العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01/04/ 2012


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

رسائل الأسد من بابا عمرو! .. راجح الخوري

النهار اللبنانية

ذهاب الرئيس بشار الاسد امس ليتفقد بابا عمرو لن يغير شيئاً من وتيرة الصراع الذي يدفع بسوريا نحو الحرب الأهلية في وقت يلازم العالم موقف المتفرج، وخصوصاً بعدما صار كوفي أنان نسخة عصرية من قميص عثمان ينفضه الذين لا يريدون التدخل، في محاولة لتبرئة الذمم من حمامات الدم التي تُغرق سوريا!

عملياً، أراد الأسد ان يوجه مجموعة من الرسائل عبر بابا عمرو التي تشكل رمزاً للصمود الاعجازي في وجه الجيش السوري، كما تقول المعارضة، كما تشكل بالنسبة الى النظام نموذجاً عن البطش الذي يستطيع إنزاله بالمدن والأحياء المقاومة.

أولاً: أراد الأسد توجيه رسالة الى القمة في بغداد مفادها ان "المبادرة العربية" التي سيتطرق إليها البيان الختامي في دعوته مجلس الأمن الى استصدار قرار يستند إليها، قد صارت من الماضي وان النظام يعيد بسط سلطته طبق القاعدة التي يتمسك بها الأسد، أي ضرب "الارهاب" قبل الدخول في الإصلاح!

ثانياً: الرسالة الثانية موجهة الى "مؤتمر أصدقاء سوريا" المقرر انعقاده الاحد المقبل في تركيا والذي سعى ويسعى الى توحيد صفوف المعارضة المنقسمة، وفحواها ان الواقع الميداني لم يعد يجيز القول ان أيام الأسد معدودة كما كان باراك أوباما يردد، بل إنه مسيطر وأن أيام المعارضة هي التي صارت معدودة!

ثالثاً: الرسالة الثالثة الى تركيا التي قيل في اليومين الماضيين إنها بدأت تفكر جدياً في إنشاء المنطقة العازلة داخل الأراضي السورية، وخصوصاً بعد ازدياد عدد اللاجئين الى أراضيها، ومفادها أن لا نفع من هذا في ظل الإصرار على الحسم العسكري الذي يتقدم على الأرض اليوم في بابا عمرو وغداً في كل المناطق الأخرى!

رابعاً: رسالة رابعة الى كوفي أنان مفادها أن الحديث عن وقف النار لن يفيد في وجود "بؤر إرهابية" وأن الدعوة الى الحوار الوطني لن تنجح قبل إعادة سيطرة الجيش السوري على كل المناطق... وإذا كان هذا يستدعي تحويل سوريا كلها بابا عمرو المدمرة فلا مانع عند النظام من القيام بذلك.

خامساً: رسالة الى المجتمع الدولي الذي يختبئ وراء مهمة كوفي أنان السلحفاتية وقد تحولت سياحة دولية آخر محطاتها الصين، بحثاً عن تأييد لوساطة هي حتى الآن مجرد تراشق بالرسائل بينه وبين الأسد، فأسئلة أنان الستة احتاجت الى أكثر من أسبوعين للحصول على ستة أجوبة تحتاج بدورها الى ستة أسئلة جديدة، ربما ليرتاح قلب روسيا التي تلتزم شراء الوقت للأسد الذي قد يحوّل سوريا كلها بابا عمرو!

سادساً: رسالة الى الداخل لشد عزيمة الجيش الذي يقاتل أهله منذ سنة ولمحاولة إثارة الإحباط عند المعارضة.

لكن لطوفان الدم الذي يُغرق البلاد حسابات أخرى في معركة يخوضها الجميع على قاعدة يا قاتل يا مقتول!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورة الشعب السوري العظيم مستمرة بالرغم من تضحياتها العظام حتى تبلغ أهدافها .. د.جهاد عبد العليم الفرا

بالرغم من الآلام والجراح، بالرغم من العذابات والتضحيات، بالرغم من تخاذل العالم وتردده في نصرة الأحرار المظلومين في سوريا الجريحة، تستمر ثورة العزة والكرامة والحرية في وطننا المنكوب بكل ماتعنيه هذه الكلمة من معنى، لتطوي عامها الاول وتبدأ عامها الثاني في إصرار أسطوري ، وعزيمة حديدية ، وثبات يفوق الجبال الرواسي على نيل الحرية والانعتاق من الفساد والاضطهاد والاستعباد.

إنها ثورة الشعب السوري بكل فئاته ومكوناته العرقية والدينية والايديولوجية والمذهبية لتحقيق العدالة الإجتماعية ،ومبدأ تكافؤ الفرص، والتنافس بالكفاءة لابالولاء الأعمى لحزب أو طائفة، والمواطنة الصالحة ضد الديكتاتورية بكل مكوناتها العرقية والدينية والايديولوجية والمذهبية.

إنها ثورة لرفع الظلم عن كل سوري مظلوم، وضد كل سوري ظالم. لا وألف لا فليست ثورتنا ضد طائفة معينة ولافئة بعينها، وليس مايدور في سوريا حربا أهلية ولا لتحقيق غلبة لفئة على فئة بل إنها تنشد حرية كل سوري وكرامة كل سوري وعزة كل سوري على أرض سوريا الحبيبة.

إن ثورة قدمت أكثر من عشرة آلاف شهيد من أطهر شبابها واخلص أبنائها ، وتشرد في سبيلها مئات الآلاف من أهلها داخل وخارج الوطن الحبيب، واعتقل وعذب من أجلها عشرات الآلاف من خيرة أبطالها ، لهي ثورة ذات هدف اسمى وغاية اعلى من أن تكون طائفية أومذهبية او فئوية أو حزبية ضيقة الافق، كما هي أسمى كذلك من أن تكون حربا أهلية وهذا سر استمرارها ومكمن صمودها ومفتاح نصرها وتفوقها والتفاف الشعوب حولها ودعمهم وتأييدهم وتضامنهم معها وبذلهم وعطائهم من أجلها وفي سبيل تحقيق نجاحها وانتصارها وتمكينها وغلبتها على القهر والبغي والطغيان .

إن الشعوب تدرك بصفاء فطرتها وسلامة قصدها ونقاء طويتها هذه الأهداف السامية لثورة الحرية والعزة والكرامة في سوريا المجد والخلود والفخار لذلك نراها تلتف حولها تؤيدها وتدعمها وتشد من أزرها لاينطلي عليها تدليس المدلسين ولاكذب المكذبين ولاتشويه المشوهين وماالمسيرات والمظاهرات والمؤتمرات والمهرجانات والندوات التي تقام في قارات العالم الخمس إلا مثالا من أمثلة كثيرة عن شعوب الارض المؤيدة لثورة الشعب السوري البطل.

فالشكر كل الشكر لكل الإخوة والأخوات، والأساتذة والمعلمات، والمربين والموجهات، وعلى رأسهم العلماء العاملين الأجلاء في كل أنحاء المعمورة، نشكركم نيابة عن شعبنا السوري الحبيب الذي يضحي صباح مساء بفلذات أكباده وأغلى مايلمك من أجل نيل حريته، نشكركم نيابة عن الابطال الاحرار والشهداء الابرار والمعتقلين خلف الاسوار والمهجرين بعيدا عن الديار. وننادي بأعلى صوتنا أحرار العالم والمجتمع الدولي أن يكون اكثر جدية وأكثر حزما في وقوفه إلى جانب ثورة شعبنا الابي البطل ونعاهد شعبنا الحر الأبي أن نمضي قدما مع ثورته العظيمة حتى تحقيق اهدافها مهما بلغت التضحيات وعظم الخطب.

عاشت سوريا لكل ابنائها حرة ابية شامخة

وعاش شعبنا السوري الأبي حرا عزيزا كريما

والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار

وتحية الإجلال والإكبار لكل أحرار سوريا الأبطال

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تناغم روسي – أميركي يعطي الأسد فرصة لارتكاب المزيد من المجازر ..

الجمعة 30 آذار 2012

المصدر: موقع بيروت أوبزرفر

بقلم حسان القطب

اعتبرت الإدارة الأميركية أن العلاقة مع النظام السوري الذي يقوده آل الأسد، كان أمراً لا بد منه، وطالما أن بإمكان الأسد الأب ومن بعده الابن أن يكون ضابطاً للحدود مع إسرائيل، فلا تشهد خطوط جبهة الجولان تجاوزات أو خروقات وعمليات تسلل، فإن هذا يعتبر امرأ بالغ الأهمية لأن امن إسرائيل أولوية عل ما عداه من قضايا بالنسبة للإدارة الأميركية وكذلك الاتحاد الأوروبي، وكل الخلافات الأخرى تعتبر تفاصيل وأمور ثانوية من الممكن التفاوض عليها أو مناقشتها والتوصل إلى حلول ترضي الجانبين. لذلك لم يطرح يوماً أمام هذه الدوائر تغيير هذا النظام أو السعي لإسقاطه، حتى في أحلك الظروف السياسية وأكثرها تعقيداً، وعبر العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على نظام سوريا عقب اغتيال الرئيس الحريري والانسحاب السوري من لبنان، فإن التعاطي مع الشأن السوري لم يتعدى فرض العقوبات ومطالبة الأسد بتغيير سلوكه فقط، وهذا ما دفع الإعلام السوري والحليف من حزب الله وحركة أمل في لبنان، إلى الترويج أن النظام السوري ضمانة الاستقرار في المنطقة العربية ولهذا فإن المصالح الغربية تتقاطع مع الرغبة الإيرانية في رعاية النظام السوري وتدعيم اقتصاده وجيشه واستقراره. وروسيا التي طالما اعتبرت أن النظام السوري حليفها الطبيعي في المنطقة لارتباط الذهنية السياسية الروسية بمرحلة تاريخية مضت في القرن التاسع عشر إبان حكم الدولة العثمانية حين كان التدخل الغربي في المنطقة يتم تحت راية حماية الأقليات من حكم السلطنة العثمانية، وهذا ما أفصح عنه وزير خارجية روسيا (لافروف) حين تحدث عن خوف روسيا من حكم الأكثرية السنية في المنطقة، في إعادة إنتاج لمنطق تاريخي تجاوزه الزمن، ولكن إيران وحلفاء إيران تلقفوا هذا الكلام للتأكيد على مشروعية المخاوف الروسية والاستناد إلى تصريحات صادرة عن البطريرك الماروني وبعض الإكليروس الأرثوذكسي حول هذا الموضوع، ولكن يبقى بيت القصيد وهو أن امن إسرائيل يعتبر أولوية، وان الثورة السورية الشعبية كانت غير متوقعة بحسب مصادر غربية واسعة الاطلاع، وكذلك بناءً على قراءة إيران وأتباعها في المنطقة وبحسب الخبرة الروسية في الشأن السوري.

إن أمن إسرائيل واستقرارها هو ما يحرك السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة العربية وكذلك بورصة المواقف الرسمية التي تتحرك صعوداً وهبوطاً، تأييداً ورفضاً.. والهم الإسرائيلي هو عينه سبب القلق الروسي، بالإضافة إلى مخاوف روسيا من إفلات زمام الأمور في سوريا من يدها، خاصةً وأن لها مصالح اقتصادية وعسكرية إلى جانب السياسية في سوريا أضف إلى ذلك أن أنظمة الأقليات هي بحاجة دائمة لرعاية وعناية وحماية من قوى عظمى تضمن لها الاستقرار، وتعطيها الغطاء الدولي لارتكاب ما تريد بحجة الحفاظ على النظام العام.. وإيران التي لا ترى في سوريا بديلاً للتواصل مع أجنحتها العسكرية شبه الرسمية في لبنان (حزب الله والجهاد الإسلامي وغيرها)..كان لا بد لها من إعطاء كل الدعم لنظام سوريا المترنح والمترهل والذي يكافح بكل جبروت وغطرسة للحفاظ على وجوده..لذا فإن التناغم السياسي الروسي – الأميركي، والدعم الإيراني المتزايد أعطى نظام الأسد مزيداً من الوقت للاستمرار في السلطة ولو شكلاً ريثما يتم التوصل إلى حلٍ ما، وسمح له بارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر لعل نار الثورة تخمد، وشعلة الانتفاضة تتلاشى، ويتنازل الشعب السوري عن ثورته ومطالبه بالتغيير والحرية وتحقيق العدالة.. فما هي أهداف هذا التناغم وترابط المصالح بين قوى يفترض أنها متنافسة ومتصارعة في الكثير من الملفات الشائكة:

- الولايات المتحدة، تدرك أن التغيير السريع سوف يبقي القدرة العسكرية السورية في جهوزية كاملة وهي تعتبر ترسانة قوية نرى كيف يستعملها النظام ضد شعبه وليس لتحرير الجولان المحتل أو فلسطين، وأي نظام جديد في سوريا سوف يسعى لتقديم صورة مختلفة عن سياسات نظام الأسد واستغلاله لقضية فلسطين. لذا فإن أميركا تعرف أن سقف مطالب النظام السوري الذي يقوده الأسد لا يتجاوز الرغبة في البقاء في السلطة، باسم الأقلية الدينية التي يقودها ويدافع عن تمسكها بالسلطة، وقد استغل الأسد اسم تنظيم القاعدة ودوره بما يسمح له بان يلعب دور المروض والقادر على ضبط الأداء ولجم التجاوزات ساعة يشاء وحين يريد وبناءً على أثمان سياسية واقتصادية تدفع حين الطلب والضرورة. والولايات المتحدة اليوم التي فوجئت كما العالم اجمع بحجم الرغبة الشعبية السورية في التغيير رغم عظيم التضحيات وفداحة الجرائم والخسائر البشرية التي يقدمها المواطن السوري، أدركت أن لا بد من حصول عملية التغيير، ولكن المزيد من القتل والتدمير المنهجي الذي يمارسه النظام ضد المعارضة التي بدأت تتحول شيئاً فشيئاً من سلمية إلى مسلحة سوف يزيد من عمق المشكلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين مكونات المجتمع السوري، وسوف يترك أثاراً سلبية على علاقات هذه المكونات في المستقبل نتيجة هذه الجرائم المتمادية، وبالتالي يصبح بناء الدولة الجديدة تحت راية النظام الجديد تتطلب وقتاً أطول إضافةً إلى إعادة بناء الاقتصاد والأمن والجيش وتثبيت الاستقرار ووضع أسس العلاقات السياسية مع الدول المحيطة وهذا ما يتطلب سنوات، وحينها تكون إسرائيل أكثر تطوراً وقوةً وأمنا واستقراراً وهذا تريده الولايات المتحدة بعد غياب ضمانة نظام الأسد لأمن إسرائيل..؟؟؟..لذلك لا تزال الولايات المتحدة ترفض أي تدخل عسكري أو تسليح المعارضة السورية بشكل يسمح لا بمواجهة آلة القتل الرسمية التابعة للنظام...!!

- روسيا الاتحادية، تشعر أنها تخرج نهائياً من منطقة الشرق الأوسط، وان نفوذها يتقلص بعد أن كانت اللاعب الأساسي، وخسارة ليبيا واليمن وضياع العراق، يجعل روسيا دولة غير ذات تأثير مباشر على أحداث المنطقة، إضافةً إلى خسارة أسواق تصدير الأسلحة التي تعتمد عليها موسكو بشكل كبير، لذا فالموقف الروسي الذي يحمي نظام الأسد من العقوبات الدولية، إنما يهدف لإعادة الدور الروسي في المنطقة، وتثبيت حضورها في سوريا لتكون موطئ قدم مستقبلية تستطيع من خلالها التأثير في مجريات الصراع العربي – الإسرائيلي وعودتها أي روسيا إلى الساحة الدولية كقوى عظمى قادرة على تغيير أو تعديل مجريات الأحداث، ولكن هذا يجري على حساب الشعب السوري والدم السوري، والنظام السوري لم يتناغم مع الرغبة الروسية ولم يستفد من الدعم السياسي والعسكري الروسي للتفاعل مع الرغبة والتوجهات السياسية الروسية بل على العكس فقد اندفع يمارس سياسة البطش على أمل تثبيت حضوره ونظامه بقوة السلاح..ولا يمكن تجاهل أن حماية أمن وسلامة إسرائيل جزء لا يتجزأ من الإستراتيجية الروسية، والجالية الروسية في إسرائيل تعتبر من اكبر الجاليات..؟؟

- إيران، ورغم أن مصالحها في استقرار واستمرار النظام السوري الحالي مختلفة عن الطموحات الروسية والتمنيات الأميركية، إلا أنها تعتبر أن سقوط النظام السوري الحالي يفقدها الكثير من حرية الحركة في المنطقة والقدرة على التأثير في قرارات العالم العربي، خاصةً وان النظام السوري كان يعتبر جزءاً من منظومة محور طهران الذي يتسبب بالكثير من الأزمات في دول المنطقة ومنه وعبره ومن خلاله يتم الكثير من عمليات التخريب والإرهاب، وعلى أراضيه تتم رعاية المجموعات المتعاونة والمرتبطة بهذا المحور.. كما أن إيران قد قامت بتعزيز السياحة الدينية وبتوظيف الكثير من الأموال في الاستثمارات الصناعية وغيرها في سوريا لدعم النظام وتعزيز قوته الاقتصادية ولتربطه بالنظام الاقتصادي الإيراني بشكل مباشر، وللتجاوز من خلاله العقوبات الدولية وليبقى الممر الآمن لسلاح حزب الله القادم من إيران عبر سوريا ومن خلالها...

إذاً فالتوافق الروسي الأميركي غير المعلن يخدم النظام السوري ويعطيه القدرة على استعمال أقصى أساليب القتل والتدمير والظلم والقهر لإخضاع الشعب السوري وترويضه.. موقف الولايات المتحدة برفضها دعم المعارضة وتسليحها وبالامتناع عن توجيه ضربة عسكرية للآلة العسكرية السورية بغطاء عربي وأوروبي، وموقف الدولة الروسية وبهدف حماية مصالحها ودورها تستعمل حق النقض الفيتو بما يمنع إدانة نظام الأسد وفضح جرائمه كما وتوازن في مواقفها بين المعارضة السلمية والنظام الديكتاتوري الذي يمارس سياسة البطش، وتبرز إيران التي تستغل هذا الوضع لدعم نظام الأسد ومده بالمال والسلاح والرجال من مشارب مختلفة ليستمر في غيه وإجرامه، ولكن مع الأسف الشعب السوري يدفع الثمن من دماء شبابه وشيوخه وأطفاله، ومن امتهان كرامة نسائه واغتصاب فتياته، والعالم العربي الرسمي والشعبي يتفرج بصمت على ملهاة مفجعة ومفزعة ومجرمة. ولكن رغم كل هذا الواقع السيئ والمؤلم، فالشعب السوري سوف ينتصر في نهاية الأمر بالرغم من هذه المعادلة غير الإنسانية وغير الأخلاقية، التي تساوي بين الجلاد والضحية لتحقيق مصالح دولية على حساب المواطن السوري وحقوقه المشروعة...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نفوق الاقتصاد في معاقل الاسد

سعود القصيبي

مما لا شك فيه ان نظام الاسد ومن خلال المعطيات الاقتصادية زائل لا محالة, فالنفس الطويل الذي يدعيه للصمود لم يعد حقيقيا , ولم يعد في الوقت نفسه قادرا على استمرار سياسة نسج خيالات لنفسه من اجل البقاء لان التداعيات الاقتصادية تدحض ذلك وتدفع النظام برمته الى سقوط مدو ,ولن يحول ذلك لزوجة تواصل شراءالأحذية الثمينة في حين تهوي القنابل من قبل نظام زوجها الذي عذب وقتل واغتصب الحرائر وشرد الالاف وأفقر وذل شعبه. وتأتي المعطيات الاقتصادية بعد نحو عام من قيام انتفاضة ثورة الكرامة لتقف شاهدا وتؤكد حتمية زوال النظام مهما ارتفعت أعمال البطش.

 

من أهم المعطيات الاقتصادية قدرة المصرف المركزي على سداد فاتورة الوارادات وتامين العملات الصعبة. حيث فقد النظام جل الاحتياطي غير المؤكد والبالغ نحو 17 مليار دولار, ليتوقف حديثه عنه, مثلما توقف حديثه عن إحتياطيه من الذهب الذي اختفى من خزائن المركزي في سراديب أقطاب النظام. مما إضطره إلى تقليص أو الحد من تأمين الواردات التجاريه عن طريقه وإستعمال أرصدة البنوك المحليه والسوق السوداء من العملات الصعبة لتأمين إحتياجات التجار منها.

 

وكذلك من تحويل حسابته الى البنوك الصينية خصوصا ومن ثم روسيا لسداد تلك الدفعات من المشتريات الاجنبيه للنفاذ من العقوبات الدولية. وقد ذكرت مصادر اقتصادية وأخرى دبلوماسيه عده وكذا تصريحات لمسؤولين سوريين في الحكومة انه لم يتبق للنظام سوى 3 الى 4 مليارات دولارعلي الاكثر, مما يعني نفاد ذاك الرصيد الوشيك كما صرح عدد من الديبلوماسيين الغربيين ايضا بذلك, الامر الذي ينذر بتوقف سداد الرواتب الحكومية بعد تأخر سداد مستحقات بعض القطاعات والذي ينظر له بعدم أهميته الأمنية.

 

ومن المعطيات الاخرى دفاعه عن العملة السورية وحمايته لها من الهبوط. وقد دأب المصرف المركزي السوري منذ الايام الاولى لانتفاضة الكرامة الدفاع عن الليرة وتأمين الطلب المحلي لها, وبذات الوقت تقليل الفوارق السعرية بين الموازية والمركزي في سعيه لتوفير أكبر قدر منها لتأمين الوارادت . فنراه بالتدرج -وبصفة اسبوعية - يقلل من سعر الصرف ضمن إطار محدد بدأ في حوالي 10% الى أن انتهى بحوالي 20%. وبدأ من سعر صرف رسمي بلغ حوالي 46 ليرة للدولار إلى 59 ليرة للدولار. هابطا بسعره الرسمي منذ قرابة العام 28% مخصصا في الوقت نفسه ذاك السعرالرسمي لبعض القطاعات الحكومية. وأتى مؤخرا المركزي ليوقف صرف البنوك لعملائها من العملات الصعبة من تخوف نفاذها هي الاخري. فهوت الليرة في السوق الموازية كنتيجة إلى اكثر من 100 ليرة للدولار ومن حوالي 70 ليرة في أيام قلائل ليضخ المركزي بعد تردد وفي قلة منه في السوق الموازية ويسمح للبنوك للبيع لعملائه ضمن إطار محدد تحت سقف سعر جديد, كما قامت الجهات الأمنية ايضا باعتقال عدد من الصرافين خصوصا في دمشق. وكنتيجة هبطت الليرة إلى مستويات أقل إلى ان وصلت قرابة 80 ليرة للدولار لتبلغ نسب الهبوط الفعلي ومنذ ثورة الكرامه نحو 74%.

 

ولا تزال العملات الصعبة شحيحة في "السوق الموازية" بظل الطلب الكبير على تامينها مما يدعم السوق الموازية كسوق رئيسة وينذر بهبوط لها آخر وشيك خلال الاسابيع القادمة وإلى مستوى 100 ليرة للدولار كما أفادت تقديرات عدد من المحليين.

ومما يزيد من الأمور حدة, إنخفاض إحتياطيات البنوك السورية من العملات الأجنبية بحوالي 28%, الامر الذي لم يمكن البنوك من الصرف لكل عميل مع استمرار نزيف سحب الودائع من المصارف الذي بلغ حوالي 30%. وقد أشارت مصادر إعلامية عده من إتجاهها إلى لبنان والخليج وأوروبا في سعيها للبحث عن ملاذ آمن, متخفية بذات الوقت تحت ستارشركات متعددة لها نشاطاتها في المنطقة. وكذلك بالاضافة من إستغلال أسماء أبناء الادارة الاسديه وأصدفائهم لإخفاء تلك الاموال وخاصة من طالتهم العقوبات الدولية بالتجميد.

وفي ظل هذا النزيف تخلف العديد من عملاء المصارف عن السداد الشأن الذي ينذر بتوقف عدد من البنوك عن العمل خصوصا البنوك الصغرى منها بأسباب عجز موازنتها بظل هذا التخلف, مما أجبر نظام الاسد الخروج بقرارات من شأنها عدم جعل المتخلف منها ديونا معدومة أو مشكوكا في تحصيلها, ومن ثم عدم عمل إحتياطيات ومخصصات مصرفية لها وخاصه تلك للشركات الحكومية وقطاع المصانع.

 

وفي ابتكار جديد لأنظمة التدقيق المحاسبي سمح بإستعمال فروقات العملة الناتجة عن انخفاض الليرة بجعلها أرباحا ومن ثم تخصيصها كإحتياطي للديون المعدومه والمشكوك فيها. وكنتيجه لذلك فقد أظهرت البنوك ارباحا غير حقيقيه وهمية في طبيعتها لتحسين مظهر موازناتها المالية, مع حث المركزي البنوك بنفس الوقت على رفع رؤوس أموالها بعد مهلة لتغطية العجز. ولا تزال البيانات المالية المفصلة للبنوك السورية متأخرة عن الصدور مع توقف المركزي عن إظهار البيانات الماليه للقطاع المصرفي ككل منذ أكثر من 9 أشهر مما يعد مؤشرا على عجز كبير لاخفاء المعلومة ولعدم اثارة الهلع بين التجار والشارع مع إستعمال وسائل ترغيبية وأخرى تأديبية من رسوم للحد من سحب الارصدة المستمر من القطاع .

 

ومما لاشك فيه أن الاعلام السورى قوي وذا قدرة خيالية لنسج الروايات مثل الف ليلة وليلة ومن تزييف للحقائق وإظهارها بمنظر آخر كما مع نشر الإشاعات المؤيدة في مضمونها للنظام. إلا أن الارقام لا تكذب لتأتي الحقائق والمعطيات على الارض نافية مقولات القدرة على النفاذ من ثورة الكرامة لإقناع التجار والشارع وأعوان النظام لضمان إستمرار مؤيديه بأعمالهم القمعية. ويأتي السؤال كيف يدار الاقتصاد بلا مال كاف لدى المصرف المركزي لتأمين شراء المستوردات ودفع الرواتب وبلا بنوك تسانده لتحريك دفة الاقتصاد اما الباقي فيترك لمخيلة النظام, ولعل لأفلام هاري بوتر من أعمال سحرية تأتي لتمجد أحاديث نسجت من خيال!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

محطات في تاريخ العلاقة الروسية – العربية والإسلامية 1 و 2 .. زهير سالم*

السياسي الروسي الكريه

1 من 2

بعد قرن من الضبابية الانفعالية نرجو أن نعيد قراء تاريخنا الحديث بعين الوعي وليس بعين العاطفة. وأرجو من إخواننا في اليسار العربي ألا يعتبروا عناوين هذه المحطات موجهة ضدهم، فنحن وهم في الحرب على الاستبداد اليوم في مركب واحد . يجب أن نتوحد دائما في الحرب على الاستبداد بمرتكزاته ومناصريه ، تحت كل العناوين الثورية أو المدنية أو الدينية. وأحب أن أوضح في هذه المقدمة أن الإخوان المسلمين في سورية لم يكونوا يوما في عصر الحرب الباردة في سلة أحد القطبين ، كما يحلو لبعض العجلين أن يقرروا ، أو أن يوظفوا ذلك في تفسير أيلولتهم الشعبية .

 

لقد زار الدكتور مصطفى السباعي الاتحاد السوفييتي، وكتب اشتراكية الإسلام، وحذر من الوقوع في شباك المؤتمرات الأمريكية تحت شعار الحرب على الإلحاد في مقال له (احذروا هذه المؤتمرات ) – نعيد توزيعه مع هذا المقال توضيحا للحقيقة.

 

سيمر هذا المقال على عناوين المحطات الأساسية في تاريخ العلاقة الروسية – العربية والإسلامية ، لنكشف حقيقة الموقف الروسي التاريخي من قضايانا الكبرى ، على ضوء تأييدهم اليوم لذبح أطفال سورية و .. ولنقول للساسة الروس أن كل ورق السولفان الذي تحاولون به تغليف مواقفكم الغارقة في التوحش لن تجديكم نفعا . هادفين أيضا إلى إدراك حقائق تعيننا على فرز القوى وتحديد الموقف . وليس من هدف هذا المقال أن يسوق طرفا دوليا على حساب طرف . بل نحن نعتقد أن العالم الذي لم يخف غبطته بذبحنا يوم ذبحنا 1980 ما زال هو هو . وأنه اليوم وجد في الفيتو الروسي جدارا يختبئ وراءه .

 

ومن أهداف هذا المقال أن نكف جميعا عن للمراهنة على الدور الروسي كسبا للوقت وانصرافا إلى التفكير في البدائل . فالحل خارج مجلس الأمن سيكون صعبا ولكنه قدرنا كما هو قدر لإخواننا في فلسطين . وطبيعة محنتنا من طبيعة محنتهم . وعدونا وعدوهم واحد بل لعل ما عانيناه وما نعانيه أشد وأنكى . لسنا في عصر الحرب الباردة، ولسنا كرجال معارضة وثورة دولة ولا شبه دولة علينا أن نقدم وعودا وتطمينات وتنازلات لدول تتجرد من قيمها الأخلاقية للحصول على التأييد. نحن مشروع ثورة وطنية في أفق حقوق إنسانية عالمية ومطالب مدنية عادلة لا يختلف عليها بشر . ولسنا في مقام من يستجدي أو يتنازل عن حقوقه في الكرامة الإنسانية. والدمج بين الإنساني والسياسي في حالتنا هو التفاف خبيث ومرفوض على آدميتنا وإنسانيتنا ومحاولة لإبقائنا أرباع بشر، ربما من يريد أن يفاوضنا على ذلك سواء كان ميدفيدف أو كوفي عنان يتصور أن يكفينا أن نكون أنصاف بشر في مشروع الإصلاح العتيد..

 

إصرار البعض على التفكير في إطار مجلس الأمن أو من خلاله لانتظار تغير في الموقف الروسي هو أشبه بمهزلة انتظار ( غودو )، الذي لن يجيء ، و يعني هذا الالتزام تقديم المزيد من التنازلات عن حقوقنا الآدمية – وأنا هنا أعتبر الحقوق الآدمية مرحلة على طريق تطور منظومة حقوق الإنسان – وأقول لكل من يدعونا إلى المساومة لا تراهنوا على مستقبلكم فشعبنا لن يساوم. ويجب ألا نقبل من الحكومة الروسية مقاربة حتى تعتذر عن مواقفها من بدء ثورتنا المباركة. لقد كان الحكام الروس منذ اليوم الأول شركاء في اتهامنا، وشركاء في دمنا، وشركاء في ذبح أطفالنا، وإصرارهم على دعم النظام بالسلاح في حربه على شعبنا، وعلى دعم النظام سياسيا ودبلوماسيا يكرسهم أعداء لحقوق شعبنا في الكرامة الآدمية والإنسانية...

 

ليفاجأنا بعد ذلك لافروف بتصريحه الطائفي الكريه الذي يعلن من خلاله التعصب والتحيز على أسس طائفية ضد الشعب السورية بل ضد دول العالم العربي أجمع لمصلحة إيران وبشار ومشروعهما الطائفي المقيت .

 

ثم مرة ثالثة حين يراوغ السياسي الروسي المقيت بأنه يقدم طائرة من المساعدات الإنسانية لسورية ثن يقدمها للنظام القاتل في سورية فلا يخفى على منابع أريب أن هذه المساعدات ستصب في خانة نفس الأسلحة التي يذبح بها أطفال سورية .

 

ربما طالت هذه المقدمة قليلا لنؤكد أن ما سنقدمه في هذا الاستعراض ليس أكثر من محطات عجلى ستعتمد على الذاكرة أكثر من اعتمادها على الاستقصاء، وستبقى المتابعة مطلبا ملحا لنضع بين يدي شعوبنا بموضوعية السجل الأسود للعلاقة الروسية – العربية - والإسلامية والدور الروسي الذي لم يقلّ أبدا عن الدور الغربي في تفتيتنا واستعمارنا وإضعافنا وتضليلنا على مذهب من قال: ( يذبحك وهو يبتسم ) ...

