العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-06-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

خطوة مهمة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 28/5/2014

أصدرت خمس منظمات إسلامية مقاتلة بيانا يحدد وجهات نظرها حول راهن الثورة، والأسس التي يجب عليها اعتمادها في نضالها، والهدف الذي تريد بلوغه، ويتمثل في «دولة العدل والقانون والحرية».

وكانت بعض هذه المنظمات قد أصدرت قبل نحو ستة أشهر بيانا حددت فيه هدفها بـ«إقامة نظام إسلامي»، بينما قال بيانها الحالي بنظام يستمد «ضوابطه من الدين دون غلو وتطرف». هذان التحديدان يضمران فروقا كثيرة، تبينها الشروح التي يقدمها البيان، والأهداف التي يحددها، وهي إسقاط النظام ومحاكمة قادته عن جرائمهم «بعيدا عن الرغبة في الانتقام»، وضرب أهدافه العسكرية وميليشياته وكل من يعتدي على السوريين ويكفرهم، والتعهد بالمحافظة على وحدة الدولة السورية ورفض تقسيمها.

هذا البيان تفصله عن البيان السابق، المتشدد نسبيا، حقائق بينت أن استيلاء تنظيمات ترفع ألوية وشعارات إسلامية على الثورة يضعف فرص انتصارها، داخليا وعربيا وإقليميا ودوليا، وأن التيار الإسلامي سيفقد فرصته في إقامة النظام الذي يريده إن هو أصر على طبع الثورة بطابع مذهبي يجافي هويتها المجتمعية العامة، القائمة على الحرية وحقوق الإنسان، أخذا بعين الاعتبار استحالة قيام تيار أو فريق بإسقاط النظام بمفرده، وضرورة تضافر جهود معارضيه ومقاتليه بمشاربهم وخياراتهم المتعددة للتخلص منه، على أن يحسموا أمر النظام البديل، الذي يريدونه، في إطار صراع سياسي يمكن أن يكون سلميا تماما. إلى ما تقدم، لعبت «داعش» دورا كبيرا في تغيير موقف التنظيمات الخمسة التي ترفع ألوية وشعارات إسلامية، من الصراع الدائر في سوريا، فقد تعلم قادة هذه التنظيمات خلال الأشهر القليلة الماضية من خبراتهم الميدانية واليومية، سواء في رؤيتهم التي يفصح عنها البيان لما يجب أن يكون عليه مصير سوريا وثورتها، أو في قتالهم ضد النظام، أو فيما كشفت عنه ممارسات «داعش» من قدرات تخطيطية وميدانية تمتلكها أجهزته الأمنية السورية والإقليمية والدولية في كل ما يتعلق باختراق الثورة وتنظيماتها، وكم هو خطير دور تشكيلات بعينها فبركتها مخابراته في القضاء على الثورة واحتواء وشل قواها، وإقامة تكامل ميداني فاعل بينه وبين بعض الذين احتسبوا لوهلة على الجهاد والمجاهدين، ولم يعد هناك اليوم أي شك لدى أي سوري في أن انتصار الثورة والشعب يتوقف على كسر الحلقات التي تصلهم بأولياء نعمتهم في دمشق وطهران وموسكو، وعلى قصم ظهر تنظيماتهم، لأن النظام لن يسقط طالما تسانده بالاحتياط البشري والعسكري، وتخوف العالم من أن بديله سيكون متشددا ومعاديا له.

في الأشهر الستة الماضية، تبين للمجاهدين فساد وعمالة نفر كبير من حملة السلاح ومدعي الدين، وظهر أن بين من يجاهدون قوى وشخصيات أشد خطرا على الجهاد من النظام ومرتزقته، وأن الوقفة الصحيحة حيالهم، لا بد أن تعلن اليوم لتكون مجدية وبنت وقتها، أو أنها ستكون متأخرة، وقاتلة.

في البيان السابق، أعلنت التيارات الإسلامية تصميمها على إضعاف الخيار الديمقراطي لصالح خيارها الإسلامي. أما البيان الحالي، فهو سيحفظ في حال الالتزام به أمن وسلام سوريا ما بعد الأسد، ليس فقط لأنه فرصة لتأسيس كتلة تاريخية هائلة معادية له، ستجعل انتقال سوريا إلى نظام بديل ممكنا من دون نشوب أعمال عنف بين ركنيها الركينين: الإسلامي والديمقراطي. تعلن الأطراف الموقعة على البيان الجديد عزمها على تقريب خيارها الإسلامي من الخيار الديمقراطي، وتصميمها على إقامة جسور تواصل بينهما تقوم على الوطنية واحترام الإنسان وحقوقه، وعلى تبني نظرة دينية تعتمدها الديمقراطية تحرم قتال العزل وإيذاءهم، الأمر الذي يعد – أولا - بوقف فوري لقصف الأحياء المدنية من دمشق، وبالامتناع القطعي عن قطع الكهرباء والماء عن أي مكان، أو تجويع أي موقع، بما في ذلك نبل والزاهرة والفوعة، ليس فقط لأن ذلك يمثل عقابا للسوريين على ذنب لم يقترفوه، بل كذلك لأنه يدفع بهم إلى أحضان النظام، الذي لا شك في أنه يرحب بموتهم عطشا وجوعا، وإلا لما حاصر مدنهم وقراهم وقطع الكهرباء والماء عنهم. و- ثانيا - بإطلاق سراح معتقلي التنظيمات الخمسة، وفي مقدمهم المحامية رزان زيتونة ومن اعتقل معها. بهذه المناسبة، أناشد فضيلة شيخنا زاهر علوان، الذي نفى مرات متعددة وجود الأستاذة وصحبها لدى «الجبهة الإسلامية»، أن يأمر بفتح تحقيق جديد حول واقعة الاعتقال، وأنا على ثقة بأن صديقاتنا وأصدقاءنا سيعودون إلى الحرية، بعد أن يعلم الحقيقة، وهي أن من اعتقلها لم ينقل له معلومات صحيحة حول ما جرى، فإن شاء فضيلته زودناه بكل ما لدينا من معلومات تؤكد وجودها لدى الجبهة.

إن وقف قصف المدن وإطلاق سراح المعتقلين هما خير اختبار لصدق ما أورده البيان المبارك من تعهدات، فهل يقرن من وقعه من إخوتنا الفعل بالقول، فيكون بيانهم خطوة حاسمة على طريق سوريا الحرة، سوريا العدل والقانون والحرية حسب تعريفهم، أم أن تفاؤلنا لن يكون غير وهم آخر في زمن لطالما قتلت لغته ووعوده أحلامنا؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل كانت الثورة السورية ضرورة؟

هيثم المالح

الشرق الاوسط

الاربعاء 28/5/2014

بين حين وآخر يخرج علينا بعض المحسوبين على المفكرين لينددوا بالتطرف في سوريا، وبعسكرة الثورة.. وما إلى ذلك.. مبدين آراءهم من أنه لم يكن من مبرر لهذه الثورة، وأن الإصلاح كان ممكنا. ومن هنا أحب أن أضع القارئ في صورة واضحة لمسببات الثورة وجذورها الحقيقية.

في الجولة الثانية لمفاوضات «جنيف 2»، قدمتُ مداخلة حول إرهاب السلطة، وكيف بدأ الحكم العسكري البعثي حملته لإثارة مشاعر غالبية السوريين وذلك بالنيل من عقيدة الأمة.

جرت احتجاجات على سياسة السلطة، منذ أحداث حماه الأولى 1964 التي جوبهت بالجيش والقصف المدفعي، الذي أدى إلى هدم جامع السلطان، ثم أحداث حمص بمناسبة الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، ثم أحداث دمشق 1965 التي اقتحم فيها الضابط سليم حاطوم المسجد الأموي بالآليات العسكرية وأطلق النار على المعتصمين العزل، ولا ينسى شعبنا الأحداث التي بدأت بحركة النقابات العلمية 1980 والتي أدت إلى حل النقابات واعتقال النقابيين، وعقب ذلك أحداث حماه التي يعرفها الجميع.

في كل المراحل لم يكن للسلطة سوى خيار واحد هو خيار القتل والقهر والاعتقال والتهجير وانتهاك الحرمات وارتكاب أخس الجرائم، حيث بلغ عدد الضحايا في آخر تلك المرحلة سبعين ألفا.

لم يُحاسب حافظ الأسد حين كان في زيارة إلى لندن، فغاب إلى مكان مجهول، كما لم يحاسب حين سلم الجولان هذه القطعة العزيزة على سوريا والتي تعد من أهم الأماكن تحصينا، فسلمها مع كامل العتاد والمخططات حين أمر الجيش بالانسحاب منها كيفيا دون ترتيب، في حين لم تكن قد وطئت قدم جندي صهيوني المنطقة، واختطف خليل مصطفى بريز الذي كتب كتابا عن سقوط الجولان اتهم فيه حافظ الأسد بالخيانة، فحكم عليه بخمسة عشر عاما في السجن قضاها ثلاثة وعشرين.

عند مجيء الحكم العسكري حوسب المواطن على أفكاره وليس على أعماله، وبدأت السجون والمعتقلات تغص بالمواطنين من كل الاتجاهات، وكان نصيب التيار الإسلامي هو الأوفر حظا.

أقدم حافظ الأسد تحت شعار «دول الطوق» أو الممانعة على الاستفادة من دول الخليج، وضُخت له الأموال بلا حساب، وذهب معظمها إلى الجيوب وجيوب أسرته، وشجع حافظ الأسد الفساد في جميع مرافق الدولة.

استولت الأسرة على 85 في المائة من الدخل القومي، وتحول 60 في المائة من الشعب السوري لما تحت خط الفقر، في حين أصبح 30 في المائة من القوى العاملة بلا عمل.

في مقابلة لصحيفة «دير شبيغل» الألمانية مع مصطفى طلاس، حين كان وزيرا للدفاع، صرح بأنه كان يوقع على 150 حالة إعدام أسبوعيا في دمشق أثناء أحداث الثمانينات، كما صرح بأنهم أخذوا الحكم بالقوة ولن يتركوه إلا بالقوة.

أمام هذه الصورة البشعة لنظام حكم تدثر بالطائفية والفساد، ورفع شعارات وهمية (ممانعة ومقاومة) من أجل تضليل الرأي العام المحلي والإقليمي، ومع بداية ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا لم يكن ممكنا أن يبقى الشعب السوري صامتا عما يجري في بلده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حول اختطاف تنظيم الدولة مئتي مواطنا سوريا كرديا ورفض أهلنا الكرد استلام صناديق التزييف

زهير سالم

31.05.2014

إقدام التنظيم الذي يطلق على نفسه ( الدولة الإسلامية في العراق والشام ) على اختطاف قرابة مئتي مواطنا سوريا كرديا من قرية قباسين التابعة لمدينة الباب من محافظة حلب جريمة منكرة بكل المعايير ..

إن سجل جرائم هذا التنظيم التي نفذت في جملتها ضد الشعب السوري وقواه الثورية قد فضحت بشكل لا يدع مجالا للشك ارتباطات هذا التنظيم ، المريبة بقيادات طائفية مقيتة في طهران وبغداد ودمشق . إنه واحدة من الآلاعيب المخابراتية التي يشهدها العالم في العصر الحديث . وإن يكن لصادق من كلمة في هذا السياق فهي في تأكيد النداء على أولئك المخدوعين والمضللين في عداد هذا التنظيم ( لعلهم يتفكرون ).

ونعود إلى الجريمة ضد الإنسانية التي نفذت بحق مائتي مواطن تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والسبعين من أبناء مجتمعنا الكرد لنقول إنها جريمة لا يكفي في أمرها الإدانة الشجب والاستنكار ...

جريمة إضافية تسجل في عنق بشار الأسد وداعميه من الروس والإيرانيين وأتباعهم وذراعهم المخادع المسمى ( الدولة الإسلامية ..)

وهي جريمة تسجل في الوقت نفسه في عنق بان كيمون الذي شلّ بتواطئه المنظمات الدولية والإنسانية بما فيها تعطيل إعمال القانون الدولي إلا بالتفسير الذي يسمح به الروس والإيرانيون ..

