير عرقي" من أجل خلق" ولاية إسلامية" في شمال لبنان وسوريا المجاورة.

يقول محمد أبو دياب (43 سنة)، وهو صاحب مقهى علوي في حي جبل محسن: "إننا نتعرض لهجمات من قبل السوريين والليبيين والقاعدة... والإسلاميون يسعـون من وراء ذلك لأن يتمكنوا من حرية الحركة في كل مكان".

السُنة يكذبون ذلك، ويصرون على أنهم يدافعون عن جماعتهم من الفتنة التي تسعى سوريا لزرعها. يقول "أبو خالد"، وهو أحد قادة الميليشيات السُنية: هل ترون أي ليبيين هنا؟ هل ترون أي أحد من الجيش السوري الحر"؟

وسط هذا السجال الذي لا ينتهي، ينتظر السكان المستسلمون لقدرهم اندلاع دورة العنف التالية.

وفي الوقت الراهن، تنتشر إشاعات عن وصول أنواع جديدة من الأسلحة داخل "جبل محسن" وباب التبانة وغيرهما، من المناطق المجاورة، التي انضمت لأشقائها السُنة في حصار القلعة العلوية. ولا يعتقد أحد في المدينة أن القتال قد انتهى.

"إنه لأمر محزن للغاية"، هذا ما يقوله ربيع محمد صاحب مقهى في جبل محسن الذي يضيف:"بدلاً من الذهاب للمدرسة، كما يفعل الأطفال في كل مكان في الدنيا، يجد أطفالنا أنفسهم مضطرين لتعلم كيفية استخدام الكلاشينكوف".

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجزرة تدمر وأخواتها سلسلة دموية تطوق عنق النظام السوري .. محمد فاروق الإمام

في هذا اليوم 27 حزيران 1980م، نفذت العصابات الأسدية الباغية مجزرة بشعة بحق 1000 سجين معتقل في سجن تدمر الصحراوي، كانوا من صفوة السوريين وأخيارهم من علماء وأطباء ومهندسين وأساتذة وطلبة جامعات وضباط، غالبيتهم محسوبون على جماعة الإخوان المسلمين المعارضة أو مناصريهم.

ونفذ هذه المجزرة البشعة أكثر من 100 عنصر بمختلف الرتب تابعة لسرايا الدفاع يقودها المقدم محمد ناصيف بأوامر من العقيد رفعت الأسد، حيث نقلوا من دمشق إلى مطار تدمر العسكري، بواسطة 12 مروحية، ثم توجه نحو 80 منهم إلى السجن، ودخلوا على السجناء في زنازينهم وأعدموا المئات منهم بدم بارد رمياً بالرصاص والقنابل المتفجرة.

ووفق ما يتوفر من معلومات فإن جثامين القتلى نقلت بواسطة شاحنات وتم دفنها في مقابر جماعية أعدت مسبقا في وادِ يقع إلى الشرق من بلدة تدمر، دون أن يعترف النظام السوري بارتكابه هذه المجزرة أو الكشف عن أسماء ضحاياها وأماكن دفنهم.

وقعت هذه المجزرة البشعة وسط تعتيم إعلامي محلي وعالمي بعيداً عن أي ضجة يمكن أن تثار حول النظام، ولم يكتشف الناس أو يعلموا بوقوعها إلا بعد اعتقال السلطات الأردنية اثنين من المشاركين في المجزرة، كانا ضمن مجموعة اتهمت بالتخطيط لاغتيال رئيس وزراء الأردن الأسبق مضر بدران، حيث أدليا بتفاصيل المجزرة، فسارعت في حينه منظمة العفو الدولية إلى مطالبة السلطات السورية بإجراء تحقيق في المجزرة، لكن دون جدوى.

ونشرت مواقع حقوقية سورية شهادات لعناصر شاركوا في تنفيذ المجزرة، فأكدوا فيها أن مهمتهم كانت مهاجمة سجن تدمر. وقدر أحدهم عدد القتلى بأكثر من 500 قتيل. بينما قال أحدهم إنه شاهد الأيدي والأرجل ملطخة بالدماء.

ووصفت لجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة -في حينه- المجزرة بأنها تتعدى حدود جرائم القتل العمد المعاقب عليها بموجب قانون العقوبات السوري، حيث يعتبر الآمرون بها وكل منفذيها مسؤولين جنائياً عن هذه المجزرة.

