العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02 / 05 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 12 ـ

تابع .. المؤامرة يوم التنفيذ

الوجه الكالح

ويا لهول ذاك الذي حدث...

1ـ فقائد الجيش... (اللواء) أحمد سويداني، انهزم عن طريق (نوى) إلى دمشق تاركاً وحدات الجبهة ووحدات احتياط الجيش دون قيادة، واقعة في حيرة من أمرها، وقادتها لا يدرون ماذا يفعلون.

2ـ وقائد الجبهة... العقيد أ.ح أحمد المير[1]، غادر الجبهة فاراً على ظهر حمار لأنه لم يجرؤ على الفرار بواسطة آلية عسكرية، فالطيران المعادي كان يقضي على كل آلية يراها مهما صغر شأنها، ولكن الحمار عجز عن متابعة رحلة الهروب فتخلى عنه أحمد المير وأكمل الرحلة إلى دمشق على قدميه فلم يصلها إلا وقت تورمت قدماه وخارت قواه، وألقى بنفسه بين يدي أول صاحب مروءة لينقذه من حاله التي هو عليها.. وكان في حالة من الزراية يثير الضحك حقاً.

3ـ اتصل عدد من الضباط بقائد الجبهة قبل فراره فرفض التصرف، وقال لهم بالحرف الواحد: (أنا لست قائد الجبهة، اتصلوا بوزير الدفاع) فأقيم الاتصال مع وزير الدفاع، بواسطة الأجهزة اللاسلكية، وجرت الاتصالات بين (قمر1 وقمر2)[2] فأجاب وزير الدفاع: (أنه قد أخذ علماً بالوضع، وأنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة.) ؟

4ـ لجأ بعض الضباط من وحدات اللواء (80) احتياط إلى قيادة موقع القنيطرة بعد فقدانهم الاتصال بقائد اللواء وأي مسئول في قيادة اللواء.. فوجدوا المقدم (وجيه بدر) ماكثاً في القنيطرة يترقب الأخبار، ولما حاولوا أن يفهموا منه صورة حقيقية عن الوضع، تبين أنه لا يفقه شيئاً، وحاول الجميع الاتصال بقيادة الجبهة، فوجدوها خلواً من أي مسئول، عندها دب الفزع في قلوب عدد كبير منهم، واتخذوا وجهتهم نحو دمشق، طالبين النجاة بأرواحهم، تاركين جنودهم كتلاً لحمية تتدافع على الطرقات، يدوس القوي منها على الضعيف، وأنين الجرحى والمشوهين، يملأ سهول القنيطرة، وترجع أصداءه سفوح التلال المتباعدة المتناثرة هنا وهناك، لا يشوه هذا الأصداء، إلا أزيز الطائرات المعادية، وأصوات المكبرات المنبعثة من طائرات الهليكوبتر، ينادي بواسطتها الإسرائيليون جنودنا الفارين.. أن ألقوا أسلحتكم، تنجوا بأرواحكم، فيستجيب الفارون للنداء ويتخلصون من هذا السلاح، الذي أصبح اليوم مبعث تهديد لهم بالموت.. بدل أن يكون مستقراً للطمأنينة، ومبعثاً للثقة بالنفس، وعاملاً مشجعاً على الوقوف برجولة في وجه العدو الغازي.

5ـ عند فقدان كل الاتصالات، وانفراط عقد السيطرة القيادية الذي كان ينظم الوحدات كلها، أخذ كل من القادة الصغار يتصرف حسب هواه، أو حسب بداهته.

فالكثيرون هربوا.. نعم هربوا.. وأعطوا الأوامر لجنودهم بالهروب، والقلائل جداً ـ وهم من غير البعثيين ـ صمدوا وقاتلوا وظهرت بطولات فردية، سنتكلم عنها بعد قليل.

المهم.. أن الهرب من القتال، وتولية الدبر للعدو، قد بدأ مساء الخميس 8 حزيران، وبدأ يستشري ويتسع ويمتد، حتى بلغ ذروة تفاقمه يوم السبت، 10 حزيران بعد إذاعة البيان الفاجر، الذي أعلن سقوط القنيطرة، ولم يك جند العار قد رأوها بأعينهم بعد، بله أن تكون أقدامهم وطئت أرضها.