*   *   *

محطات في تاريخ العلاقة الروسية – العربية والإسلامية 2 من 2

العلاقات الروسية الإسلامية و العربية نافذة على التاريخ

روسية القيصرية قرون من الحروب والدماء

في صراع مرير فرضه القياصرة الروس على بلاد المسلمين استمر الصراع الروسي – الإسلامي ثلاثة قرون. وعشرة حروب شنها القياصرة على بلاد المسلمين امتدت من القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر. وكانت الحرب الحادية عشرة ( الحرب العالمية الأولى ) مع مطلع القرن العشرين.

 

كانت تلك الحروب واحدة من أطول الحروب في تاريخ أوربة. وكانت تتمحور حول السيطرة على شبه جزيرة القرم والبحر الأسود ومنطقة البلقان. وكان الروس لا يتوقفون عن تحريض الشعوب في إطار الامبراطورية العثمانية على الانتفاض : الأرمن – والصرب – والبلغار – واليونان..

 

هذا التاريخ الطويل من العدوان كرس في نفسية الإنسان الروسي كراهية للمسلمين الحضارة والثقافة والإنسان. كراهية حاول التمرد عليها شعراء وأدباء روس عظام. كان التعبير عن الولاء لثقافة المسلمين في شعر بوشكين بشكل خاص نوع من التمرد على المواضعات التي كرستها الكنيسة والسياسة معا...

 

أهلنا اللاجئون من الشركس والشيشان

نستحضر محنتنا في فلسطين فنلتفت إلى الغرب وإلى البريطانيين والفرنسيين كلما ذكرنا كلمة مخيم ولا جئين . ولكننا ننسى معنى الجرح، معنى الإخراج من الديار وما صاحبه من قتل وقمع وانتهاك وإكراه على العقيدة والدين. تنسى شعوبنا اليوم ونحن نتحدث عن أهلنا الشركس والشيشان المنتشرين في كل ربوع الشام ( سورية والأردن وفلسطين ) بشكل خاص أن الذي شرد هؤلاء الأهل من ديارهم هو قمع وحشي روسي في عهد القياصر في أواسط القرن التاسع عشر. هولكست روسي تم على أرض القفقاس لا يقل بشاعة عن هولكست النازي ، هولكست روسي لم يكن لنا في يوم أن ننساه أو نتناساه. وكيف ننسى الجرح وموضع فأسهم في رأسنا ما يزال واضحا..

 

ثم في هولكست بلشفي آخر دفع إلى موجة أخرى من الهجرة أو من اللاجئين والمشردين حقا إنهم نزلوا بين ظهراني أهل ووطن ولكنهم شاهد آخر على وحشية البلشفي ووحشية الماوي أيضا. اللذان يجتمعان اليوم على تأييد ذبح أطفال سورية وسحق مشروع حريتها. وإذا كان المقام لا يتسع للحديث عن حجم بشاعة الهولكست البلشفي والماوي وطلبا للاختصار أحيل جيل الشباب بشكل خاص إلى رواية ( ليالي تركستان ) للروائي نجيب الكيلاني. فقد أرخت هذه الرواية بحق لوحشية هؤلاء الذين قُدموا لنا كأصدقاء ثوريين وتقدميين وهم في حقيقتهم طراز من الوحوش البشرية. وأتمنى على من يملك نسخة الكترونية من رواية ليالي تركستان أن يعيد توزيعها على شباب الثورة ليعلم السوريون جميعا عن أي صديق أو عدو يتحدثون...

 

في سياق حديثنا عن الاتحاد السوفياتي علينا ألا ننسى أن هذه الدولة أو هذا القطب العالمي كان في سياساته الداخلية النظام الأقسى عالميا ضد الأديان بشكل عام ، وضد الإسلام بشكل خاص . إن البشاعات التي اقترفها البلاشفة وأتباعهم تجعل الذاكرة التاريخية الإنسانية تجد لطفا وإنسانية في قضاة محاكم التفتيش ، وبين ظهراني المحققين النازيين والفاشيين . القتل والتعذيب من أجل أداء صلاة . والتخفي برسم الموت من أجل تعلم آيتين من القرآن . والنفي إلى سيبريا ، أو إلى ما وراء الشمس كل ذلك في حرب مفتوحة ما تزال تمارس حتى اليوم في الاتحاد الروسي تحت شعار الحرب الإرهاب ..!! ألم يرسل بوتين منذ سنوات فاغتال الزعيم الشيشاني ( سليم خان باندربييف ) في قطر كما يغتال الموساد الإسرائيلي حذوك النعل بالنعل ؟!

 

ألم يعالج حالة عصيان في مسرح موسكو بمداهمة المحاصرين في المسرح بالغاز ..؟! من كان في هذه القسوة كيف تنتظرون منه أن يستنكر في سورية ذبح أبناء المسلمين وهو يذبحهم صباح مساء في غرزوني وفي الشيشان ..

 

وحين نقترب من جريمة العصر التي وقعت على أرضنا وأهلنا في فلسطين يجب أن نذكر أن القيادة السوفيتية كانت الأسرع تاريخيا إلى الاعتراف بهذا الكيان وإلى التماس رضاه . ولكن الرهان الصهيوني كان في ظاهره منحازا إلى الغرب مؤثرا له . موقف امتد مع الأسف إلى كثير من الأحزاب الشيوعية العربية ولفترة طويلة تحت شعار المواقف الأممية المناهضة للامبريالية ..

 

ظن بعض الساسة العرب في خمسينات القرن الماضي ولم يكن جمال عبد الناصر أولهم أن من حقهم أن يلعبوا على حبال الحرب الباردة ، وأن يستفيدوا من تناقضاتها فتوجهوا إلى الاتحاد السوفياتي وامتد التوجه السياسي ليتحول إلى حالة من القبول أو الولاء الشعبي ، إذ ساعدت القوى اليسارية على تقديم هذا القطب العالمي كنصير موازن للرأسمالي الغربي المنحاز جهارا ومطلقا للمشروع الصهيوني . حملت هذه الرؤية بالتدقيق في الموقف إلى شعوبنا الكثير من الغرر ومن الغرور أيضا ..

 

لقد تمركزت سياسات الروس الذين كانوا محتلين للعديد من المجتمعات المسلمة في إبقاء الصراع العربي الإسرائيلي تحت سيطرتها ..

 

وجعلت من كل من سورية ومصر مكب نفايات لأسلحتها المنسّقة التي تريد أن تتخلص منها فكانت تتخلص منها وتقبض من عرق شعوبنا عصارة جهدنا على يد سماسرة في وزارات الدفاع الفاسدة وهؤلاء هم الذين يدافع الروس عنهم اليوم . لأن روسيا مازالت تفعل ذلك مع سورية إلى اليوم بعد أن تحررت منها مصر بقرار من الرئيس السادات .

 

كل السلاح الذي قدمته روسيا للدول العربية كان تحت سقف تمكين هذه الدول من شيء من الدفاع عن النفس ، في ظل واقع مختل وليس أبدا المساعدة على تحرير الأرض . وشملت هذه الاستراتيجية الموقف السياسي كما الموقف العسكري .

 

على مستوى آخر كان اليهود الروس الذين يصلون إلى فلسطين الأكثر تطرفا في المواقف والممارسات اللاإنسانية ضد أهلنا في فلسطين ، ولاسيما بعد أن انفلت هؤلاء بعد سقوط الاتحاد السوفياتي . ولعل وزير الخارجية المتطرف ليس إلا صورة لأمثلهم طريقة ..

 

في حديثنا عن هذه المحطات في هذا السياق لابد أن نذكر حديث التطمين الذي نقله قادتهم للرئيس عبد الناصر قبيل حرب الخامس من حزيران والتي كان لها أثرها في استرخاء الجيش المصري ووقوع كارثة السابعة والستين التي أحدثت تغيرا استراتيجيا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي..

 

ولا بد أن نذكر السياسات المراوغة فيما بعد على المستويات الاستراتيجية والسياسية في استعادة القدرات القتالية للجيشين السوري والمصري ..

لا يمكن أن يفوت الذاكرة العجلة احتلال الروس لأفغانستان ذلك البلد المسلم وارتكاب الفظائع في عهدين عهد الجنرالات الشيوعيين الذين أذاقوا الشعب الأفغاني سوء العذاب وعهد الاحتلال المباشر وما كان فيه من فظائع ومن قتل وقتال على يد نور محمد تراقي وبابراك كرمل...

في متابعة ملفات الاتحاد السوفياتي في تاريخه القريب لن ينسى المرء عمليات التغرير بالعراق ثم التخلي عنه عندما جد الجد حتى وقع تحت براثن الاحتلال ..

 

نعلم أن روسيا سوف تلهث يوما لتحتفظ يدا عند هذا الشعب السوري المنتصر بإذن الله ونكتب هذا ليكون كل أبناء شعبنا على بصيرة . ((هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ..)).

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يُتاجرون بدم القتلى .. اسحق ليئور

2012-03-27

القدس العربي

ان العلاقة القوية بين تل ابيب وباريس أقدم من الدولة.. فألترمان وحاييم جمزو وشلونسكي و'الكنعانيون'، تنفسوا جميعا في فرنسا سنين طويلة قبل نشوء الدولة. ومع كل ذلك فان هذه العلاقة مشحونة منذ الخمسينيات ببُعد آخر لم يكن نسيم ألوني وعاموس كنان أو يوسي بناي ممثليه الوحيدين.

ان السخافات التي صُبت هنا منذ تمت عملية القتل في تولوز تبدو مثل تكرار لتلك الصداقة منذ الوقت الذي قمع فيه جي موليه، رئيس حكومة فرنسا الاشتراكية الديمقراطية في خمسينيات القرن الماضي، الجزائريين، وانضم من جهة اخرى الى بن غوريون وديان وبيرس لاحتلال قناة السويس. أنشد 'رباعي النادي' آنذاك في ابتهاج 'لتحيا فرنسا واسرائيل فلم يعد بيننا أي فرق' على لحن الاخوة جاك، وتدفق السلاح، وانشأت الحرب في الجزائر هنا شعورا 'بأننا وأنهم في القارب نفسه'، وكان عبد الناصر تجسيد الشر هنا وكان ابن بيلا الجزائري، قائد حرب التحرير، أخاه التوأم هناك.

قام الفرنسيون بالحرب الاستعمارية باسم الجمهورية. ولم تجرِ تصفية الحساب مع الفظائع التي ارتكبوها سنين بعد انتهائها. يكفي ان نقارن بين مواجهة هوليوود لفظائع فيتنام بعد الحرب فورا وبين التجاهل الفرنسي الطويل لما ارتكبوه مع الجزائريين، كي ندرك لماذا أصبح الأثر الباقي الأبرز للفظاعة هو جاك ماري ليبان، وهو ضابط في جهاز التعذيب هناك ومُنكر للمحرقة ومضطهد للمسلمين. ان فظائع يُجريها مجتمع ولا يجري عليها محاسبة نفس وطنية حكمها ان تنشىء مجرمي حرب ليكونوا قادة.

لم يمت الاستعمار الفرنسي برغم ديغول وعدائه للولايات المتحدة وتركه لحلف شمال الاطلسي ومعارضته الشديدة لحرب 1967. وعلى نحو عام توجه هذا الاستعمار منذ التسعينيات نحو الداخل برغم أنه أُتيحت له فرصة كبيرة في ليبيا للاستيلاء على النفط باسم جمهورية اليمين الذي انتصر بمساعدة اليسار، وركب موجة إبغاض كل من ليس 'مستنيرا'، أي فرنسيا. وهكذا أصبحت فرنسا قائدة موجة عنصرية اوروبية عكرة لمواجهة المهاجرين. كلا ليس هذا ليبان وحده بل هو ساركوزي. الذي كان وزير الداخلية وأسمى متظاهري الفقر المسلمين في 2005 حثالة الجنس البشري وانتخب بعد ذلك للرئاسة بواسطة التحريض لا قبل ان أعلن بانفعال في 2007 قائلا 'تغيرت في يد واسم'.

ان الفرنسيين يستخدمون هذه الروح الاستعمارية منذ سنين التي يسمونها هنا في نفاق غير قليل 'جمهورية' يستخدمونها لمطاردة الاجانب حتى لو كانوا ولدوا في فرنسا بصفة مواطنين. ويُستخدم اليهود منذ زمن بعيد ورقة تين تغطي هذه العنصرية لأنه أي شيء أفضل من عبادة المحرقة لجعل 'الآخر' رمزا اخلاقيا في محاربة الآخرين الحقيقيين، أي الأفارقة. فهنا فقط تلتقي النار الاستعمارية الدائمة مع آلة الدعاية الاسرائيلية اللتين تتغذيان بكراهيتهما للمسلمين.

أشك في ان يكون الفرنسيون جميعا الذين خرجوا عن طورهم لبكاء الموتى أحبوا لحية الحاخام ولباسه والقبعات الدينية للاولاد في تولوز. ومن جهة ثانية لو عاش هؤلاء الاربعة في البلاد لاستُعملوا مثل مادة جيدة للتحريض في شأن 'الاقصاء'، لأنهم تعلموا في فصول دراسية مستقلة. وكانوا سيضايقون الحاخام سندلار بشأن 'العمل المنتج' والخدمة في الجيش. وجد الضحايا الأبرياء راحة صحيحة في عالم دعائي يحمل فيه رئيس صلف اسم 'يد واسم' عبثا ويحصد أرباحا سياسية من ميلودراما رخيصة، مع رئيس حكومتنا الذي سارع قبل غسل الدم عن البلاط الى التلويح به من اجل ان يعلموا ان كل من يندد بقتل الأبرياء في غزة يؤيد قاتل يهود من القاعدة. هذا حلف باعة.

هآرتس 27/3/2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المسيحيون والثورة السورية../ د. عامر كدرو أبو سلامة

المركز الإعلامي

الثورة السورية ثورة شعب, وليست ثورة حزب أو جماعة, قامت بسبب تراكم الظلم والقهر, وتكميم الأفواه, والقتل, وإرهاب الدولة, ونهب الثروة, وغياب العدل والمساواة, وإشاعة روح الخوف, وصدق من قال: إن الجدران لو نطقت في بلدي, لقالت إني خائفة.

ثار الشعب على جلاّديه, وخرجوا بصدور عارية لإقرار العدل بين الناس, والدعوة إليه, وليكون الناس في دائرة العدل سواء, لا فرق في ذلك بين أحد, ولو اختلف الدين, أو تباينت الملل, وهي قاعدة عامة, لأنك ما إن فرقت بين الناس في هذا الشأن, فإن الثورة تعود على أصلها بالإبطال, والعاقل لا ينحر نفسه.

ولما كانت قوى التشويش, تسكن في زوايا الفتنة, في كل زمان ومكان, فلا بد أن يظهر هؤلاء في زمن الثورة, خصوصاً من أنصار النظام وأعوانه, وإن لبسوا ألبسة إرادة الخير, ورفعوا لافتات الخوف على المسيحيين في المستقبل السوري القادم.

في سورية الغد, ستحفظ خصوصيات الناس, على اختلاف أديانهم, فالدين لا إكراه فيه, (لا إكراه في الدين). وتعايش الناس على هذا المبدأ مئات السنين, على قاعدة قول الله تعالى: (لكم دينكم ولي دين).

وزخر تاريخنا التالد, وتراثنا الماجد, بصور مشرقة, وملامح مبهرة, تحكي قصة حضارة أمة, ترجمت هذه المعاني والقيم, إلى سلوك فعال, وتبادلية فهمية قلّ مثيلها.. في عالم يموج بلغة التغالب, فاطمئن الناس, وعاشوا آمنين.

يقول الأستاذ فارس الخوري: (لا يمكننا محاربة النظريات الهدامة, التي تهدد كلاً من المسيحية والإسلام, إلاّ بالإسلام).

إنها كلمات رجل مجرب, وسياسي محنك, ومهني ممتاز, ولما رأى السوريون فيه مثل هذه المواهب, اختاروه عام ثلاثة وأربعين من القرن الماضي, وزيراً, واختاروه بعد عام رئيساً للوزراء, وفي عام خمسة وأربعين كان رئيس الوفد السوري إلى الأمم المتحدة لجلاء الفرنسيين, وفي عام أربعة وخمسين, كلفه الرئيس هاشم الأتاسي, بتشكيل حكومة جديدة.

وفي سورية, هذه المسألة أخذت كل أبعادها, في أطر التعايش, وأسباب التعامل الحسن بين أبناء الوطن الواحد,مع البر والقسط, ففي الحارة الواحدة يكون المسلم والمسيحي, وكذلك في الوظيفة, وفي سائر مرافق الحياة ومناحيها, من خلال نسيج اجتماعي قل مثيله في دنيا التعدد الديني, ليرسم صورة تمثل واقعاً حضارياً, رسمته أفعال وأقوال السلف, حتى نزل في مراتب الرفعة إلى مدارج الخلف.

(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم, إنّ الله يحب المقسطين).

فلم يعرف المجتمع السوري, صراع الأديان, ولا تحارب المختلفين في الدين, ولا يذكر لنا التاريخ أي صورة من صور هذه المسألة, ولو في واقعة بين حارة ومثيلتها, فضلاً عمّا هو أكبر من ذلك, كما هو الشأن في بلدان أخرى.

يقول الذين خبروا التاريخ القديم والمعاصر: إنهم لم يحفظوا واقعة واحدة اقتتل بها مسلم مع مسيحي بسبب أن هذا مسلم, وذاك مسيحي.

فالناس يتقاتلون, لسبب من أسباب الخصام المعروفة بين أبناء المجتمع, بل كثيراً ما يقول المخاصم لواحد بسبب تجارة أو عقار أو مال: لم أكن أعلم أن خصمي من الدين الفلاني, إلاّ بعد انتهاء المخاصمة.

إن الذي يثير الطائفية ويذكي نارها, ويخوف الناس من بعضهم هو النظام, إنّ الذي يخوف بعض الطوائف من قادم الأيام بعد انتصار الثورة, هم شبيحة النظام, وأزلامه من سوريين, ومن غير السوريين, إن الذي يرعب بعض ضعاف النفوس, ممن لم يقرأ التاريخ, ولم يعرف حقيقة الواقع, هم الطابور الخامس الذي يصنع هذه المشكلة لصالح النظام.

وسبب هذا معروف لكل ذي لب, أو ألقى السمع وهو شهيد, وهو أن النظام يريد تأييد الطوائف, وضمهم إلى صفه, ليقول لهم: ليس لكم سواي, وإياكم أن يحل أحد مكاني, لأنه إن كان كذلك, فالذبح ينتظركم, والموت الزؤام سيكون من نصيبكم, وسيحرق الأخضر واليابس, فلا تلوموا إلاّ أنفسكم, ليكونوا أنصاراً له, ويحرصوا على بقائه, وبهذا يكسب النظام الرهان على هؤلاء القوم.

وأعتقد بأن هذه الحيلة لا يمكن أن تنطلي على من عنده مسكة من عقل, بل هي لعبة مكشوفة يدرك شرها وخطرها القاصي والداني, والصغير والكبير, والعالم والجاهل, ذلك لأنها جهل أقرع.

النظام لما ارتكب جريمته الكبرى في حماة, عام اثنين وثمانين من القرن الماضي, لم يفرق بين مسجد وكنيسة, بل هدم المساجد والكنائس, وعندما قتل الناس لم يفرزهم, بل قتل دون هوادة, كل من لم يصفق له.

وأثناء حملاته الرعناء, في اعتقال أبناء الشعب, لم يمنعه ذلك من اعتقال (مصطفى خليفة) الذي كتب (القوقعة), وحكى فيها ملحمة ما جرى له, ولغيره من أبناء الوطن, خصوصاً من أبناء جماعة الإخوان المسلمين, فلم يشفع له أنه مسيحي, أو أنه ليس من الإخوان المسلمين.

لقيت في مؤتمر من المؤتمرات مسيحي من محافظة حماة, فتجاذبنا أطراف الحديث عن الثورة, في سورية, فوجدت فيه وعياً نادراً, واستيعاباً لأسباب الثورة, وتصوراً راقياً لضرورة قيامها.

فأبناء سورية أوعى من أن يخوفهم النظام من بعضهم, بل بسقوط هذا النظام وزواله القريب بإذن الله تعالى, سيكون أبناء الشعب, أكثر ألفة, وأقل مشكلات, ذلك لأن الشيطان الذي كان يحرش بينهم ولّى وراح واندحر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قراءه في بيان الإخوان المسلمين في سوريا .. المهندس هشام نجار

المنسق العام لحقوق الإنسان - الولايات المتحدة .. عضو في المجلس الإقليمي لمناهضة العنف والإرهاب وتعزيز الحرية وحقوق الإنسان

أعزائي القراء

بتاريخ ٢٥ آذار ٢٠١٢ صدر بيان من جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في مرحله دقيقه من مراحل تطور ثورتنا المباركه ,تتصف مرحلة اليوم بتصميم قوي لشعب يقود" بمفرده "وأضغط بكل قوه على أحرف كلمة بمفرده لدرجه قد تؤدي الى تحطيم لوحة المفاتيح التي اكتب عليها..فالعرب عاجزون عن إتخاذ الفعل ..والغرب وكما نعهده يغير اراءه عشرمرات في الأربع وعشرين ساعه .. والروس هم طوق النجاة لكل هؤلاء ..والنظام السوري يجدها فرصه ليقوم بتجربة أسلحته الروسيه على مختلف انواع الأهداف سواءاً كانت إنسانيه أو حيوانيه او نباتيه او مواد جامده. اما الشعب السوري الصامد فممنوع عليه ان يحصل على منطقه آمنه..وممنوع عليه ان يحصل على سلاح يدافع به عن نفسه..أما التدخل العسكري لإنقاذ الشعب السوري من براثن الإحتلال الأسدي فصار جزءاً من قصص شهرزاد عندما يدركها الصباح فتسكت عن الكلام المباح

 أعزائي القراء

ما أوردته صار حقيقة معروفه لنا جميعاً ..فماذا نحن فاعلون وكل محافظاتنا تلتهب وتحاصر وتُدَمر ؟

الإجابه على هذا السؤال يتلخص برأيي بكلمة واحده هي الثقه..الثقه بين كل مكونات النسيج العرقي للشعب السوري.. الثقه بين كل المكونات السياسيه للشعب السوري..وقد إلتقطتُ بيان الإخوان والذي صدر هذا اليوم والمكون من عشر بنود والذي أُختير له عنواناً واضحاً لا يقبل التأويل "عهد وميثاق" ...هذا البيان يصب في نهر الثقه والذي يشكل هذا الشعب العظيم.

 أعزائي القراء

لم يعد أمامنا بعد اليوم إلا ان نكشف برامجنا على طاولة واحده فالإخوان فعلوا اليوم وهو يتلخص بالعمل على أن تكون سورية المستقبل:

 

 دولة مدنية حديثة، تقوم على دستور مدنيّ، منبثق عن إرادة أبناء الشعب السوريّ، قائم على توافقية وطنية، تضعه جمعية تأسيسية منتخَبة انتخاباً حراً نزيها.

 دولة ديمقراطية تعددية تداولية، في انتخاباتٍ حرة نزيهة شفافة.

 دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعاً، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم

دولة تلتزم بحقوق الإنسان - كما أقرتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية - من الكرامة والمساواة، وحرية التفكير والتعبير

دولة تقوم على الحوار والمشاركة، لا الاستئثار والإقصاء والمغالبة

 دولة يكون فيها الشعبُ سيدَ نفسه، وصاحبَ قراره، يختارُ طريقه

 دولة تحترمُ المؤسسات، وتقومُ على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية

دولة تنبذُ الإرهابَ وتحاربُه، وتحترمُ العهودَ والمواثيقَ والمعاهداتِ والاتفاقياتِ الدولية

دولة العدالة وسيادة القانون، لا مكانَ فيها للأحقاد، ولا مجالَ فيها لثأر أو انتقام

دولة تعاون وألفة ومحبة، بين أبناء الأسرة السورية الكبيرة، في ظلّ مصالحة وطنية شاملة. تسقطُ فيها كلّ الذرائع الزائفة، التي اعتمدها نظامُ الفساد والاستبداد، لتخويف أبناء الوطن الواحد بعضهم من بعض، لإطالة أمَدِ حكمه، وإدامة تحكّمه برقاب الجميع.

هذا بإختصار نص البيان الذي صدر عن الإخوان..

أيها الإخوه والأخوات

بحكم العلاقه المتوازنه والتي يتحلى بها كثيرون أمثالي بين كل التيارات, فلدي صداقات متينه مع كل الإعراق المكونه للنسيج السوري ,ولدي صداقات متينه مع كل الأطياف السياسيه الإسلاميه والقوميه والعلمانيه,فإني ادعو الى إلتقاط كل الإشارات الإيجابيه الصادره عن إي تكتل وطني ,فغايتنا جميعاً تحرير الوطن وبناء وطن عصري حديث,وإعلموا أيها الإخوه والأخوات انه لم يبق أمامكم سوى خطوة واحده ووحيده وهي مؤتمر اصدقاء سوريا في إستنبول,فإن لم تدخلوه موحدين وبمطالب واضحه تلبي مطالب الشعب وجيشه الحر,فإن الإعتماد على الجهد الدولي والعربي يكون قد وصل نهايته لعام ٢٠١٢ ولم يعد منه خير يُرتجى ,اما خطوة عنان فهي عباره عن جسر فقط لكي يعبر عليه العرب لمواراة عجزهم..وليعبر عليه الأمريكان والفرنسيين للحصول على الوقت الكافي لتدعيم موقف كل مرشح رئاسي من جمهوره ..وليعبر عليه بوتن لكي يثبت لشعبه انه القيصر القوي للشعب الروسي..وإني أحذر كل اطياف المعارضه من العبور على هذا الجسر بل اطلب المراوغه عليه سياسياً فقط .فلهذا الجسر بدايه ولكن ليس له نهايه..

 أعود فأقول برامجكم السياسيه صارت واضحه,,فليس هناك ماتخشون عليه من بعضكم ..فإبنوا الثقه بينكم وإدخلوا إستنبول في الواحد من نيسان بمطالب الشعب الواضحه...فإن لم تفعلوا , فتأكدوا انه بعد المولِد لا يوجد حمّص.

مع خالص تحياتي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

آنَ أوانُ الثورة يا دمشقُ .. الشيخ محمّد اليعقوبي - إمام وخطيب جامع الحسن بابي رمانة – دمشق

يا أهلَ دمشقَ ماذا تنتظرون أن يُفعَل بكم ؟

رأيتم ما حدث في حمص: نساء تغتصب وتذبح... وأطفال تعذّب وتقطّع...

هل صارت هذه القصص أخبارا لا تغير ولا تبدل شيئا؟!

ألا تغضبون...؟

ألم يحِنِ الوقت لكي يتفجّر هذا الغضبُ بركانًا يُغرق الظالم ويردّ المعتدي...؟

أترون في الحياة خيرًا بعد موت من مات...؟

والله لا خير في الحياة مع الذل والهوان، والضَّعة والامتهان.

أيهنأ لكم طعام أو شراب بعد ما حدث؟!

أتنامون على الأَسِرّة وتتقلبون على الوسائد بعد ما رأيتم وماسمعتم؟!

أليس الأولى بنا إن سكتنا أو عجزنا أن ندفن رؤوسنا في التراب حياءً من ربنا وخجلاً من أنفسنا !!!

إن سألك بعض ولدك بعد عشر سنين وهو يقرأ تاريخ الثورة: يا أبي ماذا كان دورك خلال الثورة؟ كيف كنت تخرج في المظاهرات؟

بماذا ستجيب؟ وماذا ستقول؟ هل بدأت تفكر بالجواب؟

سطّر الجواب الآن في سِفْرِ التاريخ قبل أن تُطوَى الصحف وتجفَّ الأقلام ...

فاليوم عملٌ يُرْفَع، وتاريخٌ يُصْنَع،

وغدًا حسابُ الأجيال، وتأنيبُ الضمير، وعذاب النفس...

ويوم القيامة نار جهنم للقاعدين عن النصرة، وعذابٌ مقيمٌ للمتخاذلين عن الجهاد.

اسمع قول الله تعالى: {يَا أيّها الذينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قيلَ لكُمُ انْفِرُوا في سَبيل اللهِ اثّاقَلتُمْ إلى الأرضِ أَرَضيتُمْ بالحَياةِ الدّنيا مِنَ الآخرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَياةِ الدّنيا في الآخرَةِ إلا قَليلٌ. إلا تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذابًا أَليمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَومًا غَيرَكُمْ وَلا تَضُرّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلى كُلّ شَيئٍ قَدير}.

لاتظنوا يا أهل الشام أن السلامة في الصمت والقعود، فذلك هو عين الخطر، لأن الموت إن تجاوزك اليوم فسيصل إليك غدا.

إن نصرة المظلوم وتفريج الكرب ينسيك مقاساة الأهوال والشدائد.

نعم لقد آن الأوان وحان الوقت لكي نثور معًا يا أهل دمشق

يا أهل دمشق شبابا وشيبا ! يا أهل دمشق رجالاً ونساءً !

يا أحرار دمشق آن الأوان لكي تُطوَى الأسِرّة، وتكفهرّ الوجوه، وتُشَمّرَ السّواعد

إن أردتم الأمن والأمان والسلامة لكم ولأولادكم والأحفاد فاستنكروا الظلم جهارا، ولو بتكثير السواد في المظاهرات من وراء وراء.

أيها الصامت والقاعد! اخرج في المظاهرات، وجاهد في سبيل الله، ولا تَعْبَأْ بالدنيا فالله أغلى وأعزّ.

أرسل أولادك في المظاهرات ولا تقل ولدي ما لي سواه فإن الله تعالى يقول: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنَ تَرضَونَها أَحَبَّ إلَيكم مِنَ اللهِ وَرَسولِهِ وَجِهَادٍ في سَبيلِهِ فَتَربّصُوا حَتّى يَأتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}.

لا تقل أخاف أن يُقطَع رزقي أو أُطْرَدَ من العمل إن خرجت، واسمع وعد الله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}.

لا تقل لا طاقة لنا اليوم بالنظام وجنوده، ولكن قل كما قال الذين يظنون أنهم ملاقو اللهِ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرينَ}.

لا تقل نفسي نفسي، فإن الله تعالى يقول: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} وأنت تعرف الحق في قرارة نفسك.

لا تقل أريد الدليل، فطلبُ الدليل بعد أن اتضح الأمرُ تَعَنُّتٌ، والله تعالى يقول: {هَلْ يَنْظُرونَ إِلّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}

لا تقل لو لم تبدأ هذه الثورة لما مات من مات من الأبرياء، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونوا كَالذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أََوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَاللهُ بمَا تَعْمَلونَ بَصِيرٌ}.

لا تقل إن خرجت فقد أموت، فإن الله تعالى يقول: {أَينَمَا تَكُونُوا يُدْركْكُم المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيّدَةٍ} ويقول سبحانه: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرَارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وَإذاً لا تُمَتّعُونَ إلا قَليلاً}.

لا تقل: اذهبْ أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن قل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.

لا تقل كنا في أمن وسلام فمن أين جاءتنا الحرب، فقد قال الله تعالى للمؤمنين: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعلَمُونَ}.

لا تقل إن العدو شديد البأس فإن الله تعالى يقول:{سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

لا تقل من أين يأتي النصر، فإن الله تعالى يقول: {وَمَا النّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللّهِ}.

ولا تقل كيف ننتصر ونحن ضعاف ذليلون، فإن الله تعالى خاطب المؤمنين حول النبي عليه الصلاة والسلام فقال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله ببَدر وَأَنتم أَذلة}.

ولكل مؤيد للنظام نقول ارجع إلى الحق واستنكر الظلم، ولا تقل أخاف أن ينكّل النظام بي، فإن قوم موسى الذين آمنوا معه قالوا لفرعون وقد توعدهم بأشد النَّكال: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا منَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى وَالذي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللّهُ خَيْرٌ وَأبْقَى}.