ولم تكن مجزرة تدمر هذه هي الوحيدة في عهد حافظ الأسد، بل وثقت منظمات حقوقية سبع مجازر جماعية في سجن تدمر وقعت خلال الأعوام 1980 و1981 و1982 وراح ضحيتها مئات السوريين.

في حين كشف عدد ممن أطلق سراحهم من المعتقلين فيما بعد أنه كان يتم يومياً إعدام ما بين عشرة وعشرين في اليوم الواحد على مدى وجودهم في سجن تدمر، وقد تجاوز اعتقال بعضهم 20 سنة.

وقد كثرت الكتب التي يصور أصحابها المآسي في تلك الفترة، من ذلك كتاب شاهد ومشهود للمعتقل الأردني محمد سليم حماد لمدة 11 عاماً صدر عام 1998م، وهو طالب أردني كان يدرس في جامعة دمشق، واعتقل مع آخرين. وقد صور فيه أهوال التعذيب في سجن تدمر، من صعق بالكهرباء, والتعليق من القدمين، والضرب المبرح، وتحدث الكاتب عن الأجواء المرعبة والإعدامات المتواصلة لسجناء الرأي داخل السجن، وقد شاهد وفاة عدد منهم، والكتاب مطبوع في الأردن.

وهناك المواطن السوري الذي آثر أن يروي مأساته في روايته المدهشة (القوقعة-يوميات متلصص) تحت اسم (مصطفى خليفة) وهو مسيحي يدين بالمذهب الكاثوليكي، وعاش لنحو 6 سنوات في باريس يدرس الإخراج السينمائي وفضل العودة إلى الوطن ليقدم خبرته لبلده فساقه حظه العاثر إلى سجن تدمر بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين وأمضى في السجن الصحراوي سيء السمعة نحو 12 سنة وضمّن ذكرياته الأليمة في كتابه القوقعة الذي نشرته دار الآداب-بيروت 2008.

وكذلك كانت حكاية الشاب الأردني المهندس سليمان أبو الخير الذي كان يدرس في ألمانيا وكان ينوي زيارة أهله في الأردن في العطلة الصيفة فدخل سورية عن طريق البر في سيارة ألمانية، فكان جلاوزة الأمن على الحدود السورية له بالمرصاد، فاقتيد إلى أحد فروع المخابرات في دمشق، وليحط رحاله فيما بعد في سجن تدمر الصحراوي لمدة خمس سنوات، ويروي عذاباته في ذلك السجن الرهيب في كتاب تحت عنوان (الطريق إلى تدمر – كهف في الصحراء – الداخل مفقود، والخارج مولود) طبع في الأردن-دار الأعلام 2011م.

ذكريات مجازر تدمر وعذابات سجنائها والتعتيم على فقدان أكثر من 17000 معتقل دون الإعلام عن مصيرهم إن كانوا من بين الأموات أو في عالم الأحياء منذ العام 1980 وحتى الآن، وما خلفوا وراءهم من مآسي إنسانية وأسرية.. لا تزال هذه الذكريات كابوس يجسم على صدور السوريين ويؤرق حياتهم، وسيظل هذا هو الحال حتى القضاء على هذا النظام بكل مكوناته السادية التي لا تعرف إلا القمع والقتل والتدمير والفساد.

سلسلة المجازر الدموية المتواصلة منذ تسلق حفنة من الضباط البعثيين المغامرين جدران القصر الجمهوري في عتمة ليل الثامن من آذار عام 1963 والتي زادت وتيرتها وتوسعت أفقياً وعمودياً وكيفاً وكماً حتى الآن، تؤكد على أن على العالم أن يقف وقفة شجاعة تجاه هذا النظام الدموي لوقف خطره، الذي هو في توسع إلى خارج حدود سورية ليطال الدول المجاورة سعياً لجر المنطقة إلى صراع إقليمي، بعد أن يأس في قمع الثورة السورية التي باتت عصية عليه وعلى كل حلفائه رغم الدعم الكبير الذي يقدم إليه لنحو سنة ونصف، ورغم ما أقدم عليه من ارتكاب المجازر البشعة وما استعمله من أسلحة ثقيلة إضافة إلى الطائرات والبوارج الحربية بكل نيرانها الجهنمية وآثارها المدمرة للمدن والبلدات والقرى، وقد بات محاصراً حيث وجود هذه الأسلحة الثقيلة فاقداً السيطرة على ما يزيد على 70% من الأراضي والمدن والبلدات والقرى السورية في كل رقعة الخريطة السورية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

قصة السورية (نور) التي اغتصبتها قوات نظام بشار

كشفت إحصائية لتنسيقيات الثورة السورية تعرض 1500 فتاة سورية للاغتصاب بعد اعتقالهن في السجون والمعتقلات السورية.