إن مصير مائتي إنسان مخطوف هو اليوم في مسئولية بوتين والولي الفقيه وبشار الأسد . وهو بالتالي من مسئولية بان كيمون والمجتمع الدولي المتواطئ الذي يعلم يقينا أن ما يسمى تنظيم الدولة ما هو في حقيقته إلا أداة من أدوات تنفيذ الجرائم التي يرتكبها مديرو الجريمة الأنيقون ..

إن الشعب السوري لا يريد أن يستقبل أخبار فجائع إضافية تنفذ بحق المواطنين الكرد الأبرياء كما نفذت من قبل بحق الكثير من الأبرياء في وقت يتقاعس فيه المجتمع الدولي عن القيام بواجباته ...

يقتضينا الموقف الإنساني والوطني أن نعلن تعاطفنا مع المخطوفين الكرد من أبناء وطننا وأسرهم ، وأن نشجب كل جريمة أو تجاوز يقع بحق أي مواطن سوري ..

كما يقتضينا الموقف أن نطالب السيد بان كيمون بأن يتحمل مسئوليته كراع للقانون الدولي لحماية حياة هؤلاء المواطنين السوريين الأبرياء .

من جهة أخرى يقتضينا الموقف أيضا أن نوجه التحية والشكر لأهلنا الكرد في المنطقة الشرقية الذين رفضوا استقبال صناديق التزوير والتزييف التي يسميها بشار الأسد صناديق الانتخاب ...

لندن : 2 شعبان / 1435

31 / 5 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل نستغرب الفيتو المزدوج ضد الشعب السوري ؟!!

د. خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الثلاثاء 27/5/2014

لم نستغرب الموقف الذي كررته روسيا والصين للمرة الرابعة، في استخدام حق النقض ضد مشروع قرار إحالة ملف الجرائم في سورية إلى محكمة الجنايات، نقضا للعدالة وانتهاكا صارخا لحقوق السوريين بعد 3 سنوات من الحرب.. ولا شك أن هذا التعطيل يعطي مزيدا من فرصة القتل الممنهج والتدمير الرهيب للنظام السوري, وإن فرنسا التي تقدمت بهذا المشروع إلى مجلس الأمن بل الخوف لإدانة المجرمين وملاحقتهم قضائيا والتي شعرت بحزن لخيبة أملها بالموافقة عليه لتعرف هي والدول المصوتة معها أن الفيتو المزدوج سوف يستخدم، فلا داعي للعجب بعد ذلك لأنه إذا عرف السبب فقد بطل العجب, وإذا لاحظنا أن الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن هي من يتحكم بقراراته، سيما أنها تدفع نصف ميزانية المجلس وتستخدم هذا المال السياسي لتطويق قراراته يزول عجبنا.. بالإضافة إلى إدراكنا مدى فداحة الظلم والكبر والقهر بل والسخف المتأتى من مجلس الأمن الذي يعقد بحق النقض لمثل هذه الدول التي نصبت أنفسها سماسرة في سوق الجبارين، ولذلك كان المفكر مالك بن نبي- رحمه الله- يقول: إن هذا المجلس بصفته الحالية مجلس مشؤوم وقد طلع إلينا مشوه الخلقة منذ ولادته, ونذكر كذلك قول المفكر أرنورد توينبي في كتابه مختصر تاريخ الحضارة 4/196: إن ميثاق الأمم المتحدة ميثاق سخيف لأنه تضمن حق النقض من الدول الخمس الكبرى، حيث يمكن بموجبه إجهاض أي قرار لنصرة المظلوم, وهذا هو الواقع الذي عرفناه من قبل في أمثلة عديدة وخصوصا فيما يتعلق بفلسطين من قبل أمريكا, ويتكرر بكل وقاحة إزاء القضية السورية حاليا ضمانا لمصالح الدول ذات الصلة, دون الاكتراث بحق الشعوب ولا بالاستنكار الذي تواجهه ممن صوتوا مع فرنسا من مسؤولي 13 دولة، أجمعت أن هذا الموقف يؤدي إلى فقدان هذا المجلس مصداقيته، وينذر بعواقب وخيمة قد تجر إلى حروب إقليمية بل عالمية, وفي غلبة ظننا أن ما يسمى بالمجتمع الدولي وهو مختزل في معظمه بالمنظومة اليهودية المؤثرة الوالغة فيه غير جاد في حل القضية السورية، وأنه يفضل بقاء مجرم الحرب الأسد في السلطة ولا نقول الدولة، لأنه يضمن مصالح الجميع تحقيقا لأمن إسرائيل التي لن تقبل ببديل إسلامي أو وطني يفكر بأنها ستكون في المرمى عاجلا أو آجلا, وكما يريد الصهاينة وحلفاؤهم إنتاج هذا اللا نظام من جديد فإن تفسير السفير السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري يبرر لانتخابات "سميه بشار" بأن مشروع القرار ما هو إلا محاولة لتقويض هذه الانتخابات الرئاسية القادمة في 3 حزيران، مدعيا أن الحكومة السورية شكلت لجنة وطنية منذ بداية الأزمة للتحقيق في الجرائم رافضا أي تحقيق خارجي متناغما مع نظيره الروسي فيتالي تشيركين.. وأن المشروع حيلة دعائية قد تقوض الأمن والحل السياسي في سورية وما هو إلا لافتعال تأجيج المشاعر ولاتخاذه سببا في التدخل الخارجي, وكذلك ما قاله نائب السفير الصيني وانغ مين من أن الصين لديها تحفظات على إحالة الملف إلى الجنائية لأن ذلك يعقد المشكلة ومعاناة الشعب السوري والدول الأخرى في المنطقة.. وهكذا نجد أن الدولتين اللتين تسعيان لتحقيق مصالحهما الاقتصادية والسياسية في العالم وبعث القطب الثنائي أو المتعدد في مواجهة أمريكا، جعلتا الساحة السورية بقدر أكبر، مجالا فسيحا للعب الرخيص قفزا على الدماء والأشلاء، وإن المجلس يجاريهما دون أي موقف جدي ولو بقرار لوقف إطلاق النار في البلاد, نعم إنه لن يفعل ذلك لأن الحراك السلمي سيعود وعندها يخشى من الإطاحة بالأسد، وهذا ما هو غير مرغوب في "بازار" المصالح الدولية, وإنه لن يفوتنا أن نذكر بأن القضية السورية أدت إلى تقارب كبير بين روسيا والصين بعد علاقات كانت فاترة تاريخيا بسبب الخلاف في فهم تطبيق المنهج الشيوعي, ولكن المنافع التي فرضت نفسها بينهما ووقوفا ضد التفرد الأمريكي، فقد جرت العلاقات والتطورات كونهما يشتركان في اللجنة السداسية للموضوع الكوري الشمالي, وأنهما عضوان في منظمة شنغهاي، وكذلك في كتلة البريكس في مجلس الأمن وكذلك اتفاقهما على منع التدخل الخارجي في الشأن الداخلي لكل دولة، فالصين تعاني ما تعاني من إقليم سينغيانغ، وطلب المسلمين الانفصال عنها وكذلك روسيا، وما تعانيه من الحركات الإسلامية في القوقاز وخلافه, وقد أيدتا عدم تغيير النظم بالقوة مع أنهما تفعلانه بالقوة في إقليم الصين المذكور وفي أوكرانيا، حيث تدخلت روسيا بالقوة, وروسيا تريد كبح جماع أمريكا التي تنفق عسكريا 23 ضعفا عنها..

أما من الناحية الاقتصادية.. فقد أشار بوتين خلال اللقاء مع مسؤول في مجلس الشعب الصيني سبتمبر 2011 أن حجم التبادل التجاري بلغ 70 مليارا، وسيكون عام 2015, 100 مليار و200 مليار في عام 2020، زد إلى ذلك بعد التدخل في أوكرانيا اتفاق وقعته روسيا مع الصين قبل أيام بقيمة 400 مليار دولار لتوريد الغاز إليها لمدة 30 عاما من قبل شركة غاز بروم الروسية، فروسيا والصين لا تهمهما إلا مصالحهما.. وهما تلتقيان اليوم مع سورية الأسد وليس الشعب والثوار ولا ننسى تعاونهما العميق مع إيران التي تعتبر ربيبة لروسيا ولها علاقتها المميزة اقتصاديا مع إيران التي تعتبر أن سقوط النظام السوري سيمثل انتكاسة كبيرة لمشروعها الإقليمي وستخسر نفوذها في الشرق الأوسط، ولذا تسعى بلا حدود لدعم الأسد، حيث يلتقيان في خانة الأيديولوجيا الظالمة, ومما يعزز ذلك أيضا أن إيران تعمل هي وروسيا والصين وأمريكا وإسرائيل وحلفاؤها على بقاء الأسد مما لم يعد خافيا حقيقة, وأن روسيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل منذ عام 1984 على يد إستالين، وهجرت مليون يهودي إليها، وها هو بوتين يزورها قبل أشهر، ويقول: إنه لن يستطيع أحد أن يقطع العلاقة بيننا وبين اليهود، ولذا فإنه لا يمكن اختزال موقف روسيا في سورية بقاعدة طرطوس وبيع السلاح والمكاسب الاقتصادية كما هو الشأن مع الصين، وإنما بفهم الواقع كليا، وأن الصين رغم المد والجزر في العلاقة مع إسرائيل تاريخيا إلا أنها منذ الثمانينيات بدأت العلاقة وقد صارت رسمية عام 1989، وأعلن عنها بعد مؤتمر مدريد 1991 وبلغت الصادرات والمستوردات الاقتصادية بينهما مليارات الدولارات..

وهكذا فإننا أمام مشهد المؤامرة الحقيقية الكونية على الثورة السورية وليس على سورية الأسد، ولن تستطيع الثورة الصمود الحقيقي إلا باعتمادها على شعبها وتطوير سلاحها، وكسب ما يمكن من الأصدقاء الأوفياء عمليا في غياب مجتمع دولي لم يتحمل شيئا ذا بال من مسؤولياته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المنطق الأعوج: الموقف من التطرف الديني

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 25/5/2014

أعاد البيان الذي أصدرته تشكيلات عسكرية سورية مؤخرا إلى الواجهة جدلا سوريا، كان جرى التغاضي عنه أو إهماله، وهو الموقف من جماعات التطرف الديني، إذ احتوى البيان رأيا لهذه الجماعات في مستقبل سوريا، لا يتبنى فكرة الدولة الإسلامية خلافا لموقف أبرزها والذي دعا إلى دولة إسلامية في وقت سابق باعتباره مستقبل الدولة السورية.

ورغم أن بعض المعنيين والمتابعين للقضية السورية، رأى في هذا التحول مجرد تكتيك سياسي، يتوافق مع ضرورات المرحلة التي يجتازها الوضع السوري، فإن آخرين انقسموا ما بين مستنكر وآخر متوافق مع هذا التحول، والأمر في ذلك إنما يعكس جدلا سوريا، كان قد بدأ مع الظهور الملموس للتشكيلات الدينية المسلحة قبيل نهاية العام الأول من ثورة السوريين ضد نظام الأسد، وقيام بعض تلك الجماعات بالإعلان عن عمليات ضد مقرات للنظام وبعض رموزه العسكرية والأمنية، وهو أمر استدعى ظهور حس شعبي أكثري من الناحيتين السياسية والاجتماعية مؤيد لتلك الجماعات ولعملياتها، امتد في بعض الحالات ليشمل قادة في المعارضة السورية بمن فيهم شخصيات قيادية ذات تاريخ يساري وديمقراطي وليبرالي.

وبالتوازي مع الموقف السابق الداعم للتشكيلات الدينية المسلحة في المستويين الشعبي والمعارض، فإن حسا شعبيا غلب عليه الطابع الأقلوي السياسي والاجتماعي، أعلن رفضه لوجود وعمليات تلك التشكيلات ونتائجها، وتبنى بعض قادة في المعارضة الموقف ذاته، فعارضوا تلك التشكيلات، واتخذوا موقفا حذرا من عملياتها ونتائجها.