والختام قولُ الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مآلات الثورة السورية .. محمد الزباخ

2012-03-26

القدس العربي

كي نقارب بروح موضوعية مآلات الثورية السورية، لا بد أولا من بيان لواقع الصراع السياسي الراهن في سورية، ذلك أن الحكم على شيء فرع عن تصوره، ويمكن عموما بيانه من خلال العناصر التالية:

1- واقع النظام: على خلاف كل الثورات العربية التي جرت في تونس ومصر واليمن وليبيا، حافظ النظام الأسدي في سورية على مقدار كبير جدا من تماسك مؤسساته القيادية، وهناك أسباب عامة لذلك، وأخرى خاصة. فأما الأسباب العامة، فتتجلى في عاملين رئيسيين هما:

أ- سيادة فكر الطاعة للقائد/ الإمام: والعجيب الغريب أن جل العلمانيين و'الديانيين' يشتركون في ذلك، كل من رؤيته الفلسفية. إن حزب البعث يتمسك ببشار الأسد مثلما تتمسك كل الأحزاب التوليتارية ب'الزعيم الملهم'، والعلويون يتمسكون به لأنه في نظرهم إمام حلت في ذاته روح الله، والسنة الرسميون، صوفيون وغير صوفيون، يتمسكون به، أو بالأحرى يبررون تمسكهم به، من منطلق أنه ولي الأمر الشرعي الذي لا يحل الخروج عليه ما دام لم يكشف عن 'كفر بواح'. ويلتقي هؤلاء جميعا في المنابر الإعلامية الأسدية لتزييف وعي الجماهير، مؤيدين في ذلك بعدد من الإعلاميين المرتشين والفنانين الأنانيين والقومجيين المتعصبين.

ب- شدة بطش النظام: وهذا مما لا يختلف عليه عاقلان، فالنظام الأسدي قبيل قيام الثورة كان يحصي على الناس أنفاسهم، وكان يأخذهم بالظنة أخذا أليما، وأقل شيء يمكن أن يفعله لقمع خصومه أن يقطع عنهم أرزاقهم، وفي مقدمة ذلك فصلهم من الوظيفة العمومية والإيعاز إلى أوليائه البرجوازيين بطردهم من شركاتهم الأخطبوطية.

أما الأسباب الخاصة فترتبط بكل مؤسسة على حدة، وهكذا يعود تماسك المؤسسة العسكرية الأمنية بالدرجة الأولى لكون جل قياداتها من الطائفة العلوية، ويعود تماسك المؤسسة الاقتصادية السياسية لكون جل أعمدتها من الفاسدين الذين لم ينبن 'نجاحهم' على الوسائل المشروعة، بل على ارتباطهم العضوي بالنظام الأسدي.

2- واقع المعارضة: تضم المعارضة السورية تلوينات متعددة يمكن اختزالها في معارضة فعلية داخلية تتمثل في الثوار السلميين والثوار المسلحين (يؤطر جلهم الجيش الحر)، وفي معارضة قولية خارجية تتمثل أساسا في المجلس الوطني السوري (قوامه من الإخوان المسلمين والليبراليين) الذي يؤيد التدخل الخارجي، وهيئة التنسيق الوطنية التي ترفض التدخل الخارجي، ويبدو أن علاقة المعارضة الداخلية طيبة إلى حد ما مع المجلس الوطني السوري، وسيئة إلى حد كبير مع هيئة التنسيق الوطنية.

وعموما لم تنجح المعارضة السورية إلى الآن في استقطاب عملي للفئة العريضة الصامتة من الشعب السوري إليها، ولها نصيب من المسؤولية في ذلك، ولا تتمثل هذه المسؤولية في ضعف منسوب التمثيلية لديها، فهي في الجملة تنبذ الخطاب الطائفي وتدعو لمحاربة الفساد والاستبداد، ولا يتمثل في ضعف منسوب الفاعلية، فقد أبان الكثير من المعارضين عن تضحيات عظيمة لأجل قضيتهم العادلة، وإنما يتمثل في ضعف منسوب المصداقية عند بعض أفرادها، وقد تمكن النظام الأسدي في هذا الجانب من تصيد فضائح لهؤلاء وعمل على تضخيمها وتأويلها بخبث بالغ، ومن أبرز ما يضرب منسوب المصداقية لدى هؤلاء عند بعض السوريين، شر لا بد منه، وهو التعاون مع بعض الأنظمة الاستبدادية العربية ومع بعض الدول الإمبريالية الغربية للإطاحة بالنظام السوري.

3- واقع الشعب: الناظر في خريطة الثورة السورية يلمس أن جل السنة هم ضد النظام الأسدي، وأن جل العلويين معه، وأن بقية الأقليات الأخرى مترددة بين دعمه أو لزوم الحياد. وهذا الانقسام العمودي طبيعي ومنطقي، فالسنة هم الأكثرية التي لا تحكم، والعلويون هم الأقلية التي تحكم، وبقية الأقليات مبثوثة في المناطق السنية من جهة، وتخاف من التحول عن العلمانية إلى الحكم الإسلامي. ويلمس هذا الناظر أيضا فرقا واضحا بين سنة الأطراف وسنة المركز، فقد قام سنة الأطراف، ومنذ الأسابيع الأولى للثورة السورية، بحراك ثوري نشط ومستمر. أما سنة المركز الموجودون في مدن دمشق وحلب والرقة، فقد اختار جلهم تعاطفا صامتا مع الحراك الثوري. وقد حار الكثيرون في حل لغز هذا التعاطف الصامت، بل اندهشوا لما رأوا مظاهرات مليونية تخرج من هذه المدن مؤيدة للنظام الأسدي، والحق أن هذا اللغز محير حقا، فعلم نفس الجماعات، يفترض أن تتحرك في أبناء هذه المدن العصبية الدينية ضد الطائفة العلوية التي تسحق 'إخوانهم' في مدن الأطراف، ولكن هذا افتراض اختزالي وبدائي، والذي يحل هذا اللغز إلى حد ما هو خلخلة مفهوم السلطة وتمطيطه ليشمل كل ميادين الحياة على الطريقة الفوكوية. إن كثيرا من سنة المركز يمتازون بنمط حياة متحرر، ويحظون بمقدار أكبر من الرفاهية الاجتماعية، وهذا كاف لأن يجعل بعضهم يتحفظ على ثورة يرون أنها تنغص عليهم ما هم فيه من 'نعمة'، وتهدد بإحلال القيم 'الرجعية' محل القيم 'التقدمية'. وهناك فريق من سنة المركز على خلاف السابقين، يقدر رجال الدين ويقلدهم، وكثير من هؤلاء، وفي مقدمتهم الشيخ البوطي، يوالون النظام الأسدي بشكل مثير للدهشة. وهناك فريق ثالث، وهم الأغلبية، قد أصابهم الوهن وتجذر في نفوسهم، والوهن كما في حديث شريف، هو حب الدنيا وكراهية الموت، ومن حاله هكذا لن يحرك ساكنا إزاء قبضة أمنية وعسكرية رهيبة لا تبقي ولا تذر.

4- الواقع الخارجي: باستثناء المحايدين، نجد أن القوى الإقليمية والدولية منقسمة إلى فسطاطين كبيرين؛ فسطاط داعم للنظام، ويتمثل إقليميا في عموم الشيعة الإماميين والعلويين، ودوليا في روسيا والصين. وفسطاط داعم للمعارضة، ويتمثل إقليميا في عموم السنة السلفيين والحركيين، ودوليا في أمريكا والاتحاد الأوربي. وإذا كانت القوى الداعمة للنظام قد حسمت أمرها في الدفاع عنه إلى آخر مدى، فإن القوى الداعمة للمعارضة مترددة في خيارها هذا، ويعود ذلك لأسباب عديدة أبرزها الخوف من أن يكون البديل هو الإسلاميون، والانشطارات المتوالية للمعارضة، وأيضا الخوف من أن تلحقها بالضرر تبعات الوضع المعقد في سوريا. وعموما، استفاد النظام الأسدي كثيرا جدا من دعم أوليائه له، فيما لم تستفد المعارضة من داعميها إلا شيئا قليلا.

وانطلاقا مما سبق، فإنه يمكن إحصاء خمسة سيناريوهات رئيسية للثورة السورية يمكن توزيعها كما يلي:

1- حسم الصراع في أمد قصير:

أ- السيناريو الأول، انتصار الثورة: يمكن أن يقع بصورة يسيرة إذا انقض الشعب السوري بكافة طوائفه على النظام الأسدي، وهذا ما يبدو مستبعدا جدا. ويمكن أن يقع ذلك بصورة أقل يسرا، إذا انقض عليه سنة المركز انقضاضا عارما، وهنا تظل وحدة سوريا رهينة بالموقف التركي تجاه سكان الساحل العلويين، حيث سيعمد هؤلاء لتشكيل دولة علوية يمكن أن تتمدد داخل الأراضي التركية، وهذا ما يبدو أن النظام التركي يتحاشى من الآن وقوعه بأي ثمن كان.

ب- السيناريو الثاني، إخماد الثورة: هو خيار مستبعد الوقوع، لكن تجارب التاريخ تنبئ عن إمكان حدوثه. إن ذلك كان سيقع مبكرا لولا انشقاق طائفة من الجند عن الجيش النظامي وانضمام بعض الثوار إليهم، وليس أدل على ذلك مدينة حماة التي لم يعد يتظاهر فيها إلا نفر يسير من الناس بعد أن خرج فيها في شهور مضت مئات الآلاف من الثوار. وفي إمكان النظام الأسدي القضاء على الجنود المنشقين إذا نجح من جهة في وقف نزيف انشقاق المزيد منهم من جهة، ونجح من جهة أخرى في منع تسليحهم بأسلحة نوعية من الخارج.

ج- السيناريو الثاني، حل توافقي: على الطريقة اليمينة مع بعض التعديلات، وهذا ما تقدمت به فعلا الجامعة العربية إلى مجلس الأمن بمبادرة من مجلس التعاون الخليجي، دون أن يقبله النظام الأسدي ولا حلفاؤه الإقليميون والدوليون، ولا يبدو أنهم سيقبلونه في الأمد القريب، لأن قبول الديموقراطية بحق يعني موت هذا النظام سياسيا، ومن بعد ذلك محاكمته قضائيا.

2- استمرار الصراع لامد طويل:

أ- السيناريو الأول؛ حرب أهلية: أي أن يتمركز السنة في مناطقهم بعد تحريرها من النظام الأسدي، وأن تتمركز الأقليات العلوية والكردية والدرزية في مناطقها، ويقع بين السنة وهذه الأقليات (وخاصة مع الاقلية العلوية) صراع في مناطق التماس، بحيث يسعى السنة لإخضاع كل سوريا لسلطتهم، وتسعى الأقليات للاستقلال في أكبر مجال جغرافي ممكن. ويمكن لهذه الحرب الأهلية لأن تتحول إلى حرب إقليمية طائفية إذا ألقت إحدى الدول الإقليمية بكل ثقلها في الثورة السورية لصالح النظام أو لصالح المعارضة، وهذا ما يبدو أن كل هذه الدول تتحاشاه نظرا لتكلفته العالية جدا.

ب- السيناريو الثاني؛ حرب عصابات: أي أن يستمر الصراع على ما هو عليه حاليا لسنين طويلة، بحيث تظل سوريا كلها خاضعة للنظام وغير خاضعة له في نفس الآن، أي أن يتمكن النظام من إخضاع منطقة متمردة لفترة من الوقت في الوقت الذي يسيطر فيه الثوار على منطقة أخرى لفترة من الوقت، وأن يستطيع النظام قتل أو اعتقال من شاء من الناس في الوقت الذي تقدر فيه المعارضة على ضرب النظام وأعوانه بين الفينة والأخرى. إنها معركة كر وفر، معركة عض على الأصابع، قد تنتهي في بضع سنوات، وقد تطول لعشرات السنين. والذي تكشفه المعطيات الميدانية والاستراتيجية أن استمرار الصراع لأمد طويل مرفوض من كل القوى الإقليمية والدولية، وبالتالي لن يتعدى حصوله -لو حصل - بضع سنوات، وأرجح السيناريوهات أن سنة المركز سينضمون تدريجيا إلى الحراك الثوري، وأن الأقليات غير العلوية ستلزم الحياد إلى آخر المطاف، وأن الطائفة العلوية ستتمترس في منطقة الساحل، وحينها ستتدخل تركيا بصرامة تامة منعا لقيام دولة علوية فيها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين اسرائيل في الأزمة السورية؟ .. يوسف الحوراني

الرأي الاردنية

25-3-2012

في لقاء جمع شامير رئيس وزراء اسرائيل وبوش الأب بواشنطن في شهر تشرين الثاني عام 1990 توصل الطرفان خلاله الى تفاهم استراتيجي خلاصته، أنه اذا وقعت الحرب في العراق فان على اسرائيل أن لا تستبق هجوما عليه، وأكد الرئيس الأمريكي، حينذاك، بأن الولايات المتحدة تنوي تحطيم القدرات العراقية الهجومية، وبما أن صدام حسين يريد مشاركة اسرائيل في الحرب، فان ردعه عن الهجوم لا يمكن أن يكون من خلال التهديد بهجوم اسرائيلي، وعليه فان أي ضربة اسرائيلي استباقية ستكون لصالح صدام.

هل تلقت تل ابيب ذات النصيحة من واشنطن في الأزمة السورية؟ واشنطن دعت الحليف الاسرائيلي الى الابتعاد عن التدخل المباشر في الأزمة مستفيدة من درس العراق، لكن مثل هذه النصيحة تبدو غير مجدية في وقت تدرك، اسرائيل، أن الوقت ثمين وأن اصطياد الفرصة موات طالما لن يكون هناك تضحيات مادية وبشرية، فان ما تكتسبه دمشق من وزن اقليمي ذو أهمية في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي من جهة، والحاجة الهامة لليمين الصهيوني المتطرف لجهة تفضيل المناوشة على الجبهة السورية، ولو سياسيا، لانحراف الصراع عن حل المشكلة الأساس وجوهر الصراع، القضية الفلسطينية، في سياق ممارسة الضغط والعزل والاستفراد بسوريا وبالتالي حشرها في الزاوية وإضعافها.

المعرفة الاسرائيلية للدور الإقليمي المؤثر الذي تقوم به سوريا والذي يتعذر بدون حضوره حل الصراع، يجعلها ترى في الأزمة السورية فرصة لزعزعة كيان الدولة وانهيارها لتتمكن من فرض شروطها على الفريق القادم للحكم بسوريا في حال انهيار النظام، ومن هنا يمكن فهم التصريحات التطمينية التي أطلقها برهان غليون رئيس ما يسمى بالمجلس الوطني السوري بأنه سيباشر المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي فور استلام السلطة وهوما يعطي اشارة صريحة وواضحة بدعوة الإسرائيليين لممارسة المزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية، التي أبدت تراجعا وأقل حماسة في حل الأزمة السورية بالوسائل العسكرية، لإستعادة الزخم الأمريكي الذي كانت عليه واشنطن مع بدايات الأزمة.

هذه الاشارة تنطوي على أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل وهو ما دفع بالقيادات الصهيونية لإطلاق سلسلة من التصريحات تدعو فيها للاسراع في الحسم السياسي والعسكري والدعوة للتدخل الخارجي وتسليح المعارضة السورية وقدمت عرضا لمساعدة المجموعات المسلحة، ومثل هذه التطورات نافذة مهمة لإسرائيل لولوج مرحلة جديدة في الصراع تكون فيه سوريا قد انضمت الى العراق ومصر (المثلث الذي شكل على الدوام موضع قلق لاسرائيل) في الخروج من الحلبة يتيح لاسرائيل أن تصبح أكثر قدرة على وضع جدول أعمال المرحلة القادمة والتحكم في كيفية إدارة الصراع.

ولكن هل تتطابق حسابات تل ابيب مع حسابات دمشق؟ زيارة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة والأمين العام السابق لسوريا، بعد تطهير بابا عمرو من الجماعات المسلحة، تشير،كما يرى المراقبون، أنهاء تأتي في إطار قناعة تولدت لدى واشنطن بان لا حل للأزمة السورية الا بالحوار وعبر الوسائل والطرق السياسية لحسابات تتعلق بصراع القوى الكبرى، ولذا فان الكثير من التسويات تجري خارج ما تتناقله وسائل الاعلام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القمة العربية وأزمة سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

25-3-2012

بينما يستعد القادة للاجتماع في القمة العربية المقررة ببغداد خلال الأيام القليلة القادمة، تتواصل أحداث الأزمة العاصفة في سوريا، الأمر الذي سيطرح على القمة العربية تحدي الإجابة عن أسئلة الأزمة والأفق الذي سوف يرسمه القادة العرب لشكل تعاملهم ودولهم مع الأزمة السورية، ليس فقط باعتبار سوريا بلدا وشعبا شقيقا لبلادهم وشعوبهم فحسب، بل باعتبارها جارا هو على تماس جغرافي وسياسي وبشري، سوف تنعكس تطوراته السلبية والإيجابية على بلادهم وشعوبهم بصورة مباشرة وغير مباشرة، رغبوا في ذلك أم لم يرغبوا.

غير أن موقف القادة العرب عبر قمة بغداد المرتقبة لن يكون جديدا كل الجدة، وإنما سوف يستند إلى معطيات سبق أن تكرست في غضون العام الماضي من عمر الثورة وأحداثها، وهي معطيات سارت متعرجة في تصاعد بطيء، لكنها لم تستطع الوصول إلى مستوى التأثير الحاسم والمسؤول ومعالجة الوضع بما يؤدي إلى إخراج سوريا والمنطقة من تداعيات واحتمالات الأزمة، التي يمكن القول إن أهم ما في محتوياتها أمرين:

الأول أن أزمة سوريا ليست مشكلة أو قضية أمنية، وهو أمر حاولت السلطات السورية ولا تزال تأكيده، باعتبار ما يحدث عمل عصابات مسلحة وإرهابية، وأن ثمة مؤامرة على البلاد والنظام من قبل قوى خارجية، بدل التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة سياسية اقتصادية واجتماعية وثقافية، ينبغي أن تعالج على هذا الأساس، وأن يتم حلها على أساس سياسي لا من خلال حل أمني - عسكري دموي على نحو ما جرى ويجري.

والأمر الثاني هو أن الأزمة التي بدأت داخلية في البداية على اعتبارها صراعا بين النظام ومحتجين متظاهرين لهم مطالب، انتقلت لتصير أزمة إقليمية، عندما دخلت دول الإقليم في تفاعلاتها، واصطف بعضها في مواجهة البعض الآخر مستندا إلى موقفه من الأحداث وتطوراتها، ثم تكرر الأمر في المستوى الدولي بحيث صارت أزمة سوريا أزمة دولية، تتشارك التأثير عليها وعلى تطوراتها هيئات وتحالفات ودول كبرى وإقليمية في آن معا.

ويبدو أن الموقف العربي العام قد تأخر في إدراك هذين المحتويين للأزمة، مما جعل الموقف الرسمي العربي من الأحداث السورية ضعيفا في الفترة الأولى، وبرز شبه تجاهل لمجريات الوضع السوري في تلك الفترة على مستوى الجامعة العربية، كما في مستوى أغلب القادة والحكومات العربية، وقد يكون بين المبررات أن ثورات الربيع في البلدان الأخرى جسدت انشغالات للعرب أهم مما يجري في سوريا، أو بسبب اعتقاد بعضهم أن النظام في سوريا سوف يخرج من موجة الاحتجاج والتظاهر بسرعة كبيرة، ويستعيد زمام السيطرة بالقوة التي يملكها، وربما كان البعض أكثر حذرا في إعلان موقفه خوفا مما يترتب على إعلان مؤازرة الحراك الشعبي السوري في مواجهة النظام. غير أن هذه الدواعي أخذت تسقط مع استمرار ثورة السوريين وتصاعدها في مواجهة عنف الحل الأمني - العسكري، فأخذت تتغير وتتسع ملامح الموقف العربي في مستوى القادة والدول وصولا إلى مبادرة الجامعة العربية، وتاليا خطة العمل العربية، باعتبارهما الموقف العربي المشترك. وقد اضطر النظام إلى التعامل معهما ولو بصورة مواربة على أمل إلحاق الفشل بهما بصورة غير مباشرة مستغلا ما يبدو أنه انشقاق أو ضعف في الموقف الرسمي العام، يتقارب مع ما هو قائم في الموقف الدولي العام إزاء الوضع في سوريا وتطوراته.

غير أنه وفي ظل التطورات التي تطرحها الأزمة في سوريا مع استمرار وتصاعد الإجراءات الأمنية - العسكرية وتأثيرات نتائجها المرتقبة على الداخل والجوار، والتي من أبرزها احتمال توسيع العنف والقتال ليشمل مختلف المناطق السورية، فإن ذلك سيدفع إلى نزوح كبير إلى الجوار، وقد يسهم في دخول جماعات عرقية أو طائفية أو عشائرية إلى الدول المحيطة لنصرة امتداداتها السورية، وقد يتطور الأمر إلى حرب إقليمية، تصعب السيطرة عليها، وقد تؤدي التطورات إلى تدخل عسكري واسع، والأمر في كل الأحوال قد يدفع إلى تطورات من الصعب السيطرة عليها، وتعقيدات يصعب علاجها.

وحيث إن الوضع على هذا النحو من الخطورة، فقد تكون القمة العربية مناسبة تاريخية لقيام القادة العرب بدور فعال في معالجة الأزمة السورية، ليس فقط من خلال توافقهم على ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة وهذا أمر مهم، بل من خلال تأكيد وحدتهم وراء هذا الهدف وجديتهم العالية في التعامل مع الأزمة ودفعهم ليس النظام فحسب للاستجابة إلى حل، بل توظيف قوتهم ونفوذهم وعلاقاتهم في المستوى الدولي في نقل الملف السوري من دائرة الصراعات الدولية والإقليمية إلى دائرة تشارك الجميع في البحث عن حل للأزمة في سوريا.

وإذا كان من الصحيح أن علينا ألا نحمل القمة العربية أعباء مهمة كبيرة وخطيرة، بسبب هشاشة هذه المؤسسة وضعفها، فإنه يمكن القول إن بعضا من الدول العربية المشاركة، إذا قررت الذهاب الجدي نحو هكذا مهمة، فهذا سيساعد القمة على تحقيق نجاح على هذا الطريق، إضافة إلى أن تطورا كهذا سوف يقوي ويعزز هذه المؤسسة، التي جرت محاولات مكررة في السنوات العشر الماضية لتقويتها في إطار تقوية العمل العربي المشترك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من أطفال درعا إلى أطفال كرم الزيتون: هذا هو النظام! .. عمر قدور

المستقبل

25-3-2012

حدثت بعض التجاذبات بين الناشطين السوريين حول التاريخ الذي ينبغي أن يُعتمد لانطلاق الثورة السورية، فالبعض يرى أن التاريخ الفعلي هو 18 آذار يوم خرج أهالي مدينة درعا يهتفون: "الموت ولا المذلة". بينما يرى الكثيرون أن التاريخ هو 15 آذار عندما انطلق الشباب السوري في مظاهرة من قلب العاصمة دمشق؛ من الجامع الأموي بعدّه واحداً من أهم المعالم التاريخية للمدينة، وقد كان معلوماً حينها أن الشباب الذين حاولوا الاستفادة من الرمزية الدينية للجامع هم بمعظمهم من الشباب العلماني المثقف والمتحدر من أصول طائفية مختلفة. لذا فإن واحداً من معالم التجاذب يتجلى في الاختلاف حول الدور الميداني لهذه الشريحة الشابة في انطلاق الثورة، وإن لم يكن ثمة اختلاف حول نشاطها على صفحات الانترنت وأهميته.

ما لا يختلف حوله أبناء الثورة هو الأثر الكبير لأطفال مدينة درعا، ولأهالي المدينة تالياً، في إكساب الثورة طابعها الشعبي العام. فالسردية التي تم تداولها عن الأطفال، وينكرها رجال السلطة وأبواقها، ساهمت إلى حد كبير في استنفار همم السوريين نتيجة وصولهم إلى الحد الذي لم يعد ممكناً تقبله من ذل النظام. ما حدث حينها أن مجموعة من الأولاد خطوا على حيطان مدرستهم شعارات مناهضة للنظام، تأثراً ربما بما حدث في تونس ومصر، قام الأمن باعتقال الأطفال وتعذيبهم، واقتلاع أظافرهم كما تشير الرواية التي تقول إن الأهالي ذهبوا للمطالبة بأبنائهم فقيل لهم أن يأتوا بنسائهم لأن ضابط الأمن مستعد لمعاشرتهن وجعلهن يحبلن بأولاد بدلاً من الأولاد الذين قضوا تحت التعذيب! في الواقع ليس مهماً أن تنكر السلطة الروايةَ، لا لأن السلطة عمدت إلى إنكار ما ارتكبته طوال سنة من الثورة ولكن لأن ذلك بدا قابلاً للتصديق على نطاق واسع؛ وأن يصدّق الناس استعداد السلطة للقيام بهذه الفظاعة فذلك وحده معيار كافٍ لطبيعتها من وجهة نظرهم.

على العكس؛ أتى قمع السلطة اللاحق ليؤكد على أن اقتلاع أظافر الأطفال ليس مستبعداً إطلاقاً، فمقتل الطفل حمزة الخطيب، ابن درعا أيضاً، على النحو الذي رآه العالم كله، لم يكن خارج الرمزية السابقة إذ لم يتم الاكتفاء بقتله وتشويهه، بل عمد القتلة إلى بتر عضوه التناسلي أيضاً في دلالة تتطابق مع اقتلاع الأظافر. إن كسر إرادة الناس لم يتوقف عند استهداف الأطفال كوسيلة للضغط، بل تعداه إلى استهداف أعضاء الأطفال أيضاً كفعل يُراد به إخصاؤهم باقتلاع الأظافر أو الأعضاء التناسلية، ما يصل بالأمر إلى حد الاغتصاب الرمزي المعمم.

في مجزرة حي "كرم الزيتون" في حمص سجلت الكاميرا ما لم يتح لها توثيقه عن أطفال درعا؛ عشر فتيات تعرضن للاغتصاب قبل الذبح على أيدي الشبيحة، وما يزيد على عشرين طفلاً ذُبحوا في المكان نفسه على مرأى من النسوة، أو ربما ذبحت النسوة أولاً على مرأى من الأطفال الذين بالوا في ثيابهم لهول ما رأوه. بعد سنة مما حدث لأطفال درعا يؤكد الشبيحة على أن سياقاً ممنهجاً هو الذي يحكم تعاطي النظام، وأن ما تعرض له أطفال درعا لم يكن "خطأ فردياً" أو مبالغة لضابط في الأمن؛ إنه النظام!

كالمعتاد ألصق إعلام النظام تهمة مجزرة "كرم الزيتون"، التي يناهز عدد ضحاياها مجزرة كفر قاسم الشهيرة، بالعصابات المسلحة. لكن تبني المجزرة تفضحه تلك اللامبالاة الواضحة تجاه الضحايا، إذ لم يُبدِ الإعلام الرسمي أدنى تأثر تجاه منظر الأطفال المذبوحين، ولم يُعلن عن حداد عليهم أو عن تشكيل لجنة للتحقيق في مقتلهم. باختصار إن الإنكار هو كذب مفضوح، ويُراد به أن يكون كذباً مفضوحاً لأن الأصل الذي يُراد إيصاله هو تبني المجزرة والتلويح بتكرارها. المشاهد المروعة التي بُثت هي بلا شك وصمة عار للإنسانية، لكنها ليست وصمة للقتلة؛ هم لا يرونها كذلك؛ من يذبح الأطفال على مرأى من أمهاتهم، أو يغتصب الأمهات ويذبحهن على مرأى من أطفالهن، أناس غادروا بالتأكيد آلاف السنين من عمر الإنسانية.

خلال سنة من عمر الثورة لم يتوانَ النظام عن ممارسة كافة أنواع القتل والتنكيل قبل أن يصل إلى حيز الإبادة الجماعية، بل إن أنصار النظام يُنذرون علناً بأن المعادلة هي: إما أن يبقى النظام أو لن يبقى أحد في البلد. وإذا كان النظام قد "نجح" في اجتياز السنة الأولى للثورة بمعدل عشرة آلاف قتيل فإن المعدل مرشح للتصاعد باطراد كما حصل خلال الشهرين الأخيرين، خصوصاً أن القتل لم يعد يستهدف بالضرورة نشطاء الثورة، إن لم نذهب إلى القول بأن القتل بات عشوائياً على نحو متعمد، وبأن الحرب باتت حرباً على الجميع مع التركيز الواضح على المدنيين بوصفهم مجتمع الثورة الذي ينبغي تدميره كلياً.

أن يستهل النظام السنة الأولى للثورة بأطفال درعا ويستهل السنة الثانية بأطفال كرم الزيتون؛ هذه ليست مصادفة على الأرجح، بل هي نقلة نوعية ينتقل فيها ما يُمارس في الأقبية إلى العلن، وما كان يُمارس على نطاق محدود إلى الانفلات الكلي. ليست مصادفة أيضاً أن يبدأ استخدام الطائرات في قصف البلدات والمدن في الوقت الذي يبدأ فيه استخدام السكاكين على الأرض، فعلى الرغم من الفارق النوعي بين السلاحين إلا أن السكاكين تكمل ما تعجز عنه الطائرات من ترويع وإرهاب. القتل بقصف الطائرات قد يكون أكثر رحمة وهذا لا يكفي، لا لأنه يجنّب الضحية هول الذبح ولكن أيضاً لأنه يجنّب القاتل اختبار الوحشية التي ينبغي أن يتحلى بها على أكمل وجه.

إن إدانة النظام على مجزرة كمجزرة كرم الزيتون تنبع من ثقافة غريبة عن بنيته، لذا ليس مستغرباً أيضاً أن نرى المدافعين عنه على الشاشات من دون أن يرف لهم جفن أمام الأهوال المرتكبة. ولأننا في هذا المقام لا نبتغي "أبلسة" النظام على نحو اعتباطي تجدر الإشارة إلى أن احتياطي العنف الذي أظهره على كافة المستويات لا يمكن إلا أن يشكل بنية متكاملة، فاللامبالاة المطلقة تجاه القتل والتنكيل لا تصدر إلا عن بنية ثقافية راسخة. النظام بالأحرى لم ينزلق إلى الممارسات الدموية بسبب ممانعته للسقوط، ما حدث هو أن عنف النظام تحول من حيز العنف الكامن إلى العنف المباشر، لم تكن الثورة إلا سبباً في الكشف عما هو أصيل في النظام. المفاجأة، إن كان ثمة مفاجأة، في أننا نكتشف الآن بفظاعة ما كان علينا معرفته مسبقاً. ما تجاهلناه أو تناسيناه قبل الثورة لم يعد ممكناً تجاهله أو تناسيه الآن، النظام نفسه لم يعد يسمح بذلك!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون وحدهم في معركتهم ضد آلة "الممانعة" .. دلال البزري

المستقبل

25-3-2012

يشعر السوريون، عن حق، بأنهم وحدهم في ثورتهم على نظامهم. وهذه نقطة قوة عند هذا النظام، تجد منبعها في كلمة رئيسه، بشار الاسد، قالها في مثل هذه الايام من العام الماضي، وسط مناخ صاخب، ينتظر دوره في السقوط، اسوة بزملائه الديكتاتوريين الجمهوريين. قال الاسد وقتها ان نظامه "قوي"، لن يتزحزح، لأنه نظام "ممانع".

هذه القوة ظهرت بوضوح خلال العام المنقضي من عمر الثورة السورية: حلفاء اقوياء، اصحاب فيتو في مجلس الامن من روسيا والصين، آخرون اصحاب محور اقليمي، ايران، يمدونه بمقومات "الصمود" الديبلوماسي والمالي والعسكري. أذرع في علويي تركيا،وأخرى ممتدة الى لبنان والعراق وكردستان التركية، أذرع ابتزازية مسلحة، قادرة على تهديد الكيانات الثلاثة، على الأقل، في حال سقوط النظام السوري. اسرائيل التي تخشى هذا السقوط للاسد، ومعه اهتزاز الهدنة غير الضمنية في حدودها الشمالية، من جهة سوريا، استقرار هذه الهدنة بعد 2006 من جهة لبنان. ثم اللعبة الفلسطينية، التي تلفظ انفاسها الاخيرة، وتنعشها ايران، ولو مؤقتا، بضربات لل"جهاد الاسلامي" من غزة ضد اسرائيل، لعل "حماس" ترتبك فتتراجع عن انعتاقها من اللعبة. كل مقومات القوة هذه لم تبق على الدرجة نفسها طوال العام المنصرم. لقد اشتدت او تراخت تبعا للمجريات. وكلها عرفناها عن كثب.