وقالت الناشطة السورية في الأردن "أم زاهر" المسؤولة عن برنامج لرعاية مواطناتها اللائي تعرضن للاغتصاب أن هذه الحالات مثبتة وموثقة وتؤكد تعرض 1500 فتاة وسيدة سورية من مختلف الأعمار للاغتصاب داخل المعتقلات السورية.

 

وأوضحت أنه جرى مقابلة الضحايا من قبل منظمات حقوقية دولية وتم عمل ملفات لهن وإعطاؤهن أرقاما سرية تمهيدا لملاحقة النظام السوري ومن قاموا بهذا الفعل أمام العدالة الدولية.

 

ومن ببن تلك الحالات روت "نور" للجزيرة نت فصولا من قصتها المليئة بالأهوال وذلك في شقة وسط العاصمة عمان بحضور طبيبة مختصة بعلاجها وناشطة سورية مسؤولة عن برنامج للتعامل مع السوريات اللواتي تعرضن للاغتصاب.

 

وقالت نور (30 سنة) -وهو اسم مستعار- إن قصتها بدأت قبل نهاية العام الماضي بأيام عندما مرت من حاجز للأمن في باب الدريب حيث كان هناك طفل عمره لا يتجاوز الـ13 سنة يستنجد بها وبفتاة أخرى كانت تمر بالمكان لتخليصه من الأمن، وأضافت "حاولنا تخليص الطفل من أيديهم ونحن نقول لهم حرام عليكم، عندها أمر أحد الموجودين العناصر باعتقالنا".

جرائم

كما روت نور قصة نقلها إلى شقة في حمص قائلة "كان هناك شبان يحرسونها، وكان بداخلها 15 فتاة معتقلات تشرف عليهن امرأة وظيفتها أن تهيئ الفتيات لتقديمهن كهدايا لشخصيات لا نعرفها ولكن غالبيتها من ضباط الأمن".

 

وبحزن وألم تتابع "حال الدخول للشقة تم تمزيق ملابسنا وتعرضت للاغتصاب في الشقة لأول مرة بعدها كنت أقاوم هذه المرأة وأدعو الفتيات لعدم الانصياع لها لتطلب المرأة نقلي لمكان آخر وإخراجي من الشقة".

 

كما تحدثت عن نقلها لفرع أمن تبين لها بعد مغادرته أنه "فرع فلسطين" التابع للمخابرات العسكرية السورية وهناك تقول إنها عاشت أهوالا لا يمكن وصفها. وقالت "جميع النساء المعتقلات في الفرع كن بالملابس الداخلية فقط رغم البرد الذي كان أحد أعدائنا طوال فترة الاعتقال".

وتتابع "كان الضرب والتعذيب وخاصة الصعق بالكهرباء والاغتصاب لي ولجميع المعتقلات شيئا اعتياديا، حيث يتم ضربنا بإبر تجعل أجسادنا مثل النار ثم بإبر في الركب تشل أي مقاومة من قبلنا قبل أن يبدأ الاغتصاب".

 

بعد صمت عادت نور لتقول "تعرضت للاغتصاب مرات كثيرة، وفي بعض المرات كان الضباط يجبرون المجندين على اغتصاب البنات وكنت أسمع بعض المجندين يرد على أمره بالاغتصاب: أنا عندي أخوات وبنات، لكن الضابط كان يقول له: هذا أمر عسكري".

وتحدثت الشابة السورية وعلامات التقزز على وجهها عن أساليب سادية تقول إن الضباط والمجندين استخدموها مع الفتيات المغتصبات أحجمت عن ذكرها، لكنها تحدثت عن استخدام الجرذان والقطط في عمليات التعذيب وحتى الاغتصاب.

لفت نظر المستمعين للشابة السورية أنها لم تعد تطيق رؤية الخبز، وشرحت السبب "كانوا يحضرون لنا خبزا يابسا وعندما كنا نقول للمجندين إنه لا يمكن أكله يقومون بالبول عليه وإجبارنا على أكله".

 

أهم إنجاز تقول نور إنها خرجت به من المعتقل معرفة المسؤول عن اعتقال وتعذيب واغتصاب عشرات الفتيات السوريات وهو "باسل حزقلي (أبو عاهد)" الذي طالبت المنظمات الدولية بملاحقته كمجرم حرب".