ومنذ صباح الجمعة، وحتى صباح الأحد 11 حزيران، شهدت أرض الجولان، وما حولها من أراض وطرقات مؤدية إلى دمشق أو إلى الأراضي اللبنانية، أو إلى منطقة حوران، أو إلى منطقة إربد شهدت هذه المناطق، منظراً، لو أتيح لعدسة تصوير أو ريشة رسام أن تحيط به كله مرة واحدة، لكانت لقطة من أندر ما عرف في تاريخ التصوير أو الرسم، ولبقيت صورة حية ناطقة شاهدة على ما أصاب هذه الأمة من عار وخزي، ولكانت أقوى حجة أمام محكمة التاريخ، تقودها إلى إدانة الحزب بالجريمة الكبرى، التي لم يعرف لها تاريخ المنطقة مثيلاً في العمق والدقة والإحكام... والفجور.

هذه الصورة المحزنة، التي اقل ما يمكن أن يقال عنها، أنها تقطع نياط القلوب، وتجرح كل كريم من هذه الأمة بجرح ينز دماً وألماً وحسرة، كيف يمكن للوصف أن يحيط بها، حتى يعطى للقارئ وللأجيال المقبلة، فكرة واضحة عن الذي حدث، وعن درجة الانهيار التي بلغتها هذه الأمة، في أسوأ طور من أطوار تخلفها وانحطاطها ؟

إننا لو حاولنا أن نتصور الطرق المعبدة (المفروشة بالإسفلت)، لرأيناها تغص بالحفر التي أحدثتها قنابل الطائرات المعادية، وقد نقشت أمامها أو خلفها وعلى جوانبها، بقع صغيرة من البياض الموسخ أحدثتها رشات الرشاشات المنبعثة من طائرات العدو، خلال انقضاضاتها المتتابعة المتكاثرة، على الأرتال والآليات الفرادى.

إن تلك الطرق.. قد أصبحت تشبه عقداً مشوهاً طويلاً متلوياً، تتابعت حباته بغير نظام، وهي آليات محروقة، أو حفر مسودة بتأثير النابالم أو عربات انقلبت خلال محاولتها الفرار من الطائرات المنقضة، والجثث المحترقة قد تناثرت هنا وهناك، والأسلحة تلمع في أشعة الشمس بعد أن أفلتت من أيدي حملتها وهم يهربون، أو بعد مقتلهم أو جرحهم، والإطارات قد تناثرت، وترى هنا وهناك، بقعاً من الزيت مشتعلاً أو مدخناً وأكواماً من الحديد، هي كل ما تبقى من العربات بعد احتراقها، وأبراجاً حديدية مزقتها القنابل، هي الدبابات والآليات المصفحة، بعد أن هجرها سدنتها للهروب، أو لتفادي الإصابات بنيران الطائرات.

هذه المناظر كنت تراها على الطرق المعبدة أو الممهدة، أما الأراضي الأخرى خارج الطرقات في السهول والمنحنيات، والأماكن التي ظن سالكوها أنها تغني عنهم شيئاً من غضب الطائرات المغيرة، فلقد كانت الصورة فيها أوسع وأكثر شمولاً وأبلغ تعبيراً عن المأساة الفاجعة.

فلقد غصت الأرض بأسراب الجراد البشري الزاحف (عسكريين ومدنيين)، يتحركون جميعاً كل إلى مأمنه لا يلوون على شيء، الضعيف يسقط وما من قوي يحمله أو يعينه على معاودة النهوض، وستشهد الأرض أمام باريها، عن هول ما قاسى الكثيرون من الناس (وخاصة المدنيون)، من جوع، وعطش، حتى اضطر الكثيرون ـ وخاصة الجنود ـ إلى الاقتيات بالأعشاب (أخضرها وجافها)، أو السطو على ما يصادفون من مزروعات تفادياً للموت في تلك المخمصة.