ولكن هناك شيء آخر، مكمن آخر لقوة "الممانعة"، يمهَّد لها بمقارنتين: الاولى، ان الانظمة المسماة "معتدلة"، وهي الصفة النظيرة لل"ممانِعة" منها، الاقل قمعية، من النظام السوري، الأكثر ارتباطا بالاعداء التقليديين، كانت هي الايسر سقوطا، الأقل دموية، خصوصا المصري والتونسي. في حين حصل إجماع اعلامي وثقافي وفني على سقوطها، حصل انقسام حول الثورة ضد النظام السوري (كلنا تابع "الانشقاقات" الاعلامية والعسكرية المتوازية احيانا). وهذا الانقسام كان محوره "ممانع": مع "المؤامرة الامبريالية والصهيونية" أو ضدها.

المقارنة الثانية: حرب اسرائيل ضد لبنان عام 2006 وضد غزة عام 2009، من جهة، وحرب النظام السوري ضد شعبه من جهة اخرى. لا يمكن مقارنة أعداد القتلى والجرحى والمفقودين والمعذَّبين والمعتقلين والمغتصبين والمغتصبات، والمهجرين والمشردين واللاجئين ولا هول الدمار والخراب والعقوبات الجماعية من قطع الماء والكهرباء والطحين الخ... لا يمكن مقارنة ما تقترفه القوات النظامية السورية، بما ارتكبه الجيش الاسرائيلي في الحربين الآنفتين. الاول اسمه مذابح، والثاني جرائم. ومع ذلك لم يقم العالم، الاعلام، المجتمعات المدنية، الشبكات التضامنية الدولية، مجلس الامن الخ. خصوصا غزة، التي استفزت اغلظ المشاعر... فيما الشعب السوري الآن وحده، يواجه كل هذا وحده. من دون اصدقاء حقيقيين، ولا حلفاء ولا أذرع ولا متضامنين (انظر الى "التضامن اللبناني مع الشعب السوري"...).

الفارق بين الوضعين، الفلسطيني اللبناني من جهة، والسوري من جهة اخرى، هو ان النظام الممانع لم يسمح لمواطنيه بالقيام بالمهمة "الممانِعة" التي يدّعيها ويبني شرعيته على اساسها. حرم السوريون من بناء شبكاتهم ومنابرهم واحزابهم الخاصة بقضية بلادهم، اي إحتلال الجولان؛ فوجدوا انفسهم، عندما اطقلوا ثورتهم، صفر اليدين امام مهمات تحتاج الى سنوات من الحرية، ولو النسبية، في المبادرة والتنظيم والتأطير والتمرين.

لكن الموضوع أعمق من حرية الفرد النسبية بين الشعوب الثلاثة. انه الموضوع الثقافي، الحصن الاخير للممانعة، الأقل شفافية. وقد تدوم قلاعه زمنا قبل تصفية الحساب مع تراثه العريق. ثقافة "الممانعة"، مثلها مثل الثقافة الاصولية الماركسية والاسلامية، تقوم على الحق المطلق بالقتل. لا خجل من الحل الامني، هكذا بصراحة مدعومة بثابتة: من يقاتل اسرائيل واميركا، أو يدعي قتالهما، أو يدير هذا القتال بالمقاولة، هو جهة لها الحق بقتل اي مواطن متورط كذبا او صدقا بعدم مقاتلتها. لا يخجل الممانعون من القتل، أو مبدأ القتل، يفعلون ذلك باسم شيء هو دائما "القضية"، الاسمى من الانسان. طبعا اربعة عقود على لعبة القتل تؤبد الحق المطلق بالقتل. لكن المبدأ قائم اينما حللت في عالم الممانعين: هم يتكلمون عن مجازر الجيش السوري كما تكلموا عن 7 ايار 2008 في بيروت، من انها عملية تنظيف امني بسيطة لجيوب الارهاب، حفاظا على المقاومة وسلاحها. والبقية تصبح مفهومة: ان يُقتل سوري على يد نظامه الممانع ليس كأن يقتل فلسطيني او لبناني على يد اسرائيل. الاول "قتيل" والثاني "شهيد".

الأرجح ان هذا الشعور يتجاوز حدود العالم العربي: في الغرب ايضا، التجاوب الاعلامي والحزبي والشعبي مع محنة اللبنانيين والفلسطينيين على يد قوات الجيش الاسرائيلي، لا يقارن بالتجاوب مع ثورة الشعب السوري (بعضهم ينسب هذه اللامبالاة الغربية ازاء المحنة السورية الى الازمة الاقتصادية العالمية؛ ونحيلها الى الذنب الغربي تجاه الفلسطينيين وكل اعمال اسرائيل، يشبه نوعيا الذنب تجاه اليهود بعد المحرقة ولكنه اقل عراقة).

"الممانعة" السورية عمرها اربعة عقود، منذ هزيمة حزيران 1967. وقد امدّت الابداع الفني "الممانع"، الدائر حول أبدية لامبريالية والصهيونية بجيش من الروائيين والشعراء والموسيقيين والمخرجين السينمائيين لا نظير لتوسعهم. انه الجهاز الاكثر متانة من بين اجهزة الممانعة، خصوصا العسكرية منها. القوة الناعمة الخفية المتسربة الى اعماق الوعي والشعور والخيال.

نشاهد اليوم بزوغ اولى التعبيرات الفنية المحاربة للنظام الممانع. والملفت انه، لجدة هذه التعبيرات، سوف تجدها في مجالات ابداعية جديدة مثل الغرافيك والكاريكاتور والكارتون اليوتيوب، فضلا عن الاغنيات بالالحان الجديدة المختلفة. الاكثر لفتا للنظر ان كبار الشعراء والروائيين والملحنين وكتاب المسرحيات الذين بنوا مجدهم على المضامين والمعاني الممانعة في انتاجهم، هم الآن في حالة انعدام الوحي الابداعي، على الرغم من انتشارهم. ينكرون طبعا اثمهم، لكن المرحلة كشفتهم: النظام الذي امدهم بالقدرة الابداعية، تفوق على ابليس في الشيْطنة. هذه القدرة انتقلت الى ضفة جديدة تماما. تحتاج فقط الى الوقت لكي تراكم في الذاكرة ما راكمته الممانعة من مفاهيم والحان وتصورات وافكار وذيوع. الثورة المصرية كانت نظاما غير ممانع، ما سهل سقوطه، ما ابقى الثوار المصريين في حال من التماس مع ثقافة الممانعة. اما الثورة السورية فهي مرشحة لإحداث قطيعة مع هذه الثقافة. ابناؤها كانوا على صلة حميمة معها، وباتوا قادرين على كشف خيوطها العريضة والدقيقة التي دهست روحهم.

الآن، الآن فقط، تأخذ مجزرة حماة على يد الاسد الاب، شيئا من سياقها. هي حصلت في شباط من العام 1982، أي بعد عامين ونيف على تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية اثر توقيعها على اتفاقية كامب دافيد عام 1978، وقبل اربعة اشهر من الغزو الاسرائيلي للبنان. اي ان المجزرة مرِّرت، بعد حملة "ممانعة" ضد مصر، تقول بدوام الحرب مع اسرائيل، وبعد تكريس النظام السوري بطل الممانعة بقبضته الحديدية على المقاومة الفلسطينية في صدّ اسرائيل. كان هناك غياب للاعلام الجديد طبعا، ولكن كانت هناك ايضا استحالة التفكير، مجرد التفكير بماساة حماة في وسط هاتين الموقعتين؛ إستحالة ان تخاض اية معركة مع النظام الذي "يقف بوجه اسرائيل والمشروع الاميركي".

كانت ثقافة اختلط فيها الحابل بالنابل، والحق بالباطل، جاءت الثورة لتفصل بين هذه وتلك. والفصل أول الغيث...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأوضاع السورية: إلى أين من مجلس الأمن؟ .. د. رضوان السيد

تاريخ النشر: الأحد 25 مارس 2012

الاتحاد

اتفق الروس مع الأعضاء الآخرين الدائمين في مجلس الأمن أخيراً على بيانٍ رئاسيٍّ صدر يوم 21 مارس يدعو الطرفين (السلطة والمعارضة) إلى وقف العنف فوراً، وهدنة يومية إنسانية، ودعم الحلّ السياسي الذي يقترحه كوفي عنان، مبعوث الأُمم المتحدة والجامعة العربية. والبيان الرئاسي كما هو معروفٌ أقلّ بكثيرٍ من القرار، لكنه يعني من جهة أخرى بدء التوافُق الذي تعثّر لستة أشهُر بين الأعضاء الدائمين الثلاثة (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا) من جهة، والصين وروسيا من جهةٍ أُخرى. وأهمُّ ما حصلت عليه روسيا هو إدانة العنف من الطرفين (أي المعارضة أيضاً). وهذه الإدانة المزدوجة كانت الدول الغربية تُعارضُها لأنه لا مقارنة على الإطلاق بين عنف النظام الفظيع، ودفاع المعارضين المسلَّحين عن أنفُسهم بأسلحتهم الخفيفة. إنما في مقابل هذا التنازُل كان هناك الالتزام الروسي بدفْع النظام في سوريا إلى وقف العنف باعتباره مصدر السلاح الذي تستخدمه كتائب الأسد بإسراف. لكنّ روسيا لاتزال على تشكُّك بنوايا الغربيين والعرب الخليجيين من جهة، وعلى تشكُّك من نوايا وخطط المحور الإيراني السوري. لذلك لم تقبل بفرْض مُهَلٍ أو توقيتاتٍ في البيان، كما لم تر تحديد مدةٍ لتقدم عنان بمقترحات الحلّ. والمعروف أنّ فريق عنان وصل إلى سوريا يوم 19 من الشهر الجاري للتفاوُض مع المسؤولين على أمرين: الهدنة الإنسانية من جهة، واستكشاف إمكانات تخفيف العنف توصلاً إلى وقْفِه. فما هي نقاطُ قوة هذا البيان التوافُقي وماهي نقاطُ ضعفه؟ تتمثَّلُ نقاطُ القوة في هذا التوافُق بالذات، فهو بمعنى من المعاني إشراكٌ لروسيا بهندسة الحلّ مع عنان، وبذلك دخلت روسيا في عملية التغيير ولم تَعُدْ تقفُ في وجهها أو تُعارضُها. ونقطة القوة الثانية هي الإجماعُ على الرضا بما يقترحُهُ عنان. وقد ذكرت مصادرُ متقاربةٌ أنّ عنان يفكّر بحلٍّ من خمس نقاطٍ (بعد وقف العنف)، وهي: تشكيل حكومة توافقية، وإجراء انتخابات نيابية خلال أشهر قليلة، وكتابة دستور جديد للبلاد، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة بعد الانتهاء من كتابة الدستور. وهذا يعني -بالنسبة للرئيس- أنه باقٍ حتى الانتخابات الرئاسية، إنما المفروض أنه لا يمارس صلاحياتٍ تنفيذيّة، بل تتولّى الحكومة التوافقية سائر الصلاحيات. وإذا كانت هذه – فيما يُرجَّح– "معالمُ الحلّ السياسي"، فإنّ هذا يعني نصف إصلاح، ونصف نظام، أو أنه تغييرٌ للنظام بالتدريج. وهنا تبدأُ عوامل وبواعثُ الضعف في التسوية أو التوصية التي يقترحُها البيان الرئاسي لمجلس الأمن. إذ رغم الدخول الروسي في الحلّ، فليس هناك ضمانٌ بأن يقبل النظام وقْف العنف في مدةٍ معقولة. وذلك لثلاثة أسباب: إنّ الطرف الإيراني بسوريا لايزال هو الأقوى، وإنّ حصار النظام للمدن والبلدات ودخوله العنيف إليها أعطاه إحساساً بالانتصار، وأنّ محيطه لجهتي العراق ولبنان ثابتٌ ومتماسكٌ ويدعمه اقتصادياً وأمنياً، بينما لا تشكّل الجهتان التركية والأردنية تحدياً حقيقياً حتى الآن. وبيان مجلس الأمن سيزيد الجهتين إياهما تردداً. ونقطة الضعف الثالثة أو الرابعة: تعدد الجهات المعارِضة وعدم التنسيق بينها، حتى تلك التي تقول بإسقاط النظام. فالتزامُ الروس بالضغط على النظام لوقف العنف، وللذهاب للتفاوض (بموسكو؟) يُرتِّبُ على المعارضة السياسية والعسكرية التزامَين: التوحُّد في جبهةٍ سياسيةٍ وعسكرية، والذهاب للمفاوضات معاً. بمعنى أنّ النظام إن قبل الحلَّ السياسيَّ فإنه يستطيع القيام بالتزاماته، بينما لا تستطيع المعارضة ذلك. إذ إنّ المنشقّين عن الجيش لن يقبلوا التفاوُض لأنه سيكون على رؤوسهم. كما أنّ السياسيين والناشطين، هناك كثيرٌ منهم فقدوا الأَمَل في إمكان الحلّ بالتراضي مع النظام، وهم يخْشَون أن يفقدوا ثقة الداخل إذا قبلوا التفاوُض ثم فشل الحلّ أو طالت آمادُهُ! ثم أين هي الجهة أوالجهات التي "تمونُ" على المعارضة بكافة فئاتها وأجنحتها، فتطلب إليها التوقُّف عن العنف والاكتفاء بالتظاهُر؟!

إنّ الواقع الذي لا مَخْرَجَ منه أنّ الجهات والنواحي الثائرة منذ عامٍ صارت شديدة التعب والإرهاق. وقد فقدت أكثر من عشرة آلاف قتيل، ومنها مائة ألف معتقل، وثلاثمائة ألف مهجَّر بالداخل والخارج. والهدنة الإنسانية والسياسيةُ إن قبل بها النظام تحت ضغط المجتمع الدولي، تُعطي نَفَساً لسائر الناس فيستعيد الحراكُ الثوريُّ سلميته الكاملة التي كان عليها حتى الشهر السادس من العام الماضي. وإذا استعادت التظاهُراتُ زخَمَها فلن يكونَ ذلك من أجل التسريع بإسقاط النظام بالدرجة الأولى، بل من أجل الاستحثاث على المشاركة في الانتخابات، وإسقاط مرشَّحي النظام فيها. وبغض النظر عن الأهداف المعلَنة من وراء الانتخابات، فإنّ الذهاب بحرية إلى صناديق الاقتراع كفيلٌ بتحريك الأكثرية الصامتة، وهذا أمرٌ جيدٌ في بلدٍ ما شهد انتخاباتٍ حرَّةً منذ عام 1963!

إلى أين من مجلس الأَمْن إذن؟ مجلس الأمن بعد نهاية الحرب الباردة، بل ونهاية حقبة الأحادية القطبية، ليس كمجلس الأمن في الحرب الباردة، وفي حقبة الأُحادية القطبية. وهذا يعني أنّ السياسات التي يمارسُها الأعضاء الكبار بالمجلس لا تُنفَّذُ أو لا تُصبحُ ممكنةً أصلاً إلاّ إذا وافق عليها الجميع. وعندما يوافقُ الجميع فهذا يعني أنّ مصالح سائر الأطراف صارت مؤمَّنة. وقد تطلَّب ذلك بالنسبة لسوريا نحو الثمانية شهور. إنما الفرقُ قبل حركات التغيير العربية وبعد حصولها، أنّ الداخل العربيَّ بدا مؤثّراً إلى حدٍ كبيرٍ، فاق أحياناً الإرادات الدولية، لكنه لم يُلْغِها! والواقع أنّ الداخلَ السوري الثائر هو الذي أَخَّر الوصولَ إلى الحل، إقليمياً ودولياً. فقد عاندت روسيا في التدخُّل خوفاً أن يُصيبَها ما أصابها في ليبيا من استبعادٍ وإقصاء. ثم وجدتْ أنها لا تستطيعُ الاستمرار في الدعم المطلق لنظامٍ لا يأبه للسمعة الدولية، ولا لمنظر روسيا في العالم العربي. ففاوضت وصارت مستعدةً بعد الانتخابات الرئاسية هناك، للإصغاء والاستماع إلى لغة تبادُل المصالح. والأميركيون والأتراك اندفعوا أولاً كما اندفعوا مع الثورات العربية الأُخرى. لكنّ الأميركيين تردَّدوا بسبب الإصغاء لشكوك الكيان الصهيوني، والدخول في سنة الانتخابات الرئاسية عندهم. وهناك هذا الصراع على إيران بين الروس والصينيين من جهة، والعالم الغربي من جهةٍ ثانية. وإيران مندمجة في العراق وفي سوريا و"حزب الله". ولا يستطيع الأتراك مواجهتها بدون إضرارٍ بمصالحهم. وهكذا راوحَ الكثيرون، باستثناء مجلس التعاوُن الخليجي، والذي مضى مصمِّماً فقَّدم المبادرة العربية، وشهد تردد عدة دُوَلٍ عربيةٍ على رأسها مصر والجزائر(!). وفي شهور المراوحة هذه سار النظام السوريُّ قُدُماً في إنفاذ الحلّ الأمني. وقد خفّفتْ كثافةُ القتل والسجن والتهجير من التظاهُر، وأدَّت إلى حمل السلاح، وخَوض معارك غير متكافئة بالطبع. وفي الوقت نفسِه، ثبت الدعمُ للنظام السوري، وظهرت عدم فعالية المعارضة بالخارج، وانقسام الحركيين والأنصار بالداخل. وعلى وتيرة تصاعُد العنف صار واضحاً لكلّ ذي عينين بالخارج أنّ الحسم الداخليَّ غير مقدورٍ عليه. وقد أعطت هذه الواقعةُ قوةً للنظام، وقوةً للمعارضة في الوقت ذاته. فإذا لم يكن ممكناً إسقاطُ النظام بالتظاهر أو بالسلاح؛ فإنّ المعارضة صارت جزءاً أساسياً من المشهد السياسي لا يمكن تجاهُلُهُ بالداخل أو بالخارج. أو بالأحرى: ماعاد هناك نظامٌ ومعارضةٌ، بل فريقان متصارعان، أحدهما يملك قوةً عسكريةً أكبر، وحلفاء مستميتين في المحور الإيراني الذي ينتمي إليه منذ عقود!

إنّ تدخُّلَ مجلس الأمن بهذه الطريقة، يدلُّ على بدء حصول التوافُق على تغيير النظام بالسلم والتدريج حتى لا يتضرر فريقٌ أو فرقاء داخليون أو إقليميون أو دوليون، وحتى لا يظلَّ الاستقرارُ مزعزعاً في هذه المنطقة المضطربة. والنظام الذي أثبت قدرةً على الصمود هو اليومَ بين أحد أمرين: إما أن يستفيد من هذه الوقائع لتنظيم مسألة انصرافه بدون المزيد من الدماء، والتأثير السلبي على الذين يدعمونه بالداخل والخارج، أو توهُّم إمكان الاستمرار بالقوة، فيسقط في الخراب الذي صنعه ويصنعُهُ، وفي المستقبل المنقسم الذي يُبشِّر به. إلى أين من مجلس الأمن إذن؟ إلى المزيد من العنف والمزيد من التدخُّل الدولي، أو إلى حلٍّ سياسيٍّ ترعاه الأُمَمُ المتحدة، وهذا تدخُّلٌ دوليٌّ أيضاً!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لن يصلح أنان ما أفسده بشار .. مها بدر الدين

الرأي العام

25-3-2012

عندما تصبح سورية نقطة محورية تتقاطع عندها مصالح الدول العظمى، ويمر من خلالها الطريق نحو تنفيذ مشاريع استراتيجية ذات صبغة دينية طائفية لدول أخرى، يصعب آنذاك انتشال المواطن السوري من بؤرة الصراع الدائر بين مختلف القوى التي تعمل على الساحة السورية دون أن يكون لأي منها أدنى اهتمام بمستقبل هذا المواطن ومطالبه وحقه في تقرير مصيره.

فمنذ سنة خلت والثورة السورية تعاني من اختلاف السرعة بين حركة الشعب في الشارع، وحركة المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية بمساعدة الشعب السوري للحفاظ على كيانه الإنساني والسياسي والاقتصادي، ورغم كل المواثيق والأعراف والقوانين الدولية التي تنص على حق الشعب السوري بالتدخل الإنساني لإنقاذه كونه المكون الرئيس لدولة سورية العضو في منظمة الأمم المتحدة التي بيدها مفاتيح الحل والربط لو طاب لها ذلك، إلا أن هذه المنظمة الأممية فشلت في إلزام بشار الأسد ونظامه البعثي بإيقاف العنف الفاضح والإجرام الواضح بحق الشعب السوري الأعزل خصوصا أن ما يتعرض له هذا الشعب الأعزل من انتهاكات خطيرة وإبادة جماعية تدخل على الأقل وبشكل لا ريب فيه تحت مسمى الجرائم ضد الإنسانية.

وبرهنت منظمة الأمم المتحدة وهي التي أنشئت لتنظيم العلاقات بين الدول وحفظ حقوق الشعوب في الحياة الكريمة، بأنها مرآة كبيرة تعكس مواقف الدول العظمى التي تتخذ بناء على ما تقتضيه مصالحها وما يحقق سياساتها وما يتناسب مع أهدافها السياسية وإن كان هذا على حساب أرواح تزهق ودماء تسيل، فقد مر عام على ملف القضية السورية الذي لف على كل أروقة ومكاتب هذه المنظمات ابتداء من جامعة الدول العربية التي خذلت الشعب السوري تماماً كما خذلت غيره من الشعوب العربية الأخرى في مواقف متعددة مشابهة حيث قصر النظر السياسي والعجز عن تنفيذ القرارات الكثيرة التي تتخذ وفقدان الديناميكية السياسية التي يتطلبها التحرك السريع لاحتواء الأزمات ومعالجتها، وانتهاء بمجلس الأمن الذي أكد تحكم المنتصرين أصحاب الفيتو بمصائر الشعوب المغلوب على أمرها، والذي أمطر الشعب السوري خلال سنته الأولى من الثورة بوابل من بيانات الاستنكار والشجب والقلق والترقب... الخ.

كما برهن النظام السوري أنه من أكثر النظم السياسية مهارة في اللعب على أوتار المصالح المتبادلة والتوازنات الاستراتيجية واستخدام الأوراق القذرة، واستطاع أن يحتفظ بكرسيه حتى الآن رغم الرفض الشعبي المتصاعد لوجوده بسبب إمساكه لعدة خيوط من خيوط اللعبة السياسية منها ما هو معلن كعلاقته العقيدية بإيران وحزب الله والعراق وعلاقاته الاقتصادية والسياسية مع روسيا والصين، ومنها غير المعلن كالمصالح المشتركة مع إسرائيل التي تدفع بأميركا وغيرها من الدول الغربية إلى تميع مواقفها تجاه ما يحدث في سورية حسبما ما تقتضيه مصلحة إسرائيل في المنطقة، وما تعيين كوفي أنان كمبعوث خاص من الأمم المتحدة والجامعة العربية إلا تعبير صارخ عن تغاضي هذه الجهات الدولية مرة أخرى وليست أخيرة عن ممارسات النظام السوري غير الأخلاقية التي تنفذ في الشارع السوري وحاراته.

فلم ينس الشعب السوري بعد الفيلم التراجيدي الذي أنتجته الجامعة العربية والذي تناول مبادرتها المتواضعة التي لا تعبر عن رأي الشارع وتطلعاته، حتى أتحفتنا الأمم المتحدة ببدعة جديدة درج تسميتها إعلامياً بمهمة أنان لدى سورية، رغم الفشل الذريع لكل محاولات الضغط على النظام السوري للعدول عن أسلوبه القمعي الذي يستخدمه لإخماد شعلة الثورة السورية التي تستعر لهيباً كلما زاد شهيدا، ولم يستح المجتمع الدولي من الاستمرار في محاول إيجاد مخرج سياسي لبشار الأسد من مأزقه الذي لا يحسد عليه، برغم ضربه هذا الأخير لكل الضغوط الدولية من عزلة سياسية وعقوبات اقتصادية عرض الحائط لثقته بأوراقه التي تجنبه حتى الآن التدخل العسكري الخارجي الذي تدعو إليه معظم أطياف المعارضة السورية الخارجية والداخلية.

وبدل أن تدك طائرات الناتو معاقل الأسد وشبيحته، ترسل الامم المتحدة كوفي أنان يستجدي الأسد هدنة لمدة ساعتين لإيصال المعونات الإنسانية التي يطالب الشعب السوري باستبدالها بذخيرة وأسلحة للجيش الحر المدافع الوحيد عن الشعب السوري وأمله الأخير في التخلص من كابوس طال أمده وجفت العيون من كمده، ورغم حنكة الرجل وخبرته في عالم الديبلوماسية وفض النزاعات إلا أنه لم ولن يستطيع أن يفرض أو يقنع الأسد بقبول بنود مهمته التي جاءت مسخاً عن المبادرة العربية حيث اكتفت بالمطالبة بوقف العنف وإغاثة المنكوبين ولم تتطرق إلى تنحي الأسد ونقل صلاحياته وإسقاط نظامه وهو الهدف الذي قامت الثورة لأجله.

واليوم تنعقد جلسات مجلس الأمن الواحدة تلو الاخرى لإصدار المزيد من البيانات الرئاسية غير الملزمة للنظام السوري والتي تؤيد مهمة كوفي أنان في محاولة فاشلة مسبقاً للنأي بالنفس عن التدخل العسكري الذي أصبح ضرورة ملحة في ظل استمراء بشار الأسد التلاعب على الاوتار المشدودة في المنطقة، وإفساد ما يمكن إفساده على الأراضي السورية ما يستحيل على أنان إصلاحه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية: أسئلة المصير والمآل .. د. وائل مرزا

الأحد 25/03/2012

المدينة

من يتحكم بمصير الثورة السورية؟ ماهي أسباب وعوامل نصرها وقدرتها على تحقيق أهدافها؟ لانناقش في مثل هذا المقام الحقيقة الكامنة في هتافٍ شائعٍ في أوساط الثوار يقول (مالنا غيرك يا الله)، لأن ثمة إجماعاً نادراً تشكّلَ بين السوريين حول تلك الحقيقة على مستوى الاعتقاد والرؤية، وبغضّ النظر حتى عن خلفيتهم الدينية والثقافية.

إنما الحديث هنا في إطار مايمكن أن نسميه عالمَ الأسباب. هذا العالم الذي يتعلق ابتداءً بالفعل البشري الإرادي على هذه الأرض، وبأثر هذا الفعل في تحديد مصائر الأفراد والجماعات.تظهر حساسية هذا الأمر على المستوى العملي والنفسي حين يتمّ ربط مصير الثورة ونصرها ببعض العوامل بدرجةٍ مُبالغٍ فيها. فيُزرع الاعتقاد في القلوب والعقول بأن مصير الثورة مرتبطٌ حتماً بهذا العامل أو ذاك. وإذا مامضى الوقت ولم يظهر التأثير (الحاسم) المطلوب من تلك العوامل، يصبح من السهولة بمكان شيوع اليأس والشكوى وما إليها من المشاعر السلبية.

يتحدث البعض مثلاً عن أثر العامل الخارجي المتمثل في التدخل بأي شكلٍ من أشكاله. وقد ظنّ هؤلاء في وقتٍ من الأوقات أن هذا العامل سيكون سريعاً وحاسماً، وأن كل مايتطلبه الأمر هو تفعيل هذا العامل من خلال طلبه واستدعائه. لكن الواقع أظهر أمراً آخر.

لانريد الدخول هنا في ممارسة توجيه الاتهامات للمجتمع الدولي، الغربي تحديداً، على موقفه المخزي من الثورة السورية، فالجميع يعلم أن لهذا المجتمع حساباته ومصالحه التي يتحرك وفق أجندتها. وإذا كان ثمة دورٌ للاستجابة لنداءات المبادىء فإنها لاتتجاوز الاستجابة الإعلامية القائمة على التصريحات المضادة للنظام السوري أكثر من أي شيء آخر.

هناك رأي يقول أن المجتمع المذكور يَغفل عن خطورة التصعيد الحاصل في سورية، وكيف سيؤثر سلباً على مصالحه في نهاية المطاف. قد يكون هذا صحيحاً، وأحداث التاريخ القريبة والبعيدة تدعم هذه المقولة. فأن يكون الغرب مثلاً قادراً على امتلاك مؤسسات الأبحاث والدراسات، وأجهزة الاستقراء والرصد والتحليل، لاتعني بالضرورة أنه كان دائماً يخرج من أبحاثه ودراساته بالقرارات الصحيحة، حتى فيما يتعلق بمصالحه. والأزمات التي مرّت وتمرّ بها أمريكا وأوروبا في السنوات الأخيرة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تشهد على تلك الحقيقة بشكلٍ واضح.

من هنا، يبقى الحكم على مدى دقة القراءة الغربية للظاهرة وآثارها متروكاً الآن على الأقل للتاريخ.ويُصبح مطلوباً النظر إلى هذا العامل على أنه مجرد عنصرٍ من عناصر المعادلة. وأن هذا العنصر نفسه يمكن أن يتأثر بعناصر أخرى قد يكون في قدرة الشعب الثائر التحكّم بها أكثر من غيرها.

ثمة عاملٌ آخر يُطرح في معرض الحديث عن مصير الثورة، ويجب تحريره والحديث فيه بدرجةٍ من الشفافية والصراحة التي تتطلبها المرحلة. يتمثل هذا العامل في دور هياكل المعارضة السياسية السورية، وفي مقدمتها المجلس الوطني، في التأثير على مصير الثورة. ورغم أن هذا التأثير موجودٌ ولايمكن إغفاله، إلا أن من الخطورة بمكان أيضاً الربط بين الأمرين بشكلٍ حاسم لايقبل النقاش، فيُقال مثلاً أن مصير الثورة مرتبطٌ بمصير المجلس بشكلٍ نهائيٍ وقاطع، وأنّ عجْز المجلس عن أداء دوره لأي أسباب يعني فشل الثورة بشكلٍ كامل.

لابدّ أن يكون للمجلس دورٌ إيجابي في دعم الثورة. لكن من الخطورة بمكان أن نُحاصر أنفسنا وثورتنا نفسياً وعملياً في عمليات الربط المذكورة. فالثورة عمليةٌ حيويةٌ ومُعقّدة، وثمة أسباب وعوامل عديدة تتكامل سوياً لتؤثر بمجموعها في مصيرها، وتكون متضافرةً قاعدة انتصارها. أما اختزال الأمر في عاملٍ أو اثنين فإنه يحصل تحت ضغط الواقع. ورغم أن هذا الواقع في غاية الصعوبة، ويمكن أن يدفعنا للبحث عن حبةٍ سحرية واحدة تُخرجنا منه، إلا أن هذا ليس من طبائع الأمور في هذا العالم.

ثمة دورٌ للعامل الخارجي، وآخر للمجلس الوطني، وثالث للجيش الحرّ، ورابع للجاليات السورية في الخارج، وخامس لشرائح المجتمع التي مافتئت تنخرط في الثورة، وسادس لجميع أنواع الحراك السلمي الذي لايزال مستمراً حتى لو خفّ التركيز عليه بسبب الضجيج الراهن.

الأهم من هذا هو أن نتذكّر الجهة الوحيدة القادرة على أن تؤثر في عناصر المعادلة بشكلٍ حقيقي، وهنا يأتي دور الثوار على الأرض. هنا يأتي دور تلك الشرائح التي أشعلت الثورة وكانت ولاتزال تُشكّل القيادة الحقيقية لها في الميدان.

يتساءل البعض عن أسباب استمرار الثورة أكثر من عام رغم كل أشكال القمع الوحشي التي تواجهها، ورغم خذلان العالم الخارجي، ورغم تقصير من يجب أن يُقدّم أكثر مما يُقدّم الآن. ولاينتبه هؤلاء إلى أن هذا الاستمرار والصمود لم يكن ممكناً لولا ممارسات وأشكال لاحصر لها من العمل والتخطيط والتنظيم تُشكّل في النهائية وقود الثورة الحقيقي، والمصدر الأساسي لكل أنواع الدعم والإسناد والاحتضان الذي يقدمه الشعب السوري. ليُثبت بهذا أنه وحده، دون غيره في هذا العالم، هو الذي يعطي الإجابة الحقيقية حول أسئلة المصير والمآل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإخوان المسلمون ينجزون عهداً متطوراً .. عقاب يحيى

طالبهم الكثير بتفصيح موقفهم من المرحلة، وطبيعة الدولة المدنية الديمقراطية وهويتها التعددية . الكثير شكك بالنوايا والخلفيات، وهناك من يطالبهم بالكثير، بما فيه تقديم اعتذار عن سنوات السبعينات وما عرفته من أحداث دموية ..