وللحق فإن الموقفين اعتراهما بعض الارتباك، لأن عوامل خارجة عن الموضوع تدخلت في كل منهما. فالذين أيدوا التشكيلات الدينية المسلحة وعملياتها، إنما كانوا يرونها في جملة الردود على وحشية نظام الأسد وسياساته حيال الشعب السوري وما أشاعته من قتل وتهجير للسوريين وتدمير بلدهم دون أن يعطوا أهمية للتوجهات الآيديولوجية لتلك الجماعات وهدفها الأخير في إقامة سلطة دينية استبدادية، لا تختلف كثيرا عن السلطة الآيديولوجية الاستبدادية لنظام الأسد، فيما استند المعارضون إلى معرفتهم بالعلاقة التي حكمت النظام مع جماعات التطرف الديني، والتي كثيرا ما وظفها في صراعاته الداخلية والخارجية كما في تجربة موقف النظام من الوضع في العراق وتطوراته. وأضاف هؤلاء إلى أسباب معارضتهم حذرهم التاريخي من التنظيمات الدينية وتوجهاتها، خاصة وقد صار لهذه التشكيلات أسنان مسلحة وقوى دعم مادي كبيرة من المحيط الإقليمي والدولي.

وكرست تجربة الثلاث سنوات الماضية من الصراع السوري، خلاصات أكثرها في منطقة التوافق السوري، أولها أن التشكيلات الدينية المسلحة، بلورت هدفا رئيسيا لها في إقامة دولة إسلامية، وهو هدف يتناقض مع الهدف الرئيسي الذي انطلقت الثورة السورية لتحقيقه، هدف الدولة الديمقراطية التي توفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، والثاني أن هذه التشكيلات، جعلت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام ساحة عملها الرئيسي، وعزلت نفسها في أغلب الأوقات والمواقع عن خطوط التماس في الصراع مع قوات الأسد، وخاضت صراعات مع قوى الجيش الحر والتشكيلات الثورية المحلية في محاولة لتصفيتها والسيطرة على الأرض، وفرضت سلوكيات وممارسات على المواطنين، تكرس استبدادا دينيا مسلحا، يتنافى وأفكار الديمقراطية والتعددية والحرية وحقوق الإنسان، بل إنها خاضت صراعات سياسية وأخرى مسلحة فيما بينها، وحولت في نهاية الأمر الحياة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى جحيم حقيقي، بما يعنيه ذلك من توافق مع جوهر سياسة نظام الأسد في كل المناطق السورية، وهو ما جعل معسكرات ومقرات وخطوط تحرك التشكيلات الدينية خارج أهداف أسلحة النظام بما فيها سلاحه الجوي الذي لم يكن يوفر المدنيين في الأماكن السورية الأخرى فيجعلها هدفا للبراميل المتفجرة. وإذ كشف ما سبق جوهر التشكيلات الدينية وأهدافها عبر ممارساتها، ولم يعد بالإمكان تأييدها والدفاع عن ممارساتها، فقد لجأ بعض من تبقى من المؤيدين لها إلى مفاضلة بين بعض تلك التشكيلات، مثل القول: إن «النصرة» أفضل من «داعش» من الناحية الآيديولوجية والعلاقة مع الخارج، متناسين تنافس التشكيلين في وقت سابق على تمثيل تنظيم القاعدة في سوريا قبل أن يحسم الأمر للأول، وصار البعض يميز بين التشكيلات كما في القول، بأن ممارسات «داعش» أكثر تشددا ووحشية مقارنة بـ«النصرة»، وبعضهم يميز بين قادة تلك التشكيلات وعناصرها متجاهلين الطبيعة الحديدية الصلبة لتلك التنظيمات وخضوع الأفراد للقادة وفق منطق ديني.

لقد ساهمت تلك الرؤى، ليس في تمدد التشكيلات الدينية المتطرفة والمتشددة وتقويتها على حساب قوى الثورة المدنية والعسكرية الشعبية فقط، بل ساهمت في تشويه وجه الثورة السورية بإسباغ طابع متشدد متطرف على الثورة وإبرازها «ثورة متطرفين» و«قتلة متشددين» لدى أوساط الرأي العام العالمي، وكلفت السوريين مزيدا من الخسائر البشرية والمادية، وزادت من معاناة السوريين وتهجيرهم، وهي في الأهم من ذلك أطالت في عمر النظام وجعلت من الصراع السوري معه، يدخل متاهات ومسارب لم يكن له أن يدخلها لولا تمدد وتقوية التشكيلات الدينية المسلحة.

ويفرض واقع الحال إنهاء المنطق الأعوج ومواجهته في التعامل مع التطرف الديني بتشكيلاته وأهدافه وممارساته، والقول: إن التشكيلات الدينية إنما تقف على ذات الأرضية في تعاملها مع الشعب السوري وثورته، وإن الحق رفع كل غطاء آيديولوجي أو سياسي أو وطني أو أخلاقي عن تلك الجماعات، مما سيفرض عليها الانحسار والتقوقع أو إجراء تحولات سياسية، ينبغي أن تكون تحت المراقبة والتدقيق لتتوافق تحولاتها السياسية مع ممارساتها على نحو ما يمكن أن يكون عليه حال التشكيلات التي وقعت ميثاق الشرف الثوري مؤخرا، لأن السوريين باتوا يريدون أفعالا لا أقوالا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإسلاميون السوريون والفصلُ بين (الدين) و(الثقافة) (2)

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 25/5/2014

الإسلاميون السوريون والفصلُ بين (الدين) و(الثقافة) (2)لم يُنشر الجزء الأول من هذا المقال الأسبوعَ الماضي إلا والسوريون يشهدون صِدقيِّة أول فكرةٍ وردت فيه. دعت الفكرة المذكورة إلى فكّ الارتباط بشكلٍ نهائي بين الحديث عن (الإسلاميين) والحديث عن (الإسلام)، وإلى رفض دعوى الاقتران الماهوي بين الاثنين. وبَرَّرَت ضرورة ذلك بكثرة التجمعات والمنظمات والأحزاب التي تدَّعي تمثيلَ الإسلام بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وبوجود فهمٍ متفاوت، وأحياناً متفاوتٍ جداً، في فهمها للإسلام وفي كيفية تنزيله على الواقع.

قبل نشر المقال بيوم صدر (ميثاق الشرف الثوري) الذي يُمثل طرحاً مُتقدماً في خطاب الفصائل الإسلامية العسكرية السورية. لن نناقش هنا حقيقةَ أن هذا الخطاب يمثل الحدَّ الأدنى من ملامح الخطاب الوطني السوري المطلوب، ولا الحاجةً للتأمل في أن (إنجاز) الوصول إليه تطلَّب أكثر من عامين، عاد فيهما ذلك الخطابُ إلى الوراء كثيراً. وإنما تكفي الإشارةُ إلى النقد الجذري الذي صدر عن جبهة النصرة لهذا الميثاق بعد صدوره بثلاثة أيام فقط.

لم يحتج الأمرُ أكثرَ من هذه الأيام ليظهر، واضحاً وجلياً، التناقضُ الجذري والشامل بين خطابين (إسلاميين) فيما يتعلق بالنظرة إلى الدين والنظرة إلى الوطن والمواطن والنظرة إلى الثورة. يحتاجُ تحليل الظاهرة إلى مقامٍ آخر، لكن المؤكد أنها خلقت علامة استفهامٍ كبرى تركت المَعنيين في حيرةٍ لا نعلم كيف يُعالجونها نظرياً وعملياً في قادم الأيام. والأرجحُ أنها ستُظهرُ حقيقةَ وُجودِ أكثر من خِطابين إسلاميين.

"الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعةٍ متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجري حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة".

هذا أحد تعريفات الثقافة التي أوردناها سابقاً، والسؤال الذي يطرح نفسه على كل السوريين هنا هو التالي: هل يستطيع إنسانٌ أن يزعم وجود ما لهُ علاقة بهذا التعريف في طروحات وخطاب وممارسات الإسلاميين السوريين على اختلافها وتنوعها؟ السؤال مطروحٌ بقوةٍ ووضوحٍ وصراحة، مع التذكير مرةً أخرى أن الحديث هنا يتعلق بالتكوينات المؤسسية على اختلاف مجالاتها ومُسمياتها، وعلى أعضاء هذه التكوينات. ومع الإقرار، أيضاً، بوجود أفراد قد يصفون أنفسهم (إسلاميينَ) بمعنى من المعاني، ممن تصالحوا مع الثقافة، ولايرون في هذه المصالحة أي تهديدٍ للدين.

لاتكفي في هذا الإطار الشعارات، ومنها شعار (الإسلام هو الحل) بتلويناته المختلفة. ولايكفي برنامجٌ سياسي نظري تطرحه هذه الجماعةُ أو ذلك الفصيل حاملاً عناوين فخمة، في حين أن مضمونه أقرب بكثير لعمليات القصّ واللصق، فضلاً عن (الفِصام النَّكِد) بين ذلك المضمون وممارسات أصحابه في كل مجال. ولاتكفي، بطبيعة الحال، المدونةُ الفقهية الممتلئة بأحكام وفتاوى غالبيتُها العظمى تُحيل إلى محاولاتٍ تاريخية لتنزيل الدين على وقائع ذلك التاريخ، هدفُها في أحسن الأحوال تحقيقُ مقاصده بما يُلائمُ ظروف زمانٍ مختلف.

من المهم جداً إعادةُ التأكيد هنا على أننا لانُغادر ظرفَ الثورة وملابساتها، لأن من السهولة بمكان خلطَ الأوراق و(اتهام) هذه الرؤية بكونها دعوةً، في غيرِ وقتها، للترف الفكري. فعلى العكس من ذلك تماماً، يحمل الكلام دعوةً لمُمارسةٍ تُوسِّعُ مفهوم الثورة وإطارَها، تنبثق من تقويم عمل الإسلاميين السوريين وطروحاتهم مِنْ قُرْب على مدى أكثر من سنتين من عمرها، بحثاً عن فهمٍ مُختلفٍ للإسلام، يكون أقدرَ على تحقيق مقاصده الكبرى وتحقيق أهداف الثورة، دون تضاربٍ موهومٍ بين الهدفين.

أين تكمنُ الصعوبةُ في إدراك حقيقةٍ بسيطة يؤكدها الواقع بوضوحٍ وجلاء: إن خطاب الإسلاميين السوريين وطُرُقَ تفكيرهم وعملهم خلال الفترة السابقة لم تكن قادرةً على (إدارة) ثورة، وهي، بوضعها الراهن، ليست قادرةً حتماً على تقديم جديدٍ للثورة في الحاضر والمُستقبل. من يمكن له أن يُجادل في هذه الحقيقة؟ وماهي مؤشراتُ خطئها ومُجانَبتها للصواب؟

مُعيبٌ جداً الهروبُ من الاعتراف بهذه الحقيقة باستخدام مقولة وحشية النظام، وعَون أصدقائه الكثيف له، وخُذلان السوريين من قِبل (أصدقائهم) مالياً وسياسياً وعسكرياً، وغير ذلك من حقائقَ معروفة، لكنها بحدِّ ذاتها الحقائقُ التي تُعيدُ وضع المسؤولية الكبرى والأساسية على من (يدَّعي) التصدي لقيادة الثورة، كائناً من كان.

كل مانقوله أننا وصلنا إلى هذا الواقع، وأنه سيستمر، مادامت الخصومة قائمةً ومستمرةً بين الإسلاميين السوريين وبين الثقافة. الثقافة، نُعيد ونكرر، بمعنى "تقديم مجموعةٍ متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجري حياتها".

صدرَ عن هؤلاء الكثيرُ من الأقوال والأفعال خلال الفترة الماضية، وقدمَ بعضهم كثيراً من التضحيات في مجالات مختلفة. ولئن كان فيما فعلوه أيضاً الكثير من المشكلات، لكن المشكلة الأكبر كانت فيما لم يفعلوه. إذ لم يكتفوا بعدم تقديم إجاباتٍ على المآزق التي تواجه الثورة وسوريا بينما يتغيرُ مجرى حياة السوريين جذرياً، بل إنهم لم يُفكروا بطرح الأسئلة الصحيحة ابتداءً.