والدواب حملت ما خف من المتاع، وفوق كل كومة من ذاك المتاع، كنت ترى طفلاً أو أكثر، أو امرأة ، أو شيخاً وأفراد العائلة الآخرون، يمشون متهالكين خلف الدواب، والعيون قد تسمرت نحو هدف واحد، هو الوصول إلى دمشق أو إربد، أو إحدى القرى اللبنانية ـ أو درعا ـ.

إن الهول الذي صادفه (المنسحبون) الفارون، من كثرة الرؤى الفاجعة وأصوات، الأنين والاستغاثة والتنادي وعويل الثكالى والفاقدات أهلهن أو بكاء الأطفال الذين شردوا، وهاموا في الأرض لا أب يحنو، ولا أم تضم إلى صدرها ابنها ذا أو ذاك، والموج البشري يتتابع، وأرتال الجراد الزاحف تتلوى مع كل انحناءة أرض، أو نحو أي مصدر للطعام أو الماء، لتعب منه ثم تغذ السير حتى تصل إلى حيث تعتقد أنها نجت من الخطر.

إن هذا الهول الذي صادفه المنسحبون (الفارون)، قد أنساهم هول القصف الذي أنزلته على رؤوسهم طائرات العدو حين كانوا في مواقعهم.. وودوا لو يعودوا إليها، يحتمون بها ويردون عن الأرض أعداءها ولكن قد فات الأوان، ولم يبق أمامهم إلا الانسياح بين أمواج الفارين.. (حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس)[3].

نعم.. هكذا كان الانسحاب الذي نصر على تسميته بالهروب الكبير، أما الانسحاب المنظم (تحرفاً للقتال.. أو تحيزاً إلى فئة).. وكما تعلمناه وعلمناه الكثير من جنودنا وضباط الصف، الانسحاب، الذي نفهمه وتعلمناه على أنه حالة من حالات القتال.. لها أسسها وأساليبها وطرق حمايتها بالنيران والمناورة..

الانسحاب الذي نعلمه قتالاً منظماً مدروساً متتابعاً، يتم بضراوة وعنف يعرض لقوات العدو المتقدمة، ويحاول تأخيرها أو صدها عن متابعة التقدم، وينزل بها الخسائر كلما سنحت الفرصة لذلك، الانسحاب الذي نعلمه أسلوباً من أساليب المناورة والخداع، بغاية استعادة القوى وإعادة تجميعها والقذف بها مجدداً في وجه العدو الانسحاب الذي سبق أن مارسته جيوش محترمة، ونفذه قادة هم عباقرة الحرب.. أمثال خالد بن الوليد في تاريخنا القديم، وأمثال رومل في تاريخ العالم الحديث.

الانسحاب المشرف الشجاع.. الذي تمارسه القوات وهي في حالة معنوية ممتازة لا تقل عنها وهي مهاجمة أو مدافعة على خطوط الدفاع.

هذا الانسحاب.. لم تعرفه القوات السورية يوم عار حزيران، ولم تشهده الأرض السورية يوم مسرحية العار، بل كان الهروب الكبير والهزيمة الذليلة، والفرار الجبان، الذي دونه فرار الأرنب. كنت ترى خلاله موجات متلاحقة من الجند والسكان، تميل يمنة ويسرة من جوع ونصب ورعب، حتى ليخيل إليك من أن هؤلاء الناس ما هم إلا سكارى.. وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

6ـ ولقد كان القادة أول الفارين.. وأول من تبعتهم وحدات الدبابات (وخاصة اللواء السبعين، بقيادة العقيد عزت جديد) والكتائب التي يقودها كل من المقدم رئيس علواني والنقيب رفعت أسد[4].. التي تركت ساحة القتال وعادت إلى دمشق (لتحمي الثورة) والضباط الحزبيون على اختلاف رتبهم (الذين تركوا قواتهم وفروا إلى القيادة لحضور اجتماع حزبي هام) ! ثم انفرطت المسبحة على الشكل الذي بيناه.