حركة الإخوان خطت في العشرية المنصرمة خطوات مهمة على طريق مغادرة الالتباس في موقفها من الديمقراطية، والتعددية، والتداول السلمي على السلطة، والدولة الدينية، وقامت عام 2001 بالانتقال خطوة مهمة في "ميثاق الشرف الوطني" بتكريس التعددية والتداول السلمي، ورفض العنف للوصول إلى السلطة حين أقرت خطاً جديداً، واصل تقدمه عام 2004 في " المشروع السياسي" الذي طرحته الحركة والذي اقترب بمسافات مهمة من أطروحات وخطاب القوى الديمقراطية، خاصة لجهة التعددية والدولة المدنية الديمقراطية..

 التحقت الحركة،ولو بعد شيء من إرباك، بالثورة السورية، كبقية قوى المعارضة المثقلة بأحمال وكوارث العقود وفعل نظام الاستبداد في كل الميادين، وتمّ تجاوز ذلك القرار المتخذ ب"تجميد معارضة النظام" للانتقال منه إلى موقف واضح، متصاعد يواكب خطاب الثورة الممركز حول إسقاط نظام الطغمة هدفاً رئيساً، ومدخلاً لا سبيل عنه لولوج المرحلة الانتقالية، فمرحلة تأسيس الدولة الديمقراطية، والمشاركة الفاعلة في المجلس الوطني وما رافق تلك المشاركة من اتهامات عن " سيطرة إسلامية"، ضمن سياق متصل من التركيز على الأدوار" الخفية" للحركة هنا وهناك، مما دفعها لإصدار عدد من التوضيحات النافية، والمؤكدة على اعتبارها جزءاً من قوى المعارضة الملتزمة بالرؤية السياسية التي توافق عليها، وأقرها المجلس الوطني..

 اليوم تطرح الجماعة" عهداً وميثاقاً" كما أطلقوا عليه يتضمن رؤية سياسية متكاملة من عشرة نقاط ترسخ فيه إيمانها الواضح بالقواسم المشتركة لعموم قوى المعارضة والحراك الثوري، يبدأ بتكريس الالتزام بإقامة دولة مدنية حديثة تقوم على دستور مدني قائم على توافقية وطنية تضعه جمعية وطنية منتخبة، كما ينصّ على " دولة مدنية تعددية تداولية وفق أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني الحديث، ذات حكم جمهوري نيابي"، وهي " دولة مواطنة ومساواة، لجميع المكونات السورية الدينية والمذهبية والقومية" تقوم على مبدأ المواطنة التي هي مناط الحقوق والواجبات، يحقّ لأيّ مواطنٍ فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة. كما يتساوى فيها الرجالُ والنساء، في الكرامة الإنسانية، والأهلية، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة".

ونلاحظ هنا التطور الكبير في نقطتين هامتين : فتح المجال لكل مواطن بالوصول إلى أعلى المناصب، بما يعني في لغة السياسة أنه من الممكن والجائز أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مثلاً، أومن أي مذهب أو قومية من مكونات الشعب السوري، ومساواة الرجال والنساء،ومنحها حقوقها الكاملة....

ويواصل العهد إقراره بدولة الحق والعدالة وحقوق الإنسان، ورفض التعذيب،والاستئثار والاحتكار، دولة يكون فيها الشعب هو السيد ومصدر السلطات، ترفض الثأر والانتقام وتدعو للمحبة والتآلف بين جميع أبناء الشعب السوري..

 الحقيقة أن القراءة الموضوعية لهذه الوثيقة السياسية تقتضي الاعتراف بالتقدّم الكبير الذي حققته حركة الإخوان المسلمين في رؤيتها، وهي تقترب إلى درجة التماثل مع بقية الرؤى والبرامج التي تطرحها قوى المعارضة، بل إنها في وضوحها وشموليتها تتجاوز كثير تلك القوى التي تعاني ارتباكاً عند تفصيح الموقف من هوية الدولة المدنية، أو المساواة في المواطنة للجميع، ولكافة المناصب، أو ما يخص المرأة ومنحها حقوقها الكاملة ..

 ومن موقع المسؤولية تضع حركة الإخوان المسلمين لبنة مهمة في صرح تكامل الرؤى للثورة السورية ومستقبلها للمرحلتين الانتقالية ومرحلة تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية، او مفهومها للوحدة الوطنية، ورفض منطق الانتقام والثأر والتطويف، والدعوة إلى المساواة وفق قواعد دستور عصري يلخص آخر تطورات الفكر البشري وتجاربه في هذا المجال، كما يفتح المجال لتقديم الحلول الناجعة للاحتقانات الطائفية ومحاولات النظام،وبعض الجهات اللعب بها، وتخويف بعض (المكونات) من (آخر أكثري) .. الأمر الذي يضع الحركة في موقع الانتقال إلى التجسيد، كما يدعو جميع قوى المعارضة السورية إلى التلاقي حول الرؤى المشتركة التي هي اليوم عامة، ويلتف الجميع حولها ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لعبة الحل السياسي .. د. سماح هدايا

هل يتوقّع عاقل أن يأتي الحل السياسي، أي شكل كان، بنصر للشعب السوري وثورته؟ .. ثورة سوريا حققّت إنجازها الأوّلي العظيم، وهو تحرير الإرادة وكسر الخوف لتبرز الشجاعة سبيلاً للتضحية ومواجهة آلة الموت الجهنمية؛ فكيف نتوقّع من ثورة الحرية والكرامة وشعبها وثائريها بعض تنازل أو مساومة على الدم والحق؟ ؟. إنّ الحل السياسي وهم؛ فحتى في حال موافقة المعارضة والثورة على الحوار السياسي والمبادرة السياسية؛ فهل يتوقّع عاقل أنّ نظام الطغيان الأسدي الاستبدادي التعسّفي سيوافق حقّا على تنفيذ الحل السياسي وتبني خطة واقعيّة للتنحّي والديمقراطيّة؟.. لا أفق للحل السياسي في هذه المرحلة، لأن الشيء الوحيد المقبول أن تتنحى العائلة نهائياً عن السلطة وتترك البلاد لحكومة انتقالية، وهو غير قائم حالياً، وبالتالي فإن هذا الطرح السياسي السائد، وإنْ، دلّ؛ فإنما يدل على تضخّم العجز العالمي وفيض المراوغة والمكر في حسابات أصحاب القرار، على هامش القتل اليومي للشعب السّوري الأعزل.

 مازالت المواقف السّياسيّة العربيّة والعالمية ضبابيّة متقلّبة لا لون لها. الساسة متخبّطون ويريدون أن يجرّوا ثورة سوريا وشعبها إلى التخبّط معهم. المواقف العالمية حتى الآن تمنح النظام مزيداً من الوقت ومزيداً من التأجيل. ولعل انتظار المعارضة السورية الحل والخلاص من امريكا والغرب أصبح أمرا غير مقبول شعبيّاً في سوريا. ويدرك نظام سوريا الاستبدادي، موقف العالم منه، ويستغلّه؛ لكنّه يدرك أيضاً، هزيمته شعبيّا: سوريّاً وعربيّاً وعالميّاّ، ويعلم أنّه لن يفوز سياسيّاً في حال أي استحقاق انتخابي، فالدم السّوري الذي ذبحه وأباح سفكه، يحاصره بالقصاص، ليس على مستوى سوريا وفي طائفة معينة من سوريا، بل على مستوى الشعوب الشّريفة الكثيرة العربية وغير العربية، وعلى مستوى دولي وعالمي. ولذلك سيقاتل النظام معتمدا على حالة الفوضى السياسية العالمية، وعلى مقدراته العسكرية ،الثورة والثوار، بقوة ووحشيّة، وسيقاتل من أجل حماية وجوده، حفاظا محموما حتى آخر مجزرة. فالسلطة بنظره ستحميه من القصاص.

 أثبت نظام بشار أستذته في العنصرية والتمييز وحرب التطهير، وبالتالي فكيف يمكن له أن يتنازل للآخرين سياسيا ووطنيّاً؟ وكيف يمكن لعشرات الآلاف من الشعب السوري الذين فقدوا عوائلهم وبيوتهم وأمانهم الصفح وقبول تداول السلطة مع هؤلاء بعد كل ماارتكبوه من جرائم؟.. موقف النظام من الحل السياسي واضح. فعملية عنان فاشلة، منذ بدايتها، وقد بادرها النظام بمجزرة مروعة في حمص، ويقابلها كل يوم بمجازر اخرى. وهاهي المبادرة تراوغ سياسيا، وقد تآكلت فيها المبادرة العربية القديمة، نحو مبادرة روسية عالمية متخاذلة مراوغة لصالح النظام. ورغم كل التنازلات العالميّة للنظام؛ فإن الحل السياسي الحقيقي مرفوض من طرف النظام وأتباع النظام؛ لأنّه ينهي شرعية استبداده.

 العالم، مع تذبذب مواقفه وتخاذله، لا يستطيع أن يدعم طويلا بقاء الأسد، ولابدّ أن تتغيّر مواقفه ليواجه نظام الأسد الذي يوسع في دائرة الحرب على شعبه وغير شعبه. فالدول التي تريد التسليح ستعمل على التسليح وتنفذه من أجل خلع النظام؛ فالسعوديّة في مأزق حقيقي أمام المشروع الإيراني، وهي مضطرة أن تحدّ من نفوذ إيران عبر الضغوط المتصاعدة على النظام السّوري، وموقفها من إيران موقف مصيري. ولذلك؛ فالسعودية قد تضع ثقلها الأكبر كدولة ذات تأثير إقليمي في دعم إزاحة نظام بشار وفي قص جناح مشروع إيران السياسي في المنطقة.

 الشعب السوري وضع رأسه في مواجهة أصلب الجدران متانة؛ فلا يمكنه أن يتزحزح قيد أنملة عن موقعه إلى الوراء. لايمكن التراجع؛ فالخسائر فادحة والدّم طوفان. والشّعب عروقه ظمأى للحرية. قد تتوسّع المعركة، وقد تطول؛ لكن لن يتراجع الشعب، ولن يتراجع في المقابل النظام.، ولن يسمع أحد منه إلا صوت العنف وتصاعد المجازر. ولن يخرج كوفي عنان ولجنة المراقبة بحلول منطقية واقعية تقنع الثورة والشّعب. لكن، قد يتطوّر الموقف الدولي بفعل تصاعد الثورة وحراكها الجماهيري. إنّ العالم يضغط على الشعب السوري وثورته باسم التسليح والتدخل ويتجاهل الدعم الروسي والإيراني للنظام الذي يرتكب المجازر في الشعب السّوري. وقد تغيرت المبادرة في عنان من مبادرة عربية لمبادرة روسية.

 المعارضة السّوريّة، الآن، أمام ما يحصل من مجازر في الشعب السوري، وأمام مواقف دول العالم المتضاربة في التعامل مع النظام السوري الذي صار تركة مرهقة للجميع تواجه سؤالا إشكاليا خطيرا: ماهي الرّؤية التي ستتبناها المعارضة والمجلس الوطني بشكل متكامل موّحد؟ هل هي متابعة اللهاث وراء الحل السياسي؟ إن كان ذلك؛ فما هي الرؤية الواقعية لتنفيذ مثل الرّؤية؟ أو هل هي تبني التسليح الجدّي للجيش الحر كمؤسسة عسكريّة وطنيّة ثوريّة؟ إن كان ذلك؛ فعلى المعارضة أن تتوحّد على لغة واحدة وأن تتوجّه نحو فكرة التسليح المضبوط المنظّم في رؤية سياسية. وبما أنّ الحل السياسي لن يثمر؛ فإنّ عمليّة تسليح الجيش الحر أساسيّة وملحّة؛ فالجيش الحر لا يستطيع التصدي وحده لقوّة النظام المدعوم من إيران وروسيا والصين. الجنود الذين انشقّوا وينشقّون هم بضعة ألاف، وسلاحهم خفيف، يمكن أن يحمي التّظاهرات والمدنيين من هجوم الشّبيحة، ويحمي والنساء من الاختطاف والاغتصاب، ويحمي العوائل النازحة؛ لكنّه لايستطيع التصدي لقوات الجيش السوري ويمنع قصف المدن. الأرجح هي الحرب المفتوحة، والصراع يتجّه نحو عنف أكبر، لكن هذه المرة ليس الشعب هو المتلقي للعنف بل النظام أيضا. المعركة تتجه نحو عنف أكبر واوسع بين الشعب المذبوح والنظام الإجرامي. ولذلك لابدّ من تسليح الجيش وفق هدف وطني هو إسقاط النظام؛ مما يفرض طبيعة خاصة لتسليح الجيش الحر من أسلحة مضادة للدروع، ثم أسلحة مضادة للطيران، وغير ذلك. السعودية قد تراهن على الجانب العسكري. والسعودية تأخذ الصراع من منظار الخطر الإيراني. ولأنّ المستقبل جزر من القوى؛ فإنّ السعودية، ربّما هي مضطرة أن تقود القوة في المنطقة ضد النفوذ الإيراني. الموضوع حياة ووجود بالنسبة للسّعودية.

 وحدة المعارضة هي أكبر ردّ سياسي على العالم الذي يتهم المعارضة بالتقصير والتشرذم، ويستخدمها ذريعة لعزل الثورة السّوريّة. العالم يدعو لحل سياسي مع النظام، ولحوار بين النظام والمعارضة. اجتماع المعارضة مهم جدا، قبل مؤتمر أصدقاء سوريا في استانبول في أول شهر نيسان. ربما يسهم في إقناع تركيا بالعمل على إقامة مناطق عازلة داخل سوريا لحماية اللاجئين المدنيين. وربما تنجح المعارضة السياسية والعسكريّة في رصّ صفوفها والوقوف واحدة بقوى ضاغطة سياسية على قرارات دول العالم المتعلّقة بسوريا. وتصبح لاعبا أساسيا إيجابيا في دعم الثورة السورية ومخاطبة العالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلٌ يعمل على شاكلته../ د. محمد وليد حياني

المركز الإعلامي

يريد الكثيرون من أبناء الوطن في الداخل والخارج بل يتمنون أن يحصدوا ثمار الثورة السورية المباركة دون تعب وعناء ومشقة، ودون أن يقدموا لها ما قدمه ويقدمه أبناء الثورة المباركة، وكأن التاريخ يقدم تلك المنجزات والمكتسبات على مائدة مفتوحة للقاصي والداني.

كما يحسب الكثيرون ممن يتفاعلون مع الثورة من وراء شاشات الحاسوب وعبر برامجياته وآلياته، أو عبر الفضائيات أنهم سيقطفون الكثير من تلك الثمار، من خلال انفعالهم وتفاعلهم مع أحداث الثورة ومنجزاتها على الأرض بوضع إعجابات أو كتابة تعليقات, إن الأمور لاتساق بهذه الطريقة أو تلك..

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

نعم إنها سنة من سنن الله في الخلق، وهي التراغم والتدافع، والتدافع إما أن يكون داخل النسق الواحد أو الصف الواحد أو الجماعة الإنسانية الواحدة أو بين نسق وصف وجماعة فيما بينها صفاً صفاً ونسقاً نسقاً، كما قد يكون التدافع – بل لنقل التغيير – حميداً ومقاصده شريفة مجيدة، أو يكون عكس ذلك، والأخير لا يتمناه حر ثائر… فما يزرعه أبطال الثورة السورية المباركة اليوم من خير وعطاء ونماء وإصلاح وتجديد، إنما هو دفع وتدافع، دفع لعدو سمَى نفسه بطلاً وطنياً وقومياً وجداراً للصمود والتصدي لما يقارب الخمسين سنة، وأرغم الشعب كذباً وزوراً وبهتاناً على الاعتراف بوطنيته، فضلاً عما خلفه من أجهزة قمعية فاقت عدد أصابع اليدين والرجلين لإزالة كل ما يمت من القيم الدينية والأخلاقية بصلة، واستورد قوالب شيوعية اشتراكية جاهزة ليطبقها في بيئة غير بيئتها الطبيعية، رغم أنها أخفقت قبل ذلك في مهدها، بينما يتمسك هو ذاته بتلك النظريات وتطبيقها، وهذا ما دعاه إلى طلب تدخل القوات الروسية في سورية لتدافع عن آخر موطئ قدم لها خارج حدودها، وكأن التدخل الإيراني السافر وجيش المهدي وحزب اللات لم يفلحوا في إيلام الثورة والثوار، ولم يلحقوا بسورية ومدنها وبلداتها وثوارها الضرر والدمار والخراب.

إن التدافع والإصلاح والتغيير اليوم يمضي في طريقه عبر مؤسستين وطنيتين اثنتين، أولاها عسكرية تتمثل بالجيش الحر، الذي تبنى حماية الثورة والثوار وفق نسق مضبوط في تحركه وتوجهه بما يخدمهم ويحميهم ويدافع عنها وعنهم، والثانية تتمثل بالثورة السلمية وما يمثلها داخلياً وخارجياً على اختلاف مسمياتها ومشاربها وتوجهاتها، والتي تتفق على أهداف وقواسم مشتركة، أولها وأهمها إسقاط النظام الخائن والحزب الواحد، وبناء حكم مدني وتعددي ديمقراطي، من خلال تداول سلمي للسلطة تقيمه أو تقيله انتخابات برلمانية دستورية وفق قوانين ناظمة لذلك، وفوق هذا وذاك إفراز قيادات جديدة على مستوى الدولة والمعارضة، وكل ما سبق ذكره يبنى بعناية وحرص ودأب، تحت أجواء القصف والتنكيل والتدمير الذي يقوم به ذلك النظام الأسدي ومن يدعمه ويسانده داخلياً وخارجياً.

إن الثورة السورية المباركة لا تشبه أخواتها من ثورات الربيع العربي التي بدأت في ميدانها بإزالة رأس النظام أولاً، إما بهروبه أو محاكمته أو قتله أو تسليمه للسلطة إلى نائبه، لتنتقل تلك البلدان إلى مرحلة تفكيك النظام ومحاكمة المسيئين، وإعادة هيكلة وترتيب بيتها الداخلي وما اعترى الخطوة الأخيرة من تهديدات بتقسيم البلاد ومناوشات وصراعات داخلية واحتراب.

بينما في سورية الجديدة ولدت ثورتها بالمقلوب – وهذا قدر بلاد الشام، أن تكون متميزة على أقرانها – والولادة بالمقلوب إما أن تنتهي سريعا بموت الأم إذا لم يتم إسعافها بسرعة – وهذا ما لم يتم، ولن يتم بإذن الله – أو بتقطيع الجنين إلى أجزاء حفاظا على الأم والتضحية بالوليد – وهذا ما يسعى النظام لفعله لتقسيم البلاد لا سمح الله، وسبق أن قام الاحتلال الفرنسي بذلك ولم يفلح – أو بولادة قيصرية تستدعي عملية جراحية بمباضعها وآلاتها وآلامها حفاظاً على الأم ووليدها – وهذا دأب وديدن الثوار الأحرار الأبطال الذين يحرسون بلدهم وثورتهم بعيون لا تنام وجهود لا تتوقف كخلية نحل يأخذ فيها كل دوره في البناء، ويدافع عن ثراها الطاهر، وقد يستدعي الأمر في كثير من الأحيان إقصاء المتطفلين والفاسدين والتخلص منهم بصورة نهائية كما سيقصى ذلك النظام الفاسد.

إن نظام حزب البعث الواحد والحكم الأسدي الفاسد أمسكا بتلابيب ومفاصل الدولة داخلياً وخارجياً كأخطبوط، وما زال يقنع نفسه والعالم أنه في أفضل مراحله، لا بل يصر على تهميش الثورة والثوار وعدم الاعتراف بهما، بينما أبناء الثورة المباركة ينتزعون ملكه ويتخلصون من براثنه كما ينتزع الغصن الكثيف الشوك من جزة صوف، بكل ما يعتري ذلك النزع والانتزاع من ألم وتقطيع، والأمل بالله وحده يحدو الثورة والثوار نحو النصر بإذن الله.

إن من يدعون أنفسهم رواد الثورة زورا وبهتانا وإدعاء وفزلكة، ولم تلدهم تلك الثورة ولادة طبيعية من بين صفوفها ولم تتبناهم، ليسوا على شيء، وهم عالة عليها - قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين- ولن يسرقوا هذه الثورة المباركة - التي أرخصت لها الأنفس والدماء - كما سرقت ثورات التحرر العربية من نير الاستعمار الغربي, إنما سيبقى ما ينفع الناس كل الناس على امتداد الوطن الحبيب مهما تعددت مذاهبهم ومشاربهم وأعراقهم لأنهم القادة الحقيقيون لهذه الثورة، وهم الأولى بمكتسباتها وما ستصل إليه من ذروة مجد وفخار، ولا مكان للمتسلقين والمتطفلين والقراصنة واللصوص وكل أولئك لن يطالوا شيئاً من الثورة المباركة إلا كمن يحاول أن يطال النجوم بيديه أو أن يحرث البحر أو أن يشتهي الحصاد بلا حرث، وهم غثاء وزبد وخبث. وكل إناء بالذي فيه ينضح، وكل يعمل على شاكلته، إنها ثورة حتى النصر فاستبقوا الخيرات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قادمون يا دمشق"... علي حماده

2012-03-24

النهار

كان لتسمية هذه الجمعة الثورية في سوريا ب"جمعة قادمون يا دمشق" ابلغ الدلالات مع وصول الثورة و"الجيش الحر" الى قلب دمشق نفسها، وسيطرته المتقطعة على معظم المناطق المتاخمة للعاصمة من ضواح ومدن في ريف دمشق. فالعاصمة صارت في قلب المعركة، والنظام ورئيسه يشهدان يوميا على تضاؤل هوامش المناورة والتحرك العسكري. فما سمّي ب"الحسم العسكري" لم ينجح بدءا من حمص نفسها بعدما استوعب الثوار ومعهم الجيش الحر نتائج سقوط حي بابا عمرو بنقلهم المعركة الى كل مدينة حمص التي تحتاج لكي يحتلها جيش بشار الاسد الى خمسين الف جندي يرابطون فيها على مدار السنة، وهذا بالطبع مستحيل. اضف الى ذلك ان جميع المناطق التي حاول فيها بشار الحسم عسكريا ما سقطت وما خرج منها "الجيش الحر". بل بالعكس، مدينة ادلب واقعة تحت سيطرة الاسد نهارا وليلا، يسيطر عليها "الجيش الحر". ومثل ادلب الكثير من المناطق، من درعا الى دير الزور وصولا الى جبل الزاوية.

من هنا يتضح ان شعار "قادمون يا دمشق"، وهو يذكر البعض منا بشعار ثوار ليبيا "جايينك يا معمر" واقعي اكثر من مزاعم نظام وحلفائه في لبنان امثال الجنرال ميشال عون ان الحسم ممكن وان النظام انتصر. فالانتصار مستحيل في ظل انعدام البيئة الحاضنة للنظام في كل مكان تقريبا. وحدها المناطق ذات الغالبية العلوية تؤمن بيئة حاضنة لبشار وبطانته. اما في بقية سوريا فالموازين مختلفة تماما، الامر الذي يحول دون سيطرته على سوريا مهما تفوق من الناحية العسكرية الصرفة. فجيش النظام صار في عيون غالبية ساحقة من السوريين جيش احتلال يفوق الاسرائيلي وحشية واجراما، مما يجعله هدفا لعداء حاسم من الشعب.

لا يمكن أي جيش في العالم، مهما بلغ شأوه، ان يمسك بالارض طويلا ما دامت البيئة الشعبية معادية، لا بل انها حاضنة لجيش ثوري جل ما يحتاج اليه اليوم هو التنظيم والتمويل والتسليح النوعي لكي يواجه بفاعلية قتلة الاطفال.

لقد حان الوقت لكي يضطلع المجتمع الدولي بواجباته حيال السوريين. فهم لا ينشدون التدخل الخارجي بعدما تبين لهم ان العالم يتفرج على مأساتهم من دون ان يحزم أمره لوقف أكبر مجزرة في المشرق العربي. هذا ما يحتم على النظام العربي الداعم لثورة السوريين ان يعجلوا في خطوات دعم "الجيش الحر" لأن الاخير هو الوسيلة الوحيدة متضافرا مع الحراك الشعبي لاسقاط.

لقد انتهى النظام، وانتهى بشار كرئيس، وانتهت كذبة الممانعة والمقاومة، وسقطت الروايات المضحكة المبكية التي يرويها داعمو النظام امثال السيد حسن نصرالله الذي بدل ان يدعو طرفي صراع في سوريا الى رمي السلاح، عليه ان يعيد الى لبنان عناصره التي تقتل اطفال سوريا جنبا الى جنب مع جيش بشار وشبيحته. وسيأتي يوم يحاسب فيه "حزب الله" قبل غيره من التنظيمات على قتل اطفال سوريا. فحذارِ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عام على ثورة الحرية والكرامة .. علي العبدالله *

السبت, 24 مارس 2012

الحياة

مرّ عام على ثورة الحرية والكرامة في سورية، فما المحصلة الميدانية التي نجمت عن مواجهاتها؟ في الرد على هذا التساؤل يمكن إيراد الملاحظات الآتية: الأولى، اتساع نطاق التظاهرات لتشمل معظم المحافظات بما فيها قرى نائية لم تكن حاضرة في وعي السوريين من قبل، وتزايد مشاركة المواطنين باضطراد، ونشوء حالة تضامنية بين المحافظات عبر ترديد الهتافات والأهازيج التي تعلن التضامن مع المدن والبلدات والقرى التي تتعرض للقصف والحصار والتنكيل. وكذلك تنظيم عمليات المواجهة بحيث تشتمل على إغاثة المدن والأحياء والبلدات المتضررة وتوفير مستشفيات ميدانية لإسعاف الجرحى في جهد هدفه تلافي وقوع الجرحى بأيدي الأمن والشبيحة الذين قاموا بقتل وتعذيب الجرحى في المستشفيات.

الملاحظة الثانية، رفض النظام فكرة الإصلاح، وتبنيه، من اليوم الأول للثورة، للخيار الأمني الذي تحول مع صمود الثورة واتساع نطاقها إلى خيار عسكري/ حربي، واستثماره للتحركات السياسية والديبلوماسية، وبخاصة الفيتو الروسي - الصيني، واستغلالها في تصعيد عمليات القتل والتنكيل بالمواطنين والمدن والبلدات والقرى. لقد اعتبر هذه التحركات مهلاً للقتل عله يغير الوقائع على الأرض وينجح في سحق الثورة فتوسع في عمليات القتل والتنكيل والاغتصاب بالتزامن مع كل تحرك سياسي وديبلوماسي. وقد كان لافتاً تزايد عمليات القتل الجماعي وبطرق بشعة، ذبح بالسكاكين لنساء وأطفال وشيوخ ورجال، في محاولة لاستدراج المواطنين إلى ردود فعل عصبية وارتكاب جرائم مماثلة كمدخل لإشعال صراع طائفي، غير أنه لم ينجح نتيجة حصافة المواطنين ووعيهم السياسي.

الملاحظة الثالثة، عمل النظام على تقطيع أوصال البلاد والمدن الكبيرة ليمنع حصول تظاهرات مليونية تبرز ضعف شعبيته وتآكل شرعيته وقد نجح إلى حد كبير في تحقيق هدفه عبر استخدام القوة المفرطة وكل أصناف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة.

الملاحظة الرابعة، النزوح الواسع من المدن والبلدات التي تتعرض للقصف والتنكيل حيث نزح من حمص وحماة وإدلب وأريافها وبعض بلدات ريف دمشق آلاف المواطنين وتحولوا إلى مشردين في دول الجوار (تركيا، الأردن، لبنان) وفي مدن دمشق وحلب في شكل خاص، يبحثون عمن يساعدهم على تأمين سكن ومأكل.

الملاحظة الخامسة، توسع النظام في استخدام الأسلحة الثقيلة: دبابات، هاونات، راجمات صواريخ، مدافع، ميدان طائرات هيلوكبتر والطائرات من دون طيار التي زودته بها إيران وروسيا للرصد وتحديد الأهداف استخدمت في حمص وحماة وإدلب ودير الزور وريف دمشق (الزبداني ومضايا ورنكوس وسقبا وحمورية ويبرود) ودرعا وريفها وريف حلب (إعزاز، الاتارب).

الملاحظة السادسة، بروز ظاهرة الانشقاق عن الجيش النظامي وبدء تشكل كتائب عسكرية تحت اسم الجيش السوري الحر والذي كسب تأييد الثوار وتحول إلى مركز جذب للمتطوعين من المدنيين وازدياد المراهنة عليه وعلى دوره في الدفاع عن المواطنين العزل ولجم وحشية النظام.

الملاحظة السابعة، ميل المواطنين للدفاع عن النفس وبروز ظاهرة التسلح في شكل واسع نتيجة يأس المواطنين من حل سياسي والخطر الداهم والمتصاعد على حياتهم وأسرهم.

الملاحظة الثامنة، حصول قطيعة نفسية عميقة بين الشعب والنظام بحيث غدا التفاهم بين الجانبين مستحيلاً، وهذا قطع الطريق على فكرة الحوار بين المعارضة والنظام.

الملاحظة التاسعة، حالة إحباط في الشارع سببها تراخي المجتمع الدولي والنتائج الهزيلة التي صدرت عن مؤتمر أصدقاء الشعب السوري.

الملاحظة العاشرة، انزياح مواقف السوريين بعامة والدمشقيين بخاصة وميلهم إلى جانب الثورة والذي بدأ من خلال الاهتمام بالأحداث وهيمنتها على حديثهم اليومي مع ميل لتصديق رواية المعارضة، وتطور ليأخذ شكل دعم إغاثي ومالي لينتقل إلى المشاركة في التظاهرات المناوئة للنظام ومقاطعة المسيرات الموالية له.

الملاحظة الأخيرة تراجع شعبية النظام كما يظهر من تراجع أعداد المشاركين في المسيرات الموالية حيث تناقص العدد كثيراً ولم تعد السلطة تستطيع حشد الآلاف كما كانت تفعل في بداية الثورة (في المسيرة الأخيرة، الخميس 15/3، وحرصاً من النظام على تعظيم الحشد، جرى قسر الموظفين على المشاركة وإجراء تفقد اسمي في مقرّ العمل وفي ساحة الأمويين مركز التجمع).

لم تستطع الثورة تحقيق هدفها الرئيس: إسقاط النظام، نتيجة عوامل كثيرة لعل أبرزها البنية الأمنية التي عمل النظام على إقامتها منذ انقلاب 1963 وتعمّقت بعد انقلاب 1970 بتدعيمها بعصبية طائفية. لكن في المقابل عجز النظام عن هزيمة الثورة وإعادة المواطنين إلى بيت الطاعة وما زالت الاحتمالات مفتوحة.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا ترفض تركيا التدخل العسكري في سوريا؟ .. هدى الحسيني

الشرق الاوسط

22-3-2012

مع مرور سنة على الثورة داخل سوريا، تستمر روسيا والصين وإيران في محاولاتها شراء الوقت للرئيس السوري بشار الأسد. في الواقع، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، فإن الضغط على الأسد يتصاعد باستمرار، وتزداد التحديات التي تواجه بقاء نظامه.

مدعوما بحلقة صغيرة من الحلفاء، يواصل النظام السوري سياسته العدوانية تجاه الثوار والمتظاهرين، مما يسفر عن مقتل العشرات يوميا، مع خلق أزمة إنسانية خطيرة.