تمكنت نور من الهرب بمساعدة من شخص أحجمت عن ذكر تفاصيل كثيرة عنه حفاظا على سلامته حيث نقلها لأشخاص قاموا بتهريبها للأردن نهاية فبراير/شباط الماضي.

 

مأساة نور مستمرة في رحلتها مع العلاج النفسي والجسدي، لكنها أكبر مع شقيقها الموجود في لبنان وهو الشخص الوحيد من عائلتها الذي تمكن نشطاء سوريون في عمان من التواصل معه، حيث رفض التعاون معهم بعد أن علم بتعرض شقيقته للاغتصاب.

تأهيل

 

وتقول أم زاهر إن نور تعاني من التصاق في أمعائها وضعف في الحركة بسبب الحقن التي كانت تعطى لها وتحتاج لعلاج نفسي وجسدي طويل حتى تتمكن من العودة لحياتها الطبيعية.

لكنها تستنكر نظرة البعض للمغتصبات وتقول "هؤلاء ضحايا تماما مثل الشهداء والجرحى والمعتقلين ومن العيب معاقبتهن على جريمة هن ضحايا فيها".

 

في نفس المكان قابلنا طبيبة سورية حضرت من الخارج من أجل قضية المغتصبات السوريات وفضلت عدم ذكر اسمها، وقالت إنها اطلعت على تجارب التعامل مع حالات الاغتصاب في البوسنة والهرسك التي شهدت اغتصاب عشرين ألف امرأة على أيدي الصرب، وإن هناك مشكلات لا حصر لها تواجه هؤلاء الفتيات.

 

وأوضحت "المشاكل تبدأ من رفض الأهالي قبول الفتيات المغتصبات، إلى حمل بعض الضحايا والإشكالات الشرعية في الإجهاض وصولا إلى استمرار الحمل ثم الولادة والمشاكل في تقبل الأم لطفلها".

 

وتتحدث الطبيبة عن فريق عمل متكامل بدأ من قبل "الرابطة الطبية للمغتربين السوريين" للتعامل مع حالات الاغتصاب، حيث جرى تخصيص عنوان عبر سكايب وإيميل لتشجيع الضحايا على الكشف عن ما تعرضن له قبل البدء بالعلاج النفسي والجسدي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

بوتين شريك رئيسي في سفك دماء السوريين!!  .. محمد فاروق الإمام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ردد أكثر من مرة وفي أكثر من محفل أو مناسبة أن "ليس من علاقة شخصية تجمعه بالرئيس السوري بشار الأسد، وأنه التقاه بالكاد مرة أو اثنتين، وأن روسيا لا تريد التدخل في من يحكم سورية، وهو أمر يقرره السوريون بأنفسهم".

كلام جميل لو توقف بوتين عنده واتخذ الإجراءات الفعلية على تأكيد ذلك، بوقف الدعم السياسي للنظام السوري والامتناع عن استعمال حق النقض (الفيتو) في عرقلة قرارات مجلس الأمن التي تدعو لوقف شلالات الدم التي تنزف من أجساد السوريين منذ ما يقرب من سنة ونصف، وأوقف شحنات الأسلحة التي يزود بها آلة الحرب الجهنمية التي يملكها النظام السوري، والتوقف عن مده بأحدث ما أنتجته الترسانة العسكرية الروسية من أسلحة فتاكة، والتي يستخدمها النظام، ليس في مواجهة الصهاينة لتحرير الجولان، بل في جبال الزاوية وحمص ودرعا والريف الشمالي لحلب ودير الزور والرستن والقصير واللاذقية والحفة وجبل الأكراد وريف دمشق والقامشلي، دون أن تستثني آلة القتل والتدمير أي بقعة من التراب السوري مهما صغرت ومهما بعدت، مرتكباً أفظع الجرائم والمجازر بحق أطفال ونساء وشيوخ وشباب سورية، حتى بات عدد الشهداء أرقام تزيد يوماً بعد يوم لتتضارب مستوايتها بين 15 إلى 20 ألف شهيد، إضافة إلى ما يزيد على عشرين ألف مفقود، واعتقال أكثر من مئة ألف، ونزوح نحو مليون ونصف داخل المدن السورية، وتهجير نحو 150 ألف خارج الحدود إلى البلدان المجاورة تركيا والأردن ولبنان وكردستان العراق.