(ك) ثم.. صدر البلاغ الكاذب، من إذاعة حزب البعث في دمشق (يوم السبت 10 حزيران، الساعة التاسعة والنصف صباحاً) يعلن سقوط القنيطرة بيد قوات العدو، ويحمل توقيع وزير الدفاع ـ اللواء حافظ الأسد ـ ويحمل الرقم 66. وكان هذا البيان، هو طلقة الخلاص[5].. سددتها يد مجرم إلى رأس كل مقاومة استمرت في وجه العدو رغم كل تلك المخازي، فانهارت القوى، واستسلمت المقاومات الفردية المعزولة، أو استشهد رجالنا.. وعلم الجميع أن لا أمل في متابعة القتال، لأن القيادة البعثية قد أنهت كل شيء، وسلمت للعدو الإسرائيلي مفاتيح أحصن وأمنع قطعة من أرض العرب، بل وتكاد تكون من أكثرها غنى ووفرة بالكنوز الدفينة من آثار ومعادن وخصب تراب، ووفرة مياه.

(ل) وقد يكون من المفيد أن نثبت في خلال سرد الوقائع هذا، تصريحاً لضابط لبناني، شهد المعركة يوم 9 حزيران، ورأى بأم عينه كيف اخترقت القوات الإسرائيلية تحصينات ومواقع القطاع الشمالي (قطاع بانياس) ففيه أضواء هامة على أبعاد النكبة.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن في هذه الرواية بعض الأخطاء، سنبينها بعد سرد الرواية كاملة، ونبين وجوه الصحة في الوقائع، مع ما يلزم من تعليق يأتي في حينه.

يقول الضابط اللبناني:

(بدأت أسراب الطائرات الإسرائيلية ـ وكان كل سرب مؤلفاً من أربع طائرات ـ تتدافع، سرباً أثر سرب، لضرب التحصينات السورية في (تل القاضي).

ومنطقة (تل القاضي) هي الجزء الوحيد من التحصينات السورية، التي لم تبن فيه المواقع الدفاعية بالأسمنت المسلح، لأن هذه المنطقة محصنة بشكل طبيعي، وتعتبر الصخور التي تحميها من أقسى وأقوى المواقع الجبلية في سورية.

ولم ندرك في البداية سر اختيار الإسرائيليين لهذه المنطقة بالذات، التي كانت الفكرة السائدة عنها أنها أصعب نقطة في التحصينات السورية.

واستمر ضرب الطيران الإسرائيلي للمنطقة بالقنابل والصواريخ حوالي الساعة، وعندما خف نشاط الطيران بدأ ضرب المدفعية.

ومع أن تحضير أرض المعركة من قبل المدفعية[6] يستغرق عادة بين الأربع والست دقائق، نظراً للمصروف الباهظ بالذخيرة، الذي يحتاجه ضرب المدفعية، إلا أن الإسرائيليين استمروا في الضرب حوالي 15 دقيقة انتهت بتوجيه كمية من قنابل الدخان الكثيف، دليلاً على بدء المعركة الفعلية على الأرض.

وفي الساعة العاشرة، تحرك لواء مدرع من جرافات البلدوزر الضخمة ـ وهي آليات مدرعة ولها جنزير، وبرج لحماية السدنة فيها ـ  وأخذت توجه جرافاتها المسنونة إلى الكتل الصخرية التي تحمي تحصينات موقع (تل القاضي) والتي كانت التقديرات العسكرية تؤكد استحالة اختراقها من قبل أسلحة الدروع.

ووقع ما لم يكن بالحسبان، واستطاعت مدرعات البلدوزر اختراق الصخور، وبعد ذلك أخلت الطريق للدبابات الإسرائيلية التي أخذت تتسلق الطريق في محاولة لتطويق التحصينات السورية وضربها من الخلف. وكانت كل دبابة مزودة بسيارتين مصفحتين، إحداهما للذخيرة والثانية للوقود.