تقديرات الأسد أنه لا يزال لديه متسع من الوقت لقمع التمرد، فأغلب كبار المسؤولين حوله ما زالوا أوفياء له، لكن شعورهم بالإحباط ينمو يوما بعد يوم. صار معروفا سبب فشل المجتمع الدولي في تبني قرار في مجلس الأمن يدين سوريا، إذ يرجع ذلك إلى روسيا ودعم الصين المستمر لنظام الأسد. في موازاة ذلك، فإن الإدانة العلنية لنظامه من مختلف الأطراف، كفرنسا وتركيا، وتسميتهم ما جرى في حمص «جريمة ضد الإنسانية»، والدعوات لمحاكمة الرئيس السوري في لاهاي، لم تكن لها آثار ملموسة تذكر.

تركيا، التي نصحت رعاياها الأسبوع الماضي بمغادرة سوريا، تخشى على وجه الخصوص من تدفق اللاجئين إلى أراضيها. لا تزال أنقرة تأمل في تجنب الوصول إلى وضع داخل سوريا يستدعي التدخل العسكري الأجنبي، انطلاقا من خوفها من ألا تكون هناك استراتيجية خروج واضحة، وبالتالي تستمر الفوضى في سوريا لفترة طويلة. وهذا في رأيها من شأنه أن يزيد من احتمال تعريض الحدود بين تركيا وسوريا إلى الأخطار، ويؤزم الوضع الأمني العام. والموقف التركي على وجه الخصوص يتخوف من استغلال حزب العمال الكردستاني للوضع، وقد بدأ بالفعل هذا الشيء، كما أن أنقرة تتخوف من احتمال أن تتدهور علاقاتها مع طهران وموسكو.

من جهة أخرى، عندما طُلب مؤخرا من فريق من الضباط الأميركيين إعداد خطط للطوارئ تكون جاهزة للتنفيذ في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر، مع التأكيد عليهم بأن الخطط ستبقى للطوارئ وليست خطوة نحو التصعيد في سوريا، جاء تصور القوات الجوية الأميركية أن يكون مقر العملية العسكرية ضد نظام الأسد في قبرص، لكن الفريق لم يكن متأكدا ما إذا كانت تركيا سوف تلعب دورا كبيرا في العملية أم لا.

في الداخل السوري، تعمل المعارضة جاهدة لكسب التأييد والدعم من الأطراف الإقليمية والدولية، لكنها حتى الآن لم تنجح في وضع جدول أعمال موحد على الرغم من نصائح الدول لها، ولهذا لم يبرز حتى الآن بديل واضح لنظام الأسد. فالمجلس الوطني السوري يعاني من انقسامات داخله، وانشق عنه مؤخرا الأعضاء الأكثر ليبرالية، على الرغم من الجهود التي يبذلها المجلس لإنشاء جهاز تنسيق ودعم ل«الجيش السوري الحر».

في هذا الوقت، يستمر الجيش النظامي السوري وقوات الأمن التابعة للأسد في تنفيذ الأوامر بشكل رئيسي، لكن ثمة مؤشرات متزايدة على أن الروح المعنوية بدأت تنهار، إذ إن هناك أعدادا كبيرة من المنشقين لكنهم لم يصلوا بعد إلى تشكيل «الكتلة الحرجة». وقد عزز مئات من «الحرس الثوري» ومقاتلي حزب الله وضع القوات السورية، فهؤلاء وصلوا من إيران ولبنان للتعويض عن «العجز في الولاء» بين العسكريين السنة، الذين يعرف النظام أنه لا يمكنه الاعتماد عليهم كليا عندما يتعلق الأمر بمحاربة الثوار. وكان لوحظ أن نحو 3 آلاف جندي، من بينهم ضباط كبار، انضموا إلى الثوار في الأشهر الأخيرة.

بالنسبة للضغوط الاقتصادية، فإن الصراعات الداخلية الجارية والعقوبات الدولية أدت إلى أشهر من الركود، وازدياد التضخم، وارتفاع معدل البطالة، وتدهور قيمة الليرة السورية (فقدت أكثر من 50 في المائة من قيمتها)، واستنزاف احتياطي العملات الأجنبية مع تضاؤل الأمل في الوقت الحاضر في أي استثمار داخلي. ولهذا طلب السوريون من إيران تزويدهم بالنصائح والحيل لتجاوز عقوبات مالية جديدة من أجل تسهيل التحويلات المالية الدولية عبر مصارف في روسيا والصين وأيضا في بيلاروسيا.

وقد لوحظ أن العلاقات بين مينسك ودمشق تطورت في الأشهر الأخيرة، خصوصا بعد موافقتها على بناء مصنع لمعدات خاصة بتطوير قدرات صواريخ أرض - أرض. جاء هذا إثر مفاوضات جرت بين شركة الأسلحة «بيلفنيشبرومسيرفيس» في روسيا البيضاء، والشركة السورية الرئيسية التي تستخدمها الدولة لشراء الأسلحة ذات الاستخدام المزدوج (منظمة الصناعات التكنولوجية). عناصر من النظام الإيراني شجعت على التعاون السوري مع بيلاروسيا، معتمدة على تجاربها الإيجابية في هذا المجال. وقد وافقت إيران على التمويل الكامل للمصنع مقابل أن يتضمن الاتفاق بندا ينص على تزويد نصف الصواريخ المحسنة لحزب الله في أسرع وقت (الجدول الزمني أوائل عام 2014).

كل هذا الدعم من روسيا والصين وإيران، وما حققه من «انتصارات عسكرية» في المدن السورية، لم يمنح الأسد الطمأنينة المطلوبة لبقاء نظامه. وحسب دراسة صدرت حديثا، فإن الأسد ومعاونيه وضعوا خطة من أجل إقامة دولة علوية على امتداد ساحل البحر الأبيض المتوسط. وذكرت دراسة أعدها مركز القدس للدراسات السياسية، أن الأسد سيقيم دولة يسيطر عليها العلويون وتضم الأقليات الأخرى. وقد تليها إمارات سنية، وكيانات درزية وكردية.

واضع الدراسة هو عريب الزنتاوي، المقرب من الديوان الملكي الأردني. الدراسة التي وضعت في 12 من الشهر الحالي أثارت المخاوف، لأنها تعكس ما تتوقعه الحكومة الأردنية من احتمال تقسيم سوريا إلى كانتونات عدة، تهيمن على كل منها مجموعة عرقية أو دينية مختلفة.

إذا سار الوضع السوري على الدرب الذي سار عليه لبنان - أي أن تطول الحرب الداخلية، ومن سار على تلك الدرب وصل حتما إلى الحرب الأهلية - فإن موضوع التقسيم قد يكون بعيدا، خصوصا أن سوريا دخلت في تجاذبات العلاقة الأميركية - الروسية. إن احتمال تغير الموقف الروسي ليس واردا. واشنطن لن تضغط على موسكو في الشأن السوري، يهمها مستقبل تعاونهما في ما يتعلق باستعمال الأراضي الروسية لتوصيل الدعم إلى قوات التحالف في أفغانستان. إنها الآن تستعمل «شبكة التوزيع الشمالية» (تربط موانئ البلطيق وبحر قزوين مع أفغانستان عبر روسيا وآسيا الوسطى والقوقاز). فلأفغانستان الأولوية على سوريا.

أيضا، برزت خطة السنوات الست المقبلة من رئاسة فلاديمير بوتين، حيث وضعها في وثيقة من 40 ألف كلمة تحت عنوان «روسيا والعالم المتغير»، اتهم فيها بوتين الولايات المتحدة بالذات بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول والحث على تغيير الأنظمة تحت ادعاء «تعزيز الديمقراطية»، كما اتهمها بزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط بدعمها الربيع العربي. وفي الوثيقة يؤكد بوتين أنه سيتخذ إجراءات «عدوانية» ضد معارضيه داخليا، ودوليا بإعادة نفوذ روسيا في آسيا الوسطى حيث هناك تصور بأن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على ما يراه بوتين «مجال النفوذ الروسي». وأخطر ما شرحه بوتين كان أن التدخل الأميركي في الدول كان السبب الرئيسي وراء سعي دول مثل كوريا الشمالية وإيران إلى امتلاك القدرة النووية.

في بريطانيا، ألعاب أولمبية واحتفالات ملكية، في أميركا انتخابات رئاسية، ولا وقت للتدخل العسكري. إنها الحرب الداخلية في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. إلى أين؟ .. يحيى الجمل

الشرق الاوسط

22-3-2012

في الحقيقة ليست سوريا وحدها هي التي تستدعي هذا السؤال، وإنما كثير من أقطار العالم العربي تستدعي ذات السؤال أيضا، حتى الدول التي نحب أن نطلق عليها بلاد «الربيع العربي» هي الأخرى نتساءل حول أوضاعها الراهنة ومصيرها في المستقبل. على كل حال، فإن سوريا تمر بأكثر الأوضاع خطورة ومثارا للقلق والتساؤل.

حقيقة إلى أين تتجه سوريا الآن بعد كل حمامات الدم التي غرقت فيها طوال أكثر من عام بغير توقف، أكثر من عشرين ألف سوري تركوا ديارهم وأوطانهم إلى بلاد مجاورة، وكان لتركيا منهم النصيب الأوفر، وأكثر من سبعة آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، وعدد لا يحصى من المعتقلين في ظروف قاسية بشعة ليس إلى وصفها من سبيل.

هل من الممكن أن يستمر ذلك وقتا طويلا؟

أظن أن ذلك من المستحيل ومما يرفضه منطق التاريخ، الشعوب عندما تتحرك على هذا النحو وعندما تتصدع العلاقة بينها وبين من يحكمونها إلى المدى الذي وصلت إليه سوريا الحبيبة، فإنها تؤذن - طال الزمن أو قصر - بنهاية الطغيان وبتحرر الشعوب، وأظن أن الحاكمين في دمشق لا يدركون أن مصيرهم سيتحدد على نحو قريب مثلما حدث في تونس بالهرب، أو في ليبيا بالتصفية الجسدية، أو في مصر بالمحاكمة المهينة المذلة.

ولكن لماذا يكون مصير الحكام العرب أو الحكام الطغاة على هذا النحو دائما ولا يكون كذلك مصير الحكام في البلاد الديمقراطية؟

في فرنسا الآن أكثر من رئيس جمهورية سابق يعيش بين الناس آمنا، بل إن منهم من يساهم في الحياة العامة بقدر ما تسمح له صحته وإمكانياته.

وفي الولايات المتحدة نرى كارتر وكلينتون وبوش الأب وبوش الابن، منهم من يساهم في الحياة العامة بنصيب، ومنهم من له حضور عالمي مثل كارتر، ويعيشون بين مواطنيهم مكرمين يحبهم البعض وينتقدهم البعض، ولكنهم في كل الأحوال يعيشون مواطنين بين أبناء وطنهم لا مطاردين من مقهورين ثائرين غاضبين.

لماذا هم هكذا ونحن هكذا؟ سؤال يحتاج إلى جواب لعله يهدينا في مستقبلنا القريب والبعيد، والجواب بسيط وواضح، ولكننا لا نريد أن نواجهه بصراحة أو نقتنع بمنطقيته الواضحة.

في الأنظمة الديمقراطية هناك شيء اسمه تداول السلطة، الشعب يختار هذا الرئيس فيأتي هذا الرئيس، الشعب يريد أن يغيّر فيتم التغيير بسلاسة وفقا للقواعد الموضوعة. والأنظمة الديمقراطية ترفض تأبيد السلطة في شخص أو أشخاص معينين، دساتير البلاد الديمقراطية تنص عادة على المدد التي يبقاها الرئيس في منصبه، مثلا في الولايات المتحدة كان العرف يجري على ألا يبقى رئيس الجمهورية في منصبه غير مدتين اثنتين، وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى وخلال الأزمة الاقتصادية حاول الرئيس أن يرشح نفسه لمرة ثالثة، هنا تدخل المشرع الدستوري وصدر تعديل ينص صراحة على أن ولاية الرئيس لا تتجاوز فترتين.

في البلاد الديمقراطية الأخرى لم يحدث أن بقي رئيس جمهورية في الحكم طوال حياته، هذا يحدث في الملكيات فقط، والملكيات في النظام الديمقراطي - مثل إنجلترا والسويد وإسبانيا - ملكيات تملك ولا تحكم، وليس لها من السلطة قليل أو كثير.

ولكن عندنا في «الجمهوريات الملكية» - كما أطلقت عليها منذ سنين - نحتفظ باسم «الجمهورية» ونعطيها مضمونا ملكيا، بمعنى أن تستمر السلطة مع الرئيس ما بقي حيا ثم تنتقل بعد ذلك إلى الوريث الذي يريده السيد الرئيس باعتباره يحكم باسم الله على الأرض.

وقد أراد الرئيس حافظ الأسد أن يخلفه - على العرش - ابنه الأكبر، ولكن القدر أراد أن يلقى ذلك الابن منيته في حادث سيارة، فلما توفي الرئيس حافظ الأسد عدل الدستور في ساعات لكي يسمح لبشار الأسد بأن يلي العرش بعد والده، وكان بشار عمره أربعة وثلاثين عاما، فعدل الدستور - بغباء - وكان يمكن أن يقول أن يكون عمر الرئيس أكثر من ثلاثين عاما، ولكن ضيق الأفق والعجلة جعلتهم ينصون على أن يكون الرئيس قد بلغ «الرابعة والثلاثين»، لأن خليفة جلالة الملك كانت هذه سنه.

وعندنا في الجمهوريات الملكية يدرك الرئيس جيدا أنه إما أن يكون ممسكا بزمام كل السلطات متحكما في كل الثروات والمناصب والمؤسسات أو أنه إذا فقد منصبه فليس هناك مكان غير القبر أو القتل أو السجن أو النفي.

وتقديري أن الرئيس بشار أمامه عدد من الخيارات، واحد منها مستبعد لأنه لا يتفق مع منطق الجمهوريات الملكية، هذا الخيار هو أن يحدث إصلاح دستوري حقيقي وينتهي حكم بشار بتنحيه اختيارا عن السلطة وذهابه إلى حيث يشاء من أقطار الأرض. هذا فرض غير وارد عند هذه الأنظمة، والخيارات الأخرى المتاحة هي خيار زين العابدين بن علي أو خيار القذافي أو خيار حسني مبارك. وللرئيس بشار الحرية في أن يختار إحدى هذه النهايات الثلاث.

هل تستحق سوريا الحبيبة هذا الذي يحدث على أرضها من ترويع وقتل وسفك دماء. لم أحب مدينة عربية بعد القاهرة قدر ما أحببت دمشق، ولم أشعر بأنس وراحة في مدينة عربية قدر ما أحسست به في دمشق.

لهذا كله أحس بالحزن العميق على ما يجري في سوريا وما يحدث في دمشق. وأذكر أبيات أمير الشعراء أحمد شوقي يصف ما حدث لدمشق تحت حكم جمال السفاح أيام العثمانيين، أسمعه يقول في حزن كالحزن الذي نعيشه هذه الأيام الكئيبة:

سلام من صبا بردى أرق

ودمع لا يكفكف يا دمشق

ومعذرة اليراعة والقوافي

جلال الرزء عن وصف يدق

وبي مما رمتك به الليالي

جراحات لها في القلب عمق

وصدق أمير الشعراء في تعبيره عما نحس به من حزن عميق على دمشق الحبيبة وسوريا الغالية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من يريد الحفاظ على سورية فعلا؟ .. د. بشير موسى نافع

2012-03-21

القدس العربي

ليست ثمة شك في أن الثورة السورية لم تنطلق احتجاجاً على دور سورية الإقليمي والتزاماتها العربية، وإن كان هناك وعي لدى القوى السياسية المعارضة بأن نهج النظام في سياسته الخارجية أحياناً لم يكن لائقاً بسورية.

اندلعت الثورة السورية لعوامل في معظمها داخلية، سياسية واقتصادية واجتماعية، وللعلاقة المختلة والمتفاقمة بين النظام والشعب. ولأن النظام السوري وقف طوال سنوات موقفاً عربياً مميزاً، سيما فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي والمقاومة في فلسطين ولبنان، فإن هناك توجهاً ما لغض النظر، أو حتى تجاهل، دور سورية العربي والإقليمي، في معالجة الثورة السورية وتفاعلاتها، ربما لأن البعض يعتقد بأن هذا الملف يصب لصالح النظام. هذا بالتأكيد اعتقاد خاطىء؛ وإن كان ثمة من سبب يستلزم عملاً عربياً، شعبياً ورسمياً، لحسم الموقف في سورية لصالح الشعب وثورته، ووضع حد لتداعي أوضاع سورية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فهو بالتأكيد أهمية سورية القصوى في المجال العربي ودورها الحيوي في توازنات القوة الإقليمية.

سورية كما نعرفها اليوم وليدة نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتقسيم الإمبريالي الفج للولايات العثمانية الناطقة بالعربية، التي وقعت تحت سيطرة قوات الحلفاء خلال سنوات الحرب. ولكن طرفاً لم يغب عنه أهمية سورية منذ ولادتها قبل أكثر من تسعين عاماً بقليل، لا العرب ولا القوى الإمبريالية الغربية. يعرف المؤرخون أن حدود الشرق العربي اليوم ليست هي حدود اتفاق سايكس بيكو 1916، كما هو شائع، بل الاتفاق اللاحق في سان ريمو 1920، بعد أن فشل الحلفاء للتوافق حول مصير المشرق العربي في مؤتمر صلح فرساي. وخلال السنوات الفاصلة بين الإثنين، احتدم الصراع بين الفرنسيين والبريطانيين حول مصير الساحل السوري، بما في ذلك فلسطين. ولم يكن فيصل وضباط الحركة الشريفية، فقط، من حاول باستبسال الحفاظ على حرية سورية واستقلالها، وصولاً إلى معركة ميسلون اليائسة، ولكن سورية ما لبثت أن تحولت، خلال سنوات ما بين الحربين، إلى ساحة صراع عربي عربي بين القوتين السياسيتين الرئيسيتين في المشرق العربي: الهاشميون وآل سعود. وبعد استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبحت سورية ساحة صراع أكبر من ساحات الحرب الباردة، بين التيار القومي العربي الناصري، من ناحية، والهاشميين، من ناحية أخرى، والسعوديين، من ناحية ثالثة، كما بين السوفييت والأمريكيين والبريطانيين. والمؤكد أن حداثة مؤسسة الدولة الوطنية، وقوة الولاءات المحلية بين القوى السياسية والعناصر العسكرية الفاعلة، جعلت من الساحة السياسية السورية في جزئها الأكبر انعكاساً للصراع الإقليمي والدولي.

بتشكل خارطة المشرق الجيوبوليتيكية الحديثة، وجد الجميع، أبناء المشرق العربي والقوى الدولية على السواء، أن سورية هي واسطة عقد الإقليم. وليس ثمة شك أن إقامة الدولة العبرية على الجزء الأكبر من فلسطين في 1948 أعلى من أهمية سورية الاستراتيجية ومن وزنها في معادلات القوة الإقليمية. وإلى جانب تعبيره عن عمق التوجهات القومية العربية، كان قرار السوريين بالذهاب إلى خيار الوحدة مع مصر في 1958 هو في حد ذاته وجهاً من وجوه الصراع المتصاعد على سورية الخمسينات. وإن عملت الوحدة مع مصر على توفير بعض الحماية، لم تستطع أن تخمد الصراع على سورية كلية. في النهاية، ساهمت أخطاء الإدارة المصرية في دمشق، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية، في تأجيج التوجهات الانفصالية بين السوريين وفرط مشروع الوحدة، الذي هدد مصالح كبرى، إقليمية ودولية. مرت سورية خلال السنوات القليلة التالية بما يشبه المرحلة الانتقالية، ولكن حرب 1967، وبالرغم من الهزيمة العربية الفادحة، وفرت لسورية رافعة بالغة الحيوية، عندما أصبحت القاعدة الرئيسية للمقاومة الفلسطينية. ومنذ 1970، سيما بعد الحرب العربية الإسرائيلية في تشرين أول/اكتوبر 1973، بدأت سورية نفسها في لعب دور كبير وهام في شؤون الإقليم، سيما بعد انسحاب مصر النسبي من دورها العربي القيادي، وانفجار الحرب الأهلية في لبنان، وتعزيز قبضة الرئيس الأسد الأب على شؤون الحكم والبلاد.

منذ ولادتها بحدودها الحالية، كانت مقدرات الموقع والتاريخ والثقافة، وليس القوة الاقتصادية أو العسكرية، ما جعل سورية ساحة للصراع أو طرفاً من أطرافه الرئيسية. في أغلب مراحل تاريخها، كانت دمشق مدينة مركزاً، تمارس تأثيراً كبيراً على جوارها. لا الأردن عرف المدينة المركزية، ولا القدس، بالرغم من موقعها الديني، امتلكت مصادر المياه والمحيط الزراعي الكافي لتصبح مركزاً إقليمياً لحقبة تاريخية طويلة. وحتى تفاقم الاختراق الاقتصادي الغربي للمشرق العربي الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر، وتحولت مدن الساحل إلى وسيط مالي وتجاري، لم تكن بيروت (أو حيفا) أكثر من موقع رباط إسلامي أو مدينة صيادين صغيرة. ولم يقتصر دور دمشق على المجالين السياسي والعسكري وحسب، بل كانت مركزاً للعلوم والثقافة كذلك، حتى خلال الحقبة العثمانية الطويلة، عندما انتقلت عاصمة المشرق إلى التخوم غير الناطقة بالعربية. وسرعان ما ساهمت المقدرات الثقافية وفعالية الموقع والميراث الرمزي - التاريخي، معاً، لتجعل من دمشق الرحم الذي ستولد منه الفكرة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين. ولعل هذا ما دفع فيصل والضباط الأشراف لاختيار دمشق عاصمة للحكومة العربية الأولى بعد الانهيار العثماني، بالرغم من أنهم انطلقوا من الحجاز وليس من بلاد الشام، وأنهم كانوا خليطاً من الحجازيين والعراقيين والشوام.

وللدوافع نفسها، لوعي سورية بذاتها، لم تختلف رؤية سورية لالتزاماتها العربية منذ لحظة ولادتها كدولة حديثة، سواء في ظل الانتداب الفرنسي أو في عهد الاستقلال، في العهد الليبرالي أو عهد الضباط البعثيين. كما العروبة ذاتها، عبرت سورية عن توجهها العربي في البداية بنكهة إسلامية (كان القوتلي تلميذاً للسلفية الإصلاحية)، وعندما افترق التياران العروبي والإسلامي بعد الحرب الثانية، ظلت سورية على التزامها القومي. والسبب بسيط ومدهش في آن. فلم تكن سورية مهد الفكرة العربية وحسب، بل وأصبحت المؤشر على توجهات الحركة العربية ومصائرها طوال القرن العشرين. كانت سورية مهد الفكرة العربية بتعبيرها الإسلامي لأن لحظة الولادة ارتبطت بظاهرة الإحياء السلفي الإصلاحي في أوساط العلماء الدمشقيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية العشرين، ومن ثم بالتنظيمات العروبية الإسلامية خلال فترة الحكم العثماني الاتحادي في أواخر عهد السلطنة. ولأن المجال السوري، كما جاره العراقي، احتضن تعددية فريدة من الملل والنحل، مثلت في حد ذاتها تجلياً بالغ الإبداع للتاريخ العربي الإسلامي، فسرعان ما وجد المسيحيون العرب وأنباء الطوائف الإسلامية المختلفة في الفكرة العربية مستقراً لهم. بدأت الفكرة العربية تعبيراً عن دفاع السنة العرب عن دورهم وموقعهم في المجال العثماني، عندما تبنت اسطنبول توجهاً مركزياً حاسماً، اصطبغ بلون تركي. وفي الطريق، ومنذ عصبة العمل القومي وبروز البعث، نزعت العروبة منزعاً علمانياً حديثاً وهي تحتضن المسيحيين العرب من كافة الكنائس وأبناء الطوائف العربية المختلفة.

بيد أن التزام سورية العربي، سيما بعد التحام العروبة بالمسألة الفلسطينية، كان ربما التزاماً عضوياً كذلك. فقد تبلور خلال الحقبة العثمانية مفهوم، أحاطه دوماً شيء من الغموض، مثل استلهاماً للميراث الإسلامي بدون أن ينعكس في التقسيمات الإدارية، لشام واحد، شام شريف، كما تصفه السجلات العثمانية. هذا التمييز لشام واحد، في مقابل العراق والحجاز، والاعتراضات العربية الصارخة على التشطير الإمبريالي للولايات العربي في أعقاب الحرب الأولى، ولد فكرة سورية الواحدة، سنوات طويلة قبل أنطون سعادة والحزب القومي السوري. رأي كثير من الفلسطينيين، حتى بعد بروز وطنية فلسطينية في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، أن فلسطين ليست أكثر من سورية الجنوبية. ورفض قطاع واسع من اللبنانيين وجود دولة لبنانية منفصلة عن سورية، حتى بعد استقلال البلدين. أما السوريون، فقد شعروا دائماً أن هذه السورية ليست هي سورية، وأن حدود سورية رسمت قسراً وعدواناً، ليس فقط لأن الفرنسيين صنعوا لبنان بضم أقضية من ولاية دمشق لقضاء جبل لبنان، بل لأن دمشق كان لابد أن تكون عاصمة المجال الشامي كله. لم يرفض السوريون، بكافة حكوماتهم، تبادل السفارات مع لبنان وحسب (حتى اتخذ القرار الأسد الابن قبل سنوات قليلة)، بل نظروا إلى علاقتهم بفلسطين بصورة تختلف عن الدول العربية الأخرى، وتفوق الالتزام العروبي القومي: صورة عضوية. كان السوريون أول من دخل فلسطين محارباً في ثورة 1936، وخاضوا من الحروب مع الدولة العبرية ما لم تخضه أية دولة عربية أخرى؛ وأصبحت دمشق، من جهة أخرى، قاعدة حركة التحرر الفلسطينية، من الهيئة العربية العليا، إلى حركة فتح ومنظمة التحرير، وصولاً لحماس والجهاد.

ثمة فرصة تاريخية لأن يستعيد العرب، كأمة ودول متعاونة، دورهم وموقعهم على مسرح العالم، فرصة لم تتح لهم منذ الحرب العالمية الأولى. تنبع هذه الفرصة من متغيرات ديمغرافية هامة، وبروز كتلة عربية شابة كبيرة نسبياً، من مستويات تعليم عالية، من نمو حضري غير مسبوق، ومن معرفة متزايدة بالعالم. ما يعزز من هذه الفرصة، حالة نهوض واسعة النطاق، أطلقتها حركة الثورة العربية. وكما أن سورية كانت دائماً ضرورة عربية، فإن خروج سورية من هذه المعركة بأقل الخسائر هو أمر بالغ الحيوية لشروط النهوض العربي. وأقل الخسائر ليس فقط بالمعنى الاقتصادي والعسكري، ولكن أيضاً بمعنى تجنب إخفاق العيش كأمة، عرباً بكل تنوعات العرب ومسلمين بكل تنوعات المسلمين. ترك الإخفاق العراقي أثره، ولم يزل، على كل المجال العربي الإسلامي، ولا يجب أن تترك سورية إلى مصير مشابه. فإن كان هناك بين العرب ودول المحيط الإقليمي من يريد الحفاظ على سورية، فعليه أن لا يربط مصيره بمصير الفئة الحاكمة. سورية لم يصنعها نظام أو قائد أو حزب، بل هي صنيعة تاريخ وموقع ومتغيرات مشرقية كبرى في القرن الماضي. وهي أهم وأكبر وأكثر ضرورة من بقاء أسرة حاكمة، أو نظام لم يعد يمتلك مبرراً للاستمرار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حمّى المؤتمرات السورية .. عريب الرنتاوي

الدستور

23-3-2012

أشعل مؤتمر “أصدقاء سوريا” نار الاتصالات والتحركات في أوساط المعارضات السورية المختلفة، وحلفائها العرب والإقليميين، وبدرجة أقل حلفائها الدوليين...مؤتمر تقرر على عجل في اسطنبول لمعارضي الخارج على وجه التحديد، وربما بمشاركة لافتة من “الجيش السوري الحر” وفصائل وشخصيات من خارج “المجلس الوطني السوري”...مؤيدو المؤتمر يتحدثون عن “الحاجة للملمة المعارضة”، ومعارضوه يرون فيه محاولة لإخراج المجلس من أزمة انشقاقاته وضعف فاعليته...وثمة مؤتمر آخر، تولّدت فكرته أمس الأول فقط، لمعارضات الداخل، لا ندري ان كانت “هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي” في سوريا ستشارك فيه أم ستقاطعه، وعلى أي مستوى ستكون المشاركة، ولأي أسباب ستُعزى المقاطعة، وثمة من يتحدث عن مشاركة من قبل “المجلس الكردي” الذي يضم طيفاً واسعاً من الأحزاب السورية الكردية...وثمة من يتحدث عن محاولات لاستقطاب رموز وشخصيات من معارضة الخارج، تحت رعاية الأمم المتحدة وبضمانتها، لكن الصورة النهائية لم تنجل بعد.

نبدأ أولاً، بمؤتمر”أصدقاء سوريا” الذي فقد عنصر المفاجأة التي كان يمكن أن يطلقها أو يفجرها، بعد صدور البيان الرئاسي عن مجلس الأمن، وبإجماع نادر من الدول الأعضاء الخمسة عشر...لقد رسم بيان مجلس الأمن، سقوفاً لمؤتمر “أصدقاء سوريا”، لا أعتقد بأنه سيتجاوزها...وهي تدور في كلّيتها حول “مبادرة كوفي عنان وأفكاره”، مجردةً من “المُهل الزمنية” و”الإنذارات” و”التهديدات”، فضلاً عن بقية بنود “الحل الوسط الدولي” الذي تم التوصل في الطريق إلى البيان الرئاسي.

أما مؤتمر اسطنبول (المجلس الوطني ) فقد لوحظ أن تركيا هي الأكثر حماسة لانعقاده، ولجذب الجامعة العربية لرعايته...فالمبادرة بشأنه جاءت من أنقرة، وربما بالضد من رغبة جهات في المجلس الوطني تشكو من حمولة فائضة في أوساطه، ومن باب أولى فأنها لا تبدي شديد الحماس، لمزيد من “التوسعة والتوسع” في العضوية و”الحمولات”...وثمة من يقترح بأن الدوحة وربما الرياض وباريس تريد لهذا المؤتمر أن يتقدم بلائحة مطالب إلى اجتماع “أصدقاء سوريا” حول “الملاذات الآمنة” و”الممرات الإنسانية”، فتحصل هذه العواصم الأكثر تشدداً في عدائها لنظام دمشق، من “أصدقاء سوريا” على ما لم تحصل عليه في “البيان الرئاسي”، لكن مصير مثل هذه المحاولة، يبدو ضبابياً ومحفوفاً بالتكهنات والشكوك.

على خطٍ موازٍ، يأتي مؤتمر دمشق، بحثاً عن توحيد معارضة الداخل وبعض الخارج، حول “خريطة طريق” للتعامل مع خطة كوفي عنان وأفكاره...التقديرات المتشائمة تشي بأن مهمة هؤلاء صعبة للغاية، وأنها محفوفة بالاتهامات المتطايرة لها ولرموزها، بوصفها ووصفهم، تسير ويسيرون في “ركاب النظام” وعلى وقع خطاه...لكن ثمة تسريبات متفائلة، تتحدث عن احتمالات تقدم النظام بمقترح تشكيل حكومة انتقالية على المعارضة، تقود البلاد في المرحلة الانتقالية المقبلة وتشرف على إجراء الانتخابات المقبلة...المتفائلون يردون سبب تفاؤلهم إلى اشتداد أطواق العزلة والانتقادات للنظام وحوله، وتزايد المطالبات من معسكر حلفائه بضرورة حث الخطى على “الطريق الإصلاحي” الذي ما يزال حبراً على ورق، أو كتابة فوق الرمال.

وثمة فصائل أقل نفوذاّ وتأثيراً تتجه لجمع شملها في القاهرة، في مؤتمر ثالث سيعقد خلال نفس الفترة (الأسبوع المقبل)، هذا المؤتمر، سيحظى باهتمام سياسي وإعلامي أقل، لأن اللاعبين الأساسيين في المعارضات السورية المختلفة، سيكونون مشغولين بأمور أخرى، في دمشق واسطنبول.