لم نصل بعدُ إلى الجزء الآخر من تعريف الثقافة: "المواجهةُ المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتُشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة". إذ، كيف تظهر الحيوية الهائلة الكامنة في هذا الإنسان، وكيف تتكرر المواجهة مع القضايا الجذرية والأساسية، إذا لم تحصل تلك المواجهة للمرة الأولى أصلاً؟

يتحركُ الإسلاميون السوريون كثيراً، ويتحدثون كثيراً، ويمارسون المناورات كثيراً، ويُقدمُ بعضُهم على الطريق كثيراً من التضحيات. ألا يجب أن يلفتَ انتباهَهُم وانتباهَ السوريين أن كلَّ هذا قادَنا إلى الوضع الراهن للثورة؟! كيف لايُثير هذا الحال سؤالاً كبيراً يتعلق بما (لايفعلونه)؟ ومن أين ينبعُ هذا الإصرار العجيب على إنكار الواقع ورفض كل ماله علاقة بالمراجعات؟

مرةً أخرى، قد تكون البُشرى الوحيدة في الموضوع أن هذه الممارسات وتلك الأساليب في العمل والتفكير ستكون بنفسها عائقاً في وجه (أسلمة) الثورة بالفهم السلبي الشائع. لكنها ستكون، أيضاً، سبباً لإعادة نظر واسعة وعميقة في طريقة فهم الإسلام وتنزيله على أرض الواقع، وسيحصل هذا بشكلٍ يقلب الموضوع من (أسلمةٍ) للثورة في سوريا إلى ثورةٍ في إسلامها نهايةَ المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بديل أوباما لاستبعاد الحلول العسكريّة؟

مصطفى كركوتي

الحياة

الاحد 25/5/2014

لا توقعات غير ما نراه حتى الآن في السياسة الأميركية إزاء قضيتي سورية وأوكرانيا. فما دامت العلاقات مع إيران روحاني تشهد تقدماً، على رغم توسع حقول الموت في أرجاء كبيرة في سورية، وما دام الموقف إزاء روسيا بوتين لا يتعدى حدود الصراخ، على رغم ما يجري على الأرض من إجراءات توحي بتوسع روسي في أوكرانيا، فلا رهان على تغيير مهم في سياسة واشنطن.

ففي لقاءات المسؤولين الأميركيين الأخيرة مع ممثل المعارضة السورية أحمد الجربا، لم يبد أحد أي إشارة إلى تصعيد الموقف إزاء حكومة بشار الأسد عسكرياً، وواضح أن هذا هو الحال إزاء الوضع في أوكرانيا، منذ جولة باراك أوباما الأخيرة في أوروبا التي أحيت في عواصم أوروبية رئيسية النقاش، ليس فقط بشأن الحالة العامة للعلاقات عبر الأطلسي، ولكن أيضاً، وهذا الأهم، حول مسائل حيوية إستراتيجية تمس مباشرة الهوية الأوروبية والاستقرار في أوروبا وعلاقتها بجوارها الشرق أوسطي.

وكانت لتلك الجولة، وبخاصة جزءها البلجيكي، رمزيتها المهمة، إذ أنها زيارة بروكسيل الأولى لأوباما كرئيس أميركي، إضافة إلى أنها المقعد الدائم لكل من «الناتو» والاتحاد الأوروبي. فقد ألقى الرئيس الأميركي أمام ألفين من طلبة أوروبا الشباب في صالة الفنون في وسط بروكسيل، خطاباً اعتُبِر الأهم لرئيس أميركي منذ خطاب بيل كلنتون في شأن أزمة كوسوفو عام 1999. فإدارة كلنتون كانت مترددة في مسألة التدخل عندما بدأت الأزمة عام 1998، إذ خاض الحرب طرفان هما: قوات الفيديرالية اليوغوسلافية في مسعى لابقاء كوسوفو ضمن أراضي صربيا في مواجهة مقاتلي كوسوفو الألبان أو ما عُرف آنذاك باسم جيش تحرير كوسوفو. وما كان لتلك الحرب أن تنتهي بسرعة لولا تدخل مباشر من «الناتو» لمصلحة جيش التحرير في حزيران (يونيو) 1999.

وبمناسبة الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى هذا العام، حرص أوباما على تذكير مستمعيه ببعض دروس التاريخ الناسجة للعلاقات الأميركية-الأوروبية. وكانت أوكرانيا وفلاديمير بوتين الموضوعة الوحيدة في جولة أوباما الأوروبية إذ لم يأتِ على ذكر الحرب والموت في سورية على الاطلاق.

على عكس سابِقَيْه كلينتون في كوسوفو، وجورج دبليو بوش في أفغانستان عام 2001 والعراق في 2003 وإعلان الأخير «الحرب على الإرهاب»، فإن أوباما تناول الأزمة الأوكرانية برخاوة لا نظير لها عاكساً بذلك واقع العالم السياسي الراهن كما تراه إدارته. وقال: «يجب أن لا ننسى أننا ورثة المناضلين من أجل الحرية» ولكن يجب أن ندرك أنه «لا حل عسكرياً لها ولا يوجد حل سهل لها في الأساس». وأكد أنه «علينا أن نواجه التحدي لِمُثُلِنا ونظامنا العالمي نفسه بقوة واعتقاد صلب».

صحيح أن الولايات المتحدة تبقى القوة الكبرى الوحيدة في عالم اليوم ولكنها لم تعد تلك القوة التي ترد على أي تحدٍ بالسلاح من دون شروط معقدة. فهذا واضح في حالة سورية ولا يبدو أننا سنراه يحدث إزاء أوكرانيا. وعلى رغم دخول الأزمة السورية عامها الرابع يصعب توقع نهاية للنزيف الدامي فيها ما دام لا يحدث تغير ملموس في ميزان القوى.

كثيرون من المراقبين الأوروبيين يستعصي عليهم فهم موقف الإدارة الأميركية بالنسبة الى أوكرانيا. ويقول هؤلاء: إذا كان العامل الإيراني في الشرق الأوسط يكبح واشنطن عن الحركة تجاه الحسم في سورية، فما الذي يلجم حركتها في أوروبا تجاه أوكرانيا التي هي بوابة الروس إلى أوروبا والأوروبيين إلى روسيا؟

بعض المعلقين الأوروبيين يرون ثمة مبررات محسوبة وراء كلام أوباما حول أوكرانيا. فالأخيرة ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي ولا في منظمة معاهدة شمال الأطلسي، ولذلك لن يكون الرد على موسكو أكثر من مسعى لـ «عزلها» في مناطق يستطيع التحالف الغربي التحرك فيها. ويشرح أوباما ذلك: «جئت إليكم اليوم كي أقول إنه لا ضمانات لما حققناه من إنجازات هنا وحول العالم، وإذا استمرت القيادة الروسية في مسارها الراهن يجب أن نتأكد من تعميق عزلها». أي أن استخدام القوة العسكرية لن يفيد في استرجاع شبه جزيرة القرم أو الحيلولة دون دخول روسيا المحتمل إلى شرق أوكرانيا.

إذاً، مواجهة روسيا راهناً تنحصر في مزيد من الضغط والديبلوماسية المفتوحة. فقد عبَّرت هذه السياسة عن حدها الأقصى بإجراءات سياسية محددة. ومعلوم الآن أن الولايات المتحدة اتخذت إجراءات مهمة للتأكيد لحلفائها في شرق أوروبا على «صلابة» سياستها بالمزيد من الطلعات الجوية لطائرات الناتو فوق دول البلطيق الثلاث، وإرسال وحدة جوية إلى بولندا. وإذا كان الوقت، كما يرى الأوروبيون، لا يزال متاحاً أمام واشنطن لبدء حوار جاد في شأن مستقبل أوكرانيا وترتيب إجراءت مهمة مع موسكو حول الوضع النهائي لشبه جزيرة القرم، فربما تمكنت واشنطن من التقاط تقاطعٍ ما تلتقي عنده مع طهران لفتح باب المناقشة في شأن سورية لإعادة ترتيب البيت السياسي فيها.

لكن هذا يعتمد على أى مدى ستنزع إيران نحو إعادة نظر محورية في شأن سياستها في الإقليم ومستوى التفاهمات بينها وبين واشنطن حول دورهما ومصالح كل طرف منهما فيه. وزير الخارجية السابق هنري كيسينجر يقدم رأياً في الشأن الأوكراني يلخصه بالتالي: «غالباً ما يطرح الشأن الأوكراني نفسه وكأنه قضية تحتم على أوكرانيا ضرورة الاختيار بين الشرق والغرب. ولكن إذا كان لأوكرانيا أن تبقى وتحقق الانتعاش، فعليها ألاّ تنتمي إلى هذا الطرف أو ذاك، بل عليها أن تلعب دور الجسر بين الطرفين».

الوضع في سورية مختلف بالطبع، إذ إن دمشق ليست في محل صراع بين شرق وغرب، على الأقل راهناً، ولكنها ساحة مواجهة إقليمية حاسمة تستخدم فيها إيران كل إمكاناتها، بما في ذلك ميليشيا «حزب الله» اللبناني، ونفوذها القوي في العراق ودورها الاستراتيجي في أفغانستان، لترسيخ سياسة توسعية على رغم أنها غير قابلة للحياة في المدى الطويل. وموقف الولايات المتحدة بالتالي تجاه الوضع السوري لن يتحدد كما يبدو إلا من خلال شبكة تفاهمات إقليمية تسعى إليها كل من واشنطن وطهران.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لائحة المخادعين في سورية

زهير قصيباتي

الحياة

السبت 24/5/2014

إذا كان مَخرَج المواجهة بين موسكو والغرب، مقايضة شبه جزيرة القرم بأوكرانيا مصغّرة حليفة للديموقراطيات الأوروبية ولواشنطن، ألا يقدِّم ذلك سابقة يُمكن سيدَ البيت الأبيض الرئيس الأميركي باراك أوباما و «قيصر» الكرملين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتكاء عليها لوقف الحرب في سورية؟... فتضيع وحدة هذا البلد العربي، لينقذ «القيصر البعثي» طموح حليفه، النظام السوري الذي ما زال عاجزاً عن سحق المعارضة ووقف الحرب، بل يطبّق في بقعة جغرافية واسعة سياسة الأرض المحروقة: دمار شامل بالطيران والبراميل المتفجرة، بلدات تُمحى ومدنيون ينضمون ببساطة إلى إحصاءات القتلى الذين ربما تجاوز عددهم مئتي ألف، إذا أُضيفت إليهم قوائم المفقودين.

والعجز عن وقف الحرب بالقوة، أي سحق المقاتلين المعارضين للنظام في دمشق إذ لا يُسقِط احتمالات تقسيم سورية، وإقامة الكيان العلوي الذي تحتدم المعارك لشق ممرات تواصلٍ بينه وبين الحلفاء في العراق ولبنان وعبر العراق إيران بالطبع، لن يعني حتماً أن حروباً «صغيرة» ومديدة لن تندلع، ولو رعت روسيا بوتين ذلك الكيان.

ومرة أخرى، يجرّ المبعوث الدولي- العربي الأخضر الإبراهيمي خيبته إلى مجلس الأمن اليوم، ولعله يبدأ بتذكير «الكبار» في المجتمع الدولي بحقائق عن الحرب القذرة التي تتناسل حروباً وكوارث على حساب دماء السوريين الذين ما زال النظام في دمشق يصرّ على تفاؤله وثقته باختيارهم انتخاب الرئيس بشار الأسد مجدداً، إذا أُجرِيَ الاقتراع هذه السنة. مرة أخرى تطول لائحة المخادعين ممن ضلَّلوا، لإيهام الآخرين بأن الصبر وحده كفيل بوقف سفك الدماء.