أقول ليت بوتين توقف عند ما قاله واتخذ الإجراءات الكفيلة بوقف هذا المسلسل الدموي الرعيب، لكنت أنا وكل السوريين بكل أطيافهم ونسيجهم الاجتماعي نقف باحترام أمامه تقديراً للقيم الإنسانية والأخلاقية التي عمل بها!!

ولكن هذا البوتين خيب آمال السوريين في روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي الذي كان لسنوات طويلة يناصر قضايا الأمة العربية، ويدعم حركات التحرر العربية، ويقف إلى جانبهم عند كل اعتداء كانت تتعرض له. فقد علق هذا البوتين على ما قاله، بأن السوريين هم من يقررون مستقبل بلادهم واختيار حكامه، فقال: إنه "يرى أن البديل عن السلطة الحالية في سورية سيكون الإسلام المتشدد، وهو ما لا تريده روسيا".

عجيب أمر هذا البوتين كيف يناقض نفسه في لحظة واحدة.. يقول أن من حق السوريين وحدهم اختيار حكامهم وفي نفس الوقت يقول ان البديل هو الإسلام المتشدد!!

أليس ما يقوله هذا البوتين كمن يلعب في....!!

لا أعرف من نصب هذا البوتين ليكون وصياً على سورية وعلى الشعب السوري سليل حضارة تضرب جذورها في عمق التاريخ لأكثر من سبة آلاف عام، ليقرر ثم يحلل ثم يتخذ الإجراءات التي يراها مناسبة لسورية وشعب سورية وحكام سورية، وبوتين هو واحد من بقايا فلول المخابرات السوفييتية (كي جي بي) السيئة السمعة والسلوك، التي تلوثت أياديها بدماء الملايين من شعوب الاتحاد السوفييتي السابق، والذي تمكن بخبثه ومكره من الإمساك بحكم روسيا كرئيس للدولة مرتين في عامي 2000 (نفس السنة التي نصب فيها بشار الأسد نفسه حاكماً على سورية وريثاً لأبيه) و2004. وترك منصب رئيس الدولة في عام 2008 عندما انتهت فترة رئاسته الثانية المتتالية. وسلم بوتين زمام الحكم إلى دميتري ميدفيديف في عام 2008 وشغل منصب رئاسة الحكومة، وكان الرئيس الفعلي لروسيا من وراء الكواليس، ثم عاد إلى الكرملين في أيار 2012 لينصب قيصراً على روسيا مجدداً لست سنوات قد تمدد ست سنوات أخرى.

بوتين الذي لاقى اختياره كرئيس جديد لروسيا تذمراً واسعاً من الشعب الروسي واحتجاجات متصاعدة تعد الأكبر من نوعها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، تعبيراً عن استياء شعبي واضح من سياسة "حزب روسيا الموحدة" الذي يتزعمه هذا البوتين، حيث استمرت محاولات الكتاب والخبراء في تسليط الضوء على ما يجري في روسيا، وفهم التفاعلات الحاصلة هناك، لاسيما في ظل اتساع رقعة الحركات الاحتجاجية في العالم ونجاحها في الإطاحة بأنظمة كانت تعد راسخة في الوطن العربي.

تقوّم الخبيرة الفرنسية في الشؤون الروسية "ماري مانديرا" الرئيس بوتين بقولها:

"إن النخب الحاكمة على مر العصور في روسيا تمكنت من التأقلم حسب الظروف وتغيير جلدها مع المستجدات للبقاء على قيد الحياة. وهذا بالضبط ما أدركه بوتين منذ منصبه الأول كمساعد لعمدة مدينة "سانت بيترسبورج" وحتى تقلده الرئاسة". وتضيف الكاتبة أن روسيا التي تبدو للعالم الخارجي دولة قوية وراسخة تمتد عبر التاريخ وتحمل إرثاً مهماً من القوة والجبروت ترجع إلى أيام ستالين الرهيبة، تظل في الحقيقة ضعيفة".

وتبرز الكاتبة ملامح وتجليات هذا الضعف بقولها: "فجميع المؤسسات التقليدية التي تفخر بها روسيا مثل الكرملين ومجلس الدوما والمجالس المنتخبة الأخرى ليست سوى هياكل جوفاء ترتهن لشبكة المصالح الأكثر تجذراً. وقد أدرك بوتين هذه الحقيقة مبكراً فسعى لاستغلالها لتسهيل حكمه من خلال ربط علاقات متشابكة مع تلك المصالح للالتفاف على المؤسسات الطبيعية التي حاول تهميشها، فأغدق المناصب والصفقات الحكومية على المقربين والموالين من رجال الأعمال، وتمكن من نسج شبكة قائمة على الريع السياسي والاقتصادي مكنته لاحقاً من بسط السيطرة على الإعلام والتحكم في صناعة النفط الرئيسية بالبلاد".