على أية حال، من يتابع هذا الحراك المحموم، يدرك أن الأزمة السورية دخلت في “سباق المسافات الطويلة” بين الحل السياسي والعسكري، التهدئة والتصعيد، التفاوض والتنابذ، ويلحظ أيضاَ ازدياد نشاط الأجندات العربية والإقليمية على ساحة المعارضات السورية، استباقاً لمهمة عنان واجتماع “أصدقاء سوريا”، ويلحظ ثالثاً، التسابق المحموم بين المعارضات السورية، حول قضية “الشرعية” و”التمثيل”، ويلمس خامساً، وهذا هو الأهم، أن مهمة الموفد العربي/ الأممي، نجحت في إطلاق حراك سياسي، قد يفضي إلى ترجيح كفة الحلول السياسية على الحسم العسكري، سواء لدى السلطة أو المعارضة، ودائماً تحت ضغط التحوّلات والتبدلات في مواقف الإقليم والعواصم الدولية من الأزمة السورية.

الأزمة السورية تدخل أسبوعاً حافلاً وبالغ الأهمية، والمهتمون بقراءة واستشراف آفاقها ومستقبلها، مطالبون بالفحص والتمحيص في تبدلات المواقف والتحالفات، ورصد الاتجاهات الجديدة لهبوب الريح الإقليمية والدولية، ومعها وفي ضوئها، وجهة تحرك المعارضات واصطفافاتها الجديدة، ومن يعش ير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ومضى عام على ثورة الشعب السوري! هل نقوم بجديد ومختلف في أسلوب الثورة للإسراع في النصر ... المهندس سعد الله جبري

بعد مرور اثني عشر شهرا كاملة من عمر ثورة الشعب العربي السوري، لنراجع أمور وتساؤلات الثورة:

1. هل حققت الثورة الشعبية انتصارا كافيا لتحقيق هدفها الأساسي وهو إسقاط النظام؟

2. هل قصّر العرب، والقوى الدولية في دعمهم لثورة الشعب السوري، رغم أعلانهم جميعا تأييدها؟

3. ما هو الأسلوب الفعال حقيقة لتحقيق النصر السريع، ولم تُمارسه وتعمل له حتى الآن جماهير الشعب ولا الجيش الحر، متعففين عنه؟

أولا: أقول – ما هو معروفٌ للجميع - أن ثورة الشعب العربي السوري قد حققت الكثير على المستويات الوطنية والعربية والدولية، ولكنها للأسف لم تحقق بعدُ النصر النهائي المرغوب من أكثرية الشعب السوري الساحقة، ألا وهو إسقاط النظام ورئيسه والعصابة الحاكمة، وذلك رغم أنها قدمت أكثر من عشرة آلاف شهيد حتى الآن، إضافة لما يزيد عن سبعين ألف جريح، ومثلهم من المعتقلين، الخاضعين لأشد العذاب المُفضي إلى الموت!!

هل قصّر الشعب السوري؟ أبدا، بل إن استمرار الثورة لسنة كاملة رغم التفاوت الهائل بين قوى وتسليح الشعب، ونوعية أسلحة القوة بيد السلطة، التي تحكم جميع قوى الأمن والجيش بكامل تسليحهم من دبابات ومدرعات وطائرات وصواريخ، اشتراها الشعب بماله طيلة خمسين سنة وذلك بغرض الدفاع عنه ضد العدوان الخارجي وخاصة الإسرائيلي، ولتحرير الجولان وما وراءه من أراضي سورية، باعها بيعا، وسلّمها تسليما نظام حافظ وبشار الأسد بخيانة معروفة محليا وعربيا ودوليا! إلا أن بشار الأسد زاد في خيانة وطنه باستعماله أسلحة الشعب وتوجيهها جميعا ضد الشعب السوري الذي اشتراها بماله، "وليس بأموال عائلة الأسد قطعا"! في حين أنه لم يُطلق طلقة واحدة على العدو الإسرائيلي لتحرير الجزء المُحتل من سورية، وهو الجولان، ولا لتحرير فلسطين التي هي أيضا جزء من دولة بلاد الشام التي أقطعها وعد بلفور إلى اليهود لإنشاء دولة إسرائيل عليها! ومن المعلوم أن لا سلطة سورية اعترفت بإسرائيل، ولا بمشروعية وعد بلفور إلا بشار الأسد وذلك في إعلان قبوله بالإعتراف والتطبيع مع إسرائيل والتعامل معها كأي "دولة" أخرى، والذي كان في منتصف عام 2008 !!

 ثانيا: 1. لم يُقصّر الشعب السوري قطعاً، فلقد بذل أهالي حمص ودرعا وحماة، ودير الزور والقامشلي، وحلب ودمشق أخيراً، ومدن أخرى كثيرة جهودا، مُشرّفة وتضحيات كبيرة جدا لإنجاح ثورة الشعب، وإنقاذ سورية من براثن حكم عصابة خائنة عدوة لسورية وشعبها!

 

2. لم تقصّر الدول العربية شعوبا وحكومات، وخاصة السعودية وقطر وتونس وليبيا وفلسطين والمغرب في دعم ثورة الشعب السوري، وإن كان دعمها لا زال في حدود الدعم السياسي دون العسكري – حتى الآن- وهو الذي مهما كانت قيمته عالية، إلاّ أنه في التعامل مع النظام الأسدي بالذات ونوعية سياساته وأخلاقياته، لم، ولن يُشكل الدعم الكافي بقوّة فاعلة وجدية لإنجاح ثورة شعبٍ تجابهه السلطة القائمة عليه بالدبابات والمدفعية والصواريخ والطائرات، بل وبالإستهتار الكامل لواقع أن السلطة سخرت جيش الوطن والشعب لقتال الشعب بدل قتال العدو! ولعل هذا أعظم خيانة تُدين بشار الأسد وعصابته المتسلطة على حكم سورية!

4. أما الجهات الدولية فقد تباينت درجة دعمها للثورة السورية، ويمكن تلخيص نوعية الدعم الدولي بالتالي:

a. دعم سياسي محض، وهو ما قامت به أغلب حكومات العالم بما فيها الحكومات الأوربية التي اتخذت موقفا مختلفا في دعمها لثورة الشعب الليبي!

b. دعم سياسي أمريكي لفظي فاشل ومعيب وانتهازي متردد بدعم ثورة الشعب السوري، والإكتفاء بأقوال تافهة، ومثاله قول الرئيس أوباما، ووزيرة خارجيته كلينتون:" على بشار الأسد أن يتنحى !!" مكررين هذا القول عديدا من المرّات ومكتفين به بشكل تهريجي مُضحك! ظانّين بذكاء فاضح أنهما أتمّا فريضة دعم ثورة شعب يُذبح يوميا طيلة سنة كاملة، بينما مستوى الدعم الأمريكي يقصر ويتراجع عن التزام أدنى المبادئ والأهداف التي تدعيها وتتاجر بها حكومة الولايات المتحدة، وخاصة الأوبامية الحالية التي صرعت العرب والعالم بها، فلم نرى منها إلاّ إنبطاحا كاملا لإسرائيل في مؤتمر الإيباك اليهودي، وخرسٌ بشع عن أي دعم جدي فاعل لثورة الشعب السوري. ولعل هذا مُكمّل لذاك، فما بشار الأسد – وأبيه من قبله – إلاّ عميلان مُؤكدان لإسرائيل بالذات، والبراهين على ذلك أكثر من أن تُعدّ وتُحصى، وهكذا اختارت حكومة الولايات المتحدة الأوبامية دعم ثورة الشعب السوري ببضع تصريحات تافهة، بينما دعمت الأسد عميل إسرائيل – عملياً - بامتناعها عن أي فعل – ولو سياسي – مُؤثر على النظام الأسدي القاتل لشعبه!

c. عداء مكشوف من الصين، وروسيا خاصة، ولدرجة أن الشعب العربي السوري بل وجميع شعوب العرب لتعتبر الآن أن روسيا قد انتقلت من فئة الدول الصديقة للعرب، إلى دول عدوّة معادية مثلها مثل إسرائيل فعلا! وهذا ما سيترك بصمات كثيرة على العلاقات المستقبلية بين سورية خاصة والعرب عامة، بعد نجاح الثورة غصبا عن بوتين وحكومته، وبين دولة روسيا التي قامرت فعلا على الجواد الخاسر بقصر نظر بيّن وغير بريء إطلاقا من حيث ارتباطاته بإسرائيل واليهود الروس!

 

ثالثا: ما هو الأسلوب الفعال حقيقة لتحقيق النصر، والذي لم يُمارس ويُعمل به حتى الآن ؟

 

بداية، علينا أن لا نيأس، نتيجة لتقصيرات وظروف شعبية سورية ثانوية هنا وهنالك، وقصور الدعم العربي والدولي لنصر الثورة لإسقاط نظام الأسد كلية - كما حصلت عليه الثورة الليبية لإسقاط القذافي - ولكن لا زال هناك الكثير مما لم يستخدمه الشعب العربي السوري في ثورته لتحقيق النصر على دولة الفساد والخيانة والتقتيل الأسدية! وهذا الباقي هو فعلا وأكيدا ما سيحقق النصر الأكيد بإذن الله، ويسحق قيادة النظام وسقوطها، وسريعا!

 

قبل أن أتكلم عن الأسلوب، سأتذاكر شيئا تاريخيا هاما، وهو أن جميع السلطات البشرية عبر التاريخ كانت تٌعاقب المجرم القاتل أو الخائن بقطع الرأس! لماذا الرأس بالذات؟ لأن الرأس هو مركز التفكير والتقرير الذي قد يقود صاحبه إلى الخيانة والفساد والإجرام! أو إلى عكسه!

وما هو رأس النظام الواجب قطعه لإسقاطه ونجاح ثورة الشعب؟

هو السلطة برئيسها وحكومتها وقيادات أمنها ورموزها، فهؤلاء هم رأس كلّ دولة، وهم بالذات رأس نظام الفساد والتخريب والخيانة في سورية!

والحل التاريخي الأكيد المتوارث منذ آلاف السنين، وطبقته بنجاح جميع الثورات العالمية، والثورة الفرنسية خاصة وغيرها، هو قطع رأس رئيس أو ملك النظام، ومن ثم أعوانه وتابعيه!

 

كيف نقطع رأس النظام؟ هو على محورين:

1. قيام الجيش الحر بالعديد من مهام يومية لبعض عناصره للقيام باغتيال مسؤول مُعيّن بذاته من مسؤولي السلطة السورية الحالية، من أعلاها في القصر الجمهوري إلى أدناها من وزراء وأذناب النظام وشركائه! وذلك بعد إجراء الرقابة اللازمة تمهيدا لاصطياده شخصيا بإطلاق النار! ولا يجوز الإغتيال بالتفجيرات في الشوارع والساحات لاحتمال إصابتها لمواطنين أبرياء، وهو ما لا ترضاه الثورة، ولا المسؤولية الأخلاقية، فضلا عن ما سيتسبب بنتائج عكسية في رضا الجماهير على الثورة وأسلوب التفجير!

 

2. أيضا قيام كل مواطن مؤمن شريف قادر يدعم الثورة ويتطوّع بجهده لإنقاذ واستقلال وطنه وشعبه من الإحتلال الإسرائيلي الذي تُمثله سلطة بشار الأسد بتخريبها وخيانتها وسرقتها لأموال الشعب والخزينة، والتسبب بجميع المآسي التي يُعانيها الشعب السوري من بطالة فظيعة، وفقر وغلاء متزايدين، وإهانات واعتقالات أمنية ضد عشرات ألوف الأبرياء، والتي غالبا ما تنتهي بالقتل أو التعذيب! وذلك بالقيام بذات المهمة المذكورة لأفراد الجيش الحر، وهي عمليات اغتيال ذكية مدروسة!

 

أقول أن سلسلة إغتيالات متواصلة يوميا من النمط المذكور في دمشق العاصمة خاصة، وفي باقي المدن والمحافظات أيضا، لتدكّ معنويات رموز النظام دكّاً، وتضطر كلاّ منهم إلى مباشرة التفكير بشكل متزايد – كلما حدث اغتيال جديد – للتفكير بالهرب من البلاد كليّة، وإلى حيث أودعوا ما نهبوه من أموال الخزينة والشعب، في البنوك الأجنبية، "ليعيشوا "وعائلاتهم بقية حياتهم آمنين من الإغتيال، وهذا هو تفكير الفاسد اللص الخائن، الذي لا يهمه لا وطن ولا شعب، ولا قضية ولا مبدأ، ولكن تهمه حياته، والتنعم بما نهبه حصرا، ودون أي شيء آخر!

 

لنقل بعد شهور قصيرة، وبعد أن تكون قيادة النظام قد أُنهكت، وتزايد عدد الهاربين منها، فليكن أسلوب العصيان المدني الشامل خاتمة الإجراءات، مع استمرار عمليات الإغتيال بالطبع، وذلك لتوجيه الضربة القاضية النهائية لإسقاط النظام ومن ثم اعتقال من يبقى منهم وتقديمهم لمحاكم الشعب لينالوا جزاء خياناتهم الوطن والشعب!

 

بقيت نقطة أخيرة، وهي كراهية الشعب السوري لمبدأ القتل والإغتيال، وهو في ذلك على حق ومثالية أخلاقية صحيحة ومحمودة، ولكن الجواب على ذلك هو في النقاط التالية:

 

1. أليس النظام يستخدم أسلوب القتل الظالم ضد المواطنين الأبرياء، وحتى تجاوز قتلاه عشرة آلاف مواطن بريء حتى الآن؟ إذن، أوَ ليس من العدل الشرعي والدستوري والقانوني مقابلة القتل بالقتل، لتتوازن المعادلة، وتحقق أغراضها الخيّرة لصالح الشعب والوطن؟ بدل تحقيقها لصالح النظام الفاسد وضد مصلحة الشعب والوطن؟ وهل من الحقّ والعدل أن تذهب أرواح شهداء الشعب هدرا، دون محاسبة وانتقام، والله تعالى يفرض فرضاً: {النفس بالنفس}. وهو ما تنص عليه جميع قوانين العقوبات في العالم

2. وهل الشعب يعيش في ثورته الحالية إلاّ حربٌ حقيقية، وفي الحرب يتبادل الطرفان المتحاربان القتل، وحتى انتصار أحدهما! وهذه سنة الكون والبشرية منذ خلق الله تعالى آدم إلى يومنا هذا، فهل نرضى بقيام السلطة بتقتيلنا في حربها علينا، ونحن نمتنع – كالخراف - عن ذات الفعل بحق رموزها وقياداتها؟

3. وهل كان – أساساً- من حقّ السلطة دستوريا وقانونيا أن تقتل ولو مواطن واحد، إلاّ عن طرق حكم قضائي عادل لجريمة محددة ارتكبها خلافا للقانون؟؟ لا بالتأكيد، ولكن السلطة قتلت آلاف المواطنين دون أيّ جريمة ارتكبها أحدهم، ودون حكم قضائي يُدينهم، بل لمجرد تظاهرهم السلمي المشروع في ذات الدستور السوري! وبالتالي فقد ارتكبت السلطة جرائم قتل بالآلاف مخالفة الدستور والقانون والأعراف، إضافة للشرائع السماوية جميعا! فهل جرائم السلطة الحقيقية معفاة من العقوبة، والمعاملة بالمثل؟

 

4. ألسنا نريد إنهاء الثورة وإيصالها لتحقيق أغراضها بأسرع ما يُمكن، والعودة إلى الحياة الطبيعية البنّاءة المثمرة والعادلة التي حرم النظامُ الفاسد الشعبَ منها عقودا طويلة؟ فهذا هو الدواء – وكل إنسان يكره الدواء – الذي سيُنهي النظام الفاسد، ويحقق انتصار الشعب وثورته وقضيته، وبالتالي تحقيق أهدافه المشروعة التي حرمه النظام الفاسد والظالم منها جميعا عقودا طويلة!

 

إن السلطة الأسدية بجميع أفرادها، لم، ولا تحكم سورية لخدمة الشعب والوطن، ولا لخدمة مبدأ أو عقيدة سياسية ( البعث مثلا)، أو لتحرير البلاد، وإنما لممارسة الفساد ونهب خزينة الدولة وذلك بعقود الفساد المشهورة طيلة العهد، وفي نفس الوقت نهب أموال الشعب الخاصة عن طريق عمليات تخفيض سعر العملة تكرارا ومرارا حتى نهبوا ثلثا ثروات كلِّ مواطن أو راتبه، وابقوا له – حتى الآن الثلث فقط ! وهو ما حدث فعلا طيلة العهد الحالي، وقام جميعهم بتهريب ما نهبوه من آلاف المليارات للخارج وإيداعه البنوك الأجنبية، فتسببوا بإيقاف التنمية نهائيا، وفاقموا البطالة إلى أعلى نسبها تاريخيا، وخلقوا الفقر والغلاء والحرمان لأكثرية الشعب!

 

وهذه النوعية من البشر اللصوص تخاف الموت، وتعمل على الهروب منه، وخاصة منهم من نهبوا المليارات التي تنتظرهم في الخارج، ومن هذا المنطلق فكلّ منهم جميعا، يأمل بالهروب ومغادرة البلاد عندما يتأكد أن سيف الإغتيال سيرديه قتيلا ، وذلك للنجاة بروحه وعائلته وللتمتع لما نهب من ثروات الخزينة والشعب، فإذا ما حصل ذلك، فقد انهار النظام الأسدي الفاسد، بهروب تدريجي لرموزه يتزايد يوميا، حتى يجد الأسد الجبان المُختلّ عقلياً أنه بقي وحيدا مع بضع قليل من أعوانه، فيطبق عليهم الشعب سوقا إلى محاكمات عادلة بجرائم الخيانة العظمى وتقتيل الشعب خلافا للقانون! هذا إذا لم يكن الأسد أول الهاربين من البلاد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجتمع السوري بين الثورة وحكم العصابة..!! .. د. صابر جيدوري*

يتبادر إلى ذهني كثيراً سؤال مفاده: هل تستطيع عصابة مجرمة أن تبني مجتمعاً..؟ قد يبدو السؤال غبياً بعض الشيء، إلا أن طرحه بهذه الصيغة عندما نكون بصدد الحديث عن المجتمع السوري في هذه اللحظة التاريخية المريرة التي نعيشها أمراً ضرورياً وملحاً، من أجل أن يعرف الجميع أي مجتمع يسعى نظام الأسد إلى بنائه في سوريا، وأي مجتمع تسعى الثورة إلى تحقيقه وتأصيله. فالمستقرئ لما يجري في المجتمع السوري الآن يجد أن عصابة من اللصوص تسعى بغباء إلى بناء مجتمع محاصر ومغلق من كل الجهات، فمع أن أفراد العصابة متعاونون مع بعضهم متحدون في أهدافهم وغاياتهم، إلا أنهم غير متعاونين على الصعيد الداخلي مع الكتل الاجتماعية الأخرى، بل يُمارسون كل أنواع الجرائم الموصوفة على الآخر المختلف عنهم في الرأي وفي جوانب أخرى.. أما على الصعيد الخارجي فحدث ولا حرج.. فقد شطب رأس الدبلوماسية السورية الاتحاد الأوربي عن الخريطة.. وكذلك الدول العربية والأفريقية والأسيوية أيضاً.. ولم يبقى لهم على حد تعبير الأستاذة ديانا الجابري غير القائد العظيم المنتخب شعبياً.. ابن القائد المنتخب شعبياً.. حفيد القائد المنتخب شعبياً في دولة كوريا العظمى..!! والرفيق العظيم المنتخب شعبياً.. شقيق الرفيق المنتخب شعبياً في دولة كوبا الكبرى..!! بالإضافة إلى جمهورية العمائم وصكوك الغفران ومفاتيح الجنة..!! ودولة روسيا البيضاء وروسيا الحمراء وما بينهما من مافيات..!! ولن أنسى مملكة الخالد المنعم موغابي..!! هكذا أصبح المجتمع السوري في ظل حكم العصابة منفصل عن الداخل والخارج.. وحتى أوضح الفرق بين مجتمع العصابة والمجتمع الذي تسعى إليه الثورة لا بد من التمييز بين المجتمع المغلق الذي تعمل على تأصيله العصابة الحاكمة في سوريا، والمجتمع المفتوح الذي يناضل من أجله أحرار وحرائر سوريا.

 من المعروف أن المجتمع المغلق هو المجتمع الذي يغلق نوافذه وأبوابه في وجه الآخر لكي يعيش في عزلة عن العالم، ويحتفظ بأوضاعه وما ورثه من أساليب الحياة المادية والمعنوية، ومن خصائصه أنه نظام ديكتاتوري، وإن شئت القول عزيزي القارئ، نظام حكم الفرد الذي لا يضمن لجميع أفراد الشعب المشاركة في اختيار الهدف أي هدف، كما أنه لا يضمن مبدأ المشاركة في تنفيذ الهدف أيضاً أي هدف، ولا المشاركة في محصول ما ينتجه السعي وراء الهدف.. فالهدف يقرره المستبد.. الحاكم الفرد.. والأكثرية مكلفة بتنفيذ الهدف عن رغبة أو رهبة، وفي الأغلب الأعم تكون الحالة الثانية هي السائدة، حالة الرهبة والخوف من المستبد، وهنا تكمن العبودية بعينها.. فالعبد حسب افلاطون هو الشخص الذي يُساق إلى تنفيذ مقاصد غيره من دون أن يُساهم في صنع هذه المقاصد أو الأهداف.. من جهة أخرى يُحاول الديكتاتور بعد أن يضع الهدف اقناع الناس بصلاحية هذا الهدف، ويدفعهم دفعاً إلى تبنيه والتطبيل له.. غير أن المشكلة هي أن الهدف الذي وضعه الديكتاتور وساهم الكثيرون في تنفيذه، لا يحصد نتائجه أو محصوله إلا المقربين من الديكتاتور.. وهذا يعني أنه في ظل حكم الفرد والعصابة التي تؤيده يتأصل الاضطهاد والقهر والاستبداد.. ويُرافق ذلك كبت للحريات واستلاب للحقوق وانتهاك للأعراض كما هو الحال الآن في سوريا.

 ولكن في المقابل فإن الثورة السورية المباركة تعمل في اتجاه مغاير.. تعمل من أجل تحويل المجتمع من مجتمع مغلق تُسيطر عليه مجموعة من اللصوص.. إلى مجتمع يفتح أبوابه على مصراعيها للتفاعل والتعاون مع المجتمعات كافة.. مجتمع فيه تسامح ورحابة فكر وقبول للآخر المختلف في الرأي والعقيدة والمذهب.. مجتمع الثورة مجتمع يحترم كل فرد فيه.. ويعترف بحقه.. ويُحمله قسطاً من المسؤولية.. إنه مجتمع فيه إنسانية قبل كل شيء.. وهذه الإنسانية تضمن الحرية والعدالة والأخاء بين أفراده.. هي إنسانية تحترم النظام وتعتبره وسيلة لبلوغ الهدف العام.. النظام المنبعث عن قناعة الأفراد بأهميته، وليس نظام الطاغية المفروض على العباد والبلاد من فوق... مجتمع الثورة مجتمع يتسم بالانسجام والتعاون بين أعضائه.. مجتمع يضمن حيوية كل كتلة من كتله.. كما يضمن التعاون والتفاعل الإيجابي بين الكتل في الوقت ذاته.. نعم هذا هو المجتمع الذي نسعى إلى تحقيقه.. وذاك هو مجتمع العصابة الذي اغتصب الفتيات وانتهك الحقوق واستلب الحريات.. وقتل الأطفال والنساء والشيوخ.. وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها.. فأي مجتمع تريدون أيها السوريون..؟

*عضو رابطة الكتّاب السوريين

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المنهجيّة الرّوسيّة في قمع الثّورة السّوريّة .. صلاح حميدة

salah_hameda@maktoob.com

الطّريقة الّتي يدير بها النّظام السّوري قمعه للثّورة الشّعبيّة السّوريّة ملفتة للغاية، وتحتاج للكثير من الدّراسة، وبعمليّة مقارنة لما يجري على الأرض في سوريّا وما يتّبعه النّظام الرّوسي في التّعامل مع الحالات المماثلة في الشّيشان وأفغانستان وداغستان وفي لتوانيا قبل زمن طويل، وكذلك يلحظ وجود مشتركات كثيرة بين تلك المنهجيّة القمعيّة فيما اقترفه مجرمون آخرون تخرّجوا من نفس المدرسة الرّوسيّة، وهو ما جرى في البوسنة والهرسك وكوسوفا وليبيا، بالإضافة إلى دفاع " الأستاذ" الرّوسي عن تلاميذه جميعاً في جرائمهم تلك.

إنّ ادعاء وزير خارجية روسيا بأنّه لا توجد لبلاده مطامح استعماريّة في المنطقة كما لا يوجد لها تاريخ احتلالي فيها، لا يعني بالضّرورة أنّه بريء من دماء وآلام الشّعب السّوري الّذي يذبح كل يوم، فالقتل يتم بتغطية سياسية وتسليح وبإشراف خبراء روس، وبطائرات استطلاع إسرائيليّة اشترتها روسيا، وبدعم وتوجيه استخباري روسي، وأخيراً بقوّات خاصة وتجهيزات أنزلت في طرطوس من أجل حرب العصابات والمدن، وروسيا هنا تضع كامل خبرتها وجهودها في قمع الثّورات في الشّيشان وداغستان في خدمة ارتكاب المجزرة في سوريا، كما وضعتها من قبل – ولا زالت- في خدمة كل من يحارب الحركات الاسلاميّة.

يوجد شبه كبير بين ما يجري في سوريا وما جرى على يد حلفاء روسيا في البوسنة والهرسك، بل تعتبر هذه الحالة من أشبه الحالات للحالة السّوريّة، فالقتلة تخرّجوا من نفس المدرسة، ويتمّ تسليحهم بنفس السّلاح، ويتمّ الدّفاع عنهم من قبل نفس " المعلّم"، ويقوم هؤلاء المجرمون بقمع إرادة الأغلبيّة بكل الوسائل المتاحة تحت عنوان القضاء على الإسلام والإسلاميين، ولا تخفي روسيا وتلاميذها أنّهم في حرب دائمة تستهدف الإسلام والإسلاميين، ويعتبر الدّافع العقدي مهم جدّاً لدى هؤلاء، وتعتبر روسيا أنّ نتائج الرّبيع العربي ستضعها أمام الاسلام الحضاري، صاحب مشروع نهضة شاملة للامّة، ولذلك تضع كامل ثقلها في هذه المعركة، وتتواطؤ معها القوى الدّوليّة لوأد الثّورة في مهدها وإيقاف عجلة الرّبيع العربي في دمشق تمهيداً للتّفرغ لإجهاض الثّورات الأخرى في مصر وليبيا وتونس واليمن، والقضاء على الحراك الشّعبي المطالب بالتّغيير في دول أخرى، ولذلك لا بدّ أن يعلم كل من يعنيه الأمر فيما يخصّ الثّورة السّوريّة، أنّ القوى الغربيّة لن تتدخّل في الشّأن السّوري عسكريّاً إلا إذا رأت أنّ الرّوس فقدو القدرة على إبادة الثّوار وحضانتهم الشّعبيّة في سوريا، وأنّ الكفّة بدأت تميل بشكل واضح لصالح القوى الّتي يخشاها هؤلاء، فهذا ما جرى في البوسنة والهرسك على وجه التّحديد، حيث ترك البشناق لمصيرهم من القتل والتّهجير والاغتصاب بإشراف دولي وتوجيه روسي، حتّى بدأ البشناق ومعهم المقاتلون العرب يستعيدون زمام المبادرة، فكان قرار التّدّخّل العسكري حينها لمنع قيام كيان إسلامي يهدّد المصالح الاستعماريّة الغربيّة والرّوسيّة، وفرض حلّ بإبقاء البوسنة تحت الانتداب ونكّل بالمقتلين العرب، ولذلك من المهم أن يكون الدّعم المقدّم من أحرار الأمّة للشّعب السّوري مباشرةً ومنع انتصار النّظام على الشّعب بأيّ ثمن، فلو انتصر النّظام بدعم هذا الخليط الاستعماري و الطّائفي، فسيعاني العرب أيّاماً أسوأ بكثير من الّتي يعانيها السّوريون الآن.

تتجسّد المنهجيّة الرّوسيّة في القمع في ظاهرة القصف العنيف للمدن بلا تمييز، والقتل العشوائي الّذي يطال الجميع من الكبير حتّى الصّغير، وباستباحة الأموال والممتلكات، وهذا ما جرى بالصّوت والصّورة في الشّيشان والبوسنة وفي ليبيا و سوريا، ف " المدن تدمّر على رؤساء أهلها في سوريا ويتمّ نهب البيوت والمحال التّجاريّة والمصانع" كما قال حسن عبد العظيم من مدينة حلب، ويتمّ اغتصاب الأطفال والرّجال و الفتيات جماعيّاً بطرق وحشيّة وبساديّة قذرة، ثم يتمّ تقتيل والتّمثيل بجثث الضّحايا وحرق بعضها، وهذا ما جرى بشكل منهجي أيضاً في البوسنة والهرسك، حيث كان يتمّ قتل الرجال واغتصاب جماعي للنّساء، بل كانت "الفتاة تغتصب حتّى تحمل ثمّ بعد ذلك يطلق سراحها" وهو ما جرى في سوريا حسبما أعلن الكثير من مؤسّسات حقوق الإنسان، وعلى رأسهم الحقوقيّان السّوريّان هيثم المالح ورامي عبد الرّحمن، بل يضاف على ذلك - سوريّاً- بتقطيع الأعضاء التّناسليّة للرّجال، هذه الجرائم تمّ اقترافها من قبل تلميذ آخر للرّوس في ليبيا أيضاً، ودفع ثمنها تنكيلاً وقتلاً عند القبض عليه من قبل الشّعب.

هدم المساجد والاعتداء على المقدّسات، اعتبار الرّوس وتلاميذهم في البوسنة وليبيا وسوريا أنّهم في معركة ضدّ الإسلام أو الاسلاميين، جعلهم يستبيحون كل المقدّسات، فلم يكن غريباً تركيزهم على قصف المساجد وهدمها، وذبح واعتقال وتعذيب وملاحقة أئمّة المساجد والتّنكيل بهم وبأهاليهم، بالإضافة إلى مهاجمة علماء الأمّة ومحاولة تشويههم، وحرق المصاحف والكتب العلميّة وتدنيسها، والعمل على إجبار المعتقلين على السّجود وتوحيد تلاميذ الرّوس بدلاً من الله عزّ وجل.

لا يمكن تبرئة قوى الإستعمار والإحتلال والدكتاتوريّة الأخرى من جرائم مشابهة، فقد أجرم الطّليان والإسبان والفرنسيون والإسرائيليون والأمريكان والبريطانيون وغيرهم بحقّ الشّعوب الّتي احتلّوها وحكموها، ولكن المنهجيّة الرّوسيّة وتطبيقات تلاميذها على الأرض تعتبر الأكثر وحشيّة وبدائيّة، و لا يوجد أمامها أيّ روادع أو خطوط حمراء، وتفعل أيّ شيء حتّى ولو كان مغطّى إعلاميّاً، وتغطّي أي نقص في المناهج الاحتلاليّة والاستعماريّة والدّكتاتوريّة الأخرى، ولا يردعها ما يردع أو يحرج الآخرين.

ذكر دبلوماسي روسي سابق على فضائيّة عربيّة أنّ مجزرة حماة في ثمانينيّات القرن الماضي تمّت تحت إشراف خبراء روس من الإتحاد السّوفيّاتي وبرضى وضوء أخضر غربي، بل أبدت بعض القوى الغربيّة عن ارتياحها للقضاء على الإسلاميين في سوريا في حينه، ما يجري الآن مشابه لما جرى في السّابق، ولكنّه يجري على الهواء مباشرةً، ويظهر بما لا يدع مجالاً للشّك أنّ أعداء حرّيّة الشّعوب هم نفسهم ولم يتغيّروا في طريقة تعاطيهم مع هذا الموضوع، ولكن ما تغيّر هو الشّعوب نفسها والّتي لن تسمح لهم ولا لأدواتهم وتلاميذهما بمصادرة هذه الإرادة بعد الآن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمة عنان المستحيلة .. محمد كريشان

2012-03-20

القدس العربي

الكل ينتظر نتيجة المهمة لكن لا أحد يتوقع معجزات. لا أحد يشكك في كفاءة كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومبعوثها الحالي مع الجامعة العربية المكلف بالملف السوري ولا في قدرته على ابتكار المخارج للاستعصاء القائم حاليا دونما استفزاز لأي كان، غير أن المشكل الان هو أن السلطة السورية ليست مستعدة لاستخلاص أي درس ولا المعارضة لأي تراجع بعد كل هذا الدم المسفوح والفظائع المرتكبة. الكل يتحدث عن حل سياسي لكن الوقت قد يكون فات على ذلك رغم أن لا أحد يجهل ما الذي يعنيه هذا من استمرار لمأساة السوريين المتفاقمة.