للإبراهيمي هذه المرة أيضاً أن يطلب تفهُّم الأميركيين والروس مقتضيات مهمّته ليمارسوا ضغوطاً، لكن المعارضين وحدهم هم الذين دفعوا الثمن، بأيدي النظام و «القاعدة» و «جبهة النصرة» و «داعش»، فيما الروس والإيرانيون وحلفاؤهم من العراقيين واللبنانيين يساهمون في تجديد شرايين النظام وترميم رئتيه، ليواصل معهم «المعركة ضد التكفيريين والجهاديين». أما «الائتلاف الوطني السوري» فهو في الصيغة «الرسمية» لدى دمشق مجموعة «إرهابيين»، صيغة تحاكي تصنيف موسكو حكومة كييف الجديدة... إنه قاموس واحد، فيه تصبح «البعثية» أممية، وتتمدد إلى ضفاف البحر الأسود.

نفق الصراع في سورية ليل أسود، أكثر حقائقه وضوحاً، إلى التضحية بمئتي ألف سوري، تشريد 9 ملايين، ونحر إنسانية أكثر من خمسة ملايين طفل، وأن بشراً اقتاتوا بالأعشاب وطعام الحيوان، وجرحى عانوا عفونة الدم. مع هذه الحقائق، أي حل سياسي يريده من يرتكب الفظائع؟

سؤال بارد، لا يرتقي إلى حجم المآسي السورية، ومعها لم يعد ينفع تمديد مهمة الإبراهيمي ولا تنحّيه. معها تنتصب صُوَر لعلها تعبّر عن وقائع سياسية، بصرف النظر عن أوهام العظمة لدى بوتين، واختباء أوباما وراء انكفاء أميركا من الحروب:

* سيد البيت الأبيض يكره مشاهد الدم والقتل، يهرول في الاتجاه المعاكس لـ «القيصر»، لكنه يشتمه وإن بـ «نعومة». الأميركي يكتفي بورقة انتزاع «الكيماوي» السوري، وما «جنيف» إلا تفصيل بسيط، لا بأس أن يتحكّم الكرملين بمصيره.

* بوتين الذي ابتلع شبه جزيرة القرم، هل تُغريه بترك سورية ونظامها لمصيرهما، أو لإيران؟ حسابات رجل الـ «كي جي بي» لا بد أن تراعي مَيْلاً فطرياً لدى أوباما إلى السلام، فيقفز الكرملين إلى مزيد من التحدّي، والرئيس الأميركي إلى مزيد من الهرولة في الاتجاه المعاكس.

* الحليف الإيراني للنظام السوري لم يفُتْهُ أيضاً أن «نَجْم أميركا يأفل» كما قال علي لاريجاني، ليشجع الأسد على مزيد من «الصمود». فالأهم لدى رئيس البرلمان الإيراني أن الحكومة السورية «رحّبت بالإصلاحات السياسية»، في حين «لا تستمر ديكتاتوريات المنطقة إلا بدعم أميركي»!

كتشويه الجثث في سورية، بازار تشويه الحقائق مفتوح على مصراعيه. قاموس واحد في موسكو وطهران ودمشق، وفي بغداد كذلك، حيث «القيصر» العراقي لا يرى علاقة بين تمدّد الإرهاب والإعدامات التي تنفّذها سلطته بحجة مكافحة هذا الوباء.

ينسى لاريجاني التهافت الإيراني على التطبيع مع أميركا التي يصر على أنها «تدعم الإرهابيين»، ويتمنى النظام في دمشق حواراً مع واشنطن لأن هؤلاء «عدو مشترك»، وإدارة أوباما امتنعت عن إنهائه أو تقصير عمره، كما امتنعت عن تمكين معارضيه من الغلبة. ولعل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي استوعب «اللعبة»، ويدير شراكته مع أميركا وحلفه مع إيران بالشكل الذي يؤهله للطموحات الكبرى، على خطى «قيصر» روسيا.

بعد كل ذلك، أي أملٍ بنهاية لليل السوري الطويل؟ كثيرون ليسوا براء من دماء السوريين، لكنهم حاضرون دائماً في جنازاتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رئيس لبنان... وإيران بأمها وأبيها

زهير قصيباتي

الحياة

السبت 24/5/2014

فليكن لبنان سيفاً لمنطقة يريدها «حزب الله» جنّة في الشرق الأوسط. وما دام الحلم بهذا الحجم، هل يستقيم الانشغال بانتخاب رئيس للجمهورية، التي باتت جزءاً من الحدود الدفاعية عن إيران؟

فلنصغِ جيداً إلى «حزب الله»، لعل ساعات الحقيقة باتت قريبة، أو لعلنا نخفف أعباء الغموض. فنحن في «غابة يسودها وحوش مفترسون»، وما المشكلة في أن نكون من جنس الملائكة؟ هكذا يبدو الحزب رائداً في إعادة الثقة إلى نفوس اللبنانيين وعقولهم، متعففاً عن قصر نظر الذين يغرقون في مستنقع البحث عن رئيس يخلف الرئيس ميشال سليمان.

ولأن فلسطين في القلب دائماً ووجدان الجميع، فلنبرهن على وطنيتنا و «نحارب في سورية ضد المتآمرين كي نحرر فلسطين». فليصغِ الرئيس محمود عباس الى نصيحة «حزب الله» لعله يوفّر على نفسه وعلى شعبه آلاماً كثيرة. ورغم كل شيء، هل يحق لبعض اللبنانيين التذمّر من حيرة أوقعهم فيها الحزب، فهو أولاً أراد القتال في سورية دفاعاً عن حدود لبنان وسيادته، وهو ثانياً غذّى القتال حين أصبح تحرير فلسطين يمر في الغوطة والقلمون والقصير. على هذا النهج، لماذا لا يحق لفريق 8 آذار ان يطالب برئيس للجمهورية «الدفاعية» تتوافر لديه كفاءة الشراسة في الدفاع عن قتل المعارضين في سورية، وتخيُّل أسراب من الطيور تلاحق المدنيين في حمص وحلب، لتبديد كل الأقاويل عما يُحكى عن البراميل المتفجّرة؟

أليس معيباً أن نترك نحن اللبنانيين معركة الرئاسة تُطبخ على نار إقليمية أو دولية، أليس الرئيس الذي «يُصنع في لبنان» مؤتمناً أكثر على لبنان وسيادته وحدوده؟ المشكلة الوحيدة التي باغتت 8 آذار أن ليست لديها دالّة على كل رموز السلطة في إيران، فالجمهورية الإسلامية هناك ليست خط الدفاع عن الحدود اللبنانية، بل العكس، كما يبشّرنا مستشار القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية اللواء يحيى رحيم صفوي. والحال أن الأخير اجتهد قليلاً ليطوّر مقولة «سورية محافظة إيرانية» أو لبنان على الطريق، وهو كذلك منذ استخدمته طهران ساحة لتصفية حسابات وخلط أوراق في ملفها النووي، في حرب تموز عام 2006. ولماذا لا يحق لبعضنا أن يتباهى بأن حدودنا باتت الحدود الدفاعية عما يعتبره الإيرانيون «القوة العظمى» في الخليج والشرق الأوسط؟

تحرير فلسطين يمر الآن في الغوطة والقلمون وحلب وحمص، من أين إذاً يبدأ تحرير اللبنانيين من أوهامهم؟ ولكن لمَ التشاؤم؟... فـ «بفضل بشار الأسد وجيش سورية والمقاومة الإسلامية» سنشهد كما قال رئيس المجلس السياسي لـ «حزب الله» السيد ابراهيم أمين السيد: «منطقة في الشرق الأوسط إيران أمها وأبوها، وسورية قلبها، ولبنان سيفها».

ولنعرف حدودنا، والمستقبل الذي ينتظر لبنان وحدوده الدفاعية عن جمهورية يسمّيها بعض المتشنجين في فريق 14 آذار «فارسية»، فلنتأمل في الغد الواعد لقلب تلك المنطقة في الشرق الأوسط، ذاك القلب الذي دفع دماء 150 ألف سوري ليواجه «المتآمرين» ممن يحسدون التعددية في جمهورية بشار، حيث البراميل المتفجّرة حمام زاجل على رؤوس المسلمين والمسيحيين، وما عدا ذلك إشاعات تروّجها كتائب «التكفيريين».

لا تمييز بين سنّي وعلوي وشيعي ومسيحي في سورية، في المحرقة الكل سواسية، وشارة البناء والنهضة تبدأ بخراب عامر يستحضر المغول، لاستئصال «المتآمرين». وبالقياس، إذا انتاب بعض اللبنانيين شيء من الحسد من جمهورية السيد الرئيس، فما عليهم إلا التبصّر بنعيم الغوطة ودرعا والقلمون وحلب. مؤلم بعد ثلاث سنوات من «انتفاضة البعث» على الثورة أن يصبح الخبر السعيد إجلاء مقاتلين معارضين من حمص القديمة، كأن النظام يجلي الثورة الى الماضي. ومؤلم مضحك أن تتباهى المعارضة باعتقال مرشح محتمل، كان «سينافس» الرئيس الأسد.

هناك، في «قلب العروبة»، لا أحد سيتجرّأ على تطيير النصاب في مجلس النواب. لذلك، ألا يحق لنا أن نتباهى بممارسات 8 آذار مع النصاب في البرلمان اللبناني، ولأن كل السنوات التي تلت حرب 2006 بما فيها 7 أيار (مايو) كانت سمناً وعسلاً وبحبوحة وسياحة، يأنف هذا الفريق التفريط بهذه النِّعم باختيار رئيس للجمهورية «الدفاعية»، بلا لون ولا طعم.

نعم، نريد رئيساً مقاوماً، يأخذنا كل سنة أو اثنتين الى حرب، تارة دفاعاً عن حدود لبنان من قلب الغوطة وحمص، وتارة تحضيراً لتحرير فلسطين... ومَنْ يدري، أليست للولي الفقيه في طهران دالّة على الحدود الدفاعية التي باتت لإيران في جنوب لبنان، على الحدود مع إسرائيل. هنيئاً لنواب الأمة في لبنان أن يغرقوا في اللعبة الديموقراطية، مهما طالت جلسات البرلمان لاختيار رئيس جديد للجمهورية المنكوبة بأوهام الفرسان. ولكن هل صحيح أن الفراغ مجرد تهويل، أم هو مجرد ملعب لدمى منطقة، إيران «أمها وأبوها»؟

هنيئاً للذين ما زالوا يعتقدون بأن الطموحات الإيرانية المعلنة بلا وجل، مجرد كلام للاستهلاك... هنيئاً لهم في سباتهم، وبإيران وأمها وأبيها.

خليفة الرئيس ميشال سليمان، كيف يُصنع في لبنان إذا كانت الحدود تُصَنَّع في الخارج؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الفرز بين الكتائب المقاتلة في سوريا

د. محمد مصطفى علوش

الشرق القطرية

السبت 24/5/2014

قبل أيام وقعت الفصائل المقاتلة في سوريا (الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، فيلق الشام، جيش المجاهدين، ألوية الفرقان، الجبهة الإسلامية) على ميثاق شرف ثوري للكتائب المقاتلة على الأرض يرتكز على 11 نقطة، تؤكد فيها سعيها لإقامة دولة العدل في البلاد بعد زوال نظام الأسد دون أن تحدد هوية هذه الدولة.. هل هي الدولة الإسلامية التي تسعى لإيجادها جبهة النصرة و"الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أم أنها دولة تعددية مدنية كتلك التي يسعى ويحفد إليها الائتلاف الوطني؟

الميثاق ترك الباب مواربا، وهو ما يعتبر تطورا نوعيا في فكر وأدبيات تنظيمات سلفية تمارس العمل الجهادي، وهي وفق تقسيم الباحثين، تصبّ في خان السلفية الجهادية الوطنية، أي تلك التي تعمل ضمن رقعة جغرافية محددة يحمل أفرادها جنسية ما يعرف بالحدود السياسية للدولة.

وإذا كان الهدف هو إسقاط النظام ومن يسانده عسكريا، مثل إيران وحزب الله ولواء أبي الفضل عباس أو داعش، التي تعرقل تقدم المعارضة، فإنه لا مانع من التعاون مع أطراف إقليمية ودولية في سبيل ذلك. ينص الميثاق الذي أكد الالتزام بتحييد المدنيين في دائرة الصراع، وعدم امتلاك أسلحة دمار شامل على الحفاظ على وحدة التراب السوري، ومنع أي مشروع تقسيمي بكل الوسائل المتاحة.