وكان في برج المراقبة المشترك على الحدود السورية ـ اللبنانية ضابط سوري، كان المفروض أن يتصل بمقر قيادة الجيش السوري على الجبهة ليحيطها علماً بأخبار محاولة اختراق الجبهة بمدرعات البلدوزر وتعيين زوايا تحرك الدبابات الإسرائيلية بواسطة المنظار المكبر، لتتمكن المدفعية السورية من توجيه ضربات قاتلة إليها..

ولكن سرعان ما تبين أن الضابط السوري لم يكن يعرف لا استعمال المنظار المكبر ولا تعيين زوايا تحرك الدبابات وإبلاغها إلى سلاح المدفعية.

لقد كان الضابط السوري وطنياً مندفعاً، ومن أشد المتحمسين للنظام القائم، ولكنه كان معلم مدرسة، لم تمض عليه أكثر من ستة أشهر في الجيش وبالتالي لم تكن لديه أية مبادهة عسكرية، أو معرفة في القتال.

ومع ذلك، فلم يكن لذلك أية أهمية، لأن المعركة في الأساس لم تكن معلقة على مقدرة ضابط برج المراقبة بقدر ما كانت متوقعة على مقدرة القيادة السورية على الجبهة، للقيام بهجوم مضاد يقوم به اللواء المدرع الذي لم يصب ـ وهو في تحصيناته ـ بالقذف الجوي. وذلك في الوقت الذي تكون فيه المدرعات الإسرائيلية قد وصلت إلى رأس (تل القاضي) أي في اللحظة التي تعتبر منتهى الإرهاق بالنسبة للمهاجم.

في تلك الدقائق الحاسمة، أخذت الدبابات السورية تخرج من تحصيناتها.. ولكن المفاجأة التي أذهلتنا أن هذه الدبابات بدلاً من القيام بهجوم معاكس مضمون النتائج، اتجهت نحو القنيطرة.

لماذا ؟.. ما هي الحكمة ؟..

إلى الآن، لم أستطع أن أعرف، وبالتالي أن أفهم، ولاسيما أن القنيطرة سقطت بعد ذلك بدون قتال، وبإعلان مسبق بالإذاعة...

وقد وقع أثناء انسحاب اللواء المدرع السوري حادث طارئ، كشف عن مدى الخسائر التي كان يمكن إلحاقها بالمدرعات الإسرائيلية لو قامت الدبابات السورية بالهجوم المعاكس.

لقد تعطلت إحدى الدبابات بالصدفة، بعد تعطل جنزيرها، وكانت هذه الدبابة في أواخر الرتل السوري المنسحب، ولم يكن أمام قائد الدبابة إلا أن يحارب، فأدار مدفعه إلى الخلف، واستطاع عن مكانه، وخلال دقائق معدودة، أن يدمر ست دبابات، ويوقف تقدم الإسرائيليين.

واستنجد العدو بالطائرات، فدمرت الدبابة السورية الشجاعة بصاروخ جوي، ولولا ذلك لاستطاعت تدمير 15 دبابة إسرائيلية على الأقل، قبل أن تصاب وتحترق[7].

يتبـــــــــع


[1] - في هذه المناسبة، يقودنا الواجب إلى استطراد بسيط نستوقف القارئ خلاله برهة لنذكره بأمور هامة سبق أن جرت في تاريخ الجيش والبلاد، لتلقي ضوءاً ساطعاً يكشف جوانب خطيرة من البلوى التي نزلت بهذه الأمة. فلو عدنا إلى عام 1963 ـ أي قبل النكبة والعار الأكبر بأربع سنوات تقريباً ـ وعلى وجه التقريب في شهر تشرين أول من العام نفسه، صرح القائد أحمد المير (وكان يومذاك برتبة مقدم)، لإحدى الصحف اليسارية قائلاً: (لقد اشتاقت سلاسل الدبابات للنزول إلى دمشق، لسحق المؤامرات) وجاء هذا التصريح، بعد ما لا يزيد عن أربعة أشهر على حادث 18 تموز الذي نفذه الناصريون بزعامة جاسم علوان، وهاجموا يومها الأركان العامة ودار الإذاعة وبعض المعسكرات الهامة، ثم فشلت المحاولة هذه، وأعقبتها موجة من أعمال الإعدام والإرهاب، والاعتقالات.. وكان للواء السبعين المدرع، دور كبير جداً في إحباط تلك المحاولة، حيث نزلت الدبابات فعلاً بسلاسلها، لتنشر الرعب والإرهاب بحجة قمع المؤامرات. وحين صرح العقيد المذكور بذاك التصريح، كان قائداً لذلك اللواء، الذي حوله الحزب الحاكم في سورية، من وحدة ضاربة ضد أعداء البلاد، إلى وحدة ضاربة ضد الشعب كله.