'مخيبة للامال' ... هذه أفضل صيغة دبلوماسية وجدها عنان لوصف الرد السوري على مقترحاته 'الملموسة' المتمثلة إجمالا في وقف القتل وسحب الجيش من الشوارع والشروع في حوار مع المعارضة حول انتقال تدريجي للسلطة. أراد أن يحافظ على شعرة معاوية مع أنها تكاد تكون قطعت منذ البداية.

أغلب التعليقات تجمع تقريبا على أن التفاوض مع دمشق مضيعة للوقت وأن رد 'لعم' الذي رد بها بشار الاسد على كوفي عنان تمثل قمة السخرية منه ومن مقترحاته على ما ذكر راجح الخوري في 'النهار'، ولم يشفع لهذه المقترحات انها جاءت غامضة لتجنب وضع الاسد علنا في زاوية خانقة. 'كوفي عنان طوق النجاة الاخير للأسد' ... كتبت مؤخرا في 'الحياة' راغدة درغام الخبيرة بأروقة الامم المتحدة وتعقيداتها ولكن المشكل أن كوفي عنان هو من يرى نفسه طوق النجاة هذا وليس بشار الاسد والفرق كبير طبعا.

المشكلة الاساسية، كما كتب محلل آخر هو عريب الرنتاوي في 'الدستور' أن النظام في دمشق مستفيدا من وضعه المتماسك والميداني على الارض قد نجح في مد حبل الكذب والمماطلة طويلا... فبعد ان كذب على الاتراك ولحس جميع وعوده الإصلاحية التي قطعها على نفسه أمامهم وكذب على الروس كما أوضح مؤخراً سيرغي لافروف الذي تحدث عن تأخر كبير في الإصلاحات ها هو يواصل اليوم نشر أكاذيبه على كوفي عنان.

يكفي هنا التأمل في بيان الخارجية السورية وهي 'ترحب' بزيارة الفريق الفني الذي شكله عنان لمناقشة مهمته في سورية والمفترض ان تتم في الايام القليلة المقبلة. البيان الذي تحدث عن أن دمشق 'ماضية في سعيها لايجاد حل سياسي للازمة' هو نفسه الذي يؤكد أنها ماضية كذلك في 'أداء واجبها في حماية مواطنيها ونزع أسلحة الارهاب ومحاسبة مرتكبيه'. هذا الكلام معناه تعالوا نتحدث في السياسة لكننا في الاثناء سنستمر في القتل!! من يقبل بذلك؟؟!! ثم إن دمشق ترى في 'الإصلاحات' التي قامت بها بمثابة إجراءات الانتقال الديمقراطي للسلطة في البلاد التي يطالب بها المجتمع الدولي مع أنها ليست كذلك لا في المضمون ولا في الشكل ولا في الهدف الذي لا يمكن أن يتضمن من وجهة نظر دمشق أي انتقال تدريجي للسلطة لغير الممسكين بها الان.

أقصى ما يمكن أن تقدمه دمشق الان، وهو ليس مضمونا بالكامل على كل، أن تبدي مرونة في وصول المساعدات الانسانية لمنكوبي الاحداث الاخيرة. في هذه الحالة، على فرض أنها تمت، يكون النظام قد سعى من وجهة نظره إلى التجاوب مع واحد من المطالب الدولية ومن ناحية أخرى حاول اختزال القضية في بعد إنساني إغاثي لا غير دون أي أفق سياسي للتغيير. الجيد هنا أن الكل واع بمثل هذا الاحتمال ولذلك لم يتردد كوفي عنان في مؤتمره الصحافي الاخير في جينيف في القول رغم تحفظه الشهير في الصياغات أن ' الهدف الاول أمامنا الان هو وقف العنف ووقف انتهاكات حقوق الانسان والسماح بوصول المساعدات الانساني وإكمال العملية السياسية لتحقيق طموحات الشعب السوري وتحقيق مصداقية للعملية السياسية'. إذن نحن أمام صفقة كاملة يريدها العرب والمجتمع الدولي أن تكون كذلك ويريد النظام في دمشق أن يميعها ويتعامل معها على طريقة التاجر الشاطر في البيع بالمفرق وليس بالجملة.

لعل وزير الخارجية الفرنسي هو أفضل من عبر عن إمكانية مواجهة العالم لهذه المعضلة في التعاطي مع النظام السوري وذلك حين أقر بوجود 'مأزق حقيقي' وب'صعوبة بالغة' في الرد على المعضلة الآتية 'هل يمكننا تجميد قرار (في الامم المتحدة) لا يكون سوى قرار إنساني من دون أي بعد سياسي تحت طائلة ترك المجازر تتواصل؟ أو هل ينبغي قبول هذه التسوية قليلة الأهمية تحت طائلة إطالة عمر النظام؟'.

الرئيس بشار الاسد وأركان حكمه واعون تماماً بمأزق المجتمع الدولي في التعامل معهم ولهذا يطمعون في اللعب أكثر على التناقضات التي يفرضها هذا المأزق. العنصر الوحيد الذي سيجبر هؤلاء على مراجعة حساباتهم ويجبر المجتمع الدولي على التعاطي معهم بحزم أكبر هو صمود السوريين أكثر وأكثر أمام آلة القمع الوحشية. وحدهم هؤلاء هم من سيحدد في النهاية جدول الاعمال الاجباري أمام الجميع. المأساة أن هذا لن يتم إلا بمزيد من الدماء.... للأسف الشديد جداً جداً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية .. الوعد بالاستنزاف الطويل يبقى قائماً .. غازي دحمان - دمشق

المستقبل

21-3-2012

بعد عام على الثورة، تدخل الأزمة السورية في نفق الاستنزاف، وهي مرشحة لأن تمتد في الأفق المنظور على الأقل، ولا يعود السبب في ذلك إلى عجز النظام عن قدرته على الحسم وعجز قوى الثورة عن الإطاحة بالنظام، ليس لهذا السبب وحده، على وجاهته، وإنما لأسباب أخرى ذات أبعاد إقليمية ودولية.

ربما من سوء حظ السوريين أن يتزامن إنفجار أزمتهم مع تحركات تكتوتونية في بنى وهياكل القوى الإقليمية والدولية، ومع حالة من التوتر والإنشداد وإنسداد أقنية التواصل بين مراكز القوى الإقليمية والدولية، بسبب حالة الفوضى والسيولة التي يعيشها النظام الدولي بشكل عام، وتبلور بعض القوى على هامشه، ومحاولة تفلت بعض الدول من الصيغ والقواعد التي وضعتها الولايات المتحدة الأميركية في العقدين الأخيرين، وهي في طريقها للانهيار جراء تراخي القدرة الأميركية وضعفها.

ويشكل الشرق الأوسط أبرز المناطق الرخوة المرشحة للإشعال جراء تراخي القدرة الأميركية ونفاد جهودها، ذلك أن هذا الإقليم قد شهد عبثاً أميركيا خطيرا في توازنات القوة فيه، كان من نتيجته صعود مكونات جديدة كان لها أثر بالغ في الواقع الجيوإستراتيجي الإقليمي المعقد أصلاً، إضافة لذلك، أسهمت الحروب الأميركية في المنطقة، خلال العقد الأخير، في بلورة جبهات تصارع جديدة مبنية على أسس الهويات والإثنيات والطوائف، وأوجدت مقابلاً لها دولاً ومراكز إقليمية مهمة.

وعلى مدار العقد الماضي كانت معضلة البحث الأميركي بمكونات المنطقة، ومن ثم حالة التراخي في القوة الأميركية، ترخي بظلالها على طهران وأنقرة ومنظومة التعاون الخليجي، حيث جرى دخول هذه القوى على خط التوتر والانقسام في ظل حالة من النهوض الهوياتي كمكون مستجد في عناصر القوة القومية، في إطار سعي هذه الدول إلى إيجاد مكانة لها في سلم التراتب الإقليمي الذي بدا أن تشكيله يتناسب مع فائض السيولة والفوضى في النظام الدولي المتحرك نزولاً وصعوداً على إيقاع حالة الإنعزال الأميركية غير المعلنة والملموسة في الأقاليم بشكل واضح وجلي.

ولا شك أن هذه المتغيرات تشكل معطيات حاكمة في بنية الحدث السوري وفي مساراته ومآلاته أيضاً لأسباب عدة منها.

- الموقع الإستراتيجي الذي تتيحه الساحة السورية لإمتلاكها مكانة في القلب من الناحية الجغرافية في الجسم الشرق أوسطي، أو بالتحديد، المقلب الذي تدور فيه أهم المتغيرات الإقليمية " ملامسته للبر التركي، ومحاذاته لإسرائيل، وقربه من العراق "، إضافة إلى حاجة منظومة التعاون الخليجي لها، لما تشكله من مدى حيوي وضروري في مواجهتها لإيران.

- الميزة التساومية التي تتيحها الساحة السورية، بوصفها بيئة خصبة للتعقيد، لا تملك الأطراف الفاعلة والمؤثرة إتخاذ قرارات حاسمة بشأنها، ولاتملك القدرة على التفرد في القرار، بإعتبار أن الحالة السورية تشكل نسيجاً مترابطاً وعمارة متماسكة الأحجار، من شأن العبث في هذا النسيج وتلك العمارة ان تؤذي كل الأطراف بما فيها إسرائيل ولبنان والعراق والخليج وتركيا وإيران، وإلحاق الضرر بمصالح روسيا وأميركا، وبالتالي فإن أي قرار نوعي بخصوصها يحتاج إلى توافقات ومساومات معينة يبدو فيها أنصار النظام السوري الأكثر راحة، رغم أنهم من الناحية الموضوعية يبدون كمن يقامر بمصالحهم.

- المكانة الأيديولوجية للنظام السوري بوصفه أحد أطراف حلف الممانعة وأخر بقايا الإشتراكية في المنطقة وواجهة علمانية وموقعاً متقدماً في وجه "الخطر الإسلامي"على إسرائيل وهو ما بدأت بعض التوجهات في كبريات الصحف الأميركية من التنبيه له.

هذه المعطيات يمكن ملاحظة إندراجها في واقع الصراع الحاصل في سورية، من خلال حالة الإنقسام والإستعصاء في مراكز القرار الدولي "مجلس الأمن" وحالة الإنقسام الإقليمي والذي يبدو ان لا طريق إلى حله في الأمد القريب.

غني عن القول، إن اطراف الأزمة في سورية لم تعد قادرة على إنجاز الحل لا بالقوة ولا بالطرق السياسية والحوار، حيث لم يعد أي منهما قادراً على التحكم في الحل لوحده بقدر ما بات دوره ينحصر في كونه إنعكاساً لمتغير القوة بين الأطراف التي تقف خلفه، والواضح في هذا السياق أن التصارع الدولي قد صادر مختلف أطراف الأزمة التي بات يمثل مصالحها ويعكس صراعاتها ولن تسمح بالتالي لأي منهما الخروج عن إعتباراته ومصالحه.

على درب الألام هذا تسير سوريا في المرحلة المقبلة، إذ تشير المعطيات إلى تفاهم ضمني بين القوى المتصارعة على الكعكة السورية إلى إطالة امد الصراع، ربما لبلورة التفاهمات والتوجهات، وضمان تحصيل المصالح والإمتيازات، ولحين إنجاز ذلك ثمة سوريون كُثر لا لزوم لهم في تفكير النظام والقوى المتصارعة يصلحون لتشغيل مكنة الموت في المرحلة القادمة، ثمة سوريون كثر على موعد مع الموت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقاب يحيى: شكراً للثورة.. أحييتنا..

موقع أخبار الشرق - الخميس، 15 آذار/مارس 2012

شكراً لها الثورة السورية في أنها صنعت الأمل، وضعت حلم أجيال وأجيال بالحرية والكرامة بين الأعين فأحيّت الوطنية السورية. فجّرت مخزون العقود من الكبت، والتهميش والظلم والامتهان والرعب والإخضاع والتغييب، والتوق للحرية، وإذ بسورية الخصب، والحضارة تستفيق بكل خلاياها، وتدخل الثورة البيوت كلها باعتزاز المنتمين إليها الذين يتنفسونها شوقاً، وأملاً..

المعارضة السورية التي أفنت عمرها في مقارعة النظام، والتي لم تستطع الاقتراب من أهدافها المطروحة بفعل تفاعل العاملين: العام الذي يخص دور النظام، والخاص المتعلق بانعكاس ذلك الفعل عليها ودخوله بامتزاج على خط الأزمة البنيوية.. تنشّطت وقد حقنتها الثورة وشبابها بدماء جديدة، وفرضت عليها التحديات أن ترتقي إلى مستوى المطلوب. والمطلوب كبير يفوق القدرات الذاتية، خاصة مع طغمة استثناء تستثمر الوضع الخاص لسورية لإجهاض الثورة قتلاً ودماراً وتهديداً للوحدة الوطنية، واستدعاء بأفعالها للتدخل الخارجي كي تستخدم ذلك ذريعة لمزيد من القتل والدمار.

كبيرة، عظيمة الثورة السورية بخصائصها، ومفاعلاتها وما أحدثته في كل الميادين، وهي فعلاً ثورة الاستقلال الثاني لأن هدفها الرئيس الذي لم تحد عنه: انتزاع الحرية والكرامة، وإقامة النظام الديمقراطي، بل التأسيس للدولة المدنية الديمقراطية التي هرسها نظام طغمة الاستبداد والفئوية والفساد وأدخلها قمقمه الفئوي، الطغياني، النرجسي، التوريثي، النهبي، والتي ستنهض على أنقاضه في جميع الميادين، وبما يتجاوز السياسي إلى الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وبالأساس من ذلك: الحريات الفردية والعامة، والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين السوريين بغض النظر عن جنسهم ودينهم ومذهبهم وقوميتهم.

نعم كانت الثورة مفاجأة المفاجآت بالنظر إلى خصوصية اللوحة السورية لجهة ما أنزله نظام الطغمة من نكبات ببلدنا وشعبنا ضمن معادلة واحدة قام عليها نظام الطاغية: الإخضاع بالقوة حتى التصفية، وتغييب الوعي في لجاج الفساد والإفساد المنهجين. سلاحه في ذلك أجهزة أمنية أخطبوطية امتدت في الجسد السوري من الرأس حتى أخمص القدمين، وراحت تنخر في الضمير والأخلاق لتحويل البشر إلى تابعين ومرتزقة وخونة لأخلاقهم وضمائرهم وعقائدهم، وتسليط النافذين من العائلة والمقرين والطائفة على الجيش للتحكم في كل مفاصله وضبط إيقاعه على حركة التأبيد، والتوريث الذي اشتلع بقايا الجهورية وكيان الدولة السورية وأدخلها بالإرغام بيت العائلة، والفئوية المحظية.

 ونظراً لطبيعة نظام الطغمة وما فعله بالمجتمع السوري عبر العقود، ولموقع بلدنا الجيوسياسي واستراتيجي تكتسب الثورة السورية طابع الاستثناء، ليس كثورة للاستقلال الثاني وحسب، بل لتأثيرها الكبير في المحيطين: العربي والإقليمي، وارتباط وقائعها وحصائلها بتلك الأبعاد، ذلك أن انتصارها سيكون بمثابة الزلزال المباشر على الأوضاع في لبنان والعراق، وصولاً لإيران، وامتداداته في عموم الإقليم، وعلاقة قيام نظام ديمقراطي بفلسطين، والكيان الغاصب، كون فلسطين كانت على الدوام القضية المركزية الأولى للسوريين بمختلف منابتهم واتجاهاتهم، ناهيك عن قضية الجولان المحتل وواجب تحريره وعودته للوطن الأم.

 نظام الطغمة ولمن "يتفاجأ" بممارساته الدموية التي تصل حدود ارتكاب فعل الإبادة، والجرائم المنظمة يجمع الفئوية المعجونة بالحقد، نرجسية الطاغية المؤسس، وهو تعامل مع الآخرين كخدم وعبيد مرفهين طالما ينفذون المطلوب منهم، حيث أطلق لهم عنان النهب والامتيازات، وهو يفيّشهم ويؤرشف لهم سجلات مليئة بموبقاتهم وعهرهم متعدد الأشكال، وتحويلهم إلى تبّع لا يملكون سوى التسبيح بحمد ولي النعمة، في حين تنظر كلط الطغمة للشعب برمته، بأحزاب المكعارضة، بالشخصيات ورموز الوطنية الوطنية السورية نظرتها للبعوض، بل لعدو يجب استئصاله، وهو ما كانوا يتبجحون به عن (جنتهم ونارهم).. ولم يتخيل وريث العته والجريمة أن مواطناً سورياً واحداً يمكن أن يتجاوز (الخط الأحمر) لما هو فوق بساطيرهم السميكة الموضوعة على رؤوس وكرامة وحرية وشرف المواطن.. فكيف بأطفال درعا الميامين يدشنون الثورة، ويطلقون شرارتها، وإذ بدرعا الشجاعة، ودرعا الأيقونة تفاجئ مل حساباتهم وتحمل الراية.. وإذ بالثورة السورية تتمرد على كل حسابات أجهزة الأمن وتقديرات الطغمة، ومن هنا كان الردّ العنيف الصادر عن عقلية الاستكبار، والاستهتار، وهو النتاج الوحيد الذي تقذف به مصانع الطغمة من الشبيحة والقناصة، وأجهزة الأمن، وصولاً إلى توريط الجيش السوري وتشويه تاريخه (ليست هي المرة الأولى التي يزجون بالجيش في صفقات مشبوهة: لبنان والعراق)، والدفع بمحورين: الفتنة والمؤامرة.

 نظام الطغمة الدموية مستعد لاقتراف كل جرائم الإبادة وأنواع الجرائم المنظمة دون تهويل أو مبالغة، ويمكن أن يذهب كما هو حاصل إلى حدّ دكّ المدن بالصواريخ والمدفعية والراجمات، وحتى بالكيماوي، وارتكاب القتل الشنيع، وعمليات التطهير، والاغتصاب، وتوجيه كلابه المسعورة المدربة للنهش باللحم الحي للمواطنين وارتكاب أفظع أنواع التمثيل، والتقصيب، ليس كتعبير عن مستوى الحقد والاحتقان وحسب، بل وأيضاً لزراعة التخويف والترويع، والإخضاع بالقوة، ولا مانع من التهجير القسري، أو النتيجة لآلاف المواطنين كي ينتشي المجرم بما يقوم به من تطهير، مع التأكيد على أن استخدام الطائفية الملونة بأصبغة مقاومة التدخل الخارجي، والمؤامرة هي الحصان الأخير الذي يمتطيه لإغراق البلاد في حرب يدفع إليها ابناء الطائفة العلوية في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، كما يستقدم بذلك التدخل الخارجي، بما فيه العسكري.. كي يعطي لنفسه مبررات أقوى لفعل القتل وارتكاب المجازر.

 إن الثورة السورية التي لخصت أهدافها بأنها ثورة الحرية والكرامة، وصاغت شعاراتها المعبرة: واحد واحد واحد الشعب السوري واحد، وكرّست في أسماء يوم الجمعة جوهر الوحدة الوطنية، انطلقت سلمية، سلاحها حناجر الشباب والصدور العارية التي واجهها نظام الطغمة بكل أنواع الفتك، الأمر الذي فرض عليها الانتقال إلى طلب الحماية الدولية لآرواح المدنيين، ثم الممرات الآمنة، والمنطقة العازلة، وبالوقت نفسه فإن رفض عديد الوطنيين من أفراد الجيش السوري توجيه اسلحتهم إلى صدور شعبهم، وتمرهم على الأوامر وانشقاقهم أوجد واقع الجيش السوري الحر، وأدخل طرفاً جديداً في المعادلة السورية بدأ بحماية التظاهرات السلمية، وكفّ يد الشبيحة والقناصة عن ممارسة فعلهم الدموي ثم تطور الظاهرة إلى تشكيل عسكري يمارس فعلاً مقاوماً ترنو إليه أعين وآمال السوريين أن يكون درعهم وذراعهم وإطارهم العسكري الوحيد الذي تناط به مهام الدفاع والمقاومة، وحصر عمليات التسليح به، وتنظيم مهماته ودوره وعلاقاته بما يتناغم وقوى الثورة في الحراك الثوري، والأطراف السياسية، خاصة المجلس الوطني باعتباره الإطار الأوسع والأكثر تمثيلاً للمعارضة السورية.

 إن تردد الوضع العربي والدولي في التعامل الفاعل بالشأن السوري يخفي مجموعة من الحقائق عرّتها الثورة السورية بجلاء. فالوضع العربي المتهاوي، والعاجز عن قيادة مبادرة قادرة على الفرض، ودعم وإنقاذ الشعب السور من المذابح المتواصلة، فتح المجال للتطلع نحو الهيئة الأممية، والدول الأجنبية.. التي بدورها تعاملت مع المسألة السورية وفقاً لحسابات مصلحية وسياسية لا علاقة لها بكل دعاوي حقوق الإنسان، والدفاع عن الحياة البشرية، حيث تختلط في تلك الحسابات مفاعيل عديدة على صعيد كل دولة، وبشكل عام، وتظهر البصمة الصهيونية جلية برفضها سقوط نظام ضمنته عقوداً في تأمين جبهة الجولان، وفي عمليات التفتيت القائمة على أسس مذهبية، والذي سيكون أكثر تأميناً لأمنها ومشاريعها كلما ضعف وتهاوى، وكلما دمر سورية، وأوصلها لحافة الحرب الأهلية.

 لا شك أن القوى الدولية الفاعلة تملك رؤى وقرارات بما يخص النظام السوري المجرم، وهي عملياً تسعى لإسقاطه لكن على طريقتها، وبما يخدم حساباتها واستراتيجياتها، فيما أطلقت عليه قبل أشهر بسياسة الدحرجة، التي تعني غرق الوضع السوري في القتل، والتطييف حتى يصبح التدخل الدولي بكل أشكاله مطلباً شعبياً ملحاً، وشبه جماعي، وطريق الخلاص الوحيد لإنقاذ حياة المواطنين، عندها تقرر تلك الدول الشكل والطريقة والتوقيت، وبانتظار ذلك سيكون على الشعب السوري الوحيد دفع فاتورة غالية جداً، واستنهاض كل قيم الكبرياء والشجاعة والإيمان كي يواصل مقاومته وثورته، معتمداً على قواه الذاتية، وتطوير وسائله المتاحة لتعديل ميزان القوى لصالحه، حتى وإن كانت إيران وحزب الله وقوى أخرى عراقية جزءاً من منظومة وقوى نظام الطغمة، كما تشير إلى ذلك عديد الوقائع.

 هذه اللوحة التي ترسمها الثورة السورية في ذكرى عامها الأول تبرز فيها التحديات كبيرة درجة الخطورة، وبالوقت نفسهتطرح على جميع فئات الشعب السوري، وبالأخص منهم قوى الحراك والشباب الثوري، وقوى المعارضة جميعها: القديمة والجديدة والقادمة العمل لتجاوز حواجز الفرقة، والتشتت واللقاء ضمن أطار واحد، أو صيغة تنسيقية من شأنها أن تزجّ بكل الإمكانات في خندقة المعركة الرئيس وليس في هوامشها أو حوافها، أو في تشتيت الجهود، وبلبلة اتجاه البوصلة الواضح.

إن الحراك الثوري وقد تجاوز مرحلة (الفطام) وأبرز قيادات شابة مؤهلة للقيادة، تملك وعياً نوعياً متطوراً، ويكتسب خبرات كبيرة من الميدان.. مطالب قبل غيره بوحدة الصف والأداة نحو إطار واحد للثورة، يمكن أن يكون تحالفاً وتنسيقياً يضافر بين كل الجهود ويوجهها نحو تحقيق السياسات والمهام اليومية والمتوسطة، ويتطلع غلى المستقبل بروحية بناء الدولة المدنية الديمقراطية. كما أن المجلس الوطني وقد اتسع وتوسع ليشمل نسبة كبيرة من قوى المعارضة، فإنه مطالب أن يقود حركة توحيدية كبرى لضمّ معظم أطراف المعارضة في صفوفه، بما فيها النخب المناضلة والشخصيات الوطنية المعروفة والمشهود لها بمواقفها ونزاهتها، كخطوة أولى للتفعيل والمأسسة وتعزيز الروح الجماعية، والديمقراطية في انتخاب المؤسسات، وفي التعامل مع جميع مكوناته الفكرية والسياسية.

 الثورة السورية تطوي عامها الأول في مرحلة انعطافية شديدة الحساسية، الأمر الذي يدعو جميع المؤمنين بها إلى وضعها نصب أعينهم، وليس أي شيء غيرها، وإعلان ولاء القسم لبذل كل الممكن في سبيل نصرتها..

 مع ذلك، ومع الهجمة الطغيانية لعصبة الإجرام، ومحاولتها استباق الزمن لإرجاعه بقوة القتل.. فالنظام يتآكل، ويتهربش ويضعف كل يوم، ويستحيل أن يستمر.. بينما يلوح فجر الحرية والخلاص في جثامين الشهداء، وإرادة الشباب المصمم. في عيون الأرامل والثكالى، وفي حناجر ودعاء المؤمنين...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : رمزية عملية التبادل .. عميد حي بعشرين جثمان للأطهار .. هنيئا لنا نصرنا الكبير الذي لم يشأ أن يقرأه أحد ..!! .. زهير سالم*

لم يعد يخفى على أحد أن مشروعا عالميا لإعادة الشعب السوري إلى بيت الطاعة الأسدي أصبح استراتيجية معتمدة على المستويات الدولية والإقليمية معا . وسياسات الترويض المتبعة في حدائق الحيوان أصبحت المرشد الذي يهتدي به المجتمع الدولي والإقليمي اليوم . استراتيجيتهم المختصرة : أعطوا الأسد فرصته المفتوحة ليفعل فعله ، وأعطوه الحرية ليقتل الرجال ، ويذبح الأطفال ، ويغتصب النساء ، ويهدم المدن ، واتركوا الضحايا وذووهم يدفعون الثمن حتى تلين عريكتهم ، ويتطرق اليأس إلى قلوبهم ؛ ولا تنسوا بين اللحظة والأخرى أن تعرضوا عليهم ( عنانا ) جديدا ليختار العنق المستهدف بين ( العنان والسكين ).

 

حتى بعض الأشقاء العرب الذين فاض بهم التأثر فغردوا خارج هذا الإطار تم سحب مفاعيل كلامهم ، إن لم نقل أدبا ، تم إسكاتهم.

 

يتحرك سياسيون ، ويحلل محللون ، ويخطب خطباء ، ويكتب كتاب ، ويتحدث متحدثون ؛ وكلهم يصرون على محاصرة هذا الشعب الذي عجز هذا العالم الذي يغزو المجرات ؛ أن يمده ولو بسيارة إسعاف أو بجرعة دواء ؛ بخيار وحيد هو الرضوخ في بيت الطاعة الأسدي ، والنزول تحت بساطير فرسان ( البيضة ) .

 

صمدت بابا عمرو لمدة شهر، قدمت فيه حمص أكثر من ألف شهيد ، في وجه جيش يصر المعتزون به أن يصنفوه ثامن جيش في العالم ، ليحسب فيما بعد الانسحاب التكتيكي الذي أقدم عليه الجيش الحر ، نصرا مؤزرا لبشار الأسد ولقواه المظفرة القائمة على الأرض.

 

ومع أنه لم يكن مطلوبا من بابا عمرو ان تتحول استراتيجيا إلى إمارة محررة وسط سورية . ومع أن الانسحاب الذي تم من بابا عمرو هو التصرف التكتيكي الذي يدل على رشد القيادة التي تقود العمليات على الأرض ؛ إلا أن شبيحة الإعلام الدولي والإقليمي والإسرائيلي والعربي والأسدي وبمن فيهم ( معارضة المعارضة ) السورية خرجوا يقرعون على طبل واحد يهللون لنصر النظام ولو بلغة التباكي على الشعب المسكين...

 

تجاهل الجميع في تحليلاتهم الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في بابا عمرو ، فهؤلاء في إصرارهم على فصل السياسة عن الأخلاق يعطون النظام الحق – عمليا – في فعل كل شيء ليجني ما يظنه ويظنونه نصرا ولو كان بحجم هزيمة النظام في بابا عمرو ..

 

مئات التحليلات السياسية كتبت على جميع خيوط الطول والعرض وبكل لغات أهل الأرض ، وعشرات الندوات التلفزيونية عقدت كلها تبني وتُعلي على نصر النظام في بابا عمرو الذي اعتبره أقطاب السياسة العالمية والإقليمية بالنسبة لنظام بشار الأسد مؤشر التحول في ميزان القوة :

فتح الفتوح تعالى أن يحيط بـه     نظم من الشعر أو نثر من الخطب

وجاء بالأمس نصر أهلنا في دوما . النصر الأخلاقي والسياسي والاستراتيجي ليمر عابرا دون أن يستحق وقفة أو تعليقا أو تأييدا !! ودون أن يستنبط منه أو يبنى عليه أو يؤشر إليه !!! لماذا لأنه يبشر بعكس ما يتمنون ويقلق في وطننا الذين في ريبهم يترددون ..

 

جاءت عملية التبادل بين العميد الأسير وجثامين الشهداء في دوما نصرا مؤزرا أكبر في دلالته الأخلاقية والسياسية والاستراتيجية من نصر بشار الأسد في بابا عمرو التي ما زال عاجزا عن وقف إطلاق النار فيها حتى ساعة كتابة هذا التقدير للموقف ..

 

هو نصر أخلاقي أولا لأن شباب دوما بيض الله وجوههم أثبتوا موقفا إنسانيا أصيلا بموقفهم من العميد الأسير موقفا إنسانيا وطنيا أخلاقيا ساميا وأسقطوا كل دعاوى النظام عن طائفية الثوار ودمويتهم ...

 

وهو نصر أخلاقي لأن هؤلاء الأبطال فيما فاوضوا عليه جثامين إخوان دربهم من الذين وفوا وقضوا فجاء الوفاء لجثامينهم الطاهرة عهد التزام على المضي في طريق الثورة حتى تحقق أهدافها بإذن الله وعونه وفضله ...

 

وهو نصر أخلاقي بما يرسله من رسالة إلى أسرة العميد الصغيرة ، والأسرة الوطنية الكبيرة نريد أن نعيش معا في ظل الأمن والعدل والحرية . لقد قال أبناء دوما بلسان كل الثوار : نحن أحرار سورية الملتزمون بالقيم الحاملون لراية الإخاء ولسنا مخلوقات غرائزية كالذين فتكوا في الجسد الوطني في بابا عمرو أو في كرم الزيتون ..

 

وهو نصر أخلاقي بما عرّاه من أخلاقية هذا النظام الذي جعل من جثامين أبناء الوطن – الذي يزعم أنه القيم عليه – ورقة للمساومة في ميدان أخلاقي إنساني تعفف عنه الغراب وهو يعلم قابيل كيف يواري سوأة أخيه ...

 

وهو نصر سياسي واستراتيجي لأنه في الوقت الذي عجز فيه مجلس الأمن وحلف الناتو ومنظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية أن تفاوض النظام على إدخال سيارة إسعاف إلى حمص استطاع شباب الثورة ورجالها وأبطالها أن يجروا هذا النظام إلى طاولة الندية وأن يفرضوا عليه شروطهم ...

 

التهنئة لأبناء سورية بنصرهم العظيم والدرس الأول من هذا النصر أن نصرنا نصنعه بأيدينا .. أيها الثوار اصنعوا نصركم واتركوا كل العالم يجري وراءكم ..

 

أيها السوريون كفوا عن اللهاث وراء مشروعات الآخرين نصرنا الاستراتيجي الأول صنعه أهلنا في دوما وأول الغيث قطر ثم ينهمر .. وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ..

31/3/2012م

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com