والأكثر من ذلك، تقول الكاتبة الفرنسية: "يتجلى ضعف الدولة الروسية ليس فقط في سهولة الالتفاف على مؤسساتها كما فعل بوتين الطامح لولايتين أخريين قد توصلانه إلى 2024، بل أيضاً من خلال تجريف المجتمع المدني والمراهنة على سنوات الفوضى والاضطراب التي اجتاحت روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لتخويف الشعب".

وتضيف قائلة: "إذا كان بوتين قد سعى إلى تكريس ضعف الدولة الروسية والاستفادة منه، فهو يعاني اليوم من تداعيات سياسته وفشله في تقوية مؤسسات الدولة بعد تقلده السلطة، ولعلَّ الاحتجاج الشعبي المتنامي ضد استمراره في الحكم دليل على ارتباك النظام في موسكو وعجزه عن السيطرة، فبعد سنوات من تجريف الأحزاب المنافسة، وانبطاح الجهاز البيروقراطي أمام ساكن الكرملين، وغياب طبقة مستقلة من رجال الأعمال تدافع عن الفكرة الليبرالية والتعددية السياسية، وتحتكم لمؤسسات الدولة، بات الشعب دون متنفس للتعبير عن الاستياء عدا الخروج للتظاهر، كما أن وسائل الاتصال الحديثة أعطت للشباب الروسي القدرة على رص الصفوف وتعبئة الأنصار بعيداً عن محاولات الرقابة والتضييق الذي سعى بوتين لفرضها. وفي غياب سلطة أفقية تعتمد على مؤسسات الدولة المنتشرة جغرافياً والحاضرة في وعي السكان، تبقى سلطة بوتين ونظام السيطرة العمودي عاجزاً عن إقناع الشعب بوجاهة سياسات الدولة".

وتختم الكاتبة تحليلها قائلة: "تأتي الأزمة الاقتصادية الراهنة لتفاقم الوضع بالنسبة للنظام في موسكو، ففي حين كان بوتين يتمتع بهامش كبير من المناورة قبل 2008 بسبب صعود أسعار النفط وقدرته على الإنفاق وشراء الذمم، والتوجه خارج روسيا لتوسيع نفوذ بلاده، يجد نفسه اليوم مغلول اليد بالنظر إلى الأزمة وانخفاض أسعار المحروقات وتراجع قدرته على التحكم والهيمنة، ولأن مرحلة بوتين ليست سوى قوس يُفتح ثم يغلق في تاريخ روسيا، فالخاسر الأكبر- حسب الكاتبة - هو الدولة الروسية نفسها".

تشابه بين نظامين استبداديين فاسدين، وقديماً قيل: "إن الطيور على أشكالها تقع". من هنا يمكننا أن نتلمس القواسم المشتركة بين نظام دمشق ونظام موسكو، وهذه القواسم المشتركة تدفع الحكومة الروسية إلى التمسك بنظام الأسد مهما أدعت بأن موقفها مبني على عدم التدخل في شؤون الدول وأن على الشعوب وحدها تقع مسؤولية تغيير الحكام، وأن من حق الشعوب وحدها اختيار حكامها.

دعاوي موسكو ما هي إلا فقاعات تريد بها تبرئة نفسها مما يقترفه النظام السوري من جرائم بحق شعبه، وفي حقيقة الأمر هي تقف إلى جانب النظام السوري حتى النخاع، وبالتالي فهي شريكة له في كل ما يقترفه نظام دمشق السادي المتوحش من جرائم، وعلى العالم أن يفهم هذه الحقيقة وعليه أن يتحرك سريعاً اليوم قبل الغد، في موقف أخلاقي وإنساني شجاع تجاه شعب يذبح من الوريد إلى الوريد في واضحة النهار من قبل نظام سادي قاتل، بأساليب وحشية وبهيمية لم يسبقه إليها أحد، يعف القلم عن كتابتها واللسان عن ذكرها وقد شاهد العالم فظاعتها على الشاشات الفضائية وتناقلتها كل وسائل الإعلام ووثقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، وصنفتها في مرتبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية!!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com