    وعقب حرب حزيران العار، عين العقيد هذا عضواً في القيادة القومية لحزب البعث، مكافأة له على دوره في (.. خدمة الحزب والثورة). =

= وفي عام 1965، وعقب موجة من قرارات التأميم، أصدرتها السلطة في سورية، وشملت عدداً من المؤسسات الصناعية والتجارية، قام اللواء أحمد سويداني ـ وكان يومذاك رئيساً لشعبة المخابرات وبرتبة مقدم ـ قام بتدبير مؤامرة جر إليها الشعب كله وفي مقدمته طبقة التجار وقسم من علماء المسلمين، وحدثت يومها مجزرة الجامع الأموي في دمشق، وأعقبتها موجة رهيبة من الاعتقالات وأحكام الإعدام، وقام السويداني نفسه بالإشراف على أعمال التعذيب والاضطهاد وإهانة علماء وفضلاء المجتمع.. في ظل رئاسة وتشجيع الفريق أمين الحافظ رئيس الدولة يومذاك.

    هذان موقفان بارزان لقائدين، هما أكبر قائدين مباشرين يجب أن يسألا، عن الذي حدث في الجبهة (الجولان) خلال حرب حزيران من عام 1967، ووقوفهما ضد الشعب الأعزل المغلوب على أمره، أردنا أن نذكر بهما، ليكونا نموذجين واضحين لموقف كل رجال السلطة البعثيين وأتباعهم، ضد الشعب كله، ولإجراء المقارنة بينهما وبين مواقف الأشخاص أنفسهم، ضد عدو البلاد الأخطر والأكبر، وفي هذا ما يغني عن كثير من البيان.

[2] - نموذجان للرموز التي يتم بها التخاطب عبر الأجهزة اللاسلكية، وهما يرمزان إلى وزير الدفاع، وقيادة الجبهة، وهذه الرموز اصطلاحية يتم تغييرها بين آونة وأخرى...

[3] - مثل عامي معروف في دمشق يستعمل للتعبير عن الحالات التي تعم فيها البلوى. فيستسلم المرء لها وهو يولي نفسه بأنه ليس الوحيد الذين نزلت المصيبة به.

[4] - المقدم رئيف علواني، هو من أبرز الضباط البعثيين الذي ساهموا (بأيديهم) في أعمال القتل ـ التي سموها إعداماً ـ عقب محاولات انقلاب 18 تموز التي قام بها الناصريون في عام 1963، وأحبطها اللواء السبعون بالاشتراك مع وحدات المغاوير بقيادة النقيبين سليم حاطوم وسليمان العلي.

    والنقيب رفعت الأسد هو  ـ غالباً ـ  شقيق الفريق حافظ الأسد، وقد كلف هذا الضابط منذ تخرجه من الكلية الحربية ـ وحتى اليوم ـ بحماية مطاري (المزة والضمير) العسكريين اللذين هما مرتكز شقيقه الفريق حافظ الأسد.

[5] - طلقة الخلاص، أو طلقة الرحمة، هي رصاصة واحدة، يطلقها آمر مفرزة الإعدام على رأس المحكوم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص وذلك بعد تنفيذ الحكم به.. وغايتها التعجيل بوفاته للتخفيف عن آلامه وعذابه.

[6] - تحضيرات المدفعية للهجوم (رمايات التمهيد).

[7] - مجلة الحوادث، العدد رقم 604، تاريخ 7/6/1968 (عن كتاب المسلمون والحرب الرابعة).

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