وقد أثنى على ميثاق الشرف عدد من منظري التيار الجهادي، أمثال الشيخ الكويتي حامد العلي والشيخ السوري أبو بصير الطرطوسي، وكلاهما له أتباع ومؤيدون بين الفصائل المقاتلة.

أما المهاجر السعودي إلى أرض الشام الدكتور عبد الله المحيسني فقد رأى أن الميثاق فيه كثير من الإبهام والالتباس، حيث يفتح المجال لمزيد من التنازلات والفرقة والاختلاف. في حين أثار حفيظة تنظيمي داعش وجبهة النصرة، حيث اعتبر تنظيم الدولة أن الصحوات في سوريا كشفت عن وجهها الحقيقي.

أما جبهة النصرة فنقدت الميثاق بندا بندا ورأت أن أغلب بنوده، مثل قتال النظام أو داعش، أمر واقع وقد توحدت الفصائل حوله ولا يحتاج إلى ميثاق للتأكيد عليه.

وبالتالي توجهت الأنظار إلى البنود الأخرى التي تمثل القطبة المخفية من صدور الميثاق أو المؤشر على غاياته الحقيقية. فالبند السادس من الميثاق نص على أن «قوانا الثورية تعتمد في عملها العسكري على العنصر السوري»، بينما أكد البند السابع على أن «الشعب السوري يهدف إلى إقامة دولة العدل والحرية». وهو يعني رفضاً للمهاجرين الذين وفدوا إلى سوريا مع كل من جبهة النصرة وتنظيم داعش، ولم يذكر بشكل صريح وواضح أن الهدف هو إقامة دولة إسلامية في سوريا بعد سقوط النظام وهو أمر تتقاطع أهداف كل من الجبهة وداعش عليه. وهكذا يعتبر ولادة هذا الميثاق هو نقطة المفاصلة والتمايز بين الفصائل المقاتلة على الأرض السورية وبين تنظيمي جبهة النصرة الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في سوريا وبين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وبذلك، تتضح صورة القتال الدائر بين الفصائل المتشددة ضد بعضها البعض من وجهة نظر "داعش". فهو لا يعتبر القتال من قبيل "الفتنة ولا البغي ولا رد الصائل"، وإنما هو "حرب ردة"، ومعنى ذلك أنه لا سبيل لانتهائها إلا بإعلان "أمراء الجبهة الإسلامية" كفرهم وتوبتهم عن هذا الكفر، وكما هو متوقع فإن ذلك لا بد أن يكون أمام قادة "الدولة الإسلامية".

جبهة النصرة التي وقفت إلى جانب الفصائل السورية المقاتلة ضد داعش وتعاونت معها في أكثر من معركة تخشى من أن يكون الميثاق موجها بالدرجة الأولى ضدها وضد "المهاجرين"، أي المقاتلين الأجانب على الأرض السورية. لذا تحدثت في بيانها عن قلقها من نفس "الأخوة الوطنية والترابية في بنود الميثاق جميعها" فيما هو مخالف لما قررته نصوص الوحي من الأخوة الإيمانية دون النظر إلى الوطن والجنس واللون ونحو ذلك. وإذا كان الميثاق هدف إلى "إقامة دولة العدل والقانون والحرية"، فـ"النصرة" تؤكد أنها لا تريد إلا دولة "تقوم على حاكمية الشريعة بلا خفاء ولا مداورة، بل ونعلنها بكل صراحة بأننا لن نقبل بأي دولة مدنية أو ديمقراطية أو أي دولة لا تقوم على حاكمية الشريعة".

وهكذا تتبدى الأمور وتتباين المواقف تمهيدا للمفاصلة والفرز في إطار تخطيط إقليمي ودولي يريد إعادة ترتيب الأوضاع في سوريا على قواعد جديدة، والبداية ميثاق شرف الثوري هو بمثابة بيان رقم واحد في أي انقلاب عسكري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الازدحام على أبواب السفارات للمشاركة في الانتخابات البشارية .. حساب الحضور إلى الغياب 001% هل هي نسبة تليق ببشار الأسد

زهير سالم

31.05.2014

بات بالأمس إعلام الطاغية بشار الأسد ومشتقاته والإعلام الدولي المتواطئ معه يترنم بالازدحام الكبير الذي زعموه على أبواب السفارات السورية من دول الجوار ، حيث سمح للكوميديا السوداء بالعرض .

إن التعليل الحسابي الأول لهذا الازدحام – المزعوم – هو كثرة عدد اللاجئين الذين شردهم بشار الأسد عن ديارهم حيث تجاوز العدد مليون إنسان في أكثر من دولة من تلك الدول . والحساب العلمي الموضوعي الدقيق للكثرة والقلة لا يتم باحتساب احتشاد عدد من الناس قل أو أكثر في أماكن محدودة محصورة . فلا يحسب احتشاد الناس للإدلاء بأصواتهم في انتخابات المفروض ، أن تكون وطنية ، بنفس الطريقة الذي يحسب فيه احتشاد الناس على أبواب مخبز في عصر الأزمات ...

إن الأولى في الإشارة في عملية انتخابية وطنية أن يشير معدو التقارير أولا إلى عدد من غاب وليس إلى عدد من حضر ولاسيما حينما يكون الغياب هو الأصل ..

ثم إن الحساب العلمي الدقيق يقول إن ألف إنسان أو ضعفهم أو أضعافهم حين يحتشدون إنما تقاس كثرتهم وقلتهم بحساب عددي لنسبة من حضر إلى من غاب ، وبهذه الطريقة يمكن أن نقرر وبغير أي نوع من التجني أن هذه النسبة لا تتجاوز في كل مكان جرت وستجري فيه الانتخابات 001% .

نتساءل على ضوء هذا هل هذه نسبة واقعية تليق ببشار الأسد ؟ أو هل يستطيع بشار الأسد فعلا الحصول عليها بين المهاجرين السوريين الذين : قتل بشار الأسد أطفالهم ونساءهم ورجالهم وانتهك أعراضهم ودمر ديارهم وسرق أموالهم وشردهم من ديارهم ..!!!!!!!!!!!

إن الزعم أن بشرا مثل هؤلاء يمكن أن ينتخبوا أو يتعايشوا على الأقل مع سماع ذكر بشار الأسد هو إهانة بالغة للشعب السوري ، وحكم غير مباشر عليه بأنه منكوس الفطرة ، مسلوب الإنسانية ، منزوع الكرامة ، عديم الإحساس ، مدمن على المهانة ، غارق في اللؤم ولم يكن شعب سورية قط إلا على النقيض من هذه المثالب التي تلزم اليوم كل من توجه أو سيتوجه إلى صندوق بشار ...

لن ننسى في سياق حديث التحديد والتوصيف لهؤلاء الأناسي البهم منزوعي الإنسانية أن هذه الكثرة المزعومة لم تكن على قلة عديدها النسبي تعبيرا عفويا عن نسبة طبيعية للمؤيدين لبشار الأسد في صفوف المهاجرين والجاليات السورية في الخارج . فإذا كانت قيادات المعارضة على اختلاف مراتبها قد قصرت في مرحلة التحضير لهذه الانتخابات وعجزت عن اقتراح خطة عملية لمواجهة هذه السخافة ، فإن قيادات الاستخبارات الروسية والإيرانية والأسدية لم تكن تلهو وتلعب بل كانت تعد العدة وتضع الخطط لمثل هذا الحشد ...

لن ننسى أنه من السهل جدا تمرير عدد من الشبيحة إلى دول الجوار ليشاركوا في مظاهرة تكثير السواد ..

ولن ننسى أنه إذا كان في بعض دول الجوار أناس مستعدون للقتال دفاعا عن بشار الأسد ، أو لغمس رغيفهم اليابس في قصعة دم أطفال سورية فلن نستغرب أن يكون في صفوف هذه الثلة البائسة المحتشدة على أبواب المئات من المندسين في ثياب لسوريين يمكنهم أن يحملوا هويتهم ويصوتوا باسمهم ...

ولن ينسى ثالثا دهاقنة رجال المخابرات العالمية المشاركين في الإعداد لهذه الكوميديا أن يزخرفوا تشكيلتها الديمغرافية بالطريقة التي تخدم مشروعهم المريب فهذا شبيح يلبس زي عامل من أبناء الجزيرة ، وذاك عربيد يتزيا بزي شيخ دمشقي وقور وتلك عاهرة منحطة تتزيا بزي محصنة محجبة ...

كل شيء في اللعبة مكشوف ومعروف ويبقى أن نجهر للنافخين في كير الطغاة هنا وهناك وهنالك أن الإعلام قبل أن يكون مهنة كان أخلاقا ورسالة ..

وإن رسالة المدافعين عن الطغاة حكم على إنسانيتهم بالسقوط ..

لندن : 30 رجب / 1435

29 / 5 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
كهرباء يا محسنين كهرباء

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 24/5/2014

لو سألت حتى بعض سكان بلدان العالم الثالث غير العربية عن الطاقة، لاستفسروا منك: أي نوع من الطاقة تعني، القديمة كالكهرباء، أم الحديثة كالطاقة النووية وغيرها؟ بعبارة أخرى، فقد أصبحت عملية توفير الكهرباء شيئاً من الماضي، لا بل تحصيل حاصل، لأن الكثير من الدول تجاوزتها إلى ما هو أرقى وأحدث. أما في العديد من بلادنا، وخاصة العراق وسوريا ومصر ولبنان’واليمن وغيرها، فما زالت الكهرباء نوعاً من الرفاهية، وليست مادة عادية يستهلكها الناس دون أن يهتموا بكيفية الحصول عليها.

من أكثر البلدان العربية التي تعاني من أزمة كهرباء منذ عقود هو لبنان. صحيح أن العدوان الإسرائيلي المتكرر كان سبباً رئيسياً في تعطيل شبكات الكهرباء وتخريبها، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تبرئة الحكومات اللبنانية المتعاقبة والفاسدة التي تاجرت بمحنة الشعب اللبناني ومعاناته’المزمنة في تأمين التيار الكهربائي.

لم تستطع الحكومة اللبنانية رغم المساعدات العربية السخية أن تصلح مصلحة الكهرباء، بحيث أصبح اللبنانيون معتادين على انقطاع الكهرباء المتكرر والمزمن، لا بل إن الكثير منهم راح يعتمد على نفسه في شراء المولدات لتأمين خدمة أساسية بسيطة تؤمنها عادة الدولة والشركات التي تحترم نفسها في كل أصقاع العالم. وتعود أزمة الكهرباء في لبنان إلى الفساد المزمن في هذا القطاع الحيوي وغيره من القطاعات اللبنانية التي تحولت إلى إقطاعيات يتاجر بها الحيتان المتحكمون بلقمة عيش الشعب اللبناني وحياته.

صحيح أن سوريا جارة لبنان كانت أفضل حالاً، لكن الكهرباء تشكل للشعب السوري صداعاً منذ عشرات السنين، وخاصة في فصل الصيف حيث يزداد الطلب على الكهرباء بسبب الحر. وقد اعتاد السوريون منذ سنوات على سياسة التقنين التي تحرمهم من الكهرباء لساعات وساعات. لكن أزمة الكهرباء في سوريا تفاقمت مرات ومرات بعد اندلاع الثورة، حيث أدت العمليات الحربية إلى الإضرار بشبكات الكهرباء، ناهيك عن أن الحكومة السورية راحت تقطع الكهرباء معظم الوقت عن الكثير من المناطق لتعاقبها على الانتفاض في وجه الدولة. وتعاني سوريا الآن من أزمة كهرباء الأسوأ من نوعها منذ عقود.

ومن الواضح أن الشعب السوري سائر على خطى الشعب اللبناني في الاعتماد على نفسه في تأمين الطاقة بعد أن فشلت دولته في تأمين هذه الخدمة التي أصبحت متاحة للبلدان الأكثر تخلفاً وفقراً في العالم.

وحدث ولا حرج عن العراق الذي فشلت حكومته ليس في تأمين الكهرباء فقط، بل أيضاً في تأمين الوقود الذي يُعتبر العراق ثاني أغنى بلد منتج له في المنطقة. ويعيش العراق أزمة كهرباء مرعبة منذ أكثر من عشر سنوات، أي منذ التحرير المزعوم. فقد فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط النظام السابق في تأمين الطاقة للشعب العراقي رغم ميزانيتها العظيمة. فقد أنفقت الحكومة العراقية منذ عشر سنوات أكثر من ثلاثين مليار دولار لإصلاح شبكة الكهرباء، لكن المواطن العراقي مازال يعاني من انقطاعات متكررة، مما جعله يعتمد على نفسه في تأمين تلك الخدمة الأساسية. اين ذهبت المليارات التي خصصتها حكومة المالكي لإعادة تأهيل القطاع الكهربائي؟ طبعاً ذهبت في جيوب المسؤولين الفاسدين. ولو قارنا السرعة التي كان يعيد’فيها نظام الرئيس صدام حسين الخدمات للشعب بعد تعرضها للعدوان الأمريكي بسرعة الحكومات التي جاءت بعده لوجدنا الفرق شاسعاً. لقد كانت الحكومة السابقة قبل الغزو تعيد بناء المرافق المدمرة والجسور والطرق بلمح البصر، بينما لم يستطع المالكي وشركاه تأمين أبسط اساسيات الحياة للعراقيين رغم توفر ميزانيات عملاقة.

وقد انضمت مصر مؤخراً لركب البلدان العربية التي تعاني من نقص الطاقة الكهربائية، مع العلم’أنها كانت متوفرة بشكل معقول في عهد الرئيس السابق حسني مبارك. وقد تدهور وضع الكهرباء في السنة التي حكم خلالها الرئيس محمد مرسي. وقد ظن البعض أن حكومة مرسي هي المسؤولة، لكن الأيام أثبتت أنها مشكلة كبرى تؤرق الحكومة التي جاءت بعد الانقلاب على حكم الرئيس مرسي. وتواجه مصر الآن أزمة كهرباء كبرى، وخاصة في قادم الأيام حيث يزداد الطلب على الكهرباء في الصيف. وقد اصبحت الكهرباء الشغل’الشاغل للشعب المصري بعد أن كانت خدمة اعتيادية بالنسبة للمصريين.

هل يعقل أن العديد من بلداننا بات يعاني الآن من أزمات عالجتها حتى البلدان النامية منذ عقود؟ هل يعقل أن الدول الآن تنتج أنواعاً جديدة من الطاقة، بينما عدنا نحن إلى نقطة الصفر في تأمين التيار الكهربائي؟ هل يعقل أن الكثير من البلدان دخلت عصر الطاقة النووية، بينما لم تستطع بلداننا أن تؤمن الطاقة العادية لشعوبها التي يضطر بعضها لتحطيم الأشجار كي يصنع من خشبها وقوداً للتدفئة وطهي الطعام، كما يحدث في سوريا وغيرها؟ ألا تخجل تلك الدول من نفسها؟ هل يعقل أن الكثير من شعوبنا باتت تشحذ الطاقة وهي تنادي

كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
الشرق الأوسط بين ثقافة التنوير وثقافة التدمير

راغدة درغام

الحياة

الجمعة 23/5/2014

مَن يستفيق في منطقة الشرق الأوسط منهكاً بكابوس يلاحق يومه الآتي، ومَن ينهض متطلعاً إلى حمل أحلامه إلى التنفيذ؟ بين ثقافة التدمير وثقافة التنوير يتخبط الشرق الأوسط وهو يسير على الخيط المشدود ولكن بخطوات مختلفة في مسيرة التغيير. هذا الطرح ليس بهدف الإنشاء ولا هو نتيجة استطلاع علمي (من المفيد إجراؤه) وإنما هو محاولة للعودة إلى ما يريده المواطن في أيٍ من بلاد الشرق الأوسط وكيف تلبيه قياداته الحكومية أو بديلها الساعي وراء الحكم.

في دولة الإمارات العربية يستفيق المواطن إلى عناوين الاحتفاء بالكفاءات والإنجازات والتنافسية الدولية والريادة والتقدير والمكافأة. وكما قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي هذا الأسبوع بمناسبة تصدّر دولة الإمارات العالم في الكفاءة الحكومية بحسب تقرير التنافسية العالمي: نحن دولة تعمل فريقاً واحداً من السلع للفجيرة وسعادة الإنسان محور عملها.

بالمقابل، سعادة الإنسان ممنوعة في إيران. ممنوع على المواطن أن يفرح ويرقص ويغني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. رئيس الشرطة الإيرانية قال لوكالة الأنباء الإيرانية تعليقاً على الفيديو الذي أعده ثلاثة شبان وثلاث شابات غير محجبات وهم يرقصون على نغم «هابي»: «انه بعد نشر الفيديو المبتذل الذي يمس بالآداب العامة على الإنترنت، قررت الشرطة تحديد المتورطين في إعداد هذا العمل». ثم احتجاز المواطنين السبعة بعد حملة على تويتر بعنوان «اطلقوا الإيرانيين السعداء».

الرئيس الإيراني حسن روحاني علق على حادثة توقيف الشبان مذكِّراً بتغريدة نشرها سابقاً على حسابه على تويتر قال فيها إن «السعادة حق لنا. علينا ألا نحكم بقسوة على أفعال سببها الفرح».

دفاع الرئيس الإصلاحي المعتدل حسن روحاني عن الحريات لا يعجب تيار المتشددين الحاكم فعلاً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالمعركة مستمرة على السلطة والتوتر السياسي الداخلي مستعر إنما، حتى الآن، إيران باقية تحت سلطة نظام الملالي ولن تحتفي قريباً بفرحة الحريات الممنوعة من ثلاثة عقود ونصف.

فمهما تباهى حكام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالحنكة السياسية، أو بالإنجازات النووية، أو بالهيمنة الإقليمية والفوز بسورية بعد العراق، أو بإركاع الغرب، أن حصيلة ما فعله هؤلاء الحكام هي إعادة إيران ذات الحضارة المبهرة أقله ثلاثة عقود إلى الوراء منذ توليهم السلطة حجبوا السعادة عن المواطن الإيراني فبات يستيقظ خائفاً من الفرح.

في تركيا التي لطالما افتخرت بأنها ديموقراطية واعتزت بأنها «علمانية» تفصل الدين عن الدولة، أتى رجب طيب أردوغان ليتحكم بتركيا ويجعل منها قائدة ومرشدة لـ «الإخوان المسلمين». ثار عليه الشعب التركي لأنه بات ينهض من نومه مُعرقاً بكابوس الديكتاتورية الدينية. اعترف له بإنجازات صعود تركيا اقتصادياً، لكنه حاسبه لتجرؤه على الافتراض بأن تركيا قابلة للانكماش تحت قبضة الديكتاتورية والقيادة الدينية ذات المشروع الخطير. بات المواطن التركي يستيقظ إلى يوم جديد من المواجهة مع زعيم ظن أن في وسعه فرض المصير.

في مصر حيث نهض المواطن المصري لإفشال أخطر مشروع وهو تملّك «الإخوان المسلمين» السلطة وإخضاع المنطقة العربية لفرضهم الدين على الدولة، يستيقظ المصريون الآن إلى يقظة القدرة على التغيير من ميدان التحرير. فالمواطن المصري باتت لديه أداة للمحاسبة وهو سيستخدمها تكراراً إذا ما نسي أي حاكم جديد أن الميدان هو الذي أتى به إلى السلطة.

لا يهم ما يقوله بعض الكتّاب والإعلاميين الغربيين – والعرب أيضاً – بأن ما حصل في مصر هو «انقلاب لإعادة حكم «العسكر». هذا هراء. إنما لو صدقت مزاعم هؤلاء أن بعد فوز المشير عبدالفتاح السيسي بالانتخابات الرئاسية وتوليه الحكم سيمارس السلطة بديكتاتورية عسكرية، الأكيد الأكيد أن ميدان التحرير سيحاسبه وسيسقطه لو سلب من المواطن المصري حقه بالاستفاقة إلى يوم جديد من إعادة بناء مصر، داخلياً أولاً، إنما كذلك إعادة تموضعها في موازين القوى الإقليمية بدعم خليجي بالذات من السعودية والإمارات وكذلك الكويت.

مصر المواطن، أو مصر «الشارع» كما يُطلق عليه، هو الآن حجر أساس في إعادة رسم المنطقة العربية في أعقاب سنوات من انحسار انخراط الشعب المصري. ما حدث في تونس من تصحيح لما أسفرت عنه «ثورة الياسمين» وتحدٍ لاستفراد «الإخوان المسلمين» بالحكم ما كان ليحدث لولا إفشال المصريين لمشروع «الإخوان المسلمين» في مصر. اليوم يستيقظ المواطن التونسي إلى الأمل مجدداً وينهض مبتسماً لاستنشاق الياسمين فهو يحتفي بقدرته على المحاسبة وتمكنه من المواجهة للإصلاح والتصحيح.

وقد ينجح المواطن الليبي في الأخذ بالنموذجين المصري والتونسي على رغم الكابوس الذي يعيشه اليوم ليلاً ونهاراً. فلقد فُتِحَت صفحة المحاسبة والمعاقبة لأولئك الذين افترضوا أن حلف «الناتو» أسقط معمر القذافي من أجل أن تمتلك ليبيا زمرة من الفاسدين والمتسلطين والناهبين للثروة الوطنية وإرهابيي «القاعدة» أو «داعش» وأي من أخواتها.

مهم انضمام الدفاع الجوي و «تحالف القوى الوطنية» بزعامة محمود جبريل إلى عملية «كرامة ليبيا» لـ «الجيش الوطني الليبي» الذي يقوده رئيس الأركان الأسبق اللواء خليفة حفتر. مهم أيضاً أن «الجيش الوطني الليبي» طلب مساعدة الجيش المصري للحفاظ على الحدود المصرية الليبية معتبراً «أن الجيش المصري صمام الأمان للأمة العربية». إنما الأهم أن ليبيا تسعى للنهوض من كابوس الرعب والترهيب والإرهاب وأن المواطن الليبي يستيقظ الآن متطلعاً ومتأهباً للخلاص من التطرف الديني والقبائلي بدعم خارجي مدروس، للالتحاق بدعوة حفتر لمجلس حكم مدني لرئاسة الدولة، ولتصحيح مسار الثورة الليبية.

المواطن اليمني لا يزال في مخاض لأنه لم يتخلص بعد إما من إرهابيي «القاعدة» وأمثالها أو من أحلام «الإخوان المسلمين» البائسة. ما زال يستفيق إلى الخوف والقلق مع أنه أنجز خطوات مهمة في مسيرة الخلاص من الاستبداد. فالمواطن اليمني بات ضحية للأرق.

الأرق يرافق المواطن في العراق الذي تحدّق فيه أشباح حرب أهلية تدمر كل ما سبق وبناه. يهيمن الأرق على ليالي المواطن العراقي لأنه يدرك أن الحرب المذهبية لن تقسّمه فحسب وإنما ستدمره. يحلم المواطن في العراق أن يتخذ رئيس الحكومة نوري المالكي خطوة سبّاقة مدهشة ويغادر السلطة طوعاً علماً منه أن بقاءه مفتاح الخراب. يحلم، لكنه يستفيق إلى واقعية السلطة، فيلتقط أنفاسه ويعود إلى الأرق.

مسكين المواطن السوري لأنه يخسر النوم المطمئن أينما رقد داخل سورية – مشرداً أو مقاتلاً أو حاكماً أو هارباً – وخارج سورية إن كان لاجئاً في المخيمات أو نازحاً في الحقول أو مدللاً في الفنادق الضخمة. إنه مواطن الكارثة والمأساة. فالنوم يفارقه وإذا أغلق جفونه، وجد السوري نفسه مرعوباً مذعوراً مهما طمأن نفسه أنه يفوز بمعركة أو تخيّل الانتصار. فطويلة هي ليالي الأرق وكثيرة هي كوابيس الغفو الموقت.

في لبنان اعتادوا النوم وما يخافونه هو الاستفاقة إلى أخبار أمنية تؤرق الصحو وليس النوم فقط. لا يأرق المواطن اللبناني من عدم اكتمال النصاب لانتخاب رئيس جمهورية في «نادي» النواب المعطّل والعاطل من العمل. يزعجه أن النائب اللبناني يبقى موظفاً براتب عالٍ طوال الحياة مع أنه، وهو في المنصب، قل ما فعل للمواطن مع الاحترام للاستثناءات. يتحدث عن «الفراغ» ومعانيه وطيلة مدته، لكنه قد اعتاد على غياب الدولة. قرر ألاّ يربط حقه بالفرح والرقص والسعادة بقرارات زعمائه، فقام بالتعمير في وجه التدمير وفي عمقه الحسرة على تحويل جنة وهبها الله إلى مشروع جحيم تصنعه الزعامات اللبنانية المختلفة.

الفلسطيني، من جهته، اعتاد على جحيم الاحتلال الذي يشكل حقاً أحد أسوا الانتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية، لكنه لم يتأقلم معه لأن التأقلم مع الاحتلال يتنافى مع مبدأ الحرية والمبادئ الإنسانية. ما يعيشه الفلسطيني من قهر في ظل الاحتلال يؤرق الإسرائيلي الذي يعيش كابوس قيامه بالاحتلال مهما هرب منه الآن أو لاحقاً. فالإسرائيلي يعيش عقلية الحصار، ولا سعادة في ذلك، وهو يدرك تماماً معنى إخضاع الفلسطيني للاحتلال، ولا مزح أبداً في ذلك.

في منطقة الخليج، المواطن السعودي يستيقظ إلى التغيير اليومي الذي لا يبدو جليّاً لغير السعوديين إنما هو حدث ضخم يومياً للمواطن السعودي. الرياض باتت تزاحم جدة، والإصلاح ماضٍ إلى الأمام بوتيرة سعودية. بعض الأرق، نعم، إنما لا كوابيس في المنام.

عودة إلى دولة الإمارات، لربما أبرز ما يميزها هو حس الطمأنينة والتطلع والتفاؤل والسعادة الذي يرافق المواطن الإماراتي. حدثان هذا الأسبوع يشكلان نموذجاً لاهتمامات الإمارات:

منتدى الإعلام العربي في دورته الـ13 الذي احتفى بإنجازات الإعلاميين من المنطقة العربية وقدّر الكفاءات والمواهب أثناء تجمّع لكبار الإعلاميين في المنطقة شارك فيه الشيخ محمد بن راشد داعماً لجهود رئيس اللجنة التنظيمية للمؤتمر ورئيس نادي دبي للصحافة المرأة الكفؤة والقديرة، منى غانم المرّي، ومدير نادي دبي للصحافة ومدير منتدى الإعلام العربي، منى بوسمرة.

الحدث الأوسع هو صدور نتائج تقرير التنافسية العالمي الذي صنّف الإمارات الأولى في جودة القرارات الحكومية وفي غياب البيروقراطية، والثانية عالمياً في مجال القيم والسلوكيات وفي سهولة ممارسة الأعمال. جميل الاحتفاء بتصدر العالم في الكفاءة الحكومية حسب الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2014 الذي يعد من أهم التقارير العالمية ويصدر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارة في سويسرا. جميل الفرح بنيل دبي لقب مدينة الفرص العالمية وباستضافة الشارقة لاحتفاءات دينية نوعية تتميز بالإنارة والاعتدال.

الصحف الإماراتية مليئة بالأخبار السارة من التهنئة إلى التدشين إلى استقطاب الإبداع والاستثمار إلى تقدير الكفاءات إلى المنافسة على الأفضل وتبوؤ المركز الأول.

فهنيئاً للمواطن الذي يستفيق سعيداً بقيادته والذي يرقد إلى النوم مبتسماً بالنهوض إلى تحقيق حلمه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مـجْدة والوحش في «الصراع على سورية»

مرح البقاعي

الحياة

الجمعة 23/5/2014

«في أواخر القرن التاسع عشر، هبط ذات يوم مصارع تركي مجهول الهوية من قرية من قرى جبال سورية الشمالية الغربية، وبصوت راح صداه يرن في أرجاء القرية، عرض أن يتحدّى كل المقبلين». تجمهر القرويون حوله للتفرج والتمتع، لكنهم ما لبثوا أن أخذوا يتأوهون وهم يشاهدون أقرانهم يتساقطون الواحد تلو الآخر أمام التركي الذي بدا أنه لا يقهر. وفجأة برز من بين الصفوف رجل قوي البنية في الأربعينات من عمره، وأمسك به من وسطه ورفعه في الهواء ثم طرحه أرضاً. فصاح القرويون معجبين: «يا له من وحش! إنه وحش». كان اسم بطلهم هذا سليمان ولكنه منذ ذلك الحين أصبح يعرف باسم «سليمان الوحش». وظل «الوحش» لقبه العائلي حتى العشرينات. كان هذا الرجل هو جدّ حافظ الأسد».

هكذا، قدّم الصحافي والكاتب السياسي الراحل، باتريك سيل الذي غادر عالمنا الأرضي يوم 12 نيسان (أبريل) الماضي، لكتابه الشهير: «الأسد... الصراع على سورية»، الصادر في 1988، والذي جاءت نسخته العربية في عنوان: «الأسد... الصراع على الشرق الأوسط»، بعدما قرّر الكاتب تعديل عنوان كتابه.

ولأن التاريخ عادة ما تكتبه السلطة المتربّعة على كرسيها، وتختار كبار القوم من الكتّاب لتبث لهم تفاصيله كونهم سيضيفون باسمهم صدقية بحثية وعلمية على ذاكرة السلطة الأحادية، جاء الكتاب الذي وصل إليّ منذ صدوره بنسخته الأصلية، غير المنقّحة، وكنت عندها لم أغادر دمشق بعد، أشبه بـ «الميموار» أو المذكرات الشخصية لحافظ الأسد الذي ربطته وعائلته بالمؤلف سيل صداقة أتاحت للأخير الاطلاع على معلومات لها علاقة بالصراعات الداخلية على السلطة في سورية، وكان أكثرها بأساً وتهديداً لحافظ الأسد العملية الانقلابية التي قادها أخوه رفعت الأسد لإطاحته في 1984، والتي انتهت باحتوائها قبل اندلاعها عسكرياً، وبإبعاد رفعت عن سورية بعد حلّ مجموعته العسكرية «سرايا الدفاع» محمّلاً بـ «مكرمة» مالية أغدقها الأسد الحاكم على أخيه الانقلابي، وخرجت من البنك المركزي السوري وأدّت إلى انهيار كامل لليرة مقابل الدولار آنذاك. والانهيارات استمرت من دون توقف حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

مشكلة باتريك سيل تكمن في انحيازه الشديد لحافظ الأسد، لا سيما في قضايا النزاع الداخلي، حيث بدا الأخير في سطور سيل «مدافعاً» عن اللحمة الوطنية والسيادة، لا ديكتاتوراً ماكيافيلياً اختار لغة الرصاص لإخماد كل صوت معارض أو مطالب بالإصلاح والحريات العامة والمشاركة السياسية. وقد جنح سيل إلى وصف انتفاضة مدينة حماة في 1982 بـ «الإرهاب» ووصف «الإخوان المسلمين» بالإرهابيين مستبقاً بعقود التهمة التي وجّهت إليهم حديثاً في مصر، ومتنازلاً عن الدور المفترض أن يكون حيادياً لكاتب فصول التاريخ.

ولأن «التأريخ» فعل طبيعي تحفظه ذاكرة الشعوب ولا يلغيه «تاريخ» يسطره المستبدّ بأقلام يسخّرها في حينه لتلميع صورته، أو تخليصها من كدر بصمات الجريمة، قام أحد حملة هذه الذاكرة أخيراً، وهو جندي من الوحدات الخاصة التي اشتركت في مجزرة حماة، بنشر رسالة اعتراف عن طبيعة أعمال الإبادة الجماعية التي أمر بها حافظ الأسد آنذاك لإنهاء ثورة المدينة ووأدها وأهلها تحت أنقاض حجارتها. والرواية مشهد واحد من مئات مشاهد القتل الكيدي والعمد الذي مارسته قوات الأسد على المدنيين من دون تمييز في مجزرة هي الأفظع والأكثر دموية، غدت راسماً ودليلاً على سيرة المجازر المتنقّلة بين المدن السورية التي يمارسها اليوم وريث عرشه: بشار الأسد.

شهادة الجندي جاءت سرداً مطوّلاً لوقائع حقيقية عن مجزرة حماة المروعة التي ارتكبت على يد آل الأسد بين 1980 و1982، ضد مواطنين أبرياء مسالمين في تلك المدينة المغدورة التي طُوقت وأهلها، فارتكبت فيها المجازر ودكّت بالمدافع والصواريخ، وخلّفت ضحايا يعدّون بعشرات آلاف المدنيين العزل. بطلا تلك المجزرة كانا رأس الدولة حافظ الأسد وأخاه رفعت الأسد. الرجل الشاهد كان جندياً برتبة عريف في الجيش، وكان واحداً من عديد العسكر الذين شاركوا فيها، وعمره آنذاك ثلاثون عاماً. أما اليوم فهو شيخ في الستينات أرهقه الكتمان فقرر أن يبوح بالمشاهد الذي تغصّ ذاكرته بدمه المسفوك:

المشهد 1:

في ليل يوم السبت جاءنا أمر من قائد سريتنا بالتوجه للقبض على شابين هما أيمن مرقة (18 عاماً) وأخوه مجد مرقة (14 عاماً) بعد أن تمّ تزويدنا بعنوان منزل عائلتهما.

وصلنا وطرقنا الباب، وكان هذا أول بيت نطرق بابه بأيدينا، فقد كنا نكسر الأبواب وندخل فجأة إلى البيت لإرهاب ساكنيه وإخضاعهم قبل تصفيتهم. فُتح الباب فدخلنا فوراً ووجهنا بنادقنا نحو العائلة، وكنا حوالى 12 عسكرياً وصف ضابط، ورأينا ثلاث بنات وأماً وأباً. سألنا الأب والأم: أين أيمن مرقة ومجد مرقة، فقال لنا الوالد إنهما عند بيت ابنته الكبرى يزوران ويدرسان من أجل الامتحانات بعد أسبوعين.

المشهد 2:

أخذنا الأم وطلبنا منها أن توجهنا إلى منزل ابنتها في منطقة الحاضر، وحين وصلنا كسرنا الباب ودخلنا فوجدنا أربعة أطفال نائمين على الأسرّة، والأم والأب نائمين على الأرض. وفي الركن رأينا شاباً عمره حوالى 18 عاماً بدا هادئاً بوجهه الأبيض المنير، وكانت الكتب بين يديه يدرس في هذه الساعة المتأخرة، وإلى جانبه طفلة جميلة جداً وكانت الكتب أيضاً بين يديها وكانا الوحيدان المستيقظان.

المشهد 3:

إثر اقتحامنا البيت استيقظ كل نائم، وبدأ الأطفال بالبكاء والصراخ من الخوف. سألنا الشاب: ما اسمك؟ قال: أيمن مرقة! سألنا الأم التي معنا: أين ابنك مجد؟ قالت: ليس عندي ولد اسمه مجد، عندي هذه البنت اسمها مجدة! قلت للرقيب: هناك شيء خطأ، نحن أتينا إلى هنا لنقبض على شابين أيمن ومجد، وهذه بنت صغيرة اسمها مجدة! اتصل الرقيب ونقل الصورة إلى الضابط: سيدي نحن وجدنا أيمن ولا يوجد شاب اسمه مجد ولكن هناك بنت اسمها مجدة وهي أخت أيمن ماذا تريدني أن أفعل؟ قال له الضابط اقبض على الاثنين واعدمهما فوراً! قال الرقيب: حاضر سيدي»!

لم يصل هذا المشهد إلى مسامع باتريك سيل ليسجّله في كتابه الشاهد على سيرة حافظ الأسد حتى 1987. وحين سأل الكاتب الأسدَ ما آخر جملة يريد أن يختتم بها الكتاب قال: «قل إن الصراع ما زال مستمراً»!

* كاتبة سوريّة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com